تمهيد القواعد

- الشهيد الثاني المزيد...
648 /
7

مقدمة التحقيق‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و بعد، فقد تاهت العقول، و حارت الأذهان، و عجز الخيال، و خابت الآمال، و حكم الصمت، و سيطر الخشوع أمام عظمة الخالق المتعال. فما تلفظت الشفاه إلا بتحميده، و ما نطقت الألسن إلا بتسبيحة و تقديسة.

نحمدك اللهم، رب العزة و الجلال، سبحانك العظيم المتعال، تقدست و تعاليت، و على العرش استويت، سبوحاً قدوساً، ربنا و رب الملائكة و الروح.

و إذ أذنت لنا بالدعاء، فنبدؤه بالصلاة على النبي الأمي، قمة الأخلاق، و ذروة الكمال، أب الكائنات، صانع المعجزات، محمد النبي الأمين.

و الصلوات الدائمات، و البركات الناميات، على آله المعصومين، و أوصيائه المنتخبين، أولهم علي أمير المؤمنين، و خاتمهم القائم المهدي (عجل اللَّه تعالى فرجه).

اعلم: أنه إذا قيست علوم الناس إلى علوم النبي و أهل بيته، فإنها تكون كقطرة في بحر، و كل ما تلقّي منهم من العلوم، فهو خير و شفاء و رحمة للعالمين، و خيرها و أشرفها و أعظمها نفعاً هو علم الفقه، و معرفة الأحكام الشرعية، و لا تخفى أهمية علم الفقه على أحد.

8

و من المعلوم أنّ الوصول إلى علم الفقه بعد زمان النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الأئمة المعصومين، يحتاج إلى وسائل و مقدمات، و أهمها علم أصول الفقه، و علم قواعد العربية.

و المعروف من تعريف علم الأصول: أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية، و هذا الكتاب هو تمهيد القواعد المذكورة في التعريف، و تمهيد بعض قواعد العربية.

نشأة علم الأصول‏

الباحث بعينٍ بصيرة عن منشأ العلوم الإسلامية، و بدايات تدوينها، يصل بالنتيجة إلى أنّ الأساس في كل ذلك، هو النبي (صلى اللَّه عليه و آله)، و أهل بيته (عليهم السلام)؛ و يليه ابنه الإمام أبو عبد اللَّه الصادق (عليه السلام)، فقد أمليا فيه على جماعة من تلامذتهما قواعده و مسائله.

و قد جمع بعض المتأخرين ما وصل من تلك المسائل، و رتّبها على الترتيب السائد اليوم، ككتاب «أصول آل الرسول» و كتاب «الفصول المهمة في أصول الأئمة» و كتاب «الأصول الأصلية» كلها بروايات الثقات إلى أهل البيت، و هي مطبوعة، من شاء فليراجعها.

و أول من أفرد بعض مباحثه بالتصنيف: شيخ المتكلمين هشام بن الحكم، تلميذ الإمام الصادق (عليه السلام)، صنّف كتاب «الألفاظ» و مباحثها أهم مباحث علم الأصول.

ثم يونس بن عبد الرحمن، مولى آل يقطين، تلميذ الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، صنّف كتاب اختلاف الحديث و مسائله، و هو مبحث‏

9

تعارض الحديثين، و مسائل التعادل و التراجيح في الحديثين المتعارضين، رواه عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام). ذكر ذلك أبو العباس النجاشي في كتاب الرّجال.

و كثر بعدهما التصنيف بين العامة و الخاصة في هذا العلم، و أولوه اهتماماً بالغاً. و تشعبوا في طرق البحث فيه، و أهم الطرق المعروفة هي: طريقة المتكلمين، و طريقة الفقهاء.

طريقة الفقهاء

هي طريقة الحنفية، و هي طريقة بدائية، اعتمدوا فيها: استخلاص القواعد الأصولية من الفروع الفقهية المنقولة عن أئمتهم. و ذلك بجمع المسائل الفقهية المتشابهة، و من ثم استنباط القواعد المشتركة منها.

و روح هذه الطريقة هي: إخضاع الأصول للفروع الفقهية، و تأسيس القواعد الأصولية على وفق فتاوى علماء الحنفية، أو تطويعها على ضوء تلك الفتاوى.

هذا مما يجعل الفقه هو الّذي يتحكّم بالأصول.

و لكن مع كل ذلك فهي تمتاز بتوثيق الارتباط بين الأصول و الفقه.

و أهم مصنفات أرباب هذه الطريقة هي: مأخذ الشرائع لأبي منصور الماتريدي، و كتاب الأصول للكرخي، و أصول الجصاص، و تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي، و كتاب البزودي و شرحه كشف الأسرار، و أصول السرخسي.

طريقة المتكلمين‏

و هي الطريقة السائدة، و يعني أصحابها بطرح المسائل الأصولية، و من ثم الخوض في الأدلة العقلية و النقليّة، و بالنتيجة إثبات ما اقتضته هذه‏

10

الأدلة، مع قطع النّظر عن الفروع الفقهية.

و هذه الطريقة تجعل الأصول هو الّذي يتحكم بالفقه.

و مصنفات أرباب هذه الطريقة هي: جعل مصنفات الإمامية في الأصول، و من مصنفات العامة هي: الرسالة للشافعي، و إثبات القياس للأشعري، و اختلاف الناس للأشعري أيضا، و شرح رسالة الشافعي للصيرفي، و التقريب و الإرشاد للباقلاني، و المعتمد لأبي الحسين البصري، و البرهان للجويني، و المنخول و المستصفى للغزالي، و المحصول للرازي، و الإحكام في أصول الأحكام للآمدي.

و هناك مصنفات جمعت بين الطريقتين، منها: بديع النظام، الجامع بين أصول البزودي و الإحكام للساعاتي، و التنقيح لصدر الشريعة، و التحرير لابن همام، و جمع الجوامع للسبكي، و مسلّم الثبوت لمحب الدين، و شرحه فواتح الرحموت.

تخريج الفروع على الأصول‏

هذه طريقة ثالثة نشأت بعد تلك الطريقتين، و سبب نشوئها يعود إلى:

وجود بعض الإشكالات في الطريقتين السابقتين، و إلى وجود فائدة في نفس هذه الطريقة.

أما الفائدة فهي- كما ستعرف- أنها توضح أثر الاختلاف في الأصول على استنباط الأحكام الشرعية، و على الفقه.

و أما الإشكالات في الطريقتين السابقتين، فإنه من المعلوم أن طريقة المتكلمين و إن كان لها الأثر الكبير في تنظيم أبحاث علم الأصول، و نفي التكرار عنه، و رفع الغموض منه، و منع التشابك بين الأبحاث، و بالتالي فإنها فتحت المجال أمام الباحثين لإعمال الدقة اللازمة، و التفريع في آحاد المسائل‏

11

الأصولية، و أعطتهم الحرية الأكثر في اختيار ما هو أوفق، و أقرب لحكم العقل. لكنها و بمرور الزمن أوجدت فجوة كبيرة بين الأصول و الفقه، بحيث صار تطبيق القواعد الأصولية في الفقه أمراً صعباً، و لا يعرف أثرها في الفقه.

و من ناحية أخرى، فإن طريقة الفقهاء فيها كثير من التشابك، و الإغلاق، و التكلف، و التقيّد بآراء لا أساس لها، بحيث أصبحت مرفوضة، بل في طي النسيان.

و لذلك دعت الحاجة إلى طرح القواعد الأصولية- مع قطع النّظر عن الفقه- و الاختلافات الموجودة فيها، و من ثم بيان الفروع التي تطبق فيها القاعدة، و بيان أثر اختلاف الأصوليين في الفقه، و تخريج الفروع على الأصول.

و بذلك كان لهذا الفن ثمرتان، الأولى: ربط الأصول بالفقه، و الثانية:

بيان أثر الاختلاف في الأصول على الفقه.

و مع ذلك هناك مصاعب واجهها أرباب هذا الفن، و تتلخص في قلة الفروع المترتبة على كثير من القواعد، و أن أكثرها لا يمكن تصور الثمرة له إلا في الطلاق المتعدد، أو المعلّق على الشرط أو الإقرار، أو مسائل الأيمان و النذور، التي يمكن فيها فرض شروط تطبق فيها القاعدة، و إن لم يكن لها مصداق في الخارج.

و أما الكتب المصنّفة في هذا الفن، فهي معدودة، و قليلة جدّاً، و نذكر منها:

1- تخريج الفروع على الأصول، للزنجاني، المتوفى سنة 656، يتعرض فيه لمذهب الحنفية و الشافعية في الأصول، و بيان أثر اختلافهم في الفقه.

2- مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، للتلمساني المالكي‏

12

المتوفى سنة 771، و قد استعرض فيه أثر الخلاف بين المالكية و الشافعية و الحنفية.

3- التمهيد في تخرج الفروع على الأصول، للأسنوي الشافعي، المتوفى سنة 772. و اعتمد فيه بيان اختلاف الأشاعرة و الجمهور مع غيرهم، و يمتاز عن غيره بتوسعة في ذكر قواعد أكثر و فروع أكثر.

4- تمهيد القواعد الأصولية و العربية، للشهيد الثاني، المتوفى سنة 965، و سنبحث عن خصوصياته لاحقاً.

و يمكن عد كتب أخرى في رديف هذه الكتب، ككتاب المصباح للمرتضى، و تأسيس النّظر لأبي زيد الدبوسي، و القواعد و الفوائد للشهيد الأول. لأنها جمعت بين الأصول و الفقه، و ذلك بذكر الأمثلة العديدة للقواعد الأصولية.

قواعد العربية

من الأمور التي يتوقف عليها استنباط الأحكام الشرعية هي القواعد العربية. و أثر الاختلاف فيها بين النحويين في الفقه كثير جدّاً. و كذا الاختلاف بين اللغويين.

و لكن المشاهد هو عدم الاهتمام بالأبحاث اللفظية بالشكل المطلوب، و هذا يحدث- و للأسف- متزامناً مع شدة الحاجة إليها، فإن الابتعاد عن زمان صدور الروايات، و كثرة حدوث النقل في ألفاظ اللغة العربية، بحيث حلّت محل أصالة عدم النقل أصالة النقل.

هذا بالإضافة إلى ظرافة استعمال السابقين للغة العربية، و التعبير بالكنايات، و المجازات، بشكل واسع، كل ذلك حتم على الطالب أن يسعى لأن يكون لغوياً، و من ثم مستنبطاً للأحكام الشرعية، و لا أقل من الاهتمام الجاد

13

في مجال الألفاظ و اللغة.

