التنقيح - ج3

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
476 /
7

المقصد الثالث من مقاصد هذا الكتاب في الشك‏

[المكلف الملتفت إلى الحكم الشرعي‏]

قد قسمنا في صدر هذا الكتاب المكلف الملتفت إلى الحكم الشرعي العملي في الواقعة على ثلاثة أقسام، لأنه إما أن يحصل له القطع بالحكم الشرعي، و إما أن يحصل له الظن، و إما أن يحصل له الشك‏

1

.

و قد عرفت: أن القطع حجة في نفسه لا بجعل جاعل، و الظن يمكن‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

اللهم وفق و اعن و سدد و أرشد. أنت حسبنا و نعم الوكيل.

____________

(1) سبق الكلام في التقسيم المذكور في أول الكتاب، و ذكرنا أن الأنسب التقسيم بوجه آخر. فراجع.

8

أن يعتبر في متعلقه‏

1

، لأنه كاشف عنه ظنا

2

، لكن العمل به و الاعتماد عليه في الشرعيات موقوف على وقوع التعبد به شرعا، و هو غير واقع إلا في الجملة، و قد ذكرنا موارد وقوعه في الأحكام الشرعية

3

في الجزء الأول من هذا الكتاب.

[عدم إمكان اعتبار الشك‏]

و أن ما لم يرد اعتباره في الشرع فهو داخل في الشك‏

4

. فالمقصود هنا بيان حكم الشك بالمعنى الأعم من ظن غير ثابت الاعتبار

5

و أما الشك، فلما لم يكن فيه كشف أصلا لم يعقل أن يعتبر

6

، فلو ورد في‏

____________

(1) يعني: بنحو يكون حجة عليه.

(2) سيأتي أن ذلك ليس معيارا في اعتبار الظن و حجيته.

(3) و أما في موضوعاتها فلم يتعرض له هناك، لخروجه عن المسائل الأصولية.

(4) لا معنى لدخوله في الشك، بل كالشك في عدم الحجية.

(5) كما أنه يخرج منه الشك الذي قام الدليل في مورده فما هو محل الكلام هنا مورد عدم قيام الحجة، و بينه و بين الشك- الذي هو بمعنى تساوي الطرفين- عموم من وجه موردي.

(6) يعني: بنحو يكون حجة على المشكوك. لكن الظاهر أن المعيار في الأمارية و الحجية و الطريقية ليس هو الكشف الذاتي في الأمارة، ليختص بالظن و لا يجري في الشك، بل المعيار فيها لسان الجعل و التعبد.

فإن كان مبنيا على اعتبار الشي‏ء كان أمارة و لو كان شكا بل وهما، فلو كان الغالب في ظن المكلف خطأ الواقع و اعتمد الشارع الغلبة المذكورة فقال: كلما ظننت بشي‏ء فاعمل على خلافه، فإنه هو الواقع، كان الظن المذكور أمارة على الخلاف، و كان الوهم حجة في الوصول إلى متعلقة و طريقا إليه. و لذا أمكن كون القرعة من‏

9

مورده حكم شرعي- كأن يقول: الواقعة المشكوكة حكمها كذا- كان حكما ظاهريا، لكونه مقابلا للحكم الواقعي المشكوك بالفرض‏

1

.

و يطلق عليه الواقعي الثانوي أيضا، لأنه حكم واقعي للواقعة المشكوك في حكمها

2

، و ثانوي بالنسبة إلى ذلك الحكم المشكوك فيه‏

3

، لأن موضوع هذا الحكم الظاهري- و هي الواقعة المشكوك في حكمها- لا يتحقق إلا بعد تصور حكم نفس الواقعة و الشك فيه.

مثلا: شرب التتن في نفسه له حكم فرضنا في ما نحن فيه شك المكلف فيه، فإذا فرضنا ورود حكم شرعي لهذا الفعل المشكوك الحكم، كان هذا الحكم الوارد متأخرا طبعا عن ذلك المشكوك، فذلك الحكم واقعي بقول‏

الأمارات و إن لم تفد الظن.

و إن كان مبنى لسان دليل الجعل و التعبد على محض التعبد ظاهرا و الإلزام بالعمل من دون نظر إلى الكشف و الطريقية كان أصلا و إن كان ظنا كاشفا في نفسه، كما اعترف بالثاني المصنف (قدّس سرّه) في الأمر الثالث من خاتمة الاستصحاب.

نعم لما كان مبنى الظن على الكاشفية ذاتا، و مبنى الشك على عدمها كان المساق من أدلة التعبد بالأول إمضاء طريقته، و بالثاني محض التعبد، و إرادة خلاف ذلك محتاجة إلى عناية لا مجال لحمل دليل التعبد عليها من دون قرينة.

____________

(1) بعد فرض عدم كون دليل التعبد ناظرا إلى احراز الحكم الواقعي، فلا بد أن يكون مفاده مجعولا مع قطع النظر عنه. و ربما يطلق الحكم الظاهري و يراد منه الحكم الذي يعمل عليه فعلا، إما لكونه حكما واقعيا و أصلا للمكلف متنجزا في حقه، أو لكونه حكما ظاهريا بالمعنى الذي ذكره المصنف (قدّس سرّه).

(2) يعني: من حيثية كونها مشكوكا في حكمها.

(3) و هو الحكم الواقعي الأصلي.

10

مطلق، و هذا الوارد ظاهري، لكونه المعمول به في الظاهر، و واقعي ثانوي، لأنه متأخر عن ذلك الحكم، لتأخر موضوعه عنه.

و يسمى الدليل الدال على هذا الحكم الظاهري (أصلا)

1

، و أما ما دل على الحكم الأول- علما أو ظنا معتبرا- فيختص باسم «الدليل»، و قد يقيد ب (الاجتهادي)، كما أن الأول قد يسمى ب (الدليل) مقيدا ب (الفقاهتي). و هذان القيدان اصطلاحان من الوحيد البهبهاني‏

2

، لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه و الاجتهاد.

ثم إن الظن الغير المعتبر حكمه حكم الشك‏

3

كما لا يخفى.

[وجه تقديم الأدلة على الأصول‏]

و مما ذكرنا: من تأخر مرتبة الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي- لأجل تقييد موضوعه بالشك في الحكم الواقعي- يظهر لك وجه تقديم الأدلة على الأصول، لأن موضوع الأصول يرتفع بوجود الدليل، فلا

____________

(1) الظاهر أن الأصل عندهم نفس الحكم الظاهري المستفاد من دليل التعبد، لا نفس دليل التعبد، فالأصل مثلا هو لزوم البناء على الحل عند الشك فيه، لا ما تضمن من الأخبار أن كل شي‏ء حلال حتى تعلم أنه حرام.

(2) قال بعض أعاظم المحشّين (قدّس سرّه): «و هذان اصطلاحان على ما وقفنا عليه من الفاضل المازندراني في شرح الزبدة، و شايعه الأستاذ الأكمل الفريد البهبهاني في فوائده ...» ثم تعرض لتوجيه الاصطلاحين و الإشكال عليه، ثم قال: «و الخطب في ذلك سهل».

(3) لأن موضوع الأصول ليس هو الشك بمعني تساوي الطرفين، بل هو الجهل المقابل للعلم الحاصل مع الظن غير المعتبر، بل حتى المعتبر لو لا ما سيأتي من وجه تقديم الأدلة على الأصول.

11

معارضة بينهما، لا لعدم اتحاد الموضوع‏

1

، بل لارتفاع موضوع الأصل- و هو الشك- بوجود الدليل.

أ لا ترى: أنه لا معارضة و لا تنافي بين كون حكم شرب التتن المشكوك حكمه هي الإباحة و بين كون حكم شرب التتن في نفسه مع قطع النظر عن الشك فيه هي الحرمة

2

، فإذا علمنا بالثاني- لكونه‏

____________

(1) كأنه اشارة إلى دعوى اختلاف موضوعي الدليلين المانع من التنافي بينهما بتقريب بأن موضوع الدليل الاجتهادي ذات الشي‏ء كشرب التتن، و موضوع الأصل هو الشي‏ء بقيد كونه مشكوك الحكم، و مع اختلاف الموضوع لا تنافي بين الحكمين، و لا تعارض بين دليليهما. لكنه يندفع بأن اختلاف الموضوعين بالإطلاق و التقييد لا يرفع التنافي بين حكميهما الموجب لتكاذب دليليهما و تعارضهما.

نعم لو كان موضوع كل منهما مقيدا بقيد مباين لقيد الآخر ارتفع التنافي و التعارض، و لذا كان مقتضى الجمع بين المطلق و المقيد حمل المطلق على المقيد لا إبقاؤه على إطلاقه. إلا أنه خلاف المفروض هنا، لفرض إطلاق موضوع الحكم الواقعي، و لذا كان مشتركا بين العالم و الجاهل إجماعا. فلا بد من رفع التنافي بينهما بوجه آخر. و يأتي بعض الكلام في ذلك.

(2) إن كان المراد بعدم التنافي هو عدم التنافي بين الحكمين ثبوتا، فمن الظاهر أن هذا الوجه لا يصلح لرفعه، لما عرفت من أن اختلاف موضوعي الحكمين بالإطلاق و التقييد لا يرفع التنافي بينهما، إذ في صورة وجود القيد- كما في صورة الشك في مثل المقام- يلزم اجتماع الحكمين المتضادين.

نعم قد أشرنا إلى وجه عدم التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري في أول مبحث الظن عند الكلام في دليل ابن قبة، و هو راجع في الحقيقة إلى إنكار الحكم الظاهرى. و تمام الكلام في المطولات. و إن كان المراد بعدم التنافي هو عدم التنافي بين دليلي الحكمين إثباتا- بعد فرض عدم التنافي بينهما ثبوتا لما سبق أو لغيره- فهو

12

علميا، و المفروض سلامته عن معارضة الأول‏

1

- خرج شرب التتن عن موضوع دليل الأول و هو كونه مشكوك الحكم، لا عن حكمه حتى يلزم فيه تخصيص و طرح لظاهره.

[أخصية الأدلة غير العلمية من الأصول‏]

و من هنا كان إطلاق‏

2

التقديم و الترجيح في المقام تسامحا، لأن الترجيح فرع المعارضة. و كذلك إطلاق الخاص على الدليل و العام على الأصل‏

3

، فيقال: يخصص الأصل بالدليل، أو يخرج عن الأصل بالدليل.

و يمكن أن يكون هذا الاطلاق على الحقيقة بالنسبة إلى الأدلة الغير العلمية

4

، بأن يقال: إن مؤدى أصل البراءة- مثلا: أنه إذا لم يعلم حرمة

في محله بناء على ما ذكره من أن دليل الحكم الواقعي رافع للشك الذي هو موضوع دليل الحكم الظاهري. لكنه البناء المذكور في غير محله، كما سيتعرض له.

____________

(1) لما كان منشأ الفرض المذكور ارتفاع موضوع الأول بسبب الثاني كان اللازم جعله مترتبا عليه، لا مقدمة له و شرطا فيه، بأن يقول مثلا: فإذا علمنا بالثاني لكونه علميا خرج شرب التتن عن موضوع الدليل الأول، فلا يكون الدليل الأول معارضا للثاني، لعدم جريانه معه. اللهم إلا أن يكون منشأ فرض عدم المعارضة دعوى عدم التنافي بين الحكمين ثبوتا، لا إثباتا فقط، الذي سبق احتماله في كلامه، و سبق الإشكال فيه.

(2) تعريض بما يوجد في كلمات كثير من أهل الاستدلال من هذه التعابير و نحوها.

(3) لأن الخاص لا يرفع موضوع العام، بل يرفع حجيته في مورده مع شموله له، بخلاف المقام بناء على ما ذكره من ارتفاع الشك بالدليل.

(4) و هي الأدلة التي لا توجب العلم، كخبر الواحد، في مقابل العلمية،

13

شرب التتن فهو غير محرم، و هذا عام، و مفاد الدليل الدال على اعتبار تلك الأمارة الغير العلمية المقابلة للأصل: أنه إذا قام تلك الأمارة الغير العلمية على حرمة الشي‏ء الفلاني فهو حرام، و هذا أخص من دليل أصل البراءة مثلا، فيخرج به عنه.

