التعليقة على فرائد الأصول‏ - ج1

- محمد بن أحمد قرجه داغي الكماري المزيد...
512 /
5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدّمة التحقيق‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين و بعد:

فانّ من أعظم نعم اللّه تعالى على العباد أن لم يكتف بما ارسل إليهم من كتب السماء و رسالات الوحي، حيث علّمهم طرق الوصول إليه، بل بعث من بينهم من يكون اسوة لهم و مثالا يحتذون حذوه و يقتدون به و يهتدون بهداه فبدأ بالأنبياء و اتبعهم بالأوصياء و كلّهم أئمة للخلق يهدون بأمر اللّه، و لما اقتضت حكمته تعالى ان يحرم الخلق من نعمة الوحي و الرسالة بعث من بينهم علماء ابرارا يحاولون بجهودهم بلوغ تلك القمّة المعصومة و هم بقدر ما يؤتون من توفيق لنيل هذه الكرامة أئمة للخلق أيضا يقتدى بهم و هم حجج للائمة (عليهم السلام) كما ورد في الحديث «و الأئمة بدورهم حجج اللّه تعالى».

و لذلك فمن واجب هذه الامة أن تستعيد ذكريات هذه الصفوة من الناس و تحيي أمرها لتكون حياتهم امثولة لمن يبتغي سلوك سبيل الحقّ و الهداية، و من دواعي السرور وفّق اللّه ثلّة من المؤمنين لاستعادة ذكرى أحد هؤلاء المصطفين الأخيار و نشر علومه و بثّ معارفه و احياء أمره و هو القدوة في العلم و الجهاد و التقوى آية اللّه المجاهد السيد عبد الحسين اللاري (قدس اللّه روحه).

و ممّا عثر عليه من الآثار القيمة التي تركها ذلك العالم الجليل تعليقته‏

6

الشريفة على كتاب فرائد الاصول للشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه)، فهو مكمّل للدورة الاصولية التي أرادها السيّد العلّامة (رحمه اللّه) بعد أن ألّف في تقريراته مباحث الألفاظ و ما يتبعها من الأوامر و النواهي و العام و الخاص و ... كتابا قرّر فيه نظريات بعض مشايخه و اتبعه بآرائه، فعلّق على مباحث القطع و الظن و ما يتبعها من الشهرة و الاجماع.

و النسخة المخطوطة تقع في مجلّدين يحتوي الأول على 720 صفحة و الثاني على 299 صفحة حيث اتحفنا حفيد السيد سماحة آية اللّه السيد عبد العلي آيةاللهي بنسخة مصوّرة من المجلد الثاني، و أمدّنا فضيلة حجة الاسلام و المسلمين السيد عبد الحسين بن السيد علي أكبر آيةاللهي بكلا الجزءين و كانتا مخطوطتين بخط مؤلّفها (رحمه اللّه).

عملية التحقيق‏

أولا: استنساخ النسخة الخطّية و استخراج الآيات القرآنية و الروايات و الأقوال حسب الوسع و الوقت.

ثانيا: شوهد في اصل الكتاب انّ بعض المطالب وقع فيها التقديم و التأخير فبادرنا إلى ترتيبها و تنظيمها حسب ترتيب المواضيع في فرائد الاصول للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه).

ثالثا: لاحظنا اثناء التحقيق بعض الحواشي في النسخة الأصلية فكان بعضها مؤشّرا إلى موضع ما فارجعناها إلى موضعها و أمّا بعض الحواشي لم يشر إلى موضعها فقمنا بادراجها في المتن مراعين في ذلك سياق العبارة و الموضوع و جعلناها بين معقوفتين [].

7

رابعا: شوهد انّ بعض الفقرات بحاجة إلى اضافة كلمة واحدة ليتمّ المطلب حسب سياق العبارة فاضفناها و جعلناها بين المعقوفتين [].

و هنا يجدر أن نقدم الشكر إلى الاخوة الذين قاموا بتحقيق و اخراج الكتاب بهذه الحلّة المناسبة و نرجوا من اللّه العلي القدير أن يمنّ علينا و عليهم بمزيد من فضله و توفيقاته انّه ذو فضل عميم و انه ولي التوفيق.

و تقديرا للخدمات الجليلة التي قام بها السادة المحقّقون، نرى لزاما علينا أن نذكر اسماءهم و عمل كل منهم:

1- الاستنساخ: محمد آغا اوغلو.

2- المقابلة: الشيخ يحيى كمالي البحراني، محمد آغا اوغلو، أبو علي الحكّاك.

3- استخراج المصادر و الأقوال: الأخ أبو رعد، السيّد طالب الموسوي.

4- تقويم النصّ: فارس حسّون كريم، أبو علي التميمي.

5- تنضيد الحروف: محمد رحيمي.

6- التصحيح النهائي و الاخراج الفني: محمود البدري.

7- المراجعة و الاشراف على العمل حجة الاسلام السيد صالح المدرسي حيث دقّق في متن الكتاب و بالغ في تصحيحه و تنقيحه فله نقدّم شكرنا و تقديرنا متمنين له التوفيق الدائم.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

اللجنة العلمية للمؤتمر

8

صورة الصفحة الاولى من النسخة الخطّية من المجلّد الأوّل‏

9

صورة الصفحة الاخيرة من النسخة الخطّية من المجلّد الأوّل‏

10

صورة الصفحة الاولى من النسخة الخطّية من المجلّد الثاني‏

11

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطّية من المجلّد الثاني‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

و بعد فهذه تعليقات شريفة و تشريحات ظريفة رشيقة على فرائد اصول استاذ أساتيذنا الأعلام، من جملة ما حصّلناه بمرور الليالي و الأيّام، عن استاذنا الربانيّ و أبينا الروحانيّ جعلني اللّه فداه، و أدام على المحصّلين إفاداته و بقاه، و وفّق المشتغلين لاقتباس قريحات علاه.

[المدخل‏]

[أحوال المكلّف اذا التفت الى الحكم الشرعى‏]

قال المصنّف: «اعلم أنّ المكلّف إذا التفت ... إلخ».

أقول: تفصيل ذلك أنّ المكلف إمّا غافل عن حكمه الشرعي، أو ملتفت إليه، أمّا الغافل: فإن كان قاصرا بحتا فهو على تقدير وجوده معذور بحكم الأدلّة الأربعة من غير خلاف، إلّا من الجبرية- خذلهم اللّه-.

و إن كان مقصّرا- و لو في بعض مقدّمات الغفلة- فهو غير معذور في ما عدا مسألتي الجهر و الإخفات، و القصر و الإتمام بحكم الأدلّة الأربعة أيضا.

و من فروعه عدم معذورية المقصّر من الأخبارية و لو في بعض مقدّمات القطع بصدور الكتب الأربعة، و جواز العمل بالعامّ قبل الفحص، و جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، و عدم حجيّة الكتاب و العقل و الإجماع، و غيرها من متفرداتهم الباطلة.

و كذا عدم معذوريّة المقصّر من الحكمية و الفلاسفة و لو في بعض مقدّمات‏

14

قطعهم باستحالة المعاد الجسمانيّ، و الخرق و الالتئام و نحوها.

و كذا غيرهم من أصناف الغافلين المقصّرين غير معذورين، بل هم مكلّفون و معاقبون لأنّ ما في الاختيار لا ينافي الاختيار، بل الظاهر أنّ تكليف الغافل المقصّر خطابا و عقابا قول واحد و إن اختلفوا في تكليف سائر المضطرّين بسوء الاختيار على أقوال.

و أمّا الملتفت إلى حكم شرعي فقد أشار إليه المصنّف و إلى أقسامه.

قوله: «فإن حصل له الشكّ ... إلخ».

[أقول:] فإن قلت: كان الأولى تقديم القطع و الظنّ على الشكّ ليتأخّر أقسام الشكّ، و المرجع في كلّ منها إجمالا إلى محلّه التفصيلي.

قلت: اختصار أقسام الشكّ و انحصارها، و سهولة ضبطها الإجمالي قاض بمبادرة الطبع و تسابقه إلى تقديم أقسام الشكّ، و بيان المرجع في كلّ منها على وجه الإجمال و إن كان محلّ التفصيلي محلّ آخر متأخّر وضعا و طبعا، أو أنّ تقديم هذا المقدار الإجمالي من أقسامها هنا لأجل توقّف بعض تفاصيل العلم الإجمالي و التفصيلي على معرفته و ارتباطه به.

قوله: «و هي منحصرة في أربعة لأن الشكّ ... إلخ».

[أقول:] و لا يخفى أنّ الاستدلال على حصر الاصول في أربعة بحصر مجاريها و مواردها في الأربعة عقلا لا يتمّ إلّا بعد فرض الملازمة من الخارج بين الأصول و مجاريها، كما أشار إليه بقوله: «و ما ذكرنا هو المختار (1) ... إلخ» و إلّا فحصر الاصول في أربعة ليس عقليّا، لعدم دورانه بين النفي و الإثبات، المستحيل عقلا ثبوت الواسطة بينهما، و لا استقرائيا لاعتبار الإباحة و غيره في بعض موارد الشكّ شرعا على مختاره أيضا.

____________

(1) الفرائد: 2.

15

قوله: «و الثالث مجرى البراءة».

[أقول:] فإن قلت: لا ينحصر الثالث في مجرى البراءة، إذ قد يكون مجرى القرعة، أو أصالة الصحّة، أو الطهارة، أو الإباحة.

قلت: كلام المصنّف بقرينة قوله: «إذا التفت إلى حكم شرعي» (1) صريح في الأحكام، و مجرى ما ذكر من القرعة أو الصحّة أو الطهارة إنّما هو في الموضوعات، مضافا إلى أنّ الصحّة و الطهارة من الأحكام المنجعلة المنتزعة عن الأحكام المجعولة عندنا، لا أنّها أحكام مجعولة بالاستقلال حتى يتكلّم فيها بالأصالة.

و أمّا أصالة الإباحة فهي و إن كانت من الأحكام المجعولة لا المنجعلة، و كان مجراها في الشكّ في الحكم لا الشكّ في الموضوع فقط، إلّا أنّ وجه عدم عدّها من الاصول لعلّه من جهة أنّها من الأدلّة الاجتهادية الناظرة إلى الواقع و الرافعة لموضوع الشكّ، لا من الاصول الجارية في حال الشكّ، فالحاصل منها إذن هو أحد أخوي الشكّ من القطع أو الظنّ دون الشك، لوضوح أنّ حكم العقل بإباحة الأشياء النافعة الخالية عن أمارة المضرّة إنّما هو من جهة النظر إلى عدم المضرّة العقلية واقعا و ارتفاع موضوع الشكّ في المضرّة عقلا بعد فرض خلوّ الواقعة عن أمارة المضرّة لخروج الشكّ مع هذا الفرض عن الشكّ العقلائي، و إلحاقه بالجنون السوداوية، لا من جهة ارتفاع العقاب بقبح العقاب بلا بيان مع بقاء الشكّ في المضرّة و إن صادف المضرّة الواقعية، كما هو مستند أصل البراءة، بل قد صرّح غير واحد من الفحول بأنّ إباحة الأشياء النافعة الخالية عن أمارة المضرّة من مستقلّات العقل التي لا تحتاج إلى واسطة خطاب الشرع، كقبح الظلم، و حسن الإحسان. و أمّا عدّها الفقهاء من غير المستقلّات حيث حصروا

____________

(1) الفرائد: 2.

16

المستقلّات في مثل قبح الظلم، و حسن الإحسان فلعلّه من جهة اقتصار نظرهم إلى جزئيّات عنوانه الكلّي التي لا يستقلّ بها العقل، كشمّ الورد و أكل الفاكهة و غيرها من جزئيّاته التي لا يستقلّ العقل بإباحتها من حيث الخصوص، و إلّا فإباحة عنوانها الكلّي و هو الشي‏ء النافع الخالي عن أمارة المضرّة ممّا يستقلّ بإباحته العقل من غير وساطة خطاب الشرع.

و من هنا يظهر لك الوجه في نزاع الفقهاء في وجوب جزئيّات مقدّمة الواجب مع أنّ وجوب عنوانها الكلّي من مستقلّات العقل التي لا يتوقّف على واسطة خطاب الشرع.

و لكن فرض أصالة الإباحة من مستقلّات العقل، أو من الأدلّة الاجتهادية التي أمضاها الشارع بقوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏ (1) إنّما يتأتّى في الإباحة العقلية المخصوص موردها بالأشياء النافعة الخالية عن أمارة المضرّة، و أمّا الإباحة الشرعية التي يعمّ موردها الأشياء النافعة كشمّ الطيب، و الغير النافعة كشرب التتن بعموم قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» (2) و «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه» (3). فلا مخلص عن لزوم ذكرها في عداد الاصول.

