مجمع البيان في تفسير القرآن - ج3

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
418 /
3

الجزء الثالث‏

(1) -

(4) سورة النساء مدنية و آياتها ست و سبعون و مائة (176)

توضيح‏

هي مدنية كلها و قيل أنها مدنية إلا قوله «إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمََانََاتِ إِلى‏ََ أَهْلِهََا» الآية و قوله «يَسْتَفْتُونَكَ (في النساء) قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاََلَةِ» إلى آخرها فإن الآيتين نزلتا بمكة

عدد آيها

مائة و سبع و سبعون آية شامي و ست كوفي و خمس في الباقين‏

خلافها آيتان‏

«أَنْ تَضِلُّوا اَلسَّبِيلَ» كوفي شامي «فَيُعَذِّبُهُمْ عَذََاباً أَلِيماً» شامي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال من قرأها فكأنما تصدق على كل مؤمن ورث ميراثا و أعطي من الأجر كمن اشترى محررا و بري‏ء من الشرك و كان في مشيئة الله من الذين يتجاوز عنهم‏

و روي عن عمر بن الخطاب أنه قال‏تعلموا سورة البقرة و سورة المائدة و سورة الحج و سورة النور فإن فيهن الفرائض و

روى العياشي بإسناده عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال من قرأ سورة النساء في كل جمعة أومن من ضغطة القبر إذا أدخل في قبره.

تفسيرها

لما ختم الله السورة التي ذكر فيها آل عمران بالأمر بالتقوى افتتح أيضا هذه السورة به إلا أن هناك خص به المؤمنين و عم به هاهنا سائر المكلفين فقال.

4

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة تسئلون بتخفيف السين و الباقون بتشديدها و قرأ حمزة و الأرحام بالجر و الباقون بالنصب و قرئ في الشواذ و الأرحام بالرفع.

الحجة

من خفف تسئلون أراد تتساءلون فحذف التاء من تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة و من شدد فقال «تَسََائَلُونَ» فإنه أدغم التاء في السين و حسن ذلك لاجتماعهما في أنهما من حروف طرف اللسان و أصول الثنايا و اجتماعهما في الهمس فخفف هنا بالإدغام كما خفف هناك بالحذف قال أبو علي من نصب «اَلْأَرْحََامَ» احتمل انتصابه وجهين (أحدهما) أن يكون معطوفا على موضع الجار و المجرور (و الآخر) أن يكون معطوفا على «اِتَّقُوا» و تقديره و اتقوا الله و اتقوا الأرحام فصلوها و لا تقطعوها و أما من جر فإنه عطف على الضمير المجرور بالباء و هذا ضعيف في القياس و قليل في الاستعمال و ما كان كذلك فترك الأخذ به أحسن و إنما ضعف في القياس لأن الضمير قد صار عوضا مما كان متصلا بالاسم من التنوين فقبح أن يعطف عليه كما لا يعطف الظاهر على التنوين و يدلك على أنه أجري عندهم مجرى التنوين حذفهم الياء من المنادى المضاف إليها كحذفهم التنوين و ذلك قولهم يا غلام و هو الأكثر من غيره و وجه الشبه بينهما أنه على حرف كما أن التنوين كذلك و اجتماعهما في السكون و لأنه لا يوقف على الاسم منفصلا منه كما أن التنوين كذلك و المضمر أذهب في مشابهة التنوين من المظهر لأنه قد يفصل بين المضاف و المضاف إليه إذا كان ظاهرا بالظروف و بغيرها نحو قول الشاعر:

كان أصوات من إيغالهن بنا # أواخر الميس أصوات الفراريج‏

و قول الآخر:

(من قرع القسي الكنائن)

و ليس المضمر في هذا كالظاهر فلما كان كذلك لم يستجيزوا عطف الظاهر عليه لأن المعطوف ينبغي أن يكون مشاكلا للمعطوف عليه و قد جاء ذلك في ضرورة الشعر أنشد سيبويه :

فاليوم قربت تهجونا و تشتمنا # فاذهب فما بك و الأيام من عجب‏

فعطف الأيام على موضع الكاف و قال آخر:

نعلق في مثل السواري سيوفنا # و ما بينها و الكعب غوط نفانف‏

5

(1) - فعطف الكعب على الهاء و الألف في بينها و مثل ذلك لا يجوز في القرآن و الكلام الفصيح قال المازني و ذلك لأن الثاني في العطف شريك للأول فإن كان الأول يصلح أن يكون شريكا للثاني و إلا لم يصلح أن يكون الثاني شريكا فكما لا تقول مررت بزيد و ك كذلك لا تقول مررت بك و زيد و أما القراءة الشاذة في رفع «الأرحام» فالوجه في رفعه على الابتداء أي و الأرحام مما يجب أن تتقوه و حذف الخبر للعلم به.

اللغة

البث النشر يقال بث الله الخلق و منه قوله‏ كَالْفَرََاشِ اَلْمَبْثُوثِ و بعضهم يقول أبث بمعناه بثثتك سري و أبثثتك سري لغتان و أصل الرقيب من الترقيب و هو الانتظار و منه الرقبى لأن كل واحد منهما ينتظر موت صاحبه يقال رقب يرقب رقوبا و رقبة و رقبا فعلى هذا يكون الرقيب فعيلا بمعنى الفاعل و هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شي‏ء .

المعنى‏

ابتدأ الله سبحانه هذه السورة بالموعظة و الأمر بالتقوى فقال «يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ» و هو خطاب للمكلفين من جميع البشر و قيل النداء إنما كان سائر كتب الله السالفة بيا أيها المساكين و أما في القرآن فما نزل بمكة فالنداء بيا أيها الناس و ما نزل بالمدينة فمرة بيا أيها الذين آمنوا و مرة بيا أيها الناس «اِتَّقُوا رَبَّكُمُ» معناه اتقوا معصية ربكم أو مخالفة ربكم بترك ما أمر به و ارتكاب ما نهى عنه و قيل معناه اتقوا حقه أن تضيعوه و قيل اتقوا عقابه فكأنه قال يحق عليكم أن تتقوا عقاب من أنعم عليكم بأعظم النعم و هي أن خلقكم من نفس واحدة و أوجدكم و من عظمت عنده النعمي فهو بالتقوى أولى و قيل إن المراد به بيان كمال قدرته فكأنه قال الذي قدر على أن خلقكم من نفس واحدة فهو على عقابكم أقدر فيحق عليكم أن تتركوا مخالفته و تتقوا عقوبته‏و قوله «اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ» المراد بالنفس هنا آدم عند جميع المفسرين و إنما لم يقل نفس واحد بالتذكير و إن كان المراد آدم لأن لفظ النفس مؤنث بالصيغة فهو كقول الشاعر:

أبوك خليفة ولدته أخرى # و أنت خليفة ذاك الكمال‏

فأنث على اللفظ و لو قال من نفس واحد لجاز «وَ خَلَقَ مِنْهََا زَوْجَهََا» يعني حواء (ع) ذهب أكثر المفسرين إلى أنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم (ع) و

رووا عن النبي ص أنه قال خلقت المرأة من ضلع آدم (ع) إن أقمتها كسرتها و إن تركتها و فيها عوج استمتعت بها

و

روي عن أبي جعفر الباقر (ع) أن الله تعالى خلق حواء من فضل الطينة التي‏

6

(1) - خلق منها آدم و في تفسير علي بن إبراهيم من أسفل أضلاعه‏

«وَ بَثَّ مِنْهُمََا رِجََالاً كَثِيراً» أي نشر و فرق من هاتين النفسين على وجه التناسل رجالا «وَ نِسََاءً» و إنما من علينا تعالى بأن خلقنا من نفس واحدة لأنه أقرب إلى أن يعطف بعضنا على بعض و يرحم بعضنا بعضا لرجوعنا إلى أصل واحد و لأن ذلك أبلغ في القدرة و أدل على العلم و الحكمةو قوله «وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ اَلَّذِي تَسََائَلُونَ بِهِ» قيل في معناه قولان أحدهما أنه من قولهم أسألك بالله أن تفعل كذا و أنشدك بالله و بالرحم و نشدتك الله و الرحم و كذا كانت العرب تقول عن الحسن و إبراهيم و على هذا يكون قوله «وَ اَلْأَرْحََامَ» عطفا على موضع قوله به و المعنى إنكم كما تعظمون الله بأقوالكم فعظموه بطاعتكم إياه و الآخر أن معنى «تَسََائَلُونَ بِهِ» تطلبون حقوقكم و حوائجكم فيما بينكم به «وَ اَلْأَرْحََامَ»

معناه و اتقوا الأرحام أن تقطعوها عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و الضحاك و الربيع و هو المروي عن أبي جعفر (ع)

فعلى هذا يكون منصوبا عطفا على اسم الله تعالى و هذا يدل على وجوب صلة الرحم و يؤيده ما رواه‏

عن النبي ص أنه قال قال الله تعالى أنا الرحمن خلقت الرحم و شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته و من قطعها بتته‏

و في أمثال هذا الخبر كثرة و صلة الرحم قد تكون بقبول النسب و قد تكون بالإنفاق على ذي الرحم و ما يجري مجراه و

روى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (ع) قال أن أحدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل به النار فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمة فليمسه فإن الرحم إذا مستها الرحم استقرت و إنها متعلقة بالعرش تقول و تنادي اللهم صل من وصلني و اقطع من قطعني‏

«إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» أي حافظا عن مجاهد و قيل الرقيب العالم عن ابن زيد و المعنى متقارب و إنما أتى بلفظة كان المفيدة للماضي لأنه أراد أنه كان حفيظا على من تقدم زمانه من عهد آدم و ولده إلى زمان المخاطبين و عالما بما صدر منهم لم يعزب عنه من ذلك شي‏ء.

اللغة

الحوب الإثم يقال حاب يحوب حوبا و حيابة و الاسم الحوب و روي عن الحسن أنه قرأ حوبا ذهب إلى المصدر و تحوب فلان من كذا إذا تحرج منه و نزلنا بحوبة من الأرض أي بموضع سوء و الحوبة الحزن و التحوب التحزن و الحوباء الروح .

7

(1) -

المعنى‏

لما أمر الله سبحانه بالتقوى و صلة الأرحام عقبه بباب آخر من التقوى و هو توفير حقوق اليتامى فقال «وَ آتُوا اَلْيَتََامى‏ََ أَمْوََالَهُمْ» و هذا خطاب لأوصياء اليتامى أي أعطوهم أموالهم بالإنفاق عليهم في حالة الصغر و بالتسليم إليهم عند البلوغ إذا أونس منهم الرشد و سماهم يتامى بعد البلوغ مجازا لأن‏

النبي ص قال لا يتم بعد احتلام‏

كما قالوا للنبي ص يتيم أبي طالب بعد كبره يعنون أنه رباه و كقوله سبحانه‏ وَ أُلْقِيَ اَلسَّحَرَةُ سََاجِدِينَ أي الذين كانوا سحرة «وَ لاََ تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ» معناه لا تستبدلوا ما حرمه الله تعالى عليكم من أموال اليتامى بما أحله الله لكم من أموالكم و اختلف في صفة التبديل فقيل كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم و الرفيع منه و يجعلون مكانه الخسيس و الردي‏ء عن إبراهيم النخعي و السدي و سعيد بن المسيب و الزهري و الربيع و الضحاك وقيل معناه لا تتبدلوا الخبيث بالطيب بأن تتعجلوا الحرام قبل أن يأتيكم الرزق الحلال الذي قدر لكم عن أبي صالح و مجاهد و قيل معناه ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من أنهم لم يكونوا يورثون النساء و لا الصغار بل يأخذه الكبار عن ابن زيد و أقوى الوجوه الأول لأنه إنما ذكر عقيب أموال اليتامى فيكون معناه لا تأخذوا السمين و الجيد من أموالهم و تضعوا مكانهما المهزول و الردي‏ء فتحفظون عليهم عدد أموالهم و مقاديرها و تجحفون بهم في صفاتها و معانيها و قوله «وَ لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَهُمْ إِلى‏ََ أَمْوََالِكُمْ» أي مع أموالكم و معناه و لا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوهما جميعا و يحتمل أن يكون معناه و لا تخلطوا الجيد من أموالهم بالردي‏ء من أموالكم فتأكلوها فإن في ذلك إجحافا و إضرارا بهم فأما إذا لم يكن في ذلك أضرار و لا ظلم فلا بأس بخلط مال اليتيم بماله‏

فقد روي أنه لما نزلت هذه الآية كرهوا مخالطة اليتامى فشق ذلك عليهم فشكوا ذلك إلى رسول الله ص فأنزل الله سبحانه‏ وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتََامى‏ََ قُلْ إِصْلاََحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخََالِطُوهُمْ فَإِخْوََانُكُمْ في الدين الآية عن الحسن و هو المروي عن السيدين الباقر (ع) و الصادق (ع)

«إِنَّهُ كََانَ حُوباً كَبِيراً» أي إثما عظيما.