و من هنا اعتقد أن فقه السيد المرتضى أقوى مستنداً، و أوثق عرىً، فإنه استعاض عن ظاهر الروايات المتضاربة المتعارضة، بالاعتماد على تضلعه بالعربية، و قدرته على كشف ألغازها، و النفوذ إلى معانيها، فقد قيل عنه: أنه يفرع في الفقه بجانب تخصصه في الأدب، حتى كان عز الدين أحمد بن مقبل يقول: لو حلف إنسان أن السيد المرتضى كان أعلم بالعربية من العرب لم يكن عندي آثماً.

تخريج الفروع على القواعد العربية

و الكلام في هذا الفن كالكلام في الفن السابق، لكثرة التشابه بينهما فهرسةً و عاقبة، و دخلهما في عرض البعض في استنباط الأحكام الشرعية، و تأثير الاختلاف فيهما في الفقه.

و لكن لما كانت علوم العربية تبحث مستقلة، و مع قطع النّظر عن الفقه، تولدت الحاجة لإيجاد الربط بينها و بين الفقه و بيان أثر الاختلاف فيها في الفقه.

و لكن الكتب المصنفة في هذا الفن قليلة و نعد منها:

1- الكوكب الدري للأسنوي الشافعي المتوفى سنة 772.

2- تمهيد القواعد الأصولية و العربية، للشهيد الثاني المتوفى سنة 965.

الشهيد الثاني‏

هو الشيخ الأجل زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن تقي الدين بن صالح الشامي العاملي.

ولد الشهيد في سنة 911 هجرية، في قرية جبع، من قرى جبل عامل،

14

في لبنان، و استشهد سنة 965 في القسطنطنية.

قيل في وصفه: إنه كان ربعة من الرّجال، بوجه صبيح مدور، و شعر سبط يميل إلى الشقرة؛ أسود العينين و الحاجبين، أبيض اللون. كأن أصابع يديه أقلام فضة.

إذا نظر الناظر في وجهه، و سمع لفظه العذب، لم تسمح نفسه بمفارقته، و تسلو عن كل شي‏ء بمخاطبته؛ يمتلئ العيون من مهابته، و تبتهج القلوب لجلالته.

ولد الشهيد في عائلة نذرت نفسها للدين و العلم. فقد كان أبوه من كبار أفاضل عصره، و كان كل أجداده المذكورين من الفضلاء المشهورين، و جده الأعلى الشيخ صالح من تلاميذ العلامة، و أخوه و بعض بني عمومته كانوا علماء أفاضل.

و أما أبناؤه فقد تسلسل فيهم العلم و الفضل زمانا طويلًا، و سموا بسلسلة الذهب.

و على أي حال فقد كان الشهيد فلتة من فلتأت الدهر، و مفخرة من مفاخر الإسلام، و منعطفاً في تاريخ العلم، و مدرسة للأجيال. تراه عالماً عاملًا، زاهداً عابداً، فقيهاً ماهراً، كادّا على عياله، صابراً محتسباً، و مشاركاً في جميع العلوم الإسلامية.

و ما ظنك برجل يحرس الكرم ليلًا، و يطالع الدروس أو يشتغل بالعبادة؛ و في الصباح يلقي الدروس على الطلبة، و يحتطب لعياله، و يشتغل بالتجارة أحياناً، و يباشر بناء داره و مسجده الّذي هو إلى جنبها في قرية جبع، فكان زاهداً قانعاً جادّاً كادّا للمعاش و المعاد.

15

دراسته و أساتذته‏

ختم الكتاب العزيز و عمره تسع سنوات، و قرأ على والده فنون العربية و الفقه في جبع إلى أن توفي والده سنة 925.

و قرأ عند الشيخ علي بن عبد العالي في الفقه في ميس.

و درس عند السيد حسن بن السيد جعفر في الكلام و الأصول في كرك نوح.

و اشتغل في دمشق على الفيلسوف شمس الدين محمد بن مكي في الطب و الهيئة و الحكمة.

و قرأ في علوم القراءة على الشيخ أحمد بن جابر الشاطبية.

و اشتغل في مصر على جماعة من العلماء يزهو على ستة عشر عالماً في مختلف العلوم و الفنون، من الحديث، و الفقه، و الأصول، و التفسير، و الهيئة، و العروض، و القوافي، و قراءة القرآن، و الهندسة، و الجبر، و النحو، و غيرها، و أجازه كثير منهم.

و هكذا تراه- (قدس سره)- لم يقر له قرار، يتقلب في البلدان طلباً للعلم و بهمة عالية، لم يكتف بجانبٍ من العلوم، بل لم يدع علماً من العلوم حتى قرأ فيه على مشاهير العلماء، و بعدها ألّف في كثير من تلك العلوم مؤلفات قيمة، و الفقه أظهر و أشهر فنونه.

و بلغ به علو الهمة إلى قراءة كتب العامة في جلّ الفنون، و رواية أكثرها بالإجازة، و طاف البلاد لأجل ذلك، كدمشق، و مصر، و فلسطين، و إستانبول.

16

بقية حياته‏

و لما عاد إلى موطنه من مصر و الحجاز، كان قدومه إلى البلاد كرحمة نازلة، أو غيوث هاطلة، ازدحم عليه أولوا العلم و الفضل، فرتب الطلاب ترتيباً جيداً، و أوضح السبيل لمن طلب، و شرع بتأليف الكتب القيمة.

ثم سافر إلى العراق لزيارة الأئمة سنة 946، و رجع تلك السنة، ثم سافر إلى بلاد الروم سنة 951 و أقام بقسطنطنية ثلاثة أشهر، و أعطوه المدرسة النورية ببعلبك، و رجع و أقام بها، و درّس في المذاهب الخمسة مدة طويلة.

تلامذته‏

و ممن تتلمذ على يده: السيد نور الدين علي بن الحسين الموسوي والد صاحب المدارك، و الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي والد الشيخ البهائي، و الشيخ البهائي، و السيد علي بن الحسين الحسيني صاحب شرحي الإرشاد و الشرائع، و بهاء الملة و الدين محمد بن علي العودي و هو من خواص تلاميذه، و غيرهم.

الشهيد أنموذج الوحدة

يعد الشهيد نموذجاً حياً للوحدة الإسلامية، فتراه يدرس مذاهب العامة على علمائها، فقد اشتغل على كثير من علماء الشافعية كالشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي، و الشيخ ناصر الدين الطبلاوي الشافعي، و الشيخ شمس الدين محمد بن عبد القادر الشافعي؛ و من علماء الحنفية كالشيخ شمس الدين بن طولون الدمشقي الحنفي، و من علماء الحنبلية الشيخ شهاب الدين بن النجّار الحنبلي، و من علماء المالكية الشيخ زين الدين الجرمي المالكي، و

17

الشيخ المحقق ناصر الدين اللقاني المالكي.

و لما التزم المدرسة النورية ببعلبك، أقام فيها خمس سنين، يدرِّس في المذاهب الخمسة، و يعاشر كل فرقة بمقتضى مذهبهم.

و تراه يمضي في كتبه- و بالخصوص هذا الكتاب- على نفس السيرة، فينقل المطالب الصحيحة من كتب العامة و الخاصة على السواء، و ينقل بعض الاصطلاحات من كتب العامة و طريقتهم إلى كتب الخاصة، و هذا مشهود في كتبه.

مؤلفات الشهيد

تعد مؤلفات الشهيد مشاعل خالدة، تستنير بنورها الأجيال، احتوت على الإتقان و الإبداع.

فكتابه الروضة البهية، أهم كتاب يدرّس إلى هذا اليوم، لم يحل محله كتاب آخر؛ و أهم كتبه: مسالك الأفهام، و الروضة البهية، و روض الجنان في الفقه، و تمهيد القواعد الأصولية و العربية، و مسكن الفؤاد عند فقد الأحبة و الأولاد، و الدراية و شرحها في علم الدراية. و تبلغ مؤلفاته الثمانين.

مأسي الشهيد و شهادته‏

مارس الشهيد أعماله على مر الأيّام و الأعوام، في حالة الخوف على دمه، و ذلك نتيجة تعصبات العامة، و الضغوط و المحاصرة التي يفرضونها على الخاصة. و بالإضافة إلى ذلك كان يدبر معاشه، و ينقل الحطب بنفسه.

و من ناحية ثالثة فقد مات له أولاد كثيرون قبل الشيخ حسن الّذي كان لا يثق بحياته أيضا، و لأجل ذلك صنف كتاب مسكن الفؤاد في الصبر على فقد الأحبة و الأولاد.

18

و سبب شهادته أنه ترافع إليه رجلان، فحكم لأحدهما على الآخر، فغضب المحكوم عليه، و ذهب إلى قاضي صيدا، و اسمه «معروف الشامي» فأرسل القاضي إلى جبع من يطلبه، و كان مقيماً في كرم له مدة، منفرداً عن البلد للتأليف، فقال له بعض أهل البلد قد سافر عنا. فخطر ببال الشهيد أن يسافر إلى الحج بقصد الاختفاء، فسافر في محمل مغطى.

و كتب قاضي صيدا إلى سلطان الروم: أنه قد وجد ببلاد الشام رجل مبدع، خارج عن المذاهب الأربعة، فأرسل السلطان رجلًا في طلب الشيخ، و قال له: ائتني به حياً حتى أجمع بينه و بين علماء بلادي، فيبحثوا معه، و يطلعوا على مذهبه، فيخبروني، فأحكم عليه بما يقتضيه مذهبي فجاء الرّجل فأخبر أن الشهيد قد توجه إلى مكة، فذهب في طلبه، فاجتمع به في طريق مكة، فقال له: تكون معي حتى نحج بيت اللَّه ثم افعل ما تريد، فرضي بذلك.

فلما فرغ من الحج سافر معه إلى بلاد الروم، فلما وصل إليها رآه رجل فسأله عن الشهيد، فقال رجل من علماء الشيعة الإمامية، أريد أن أوصله إلى السلطان، فقال: أ فلا تخاف أن يخبر السلطان بأنك قد قصرت في خدمته و آذيته، و له هناك أصحاب يساعدونه، فيكون سبب هلاكك؟ بل الرّأي أن تقتله و تأخذ رأسه إلى السلطان، فقتله في مكان من ساحل البحر، و دفن هناك، و أخذ الرّجل رأسه إلى السلطان، فأنكر عليه، و قال: أمرتك أن تأتيني به حياً، فقتله.