و كون دليل تلك الأمارة أعم من وجه- باعتبار شموله لغير مورد أصل البراءة

1

- لا ينفع بعد قيام الإجماع على عدم الفرق في اعتبار تلك الأمارة بين مواردها

2

.

[الدليل العلمي رافع لموضوع الأصل‏]

توضيح ذلك: أن كون الدليل رافعا لموضوع الأصل- و هو الشك-

كالخبر المتواتر.

____________

(1) كما لو قامت الأمارة على عدم التكليف، أو على بعض الأحكام التي لا تكون مجرى للأصول كسببية بعض الأسباب لبعض الأحكام الوضعية، فان الأصول لا تجري في السببية، أو قامت للأمارة في مورد تعارض الأصول و تساقطها و حينئذ قد يدعى حمل دليل الأمارة على الموارد المذكورة جمعا بينه و بين دليل الأصل، لا بتخصيص دليل الأصل به، كما ذكره المصنف (قدّس سرّه) أو يتوقف، كما هو مقتضى الأصل في العامين من وجه.

(2) فإن هذا موجب لرجحان دليل الأمارة بسبب القرينة الخارجية على عدم التفكيك بين موارده و صغرياته، و يتعين حينئذ ترجيح دليل الأمارة في مورد الأصل و تخصيص دليل الأصل به.

و بعبارة أخرى: إنما يتوقف في العامين من وجه إذا أمكن تخصيص كل منهما بالآخر، أما إذا دار الأمر بين تخصيص أحدهما بالآخر و إلغاء الآخر بالمرة، لعدم إمكان تخصيصه بصاحبه، لامتناع التفكيك بين أفراده- و لو لدليل خارجي- فإنه يتعين البناء على تخصيص ما يقبل التخصيص، لأنه أهون من إلغاء الآخر بالمرة.

14

إنما يصح في الدليل العلمي، حيث إن وجوده يخرج حكم الواقعة عن كونه مشكوكا فيه.

و أما الدليل الغير العلمي فهو بنفسه غير رافع لموضوع الأصل و هو عدم العلم، و أما الدليل الدال على اعتباره فهو و إن كان علميا

1

، إلا أنه لا يفيد إلا حكما ظاهريا

2

نظير مفاد الأصل، إذ المراد بالحكم الظاهري ما ثبت لفعل المكلف بملاحظة الجهل بحكمه الواقعي الثابت له من دون مدخلية العلم و الجهل، فكما أن مفاد قوله (عليه السلام): «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» يفيد الرخصة في الفعل الغير المعلوم ورود النهي فيه، فكذلك ما دلّ على حجية الشهرة الدالة مثلا على وجوب شي‏ء، يفيد وجوب ذلك الشي‏ء من حيث إنه مظنون مطلقا

3

أو بهذه الأمارة

4

- و لذا اشتهر:

أن علم المجتهد بالحكم مستفاد من صغرى وجدانية، و هي: «هذا ما أدى إليه ظني»، و كبرى برهانية، و هي: «كل ما أدى إليه ظني فهو حكم اللّه في حقي»، فإن الحكم المعلوم منهما هو الحكم الظاهري. فإذا كان مفاد

____________

(1) الظاهر أن مراده أنه قد يكون علميا، إذ لا يلزم في دليل الحجية أن يوجب العلم.

(2) و إن شئت قلت: الدليل الدال على اعتبار الأمارة أو الطريق إنما يوجب العلم باعتبارهما و حجيتهما، و لا يوجب العلم بمطابقة مضمونهما للواقع، حتى يكون قيامهما رافعا لموضوع الأصل، و هو الجهل بالواقع.

(3) كما هو الحال لو قيل بأن حجية الشهرة من حيث حجية مطلق الظن لدليل الانسداد أو غيره.

(4) كما هو الحال لو قيل بحجية الشهرة بالخصوص.

15

الأصل ثبوت الإباحة للفعل الغير المعلوم الحرمة و مفاد دليل تلك الأمارة ثبوت الحرمة للفعل المظنون الحرمة، كانا متعارضين لا محالة، فإذا بني على العمل بتلك الأمارة كان فيه خروج عن عموم الأصل و تخصيص له لا محالة.

هذا، و لكن التحقيق: أن دليل تلك الأمارة و إن لم يكن كالدليل العلمي رافعا لموضوع الأصل، إلا أنه نزل شرعا منزلة الرافع، فهو حاكم على الأصل لا مخصص له، كما سيتضح‏

1

إن شاء اللّه تعالى.

على: أن ذلك إنما يتم بالنسبة إلى الأدلة الشرعية

2

، و أما الأدلة العقلية القائمة على البراءة و الاشتغال‏

3

فارتفاع موضوعها بعد ورود الأدلة الظنية واضح، لجواز الاقتناع بها في مقام البيان و انتهاضها رافعا لاحتمال العقاب‏

4

كما هو ظاهر. و أما التخيير فهو أصل عقلي لا غير

5

.

____________

(1) يأتي الكلام في ذلك في خاتمة الاستصحاب و في مبحث التعارض، و يأتي ما هو الحق إن شاء اللّه تعالى.

(2) يعني: الدالة على الأصول، كحديث الرفع و الحجب و غيرهما.

(3) كقاعدتي: قبح العقاب بلا بيان، و الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

(4) لأن المراد بالبيان و اليقين في الأدلة العقلية المشار إليها ليس خصوص القطعيين منهما، بل مطلق الحجة التي يصح الاعتماد عليها في مقام التخيير و المعذرية، بخلاف الأدلة الشرعية، فإن المأخوذ في أدلتها عنوان العلم أو اليقين الذي لا يكفي فيه قيام الحجة.

(5) يعني: و موضوعه عدم الحجة أيضا كسائر الأصول العقلية. ثم إن‏

16

كما سيتضح إن شاء اللّه‏

1

.

[انحصار الأصول في أربعة]

و اعلم: أن المقصود بالكلام في هذه الرسالة الأصول المتضمنة لحكم الشبهة في الحكم الفرعي الكلي‏

2

و إن تضمنت حكم الشبهة في الموضوع أيضا، و هي منحصرة في أربعة: (أصل البراءة)، و (أصل الاحتياط)، و (التخيير)، و (الاستصحاب) بناء على كونه ظاهريا ثبت التعبد به من الأخبار، إذ بناء على كونه مفيدا للظن يدخل في الأمارات الكاشفة عن الحكم الواقعي.

و أما الأصول المشخصة لحكم الشبهة في الموضوع- كأصالة الصحة، و أصالة الوقوع فيما شك فيه بعد تجاوز المحل- فلا يقع الكلام فيها إلا

الأصول الأربعة المشار إليها تختلف، فبعضها لا يكون إلا عقليا، و هو التخيير- كما ذكره المصنف (قدّس سرّه)- و أصل الاحتياط الجاري في الشبهة المحصورة تحريمية أو وجوبية، و الجاري في الشك في الامتثال بعد إحراز التكليف في الشبهة الموضوعية.

و بعضها شرعي و عقلي، كأصل البراءة الذي يدل عليه مثل حديث الرفع، و قاعدة قبح العقاب بلا بيان. و بعضها شرعي لا غير، كالاستصحاب، و الاحتياط في الشبهة التحريمية البدوية عند الأخباريين. بناء على ما هو الظاهر من أن الدليل عليه أخبار التثليث و نحوها، و أن بقية الأدلة المذكورة من سنخ المؤيد.

____________

(1) يأتي الكلام في ذلك في مبحث الدوران بين الوجوب و الحرمة.

(2) لأن همّ الأصولي البحث عن الكبريات التي يرجع إليها الفقيه في معرفة الوظيفة العملية في الشبهات الحكمية، لأن المسألة الأصولية هي التي تقع نتيجتها في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلية. و أما ما يرجع إليه في الشبهات الموضوعية فهو مما يبحث عنه الفقيه و يرجع إليه العامي في مقام العمل على طبق الحكم الشرعي، و لا يبحث عنه الأصولي إلا استطرادا.

17

لمناسبة يقتضيها المقام‏

1

.

ثم إن انحصار موارد الاشتباه في الأصول الأربعة عقلي‏

2

، لأن حكم الشك إما أن يكون ملحوظا فيه اليقين السابق عليه، و إما أن لا يكون، سواء لم يكن يقين سابق عليه‏

3

أم كان و لم يلحظ

4

، و الأول هو مورد الاستصحاب، و الثاني إما أن يكون الاحتياط فيه ممكنا أم لا، و الثاني مورد التخيير

5

، و الأول إما أن يدل دليل عقلي أو نقلي على ثبوت‏

____________

(1) كما يأتي في خاتمة مبحث الاستصحاب التعرض لبعضها، لتحقق المناسبة المذكورة، و يأتي في البحث عن الأصول الثلاثة الأخر التعرض لحكم الشبهة الموضوعية تبعا للمناسبة أيضا.

(2) تقدم في أول الكتاب الكلام في حصر مجاري الأصول بهذه الأربعة عقلا و ذكرنا هناك أنه لا فائدة من إطالة الكلام في مثل هذه المواضع، بل يوكل ذلك عند الكلام في مفاد أدلة الأصول حتى تتضح النسبة بينها في مقام العمل، و يتضح المتقدم منها من المتأخر، و المناسب هنا الاكتفاء بالإشارة الإجمالية لموضوعاتها. و عليه فلا موجب للنظر في تمامية ما ذكره (قدّس سرّه) في المقام.

(3) كما لو جهلت الحالة السابقة.

(4) كما في مورد العلم بالحالة السابقة و عدم جواز الاعتماد عليها، مثل ما لو كان الشك قيل استكمال الفحص عن الأدلة، على ما يأتي في خاتمة أصل البراءة و الاشتغال.

(5) لازمه كون الدوران بين الوجوب و الحرمة و الإباحة من موارد التخيير، لعدم إمكان الاحتياط فيه. و هو في غير محله، بل بناء على مذهب الإخباريين من وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية الحكمية دون الوجوبية يتجه وجوب الاحتياط فيه عندهم بالترك، و بناء على مذهب المجتهدين من عدم وجوب الاحتياط

18

العقاب بمخالفة الواقع المجهول و إما أن لا يدل، و الأول مورد الاحتياط، و الثاني مورد البراءة.

و قد ظهر مما ذكرنا: أن موارد الأصول قد تتداخل، لأن المناط في الاستصحاب ملاحظة الحالة السابقة المتيقنة، و مدار الثلاثة الباقية على عدم ملاحظتها و إن كانت موجودة

1

.

ثم إن تمام الكلام في الأصول الأربعة يحصل بإشباعه في مقامين:

أحدهما: حكم الشك في الحكم الواقعي من دون ملاحظة الحالة السابقة، الراجع إلى الأصول الثلاثة

2

.

الثاني: حكمه بملاحظة الحالة السابقة و هو الاستصحاب.

مع الشك في التكليف مطلقا يتعين الرجوع فيه عندهم للبراءة. فهو ملحق بدوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب، و ليس المرجع فيه التخيير.

____________

(1) هذا لا يقتضي التداخل، ضرورة أنه مع ملاحظة الحالة السابقة يجري الاستصحاب لا غير، و إلا يجري غيره دونه، و لا يتصور التداخل. إلا أن يكون المراد به تحقق موضوع أكثر من أصل واحد شأنا، و إن كان بعضها ملغيا فعلا، لعدم تحقق شرط العمل به. و تمام الكلام في ذلك يظهر عند الكلام في النسبة بين الأصول في خاتمة الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى.

(2) و هي البراءة و التخيير و الاشتغال.

19

المقام الأوّل في البراءة و الاشتغال و التخيير

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

[المقام الأول‏] [حكم الشك من دون ملاحظة الحالة السابقة]

أما المقام الأول فيقع الكلام فيه في موضعين:

لأن الشك إما في نفس التكليف و هو النوع الخاص من الإلزام‏

1

و إن علم جنسه، كالتكليف المردد بين الوجوب و التحريم.

و إما في متعلق التكليف مع العلم بنفسه، كما إذا علم وجوب شي‏ء و شك بين تعلقه‏

2

بالظهر و الجمعة، أو علم وجوب فائتة و تردد بين الظهر و المغرب.

