التعادل والترجيح‏

- السيد روح الله الموسوي الخميني المزيد...
273 /
1

-

2

[هوية الكتاب‏]

* اسم الكتاب: التعادل و الترجيح*

* المؤلف: الإمام الخميني (قدس سره)*

* تحقيق و نشر: مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)*

* سنة الطبع: مهر 1375- جمادى الأولى 1417*

* الطبعة: الأولى*

* المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج*

* الكمية: 3000 نسخة*

* الثمن: 700 توماناً*

جميع الحقوق محفوظة و مسجّلة

لمؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

مقدّمة التحقيق‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للَّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّد المرسلين؛ محمّد، و على آله الطاهرين المعصومين‏

و بعد، فالبحث عن اختلاف الأدلّة و تعارض بعضها مع بعض، من أهمّ المسائل الاصوليّة، و عليها يدور الاجتهاد، و بها يتمكّن الفقيه من الإفتاء؛ فإنّا كثيراً ما نرى أدلّة مختلفة يناقض بعضها بعضاً في مسألة واحدة، و يتحيّر العرف العامّ في حلّ الاختلاف، و تعيين الصحيح من السقيم، و تبيين مقصود قائليه، فيرجع إلى أهل الخبرة لاستيضاح مرام الشارع، فيجب على الطالب لمعرفة حكم اللَّه وفقه الشريعة الخاتمة للشرائع و الملل، الاطّلاع على مواضع الاختلاف بين الأدلّة الشرعيّة، و كيفيّة حلّ الاختلاف، و ترجيح السليم على السقيم.

فبالحريّ أن يبحث في علم الاصول- الممهّد لتشخيص الحجّة عن اللّاحجّة-

8

عن ضوابط ترجيح أحد الدليلين على الآخر و تعيين الحجّة من بين الأدلّة المتخالفة المتكاذبة بحسب الظاهر.

و لهذا اختصّت أهمّ مسائل علم الاصول برفع اختلاف الأدلّة و الجمع العرفيّ بينها، نحو مباحث النسخ و التخصيص و التقييد و الحكومة و الورود، و بعد إثبات عدم وجود جمع عرفيّ بين الأدلّة تصل النوبة للبحث عن الترجيح بينها.

و هاهنا امور لم يتعرّض لبيانها إمامنا الراحل (قدس سره) بنحو مستقلّ، و قد آثرنا الإشارة إليها؛ تكميلًا للبحث، و لما فيها من الفوائد المهمّة، و هي ثلاثة امور:

الأمر الأوّل في بيان مناشئ اختلاف الأدلّة

لا شكّ في أنّ لكلّ موضوع من الموضوعات الفقهيّة حكماً واحداً مختصّاً به، فإن كان فعلٌ واجباً في الواقع، فلا يمكن أن يكون غير واجب واقعاً؛ إذ الشارع الحكيم لا يجعل في آن واحد لموضوع واحد حكمين أو أكثر، و ما ترى‏ من تكاذب الأدلّة و تعارضها فإنّما هو من جهة الدلالة و مقام الإثبات، أو ناشئ من خطأ واقع في الأدلّة، لذا فينبغي البحث عن مناشئ اختلاف الأدلّة التي بأيدينا، حتّى نتمكّن من الجمع بينها أو طرح بعضها.

و هذا البحث من أهمّ الامور التي لا يتعرّض لها الاصوليّون مستقلًّا إلّا في‏

9

ضمن بعض المباحث إجمالًا، أو ضمن تحقيقاتهم الفقهيّة.

نعم، للسيد الشهيد آية اللَّه محمد باقر الصدر في ابتداء مسألة التعادل و الترجيح كلام مفيد و استقصاء للأقسام. و يمكن القول بشكل عام: إنّ أهمّ مناشئ التعارض تكمن في امور:

1- وقوع خطأ في الأدلّة

قد ينقل الراوي بالمعنى، فيقع الخطأ في ضبط المعنى بعينه؛ لعدم ممارسته للّغة العربية، و عدم اطّلاعه على أساليبها، لذا يشترط في الناقل بالمعنى المعرفة بهذه اللّغة، حتّى يتسنّى له أداء نفس المعنى بعبارة اخرى، هذا من جانب.

و من جانب آخر، فكثير من الروايات قد دوّنت في الاصول بعد عصر الصادقين (عليهما السلام)، ثمّ نقلت منها إلى كتب المتأخّرين عنهم، و بطبيعة الحال فإنّ النقل من كتاب إلى كتاب ممّا يوفّر المناخ المناسب للسهو و الاشتباه.

2- قلّة اطّلاعنا

إنّ الروايتين اللّتين يدّعى تعارضهما و تنافيهما، كثيراً ما تكونان محتفّتين بقرائن حاليّة و مقاليّة حال صدورهما، و لكن قد تقع الغفلة عنها، فبعض القرائن لا يعتنى بها، فيفهم من اللفظ ما هو غير مقصود، و بعض القرائن المقاميّة و الأوضاع اللّغوية مجهولة لدينا، فتحمل الرواية على المعنى المتبادر عندنا، لا المعنى الذي كان يفهم في زمان صدور النصّ، فيقع التعارض و التنافي.

و الخصوصيّات الخفيّة التي توقعنا في الغلط و الخطأ، أعمّ من التخصيصات‏

10

و التقييدات، و قيود الموضوع، و زمان الأحكام، و الشرائط المندرجة في الأسئلة، و العهد الذهنيّ و الذكريّ للسائل و أمثال ذلك.

و لا يخفى: أنّ كثيراً من الروايات بعد التقطيع و التبويب و ذكر كلّ قطعة منها في الباب الخاصّ بها، صارت مجملة مخفيّة القرائن، فربّ رواية واحدة صادرة في مجلس واحد، صارت قطعاً مجزّأة غير مترابطة، لا يتمكّن الفقيه من جمع شتاتها و فهم فقراتها، و كم من روايات غير مرتبطة يُفهم منها معنى واحد بواسطة ذكرها في باب واحد.

3- نسخ الأحكام الشرعيّة

على الرغم من أنّ حقيقة النسخ عبارة عن دفع حكم المنسوخ ثبوتاً، من جهة أنّ غاية العمل بالمنسوخ هي زمان صدور الناسخ، إلّا أنّه حيث كان رفعاً لحكم المنسوخ بحسب مقام الإثبات؛ لأجل عدم ذكر القيد الزمانيّ في المنسوخ، لذا يتخيّل المخاطب- فضلًا عن الفقيه المتأخّر عنه بقرون- أنّ الحكم المنسوخ أبديّ شامل لكلّ مكلّف في جميع القرون و الأعصار، و لكن بعد صدور الناسخ، و عدم قيام دليل لدينا على تأخّره، يقع التعارض بينهما إثباتاً و بنظرنا.

4- التدرّج في البيان‏

إنّ الظاهر من الروايات اتخاذ الأئمّة (عليهم السلام) اسلوب التدرّج في بيان الأحكام و تبليغ الشريعة، فقد يصدر العامّ في زمان إمام، و لا يصدر تخصيصه إلّا بعد قرن في كلام إمام آخر، بل ربّما تلاحظ هذه الحالة في حديث واحد؛ فإنّ‏

11

الإمام (عليه السلام) قد يلقي حكماً عامّاً غير مخصّص، فلا يقنع السائل و يطلب المزيد من البيان، فيقيّد الإمام الحكم العامّ و يخصّصه، و لو لا سؤال السائل لما صدر التقييد و التخصيص.