ـ

8

(1) -

توضيح‏

عد «أَلاََّ تَعُولُوا» آية بالاتفاق و هذا مما يشكل و يعسر.

القراءة

قرأ أبو جعفر فواحدة بالرفع و الباقون بالنصب.

الحجة

القراءة بالنصب على أنه مفعول به و تقديره فانكحوا واحدة و من رفع فعلى أنه فواحدة كافية أو فواحدة مجزية كقوله‏ فَإِنْ لَمْ يَكُونََا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتََانِ .

اللغة

الأقساط العدل و الإنصاف و القسط الجور و يقال ثناء و مثنى و ثلاث و مثلث و رباع و مربع و لم يسمع فيما زاد عليه مثل خماس و مخمس الأعشار في بيت الكميت و هو قوله:

و لم يستريثوك حتى رميت # فوق الرجال خصالا عشارا

و قال صخر الغي :

و لقد قتلتكم ثناء و موحدا # و تركت مرة مثل أمس الدابر

و عال الرجل يعول عولا و عيالة أي مال و جار و منه عول الفرائض لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص قال أبو طالب :

(بميزان قسط وزنه غير عائل)

و عال يعيل عيلة إذا احتاج قال الشاعر:

فما يدري الفقير متى غناه # و ما يدري الغني متى يعيل‏

أي يفتقر فمن قال معنى قوله «أَلاََّ تَعُولُوا» ألا تفتقروا فقد أخطأ لأنه من باب الياء كما ترى و من قال إن معناه لا تكثر عيالكم فقد أخطأ أيضا لأن ذلك يكون من الإعالة يقال أعال الرجل يعيل فهو معيل إذا كثر عياله و عال العيال إذا مانهم (من المئونة) و منه قوله ابدأ بمن تعول و قد حكى الكسائي عال الرجل يعول إذا كثر عياله و الصداق و الصداق و الصدقة و الصدقة المهر و النحلة عطية تكون على غير جهة المثامنة يقال نحلت الرجل إذا وهبت له نحلة و نحلا و سمي النحل نحلا لأن الله نحل منها الناس العسل الذي في بطونها و «هَنِيئاً» مأخوذ من هنأت‏

9

(1) - البعير بالقطران فالهني‏ء شفاء من المرض كما أن الهناء الذي هو القطران شفاء من الجرب قال:

ما إن رأيت و لا سمعت به # كاليوم هاني أينق جرب

متبذلا تبدو محاسنه # يضع الهناء مواضع النقب‏

يقال منه هنأني الطعام و مرأني أي صار لي دواء و علاجا شافيا و هنأني و مرأني بالكسر و هي قليلة و تقول في المستقبل يهناني و يمراني و يهنئني و يمرأني و إذا أفردوا قالوا أمرأني و لا يقولون أهنأني و قد مرؤ هذا الطعام مراءة و يقال هنأت القوم إذا علتهم و هنأت فلانا المال إذا وهبته له أهنأه هنأ و منه المثل إنما سميت هانئا لتهنئ أي لتعطي .

الإعراب‏

قوله «مََا طََابَ» ما هاهنا مصدرية عن الفراء أي فانكحوا الحلال و يروي عن مجاهد أيضا فانكحوا النساء نكاحا طيبا قال المبرد ما هاهنا للجنس كقولك ما عندك فالجواب رجل أو امرأة و قيل لما كان المكان مكان إبهام جاءت ما لما فيها من الإبهام كقول العرب خذ من عندي ما شئت و قوله «مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ» بدل مما طاب و موضعه النصب و تقديره اثنتين اثنتين و ثلاثا ثلاثا و أربعا أربعا إلا أنه لا ينصرف لعلتين العدل و الصفة قال الزجاج أنه لا ينصرف لجهتين و لا أعلم أحدا من النحويين ذكرهما غير ما أنه معدول عن اثنتين اثنتين و ثلاث ثلاث و أنه عدل عن تأنيث و خطأه أبو علي الفارسي في ذلك و أورد عليه كلاما كثيرا يطول بذكره الكتاب ثم قال لو جاز أن يقول قائل إن مثنى و بابه معدول عن مؤنث لما جرى على النساء و واحدتهن مؤنثة لجاز لآخر أن يقول إن مثنى و بابه معدول عن مذكر لأنه أجري صفة على أجنحة و واحدها مذكر و إنما جرى على النساء من حيث كان تأنيثها و تأنيث الجمع و هذا الضرب من التأنيث ليس بحقيقي و إنما هو من أجل اللفظ فهو مثل النار و الدار و ما أشبه ذلك و قد جرت هذه الأسماء على المذكر الحقيقي قال صخر الغي :

منيت بأن تلاقيني المنايا # أحاد أحاد في شهر حلال

و لكنما أهلي بواد أنيسة # ذئاب تبغي الناس مثنى و موحد

جرى فيه مثنى و موحد على ذئاب و هو جمع مذكر و قال تميم بن أبي مقبل :

10

(1) -

ترى النعرات الزرق تحت لبانه # أحاد و مثنى أصعقتها صواهله‏

فأحاد و مثنى هنا حال من النعرات و قال أبو علي في القصريات إن مثنى و ثلاث و رباع حال من قوله «مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ» فهو كقولك جئتك ماشيا و راكبا و منحدرا و صاعدا تريد أنك جئته في كل حال من هذه الأحوال و لست تريد أنك جئته و هذه الأحوال لك في وقت واحد و من قدرها على البدل من ما قال إنما جاءت الواو هنا و لم تأت أو لأنه على طريق البدل كأنه قال و ثلاث بدلا من مثنى و رباع بدلا من ثلاث و لو جاء بأو لكان لا يجوز لصاحب المثنى ثلاث و لا لصاحب الثلاث رباع و قوله «نِحْلَةً» نصب على المصدر و قوله «نَفْساً» نصب على التمييز كما يقال ضقت بهذا الأمر ذرعا و قررت به عينا و المعنى ضاق به ذرعي و قرت به عيني و لذلك وحد النفس لما كانت مفسرة و النفس المراد به الجنس يقع على الواحد و الجمع كقول الشاعر:

بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض و أما جلدها فصليب‏

و لم يقل جلودها و لو قال فإن طبن لكم أنفسا لجاز قوله «بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمََالاً» إنما جمع لئلا يتوهم أنه عمل يضاف إلى الجميع كما يضاف القتل إلى جماعة إذا رضوا به و من في قوله «عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ» لتبيين الجنس لا للتبعيض لأنها لو وهبت المهر كله لجاز بلا خلاف و «هَنِيئاً مَرِيئاً» نصب على الحال.

النزول و النظم‏

اختلف في سبب نزوله و كيفية نظم محصوله و اتصال فصوله على أقوال (أحدها)

أنها نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها و جمالها و يريد أن ينكحها بدون صداق مثلها فنهوا أن ينكحوهن إلا أن تقسطوا لهن في إكمال مهور أمثالهن و أمروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء إلى أربع‏عن عائشة و روي ذلك في تفسير أصحابنا

و قالوا أنها متصلة بقوله و يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن و ما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن كما كتب لهن و ترغبون أن تنكحوهن فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا الآية و به قال الحسن و الجبائي و المبرد (و ثانيها) أنها نزلت في الرجل منهم كان يتزوج الأربع و الخمس و الست و العشر و يقول ما يمنعني أن أتزوج كما يتزوج فلان فإذا

11

(1) - فني ماله مال على مال اليتيم الذي في حجره فأنفقه فنهاهم الله عن أن يتجاوزوا الأربع لئلا يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيم و إن خافوا ذلك مع الأربع أيضا اقتصروا على واحدة عن ابن عباس و عكرمة (و ثالثها) أنهم كانوا يشددون في أموال اليتامى و لا يشددون في النساء ينكح أحدهم النسوة فلا يعدل بينهن فقال تعالى كما تخافون ألا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء فانكحوا واحدة إلى أربع عن سعيد بن جبير و السدي و قتادة و الربيع و الضحاك و في إحدى الروايتين عن ابن عباس (و رابعها) أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى و أكل أموالهم إيمانا و تصديقا فقال سبحانه إن تحرجتم من ذلك فكذلك تحرجوا من الزنا و انكحوا النكاح المباح من واحدة إلى أربع عن مجاهد (و خامسها) ما قالها الحسن إن خفتم ألا تقسطوا في اليتيمة المرباة في حجركم فانكحوا ما طاب لكم من النساء مما أحل لكم من يتامى قربانكم مثنى و ثلاث و رباع و به قال الجبائي و قال الخطاب متوجه إلى ولي اليتيمة إذا أراد أن يتزوجها (و سادسها) ما قاله الفراء إن كنتم تتحرجون عن مؤاكلة اليتامى فتحرجوا من الجمع بين النساء و أن لا تعدلوا بين النساء و لا تتزوجوا منهن إلا من تأمنون معه الجور قال القاضي أبو عاصم القول الأول أولى و أقرب إلى نظم الآية و لفظها.

ـ

المعنى‏

«وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تُقْسِطُوا» أي لا تنصفوا و لا تعدلوا يا معاشر أولياء اليتامى «فِي اَلْيَتََامى‏ََ» و ذكرنا معناه و الاختلاف فيه في النزول «فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ» أي ما حل لكم و لم يقل من طاب لكم لأن معناه فانكحوا الطيب «مِنَ اَلنِّسََاءِ» أي الحلال منهن أي من اللاتي يحل نكاحهن دون المحرمات اللاتي ذكرن في قوله‏ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ الآية و يكون تقديره على القول الأول إن خفتم أن لا تعدلوا في نكاح اليتامى إن نكحتموهن فانكحوا البوالغ من النساء و ذلك أنه إن وقع حيف في حق البوالغ أمكن طلب المخلص منهن بتطييب نفوسهن و التماس تحليلهن لأنهن من أهل التحليل و إسقاط الحقوق بخلاف اليتامى فإنه إن وقع حيف في حقهن لم يمكن المخلص منه‏لأنهن لسن من أهل التحليل و لا من أهل إسقاط الحقوق و قوله «مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ» معناها اثنتين اثنتين و ثلاثا ثلاثا و أربعا أربعا فلا يقال أن هذا يؤدي إلى جواز نكاح التسع فإن اثنتين و ثلاثة و أربعة تسعة لما ذكرناه فإن من قال دخل القوم البلد مثنى و ثلاث و رباع لا يقتضي اجتماع الأعداد في الدخول و لأن لهذا العدد لفظا موضوعا و هو تسع فالعدول عنه إلى مثنى و ثلاث و رباع نوع من العي جل كلامه عن ذلك و تقدس و

قال الصادق (ع) لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام من الحرائر

«فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تَعْدِلُوا» بين الأربع أو الثلاث في القسم أو