و لا اعتذار للمصنّف عن إهمالها، ضرورة عدم ناظريتها إلى الواقع حتى يخرج عن تحت مجرى الاصول، و عدم رجوعها إلى البراءة حتى يكتفى بذكر البراءة عنها، ضرورة أنّ مضمون أدلّة البراءة من قبح العقاب بلا بيان، و «رفع عن‏

____________

(1) الأعراف: 32.

(2) الفقيه 1: 208 ح 937، الوسائل 4: 917 ب «19» من أبواب القنوت ح 3.

(3) الكافي 5: 313 ح 39، الفقيه 3: 216 ح 1002، التهذيب 7: 226 ح 988، الوسائل 12: 59 ب «4» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

17

أمّتي ما لا يعلمون» (1)، و «كلّ ما حجب اللّه علمه عنه فهو موضوع» (2)، و نحوها هو رفع العقاب دون إنشاء الحكم، بخلاف مضمون أدلّة الإباحة من قوله: «كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» و «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال»، إلّا أن يكون مراد المصنّف من البراءة المعنى الأعمّ منها و من الإباحة الشرعية من باب عموم المجاز. و لكنّه كما ترى لا جامع قريب بينهما إلّا بتكلّف، كما لا يخفى.

[مباحث القطع‏]

[حجّية القطع ذاتية]

قوله: «لا إشكال في العمل عليه ما دام موجودا ... إلخ».

أقول: عمدة المطالب المبحوث عنها في هذا المقصد و ما يتعلّق به الغرض الأصلي بالذات هو هذا المطلب، أعني حجّية القطع و اعتباره، و الدليل على حجّيّته و اعتباره، هو بداهة عدم الإشكال في اعتبار العمل عليه ما دام موجودا، و وجهه ما أشار إليه بقوله: «لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع» (3) أي لا بواسطة جعل الشارع كما في سائر الأمارات و الأدلّة الثابت حجّيّتها بواسطته.

و توضيحه: أنّ العلم عبارة عن نفس الاعتقاد الجازم المطابق للواقع و انكشاف المعلوم عند العقل. و من المعلوم أنّ وصف المطابقة للمطابق و الكاشفية للكاشف من اللوازم القهرية الغير المنفكّة عنه عقلا بالوجدان و البرهان:

أمّا الوجدان فواضح على من راجع وجدانه و أنصف.

و أمّا البرهان فلأنّ ثبوت الجعل و الحجّة في ما عدا العلم من سائر الأدلّة و الأمارات إنّما يتوقّف على طريقيّة العلم، فلو توقّف طريقيّة العلم أيضا على‏

____________

(1) التوحيد: 353 ح 24، الخصال: 417 ح 9، الوسائل 11: 295 ب «56» من أبواب جهاد النفس ح 1.

(2) الكافي 1: 164 ح 3، التوحيد: 413 ح 9، الوسائل 18: 119 ب «12» من أبواب صفات القاضي ح 28.

(3) الفرائد: 2.

18

جعل الحجّية و الطريقية فيه لزم الدور، أو التسلسل، فثبت أنّ طريقيّة العلم للمعلوم غير قابل- عقلا- لجعل الجاعل لا إثباتا و لا نفيا:

أمّا عدم معقوليّة الجعل فيه إثباتا فلاستلزامه تحصيل الحاصل، و أمّا عدمه نفيا فلاستلزامه التناقض، حسبما أشار إليه المصنّف‏ (1).

فتبيّن مما ذكر أنّ عمل العالم بعلمه- بعد حصول صفة العلم له- غير محتاج إلى ما يحتاج إليه عمل الظانّ بظنّه، من توسّطه شي‏ء آخر وراء حصول صفة الظنّ له، بل العمل بالعلم من جبلّيّات العالم المجبول عليها طبعه قهرا، فلا يحتاج إلى توسّط جعل وراء حصول صفة العلم له، بخلاف عمل الظانّ بظنّه، و هذا معنى قولهم: «العلم حجّة بنفسه لا بجعل جاعل» يعنون به أنّ الفرق بين حجّية العلم و حجّية الظنّ كالفرق بين دسومة الدهن و دسومة الماء به، و ملوحة الملح و ملوحة الماء به، و حرارة النار و حرارة الماء به، في الذاتيّة و العرضيّة و النفسيّة و الغيريّة.

[نظائر القطع في عدم معقولية تعلّق الجعل به‏]

ثم إنّ للعلم في عدم معقولية تعلّق الجعل به أشباه و نظائر.

منها: الماهيات من حيث هي، فإنّ حيثيّة التجرّد و العراء حتى عن قيد التعرية أمر غير مجعول فيها، بل هو من لوازم عدم تطرّق الجعل و الوجود عليها.

الماهيّة و لوازمها

و منها: لوازم الماهية كالزوجيّة للأربعة، فإنّها أيضا غير قابلة للجعل، لا نفيا و لا إثباتا، و لوازم الوجود، كالإحراق للنار، فإنّ وصفيّة الإحراق للنار المجعول أمر منجعل، لا مجعول بجعل على حدة وراء جعل النار نارا و خلقها.

[وجوب المقدّمة و لابدّيتها]

و منها: وجوب المقدّمة بمعنى اللابدّية، فإنّه أيضا منجعل لا مجعول بجعل وراء الجعل المتعلّق بذيها، سواء كانت المقدّمة من المقدّمات العقليّة أو الشرعية.

أ لا ترى أنّ توقّف الصلاة على الطهارة له عقليّ منجعل لا مجعول بجعل على حدة

____________

(1) الفرائد: 3.

19

وراء جعل الحكم المتعلّق بالصلاة المقيّدة بالطهارة. و هذا معنى ما في القوانين من أنّ توقف الشي‏ء على ترك ضدّه، عقلي و إن كان الضدّ شرعيا (1).

و منه يظهر الوجه في عدّ بعض الأفاضل ملازمة القصر للإفطار، و بالعكس عقليا، لازما لملاحظة الشارع كلّا منهما قيدا للآخر عند تعلّق الجعل به، لا جعليّا مستقلّا وراء الجعل المتعلّق بالملزوم، كما توهّمه بعض من فصّل بين المقدّمات العقلية و الشرعية في الجعل و الانجعال.

العلم الاجمالي بوجوب مردّد بين شيئين 19

و منها: اعتبار العلم الإجمالي بوجوب شي‏ء مردّد بين شيئين فصاعدا، كوجوب الصلاة المردّدة بين الظهر و الجمعة في يوم الجمعة، و حرمة الاجتناب عن النجس المشتبه بين شيئين فصاعدا، فإنّ العقل بعد ملاحظة خطاب الشرع و تعلّق طلبه بالموضوع الواقعي يحكم بوجوب الإطاعة و الموافقة القطعيّة بإتيان جميع ما يحتمل كونه المطلوب و ترك جميع ما يحتمل كونه المبغوض من باب المقدّمة من غير مدخليّة جعل الشارع، فإنّ وجوب تلك الإطاعة أيضا حكم عقليّ مجبول عليه الطبع و لو كان بواسطة ملاحظة خطاب الشرع غير قابل للجعل لا إثباتا و لا نفيا.

أمّا عدم قابليّته للجعل إثباتا فلأنه تحصيل للحاصل، و أمّا عدم قابليّته للجعل نفيا فلأنّه مناقض لخطاب الشرع المفروض، حتى أنّه لو فرض ترخيص الشارع بترك بعض ما يحتمل كونه المطلوب، أو ارتكاب بعض ما يحتمل الحرمة من باب العسر و الحرج أو الاضطرار إليه كان حكم العقل في سائر الأبعاض باقيا على ما كان، لأنّ غاية ما في ذلك الترخيص هو رفع اليد عن المطلوب الواقعي لو اتّفق مصادفته للفرد المضطرّ إليه، و أمّا لو صادف الفرد الغير المضطر إليه فلم يرفع اليد عنه، فحكم العقل بملاحظته باق على ما كان.

____________

(1) القوانين 1: 108.

20

و أمّا القول بعدم اعتبار العلم الإجمالي، و عدم وجوب الموافقة القطعيّة، و جواز ارتكاب الشبهة المحصورة فهو غير مناف لما ذكرنا من حكم العقل باعتباره، لأنّ المقصود من حكم العقل به: حكمه به بواسطة خطاب الشرع به، لا بالاستقلال، و مقصود القائل بعدم اعتباره: إنكار بقاء خطاب الشارع عند تطرّق الإجمال عليه، فالمنافاة موضوعية بين ما ذكرنا من حكم العقل بتنجّز العلم الإجمالي و بين القول بعدم تنجّزه، لابتناء الأوّل على بقاء خطاب الشارع و مطلوبه بعد تطرّق الإجمال، و ابتناء الثاني على ارتفاعه بعد الإجمال.

[اعتبار الظن عند انسداد باب العلم‏]

و منها: اعتبار العمل بالظنّ عند انسداد باب العلم، و بقاء التكليف، و عدم إمكان الاحتياط، فإنّه أيضا حكم عقليّ غير قابل لجعل الشارع يحكم به العقل بالقهر و جبلّة الطبع و إن كان حكمه بواسطة بقاء خطابه تعالى بعد الانسداد.

أمّا عدم قابليّته للجعل إثباتا فلاستلزامه تحصيل الحاصل، و أمّا عدم قابليّته له نفيا فلاستلزامه التناقض، لفرض بقاء خطاب الشرع و مطلوبه.

[اعتبار الاستصحاب و اليد و السوق‏]

و منها: اعتبار الاستصحاب، و اليد، و السوق على القول بأنّ اعتبارها الشارع ليس من باب الجعل و التنزيل، بل إنّما هو من باب البيان لحكم العقل باعتبارها من جهة أنّ قوام نظم العالم و أساس عيش بني آدم عليه، فإنّ هذا النوع من الظنّ أيضا من الجبلّيّات المقهور عليها الطبع، غير قابل للجعل لا إثباتا و لا نفيا، لما مرّ غير مرّة، و تبيّن توقّف اعتبار الظنّ من باب الجعل على انفتاح باب العلم، و على كون المصلحة الباعثة للجعل ليست ممّا يكتفي به العقل في اعتباره، و إلّا كان اعتباره من باب الانجعال لا الجعل.

[الأحكام الوضعية]

و منها: الأحكام الوضعيّة كالشرطيّة و الجزئيّة و المانعيّة و الصحّة و الفساد و الملكيّة و السببيّة و الزوجيّة و الحجّية و التنزيل و الوضع و النصب، إلى غير ذلك ممّا قيل بعدم انحصارها و إحصائها، من الأحكام الوضعيّة المنجعلة و المنتزعة عن‏

21

الأحكام الشرعية المجعولة على ما هو التحقيق الذي سيأتي الكلام فيه مفصّلا إن شاء اللّه تعالى.

[طريقية الطريق المنجعل موضوعية الطريق الجعلي‏]

ثمّ إنّ من جملة فروق الطريق المنجعل عن الطريق الجعلي هو: أنّ كلّ منهما و إن كان طريقا بالنسبة إلى نفس متعلّقه و آثار نفس المتعلّق كالسكرية للخمر، و الإسهال للسقمونيا، إلّا أنّ الطريق الجعلي موضوع بالنسبة إلى الأحكام التي رتّبها الجاعل على متعلّقه، و الطريق المنجعل طريق بالنسبة إلى نفس متعلّقه و بالنسبة إلى الأحكام الّتي رتّبها الجاعل على متعلّقه من الوجوب و الحرمة.

و تظهر الثمرة في صورة انكشاف الخلاف- مثلا- إذا فرض أنّ من أحكام الخمر وجوب الأخذ من شاربه عشرة دراهم فاخذ من شاربه ذلك المبلغ، ثم انكشف عدم مصادفته شربه الخمر، فإذا كان الشارب عالما بخمريّة ما شربه استرجع المبلغ المأخوذ منه؛ لكون العلم كما هو طريق بالنسبة إلى متعلّقه كذلك هو طريق بالنسبة إلى حكم متعلّقه.

و إن كان الشارب ظانّا بخمريّة المشروب لم يسترجع المبلغ المأخوذ منه؛ لأنّ معنى حجّيّة الظنّ و كونه طريقا مجعولا لا منجعلا هو كونه موضوعا بالنسبة إلى الأحكام الّتي رتّبها الجاعل على متعلّقه من وجوب الحدّ عليه و نحوه، لا طريقا كالعلم.

إلى غير ذلك من فروق الجعل و الانجعال المطويّة في كلام المصنّف، لا يفوتنّك الالتفات إليها.