الشهيد و التمهيد

جمع الشهيد في هذا الكتاب بين فني: تخريج الفروع على الأصول، و تخريج الفروع على القواعد العربية، و بحق أن هذا الكتاب هو أفضل الكتب‏

19

التي صنفت في هذا المجال، لأنه يظهر عند مقارنة هذا الكتاب مع سائر الكتب:

أن الشهيد كان واقفاً على نقاط الضعف الموجودة في سائر المصنفات، فتجنّبها بمهارة تامة.

و من نقاط الضعف: خروج أكثر المصنفين عن الطريق المؤدي إلى الغاية المرسومة لهذا الفن، و الدخول في بحوث جانبية، و التطويل الزائد، و إيراد فروع لا تترتب على القواعد، و إلصاقها بها.

فاعتمد الشهيد السعيد الاختصار، و الاكتفاء بماله دخل في الهدف الّذي صنفت له هذه الرسالة و أمثالها و عدم تجاوزه، و الاقتصار على الفروع المحقّق ترتبها على القاعدة، و لا أقل من الفروع التي استند فيها البعض إلى القاعدة.

و لم يكتف الشهيد بذكر القاعدة و الخلاف فيها، و لكن طعمه بذكر الدليل في بعض الأحيان، كما سار عليه في كتابه الروضة البهية. و لا يعد هذا إخلالًا بالغرض، بل المقترح هو ذكر الأدلة و النقض و الإبرام، و من ثم التفريع، ليكون تاماً من كل جهة، و ممهداً لاستنباط الأحكام الشرعية بمعنى الكلمة.

و لا بد من الإشارة إلى المصاعب التي واجهها الشهيد في تصنيف هذا الكتاب، فقد واجه الشهيد مصاعب كثيرة، و تتلخص في سبقه إلى التصنيف في هذا الفن بين علماء الإمامية، و كل ما هو موجود من الكتب المصنفة في هذا الفن، فهو موضوع على وفق قواعد العامة الأصولية و الفقهية، و بيّنا سابقاً أن أكثر الفروع التي أوردوها متعلقة بالطلاق المتعدد و المشروط، و التي لا مشروعية لها عند الإمامية، و لهذا واجه مشكلة في التفريع في كثير من القواعد.

و حل الشهيد هذه المشكلة: إما بتحري الفروع النادرة، أو العدول من الطلاق إلى الظهار، لأنه يقبل التعليق على الشرط عند بعض علمائنا، أو إلى اليمين أو النذر أو العتق أو الطلاق، أو التفريع بالطلاق مع التذكير أنه على وفق مذهب العامة، فيقول مثلًا: مما يتفرع عليه عند العامة، أو مما فرع عليه‏

20

العامة، و هكذا.

و لكن مع كل محاولته تلك، التجأ إلى إيراد ألفاظ الحديث الواردة من طرق العامة فقط، و البحث حول تطبيق القواعد عليها، و لكنه استقى منها ما ورد مضمونه من طرقنا، و طرح الباقي.

و هنا يبقى المجال مفتوحاً للمحققين لممارسة هذا الفن، و تطويعه مع قواعد الإمامية، و ألفاظ حديثهم، و مواكبته مع التقدم الشامخ في مجال علم الأصول.

و على أي حال، كتاب التمهيد كنز ثمين، جمع الأصول، و قواعد اللغة العربية، و الفقه، و بالأخص المسائل النادرة، التي لم يتعرض لها العلماء، بالإضافة إلى الوقائع و الأحداث التأريخية الطريفة، كل ذلك في اختصار غير مخل.

و أعجب ما في هذا الكتاب الاختصار و الإيجاز الموجود فيه، حتى قيل: إنه (أي الشهيد) لما رأى كتابي التمهيد و الكوكب الدري، كلاهما للأسنوي الشافعي، أحدهما في القواعد الأصولية، و الآخر في القواعد العربية، و ما يتفرع عليها، و ليس لأصحابنا مثلهما، ألف هذا الكتاب، و جمع بين ما في الكتابين في كتاب واحد، بنحو يثير الدهشة.

و نحن نقول: إن الأمر أبلغ من ذلك كما بينا أولا، و بالإضافة إلى المزايا الأخرى للكتاب، التي تكلمنا سابقاً عنها، فلقد أحسن و أجاد فلله درة و جعل الجنة مستقره.

تحقيق الكتاب‏

اعتمدنا في تحقيق هذه الرسالة القيمة على نسختين خطيتين:

1- نسخة المكتبة الرضوية المرقمة 7334، و التي تم نسخها سنة 968

21

على يد السيد محمد بن علي بن محمد الموسوي سبط المؤلف، و المعروف بصاحب المدارك، و هي نسخة مضبوطة و مصححة، و هي الأصل الّذي اعتمدنا عليه، و رمزنا لها برمز «د».

2- نسخة المكتبة الرضوية المرقمة 13856، و التي تم نسخها سنة 987 بخط حسين بن عيسى الحوري، و رمزنا لها برمز «م».

و أشرنا إلى بعض الاختلافات مع النسخة الحجرية و رمزنا لها برمز «ح».

كان أول عملنا مقابلة النسخ الخطية و تثبيت الاختلافات، و من ثم تقويم النص، بتثبيت نسخة الأصل في المتن، و الإشارة إلى النسخة الأخرى و النسخة الحجرية في الهامش غالباً، إلا ما كان خطأ واضحاً، فإنا اخترنا الصحيح من غير نسخة الأصل.

هذا مع تصحيح الأخطاء النحوية و الإملائية، و تزيين المتن بالفواصل المعقولة.

و عملنا في المرحلة الثانية كان في الهامش، و هو عبارة عن استخراج أغلب الأقوال، و جميع الروايات، و إضافة بعض التوضيحات.

و في الختام نتقدّم بالشكر و التقدير للإخوان الذين ساعدونا في إنجاز هذا المشروع و نخصّ بالذكر إخواننا في مركز الأبحاث و الدراسات الإسلامية، لتحصيل بعض المخطوطات للكتاب و إعانتهم إيّانا بتوجيه بعض الإرشادات في تصحيح المتن و تكميل العمل.

مكتب الإعلام الإسلامي، في الحوزة العلميّة في قم فرع المشهد المقدّس‏

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

بسم اللَّه الرحمن الرحيم ربّ يسّر و أعن‏

مقدمة المؤلف‏

الحمد لله الّذي وفّقنا لتمهيد قواعد الأحكام الشرعية، و تشييد أركانها بتوطيد القواعد العربية (1)، و جعل ذلك عرضة للسعادة الأبدية، و وسيلة إلى الكرامة السرمدية. و الصلاة على نبيه محمد مظهر الأسرار الخفية، و البيّنات الجلية، و على عترته الأئمة التقية، و ذريّته الطاهرة الزكية، المؤيدة بالعصمة الإلهية، و الطهارة الخلقية؛ الحافظة للدين من تطرّق الآراء الغوية، و الأوهام الرديّة، و على صحابته الأنجم المضيّة، و أزواجه الصالحة المرضية.

و بعد، فإنّ علم الفقه لا يخفى شرفه و فضله، و جلالة قدره و نيله،

____________

(1) في «م»: بتوطين القواعد العربية، و في «د»، «ح» بتوطيد القوانين العربية.

24

و مسيس حاجة المكلفين إليه، و إقبال الخلق عليه، و عناية اللَّه تعالى به خاصة، حتى رفع قدر حامليه على غيرهم من العلماء، و جعلهم ورثة الأنبياء، و فضّل مدادهم على دماء الشهداء، و رجّح منامهم على قيام الجهلاء، و نظم جليسهم في سلك السعداء.

فوجب لذلك مزيد الاهتمام بصرف الهمة إليه، و بذل الوسع في تحقيق مطالبه، و ما يتوقف عليه.

و (لما) (1) كان أعظم مقدماته علم أصوله و علم العربية إذ الأول قاعدته و دليله، و الثاني مسلكه و سبيله، و غيرهما من العلوم إما غير متوقف عليه كعلم الكلام، إلا ما لا بد منه في تحقّق الإيمان؛ (2) أو يتوقف عليه (دونهما) (3) و معه يكفي الرجوع فيه إلى الأصول المصححة في ذلك الشأن، كالحديث و أصوله، و اللغة و نحوها من المقدمات المقرّرة (4) في مواضع تليق بها من المصنفات، فلا جرم رتّبنا هذا الكتاب- الّذي قد استخرنا اللَّه تعالى على جمعه و ترتيبه- على قسمين:

أحدهما: في تحقيق القواعد الأصولية، و تفريع ما يلزمها من الأحكام الفرعية.

و الثاني: في تقرير المطالب العربية، و ترتيب ما يناسبها من الفروع الشرعية.

و اخترنا من كل قسم منهما مائة قاعدة متفرقة من أبوابه، مضافة إلى مقدمات و فوائد و مسائل يتم بها المقصود من غرضنا به، ليكون ذلك عونا

____________

(1) أثبتناه من «ح».

(2) في «م»: تحقيق الإيمان.

(3) في «ح»: دركهما.

(4) في «ح»: المفردة.

25

لطالب التفقه في تحصيل ملكة استنباط الأحكام من الموارد و رد الفروع إلى أصولها، المفيد للملكة القدسية التي هي العمدة في الاجتهاد، مراعيا في ذلك سبيل الاختصار بحسب الإمكان، مناسبة لطباع أهل الزمان. و سمّيته «تمهيد القواعد الأصولية و العربية لتفريع قواعد الأحكام الشرعية».

و اعلم أنّ الغرض الذاتي من هذين العلمين للفقيه إنما هو بناء أدلة الفقه عليهما، لا تفريع نفس المطالب. و نحن لم نسلك في هذا الكتاب هذا السبيل لإفضائه إلى الإطناب و التطويل، لأن كل مسألة دوّنها الفقهاء و كل حديث ورد في أبواب الفقه يمكن ردّه إلى بعض هذه الأصول، فيطول ذيل الكلام في ذلك، و لكنا سلكنا في تفريع المسائل على الأصول المذكورة مسلكا آخر، و فرّعنا المسائل الفقهية على نفس القاعدة، من غير مراعاة الدليل المذكور إلا ما شذّ. و اللَّه تعالى أسأل أن يعصمني من الخلل في الإيراد، و يوفّقني على منهج السداد، إنه أكرم من أفاد، و أعظم من سئل فجاد.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

القسم الأول في قواعد الأصول الفقهية

و فيه مقاصد

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

المقصد الأول: في الحكم‏

و فيه بابان‏

الباب الأول: في الحكم الشرعي و أقسامه‏

مقدمة: الحكم الشرعي: خطاب اللَّه تعالى؛ أو مدلول خطابه، المتعلّق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.