12

(1) - النفقة و سائر وجوه التسوية «فَوََاحِدَةً» أي فتزوجوا واحدة «أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» أي و اقتصروا على الإماء حتى لا تحتاجوا إلى القسم بينهن لأنهن لا حق لهن في القسم «ذََلِكَ» إشارة إلى العقد على الواحدة مع الخوف من الجور فيما زاد عليها «أَدْنى‏ََ أَلاََّ تَعُولُوا» أي أقرب أن لا تميلوا و تجوروا عن ابن عباس و الحسن و قتادة و من قال معناه أدنى أن لا تكثر عيالكم فإنه مع ضعفه في اللغة في الآية ما يبطله‏و هو قوله «أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» و معلوم أن ما يحتاج إليه من النفقة عند كثرة الحرائر من النساء مثل ما يحتاج إليه عند كثرة الإماء و قيل كان الرجل قبل نزول هذه الآية يتزوج بما شاء من النساء و قوله‏} «وَ آتُوا اَلنِّسََاءَ صَدُقََاتِهِنَّ نِحْلَةً» معناه و أعطوا النساء مهورهن عطية من الله و ذلك أن الله تعالى جعل الاستمتاع مشتركا بين الزوجين ثم أوجب لها بإزاء الاستمتاع مهرا على زوجها فذلك عطية من الله للنساء و قيل أراد بنحلة فريضة مسماة عن قتادة و ابن جريج و قيل أراد بالنحلة الدين كما يقال فلان ينتحل كذا أي يدين به ذكره الزجاج و ابن خالويه و اختلف فيمن خوطب بقوله «وَ آتُوا اَلنِّسََاءَ صَدُقََاتِهِنَّ نِحْلَةً» فقيل هم الأزواج أمرهم الله بإعطاء المهر للمدخول بها كملا و لغير المدخول بها على النصف على ما مر شرحه من غير مطالبة منهن و لا مخاصمة لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة و هو قول ابن عباس و قتادة و ابن جريج و اختاره الطبري و الجبائي و الرماني و الزجاج و

قيل هم الأولياء لأن الرجل منهم كان إذا تزوج أيمة أخذ صداقها دونها فنهاهم الله عن ذلك عن أبي صالح و هو المروي عن الباقر (ع) رواه أبو الجارود عنه

و الأول أشبه بالظاهر «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً» خطاب للأزواج معناه فإن طابت نفوسهن بهبة شي‏ء من الصداق «فَكُلُوهُ» أي كلوا الموهوب لكم‏ «هَنِيئاً مَرِيئاً» فالهني‏ء الطيب المساغ الذي لا ينقصه شي‏ء و المري‏ء المحمود العاقبة التام الهضم الذي لا يضر و لا يؤذي و في‏

كتاب العياشي مرفوعا إلى أمير المؤمنين (ع) أنه جاءه رجل فقال يا أمير المؤمنين إني يوجع بطني فقال أ لك زوجة فقال نعم قال استوهب منها شيئا طيبة به نفسها من مالها ثم اشتر به عسلا ثم اسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه فإني سمعت الله تعالى يقول في كتابه وَ نَزَّلْنََا مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً مُبََارَكاً و قال‏ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهََا شَرََابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوََانُهُ فِيهِ شِفََاءٌ لِلنََّاسِ و قال «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» فإذا اجتمعت البركة و الشفاء و الهني‏ء المري‏ء شفيت إن شاء الله‏

قال ففعل ذلك فشفي و قد استدل بعض الناس على وجوب التزويج بقوله «فَانْكِحُوا» من حيث إن ظاهر الأمر يقتضي الوجوب و هذا خطأ لأنه يجوز العدول عن الظاهر بدليل و قد قام الدليل على أن التزويج غير واجب.

ـ

13

(1) -

القراءة

قرأ نافع و ابن عامر قيما بغير ألف و الباقون «قِيََاماً» بالألف.

الحجة

قال أبو الحسن في قيام ثلاث لغات قيام و قيم و قوام و هو الذي يقيمك قال لبيد :

أ قتلك أم وحشية مسبوعة # خذلت و هادية الصوار قوامها

قال أبو علي ليس قول من قال إن القيم جمع قيمة بشي‏ء إنما القيم بمعنى القيام و هو مصدر يدل عليه قوله‏ دِيناً قِيَماً فالقيمة التي هي معادلة الشي‏ء و مقاومته لا مذهب له هاهنا إنما المعنى دينا دائما ثابتا لا ينسخ كما نسخت الشرائع التي قبله فيكون مصدر وصف الدين به و لا وجه للجمع هاهنا و لا للصفة لقلة مجي‏ء هذا البناء في الصفة أ لا ترى أنه إنما جاء في قولهم قوم عدى و مكان سوى و فعل في المصادر كالشبع و الرضا و نحوهما أوسع في الوصف فإذا كان كذلك حمل على الأكثر.

المعنى‏

لما أمر تعالى فيما تقدم بدفع مال الأيتام إليهم عقبه بذكر من لا يجوز الدفع إليه منهم و قال «وَ لاََ تُؤْتُوا اَلسُّفَهََاءَ» أي لا تعطوا السفهاء «أَمْوََالَكُمُ» اختلف في المعني بالسفهاء على أقوال (أحدها)

أنهم النساء و الصبيان عن ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن و الضحاك و أبي مالك و قتادة و رواه أبو الجارود عن أبي جعفر (ع)

قال ابن عباس إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة للمال و علم أن ولده سفيه يفسد المال لم ينبغ له أن يسلطهما على ماله (و ثانيها) أن المراد به النساء خاصة عن مجاهد و ابن عمر و

روي عن أنس ابن مالك قال جاءت امرأة سوداء جرية المنطق ذات ملح إلى رسول الله فقالت بأبي أنت و أمي يا رسول الله قل فينا خيرا مرة واحدة فإنه بلغني أنك تقول فينا كل شر قال أي شي‏ء قلت لكن قالت سميتنا السفهاء قال الله سماكن السفهاء في كتابه قالت و سميتنا النواقص فقال و كفى نقصانا أن تدعن من كل شهر خمسة أيام لا تصلين فيها ثم قال أ ما يكفي إحداكن أنها

14

(1) - إذا حملت كان لها كأجر المرابط في سبيل الله فإذا وضعت كانت كالمتشحط بدمه في سبيل الله فإذا أرضعت كان لها بكل جرعة كعتق رقبة من ولد إسماعيل فإذا سهرت كان لها بكل سهرة تسهرها كعتق رقبة من ولد إسماعيل و ذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات اللاتي لا يكفرن العشير (لا يكلفن العسير نسخة) قال قالت السوداء يا له فضلا لو لا ما يتبعه من الشرط

(و ثالثها) أنها عام في كل سفيه من صبي أو مجنون أو محجور عليه للتبذير و قريب منه ما

روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال إن السفيه شارب الخمر و من جرى مجراه‏

و هذا القول أولى لعمومه و قوله «اَلَّتِي جَعَلَ اَللََّهُ لَكُمْ قِيََاماً» أي أموالكم التي جعلها الله قواما لمعاشكم و معادكم تقيمكم فتقومون بها قياما و قيل معناه ما تعطي ولدك السفيه من مالك الذي جعله الله قواما لعيشك فيفسده عليك و تضطر إليه فيصير ربا عليك ينفق مالك عليك «وَ اُرْزُقُوهُمْ فِيهََا وَ اُكْسُوهُمْ» اختلف في معناه فقيل يريد لا تؤتوهم أموالكم التي تملكونها و لكن ارزقوهم منها إن كانوا ممن يلزمكم نفقته و اكسوهم الآية عن ابن عباس و الحسن و قتادة و مجاهد و قيل يريد لا تعط امرأتك و ولدك مالك فيكونوا هم الذين ينفقون عليك و أطعمهم من مالك و اكسهم عن السدي و ابن زيد و هذا أمر بإحراز المال و حسن سياسته كقوله‏ وَ لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبََاطِلِ و يلتفت إليه قول‏

النبي ص نعم المال الصالح للرجل الصالح‏

و قيل عنى بقوله أَمْوََالَكُمْ أموالهم‏كما قال‏ وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا تؤتوا اليتامى أموالهم و ارزقوهم منها و اكسوهم عن سعيد بن جبير و الأولى حمل الآية على العموم فلا يجوز أن تعطي المال السفيه الذي يفسده و لا اليتيم الذي لا يبلغ و لا الذي بلغ و لم يؤنس منه الرشد و إنما تكون إضافة مال اليتيم إلى من له القيام بأمرهم ضربا من المجاز أو يكون التقدير لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي بعضها لكم و بعضها لهم فيضيعوها و قد

روي أنه سئل الصادق (ع) عن هذا فقيل كيف يكون أموالهم أموالنا فقال إذا كنت أنت الوارث له‏

«وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً» أي تلطفوا لهم في القول و لا تخاشنوهم و قولوا لهم ما ينبههم على الرشد و الصلاح في أمور المعاش و المعاد حتى إذا بلغوا كانوا على بصيرة من ذلك و في هذه الآية دلالة على جواز الحجر على اليتيم إذا بلغ و لم يؤنس منه الرشد لأن الله منع من دفع المال إلى السفهاء و فيها أيضا دلالة على وجوب الوصية إذا كانت الورثة سفهاء لأن ترك الوصية و الحال هذه بمنزلة إعطاء المال أهل السفه و إنما سمي الناقص العقل سفيها لأن السفه خفة الحلم و لذلك سمي الفاسق أيضا سفيها لأنه لا وزن له عند أهل الدين.

ـ

15

(1) -

اللغة

الإيناس الإبصار من قوله‏ آنَسَ مِنْ جََانِبِ اَلطُّورِ نََاراً أخذ من إنسان العين و هو حدقتها التي تبصر بها و أنست به أنسا ألفته و في قراءة عبد الله أحستم أي أحسستم بمعنى وجدتم فحذف إحدى السينين نحو قوله‏ «فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ» و أصل الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح و ربما كان ذلك في الإفراط و ربما كان في التقصير غير أنه إذا كان في الإفراط يقال منه أسرف يسرف إسرافا و إذا كان في التقصير يقال سرف يسرف سرفا و يقال مررت بكم فسرفتكم يراد به سهوت عنكم و أخطأتكم قال الشاعر:

أعطوا هنيدة تحذوها ثمانية # ما في عطائهم من و لا سرف‏

يريد أنهم يصيبون مواضع الإعطاء فلا يخطئونها و البدار المبادرة و أصل ذلك الامتلاء و منه البدر القمر لامتلائه نورا و البدرة لامتلائها بالمال و البيدر لامتلائه بالطعام و عين حدرة بدرة مكتنزة و الحسيب الكافي من قولهم أحسبني الشي‏ء إذا كفاني و الحسيب من الرجال المرتفع النسب و قيل الحسيب بمعنى المحاسب .

الإعراب‏

«إِسْرََافاً» مصدر وضع موضع الحال و كذلك قوله «بِدََاراً» و موضع «أَنْ يَكْبَرُوا» نصب بالمبادرة أي لا تأكلوا مسرفين و مبادرين كبرهم و قوله «بِالْمَعْرُوفِ» الجار و المجرور في موضع نصب على الحال و «كَفى‏ََ بِاللََّهِ» الباء مزيدة و الجار و المجرور هنا في موضع رفع بأنه فاعل كفى و «حَسِيباً» منصوب على الحال أو التمييز و التقدير كفى الله في حال الحساب.