[اختلاف اطلاق الحجّة على القطع عن اطلاقها على سائر الأمارات‏]

قوله: «و من هنا يعلم أنّ إطلاق الحجّة عليه ليس كإطلاق الحجّة على الأمارات المعتبرة شرعا ... إلخ».

أقول: لمّا فرغ من المطلب الأوّل- و هو تشخيص حجّيّة القطع و كيفيّة حجّيّته- شرع في تشخيص كيفيّة إطلاق الحجّة عليه، هل هو من باب الحقيقة أو

22

التسامح؟ فقال: إطلاق الحجّة عليه ليس كإطلاقه على الأمارات مستدلّا عليه، أوّلا: بانجعال القطع و مجعوليّة الأمارات.

و ثانيا: بعدم وقوع القطع وسطا يحتجّ به على ثبوت الأكبر للأصغر، كوقوع التغيّر وسطا لإثبات حدوث العالم الذي هو لازم كلّ أمارة و دليل مجعول.

و ثالثا: بأنّ الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب فلا يتعلّق بنفس القطع، و إلّا لزم اتّحاد الموجب و الموجب و السبب و المسبّب.

و قد يناقش على الأوّل منها: بأنّ مجرّد تفرقة القطع عن الأمارات بالجعل و الانجعال لا يوجب تفرقة إطلاق الحجّة على المجعول من باب الحقيقة، و على المنجعل من باب المجاز.

و على الثاني أولا: بأنّ القطع أيضا صالح لأن يقع وسطا لإثبات أحكام متعلّقه، كما يقع وسطا لإثبات أحكام نفسه، إذ كما يقع الظنّ وسطا لإثبات حكم نفسه في قولك: «هذا ظنّ، و كلّ ظنّ يجب العمل به» كذلك القطع في قولك: «هذا قطع، و كلّ قطع يجب العمل به» و كما يقع الظنّ وسطا لإثبات أحكام متعلّقه في قولك: «هذا مظنون الخمريّة، و كلّ مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه» كذلك العلم في قولك: «هذا معلوم الخمريّة، و كلّ معلوم الخمرية يجب الاجتناب عنه».

و ثانيا: سلّمنا لكن الدليل و الحجّة الاصطلاحية لا ينحصر في إطلاقه على الوسط الذي يحتجّ به على إثبات حكم متعلّقه- بالفتح- بل يطلق أيضا على الوسط الذي يحتجّ به على حكم نفسه، و يشهد عليه تمثيله للحجّة بالتغيّر المحتجّ به لإثبات الأكبر و هو الحدوث على الأصغر، و هو العالم في قولهم: «العالم متغيّر، و كلّ متغيّر حادث» و الحال أنّه وسط لإثبات حكم نفسه لجزئيّاته لا لإثبات حكم متعلّقه- بالفتح- و هو معلوم التغيّر.

و على الثالث: بأنّ مجرّد كون الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب لا يقتضي‏

23

عدم تعلّقه بنفس القطع.

و ما قيل في توجيهه من لزوم اتّحاد الموجب و الموجب، و السبب و المسبب ان اريد منه لزوم اتّحادهما في التعبير عن كلّ منهما بلفظ واحد فالملازمة مسلّمة، و بطلان اللازم ممنوع، إذ قد يشترك اللفظ بين الضدّين، كاشتراك القرء بين الطهر و الحيض، و الجون بين الأسود و الأبيض.

و إن اريد منه لزوم اتّحادهما في المرتبة المستلزم للدّور فالملازمة ممنوعة، كما لا يخفى.

و تندفع المناقشة عن كلّ من وجوه تفرقة القطع عن الأمارات في كيفيّة إطلاق الحجّية عليه بأنّ مقصود المصنّف بكلّ من تلك الوجوه ليس تفرقة إطلاق الحجّة على القطع عن إطلاقه على الأمارات بالحقيقة و المجاز، بل مقصوده مجرّد تفرقة الإطلاقين في المعنى، حيث إنّ إطلاقه على القطع في معنى الانجعال، و على الأمارات في معنى الجعل. و لهذا لم يصرّح بكون الفارق هو مجازيّة إطلاق الحجّة على القطع، بل اكتفى بقوله: «إطلاق الحجّة على القطع ليس كإطلاقه على الأمارات» و قوله: «بأنّ المراد من الحجّة في باب الأدلة- يعني أدلّة الفقه كالكتاب و السنّة و الإجماع و غيرها- ما كان وسطا لثبوت أحكام متعلّقه شرعا لا لحكم نفسه».

و ما نوقش من أنّ القطع أيضا صالح لأن يقع وسطا لأحكام متعلّقه بالمثال المذكور «هذا معلوم الخمرية، و كلّ معلوم الخمرية يجب الاجتناب عنه» ففيه: أنّ المصنّف لم ينكر صلوح وقوعه، و إنما أنكر وقوعه، بقرينة تعليله بأنّ أحكام الخمر إنّما ثبتت للخمر لا لما علم أنّه خمر (1)، نظرا إلى التحقيق الذي عليه المحقّقون من وضع الألفاظ للمعاني الواقعيّة لا للمعلوم منها، و إلّا سيصرّح آنفا

____________

(1) الفرائد: 3.

24

بوقوعه أيضا على مذهب بعض.

و ما نوقش ثانيا: بقوله: «سلّمنا لكن الدليل و الحجّة في الاصطلاح لا ينحصر في إطلاقه على الوسط الذي يحتجّ به على ثبوت حكم متعلّقة ... الخ» ففيه أيضا: أنّ المصنّف لم يقل بانحصار الدليل و الحجّة الاصطلاحية في ما ذكر حتّى تمنعه بالنقض المذكور، و إنّما قال بأنّ المراد من الدليل و الحجّة في باب الأدلة ما ذكر، فلا منع فيه و لا نقض، سيما إذا أراد من الأدلّة الأدلّة المجعولة لا المنجعلة.

فتلخّص ممّا ذكرنا اندفاع جميع المناقشات، و أنّه لا مسرح لشي‏ء منها في كلام المصنّف «(قدّس سرّه)» و أنّ كلامه أعلى اللّه مقامه في غاية المتانة و الإحكام.

قوله: «لأنّ الحجّة عبارة عن الوسط».

[أقول:] سواء كان مفردا كما هو اصطلاح الاصوليين حيث عرّفوه بما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. و لهذا صرّحوا بأنّ المراد من الأدلّة الفقهية الكتاب و السنّة و نحوهما، أو مركّبا بأحد الأشكال الأربعة، كما هو اصطلاح المنطقيين، حيث عرّفوا الدليل و الحجّة بأنّه: قول مؤلّف من قضايا يستلزم لذاته قولا آخر.

و لعلّ اصطلاح الاصوليين في الدليل يعمّ كلا القسمين، كما استقربه أستاذنا العلّامة، وفاقا لتصريح صاحب القوانين به في حاشيته منه‏ (1)، لا أنّه خاصّ بالمفرد ليخرج الوسط عن الدليل الاصولي إذا تركّب من صغرى و كبرى.

و كيف كان فقيد الإمكان لإدخال الدليل الذي غفل عنه، فلا يشترط فعليّة التوصّل في إطلاق الدليل عليه، و قيد الخبري لإخراج الحدّ و المعرّف.

قوله: «به».

[أقول:] أي بالوسط يحتج على ثبوت الأكبر للأصغر، و يصير- أي‏

____________

(1) لاحظ القوانين 1: 5 و حواشيه.

25

الوسط- واسطة للقطع بثبوت الأكبر للأصغر، و هذا الوصف يحصل للوسط بما اشترطه المنطقيّون في إنتاج الشكل الأوّل من كلّية الكبرى، ضرورة أنّ كلّ كلّي يصحّ الاحتجاج بصدقه على جزئيّات نفسه، و يكون واسطة للقطع بثبوت ما له من الأوصاف على جزئيّاته، كما لا يخفى.

[الواسطة في الثبوت و الواسطة في الاثبات‏]

ثمّ الوسط إمّا واسطة في ثبوت الشي‏ء، كوساطة الشمس في بياض ثوب القصّار و سواد وجهه، أو واسطة في العروض، كوساطة السفينة لتحريك من فيها.

و الفرق بينهما أنّ أثر الواسطة في الثبوت ثابت لغير الواسطة بالأصالة، و في العروض ثابت لنفس الواسطة بالأصالة و لغيره بالعرض، فالنسبة بين مورديهما تباين، كالنسبة بين مفهوميهما.

و أمّا الواسطة في الإثبات فهي الموجبة للعلم بالثبوت، أو العروض، كقولك في مثال الأوّل: «هذا الثوب مشمّس، و كلّ ثوب مشمّس أبيض فهذا الثوب أبيض»، و في المثال الثاني: «السفينة متحرّكة، و كلّما كانت السفينة متحرّكة كان من فيها متحرّك فمن فيها متحرّك» فالنسبة بين واسطة الإثبات و غيره من الثبوت أو العروض عموم من وجه لتصادقهما على الانتقال من العلّة إلى المعلول، كالانتقال من وجود النار إلى وجود الحرارة.

و افتراق واسطة الإثبات عن غيره في الانتقال من المعلول إلى العلّة، كالانتقال من وجود الدّخان إلى وجود النار، حيث إنّ وجود الدخان واسطة إثبات النار لا واسطة ثبوته، ضرورة أنّ النار واسطة ثبوت الدخان، فلو كان الدخان أيضا واسطة ثبوت النار لزم الدّور، و كذا الانتقال من معلول إلى معلول آخر ملازم له، كالانتقال من وجود الضّوء إلى وجود النهار المعلولين لعلّة ثالثة، و هي وجود الشمس.

و تفارق واسطة الثبوت عن الإثبات في الواسطة التي غفل عن الانتقال منها

26

إلى معلولها.

[التصويب في الموضوعات‏]

قوله: «كما هو قول بعض».

[أقول:] و القول به غير مختصّ بالعامّة، لأنّه تصويب في الموضوعات لا في الأحكام حتى يكون باطلا بإجماع الإمامية و أخبارهم، مضافا إلى الدّور الذي أورده العلّامة (1) على العامة من أنّ تفويض الأحكام إلى رأي المجتهدين، متوقّف على ثبوتها في نفس الأمر، فلو توقّف ثبوتها النفس الأمري على رأي المجتهدين لزم الدّور.

و لكن يدفعه: أنّ مرادهم من تفويض الأحكام إلى الآراء ليس تفويض الأحكام الواقعية المسبوقة بالثبوت الواقعيّ- كما هو ظاهر انصراف اللفظ- بل المراد تفويض ما سبق في علمه تعالى أنّه سيتجدّد من الآراء إلى الآراء.

و أمّا التصويب في الموضوعات فالقول به من أصحابنا غير عزيز؛ لعدم الدليل على بطلانه من الإجماع سوى الشهرة، و لا من الأخبار الصّريحة سوى ظهور انصراف الموضوعات إلى الموضوعات الواقعية، و لا من غيرهما سوى ملازمة التصويب في الموضوعات للتصويب في الأحكام، و يسهّل الخطب كون التصويب في الموضوعات ملازم للتصويب في الأحكام الجزئية لا الكلّية.

و من جملة القائلين بالتصويب في الموضوعات و إن كان كلامه خاصّ بموضوع الطهارة و النجاسة فقط صاحب الحدائق‏ (2)، و خالي العلّامة ناسبا إيّاه إلى المستفاد من الأخبار و كلام الأصحاب في الفرق التاسع و السبعون من كتاب فاروقه‏ (3) بين المجتهدين و الأخباريين في ردّ شبهة المحتاطين فيها بما لا مزيد عليه.

____________

(1) نهاية الأصول: لوحة 217 «مخطوط».

(2) الحدائق 1: 136.

(3) فاروق الحقّ للسيّد محمد المعروف بالقاضي الدزفولي غير متوفر لدينا.

27

بل استقوى شيخنا العلّامة، وفاقا للشيخ أسد اللّه (قدّس سرّه) التصويب في مطلق الموضوعات و الأمارات الشرعية، لو لا الشهرة بخلافه. هذا كلّه في تعيين القائل بالتصويب من أهل الصواب.

[تصرّف المعصوم في الموضوعات‏]

و أمّا وجه القول به فمنها: إقحام أئمّتنا المعصومين (عليهم السلام) في معاشرة الناس على العمل بالأمارات الظاهرية و الأصول العملية في أحكام الطهارة و النجاسة و غيرها، التي لا ينفكّ العامل بتلك الظواهر و الأصول في معاشرة الناس سيما قريبي العهد بالإسلام، في جميع عمره عن اتّفاق مخالفة الواقع، و عدم مصادفته إيّاه و لو مرّة واحدة، الذي هو منقصة في رتبة العصمة لو كان لذلك الموضوع الواقعيّ حكم واقعيّ وراء حكمه الظاهري.

