الميزان في تفسير القرآن - ج9

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
414 /
5

الجزء التاسع‏

(1) -

(8) (سورة الأنفال مدنية و هي خمس و سبعون آية) (75)

(بيان)

سياق الآيات في السورة يعطي أنها مدنية نزلت بعد وقعة بدر، و هي تقص بعض أخبار بدر، و تذكر مسائل متفرقة تتعلق بالجهاد و الغنائم و الأنفال و نحوها، و أمورا أخرى تتعلق بالهجرة و بها تختتم السورة.

قوله تعالى: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » إلى آخر الآية.

الأنفال‏ جمع نفل بالفتح و هو الزيادة على الشي‏ء، و لذا يطلق النفل و النافلة على التطوع‏

6

(1) -لزيادته على الفريضة، و تطلق الأنفال على ما يسمى فيئا أيضا و هي الأشياء من الأموال التي لا مالك لها من الناس كرءوس الجبال، و بطون الأودية، و الديار الخربة، و القرى التي باد أهلها و تركة من لا وارث له، و غير ذلك كأنها زيادة على ما ملكه الناس فلم يملكها أحد و هي لله و لرسوله، و تطلق على غنائم الحرب كأنها زيادة على ما قصد منها فإن المقصود بالحرب و الغزوة الظفر على الأعداء و استئصالهم فإذا غلبوا و ظفر بهم فقد حصل المقصود، و الأموال التي غنمه المقاتلون و القوم الذين أسروهم زيادة على أصل الغرض.

و « ذات‏ » في الأصل مؤنث «ذا» بمعنى الصاحب من الألفاظ اللازمة الإضافة غير أنه كثر استعماله في نفس الشي‏ء بمعنى ما به الشي‏ء هو هو فيقال: ذات الإنسان أي ما به الإنسان إنسان، و ذات زيد أي النفس الإنسانية الخاصة التي سميت بزيد، و كان الأصل فيها النفس ذات أعمال كذا ثم أفردت بالذكر فقيل ذات الأعمال أو ما يؤدي مؤداه ثم‏قيل ذات، و كذلك الأمر في ذات البين فلكون الخصومة لا تتحقق إلا بين طرفين نسب إليها البين فقيل ذات البين أي الحالة و الرابطة السيئة التي هي صاحبة البين فالمراد بقوله: أَصْلِحُوا ذََاتَ بَيْنِكُمْ أي أصلحوا الحالة الفاسدة و الرابطة السيئة التي بينكم.

و قال الراغب في المفردات: « ذو » على وجهين: أحدهما يتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس و الأنواع، و يضاف إلى الظاهر دون المضمر، و يثنى و يجمع، و يقال في التثنية: ذواتا، و في الجمع: ذوات، و لا يستعمل شي‏ء منها إلا مضافا.

قال: و قد استعار أصحاب المعاني الذات فجعلوه عبارة عن عين الشي‏ء جوهرا كان أو عرضا، و استعملوها مفردة و مضافة إلى المضمر و بالألف و اللام، و أجروها مجرى النفس و الخاصة فقالوا: ذاته و نفسه و خاصته، و ليس ذلك من كلام العرب، و الثاني في لفظ ذو لغة لطي‏ء يستعملونه استعمال «الذي» و يجعل في الرفع و النصب و الجر و الجمع و التأنيث على لفظ واحد نحو:

و بئري ذو حفرت و ذو طويت.

أي التي حفرت و التي طويت. انتهى.

7

(1) -و الذي ذكره من عدم إضافته إلى الضمير منقول عن الفراء، و لازمه كون استعماله مضافا إلى الضمير من كلام المولدين و الحق أنه قليل لا متروك، و قد وقع في كلام علي (ع) في بعض خطبه كما في نهج البلاغة.

و قد اختلف المفسرون في معنى الآية و موقعها اختلافا شديدا من جهات: من جهة معنى قوله: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ » و قد نسب إلى أهل البيت ( (ع) ) و بعض آخر كعبد الله بن مسعود و سعد بن أبي وقاص و طلحة بن مصرف أنهم قرءوا:

« يسئلونك الأنفال » فقيل: عن زائدة في القراءة المشهورة، و قيل: بل مقدرة في القراءة الشاذة، و قيل: إن المراد بالأنفال غنائم الحرب، و قيل: غنائم غزوة بدر خاصة بجعل اللام في الأنفال للعهد، و قيل: الفي‏ء الذي لله و الرسول و الإمام، و قيل:

إن الآية منسوخة بآية الخمس، و قيل: بل محكمة، و قد طالت المشاجرة بينهم كما يعلم بالرجوع إلى مطولات التفاسير كتفسيري الرازي و الآلوسي و غيرهما.

و الذي ينبغي أن يقال بالاستمداد من السياق: أن الآية بسياقها تدل على أنه كان بين هؤلاء المشار إليهم بقوله: « يَسْئَلُونَكَ » تخاصم خاصم به بعضهم بعضا بأخذ كل جانبا من القول لا يرضى به خصمه، و التفريع الذي في قوله: « فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَصْلِحُوا ذََاتَ بَيْنِكُمْ » يدل على أن الخصومة كانت في أمر الأنفال، و لازم ذلك أن يكون السؤال الواقع منهم المحكي في صدر الآية إنما وقع لقطع الخصومة، كأنهم تخاصموا في أمر الأنفال ثم راجعوا رسول الله ص يسألونه عن حكمها لتنقطع بما يجيبه الخصومة و ترتفع عما بينهم.

و هذا-كما ترى-يؤيد أولا القراءة المشهورة: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ » فإن السؤال إذا تعدى بعن كان بمعنى استعلام الحكم و الخبر، و أما إذا استعمل متعديا بنفسه كان بمعنى الاستعطاف و لا يناسب المقام إلا المعنى الأول.

و ثانيا: أن الأنفال بحسب المفهوم و إن كان يعم الغنيمة و الفي‏ء جميعا إلا أن مورد الآية هي الأنفال بمعنى غنائم الحرب لا غنائم غزوة بدر خاصة إذ لا وجه للتخصيص فإنهم إذ تخاصموا في غنائم بدر لم يتخاصموا فيها لأنها غنائم بدر خاصة بل لأنها غنائم مأخوذة من أعداء الدين في جهاد ديني، و هو ظاهر.

8

(1) - و اختصاص الآية بحسب موردها بغنيمة الحرب لا يوجب تخصيص الحكم الوارد فيها بالمورد، فإن المورد لا يخصص، فإطلاق حكم الآية بالنسبة إلى كل ما يسمى بالنفل في محله، و هي تدل على أن الأنفال جميعا لله و لرسوله لا يشارك الله و رسوله فيها أحد من المؤمنين سواء في ذلك الغنيمة و الفي‏ء.

ثم الظاهر من قوله: « قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » و ما يعظهم الله به بعد هذه الجملة و يحرضهم على الإيمان هو أن الله سبحانه فصل الخصومة بتشريع ملكها لنفسه و لرسوله، و نزعها من أيديهم و هو يستدعي أن يكون تخاصمهم من جهة دعوى طائفة منهم أن الأنفال لها خاصة دون غيرها، أو أنها تختص بشي‏ء منها، و إنكار الطائفة الأخرى ذلك، ففصل الله سبحانه خصومتهم فيها بسلب ملكهم منها و إثبات ملك نفسه و رسوله، و موعظتهم أن يكفوا عن المخاصمة و المشاجرة، و أما قول من يقول:

إن الغزاة يملكون ما أخذوه من الغنيمة بالإجماع فأحرى به أن يورد في الفقه دون التفسير.

و بالجملة فنزاعهم في الأنفال يكشف عن سابق عهد لهم بأن الغنيمة لهم أو ما في معناه غير أنه كان حكما مجملا اختلف فيه المتخاصمان و كل يجر النار إلى قرصته، و الآيات الكريمة تؤيد ذلك.

توضيحه: أن ارتباط الآيات في السورة و التصريح بقصة وقعة بدر فيها يكشف أن السورة بأجمعها نزلت حول وقعة بدر و بعيدها حتى إن ابن عباس-على ما نقل عنه-كان يسميها سورة بدر، و التي تتعرض لأمرالغنيمة من آياتها خمس آيات في مواضع ثلاثة من السورة هي بحسب ترتيب السورة، قوله تعالى: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » الآية، و قوله تعالى: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللََّهِ وَ مََا أَنْزَلْنََا عَلى‏ََ عَبْدِنََا يَوْمَ اَلْفُرْقََانِ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعََانِ وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ » ، و قوله تعالى: « مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ََ حَتََّى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ اَلدُّنْيََا وَ اَللََّهُ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ وَ اَللََّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ` لَوْ لاََ كِتََابٌ مِنَ اَللََّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمََا أَخَذْتُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ ` فَكُلُوا مِمََّا غَنِمْتُمْ حَلاََلاً طَيِّباً وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .

و سياق الآية الثانية يفيد أنها نزلت بعد الآية الأولى و الآيات الأخيرة جميعا

9

(1) -لمكان قوله فيها إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللََّهِ وَ مََا أَنْزَلْنََا عَلى‏ََ عَبْدِنََا يَوْمَ اَلْفُرْقََانِ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعََانِ فهي نازلة بعد الوقعة بزمان.

ثم الآيات الأخيرة تدل على أنهم كلموا رسول الله ص في أمر الأسرى و سألوه أن لا يقتلهم و يأخذ الفدية، و فيها عتابهم على ذلك، ثم تجويز أن يأكلوا مما غنموا و كأنهم فهموا من ذلك أنهم يملكون الغنائم و الأنفال على إبهام في أمره: هل يملكه جميع من حضر الوقعة أو بعضهم كالمقاتلين دون القاعدين مثلا؟و هل يملكون ذلك بالسوية فيقسم بينهم كذلك أو يختلفون فيه بالزيادة و النقيصة كأن يكون سهم الفرسان منها أزيد من المشاة؟أو نحو ذلك.

و كان ذلك سبب التخاصم بينهم فتشاجروا في الأمر، و رفعوا ذلك إلى رسول الله ص فنزلت الآية الأولى: « قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَصْلِحُوا ذََاتَ بَيْنِكُمْ » الآية، فخطأتهم الآية فيما زعموا أنهم مالكوا الأنفال بما استفادوا من قوله:

« فَكُلُوا مِمََّا غَنِمْتُمْ » الآية، و أقرت ملك الأنفال لله و الرسول و نهتهم عن التخاصم و التشاجر، فلما انقطع بذلك تخاصمهم أرجعها النبي ص إليهم، و قسمها بينهم بالسوية، و عزل السهم لعدة من أصحابه لم يحضروا الوقعة، و لم يقدم مقاتلا على قاعد، و لا فارسا على ماش، ثم نزلت الآية الثانية: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ » الآية، بعد حين‏فأخرج النبي ص مما رد إليهم من السهام الخمس و بقي لهم الباقي. هذا ما يتحصل من انضمام الآيات المربوطة بالأنفال بعضها ببعض.

فقوله تعالى: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ » يفيد بما ينضم إليه من قرائن السياق أنهم سألوا النبي ص عن حكم غنائم الحرب بعد ما زعموا أنهم يملكون الغنيمة، و اختلفوا فيمن يملكها، أو في كيفية ملكها و انقسامها بينهم، أو فيهما معا، و تخاصموا في ذلك.

و قوله: « قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » جواب عن مسألتهم و فيه بيان أنهم لا يملكونها و إنما هي أنفال يملكها الله و رسوله، فيوضع حيثما أراد الله و رسوله، و قد قطع ذلك أصل ما نشب بينهم من الاختلاف و التخاصم.

و يظهر من هذا البيان أن الآية غير ناسخة لقوله تعالى: « فَكُلُوا مِمََّا غَنِمْتُمْ »

10

(1) -إلى آخر الآية، و إنما تبين معناها بالتفسير، و إن قوله: « فَكُلُوا » ليس بكناية عن ملكهم للغنيمة بحسب الأصل، و إنما المراد هو التصرف فيها و التمتع منها إلا أن يمتلكوا بقسمة النبي ص إياها بينهم.

و يظهر أيضا أن قوله تعالى: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ » الآية ليس بناسخ لقوله: « قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » الآية فإن قوله: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ » الآية إنما يؤثر بالنسبة إلى المجاهدين منعهم عن أكل تمام الغنيمة و التصرف فيه إذ لم يكن لهم بعد نزول قوله: « اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » إلا ذلك، و أما قوله: « اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » فلا يفيد إلا كون أصل ملكها لله و الرسول من دون أن يتعرض لكيفية التصرف و جواز الأكل و التمتع، فلا يناقضه في ذلك قوله: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ » الآية حتى يكون بالنسبة إليه ناسخا، فيتحصل من مجموع الآيات الثلاث: أن أصل الملك في الغنيمة لله و الرسول ثم يرجع أربعة أخماسها إلى المجاهدين يأكلونها و يمتلكونها و يرجع خمس منها إلى الله و الرسول و ذي القربى وغيرهم لهم التصرف فيها و الاختصاص بها.

و يظهر بالتأمل في البيان السابق أيضا: أن في التعبير عن الغنائم بالأنفال و هو جمع نفل بمعنى الزيادة إشارة إلى تعليل الحكم بموضوعه الأعم، كأنه قيل: يسألونك عن الغنائم و هي زيادات لا مالك لها من بين الناس، و إذا كان كذلك فأجبهم بحكم الزيادات و الأنفال، و قُلِ: اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ ، و لازم ذلك كون الغنيمة لله و الرسول.

و بذلك ربما تأيد كون اللام في لفظ الأنفال الأول للعهد و في الثاني للجنس أو الاستغراق، و تبين وجه الإظهار في قوله: « قُلِ اَلْأَنْفََالُ » الآية حيث لم يقل: قل هي لله و الرسول.

و يظهر بذلك أيضا: أن قوله: « قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » حكم عام يشمل بعمومه الغنيمة و سائر الأموال الزائدة في المجتمع نظير الديار الخالية و القرى البائدة و رءوس الجبال و بطون الأودية و قطائع الملوك و تركة من لا وارث له، أما الأنفال بمعنى الغنائم فهي متعلقة بالمقاتلين من المسلمين بعمل النبي ص، و بقي الباقي تحت ملك الله و رسوله.

11

(1) -هذا ما يفيده التأمل في كرائم الآيات، و للمفسرين فيها أقاويل مختلفة تعلم بالرجوع إلى مطولات التفاسير لا جدوى في نقلها و التعرض المنقض و الإبرام فيها.

}قوله تعالى: « إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ » إلى آخر الآيتين الآيتان و التي بعدهما بيان ما يتميز به المؤمنون بحقيقة الإيمان و يختصون به من الأوصاف الكريمة و الثواب الجزيل بينت ليتأكد به ما يشتمل عليه قوله تعالى:

« فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَصْلِحُوا ذََاتَ بَيْنِكُمْ » إلى آخر الآية.

و قد ذكر الله تعالى لهم خمس صفات اختارها من بين جميع صفاتهم التي ذكرها في كلامه لكونها مستلزمة لكرائم صفاتهم على كثرتها و ملازمة لحق الإيمان، و هي بحيث إذا تنبهوا لها و تأملوها كان ذلك مما يسهل لهم توطين النفس على التقوى و إصلاح ذات بينهم، و إطاعة الله و رسوله.