المعنى‏

لما أمر الله بإيتاء الأيتام أموالهم‏و منع من دفع المال إلى السفهاء بين هنا

16

(1) - الحد الفاصل بين ما يحل من ذلك للولي و ما لا يحل فقال «وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتََامى‏ََ» هذا خطاب لأولياء اليتامى أمرهم الله أن يختبروا عقول اليتامى في أفهامهم و صلاحهم في أديانهم و إصلاحهم في أموالهم و هو قول قتادة و الحسن و السدي و مجاهد و ابن عباس «حَتََّى إِذََا بَلَغُوا اَلنِّكََاحَ» معناه حتى يبلغوا الحد الذي يقدرون معه على المواقعة و ينزلون و ليس المراد بالبلوغ الاحتلام لأن في الناس من لا يحتلم أو يتأخر احتلامه و هو قول أكثر المفسرين فمنهم من قال إذا كمل عقله و أونس منه الرشد سلم إليه ماله و هو الأولى و منهم من قال لا يسلم إليه ماله و إن كان عاقلا حتى يبلغ خمس عشرة سنة قال أصحابنا حد البلوغ أما كمال خمس عشرة سنة أو بلوغ النكاح أو الإنبات و قوله «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً» معناه فإن وجدتم منهم رشدا أو عرفتموه و اختلف في معنى قوله «رُشْداً» فقيل عقلا و دينا و صلاحا عن قتادة و السدي و قيل صلاحا في الدين و إصلاحا في المال عن الحسن و ابن عباس و قيل عقلا عن مجاهد و الشعبي قالا لا يدفع إلى اليتيم ماله و إن أخذ بلحيته و إن كان شيخا حتى يؤنس منه رشد العقل و الأقوى أن يحمل على أن‏

المراد به العقل و إصلاح المال على ما قاله ابن عباس و الحسن و هو المروي عن الباقر

للإجماع على أن يكون كذلك لا يجوز عليه الحجر في ماله و إن كان فاجرا في دينه فكذلك إذا بلغ و هو بهذه الصفة وجب تسليم ماله إليه و فيه أيضا دلالة على جواز الحجر على العاقل إذا كان مفسدا لماله من حيث أنه إذا جاز أن يمنع المال عند البلوغ إذا كان مفسدا له فكذلك يجوز الحجر عليه إذا كان مفسدا له بعد البلوغ و هو المشهور في أخبارنا و قوله «فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوََالَهُمْ» خطاب لأولياء اليتيم و هو تعليق لجواز الدفع بالشرطين البلوغ و إيناس الرشد فلا يجوز الدفع قبلهما «وَ لاََ تَأْكُلُوهََا إِسْرََافاً» أي بغير ما أباحه الله لكم و قيل معناه لا تأكلوا من مال اليتيم فوق ما تحتاجون إليه فإن لولي اليتيم أن يتناول من ماله قدر القوت إذا كان محتاجا على وجه الأجرة على عمله في مال اليتيم و قيل أن كل شي‏ء من مال اليتيم فهو الأكل على وجه الإسراف و الأول أليق بمذهبنا فقد

روى محمد بن مسلم عن أحدهما قال سألته عن رجل بيده ماشية لابن أخ له يتيم في حجره أ يخلط أمرها بأمر ماشيته قال إن كان يليط حياضها و يقوم على مهنتها و يرد نادتها فليشرب من ألبانها غير منهك للحلبات و لا مضر بالولد

و قوله «وَ بِدََاراً أَنْ يَكْبَرُوا» أي و مبادرة لكبرهم معناه لا

17

(1) - تبادروا بأكل مالهم كبرهم و رشدهم حذرا أن يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم «وَ مَنْ كََانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ» أي من كان غنيا من الأولياءفليستعفف بماله عن أكل مال اليتيم و لا يأخذ لنفسه منه لا قليلا و لا كثيرا يقال استعف عن الشي‏ء و عف عنه إذا امتنع منه و تركه «وَ مَنْ كََانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» و

معناه من كان فقيرا فليأخذ من مال اليتيم قدر الحاجة و الكفاية على جهة القرض ثم يرد عليه ما أخذ منه إذا وجد عن سعيد بن جبير و مجاهد و أبي العالية و الزهري و عبيدة السلماني و هو مروي عن الباقر (ع)

و قيل معناه يأخذ قدر ما يسد به جوعته و يستر عورته لا على جهة القرض عن عطاء بن أبي رباح و قتادة و جماعة و لم يوجبوا أجرة المثل لأن أجرة المثل ربما كانت أكثر من قدر الحاجة و الظاهر في روايات أصحابنا له أجرة المثل سواء كان قدر كفايته أو لم يكن و سئل ابن عباس عن ولي يتيم له إبل هل له أن يصيب من ألبانها فقال إن كنت تلوط حوضها و تهنأ جرباها أصبت من رسلها غير مضر بنسل و لا ناهك في الحلب و الرسل اللبن و النهك المبالغة في الحلب «فَإِذََا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوََالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ» و هذا خطاب أيضا لأولياء اليتيم أي إذا دفعتم إلى اليتامى أموالهم بعد البلوغ فاحتاطوا لأنفسكم بالإشهاد عليهم كي لا يقع منهم جحود و تكونوا أبعد من التهمة فانظر إلى حسن نظر الله لليتامى و للأوصياء و كمال لطفه بهم و رحمته لهم و إنعامه عليهم و كذلك نظره و لطفه بجميع عباده في أمور معاشهم و معادهم «وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ حَسِيباً» أي شاهدا على دفع المال إليهم و كفى بعلمه وثيقة و قيل محاسبا فاحذروا محاسبته في الآخرة كما تحذرون محاسبة اليتيم بعد البلوغ.

ـ

اللغة

الفرق بين الفرض و الوجوب أن الفرض يقتضي فارضا و ليس كذلك الوجوب لأنه قد يجب الشي‏ء في نفسه من غير إيجاب موجب و لذلك صح وجوب الثواب و العوض عليه تعالى و لم يجز أن يقال لذلك فرض و مفروض و أصل الفرض الثبوت فالفرض الحز في سية القوس حيث يثبت الوتر و الفرض ما أثبته على نفسك من هبة أو صلة و الفرض ما أعطيت‏

18

(1) - من غير قرض لثبوت تمليكه و أصل الوجوب الوقوع يقال وجب الحائط وجوبا إذا وقع و سمعت وجبة أي وقعة كالهدة و وجب الحق وجوبا إذا وقع سببه و وجب القلب وجيبا إذا خفق من فزع وقعة.

الإعراب‏

«نَصِيباً مَفْرُوضاً» نصب على الحال لأن المعنى فرض للرجال نصيب ثم قال «نَصِيباً مَفْرُوضاً» حالا مؤكدا و قيل هو اسم في موضع المصدر كقولك قسما واجبا و فرضا لازما و لو كان اسما لا شائبة للمصدرية فيه لم يجز نحو قولك عندي حق درهما و يجوز لك عندي درهم هبة مقبوضة.

النزول‏

قيل كانت العرب في الجاهلية يورثون الذكور دون الإناث فنزلت الآية ردا لقولهم عن قتادة و ابن جريج و ابن زيد و قيل كانوا لا يورثون إلا من طاعن بالرماح و ذاد عن الحريم و المال فقال تعالى مبينا حكم أموال الناس بعد موتهم بعد أن بين حكمها في حال حياتهم.

المعنى‏

«لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ» أي حظ و سهم «مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ» أي من تركة الوالدين و الأقربين «وَ لِلنِّسََاءِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ» أي و للنساء من قرابة الميت حصة و سهم من تركته «مِمََّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ» أي من قليل التركة و كثيرها «نَصِيباً مَفْرُوضاً» أي حظا فرض الله تسليمه إلى مستوجبيه و مستحقيه لا محالة و هذه الآية تدل على بطلان القول بالعصبةلأن الله تعالى فرض الميراث للرجال و للنساء فلو جاز منع النساء من الميراث في موضع لجاز أن يجري الرجال مجراهن في المنع من الميراث و تدل أيضا على أن ذوي الأرحام يرثون لأنهم من جملة النساء و الرجال الذين مات عنهم الأقربون على ما ذهبنا إليه و هو مذهب أبي حنيفة أيضا و يدخل في عموم اللفظ أيضا الأنبياء و غير الأنبياء فدل على أن الأنبياء يورثون كغيرهم على ما ذهبت إليه الفرقة المحقة.

19

(1) -

المعنى‏

لما بين سبحانه فيما تقدم حال من يرث بين هنا حال من لا يرث و اختلف الناس في هذه الآية على قولين (أحدهما)

أنها محكمة غير منسوخة عن ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن و إبراهيم و مجاهد و الشعبي و الزهري و السدي و هو المروي عن الباقر

و اختاره البلخي و الجبائي و الزجاج و أكثر المفسرين و الفقهاء (و الآخر) أنها منسوخة بأي المواريث عن سعيد بن المسيب و أبي مالك و الضحاك و اختلف من قال أنها محكمة على قولين (أحدهما) أن الأمر فيها على الوجوب و اللزوم عن مجاهد و قال هو ما طابت به نفس الورثة و قال الآخرون أن الأمر فيها على الندب و قوله «وَ إِذََا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ» معناه إذا شهد قسمة الميراث «أُولُوا اَلْقُرْبى‏ََ» أي فقراء قرابة الميت «وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينُ» أي و يتاماهم و مساكينهم يرجون أن تعودوا عليهم «فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ» أي أعطوهم من التركة قبل القسمة شيئا و اختلف في المخاطبين بقوله «فَارْزُقُوهُمْ» على قولين (أحدهما) أن المخاطب بذلك الورثة أمروا بأن يرزقوا المذكورين إذا كانوا لا سهم لهم في الميراث عن ابن عباس و ابن الزبير و الحسن و سعيد بن جبير و أكثر المفسرين و الآخر أن المخاطب بذلك من حضرته الوفاة و أراد الوصية فقد أمر بأن يوصي لمن لا يرثه من المذكورين بشي‏ء من ماله عن ابن عباس و سعيد بن المسيب و اختاره الطبري «وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً» أي حسنا غير خشن و اختلف فيه أيضا فقال سعيد بن جبير أمر الله الولي أن يقول للذي لا يرث من المذكورين قولا معروفا إذا كانت الورثة صغارا يقول إن هذا ليتامى صغار و ليس لكم فيه حق و لسنا نملك أن نعطيكم منه و قيل المأمور بذلك الرجل الذي يوصي في ماله و القول المعروف أن يدعو لهم بالرزق و الغنى و ما أشبه ذلك و قيل الآية في الوصية على أن يوصوا للقرابة و يقولوا لغيرهم قولا معروفا عن ابن عباس و سعيد بن المسيب و قد دلت الآية على أن الإنسان قد يرزق غيره على معنى التمليك فهو حجة على المجبرة .

20

(1) -

القراءة

قرأ ابن عامر و أبو بكر عن عاصم سيصلون بضم الياء و الباقون بفتحها.

الحجة

قال أبو علي حجة من فتح الياء قوله‏ اِصْلَوْهََا فَاصْبِرُوا و جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهََا و إِلاََّ مَنْ هُوَ صََالِ اَلْجَحِيمِ و حجة من ضم الياء أنه من أصلاه الله النار كقوله‏ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نََاراً .

اللغة

ضعاف جمع ضعيف و ضعيفة و السديد السليم من خلل الفساد و أصله من سد الخلل تقول سددته أسده سدا و السداد الصواب و فيهم سداد من عوز بالكسر و سدد السهم إذا قومه و السد الردم و صلي الرجل النار يصليها صلي و صلاء و صليا أي لزمها و أصلاه الله إصلاء و هو صال النار من قوم صلي و صالين و يقال صلي الأمر إذا قاسى حره و شدته قال العجاج :

(و صاليات للصلي صلي)

و قال الفرزدق :

و قاتل كلب الحي عن نار أهله # ليربض فيها و الصلا متكنف‏

و شاة مصلية أي مشوية و سعير بمعنى مسعورة مثل كف خضيب و السعر اشتعال النار و استعرت النار في الحطب و منه سعر السوق لاستعارها به في النفاق .

الإعراب‏

«ظُلْماً» نصبه على المصدر لأن معنى قوله «يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ» يظلمونهم و يجوز أن يكون في موضع الحال كقولهم جاءني فلان ركضا أي يركض.