[الموضع الأول‏] [الشك فى نفس التكليف‏]

و الموضع الأول يقع الكلام فيه في مطالب، لأن التكليف المشكوك‏

____________

(1) كخصوص الوجوب أو خصوص الحرمة.

(2) يعني: تعلق الوجوب.

22

فيه إما تحريم مشتبه بغير الوجوب‏

1

، و إما وجوب مشتبه بغير التحريم، و إما تحريم مشتبه بالوجوب، و صور الاشتباه كثيرة

2

.

و هذا مبني على اختصاص التكليف بالإلزام، أو اختصاص الخلاف في البراءة و الاحتياط به، و لو فرض شموله للمستحب و المكروه يظهر حالهما من الواجب و الحرام‏

3

، فلا حاجة إلى تعميم العنوان.

ثم إن متعلق التكليف المشكوك:

[متعلق التكليف المشكوك إما فعل كلي أو فعل جزئي‏]

إما أن يكون فعلا كليا متعلقا للحكم الشرعي الكلي، كشرب التتن المشكوك في حرمته، و الدعاء عند رؤية الهلال المشكوك في وجوبه.

و إما أن يكون فعلا جزئيا متعلقا للحكم الجزئي، كشرب هذا المائع المحتمل كونه خمرا

4

.

____________

(1) و يلحق به التحريم المشتبه بالوجوب و غيره، كما في الدوران بين التحريم و الوجوب و الإباحة، على ذكرناه قريبا.

(2) إذ دوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب قد يكون مع كون الاحتمال ثنائي الأطراف- كالاشتباه بين الحرمة و الاستحباب أو الحرمة و الكراهة- أو ثلاثي الأطراف- كالاشتباه بين الحرمة و الاستحباب و الإباحة- أو رباعي الأطراف، و كذا الدوران بين الوجوب و غير الحرمة. لكن لما لم يكن لاختلاف الصور المشار إليها أثر شمول الأدلة لها أو قصورها عنها، و لا في الخلاف و الوفاق، اكتفى بالصور الثلاث الجامعة لشتاتها التي تختلف فيما بينها من حيث الأدلة و الخلاف و الوفاق.

(3) و يأتي الكلام في ذلك في آخر الكلام في المطلب الثالث في الدوران بين وجوب شي‏ء و حرمته.

(4) عرفت أن الكلام في الشبهة الموضوعية ليس من وظيفة الأصولي، بل‏

23

[منشأ الشك في الشبهة الموضوعية و الحكمية]

و منشأ الشك في القسم الثاني: اشتباه الأمور الخارجية.

و منشؤه في الأول: إما أن يكون عدم النص في المسألة، كمسألة شرب التتن، و إما أن يكون إجمال النص، كدوران الأمر في قوله تعالى:

حتى يطهرن‏

بين التشديد و التخفيف مثلا، و إما أن يكون تعارض النصين، و منه الآية المذكورة

1

بناء على تواتر القراءات‏

2

.

و توضيح أحكام هذه الأقسام في ضمن مطالب:

الأول: دوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب من الأحكام الثلاثة الباقية.

الثاني: دورانه بين الوجوب و غير التحريم.

الثالث: دورانه بين الوجوب و التحريم.

الفقيه، فالتعرض له هنا استطراد لمناسبة لمحل الكلام.

____________

(1) و هي قوله تعالى: حتى يطهرن‏ الذي قرئ بالتشديد و التخفيف.

(2) إذ عليه يكون كل منها دليلا مستقلا.

24

فالمطلب الأول فيما دار الأمر فيه بين الحرمة و غير الوجوب‏

و قد عرفت: أن متعلق الشك تارة: الواقعة الكلية كشرب التتن، و منشأ الشك فيه عدم النص، أو إجماله، أو تعارضه، و أخرى: الواقعة الجزئية

فهنا أربع مسائل:

25

الأولى: ما لا نص فيه‏

[المسألة الأولى: الشبهة التحريمية من جهة فقدان النص‏]

و قد اختلف فيه على ما يرجع إلى قولين:

أحدهما: إباحة الفعل شرعا و عدم وجوب الاحتياط بالترك.

و الثاني: وجوب الترك، و يعبر عنه بالاحتياط.

و الأول منسوب إلى المجتهدين، و الثاني إلى معظم الأخباريين. و ربما نسب إليهم أقوال أربعة

1

: التحريم ظاهرا، و التحريم واقعا، و التوقف، و الاحتياط. و لا يبعد أن يكون تغايرها باعتبار العنوان‏

2

، و يحتمل الفرق بينها أو بين بعضها من وجوه أخر تأتي بعد ذكر أدلة الأخباريين‏

3

.

[أدلة القول بالإباحة و عدم وجوب الاحتياط:]

احتج للقول الأول بالأدلة الأربعة:

فمن الكتاب آيات:

____________

(1) حكي عن الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه) أنه نسب إليهم الأقوال الأربعة المذكورة.

(2) يعني: تغاير العبارة التي يعبر بها كل فريق عن مذهبه من جهة اختلاف التعبير في النصوص المستدل بها على الدعوى، مع كون مراد الجميع واحدا لبا، كما ذكره بعض أعاظم المحشّين (قدّس سرّه).

(3) يأتي الكلام في ذلك في التنبيه الرابع.

26

[الاستدلال بآية لا يكلف اللّه نفسا ... و المناقشة فيه‏]

منها: قوله تعالى:

لا يكلف اللّه نفسا إلا ما آتاها

.

قيل: دلالتها واضحة.

و فيه: أنها غير ظاهرة، فإن حقيقة الإيتاء الإعطاء، فإما أن يراد بالموصول المال- بقرينة قوله تعالى قبل ذلك:

و من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللّه‏

- فالمعنى: أن اللّه سبحانه لا يكلف العبد إلا دفع ما أعطي من المال.

و إما أن يراد نفس فعل الشي‏ء أو تركه- بقرينة إيقاع التكليف عليه- فإعطاؤه كناية عن الإقدار عليه، فتدل على نفي التكليف بغير المقدور- كما ذكره الطبرسي (قدّس سرّه)- و هذا المعنى أظهر

1

و أشمل، لأن‏

____________

(1) لم يتضح وجه أظهريته، فإن التكليف و إن كان لا يتعلق بالمال إلا أنه يمكن حمل التكليف به على التكليف بإعطائه. و لعله من حمل الموصول على الفعل و تفسير الإيتاء بالإقدار مجازا، و لا سيما بملاحظة السياق. نعم من المرتكز أن عدم التكليف بإعطاء المال مع عدم إيتائه لعدم القدرة. لا لخصوصية فيه، كما هو المناسب لكون التعليل ارتكازيا، فيكون ذلك مستفادا بتنقيح المناط، لا من حاق اللفظ.

و إن قلت: ظاهر الآية الشريفة كون قوله تعالى: لا يكلف اللّه نفسا إلا ما آتاها مسوقا لتعليل قوله تعالى: و من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللّه‏ و المناسب كون التعليل أعم من الحكم المعلل، و مع حمله على المعنى الأول لا يكون كذلك.

قلت: الحكم المعلل ليس هو عدم وجوب الإنفاق مع عدم الوجدان مطلقا، بل عدم وجوب الإنفاق في المورد الخاص الذي اقتضاه سياق الآية، فيكون أخص من العلة مطلقا، و تكون العلة مسوقة لبيان امتناع التكليف المذكور.

27

الإنفاق من الميسور داخل في (ما آتاه اللّه).

و كيف كان: فمن المعلوم أن ترك ما يحتمل التحريم ليس غير مقدور

1

، و إلا لم ينازع في وقوع التكليف به أحد من المسلمين، و إن نازعت الأشاعرة في إمكانه.

نعم، لو اريد من الموصول نفس الحكم و التكليف، كان إيتاؤه عبارة عن الإعلام به. لكن إرادته بالخصوص تنافي مورد الآية، و إرادة الأعم منه و من المورد يستلزم استعمال الموصول في معنيين، إذ لا جامع بين تعلق التكليف بنفس الحكم و بالفعل المحكوم عليه‏

2

، فافهم.

____________

(1) خصوصا مع الالتفات إلى احتمال حرمته، كما هو محل الكلام، إذ الكلام في الشبهة التحريمية لا في الغفلة عن التحريم.

(2) لا يخفى أنه لا معنى لتعليق التكليف بنفس الحكم، لأنه عينه، فلو أريد من الموصول الحكم و التكليف فلا يكون مفعولا به، بل مفعولا مطلقا، نظير قولك لا أضرب زيدا إلا ما يطيق. و هذا بخلاف ما لو أريد من الموصول المال، فإنه يكون متعلقا للتكليف. و لو بلحاظ التكليف بدفعه، فيكون مفعولا به، فكان الأولى توجيه المحذور بأنه لا جامع بين كون الموصول مفعولا به و كونه مفعولا مطلقا، لاختلاف نحو النسبة فيهما، فيمتنع حمل الهيئة الكلامية التركيبية الواحدة عليهما معا.

اللهم إلا أن يقال: يمكن حمل النسبة الكلامية على نسبة المفعول المطلق، و يكون المراد بالموصول هو التكليف، فيشمل التكليف، بما لا يعلم و التكليف بالمال غير المقدور، فيرتفع المحذور.

فالعمدة: أن الإيتاء الواقع صلة للموصول إن أريد منه الإيصال اختص الموصول بالتكليف المجهول، و إن أريد منه الإقدار و الإعطاء اختص بالمال، فيراد عدم التكليف بإعطائه، و لا جامع بين الأمرين.

28

نعم، في رواية عبد الأعلى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: قلت له: هل كلف الناس بالمعرفة؟ قال: لا، على اللّه البيان،

لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها

، و

لا يكلف اللّه نفسا إلا ما آتاها

.

لكنه لا ينفع في المطلب، لأن نفس المعرفة باللّه غير مقدور قبل تعريف اللّه سبحانه‏

1

، فلا يحتاج دخولها في الآية إلى إرادة الإعلام من الإيتاء في الآية، و سيجي‏ء زيادة توضيح لذلك في ذكر الدليل العقلي إن شاء اللّه تعالى.

و مما ذكرنا يظهر حال التمسك بقوله تعالى:

لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها 2

.

[الاستدلال بآية و ما كنا معذبين ...]

و منها: قوله تعالى:

و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

.

بناء على أن بعث الرسول كناية عن بيان التكليف‏

3

،

____________

(1) فالمراد بالبيان هو بيان وجوب المعرفة، بل بيان ما يراد معرفته بنصب الأدلة الكافية و الأمور المنبهة عن الغفلة التي تيسر للناس المعرفة و تجعلها مقدورة حتى يصح التكليف بها، فمراد السائل أنه تعالى هل كلف بالمعرفة من دون أن ينصب الأدلة الكافية الموجبة لإمكانها؟ لا أنه هل كلف بها من دون أن يبين وجوبها، ليكون مما نحن فيه، و يصلح لتفسير الآية بنحو يمكن الاحتجاج به للمقام. فإن المعنى المذكور مع بعده في نفسه لا يناسب الجواب.

(2) فإن التكليف بالاحتياط ليس خارجا عن وسع المكلف و قدرته، لتدل الآية على منعه.

(3) يعني: البيان الواصل للمكلف الذي هو الحجة الفعلية، لا الواقعي الذي من شأنه الوصول لو لا الموانع، الذي يجب على المولى من باب اللطف للحظ

29

لأنه يكون به غالبا، كما في قولك: «لا أبرح من هذا المكان حتى يؤذن المؤذن» كناية عن دخول الوقت‏

1

، أو عبارة

2

عن البيان النقلي- و يخصص العموم بغير المستقلات، أو يلتزم‏

3

بوجوب‏

الملاكات الواقعية، إذ الحمل على البيان الواقعي لا ينفع فيما نحن فيه، لأن احتمال التكليف ملازم لاحتمال البيان الواقعي المذكور و لو للأوصياء و الحجج (عليهم السلام)، و يحتمل اختفاؤه للأسباب الخارجية و لو مثل إقصائهم عن مراتبهم التي رتبهم اللّه تعالى فيها. ثم إن الحمل على خصوص البيان الواصل هو المناسب لترتب العقاب عرفا و ارتكازا، فيتعين حمل الآية عليه. و أما البيان الواقعي فهو إنما يناسب الوظيفة الإلهية التي هي مقتضي الكمال و اللطف و الحكمة، و من البعيد أن تكون الآية بصدد ذلك.