و دعوى: تسديده تعالى المعصوم بتسديداته الخفيّة، عن اتّفاق مخالفته الواقع من أوّل عمره الشريف إلى آخره و إن كان ممكنا إلّا أنّه بعيد جدّا؛ إذ لم يظهر له أثر من أخبارهم و آثارهم.

و احتمال أنّ في سلوك الطرق الظاهرية وراء المعذورية مصالح يتدارك بها مفاسد ما يتّفق في سلوكها من مخالفة الواقع احتمال يتأتّى في حقّ كلّ من سلك تلك الطرق، و لا اختصاص له بسلوك أهل العصمة، و لم يكن فارقا لرتبتهم عن رتبة من عداهم.

و بالجملة: فالالتزام باتّفاق مخالفة فعل المعصوم للواقع و لو مرّة واحدة، في جميع عمره بواسطة ما يقتضيه السلوك في الطرق الظاهرية و الأصول العملية في الطهارة و النجاسة، و الحلّية و الحرمة، و غيرها، سيما بالنسبة إلى زمانه القريب بعهد الإسلام أمر شاقّ لا يلتزم به إلّا العاقّ، فلا بدّ للمتفصّي عنه بالتزام التصويب في الموضوعات. و لكن الشأن كلّ الشأن في انحصار التفصّي بالتزامه، أو التزام التسديد، أو التدارك، أو غيرها.

28

و منها: قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» (1) و «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه» (2) بناء على ظهورها في الإرشاد و الإخبار عن الطهارة و الحلّية الواقعية لغير المعلوم نجاسته و طهارته، و أنّه لا واقع لغير المعلوم نجاسته و حرمته سوى الطهارة و الحلّية.

و منها: ما أورده الصدوق [عن علي‏] (3) حيث سئل (عليه السلام) عن الوضوء من كوز (4) مخمّر الرأس أحبّ إليك أم من فضل وضوء جماعة المسلمين؟ فقال (عليه السلام):

«بل من فضل وضوء المسلمين أحبّ إليّ، لورود الشريعة السهلة السمحة» (5) نظرا إلى أنّ أحبيّته الظاهرة- مع احتمال مخالفته الواقع قويا- دليل عدم ثبوت واقع، و أثر واقعيّ شرعا في الموضوعات وراء حكمها الظاهري.

إلى غير ذلك من الأخبار المأثورة في طريق سلوك المعصوم بالظواهر و الأصول، قولا و فعلا، التي يقف المتتبّع عليها في مظانّها. هذا كلّه في تعيين القائل بالتصويب في الموضوعات، و وجوه القول به.

و أمّا ثمرته فهو إجزاء الظواهر الشرعية و الأصول العملية بعد كشف الخلاف، فلو انكشف نجاسة ما ظنّه طاهرا، أو حرمة ما ظنّه حلالا، أو فساد ما ظنّه صحيحا فإنّه يترتّب آثار المنكشف من حين الانكشاف على القول بالتصويب، و تلافي ما فات على القول بعدمه، و ذلك لصيرورة الظواهر الشرعية و الأصول العملية- على القول بالتصويب فيها- من قبيل الأمر الواقعي‏

____________

(1) الوسائل 2: 1054 ب «37» من أبواب النجاسات ح 4 و فيه: (كل شي‏ء نظيف) مستدرك الوسائل 2: 583 ب «30» من أبواب النجاسات ح 4.

(2) تقدمت مصادره في ص: 16 هامش (3).

(3) في الأصل: ما ورد عن الصدوق حيث سئل .... و ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

(4) في المصدر: «ركو أبيض».

(5) الفقيه 1: 9 ح 16، الوسائل 1: 152 ب «8» من أبواب الماء المضاف ح 3.

29

الاختياري المجزيّ بعد كشف الخلاف اتّفاقا، و على القول بعدمه من قبيل الأمر الظاهري الشرعيّ الغير المجزيّ بعد الكشف عندنا معاشر المشهور.

[انقسام رأي الأخبارية في حجّية مطلق العلم‏]

قوله (قدّس سرّه): «مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريين ... إلخ».

أقول: إنّ للأخبارية في منعهم حجّية مطلق العلم مذهبان:

أحدهما: ما عن السيّد صدر الدّين‏ (1) و الفاضل التوني‏ (2) تبعا للزركشي‏ (3) من منع الملازمة بين حكم العقل و الشرع، لكن لا لما يقوله الأشعرية من إنكار إدراك العقل الحسن و القبح أصلا، بل لزعمهم من أخبار البراءة أنّ العقل و إن أدرك الحسن و القبح إلا أنّ الشارع لم يرتّب عليهما الثواب و العقاب إلّا بعد بيانه بأحد طريقي الكتاب و السنّة.

ثانيهما: ما هو المحكيّ عن كلّ الأخبارية من منعهم اعتبار ما عدا الأخبار الوصوية من كلّ ما يحتمل في سلوك طريقه المخالفة الواقعية من كلّ علم، و عقل و نقل لم يبلغ طريقيته إلى الضرورة العادية، المنسدّ عنها الاحتمالات العقلائية.

و الفرق بين هؤلاء و أولئك الأخبارية أنّ هؤلاء يسلّمون الملازمة بين حكم العقل و الشرع، إلا أنّهم يدّعون انحصار المصلحة المتدارك بها مخالفة الواقع المحتمل اتّفاقها في السلوك بطريقة أخبار الوصوية دون سائر الطرق، بدعوى أنّ الضامن لتدارك ما يتّفق من المخالفة للواقع في سلوك الطريق ليس إلّا في سلوك طريق أخبار الأئمة (عليهم السلام) لأنّهم إنّما ضمنوا تدارك ذلك لخصوص السالك في طريق أخبارهم لكونه في قبال السلوك في طرق المخالفين، و الركون إليهم و إلى طريقتهم الضالّة المضلّة، بخلاف السلوك في سائر الطرق، فإنّه لا ضامن لتدارك ما يحتمل اتّفاقه فيها.

____________

(1) شرح الوافية: لوحة 81 و 82 (مخطوط).

(2) الوافية: 171- 173.

(3) نقله في الوافية: 175، عن شرحه لجمع الجوامع.

30

و إذا عرفت كلّا من مذهبي الأخبارية و الفرق بينها فاعلم: أنّ الذي يصلح شاهدا للعلم المعتبر على وجه الموضوعية من سبب خاصّ- الذي هو مذهب بعضهم، و أنّه عبارة عن عدم اعتبار ما عدا العلم الحاصل من الكتاب و السنّة- إنّما هو مذهبهم الأوّل لا الثاني؛ فإنّ الثاني هو مذهب كلّهم لا بعضهم، و أنّه عبارة عن عدم اعتبار ما عدا العلم الحاصل من أخبار الوصوية لا عدم اعتبار ما عدا العلم الحاصل من الكتاب و السنّة.

فإن قلت: لعلّ اعتبار القطع الحاصل من الكتاب و السنّة عند الأخبارية من باب الطريقية، لا الموضوعية حتى يكون مثالا للمصنّف.

قلت: قد عرفت أنّ اعتبار العلم الطريقي لا يعقل اختصاصه بسبب دون سبب، فلا بدّ و أن يكون مراد الأخبارية من تخصيصهم اعتباره بالحاصل من الكتاب و السنّة دون الحاصل من العقل اعتباره على وجه الموضوعية ليتأتّى تفصيلهم فيه.

[وجه رجوع المقلّد إلى الغير]

قوله: «كحكم الشارع على المقلّد بوجوب رجوعه إلى الغير في الحكم ... إلى آخر الأمثلة».

[أقول:] لا يقال: إنّ جميع هذه الأمثلة لا تخلو من المناقشة، فإنّ حكم الشارع على المقلّد بوجوب الرجوع إلى الغير إذا علم به من الطرق الاجتهادية المعهودة، لا من مثل الرمل و الجفر، ليس بالدلالة الأصليّة المعتبرة عرفا، و إنّما هو بالدلالة التبعية القهرية كدلالة الآيتين‏ (1) على أقلّ الحمل، فإنّ ما حكم به الشارع بالأصالة هو رجوع المقلّد إلى الغير، ثمّ استفيد من ضميمة نهيه عن الرّكون إلى قول الفاسق، و إلى الآخذ علمه من الطرق الغير الاجتهادية المعهودة تقييد الرجوع إلى العادل العالم من الطرق الاجتهادية المعهودة بالدلالة التبعيّة

____________

(1) البقرة: 233، الأحقاف: 15.

31

القهريّة المتروكة في نظر أرباب الفنّ.

لأنّا نقول: أوّلا: نمنع انحصار حكم الشارع برجوع المقلّد إلى الغير العادل العالم المذكور بالدلالة التبعية القهرية، بل قد حكم على ما ذكر بالدلالة الأصلية الصريحة، مثل قوله (عليه السلام): «من كان من الفقهاء حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فعلى العوام أن يقلّدوه» (1) إلى غير ذلك من الأخبار و الآثار الدالّة على تقييد الرجوع إلى الغير بعدالة المرجع، و تقييد علمه بالطرق الاجتهادية بالدلالة الأصلية الصريحة لا التبعية.

و ثانيا: سلّمنا انحصار حكم الشارع بما ذكر بالدلالة التبعيّة القهريّة، إلا أنّا نمنع متروكية هذه الدلالة في نظر أرباب الفنّ بعد قيام قرينة اتفاق العقول على تنزّه المتكلّم به عن الغفلة و الذهول، فإنّ متروكيّتها إنّما هو بالنظر إلى صدوره عمّن يجوز في حقّه الغفلة و الذهول، و أمّا بالنظر إلى قرينة صدوره عن الحكيم بالإطلاق الملتفت دائما على الأنفس و الآفاق فلا مجال لإنكار اعتباره، فتبيّن ارتفاع ما لعلّه يتوهّم من المناقشة في الأمثلة المذكورة و إن كانت المناقشة في المثال غير عزيزة.

[قيام الأمارات و بعض الاصول العملية مقام القطع‏]

قوله: «و من خواصّ القطع الذي هو طريق: قيام الأمارات الشرعية و بعض الأصول العملية مقامه».

[أقول:] أمّا وجه قيام الأمارات مقامه فلعدم الفرق بينها و بين القطع في أصل الطريقية و الكاشفية عن الواقع إلّا من حيث الكيفيّة، حيث إنّ القطع بنفسه طريق إليه، و الأمارات بواسطة جعل الشارع و إمضائه طريقيتها و كاشفيتها.

و أمّا قيام بعض الاصول العملية- و المراد من البعض خصوص ما نزّله‏

____________

(1) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): 300، الاحتجاج: 458 الوسائل 18: 95 ب «10» من أبواب صفات القاضي ضمن ح 20.

32

الشارع منزلة الواقع و العلم، لمصلحة من المصالح و إن كان نادر المطابقة للواقع، و هو ما عدا البراءة و الاحتياط من سائر الاصول العملية- فلأنّه لا معنى لتنزيل الأصل منزلة الواقع و العلم به إلّا قيامه مقام الواقع و العلم بالواقع.

لا يقال: إنّ اللازم من ذلك هو ترتيب جميع آثار الواقع على الأصل كما يترتّب جميعها على الأمارة، و الحال أنّ المشهور لم يرتّبوا على الأصل ما عدا الآثار الشرعية الثابتة للمعلوم.

لأنّا نقول: الفرق بين الأصل و الأمارة أنّ اعتبار الأصل من باب التنزيل منزلة الواقع تعبّدا لأجل مصلحة غير مصلحة المطابقة للواقع، بخلاف الأمارة فإنّ اعتبارها إنّما هو من أجل مطابقتها للواقع و كاشفيّتها عنه و لو بحسب الغالب، و من المعلوم أنّ ما عدا الآثار الشرعية- كالآثار العقلية و العادية- من لوازم واقعية الشي‏ء المفروض عدم العلم به في مورد الأصل، لا من لوازم التعبّد به و تنزيله منزلة الواقع في الآثار الشرعية، إلّا عند الزاعمين حجّية الأصل المثبت، بمعنى ترتيب جميع لوازمه عليه شرعية كانت أو غيرها.

[حدّ تنزيل الإمارات و الاصول التنزيلية منزلة القطع‏]

قوله: «لم يقم مقامه غيره».

[أقول:] و ذلك لأنّ ما اعتبره الشارع من الأمارات و الاصول التنزيلية ليس معناه إلّا ترتيب آثار العلم عليه مطلقا، أو خصوص آثاره الشرعية، لا أنّ معناه قلب ماهيّة غير العلم بالعلم حتّى يقوم مقام العلم، حتى في الآثار المنوطة بماهيّة العلم على وجه الخصوصية.