ـ

المعنى‏

لما أمر الله تعالى بالقول المعروف و نهاهم عن خلافه أمر بالأقوال السديدة و الأفعال الحميدة فقال‏ «وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعََافاً» فيه أقوال (أحدها) أنه كان الرجل إذا حضرته الوفاة قعد عنده أصحاب رسول الله (ص) فقالوا أنظر لنفسك فإن ولدك لا يغنون عنك من الله شيئا فيقدم جل ماله فقال و ليخش الذين لو تركوا من بعدهم أولادا صغارا «خََافُوا عَلَيْهِمْ» الفقر و هذا نهي عن الوصية بما يجحف بالورثة و أمر لمن حضر الميت عند الوصية أن يأمره بأن يبقي لورثته و لا يزيد وصيته على الثلث كما أن هذا القائل لو كان هو الموصي لأحب أن يحثه من حضره على حفظ ماله لورثته و لا يدعهم عالة أي كما تحبون ورثتكم فأحبوا ورثة غيركم و هذا معنى قول ابن عباس و سعيد بن جبير

21

(1) - و الحسن و قتادة و مجاهد و الضحاك (و ثانيها) إن الأمر في الآية لولي مال اليتيم يأمره بأداء الأمانة فيه و القيام بحفظه كما لو خاف على مخلفيه إذا كانوا ضعافا و أحب أن يفعل بهم عن ابن عباس أيضا فيكون معناه من كان في حجره يتيم فليفعل به ما يحب أن يفعل بذريته من بعده و إلى هذا المعنى يؤول ما

روي عن موسى بن جعفر قال أن الله أوعد في مال اليتيم عقوبتين ثنتين أما (إحداهما) فعقوبة الدنيا قوله «وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا» الآية قال يعني بذلك ليخش أن أخلفه في ذريته كما صنع بهؤلاء اليتامى‏

(و ثالثها) أنها وردت في حرمان ذوي القربى أن يوصي لهم بأن يقول الحاضر لا توص لأقاربك و وفر على ورثتك و قوله «خََافُوا عَلَيْهِمْ» معناه خافوا من جفاء يلحقهم أو ظلم يصيبهم أو غضاضة أو ضعة «فَلْيَتَّقُوا اَللََّهَ» أي فليتق كل واحد من هؤلاء في يتامى غيره أن يجفوهم و يظلمهم و ليعاملهم بما يحب أن يعامل به يتاماه بعد موته و قيل فليتقوا الله في الإضرار بالمؤمنين «وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً» أي مصيبا عدلا موافقا للشرع و الحق و قيل أنه يريد قولا لا خلل فيه و قيل معناه فليخاطبوا اليتامى بخطاب حسن و قول جميل و في معنى الآية ما

روي عن النبي (ص) أنه قال من سره أن يزحزح عن النار و يدخل الجنة فليأته منيته و هو يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و يحب أن يأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه‏

و

نهى رسول الله أن يوصي بأكثر من الثلث و قال و الثلث كثير

و

قال لسعد لأن تدع ورثتك أغنياء أحب إلي من أن تدعهم عالة يتكففون الناس‏

ثم أوعد الله آكلي مال اليتيم نار جهنم و قال‏} «إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً» أي ينتفعون بأموال اليتامى و يأخذونها ظلما بغير حق و لم يرد به قصر الحكم على الأكل الذي هو عبارة عن المضغ و الابتلاع و فائدة تخصيص الأكل بالذكر أنه معظم منافع المال المقصودة فذكره الله تنبيها على ما في معناه من وجوه الانتفاع و كذلك معنى قوله وَ لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبََاطِلِ و لاََ تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا و إنما علق الوعيد بكونه ظلما لأنه قد يأكله الإنسان على وجه الاستحقاق بأن يأخذ منه أجرة المثل أو يأكل منه بالمعروف أو يأخذه قرضا على نفسه على ما تقدم القول في ذلك فلا يكون ظلما فإن قيل إذا أخذه قرضا أو أجرة المثل فإنما أكل مال نفسه و لم يأكل مال اليتيم فجوابه لا بل يكون آكلا مال اليتيم لكن لا على وجه يكون ظلما بأن ألزم عوضه على نفسه أو استحقه بالعمل و لو سلمنا ذلك لجاز أن يكون إنما ذكر كونه ظلما لضرب من التأكيد و البيان‏لأن أكل مال اليتيم لا يكون إلا ظلما و

سئل الرضا كم أدنى ما يدخل به آكل مال اليتيم تحت الوعيد في هذه الآية فقال قليله و كثيره واحد إذا كان من نيته أن لا يرده إليهم‏

و قوله «إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً» قيل فيه وجهان‏

22

(1) - (أحدهما) إن النار ستلتهب من أفواههم و أسماعهم و آنافهم يوم القيامة ليعلم أهل الموقف أنهم آكلة أموال اليتامى عن السدي و

روي عن الباقر أنه قال قال رسول الله (ص) يبعث ناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواههم نارا فقيل له يا رسول الله من هؤلاء فقرأ هذه الآية

(و الآخر) أنه ذكر ذلك على وجه المثل من حيث أن من فعل ذلك يصير إلى جهنم فتمتلئ بالنار أجوافهم عقابا على أكلهم مال اليتيم كما قال الشاعر:

و إن الذي أصبحتم تحلبونه # دم غير أن اللون ليس بأحمرا

يصف أقواما أخذوا الإبل في الدية يقول إنما تحلبون دم القتيل منها لا الألبان «وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» أي سيلزمون النار المسعرة للإحراق و إنما ذكر البطون تأكيدا كما يقال نظرت بعيني و قلت بلساني و أخذت بيدي و مشيت برجلي و

روى الحلبي عن الصادق (ع) قال إن في كتاب علي بن أبي طالب أن من أكل مال اليتيم ظلما سيدركه وبال ذلك في عقبه من بعده و يلحقه وبال ذلك في الآخرة أما في الدنيا فإن الله يقول «وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا» الآية و أما في الآخرة فإن الله يقول «إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً» الآية.

23

(1) -

القراءة

قرأ أهل المدينة و إن كانت واحدة بالرفع و الباقون بالنصب و قرأ حمزة و الكسائي فلأمه و في إمها و نحوه بكسر الهمزة و الميم و حمزة بطون إمهاتكم و بيوت إمهاتكم بكسرهما و الكسائي بكسر الهمزة و فتح الميم و الباقون بضم الهمزة في الجميع و قرأ ابن عامر و ابن كثير و أبو بكر عن عاصم يوصى بفتح الصاد في الموضعين و قرأ حفص الأولى بكسر الصاد و الثانية بالفتح و الباقون بكسرهما.

الحجة

الاختيار في «وََاحِدَةً» النصب لأن التي قبلها لها خبر منصوب و هو قوله «فَإِنْ كُنَّ نِسََاءً» أي و إن كانت الورثة واحدة و وجه الرفع إن وقعت واحدة أوجدت واحدة أي إن حدث حكم واحدة لأن المراد حكمها لا ذاتها و وجه قراءة حمزة و الكسائي فلإمه بكسر الهمزة إن الهمزة حرف مستثقل بدلالة تخفيفهم لها فأتبعوها ما قبلها من الكسرة و الياء ليكون العمل فيها من وجه واحد و يقوي ذلك أنها تقارب الهاء و قد فعلوا ذلك بالهاء في نحو عليه و به و من قرأ «يُوصِي» فلأن ذكر الميت قد تقدم في قوله «فَإِنْ كََانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ اَلسُّدُسُ» و من قرأ يوصى فإنما يحسنه أنه ليس بميت معين إنما هو شائع في الجميع فهو في المعنى يؤول إلى «يُوصِي» .

ـ

الإعراب‏

«لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ» جملة من مبتدإ و خبر تفسير لقوله «يُوصِيكُمُ اَللََّهُ» و إنما لم يقل للذكر مثل حظ الأنثيين بنصب لام مثل فيعدي قوله «يُوصِيكُمُ» إليه لأنه في تقرير القول في حكاية الجملة بعده فكأنه قال قال الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين و قوله الثلث و السدس و الربع و نحوها يجوز فيها التخفيف لثقل الضم فيقال ثلث و سدس و ربع و ثمن قال الزجاج و من زعم أن الأصل التخفيف فيهافثقل فخطا لأن الكلام موضوع على الإيجاز لا على التثقيل و إنما قيل للأب و الأم أبوان تغليبا للفظ الأب و لا يلزم أن يقال في ابن و ابنة ابنان لأنه يوهم فإن لم يوهم جاز ذلك ذكره الزجاج و «فَرِيضَةً» منصوب على التأكيد و الحال من قوله «لِأَبَوَيْهِ» و لهؤلاء الورثة ما ذكرنا مفروضا ففريضة مؤكدة لقوله «يُوصِيكُمُ اَللََّهُ» و يجوز أن يكون نصبا على المصدر من «يُوصِيكُمُ اَللََّهُ» لأن معناه يفرض عليكم فريضة.

النزول‏

روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنه قال مرضت فعادني رسول الله و أبو بكر و هما يمشيان فأغمي علي فدعا بماء فتوضأ ثم صبه علي فأفقت فقلت يا رسول الله كيف أصنع في مالي فسكت رسول الله فنزلت آية المواريث في‏

و قيل نزلت في‏

24

(1) - عبد الرحمن أخي حسان الشاعر و ذلك أنه مات و ترك امرأة و خمسة إخوان فجاءت الورثة فأخذوا ماله و لم يعطوا امرأته شيئا فشكت ذلك إلى رسول الله فأنزل الله آية المواريث عن السدي و قيل كانت المواريث للأولاد و كانت الوصية للوالدين و الأقربين فنسخ الله ذلك و أنزل آية المواريث‏

فقال رسول الله إن الله لم يرض بملك مقرب و لا نبي مرسل حتى تولى قسم التركات و أعطى كل ذي حق حقه‏

عن ابن عباس .

المعنى‏

ثم بين تعالى ما أجمله فيما قبل من قوله‏ لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ الآية بما فصله في هذه الآية فقال «يُوصِيكُمُ اَللََّهُ» أي يأمركم و يفرض عليكم لأن الوصية منه تعالى أمر و فرض يدل على ذلك قوله‏ وَ لاََ تَقْتُلُوا اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللََّهُ إِلاََّ بِالْحَقِّ ذََلِكُمْ وَصََّاكُمْ بِهِ* و هذا من الفرض المحكم علينا «فِي أَوْلاََدِكُمْ» أي في ميراث أولادكم أو في توريث أولادكم و قيل في أمور أولادكم إذا متم ثم بين ما أوصي به فقال «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ» أي للابن من الميراث مثل نصيب البنتين ثم ذكر نصيب الإناث من الأولاد فقال «فَإِنْ كُنَّ نِسََاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ» أي فإن كانت المتروكات أو الأولاد نساء فوق اثنتين «فَلَهُنَّ ثُلُثََا مََا تَرَكَ» من الميراث ظاهر هذا الكلام يقتضي أن البنتين لا يستحقان الثلثين لكن الأمة أجمعت على أن حكم البنتين حكم من زاد عليهما من البنات و ذكر في الظاهر وجوه (أحدها) إن في الآية بيان حكم البنتين فما فوقهما لأن معناه فإن كن اثنتين فما فوقهما فلهن ثلثا ما ترك إلا أنه قدم ذكر الفوق على الاثنتين كما

روي عن النبي (ص) أنه قال لا تسافر المرأة سفرا فوق ثلاثة أيام إلا و معها زوجها أو ذو محرم لها

و معناه لا تسافر سفرا ثلاثة أيام فما فوقها (و ثانيها) ما قاله أبو العباس المبرد إن في الآية دليلا على أن للبنتين الثلثين لأنه إذا قال «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ» و كان أول العدد ذكرا و أنثى و للذكر الثلثان و للأنثى الثلث علم من ذلك أن للبنتين الثلثين ثم أعلم الله بأن ما فوق البنتين لهن الثلثان (و ثالثها) أن البنتين أعطيتا الثلثين بدليل لا يفرض لهما مسمى و الدليل قوله تعالى يَسْتَفْتُونَكَ في النساء قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاََلَةِ إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهََا نِصْفُ مََا تَرَكَ فقد صار للأخت النصف كما أن للبنت النصف فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان و أعطيت الابنتان الثلثين كما أعطيت الأختان الثلثين و أعطيت جملة الأخوات الثلثين كما أعطيت البنات الثلثين و يدل عليه أيضا الإجماع على أن حكم البنتين حكم البنات في استحقاق الثلثين إلا ما روي عن ابن عباس إن للبنتين النصف و إن الثلثين فرض الثلث من‏