و زاد بعضهم: أو الوضع‏ (1) ليدخل جعل الشي‏ء سببا أو شرطا أو مانعا، كجعل اللَّه تعالى زوال الشمس موجبا للظهر، و جعله الطهارة شرطا لصحة الصلاة، و النجاسة مانعة من صحتها؛ فإن الجعل المذكور حكم شرعي، لاستفادته من الشارع، و لا طلب فيه و لا تخيير، إذ ليس من أفعالنا حتى يطلب منّا أو نخيّر فيه.

و تكلّف المقتصر على الأول بمنع كونها أحكاما، بل هي أعلام له؛ أو

____________

(1) منتهى الوصول: 23، الإحكام للآمدي 1: 136، و حكاه عن الأصوليين في سلم الوصول: 29، و عن بعضهم في مسلم الثبوت راجع فواتح الرحموت 1: 54.

30

بعودها إليها، إذ لا معنى للسببية إلا إيجاب اللَّه تعالى الفعل عنده، و للشرطية كذلك و نحوه عنده [1] و المانعية إلا التحريم، و هكذا.

و هو تكلّف بعيد، و مع ذلك فيتخلف‏ (1) كثيرا في أفعال غير المكلفين، كما ستقف عليه [2].

إذا تقرّر ذلك: فمن فروع كون الحكم الشرعي لا بدّ من تعلّقه بأفعال المكلفين أنّ وطء الشبهة القائمة بالفاعل- و هي ما إذا وطئ أجنبية ظانا أنها زوجته مثلا- هل يوصف بالحل، أو الحرمة و إن انتفى عنه الإثم، أو لا يوصف بشي‏ء منهما؟ فاللازم من القاعدة الثالث، لأن الساهي ليس مكلفا.

و ربما أبدل بعضهم «المكلفين» «بالعباد» ليدخل مثل ذلك، التفاتا إلى تعلّق الحكم الشرعي بكثير (2) من غير المكلفين، كضمان الصبي ما يتلفه من الأموال، و يجنيه على البهائم.

و الأشهر اعتبار (القيد) (3) و جعل المكلّف بذلك هو الولي.

و على هذا يتفرّع جواز وصف فعل الساهي للمحرّم على غيره بالحل، نظرا إلى عدم ترتب الإثم على فعله.

____________

[1] يعني: و لا معنى للشرطية إلا إيجاب اللَّه تعالى الفعل و نحو ذلك عنده.

[2] من أنه لا يمكن عود الأحكام الوضعيّة في حق غير المكلفين إلى أحكام تكليفية، لأجل عدم تصور التكليف في حقهم. انظر قاعدة: 3.

____________

(1) في «د»: فيختلف.

(2) في «م»: إلى أن تعلّق الحكم الشرعي يكون.

(3) في «م»: العقل. و المراد بالقيد هنا هو قيد «المكلّفين». فالمشهور أخذه في التعريف، انظر المحصول 1: 15، و المستصفى 1: 55، و مسلّم الثبوت (فواتح الرحموت) 1: 54.

31

و يجري ذلك في قتل الخطأ، و أكل المضطر الميتة، و الأولى وصف هذا بالإباحة و إن حرم اختيارا.

و منها: ما لو أتلف الصبي أو المجنون مالا، فعلى مغايرة الحكم الوضعي للشرعي لا إشكال، فيتعلق بهما الضمان، لأن إتلاف مال الغير المحترم سبب في ضمانه، و الحكم الوضعي لا يعتبر في متعلّقه التكليف؛ و لكن لا يجب عليهما أداؤه ما داما ناقصين، لأن الوجوب حكم شرعي؛ نعم يجب على وليهما دفعه من مالهما. و لا فرق بين أن يكون لهما مال حال الإتلاف و عدمه.

و منها: ما لو أودعا ففرّطا؛ فإنه لا ضمان، لأن حفظ الوديعة غير واجب عليهما، لأنه من باب خطاب الشرع، و لو تعدّيا فيها فأتلفاها أو بعضها ضمنا، لما ذكرناه.

و في هذين خلاف مشهور بين الأصحاب، و الموافق منه للقاعدة ما قررناه.

و منها: ما لو جامع الصبي أو المجنون، فإنه لا يجب عليهما حينئذ الغسل، لأنه من باب خطاب الشرع أيضا، و لكنّ الجماع من قبيل الأسباب التي يشترك فيها المكلّف و غيره، فيجب عند التكليف عليهما الغسل بذلك السبب السابق، إعمالا للسببية.

و لا يقدح فيه تخلّف المسبب عنه لفقد الشرط، كما لا يقدح تخلّفه عنه لوجود المانع، فإذا وجد الشرط أو (1) زال المانع عمل السبب عمله.

و مثله القول بوجوب الوضوء بالحدث الأصغر الواقع قبل التكليف، لو حضر وقت عبادة مشروطة به بعده، قبل وقوع حدث موجب له حينئذ. و نظائر ذلك من الأحكام كثيرة.

____________

(1) في «د»: و.

32

قاعدة «1» الأصل لغة: ما يبنى عليه الشي‏ء (1).

و في الاصطلاح يطلق على:

الدليل، و الراجح، و الاستصحاب، و القاعدة.

و من الأول، قولهم: الأصل في هذه المسألة الكتاب و السنة.

و من الثاني: الأصل في الكلام الحقيقة.

و من الثالث: تعارض الأصل و الظاهر.

و من الرابع قولهم: لنا أصل، و هو أنّ الأصل يقدّم على الظاهر، و قولهم: الأصل في البيع اللزوم، و الأصل في تصرفات المسلم الصحة، أي القاعدة التي وضع عليها البيع بالذات و حكم المسلم بالذات اللزوم و صحة تصرفه، لأن وضع البيع شرعا لنقل مال كل من المتبايعين إلى الآخر، و بناء فعل المسلم من حيث هو مسلم على الصحة.

و ذلك لا ينافي (نقضه) (2) بدليل خارجي، كوضع الخيار في البيع، و عروض مبطل لفعل المسلم و تقديم الظاهر على الأصل في موارد.

و أما قولهم: الأصل في الماء الطهارة، فيجوز كونه من هذا القسم و هو الأنسب، و أن يكون من قسم الاستصحاب.

و الفقه لغة: الفهم‏ (3). و اصطلاحا: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.

____________

(1) المصباح المنير: 16. (أصل)

(2) في «د»: وضعه.

(3) «المصباح المنير: 479، النهاية لابن الأثير 3: 465. (فقه)

33

و احترزنا ب «الأحكام» عن العلم بالذوات، كزيد؛ و بالصفات، كسواده؛ و بالأفعال، كقيامه.

و ب «الشرعية» عن العقلية، كالحسابيات و الهندسة. و عن اللغوية كرفع الفاعل، و كذلك نسبة الشي‏ء إلى غيره إيجابا ك «قام زيد» أو سلبا ك «لم يقم».

و ب «العملية» عن العلمية، كأصول الدين، فإنّ المقصود منها هو العلم المجرّد، أي الاعتقاد الخاصّ المستند إلى الدليل.

و ب «المكتسب» عن علم اللَّه تعالى، و هو مرفوع صفة للعلم.

و بقولنا «من أدلتها» عن علم الملائكة، و علم الرسول الحاصل بالوحي؛ فإنّ ذلك كله لا يسمى فقها، بل علما.

و بقولنا «التفصيلية» عن العلم الحاصل للمقلّد في المسائل الفقهية، فإنه لا يسمى فقها، بل تقليدا، لأنه أخذه من دليل إجمالي مطّرد في كل مسألة.

و ذلك لأنه إذا علم أنّ هذا الحكم المعيّن قد أفتى به المفتي، و علم أنّ كل ما أفتى به المفتي فهو حكم اللَّه تعالى في حقه، فيعلم بالضرورة أنّ ذلك المعيّن حكم اللَّه تعالى في حقه، و يفعل هكذا في كل حكم.

و على التعريف إيرادان مشهوران:

أحدهما: أنّ الفقه غالبا من باب الظنون، لكونه مبنيا على العمومات، و هي ظنية الدلالة بالنسبة إلى جميع الأفراد؛ و على أخبار الآحاد و الاستصحاب و غيرها من المظنونات، فكيف يعبّرون عنه بالعلم؟! و الثاني: أنّ الأحكام جمع معرّف، فيفيد العموم، و هو لا يتم في جميع المجتهدين أو أكثرهم؛ لأن كل واحد منهم لم يعلم جميع الأحكام، بل بعضها أو أكثرها؛ و من ثم عبّر الآمدي بقوله: هو العلم بجملة غالبة من الأحكام‏ (1)، فرارا من الثاني.

____________

(1) الإحكام في أصول الأحكام 1: 7.

34

و أجابوا عن ذلك بأنّ الظن في طريق الحكم، لا فيه نفسه، و ظنية الطريق لا تنافي علمية الحكم. و أنّ المراد بالعلم التهيؤ له بالقوة القريبة من الفعل، و (1) أنّ تردد المجتهد يستلزم الحكم بتخييره و تخيير المستفتي في الأخذ بأحد الطرفين.

و الأسدّ في الجواب عن الأول: أنه يراد بالعلم معناه الأعم، و هو ترجيح أحد الطرفين و إن لم يمنع من النقيض، و حينئذ فيتناول الظن، و هو معنى شائع، سيما في أحكام الشرع.

و عن الثاني: بأن يراد بالعلم هنا الملكة، كما يفهم ذلك من قولهم:

فلان يعلم العلم الفلاني، يعني أنّ له ملكة يقتدر بها على فهم ما يرد عليه من مسائله، لا أنها حاضرة عنده بالفعل.

هذا بحسب الاصطلاح، و قد يطلق الفقه عرفا على تحصيل جملة من الأحكام و إن كان عن تقليد؛ و هو معنى شائع الآن.

إذا تقرر ذلك: فيتفرع على ما ذكروه من تعريفه مسائل كثيرة، كالأوقاف، و الوصايا، و الأيمان، و النذور، و التعليقات، و غيرها.

فإذا وقف على الفقهاء مثلا، فإن أراد المجتهدين أو غيرهم انصرف إليهم، و إن أطلق فالأولى حمله على المعنى العرفي، فينصرف إلى من حصل جملة من الفقه و لو تقليدا، بحيث يطلق عليه اسمه عرفا.

و لا يرد أنّ الأول معنى شرعي و هو مقدّم على العرفي، لمنع شرعيته، بل هو معنى اصطلاحي، و العرف العام أشهر منه.