و هاتيك الصفات الخمس هي: وجل القلب عند ذكر الله، و زيادةالإيمان عند استماع آيات الله، و التوكل، و إقامة الصلاة، و الإنفاق مما رزقهم الله، و معلوم أن الصفات الثلاث الأول من أعمال القلوب، و الأخيرتان من أعمال الجوارح.

و قد روعي في ذكرها الترتيب الذي بينها بحسب الطبع، فإن نور الإيمان إنما يشرق على القلب تدريجا، فلا يزال يشتد و يضاعف حتى يتم و يكمل بحقيقته، فأول ما يشرق يتأثر القلب بالوجل و الخشية إذا تذكر بالله عند ذكره، و هو قوله تعالى:

« إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ » .

ثم لا يزال ينبسط الإيمان و يتعرق و ينمو و يتفرع بالسير في الآيات الدالة عليه تعالى، و الهادية إلى المعارف الحقة، فكلما تأمل المؤمن في شي‏ء منها زادته إيمانا، فيقوى الإيمان و يشتد حتى يستقر في مرحلة اليقين، و هو قوله تعالى: « وَ إِذََا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيََاتُهُ زََادَتْهُمْ إِيمََاناً » .

و إذا زاد الإيمان و كمل كمالا عرف عندئذ مقام ربه و موقع نفسه، معرفة تطابق واقع الأمر، و هو أن الأمر كله إلى الله سبحانه فإنه تعالى وحده هو الرب الذي إليه يرجع كل شي‏ء، فالواجب الحق على الإنسان أن يتوكل عليه و يتبع ما يريده منه بأخذه وكيلا في جميع ما يهمه في حياته، فيرضى بما يقدر له في مسير الحياة، ـ

12

(1) -و يجري على ما يحكم عليه من الأحكام و يشرعه من الشرائع فيأتمر بأوامره و ينتهي عن نواهيه، و هو قوله تعالى: « وَ عَلى‏ََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ .

ثم إذا استقر الإيمان على كماله في القلب، استوجب ذلك أن ينعطف العبد بالعبودية إلى ربه، و ينصب نفسه في مقام العبودية و إخلاص الخضوع و هو الصلاة، و هي أمر بينه و بين ربه، و أن يقوم بحاجة المجتمع في نواقص مساعيهم بالإنفاق على الفقراء مما رزقه الله من مال أو علم أو غير ذلك، و هو أمر بينه و بين سائر أفراد مجتمعة، و هو قوله تعالى: « اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ » .

و قد ظهر مما تقدم أن قوله تعالى: « زََادَتْهُمْ إِيمََاناً » إشارة إلى الزيادة من حيث الكيفية و هو الاشتداد و الكمال، دون الكمية و هي الزيادة من حيث عدد المؤمنين كما احتمله بعض المفسرين.

قوله تعالى: « أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجََاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ » قضاء منه تعالى بثبوت الإيمان حقا فيمن اتصف بما عده تعالى من الصفات الخمس، و لذلك أطلق ما ذكره لهم من كريم الأجر في قوله: « لَهُمْ دَرَجََاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ » الآية فلهؤلاء من صفات الكمال و كريم الثواب و عظيم الأجر ما لكل مؤمن حقيقي.

و أما قوله: « لَهُمْ دَرَجََاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ » فالمغفرة هي الصفح الإلهي عند ذنوبهم، و الرزق الكريم ما يرتزقون به من نعم الجنة، و قد أراد الله سبحانه بالرزق الكريم الجنة و نعمها في مواضع من كلامه، كقوله تعالى: « فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ ` وَ اَلَّذِينَ سَعَوْا فِي آيََاتِنََا مُعََاجِزِينَ أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَحِيمِ: » الحج: 51 و غير ذلك.

و بذلك يظهر أن المراد بقوله: « لَهُمْ دَرَجََاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ » مراتب القرب و الزلفى و درجات الكرامة المعنوية، و هو كذلك. فإن المغفرة و الجنة من آثار مراتب القرب من الله سبحانه و فروعه البتة.

و الذي يشتمل عليه الآية من إثبات الدرجات لهؤلاء المؤمنين، هو ثبوت جميع الدرجات لجميعهم، لا ثبوت جميعها لكل واحد منهم فإنها من لوازم الإيمان، و الإيمان مختلف ذو مراتب فالدرجات الموهوبة بإزائه كذلك لا محالة، فمن المؤمنين من له‏

13

(1) -درجة واحدة، و منهم ذو الدرجتين، و منهم ذو الدرجات على اختلاف مراتبهم في الإيمان.

و يؤيده قوله تعالى: « يَرْفَعِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجََاتٍ: » المجادلة: -11، و قوله تعالى: « أَ فَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوََانَ اَللََّهِ كَمَنْ بََاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اَللََّهِ وَ مَأْوََاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ، ` هُمْ دَرَجََاتٌ عِنْدَ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ بَصِيرٌ بِمََا يَعْمَلُونَ: » آل عمران: 163.

و بما تقدم يظهر أن تفسير بعضهم ما في الآية من الدرجات بدرجات الجنة، ليس على ما ينبغي، و إن المتعين كون المراد بها درجات القرب؛ كما تقدم و إن كان كل منهما يلازم الآخر.

}قوله تعالى: « كَمََا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ لَكََارِهُونَ » إلى آخر الآيتين. ظاهر السياق أن قوله: « كَمََا أَخْرَجَكَ » متعلق بما يدل عليه قوله تعالى: « قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » و التقدير: إن الله حكم بكون الأنفال له و لرسوله بالحق مع كراهتهم له، كما أخرجك من بيتك بالحق مع كراهة فريق منهم له، فللجميع حق يترتب عليه من مصلحة دينهم و دنياهم ما هم غافلون عنه.

و قيل: إنه متعلق بقوله: « يُجََادِلُونَكَ فِي اَلْحَقِّ » و قيل: إن العامل فيه معنى الحق و التقدير: هذا الذكر من الحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. و المعنيان -كما ترى-بعيدان عن سياق الآية.

و المراد بالحق‏ ما يقابل الباطل، و هو الأمر الثابت الذي يترتب عليه آثاره الواقعية المطلوبة، و كون الفعل-و هو الإخراج-بالحق هو أن يكون هو المتعين الواجب بحسب الواقع، و قيل: المراد به الوحي، و قيل: المراد به الجهاد، و قيل غير ذلك، و هي معان بعيدة.

و الأصل في معنى الجدل شدة الفتل: يقال: زمان جديل أي شديد الفتل، و سمي الجدال جدالا لأنه فيه نزاعا بالفتل عن مذهب إلى مذهب كما ذكره في المجمع.

و معنى الآيتين: أن الله تعالى حكم في أمر الأنفال بالحق مع كراهتهم لحكمه كما أخرجك من بيتك بالمدينة إخراجا يصاحب الحق، و الحال أن فريقا من المؤمنين‏

14

(1) -لكارهون لذلك، ينازعونك في الحق بعد ما تبين لهم إجمالا، و الحال أنهم‏يشبهون جماعة يساقون إلى الموت، و هم ينظرون إلى ما أعد لهم من أسبابه و أدواته.

(بحث روائي)

في جامع الجوامع للطبرسي، : قرأ ابن مسعود و علي بن الحسين زين العابدين و الباقر و الصادق (ع) : يسألونك الأنفال. :

أقول: و رواه عن ابن مسعود و كذا عن السجاد و الباقر و الصادق غيره.

و في الكافي، بإسناده عن العبد الصالح (ع) قال: الأنفال كل أرض خربة قد باد أهلها، و كل أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب-و لكن صالحوا صلحا و أعطوا بأيديهم على غير قتال-فقال-: و له-يعني الوالي-رءوس الجبال و بطون الأودية و الآجام، و كل أرض ميتة لا رب لها، و له صوافي الملوك: ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب لأن الغصب كله مردود، و هو وارث من لا وارث له، و يعول من لا حيلة له.

و فيه، : بإسناده عن الصادق (ع) : في قوله تعالى: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ » قال: من مات و ليس له مولى فماله من الأنفال.

أقول: و في معنى الروايتين روايات كثيرة مروية من طرق أهل البيت (ع) و لا ضير في عدم ذكرها الأنفال بمعنى غنائم الحرب، فإن الآية بموردها تدل عليه على ما يفيده سياقها.

و في الدر المنثور، : أخرج الطيالسي و البخاري في الأدب المفرد و مسلم و النحاس في ناسخه و ابن مردويه و البيهقي في الشعب عن سعد بن أبي وقاص قال": نزلت في أربع آيات من كتاب الله: كانت أمي حلفت أن لا تأكل و لا تشرب-حتى أفارق محمدا ص فأنزل الله: و إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم-فلا تطعهما و صاحبهما في الدنيا معروفا-.

و الثانية: أني كنت أخذت سيفا أعجبني-فقلت: يا رسول الله هب لي هذا فنزلت: يسألونك عن الأنفال-.

15

(1) -و الثالثة: أني مرضت فأتاني رسول الله ص-فقلت: يا رسول الله إني أريد أن أقسم مالي أ فأوصي بالنصف؟قال: لا، فقلت: الثلث؟فسكت فكان الثلث بعده جائزا-.

و الرابعة: أني شربت الخمر مع قوم من الأنصار-فضرب رجل منهم أنفي بلحيي جمل-فأتيت النبي فأنزل الله تحريم الخمر.

أقول: الرواية لا تخلو عن شي‏ء أما أولا فلأن قوله تعالى: « وَ إِنْ جََاهَدََاكَ عَلى‏ََ أَنْ تُشْرِكَ بِي » الآية ذيل قوله تعالى: « وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ: » لقمان: 14 و هي بسياقها تأبى أن تكون نازلة عن سبب خاص. على أنه قد تقدم في ذيل قوله تعالى:

« قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاََّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً: » الأنعام: 151، إن الإحسان بالوالدين من الأحكام العامة غير المختصة بشريعة دون شريعة.

و أما ثانيا: فلأن ما ذكر من أخذ السيف و استيهابه من النبي ص إنما يناسب قراءة: « يسئلونك الأنفال » لا قراءة: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ » و قد تقدم توضيحه في البيان المتقدم.

و أما ثالثا: فلأن استقرار السنة على الإيصاء بالثلث لم يكن بآية نازلة بل بسنة نبوية.

و أما رابعا: فلأن قصة شربه الخمر مع جماعة من الصحابة و شج أنفه بلحيي بعير و إن كانت حقة لكنه إنما شرب الخمر مع جماعة مختلطة من المهاجرين و الأنصار، و قد شج أنفه عمر بن الخطاب ثم أنزل الله آية المائدة، و لم ينزل للتحريم بل لتشديده، و قد تقدم ذلك كله في ذيل قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصََابُ وَ اَلْأَزْلاََمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطََانِ: » المائدة: 90.

و فيه، : أخرج أحمد و عبد بن حميد و ابن جرير و أبو الشيخ و ابن مردويه و الحاكم و البيهقي في سننه عن أبي أمامة قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال-فقال:

فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل-فساءت فيه أحلامنا فانتزعه الله من‏

16

(1) -أيدينا-و جعله إلى رسول الله ص فقسمه رسول الله ص بين المسلمين، عن براء يقول: عن سواء.

و فيه، : أخرج سعيد بن منصور و أحمد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن حبان و أبو الشيخ و الحاكم، و صححه و البيهقي و ابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله ص فشهدت معه بدرا-فالتقى الناس فهزم الله العدو-فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمين يقتلون، و أكبت طائفة على العسكر يحوزونه و يجمعونه، و أحدقت طائفة برسول الله ص لا تصيب العدو منه غرة-حتى إذا كان الليل و فاء الناس بعضهم إلى بعض-قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها و جمعناها، فليس لأحد فيها نصيب، و قال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو و هزمناهم، و قال الذين أحدقوا برسول الله ص: لستم بأحق منا نحن أحدقنا برسول الله ص-و خفنا أن يصيب العدو منه غرة و اشتغلنا به فنزلت:

« يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَصْلِحُوا ذََاتَ بَيْنِكُمْ » فقسمها رسول الله ص بين المسلمين، الحديث.

و فيه، : أخرج ابن أبي شيبة و أبو داود و النسائي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن حبان و أبو الشيخ و ابن مردويه و الحاكم و صححه و البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبي: من قتل قتيلا فله كذا و كذا-و من أسر أسيرا فله كذا و كذا- فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، و أما الشبان فتسارعوا إلى القتل و الغنائم-فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم فإنا كنا لكم ردءا و لو كان منكم شي‏ء-للجأتم إلينا فاختصموا إلى النبي ص فنزلت: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » فقسم الغنائم بينهم بالسوية.

أقول: و في هذه المعاني روايات أخر، و هنا روايات تدل على تفصيل القصة تتضح بها معنى الآيات سنوردها في ذيل الآيات التالية.

و في بعض الروايات أن النبي ص وعدهم أن يعطيهم السلب و الغنيمة ثم نسخه الله تعالى بقوله: « قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » و إلى ذلك يشير ما في هذه الرواية، و لذلك ربما قيل: إنه لا يجب على الإمام أن يفي بما وعد به المحاربين. لكن يبعده

17

(1) -اختلافهم في أمر الغنائم يوم بدر إذ لو كان النبي ص وعدهم بذلك لم يختلفوا مع صريح بيانه.

و فيه: ، أخرج ابن جرير عن مجاهد": أنهم سألوا النبي ص عن الخمس بعد الأربعة الأخماس-فنزلت: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ » .

أقول: و هو لا ينطبق على ما تقدم من مضمون الآية على ما يعطيه السياق، و في بعض ما ورد عن المفسرين السلف كسعيد بن جبير و مجاهد و عكرمة و كذا عن ابن عباس أن قوله تعالى: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » الآية منسوخة بقوله: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ » الآية، و قد تقدم في بيان الآية ما ينتفي به احتمال النسخ.

و فيه: ، أخرج مالك و ابن أبي شيبة و أبو عبيد و عبد بن حميد و ابن جرير و النحاس و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و ابن مردويه عن القاسم بن محمد، قال": سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن الأنفال-فقال: الفرس من النفل و السلب من النفل-فأعاد المسألة فقال ابن عباس ذلك أيضا-.

ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه، ما هي؟فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس: هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر، و في لفظ:

ما أحوجك إلى من يضربك كما فعل عمر بصبيغ العراقي، و كان عمر ضربه حتى سالت الدماء على عقبيه.

و فيه، : في قوله تعالى: « أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا » أخرج الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري- أنه مر برسول الله ص فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا. قال: انظر ما تقول-فإن لكل شي‏ء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟فقال: عرفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي و أظمأت نهاري-و كأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، و كأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، قال:

يا حارث عرفت فالزم، ثلاثا.

أقول: و الحديث مروي من طرق الشيعة بأسانيد عديدة.

18

(1) -

(بيان)

تشير الآيات إلى قصة بدر، و هي أول غزوة في الإسلام، و ظاهر سياق الآيات أنهم نزلت بعد انقضائها على ما سيتضح.