25

(1) - البنات و حكى النظام في كتاب النكت عن ابن عباس أنه قال للبنتين نصف و قيراط لأن للواحدة النصف و للثلاث الثلثين فينبغي أن يكون للبنتين ما بينهما «وَ إِنْ كََانَتْ وََاحِدَةً» أي و إن كانت المولودة أو المتروكة واحدة «فَلَهَا اَلنِّصْفُ» أي نصف ما ترك الميت ثم ذكر ميراث الوالدين فقال «وَ لِأَبَوَيْهِ» يعني بالأبوين الأب و الأم و الهاء الذي أضيف إليه الأبوان كناية عن غير مذكور تقديره و لأبوي الميت «لِكُلِّ وََاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ مِمََّا تَرَكَ إِنْ كََانَ لَهُ وَلَدٌ» فللأب السدس مع الولد و كذلك الأم لها السدس معه ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر ثم إن كان الولد ذكرا كان الباقي له و إن كانوا ذكورا فالباقي لهم بالسوية و إن كانوا ذكورا و إناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين و إن كانت بنتا فلها النصف بالتسميةو لأحد الأبوين السدس أو لهما السدسان و الباقي عند أئمتنا يرد على البنت و على أحد الأبوين أو عليهما على قدر سهامهم بدلالة قوله‏ وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ و قد ثبت أن قرابة الوالدين و قرابة الولد متساوية لأن الولد يتقرب إلى الميت بنفسه كما أن الوالدين يتقربان إليه بأنفسهما و ولد الولد يقوم مقام الولد للصلب مع الوالدين كل منهم يقوم مقام من يتقرب به و في بعض هذه المسائل خلاف بين الفقهاء «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ» يعني للميت «وَلَدٌ» أي ابن و لا بنت و لا أولادهما لأن اسم الولد يعم الجميع «وَ وَرِثَهُ أَبَوََاهُ فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ» و ظاهر هذا يدل على أن الباقي للأب و فيه إجماع‏

فإن كان في الفريضة زوج فإن له النصف و للأم الثلث و الباقي للأب و هو مذهب ابن عباس و أئمتنا

و من قال في هذه المسألة أن للأم ثلث ما يبقى فقد ترك الظاهر و كذلك إن كان بدل الزوج الزوجة فلها الربع و للأم الثلث و الباقي للأب و قوله «فَإِنْ كََانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ اَلسُّدُسُ» قال أصحابنا إنما يكون لها السدس إذا كان هناك أب و يدل عليه ما تقدمه من قوله «وَ وَرِثَهُ أَبَوََاهُ» فإن هذه الجملة معطوفة على قوله «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوََاهُ فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ» و تقديره فإن كان له إخوة و ورثه أبواه فلأمه السدس و قال بعض أصحابنا أن لها السدس مع وجود الأخوة و إن لم يكن هناك أب و به قال جميع الفقهاء و اتفقوا على أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس و قد روي عن ابن عباس أنه قال لا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة من الأخوة و الأخوات كما تقتضيه ظاهر الآيةو أصحابنا يقولون لا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس إلا بالأخوين أو أخ و أختين أو أربع أخوات من قبل الأب و الأم أو من قبل الأب خاصة دون الأم و في ذلك خلاف بين الفقهاء قالوا و العرب تسمي الاثنين بلفظ الجمع في كثير من كلامهم حكى سيبويه أنهم يقولون وضعا رحالهما يريدون رحلي راحلتيهما و قال تعالى‏ وَ كُنََّا لِحُكْمِهِمْ‏

26

(1) - شََاهِدِينَ يعني حكم داود و سليمان و قال قتادة إنما تحجب الأخوة الأم مع أنهم لا يرثون من المال شيئا معونة للأب لأن الأب يقوم بنفقتهم و نكاحهم دون الأم و هذا يدل على أنه ذهب إلى أن الأخوة للأم لا يحجبون على ما ذهب إليه أصحابنا لأن الأب لا يلزمه نفقتهم بلا خلاف «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهََا أَوْ دَيْنٍ» أي تقسم التركة على ما ذكرنا بعد قضاء الديون و إقرار الوصية و لا خلاف في أن الدين مقدم على الوصية و الميراث و إن أحاط بالمال فأما الوصية فقد قيل إنها مقدمة على الميراث و قيل بل الموصى له شريك الوارث له الثلث و لهم الثلثان و قد

روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال إنكم تقرأون في هذه الآية الوصية قبل الدين و إن رسول الله (ص) قضى بالدين قبل الوصية

و الوجه في تقديم الدين على الوصية في الآية إن لفظ أو إنما هو لأحد الشيئين أو الأشياء و لا يوجب الترتيب فكأنه قال من بعد أحد هذين مفردا أو مضموما إلى الآخرو هذا كقولهم جالس الحسن أو ابن سيرين أي جالس أحدهما مفردا أو مضموما إلى الآخر «آبََاؤُكُمْ وَ أَبْنََاؤُكُمْ لاََ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً» ذكر فيه وجوه (أحدها) إن معناه لا تدرون أي هؤلاء أنفع لكم في الدنيا فتعطونه من الميراث ما يستحق و لكن الله قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة عن مجاهد (و ثانيها) إن معناه لا تدرون بأيهم أنتم أسعد في الدنيا و الدين و الله يعلمه فاقتسموه على ما بينه من المصلحة فيه عن الحسن (و ثالثها) إن معناه لا تدرون أن نفعكم بتربية آبائكم لكم أكثر أم نفع آبائكم بخدمتكم إياهم و إنفاقكم عليهم عند كبرهم عن الجبائي (و رابعها) أن المعنى أطوعكم لله عز و جل من الآباء و الأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة لأن الله يشفع المؤمنين ببعضهم في بعض فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده في درجته لتقر بذلك عينه و إن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله والديه إلى درجته لتقر بذلك أعينهم عن ابن عباس (و خامسها) إن المراد لا تدرون أي الوارثين و الموروثين أسرع موتا فيرثه صاحبه فلا تتمنوا موت الموروث و لا تستعجلوه عن أبي مسلم «فَرِيضَةً مِنَ اَللََّهِ» أي فرض الله ذلك فريضة أو كما ذكرنا في الإعراب «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيماً حَكِيماً» أي لم يزل عليما بمصالحكم حكيما فيما يحكم به عليكم من هذه الأموال و غيرها قال الزجاج في كان هنا ثلاثة أقوال قال سيبويه كان القوم شاهدوا علما و حكمة و مغفرة و تفضلا فقيل لهم أن الله كان كذلك على ما شاهدتم و قال الحسن كان عليما بالأشياء قبل خلقها حكيما فيما يقدر تدبيره منها و قال بعضهم الخبر من الله في هذه الأشياء بالمضي كالخبر بالاستقبال و الحال لأن الأشياء عند الله في حال واحدة ما مضى و ما يكون و ما هو كائن.

ـ

27

(1) -

القراءة

روي في الشواذ قراءة الحسن يورث بكسر الراء «كَلاََلَةً» و قراءة عيسى بن عمر الثقفي يورث و قرأ الحسن أيضا غير مضار وصية مضاف.

الحجة

كلاهما منقول من ورث فهذا من أورث و ذاك من ورث و في كلتا القراءتين المفعولان محذوفان فكأنه قال يورث وارثه ماله و قد جاء حذف المفعولين جميعا قال الكميت :

بأي كتاب أم بأية سنة # ترى حبهم عارا علي و تحسب‏

فلم يعد تحسب و أما قوله «غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً» فيعني به غير مضار من جهة الوصية أو عند الوصية كقول طرفة (بضة المتجرد) أي بضة عند تجردها و هذا كما يقال شجاع حرب و كريم مسألة أي شجاع عند الحرب و كريم عند المسألة.

اللغة

أصل الكلالة الإحاطة و منه الإكليل لإحاطته بالرأس و منه الكل لإحاطته‏

28

(1) - بالعدد فالكلالة تحيط بأصل النسب الذي هو الولد و الوالدو قال أبو مسلم أصلها من كل أي أعيى فكأن الكلالة تناول الميراث من بعد على كلال و إعياء و قال الحسين بن علي المغربي أصله عندي ما تركه الإنسان وراء ظهره مأخوذا من الأكل و هو الظهر تقول العرب ولاني فلان إكله على وزن إطله أي ولاني ظهره و العرب تخبر بهذا الاسم عن جملة النسب و الوراثة قال عامر بن الطفيل :

و إني و إن كنت ابن فارس عامر # و في السر منها و الصريح المهذب

فما سودتني عامر عن كلالة # أبى الله أن أسمو بأم و لا أب‏

و يروى عن وراثة و قال زيادة بن زيد العذري :

و لم أرث المجد التليد كلالة # و لم يأن مني فترة لعقيب‏

و يقال رجل كلالة و قوم كلالة و امرأة كلالة لا تثنى و لا تجمع لأنه مصدر.

الإعراب‏

ينتصب كلالة على أنه مصدر وضع موضع الحال و يكون كان التامة و يورث صفة رجل و تقديره إن وجد رجل موروث متكلل النسب و العامل في الحال يورث و ذو الحال الضمير في يورث و يجوز أن ينتصب كلالة على أنه خبر كان على أن يكون كان ناقصة قال الزجاج من قرأ يورث بكسر الراء فكلالة مفعول و من قرأ «يُورَثُ» فكلالة منصوب على الحال «غَيْرَ مُضَارٍّ» منصوب على الحال أيضا وصية ينصب على المصدر أي يوصيكم الله بذلك وصية.

المعنى‏

ثم خاطب الله الأزواج فقال‏ «وَ لَكُمْ» أيها الأزواج «نِصْفُ مََا تَرَكَ أَزْوََاجُكُمْ» أي زوجاتكم «إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ» لا ذكر و لا أنثى و لا ولد ولد «فَإِنْ كََانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ اَلرُّبُعُ مِمََّا تَرَكْنَ» أي من ميراثهن «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهََا أَوْ دَيْنٍ» قد مر تفسيره «وَ لَهُنَّ» أي و لزوجاتكم «اَلرُّبُعُ مِمََّا تَرَكْتُمْ» من الميراث «إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ» واحدة كانت الزوجة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا لم يكن لهن أكثر من ذلك «فَإِنْ كََانَ لَكُمْ وَلَدٌ» ذكر أو أنثى أو ولد «فَلَهُنَّ اَلثُّمُنُ مِمََّا تَرَكْتُمْ» من الميراث واحدة كانت الزوجة أو أكثر من ذلك «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهََا» أيها الأزواج «أَوْ دَيْنٍ» و قد مر في ما مضى بيان ميراث الأزواج ثم ذكر ميراث ولد الأم فقال «وَ إِنْ كََانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاََلَةً» اختلف في معنى‏

29

(1) - الكلالة فقال جماعة من الصحابة و التابعين منهم أبو بكر و عمر و ابن عباس في إحدى الروايتين عنه و قتادة و الزهري و ابن زيد هو من عدا الوالد و الولد و في الرواية الأخرى عن ابن عباس أنه من عدا الوالد و قال الضحاك و السدي أنه اسم للميت الذي يورث عنه و

المروي عن أئمتنا أن الكلالة الإخوة و الأخوات‏

و المذكور في هذه الآية من كان من قبل الأم منهم و المذكور في آخر السورة من كان منهم من قبل الأب و الأم أو من قبل الآباء «أَوِ اِمْرَأَةٌ» هو عطف على قوله «وَ إِنْ كََانَ رَجُلٌ» معناه و إن كان رجل كلالة يورث ماله أو امرأة كلالة تورث مالها على قول من قال إن الميت نفسه يسمى كلالة و من قال إنه الحي الوارث فتقديره‏و إن كان رجل يورث في حال تكلل نسبه به أو امرأة تورث كذلك و هو قول ابن عمر و أهل الكوفة و يؤيده ما