____________

(1) المناسب لما نحن فيه أن يكون كناية عن قيام الحجة على الوقت، لا عن دخول الوقت واقعا، كما أن بعث الرسول في الآية كناية عن بيان التكليف لا عن ثبوته واقعا.

(2) عطف على قوله: «كناية عن بيان التكليف».

(3) عطف على قوله: «و يخصص العموم ...» و قد أشار بذلك إلى ما ربما يورد على حمل الآية على خصوص البيان النقلي من أن ذلك ينافي ما ذهب إليه العدلية من كفاية البيان العقلي في ثبوت التكليف الشرعي الراجع إلى دعوى الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، و لا حاجة معه إلى بيان شرعي نقلي.

و حاصل الجواب: أنه إما يلتزم بتخصيص عموم الآية في نفي العقاب من غير بيان بغير المستقلات العقلية، أو يلتزم في المستقلات بوجوب تأييد العقل بالنقل بحيث لا يحسن العقاب إذا بقي الحكم العقلي وحده، فالحكم العقلي و إن كان صالحا لبيان التكليف، إلا أنه لا يكون بنفسه منشأ لاستحقاق العقاب.

هذا إذا قيل بأن مفاد الآية نفي استحقاق العقاب مع عدم البيان، أما إذا قيل‏

30

التأكيد

1

و عدم حسن العقاب إلا مع اللطف‏

2

بتأييد العقل بالنقل و إن حسن الذم، بناء على أن منع اللطف يوجب قبح العقاب دون الذم، كما صرح به البعض- و على أي تقدير فيدل على نفي العقاب قبل البيان.

و فيه: أن ظاهره الإخبار بوقوع التعذيب سابقا بعد البعث‏

3

،

بأن مفادها نفي فعليته و إن كان مستحقا- كما سيأتي الكلام فيه- فالأمر أظهر، إذ لا مانع حينئذ من الالتزام بحسن العقاب في المستقلات العقلية نظرا لكفاية حكم العقل في المنجزية، إلا أن العقاب لا يقع لطفا منه تعالى إلا بعد تأييد العقل بالنقل.

قال في مجمع البيان: «على أن المحققين منهم يقولون: إنه و إن جاز التعذيب عليه قبل بعثة الرسول، فإنه سبحانه لا يفعل ذلك مبالغة في الكرم و الفضل و الإحسان و الطول».

____________

(1) يعني: في المستقلات العقلية.

(2) يعني: بعدم البيان النقلي الشرعي.

(3) يعني: فيكون المراد بها الإخبار عن قضية خارجية سابقة، و يكون المراد من العذاب هو العذاب الدنيوي بالاستئصال و نحوه. و لعل الوجه في الحمل على ذلك ظهور «كان» في المضي. لكن هذا خلاف ظاهر الآية الشريفة، فإن ظاهر هذا التركيب الإشارة إلى قضية لزومية استمرارية، كما في قوله تعالى: و ما كنت متخذ المضلين عضدا و قوله سبحانه: و ما كان اللّه ليعذبهم و أنت فيهم، و ما كان اللّه معذبهم و هم يستغفرون‏ و قوله عزّ و جل: ما كان اللّه ليذر المؤمنين على، ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، و ما كان اللّه ليطلعكم على الغيب‏ و قوله تعالى:

ما كان لكم أن تنبتوا شجرها إلى غير ذلك.

فإنه و إن كان مقتضى إطلاق (كان) الدلالة على المضي، إلا أنها قد تخرج عنه و يراد بها محض النسبة، كما في الأمثلة المذكورة و غيرهما مما سلط فيه النفي على «كان» و أريد من متعلقها الاستقبال كما في مدخول لام الجحود و أن المصدرية و متعلق‏

31

(حتى) الناصبة للمضارع- و منه المقام- فان ذلك يوجب تمحض (كان) للدلالة على النسبة، فيكون مقتضى تسليط النفي عليها نفي النسبة مطلقا، لا في خصوص الماضي.

نعم لو سلطت هي على النفي بقيت على ظهورها في قوله: انهم كانوا لا يرجون حسابا و قوله: بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا .... إلى غير ذلك.

خصوص المضي، كما في قوله تعالى: كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه‏ و مثله لو قيل في المقام: و كنا لا نعذب حتى نبعث رسولا. على أن إرادة العذاب الأخروي هو المناسب لقرينة السياق. قال تعالى: و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه و نخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ كتابك كفى بك اليوم عليك حسيبا، من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه و من ضل فإنما يضل عليها، و لا تزر وازرة وزر أخرى و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا.

و دعوى: أن ظاهر الآية الأخيرة إرادة عذاب الاستئصال.

مدفوعة: بأن الظاهر كونها في مقام استئناف حكم جديد لا يرتبط بما سبق، و ليس متمما له.

و الحاصل: أن حمل الآية على إرادة مطلق العذاب أو خصوص الأخروي منه هو المطابق للظاهر. و لا سيما مع كون العذاب الأخروي هو المنصرف من لفظ العذاب على أنه لو سلم ظهورها في الإخبار عن حال الأمم السابقة، إلا أن المنسبق منها عدم ورودها لمحض الإخبار، بل لبيان جريان عقابه تعالى على طبق الموازين العقلائية المناسبة لمقام اللطف اللازم أو الراجح، فيدل بتنقيح المناط على توقف العذاب الأخروي أيضا على قيام الحجة. و لا سيما مع أولويته، بلحاظ شدة هوله، و تمحضه في الجزاء و عدم احتماله لغيره من الامتحان أو نحوه.

32

فيختص بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة.

ثم إنه ربما يورد التناقض‏

1

على من جمع‏

2

بين التمسك بالآية في‏

و بالجملة: الظاهر أن الاستدلال بالآية لما نحن فيه في محله، كما يظهر من مجمع البيان و الكشاف، و لا مجال لما ذكره المصنف (قدّس سرّه) و غير واحد من الأعاظم و بعض المفسرين. و اللّه سبحانه و تعالى العالم.

____________

(1) المورد هو المحقق القمي (قدّس سرّه) و حاصل المطلب: إنه استدل القائلون بعدم الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع بالآية الشريفة، من حيث أن مقتضي إطلاقها عدم ثبوت العقاب مع عدم البيان الشرعي حتى في المستقلات العقلية، كما سبقت الإشارة إليه. و عن الفاضل التوني (قدّس سرّه) أنه ردهم بأن الآية تدل على نفي العقاب لا نفي استحقاقه، فلا مانع من ثبوت التكليف الشرعي في المستقلات و استحقاق العقاب بتبعه، و إن كان معفوا عنه مع عدم البيان الشرعي كما هو مقتضي إطلاق الآية. كما أنه (قدّس سرّه) استدل بالآية الشريفة على البراءة في المقام.

فأورد عليه المحقق القمي (قدّس سرّه) بلزوم التناقض، لأن نفي العقاب إن كان ملازما لنفي الاستحقاق و التكليف كانت الآية دليلا على نفي الملازمة، و لم يتجه منه رد الاستدلال بها بما سبق و ان لم يكن ملازما لنفي الاستحقاق و التكليف لم يصح له الاستدلال بها على البراءة لأن مرجع القول بالبراءة إلى نفي استحقاق العقاب، لا مجرد نفي فعليته.

و أجاب عنه في الفصول بأنه يكفي في الاستدلال بالآية على البراءة دلالتها على نفي فعلية العقاب و إن لم يثبت نفي الاستحقاق، لأن الاستدلال هنا في قبال الأخباريين، لعدم التزامهم بأن ارتكاب الحرام في مورد الشبهة ذنب موعود بالعفو عنه، و إنما يلتزمون بأنه كسائر الذنوب في معرض العقاب، كما هو مقتضي حديث التثليث و نحوه من أدلتهم، فتكفي الآية المتضمنة لنفي فعلية العقاب لردهم.

(2) و هو الفاضل التوني (قدّس سرّه) كما عرفت.

33

المقام و بين رد من استدل بها لعدم الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع:

بأن‏

1

نفي فعلية التعذيب أعم من نفي الاستحقاق، فإن الإخبار

2

بنفي التعذيب إن دل على عدم التكليف شرعا فلا وجه للثاني‏

3

، و إن لم يدل فلا وجه للأول‏

4

.

و يمكن دفعه‏

5

: بأن عدم الفعلية يكفي في هذا المقام، لأن الخصم يدعي أن في ارتكاب الشبهة الوقوع في العقاب و الهلاك فعلا من حيث لا يعلم- كما هو مقتضى رواية التثليث و نحوها التي هي عمدة أدلتهم- و يعترف بعدم المقتضي للاستحقاق على تقدير عدم الفعلية، فيكفي في عدم الاستحقاق نفي الفعلية

6

، بخلاف مقام التكلم في الملازمة، فإن المقصود فيه إثبات الحكم الشرعي في مورد حكم العقل، و عدم ترتب العقاب على مخالفته لا ينافي ثبوته، كما في الظهار حيث قيل: إنه محرم معفو عنه، و كما في العزم على المعصية على احتمال.

____________

(1) متعلق بقوله: «رد من استدل ...» فهو بيان لوجه الرد.

(2) بيان لوجه ايراد المحقق القمي (قدّس سرّه) على الفاضل التوني (قدّس سرّه) بلزوم التناقض.

(3) و هو رد الاستدلال بالآية على عدم الملازمة، الذي تقدم من الفاضل التوني (قدّس سرّه).

(4) و هو الاستدلال بالآية على البراءة في المقام الذي تقدم من الفاضل التوني أيضا.

(5) إشارة إلى ما سبق من الفصول في الجواب عن إشكال التناقض.

(6) لاعتراف الأخباريين بأن مقتضي حكم العقل هو البراءة لو لا مثل حديث التثليث، كما سيأتي.

34

نعم، لو فرض هناك- أيضا- إجماع على أنه لو انتفت الفعلية انتفى الاستحقاق- كما يظهر من بعض ما فرعوا على تلك المسألة

1

- لجاز التمسك بها هناك‏

2

.

و الإنصاف: أن الآية لا دلالة لها على المطلب في المقامين‏

3

.

____________

(1) قال بعض أعاظم المحشّين (قدّس سرّه): «كما يظهر من جعلهم ثمرة النزاع ترتب الثواب و العقاب على حكم العقل و عدمه، و زوال العدالة بمجرد المخالفة و الإصرار عليها و عدمه إلى غير ذلك. و استدلال النافين. بأن العقاب و الثواب إنما يترتبان على إطاعة الشارع و معصيته ...».

(2) يعني: لجاز التمسك بنفي الفعلية- الذي هو مقتضى الآية الكريمة- على نفي الملازمة، و لا يتم ما أورده التوني (قدّس سرّه).

(3) يعني: لا على نفي الملازمة، و لا على أفعل البراءة. أما الأول فلأن الملازمة بين حكمي الشرع و العقل لا تقتضي استحقاق العقاب فضلا عن فعليته، لإمكان دعوى توقفهما على تأييد العقل بالنقل، كما سبق. فتأمل.

و دعوى: أنه مع عدم فعلية العقاب- فضلا عن عدم استحقاقه- لا تكون الملازمة موردا للأثر العملي، لعدم صلوح التكليف للداعوية مع فرض عدم العقاب، فلا غرض للفقيه. باستنباطه، كما لا غرض للاصولي في تنقيح القاعدة التي يتوصل بها إلى ذلك. مدفوعة بأنه يكفي في الأثر العملي عدم لزوم التشريع من نسبة الحكم للشارع في المستقلات العقلية لو فرض عدم البيان الشرعي. مع أنه بناء على الملازمة يتعين رد الأدلة النقلية لو دلت على خلاف الحكم العقلي، للعلم بكذبها حينئذ، بخلاف ما لو لم نقل بالملازمة، كما لا يخفى.