19

(1) -قوله تعالى: « وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اَللََّهُ إِحْدَى اَلطََّائِفَتَيْنِ أَنَّهََا لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذََاتِ اَلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُحِقَّ اَلْحَقَّ بِكَلِمََاتِهِ وَ يَقْطَعَ دََابِرَ اَلْكََافِرِينَ » أي و اذكروا إذ يعدكم الله، و هو بيان منن الله و عد نعمه عليهم ليكونوا على بصيرة من أن الله سبحانه لا يستقبلهم بأمر و لا يأتيهم بحكم إلا بالحق و فيه حفظ مصالحهم و إسعاد جدهم فلا يختلفوا فيما بينهم، و لا يكرهوا ما يختاره لهم، و يكلوا أمرهم إليه فيطيعوه و رسوله.

و المراد بالطائفتين العير و النفير، و العير قافلة قريش و فيها تجارتهم و أموالهم و كان عليها أربعون‏رجلا منهم أبو سفيان بن حرب، و النفير جيش قريش و هم زهاء ألف رجل.

و قوله: « إِحْدَى اَلطََّائِفَتَيْنِ » مفعول ثان لقوله: « يَعِدُكُمُ » و قوله: « أَنَّهََا لَكُمْ » بدل منه و قوله « وَ تَوَدُّونَ » الآية في موضع الحال، و المراد بغير ذات الشوكة:

الطائفة غير ذات الشوكة و هي العير الذي كان أقل عدة و عدة من النفير، و الشوكة الحدة، استعارة من الشوك.

و قوله: « وَ يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُحِقَّ اَلْحَقَّ بِكَلِمََاتِهِ » في موضع الحال، و المراد بإحقاق الحق إظهاره و إثباته بترتيب آثاره عليه، و كلمات الله هي ما قضى به من نصرة أنبيائه و إظهار دينه الحق، قال تعالى: « وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنََا لِعِبََادِنَا اَلْمُرْسَلِينَ ` إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ ` وَ إِنَّ جُنْدَنََا لَهُمُ اَلْغََالِبُونَ» : الصافات: 173 و قال تعالى: « يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ وَ اَللََّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ ` هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ََ وَ دِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ» : الصف: 9 و قرئ: « بكلمته » : و هو أوجه و أقرب و الدابر ما يأتي بعد الشي‏ء مما يتعلق به و يتصل إليه و قطع دابر الشي‏ء، كناية عن إفنائه و استئصاله بحيث لا يبقى بعده شي‏ء من آثاره المتفرعة عليه المرتبطة به.

و معنى الآية: و اذكروا إذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم تستعلون عليها بنصر الله إما العير و إما النفير و أنتم تودون أن تكون تلك الطائفة هي العير لما تعلمون من شوكة النفير، و قوتهم و شدتهم، مع ما لكم من الضعف و الهوان، و الحال‏

20

(1) -أن الله يريد خلاف ذلك و هو أن تلاقوا النفير فيظهركم عليهم و يظهر ما قضى ظهوره من الحق، و يستأصل الكافرين و يقطع‏دابرهم.

قوله تعالى: « لِيُحِقَّ اَلْحَقَّ وَ يُبْطِلَ اَلْبََاطِلَ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ » ظاهر السياق أن اللام للغاية، و قوله: « لِيُحِقَّ » الآية متعلق بقوله: « يَعِدُكُمُ اَللََّهُ » أي إنما وعدكم الله ذلك و هو لا يخلف الميعاد ليحق بذلك الحق و يبطل الباطل و لو كان المجرمون يكرهونه و لا يريدونه.

و بذلك يظهر أن قوله: « لِيُحِقَّ اَلْحَقَّ » الآية ليس تكرارا لقوله: « وَ يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُحِقَّ اَلْحَقَّ بِكَلِمََاتِهِ » و إن كان في معناه.

قوله تعالى: « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجََابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُرْدِفِينَ » الاستغاثة طلب الغوث و هو النصرة كما في قوله: « فَاسْتَغََاثَهُ اَلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى اَلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ: » القصص: 15 و الإمداد معروف، و قوله: « مُرْدِفِينَ » من الإرداف‏ و هو أن يجعل الراكب غيره ردفا له، و الردف التابع، قال الراغب:

الردف‏ التابع، و ردف المرأة عجيزتها، و الترادف‏ : التتابع، و الرادف: المتأخر، و المردف المقدم الذي أردف غيره. انتهى.

و بهذا المعنى تلائم الآية ما في قوله تعالى فيما يشير به إلى هذه القصة في سورة آل عمران: « وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللََّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ` إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاََثَةِ آلاََفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُنْزَلِينَ ` بَلى‏ََ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هََذََا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاََفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ` وَ مََا جَعَلَهُ اَللََّهُ إِلاََّ بُشْرى‏ََ لَكُمْ وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَ مَا اَلنَّصْرُ إِلاََّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ» :

آل عمران: 126.

فإن تطبيق الآيات من السورتين يوضح أن المراد بنزول ألف من الملائكة مردفين نزول ألف منهم يستتبعون آخرين فينطبق الألف المردفون على الثلاثة آلاف المنزلين.

و بذلك يظهر فساد ما قيل: إن المراد بكون الملائكة مردفين كون الألف متبعين ألفا آخر لأن مع كل واحد منهم ردفا له فيكونون ألفين، و كذا ما قيل:

21

(1) -إن المراد كون بعضهم أثر بعض، و كذا ما قيل: إن المراد مجيئهم على أثر المسلمين بأن يكون مردفين بمعنى رادفين، و كذا ما قيل: إن المراد إردافهم المسلمين بأن يتقدموا عسكر المسلمين فيلقوا في قلوب الذين كفروا الرعب.

قوله تعالى: « وَ مََا جَعَلَهُ اَللََّهُ إِلاََّ بُشْرى‏ََ وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَ مَا اَلنَّصْرُ إِلاََّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » الضميران في قوله: « جَعَلَهُ » و قوله: « بِهِ » للإمداد بالملائكة على ما يدل عليه السياق، و المعنى أن الإمداد بالملائكة إنما كان لغرض البشرى و اطمئنان نفوسكم لا ليهلك بأيديهم الكفار كما يشير إليه قوله تعالى بعد: « إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى اَلْمَلاََئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ .

و بذلك يتأيد ما ذكره بعضهم: أن الملائكة لم ينزلوا ليقتلوا المشركين و لا قتلوا منهم أحدا فقد قتل ثلث المقتولين منهم أو النصف علي (ع) و الثلثين الباقين أو النصف سائر المسلمين. و إنما كان للملائكة تكثير سواد المسلمين حينما اختلطوا بالقوم‏و تثبيت قلوب المسلمين، و إلقاء الرعب في قلوب المشركين، و سيجي‏ء بعض الكلام في ذلك.

و قوله: « وَ مَا اَلنَّصْرُ إِلاََّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » بيان انحصار حقيقة النصر فيه تعالى و أنه لو كان بكثرة العدد و القوة و الشوكة كانت الدائرة يومئذ للمشركين بما لهم من الكثرة و القوة على المسلمين على ما بهم من القلة و الضعف.

و قد علل بقوله: « إِنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » جميع مضمون الآية و ما يتعلق به من الآية السابقة فبعزته نصرهم و أمدهم، و بحكمته جعل نصره على هذه الشاكلة.

قوله تعالى: « إِذْ يُغَشِّيكُمُ اَلنُّعََاسَ أَمَنَةً مِنْهُ » إلى آخر الآية. النعاس‏ أول النوم و هو خفيفة و التغشية الإحاطة، و الأمنة الأمان، و قوله: « أَمَنَةً » أي من الله و قيل: أي من العدو، و الرجز هو الرجس و القذارة، و المراد برجز الشيطان القذارة التي يطرأ القلب من وسوسته و تسويله.

و معنى الآية: أن النصر و الإمداد بالبشرى و اطمئنان القلوب كان في وقت يأخذكم النعاس للأمن الذي أفاضه الله على قلوبكم فنمتم و لو كنتم خائفين مرتاعين لم‏

22

(1) -يأخذكم نعاس و لا نوم، و ينزل عليكم المطر ليطهركم به و يذهب عنكم وسوسة الشيطان و ليربط على قلوبكم و يشد عليها-و هو كناية عن التشجيع-و ليثبت بالمطر أقدامكم في الحرب بتلبد الرمل أو بثبات القلوب.

و الآية تؤيد ما ورد أن المسلمين سبقهم المشركون إلى الماء فنزلوا على كثيب رمل، و أصبحوا محدثين و مجنبين، و أصابهم الضمأ، و وسوس إليهم الشيطان فقال:

إن عدوكم قد سبقكم إلى الماء، و أنتم تصلون مع الجنابة و الحدث و تسوخ أقدامكم في الرمل فأمطر عليهم الله حتى اغتسلوا به من الجنابة، و تطهروا به من الحدث، و تلبدت به أرضهم، و أوحلت أرض عدوهم.

قوله تعالى: « إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى اَلْمَلاََئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ » إلى آخر الآية حال الظرف في أول الآية كحال الظرف في قوله: « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ » و قوله: « إِذْ يُغَشِّيكُمُ اَلنُّعََاسَ » و معنى الآية ظاهر.

و أما قوله: « فَاضْرِبُوا فَوْقَ اَلْأَعْنََاقِ وَ اِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنََانٍ » فالظاهر أن يكون المراد بفوق الأعناق الرءوس و بكل بنان جميع الأطراف من اليدين و الرجلين أو أصابع الأيدي لئلا يطيقوا حمل السلاح بها و القبض عليه.

و من الجائز أن يكون الخطاب بقوله: « فَاضْرِبُوا » إلخ للملائكة كما هو المتسابق إلى الذهن، و المراد بضرب فوق الأعناق و كل بنان ظاهر معناه، أو الكناية عن إذلالهم و إبطال قوة الإمساك من أيديهم بالإرعاب، و أن يكون الخطاب للمؤمنين و المراد به تشجيعهم على عدوهم بتثبيت أقدامهم و الربط على قلوبهم، و حثهم و إغراؤهم بالمشركين.

قوله تعالى: « ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشََاقِقِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ » المشاقة المخالفة و أصله الشق بمعنى البعض كأن المخالف يميل إلى شق غير شق من يخالفه، و المعنى أن هذا العقاب للمشركين بما أوقع الله بهم، لأنهم خالفوا الله و رسوله و ألحوا و أصروا على ذلك و من يشاقق الله و رسوله فإن الله شديد العقاب.

قوله تعالى: « ذََلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَ أَنَّ لِلْكََافِرِينَ عَذََابَ اَلنََّارِ » خطاب تشديدي للكفار يشير إلى ما نزل بهم من الخزي و يأمرهم بأن يذوقوه، و يذكر لهم أن وراء ذلك عذاب النار.

23

(1) -

(بحث روائي)

في المجمع، قال ابن عباس": لما كان يوم بدرو اصطف القوم للقتال قال أبو جهل:

اللهم أولانا بالنصر فانصره، و استغاث المسلمون فنزلت الملائكة و نزل قوله: « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ » إلى آخره.

و قيل: إن النبي ص لما نظر إلى كثرة عدد المشركين-و قلة عدد المسلمين استقبل القبلة و قال: اللهم أنجز لي ما وعدتني-اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض-فما زال يهتف ربه مادا يديه-حتى سقط رداؤه من منكبيه فأنزل الله:

« إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ » الآية: عن عمر بن الخطاب و السدي و أبي صالح و هو المروي عن أبي جعفر (ع) .

قال: و لما أمسى رسول الله و جنه الليل-ألقى الله على أصحابه النعاس-و كانوا قد نزلوا في موضع كثير الرمل-لا تثبت فيه قدم فأنزل الله عليهم المطر رذاذا-حتى لبد الأرض و ثبت أقدامهم-و كان المطر على قريش مثل العزالي، و ألقى الله في قلوبهم الرعب كما قال الله تعالى: « سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ » .

أقول: لفظ الآية: « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ » إلخ لا يلائم نزولها يوم بدر عقيب استغاثتهم بل السياق يدل على نزولها مع قوله تعالى: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ » و الآيات التالية له، و هي تدل على حكاية حال ماضية و امتنانه تعالى على المسلمين بما أنزل عليهم من آيات النصر و تفاريق النعم ليشكروا له و يطيعوه فيما يأمرهم و ينهاهم.

و لعل المراد من ذكر نزول الآية بعد ذكر استغاثتهم انطباق مضمون الآية على الواقعة، و هو كثير النظير في الروايات المشتملة على أسباب النزول.

و في تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب: قال النبي ص في العريش: اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة اليوم-لا تعبد بعد هذا اليوم فنزل: « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ » فخرج يقول: سَيُهْزَمُ اَلْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ -فأيده الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، و كثرهم في أعين المشركين، و قلل المشركين في أعينهم فنزل: « وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ اَلْقُصْوى‏ََ من الوادي خلف العقنقل-و النبي ص بالعدوة الدنيا عند القليب.

24

(1) -أقول: و الكلام فيه كالكلام في سابقه.

و في المجمع، : ذكر البلخي عن الحسن": أن قوله: « وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اَللََّهُ » الآية-نزلت قبل قوله: « كَمََا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ » -و هي في القراءة بعدها.

أقول: و تقدم مدلول إحدى الآيتين على مدلول الأخرى بحسب الوقوع لا يلازم سبقها نزولا، و لا دليل من جهة السياق يدل على ما ذكره.

و في تفسير العياشي، عن محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبد الله (ع) : في قوله تعالى: « وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اَللََّهُ إِحْدَى اَلطََّائِفَتَيْنِ-أَنَّهََا لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذََاتِ اَلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ » -فقال: الشوكة التي فيها القتال:

أقول: و روى مثله القمي في تفسيره.

و في المجمع، قال أصحاب السير و ذكر أبو حمزة و علي بن إبراهيم في تفسيرهما -دخل حديث بعضهم في بعض-": أقبل أبو سفيان بعير قريش من الشام-و فيها أموالهم و هي اللطيمة، و فيها أربعون راكبا من قريش-فندب النبي ص أصحابه للخروج إليها ليأخذوها، و قال: لعل الله أن ينفلكموها-فانتدب الناس فخف بعضهم و ثقل بعضهم، و لم يظنوا أن رسول الله ص يلقى كيدا و لا حربا-فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيان-و الركب لا يرونها إلا غنيمة لهم-.

فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي ص-استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة، و أمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم-و يخبرهم أن محمدا قد تعرض لعيرهم في أصحابه-فخرج ضمضم سريعا إلى مكة-.

و كانت عاتكة بنت عبد المطلب رأت فيما يرى النائم-قبل مقدم ضمضم بن عمرو بثلاث ليال-أن رجلا أقبل على بعير له ينادي يا آل غالب-اغدوا إلى مصارعكم ثم وافى بجمله على أبي قبيس-فأخذ حجرا فدهدهه من الجبل-فما ترك دارا من دور قريش إلا أصابته منه فلذة-فانتبهت فزعة من ذلك و أخبرت العباس بذلك-فأخبر العباس عتبة بن ربيعة-فقال عتبة: هذه مصيبة تحدث في قريش، و فشت الرؤيا فيهم و بلغ ذلك أبا جهل-فقال: هذه نبية ثانية في بني عبد المطلب، و اللات و العزى‏

25

(1) -لننظرن ثلاثة أيام-فإن كان ما رأت حقا و إلا لنكتبن كتابا بيننا: أنه ما من أهل بيت من العرب-أكذب رجالا و نساء من بني هاشم-.