روي عن جابر أنه قال أتاني رسول الله و أنا مريض فقلت و كيف الميراث و إنما يرثني كلالة فنزلت آية الفرائض‏

فالكلالة في النسب من أحاط بالميت و تكلله من الإخوة و الأخوات و الولد و الوالد ليسا بكلالة لأنهما أصل النسب الذي ينتهي إلى الميت و من سواهما خارج عنهما و إنما يشتمل عليهما بالأنساب من غير جهة الولادة فعلى هذا تكون الكلالة كالإكليل يشتمل على الرأس و يحيط به و ليس من أصله فإن الوالد و الولد طرفان للرجل فإذا مات الرجل و لم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه فسمي ذهاب طرفيه كلالة و قوله «وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ» يعني الأخ و الأخت من الأم «فَلِكُلِّ وََاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ فَإِنْ كََانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذََلِكَ فَهُمْ شُرَكََاءُ فِي اَلثُّلُثِ» جعل للذكر و الأنثى هاهنا سواءو لا خلاف بين الأمة أن الإخوة و الأخوات من قبل الأم متساوون في الميراث «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى‏ََ بِهََا أَوْ دَيْنٍ» مر بيانه «غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اَللََّهِ» منع الله من الضرار في الوصية أي غير موص وصية تضر بالورثة و قيل أراد غير مضار في الميراث كره سبحانه الضرار في الحياة و بعد الممات عن قتادة و تقديره لا يضار بعض الورثة بعضا و قيل هو أن يوصي بدين ليس عليه يريد بذلك ضرر الورثة فالضرار في الوصية راجع إلى الميراث و هو أن يضر في وصيته بماله أو بعضه لأجنبي أو يقر بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن وارثه أو يقر باستيفاء دين له في مرضه أو ببيع ماله في مرضه و استيفاء ثمنه لئلا يصل إلى وارثه و جاء في‏

الحديث أن الضرار في الوصية من الكبائر

«وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ» بمصالح عباده يحكم بما توجب الحكمة في قسمة الميراث و الوصايا و غيرها «حَلِيمٌ» لا يعاجل العصاة بالعقوبة و يمن عليهم بالانتظار و المهلة و في هاتين الآيتين دلالة على تقدير سهام أصحاب المواريث و نحن نذكر من ذلك جملة موجزة منقولة عن أهل البيت دون غيرهم فإن الاختلاف في مسائل المواريث بين الفقهاء كثير يطول بذكره الكتاب فمن‏

30

(1) - أراده وجده في مظانه: اعلم أن الإرث يستحق بأمرين نسب و سبب فالسبب الزوجية و الولاء فالميراث بالزوجية يثبت مع كل نسب و الميراث بالولاء لا يثبت إلا مع فقد كل نسب‏و أما النسب فعلى ضربين (أحدهما) أبو الميت و من يتقرب به (و الآخر) ولده و ولد ولده و إن سفل و المانع من الإرث بعد وجود سبب وجوبه ثلاثة الكفر و الرق و قتل الوارث من كان يرثه لو لا القتل و لا يمنع الأبوين و الولد و الزوج و الزوجات من أصل الإرث مانع ثم هم على ثلاثة أضرب (الأول) الولد يمنع من يتقرب به و من يجري مجراه من ولد إخوته و أخواته عن أصل الإرث و يمنع من يتقرب بالأبوين و يمنع الأبوين عما زاد على السدس إلا على سبيل الرد مع البنت أو البنات و الأبوان يمنعان من يتقرب بهما أو بأحدهما و لا يتعدى منعهما إلى غير ذلك و الزوج و الزوجة لا حظ لهما في المنع و ولد الولد و إن سفل يقوم مقام الولد الأدنى عند فقده في الإرث و المنع و يترتبون الأقرب فالأقرب و هذه سبيل ولد الإخوة و الأخوات و إن سفل عند فقد الإخوة و الأخوات مع الأجداد و الجدات ثم إن الميراث بالنسب يستحق على وجهين بالفرض و القرابة فالفرض ما سماه الله و لا يجتمع في ذلك إلا من كانت قرابته متساوية إلى الميت مثل البنت أو البنات مع الأبوين أو أحدهما لأن كل واحد منهم يتقرب إلى الميت بنفسه فمتى انفرد أحدهم بالميراث أخذ المال كله بعضه بالفرض و الباقي بالقرابة و عند الاجتماع يأخذ كل واحد منهم ما سمي له‏و الباقي يرد عليهم على قدر سهامهم فإن نقصت التركة عن سهامهم لمزاحمة الزوج أو الزوجة لهم كان النقص داخلا على البنت أو البنات دون الأبوين أو أحدهما و دون الزوج و الزوجة و يصح اجتماع الكلالتين معا لتساوي قرابتيهما فإذا فضل التركة عن سهامهم يرد الفاضل على كلالة الأب و الأم أو الأب دون كلالة الأم و كذلك إذا نقصت عن سهامهم لمزاحمة الزوج أو الزوجة لهم كان النقص داخلا عليهم دون كلالة الأم و الزوج و الزوجة لا يدخل عليهم النقصان على حال فعلى هذا إذا اجتمع كلالة الأب مع كلالة الأم كان لكلالة الأم للواحد السدس و للاثنين فصاعدا الثلث لا ينقصون منه و الباقي لكلالة الأب و لا يرث كلالة الأب مع كلالة الأب و الأم ذكورا كانوا أو إناثا فأما من يرث بالقرابة دون الفرض فأقواهم الولد للصلب ثم ولد الولد يقوم مقام الولد و يأخذ نصيب من يتقرب به ذكرا كان أو أنثى و البطن الأول يمنع من نزل عنه بدرجة ثم الأب يأخذ جميع المال إذا انفرد ثم من يتقرب به أما ولده أو والده أو من يتقرب بهما من عم أو عمة فالجد أب الأب مع الأخ الذي هو ولده في درجة و كذلك الجدة مع الأخت فهم يتقاسمون المال للذكر مثل حظ الأنثيين و من له سببان يمنع من له سبب واحد و ولد الإخوة و الأخوات يقومون مقام‏

31

(1) - آبائهم و أمهاتهم في مقاسمة الجد و الجدة كما يقوم ولد الولد مقام الولد للصلب مع الأب و كذلك الجد و الجدة و إن عليا يقاسمان الإخوة و الأخوات و أولادهم و إن نزلوا على حد واحد و أما من يرث بالقرابة ممن يتقرب بالأم فهم الجد و الجدة أو من يتقرب بهما من الخال و الخالة فإن أولاد الأم يرثون بالفرض أو بالفرائض دون القرابةفالجد و الجدة من قبلها يقاسمان الإخوة و الأخوات من قبلها و متى اجتمع قرابة الأب مع قرابة الأم مع استوائهم في الدرجة كان لقرابة الأم الثلث بينهم بالسوية و الباقي لقرابة الأب للذكر مثل حظ الأنثيين و متى بعد إحدى القرابتين بدرجة سقطت مع التي هي أقرب سواء كان الأقرب من قبل الأب أو من قبل الأم إلا في مسألة واحدة و هو ابن عم للأب فإن المال لابن العم هذه أصول مسائل الفرائض و لتفريعها شرح طويل دونه المشايخ في كتب الفقه.

ـ

القراءة

قرأ نافع و ابن عامر ندخله بالنون في الموضعين و الباقون بالياء.

الحجة

من قرأ بالياء فلأن ذكر الله قد تقدم فحمل الكلام على الغيبة و من قرأ بالنون عدل عن لفظ الغيبة إلى الإخبار عن الله بنون الكبرياء و يقوي ذلك قوله‏ بَلِ اَللََّهُ مَوْلاََكُمْ ثم قال‏ سَنُلْقِي .

اللغة

الحد الحاجز بين الشيئين و أصله المنع و الفصل و حدود الدار تفصلها عن غيرها و الفوز و الفلاح نظائر .

الإعراب‏

«خََالِدِينَ فِيهََا» نصب على الحال قال الزجاج و التقدير يدخلهم مقدرين الخلود فيها و الحال يستقبل بها تقول مررت برجل معه باز صائدا به غدا أي مقدرا الصيد به‏

32

(1) - غدا و قوله «خََالِداً فِيهََا» منصوب على أحد وجهين (أحدهما) الحال من الهاء في «يُدْخِلْهُ نََاراً» و التقدير على ما ذكرناه (و الآخر) أن يكون صفة لقوله «نََاراً» و هذا كما تقول زيد مررت بدار ساكن فيها فيكون على حذف الضمير من ساكن هو فيها لأن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له لم يتضمن الضمير كما يتضمنه الفعل و لو قلت يسكن فيها يجب إبرازه فتقول زيد مررت بدار ساكن هو فيها.

المعنى‏

لما فرض الله فرائض المواريث عقبها بذكر الوعد في الائتمار لها و الوعيد على التعدي لحدودها فقال «تِلْكَ حُدُودُ اَللََّهِ» أي هذه التي بينت في أمر الفرائض و أمر اليتامى حدود الله أي الأمكنة التي لا ينبغي أن تتجاوز عن الزجاج و اختلف في معنى الحدود على أقوال (أحدها) تلك شروط الله عن السدي (و ثانيها) تلك طاعة الله عن ابن عباس (و ثالثها) تلك تفصيلات الله لفرائضه و هو الأقوى فيكون المراد هذه القسمة التي قسمها الله لكم و الفرائض التي فرضها الله لأحيائكم من أمواتكم فصول بين طاعة الله و معصيته فإن معنى حدود الله حدود طاعة الله و إنما اختصر لوضوح معناه للمخاطبين «وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ» فيما أمر به من الأحكام و قيل فيما فرض له من فرائض المواريث «يُدْخِلْهُ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا» أي من تحت أشجارها و أبنيتها «اَلْأَنْهََارُ» أي ماء الأنهار حذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه في الموضعين «خََالِدِينَ فِيهََا» أي دائمين فيها «وَ ذََلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ» أي الفلاح العظيم وصفه بالعظيم و لم يبين بالإضافة إلى ما ذا و المراد أنه عظيم بالإضافة إلى منفعة الحيازة في التركة من حيث كان أمر الدنيا حقيرا بالإضافة إلى أمر الآخرة و إنما خص الله الطاعة في قسمة الميراث بالوعدمع أنه واجب في كل طاعة إذا فعلت لوجوبها أو لوجه وجوبها ليبين عن عظم موقع هذه الطاعة بالترغيب فيها و الترهيب عن تجاوزها و تعديها «وَ مَنْ يَعْصِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ» فيما بينه من الفرائض و غيرها «وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ» أي و يتجاوز ما حد له من الطاعات «يُدْخِلْهُ نََاراً خََالِداً» أي دائما «فِيهََا وَ لَهُ عَذََابٌ مُهِينٌ» سماه مهينا لأن الله يفعله على وجه الإهانة كما أنه يثيب المؤمن على وجه الكرامة و من استدل بهذه الآية على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة مخلد في النار و معاقب فيها لا محالة فقوله بعيد لأن قوله «وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ» يدل على أن المراد به من تعدى جميع حدود الله و هذه صفة الكفار و لأن صاحب الصغيرة بلا خلاف خارج عن عموم الآية و إن كان فاعلا للمعصية و متعديا حدا من حدود الله و إذا جاز إخراجه بدليل جاز لغيره أن يخرج من عمومها من يشفع له النبي أو يتفضل الله عليه بالعفو

33

(1) - بدليل آخر و أيضا فإن التائب لا بد من إخراجه من عموم الآية لقيام الدليل على وجوب قبول التوبة و كذلك يجب إخراج من يتفضل الله بإسقاط عقابه منها لقيام الدلالة على جواز وقوع التفضل بالعفو فإن جعلوا للآية دلالة على أن الله لا يختار العفو جاز لغيرهم أن يجعلها دلالة على أن العاصي لا يختار التوبة على أن في المفسرين من حمل الآية على من تعدى حدود الله و عصاه مستحلا لذلك و من كان كذلك لا يكون إلا كافرا.