هذا كله بناء على أن الرسول في الآية كناية عن البيان النقلي، و أما بناء على أنه كناية عن مطلق البيان الواصل- كما سبق تقريبه- فالأمر أوضح. مع أن الملازمة لما كانت قطعية فلا مجال لردها باطلاق الآية و نحوه من الأدلة الظنية، لو كانت مناقبة

35

[الاستدلال بآية و ما كان اللّه ليضل ...]

و منها: قوله تعالى:

و ما كان اللّه ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون‏

، أي: ما يجتنبونه من الأفعال و التروك.

و ظاهرها: أنه تعالى لا يخذلهم‏

1

بعد هدايتهم إلى الإسلام إلا بعد ما

لها بل يتعين رفع اليد عن عموم الآية و تقييدها بغير المستقلات، كما سبق أيضا.

نعم لو كانت الآية نصا في بطلان الملازمة أمكن دعوى كشفها عن خطأ دليلها، و أنه كالشبهة في مقابل البديهية و أما الثاني فواضح بناء على ما ذكره المصنف (قدّس سرّه) من اختصاص الآية بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة.

لكن عرفت الإشكال في ذلك. فالاستدلال بها على البراءة في محله، من دون فرق بين دلالتها على نفي الاستحقاق و نفي الفعلية، لأن هم الأصولي من مسألتي البراءة و الاحتياط تنقيح الوظيفة العملية التابعة لخوف الضرر و الأمان منه، بسبب خوف العقاب و الأمان منه الذي يكفي فيه نفي الفعلية، حتى أن الأدلة المتضمنة لنفي الاستحقاق- كقاعدة قبح العقاب بلا بيان- لا تهم الأصولي إلا بلحاظ كونها مؤمنة من العقاب و كاشفة عن عدم فعليته، كما سيظهر من ملاحظة طرف استدلالاتهم في المقام.

و أما صحة النسبة و لزوم التشريع و نحوهما فلاتهم الأصولي و لا الفقيه في المقام، لعدم الفرق فيها بين القول بالبراءة و القول بالاحتياط، كما لا يخفى.

و منه يظهر أنه لا حاجة لما ذكره في الفصول في تقريب الاستدلال بالآية و دفع إشكال المحقق القمي (قدّس سرّه) على الفاضل التوني (قدّس سرّه) من أنها تكفي في مقابل الأخباريين المستدلين بمثل حديث التثليث، حيث يظهر منه أن الاستدلال بالآية جدلي لإلزام الخصم. فتأمل جيدا.

____________

(1) هذا هو المنصرف بعد معلومية عدم إضلاله تعالى للناس إلّا بخذلانهم و عدم توفيقهم، فيكون الخذلان من سنخ العقاب، فتوقفه على المخالفة بعد البيان ظاهر- بضميمة ظهور كون القضية ارتكازية- في عدم العقاب على مخالفة التكليف‏

36

يبين لهم‏

1

.

و عن الكافي و تفسير العياشي و كتاب التوحيد: «حتى يعرفهم ما يرضيه و ما يسخطه».

و فيه: ما تقدم في الآية السابقة

2

. مع أن دلالتها أضعف، من حيث‏

الذي لم يبين.

لكن هذا لا يوجب إلا الاشعار، لعدم قرينة من الكلام على كون الخذلان من سنخ العقاب، بل لعل المراد أن الخذلان بما هو أمر تكويني خاص لا يقع إلا بعد البيان. مع عدم القرينة على الاشارة للقضية الارتكازية التي لا يفرق فيها بين الخذلان و غيره من أنواع العقاب. و سيأتي تمام الكلام في ذلك.

____________

(1) الاستدلال موقوف- بالاضافة إلى ما سبق- على كون المراد من البيان وصول التشريع بعد ثبوته، كما هو الظاهر، و يقتضيه ما في مجمع البيان من أنه قيل:

أنها نزلت فيمن مات بعد نسخ بعض الشرائع قبل أن يعمل عليها لجهله و عدم وصول النسخ له.

و أما دعوى: أن المراد به نفس التشريع، كما قد يقتضيه ما في المجمع أيضا من أنه قيل إنها نزلت فيمن مات قبل التشريع، و حينئذ فهي أجنبية عما نحن فيه، لاحتمال التشريع في المقام، فالتمسك بها من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية من طرف العام الذي لا إشكال في بطلانه. فمندفعة بأن ذلك خلاف ظاهر قوله: «حتى يبين لهم ...» جدا. و لا سيما مع عدم مناسبته لترتيب العقاب عرفا و لا ارتكازا، كما أشرنا إليه في تقريب الاستدلال بالآية الثانية.

(2) يعني: من كونها من مقام الإخبار عن حال الأمم السابقة. و كأنه ناش من ظهور (كان) في إرادة الزمان الماضي كما سبق. لكن سبق هناك أن ذلك خلاف الظاهر جدا في أمثال هذه التراكيب، و إن (كان) بعد النفي ظاهرة في التجرد عن خصوصية الزمان الماضي، و تمحضها في النسبة. خصوصا في مثل الآية مما اشتمل‏

37

إن توقف الخذلان على البيان غير ظاهر الاستلزام للمطلب‏

1

، اللهم إلا بالفحوى.

[الاستدلال بآية ليهلك من هلك ... و المناقشة فيه‏]

و منها: قوله تعالى:

ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة.

و في دلالتها تأمل ظاهر

2

.

على لام الجحود، إذ قد يدعى ظهور لام الجحود في الامتناع، فذكر كان لبيان سبق الامتناع، لا لبيان نفي الوقوع في الزمان خصوص الماضي، فالنفي و إن كان مستقلا، إلا أن الامتناع سابق.

و لعله يرجع إليه ما عن البصريين من تقدير الإرادة، و أن معنى ما كان زيد ليقوم، ما كان زيد مريدا ليقوم. ان كان الظاهر أن الوجه الأول هو العمدة في المقام و غيره.

____________

(1) لما أشرنا إليه من أن الخذلان لو كان من سنخ العقاب فالقضية لا تقتضي العموم لكل عقاب إلا بنحو الإشعار. و أما دعوى الدلالة بالفحوى فهى و إن كانت قرينة إلّا أنّها لم تبلغ حد الظهور هذا كله بناء على أن المراد من الإضلال الخذلان الذي عرفت أنه المنصرف.

لكن لم يذكره في مجمع البيان، بل ذكر معنيين آخرين:

الأول: إن المراد الحكم بضلالهم، و هو ظاهر في أن الضلال لا يكون إلا بالمخالفة بعد البيان، فيدل على عدم استحقاق العقاب مع عدمه.

الثاني: إن المراد الضلال عن الثواب و الجنة، و هو ظاهر في عدم فعلية العقاب مع عدم البيان، و قد عرفت عند الكلام في الآية الأولى أن ذلك كاف في المقام. نعم لا قرينة على تعيين أحد هذين المعنيين.

(2) فإن غاية ما تدل عليه أن الفرض عن الفعل الخاص- و هو جمع المسلمين مع الكفار في بدر، كما يقتضيه سياق الآية على ما يتضح بملاحظة مجمع البيان- قيام‏

38

و يرد على الكل: أن غاية مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلف لو فرض وجوده واقعا، فلا ينافي ورود الدليل العام على وجوب اجتناب ما يحتمل التحريم، و معلوم أن القائل بالاحتياط و وجوب الاجتناب لا يقول به إلا عن دليل علمي، و هذه الآيات بعد تسليم دلالتها غير معارضة لذلك الدليل، بل هي من قبيل الأصل بالنسبة إليه‏

1

، كما لا يخفى.

البينة، و هو لا يدل على توقف العقاب على البينة، خصوصا بعد معلومية أن المراد بالبينة هنا زيادة البيان و تأكيد الحجة، لسبق قيام الحجة قبل ذلك قطعا، لما ظهر من دلائل صدق النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): بنحو كاف في قيام الحجة على صدقه و من الظاهر أن العقاب لا يتوقف على زيادة البيان و لا على تأكيد الحجة، فهي أجنبية عما نحن فيه.

____________

(1) كأنه من جهة أن دليل الاحتياط لما كان علميا كان رافعا لموضوع الآيات و نحوها مما دل على عدم العقاب مع الجهل.

أقول: دليل وجوب الاحتياط إنما يكون علميا بالاضافة إلى وجوب الاحتياط، لا بالإضافة إلى الواقع المجهول، فهو و إن كان منجزا للواقع لا يكون بيانا له، و من الظاهر أن وجوب الاحتياط لما كان طريقيا راجعا إلى تنجز الواقع فدليله يقتضي العقاب على الواقع في ظرف الجهل به، لا على الاحتياط المعلوم وجوبه.

و حينئذ فأدلة البراءة إن اقتضت توقف العقاب و المؤاخذة بالواقع على العلم به- كما في مثل حديث الرفع- كانت معارضة لأدلة الاحتياط لا محكومة و لا مورودة لها. و إن اقتضت توقف العقاب على تنجيز الواقع من قبل الشارع و إن بقي مجهولا كانت محكومة، بل مورودة لأدلة الاحتياط. و الظاهر أن أكثر الآيات من القسم الثاني، إذ مع بيان وجوب الاحتياط بصدق بعث الرسول و الهلاك عن بينة و نحوهما مما تضمنته الآيات، إذ لا تختص وظيفة الرسول بيان الحكم الواقعي، و كذا إقامة البينة، و لا ظهور لها في لزوم بيان الرسول لخصوص التكليف الواقعي الذي هو

39

[الاستدلال بآية قل لا أجد ...]

و منها: قوله تعالى مخاطبا لنبيه:، ملقنا إياه طريق الرد على اليهود

1

حيث حرموا بعض ما رزقهم اللّه افتراء عليه:

قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا

.

فأبطل تشريعهم بعدم وجدان ما حرموه في جملة المحرمات التي أوحى اللّه إليه، و عدم وجدانه: ذلك فيما أوحي إليه و إن كان دليلا قطعيا على عدم الوجود، إلا أن في التعبير بعدم الوجدان دلالة على كفاية عدم الوجدان في إبطال الحكم بالحرمة.

لكن الإنصاف: أن غاية الأمر أن يكون في العدول عن التعبير بعدم الوجود إلى عدم الوجدان إشارة إلى المطلب، و أما الدلالة فلا، و لذا قال في الوافية: و في الآية إشعار بأن إباحة الأشياء مركوزة في العقل قبل الشرع.

موضوع العقاب، و لا لزوم قيام البينة عليه، فمفادها مطابق لحكم العقل، الذي يأتي أنه يختص بفقد البيان الواقعي و الظاهري معا، و يكفي في رفعه بيان وجوب الاحتياط بأدلته.

نعم الآية الثالثة بناء على تفسيرها في الكافي و غيره تكون من القسم الأول، فتعارض أدلة الاحتياط. و إن كان لا يبعد تقديم أدلة الاحتياط- لو تمت في أنفسها- على الآية جمعا عرفيا، لكونها أخص، لاختصاصها بالشبهة- مطلقا أو خصوص التحريمية منها- و عموم الآيات لمطلق الجهل و لو مع الغفلة. بل لما كانت الشبهة أمرا زائدا على الجهل كانت من سنخ العنوان الثانوي الذي يكون لدليله نحو حكومة على دليل العنوان الأولي.

____________

(1) لم يتضح من الآية الشريفة رد اليهود، بل ظاهرها رد الجاهلية، بقرينة السياق فراجع مجمع البيان.

40

مع أنه لو سلم دلالتها، فغاية مدلولها كون عدم وجدان التحريم فيما صدر عن اللّه تعالى من الأحكام يوجب عدم التحريم، لا عدم وجدانه فيما بقي بأيدينا من أحكام اللّه تعالى بعد العلم باختفاء كثير منها عنا

2

، و سيأتي توضيح ذلك عند الاستدلال بالإجماع العملي على هذا المطلب.

[الاستدلال بآية و ما لكم أن لا تأكلوا ...]

و منها: قوله تعالى:

و ما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه و قد فصل لكم ما حرم عليكم‏

.

يعني مع خلو ما فصل عن ذكر هذا الذي يجتنبونه.