فلما كان اليوم الثالث أتاهم ضمضم يناديهم بأعلى الصوت: يا آل غالب يا آل غالب. اللطيمة اللطيمة. العير العير. أدركوا و ما أراكم تدركون-إن محمدا و الصباة من أهل يثرب قد خرجوا-يتعرضون لعيركم فتهيئوا للخروج، و ما بقي أحد من عظماء قريش-إلا أخرج مالا لتجهيز الجيش، و قالوا من لم يخرج نهدم داره، و خرج معهم العباس بن عبد المطلب، و نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، و عقيل بن أبي طالب، و أخرجوا معهم القيان يضر بن الدفوف-.

و خرج رسول الله ص في ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا-فلما كان بقرب بدر أخذ عينا للقوم فأخبره بهم، و في حديث أبي حمزة: بعث رسول الله ص أيضا عينا له على العير اسمه عدي-فلما قدم على رسول الله ص فأخبره أين فارق العير-نزل جبرائيل على رسول الله ص-فأخبره بنفير المشركين من مكة-فاستشار أصحابه‏في طلب العير و حرب النفير-فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله-إنها قريش و خيلاؤها ما آمنت منذ كفرت، و لا ذلت منذ عزت، و لم نخرج على هيئة الحرب؛ و في حديث أبي حمزة: أنا عالم بهذا الطريق فارق عدي العير بكذا و كذا، و ساروا و سرنا فنحن و القوم على ماء بدر-يوم كذا و كذا كأنا فرسا رهان-فقال (ص) :

اجلس فجلس. ثم قام عمر بن الخطاب فقال مثل ذلك، فقال (ص) : اجلس فجلس-.

ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله-إنها قريش و خيلاؤها، و قد آمنا بك و صدقنا و شهدنا أن ما جئت به حق، و الله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا و شوك الهراس لخضناه معك، و الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون-و لكنا نقول: امض لأمر ربك فإنا معك مقاتلون، فجزاه رسول الله ص خيرا على قوله ذاك-.

ثم قال: أشيروا علي أيها الناس-و إنما يريد الأنصار لأن أكثر الناس منهم، و لأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: إنا برآء من ذمتك حتى تصل إلى دارنا-ثم أنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع أبناءنا و نساءنا، فكان (ص) يتخوف أن لا يكون الأنصار ترى عليها نصرته-إلا على من دهمه بالمدينة من عدو، و أن ليس عليهم أن ينصروه خارج المدينة-.

26

(1) -فقام سعد بن معاذ فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول الله كأنك أردتنا. فقال:

نعم. قال: بأبي أنت و أمي يا رسول الله-إنا قد آمنا بك و صدقناك-و شهدنا أن ما جئت به حق من عند الله فمرنا بما شئت، و خذ من أموالنا ما شئت، و اترك منها ما شئت، و الله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك-و لعل الله عز و جل أن يريك منا ما تقر به عينك-فسر بنا على بركة الله.

ففرح بذلك رسول الله ص و قال: -سيروا على بركة الله-فإن الله عز و جل قد وعدني إحدى الطائفتين-و لن يخلف الله وعده، و الله لكأني أنظر إلى مصرع أبي جهل بن هشام-و عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و فلان و فلان‏ (1)

و أمر رسول الله ص بالرحيل، و خرج إلى بدر و هو بئر، و في حديث أبي حمزة الثمالي: بدر رجل من جهينة-و الماء ماؤه فإنما سمي الماء باسمه، و أقبلت قريش و بعثوا عبيدها ليستقوا من الماء-فأخذهم أصحاب رسول الله ص و قالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن عبيد قريش. قالوا: فأين العير؟قالوا: لا علم لنا بالعير فأقبلوا يضربونهم، و كان رسول الله ص يصلي فانفتل من صلاته-و قال: إن صدقوكم ضربتموهم و إن كذبوكم تركتموهم، فأتوه بهم فقال لهم: من أنتم؟قالوا: يا محمد نحن عبيد قريش، قال: كم القوم؟قالوا: لا علم لنا بعددهم، قال: كم ينحرون في كل يوم من جزور؟ قالوا: تسعة إلى عشرة، فقال رسول الله ص: القوم تسعمائة إلى ألف رجل، و أمر (ص) بهم فحبسوا-و بلغ ذلك قريشا ففزعوا و ندموا على مسيرهم-.

و لقي عتبة بن ربيعة أبا البختري بن هشام-فقال: أ ما ترى هذا البغي-و الله ما أبصر موضع قدمي خرجنا لنمنع عيرنا-و قد أفلتت فجئنا بغيا و عدوانا، و الله ما أفلح قوم بغوا قط، و لوددت أن ما في العير من أموال بني عبد مناف-ذهبت و لم نسر هذا المسير، فقال له أبو البختري، إنك سيد من سادات قريش-فسر في الناس و تحمل العير التي أصابها محمد و أصحابه-بنخلة (2) و دم ابن الحضرمي فإنه حليفك-.

____________

(1) و قد كان صلى الله عليه و آله يشير بذلك إلى لقاء النفير و هم يرجون لقاء العير-.

(2) و قد تقدمت الروايات في قصته في الجزء الثاني من الكتاب في ذيل قوله قوله تعالى: «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه» الآية، البقرة آية 217.

27

(1) -فقال له: علي ذلك، و ما على أحد منا خلاف إلا ابن الحنظلية يعني أبا جهل-فصر إليه و أعلمه أني حملت العير-و دم ابن الحضرمي و هو حليفي و علي عقله-.

قال: فقصدت خباءه و أبلغته ذلك، فقال: إن عتبة يتعصب لمحمد-فإنه من بني عبد مناف و ابنه معه-يريد أن يخذل بين الناس لا و اللات و العزى-حتى نقحم عليهم يثرب أو نأخذهم أسارى-فندخلهم مكة و تتسامع العرب بذلك، و كان أبو حذيفة بن عتبة مع رسول الله ص-.

و كان أبو سفيان لما جاز بالعير بعث إلى قريش: قد نجى الله عيركم فارجعوا و دعوا محمدا و العرب، و ادفعوه بالراح ما اندفع، و إن لم ترجعوا فردوا القيان- فلحقهم الرسول في الجحفة، فأراد عتبة أن يرجع فأبى أبو جهل و بنو مخزوم-و ردوا القيان من الجحفة-.

قال: و فزع أصحاب رسول الله ص-لما بلغهم كثرة قريش، و استغاثوا و تضرعوا، فأنزل الله عز و جل: « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ » و ما بعده-.

قال الطبرسي: و لما أصبح رسول الله ص يوم بدر عبا أصحابه، فكان في عسكره‏فرسان: فرس للزبير بن عوام، و فرس للمقداد بن الأسود، و كان في عسكره سبعون جملا كانوا يتعاقبون عليها، و كان رسول الله ص و علي بن أبي طالب (ع) - و مرثد بن أبي مرثد الغنوي-يتعاقبون على جمل لمرثد بن أبي مرثد، و كان في عسكر قريش أربعمائة فرس، و قيل: مائتا فرس-.

فلما نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول الله ص-قال أبو جهل: ما هم إلا أكلة رأس-لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذا باليد، فقال عتبة بن ربيعة:

أ ترى لهم كمينا أو مددا؟فبعثوا عمير بن وهب الجمحي و كان فارسا شجاعا-فجال بفرسه حتى طاف على عسكر رسول الله ص-ثم رجع فقال: ليس لهم كمين و لا مدد-و لكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع-أ ما ترونهم خرسا لا يتكلمون-و يتلمظون تلمظ الأفاعي ما لهم ملجأ إلا سيوفهم، و ما أراهم يولون حتى يقتلوا، و لا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم فارتئوا رأيكم، فقال له أبو جهل: كذبت و جبنت-.

فأنزل الله تعالى: « وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهََا » -فبعث إليهم رسول الله‏

28

(1) -ص فقال: يا معشر قريش-إني أكره أن أبدأ بكم فخلوني و العرب و ارجعوا- فقال عتبة: ما رد هذا قوم قط فأفلحوا، ثم ركب جملا له أحمر فنظر إليه رسول الله ص-و هو يجول بين العسكرين و ينهى عن القتال-فقال (ص) : إن يك عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر-و إن يطيعوه يرشدوا-.

و خطب عتبة فقال في خطبته: يا معشر قريش أطيعوني اليوم و اعصوني الدهر- إن محمدا له آل و ذمة و هو ابن عمكم-فخلوه و العرب فإن يك صادقا فأنتم أعلى عينا به-و إن يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره-فغاظ أبا جهل قوله و قال له: جبنت و انتفخ سحرك-فقال: يا مصفر استه مثلي يجبن؟و ستعلم قريش أينا ألأم و أجبن؟ و أينا المفسد لقومه-.

و لبس درعه و تقدم هو و أخوه شيبة و ابنه الوليد، و قال: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش-فبرز إليهم ثلاثة نفر من الأنصار و انتسبوا لهم-فقالوا:

ارجعوا إنما نريد الأكفاء من قريش-فنظر رسول الله ص إلى عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب-و كان له يومئذ سبعون سنة-فقال: قم يا عبيدة، و نظر إلى حمزة- فقال: قم يا عم ثم نظر إلى علي بن أبي طالب-فقال: قم يا علي-و كان أصغر القوم-فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم-فقد جاءت قريش بخيلائها و فخرها- تريد أن تطفئ نور الله-و يأبى الله إلا أن يتم نوره. ثم قال: يا عبيدة عليك بعتبة بن ربيعة، و قال لحمزة عليك بشيبة، و قال لعلي: عليك بالوليد-.

فمروا حتى انتهوا إلى القوم فقالوا: أكفاء كرام فحمل عبيدة على عتبة-فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته، و ضرب عتبة عبيدة على ساقه فأطنها فسقطا جميعا، و حمل شيبة على حمزة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما، و حمل أمير المؤمنين علي (ع) على الوليد-فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه-قال علي: لقد أخذ الوليد يمينه بيساره-فضرب بها هامتي-فظننت أن السماء وقعت على الأرض-.

ثم اعتنق حمزة و شيبة فقال المسلمون: يا علي أ ما ترى أن الكلب قد نهز عمك- فحمل عليه علي (ع) ثم قال: يا عم-طأطئ رأسك و كان حمزة أطول من شيبة- فأدخل حمزة رأسه في صدره-فضربه علي فطرح نصفه، ثم جاء إلى عتبة و به رمق فأجهز عليه-.

29

(1) - و في رواية أخرى أنه برز حمزة لعتبة، و برز عبيدة لشيبة، و برز علي للوليد فقتل حمزة عتبة، و قتل عبيدة شيبة، و قتل علي (ع) الوليد. فضرب شيبة رجل عبيدة-فقطعها فاستنقذه حمزة و علي، و حمل عبيدة حمزة و علي حتى أتيا به رسول الله ص-فاستعبر فقال: يا رسول الله أ لست شهيدا؟قال: بلى أنت أول شهيد من أهل بيتي-.

و قال أبو جهل لقريش: لا تعجلوا-و لا تبطروا كما بطر أبناء ربيعة-عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزرا، و عليكم بقريش فخذوهم أخذا حتى ندخلهم مكة- فنعرفهم ضلالتهم التي هم عليها-.

و جاء إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم-فقال لهم: أنا جار لكم ادفعوا إلي رايتكم-فدفعوا إليه راية الميسرة، و كانت الراية مع بني عبد الدار-فنظر إليه رسول الله ص فقال لأصحابه: غضوا أبصاركم، و عضوا على النواجذ، و رفع يده فقال: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد-ثم أصابه الغشي فسري عنه و هو يسلك العرق عن وجهه-فقال: هذا جبرائيل قد أتاكم بألف من الملائكة مردفين.

و في الأمالي، بإسناده عن الرضا عن آبائه (ع) : أن رسول الله ص سافر إلى بدر في شهر رمضان-و افتتح مكة في شهر رمضان.

أقول: و على ذلك أطبق أهل السير و التواريخ، قال اليعقوبي في تاريخه:

و كانت وقعة بدر يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان بعد مقدمه _ص-يعني إلى المدينة-بثمانية عشر شهرا.

و قال الواقدي: و نزل رسول الله ص وادي بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان فبعث عليا و الزبير و سعد بن أبي وقاص و بسبس بن عمرو يتجسسون على الماء فوجدوا روايا قريش فيها سقاؤهم فأسروهم و أفلت بعضهم و أتوا بهم النبي ص و هو قائم يصلي فسألهم المسلمون فقالوا: نحن سقاء قريش بعثونا نسقيهم من الماء فضربوهم فلما أن لقوهم بالضرب قالوا: نحن لأبي سفيان و نحن في العير، و هذا العير بهذا القوز فكانوا إذا قالوا ذلك يمسكون عن ضربهم. فسلم رسول الله ص من صلاته ثم قال: إن صدقوكم ضربتموهم و إن كذبوكم تركتموهم.

30

(1) -فلما أصبحوا عدل رسول الله ص الصفوف و خطب المسلمين فحمد الله و أثنى عليه‏

ثم قال:

أما بعد فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه، و أنهاكم عما نهاكم الله عنه-فإن الله عظيم شأنه، يأمر بالحق، و يحب الصدق، و يعطي على الخير أهله على منازلهم عنده-به يذكرون، و به يتفاضلون، و إنكم قد أصبحتم بمنزل من منازل الحق-لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغى به وجهه، و إن الصبر في مواطن البأس-مما يفرج الله به الهم و ينجي به من الغم-تدركون به النجاة في الآخرة، فيكم نبي الله يحذركم و يأمركم-فاستحيوا اليوم أن يطلع الله على شي‏ء من أمركم-يمقتكم عليه فإنه تعالى يقول:

لَمَقْتُ اَللََّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ -انظروا في الذي أمركم به من كتابه، و أراكم من آياته و ما أعزكم به بعد الذلة-فاستكينوا له يرض ربكم عنكم، و أبلوا ربكم في هذه المواطن‏أمرا-تستوجبوا به الذي وعدكم من رحمته و مغفرته-فإن وعده حق، و قوله صدق، و عقابه شديد، و إنما أنا و أنتم بالله الحي القيوم، إليه ألجأنا ظهورنا، و به اعتصمنا، و عليه توكلنا، و إليه المصير، و يغفر الله لي و للمسلمين.

و في المجمع، : ذكر جماعة من المفسرين كابن عباس و غيره: أن جبرائيل قال للنبي ص يوم بدر-خذ قبضة من تراب فارمهم بها-فقال رسول الله (ص) لما التقى الجمعان لعلي: أعطني قبضة من حصا الوادي-فناوله كفا من حصا عليه تراب فرمى به في وجوه القوم-و قال: شاهت الوجوه-فلم يبق مشرك إلا دخل في عينه و فمه- و منخريه منها شي‏ء-ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم و يأسرونهم، و كانت تلك الرمية سبب هزيمة القوم.

و في الأمالي، بإسناده عن ابن عباس قال: وقف رسول الله ص على قتلى بدر فقال: جزاكم الله من عصابة شرا-لقد كذبتموني صادقا و خونتم أمينا، ثم التفت إلى أبي جهل بن هشام فقال: إن هذا أعتى على الله من فرعون-إن فرعون لما أيقن بالهلاك وحد الله، و إن هذا لما أيقن بالهلاك دعا باللات و العزى.

