التعليق والشرح المفيد للحلقة الأولى‏ - ج2

- السيد محمد علي الحسيني المزيد...
160 /
1

التعليق و الشرح المفيد للحلقة الأولى للسيد الشهيد (قدّس سرّه)‏ الدليل العقلي و الأصول العملية تأليف‏ السيد محمد علي الحسيني اللبناني‏

2

-

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[مقدمه‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و السلام على آل يس‏

و نحمده فوق حمد الحامدين، و نشكره فوق شكر الشاكرين و نصلّي و نسلّم على نبيّنا الخاتم محمد بن عبد اللّه (صلوات اللّه عليه و على آله) الأئمّة المعصومين من أمير المؤمنين الوصيّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلى خاتم الأوصياء من ذرّية آل محمد (عليهم السلام) الحجّة القائم المنتظر أرواحنا فداه. و نلعن و نتبرّأ من أعدائهم منذ زمن آدم إلى يوم الدين.

و بعد:

فبتوفيق من اللّه عزّ و جلّ و بركة آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بالخصوص نور عيني روحي لتراب مرقدها الفداء مولاتنا فاطمة المعصومة (عليها السلام) انتهينا من الجزء الأوّل من التعليق و الشرح المفيد للحلقة الأولى للسيد الشهيد (رحمه اللّه) و الجزء الأوّل كان يحتوي على مباحث أصولية وصفها السيد (رحمه اللّه) بالتمهيدية و بعدها الدليل الشرعي اللفظي و غير اللفظي.

و بعونه تعالى نشرع اليوم و ببركة آل محمد (عليهم السلام) بكتابة الجزء الثاني، و فيه الدليل العقلي و الأصول العملية.

6

مع ملاحظة أنّ هناك بعض المطالب لا نرى الحاجة لشرحها أو التعليق عليها، و السبب يعود لحجم هذه المطالب المناسب على صعيد هذه الحلقة من جهة، أو لكفاية الشرح و التمثيل الموجود في المتن، فلا نتدخّل عندها؛ لكي لا يلزم التكرار أو التطويل الّذي لا يتناسب مع هذه الحلقة الأولى في دراسة علم أصول الفقه الإسلامي.

أخيرا أسأل اللّه الحليم الكريم أن يتكرّم علينا بقبول هذا العمل، و يجعل فيه الفائدة المرجوّة، و كذلك ألتمس من المتعلّمين و القارئين لهذا الكتاب الفاتحة و الدعاء بالمغفرة و الرحمة للإمام السيد الشهيد السعيد محمد باقر الصدر (رحمه اللّه)، و أن لا يبخلوا علينا نحن أيضا بالفاتحة و الدعاء الخاص، خصوصا عند مظانّ الإجابة.

و السلام على آل يس و الحمد للّه ربّ العالمين‏

قم المقدسة

محمد علي الحسيني 23 ربيع الأوّل 1426 ه 1/ أيار/ 2005 م يوم مولدنا

WWW. banihashem. org

تلفون لبنان: 009613961846

7

2 الدليل العقلي‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

2. الدليل العقلي‏ (1) دراسة العلاقات العقلية (2): حينما يدرس العقل العلاقات بين الأشياء يتوصّل إلى معرفة أنواع عديدة من العلاقة، فهو يدرك مثلا علاقة التضادّ (3) بين السواد و البياض، و هي تعني استحالة اجتماعهما في جسم واحد، و يدرك علاقة التلازم بين السبب و المسبّب، فإنّ كلّ مسبّب في نظر العقل ملازم لسببه و يستحيل انفكاكه عنه، نظير الحرارة بالنسبة إلى النار، و يدرك علاقة التقدّم و التأخّر في الدرجة بين السبب و المسبّب.

و مثاله: إذا أمسكت مفتاحا بيدك و حرّكت يدك، فيتحرّك المفتاح بسبب ذلك. و بالرغم من أنّ المفتاح في هذا المثال يتحرّك في نفس اللحظة الّتي تتحرّك فيها يدك، فإنّ العقل يدرك أنّ حركة اليد متقدّمة على حركة المفتاح، و حركة المفتاح متأخّرة عن حركة اليد لا من ناحية

____________

(1). الدليل العقلي يعني كلّ قضية يدركها العقل، و يمكن أن يستنبط منها حكما شرعيا.

(2). أي دراسة العقل للعلاقات بين الأشياء، حيث إنّه يوجد أشياء تقوم بينها علاقات في نظر العقل، و كذلك هناك أحكام تقوم بينها علاقات في نظر العقل أيضا.

(3). التضادّ: هو التنافي و التباين التامّ بين الأمرين الوجوديّين، بحيث لا يصدق أحدهما على شي‏ء من الآخر.

10

زمنية (1)، بل من ناحية تسلسل الوجود، و لهذا نقول حين نريد أن نتحدّث عن ذلك‏ (2):

«حرّكت يدي فتحرّك المفتاح».

فالفاء هنا تدلّ على تأخّر حركة المفتاح عن حركة اليد، مع أنّهما وقعا في زمان واحد.

فهناك إذن تأخّر لا يمتّ إلى الزمان بصلة، و إنّما ينشأ عن تسلسل الوجود في نظر العقل، بمعنى أنّ العقل حين يلحظ حركة اليد و حركة المفتاح، و يدرك أنّ هذه نابعة من تلك‏ (3)، يرى أنّ حركة المفتاح متأخّرة عن حركة اليد بوصفها نابعة منها، و يرمز إلى هذا التأخّر بالفاء، فيقول:

«تحرّكت يدي فتحرّك المفتاح»، و يطلق على هذا التأخّر اسم «التأخر الرتبي».*

* بعد ما انتهى المصنّف (رحمه اللّه) من البحث و الكلام في الدليل الشرعي بقسميه اللفظي و غير اللفظي شرع بالبحث في الدليل العقلي بمقدّمة لطيفة و بيان رائع حول كيفية إدراك العقل لوجود علاقات بين‏

____________

(1). لأنّ حركة اليد و المفتاح كانت في نفس الوقت و الزمان، فلا يوجد على صعيد الوقت و الزمان أيّ تقدّم و تأخّر من هذه الناحية، بل التقدّم و التأخّر من ناحية التسلسل.

(2). عن ناحية التسلسل الوجودي بالنسبة لحركة اليد و المفتاح.

(3). أي أنّ حركة المفتاح نابعة من حركة اليد.

11

الأشياء، و كذلك نوعية هذه العلاقة و الأحكام الّتي تقوم بينها علاقات، و الّتي هي محطّ بحث و دراسة و اهتمام الأصولي في علم الأصول، هذا ملخّص إجمالي و نأتي إلى التفصيل.

الدليل العقليّ:

عرّف الدليل العقليّ بأنّه الدليل الّذي يستخرج الحكم الشرعيّ باستمداد العقل، و بعبارة أخرى: إنّ الدليل العقليّ هو كل قضية يدركها العقل، و يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي.

و ينقسم الدليل العقليّ إلى قسمين:

الدليل العقليّ المستقلّ:

و هو الدليل الّذي يستقلّ في دلالته على الحكم الشرعيّ، أي ما لا يحتاج إلى إثبات قضية شرعيّة لاستنباط الحكم.

و مثاله:

القضية القائلة: بأنّ كلّ ما حكم العقل بحسنه أو قبحه حكم الشارع بوجوبه أو حرمته.

فإنّ تطبيقها لاستنباط حرمة الظلم مثلا، لا يتوقّف على إثبات قضية شرعية مسبقة. بل يعتمد على مقدمتين عقليتين تمثل احداهما كبرى القياس و أخرى صغراه فتقول: كل ما حكم العقل يقيمه حكم الشارع بحرمته و هذه تمثل كبرى القياس، و قد حكم العقل بقبح‏

12

الظلم، و هذه تمثل صغرى القياس فينتج: حكم العقل بحرمة الظلم.