قاعدة «2» ينقسم الحكم الشرعي إلى الخمسة المشهورة،

و هي: الإيجاب،

____________

(1) في «د»، «م»: أو، و ما في المتن من «م».

35

و الندب، و التحريم، و الكراهة، و الإباحة.

و وجه الحصر فيها: أنّ الحكم إن اقتضى الفعل اقتضاء مانعا من النقيض فهو الأول، أو غير مانع منه فهو الثاني؛ و إن اقتضى الترك اقتضاء مانعا من الفعل فهو الثالث؛ أو لا معه فهو الرابع؛ و إن لم يقتض شيئا منها بل تساوى الأمران فهو الخامس.

و يرد على هذا التقسيم أمور:

أحدها: مكروه العبادة، كالصلاة في الأماكن و الأوقات المكروهة، فإنّ الفعل راجح، بل مانع من النقيض مع وصفه بالكراهة المقتضية لرجحان الترك، و من ثم قالوا: إنّ المراد بمكروه العبادة ناقص الثواب خاصة، و هو اصطلاح مغاير لقاعدة الأصوليين؛ و موجب لانقسام المكروه إلى معنيين: عام و خاص.

و ثانيها: مستحبها، مع كونه واجبا، و ذلك في الواجب المخيّر، حيث يكون بعض أفراده أفضل من بعض، فإنه يوصف بالاستحباب، مع عدم جواز تركه لا إلى بدل.

و ثالثها: أنهم حصروا الأقسام في الفعل، مع أنّ الفقهاء قد استعملوه فيه و في الترك، كقولهم: يكره ترك الرداء للإمام، و يكره ترك التحنّك، و غيرهما، و هو كثير. و كذا يقولون: يستحب ترك كذا، إذا كان فعله مكروها، و هو خارج عن الأقسام.

و زاد بعض متأخري الأصوليين أمرا سادسا، سمّاه «خلاف الأولى» هربا من الأول‏ (1). و هو حسن.

و حينئذ تنافي اتصاف الفرد المرجوح من العبادة بأصل الرجحان، فإن مرجوحيته بالإضافة إلى غيره من أفرادها الّذي هو أولى منه و إن اشتركا في‏

____________

(1) أي: الإشكال الأول.

36

أصل مصدرية الرجحان و هو أولى من تسميته مكروها، لرجحان فعله في الجملة، و لا يندفع الأول إلا بذلك.

و أما الثاني، فالاستحباب المتعلق بالفرد الكامل من أفراد المخير لا يقوم غيره مقامه مع جواز تركه؛ و البدل الحاصل من فعل الآخر إنما هو بدل الفرد الآخر من حيث الوجوب، لا الاستحباب، إذ لا يشتمل على فضيلة المتروك، فالاستحباب فيه عيني، و الوجوب تخييري، فلا منافاة.

و بهذا يظهر أنّ محلهما مختلف، إذ محل الوجوب أمر كلي، و محل الاستحباب جزئي شخصي؛ و هو أظهر في عدم التناقض.

و أما الثالث، فمبنى جعلهم الحكم متعلق بالفعل على أنّ المكلف به لا بد أن يكون فعلا؛ ليمكن إحداثه و تركه؛ إذ الترك عدمي لا قدرة على تركه، لاستلزامه تحصيل الحاصل.

و من ثم جعلوا التكليف به متعلقا بإيجاد ضده، أو توطين النّفس عليه هربا من ذلك‏ (1).

و معنى كراهة الترك يرجع إلى كراهة الفعل المشتمل عليه أو نحو ذلك.

إذا تقرر ذلك فيتفرع على القاعدة المذكورة فروع كثيرة أمرها واضح بعد ما قررناه.

و ذلك كالطهارة بالماء المسخّن بالشمس للأحياء، و بالمسخن بالنار للأموات، و الصلاة في الأوقات الخمسة و الأماكن المشهورة، و استحباب الجهر بالبسملة في مواضع الإخفات و بالقراءة في الجمعة و ظهرها على قول، و الجمعة في حال الغيبة، و قراءة سورة معيّنة في بعض الفرائض و النوافل، و الهرولة بالسعي في مواضعه، و الجهر للإمام بأذكاره الواجبة، و الإخفات‏

____________

(1) التمهيد للأسنوي: 98، منهاج الأصول (نهاية السؤل) 2: 305.

37

للمأموم و صوم المندوب سفراً، و المدعو إلى طعام، و يوم عرفة مع الضعف عن الدعاء أو اشتباه الهلال و غيرها.

قاعدة «3» الحكم الوضعي أيضا خمسة أقسام، و هي: السبب، و الشرط، و العلة، و العلامة، و المانع؛

كالوقت، و الطهارة، و البيع بالنسبة إلى الملك، و الإحصان بالنسبة إلى الحد الخاصّ؛ و الحيض بالنسبة إلى العبادات المشروطة بالطهارة. و يمكن رد العلة إلى السبب، و العلامة إليه أو إلى الشرط.

و يضاف إليها الصحة و البطلان؛ و قريب منهما الإجزاء و عدمه.

و هذه الأحكام ليست مشروطة بالتكليف على المشهور، و من ثمّ حكم بضمان الصبي و المجنون و السفيه ما أتلفوه من المال، و لم ينعقد بسبب الحدث صلاة الصغير، إلى غير ذلك من الأحكام و قد تقدّم بعضها.

ثمّ الأحكام بالنسبة إلى خطاب التكليف و الوضع تنقسم أقساماً:

فمنها ما يجتمع فيها الأمران، و هو كثير، كالجماع و غيره من الأحداث، فإنها توصف بالإباحة في بعض الأحيان، و سبب في وجوب الطهارة، و توصف بالتحريم مع بقاء السببية. و كذا فروض الكفايات، فإنها مع الفرض سبب في سقوط التكليف بها عن الباقين، و أُصول العبادات واجبة و سبب في عصمة دم غير المستحل لتركها، و المعاملات توصف بالأحكام مع سببيّتها لما يترتب عليها.

و منها: ما هو خطاب تكليف و لا وضع فيه، و مثّل بجميع التطوعات، فإنها تكليف محض و لا سببية فيها، و لا شرطية، و لا مانعية.

و يشكل بأنها سبب لكراهة المبطل، كالصلاة المندوبة؛ أو لتحريمه كما

38

في الحج، لوجوبه بالشروع.

و منها: ما هو خطاب وضع لا تكليف فيه، كالإحداث التي ليست من فعل العبد، من الحيض و أخويه، و كأوقات العبادات الموقتة، فإنها موانع و أسباب محضة.

و منها: ما هو من خطاب الوضع بعد وقوعه؛ و من خطاب التكليف قبله، كسائر العقود، فإنها قبل الوقوع توصف بالأحكام الخمسة، و بعد الوقوع يترتب عليها أحكامها.

فائدة: السبب: هو ما يلزم من وجوده الوجود، و من عدمه العدم، لذاته.

فبالتلازم في الوجود يخرج الشرط، فإنه لا يلزم من وجوده الوجود، و إنما يلزم من عدمه العدم. و بالتلازم في العدم يخرج المانع؛ فإن وجوده يؤثّر في العدم، و عدمه لا أثر له.

و احترز بقوله: لذاته، عن اقتران السبب بعدم الشرط أو وجود المانع، فإنه لا يلزم حينئذٍ الوجود لذلك.

و أما الشرط: فهو الّذي يلزم من عدمه العدم، و لا يلزم من وجوده وجود و لا عدم، لذاته، و لا يشتمل على شي‏ء من المناسبة في ذاته، بل في غيره.

فبالأوّل يخرج المانع، و بالثاني السبب.

و يحترز بالثالث عن مقارنة وجوده لوجود السبب، فيلزم الوجود، لكن لا لذاته، بل للسبب، أو قيام المانع، فيلزم العدم لأجل المانع، لا لذات الشرط.

و القيد الرابع احتراز من جزء العلة، فإنه يلزم من عدمه العدم، و لا يلزم من وجوده وجود و لا عدم؛ إلا أنه يشتمل على جزء المناسبة، فإن جزء المناسب مناسب.

و أما المانع: فهو الّذي يلزم من وجوده العدم، و لا يلزم من عدمه‏

39

وجود و لا عدم، لذاته.

فبالأول خرج السبب. و بالثاني الشرط. و الثالث احتراز عن مقارنة عدمه لعدم الشرط، فيلزم العدم، أو وجود السبب، فيلزم الوجود، لكن لا لذاته؛ فإن ذاته لا تستلزم شيئاً من ذلك.

فظهر أنّ المعتبر من المانع وجوده، و من الشرط عدمه، و من السبب وجوده و عدمه.

و قد اجتمعت في الصلاة، فإنّ الدلوك سبب في وجوبها، و البلوغ شرط، و الحيض مانع. و في الزكاة، فإن النصاب سبب، و الحول شرط، و المنع من التصرف مانع.

قاعدة «4» الفرض و الواجب عندنا مترادفان، و كذا البطلان و الفساد.

و عند الحنفية أنهما متباينان، فقالوا: إن ثبت التكليف بدليل قطعي- كالكتاب و السنة المتواترة- فهو الفرض كالصلوات الخمس. و إن ثبت بدليل ظني- كخبر الواحد و القياس المظنون- فهو الواجب، و مثلوه بالوتر على قاعدتهم.

و قالوا: الباطل ما لم يشرّع بالكلية، كبيع ما في بطون الأمهات؛ و الفاسد ما يشرّع أصله و لكن امتنع، لاشتماله على وصف‏ (1) كالربا (2).

و الحق: أنهم إن ادّعوا أنّ التفرقة شرعية أو لغوية، فليس فيهما ما

____________

(1) في «ح» زيادة: فاسد.

(2) فواتح الرحموت 1: 58، 122، و نقله عنهم في الإحكام 1: 140، 176. و المحصول 1: 19، 26، و التمهيد للأسنوي: 58، 59.

40

يقتضيه، و إن كانت اصطلاحية فلا مشاحة في الاصطلاح. و التفريع عندنا لا يختلف، و إنما يختلف عندهم.

نعم فرّع بعض العامة الموافق لنا على القاعدة ما إذا قال: الطلاق لازم لي أو واجب عليّ، فتطلق زوجته؛ بخلاف ما إذا قال: فرض عليّ، محتجاً بدلالة العرف‏ (1).

و الحق أنّ الجميع كناية، فإن أوقعناه بها ثبت فيهما، و إلا انتفى فيهما [1]، و تفرقة العرف ممنوعة.

و وافق الحنفية في الأخيرين الآخرين [2] في أربعة مواضع: الحج، و العارية، و الكتابة، و الخلع.