تبصرة

إنّ اختفاء المقيّدات و المخصّصات المتّصلة، أو نسخ الأحكام الشرعيّة، أو التدرّج في بيانها لمصلحة في التأخير، من مناشئ التعارض التي احتملها القوم، و أمّا إمامنا الراحل- أفاض اللَّه عليه شآبيب رحمته- فقد استبعد هذه الاحتمالات؛ لبُعْد احتمال ضياع المخصّصات و المقيّدات في زمن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) بَعْد نقل الخاصّة و العامّة لرواياته (صلى الله عليه و آله و سلم)- بنحو التشريع و التقنين- عامّات غير مخصّصات، و عدم وجود غرض عقلائيّ في صرف الكلام عن أصله.

مع أنّ احتمال السهو و النسيان في جميع الأحاديث، أمر غير عقلائيّ، و لا يرتضيه أحد.

و الوجه في استبعاد احتمال النسخ عنده طاب ثراه، هو اختصاصه بالروايات الصادرة عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم).

و أمّا التدرّج في بيان الأحكام الشرعيّة، و وجود مصلحة في تأخير البيان عن وقت الحاجة، فمستلزم لتعطيل الأحكام، و مخالف‏

لقول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في‏

12

حجّة الوداع: «معاشر الناس، ما من شي‏ء يقرّبكم من الجنّة و يباعدكم من النار إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شي‏ء يقرّبكم من النار و يباعدكم من الجنّة إلّا و قد نهيتكم عنه».

5- التقيّة

و هي إحدى العلل المهمّة التي أوجبت اختلاف الأخبار، فقد عاش أكثر الأئمّة (عليهم السلام) في عصور عصيبة، فرضت عليهم التقيّة لحفظ الإسلام و دماء الشيعة و أعراضهم، فصدرت من الأئمّة أحكام موافقة لفتوى حكّام العامّة و امرائهم و الرأي الغالب في عوامّهم.

لكنّ التقيّة لم تكن بصورة دائميّة، بل قد أظهر الأئمّة (عليهم السلام) أحكام اللَّه الواقعيّة لخاصّة أصحابهم، أو بعد زوال التقيّة.

و على أيّ حال: فقد اختلطت الأحكام الواقعيّة مع الصادرة عن تقيّة، و صارت الروايات متخالفة متكاذبة، فيجب على الفقيه الوقوف على أقوال العامّة المعاصرين للأئمّة (عليهم السلام)، حتى يتمكّن من تمييز الغثّ من السمين.

6- الدسّ و التزوير

و من العوامل الموجبة لتعارض الأحاديث، دسّ بعض الكذّابين في الروايات و كتب أصحاب الأئمّة (عليهم السلام)، و نقل الأكاذيب و نسبتها إلى المعصومين (عليهم السلام)؛ لأغراض دينيّة أو دنيويّة، و لهذا تحرّز أصحابنا من كلّ كاذب أو فاسد المذهب أو غير عادل، و لم يأخذوا الحديث عنهم، و لم يعاشروهم، بل قد

13

يطرد من يعاشر راوياً كذّاباً أو مجهول الحال، و يضعّف من يروي عن الضعفاء و يعتمد المراسيل.

و قد تجلّى‏ هذا الأمر بوضوح في حوزة «قم» المقدّسة آنذاك، فقد كذّبوا مَن تفرّد برواية فضيلة من فضائل أهل البيت (عليهم السلام) و رموه بالغلوّ، كي لا يقع الخلط و التزوير.

و من هنا اهتمّ المسلمون بعلم الرجال و الدراية، و برعوا في التحقيق عن حال الرواة؛ فما من صغيرة و لا كبيرة تتعلّق بالراوي إلّا و جعلوها تحت مجهرهم، بل تجاوزوا أحياناً إلى معرفة أسماء آباء و أجداد الراوي، حتّى انتهوا به إلى جدّه الأعلى.

تتمّة

و من الامور الهامّة في معرفة المنشأ لتعارض الأخبار، دخالة الزمان و المكان في الأحكام الشرعيّة، و أوّل من التفت إليها إمامنا الراحل (قدس سره) الشريف، فقال: «إنّ الزمان و المكان دخيلان في فقه الشيعة الإماميّة، فكم من موضوع يكون ذا حكم ثابت ظاهراً، و لكن لأجل تغيّر الروابط الاجتماعيّة و السياسيّة و الاقتصاديّة يفقد الحكم الأوّل، و يستدعي حكماً جديداً».

و لهذه الالتفاتة الرائعة شواهد من الروايات، فإنّا نرى أنّ لبعض الموضوعات في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام)، حكماً لا يطّرد في زمن باقي الأئمّة، بل‏

14

قد يقولون: بأنّ المصالح العامّة للعباد أوجبت ذلك الحكم في زمان حكومته (عليه السلام).

كما أنّ بعض الأحكام قد تغيّرت في زمان بعض الأئمّة (عليهم السلام)، فراجع روايات إباحة الأنفال أو الخمس للشيعة، أو تضمين الأجير و نحو ذلك، فإنّ بعض الأحكام و إن لم يقيّد في مقام الإثبات بزمان خاصّ و شرائط مخصوصة، لكن بعد التأمّل يفهم الفقيه أنّ الموضوع قد تغيّر و احتاج إلى حكم جديد، بل لعلّ الحكم بترجيح الرواية الأحدث عند التعارض، أيضاً ناظر إلى هذا المعنى.

و قد أشار لهذا الأمر في هذه الرسالة الإمام العلّامة الأكبر (رحمه اللَّه) حيث يقول: «بأنّ تأخير بيان المخصّصات و المقيّدات إلى زمان الصادقين (عليهما السلام)، إنّما هو لابتلاء سائر الأئمّة المتقدّمين عليهما ببليّات كثيرة، سدّ عليهم لأجلها بيان الأحكام، كما يشهد به التأريخ، فلمّا بلغ زمانهما اتسع لهما المجال في برهة من الزمان ... فانتشرت الأحكام، و لو اتسع المجال لغيرهما ما اتسع لهما لصارت الأحكام منتشرة قبلهما».

الأمر الثاني الجمع العرفيّ‏

لا إشكال في أنّ الجمع العرفيّ بين المتعارضين، أولى من طرح أحدهما و الأخذ بالآخر، و على هذا فيجب على الفقيه الاطّلاع على أقسام الجمع العرفيّ؛ لئلّا يطرح ما يجب الأخذ به و العمل على طبقه، و حيث لم تذكر الجموع العرفيّة في‏

15

الفقه و الاصول إلّا نادراً، فينبغي الإحاطة بأقسامها قبل البحث عن المتعارضين، و هي كالتالي:

1- التخصيص و الحمل على الخاصّ: إذا ورد حكم على موضوع عامّ شموليّ أو بدليّ، و ورد حكم على موضوع خاصّ مغاير لحكم العامّ، فيخصّص الخاصّ حكم العامّ بمناطات مذكورة في كتب الاصول مفصّلًا، بشرط أن لا يكون التخصيص مستهجناً، و إلّا فيحمل العامّ على الخاصّ إن أمكن ادّعاء انصراف العامّ إلى الخاصّ؛ لغلبة الاستعمال أو تعارفه، أو غير ذلك.

2- التقييد و الحمل على المقيّد: إذا ورد حكم مطلق مخالف للمقيّد، فيقيّد المطلق، أو يحمل على المقيّد، مع إمكان التقييد أو الحمل.

3- الحكومة و الورود: و هما من الموارد التي وقع النزاع في ضابطهما بين المتأخّرين، لكن على أيّ حال يقدّم الحاكم و الوارد على غيرهما.