الدليل العقليّ غير المستقلّ:

و هو الدليل العقليّ الّذي لا يستقلّ في دلالته على الحكم الشرعي، بل يستمدّ من الدليل الشرعي. بمعنى أنّ هذا الدليل يحتاج إلى إثبات قضية شرعية لاستنباط الحكم، بعكس الدليل العقلي المستقلّ.

و مثاله:

القضية القائلة: إنّ وجوب شي‏ء يستلزم وجوب مقدّمته.

فإنّ تطبيقها لاستنباط وجوب الوضوء يتوقّف على إثبات قضية شرعية مسبقة، و هي وجوب الصلاة. وجوب الشي‏ء يستلزم وجوب مقدمته (كبرى) الوضوء مقدمة للصلاة (صغرى) و هذه المقدمة شرعيّة كما هو واضح، فينتج: حكم العقل بوجوب الوضوء.

و كذلك هناك قضية عقلية تحليلية و قضية عقلية تركيبية لا داعي للبحث فيهما هنا، بل نتركه إلى الحلقة الثانية إن شاء اللّه.

[دراسة العلاقات العقلية]

أمّا بالنسبة للعلاقات بين الأشياء فقد تقدّم أثناء دراستك للمنطق‏ (1) أنّ العقل يدرك أنّ هناك أشياء موجودة، كالسواد

____________

(1). راجع: المنطق للمظفر: مبحث التداخل و التضادّ: 177.

13

و البياض مثلا، و يدرك بعدها أنّ هناك علاقة بينهما، كعلاقة التضادّ، و الّتي تعني امتناع صدقهما معا، و إذا صدق أحدها لا بدّ أن يكذب الآخر، و لا عكس. و هذا الإدراك يجري كذلك بالنسبة لعلاقة التلازم بين السبب و المسبّب و استحالة انفكاكهما، كالحرارة بالنسبة للنار، و كذلك يجري هذا الإدراك في تسلسل التقدّم و التأخّر، كما في مثال المصنّف (رحمه اللّه) في المتن.

فيتّضح لنا أنّ العقل يدرك العلاقات بين الأشياء بعد معرفتها، ثم يحدّد نوعية هذه العلاقات، سواء كانت تضادّا أو تناقضا أو تلازما و نحوها.

تبقى مسألة مهمّة، و هي حجّية الإدراك العقلي؛ فنقول:

إدراك العقل على نوعين:

قطعي: أي يكون الإدراك بدرجة القطع، و هو بلا إشكال حجّة للفراغ من حجّية القطع كما مرّ سابقا.

ظنّي: أي أنّ الإدراك لا يصل لدرجة القطع، فيكون ظنيا، كالقياس و الرأي و الاستحسان، و الظنّ لا يغني عن الحقّ شيئا على ما صرّح به الكتاب العزيز، و بالتالي فهو ليس بحجّة.

14

و بعد أن يدرك العقل‏ (1) تلك العلاقات‏ (2) يستطيع أن يستفيد منها في اكتشاف وجود الشي‏ء أو عدمه‏ (3)، فهو عن طريق إدراكه لعلاقة التضادّ بين السواد و البياض، يستطيع أن يثبت عدم السواد في الجسم إذا عرف أنّه أبيض؛ نظرا إلى استحالة اجتماع البياض و السواد في جسم واحد. و عن طريق إدراكه لعلاقة التلازم بين المسبّب و سببه، يستطيع العقل أن يثبت وجود المسبّب إذا عرف وجود السبب؛ نظرا إلى استحالة الانفكاك بينهما.

و عن طريق إدراكه لعلاقة التقدّم و التأخّر، يستطيع العقل أن يكتشف عدم وجود المتأخّر قبل الشي‏ء المتقدّم، لأنّ ذلك يناقض كونه متأخّرا، فلذا كانت حركة المفتاح متأخّرة عن حركة اليد في تسلسل الوجود، فمن المستحيل أن تكون حركة المفتاح- و الحالة هذه- موجودة بصورة متقدّمة على حركة اليد في تسلسل الوجود.*

* بعد إدراك العقل أنّ هناك أشياء و أن هناك علاقات بين بعضها، كذلك إدراك نوعيّة هذه العلاقة سواء كانت علاقة السببية أو التضاد كما مرّ معنا.

____________

(1). الإدراك العقلي على نوعين: فتارة يكون قطعيا، و أخرى يكون ظنيا.

(2). التضادّ و الملازمة و السببية.

(3). أي إذا ثبت وجود الشي‏ء يثبت عدمه في الجسم الواحد، و هذا ما يسمّى بالتضادّ بمعنى التنافي و التباين التامّ بين الأمرين الوجوديّين.

15

فبعد إدراك هذه الأمور نقول: إنّ الاستفادة من هذه الادراكات كثيرة منها:

إثبات وجود الشي‏ء أو عدمه:

و ذلك ببركة الضدّين اللذين يمتنع صدقهما معا، و بعبارة أخرى: إذا صدق أحدهما لا بدّ أن يكذب الآخر، و لا عكس، أي لو كذب أحدهما لا يجب أن يصدق الآخر. فهنا نقول: إنّ العلاقة بين السواد و البياض أدركها العقل على أنها علاقة التضادّ، أي لا يجتمعان في جسم واحد، فإذا أدرك العقل وجود البياض فهذا أنّه أدرك عدم وجود السواد على أساس إدراكه لعلاقة التضادّ بينهما.

و كذلك الحال بالنسبة لإدراك العقل لعلاقة التلازم و علاقة التقدّم و التأخّر الّتي بيّنها المصنّف (رحمه اللّه) في المتن.

إذن نحن نستفيد من إدراكات العقل للكشف عن الوجود و العدم بين الأشياء.

16

و كما يدرك العقل هذه العلاقات بين الأشياء، و يستفيد منها في الكشف عن وجود شي‏ء أو عدمه، كذلك يدرك العلاقات القائمة بين الأحكام، و يستفيد من تلك العلاقات في الكشف عن وجود حكم أو عدمه، فهو يدرك مثلا التضادّ بين الوجوب و الحرمة، كما يدرك التضادّ بين السواد و البياض‏ (1)، و كما كان يستخدم هذه العلاقة في نفي السواد إذا عرف وجود البياض، كذلك يستخدم علاقة التضادّ بين الوجوب و الحرمة لنفي الوجوب عن الفعل إذا عرف أنّه حرام.

فهناك إذن أشياء تقوم بينها علاقات في نظر العقل، و هناك أحكام تقوم بينها علاقات في نظر العقل أيضا.

و نطلق على الأشياء اسم «العالم التكويني» و على الأحكام اسم «العالم التشريعي».

و كما يمكن للعقل أن يكشف وجود الشي‏ء أو عدمه في العالم التكويني عن طريق تلك العلاقات كذلك يمكن للعقل أن يكشف وجود الحكم أو عدمه في العالم التشريعي عن طريق تلك العلاقات.*

* بعد ما عرفت أننا نستفيد من إدراكات العقل بين الأشياء كشف وجود الشي‏ء أو عدمه، أي كما في علاقة التضادّ كشف وجود البياض‏

____________

(1). إلّا أنّ التضادّ بين الوجوب و الحرمة يقال له: (عالم التشريع) و التضادّ بين السواد و البياض يقال له (عالم التكوين).