و فرض الحج بأنه يبطل بالرّدة و يفسد بالجماع على بعض الوجوه.

و حكم الباطل أنه لا يجب المضيّ فيه. بخلاف الفاسد.

و صوّر الباطل في الكتابة و الخلع بما كان على عوض غير مقصود كالدم؛ أو رجع إلى خلل في العاقد كالصغر. و الفاسد خلافه. و حكم الباطل أن لا يترتب عليه مال، و الفاسد يترتب عليه العتق و الطلاق، و يرجع الزوج و السيد بالقيمة.

و فرض الإعارة الفاسدة بإعارة (2) الدراهم و الدنانير، فمنهم من جعلها فاسدة، فتكون مضمونة، و منهم من جعلها باطلة، فلا تكون مضمونة، بناء

____________

[1] أي: إن قلنا بكفاية الكناية في وقوع الطلاق و عدم لزوم التصريح فيثبت الطلاق بهما معاً، و إلا لا يثبت.

[2] المراد بالأخيرين: هما البطلان و الفساد، و المراد بالآخرين: هم غير الحنفية. و المعنى: أنّ الحنفية وافقوا غير الحنفية في تباين البطلان و الفساد في موارد.

____________

(1) التمهيد للأسنوي: 58.

(2) في «ح»: باعتبار.

41

على أنها غير قابلة للإعارة.

و لا يخفى أنّ تخصيص هذه العقود تحكّم؛ و ثبوت قيمة العوض في بعض موارد المعاوضة لا يقتضي فسادها، بل يقتضي فساد العوض المعيّن خاصة.

قاعدة «5» ذهب الجمهور إلى أنّ المباح حسن،

و كذا المكروه؛ بناء على أنّ الفعل الحسن ما للفاعل القادر عليه العالم بحاله أن يفعله، و القبيح بخلافه؛ أو أنّ ما نهى الشارع عنه فهو قبيح، و إن لم ينهَ عنه فهو حسن، سواء أمر به كالواجب و المندوب، أم لا كالمباح‏ (1).

و قال بعض المعتزلة: إنهما ليسا بحسن و لا قبيح، و قال في تقسيم الفعل: إن اشتمل على صفة توجب الذم و هو الحرام فقبيح، أو على صفة توجب المدح كالواجب و المندوب فحسن، و ما لم يشتمل على أحدهما كالمكروه و المباح فليس بحسن و لا قبيح‏ (2).

و أما المحسن فهو فاعل الإحسان، و ذهب بعضهم إلى أنه فاعل الحسن أيضا (3). و فرّع عليه عدم ترتب الضمان على مثل قاطع يد الجاني قصاصا فمات، لأنه محسن، أي فاعل للحسن و هو المباح، و قد قال تعالى‏ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ‏ (4).

____________

(1) منهاج الأصول (نهاية السؤل) 1: 82، التمهيد للأسنوي: 61.

(2) نقله في التمهيد: 62.

(3) التمهيد للأسنوي: 62.

(4) التوبة: 91.

42

و فيه نظر، و إنما المتحقق منه فاعل الإحسان. يقال: أحسن يحسن فهو محسن، و أما الحسن ففاعله حسن أيضا.

و يتفرع على ذلك رجوع المنفق على الحيوان من المستودع و المستأجر و المستعير و الملتقط و نحوه، حيث يتعذّر إذن المالك فيه و الحاكم، فإنه محسن على التقديرين، لأن حفظ الحيوان بالنفقة إما واجب أو مندوب، و كلاهما يوجب الإحسان، و قد قال تعالى:

ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ‏ فيندرج في الآية كل ما قيل إنه محسن. و السبيل المنفي وقع نكرة في سياق النفي فيعم، و عدم رجوعه بما غرم إثبات سبيل عليه.

و قد اختلف في رجوعه في موارد كثيرة، و الآية دليل المثبت.

و كذلك اختلف في قبول قول الوكيل في الرد، و مقتضى الآية أنه إذا كان بغير جُعل يكون محسناً، فيترتب عليه قبول قوله.

قاعدة «6» العبادة إن وقعت في وقتها المعيّن لها أولا شرعاً و لم تُسبق بأُخرى مشتملة على نوع من الخلل كانت أداء،

و إن سبقت بذلك كانت إعادة، و إن وقعت بعد الوقت المذكور كانت قضاءً.

و احترزنا بقولنا في الأداء «أولا» عن قضاء رمضان، فإنه موقت بما قبل الرمضان الّذي بعده، و مع ذلك هو قضاء، لأنه توقيت ثان، لا أوّل.

و اعتبر بعضهم في الأداء فعلها في الوقت مطلقا (1)، و هو أجود.

____________

(1) كالرازي في المحصول 1: 27.

43

و آخرون لم يعتبروا في الإعادة الفعل في الوقت‏ (1). فعلى الأول بين المفهومات الثلاثة مباينة، و على الثاني يكون الأداء أعم من الإعادة مطلقاً، و هما مباينان للقضاء. و على الثالث يكون بينهما و بين كل منهما عموم من وجه، لصدقها (2) مع الأداء دون القضاء إذا فعلت في الوقت، و مع القضاء دون الأداء إذا فعلت خارجه، و صدق كل منهما بدونها إذا لم يكن مسبوقاً بإتيان آخر.

إذا علمت ذلك؛ فمن فروع المسألة:

ما إذا أحرم بالحج ثم أفسده، فإنّ المأتي به بعد ذلك يكون قضاءً، لأنه (بمجرّد إحرامه) (3) يضيّق عليه الإتيان به في ذلك العام اتفاقاً، و لهذا لا يجوز له البقاء على إحرامه‏ (4) إلى عام آخر.

و يحتمل عدم وجوب نيّة القضاء هنا، لأن المضايقة المذكورة ليست توقيتاً حقيقياً، و إلا لزم كون النذر المطلق موقتاً إذا شرع فيه ثم أفسده على تقدير تحريم قطعه، كالصلاة المنذورة (5).

و هذا احتمال موجّه، إلا أنّ الأصحاب و غيرهم أطلقوا على الحج المذكور القضاء، و هو حقيقة في معناه الظاهر، مع احتمال إرادة فعله مرّة أُخرى، فإنه أحد معانيه لغةً؛ و لعل هذا أجود.

و منها: إذا أحرم بالصلاة في وقتها؛ ثم أفسدها و أتى بها ثانياً في الوقت‏

____________

(1) نهاية السؤل 1: 110.

(2) أي: الإعادة.

(3) ليس في «م».

(4) في «م»: إحرام.

(5) في «م»: المندوبة.

44

؛ فإنها تكون قضاءً على ما ذكره بعض العلماء (1)، لتعين الوقت لها بالشروع، و من ثم لم يجز الخروج منها. و قيل: تبقى أداء (2)، و هو الأقوى.

و منها: ما لو ظنّ الناذر مطلقاً الوفاة قبل الفعل لو أخره عن الوقت المعيّن، أو تعذّر فعله، فإن الفعل يتعين عليه حينئذٍ في ذلك الوقت. فإذا كذب ظنّه- بأن عاش بعده أو لم يقع له عذر مانع- و لم يكن فَعَلَ المنذور، ففي صيرورته حينئذٍ قضاءً، بناء على فوات الوقت المعيّن المتعبّد فيه بظنّه، أو يبقى أداء على أصله، نظراً إلى خطأ ظنّه، وجهان، أجودهما الثاني.

و منها: ما لو ظنّ طروء المانع قبل آخر وقت العبادة الموسعة، فإن العبادة تتضيق عليه حينئذٍ، و لا يجوز إخراجها عن الوقت الّذي ظن أنه لا يبقى بعده، أو يطرأ فيه المانع من الفعل؛ فلو أخّرها و أمكن الفعل، فالوجهان. و الأقوى بقاء الأداء و إن أثم بالتأخير.

و من هذا الباب: ما لو ظنّت المرأة طروء الحيض عليها في أثناء الوقت من يوم معيّن، فإنّ الفرض يتضيق عليها أيضا.

و كذا لو ظنّ صاحب السلس أو البطن وقوعه في بعض الوقت من غير انقطاع، و انقطاعه في بعضه بحيث يسع الصلاة، فإنه يتعبّد في جميع ذلك بظنّه، و يجب عليه تحرّي الفترة.

مسألة: الأمر بالأداء، هل هو أمر بالقضاء على تقدير خروج الوقت؟

فيه مذهبان، أصحّهما عند المحققين: أنه لا يكون أمراً به‏ (3).

____________

(1) نقله عن القاضي الحسين و الروياني في التمهيد: 63، و نهاية السؤل 1: 116.

(2) نقله عن أبي إسحاق الشيرازي في التمهيد: 64.

(3) كالرازي في المحصول 1: 324، و الآمدي في الأحكام 2: 199.

45

و من فروع المسألة:

ما لو قال لوكيله: أدِّ عني زكاة الفطرة، فخرج الوقت، هل له أن يخرجها بعده؟ يبنى على القولين.

و منها: إذا نذر أُضحيّة، و وكّل شخصاً في ذبحها و أدائها إلى الفقراء؛ فخرج وقتها. و هي كالأول. و الأولى بقاء (1) الوكالة ما لو خرج الوقت بعد ذبحها و قبل تفريقها.

و منها: و إن لم يوصف بالأداء و القضاء- ما إذا قال: بع هذه السلعة في هذا الشهر، فلم يتفق بيعها فيه، فليس له بيعها بعد ذلك. و مثله العتق و الطلاق. و ربما احتمل الجواز، بناء على القول السابق، و هو ضعيف.

قاعدة «7» الرخصة لغةً: التسهيل في الأمر (2)، و العزيمة: القصد المؤكّد (3).

و شرعاً الرخصة: هي الحكم الثابت على خلاف الدليل، لعذر هو المشقة و الحرج.

و احترز بالقيد الأخير عن التكاليف كلها، فإنها أحكام ثابتة على خلاف الأصل، و مع ذلك ليست برخصة مطلقاً؛ لأنها لم تثبت كذلك لأجل المشقة.

إذا عرفت ذلك فالرخصة تنقسم أربعة أقسام:

الأول: أن تكون واجبةً، كحل الميتة للمضطر. و ربما قيل بجواز صبره إلى الموت، و هو ضعيف. و كالتيمّم لفاقد الماء أو للخوف من استعماله؛ و

____________

(1) في «د»، «ح»: و أولى ببقاء.

(2) المصباح المنير: 223، الصحاح 3: 1041. (رخص)

(3) معجم مقاييس اللغة 4: 308. عزم)

46

إفطار المريض الّذي يتضرر بالصوم.