4- الحمل على الاستحباب أو الوجوب: إذا ورد لفظ دالّ على الوجوب في فعل، و ورد أيضاً الحكم بجواز تركه، يحمل اللفظ الدالّ على الوجوب على الاستحباب، و كذا إذا ورد لفظ دالّ على الاستحباب ظاهراً، و نصّ دالّ على الوجوب، يحمل اللفظ الأوّل على الوجوب، مثل كلمة «ينبغي» و «احبّ».

5- الحمل على الكراهة أو الحرمة: إذا ورد لفظ دالّ على الحرمة مع الحكم بجواز الفعل، يحمل على الكراهة و كذا يحمل اللفظ الظاهر في الكراهة على الحرمة مع ورود نصّ على الحرمة.

16

6- الحمل على مراتب الاستحباب: إذا وردت أحكام مختلفة و آثار متفاوتة من الثواب على فعل، تحمل على مراتب الاستحباب.

7- الحمل على التخيير: إذا ورد في موضوع خاصّ حكمان مختلفان، يمكن حمل الحكم على التخيير بينهما واقعاً.

8- الحمل على الحكم الظاهريّ و الواقعيّ: إذا ثبت حكم واحد لموضوعين، يمكن حمل أحدهما على الواقعيّ، و الآخر على الظاهريّ الدالّ غالباً على ثبوت الموضوع الواقعيّ.

9- الحمل على تداخل الأسباب: إذا ثبت حكم لموضوعين مستقلًاّ و معاً فيمكن التقييد، كما يمكن الحمل على تداخل الأسباب، فيجري الحكم على كلّ من الموضوعين، و لا يتكرّر عند اجتماعهما.

10- الحمل على اختصاص الحكم بزمان خاصّ: إذا ورد حكم من إمام مغاير لما ورد من إمام آخر، فيمكن حمل الحكم على اختصاصه بزمان خاصّ.

11- الحمل على كون القضيّة في واقعة: كما إذا ورد بعد السؤال عن واقعة شخصيّة حكم مغاير للحكم الكليّ.

هذه بعض أنحاء الجمع العرفيّ و ما سواها كثيرة تطلب من مواضعها في مطاوي كلام الأصحاب، و قد جمع كثيراً منها شيخ الطائفة الطوسيّ (رحمه اللَّه) في كتاب «الاستبصار فيما اختلف من الأخبار».

17

تبصرة

المراد بالجمع العرفيّ هو ما يرتضيه العرف بعد ملاحظة اسلوب التقنين و التشريع، و قد انتبه إلى هذه الدقيقة الإمام الخمينيّ (رحمه اللَّه)، فإنّه بعد ذكره للخطابات القانونيّة، و التفريق بينها و بين القضايا العلميّة و العرفيّة، و تفريع بعض المسائل الهامّة في الاصول على هذا الفرق، ذكر أنّ الجمع العرفيّ يجب أن يكون بعد ملاحظة أنّ اسلوب التقنين هو ذكر العمومات و المطلقات أوّلًا، و ذكر الخاصّ و المقيّد و الحاكم و أمثالها ثانياً، و انفصال البيان عن المجمل، و إلّا فلا يقبل العرف الساذج من أحد إلقاء العامّ و تأخير الخاصّ، و لا يقبل في عرف العلماء عند تصنيف الكتب ادّعاء عامّ في صدر الكتاب، و ذكر المخصّصات عند انقضاء البحث، بل يعدّونه متناقضاً في كلامه، غير متدبّر عند الكتابة.

الأمر الثالث المرجّحات المنصوصة و غير المنصوصة

بعد فرض عدم وجود جمع عرفيّ بين المتعارضات و استقرار التعارض و التنافي بين الأدلّة، يجب الأخذ بالراجح و طرح المرجوح، و مع تكافئهما و عدم‏

18

وجود مرجّح في البين يتعيّن عليه التوقّف و الاحتياط، على ما استقرّ عليه رأي المصنّف العلّامة.

و على هذا، فبناءً على الاقتصار على المرجّحات المنصوصة، يجب تحديد هذه المرجّحات الواردة في كلام الصادقين (عليهما السلام)، و تمييزها من غير المنصوصة، لئلّا يقع الخلط بينهما.

نعم، لا محيص من الترجيح بكلّ مزيّة توجب الأقربيّة إلى الواقع أو يظنّ بمقرّبيتها؛ لأصالة التعيين عند دوران الأمر بين التعيين و التخيير، كما استقربه المصنّف العلّامة (قدس سره) في آخر الرسالة.

و كيفما كان: فالمرجّحات التي يدّعى ورودها في النصوص في مقام الترجيح بين الخبرين المتعارضين، اثنا عشر مرجّحاً، و إن لم يرتضِ منها العلّامة المصنّف إلّا موافقة الكتاب و مخالفة العامّة، و هي كالتالي:

1- أعدليّة الراوي.

2- أفقهيّته.

3- أصدقيّته.

4- أورعيّته.

5- اشتهار الرواية شهرة فتوائيّة أو روائيّة، على خلاف بينهم.

6- موافقة الرواية للكتاب.

7- موافقتها للسنّة.

19

8- مخالفتها للعامّة.

9- مخالفتها لحكّام العامّة و قضاتهم.

10- مخالفتها لروايات العامّة.

11- موافقة الرواية للاحتياط.

12- أحدثيّة أحد الخبرين.

و أمّا المرجّحات غير المنصوصة فهي كثيرة، لكن أهمّ ما ذكر منها في كتب القوم امور:

1- كثرة رواة أحد الخبرين، بناءً على أنّ المراد بالشهرة في الأخبار هي الفتوائيّة.

2- أضبطيّة الرواة.

3- علوّ الإسناد.

4- ترجيح النقل باللفظ على النقل بالمعنى، إذا لم يكن الناقل للّفظ معروفاً بالضبط و المعرفة.

5- تأكّد دلالة أحد الخبرين بالقسم.

6- كون أحدهما بلفظ فصيح، و الآخر بركيك.

7- كون أحدهما بلفظ حقيقيّ، و الآخر بمجازيّ.

8- موافقة الرواية أو مخالفتها للأصل، على خلاف في ذلك.

9- موافقة شهرة القدماء، و قيل: موافقة شهرة المتأخّرين، بناءً على إرادة

20

الشهرة الروائيّة في أخبار الترجيح.

10- ترجيح الشيعة الإماميّة على باقي فرق الشيعة.

11- موافقة الرواية لحكم العقل أو التجربة.

12- أعلميّة الراوي.

13- ترجيح الخبر المرويّ سماعاً على المرويّ إجازة.

14- ترجيح الخبر المتضمّن للزيادة.

15- ترجيح الخبر المرويّ بالمشافهة على المرويّ بالمكاتبة.

16- الترجيح بشهرة الراوي.

17- ترجيح الأعلم بالعربيّة.

18- ترجيح رواية صاحب الواقعة.

19- ترجيح رواية من هو أكثر مجالسة للعلماء.

20- تقديم رواية من عُلمت عدالته بالاختبار على المزكّى.

21- تقديم رواية الراوي الجازم على الظانّ.

22- ترجيح رواية المشهور بالرئاسة.

23- مرجوحيّة رواية من يلتبس اسمه باسم بعض الضعفاء.

24- ترجيح رواية المتحمّل وقت البلوغ على المتحمّل وقت الصبا.

25- تقديم الرواية المتضمّنة لذكر السبب الموجب لصدور الرواية.