فإن قلت: لو لم يكن المقصود من أخذ العلم موضوعا في الحكم لفظا كونه موضوعا قصدا فما وجه اعتباره فيه لفظا؟

قلت: طرز العقلاء و أهل العرف جارية على أخذ ما لا مدخلية له في الحكم قصدا على وجه الموضوعية صورة من مقدّمات الأحكام و مقارناته إرشادا

33

إلى طريق الحكم بوجه المتعارف، أو توضيحا لتسهيل المطلوب، أو تقريبه، أو غير ذلك من النكات [و] المعاني.

و بالجملة: فتلخّص ممّا ذكر: أنّ كلّا من العلم و الظنّ إمّا طريق إلى الواقع، أو مأخوذ في الحكم على وجه الموضوعية لفظا، و على الثاني إمّا أن يظهر من دليل ذلك الحكم اعتبار العلم، أو الظنّ المأخوذ في الحكم على وجه الطريقية، أو على وجه الموضوعية، أو لا يظهر من دليل ذلك الحكم تعيين أحدهما. فمن خواصّ الطريقية بأيّ من وجهيها قيام الأمارات و الأصول التنزيلية مقامه، كما أنّ من خواصّ الموضوعية عدم قيامها مقامه. هذا ممّا لا كلام فيه.

إنّما الكلام في ما لم يعلم كونه مأخوذا بأيّ من وجهي الموضوعية و الطريقية ليلحقه خواصّ ذلك الوجه، فهل يلحق بالطريقية، أو بالموضوعية في الخواصّ، أو يتوقّف؟ وجوه، من أغلبية كونه طريقا بحسب الإرادة، و من أظهرية كون المأخوذ في الموضوع موضوعا بحسب الدلالة، فيتعارضان، و المرجع بعده إلى أصالة عدم مدخلية العلم في موضوع الحكم- و هو و إن عورض بأصالة عدم مدخلية الموضوع وحده في الحكم لأنّ الشكّ في مدخلية العلم في الحكم أو استقلال الموضوع في المدخلية، شكّ في الحادث لا الحدوث- إلّا أنّ أصالة عدم مدخلية العلم لمّا كان له أثر شرعي- و هو قيام الأمارات و الاصول التنزيلية مقام العلم و إن كان من الآثار الوضعية و لم يكن لأصالة عدم استقلال الموضوع في المدخلية أثر- قدّم الأصل الأوّل على الثاني، لصيرورته في حكم الشكّ في الحدوث بعد اختصاص الأثر به، فتدبّر.

و أمّا قيام بعض الأمارات أو الاصول التنزيلية مقام ذلك العلم أو الظنّ المشكوك كونه مأخوذا في الحكم على وجه الطريقية أو الموضوعية فليس كاشفا بمجرّده عن كونه مأخوذا فيه على وجه الطريقية، كما قد يتوهّم، بل هو

34

تابع لما يستفاد من دليل قيام القائم مقامه من كون القيام مقامه من قبيل الإلحاق الاسميّ أو الحكميّ، كما أنّ إلحاق بعض الأفراد النادرة بالمطلق في الاستكشاف عن إرادة سائر الأفراد النادرة منه، و عدم استكشافه عنه تابع لتشخيص كون الإلحاق اسميّا أو حكميا من دليل الإلحاق.

ثمّ و من جملة خواصّ الطريق المنجعل، كالعلم الفارق بينه و بين الطريق المجعول كالظنّ هو أنّ كلّا منهما و إن كان طريقا بالنسبة إلى نفس متعلّقه الآثار المنجعلة لمتعلّقه كالسكرية للخمر و الإسهال للسقمونيا، إلّا أنّ الطريق المجعول موضوع بالنسبة إلى الأحكام المجعولة التي رتّبها الجاعل على متعلّقه، و الطريق المنجعل طريق بالنسبة إليها و بالنسبة إلى نفس متعلّقه و الآثار المنجعلة اللازمة لمتعلّقه.

و تظهر الثمرة في صورة انكشاف الخلاف، مثلا إذا كان من أحكام المجعولة للخمر وجوب الأخذ من شاربه عشرة دراهم فأخذ من شاربه ذلك المبلغ، ثمّ انكشف عدم مصادفة شربه- المعتقد كونه خمرا- الخمر، استرجع المبلغ المأخوذ منه إذا كان الشارب عالما بخمريّة ما شربه لكون العلم كما هو طريق بالنسبة إلى نفس متعلّقه و آثاره المنجعلة كذلك هو طريق بالنسبة إلى الحكم المجعول لمتعلّقه، و لم يسترجع المبلغ المذكور منه إذا كان ظانّا بخمريّة المشروب؛ لأنّ معنى حجّية الظنّ و كونه طريقا مجعولا لا منجعلا، هو كونه موضوعا بالنسبة إلى الأحكام المجعولة التي رتّبها الجاعل على متعلّقه، من وجوب الحدّ عليه و نحوه، لا طريقا مطلقا كالعلم.

[التجرّي‏]

قوله: «لكنّ الكلام في أنّ قطعه هذا هل هو حجّة عليه من الشارع و إن كان؟ ... إلخ».

أقول: في تشخيص أنّ هذه المسألة المعروفة بمسألة التجرّي، هل هي من‏

35

مسائل الفقه، الذي هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية، أم من مسائل الحكمة، الذي هو العلم بحقائق الأشياء على حسب الطاقة البشرية، أم من مسائل الكلام، الذي هو العلم بأحوال واجب الوجود ممّا يصحّ و يحسن أو يمتنع و يصحّ عليه؟

التحقيق: أنّ الكلام فيها قابل للشئون الثلاثة، لأنّ سوق الكلام فيها من حيث تشخيص كون التجرّي و شرب مقطوع الخمرية حرّمه الشارع بعنوان تحريمه الخمر، أو التجرّي، أو التجاهر بخبث السريرة، أو معونة الظلم أو غير ذلك من العناوين المحرّمة شرعا، أو لم يحرّمه بعنوان من عناوين الحرمة كلام في مسألة فقهية، و شبهة حكمية، و من حيث تشخيص كونه فعلا قبيحا كالظلم، أو غير قبيح كلام في مسألة عقلية، و شبهة مصداقية.

ثمّ الكلام فيها على تقدير كونها مسألة عقلية كلام في مسألة كلامية من حيث تشخيص صحّة إناطة الشارع العقاب به و امتناعه، و كلام في مسألة حكمية من حيث تشخيص أنّ حقيقة العصيان منوط بمجرّد التجرّي، و الإطاعة بمجرّد الانقياد و توطين النفس من غير مدخلية المصادفة للواقع في حقيقتهما.

أو أنّ حقيقة العصيان مجرّد مخالفة المطلوب الواقعيّ من غير مدخلية التجرّي فيه.

أو أنّ كلّا من التجرّي و المصادفة علّة تامّة للعصيان، و كلّا من الانقياد و المصادفة علّة تامّة للإطاعة.

أو أنّ حقيقة العصيان هو المجموع المركّب من التجرّي مع مصادفته مخالفة المطلوب الواقعي و حقيقة الإطاعة هو المجموع المركّب من الانقياد مع مصادفته موافقة المطلوب الواقعي.

أو أنّ حقيقة العصيان أمر ثالث خارج عن كليهما، و هو مجرّد خبث‏

36

السريرة الكاشف عنه التجري، و حقيقة الإطاعة مجرّد صفاء الذات، و حسن السريرة، الكاشف عنه الانقياد و إن كان طريق العقلاء في إحسانهم و سياساتهم جار على أنّ إناطة الثواب و العقاب بنفس المكشوف عنه من غير كاشف غير قاطع للعذر و الاعتذار.

[بحث التجرّي مسألة فقهية أو اصولية أو غيرهما]

و أمّا احتمال كونها من مسائل أصل الاصول- الباحثة عن أحوال الدليل و القواعد الممهّدة للاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية- فلم يكن له وجه.

و توهّم إمكان فرضها من مسائل الاصول الملحقة بأدلّتها العقلية بسوق الكلام فيها في تشخيص قبح التجرّي و عدم قبحه مدفوع؛ بأنّ المسألة الاصولية في الأدلّة العقلية إنّما هو تشخيص الكبريات، أعني حجّية حكم العقل بقبح الظلم و حسن الإحسان، لا تشخيص الصغريات، أعني كون الظلم قبيحا عقلا أم لا؟

ليفرض مسألة التجرّي منها. نعم قد يبحث الاصولي كغيره من أرباب الفنون عمّا هو خارج عن موضوع فنّه لأجل الاستطراد، أو غرض آخر.

و بالجملة: فالكلام في مسألة التجرّي كلام في مسألة عقلية، على ما سيصرّح به المصنّف في طيّ كلامه‏ (1) و إن احتمل كونها مسألة فقهية أيضا.

[مصبّ النزاع في حكم التجرّي‏]

ثمّ إنّ النزاع في قبح التجرّي و حرمته ليس في قبحه- بمعنى كشفه عن قبح فاعله و خبث سريرته مع مولاه- فإنّ قبح الذات و خبث السريرة ممّا لا خلاف فيه و لا اشكال، كما هو المصرّح به في غير موضع من كلام المصنف، و لا في قبحه و حرمته- بمعنى قبح قصده مخالفة المولى و حرمة عزمه المخالفة له- فإنّ حرمة العزم على المعصية ممّا لا خلاف في بعض أقسامه على ما ستعرف إن شاء اللّه- و إنّما الكلام في قبح الفعل المتجرّى به.

و بعبارة اخرى: الكلام في قبح الفعل الكاشف عن خبث الفاعل، لا في قبح‏

____________

(1) الفرائد: 5.

37

المكشوف عنه، و هو خبث الفاعل و سوء سريرته، و أيضا الكلام في قبح نفس ذلك الفعل الكاشف المقارن لعزم المخالفة، لا في قبح العزم المقارن لذلك الفعل.

و من هنا يعلم دفع ما لعلّه يتوهّم من المنافاة بين إنكار المصنّف في أوائل كلامه قبح التجرّي‏ (1)، و بين إصراره على قبحه‏ (2) في جواب صاحب الفصول، فإنّ إنكاره ناظر إلى إنكار حرمة الفعل المقارن لعزم المخالفة، و إصراره- ثانيا- ناظر إلى أحد القبحين الأخيرين.

[الأقوال في حكم مسألة التجرّي‏]

و إذ قد عرفت تشخيص المسألة، و تشخيص محلّ النزاع منها فاعلم: أنّهم اختلفوا في حكم المسألة على أقوال:

أحدها: ما اختاره المصنّف‏ (3) تبعا لغير واحد من الأعلام من إناطة المعصية المترتّب عليها الحساب و العقاب بمصادفة الحرام الواقعي، لا بمجرّد التجرّي و إن لم يصادف الواقع.

ثانيها: ما عن بعضهم من إناطتها بالفعل المتجرّى به سواء صادف الحرام واقعا أم لم يصادف.

و ثالثها: ما عن السيّد صدر الدين من إناطتها بالمجموع المركّب من التجرّي و المصادفة للحرام، أعني بمجموع الفعل المصادف و المصادف، و هما شرب مقطوع الخمرية مع خمريّته الواقعية المصادفة له.

و رابعها: ما في الفصول و محصّل مرامه- على ما يظهر من كلامه‏ (4) المنقول في المتن-: أنّ كلّا من التجرّي و المصادفة سبب مستقلّ في العصيان و الحرمة، لكن لا على وجه السببية الذاتية، بل على وجه تختلف بالوجوه و الاعتبار، فلا بدّ أن يلاحظ الجهة الواقعية من الحسن و القبح الذاتي، و الجهة الظاهرية الناشئة من‏

____________

(1) الفرائد: 5.

(2) الفرائد: 6.

(3) الفرائد: 5.

(4) الفصول الغروية: 431- 432.

38

الانقياد و التجري، فعند توافقهما يتداخل العقاب المترتّب على كلّ منهما.

و عند تعارضهما فإن تكافئا و لم يكن مرجّح تساقطا، و لم يترتّب شي‏ء على الفعل الموجب للانقياد أو التجرّي، و إلّا فيترتّب عليه ما يقتضيه الراجح- مثلا- لو بلغ الحسن الذاتي في الفعل على حدّ الوجوب، و القبح الناشئ عن التجرّي على حدّ الحرمة، أو بالعكس فيتعارضان و يتساقطان و لا بترتّب شي‏ء على الفعل المتجرّى به، أو المنقاد به.

أمّا لو غلبت إحدى الجهتين على الاخرى- كما إذا بلغ الحسن الذاتي على حدّ الندب و القبح الناشئ عن التجرّي على حدّ الحرمة أو القبح الذاتي على حدّ الكراهة و الحسن الناشئ عن الانقياد على حدّ الوجوب- فيترتّب على الفعل المتجرّى به أو المنقاد به ما زاد عمّا يوازي الذات حسنا و قبحا.