و الثاني: أن تكون مندوبة، كتقديم غسل الجمعة يوم الخميس لخائف عدم الماء، و فعل المندوب للتقية، حيث لا يتّجه بتركه ضرر.

و الثالث: أن تكون مكروهة، كالتقية في المستحب، حيث لا ضرر عاجلًا و لا آجلًا، و يُخاف منه الالتباس على عوام المذهب.

و الرابع: أن تكون مباحة، و هو ما رخّص فيه من المعاملات، كبيع العرايا، و قد وقع في بعض الأخبار التصريح بالرخصة فيها، فقال:

«و رخّص في العرايا» (1).

و منه الاستجمار بالأحجار و نحوها، لأنه أمر خارج عن إزالة النجاسة المعتادة، و لكن اكتفى الشارع به تخفيفاً، لعموم البلوى.

و قد يلحق هذا بالواجب العيني حيث يتعذر الماء، أو التخييري عند وجوب الإزالة لواجبٍ يتوقف عليها.

و منه إظهار كلمة الكفر عند الإكراه، فإنه مباح على المشهور (2) و إن أدّى تركه إلى القتل؛ لما في قتله من إعزاز الإسلام، و توطيد عقائد العوام.

و ربما قيل: بوجوبه حينئذٍ، حفظاً للنفس عن التهلكة. و فيه منع التهلكة حينئذٍ.

و قد يقع الاشتباه في بعض الموارد، كالقصر في السفر، فإنّه عزيمة عندنا، على ما صرّح به الأصحاب‏ (3)، مع انطباق تعريف الرخصة عليه، و

____________

(1) الكافي 5: 275 باب بيع الزرع الأخضر. حديث 9، التهذيب 7: 143 حديث 634، الاستبصار 3: 91 حديث 311، الوسائل 13: 25 أبواب بيع الثمار باب 14.

(2) تفسير التبيان 6: 428، مجمع البيان 3: 388، تفسير القرطبي 10: 182.

(3) الانتصار: 51، النهاية: 122، الخلاف 1: 569، الشرائع 1: 103.

47

إيماء الآية الشريفة إليه [1].

و اعتذر بعضهم عن ذلك: بأنّ الدليل لم يدل على وجوب الصوم سفراً، لأنه مستثنى بالآية [2]، و لا على إتمام الصلاة مطلقاً، لما روي من أنّ الصلاة وضعت ركعتين ركعتين فزيدت في الحضر و أُقرّت في السفر (1)، فلم يكن السبب فيهما قائماً، فلا يكونان رخصة حقيقة؛ إلا أنّ المشروعية لما كانت ثابتة في الجملة أمكن إطلاق الرخصة على القصر مجازاً، فكان التعبير بالعزيمة أولى، حتى قال الشيخ- (رحمه اللَّه)-: لا يسمى فرض السفر قصراً، لأن فرض المسافر مخالف لفرض الحاضر (2).

و رد بظاهر قوله تعالى‏ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ (3).

و أُجيب: بأن الآية مسوقة في الخوف، و إن كان فيها ذكر الضرب، بناء على الأغلبية، و القصر في الخوف داخل في النصوص الموجبة للإتمام في الحضر، فتكون صلاته مقصورة حقيقة، و إن أطلق كثير من الأصحاب القصر على صلاة السفر مجازاً، من حيث مشروعية صلاة الحضر فيه أيضا، كما في كثير السفر.

____________

[1] و هو قوله تعالى‏ وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ الآية، النساء: 101.

[2] و هو قوله تعالى‏ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ البقرة: 185.

____________

(1) الكافي 3: 273 حديث 7، الفقيه 1: 454 حديث 1317، 1319، التهذيب 2: 113 حديث 424 العلل: 115، المحاسن: 327، الوسائل 3: 65 أبواب أعداد الفرائض باب 24 حديث 6، 7، 10.

(2) الخلاف 1: 571.

(3) النساء: 101.

48

قاعدة «8» إذا طلب الفعل الواجب من كل واحدٍ بخصوصه،

أو من واحد معيّن- كخصائص النبي (صلى اللَّه عليه و آله) فهو فرض العين.

و إن كان المقصود من الوجوب إنما هو إيقاع الفعل مع قطع النّظر عن الفاعل سمّي فرضاً على الكفاية.

و وجه التسمية بذلك: أنّ فعل البعض فيه يكفي في سقوط الإثم عن الباقين، مع كونه واجباً على الجميع؛ بخلاف فرض العين، فإنه يجب إيقاعه من كل عين- أي ذات- أو من عين معيّنة.

و ما ذكرناه من تعلّق فرض الكفاية بالجميع هو مختار جماعة من محققي الأصول‏ (1).

و قال بعضهم: إنه يجب على طائفة غير معينة (2).

و هذا التقسيم أيضا آت في السنة:

فسنة العين كثيرة، كسنن الوضوء و الصلاة و الصوم و غيرها.

و سنة الكفاية، كتسميت العاطس، و ابتداء السلام، و الأضحية في حق أهل البيت، و الأذان و الإقامة للجماعة الواحدة.

و من فروض الأعيان: الطهارة، و الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحج.

و من فروض الكفاية: الجهاد، و رد السلام، و إقامة الحجج العلمية، و الأحكام الدينية، و التفقه في الدين، و حفظ القرآن، و إغاثة المستغيثين في‏

____________

(1) منهم صاحب مسلم الثبوت و شرحه فواتح الرحموت 1: 63، و الآمدي في الإحكام 1: 11، و الأسنوي في التمهيد: 77، و ابن الحاجب في المنتهى: 24.

(2) المحصول 1: 288، المعتمد 1: 138، و حكاه عن المحصول في فواتح الرحموت 1: 63.

49

النائبات، و أحكام الموتى الواجبة، و غيرها.

و اختلف في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، هل هما من الواجب العيني أو الكفائي؟ و الأصح الثاني.

إذا علمت ذلك فيتفرع عليه فروع:

منها: تفضيل فرض الكفاية على فرض العين، و قد ذهب إليه جماعة من المحققين، استناداً إلى أن فاعله ساعٍ في صيانة الأمة كلها أو ما في حكمها عن المآثم‏ (1) (2)، و لا شك في رجحان من (حلّ محل) (3) المسلمين أجمعين، بخلاف فرض العين، فإن فاعله يخلّص نفسه خاصة.

و منها: إذا صلى على الجنازة واحد مكلّف كفى و إن كان أُنثى، و هل تشترط عدالته؟ فيه‏ (4) وجه:

من حيث إنّ الفاسق لا يقبل خبره لو أخبر بإيقاع أفعالها التي لا تُعلم إلا من قِبَله، لوجوب التثبّت عند خبره‏ (5).

و من صحة صلاة الفاسق في نفسها معتضدة بأصالتها من المسلم‏ (6).

و لو كان طفلًا مميزاً ففي الاجتزاء به وجهان، مبنيان على أنّ عبادته هل هي شرعية أم تمرينية؟

و لو صلى عليه أكثر من واحد دفعةً، أو متعاقبين، بحيث شرع المتأخر قبل فراغ الأول، وقع الجميع فرضاً، لأنه لم يسقط بالشروع سقوطاً مستقراً

____________

(1) نقله عن إمام الحرمين و اختاره في المجموع 1: 37، 45.

(2) في «م»: الإثم.

(3) في «م»: خلص.

(4) ليست في «م»، و في «د»: له.

(5) هذه إشارة إلى مدلول قوله تعالى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا.

(6) أي: أصالة الصحة في أفعال المسلم.

50

على الأقوى، و حينئذٍ فينوي كلّ الوجوب.

و لو صلى المتأخر بعد فراغ المتقدم جماعة أو فرادى أو بالتفريق قيل: وقع الجميع فرضاً أيضا كالسابق‏ (1)، لأن الفرض متعلق بالجميع، و إنما سقط عن البعض بقيام البعض به تخفيفاً. و (2) لما فيه من ترغيب المصلين، لأن ثواب الفرض يزيد على ثواب النفل.

و قيل: تكون المتأخرة نفلًا (3)، لسقوط الفرض بالأولى، و لا معنى للواجب إلا ما يأثم بتركه، إما مطلقاً أو بغير بدل، و لا إثم هنا على الباقين.

هذا إذا اعتبرنا نية الوجه، و إلا سقط البحث، و اكتفى الثاني بنية القربة؛ و يبقى جعله فرضاً أو نفلًا راجعاً إلى اللَّه تعالى من جهة الإثابة عليه. و قد تظهر فائدته في النذر و نحوه.

و منها: إذا سلّم شخص على جماعة، فردّ أكثر من واحد، فالتفصيل السابق بالتعاقب و عدمه آتٍ فيه.

و يزيد هنا: أنّ المسلّم عليه لو كان مصلياً و ردّ غيره، فإن قلنا بكون الجميع فرضاً جاز له الرد أيضا قطعاً؛ و كذا إن قصد مع الرد قراءة القرآن مطلقاً أو جعلناه قرآناً.

و لو جعلناه سنة، و لم يقصد القراءة، و لم يجعل هذا المقدار قرآناً، ففي جواز ردّه وجهان، أجودهما الجواز، لعموم الأدلة الدالة على الأمر بالردّ على كل من سلّم عليه، الشامل لمن سقط عنه الفرض و غيره.

و وجه المنع سقوط الفرض، و كون الرد من كلام الآدميين، ليس بقرآن و

____________

(1) المجموع 5: 213، 245، فتح العزيز 5: 192.

(2) في «م»: أو.

(3) بدائع الصنائع للكاساني 1: 311.

51

لا دعاء، فيتناوله النهي. و ضعفه واضح.

قاعدة «9» الوجوب: قد يتعلق بشي‏ء معين، كالصلاة، و الحج و غيره، و يسمى واجباً معيناً.

و قد يتعلق بأحد أُمور معينة، كخصال كفارة اليمين، و كفارة رمضان على أحد القولين. فقيل: كل واحد من أفراده يوصف بالوجوب، و لكن على التخيير؛ بمعنى أنه لا يجب الإتيان بالجميع، و لا يجوز تركه‏ (1).

و قيل: الواجب مبهم عندنا، معيّن عند اللَّه تعالى، إما بعد اختياره أو قبله، فيتعين بأن يلهمه اللَّه تعالى اختياره. و هذا قول مبهم القائل، ينسبه كل من الأشاعرة و المعتزلة إلى صاحبه‏ (2).