26- رواية المدنيّ أرجح من المكّي.

21

27- الرواية المعلّلة أولى.

28- الرواية التي فيها تهديد أولى.

29- ترجيح الراوي الأقرب إلى المرويّ عنه.

حول هذه الطبعة

طبعت هذه الرسالة الشريفة تحت عنوان: «رسالة في التعادل و الترجيح» ضمن المجلد الثاني من كتاب «الرسائل» مع تذييلات لآية اللَّه المحقّق الشيخ مجتبى الطهرانيّ في ربيع الأوّل عام 1385 شكر اللَّه مساعيه الجميلة، و لكن اختصّت طبعتنا هذه بمزايا هي:

1- مقابلة النسخة المطبوعة مع الخطّية، و استدراك الأخطاء الواقعة في الطبعة السابقة.

2- تقويم نصّ الكتاب و تقطيعه و تزيينه بعلامات الترقيم الحديثة.

3- التأكّد من العناوين التي أثبتها إمامنا الراحل (قدس سره) في هوامش النسخة الخطّية، و وضعها في محالّها المناسبة لها.

4- تخريج الآيات القرآنيّة الكريمة و الأحاديث الشريفة و أقوال العلماء، حسبما وصلته يد التتبّع.

5- ترجمة الرواة و العلماء المذكورين في متن الكتاب.

22

هذا، و نحن إذ نرجو أن يكون تحقيق هذه الرسالة و إخراجها بهذه الحلّة الجديدة، باعثاً لابتهاج الروح الطاهرة المقدّسة لإمامنا الراحل طاب ثراه، نتضرّع إلى المولى سبحانه و تعالى كي يتقبّل منّا هذا المجهود المتواضع، و يثبت أسماءنا في سجلّ خدمة دينه الحنيف، إنّه سميع مجيب.

مؤسّسة تنظيم و نشر آثار

الإمام الخميني (قدس سره)

قسم التحقيق/ فرع «قم» المشرّفة

ربيع الثاني/ 1417 ه. ق‏

شهريور/ 1375 ه. ش‏

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

بِسمِ الرَّحمنِ الرَّحيم

و صلّى اللَّه على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

مبحث التعارض و اختلاف الأدلّة

و قبل الورود في المقصد لا بدّ من ذكر امور:

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الأمر الأوّل عدم تعارض العامّ و الخاصّ‏

اختصاص الكلام في هذا الباب بتعارض الأخبار

إنّ مبحث التعارض و إن كان بعنوانه أعمّ من تعارض الأخبار، لكن لمّا كان البحث عن تعارض غيرها غيرَ معنون في هذا المبحث في هذه الأعصار- لأهميّة تعارضها، و ندرة غيره، كتعارض أقوال اللّغويين مثلًا- اختصّ البحث فيه بتعارض الأخبار، فلا بدّ من عقد البحث في تعارضها، و تخصيص الكلام به.

فنقول: إنّ الأخبار العلاجيّة (1) تدور مدار عنوانين:

____________

(1) المرويّة في وسائل الشيعة 18: 75، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9 و مستدرك الوسائل 17: 303، أبواب صفات القاضي، الباب 9.

32

أحدهما: «الخبران المتعارضان» كما في مرفوعة زرارة (1) و سيأتي الكلام فيها (2).

و ثانيهما: «الخبران المختلفان» كما في سائر الروايات على اختلافها في التعبير (3).

فالكلام في باب التعارض يدور مدارهما، و مفادهما يرجع إلى‏ أمر واحد عرفاً و لغة، و لمّا كان الميزان في تشخيص الموضوعات مصداقاً و مفهوماً هو العرف، فلا بدّ من عرض المفهومين عليه؛ لتشخيص التعارض و اختلاف الأدلّة فإذا صدق العنوان فلا بدّ من العلاج بالرجوع إلى‏ أخبار العلاج، و إلّا فلا.

ثمّ إنّ التعارض و التنافي لدى العرف و العقلاء- في الكلامين الصادرين من المتكلّمين- مختلف؛ فإنّ الكلام قد يصدر من مصنّفي الكتب و متعارف الناس في محاوراتهم العاديّة؛ ممّا لم يتعارف فيها إلقاء الكلّيات و المطلقات، ثمّ بيان المخصّصات و المقيّدات و قرائن المجازات بعدها.

و قد يكون صادراً من مقنّني القوانين و مشرّعي الشرائع؛ ممّا يتعارف فيها ذلك، فإنّك ترى في القوانين العرفيّة إلقاءَ الكلّيات في فصل، و بيان حدودها

____________

(1) عوالي اللآلي 4: 133/ 229، مستدرك الوسائل 17: 303، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 2.

(2) راجع الصفحة 122.

(3) كما في رواية الحسن بن الجهم الآتية في الصفحة 124 و موثّقة سماعة الآتية في الصفحة 128 و غيرهما.

33

و مخصّصاتها في فصول اخر، فمحيط التقنين و التشريع غير محيط الكتب العلميّة و المحاورات العرفية المتداولة.

و لهذا ترى‏: أنّ فيلسوفاً أو اصوليّاً لو ادعى قاعدة كلّية في فصل، ثمّ ادعى خلافها في بعض الموارد، يقال: «تناقض في المقال» اللّهم إلّا أن ينبّه على انتقاضها في بعض الموارد، و لكن العرف و العقلاء لا يرون تناقضاً- في محيط التقنين و التشريع- بين العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، مع ضروريّة التناقض بين الإيجاب الكلّي و السلب الجزئي، و كذا العكس، لكن لمّا شاع و تعارف في وعاء التقنين و محيط التشريع ذلك، لا يعدّونه تناقضاً.

لزوم فرض التعارض في محيط التشريع‏

فلا بدّ في تشخيص الخبرين المتعارضين و الحديثين المختلفين، من فرض الكلام في محيط التشريع و التقنين، و في كلام متكلّم صارت عادته إلقاء الكلّيات و الاصول، و بيانَ المخصّصات و الشرائط و الأجزاء و المقيّدات و القرائن منفصلةً، فهذا القرآن الكريم يقول و قوله الحقّ: «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (1) مع أنّ فيه العموم و الخصوص، و المطلق و المقيّد،

____________

(1) النساء: 83.

34

و لم يستشكل أحد بوقوع الاختلاف فيه من هذه الجهة.

و بالجملة: سنّة اللَّه تعالى‏ في الكتاب الكريم، و الرسولِ الصادع بالقانون الإلهيّ، و أئمّةِ الهدى مع عدم كونهم مشرّعين، لمّا جرت على ذلك- كما هو المشاهد في الكتاب و السنّة؛ لمصالح هم أعلم بها، و لعلّ منها صيرورة الناس محتاجين إلى‏ العلماء و الفقهاء، و فيه بقاء الدين، و رواج الشريعة، و تقوية الإسلام، كما هو الظاهر- فلا بدّ و أن يكون تشخيص الخبرين المتعارضين و المختلفين، مع عطف النظر إلى‏ هذه السنّة و تلك العادة.

فالتعارض بناءً على ما ذكرنا: هو تنافي مدلولي دليلين أو أكثر عرفاً في محيط التقنين؛ ممّا لم يكن للعرف إلى‏ الجمع بينهما طريق عقلائيّ مقبول، و صار العرف متحيّراً في العمل، فالأدلّة الدالّة على الأحكام الواقعيّة، غير معارضة للأدلّة الدالّة على حكم الشكّ؛ لأنّ للعرف فيها طريقاً إلى‏ الجمع المقبول.