17

في الجسم الواحد و عدم وجود السواد؛ بعد ما عرفت هذا نقول لك:

كذلك العقل يدرك العلاقة القائمة بين الأحكام، بحيث يدرك علاقة التضادّ بين الوجوب و الّذي يعني وجود مصلحة ملزمة للمكلّف، و الحرمة و الّتي فيها مفسدة ملزمة للمكلّف.

فكما أدرك العقل التضادّ بين السواد و البياض كذلك يدرك التضادّ في الأحكام بين الوجوب و الحرمة.

بيد أنّ الفرق بينهما أنّ التضادّ بين الأشياء أي بين البياض و السواد يكون في ما يسمّى ب «عالم التكوين». و التضادّ بين الأحكام، أي بين الوجوب و الحرمة يكون في ما يسمّى ب «عالم التشريع».

18

و من أجل ذلك كان من وظيفة علم الأصول أن يدرس تلك العلاقات في عالم الأحكام بوصفها قضايا عقلية صالحة لأن تكون عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، و فيما يلي نماذج من هذه العلاقات:*

* فما يهمّ الأصولي دائما أبدا هو العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، و ما يهمّنا هنا في هذا البحث الإدراكات العقلية الّتي تكشف لنا وجود الحكم أو عدمه. فيستعرض لنا المصنّف (رحمه اللّه) بعض النماذج منها.

19

تقسيم البحث: توجد في العالم التشريعي‏ (1) أقسام من العلاقات: فهناك قسم من العلاقات قائم بين نفس الأحكام- أي بين حكم شرعي، و حكم شرعي آخر- و قسم ثان من العلاقات قائم بين الحكم و موضوعه، و قسم ثالث بين الحكم و متعلّقه، و قسم رابع بين الحكم و مقدّماته، و قسم خامس و هو العلاقات القائمة بين الحكم و أشياء أخرى خارجة عن نطاق العالم التشريعي. و سوف نتحدّث عن نماذج لأكثر هذه الأقسام‏ (2) فيما يلي:

[تقسيم البحث:]

* سوف يشرع بإعطاء بعض من النماذج من العلاقات الّتي تكون عناصر مشتركة في العالم التشريعي، و قسّم البحث على أساس هذه النماذج التالية:

1. العلاقات القائمة بين نفس الأحكام، كعلاقة التضادّ بين الوجوب و الحرمة. أي بين حكم شرعيّ و آخر.

2. العلاقات القائمة بين الحكم و موضوعه، كعلاقة الجعلية

____________

(1). أي في الأحكام مقابل الأشياء في عالم التكوين.

(2). أي لغير القسم السادس، و أما القسم السادس فنريد به ما كان من قبيل علاقة التلازم بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي المقرر في المبدأ القائل: «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع».

فإنّ هذه العلاقة تقوم بين الحكم الشرعي و شي‏ء خارج عن نطاق العالم التشريعي، و هو حكم العقل. و قد أجّلنا دراسة ذلك إلى الحلقات الآتية.

20

كثبوت حكم الحجّ في الشريعة، و الفعلية: ثبوت وجوب الحجّ على المكلّف.

3. العلاقات القائمة بين الحكم و متعلّقه، كالعلاقة القائمة بين الوجوب الّذي هو الحكم و بين الصوم الّذي هو المتعلق فإن الصوم يتحقق خارجا من المكلف إلّا إذا تعلق به الجوب فهو مسبب عنه.

4. العلاقات القائمة بين الحكم و مقدّماته، بمعنى المقدّمات الّتي يتوقّف عليها وجود المتعلّق، من قبيل السفر الّذي يتوقّف أداء الحجّ عليه، و كذلك مقدّمات أخر في تكوين موضوع الوجوب، من قبيل نيّة الإقامة الّتي يتوقّف عليها صوم شهر رمضان.

5. العلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد، بمعنى علاقة التلازم، بحيث لا يمكن التجزئة في الوجوبات أو التفكيك بينها- داخل الحكم الواحد- بل إذا سقط أيّ واحد منها تحتّم سقوط الباقي نتيجة لذلك التلازم القائم بينها.

6. العلاقات القائمة بين الحكم و أشياء أخر خارجة عن نطاق العالم التشريعي كعلاقة التلازم بين حكم العقل و حكم الشرع.

فهذه هي النماذج الخمسة الّتي سوف يدور البحث فيها بالتفصيل، دون القسم السادس الّذي أجّل الحديث عنه إلى الحلقات الآتية.

21

العلاقات القائمة بين نفس الأحكام‏ (1) علاقة التضادّ بين الوجوب و الحرمة: من المعترف به في علم الأصول‏ (2) أنّه ليس من المستحيل أن يأتي المكلّف بفعلين‏ (3) في وقت واحد، أحدهما واجب و الآخر حرام، فيعتبر مطيعا من ناحية إتيانه بالواجب و جديرا بالثواب، و يعتبر عاصيا من ناحية إتيانه للحرام و مستحقّا للعقاب.

و مثاله أن يشرب الماء النجس و يدفع الزكاة إلى الفقير في وقت واحد. (4)

و أمّا الفعل الواحد، فلا يمكن أن يتّصف بالوجوب و الحرمة معا؛ لأنّ العلاقة بين الوجوب و الحرمة هي علاقة التضادّ (5)، و لا يمكن‏

____________

(1). النموذج الأوّل.

(2). أي المقرّر في علم الأصول.

(3). منفصلين.

(4). يعني شرب النجس فعل محرم، و دفع الزكاة فعل واجب. فهذان فعلان منفصلان فعلهما المكلف في وقت واحد.

(5). لأنّ مبدأ الوجوب، و هو المصلحة الملزمة يستحيل أن يجتمع مع مبدأ الحرمة، و هو المفسدة الملزمة في وقت واحد.

22

اجتماعهما في فعل واحد، كما لا يمكن أن يجتمع السواد و البياض في جسم واحد (1)، فدفع الزكاة إلى الفقير لا يمكن أن يكون- و هو واجب- حراما في نفس الوقت، و شرب النجس لا يمكن أن يكون- و هو حرام- واجبا في نفس الوقت.

و هكذا يتّضح:

(أوّلا) أنّ الفعلين المتعدّدين- كدفع الزكاة و شرب النجس- يمكن أن يتّصف أحدهما بالوجوب و الآخر بالحرمة، و لو أوجدهما المكلّف في زمان واحد.

(ثانيا) أنّ الفعل الواحد لا يمكن أن يتّصف بالوجوب و الحرمة معا.*

[1: العلاقات القائمة بين نفس الأحكام‏]

* بدأ المصنّف (رحمه اللّه) بالنموذج الأوّل من النماذج الّتي ذكرناها، و النموذج الأوّل العلاقات القائمة بين نفس الأحكام الشرعية،

[1: علاقة التضادّ بين الوجوب و الحرمة:]

و مثاله علاقة التضادّ بين الوجوب و الحرمة. و قدّم المصنّف (رحمه اللّه) مقدّمة، و حاصلها هي أنّه لا إشكال بين الأصوليين في إمكان فعل المكلّف لفعلين منفصلين في وقت واحد، كما مثّل لذلك المصنّف (رحمه اللّه) في المتن، فعل المكلّف الموصوف بالحرمة لشربه الماء النجس، و فعل المكلّف الموصوف بالوجوب لدفعه الزكاة في وقت واحد مع اتّصاف أحدهما بالحرمة،

____________

(1). في عالم التكوينيات.

23

و هو شرب الماء النجس، و الآخر بالواجب و هو دفع الزكاة، فهذا لا إشكال فيه مع تعدّد الفعلين.

و الكلام و الإشكال في الفعل الواحد و الّذي لا يمكن اتّصافه بالوجوب و الحرمة، و السبب يعود لعلاقة التضادّ بينهما.