و أمّا التفصيل المتوهّم في المسألة بين القطع الموضوعيّ فيترتّب على التجرّي بمخالفته الحرمة و العقاب، و الطريقي فلا يترتّب، فراجع إلى القول الأوّل- و هو إناطة الحرمة بمصادفة الواقع لا بمجرّد التجرّي و إن لم يصادف- و ذلك لأنّ محلّ النزاع في المسألة إنّما هو في مخالفة القطع الطريقي، و أمّا القطع الموضوعي فلا خلاف في حرمة التجرّي بمخالفته و إن لم يصادف.

أمّا وجه القول بإناطة المعصية و الحرمة من حيث الفعل بمصادفة المتجرّى به للحرام الواقعي فهو انصراف موضوع الحرمة- كالخمر مثلا- إلى الموضوع الواقعيّ، دون الأعمّ منه و من المتخيّل كونه هو، فلا يشمل حرمة الخمر- مثلا- حرمة ما يشرب بخيال أنّه خمر، لأنّ ما شربه غير خمر، و ما تخيّله غير مشروب، فلا وجه لحرمة فعل الشرب من حيث هو شرب، و ترتّب العقاب عليه من تلك الحيثية.

و أمّا وجه القول بحرمة نفس الفعل المتجرّى و إناطة المعصية و العقاب به‏

39

من غير مدخلية المصادفة و عدمها فيه- المقابل للقول الأوّل، و في طرف الضدّ منه- فوجوه قد أشار المصنّف إليها و إلى ما فيها.

و أمّا وجه القول بمدخليّة المجموع المركّب من التجرّي و مصادفة الفعل المتجرّى به في تحقّق المعصية و العقاب و الحرمة فهو عدم كفاية صرف التجرّي في حرمة الفعل المتجرّى به لما مرّ، و عدم كفاية صرف المصادفة في حرمته، و إلّا لا كتفي بها حتّى في صورة ما لو حصلت بالقهر و الجبر، كما يكتفى بها في التوصّليات، و المفروض أنّ الكلام ليس في التوصّليات التي يكتفى بحصولها أيّ وجه اتّفق، بل إنّما هو راجع إلى حيث الإطاعة و المعصية، فتعيّن أن يكون المجموع المركب من التجرّي و المصادفة له مدخلية في حرمة الفعل، لأنّ خاصية التجرّي في المصادفة فلا يجوز انتقاصه عنها، كما لا يجوز انتقاص شي‏ء من المعاجين المركّبة من الأدوية عمّا له مدخلية في الخاصية، عند أطبّاء الأبدان.

و قد اورد عليه: بأنّ الكلام في معنى الإطاعة و المعصية لا في تشخيص الخاصّيات، فتأمّل.

[اشارة إلى الاحباط عند الإمامية]

و أمّا وجه القول بتفصيل الفصول‏ (1)- و هو سببيّة كلّ واحد من التجرّي و المصادفة للعقاب مستقلا، و سببية كلّ من الانقياد و المصادفة للثواب مستقلّا فلعلّه ما اشتهر من «أنّ للمصيب أجران و للمخطئ أجر واحد» (2).

و فيه: مضافا إلى ما في سند الرواية احتمال أن يكون تعدّد الأجر تفضّليا لا استحقاقيا حتى يقاس عليه تعدّد العقاب، مع احتمال أن يكون المراد من افتراق المصيب عن المخطئ في اجر آخر هو افتراقه عنه في نفس الوصول إلى خواصّ المصاب لا في ازدياد الثواب، مضافا إلى ما في أصل مدّعاه من المواقع‏

____________

(1) راجع ص: 37 الهامش (4).

(2) لاحظ صحيح البخاري 9: 133.

40

للنظر التي منها ما يظهر منه، من أنّه عند تعارض الجهتين و تكافؤهما و عدم المرجّح يتساقطان، و لا يترتّب على الفعل المتجرّى به شي‏ء، و مع عدم التكافؤ يترتّب على الفعل ما زاد عمّا يوازي الذات حسنا و قبحا فأنّ هذا مبنيّ على الحبط و التكفير، و هو ذهاب كلّ من الحسنة و السيئة على قدر ما لها من المرتبة ضعفا و قوّة للأخرى، مع ذهابها على قدر إذهابه قهرا، و هو باطل بإجماع الإمامية، و نصّ الكتاب‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ (1).

لا يقال: إنّ الكتاب‏ (2) و السنّة مشحون بأنّ «الشرك يحبط العمل»، و «أنّ الحسد يأكل العمل كما تأكل النار الحطب» (3)، و ما يقرب من هذه المضامين في ذمّ كثير من المعاصي و الكبائر (4).

لأنّا نقول: المراد ممّا ورد في بعض الفتاوى و النصوص في ذمّ بعض المعاصي من أنّها تحبط العمل‏ (5)، و في مدح بعض الطاعات من أنّها تحبط الذنوب‏ (6)، إنّما هو الإحباط عند الإماميّة الراجع إلى تجاوزه تعالى عن ذنوب‏

____________

(1) الزلزلة: 7- 8.

(2) كما في الانعام: 88، الزمر: 65.

(3) لاحظ الوسائل 11: 292 ب «55» من أبواب جهاد النفس ح 1 و 2. و فيه: (يأكل الإيمان).

(4) كالواردة في البحار 2: 127 ح 5 و 134 ح 30، ج 3: 385 ح 87، ج 24: 92 ح 2 و 3 و 321 ضمن ح 31، ج 36: 87 ح 14، ج 68: 266 ضمن ح 23، ج 72: 97 ح 15- 18، ح 96: 123 ح 31.

(5) كما في الوسائل 14: 171 ب «129» من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه ح 2، و ج 11:

453 ب «23» من أبواب الامر و النهي ح 3، و لاحظ عقاب الأعمال: 332 و 335 و 337 و 338 و 342 من باب يجمع عقوبات الأعمال.

(6) لاحظ ثواب الأعمال: 20 باب من مدّ صوته بلا إله الّا اللّه ح 1 و 2 و ص 60 باب ثواب من قرأ بعد الجمعة الحمد و قل هو اللّه أحد سبعا ... إلخ ح 1 و ص 66 باب ثواب من صلّى‏

41

العبد تفضّلا، بسبب إقدامه على الطاعة من غير حبط شي‏ء من ثوابه، و ردّه طاعة العبد إعراضا عنه بسبب إقدامه على المعصية من غير حبط شي‏ء من ذنوبه، على حسب ما هو الديدن بين العقلاء في معاملة الموالي مع عبيدهم.

و الفرق أنّ هذا الحبط أمر راجع إلى اختيار المولى بخلاف الحبط و التكفير الآخر، فإنّه مفروض من خواصّ نفس الطاعة و المعصية قهرا، من غير مدخلية اختيار المولى فيه، كالإحراق الذي هو من خواصّ النار قهرا، و البرودة التي هي من خواصّ الماء قهرا، إلى غير ذلك ممّا في كلام صاحب الفصول‏ (1) من الأنظار التي أشار المصنّف إلى جملة منها، فراجع.

هذا محصّل ما بدا لنا من الإجمال في ضبط أقوال المسألة و مداركها مقدّمة، و لنرجع إلى ما كنّا فيه من التعرّض لكلمات المصنّف و بيانها.

قوله: «فإنّ تعبيرهم بالظنّ لبيان أدنى فردي الرجحان».

[أقول:] و فيه: أوّلا: أنّ التعبير بالظنّ كما يحتمل أن يكون لبيان أدنى فردي الرجحان الشامل للقطع- بدلالة الفحوى و الطريق الأولى- كذلك يحتمل أن يكون لبيان ما هو من خصائص الظنّ، من موضوعيّته بالنسبة إلى الأحكام المجعولة لمتعلّقه و إن كان طريقا بالنسبة إلى نفس متعلّقه و لوازمه المنجعلة، كما مرّ (2) تفصيله في خصائص الطرق المجعولة و المنجعلة.

و ثانيا: سلّمنا أنّ تعبيرهم بالظنّ لبيان أدنى فردي الرجحان، إلا أنّ ترتيبهم العقاب على مخالفة الرجحان أعمّ من ترتّبه على فعل التأخير المقارن لقصد

____________

صلاة الليل ح 11 و ص 85 باب صوم شعبان ح 8 و ص 223 باب ثواب من ذكر عنده أهل بيت النبي (عليهم السلام) فخرج من عينه دمعة ح 1 و غيرها، كالتي وردت في الوسائل 1: 267 ب 10 من أبواب الوضوء ح 3.

(1) تقدم في ص: 37 الهامش (4).

(2) لاحظ ص: 34.

42

المخالفة الذي هو محلّ الكلام، و من ترتّبه على القصد المقارن لفعل التأخير الخارج عن محلّ الكلام.

قوله: «و لو بعد انكشاف عدم الضّرر فيه، فتأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى احتمال موضوعيّة الظنّ بالنسبة إلى خصوص أحكام الضرر و الخطر و إن كان طريقا بالنسبة إلى نفس الضرر، بل و بالنسبة إلى سائر أحكام متعلّقاته الغير الضررية، و ذلك لما في رفع خصوص الضرر عن العباد من الامتنان المتوقّف رفعه على التحذّر حتى عن موارد خوفه، فضلا عن ظنّه، كما هو المنصوص‏ (1) أيضا، بل و حتّى بعد انكشاف خلافه كما هو من لوازم موضوعيّته، إذ الضرر الواقعيّ ممّا لا يعلم إلّا بعد الوقوع فيه المنافي للامتنان برفعه فرفعه الموافق للامتنان يتوقّف على موضوعيّة الظنّ، بل الخوف بالنسبة إلى حكم الضرر من الاجتناب و الحظر.

قوله: «و قد تقرّر دلالة العقل على ذلك بأنّه ... إلخ».

[أقول:] و محصّله: أنّ العقاب إمّا على فعل المتجرّى به، أو على مجرّد المصادفة، أو على المجموع المركّب من الفعل و المصادفة. لا سبيل إلى الثاني، لعدم رجوع المصادفة إلى الاختيار، و لا إلى الثالث، لأنّ الفعل الغير الاختياري كما لا يصحّ أن يكون علّة تامّة للعقاب لم يصح أن يكون علّة ناقصة فيه، كما لا يخفى، فتعيّن أن يكون العقاب على مجرّد الفعل المتجرّى به، و هو المطلوب و لكن ستقف على جواب المصنّف عنه بما لا مزيد عليه.

____________

(1) كما في المسح على الجبيرة للكسير مع الخوف، لاحظ الوسائل 1: 327 ب «39» من أبواب الوضوء ح 8 و 11، و كما في التيمم مع الخوف عن طلب الماء، او الخوف من البرد، او خوف العطش، راجع الوسائل 2: أبواب 2 و 5 و 25 من أبواب التيمم، و كما في الإفطار مع الخوف على النفس أو من ضرر آخر، انظر الوسائل 7: أبواب 16 و 17 و 18 و 19 من أبواب من يصحّ منه الصوم. و غير هذه الموارد ممّا يسقط فيها الحكم مع خوف الضرر.

43

[دعوى الاجماع على حكم التجرّى‏]

قوله: «و المسألة عقليّة، و المنقول عنه ليس حجّة في المقام ... إلخ».

[أقول:] و فيه: أوّلا: ما عرفت من أنّ المسألة ذات جهات لا يختصّ الكلام فيها بالجهة العقليّة إن لم نقل باختصاص الكلام فيها بالجهة الشرعية، كما هو صريح ما قاله في أوّل العنوان من أنّ الكلام في أنّ قطعه هذا هل هو حجّة عليه من قبل الشارع‏ (1)؟ و مع ذلك فأيّ مانع من حجّية الإجماع المدّعى على جهتها الشرعيّة، أعني: حرمة الفعل المتجرّى به، لا على جهتها العقليّة، أعني: قبحه عقلا و عدمه حتى يمنع حجّية الإجماع فيه.

و ثانيا: أنّ معقد الإجماع المستدلّ به على حرمة مخالفة القطع إنّما هو حرمة مخالفة الظنّ بضيق الوقت، لا استلزام حرمتها لحرمة مخالفة القطع بالأولوية العقلية حتّى يمنع حجّية الإجماع على الملازمة العقلية لكونها مسألة عقلية.

و ثالثا: سلّمنا أنّ النزاع في المسألة متوجّه إلى جهتها العقليّة لا الشرعيّة، أو أنّ معقد الاجماع المفروض فيها هو الملازمة العقليّة لا ملزومها، و هو المسألة الشرعية.