و كذا لا يتعارض الحاكم المحكوم، و قد ذكرنا ضابط الحكومة في البراءة (1) و الاستصحاب‏ (2).

و كذا لا تعارض عرفاً بين العامّ و الخاصّ، سواءً كانا قطعيّي السند، أو كان أحدهما قطعيّاً، و سواءً كان الخاصّ قطعيّ الدلالة، أو ظنّيها؛ لأنّ العرف لا يرى انسلاكهما في الخبرين المتعارضين و الحديثين المختلفين.

____________

(1) أنوار الهداية 1: 370- 372 و 2: 14- 15.

(2) الرسائل للإمام الخميني (قدس سره) 1: 239- 241.

35

سرّ عدم التعارض بين العامّ و الخاصّ‏

و السرّ في تقديم الخاصّ على العامّ ما أشرنا إليه؛ من أنّ التعارف و التداول في محيط التقنين و الأخبار الصادرة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لمّا كان بيانَ الاصول و القوانين الكلّية منفصلة عن مخصّصاتها، لا يرى العرف تعارضاً بينهما، و يكون الجمع بينهما عرفيّاً عقلائيّاً.

و إن شئت قلت: إنّ أصالة الجدّ في العامّ صارت ضعيفة في العمومات الصادرة عن المقنّنين؛ بحيث لا تقاوم أصالة الجدّ في الخاصّ، فهي تتقدّم عليها؛ لقوّتها و ضعف مقابلتها، للتعارف المشار إليه، هذا في الظاهرين.

و أمّا إذا كان الخاصّ قطعيّ الدلالة و ظنّي السند، فتقديمه عليه أيضاً لعدم التخالف بينهما في مقام الجمع و الدلالة، و مع عدم تخالفهما لا يكون السند الظنّي معارضاً للظاهر الظنّي، حتّى يتشبّث بما أفاده العلّامة الأنصاريّ (قدس سره)(1) ممّا هو بعيد

____________

(1) فرائد الاصول: 432- 433. و العلامة الأنصاري: هو المحقق المؤسس الاصولي و الفقيه البارع الرجالي الشيخ مرتضى ابن الشيخ محمد أمين التستري المعروف بالأنصاري نسبة لجدّه جابر بن عبد اللَّه. ولد عام 1214 ه. ق، في مدينة دزفول، و فيها شرع بتحصيله العلمي، ثمّ حضر على السيد المجاهد و شريف العلماء و الشيخين موسى و عليّ كاشف الغطاء و الشيخ النراقي. كان (قدس سره) مبتكراً في أنظاره الفقهية و الاصولية صاحب نظريات جديدة و عميقة، لذا قال استاذه النراقي: إنّه شاهد خمسين مجتهداً لم يرَ فيهم كالشيخ الأنصاري. تولّى المرجعية بعد وفاة صاحب الجواهر. و توفّي سنة 1281 ه. ق، له عدّة كتب أهمّها: الرسائل و المكاسب و كتاب في الطهارة و آخر في الصلاة. انظر أعيان الشيعة 10: 117، معارف الرجال 2: 399.

36

عن الأفهام، و غير صحيح في نفسه، كما سنشير إليه‏ (1).

و بالجملة: لا يرى العرف بين الخاصّ و العامّ تعارضاً؛ لا في الظنّيين، و لا في الخاصّ القطعيّ الدلالة و الظنّي السند و العامّ، فإذا لم يكن بينهما تعارض، فلا ترفع اليد عن السند الظنّي الحجّة؛ لكونه بلا وجه كما لا يخفى، هذا كلّه في غير الخاصّ القطعيّ دلالةً و جهةً و سنداً.

و أمّا فيه، فالتقدّم يكون بالتخصّص؛ لأنّ بناء العقلاء على العمل بالأُصول في غير مورد العلم بالخلاف.

كلام المحقّقين في وجه تقديم الخاصّ على العامّ‏

ثمّ إنّ كلام المحقّقين مختلف في وجه تقديم الخاصّ على العامّ، فالشيخ الأنصاريّ فصّل بين الموارد، فقال: إنّ المخصّص إذا كان علميّاً سنداً و دلالة يكون وارداً على العامّ، و إن كان ظنّياً بحسب الدلالة يكون مع العامّ من قبيل تعارض‏

____________

(1) يأتي في الصفحة 39- 41.

37

الظاهرين، فربّما يقدّم العامّ و إن كان قطعيّ الدلالة ظنّي السند.

فإن قلنا: بأنّ اعتبار أصالة الظهور إنّما هو من حيث أصالة عدم القرينة، يكون دليل اعتبار السند حاكماً على أصالة الظهور، و احتمل الورود و أمر بالتأمّل.

و إن قلنا: بأنّ اعتبارها من جهة الظنّ النوعيّ الحاصل من الغلبة أو غيرها، فالظاهر أنّ النصّ وارد عليه مطلقاً (1).

و ذهب المحقّق الخراسانيّ في تعليقته إلى الورود مطلقاً (2).

و ذهب بعض أعاظم العصر إلى الحكومة في غير القطعيّ سنداً و دلالة مطلقاً (3).

____________

(1) فرائد الاصول: 432- 433.

(2) حاشية الآخوند على الرسائل: 259 السطر الثاني. و المحقق الخراساني: هو العلامة الفقيه المدقّق الشيخ محمد كاظم بن حسين الهروي الخراساني. ولد بمشهد سنة 1255 ه. ق، و شرع في تحصيله العلمي و هو ابن إحدى عشرة سنة إلى‏ أن بلغ الثالثة و العشرين و بعدها قصد النجف الأشرف فدرس مدّة عامين عند الشيخ الأعظم، و عشرة أعوام عند السيد المجدّد الشيرازي ثمّ استقل بالتدريس و الإفادة فكان استاذ النجف الأوحد في دقة بحوثه و عمقها. و بالرغم من نشاطه العلمي و انشغاله بالمرجعية و الزعامة الدينية فقد كان له دور مهم في الحركة المشروطة و كان من أبرز الداعين إلى‏ جهاد المحتلّين الروس و الإنجليز. توفّي في ظروف غامضة فجر اليوم الذي عزم فيه على السفر لإيران لمجاهدة الغزاة و ذلك في العشرين من شهر ذي الحجة سنة 1329. له بالإضافة إلى‏ الكفاية و حاشيته على الرسائل كتاب الشذرات و غيره. انظر أعيان الشيعة 9: 5، معارف الرجال 2: 323، المصلح المجاهد.

(3) فوائد الاصول 4: 719- 725. و المراد ببعض أعاظم العصر هو آية اللَّه العظمى المحقق الخبير الميرزا محمد حسين بن عبد الرحيم النائيني ولد بنائين عام 1277 ه. ق، و درس المقدمات في أصفهان ثمّ هاجر إلى‏ العراق فحضر عند السيد محمد الفشاركي الأصفهاني و الآخوند الخراساني و غيرهما. امتاز المحقق النائيني بالإبداع و عنصر التجديد في المجال الاصولي و يعدّ صاحب أعمق مدرسة اصولية عرفها الفكر الاصولي الشيعي. و مع هذا فقد كان شريك الآخوند الخراساني في حركة المشروطة. و نظراً لمقامه العلمي الشامخ فقد تسابق العلماء و المحققون إلى‏ تقرير أبحاثه الفقهية و الاصولية فكان منها الفوائد و الأجود اصولًا و المنية و المكاسب و البيع و الصلاة فقهاً. توفّي (رحمه اللَّه) سنة 1355. انظر معارف الرجال 1: 284، طبقات أعلام الشيعة 2: 593- 596.