فمن الواضح أنّه إذا كان أمر واجبا فمن المستحيل أن يكون محرّما في نفس الوقت؛ لأنّه إذا لاحظنا مبادئ الواجب عرفنا أنّه كانت فيه مصالح ملزمة اقتضت الأمر به من قبل الشارع المقدّس، حيث تعلّقت به إرادة اللّه سبحانه و تعالى، فكيف يمكن أن يكون لهذا الفعل بنفسه مفاسد توجب نهيه عنه؟

و هذا ما يشهد به العقل، فإذا كان الموضوع لا يعقل اتّصافه بالوجوب و الحرمة معا، فهذا يعني أنّه لا يمكن للفعل الواحد- كدفع الزكاة- أن يتّصف بالوجوب و الحرمة معا، بخلاف الفعلين، فيمكن اتّصاف أحدهما بالوجوب و الآخر بالحرمة.

24

و النقطة الرئيسية في هذا البحث عند الأصوليين هي أنّ الفعل قد يكون واحدا (1) بالذات و الوجود، و متعدّدا بالوصف و العنوان، و عندئذ، فهل يلحق بالفعل الواحد؛ لأنّه واحد وجودا و ذاتا (2)؟ أو يلحق بفعلين، لأنّه متعدّد بالوصف و العنوان؟ (3) و مثاله أن يتوضّأ المكلّف بماء مغصوب، فإنّ هذه العملية الّتي يؤدّيها إذا لوحظت من ناحية وجودها، فهي شي‏ء واحد (4)، و إذا لوحظت من ناحية أوصافها فهي توصف بوصفين‏ (5)، إذ يقال عن العملية: إنّها وضوء، و يقال عنها في نفس الوقت:

إنّها غصب و تصرّف في مال الغير بدون إذنه، و كلا الوصفين يسمّى «عنوانا». و لأجل ذلك تعتبر العملية (6) في هذا المثال واحدة ذاتا و وجودا و متعدّدة وصفا و عنوانا.*

* و الكلام في الفعل الواحد، حيث اختلف الأصوليون بالفعل الواحد هنا.

فمنهم من تبنّى نظرية الفعل الواحد بأنّه واحد بالذات و الوجود،

____________

(1). أي أنّه يوجد واحد شخصي و واحد نوعي الخ.

(2). فيكون المبنى عندئذ مبنيّا على أساس وحدة الفعل، فيطلق عليه اسم «القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي».

(3). فيكون المبنى عندئذ مبنيّا على أساس الفعلين، فيطلق عليه اسم «القول بجواز اجتماع الأمر و النهي».

(4). حيث إنها وضوء، فيجري عليها القول بامتناع الأمر و النهي.

(5). حيث إنها فعلان فيجري عليها القول باجتماع الأمر و النهي.

(6). عملية الوضوء.

25

بمعنى أنّه يلحق بالفعل الواحد كمجموع عملية الوضوء، و لو كانت مع استعمال الماء المغصوب بعد هذا- حسب مبنى الواحد بالذات و الوجود- فعلا واحدا.

و يقابله المبنى الثاني القائل بأنّ الواحد متعدّد بالوصف و العنوان، بمعنى أنّه يلحق مجموع الفعل بوصفين، كمجموع عملية الوضوء، توصف بالوجوب من ناحية الوضوء، و بالحرمة من ناحية وصف استعمال الماء المغصوب.

فتكون عملية الوضوء ذات وصفين أو عنوانين حسب المبنى الثاني، و ذات فعل واحد حسب المبنى الأوّل.

و كلا المبنيين يترتّب عليهما بلا إشكال أحكام شرعية.

26

و في هذه النقطة (1) قولان للأصوليين: «أحدهما» أنّ هذه العملية ما دامت متعدّدة بالوصف و العنوان تلحق بالفعلين المتعدّدين‏ (2)، فكما يمكن أن يتّصف دفع الزكاة للفقير بالوجوب، و شرب الماء النجس بالحرمة، كذلك يمكن أن يكون أحد وصفي العملية و عنوانيها واجبا و هو عنوان الوضوء، و الوصف الآخر حراما و هو عنوان الغصب.

و هذا القول يطلق عليه اسم «القول بجواز اجتماع الأمر و النهي».*

* و أمّا بالنسبة لاتّصاف مثل عملية الوضوء على طبق المبنى الأوّل أنها واحدة ذاتا و على طبق المبنى الثاني أنها متعدّدة وصفا و عنوانا، فلقد كانت محلّ بحث و نقاش عند الأصوليّون، فذهب أصحاب المبنى القائل بأنّ عملية الوضوء ما دامت متعدّدة بالوصف و العنوان فتلحق بالفعلين المتعدّدين اللذين جرى كلام عنهما في بداية البحث على أنّه لا إشكال بأن يأتي المكلّف بفعلين متعدّدين في وقت واحد، فيعتبر مطيعا من ناحية إتيانه بالوضوء من جهة، و يعتبر من جهة أخرى عاصيا من حيث استعماله للماء المغصوب.

و هذا ما يطلق عليه القول بجواز اجتماع الأمر و النهي.

و مرجعه أنّ الأمر لو تعلّق بعنوان و النهي بعنوان آخر، كما

____________

(1). أي بوصف مثل عملية الوضوء بأنها واحدة ذاتا و متعددة وصفا و عنوانا.

(2). مرّ في أوّل البحث و اتضح أنّه لا إشكال بين الأصوليين في الفعلين المتعدّدين.

27

حال وجوب الوضوء و حرمة الغصب، و كان بينهما عموم من وجه، فاجتمعا في مصداق واحد، باعتبار كونه مصداقا للمأمور به فيجزئ عنه، و عصيانا للنهي، باعتبار كونه مصداقا للمنهيّ عنه، فيكون المكلّف مطيعا من جهة، و عاصيا من جهة أخرى، و تظهر الثمرة العملية فيما لو كان المأمور به عبادة، كما لو صلّى المكلف في أرض مغصوبة، فإنّه على القول بجواز اجتماع الأمر و النهي لا مانع من قصد الأمر، و وقوع المجموع عبادة، و إن تحقق العصيان بالتصرّف في المغصوب بدون مسوّغ شرعي.

فهذا ملخّص القول الأوّل حول جواز اجتماع الأمر و النهي و تعدّد الوصف و العنوان.

28

و «القول الآخر» يؤكّد على إلحاق العملية بالفعل الواحد على أساس وحدتها الوجودية، و لا يبرّر مجرّد تعدّد الوصف و العنوان عنده تعلّق الوجوب و الحرمة معا بالعملية.

و هذا القول يطلق عليه اسم «القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي».*

* و المبنى الآخر، و هو الوحدة الوجودية- مقابل تعدّد الوصف و العنوان- يتبنّى القول بإلحاق مجموع عملية الوضوء و إن تعدّد وصفها و عنوانها بالفعل الواحد، أي الّذي تحدّثنا عنه في بداية البحث على أنّه لا يمكن أن يتّصف الوضوء بما هو فعل واحد بالوجوب و الحرمة؛ لأنهما فعل واحد و فيه علاقة التضادّ كما مرّ سابقا. لذا يقول أصحاب هذا القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي. و تظهر الثمرة العملية فيما لو كان المأمور به عبادة، كما لو صلّى المكلّف في أرض مغصوبة، فإنّه على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي لا يمكن التقرّب بالمجموع؛ لانّه منهيّ عنه، و النهي في العبادة يقتضي الفساد.

و للعلم أنّ مسألة اجتماع الأمر و النهي أو الامتناع من المسائل المهمّة في علم الأصول. و سوف يأتيك التفصيل أكثر في الحلقتين الآتيتين إن شاء اللّه. فهذا ملخّص قول الأصوليين في المسألة.