إلّا أنّا نمنع اختصاص حجّية الإجماع بالإجماع في المسائل الشرعية- على تقدير تحقّقه في غيرها- نقضا بالإجماعات المحتجّ بها على حجّية خبر الواحد و سائر الأدلّة و الأمارات الظنّية، المستلزمة لحجّية القطع الحاصل منها بالأولوية العقلية.

فإن قلت: إنّ مرجع النزاع في حجّية شي‏ء من الأدلّة إلى النزاع في وجوب العمل به من قبل الشارع، و هو مسألة شرعية، بخلاف النزاع في عصيان التجرّي و عدمه.

____________

(1) الفرائد: 4.

44

[اشارة إلى حقيقة الحكم الوضعي‏]

قلت: كما أنّ حجّية الدليل حكم وضعيّ منتزع عن حكم تكليفيّ، و هو وجوب العمل به- على ما هو التحقيق في الأحكام الوضعيّة- كذلك عصيان التجرّي حكم وضعيّ منتزع عن حكم تكليفيّ شرعيّ، و هو حرمة ارتكابه، فمرجعه إليه.

و حلّا: بأنّ ما يستبق ألسنة بعض الطلبة من «عدم حجّية الإجماع في المسائل العقلية»، هو استبعاد تحقّق موضوع الإجماع فيها، لا منع حجّيته على تقدير تحقّقه، نظير ما اشتهر في ألسنتهم أيضا من «عدم حجّية مفهوم الوصف و اللقب»، مريدين به عدم مفهوم له، لا عدم حجّيته على تقدير ثبوته، و إلّا فمرجع التفكيك بين حجّية الإجماع في المسائل الشرعية و عدم حجّيته في المسائل العقلية إلى التفكيك بين حجّية قول المعصوم في الشرعيّات، و عدم حجّيته- العياذ باللّه- في العقليّات، مع أنّه سيّد العقلاء و أعقلهم، و هو كما ترى.

فتلخّص ممّا ذكرنا أوّلا: عدم وجه لاختصاص المسألة بالمسألة العقليّة.

و ثانيا: منافاة اختصاصها بالعقل لصريح أخذه الحجّية من قبل الشارع في عنوان المسألة.

و ثالثا: عدم وجه لاختصاص حجّية الإجماع بالمسائل الشرعية، و عدم حجّيته في المسائل العقلية مع تقدير تحققه فيها.

إلّا أن يريد من منع حجّيته في العقليّات منع تحقّق موضوعه فيها، بضرب من التسامح، نظير تسامحهم في منع حجّية مفهوم الوصف و إرادتهم منع تحقّق موضوعه. و لكن منع حجّية الإجماع في العقليّات، بمعنى منع تحقّقه، و إن كان في محلّه، إلّا أنّه- مع بعد إرادته من هذا التعبير- لا ينحصر منع تحقّقه بفرض المسألة مسألة عقليّة، بل قد عرفت أنّ لمنع تحقّقه فيها وجوه أخر:

منها: منع ملازمة حرمة مخالفة الظنّ بضيق الوقت، الذي هو معقد

45

الإجماع المدعى لحرمة مخالفة القطع الذي هو محلّ الكلام لما مرّ.

و منها: منع كون معقد الإجماع هو حرمة مخالفة المعتقد من حيث الفعل، بل هو أعمّ منه و من حرمته من حيث القصد المقارن بالفعل.

و منها: وجود المخالف للإجماع في المسألة ممّن يمنع مخالفتهم من استكشاف الإجماع عن رضا المعصوم (عليه السلام) كشفا قطعيّا، المنوط به حجّية الإجماع.

[دراسة بناء العقلاء في مسألة التجرّي‏]

قوله: «و أمّا بناء العقلاء فلو سلّم ... إلخ».

[أقول:] و فيه: أنّ مفهوم «لو» موهم لإنكار بناء العقلاء على خبث الفاعل المتجرّي و ذمّه، و جريان النزاع في خبثه و عدم خبثه أيضا، و الحال أنّه لا مجال لإنكار خبث الفاعل و بناء العقلاء عليه، و عدم النزاع في خبثه، و أنّ النزاع منحصر في قبح الفعل، كما هو صريح كلماته الآتية- أيضا- في ضمن قوله:

«و الحاصل» (1) و في ضمن قوله الآخر: «فالظاهر (2) ... إلخ» و في ضمن قوله الآخر: «فالتحقيق‏ (3) ... إلخ» فتتبّع.

[دراسة حكم العقل باستحقاق الذم عند التجري‏]

قوله: «و من المعلوم أنّ الحكم العقليّ باستحقاق الذمّ إنما يلازم استحقاق العقاب شرعا إذا تعلّق بالفعل لا بالفاعل».

[أقول:] و فيه: أنّ اختصاص العقاب الشرعيّ عقلا بما إذا تعلّق الذمّ بالفعل لا بالفاعل مبنيّ على فرض اختصاص نواهي الشرع بفعل المذموم، لا بقلع مادّة الذمّ عن نفس الفاعل الّتي هي منشأ صدور الأفعال المذمومة عنه، و هو ممنوع؛ إذ كما تعلّق نواهي الشرع بالأفعال المذمومة كذلك تعلّق بقلع موادّها عن الفاعل في عدّة من الآيات و الأخبار.

____________

(1 و 2) الفرائد: 5.

(3) الفرائد: 7.

46

فمن الآيات قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏ (1) و قوله تعالى: وَ ذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَ باطِنَهُ‏ (2) بناء على ما قيل في تفسيره: ما عملتم بجوار حكم و ما نويتم منه بقلوبكم.

و من الأخبار قوله (عليه السلام): «إنّما يحشر الناس على نيّاتهم» (3).

إلى غير ذلك من الآيات و الأخبار المتواترة، مضافا إلى أنّ رجوع مصلحة عقاب الشارع إلى إصلاح الذات عن الذّميمات و تصفيته عن أدناس الخبثيات- لأجل صيرورته قابلة للفيوضات، لا لأجل تشفّي النفس عن ألم الغضب- أقوى مؤيّد لاستحقاق الفاعل العقاب بمجرّد خبث ذاته و سوء سريرته و إن لم يصدر منه الفعل المذموم.

لا يقال: لو استحقّ الفاعل العقاب على مجرّد خبث ذاته و إن لم يصدر منه الفعل المذموم لاستحقّه قبل كشف التجرّي عنه، عند العالم بالسرائر و الضمائر من غير كاشف.

لأنّا نمنع الملازمة؛ بأنّ استحقاق الفاعل العقوبة على مجرّد مذمّته و خبث ذاته لا يلازم ترتّب العقوبة عليه عقلا إلّا بعد قطع سبيل اعتذار المعاقب و إنكار استحقاقه العقاب، فإنّ إمكان الاعتذار مانع عقلائي عن ترتّب العقوبة على من يستحقّها قبل قطع سبيل الاعتذار و سدّ باب الإنكار، كما لا يخفى على أولى الأبصار.

و لهذا جرى ديدن أرباب العقول من السلاطين، و الأمراء العدول، على الاستشهاد بالطرق المألوفة في إثبات الحقوق حذرا عن شوائب الاتّهام بالجور، و إتماما للحجّة البالغة على أهل المعاصي و الفجور، و على طريقة العقلاء أيضا

____________

(1) البقرة: 284.

(2) الأنعام: 120.

(3) الوسائل 1: 34 ب «5» من أبواب مقدمة العبادات ح 5، بتفاوت يسير.

47

جرى ديدنه تعالى في نصب الشهود على أعمالنا من النبيّين، و الوصيّين، و الكرام الكاتبين، و الجوارح، مع أنّه منزّه عن شوائب الغفلة و الجور، و عالم لا يخفى عليه شي‏ء في السموات و الأرض.

و لكن مع ذلك كلّه يمكن أن يوجّه كلام المصنّف بأنّ مراده من عدم ملازمة ذمّ الفاعل العقاب شرعا، عدم ملازمته العقاب على الفعل، لا عدم ملازمته مطلقا، لا على الفعل و لا على الفاعل، و إن كان هذا التوجيه بعيد عن ظاهر كلامه.

[بحث في عدم العقاب على أمر لا يرجع إلى الاختيار]

قوله: «إلّا أنّ عدم العقاب لأمر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم ... إلخ».

[أقول:] و قد ناقش فيه أستاذنا العلّامة: بأنّ التفكيك بين فرض المصادفة من الأفعال الراجعة إلى الاختيار، و بين فرض عدمها ممّا لا يرجع إليه غير معقول، لأنّ المصادفة إن كانت من مقولة التسبيبات و الأفعال التوليدية المستندة إلى الاختيار و العلّة الأولى عرفا رجع كلّ من المصادفة و عدمها إلى الاختيار، و استند كلّ منهما عرفا إلى العلّة الاولى.

و إن كانت المصادفة من مقولة «البخت و الطالع» المستندة إلى القضاء الاتفاقي و التقديرات السّماوية الخارجة عن الاختيار لم يرجع شي‏ء منهما إلى الاختيار عرفا، فالتفكيك بين استناد المصادفة إلى الاختيار و عدمها إلى عدم الاختيار لا وجه له.

أقول: و يدفعه، نقضا: بما استشهد به المصنّف‏ (1) من الأخبار الواردة في:

«أنّ من سنّ سنّة سيّئة كان له مثل وزر من عمل بها» (2) فإنّ مقتضاها كثرة عقوبة

____________

(1) الفرائد: 5.

(2) راجع الوسائل 11: 436 ب «16» من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما.

48

من سنّ سنّة سيّئة إذا صادفت كثرة العامل بها، و قلّة عقوبته إذا لم يصادف.

و حلّا: بأنّ المصادفة الغير المنفكّة حكمها عن المصادفة في الرجوع إلى الاختيار إنّما هو العدم المستند إلى عدم إيجاد مقدّماته الاختيارية، و أمّا العدم المستند إلى الاتّفاقات الخارجية مع إيجاد مقدّمات وجوده الاختيارية- كما هو موضوع التجرّي الغير المصادف للحرام الواقعيّ- فلا إشكال في استناده إلى البخت و الطالع، و عدم رجوعه إلى الاختيار، كما لا إشكال في رجوع المصادفة الغير المستندة إلى إيجاد مقدّماته الاختيارية إلى البخت و الطالع دون الاختيار أيضا.

و بالجملة: فعدم كلّ شي‏ء إنّما يتبع وجوده في الاستناد إلى الاختيار و عدم الاختيار إذا وافق وجوده، فالعدم المستند إلى عدم إيجاد مقدّماته الاختيارية، كالوجود المستند إلى إيجاد مقدّماته الاختيارية في الرجوع إلى الاختيار، و صحّة إناطة الثواب و العقاب به، و العدم المستند إلى غير عدم إيجاد مقدّماته، كالوجود المستند إلى غير إيجاد مقدّماته الاختيارية، في عدم الرجوع إلى الاختيار و عدم صحّة إناطة الثواب و العقاب به.

[امكان التفاوت في حق الحكيم بين صورة مصادفة التجرّي و بين عدمها]

قوله: «المستحيل في حقّ الحكيم. فتأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى إمكان وجود التفاوت في حقّ الحكيم- أيضا- بتأكّد الذمّ في صورة المصادفة، و عدمه في عدمها، أو إلى منع استناد تفاوت ذمّ المصادف لذمّ غيره إلى تفاوت المذموم عليه، و هو نفس الفعل في المصادف، و الفاعل في غيره- كما هو مدّعى المصنف‏ (1)- و إمكان استناده إلى تفاوت حرمة التجرّي على القول به لحرمة الفعل المتجرّى به المصادف للواقع.

و قد تحرّر في محلّ النزاع في حرمة التجرّي: أنّ حرمة شرب الماء

____________

(1) الفرائد: 5.

49

المقطوع خمريّته- على القول بها- غير حرمة شرب الخمر الواقعيّ، فالتفاوت المذكور على تقدير وجوده في حقّ الحكيم- أيضا- لا يدلّ على تفاوت المذموم عليه و محلّ الذمّ، و هو نفس الفعل في المصادف و الفاعل في غيره- كما زعمه الماتن- بل لعلّه من جهة تفاوت حرمة التجرّي بما لا يصادف الواقع لحرمة ما صادفه.

قوله: «مدفوعة، مضافا إلى الفرق بين ما نحن فيه، و بين ما تقدّم من الدليل العقليّ، كما لا يخفى على المتأمّل، بأنّ العقل مستقلّ ... إلخ».

[أقول:] و قد يورد عليه: بأنّ نهاية الفرق المضاف إليه بين ما نحن فيه و بين ما تقدّم، هو عين المضاف و العلاوة التي مضمونها كون المقصود في ما تقدّم تأثير عدم المصادفة في دفع العقاب الغير المحقّق، و المقصود هاهنا تأثيره في رفع العقاب المحقّق الذي لا يتمّ إلّا على القول بالحبط و التكفير الباطل.