و في المغازي، للواقدي: و أمر رسول الله ص يوم بدر بالقليب أن تغور-ثم أمر بالقتلى فطرحوا فيها كلهم إلا أمية بن خلف-فإنه كان مسمنا انتفخ من يومه-فلما

31

(1) -أرادوا أن يلقوه تزايل لحمه-فقال النبي ص: اتركوه، فأقروه و ألقوا عليه من التراب-و الحجارة ما غيبه-.

ثم وقف على أهل القليب فناداهم رجلا رجلا: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا-فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا-بئس القوم كنتم لنبيكم كذبتموني و صدقني الناس، و أخرجتموني و آواني الناس، و قاتلتموني و نصرني الناس. فقالوا يا رسول الله أ تنادي قوما قد ماتوا؟فقال: لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق، و في رواية أخرى: فقال رسول الله ص: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم-و لكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني.

قال: و كان انهزام قريش حين زالت الشمس-فأقام رسول الله ص ببدر- و أمر عبد الله بن كعب بقبض الغنائم و حملها، و أمر نفرا من أصحابه أن يعينوه- فصلى العصر ببدر ثم راح-فمر بالأثيل قبل غروب الشمس فنزل به و بات، و بأصحابه جراح و ليست بالكثيرة، و أمر ذكوان بن عبد قيس أن يحرس المسلمين-حتى كان آخر الليل فارتحل.

و في تفسير القمي، في خبر طويل": و خرج أبو جهل من بين الصفين و قال:

اللهم إن محمدا أقطعنا للرحم، و أتانا بما لا نعرفه فأحنه الغداة-فأنزل الله على رسوله:

« إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جََاءَكُمُ اَلْفَتْحُ-وَ إِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ-وَ إِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَ لَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً-وَ لَوْ كَثُرَتْ وَ أَنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلْمُؤْمِنِينَ » .

ثم أخذ رسول الله ص كفا من حصى-و رمى به في وجوه قريش و قال:

شاهت الوجوه-فبعث الله رياح‏تضرب في وجوه قريش-فكانت الهزيمة فقال رسول الله ص: اللهم لا يفلتن فرعون هذه الأمة أبو جهل بن هشام-فقتل منهم سبعين، و أسر منهم سبعين-.

و التقى عمرو بن الجموع مع أبي جهل-فضرب عمرو أبا جهل على فخذه-و ضرب أبو جهل عمرا على يده-فأبانها من العضد فتعلقت بجلده-فاتكى عمرو على يده برجله ثم تراخى إلى السماء-حتى انقطعت الجلدة و رمى بيده-.

و قال عبد الله بن مسعود: انتهيت إلى أبي جهل-و هو يتشحط بدمه فقلت: ـ

32

(1) -الحمد لله الذي أخزاك فرفع رأسه-فقال: إنما أخزى الله عبدا، ابن أم عبد لمن الدبرة ويلك؟قلت: لله و لرسوله و إني قاتلك، و وضعت رجلي على عنقه فقال: ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم-أما إنه ليس شي‏ء أشد من قتلك إياي في هذا اليوم-أ لا تولى قتلي رجل من المطلبيين-أو رجل من الأحلاف؟فاقتلعت بيضة كانت على رأسه-فقتلته و أخذت رأسه و جئت به إلى رسول الله ص-و قلت: يا رسول الله البشرى هذا رأس أبي جهل بن هشام-فسجد لله شكرا.

و في الإرشاد للمفيد، : ثم بارز أمير المؤمنين (ع) -العاص بن سعيد بن العاص بعد أن أحجم عنه من سواه-فلم يلبث أن قتله، و برز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله، و برز إليه بعده طعيمة بن عدي فقتله، و قتل بعده نوفل بن خويلد و كان من شياطين قريش، و لم يزل يقتل واحدا منهم بعد واحد-حتى أتى على شطر المقتولين منهم و كانوا سبعين رجلا، تولى كافة من حضر بدرا من المسلمين-مع ثلاثة آلاف من الملائكة المسومين-قتل الشطر منهم، و تولى أمير المؤمنين (ع) قتل الشطر الآخر وحده.

و في الإرشاد، : أيضا: قد أثبتت رواة العامة و الخاصة معا-أسماء الذين‏تولى أمير المؤمنين (ع) قتلهم ببدر-من المشركين على اتفاق فيما نقلوه من ذلك-و اصطلاح فكان ممن سموه: الوليد بن عتبة كما قدمنا-و كان شجاعا جريا وقاحا فتاكا تهابه الرجال، و العاص بن سعيد و كان هولا عظيما تهابه الأبطال، و هو الذي حاد عنه عمر بن الخطاب-و قصته فيما ذكرناه مشهورة نحن نبينها فيما نورده، و طعيمة بن عدي بن نوفل-و كان من رءوس أهل الضلال، و نوفل بن خويلد و كان من أشد المشركين عداوة-لرسول الله ص، و كانت قريش تقدمه و تعظمه و تطيعه، و هو الذي قرن أبا بكر و طلحة قبل الهجرة بمكة-و أوثقهما بحبل و عذبهما يوما إلى الليل-حتى سئل في أمرهما، و لما عرف رسول الله ص حضوره بدرا-سأل الله أن يكفيه أمره-فقال:

اللهم اكفني نوفل بن خويلد-فقتله أمير المؤمنين (ع) -.

و زمعة بن الأسود (1) و الحارث بن زمعة، و النضر بن الحارث بن عبد الدار، و عمير بن عثمان بن كعب بن تيم عم طلحة بن عبيد الله، و عثمان و مالك ابنا عبيد الله

____________

(1) في بعض النسخ: و عقيل بن الأسود فيه فذلك ستة و ثلاثون.

33

(1) -أخوا طلحة بن عبيد الله، و مسعود بن أبي أمية بن المغيرة، و قيس بن الفاكه بن المغيرة- و حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة، و[أبو]قيس‏ (1) بن الوليد بن المغيرة، و حنظلة بن أبي سفيان، و عمرو بن مخزوم، و أبو منذر بن أبي رفاعة، و منبه بن الحجاج السهمي، و العاص بن منبه، و علقمة بن كلدة، و أبو العاص بن قيس بن عدي، و معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، و لوذان بن ربيعة، و عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، و مسعود بن أمية بن المغيرة، و حاجب بن السائب بن عويمر، و أوس بن المغيرة بن لوذان، و زيد بن مليص، و عاصم بن أبي عوف، و سعيد بن وهب حليف بني عامر، و معاوية بن‏[عامر بن‏]عبد القيس، و عبد الله بن جميل بن زهير بن الحارث بن أسد، و السائب بن مالك، و أبو الحكم بن الأخنس، و هشام بن أبي أمية بن المغيرة-.

فذلك خمسة و ثلاثون رجلا-سوى من اختلف فيه‏أو شرك أمير المؤمنين (ع) فيه غيره-و هم أكثر من شطر المقتولين ببدر على ما قدمناه.

أقول: و ذكر غيره كما في المجمع أنه قتل يوم بدر سبعة و عشرين رجلا، و ذكر الواقدي: أن الذي اتفق عليه قول النقلة و الرواة من قتلاه تسعة رجال و الباقي مختلف فيه.

لكن البحث العميق عن القصة و ما يحتف بها من أشعارهم و الحوادث المختلفة التي حدثت بعدها تسي‏ء الظن بهذا الاختلاف، و قد نقل عن محمد بن إسحاق أن أكثر قتلى المشركين يوم بدر كان لعلي (ع) .

و قد عد الواقدي فيما ذكره ابن أبي الحديد من قتلى المشركين في وقعة بدر اثنين و خمسين رجلا و نسب قتل أربعة و عشرين منهم إليه (ع) ممن انفرد بقتله أو شارك غيره.

و من شعر أسيد بن أبي إياس يحرض مشركي قريش على علي (ع) على ما في الإرشاد و المناقب قوله:

____________

(1) هو أخو خالد بن الوليد، و الثلاثة الذين قتلوا أبناء أعمامه.

34

(1) -

في كل مجمع غاية أخزاكم # جزع أبر على المذاكي القرح

لله دركم أ لما تنكروا # قد ينكر الحر الكريم و يستحي

هذا ابن فاطمة الذي أفناكم # ذبحا و قتله قعصة لم تذبح

أعطوه خرجا و اتقوا تضريبه # فعل الذليل و بيعه لم تربح

أين الكهول و أين كل دعامة # في المعضلات و أين زين الأبطح

أفناهم قعصا و ضربا يفتري # بالسيف يعمل حدة لم يصفح‏

و في الإرشاد، روى شعبة عن أبي إسحاق عن حارث بن مضرب قال: سمعت علي بن أبي طالب (ع) يقول: لقد حضرنا بدرا-و ما فينا فارس غير المقداد بن الأسود، و لقد رأيتنا ليلة بدر-و ما فينا إلا من نام غير رسول الله ص-فإنه كان منتصبا في أصل شجرة-يصلي فيها و يدعو حتى الصباح.

أقول: و الروايات في قصة بدر كثيرة جدا و قد اقتصرنا منها على ما يتضح به فهم مضامين الآيات، و من الأخبار ما سيأتي إن شاء الله في تضاعيف البحث عن الآيات التالية المشيرة إلى بعض أطراف القصة.

(فهرس أسماء شهداء بدر رض)

في البحار، عن الواقدي قال: حدثني عبد الله بن جعفر قال": سألت الزهري كم استشهد من المسلمين ببدر؟قال: أربعة عشر: ستة من المهاجرين، و ثمانية من الأنصار-.

قال: فمن بني المطلب بن عبد مناف، عبيدة بن الحارث قتله عتبة-و في غير رواية الواقدي قتله شيبة-فدفنه النبي ص بالصفراء، و من بني زهرة عمير بن أبي وقاص-قتله عمرو بن عبد ود فارس الأحزاب، و عمير بن عبد ود ذو الشمالين حليف لبني زهرة-قتله أبو أسامة الجشمي، و من بني عدي عاقل بن أبي البكير-حليف لهم من بني‏سعد قتله مالك بن زهير، و مهجع مولى عمر بن الخطاب قتله عامر بن الحضرمي-و يقال: إن مهجعا أول من قتل من المهاجرين، و من بني الحارث بن فهر صفوان بن بيضاء-قتله طعيمة بن عدي-.

35

(1) -و من الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف، مبشر بن عبد المنذر قتله أبو ثور، و سعد بن خيثمة قتله عمرو بن عبد ود، و يقال: طعيمة بن عدي، و من بني عدي بن النجار حارثة بن سراقة-رماه حنان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فقتله، و من بني مالك بن النجار-عوف و معوذ ابنا عفراء قتلهما أبو جهل، و من بني سلمة عمير بن الحمام بن الجموح قتله خالد بن الأعلم، و يقال: إنه أول قتيل قتل من الأنصار، و قد روي: أن أول قتيل منهم حارثة بن سراقة، و من بني زريق رافع بن المعلى- قتله عكرمة بن أبي جهل، و من بني الحارث بن الخزرج يزيد بن الحارث-قتله نوفل بن معاوية فهؤلاء الثمانية من الأنصار.

و روي عن ابن عباس": أن أنسة مولى النبي ص قتل ببدر،

و روي": أن معاذ بن ماعص جرح ببدر-فمات من جراحته بالمدينة، و ابن عبيد بن السكن جرح-فاشتكى جرحه فمات منه.

36

(1) -

(بيان)

أوامر و نواه متعلقة بالجهاد الإسلامي مما يناسب سوق القصة، و حث على تقوى الله و إنذار و تخويف من مخالفة الله و رسوله و التعرض لسخطه سبحانه، و فيها إشارة إلى بعض ما جرى في وقعة بدر من منن الله و أياديه على المؤمنين.

قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاََ تُوَلُّوهُمُ‏

37

(1) -اَلْأَدْبََارَ » اللقاء مصدر لقي يلقى من المجرد و لاقى يلاقي من المزيد فيه، قال الراغب في مفردات القرآن، : اللقاء مقابلة الشي‏ء و مصادفته معا، و قد يعبر به عن كل واحد منهما يقال: لقيه يلقاه لقاء و لقيا و لقية، و يقال ذلك في الإدراك بالحس و بالبصر و بالبصيرة قال: لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ، و قال: لَقَدْ لَقِينََا مِنْ سَفَرِنََا هََذََا نَصَباً ، و ملاقاة الله عبارة عن القيامة و عن المصير إليه قال: وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاََقُوهُ ، و قال: اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاََقُوا اَللََّهِ ، و اللقاء الملاقاة، قال: وَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَرْجُونَ لِقََاءَنََا ، و قال: إِلى‏ََ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاََقِيهِ . انتهى.

و قال في المجمع، : اللقاء الاجتماع على وجه المقاربة لأن الاجتماع قد يكون على غير وجه المقاربة فلا يكون لقاء كاجتماع الأعراض في المحل الواحد. انتهى.

و قال فيه: الزحف‏ الدنو قليلا قليلا، و التزاحف‏ التداني يقال: زحف يزحف زحفا و أزحفت للقوم إذا دنوت لقتالهم و ثبت لهم. قال الليث الزحف جماعة يزحفون إلى عدو لهم بمرة و جمعه زحوف. انتهى.

و تولية الأعداء الأدبار جعلهم يلونها و هو استدبار العدو و استقبال جهة الهزيمة.

و خطاب الآية عام غير خاص بوقت دون وقت و لا غزوة دون غزوة فلا وجه لتخصيصها بغزوة بدر و قصر حرمة الفرار من الزحف بها كما يحكى عن بعض المفسرين. على أنك عرفت أن ظاهر سياق الآيات أنها نزلت بعد غزوة بدر لا يومها، و أن الآيات ذيل ما في صدر السورة من قوله: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » الآية، و للكلام تتمة ستوافيك في البحث الروائي إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: « وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاََّ مُتَحَرِّفاً لِقِتََالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ََ فِئَةٍ » إلى آخر الآية. التحرف‏ . الزوال عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف و هو طرف الشي‏ء و هو أن ينحرف و ينعطف المقاتل من جهة إلى جهة أخرى ليتمكن من عدوه و يبادر إلى إلقاء الكيد عليه، و التحيز هو أخذ الحيز و هو المكان، و الفئة القطعة من جماعة الناس، و التحيز إلى فئة أن ينعطف المقاتل عن الانفراد بالعدو إلى فئة من قومه فيلحق بهم و يقاتل معهم.

و البواء الرجوع إلى مكان و استقرار فيه، و لذا قال الراغب: أصل البواء

38

(1) -مساواة الأجزاء في المكان خلاف النبوة الذي هو منافاة الأجزاء. انتهى فمعنى قوله:

بََاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللََّهِ أي رجع و معه غضب من الله.

فمعنى الآيتين: يا أيها الذين آمنوا إذالقيتم الذين كفروا لقاء زحف أو زاحفين للقتال فلا تفروا منهم و من يفر منهم يومئذ أي وقتئذ فقد رجع و معه غضب من الله و مأواه جهنم و بئس المصير إلا أن يكون فراره للتحرف لقتال أو التحيز إلى فئة فلا بأس به.