29

و هكذا اتّجه البحث الأصوليّ إلى دراسة تعدّد الوصف و العنوان من ناحية أنّه هل يبرّر اجتماع الوجوب و الحرمة معا في عملية الوضوء بالماء المغصوب؟ أو أن العملية ما دامت واحدة وجودا و ذاتا، فلا يمكن أن توصف بالوجوب في وقت واحد.*

* بعد ما بيّناه من القول بجواز اجتماع الأمر و النهي و القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي، أي القول بتعدّد الوصف و العنوان و القول بوحدة الذات و الوجود، تظهر الثمرة- كما ذكرنا- في مسألة الأمر بالعبادة مثلا.

فالصلاة في الأرض المغصوبة تكون على وفق القول بتعدّد الوصف و العنوان، أي جواز اجتماع الأمر و النهي لا مانع من قصد الأمر و وقوع المجموع عبادة، و إن تحقّق معه العصيان بالتصرّف بالمغصوب، مقابل القول بالوحدة وجودا و ذاتا أي بامتناع اجتماع الأمر و النهي بعدم صحّة التقرب بالمجموع؛ لأنّه منهيّ عنه، و النهي يقتضي الفساد.

30

فقد يقال: إنّ الأحكام باعتبارها أشياء تقوم في نفس الحاكم إنّما تتعلّق بالعناوين و الصور الذهنيّة لا بالواقع الخارجي مباشرة، فيكفي التعدّد في العناوين و الصور لارتفاع المحذور، و هذا معناه جواز اجتماع الأمر و النهي.*

* ذهب البعض لفلسفة القول بجواز اجتماع الأمر و النهي، حيث إنّ الأحكام- على قوله- تتعلّق و تنصبّ على العناوين، أي أن تنصبّ على عنوان الصلاة مثلا، لا على مصداق الصلاة الخارجية، و بعبارة أخرى: إنّ الأحكام تنصبّ على العناوين و الصور الذهنية، كما حال عنوان الصلاة و عنوان الغصب، فعنوان الصلاة ينصبّ عليه الوجوب، أما عنوان الغصب فتنصبّ عليه الحرمة، و هذا يعني تعدّد العناوين، أي القول بجواز اجتماع الأمر و النهي.

و يبقى في المقام مسألة هي وقوع التعارض إن قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي، فحينئذ نأخذ بإطلاق كلّ دليل من الدليلين، و لا يقع تعارض هنا بحيث مع الأخذ بالإطلاق في الدليلين يكون المكلّف ممتثلا من جهة و عاصيا من جهة أخرى.

فخلاصة القول هنا:

إنّ القائلين بجواز اجتماع الأمر و النهي يقولون: إنّ الأحكام تنصبّ على العناوين و الصور الذهنية لا على الواقع الخارجي، لذا يجوز اجتماع الأمر بالصلاة و النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة باعتبارهما عنوانين، أي فعلين متعدّدين، و في حال التعارض نأخذ بإطلاق الدليلين.

31

و قد يقال: إنّ الأحكام و إن كانت تتعلّق بالعناوين و الصور الذهنية، و لكنّها لا تتعلق بها بما هي صور ذهنية، إذ من الواضح أنّ المولى لا يريد الصورة، و إنّما تتعلّق الأحكام بالصور بما هي معبّرة عن الواقع الخارجي و مرآة له، و حيث إنّ الوقع الخارجي واحد، فيستحيل أن يجتمع عليه الوجوب و الحرمة، و لو بتوسّط عنوانين و صورتين.

على هذا الأساس يقال: إنّ تعدّد العناوين إن كان ناتجا عن تعدد الواقع الخارجي و كاشفا عن تكثّر الوجود جاز أن يتعلّق الأمر بأحدهما بالآخر. و إن كان مجرّد تعدّد في عالم العناوين و الصور الّذي هو الذهن، فلا يسوغ ذلك*.

* و ذهب بعض آخر لفلسفة القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي، حيث إنّ الأحكام- على قوله- و إن كانت تتعلّق بالعناوين و الصور الذهنية، إلّا أنّها لا تنصبّ و تتعلّق بها، بل بالواقع الخارجي الواحد، فيقع التنافي بالمتعلّق بالواقع الخارجي، فنقع بالمحذور، لذا نقول بامتناع اجتماع الأمر و النهي، و إنّ تعدّد العنوان لا يكفي؛ لأنّ العناوين إنّما تتعلّق بها الأحكام باعتبارها مرآة للخارج لا بما هي مفاهيم مستقلّة في الذهن.

و هذا يعني أنّه لا يرتفع التنافي بين الأمر و النهي بتعدّد العناوين في الذهن كما يقال، بل لا بدّ أن يكون التعدّد في الخارج، و هذا لا يمكن أن يبرهن على تعدّده عن طريق العنوان؛ لأنّ العناوين المتعدّدة قد تنزع عن شي‏ء واحد في الخارج. مثاله «الكتاب» فإنّه ينطبق‏

32

عليه عدّة عناوين (عنوان كتاب، عنوان كونه مطبوعا، عنوان أنّه جسم، عنوان كونه ورقا ... الخ).

و هناك بحث دقيق و مفصّل في المسألة يأتيك في الحلقة الآتية.

و على العموم ننهي البحث في مسألة القول في امتناع اجتماع الأمر و النهي بثمرة مهمّة، و هي بناء على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي يقع التعارض بين الدليلين (صلّ) و (لا تغصب)، فلا بدّ من أن نقدّم أحد الدليلين على الآخر، طبقا لقواعد التعارض (كالأقوى سندا، الموافق للكتاب ... الخ). انتهى.

33

هل تستلزم الحرمة البطلان: إنّ صحّة العقد (1) معناه أن يترتّب عليه أثره الّذي اتّفق عليه المتعاقدان، ففي عقد البيع يعتبر البيع صحيحا و نافذا إذا ترتّب عليه نقل ملكية السلعة من البائع إلى المشتري، و نقل ملكية الثمن من المشتري إلى البائع، و يعتبر فاسدا و باطلا إذا لم يترتّب عليه ذلك.

و بديهي أنّ العقد لا يمكن أن يكون صحيحا و باطلا في وقت واحد، فإنّ الصحّة و البطلان متضادّان كالتضادّ بين الوجوب و الحرمة.*

[2: هل تستلزم الحرمة البطلان:]

* نموذج آخر من العلاقة القائمة بين نفس الأحكام، و هو مسألة اقتضاء الحرمة البطلان.

يذكر لنا المصنّف (رحمه اللّه) عقد البيع كمثال و إلّا فإنّ المسألة تعمّ العقود و الإيقاعات و تشمل كلّ ما لا يشترط فيه القربة. يقول إنّ صحة العقد تعني عند ما يكون العقد صحيحا يترتّب عليه نقل ملكية السلعة من البائع إلى المشتري، و نقل ملكية الثمن من المشتري إلى البائع، و إذا كان العقد فاسدا و باطلا لا يترتّب هذا الأثر، و السبب يعود إلى أنّ البطلان و الصحّة و غير ذلك هي من الأحكام الوضعية، و هي الّتي تشرّع وصفا معيّنا، و لا ترتبط بشكل مباشر بفعل الإنسان و سلوكه، بعكس‏

____________

(1). المسألة هنا أعمّ من العقود و الإيقاعات، بل كلّ ما لا يشترط فيه قصد القربة.

34

الأحكام التكليفية، كما مرّ بنا في الجزء الأوّل.