38

و ذهب شيخنا الاستاذ أعلى اللَّه مقامه، إلى‏ أنّ التعبّد بالسند مقدّم؛ لتقدّمه الرتبي‏ (1) كما أفاد في الشكّ السببيّ و المسبّبيّ من التقدّم الطبعيّ‏ (2).

____________

(1) درر الفوائد: 639- 640. و مراده (قدس سره) من شيخه الاستاذ: هو آية اللَّه العظمى الشيخ عبد الكريم بن محمد جعفر الحائري اليزدي. ولد سنة 1276 ه. ق، في قرية مهرجرد التابعة لميبد في محافظة يزد. و درس المقدمات في يزد و أردكان ثمّ قصد العراق فأكمل السطوح على يد المحققين الشيرواني و الحاج الشيخ فضل اللَّه النوري و كان السيد المجدّد الشيرازي قد أولاه عناية فائقة حتّى أسكنه في دار مع ولده الحاج ميرزا عليّ آغا فكان كأحد أولاده. ثمّ حضر العلّامة الحائري الأبحاث العالية للسيد المجدّد و الشيخ محمد تقي الشيرازي و السيد الفشاركي و الآخوند الخراساني فكان له عند اساتذته مقام سامٍ و درجة علمية رفيعة و يكفي للتدليل على هذا الأمر ارجاع الشيخ محمد تقي الشيرازي احتياطاته إليه. و له (قدس سره) الفخر في تأسيس الحوزة العلميّة المباركة بمدينة قم المقدسة فقد نظم من كان فيها تنظيماً عالياً و وسع العطاء على الطلّاب و العلماء و سنّ نظاماً للدراسة و أثبت الامتحان السنوي. تُوفّي (رحمه اللَّه) عام 1355 ه. ق. انظر أعيان الشيعة 8: 42، طبقات أعلام الشيعة 3: 1158- 1167، نقباء البشر 3: 1158.

(2) درر الفوائد: 632.

39

الإشكال على الشيخ الأعظم (قدس سره)

و الأولى‏ التعرّض لبعض ما أفاده الشيخ الأعظم، فنقول: أمّا قضيّة ورود قطعيّ السند و الدلالة على أصالة الظهور فلا تصحّ؛ لأنّ الورود عبارة عن إخراج فرد حقيقة عن تحت كلّي، بواسطة إعمال التعبّد أو الحكم العقلائيّ لو فرض تحقّقه، و أمّا إذا كان حكم العقل أو بناء العقلاء على موضوعين، فلا يكون من الورود، بل يكون من قبيل التخصّص، و ما نحن فيه كذلك؛ لأنّ بناء العقلاء على العمل بالظواهر إنّما هو في غير مورد العلم بالخلاف، فمورده خارج تخصّصاً.

و أمّا ما أفاد: من حكومة دليل اعتبار السند على أصالة الظهور، إذا كان مستندها أصالة عدم القرينة، و وروده عليها إذا كان المستند الغلبة.

ففيه: أنّ الأولى هو العكس؛ لأنّ مستند أصالة الظهور إذا كان أصالة عدم القرينة، يكون بناء العقلاء معلّقاً على عدم القرينة، فإذا احرزت القرينة و لو بالأصل، تتحقّق غاية بنائهم، و الخاصّ قرينة، فتقدّمه يكون بالورود، لا الحكومة.

و أمّا إذا كان المستند هو الغلبة فلا يكون بناؤهم معلّقاً، بل يكون لأجل نفس الظهور و الظنّ النوعيّ، فتقدّم ظنّ معتبر آخر عليه لا يكون من الورود قطعاً، فيمكن أن يكون من باب الحكومة على مبناه.

40

و التحقيق: أنّه ليس من الحكومة مطلقاً، أمّا على ما فسّرها (1) فواضح؛ لأنّ بناء العقلاء على الأخذ بالسند لا يكون مفسّراً للظاهر و شارحاً له.

و أمّا بناءً على التحقيق في باب الحكومة كما عرفت في الاستصحاب‏ (2)، فلأنّ أحد الدليلين لا يتعرّض لما لا يتعرّضه الآخر، فدليل اعتبار السند إن كان بناء العقلاء مع عدم الردع أو الإمضاء- كما هو الحقّ- فيكون هذا البناء كالبناء على العمل بالظواهر، فلا معنى لحكومة أحدهما على الآخر بوجه و بأيّ تفسير فسّرت الحكومة.

و إن كان الدليل اللفظيّ، فهو و إن كان خلاف المفروض؛ لأنّ الكلام في الاصول اللفظية و بناء العقلاء، لا في الأدلّة اللفظية، لكن لا حكومة لمثل قوله:

«العَمْري و ابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان»

(3) على أصالة الظهور، لعدم‏

____________

(1) فرائد الاصول: 432 سطر 6.

(2) الرسائل للإمام الخميني (قدس سره) 1: 239- 241.

(3) الكافي 1: 265/ 1، وسائل الشيعة 18: 99، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 4. و العمري: هو الثقة الجليل أبو عمرو عثمان بن سعيد الزيّات الأسديّ العمري السفير الأول للناحية المقدسة. كان يتّجر في السمن تغطية على الأمر فقيل له الزيّات. خدم الهادي (عليه السلام) و هو ابن إحدى عشرة سنة، ثمّ صار وكيلًا للإمامين العسكريّ و صاحب الزمان (عليهما السلام) و كانت توقيعات الصاحب (عليه السلام) تخرج على يديه. و قبره ببغداد معروف متبرك به. انظر غيبة الشيخ: 214، رجال الشيخ: 420 و 434 و 509. و أمّا ابنه: فهو أبو جعفر محمد العمري. كان ثقة جليلًا عند الطائفة و وكيلًا للعسكري (عليه السلام) و سفيراً للصاحب أرواحنا له الفداء فكان يتولى هذا الأمر نحواً من خمسين عاماً و التوقيعات تخرج على يده إلى‏ الشيعة في المهمات طول حياته بالخط الذي كانت تخرج به في حياة أبيه عثمان لا يعرف الشيعة في هذا الأمر غيره و لا يرجع إلى‏ أحد سواه، فلما دنت منه قدّس اللَّه روحه المنية حفر لنفسه قبراً و سوّاه بالساج فسئل عن ذلك فقال: للناس أسباب و قد أُمرت أن أجمع أمري فمات في اليوم و الشهر و السنة التي ذكرها أي في جمادى الاولى سنة 304 أو 305. و قبره ببغداد يعرف بقبر الشيخ الخلّاني. انظر غيبة الشيخ: 216- 223، رجال الشيخ: 509.

41

تعرّضه له، و لا يرفع موضوعه تعبّداً، فكما أنّ دليل اعتبار السند يجعل احتمال مخالفته بمنزلة العدم، كذلك دليل اعتبار الظهور أيضاً، من غير فرق بينهما.

و ما في بعض كلماته: من أنّ الظاهر من قبيل الأصل، و دليلَ اعتبار السند من قبيل الدليل، فيقدّم عليه‏ (1) كما ترى.

نعم، لو قيل بالمفهوم في آية النبأ (2) و قيل: بأنّ مفهومها عرفاً أنّ خبر العادل بيّن لا يحتاج إلى‏ التبيّن، لكان لذلك وجه، لكنّه من قبيل احتمال في احتمال، و بالجملة لا أرى للحكومة وجهاً.