قوله تعالى: « فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ قَتَلَهُمْ وَ مََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ رَمى‏ََ » إلى آخر الآية، التدبر في السياق لا يدع شكا في أن الآية تشير إلى وقعة بدر و ما صنعه رسول الله ص من رميهم بكف من الحصى، و المؤمنون بوضع السيف فيهم و قتلهم القتل الذريع، و ذيل الآية أعني قوله: وَ لِيُبْلِيَ اَلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاََءً حَسَناً يدل على أن الكلام جار مجرى الامتنان منه تعالى، و قد أثبت تعالى عين ما نفاه في جملة واحدة أعني قوله: « وَ مََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ » .

فمن جميع هذه الشواهد يتحصل أن المراد بقوله: « فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ قَتَلَهُمْ وَ مََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ رَمى‏ََ » نفي أن تكون وقعة بدر و ما ظهر فيها من استئصال المشركين و الظهور عليهم و الظفر بهم جارية على مجرى العادة و المعروف من نواميس الطبيعة، و كيف يسع لقوم هم شرذمة قليلون ما فيهم على ما روي إلا فرس أو فرسان و بضعة أدرع و بضعة سيوف، أن يستأصلوا جيشا مجهزا بالأفراس و الأسلحة و الرجال و الزاد و الراحلة، هم أضعافهم عدة و لا يقاسون بهم قوة و شدة، و أسباب الغلبة عندهم، و عوامل البأس معهم، و الموقف المناسب للتقدم لهم.

إلا أن الله سبحانه بما أنزل من الملائكة ثبت أقدام المؤمنين و أرعب قلوب المشركين، و ألقى الهزيمة بما رماه النبي ص من الحصاة عليهم فشملهم المؤمنين قتلا و أسرا فبطل بذلك كيدهم و خمدت أنفاسهم و سكنت أجراسهم.

فبالحري أن ينسب ما وقع عليهم من القتل بأيدي المؤمنين و الرمي الذي شتت شملهم و ألقى الهزيمة فيهم إليه سبحانه دون المؤمنين.

فما في الآية من النفي جار مجرى الدعوى بنوع من العناية، بالنظر إلى استناد

39

(1) -القتل بأطرافها إلى سبب إلهي غير عادي، و لا ينافي ذلك استنادها بما وقع فيها من الوقائع إلى أسبابها القريبة المعهودة في الطبيعة بأن يعد المؤمنون قاتلين لمن قتلوا منهم، و النبي ص راميا لما رماه من الحصاة.

و قوله: « وَ لِيُبْلِيَ اَلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاََءً حَسَناً » الظاهر أن ضمير « مِنْهُ » راجع إلى الله تعالى، و الجملة لبيان الغاية و هي معطوفة على مقدر محذوف، و التقدير: إنما فعل الله ما فعل من قتلهم و رميهم لمصالح عظيمة عنده، و ليبلي المؤمنين و يمتحنهم بلاء و امتحانا حسنا أو لينعم عليهم بنعمة حسنة، و هو إفناء خصمهم و إعلاء كلمة التوحيد بهم و إغناؤهم بما غنموا من الغنائم.

و قوله: « إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » تعليل لقوله: « وَ لِيُبْلِيَ اَلْمُؤْمِنِينَ » أي إنه تعالى يبليهم لأنه سميع باستغاثتهم عليم بحالهم فيبليهم منه بلاء حسنا.

و التفريع الذي في صدر الآية: « فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ » إلخ متعلق بما يتضمنه الآيات السابقة: « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ » إلى آخر الآيات من المعنى، فإنها تعد منن الله عليهم من إنزال الملائكة و إمدادهم بهم و تغشية النعاس إياهم و إمطار السماء عليهم و ما أوحي إلى الملائكة من تأييدهم و تثبيت أقدامهم و إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، فلما بلغ الكلام هذا المبلغ فرع عليه قوله: « فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ قَتَلَهُمْ وَ مََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ رَمى‏ََ » .

و على هذا فقوله: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا لَقِيتُمُ » إلى قوله: « وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ » معترضة متعلقة بقوله: « فَاضْرِبُوا فَوْقَ اَلْأَعْنََاقِ وَ اِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنََانٍ » أو بمعناه المفهوم من الجمل المسرودة، و قوله: « فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ » إلخ متصل بما قبله بحسب النظم.

و ربما يذكر في نظم الآية وجهان آخران:

أحدهما: أن الله سبحانه لما أمرهم بالقتل في الآية المتقدمةذكر عقيبها أن ما كان من الفتح يوم بدر و قهر المشركين إنما كان بنصرته و معونته تذكيرا للنعمة.

ذكره أبو مسلم.

و الثاني: أنهم لما أمروا بالقتال ثم كان بعضهم يقول: أنا قتلت فلانا و أنا فعلت كذا نزلت الآية على وجه التنبيه لهم لئلا يعجبوا بأعمالهم. و ربما قيل: إن الفاء في‏

40

(1) -قوله: « فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ » لمجرد ربط الجمل بعضها ببعض. و الوجه ما قدمناه.

قوله تعالى: « ذََلِكُمْ وَ أَنَّ اَللََّهَ مُوهِنُ كَيْدِ اَلْكََافِرِينَ » قال في المجمع، : « ذََلِكُمْ » موضعه رفع، و كذلك « أَنَّ اَللََّهَ » في موضع رفع، و التقدير: الأمر ذلكم و الأمر أن الله موهن، و كذلك الوجه فيما تقدم من قوله: « ذََلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَ أَنَّ لِلْكََافِرِينَ عَذََابَ اَلنََّارِ » ، و من قال: إن « ذََلِكُمْ » مبتدأ و « فَذُوقُوهُ » خبره فقد أخطأ لأن ما بعد الفاء لا يكون خبرا لمبتدإ، و لا يجوز: زيد فمنطلق، و لا: زيد فاضربه إلا أن تضمر «هذا» تريد: هذا زيد فاضربه. انتهى. فمعنى الآية: الأمر ذلكم الذي ذكرناه و الأمر أن الله موهن كيد الكافرين.

قوله تعالى: « إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جََاءَكُمُ اَلْفَتْحُ » إلى آخر الآية. ظاهر الآية بما تشتمل عليه من الجمل المسرودة كقوله: « وَ إِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » و قوله:

« وَ إِنْ تَعُودُوا نَعُدْ » إلخ أن تكون الخطاب فيه للمشركين دون المؤمنين باشتمال الكلام على الالتفات للتهكم، و هو المناسب لقوله في الآية السابقة: « وَ أَنَّ اَللََّهَ مُوهِنُ كَيْدِ اَلْكََافِرِينَ » .

فالمعنى: إن طلبتم الفتح و سألتم الله أيها المشركون أن يفتح بينكم و بين المؤمنين فقد جاءكم الفتح بما أظهر الله من الحق يوم بدر فكانت الدائرة للمؤمنين عليكم، و إن تنتهوا عن المكيدة على الله و رسوله فهو خير لكم و إن تعودوا إلى مثل ما كدتم نعد إلى مثل ما أوهنا به كيدكم، و لن تغني عنكم جماعتكم شيئا و لو كثرت كما لم تغن في هذه المرة و إن الله مع المؤمنين و لن يغلب من هو معه.

و بهذا يتأيد ما ورد أن أبا جهل قال يوم بدر حين اصطف الفريقان أو حين التقى الفئتان: اللهم إن محمدا أقطعنا للرحم و أتانا بما لا نعرف فانصر عليه، و في بعض الروايات-و هو الأنسب-كما في المجمع، عن أبي حمزة: قال أبو جهل: اللهم ربنا ديننا القديم و دين محمد الحديث فأي الدينين كان أحب إليك و أرضى عندك فانصر أهله اليوم.

و ذكر بعضهم: أن الخطاب في الآية للمؤمنين و وجهوا مضامين جملها بما لا يرتضيه الذوق السليم، و لا جدوى للإطالة بذكرها و المناقشة فيها فمن أراد ذلك فعليه بالمطولات.

قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لاََ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ » الضمير على ما يفيده السياق راجع إلى الرسول ص، و المعنى، و لا تولوا عن الرسول‏

41

(1) -و أنتم تسمعون ما يلقياه إليكم من الدعوة الحقة و ما يأمركم به و ينهاكم عنه مما فيه صلاح دينك و دنياكم. و مصب الكلام أوامره الحربية و إن كان لفظه أعم.

قوله تعالى: « وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قََالُوا سَمِعْنََا وَ هُمْ لاََ يَسْمَعُونَ » المعنى ظاهر و فيه نوع تعريض للمشركين إذ قالوا: سمعنا، و هو لا يسمعون، و قد حكى الله عنهم ذلك إذ قال بعد عدة آيات: « وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا قََالُوا قَدْ سَمِعْنََا لَوْ نَشََاءُ لَقُلْنََا مِثْلَ هََذََا» : الأنفال: 31، لكنهم كذبوا و لم يسمعوا و لو سمعوا لاستجابوا كما قال الله تعالى: « وَ لَهُمْ آذََانٌ لاََ يَسْمَعُونَ بِهََا» : الأعراف: 179، و قال تعالى حكاية عن أصحاب السعير: « وَ قََالُوا لَوْ كُنََّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مََا كُنََّا فِي أَصْحََابِ اَلسَّعِيرِ» : الملك: 10 فالمراد بالسمع في الآية الأولى تلقي الكلام الحق الذي هو صوت من طريق الأذن، و في الآية الثانية الانقياد لما يتضمنه الكلام الحق المسموع.

و الآيتان-كما ترى-خطاب متعلق بالمؤمنين متصل نوع اتصال بالآية السابقة عليهما و تعريض للمشركين، فهو تعالى لما التفت إلى المشركين فذمهم و تهكم عليهم بسؤالهم الفتح، و ذكر لهم أن الغلبة دائما لكلمة الإيمان على كلمة الكفر و لدعوة الحق على دعوة الباطل، التفت إلى حزبه و هم المؤمنون فأمرهم بالطاعة له و لرسوله، و حذرهم عن التولي عنه بعد استماع كلمة الحق، و أن يكونوا كأولئك إذ قالوا:

سمعنا و هم لا يسمعون.

و من الممكن أن يكون في الآية إشارة إلى عدة من أهل مكة آمنوا بالنبي ص و لما تخلص قلوبهم من الشك خرجوا مع المشركين إلى بدر لحرب رسول الله ص فابتلوا بما ابتلي به مشركو قريش، فقد ورد في الخبر: أن فئة من قريش أسلموا بمكة و احتبسهم آباؤهم فخرجوا مع قريش، يوم بدر، و هم قيس بن الوليد بن المغيرة، و علي بن أمية بن خلف، و العاص بن منبه بن الحجاج، و الحارث بن زمعة، و قيس بن الفاكه بن المغيرة و لما رأوا قلة المسلمين قالوا: مساكين هؤلاء غرهم دينهم، و سيذكرهم الله بعد عدة آيات بقوله: « إِذْ يَقُولُ اَلْمُنََافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هََؤُلاََءِ دِينُهُمْ » الآية.

و ربما قيل: إن المراد بالذين قالوا سمعنا و هم لا يسمعون هم أهل الكتاب من يهود قريظة و النضير. و هو بعيد. ـ

42

(1) - }قوله تعالى: « إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللََّهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاََ يَعْقِلُونَ » إلى آخر الآيتين. تعريض و ذم للذين سبق ذكرهم من الكفار على ما يعطيه سياق الكلام و ما اشتملت عليه الآية من الموصول و الضمائر المستعملة في أولي العقل، و على هذا فالظاهر أن اللام في قوله: « اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ » للعهد الذكري، و يئول المعنى إلى أن شر جميع ما يدب على الأرض من أجناس الحيوان و أنواعها هؤلاء الصم البكم الذين لا يعقلون، و إنما لم يعقلوا لأنه لا طريق لهم إلى تلقي الحق لفقدهم السمع و النطق فلا يسمعون و لا ينطقون.

ثم ذكر تعالى أن الله إنما ابتلاهم بالصمم و البكمة فلا يسمعون كلمة الحق و لا ينطقون بكلمة الحق، و بالجملة حرمهم نعمة السمع و القبول، لأنه تعالى لم يجد عندهم خيرا و لم يعلم به و لو كان لعلم، لكن لم يعلم فلم يوفقهم للسمع و القبول، و لو أنه تعالى رزقهم السمع و الحال هذه لم يثبت السمع و القبول فيهم بل تولوا عن الحق و هم معرضون.

و من هنا يعلم أن المراد بالخير حسن السريرة الذي يثبت به الاستعداد لقبول الحق و يستقر في القلب، و أن المراد بقوله: « وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ » الأسماع على تقدير عدم الاستعداد الثابت المستقر فافهم ذلك فلا يرد أنه تعالى لو أسمعهم و رزقهم قبول الحق استلزم ذلك تحقق الخير فيهم و لا وجه مع ذلك لتوليهم و إعراضهم و ذلك أن الشرط في قوله: « وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ » على تقدير فقدهم الخير على ما يفيده السياق.

قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ » لما دعاهم في قوله: « أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ » إلخ إلى إطاعة الدعوة الحقة و عدم التولي عنها بعد استماعها أكده ثانيا بالدعوة إلى استجابة الله و الرسول في دعوة الرسول، ببيان حقيقة الأمر و الركن الواقعي الذي تعتمد عليه هذه الدعوة، و هو أن هذه الدعوة دعوة إلى ما يحيي الإنسان بإخراجه من مهبط الفناء و البوار، و موقفه في الوجود، أن الله سبحانه أقرب إليه من قلبه و أنه سيحشر إليه فليأخذ حذره و ليجمع همه و يعزم عزمه.

الحياة أنعم نعمة و أعلى سلعة يعتقدها الموجود الحي لنفسه كيف لا؟و هو لا يرى وراءه إلا العدم و البطلان، و أثرها الذي هو الشعور و الإرادة هو الذي ترام‏

43

(1) -لأجله الحياة و يرتاح إليه الإنسان و لا يزال يفر من الجهل و افتقاد حرية الإرادة و الاختيار و قد جهز الإنسان و هو أحد الموجودات الحية بما يحفظ به حياته الروحية التي هي حقيقة وجوده كما جهز كل نوع من أنواع الخليقة بما يحفظ به وجوده و بقاءه.

و هذا الجهاز الإنساني يشخص له خيراته و منافعه، و يحذره من مواطن الشر و الضر.

و إذ كان هذه الهداية الإلهية التي يسوق النوع الإنسان إلى نحو سعادته و خيره و يندبه نحو منافع وجوده هداية بحسب التكوين و في طور الخلقة، و من المحال أن يقع خطأ في التكوين، كان من الحتم الضروري أن يدرك الإنسان سعادة وجوده إدراكا لا يقع فيه شك كما أن سائر الأنواع المخلوقة تسير إلى ما فيه خير وجوده و منافع شخصه من غير أن يسهو فيه من حيث فطرته، و إنما يقع الخبط فيما يقع من جهة تأثير عوامل و أسباب أخر مضادة تؤثر فيه أثرا مخالفا ينحرف فيه الشي‏ء عما هو خير له إلى ما هو شر، و عما فيه نفعه إلى ما فيه ضرر يعود إليه، و ذلك كالجسم الثقيل الأرضي الذي يستقر بحسب الطبيعة الأرضية على بسيط الأرض ثم إنه يبتعد عن الأرض بالحركة إلى جهة العلو بدفع دافع يجبره على خلاف الطبع فإذا بطل أثر الدفع عاد إلى مستقره بالحركة نحو الأرض على استقامة إلا أن يمنعه مانع فيخرجه عن السير الاستقامي إلى انحراف و اعوجاج.