و يمكن دفعه: بأنّ مقصود المصنّف- في الجواب عن نقض المدّعي للقول بعدم مدخليّة عدم المصادفة في رفع العقاب هاهنا بعدم مدخليّته ثمّة- من المضاف إليه: مجرّد بيان الفرق بين المقامين لدفع ما لعلّه توهّم المدّعي اتّحادهما في الموضوع، و من المضاف و العلاوة: بيان كون الفارق فارقا حكميّا، لدفع ما لعلّه يتوهّم المدّعي- ثانيا- اتحادهما في الحكم، و كون الفرق غير مجد، فيقيس أحدهما بالآخر في الحكم، فكأنّ مقصود المصنّف في ردّ نقض المدّعي من المضاف إليه: مجرّد بيان الفرق بين المقامين إجمالا في مقابل توهّم اتّحاد المقامين في الموضوع، و من المضاف و العلاوة: بيان الفارق تفصيلا، و كونه مجديا، في مقابل توهّم كونه غير مجد و صحّة المقايسة.

و من الواضح أنّ المضاف و العلاوة في الجواب بهذا التقريب غير الجواب الأوّل المضاف إليه و إن آل إلى الإجمال و التفصيل الراجعين إلى الاتحاد بالأخرة.

50

[النسبة بين قبح التجرّي من حيث النيّة و قبحه من حيث المنوى‏]

قوله: «مع قصد المعصية. فتأمّل»

(1)

.

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أنّ وجه ظهور دلالة قبح التجرّي من حيث النيّة، في قبحه من حيث الناوي، هو اشتراكهما و اجتماعهما في ما هو من مقولة الباطن لا الظاهر، و المنكشف لا الكاشف.

أو إشارة إلى أظهريّته في العكس، أعني أظهريّة دلالة قبح التجرّي من حيث النيّة في قبحه من حيث المنويّ، لا الناوي لما بين النيّة و المنويّ من الاشتراك و الاجتماع في مقولة الفعل، لا الذات الذي هو المدّعى.

[دراسة ظهور حرمة الأكل على الزاعم طلوع الفجر في حرمة الفعل المتجرّي به‏]

قوله: «من الخيط الأسود. فتأمّل»

(2)

.

[أقول:] لعلّه إشارة إلى إمكان المنع من ظهور حرمة الأكل على من زعم طلوع الفجر، في حرمة الفعل المتجرّى به الذي هو المدّعى، لإمكان خروج مورد الرواية (3)- و هو حرمة الأكل على من رأى طلوع الفجر- عن محلّ النزاع في حرمة الفعل المتجرّى به، من جهات عديدة:

منها: كون النزاع في حرمته بعد كشف الخلاف، لا قبله كما هو مورد الرواية.

و منها: حرمته مع عدم المصادفة للواقع، لا مع المصادفة له الظاهرة تلك المصادفة من أغلبيّة مصادفة الرؤية للواقع من مصادفة عدمها لعدمه، كما هو مورد الرواية.

و منها: كون النزاع في حرمة مخالفة القطع الطريقيّ، لا الموضوعيّ المحتمل في موضوع الرؤية و الرواية.

قوله: «و يؤيّده قوله:

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ (4)

الآية».

____________

(1 و 2) لم ترد هاتان القطعتان في متن المطبوع من الفرائد المعوّل عليه عندنا.

(3) الكافي 4: 97 ح 7، الوسائل 7: 85 ب «48» من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

(4) القصص: 83.

51

أقول: وجه كونها مؤيّدا لا دليلا احتمال حرمة حبّ الدنيا و حبّ الفاحشة بنفسه من باب الموضوعيّة، لا الطريقية و الموصلية إلى ما يترتّب عليه من المفاسد الخارجية الّتي هي محلّ النزاع، و كذلك حرمة إخفاء ما في أنفسكم لعلّه خصوص ما يحرم بنفسه من باب الموضوعية لا الطريقية و التوصّلية، كإبطان الكفر و النفاق، لا مطلق قصد الحرام.

[استدلال آخر بالكتاب و السنّة على حرمة التجرّي‏]

أقول: و ممّا يدلّ على حرمة التجرّي من الكتاب و السنّة- مضافا إلى الإجماع و العقل المستقلّ- ما ورد في تفسير قوله تعالى: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (1) أنّ الحجّة إذا ظهر يقتل ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) معللا ذلك برضائهم بفعل آبائهم‏ (2).

و تعليلهم (عليهم السلام) إهلاك قوم صالح مع أنّ عاقر ناقته (عليه السلام) رجل واحد بقوله (عليه السلام):

«لأنّه إنّما يجمع الناس الرضا و السخط» (3).

و قوله (عليه السلام) في الاعتراف بالتقصير: «و لقد كان يستحقّ في أوّل ما همّ بعصيانك كلّ ما أعددت لجميع خلقك من عقوبتك» (4).

و تعزير علي (عليه السلام) أخاه عقيل بالحديدة المحماة على مجرّد استدعائه صاعا من شعير (5) على غير وجه التعديل و العدل.

إلى غير ذلك ممّا لا يحصى عددا و دلالة على المدّعى بالصراحة و الفحوى و الأولويّة.

قوله: «و يمكن حمل الأخبار الأول ... إلخ».

____________

(1) الاسراء: 33.

(2) البرهان 3: 528 ح 6353.

(3) نهج البلاغة: 319، خطبة (201).

(4) الصحيفة السجادية: 194.

(5) نهج البلاغة: 346، خطبة (224).

52

أقول: و يمكن حمل ثالث- و هو حمل أخبار العفو على تعقّب نيّة السوء بالتوبة، أو على العفو تفضّلا- على خصوص الأمّة المرحومة، كما هو صريح قوله (عليه السلام): «إنّ نيّة السوء لا تكتب على هذه الأمّة تفضلا» (1).

قوله: «و يشترط في صدق التجرّي في الثلاثة الأخيرة عدم كون الجهل عذرا عقليا».

[أقول:] كما في موارد البراءة المستندة إلى قبح العقاب بلا بيان في الشبهات الموضوعية بالوفاق، و الحكمية عند من عدا الأخبارية.

قوله: «أو شرعيّا».

[أقول:] كما في موارد الإباحة و الاستصحاب. و قد نوقش على قوله:

[ما يصدق معه التجرّي‏]

«و يشترط في صدق التجرّي ... إلخ».

أنّ المقصود من ذلك إن كان تكثير الأقسام لتفاوت الأحكام، أو كان تشخيص مصاديق التجرّي- لأجل رجوع ما يشكّ في اندراجه تحت التجرّي و عدمه، إلى الشبهات الموضوعية التي هي مورد البراءة باتّفاق المجتهدين و الأخبارية- فهو فرع ثبوت حرمة عنوان التجرّي و مصداقه المشخّص شرعا من حيث الكمّية و الكيفيّة، كما هو المعيار المميّز بين الشبهات الموضوعية و الحكمية، و الحال أنّه لم يثبت أصل حرمة عنوان التجرّي، فضلا عن انحصار أقسامه في الستّة المذكورة. أمّا عدم ثبوت أصل حرمته فبوفاق من المصنّف‏ (2).

و أمّا عدم ثبوت انحصاره في الستّة المذكورة فلأنّ من جملة أقسامه الغير المذكورة الرضا بالحرام و حبّه و التشبّه به، كشرب المباح تشبيها بشرب المسكر، و وطء زوجته مشبّها إيّاها بالأجنبيّة، و تشبّه المرأة بالرجل، و بالعكس، كما

____________

(1) لاحظ إحياء علوم الدين 3: 63 و اتحاف السادة المتّقين 7: 292، و راجع الوسائل 1:

35 ب «6» من أبواب مقدّمة العبادات.

(2) الفرائد: 7- 8.

53

صرّح به بعض الأصحاب، و حاصل المرام أن تكثيره الأقسام من دون حصرها بالتمام و عدم تفاوت الأحكام مناف لبلاغة الكلام.

أقول: و يمكن دفع المناقشة المذكورة، بأنّ ثبوت حرمة عنوان التجرّي على وجه التقدير و الفرض كاف في وجاهة تشخيص أفراده و مصاديقه و إن لم يقل المصنّف هو به، و أنّ اندراج الرضا و الحبّ و التشبّه بالحرام في مصداق التجرّي إن كان معلوما فلا يخرج المشكوك اندراجه في التجرّي، بعد تشخيص مصاديقه المذكورة، عن الشّبهة المصداقية الّتي هي مورد البراءة بالاتّفاق، و إن كان مشكوكا فغايته رجوع الشكّ في اندراجه إلى الشبهة الحكميّة التي هي مورد البراءة عند المجتهدين خاصّة، و هو سهل.

قوله: «و كلاهما تحكّم و تخرّص بالغيب».

[أقول:] أمّا وجه كون الأوّل تحكّما فلأنّه إثبات حكم الفسق في المتعاطي للتجرّي بلا دليل بيّن و لا مبيّن.

و أمّا وجه كون الثاني تخرّصا بالغيب فلعدم الواسطة بين الصغيرة و الكبيرة في ما يعاقب عليه، إلّا أن يوجّه بأنّ المقصود ليس عقابا متوسّطا بين مطلق الصغيرة و الكبيرة حتى يدفع بنفي الواسطة، بل المقصود كونه عقابا متوسّطا بالنّسبة إلى خصوص عقاب الفعل المتجرّى به، بمعنى أنّ التجري كبيرة بالنسبة إلى الصغائر التي لم يوعد عليها النار، لكونه من الظلم الموعد عليه، و صغيرة بالنسبة إلى عقاب فعل المتجرّى به المصادف للواقع، فحرمة التجرّي الغير المصادف للحرام الواقعيّ و إن كان كبيرة في نفسه، إلّا أنّها صغيرة بالنسبة إلى ما لو صادفت الواقع، لما تقدّم في تحرير محلّ النزاع من أنّ حرمة التجرّي على القول به ليس كحرمته إذا صادف الواقع، بل هي دونه قطعا.

و منه يظهر توجيه الحكم بفسق المتعاطي له أيضا، مضافا إلى توجيهه بعدم‏

54

انحصار المانع من العدالة و الكواشف عن عدم ملكتها في خصوص ارتكاب الحرام، بل يجتمع في ارتكاب خلاف المروّات من المباحات أيضا.

قوله: «و كلّها تحكّم و تخرّص بالغيب»

(1)

.

[أقول:] و ذلك لأنّ التجرّي إن كان حراما من حيث الفعل المتجرّى به فكبيريّته و صغيريّته، تابع لكبيريّة مسبّبه الواقعي و صغيريّته، إذ لا دليل على حرمة فعل المتجرّى به- على تقدير تسليم حرمته- سوى تعميم حرمة مسبّبه المفروض عدم مصادفته له، و جعله من أفراد ذلك الحرام الواقعيّ الذي قد يصادفه التجرّي و قد لا يصادفه، بدعوى خروج المصادفة عن الأفعال الاختيارية و إناطة الحرمة الواقعية بنفس المتعلّق به الاختيار، و هو التجرّي على زعم المدّعي.

و إن كان التجرّي حراما من حيث خبث الفاعل و سوء سريرته فهو راجع إلى عدم حرمة فعله رأسا، لا كبيرة و لا صغيرة.

و إن لم يكن التجرّي حراما لا من حيث الفعل و لا من حيث الفاعل، فإن صدر من العادل أمكن استصحاب عدالته لو لا فحوى وجه مانعيّة ارتكاب خلاف المروّة عن العدالة، و هو الكشف العاديّ و الغالبيّ عن عدم المبالاة في الخلوات عن ارتكاب المحرمات.

فتبيّن أنّ التجرّي مانع عن الوثوق بعدالة مرتكبه على جميع التقادير، أمّا على تقدير كونه من الكبائر أو الصغائر المصرّ عليها فلكونه مثبتا للفسق، فضلا عن مانعية الوثوق بعدالته.

و أمّا على تقدير عدم كونه منها فلأنّه- فإن لم يثبت فسق فاعله إلّا أنّه بفحوى وجه مانعيّة ارتكاب خلاف المروّة- مانع عن الوثوق بعدالة مرتكبه.

____________

(1) لم يرد هذا المتن في نسخة الفرائد المعتمدة، و الظاهر أن المقصود هو المتن المعلّق عليه قبله، و تكرّرت التعليقة عليه نتيجة اضافة بعض الاستدراكات في النسخة و يظهر على النسخة تأخر كتابة التعليقة المتقدّمة عن هذه الأخيرة- حسب ايرادنا-.