و المختار الأول:

و تنقيحه: أن التعدد يرجع إلى محالّه‏ (3)، لأن أحد الأشياء قدر مشترك بين الخصال، لصدقه على كل واحد، و هو واحد لا تعدّد فيه، كما أنّ المتواطئ موضوع لمعنى واحد صادق على أفراده كالإنسان، و ليس موضوعاً لمعانٍ متعددة، و إذا كان واحداً استحال فيه التخيير، و إنما التخيير في الخصوصيات، كالإعتاق و الكسوة و الإطعام. و الّذي هو متعلق الوجوب لا تخيير فيه، كما أنّ الّذي هو متعلق التخيير لا وجوب فيه.

____________

(1) كما في المعتمد 1: 77، و نقله عن أبي علي و أبي هاشم في ص 79.

(2) حكاه في فواتح الرحموت 1: 66، و التمهيد: 79.

(3) في «ح»: محالة. و المقصود ب «محالّه» هي مواضعه و مصاديقه.

52

إذا علمت ذلك فيتفرع عليه فروع:

منها: ما إذا أوصى في الكفارة المخيّرة بخصلةٍ معيّنة، و كانت قيمتها تزيد على قيمة الخصلتين الباقيتين، فهل تعتبر من الأصل؟ وجهان:

أحدهما: نعم، لأنه تأدية واجب مالي، خصوصاً إذا قلنا: إن الواجب أحدها.

و أجودهما: اعتباره من الثلث، لأنه غير متحتم، و تحصل البراءة بدونه.

و على هذا فالمعتبر منه ما بين القيمتين، لأن أقلهما لازم على كل حال.

و يحتمل ضعيفاً اعتبار جميع قيمة المخرج من الثلث، فإن لم يف به عُدل إلى غيره، لأنه فرد غير متعيّن للإخراج، فكان كالتبرع.

و منها: إذا أتى بالخصال معاً، فإنه يثاب على كل واحد منها على ما ذكره جماعة (1)، لكن ثواب الواجب أكثر من ثواب التطوّع، و لا يحصل إلا على واحد فقط، و هو أعلاها إن تفاوتت، لأنه لو اقتصر عليه لحصل له ذلك، فإضافة غيره إليه لا تنقضه، و إن تساوت فعلى أحدها. و لو ترك الجميع عوقب على أقلها، لأنه لو اقتصر عليه لأجزأه.

و منها: ما لو كان بعض الأفراد داخلًا في البعض الآخر، كمسح الرّأس في الوضوء، حيث إنّ الواجب منه أمر كلي يحصل في ضمن المسح بإصبع و أزيد في محله، فإن مسح جميع المقدّم أُثيب عليه، سواء مسحه دفعة أو على التعاقب، بناء على ما سلف من الإثابة على فعل جميع أفراد الواجب المخيّر، أو بجعل المجموع فرداً واحداً كاملًا، كما إذا مسح أزيد من المسمى.

و لكن هل يوصف المجموع بالوجوب‏ (2) فيثاب عليه ثواب الواجب، أم يكون الواجب مسمّاه و الباقي سنة؟ أوجه يأتي الكلام فيها إن شاء اللَّه تعالى.

____________

(1) نقله عن شرح المعالم لابن التلمساني في التمهيد: 81.

(2) في «م»: بالواجب.

53

قاعدة «10» يجوز عندنا تحريم واحد لا بعينه، خلافاً للمعتزلة (1)،

كأن يقول الشارع: حرمت عليك أحد هذين الشيئين لا بعينه، لا أُحرّم عليك واحداً معيناً و لا الجميع و لا أُبيحه. و الكلام فيه كالكلام في الواجب المخيّر.

و من فروع القاعدة:

ما إذا كان له أمتان، و هما أُختان، فإنه يجوز له وطء إحداهما، و يحرم عليه وطؤهما معاً من غير تعيين؛ و متى وطئ إحداهما حرمت عليه الأخرى حتى يُخرج الأولى عن ملكه.

فإن أقدم و وطئها قبل ذلك ففيه قولان مشهوران:

أحدهما: تحرم الثانية دون الأولى‏ (2).

و الثاني: أنه إن وطئ الثانية عالماً بالتحريم حرمت عليه الأولى أيضا إلى أن تموت الثانية، أو يخرجها عن ملكه لا لغرض العود إلى الأولى، فإن أخرجها لا لذلك حلّت الأولى، و إن أخرجها ليرجع إلى الأولى فالتحريم باقٍ. و إن وطئ الثانية جاهلًا بالتحريم لم تحرم عليه الأولى‏ (3).

و هذا التفصيل مروي‏ (4) و لا حاجة بنا هنا إلى تحقيق الحال لحصول‏

____________

(1) نقله عنهم الآمدي في الإحكام 1: 157، و الأسنوي في التمهيد: 81، و جوزه أبو الحسين من المعتزلة في المعتمد 1: 169.

(2) المبسوط 4: 207، الشرائع 2: 290.

(3) كما في النهاية: 455، و الجامع للشرائع: 430.

(4) الكافي 5: 343 حديث 14، التهذيب 7: 290 حديث 1216- 1221، الفقيه 3: 448 حديث 4551، الوسائل 14: 372 أبواب ما يحرم بالمصاهرة باب 29.

54

المطلوب من المثال على التقديرين.

و منها: ما لو أعتق إحدى أمتيه لا بعينها، و سوّغناه، و جعلنا الوطء تعييناً (1)، فيصدق عليه ما ذكرناه، لأن كل واحدة منهما تحرم بوطء الأخرى، و هو مخيّر في وطء من شاء منهما، فيكون مخيّراً في تحريم من شاء.

و منها: ما لو أسلم على خمس نسوة مثلًا، و جعلنا الوطء تعييناً (2) فإذا وطئ ثلاثاً منهنّ، بقي الأمر في الرابعة و الخامسة على ما ذكرناه في الأمتين.

و منها: ما لو طلّق واحدة من زوجتيه لا بعينها، و قلنا بوقوعه، فإنه و إن حرم وطؤهما معاً قبل التعيين، إلا أنه يمكن جعل الوطء تعييناً، فيتخير في وطء أيتهما شاء، فتحرم عليه الأخرى.

قاعدة «11» الواجب قسمان: مطلق، و هو ما أوجبه الشارع من غير تعليق على أمر آخر، كالصلاة. و مشروط،

و هو ما علّق وجوبه على حصول أمر آخر كالحج، فإنه لم يوجب إلا على المستطيع إليه سبيلا. و سواء كان الشرط مقترناً به كالحج، أو منفكاً عنه كالزكاة المشروطة بملك النصاب.

و الثاني لا يجب على المكلّف تحصيل شرطه إجماعاً.

و اختلف في وجوب ما يتوقف عليه الأول‏ (3)- و هو المعبّر عنه بمقدمة

____________

(1) في «م»: معيناً.

(2) في «م» «د»: معيناً.

(3) أي: المطلق.

55

الواجب- على مذاهب، أصحها: أنه يجب مطلقاً (1)، و يعبَّر عنه الفقهاء بقولهم: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، سواء كان سبباً أم شرطاً.

و سواء كان ذلك السبب شرعياً كالصيغة بالنسبة إلى العتق الواجب، أم عقلياً كالنظر المحصل للعلم الواجب، أم عادياً كجز الرقبة في القتل، إذا كان واجباً.

و هكذا الشرط أيضا، فالشرعي كالوضوء، و العقلي كترك أضداد المأمور به، و العادي كغسل جزء من الرّأس في الوضوء للعلم بحصول غسل الوجه.

مثاله: إذا قال السيد لعبده: كن على السطح، فلا يتأتى ذلك إلا بنصب السلم و الصعود، فالصعود سبب، و النصب شرط.

و القول الثاني: أنه يكون أمراً بالسبب دون الشرط (2).

و الثالث: أنه لا يكون أمراً بواحد منهما (3). و قيل في المسألة غير ذلك‏ (4).

إذا تقرر ذلك فيتخرج على القاعدة فروع:

منها: غسل جزء من الرّأس و الرقبة و نحوهما لتيقن غسل الوجه، و غسل جزء من العضد لتيقن غسل اليد، و مسح جزء من الساق، أو ما تجاوز الكعب لتيقن مسح ظاهر القدمين، و غسل جزء من البدن لغسل‏

____________

(1) كما في المستصفى 1: 71. و فواتح الرحموت 1: 95، و المحصول 1: 289، و معارج الأصول: 73، و تهذيب الأصول: 27.

(2) كما في الذريعة 1: 83.

(3) حكاه في فواتح الرحموت 1: 95، و منتهى الوصول: 26.

(4) منتهى الوصول لابن الحاجب: 26، جعله أمراً بالشرط دون السبب و اللازم، و كذا في شرح مختصر المنتهى لعضد الدين 1: 244.

56

الرّأس و الرقبة في الغسل، و جزء من الجانب الأيمن و بالعكس لتيقن غسل كل منهما.

و أما العورتان فتابعتان للجانبين، فيجب غسل جزء زائداً على نصف كل واحدة عند غسل جانبها، أو غسلهما معاً معهما.

و جعلهما بعضهم عضواً مستقلًا؛ و خيّر في غسلهما قبل الجانبين، و بعدهما، و بينهما و هو ضعيف.

و مثله القول في مسح التيمم، فإن ذلك كله واجب لما ذكرناه.

و منها: إذا اشتبهت زوجته بأجنبية، فيجب عليه الكفّ عن الجميع.

و مثله ما لو اشتبهت محرمة بأجنبيات محصورات، فليس له أن يتزوج واحدة منهنّ.

أو سقطت تمرة نجسة و نحوها بين تمر كثير منحصر عادة. أما لو لم ينحصر حلّ الجميع إلى أن يبقى منه ما ينحصر كذلك.

و منها: إذا نسي صلاة من الخمس، و لم يعرف عينها، فيجب عليه صلاة الخمس، أو ثلاث فرائض منها، رباعية مطلقة إطلاقاً ثلاثياً إن كان حاضراً، و صبح و مغرب؛ أو فريضتين إحداهما مغرباً و الأخرى ثنائية مطلقة [إطلاقاً] (1) رباعياً إن كان مسافراً. و كذا لو صلّاها، لكن تيقن فساد طهارة منها.

و لو اشتبه الحضر و السفر كفت الثلاث، مع إطلاق الثنائية بين الصبح و ثنائيات المسافر.

و منها: إذا اختلط ثوب نجس فصاعداً بثياب منحصرة طاهرة، و لم يمكنه تحصيل ثوب طاهر يقيناً، فإنه يصلي الواحدة متعدداً، فيما يزيد عن عدد النجس بواحدٍ، مع سعة الوقت.

____________

(1) أضفناه لاقتضاء السياق.