أمّا بطلان المعاملة- كما هو الحال في مثال البيع- فإنّه عدم ترتّب أثر عليها، فأثر البيع هو التمليك، تمليك المثمن للمشتري، و تمليك الثمن للبائع، أي أنّ أثر البيع هو النقل و الانتقال، و المعاملة الباطلة لا يترتّب عليها ذلك، و لا تكون مؤثّرة و نافذة بعكس المعاملة الصحيحة.

فالنتيجة: أنّ الصحّة و البطلان في المعاملات متضادّان لا يجتمعان، كالتضادّ بين الوجوب و الحرمة.

35

و السؤال هو هل يمكن أن يكون العقد صحيحا و حراما؟

و نجيب على ذلك بالإيجاب، إذ لا تضادّ بين الصحّة (1) و الحرمة (2)، و لا تلازم بين الحرمة و الفساد؛ لأنّ معنى تحريم العقد منع المكلّف من إيجاد البيع، و معنى صحته أنّ المكلّف إذا خالف هذا المنع و التحريم و باع ترتّب الأثر على بيعه‏ (3) و انتقلت الملكية من البائع إلى المشتري، و لا تنافي بين أن يكون إيجاد المكلّف للبيع مبغوضا للشارع و ممنوعا عنه، و أن يترتّب عليه الأثر في حالة صدوره من المكلّف، كالظهار (4)، فإنّه ممنوع شرعا، و لكن لو وقع لترتّب عليه أثره.

و مثال ذلك في حياتنا الاعتبارية: أنك قد لا تريد أن يزورك فلان، و تبغض ذلك أشدّ البغض، و لكن إذا اتّفق و زارك ترى لزاما عليك أن ترتّب الأثر على زيارته و تقوم بضيافته.

و هكذا نعرف أنّ النهي عن المعاملة- أي عقد البيع و نحوه‏ (5)- لا يستلزم فسادها، بل يتّفق مع الحكم بصحّة العقد في نفس الوقت، خلافا

____________

(1). حكم وضعيّ.

(2). حكم تكليفيّ.

(3). أي يكون صحيحا.

(4). الظهار و هو موجود في أبواب الفقه، حيث يقول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمّي، فتحرم عليه و لا تحلّ عليه حتى يكفّر.

(5). الإيقاع.

36

لعدد من الأصوليين القائلين بأنّ النهي عن المعاملة يقتضي بطلانها.*

* بعد ما اتّضح أنّ الصحّة و البطلان متضادّان لا يجتمعان، يأتي السؤال بالنسبة للصحّة و الحرمة، هل يجتمعان أو أنّهما كالصحّة و البطلان متضادّان؟

نقول:

قد مرّ بك معنى الحرمة على أنها أحد الأحكام التكليفية الخمسة، و ملاك هذا الحكم هو المفسدة الملزمة، و الصحّة كما عرفت من الأحكام الوضعية، و لا تضادّ بينهما. فعلى سبيل المثال إذا ورد نهي عن البيع وقت نداء صلاة الجمعة و مع ذلك تمّ البيع، تكون المعاملة صحيحة؛ باعتبار ترتّب أثر النقل و الانتقال، و تكون مؤثّرة بلا مانع، بيد أنّ فيها مخالفة تكليفية.

و المسألة سهلة كما أوضحها المصنّف (رحمه اللّه) بالمثال الفقهي: فلو أنّ رجلا قال لامرأته: أنت عليّ كظهر أمّي، يكون قد فعل حراما و خالف الحكم التكليفيّ من جهة، و لكنّ أثر الظهار يترتّب، و هو الحكم الوضعيّ.

و كذلك في مثال الضيف غير المرغوب فيه. و أما بالنسبة لمعارضة القول بالصحّة فهذا يرجع لتفسير معنى تحريم المعاملة، فهل هو تحريم سببيّ (إيجاب)، أو تحريم مسبّبي (التمليك) و في المسألة تفصيل أكثر نتركه للحلقة الآتية.

37

و كما يتعلّق التحريم بالعقد و المعاملة، كذلك قد يتعلّق بالعبادة، كتحريم صوم العيد أو صلاة الحائض مثلا، و هذا التحريم يقتضي بطلان العبادة، خلافا للتحريم في المعاملة، و ذلك لأنّ العبادة لا تقع صحيحة، إلّا إذا أتى بها المكلّف على وجه قربيّ و بعد أن تصبح محرّمة، لا يمكن قصد التقرّب بها؛ لأنّ التقرّب بالمبغوض و بالمعصية غير ممكن، فتقع باطلة.*

* هذا النموذج و هذه المسألة لا تختصّ بالمعاملات، بل تجري في العبادات الّتي يجب فيها التقرّب إلى اللّه، كالصلاة و الصوم ... الخ.

و النهي في العبادة له أربع صور:

1. تعلّق النهي بذات العبادة: كالنهي عن صوم العيدين، أو صوم الوصال.

2. تعلّق النهي بجزء العبادة: كالنهي عن قراءة العزائم في الصلاة الواجبة.

3. النهي المتعلّق بشرط العبادة: كالنهي عن لبس الحرير للرجال في الصلاة.

4. النهي المتعلّق بالوصف الخارج عن العبادة: كالنهي عن الجهر في القراءة للنساء.

و النهي في العبادة يقتضي بطلانها؛ لأنّه ينافي التقرّب المعتبر في العبادة. فلا يطاع اللّه من حيث يعصى و لا يكون المبعّد مقرّبا. انتهى.

38

العلاقات القائمة بين الحكم و موضوعه‏ الجعل‏ (1) و الفعلية (2): حين حكمت الشريعة بوجوب الحجّ على المستطيع و جاء قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (3)، أصبح الحجّ من الواجبات‏ (4) في الإسلام و أصبح وجوبه حكما ثابتا في الشريعة.

و لكن إذا افترضنا أنّ المسلمين وقتئذ لم يكن فيهم شخص مستطيع تتوفّر فيه خصائص الاستطاعة شرعا، فلا يتوجّه وجوب الحجّ إلى أيّ فرد من أفراد المسلمين؛ لأنّهم ليسوا مستطيعين، و الحجّ إنّما يجب على المستطيع، (5) أي: أنّ وجوب الحجّ لا يثبت في هذه الحالة لأيّ فرد، بالرغم من كونه حكما ثابتا في الشريعة، فإذا أصبح أحد الأفراد مستطيعا اتّجه الوجوب نحوه، و أصبح ثابتا بالنسبة إليه. و على هذا الضوء نلاحظ أنّ للحكم ثبوتين:

____________

(1). بمعنى ثبوت الحكم في الشريعة.

(2). بمعنى ثبوت الحكم على المكلّف.

(3). آل عمران: 97.

(4). العبادية.

(5). بمعنى أنّ وجوب الحجّ مشروط بتحقّق الاستطاعة.

39

أحدهما ثبوت الحكم في الشريعة.

و الآخر ثبوته بالنسبة إلى هذا الفرد أو ذاك.*

[2: العلاقات القائمة بين الحكم و موضوعه‏]

* النموذج الثاني من النماذج الّتي يوجد فيها علاقات قائمة في عالم التشريع العلاقة القائمة بين الحكم و موضوعه،

[الجعل و الفعلية]

كعلاقة الجعل و الفعلية، و لنبسط المسألة فنأتي إلى حكم من أحكام اللّه، كوجوب الحجّ، فإنّ وجوب الحجّ ثابت في الشريعة الإسلامية بدليل هذه الآية الكريمة فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ (1) فهي تدلّ على وجوب الحجّ، و لكن هذا الوجوب لا يسري إلّا على من تحقّق فيه شرط الاستطاعة، و هذا ما يمكن أن نسمّيه بمنطوق الآية الإيجابي، و أمّا مفهومها السلبي فهو: من لم تتحقّق فيه الاستطاعة فالحجّ ليس واجبا عليه. فنستخلص من ذلك أنّ بعض الأحكام الشرعية لها حالتان:

الحالة الأولى: و هي ثبوت أصل الحكم في الشرع، بغضّ النظر عن أيّ شي‏ء آخر.