كلام مع بعض أعاظم العصر (قدس سره)

و أمّا ما أفاده بعض الأعاظم: من أنّ الخاصّ بمنزلة القرينة على التصرّف في العامّ، و لا ينبغي الشكّ في حكومة أصالة الظهور في القرينة، على أصالة الظهور في‏

____________

(1) فرائد الاصول: 452 سطر 12.

(2) الحجرات: 7.

42

ذيها و لو كان ظهور القرينة أضعفَ منه، كما يظهر ذلك من قياس ظهور «يرمي» في قولك: «رأيت أسداً يرمي» في رمي النبل، على ظهور «الأسد» في الحيوان المفترس؛ فإنّه لا إشكال في كون ظهور «الأسد» في الحيوان المفترس، أقوى من ظهور «يرمي» في رمي النبل؛ لأنّه بالوضع، و ذلك بالإطلاق، مع أنّه لم يتأمّل أحد في حكومة أصالة ظهور «يرمي» على أصالة ظهور «الأسد».

و ليس ذلك إلّا لأجل كون «يرمي» قرينةً على التصرّف في «الأسد» و نسبة الخاصّ إلى‏ العامّ كنسبة «يرمي» إلى‏ «الأسد» فلا مجال للتوقّف في تقديم ظهور الخاصّ في التخصيص على ظهور العامّ في العموم‏ (1) انتهى.

فهو من دعاويه الغريبة المختصّة به (رحمه اللَّه)؛ ضرورة أنّ صيرورة شي‏ء قرينةً على صرف ظهور شي‏ء، لا يمكن إلّا بقوّة الظهور، أو بما أشرنا إليه آنفاً (2) و سنشير إليه‏ (3)، أو النظر الحكومتيّ كما قد يتّفق، و مثل: «رأيت أسداً يرمي»- مع قطع النظر عن المثال الذي صارت بواسطة تكرّره في الكتب الأدبيّة (4) و غيرها (5) و الاستشهاد به مراراً، قرينيّة «يرمي» معلومةً- لا يكون لقوله «يرمي» حكومة على «الأسد».

____________

(1) فوائد الاصول 4: 720- 721.

(2) تقدم في الصفحة 35.

(3) يأتي في الصفحة 46.

(4) المطوّل: 291 سطر 8.

(5) الفصول الغروية: 26 السطر الأوّل.

43

و ما قاله: من أنّ القرينة لها خصوصيّة، بها تكون حاكمة على ذيها (1) ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه؛ لأنّ كون هذه الكلمة قرينة على هذه أو بالعكس، أوّل الكلام، فأيّ ترجيح للفظة «يرمي» حتّى بها يصرف «الأسد» عن ظهوره لو لا الأظهرية، فإذا ألقى المتكلّم كلاماً إلى‏ السامع، فبأيّ شي‏ء يميّز القرينة عن ذيها، و يرجّح أحدهما على الآخر، لصرفه عن معناه الأصليّ الحقيقيّ إلى‏ المجازي؟! فلو علم أوّلًا أنّ المتكلّم جعل الكلمة الفلانيّة قرينة على صرف صاحبها، لم يحتج إلى‏ التشبّث بالظهور و الحكومة.

و بالجملة: لا تكون أصالة الظهور في القرينة حاكمة على ذيها إلّا في بعض الموارد.

ثمّ لو سلّم، فأيّ دليل على أنّ التخصيص بمنزلة القرينة، و هل هذا إلّا دعوى خالية عن البرهان؟! و مجرّد تقديم العرف الخاصّ على العامّ إذا صدر من متكلّم في مجلس واحد، لا يدلّ على الحكومة، فإنّ تقديمه عليه معلوم، لكنّ الكلام في وجهه.

و بالجملة: كلامه مع وضوح فساده في الدعويين، لا يخلو من دور أو شبهه، فتدبّر.

و أمّا ما أفاده الشيخ الأعظم دليلًا على حكومة النصّ الظنّي السند على‏

____________

(1) فوائد الاصول 4: 720.

44

العامّ: بأنّا لم نجد و لا نجد من أنفسنا مورداً، يقدّم فيه العامّ من حيث هو على الخاصّ و إن فرض كونه أضعف الظنون المعتبرة (1)، فهو جارٍ بعينه فيما إذا كان الخاصّ ظاهراً كالعامّ؛ فإنّا لم نجد مورداً يقدّم العامّ على الخاصّ لأظهريّته منه، مع أنّ غالب موارد العام و الخاصّ من قبيل الظاهرين، لا النصّ و الظاهر، مع اعترافه بأنّ تعارض الخاصّ الظاهر مع العامّ من قبيل تعارض الظاهرين‏ (2)، فمن ذلك يعلم أنّ تقديم الخاصّ ليس من باب الحكومة مطلقاً.

كلام مع شيخنا العلّامة أعلى اللَّه مقامه‏

و أمّا التقدّم الرتبيّ الذي أفاده شيخنا العلّامة (3) و الظاهر رجوعه عنه في بحثه‏ (4).

ففيه أوّلًا: أنّ دليل اعتبار السند، ليس مقدّماً رتبة على دليل اعتبار الظهور و لو في رواية واحدة، و كذا موضوعهما؛ لعدم ملاك التقدّم الرتبيّ في السند كما لا يخفى.

____________

(1) فرائد الاصول: 433 سطر 7.

(2) نفس المصدر: 433 سطر 10.

(3) درر الفوائد: 639- 640.

(4) نفس المصدر هامش الصفحة 632 و 640.

45

و ثانياً: لو سلّم ذلك في الرواية الواحدة، فهو ممنوع بالنسبة إلى‏ روايتين، فأيّ وجه للتقدّم الرتبيّ لدليل اعتبار سند رواية أو نفس سندها، على دليل اعتبار ظهور رواية اخرى‏ أو نفسه، مع فقدان مناط التقدّم حتّى في الرواية الواحدة، فضلًا عن روايتين؟!

و ثالثاً: سلّمنا ذلك، لكن مجرّد التقدّم الرتبيّ، ليس موجباً للتقدّم، كما ذكرنا في الأصل السببيّ و المسبّبي‏ (1).

كلام مع المحقّق الخراساني (قدس سره)

و أمّا ما أفاده المحقّق الخراسانيّ في «الكفاية»: من أنّ الوجه هو أظهريّة الخاصّ في مفاده من العامّ، أو كون الخاصّ نصّاً و العامّ ظاهراً (2) فهو في النصّ كذلك، لكن كون الخاصّ الظاهر أظهر من العامّ ممنوع؛ فإنّ قوله: «أهن كلّ عالم فاسق» ليس أظهر في مفاده من قوله: «أكرم كلّ عالم» لأنّ هيئة الأمر و مادّته في كلّ منهما سواء، و كلمة «كلّ» في كلّ منهما بمعنى واحد، و «العالم» في كلّ منهما مفاده واحد، و «الفاسق» يدلّ على المتلبّس بالفسق، كدلالة «العالم» على المتلبّس بالعلم من غير فرق بينهما.

____________

(1) الرسائل للإمام الخميني (قدس سره) 1: 172 و 248- 249.

(2) كفاية الاصول: 498.

46

و لهذا لو بدّل قوله ذلك ب «أهن كلّ فاسق» و «أكرم كلّ عالم فاسق» ينقلب الأمر، و يقدّم الخاصّ على العامّ أيضاً، و ليس لهيئة الكلام ظهور آخر حتّى تدّعى أظهريّة الخاصّ، و لو سلّم لا يكون أظهر، و هذا واضح.