و هذا هو الذي يصر عليه القرآن الكريم أن الإنسان لا يخفى عليه ما فيه سعادته في الحياة من علم و عمل، و أنه يدرك بفطرته ما هو حق الاعتقاد و العمل قال تعالى: « فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا لاََ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللََّهِ ذََلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ» :

الروم: 30 «و قال تعالى‏ اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوََّى ` وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏ََ -Xإلى أن قال‏X- فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ اَلذِّكْرى‏ََ ` سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى‏ََ ` وَ يَتَجَنَّبُهَا اَلْأَشْقَى: » الأعلى: 11 و قال تعالى: « وَ نَفْسٍ وَ مََا سَوََّاهََا ` فَأَلْهَمَهََا فُجُورَهََا وَ تَقْوََاهََا ` قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا ` وَ قَدْ خََابَ مَنْ دَسََّاهََا: » الشمس: 10.

نعم ربما أخطأ الإنسان طريق الحق في اعتقاد أو عمل و خبط في مشيته لكن لا لأن الفطرة الإنسانية و الهداية الإلهية أوقعته في ضلالة و أوردته في تهلكة بل لأنه أغفل عقله و نسي رشده و اتبع هوى نفسه و ما زينه جنود الشياطين في عينه، قال‏

44

(1) -تعالى: « إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ مََا تَهْوَى اَلْأَنْفُسُ وَ لَقَدْ جََاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ اَلْهُدى‏ََ» : النجم: 23 و قال: « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ» : الجاثية: -23.

فهذه الأمور التي تدعو إليها الفطرة الإنسانية من حق العلم و العمل لوازم الحياة السعيدة الإنسانية و هي الحياة الحقيقية التي بالحري أن تختص باسم الحياة و الحياة السعيدة تستتبعها كما أنها تستلزم الحياة و تستتبعها و تعيدها إلى محلها لو ضعفت الحياة في محلها بورود ما يضادها و يبطل رشد فعلها.

فإذا انحرف الإنسان عن سوي الصراط الذي تهديه إليه الفطرة الإنسانية و تسوقه إليه الهداية، الإلهية فقد فقد لوازم الحياة السعيدةمن العلم النافع و العمل الصالح، و لحق بحلول الجهل و فساد الإرادة الحرة و العمل النافع بالأموات و لا يحييه إلا علم حق و عمل حق، و هما اللذان تندب إليهما الفطرة و هذا هو الذي تشير إليه الآية التي نبحث عنها: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ » .

و اللام في قوله: « لِمََا يُحْيِيكُمْ » . بمعنى إلى، و هو شائع في الاستعمال، و الذي يدعو إليه الرسول ص هو الدين الحق و هو الإسلام الذي يفسره القرآن الكريم باتباع الفطرة فيما تندب إليه من علم نافع و عمل صالح.

و للحياة بحسب ما يراه القرآن الكريم معنى آخر أدق مما نراه بحسب النظر السطحي الساذج فإنا إنما نعرف من الحياة في بادئ النظر ما يعيش به الإنسان في نشأته الدنيوية إلى أن يحل به الموت، و هي التي تصاحب الشعور و الفعل الإرادي، و يوجد مثلها أو ما يقرب منها في غير الإنسان أيضا من سائر الأنواع الحيوانية لكن الله سبحانه يقول: « وَ مََا هََذِهِ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوََانُ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ» : العنكبوت 64 و يفيد ذلك أن الإنسان متمتع بهذه الحياة غير مشتغل إلا بالأوهام، و أنه مشغول بها عما هو أهم و أوجب من غايات وجوده و أغراض روحه فهو في حجاب مضروب عليه يفصل بينه و بين حقيقة ما يطلبه و يبتغيه من الحياة.

و هذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى و هو من خطابات يوم القيامة: « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ» : ق: -22.

45

(1) -فللإنسان حياة أخرى أعلى كعبا و أغلى قيمة من هذه الحياة الدنيوية التي يعدها الله سبحانه لعبا و لهوا، و هي الحياة الأخروية التي سينكشف عن وجهها الغطاء، و هي الحياة التي لا يشوبها اللعب و اللهو، و لا يدانيها اللغو و التأثيم، لا يسير فيها الإنسان إلا بنور الإيمان و روح العبودية قال تعالى: « أُولََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» : المجادلة: 22 و قال تعالى: « أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ وَ جَعَلْنََا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنََّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمََاتِ لَيْسَ بِخََارِجٍ مِنْهََا» : الأنعام 122.

فهذه حياة أخرى أرفع قدرا و أعلى منزلة من الحياة الدنيوية العامة التي ربما شارك فيها الحيوان العجم الإنسان، و يظهر من أمثال قوله تعالى: « وَ أَيَّدْنََاهُ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ» : البقرة: 253 و قوله: « وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا» : XالآيةXالشورى: -52 أن هناك حياة أخرى فوق هاتين الحياتين المذكورتين سيوافيك البحث عنها فيما يناسبها من المورد إن شاء الله.

و بالجملة فللإنسان حياة حقيقية أشرف و أكمل من حياته الدينية الدنيوية يتلبس بها إذا تم استعداده بالتحلي بحلية الدين و الدخول في زمرة الأولياء الصالحين كما تلبس بالحياة الدنيوية حين تم استعداده للتلبس بها و هو جنين إنساني.

و على ذلك ينطبق قوله تعالى في الآية المبحوث عنها: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ » فالتلبس بما تندب إليه الدعوة الحقة من الإسلام يجر إلى الإنسان هذه الحياة الحقيقية كما أن هذه الحياة منبع ينبع منه الإسلام و ينشأ منه العلم النافع و العمل الصالح، و في معنى هذه الآية قوله تعالى: « مَنْ عَمِلَ صََالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ََ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيََاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ: » النحل: -97.

و الآية أعني قوله فيها: « إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ » مطلق لا يأبى الشمول لجميع دعوته (ص) المحيية للقلوب، أو بعضها الذي فيه طبيعة الإحياء أو لنتائجها التي هي أنواع الحياة السعيدة الحقيقية كالحياة السعيدة في جوار الله سبحانه في الآخرة.

و من هنا يظهر أن لا وجه لتقييد الآية بما قيدها به أكثر المفسرين فقد قال بعضهم: إن المراد بقوله: « إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ » بالنظر إلى مورد النزول: إذا دعاكم إلى الجهاد إذ فيه إحياء أمركم و إعزاز دينكم. ـ

46

(1) -و قيل: المعنى إذا دعاكم إلى الشهادة في سبيل الله في جهاد عدوكم فإن الله سبحانه عد الشهداء أحياء كما في قوله: « وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» : آل عمران: -169.

و قيل: المعنى إذا دعاكم إلى الإيمان فإنه حياة القلب و الكفر موته أو إذا دعاكم إلى الحق.

و قيل: المعنى إذا دعاكم إلى القرآن و العلم في الدين لأن العلم حياة و الجهل موت و القرآن نور و حياة و علم.

و قيل: المعنى إذا دعاكم إلى الجنة لما فيها من الحياة الدائمة و النعمة الباقية الأبدية.

و هذه الوجوه المذكورة يقبل كل واحد منها انطباق الآية عليه غير أن الآية كما عرفت مطلقة لا موجب لصرفها عما لها من المعنى الوسيع.

قوله تعالى: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » الحيلولة هي التخلل وسطا، و القلب‏ العضو المعروف. و يستعمل كثيرا في القرآن الكريم في الأمر الذي يدرك به الإنسان و يظهر به أحكام عواطفه الباطنة كالحب و البغض و الخوف و الرجاء و التمني و القلق و نحو ذلك فالقلب هو الذي يقضي و يحكم، و هو الذي يحب شيئا و يبغض آخر، و هو الذي يخاف و يرجو و يتمنى و يسر و يحزن، و هو في الحقيقة النفس الإنسانية تفعل بما جهزت به من القوى و العواطف الباطنة.

و الإنسان كسائر ما أبدعه الله من الأنواع التي هي أبعاض عالم الخلقة مركب من أجزاء شتى مجهز بقوى و أدوات تابعة لوجوده يملكها و يستخدمها في مقاصد وجوده، و الجميع مربوطة به ربطا يجعل شتات الأجزاء و الأبعاض على كثرتها و تفاريق القوى و الأدوات على تعددها، واحدا تاما يفعل و يترك، و يتحرك و يسكن، بوحدته و فردانيته.

غير أن الله سبحانه لما كان هو المبدع للإنسان و هو الموجد لكل واحد واحد من أجزاء وجوده و تفاريق قواه و أدواته كان هو الذي يحيط به و بكل واحد من أجزاء وجوده و توابعه، و يملك كلا منها بحقيقة معنى الملك يتصرف فيه كيف يشاء، و يملك الإنسان ما شاء منها كيف شاء فهو المتوسط الحائل بين الإنسان و بين كل‏

47

(1) -جزء من أجزاء وجوده و كل تابع من توابع شخصه: بينه و بين قلبه، بينه و بين سمعه، بينه و بين بصره، بينه و من بدنه، بينه و بين نفسه. يتصرف فيها بإيجادها، و يتصرف فيها بتمليك الأسنان ما شاء منها كيف شاء، و إعطائه ما أعطي، و حرمانه ما حرم.

و نظير الإنسان في ذلك سائر الموجودات فما من شي‏ء في الكون و له ذات و توابع ذات من قوى و آثار و أفعال إلا و الله سبحانه هو المالك بحقيقة معنى الكلمة لذاته و لتوابع ذاته، و هو المملك إياه كلا من ذاته و توابع ذاته فهو الحائل المتوسط بينه و بين ذاته و بينه و بين توابع ذاته من قواه و آثاره و أفعاله.

فالله سبحانه هو الحائل المتوسط بين الإنسان و بين قلبه و كل ما يملكه الإنسان و يرتبط و يتصل هو به نوعا من الارتباط و الاتصال و هو أقرب إليه من كل شي‏ء كما قال تعالى: « وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ» : ق: -16.

و إلى هذه الحقيقة يشير قوله: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » فهو تعالى لكونه مالكا لكل شي‏ء و من جملتها الإنسان ملكا حقيقيا لا مالك حقيقة سواه، أقرب إليه حتى من نفسه و قوى نفسه التي يملكها لأنه سبحانه هو الذي يملكه إياها فهو حائل متوسط بينه و بينها يملكه إياها و يربطها به فافهم ذلك.

و لذلك عقب الجملة بقوله: « وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » فإن الحشر و البعث هو الذي ينجلي عنده أن الملك الحق لله وحده لا شريك له، و يبطل عند ذلك كل ملك صوري و سلطنة ظاهرية إلا ملكه الحق جل ثناؤه كما قال سبحانه: « لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ: » المؤمن: -16، و قال: « يَوْمَ لاََ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلََّهِ: » الإنفطار: -19.

فكأن الآية تقول: و اعلموا أن الله هو المالك بالحقيقة لكم و لقلوبكم و هو أقرب إليكم من كل شي‏ء، و أنه ستحشرون إليه فيظهر حقيقة ملكه لكم و سلطانه عليكم يومئذ فلا يغني عنكم منه شي‏ء.

و أما اتصال الكلام أعني ارتباط قوله: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ » إلخ بقوله: « اِسْتَجِيبُوا لِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ » فلأن حيلولته سبحانه بين المرء و قلبه، يقطع منبت كل عذر في عدم استجابته لله و الرسول إذا دعاه لما

48

(1) -يحييه، و هو التوحيد الذي هو حقيقة الدعوة الحقة فإن الله سبحانه لما كان أقرب إليه من كل شي‏ء حتى من قلبه الذي يعرفه بوجدانه قبل كل شي‏ء، فهو تعالى وحده لا شريك له أعرف إليه من قلبه الذي هو وسيلة إدراكه و سبب أصل معرفته و علمه.

فهو يعرف الله إلها واحدا لا شريك له قبل معرفته قلبه و كل ما يعرفه بقلبه، فمهما شك في شي‏ء أو ارتاب في أمر فلن يشك في إلهه الواحد الذي هو رب كل شي‏ء و لن يضل في تشخيص هذه الكلمة الحقة.

فإذا دعاه داعي الحق إلى كلمة الحق و دين التوحيد الذي يحييه لو استجاب له، كان عليه أن يستجيب داعي الله فإنه لا عذر له في ترك الاستجابة معللا بأنه لم يعرف حقية ما دعي إليه، أو اختلط عليه، أو أعيته المذاهب في الإقبال على الحق الصريح فإن الله سبحانه هو الحق الصريح الذي لا يحجبه حاجب، و لا يستره ساتر إذ كل حجاب مفروض فالله سبحانه أقرب منه إلى الإنسان، و كل ما يختلج في القلب من شبهة أو وسوسة فالله سبحانه متوسط متخلل بينه-مع ما له من ظرف و هو القلب- و بين الإنسان فلا سبيل للإنسان إلى الجهل بالله و الشك في توحده.

و أيضا فإن الله سبحانه لما كان حائلا بين المرء و قلبه فهو أقرب إلى قلبه منه كما أنه أقرب إليه من قلبه فإن الحائل المتوسط أقرب إلى كل من الطرفين من الطرف الآخر و إذا كان تعالى أقرب إلى قلب الإنسان منه فهو أعلم بما في قلبه منه.

فعلى الإنسان إذا دعاه داعي الحق إلى ما يحييه من الحق أن يستجيب دعاءه بقلبه كما يستجيبه بلسانه، و لا يضمر في قلبه ما لا يوافق ما لباه بلسانه و هو النفاق فإن الله أعلم بما في قلبه منه و سيحشر إليه فينبئه بحقيقة عمله و يخبره بما طواه في قلبه قال تعالى: « يَوْمَ هُمْ بََارِزُونَ لاََ يَخْفى‏ََ عَلَى اَللََّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ: » المؤمن: -16، و قال:

« وَ لاََ يَكْتُمُونَ اَللََّهَ حَدِيثاً: » النساء: -42.

و أيضا فإن الله سبحانه لما كان هو الحائل بين الإنسان و قلبه‏و هو المالك للقلب بحقيقة معنى الملك كان هو المتصرف في القلب قبل الإنسان و له أن يتصرف فيه بما شاء فما يجده الإنسان في قلبه من إيمان أو شك أو خوف أو رجاء أو طمأنينة أو قلق و اضطراب أو غير ذلك مما ينسب إليه باختيار أو اضطرار، فله انتساب إليه

49

(1) -تعالى بتصرفه فيما هو أقرب إليه من كل شي‏ء تصرفا بالتوفيق أو الخذلان أو أي نوع من أنواع التربية الإلهية، يتصرف بما شاء و يحكم بما أراد من غير أن يمنعه مانع أو يهدده ذم أو لوم كما قال تعالى: « وَ اَللََّهُ يَحْكُمُ لاََ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ: » الرعد: -41، و قال تعالى: « لَهُ اَلْمُلْكُ وَ لَهُ اَلْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ: » التغابن: -1.