و لعل هذه الآية أظهر من سابقتها، لأن السابقة دلت على أنه لا يجوز الحكم‏

3

بحرمة ما لم يوجد تحريمه فيما أوحى اللّه سبحانه إلى النبي:، و هذه تدل على أنه لا يجوز التزام ترك الفعل مع عدم وجوده فيما

____________

(2) لكن العلم بالاختفاء يوجب الشك بعد الفحص و عدم الوجدان، فإذا فرض دلالة الآية على أن الجهل و عدم الوجدان كاف في الحكم بالإجابة كانت دالة على البراءة معه. و لو اختصت بما إذا لم يختف شي‏ء من الأحكام كان عدم الوجدان موجبا للعلم بعدم التكليف، كعدم وجدان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و رجع هذا إلى الإشكال في أصل الدلالة الذي أشار (قدّس سرّه) إليه في بيان كيفية الاستدلال، و لم يجتمع مع التنزل و التسليم المفروضين في كلامه.

(3) لا يظهر من الآية السابقة كونها في مقام النهي عن الحكم بالتحريم عن محض الاجتناب. نعم لا يبعد ظهور سياقها في ذلك، بلحاظ ظهورها في الرد على أهل الجاهلية، حيث حرموا بعض ما أحل اللّه تعالى، و إن كان المنصرف من النهي عن الحكم بالتحريم كونه واردا في مقام الحث على الأكل و استنكار التوقف عنه أيضا فتنفع في المقام. فتأمل.

41

فصل و إن لم يحكم بحرمته، فيبطل وجوب الاحتياط أيضا.

إلا أن دلالتها موهونة من جهة أخرى، و هي: أن ظاهر الموصول‏

1

العموم، فالتوبيخ على الالتزام بترك الشي‏ء مع تفصيل جميع المحرمات الواقعية و عدم كون المتروك منها، و لا ريب أن اللازم من ذلك، العلم بعدم كون المتروك محرما واقعيا، فالتوبيخ في محله.

[عدم نهوض الآيات المذكورة لإبطال وجوب الاحتياط]

و الإنصاف ما ذكرنا

2

: من أن الآيات المذكورة لا تنهض على إبطال القول بوجوب الاحتياط، لأن غاية مدلول الدال منها هو عدم التكليف فيما لم يعلم خصوصا أو عموما بالعقل أو النقل، و هذا مما لا نزاع فيه لأحد، و إنما أوجب الاحتياط من أوجبه بزعم قيام الدليل العقلي أو النقلي على وجوبه، فاللازم على منكره رد ذلك الدليل أو معارضته بما يدل على الرخصة و عدم وجوب الاحتياط في ما لا نص فيه، و أما الآيات المذكورة فهي- كبعض الأخبار الآتية- لا تنهض لذلك، ضرورة أنه إذا فرض أنه ورد بطريق معتبر في نفسه أنه يجب الاحتياط في كل ما يحتمل أن يكون قد حكم الشارع فيه بالحرمة، لم يكن يعارضه شي‏ء من الآيات المذكورة.

____________

(1) يعني: في قوله تعالى: و قد فصل لكم ما حرم‏ فإنه ظاهر و صريح في أنه فصل جميع المحرمات لا بعضها، بل لعله لا يصدق التفصيل مع بيان البعض.

(2) يعني: عند الكلام في الآية الرابعة. و قد عرفت ما ينبغي أن يقال. كما أن الظاهر أن الآيتين الاخيرتين- لو تمت دلالتهما في نفسيهما- من سنخ المعارض لادلة الاحتياط.

42

[الاستدلال على البراءة بالسنّة:]

و أما السنة:

فيذكر منها في المقام أخبار كثيرة:

[الاستدلال بحديث (الرفع) 42]

منها: المروي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): بسند صحيح في الخصال، كما عن التوحيد: «رفع عن امتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه ... الخبر».

فإن حرمة شرب التتن- مثلا- مما لا يعلمون، فهي مرفوعة عنهم، و معنى رفعها- كرفع الخطأ و النسيان- رفع آثارها أو خصوص المؤاخذة

1

، فهو نظير قوله (عليه السلام): «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم».

و يمكن أن يورد عليه: بأن الظاهر من الموصول في «ما لا يعلمون»- بقرينة أخواتها

2

- هو الموضوع، أعني فعل المكلف الغير المعلوم، كالفعل الذي لا يعلم أنه شرب الخمر أو شرب الخل و غير ذلك من الشبهات الموضوعية، فلا يشمل الحكم الغير المعلوم‏

3

.

____________

(1) على ما سيأتي الكلام فيه، و على كلا التقديرين ينفع فيما نحن فيه.

(2) و هي العناوين الواردة على الموصولات، أعني: ما استكرهوا عليه، و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه، دون الخطأ و النسيان، إذا كما يمكن إرادة تعلقهما بعناوين الموضوعات، كذلك يمكن تعلقهما بالأحكام الشرعية، كما لا يخفى.

(3) لكن من الظاهر أن تعلق الاضطرار و عدم الطاقة بالموضوع ليس كتعلق الجهل و عدم العلم به، فإن تعلق الأولين بالموضوع من حيث هو بذاته من دون دخل للعنوان أصلا، بخلاف الجهل، فإنه إنما يتعلق به من حيث عنوان خاص من عناوينه، كالوجود و الحمرة و الخمرية و الإسكار و الحرمة و نحو ذلك، لأنه كالعلم‏

43

مع أن تقدير المؤاخذة

1

في الرواية لا يلائم عموم الموصول للموضوع و الحكم، لأن المقدر المؤاخذة على نفس هذه المذكورات، و لا

لا يتعلق إلا بمفاد قضية، فمرجع الجهل بالموضوع إلى الجهل بخمريته أو حرمته أو إسكاره أو نحوها.

و حينئذ فاللازم ملاحظة العنوان المناسب للرفع في المقام، و هو خصوص عنوان الحرمة او التكليف أو نحوهما، لأنها هي منشأ الثقل و الكلفة و المناسبة لعموم القضية، دون مثل عنوان الخمرية لأنه عنوان خاص لا رجحان له على غيره، و تقدير جميع العناوين لا يخلو عن تكلف، يغني عنه تقدير عنوان التكليف. مع أن مناسبته مثل الخمرية للرفع إنما بلحاظ ملازمتها للتكليف، لا لنفسها، فتقدير عنوان التكليف أنسب و أشمل. و حينئذ يكون شاملا للشبهة الحكمية إذ كما يصدق مجهول الحرمة على السائل الخاص المحتمل الخمرية، كذلك يصدق على الكلي، كالتتن و لحم الأرنب، بل على أفراده الجزئية أيضا، و إن اختلف منشأ الشك هنا عنه في مثل حسية محتمل الخمرية، فهو هنا ناش عن اشتباه الحكم الشرعي و هناك عن اشتباه الأمر الخارجي، إلا أن اختلاف السبب لا يوجب اختلاف جهة الصدق.

هذا مع قرب دعوى: أن المراد بالموصول هو خصوص الحكم خروجا عن مقتضي السياق المدعي، لما عرفت من الإشكال في السياق بأن تعلق الجهل بالموضوع ليس كتعلق الاضطرار به مثلا، فالحمل عليه ليس مقتضى السياق، بل ليس المراد بالموصول إلا الحكم، لأنه الذي يصح أن يسند إليه العلم و الجهل عرفا- و إن كان تعلقهما حقيقة بمفاد القضية، كما عرفت- و لا سيما مع كونه مقتضى اسناد الرفع، فإن الرفع حقيقة يتعلق بالأحكام، و تعلقه بالموضوعات ليس حقيقيا قطعا إلا بعناية ملاحظة شي‏ء قابل له متعلق بها، كالآثار أو المؤاخذة و نحوها، كما لا يخفى. فتأمل جيدا.

____________

(1) يعني: بناء على أن المقدر هو خصوص المؤاخذة، كما سيأتي الكلام فيه.

44

معنى للمؤاخذة على نفس الحرمة المجهولة

1

.

نعم، هي من آثارها

2

، فلو جعل المقدر في كل من هذه التسعة ما هو المناسب من أثره، أمكن أن يقال: إن أثر حرمة شرب التتن- مثلا- المؤاخذة على فعله، فهي مرفوعة عنهم.

لكن الظاهر- بناء على تقدير المؤاخذة- نسبة المؤاخذة إلى نفس المذكورات‏

3

.

____________

(1) هذا- لو تم- إنما يمنع من كون المراد بالموصول الحكم، إذ لا معنى للمؤاخذة عليه، و لا يمنع من كون المراد به الموضوع من حيثية كونه ذا حكم- كما ذكرناه أولا، و ذكرنا أنه يشمل الشبهة الحكمية أيضا- ضرورة أنه حينئذ يمكن إضمار المؤاخذة، كما في بقية الفقرات، فالمراد رفع المؤاخذة على ما لم يعلم حرمته، كرفعها على ما يضطر إليه.

مع أنه إنما يتم لو كانت إرادة المؤاخذة لنحو تستلزم إضمارها، و هو خلاف الظاهر لتوقفه على عناية خاصة لا تناسب مساق الكلام، بل الظاهر أن إرادتها- لو تمت- بنحو يصحح نسبة الرفع إلى هذه الامور، نظير العلاقة المجازية المصححة للإطلاق، فالمرفوع هذه الأمور بنفسها بلحاظ عدم ترتب المؤاخذة المسببة عنها.

و حينئذ لا يفرق بين إرادة الموضوع و الحكم من الموصولات، إذ كما يكون الموضوع علة للمؤاخذة بارتكابه، كذلك التكليف علة لها بمخالفته.

(2) يعني: المؤاخذة من آثار الحرمة.

(3) يعني: بنحو يكون المقدر هو المؤاخذة عليها، و ذلك إنما يصدق في الموضوعات دون الأحكام، لعدم المؤاخذة عليها، و إن كانت المؤاخذة بسببها. لكن هذا- مع ابتنائه على تقدير خصوص المؤاخذة لا الأثر المناسب فلا وجه لاستدراكه من قوله: «نعم، هي ...»- مدفوع بما عرفت من الوجهين السابقين.

45

و الحاصل: أن المقدر في الرواية- باعتبار دلالة الاقتضاء

1

- يحتمل أن يكون جميع الآثار في كل واحد من التسعة، و هو الأقرب اعتبارا إلى المعنى الحقيقي‏

2

.

و أن يكون في كل منها ما هو الأثر الظاهر فيه.

و أن يقدر المؤاخذة في الكل، و هذا أقرب عرفا من الأول‏

3

و أظهر من الثاني أيضا، لأن الظاهر

4

أن نسبة الرفع إلى مجموع التسعة

____________

(1) يعني: بلحاظ عدم إمكان إرادة المعنى الحقيقي، إذ لا معنى لرفع ما اضطروا إليه أو الخطأ أو نحوها، مع أنها أمور تكوينية لا تقبل الرفع الشرعي، فلا بد من تقدير شي‏ء يصح رفعه. لكن عرفت أنه لا موجب للتقدير و الإضمار، بل يمكن إسناد الرفع إلى هذه الأمور بأنفسها، و يكون رفع المؤاخذة عليها مصححا للإسناد و النسبة، و حينئذ يمكن حمل «ما لا يعلمون» على إرادة الحكم، من دون حاجة إلى إرادة شي‏ء مصحح للرفع، لإمكان رفعه بنفسه ظاهرا، فلا يكون احتماله منجزا و لا يترتب عليه العمل، فيكون الرفع بالإضافة إليه حقيقيا لا ادعائيا، و إن كان ظاهريا، و بالإضافة إلى غيره ادعائيا، لأن المراد به الموضوع الذي لا يقبل الرفع إلا ادعاء بلحاظ أثره من المؤاخذة أو غيرها.

(2) لما هو ظاهر من أن آثار الشي‏ء من مظاهر وجوده فعدم ترتبها جميعها أقرب إلى عدمه من ترتب بعضها.

(3) لم يتضح الوجه فيه مع ما ذكره من أقربية المعنى الأول للمعنى الحقيقي.