مع أنّ التصادم بين العامّ و الخاصّ ليس في مقام الظهور، إن كان المراد منه دلالة الألفاظ على معانيها اللّغوية أو العرفية.

و بعبارة اخرى: ليس التصادم بينهما في الإرادة الاستعمالية؛ لأنّ العامّ المخصّص ليس بمجاز على ما هو المحقّق عندهم‏ (1) فلا يكون الخاصّ موجباً لانصراف العامّ عمّا استعمل فيه، ليكون قرينة على مجازيّة العامّ، بل هو مستعمل بمادّته و هيئته في معناه الحقيقيّ، و الخاصّ إنّما يوجب الكشف عن الإرادة اللبّية، فيتصرّف في أصالة الجدّ في العامّ بواسطة الخاصّ، و لهذا لا ينظر العرف إلى‏ أظهريّة الخاصّ من العامّ، بل نفس أخصّيته منه موجبة للتصرّف فيه؛ أي الكشف عن الإرادة الجدّية في العام.

و السرّ كلّ السرّ هو ما أشرنا إليه سابقاً (2)؛ من أنّ تعارف إلقاء العمومات و الاصول، و ذكر المخصّصات منفصلة في بسيط التشريع و محيط التقنين، أوجب ذلك، فصار بواسطة هذا التعارف ارتكازيّاً للعقلاء و العلماء الباحثين في الأدلّة الفقهيّة.

____________

(1) كفاية الاصول: 255، درر الفوائد: 212، فوائد الاصول 1: 516.

(2) راجع الصفحة 35.

47

بيان أصالتي الحقيقة و الجدّ

ثمّ اعلم: أنّ الشكّ قد يقع في أنّ المتكلّم هل أراد من اللفظ معناه المجازي؟

سواء قلنا: بأنّ المجازات من قبيل استعمال الألفاظ في غير ما وضعت له، أو قلنا:

بأنّها من قبيل استعمالها في معانيها الحقيقيّة، و إرادة المعنى المجازيّ بدعوى‏ كونه مصداقاً للمعنى الحقيقي.

ففي قوله: «أكرم العلماء» قد يشكّ في أنّه أراد من «العلماء» المعنى الحقيقيّ؛ أي كلّ ما يتلبّس بالعلم، أو الفقهاء خاصّة؛ إمّا باستعمال اللفظ الموضوع للعامّ في بعض المصاديق لعلاقة، أو بدعوى‏ كون الفقهاء تمام مصاديق العلماء، و تنزيل غيرهم منزلة العدم، كما هو الرأي الفصل في مطلق المجازات‏ (1) و لا شكّ في أنّ بناء العقلاء على الحمل على المعنى الحقيقيّ، و هذا أصل عقلائيّ.

و قد يشكّ- بعد إحراز كون اللفظ مستعملًا في معناه الحقيقيّ، و مراداً به ذلك لا الادعائيّ- في أنّ إلقاء العموم إنّما هو لأجل البيان القانونيّ و إلقاء القاعدة، و لا يريد إكرام جميعهم جدّاً، بل يريد إكرام الفقهاء مثلًا، و يأتي بالمخصّص في‏

____________

(1) انظر مناهج الوصول 1: 104- 107.

48

كلام مستأنف، أو يكون كلامه غير مطابق للجدّ؛ لأجل التقيّة أو أمر آخر.

و لا إشكال أيضاً في أنّ الأصل العقلائيّ، هو الحمل على مطابقة الإرادة الاستعماليّة للجدّية، و هذه هي أصالة الجدّ، و هذان أصلان لدى العقلاء، بكلّ منهما تحرز حيثيّة من حيثيّات كلام المتكلّم.

و قد اختلفت كلماتهم في أنّ المراد ب «أصالة الظهور» و «أصالة عدم القرينة» هو الأصل المحرز للمعنى الحقيقيّ، أو المحرز للإرادة الجدّية.

صرّح بأوّلهما شيخنا العلّامة أعلى اللَّه مقامه في باب حجّية الظواهر (1) و لعلّه ظاهر كلام الشيخ الأنصاريّ‏ (2).

و صرّح بالثاني بعض أعاظم العصر (3)، بل لعلّ ظاهره رجوع الأصلين إلى‏ أمر واحد.

و التحقيق: أنّ في المقام أصلين عقلائيّين، كلّ منهما لرفع شكّ حاصل في كلام المتكلّم، فإذا شكّ في مجازيّته لا يعتني به العقلاء، و هذا أصل.

و مع العلم بإرادة المعنى الحقيقيّ استعمالًا، إذا شكّ في كون الكلام صدر جدّاً، أو لأجل تقيّة، أو إلقاءِ الكلّي القانونيّ لذكر المخصّصات بعده، يحمله العقلاء

____________

(1) درر الفوائد: 359.

(2) انظر فرائد الاصول: 34 السطر الأول و 432- 433.

(3) فوائد الاصول 4: 716، أجود التقريرات 1: 454 و 2: 91 و 508.

49

على الجدّ، و هذا أصل آخر.

فأصالة الحقيقة و أصالة الظهور و العموم، اصطلاحات مناسبة للأوّل، و أصالة الجدّ مناسبة للثاني، و أصالة عدم القرينة تناسبهما، و لا مشاحّة في الاصطلاح.

و كيف كان: فالظاهر أنّ المعوّل عليه عند العقلاء، هو ظهور اللفظ، و أصالة الظهور أصل عقلائيّ جامع لأصالة الحقيقة و أصالةِ العموم، بل للظهور المنعقد في الكلام بواسطة قرائن المجاز، فإذا شكّ في أنّ المتكلّم ب «رأيت أسداً يرمي» أراد الرجل الشجاع الذي هو ظاهر كلامه أو غيره، يتّبع ظاهر كلامه المنعقد بواسطة القرينة، و يكون المعوّل عليه أصالة الظهور (1).

____________

(1) التحقيق كما استقرّ رأينا عليه في مباحث الألفاظ (أ): أنّ موضوع الاحتجاج و إن كان هو ظاهر كلام المتكلّم، لكن مبنى الحجّة ليس أصالة عدم القرينة، أو أصالة الظهور في شي‏ء من الموارد، بل مبناها أصالة عدم الخطأ و الغلط و إلغاء احتمال تعمّد الكذب و الخيانة؛ ببناء العقلاء في الإخبار مع الواسطة. فأصالة الظهور إن رجعت إلى‏ أصالة حجّية الظهور، فهي تعبير غير صحيح. و إن رجعت إلى‏ أصالة بقائه فهي تعبير بملازم الشي‏ء، كما أنّها كذلك لو رجعت إلى‏ أصالة كون الظاهر مراداً استعمالًا أو جدّاً، فلا معنى لأصالة الظهور بهذا التعبير، إلّا أن ترجع إلى‏ أحد ما تقدّم و نظائره [منه (قدس سره)‏].- (أ) تهذيب الاصول 2: 163- 164، و ما في تهذيب الأحكام عدول عما اختاره سماحته (قدس سره) في أنوار الهداية 1: 241.

50

و الظاهر أنّ أصالة عدم القرينة، ليست أصلًا معوّلًا عليه في هذا الباب؛ لا لدى الشكّ في القرينة، و لا لدى الشكّ في المراد الجدّي، فما أفاد المحقّق الخراسانيّ في المقام‏ (1)، مثل ما أفاد بعض أعاظم العصر من التفصيل‏ (2) لا يعتمد عليهما، فراجع كلامهما و تدبّر.

____________

(1) راجع درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: 433.

(2) راجع الهامش (3) من الصفحة 48.