و الحالة الثانية هي ثبوت هذا الحكم على المكلّف.

و هذه مقدمة.

____________

(1). آل عمران: 97.

40

فحين حكم الإسلام بوجوب الحجّ على المستطيع في الآية الكريمة ثبت هذا الحكم في الشريعة، و لو لم يكن يوجد مستطيع وقتئذ إطلاقا، بمعنى أنّ شخصا لو سأل في هذا الوقت ما هي أحكام الشريعة؟

لذكرنا من بينها وجوب الحجّ على المستطيع، سواء كان في المسلمين مستطيع فعلا أم لا، و بعد أن يصبح هذا الفرد أو ذاك مستطيعا يثبت الوجوب عليه. و نعرف على هذا الأساس أنّ الحكم بوجوب الحجّ على المستطيع لا يتوقّف ثبوته في الشريعة بوصفه حكما شرعيا إلّا على تشريعه و جعله من قبل اللّه تعالى، سواء كانت الاستطاعة متوفّرة في المسلمين فعلا أم لا.

و أمّا ثبوت وجوب الحجّ على هذا المكلّف أو ذاك، فيتوقّف إضافة إلى تشريع اللّه للحكم و جعله له، على توفّر خصائص الاستطاعة في المكلّف.

و الثبوت الأوّل للحكم أي: ثبوته في الشريعة، يسمّى بالجعل «جعل الحكم».

و الثبوت الثاني للحكم، أي: ثبوته على هذا المكلّف بالذات أو ذاك- يسمّى بالفعلية «فعليّة الحكم» أو المجعول.

فجعل الحكم معناه تشريعه من قبل اللّه، و فعليّة الحكم معناها ثبوته‏

41

فعلا لهذا المكلّف أو ذاك.*

* بعد ما عرفت أنّ بعض الأحكام الشرعية لها ثبوتان، ثبوت أصل الحكم في الشريعة، و ثبوت نفس الحكم على المكلّف، نأتي لنوضّح لك أمرا مهمّا، هو أنّ بعض الأحكام تكون على نحو القضيّة الخارجية و بعضها على نحو القضية الخارجية. و مرادنا من القضية الحقيقة أنّ المولى المشرّع يشير إلى الأفراد الموجودين فعلا من الناس و يوجب عليهم الحجّ، بمعنى أنّ حكم وجوب الحجّ محصور بهؤلاء الأشخاص الموجودين حاليا فقط و لا يتعدّى لغير زمانهم، أو لزمان غيرهم فيسمّى الحكم هنا بأنّه مجعول على نحو القضية الخارجية المحصورة بأشخاص معيّنة و زمن خاصّ. أما القضية الحقيقية و هي محلّ كلامنا و مصداق لبحثنا فهي أنّ الحكم بوجوب الحجّ ليس محصورا بأفراد معيّنة في هذا الزمان أو ذاك، بل طالما وجد مكلّف و كان مستطيعا فيجري عليه وجوب الحجّ، فهذا الحكم مجعول على نحو القضية الحقيقية، و هو غير محصور بأشخاص معيّنين أو بأفراد كذلك.

فنعرف عندئذ أنّ وجوب الحجّ من الأحكام الّتي تتّصف بالقضية الحقيقية، و هي موجودة و ثابتة سواء كان هناك أفراد مكلفون مستطيعون أو لا و هذا ما يسمّى بالجعل الشرعي الّذي لا يناط بتحقّق موضوعه خارجا، فقد لا يتّفق تحقّقه خارجا- بسبب عدم وجود المكلّف المستطيع-، و قد يكون اتفاق تحقّقه نادرا، إلّا أنّ ذلك لا يؤثّر على‏

42

أصل الجعل، إذ لا صلة للجعل بتحقّق الموضوع خارجا.

خلاصة الكلام:

إنّ ثبوت الحكم بأصل الشرع يسمّى جعلا شرعيّا، و إنّ ثبوت الحكم على المكلّف يسمّى بالفعلية، أي فعلية الحكم و ثبوته على المكلّف. (1)

و الفائدة من كلّ هذا هو ما له ربط في بحثنا، و هو أنّ الجعلية و الفعلية للحكم تعني وجود السبب و المسبّب و علاقة التقدّم و التأخّر في الدرجة بين الجعلية، و هي متأخّرة عن الفعلية، و هذه هي العلاقة القائمة بين الحكم و موضوعه و سوف يأتي التفصيل أكثر.

____________

(1). المكلّف في الشريعة الإسلامية هو من تحقّقت فيه هذه.

43

موضوع الحكم: و موضوع الحكم مصطلح أصوليّ نريد به مجموع الأشياء الّتي تتوقّف عليها فعلية (1) الحكم المجعولة (2) بمعناها الّذي شرحناه، ففي مثال وجوب الحجّ يكون وجود المكلّف المستطيع موضوعا لهذا الوجوب؛ لأنّ فعلية هذا الوجوب تتوقّف على وجود مكلّف مستطيع.*

[موضوع الحكم:]

* عرفت معنى ثبوت الحكم في الشريعة و على المكلّف أي الجعلية و الفعلية. فإذا عرفت هذا نزيدك معرفة بمصطلح أصولي له علاقة مهمّة في البحث، و هو موضوع الحكم، و هو ببساطة الأمور الّتي يتوقّف عليها ثبوت الحكم على المكلّف، أو الأشياء الّتي تنقل الحكم الشرعي من الجعلية إلى الفعلية على المكلّف، فهذه تسمّى موضوع الحكم، كما الحال في مثال وجوب الحجّ المشروطة فعليّته على المكلّف بالاستطاعة.

فالاستطاعة- الّتي يتوقّف عليها فعلية وجوب الحجّ- تعدّ موضوعا لوجوب الحجّ على المكلّف، هذا معنى موضوع الحكم في علم الأصول.

____________

(1). أي ثبوت الحكم على المكلّف.

(2). أي الثابت في الشرع.

44

و مثال آخر: حكمت الشريعة بوجوب الصوم على كلّ مكلّف غير مسافر و لا مريض، إذا هلّ عليه هلال شهر رمضان، و هذا الحكم يتوقّف ثبوته الأوّل على جعله شرعا.

و يتوقّف ثبوته الثاني- أي فعليّته- على وجود موضوعه، أي:

وجود مكلّف غير مسافر و لا مريض و هلّ عليه هلال شهر رمضان.

فالمكلّف و عدم السفر و عدم المرض و هلال شهر رمضان هي العناصر الّتي تكوّن الموضوع الكامل للحكم بوجوب الصوم.*

* بعد مثال الحجّ يعطينا المصنّف (رحمه اللّه) مثالا آخر لترسيخ الفكرة أكثر، فحكم وجوب الصوم الثابت و المجعول في الشريعة لا يكون فعليا إلّا بتحقّق مجموع الأشياء الّتي تتوقّف عليها فعلية الحكم، أي الموضوع، و في مثال الصوم موضوع الحكم وجود مكلّف، و عدم السفر، و عدم المرض، و أن يكون قد هلّ عليه هلال شهر رمضان، فعندها يتحقّق الموضوع فيصبح الحكم فعليّا.