فمن الجهل أن يثق الإنسان بما يجد في قلبه من الإيمان بالحق أو التلبس بنية حسنة أو عزيمة على خير أو هم بصلاح و تقوى، بمعنى أن يرى استقلاله بملك قلبه و قدرته المطلقة على ما يهم به فإن القلب بين أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء و هو المالك له بحقيقة معنى الملك و المحيط به بتمام معنى الكلمة، قال تعالى: « وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصََارَهُمْ كَمََا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ: » الأنعام: -110، فمن الواجب عليه أن يؤمن بالحق و يعزم على الخير على مخافة من الله تعالى أن يقلبه من السعادة إلى الشقاء و يحول قلبه من حال الاستقامة إلى حال الانتكاس و الانحراف، و لا يأمن مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.

و كذلك الإنسان إذا وجد قلبه غير مقبل على كلمة الحق و العزم على الخير و صالح العمل، عليه أن يبادر إلى استجابة الله و رسوله فيما يدعوه إلى ما يحييه، و لا ينهزم عما يهجم عليه من أسباب اليأس و عوامل القنوط من ناحية قلبه فإن الله سبحانه يحول بين المرءو قلبه، و هو القادر على أن يصلح سره و يحول قلبه إلى أحسن حال و يشمله بروح منه و رحمة فإنما الأمر إليه، و قد قال: « إِنَّهُ لاََ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكََافِرُونَ: » يوسف: -87، و قال: « وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ اَلضََّالُّونَ: » الحجر: -56.

فالآية الكريمة-كما ترى-من أجمع الآيات القرآنية تشتمل على معرفة حقيقية من المعارف الإلهية-مسألة الحيلولة-و هي تقطع عذر المتجاهلين في معرفة الله سبحانه من الكفار و المشركين، و تقلع غرة النفاق من أصلها بتوجيه نفوس المنافقين إلى مقام ربهم و أنه أعلم بما في قلوبهم منهم، و يلقي إلى المسلمين و الذين هم في طريق الإيمان بالله و آياته مسألة نفسية تعلمهم أنهم غير مستقلين في ملك قلوبهم و لا منقطعون في ذلك من ربهم فيزول بذلك رذيلة الكبر عمن يرى لنفسه استقلالا و سلطنة فيما يملكه فلا يغره ما يشاهده من تقوى القلب و إيمان السر، و رذيلة اليأس و القنوط عمن يحيط بقلبه‏

50

(1) -دواهي الهوى و دواعي أعراض الدنيا فيتثاقل عن الإيمان بالحق و الإقبال على الخير، و يورثه ذلك اليأس و القنوط.

و مما تقدم يظهر أن قوله: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ » إلخ تعليل لقوله تعالى: « اِسْتَجِيبُوا لِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ » على جميع التقادير من وجوه معناه.

و بذلك يظهر أيضا أن الآية أوسع معنى مما أورده المفسرون من تفسيرها:

كقول من قال: إن المراد أن الله سبحانه أقرب إلى المرء من قلبه نظير قوله: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ ، و فيه تحذير شديد.

و قول من قال: إن المراد أن القلب لا يستطيع أن يكتم الله حديثا فإن الله أقرب إلى قلب الإنسان من نفسه، فما يعلمه الإنسان من قلبه يعلمه الله قبله.

و قول من قال: إن المراد أنه يحول بين المرء و بين الانتفاع بقلبه بالموت فلا يمكنه استدراك ما فات فبادروا إلى الطاعات قبل الحيلولة و دعوا التسويف، و فيه حث على الطاعة قبل حلول المانع.

و قول من قال: معناه أن الله سبحانه يملك تقليب القلوب من حال إلى حال فكأنهم خافوا من القتال فأعلمهم الله سبحانه أنه يبدل خوفهم أمنا بأن يحول بينهم و بين ما يتفكرون فيه من أسباب الخوف.

و قد ورد في الحديث عن أئمة أهل البيت (ع) أن المراد بذلك أن الله سبحانه يحول بين الإنسان و بين أن يعلم أن الحق باطل أو أن الباطل حق، و سيجي‏ء في البحث الروائي إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: « وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ » قرأ علي و الباقر (ع) من أئمة أهل البيت و كذا زيد بن ثابت و الربيع بن أنس و أبو العالية على ما في المجمع: لتصيبن باللام و نون التأكيد الثقيلة، و القراءة المشهورة: لا تصيبن بلا الناهية و نون التأكيد الثقيلة.

و على أي تقدير كان، تحذر الآية جميع المؤمنين عن فتنة تختص بالظالمين منهم، و لا يتعداهم إلى غيرهم من الكفار و المشركين، و اختصاصها بالظالمين من المؤمنين و أمر

51

(1) -عامتهم مع ذلك باتقائها يدل على أنها و إن كانت قائمة ببعض الجماعة لكن السيئ من أثرها يعم الجميع ثم قوله تعالى: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ » تهديد للجميع بالعقاب الشديد و لا دليل يدل على اختصاص هذا العقاب بالحياة الدنيا و كونه من العذاب الدنيوي من قبيل الاختلافات القومية و شيوع القتل و الفساد و ارتفاع الأمن و السلام و نحو ذلك.

و مقتضى ذلك أن تكون الفتنة المذكورة على اختصاصها ببعض القوم مما يوجب على عامة الأمة أن يبادروا على دفعها، و يقطعوا دابرها و يطفئوا لهيب نارها بما أوجب الله عليهم من النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف.

فيئول معنى الكلام إلى تحذير عامة المسلمين عن المساهلة في أمر الاختلافات الداخلية التي تهدد وحدتهم و توجب شق عصاهم و اختلاف كلمتهم، و لا تلبث دون أن تحزبهم أحزابا و تبعضهم أبعاضا، و و يكون الملك لمن غلب منهم، و الغلبة لكلمة الفساد لا لكلمة الحق و الدين الحنيف الذي يشترك فيه عامة المسلمين.

فهذه فتنة تقوم بالبعض منهم خاصة و هم الظالمون غير أن سيئ أثره يعم الكل و يشمل الجميع فيستوعبهم الذلة و المسكنة و كل ما يترقب من مر البلاء بنشوء الاختلاف فيما بينهم، و هم جميعا مسئولون عند الله و الله شديد العقاب.

و قد أبهم الله تعالى أمر هذه الفتنة و لم يعرفها بكمال اسمها و رسمها غير أن قوله فيما بعد: « لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً » و قوله: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ » -كما تقدم-يوضحها بعض الإيضاح، و هو أنها اختلاف البعض من الأمة مع بعض منها في أمر يعلم جميعه وجه الحق فيه فيجمح البعض عن قبول الحق و يقدم إلى المنكر بظلمه فلا يرد عونه عن ظلمه و لا ينهونه عن ما يأتيه من المنكر، و ليس كل ظلم، بل الظلم الذي يسري سوء أثره إلى كافة المؤمنين و عامة الأمة لمكان أمره سبحانه الجميع باتقائه، فالظلم الذي هو لبعض الأمة و يجب على الجميع أن يتقوه ليس إلا ما هو من قبيل التغلب على الحكومة الحقة الإسلامية، و التظاهر بهدم القطعيات من الكتاب و السنة التي هي من حقوقها.

و أيا ما كان ففي الفتن الواقعة في صدر الإسلام ما ينطبق عليه الآية أوضح‏

52

(1) -انطباق و قد انهدمت بها الوحدة الدينية، و بدت الفرقة و نفدت القوة، و ذهبت الشوكة على ما اشتملت عليه من القتل و السبي و النهب و هتك الأعراض و الحرمات و هجر الكتاب و إلغاء السنة، و قال الرسول: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا.

و من شمول مشامتها و تعرق فسادها أن الأمة لا تستطيع الخروج من أليم عذابها حتى بعد التنبه منهم لسوء فعالهم و تفريطهم في جنب الله كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها و ذوقوا عذاب الحريق.

و قد تفطن بعض المفسرين بأن الآية تحذر الأمة و تهددهم بفتنة تشمل عامتهم و تفرق جمعهم، و تشتت شملهم، و توعدهم بعذاب الله الشديد، و قد أحسن التفطن غير أنه تكلف في توجيه العذاب بالعذاب الدنيوي، و تمحل في تقييد ما في الآية من إطلاق العقاب، و أنى لهم التناوش من مكان بعيد.

و لنرجع إلى لفظ الآية:

أما على قراءة أهل البيت (ع) و زيد: « و اتقوا فتنة لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة » فاللام في « لتصيبن » للقسم و النون الثقيلة لتأكيده، و التقدير:

و اتقوا فتنة أقسم لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، و خاصة حال من الفتنة، و المعنى اتقوا فتنة تختص إصابته بالذين ظلموا منكم أيها المخاطبون و هم الذين آمنوا، و عليك أن تتذكر ما سلف بيانه أن لفظ: « اَلَّذِينَ آمَنُوا » في القرآن خطاب تشريفي للمؤمنين في أول البعثة و بدء انتشار الدعوة لو لا قرينة صارفة عن ذلك، ثم تذكر أن فتن صدر الإسلام تنتهي إلى أصحاب بدر، و الآية على أي حال يأمر الجميع أن يتقوا فتنة تثيرها بعضهم، و ليس إلا لأن أثرها السيئ يعم الجميع كما تقدم.

و أما على قراءة المشهور: « وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً » فقد ذكروا: أن لا في « لاََ تُصِيبَنَّ » ناهية و النون لتأكيد النهي، و ليس « لاََ تُصِيبَنَّ » جوابا للأمر في « اِتَّقُوا » بل الكلام جار مجرى‏الابتداء و الاستيناف كقوله تعالى:

« يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ وَ جُنُودُهُ: » النمل: -18 فقد قال أولا: « وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً » ثم استأنف و قال: « لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً » لاتصال الجملتين معنى. ـ

53

(1) -و ربما جوز بعض النحاة أن يكون « لاََ تُصِيبَنَّ » نهيا واردا في جواب الأمر كما يقال: اتق زيدا لا يضربك أو لا يضربنك و التقدير: اتق زيدا فإنك إن اتقيته لا يضربك و لم يشترط في نون التأكيد أن لا يدخل الخبر.

و ربما قال بعضهم: إن لا زائدة و المعنى: اتقوا فتنة تصيبن الآية.

و ربما ذكر آخرون: «أن أصل لاََ تُصِيبَنَّ » «لتصيبن» أشبعت فتحة اللام حتى تولدت الألف، و إشباع الفتحة ليس بعزيز في الشعر قال:

فأنت من الغوائل حين ترمي # *و من ذم الرجال بمنتزاح‏

يريد: بمنتزح، و الوجهان بعيدان لا يحمل على مثلهما كلامه تعالى.

و مآل المعنى على هذا الوجه أي على قراءة لاََ «تُصِيبَنَّ » أيضا إلى ما تفيده القراءة الأولى « لتصيبن » كما عرفت.

و الآية-كما عرفت-تتضمن خطابا اجتماعيا متوجها إلى مجموع الأمة و ذلك يؤيد كون الخطاب في الآية السابقة: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ » خطابا اجتماعيا متوجها إلى كافة المؤمنين، و يتفرع عليه أن المراد بالدعوة إلى ما يحييهم الدعوة إلى الاتفاق على الاعتصام بحبل الله و إقامة الدين و عدم التفرق فيه‏كما قال: « وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا» : آل عمران: -103 و قال: « أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ: » الشورى: -13 و قوله: « وَ أَنَّ هََذََا صِرََاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاََ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» : الأنعام: -153.

و بهذا يتأيد بعض الوجوه المذكورة سابقا في قوله: « إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ » و كذا في قوله: « أَنَّ اَللََّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ » و تختص الآية به بحسب السياق و إن كانت تفيد معنى أوسع من ذلك باعتبار أخذها في نفسها مفردة عن السياق، و الباحث الناقد لا يعوز عليه تمييز ذلك و الله الهادي.

قوله تعالى: « وَ اُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي اَلْأَرْضِ تَخََافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ اَلنََّاسُ » إلى آخر الآية. الاستضعاف‏ عد الشي‏ء ضعيفا بتوهين أمره، و التخطف و الخطف و الاختطاف‏ أخذ الشي‏ء بسرعة انتزاع، و الإيواء جعل الإنسان ذا مأوى و مسكن يرجع إليه و يأوي، و التأييد من الأيد و هو القوة.

54

(1) -و السياق يدل على أن المراد بقوله: « إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي اَلْأَرْضِ » الزمان الذي كان المسلمون محصورين بمكة قبل الهجرة و هم قليل مستضعفون، و بقوله:

تَخََافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ اَلنََّاسُ » مشركو العرب و صناديد قريش، و بقوله « فَآوََاكُمْ » أي بالمدينة و بقوله « وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ » ما أسبغ عليهم من نعمة النصر ببدر، و بقوله:

« وَ رَزَقَكُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ » ما رزقهم من الغنائم و أحلها لهم.

و ما عده في الآية من أحوال المؤمنين و مننه عليهم بالإيواء و إن كانت مما يختص بالمهاجرين منهم دون الأنصار إلا أن المراد الامتنان على جميعهم من المهاجرين و الأنصار فإنهم أمة واحدة يوحدهم دين واحد. على‏ أن فيما ذكره الله في الآية من مننه التأييد بالنصر و الرزق من الطيبات و هما يعمان الجميع، هذا بحسب ما تقتضيه الآية من حيث وقوعها في سياق آيات بدر، و لكن هي وحدها و باعتبار نفسها تعم جميع المسلمين من حيث إنهم أمة واحدة يرجع لاحقهم إلى سابقهم فقد بدا ظهور الإسلام فيهم و هم قليل مستضعفون بمكة يخافون أن يتخطفهم الناس فآواهم بالمدينة و كثرهم بالأنصار و أيدهم بنصره في بدر و غيره و رزقهم من جميع الطيبات الغنائم و غيرها من سائر النعم لعلهم يشكرون.

}قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَخُونُوا اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَمََانََاتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ » إلى آخر الآيتين. الخيانة نقض الأمانة التي هي حفظ الأمن لحق من الحقوق بعهد أو وصية و نحو ذلك، قال الراغب: الخيانة و النفاق‏ واحد إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد و الأمانة، و النفاق يقال اعتبارا بالدين ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر، و نقيض الخيانة الأمانة يقال: خنت فلانا، و خنت أمانة فلان و على ذلك قوله: لاََ تَخُونُوا اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَمََانََاتِكُمْ . انتهى.

و قوله: « وَ تَخُونُوا أَمََانََاتِكُمْ » من الجائز أن يكون مجزوما معطوفا على تخونوا السابق، و المعنى: و لا تخونوا أماناتكم، و أن يكون منصوبا بحذف أن و التقدير:

و أن تخونوا أماناتكم و يؤيد الوجه الثاني قوله بعده: « وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ » .

و ذلك أن الخيانة و إن كانت إنما يتعلق النهي التحريمي بها عند العلم فلا نهي مع جهل بالموضوع و لا تحريم‏غير أن العلم من الشرائط العامة التي لا ينجز تكليف من التكاليف المولوية إلا به فلا نكتة ظاهرة في تقييد النهي عن الخيانة بالعلم مع‏