(4) هذا إنما يصلح وجها لكيفية تقدير المؤاخذة و نحو نسبتها إلى الأمور المذكورة- كما تقدم و تقدم الكلام فيه- و لا يصلح وجها لتعيين تقدير المؤاخذة من بين غيرها من الآثار، كما هو المدعى. فالأولى تعليل ذلك بأن المؤاخذة هي الأثر

46

على نسق واحد، فإذا أريد من «الخطأ» و «النسيان» و «ما اكرهوا عليه» و «ما اضطروا» المؤاخذة على أنفسها، كان الظاهر في «ما لا يعلمون» ذلك أيضا.

[ظاهر بعض الأخبار أن المرفوع جميع الآثار و الجواب عنه 46]

نعم، يظهر من بعض الأخبار الصحيحة: عدم اختصاص المرفوع عن الأمة بخصوص المؤاخذة، فعن المحاسن، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى و البزنطي جميعا، عن أبي الحسن (عليه السلام):

«في الرجل يستكره على اليمين فحلف بالطلاق و العتاق و صدقة

الظاهر غالبا، فيبتني تقديرها على الوجه الثاني، و ليست هي في مقابله و أظهر منه، كما ذكره (قدّس سرّه) كما لا يبقي مجال لقوله: «لان الظاهر أن نسبة الرفع ..» فإنه يبتني على تقدير المؤاخذة بخصوصيتها، لا بما أنها الأثر الظاهر، أما لو قدرت بما أنها الأثر الظاهر فيصح نسبتها للحكم أيضا لأنها الأثر الظاهر له. مع أن ذلك لا يتأتى فيما لو فرض للفعل أثر ظاهر غير المؤاخذة، إما لعدم المؤاخذة عليه بذاته فينحصر الأثر الظاهر بغيرها أو لكونهما معا من الآثار الظاهرة للشي‏ء، حيث لا موجب لتعيين المؤاخذة.

و الحاصل: أن الأمر دائر بين تقدير جميع الآثار، و خصوص الأثر الظاهر، و الأول هو الأنسب بإطلاق الرفع، فيكون هو المتعين. نعم لما لم يكن الرفع عبارة عن مجرد الإعدام و النفي، بل المنصرف منه إرادة التخفيف و التوسعة، و لذا كان الحديث واردا مورد الامتنان، فلا بد من تخصيص الآثار المرفوعة بخصوص ما كان فيه نحو من الثقل و الكلفة و الضيق. كالحرمة التكليفية المستتبعة للعقاب و اللزوم في العقد و الإيقاع و الإلزام في الاقرار و نحو ذلك، و لم يشمل الآثار الاخرى غير المبنية على ذلك، كما لا يشمل الآثار التي يكون رفعها، منافيا للامتنان في حق الشخص أو الغير كما سيأتي من المصنف (قدّس سرّه).

47

ما يملك، أ يلزمه ذلك؟ فقال (عليه السلام): لا، قال رسول اللّه: رفع عن أمتي ما أكرهوا عليه، و ما لا يطيقون، و ما أخطئوا ... الخبر».

فإن الحلف بالطلاق و العتاق و الصدقة و إن كان باطلا عندنا مع الاختيار أيضا، إلا أن استشهاد الإمام (عليه السلام) على عدم لزومها مع الإكراه على الحلف بها بحديث الرفع، شاهد على عدم اختصاصه برفع خصوص المؤاخذة

1

.

لكن النبوي المحكي في كلام الإمام (عليه السلام) مختص بثلاثة من التسعة، فلعل نفي جميع الآثار مختص بها، فتأمل‏

2

.

[مما يؤيد إرادة العموم 47]

و مما يؤيد إرادة العموم: ظهور كون رفع كل واحد من التسعة من خواص أمة النبي:، إذ لو اختص الرفع بالمؤاخذة أشكل الأمر في كثير من تلك الأمور، من حيث إن العقل مستقل بقبح المؤاخذة عليها، فلا اختصاص له بأمة النبي: على ما يظهر من الرواية

3

.

و القول بأن الاختصاص باعتبار رفع المجموع و إن لم يكن رفع كل‏

____________

(1) يعني: فالاستدلال بالكبرى المستفادة من النبوي الشريف و إن كان لا يحتاج إليه، إلا انه يكشف عن أن الكبرى المذكورة لا تختص برفع المؤاخذة. و هذا مؤيد لما ذكرناه في معنى الحديث.

(2) لعله إشارة إلى بعد ذلك مع وحدة اللسان و التعبير في الحديثين.

(3) يعني: بها النبوي. لأن التعبير فيه بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «عن أمتي» ظاهر في تميز الأمة بذلك، لكن في بلوغ ذلك حد الظهور إشكال و لا بأس بدعوى الإشعار.

فلعل الأولى تأييده بوجه آخر، و هو أن ظاهر الحديث الشريف كون رفع هذه الأمور مما يتوقف على رفع الشارع و امتنانه، و ذلك ينافي كون رفعها لازما بحكم العقل.

48

واحد من الخواص، شطط من الكلام‏

1

.

لكن الذي يهون الأمر في الرواية: جريان هذا الإشكال في الكتاب العزيز أيضا، فإن موارد الإشكال فيها- و هي الخطأ و النسيان و ما لا يطاق و ما اضطروا إليه- هي بعينها ما استوهبها النبي- من ربه جل ذكره ليلة المعراج، على ما حكاه اللّه تعالى عنه: في القرآن بقوله تعالى:

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به.

و الذي يحسم أصل الإشكال: منع استقلال العقل بقبح المؤاخذة على هذه الامور بقول مطلق، فإن الخطأ و النسيان الصادرين من ترك التحفظ لا يقبح المؤاخذة عليهما، و كذا المؤاخذة على ما لا يعلمون مع إمكان الاحتياط، و كذا التكليف الشاق‏

2

الناشئ عن اختيار المكلف‏

3

.

و المراد ب (ما لا يطاق) في الرواية هو ما لا يتحمل في العادة، لا ما لا يقدر

____________

(1) لظهور الحديث في كون كل منها موردا للامتنان على هذه الأمة المرحومة، و ليس الامتنان منوطا بالمجموع من حيث هو مجموع. لكن هذا يبتني على ذكرناه في وجه التأييد، أما بناء على ما ذكره المصنف (قدّس سرّه) فلا دافع لهذا الاحتمال، إذ لا مانع من كون المختص بهذه الأمة هو رفع التسعة بمجموعها لا رفع كل واحد منها. فتأمل جيدا.

(2) المستفاد رفعه برفع ما لا يطاق، فإن الظاهر أن المراد بالطاقة هنا الوسع و القدرة، كما سيذكره المصنف (قدّس سرّه).

(3) بل مطلقا، فإنه لا قبح في التكليف بالأمور الشاقة أصلا، و ليس رفعه، إلا تفضل من الشارع الأقدس و ليس هو كالتكليف بغير المقدور.

49

عليه أصلا كالطيران في الهواء. و أما في الآية فلا يبعد أن يراد به العذاب و العقوبة

1

، فمعنى‏

لا تحملنا ما لا طاقة لنا به:

لا تورد علينا ما لا نطيقه من العقوبة.

و بالجملة: فتأييد إرادة رفع جميع الآثار بلزوم الإشكال على تقدير الاختصاص برفع المؤاخذة ضعيف جدا.

و أضعف منه: وهن إرادة العموم بلزوم كثرة الإضمار، و قلة الإضمار أولى‏

2

. و هو كما ترى‏

3

و إن ذكره بعض الفحول، و لعله أراد بذلك أن المتيقن رفع المؤاخذة، و رفع ما عداه يحتاج إلى دليل‏

4

.

____________

(1) و يمكن أن يراد به الابتلاء الدنيوي، أو التكاليف الشاقة، كما حدث في الأمم السابقة، كما أشار إليه قوله تعالى: و يضع عنهم اصرهم و الأغلال التي كانت عليهم.

(2) يعني: إنه كما استدل على إرادة رفع جميع الآثار بما سبق، كذلك استدل على عدم إرادته بأن الحمل على عموم الرفع لجميع الآثار مستلزم لكثرة الإضمار، بخلاف الحمل على خصوص المؤاخذة. فإنه لا يستلزم إلا إضمار المؤاخذة وحدها، و قلة الإضمار أولى من كثرته.

(3) لأنه لا يلزم من إرادة جميع الآثار إضمار كل منها، بل إضمار أمر واحد عام يشملها فلا يلزم إلا عموم المضمر لا كثرته، و ليس فيه مخالفة للأصل. بل لعله أقرب عرفا لو فرض عدم الترجيح لبعض الآثار.

هذا بناء على ابتناء المقام على الإضمار، و قد عرفت إمكان الاستغناء عنه بأن يكون الأثر الملحوظ رفعه مصححا لإسناد الرفع إلى ذي الأثر، لا أنه مضمر و مقدر بنفسه و حينئذ لا موضوع لهذا الترجيح.

(4) و مع عدمه يرجع إلى أصالة عدم رفعه، لا إلى أصالة عدم إضماره.

50

و فيه: أنه إنما يحسن الرجوع إليه بعد الاعتراف بإجمال الرواية، لا لإثبات ظهورها في رفع المؤاخذة.

إلا أن يراد إثبات ظهورها، من حيث إن حملها على خصوص المؤاخذة يوجب عدم التخصيص في عموم الأدلة المثبتة لآثار تلك الأمور، و حملها على العموم يوجب التخصيص فيها، فعموم تلك الأدلة مبين لتلك الرواية، فإن المخصص إذا كان مجملا من جهة تردده بين ما يوجب كثرة الخارج و بين ما يوجب قلته، كان عموم العام بالنسبة إلى التخصيص المشكوك فيه مبينا لإجماله‏

1

، فتأمل.

و أضعف من الوهن المذكور: وهن العموم بلزوم تخصيص كثير من الآثار بل أكثرها، حيث إنها لا ترتفع بالخطإ و النسيان و أخواتهما. و هو ناش عن عدم تحصيل معنى الرواية كما هو حقه.

[ليس المراد رفع الآثار المترتبة على هذه العناوين 50]

فاعلم: أنه إذا بنينا على رفع عموم الآثار

2

، فليس المراد بها الآثار

____________

(1) فإن مقتضى أصالة عموم العام في مورد الشك في انطباق عنوان المخصص إرادته من الدليل العام و بضميمة العلم بعدم إرادة مورد الخاص من الدليل العام يستكشف عدم كونه مرادا من الخاص و قصور الخاص عنه، فيكون بيانا للخاص المفروض إجماله. لكن الانصاف أن هذا لا يكفي في كون العام بيانا للخاص عرفا، فإن أصالة العموم و إن كانت موجبة للظن النوعي فهي من سنخ الأمارات، إلا أنها لا تصلح لبيان حال الخاص، لعدم تعرضها له بوجه، فالعام و الخاص كالأصل مع الدليل، فكما أن جريان الأصل في مورد لا يصلح لشرح حال الدليل المجمل، كذلك العام لا يصلح لشرح الخاص المجمل. فتأمل جيدا.

(2) لا يخفى أن ظاهر الحديث أن العناوين المذكورة من سنخ الرافع للأثر،

51

المترتبة على هذه العنوانات من حيث هي، إذ لا يعقل رفع الآثار الشرعية المترتبة على الخطأ و السهو من حيث هذين العنوانين، كوجوب الكفارة المترتب على قتل الخطأ

1

، و وجوب سجدتي السهو المترتب على نسيان بعض الأجزاء.

فلا بد من فرض تحقق المقتضي لثبوت الأثر في نفسه، كى يكون طروء أحد العناوين رافعا لتأثيره و مانعا من فعليته. فلو فرض أن المقتضي للأثر هو أحد العناوين المذكورة أو كان شرطا في تأثير مقتضيه لم يقتض الحديث رفع ذلك الأثر، لعدم المقتضي له لولاه، بل يمتنع ارتفاع مثل ذلك به، لاستحالة كون الشي‏ء رافعا لما يقتضيه كما أنه لو فرض قصور المقتضي للأثر عن حالة وجود أحد العناوين بأن أخذ العمد مثلا في موضوع الأثر، فمع الخطأ و إن كان لا يترتب الأثر، إلا أنه ليس لكون الخطأ رافعا، بل لعدم المقتضي للأثر المذكور، فلا يكون الحديث شاملا له. و كأن ما ذكره المصنف (قدّس سرّه) راجع إلى ذلك.