45

و إذا عرفنا معنى موضوع الحكم، استطعنا أن ندرك أنّ العلاقة بين الحكم و الموضوع تشابه ببعض الاعتبارات العلاقة بين المسبّب‏ (1) و سببه‏ (2) كالحرارة و النار، فكما أنّ المسبّب يتوقّف على سببه، كذلك الحكم يتوقّف على موضوعه‏ (3)؛ لأنّه يستمدّ فعليّته من وجود الموضوع، و هذا معنى العبارة الأصولية القائلة: «إنّ فعليّة فعلية الحكم تتوقّف على فعليّة موضوعه» أي أنّ وجود الحكم فعلا يتوقّف على وجود موضوعه فعلا.

و بحكم هذه العلاقة بين الحكم و الموضوع يكون الحكم متأخّرا رتبة عن الموضوع، كما يتأخر كلّ مسبّب عن سببه في الرتبة.*

* عرفت سابقا أنّ هناك علاقات بين الأشياء تكون قائمة على أساس التلازم بين السّبب و المسبب، و مثّلنا لذلك بالحرارة بالنسبة للنار، و كذلك قلنا: إنّ هناك علاقة تقدّم و تأخّر في الدرجة بين السبب و المسبّب.

و مثّلنا بحركة اليد للمفتاح. هذه مقدّمة أولى.

و هنا ذكرنا لك أنّ الحكم يكون ثابتا في الشريعة بمعنى الجعلية، و يكون ثابتا على المكلّف بمعنى الفعلية، و فسّرنا لك المصطلح‏

____________

(1). الحكم.

(2). الموضوع.

(3). معنى التوقّف أي فعلية الحكم.

46

الأصولي الّذي هو موضوع الحكم، و هذه المقدّمة الثانية.

ثمرة المقدمتين و فائدة البحث هي فهم العلاقة القائمة بين الحكم و موضوعه، و هذه العلاقة تقوم على أساس المسبّب، و هو الحكم، و السبب و هو الموضوع، فلا يكون المسبّب و هو الحكم المجعول فعّالا إلّا بتحقّق السّبب و هو الموضوع، فالمسبب تتوقّف فعليّته على السبب.

هذا من جهة، و من جهة أخرى: إنّ العلاقة بين الحكم و الموضوع كذلك تتّصف بالتأخّر و التقدّم بالدرجة، فيكون الحكم، أي المسبّب متأخّرا رتبة عن الموضوع و هو السبب. فبهذا البيان يكون قد اتّضح لنا معنى علاقة الحكم بموضوعه.

47

و توجد في علم الأصول قضايا تستنتج من هذه العلاقة، و تصلح للاشتراك في عمليات الاستنباط.

فمن ذلك أنّه لا يمكن أن يكون موضوع الحكم أمرا مسبّبا عن الحكم نفسه، و مثاله العلم بالحكم، فإنّه مسبّب عن الحكم؛ لأنّ العلم بالشي‏ء فرع الشي‏ء المعلوم، و لهذا يمتنع أن يكون العلم بالحكم موضوعا لنفسه، بأن يقول الشارع: أحكم بهذا الحكم على من يعلم بثبوته له؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى الدور. (1)*

* من الطبيعي أنّه لو لم يكن يستفاد من علاقة الحكم بموضوعه،- و خصوصا أنّه يصلح للاشتراك في عدّة أمور في عمليات الاستنباط- لما كنّا بحثناه هنا في علم الأصول على أساس أنّ موضوع علم الأصول يشمل و يبحث و يدرس كلّ ما يصلح أن يكون أداة مشتركة في عملية الاستنباط كما مرّ عليك ذلك.

و من مصاديق هذه الاستفادة كما قال المصنّف (رحمه اللّه) في المتن استحالة أن يكون موضوع الحكم، و هو سبب و متقدّم، مسبّبا و متأخّرا.

فموضوع الحكم درجة متقدّمة على الحكم، و موضوع الحكم سبب كما أوضحنا ذلك، و أوضح المصنّف (رحمه اللّه) المسألة أكثر، حيث قال: إذا

____________

(1). الدور توقّف الشي‏ء على نفسه و هو باطل. فالعلم بالحكم متوقّف على وجود الحكم، و وجود الحكم متوقّف على العلم بالحكم.

48

جعل الحكم على نحو القضية الحقيقية و أخذ في موضوعه العلم بذلك الحكم، اختصّ بالعالم به و لم يثبت للشاكّ أو القاطع بالعدم؛ لأنّ العلم يصبح قيدا للحكم، غير أنّ العلم قيد كذلك، فقد يقال: إنّه مستحيل، و برهن على استحالته بالدور؛ و ذلك لأنّ ثبوت الحكم المجعول متوقّف على وجود قيوده، و العلم بالحكم متوقّف على الحكم توقّف كلّ علم على معلومه، فإذا كان العلم بالحكم من قيود نفس الحكم، لزم توقف كلّ منهما على الآخر، و هو محال‏ (1)؛ لأنّه دور و توقّف الشي‏ء على نفسه، و لا أريد الغوص في المسألة أكثر لأنّ المصنّف (رحمه اللّه) مرّ عليها هنا مرور الكرام، بيد أنّه في الحلقتين الآتيتين أفرد لها بابا و بحثا خاصّا ممّا يدلّ على أهميّتها. انتهى.

____________

(1). الحلقة الثانية: 261.

49

العلاقات القائمة بين الحكم و متعلّقه: عرفنا أنّ وجوب الصوم- مثلا- موضوعه مؤلّف من عدّة عناصر تتوقّف عليها فعلية الوجوب، فلا يكون الوجوب فعليا و ثابتا، إلّا إذا وجد مكلّف غير مسافر و لا مريض و هلّ عليه هلال شهر رمضان، و أمّا متعلّق هذا الوجوب، فهو الفعل الّذي يؤدّيه المكلّف نتيجة لتوجّه الوجوب إليه، و هو الصوم في هذا المثال.

و على هذا الضوء نستطيع أن نميّز بين متعلّق الوجوب و موضوعه، فإنّ المتعلّق يوجد بسبب الوجوب، بينما يوجد الحكم نفسه‏ (1) بسبب الموضوع، فوجوب الصوم لا يصبح فعليا إلّا إذا وجد مكلّف غير مريض و لا مسافر و هلّ عليه الهلال.

و هكذا نجد أنّ وجود الحكم يتوقّف على وجود الموضوع، بينما يكون سببا لإيجاد المتعلّق و داعيا للمكلّف نحوه.*

[3: العلاقات القائمة بين الحكم و متعلّقه:]

* النموذج الثالث هو العلاقات القائمة بين الحكم و متعلّقه، و لفهم هذه العلاقات علينا أن نوضّح هذه المصطلحات الأصولية.

جعل الحكم- ثبوته في الشريعة.

____________

(1). بمعنى الفعلية له و إلّا فالحكم مجعول و ثابت في الشريعة، لكن تحقّقه و فعليته مشروطة بتحقّق موضوعه.

50

فعلية الحكم- ثبوته على المكلّف.

موضوع الحكم- الأشياء الّتي تتوقّف عليها فعلية الحكم.

و هذه المصطلحات مرّت عليك، و بقي هذان المصطلحان.

متعلّق الحكم: هو نفس الفعل الواجب الّذي يقوم به المكلّف، كفعل الصلاة و الصوم نتيجة للوجوب.

متعلّق المتعلّق: و معنى هذا المصطلح سوف يأتي في المبحث الآتي، و هو العلاقة القائمة بين الحكم و المقدّمات.

فإذا عرفت معنى هذه الاصطلاحات نقول لك:

إنّ الفرق بين موضوع الحكم و متعلّقه هو التالي:

متعلّق الحكم يوجد بسبب وجود و ثبوت الحكم، بيد أنّ الحكم يكون فعليّا بسبب تحقّق موضوعه. و الفرق واضح بينهما.