____________

(1) لما كانت الكفارة تثبت مع قتل العمد أيضا امتنع كون الخطأ شرطا في تمامية المقتضي أيضا، إذ لا معنى لكون كل من العمد و الخطأ شرطا بعد عدم خلوّ الأمر عن أحدهما، كما يمتنع أن يكون الخطأ بنفسه هو تمام المقتضي، لوضوح أن القتل هو سبب الكفارة، و هذا بخلاف سجود السهو، فانه لما كان مختصا بحال السهو أمكن كون السهو تمام المقتضي أو شرطا له، و حينئذ لا بد من الالتزام بأن القتل هو العلة التامة للكفارة، و أن الخطأ لا يصلح لرفعها. فيكون هذا من موارد تخصيص الحديث الشريف، و ليس كسجود السهو.

نعم لما كانت كفارة الخطأ مرتبة و كفارة العمد كفارة الجمع فما ذكرنا يتم بالإضافة إلى القدر المشترك بين الأمرين أما بالإضافة إلى ما زاد بالجمع فهو إما يكون مرفوعا بالخطإ كما لو فرض عدم دخل العمد في تمامية مقتضية، أو مرتفع بنفسه مع الخطأ، كما لو فرض دخل العمد في تمامية مقتضية، كما يأتي في كفارة الإفطار.

52

و ليس المراد أيضا رفع الآثار المترتبة على الشي‏ء بوصف عدم الخطأ، مثل قوله: «من تعمد الافطار فعليه كذا»

1

، لأن‏

2

هذا الأثر يرتفع بنفسه في صورة الخطأ.

بل‏

3

المراد: أن الآثار المترتبة على نفس الفعل‏

4

لا بشرط الخطأ و العمد قد رفعها الشارع عن ذلك الفعل إذا صدر عن خطأ.

[المرفوع هو الآثار الشرعية دون العقلية و العادية 52]

ثم المراد بالآثار: هي الآثار المجعولة الشرعية التي وضعها الشارع، لأنها هي القابلة للارتفاع برفعه، و أما ما لم يكن بجعله- من الآثار العقلية و العادية- فلا تدل الرواية على رفعها

5

و لا رفع الآثار المجعولة المترتبة عليها

6

.

____________

(1) بناء على أن التخصيص بالعمد لتمامية المقتضي للكفارة به- كما هو مقتضي الجمود على العبارة المذكورة- بل قد يدعى أنه المناسب لعنوان الكفارة، لا لكون الخطأ مانعا منها و رافعا لها مع كون الإفطار بنفسه تمام المقتضي لها، كما هو محتمل أيضا.

(2) تعليل لقوله: «و ليس المراد أيضا ..».

(3) عطف على قوله: «فليس المراد بها الآثار المترتبة ...».

(4) لا بد من رجوع هذا إلى ما ذكرنا من كون الفعل تمام المقتضي، و أن الخطأ مثلا من سنخ الرافع أو المانع، و إلا فلو فرض ترتب الأثر على الفعل لا بشرط الخطأ و العمد امتنع رفعه بالخطإ إلا من باب النسخ غير المفروض في المقام.

(5) لعدم سلطان الشارع بما هو شارع على رفعها بعد كون ترتبها مستندا إلى أمر آخر غيره.

(6) لأنها تابعة لموضوعاتها، فمع فرض عدم ارتفاع موضوعاتها لكونها أمورا

53

ثم المراد بالرفع: ما يشمل عدم التكليف مع قيام المقتضي له‏

1

، فيعم الدفع و لو بأن يوجه التكليف على وجه يختص بالعامد، و سيجي‏ء بيانه.

فإن قلت: على ما ذكرت يخرج أثر التكليف في «ما لا يعلمون»

2

عن مورد الرواية، لأن استحقاق العقاب أثر عقلي له، مع أنه متفرع على‏

غير شرعية لا وجه لارتفاعها. نعم يمكن للشارع رفعها مع تحقق موضوعاتها، لأنها تابعة له، إلا أنه يحتاج إلى عناية خاصة لا دليل عليها. و لا مجال للتمسك بإطلاق دليل الرفع بالإضافة إلى أسبابها العقلية، لأنه منصرف إلى رفع الشي‏ء و بلحاظ أثره، فمع فرض كون أثره عقليا لا يقبل الرفع لا وجه لصرفه إلى أثر الأثر و إن كان شرعيا يقبل الرفع، فإنه يحتاج إلى عناية خاصة لا يقتضيها إطلاق الدليل، على ما يذكر في مبحث الأصل المثبت من الاستصحاب. و من ثم لا يحكم بسقوط الإعادة بالخطإ في الامتثال، لأن وجوب الإعادة عبارة أخرى عن بقاء الواجب شرعا المسبب عن عدم مطابقة المأتي به للمأمور به، و ليس ذلك شرعيا، بل عقليا.

____________

(1) بل ليس المراد إلا هذا، لما عرفت من أن رفع التكليف بعد ثبوته نسخ خارج عما نحن فيه، فالمراد رفع فعليته مع ثبوت مقتضيه، بمعنى كون الخطأ مثلا مانعا من فعليته.

نعم قد يكون لدليل الحكم المرفوع إطلاق يشمل حال الخطأ و نحوه، و قد لا يكون له إطلاق بالنحو المذكور، بل يختص دليله بحال العمد- كما احتملناه في مثل:

من تعمد الإفطار فعليه كذا على ما سبق- و هما و إن اختلفا إثباتا، إلا أنهما لا يختلفان ثبوتا و واقعا. و لعل مراد المصنف (قدّس سرّه) ذلك، كما قد يظهر من كلامه الآتي.

(2) الإشكال لا يختص بما لا يعلمون، بل يجري في سائر العناوين الرافعة التي تعرض لها الحديث الشريف، إذ المتيقن منها، رفع استحقاق العقاب و ليس هو أثرا شرعيا، بل عقليا.

54

المخالفة بقيد العمد، إذ مناطه- أعني المعصية- لا يتحقق إلا بذلك.

و أما

3

نفس المؤاخذة فليست من الآثار المجعولة الشرعية.

و الحاصل: أنه ليس في «ما لا يعلمون» أثر مجعول من الشارع مترتب على الفعل لا بقيد العلم و لا الجهل، حتى يحكم الشارع بارتفاعه مع الجهل.

قلت: قد عرفت: أن المراد ب «رفع التكليف» عدم توجيهه إلى المكلف مع قيام المقتضي له، سواء كان هنا دليل يثبته لو لا الرفع أم لا، فالرفع هنا نظير رفع الحرج في الشريعة، و حينئذ: فإذا فرضنا أنه لا يقبح في العقل أن يوجه التكليف بشرب الخمر على وجه يشمل صورة الشك فيه، فلم يفعل ذلك و لم يوجب تحصيل العلم و لو بالاحتياط، و وجه التكليف على وجه يختص بالعالم تسهيلا على المكلف، كفى في صدق الرفع. و هكذا الكلام في الخطأ و النسيان.

فلا يشترط في تحقق الرفع وجود دليل يثبت التكليف في حال العمد و غيره.

نعم، لو قبح عقلا المؤاخذة على الترك، كما في الغافل الغير المتمكن من الاحتياط

4

، لم يكن في حقه رفع أصلا، إذ ليس من شأنه أن يوجه‏

____________

(3) تتمة للإشكال، فإن ما سبق وارد في استحقاق المؤاخذة، و هذا راجع إلى نفس المؤاخذة.

(4) يعني: و وجوب الاحتياط حكم شرعي قابل للرفع و الوضع، فمرجع رفع المؤاخذة أو استحقاقها إلى رفع وجوب الاحتياط إما وحده أو في ضمن جميع‏

55

إليه التكليف.

و حينئذ فنقول: معنى رفع أثر التحريم في «ما لا يعلمون» عدم إيجاب الاحتياط و التحفظ فيه حتى يلزمه ترتب العقاب إذا أفضى ترك التحفظ إلى الوقوع في الحرام الواقعي.

و كذلك الكلام في رفع أثر النسيان و الخطأ، فإن مرجعه إلى عدم إيجاب التحفظ عليه، و إلا فليس في التكاليف ما يعم صورة النسيان، لقبح تكليف الغافل‏

1

.

الآثار. لكن وجوب الاحتياط ليس من آثار التكليف المجهول حتى يكون هو المراد برفعه، بل هو مجعول مستقل فلا يمكن أن يراد من رفع التكليف حتى بناء على أن المراد به رفع جميع الآثار.

فالأولى أن يقال: إن استحقاق العقاب لما كان من آثار التكليف العقلية فرفع التكليف ظاهرا موجب لارتفاع موضوع استحقاق العقاب، فيرتفع الاستحقاق بتبعه فليس المرفوع هو المؤاخذة ابتداء و لا استحقاقها و لا بقية آثار التكليف، بل المرفوع هو التكليف بنفسه، و هو أمر شرعي قابل للرفع.

نعم رفعه في «ما لا يعلمون» و في النسيان و الخطأ ليس واقعيا، لما هو المعلوم من ثبوت التكليف في حق الجاهل، فلا بد أن يراد رفعه ظاهرا، الراجع إلى التعبد بعدمه عملا، و حينئذ يرتفع موضوع استحقاق العقاب، و كما يرتفع واقعا مع النسخ. و كذا حال بقية العناوين و هي الاستكراه و الاضطرار و غيرهما، غايته أن الرفع فيها واقعي ثانوي. و لا حاجة إلى ما سيذكره المصنف (قدّس سرّه) من حمله على عدم وجوب التحفظ، فإنه بلا شاهد. فتأمل جيدا. و اللّه سبحانه و تعالى العالم.

____________

(1) كأنه من جهة لغوية التكليف معه لعدم صلوحه للداعوية. ثم إنه قد يدعى أنه لا مانع من تسليط الرفع على المؤاخذة و لو بلحاظ كون ارتفاعها مصححا

56

[المرتفع هو إيجاب التحفظ و الاحتياط 56]

و الحاصل: أن المرتفع في «ما لا يعلمون» و أشباهه مما لا يشمله أدلة التكليف، هو إيجاب التحفظ على وجه لا يقع في مخالفة الحرام الواقعي، و يلزمه ارتفاع العقاب و استحقاقه، فالمرتفع أولا و بالذات أمر مجعول يترتب عليه ارتفاع أمر غير مجعول.

و نظير ذلك: ما ربما يقال في رد من تمسك على عدم وجوب الإعادة على من صلى في النجاسة ناسيا بعموم حديث الرفع: من‏

1

أن وجوب الإعادة و إن كان حكما شرعيا، إلا أنه مترتب على مخالفة المأتي به للمأمور به الموجبة لبقاء الأمر الأول، و هي‏

2

ليست من الآثار الشرعية للنسيان، و قد تقدم أن الرواية لا تدل على رفع الآثار الغير المجعولة و لا الآثار الشرعية المترتبة عليها، كوجوب الإعادة فيما نحن فيه‏

3

.

و يرده: ما تقدم في نظيره: من أن الرفع راجع إلى شرطية

4

طهارة

لنسبة الرفع للتكليف فإنها و إن لم تكن من الآثار المجعولة شرعا، إلا أنها من الأمور الراجعة إلى الشارع الأقدس لتبعيتها للتشريع و لأن بيده رفعها و لو تفضلا، و ليست من الأحكام العقلية الخارجة عن سلطانه، فلا مانع من حمل الحديث عليها و لو بقرينة وروده مورد الامتنان.

____________

(1) بيان للموصول في قوله: «ما ربما يقال ...» فهو بيان لوجه الرد.

(2) يعني: مخالفة المأتي به للمأمور به، التي هي من الأمور الواقعية.

(3) حيث أنه مترتب على مخالفة المأتي به للمأمور به التي هي غير مجعولة.

(4) بناء على أن الشرطية من الأحكام المجعولة لكنه ممنوع، على ما يذكر في محله من مباحث الشك في الشرطية و الجزئية، و في مبحث الاستصحاب. على أن رفع النسيان لما كان ظاهريا، كما ذكرناه قريبا فهو لا يقتضي إلا المعذورية ما دام‏