القراءة

قرأ ابن كثير و الذان يأتيانها بتشديد النون و كذلك فذانك و هذان أو هاتين و قرأ الباقون بتخفيف ذلك كله إلا أبا عمرو فإنه شدد فذانك وحدها.

الحجة

قال أبو علي القول في تشديد نون التثنية أنه عوض عن الحذف الذي لحق الكلمة أ لا ترى أن ذا قد حذف لامها و قد حذف الياء من اللذان في التثنية و اتفق اللذان و هذان في التعويض كما اتفقا في فتح الأوائل منهما في التحقير مع ضمها في غيرهما و ذلك في نحو اللذيا و اللتيا و ذيا و تيا.

اللغة

اللاتي جمع التي و كذلك اللواتي قال:

من اللواتي و التي و اللاتي # زعمن أني كبرت لداتي‏

و قد تحذف التاء من اللاتي فيقال اللاي قال:

من اللاي لم يحججن يبغين حسبة # و لكن ليقتلن البري‏ء المغفلا.

34

(1) -

المعنى‏

لما بين سبحانه حكم الرجال و النساء في باب النكاح و الميراث بين حكم الحدود فيهن إذا ارتكبن الحرام فقال «وَ اَللاََّتِي يَأْتِينَ اَلْفََاحِشَةَ» أي يفعلن الزنا «مِنْ نِسََائِكُمْ» الحرائر فالمعنى اللاتي يزنين «فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ» أي من المسلمين يخاطب الحكام و الأئمة و يأمرهم بطلب أربعة من الشهود في ذلك عند عدم الإقرار و قيل هو خطاب للأزواج في نسائهم أي فأشهدوا عليهن أربعة منكم و قال أبو مسلم المراد بالفاحشة في الآية هنا الزنا أن تخلو المرأة في الفاحشة المذكورة عنهن و هذا القول مخالف للإجماع و لما عليه المفسرون فإنهم أجمعوا على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا «فَإِنْ شَهِدُوا» يعني الأربعة «فَأَمْسِكُوهُنَّ» أي فاحبسوهن «فِي اَلْبُيُوتِ حَتََّى يَتَوَفََّاهُنَّ اَلْمَوْتُ» أي يدركهن الموت فيمتن في البيوت و كان في مبدإ الإسلام إذا فجرت المرأة و قام عليها أربعة شهود حبست في البيت أبدا حتى تموت ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين و الجلد في البكرين «أَوْ يَجْعَلَ اَللََّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً» قالوا

لما نزل قوله‏ اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وََاحِدٍ مِنْهُمََا مِائَةَ جَلْدَةٍ قال النبي ص خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة و تغريب عام و الثيب بالثيب جلد مائة و الرجم‏

و قال بعض أصحابنا إن من وجب عليه الرجم‏يجلد أولا ثم يرجم و به قال الحسن و قتادة و جماعة من الفقهاء و قال أكثر أصحابنا إن ذلك يختص بالشيخ و الشيخة فأما غيرهما فليس عليه غير الرجم و

حكم هذه الآية منسوخ عند جمهور المفسرين و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله

و قال بعضهم إنه غير منسوخ لأن الحبس لم يكن مؤبدا بل كان مستندا إلى غاية فلا يكون بيان الغاية نسخا له كما لو قال افعلوا كذا إلى رأس الشهر و قد فرق بين الموضعين فإن الحكم المعلق بمجي‏ء رأس الشهر لا يحتاج إلى بيان صاحب الشرع بخلاف ما في الآية و قوله‏} «وَ اَلَّذََانِ يَأْتِيََانِهََا مِنْكُمْ» أي يأتيان الفاحشة و فيه ثلاثة أقوال (أحدها) أنهما الرجل و المرأة عن الحسن و عطا (و ثانيها) أنهما البكران من الرجال و النساء عن السدي و ابن زيد (و ثالثها) أنهما الرجلان الزانيان عن مجاهد و هذا لا يصح لأنه لو كان كذلك لما كان للتثنية معنى لأن الوعد و الوعيد إنما يأتي بلفظ الجمع فيكون لكل واحد منهم أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس فأما التثنية فلا فائدة فيها و قال أبو مسلم هما الرجلان يخلوان بالفاحشة بينهما و الفاحشة في الآية الأولى عنده السحق و في الآية الثانية اللواط فحكم الآيتين عنده ثابت غير منسوخ و إلى هذا التأويل ذهب أهل العراق فلا حد عندهم في اللواط و السحق و هذا بعيد لأن الذي عليه جمهور المفسرين أن الفاحشة في آية الزنا و أن الحكم في الآية منسوخ بالحد المفروض في سورة النور ذهب إليه الحسن و مجاهد

35

(1) - و قتادة و السدي و الضحاك و غيرهم و إليه ذهب البلخي و الجبائي و الطبري و قال بعضهم نسخها الحدود بالرجم أو الجلدو قوله «فَآذُوهُمََا» قيل في معناه قولان (أحدهما) هو التعيير باللسان و الضرب بالنعال عن ابن عباس (و الآخر) أنه التعيير و التوبيخ باللسان عن قتادة و السدي و مجاهد و اختلف في الأذى و الحبس‏[في الثيبين‏]كيف كان فقال الحسن كان الأذى أولا و الآية الأخيرة نزلت من قبل ثم أمرت أن توضع في التلاوة من بعد فكان الأول الأذى ثم الحبس ثم الجلد أو الرجم و قال السدي كان الحبس في الثيبين و الأذى في البكرين و قيل كان الحبس للنساء و الأذى للرجال و قال الفراء إن الآية الأخيرة نسخت الآية الأولى و قوله «فَإِنْ تََابََا» أي رجعا عن الفاحشة «وَ أَصْلَحََا» العمل فيما بعده «فَأَعْرِضُوا عَنْهُمََا» أي اصفحوا عنهما و كفوا عن أذاهما «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ تَوََّاباً رَحِيماً» يقبل التوبة عن عباده و يرحمهم قال الجبائي في الآية دلالة على نسخ القرآن بالسنة لأنها نسخت بالرجم أو الجلد و الرجم قد ثبت بالسنة و من لم يجوز نسخ القرآن بالسنة يقول إن هذه الآية نسخت بالجلد في الزنا و أضيف الرجم إليه زيادة لا نسخا و أما الأذى المذكور في الآية فغير منسوخ فإن الزاني يؤذى و يعنف على فعله و يذم به لكنه لم يقتصر عليه بل زيد فيه بأن أضيف الجلد أو الرجم إليه.

ـ

اللغة

أصل التوبة الرجوع و حقيقتها الندم على القبيح مع العزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح و قيل يكفي في حدها الندم على القبيح و العزم على أن لا يعود إلى مثله . أعتدنا قيل أن أصله أعددنا فالتاء بدل من الدال و قيل هو أفعلنا من العتاد و هو العدة قال عدي بن‏

36

(1) - الرقاع :

تأتيه أسلاب الأعزة عنوة # قسرا و يجمع للحروب عتادها

يقال للفرس المعد للحرب عتد و عتد .

الإعراب‏

موضع «اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ» جر بكونه عطفا على قوله «لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ» و تقديره و لا للذين يموتون.

المعنى‏

لما وصف تعالى نفسه بالتواب الرحيم بين عقيبه شرائط التوبة فقال «إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ» و لفظة «إِنَّمَا» يتضمن النفي و الإثبات فمعناه لا توبة مقبولة «عَلَى اَللََّهِ» أي عند الله إلا «لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ» و اختلف في معنى قوله «بِجَهََالَةٍ» على وجوه (أحدها) أن كل معصية يفعلها العبد جهالة و إن كان على سبيل العمدلأنه يدعو إليها الجهل و يزينها للعبد عن ابن عباس و عطاء و مجاهد و قتادة و هو

المروي عن أبي عبد الله (ع) فإنه قال كل ذنب عمله العبد و إن كان عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه فقد حكى الله تعالى قول يوسف لإخوته‏ هَلْ عَلِمْتُمْ مََا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جََاهِلُونَ فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله‏

(و ثانيها) إن معنى قوله «بِجَهََالَةٍ» أنهم لا يعلمون كنه ما فيه من العقوبة كما يعلم الشي‏ء ضرورة عن الفراء (و ثالثها) أن معناه أنهم يجهلون أنها ذنوب و معاص فيفعلونها إما بتأويل يخطئون فيه و إما بأن يفرطوا في الاستدلال على قبحها عن الجبائي و ضعف الرماني هذا القول لأنه بخلاف ما أجمع عليه المفسرون و لأنه يوجب أن لا يكون لمن علم أنها ذنوب توبة لأن قوله «إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ» تفيد أنها لهؤلاء دون غيرهم و قال أبو العالية و قتادة أجمعت الصحابة على أن كل ذنب أصابه العبد فهو جهالة و قال الزجاج إنما قال الجهالة لأنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جهال فهو جهل في الاختيار و معنى «يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ» أي يتوبون قبل الموت لأن ما بين الإنسان و بين الموت قريب فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت و قال الحسن و الضحاك و ابن عمر القريب ما لم يعاين الموت و قال السدي هو ما دام في الصحة قبل المرض و الموت و

روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قيل له فإن عاد و تاب مرارا قال يغفر الله له‏قيل إلى متى‏

37

(1) - قال حتى يكون الشيطان هو المسحور

و

في كتاب من لا يحضره الفقيه قال قال رسول الله ص في آخر خطبة خطبها من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه ثم قال و إن السنة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه ثم قال و إن الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه ثم قال و إن اليوم لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه ثم قال و إن الساعة لكثيرة من تاب قبل موته و قد بلغت نفسه هذه و أهوى بيده إلى حلقه تاب الله عليه‏

و

روى الثعلبي بإسناده عن عبادة بن الصامت عن النبي هذا الخبر بعينه إلا أنه قال في آخره و إن الساعة لكثيرة من تاب قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه‏

و

روى أيضا بإسناده عن الحسن قال قال رسول الله ص لما هبط إبليس قال و عزتك و جلالتك و عظمتك لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده فقال الله سبحانه و عزتي و عظمتي و جلالي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها

«فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ» أي يقبل توبتهم «وَ كََانَ اَللََّهُ عَلِيماً» بمصالح العباد «حَكِيماً» فيما يعاملهم به‏} «وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ» التوبة المقبولة التي ينتفع بها صاحبها «لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ» أي المعاصي و يصرون عليها و يسوفون التوبة «حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ» أي أسباب الموت من معاينة ملك الموت و انقطع الرجاء عن الحياة و هو حال اليأس التي لا يعلمها أحد غير المحتضر «قََالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ» أي فليس عند ذلك اليأس التوبة و أجمع أهل التأويل على أن هذه قد تناولت عصاة أهل الإسلام إلا ما روي عن الربيع أنه قال إنها في المنافقين و هذا لا يصح لأن المنافقين من جملة الكفارو قد بين الكفار بقوله «وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفََّارٌ» و معناه و ليست التوبة أيضا للذين يموتون على الكفر ثم يندمون بعد الموت «أُولََئِكَ أَعْتَدْنََا» أي هيأنا «لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً» أي موجعا و إنما لم يقبل الله تعالى التوبة في حال اليأس و اليأس من الحياة لأنه يكون العبد هناك ملجأ إلى فعل الحسنات و ترك القبائح فيكون خارجا عن حد التكليف إذ لا يستحق على فعله المدح و لا الذم و إذا زال عنه التكليف لم تصح منه التوبة و لهذا لم يكن أهل الآخرة مكلفين و لا تقبل توبتهم و من استدل بظاهر قوله تعالى «أَعْتَدْنََا لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً» على وجوب العقاب لمن مات من مرتكبي الكبائر من المؤمنين قبل التوبة فالانفصال عن استدلاله أن يقال إن معنى إعداد العذاب لهم إنما هو خلق النار التي هي مصيرهم فالظاهر يقتضي استيجابهم لدخولها و ليس في الآية أن الله يفعل بهم ما يستحقونه لا محالة و يحتمل أيضا أن يكون «أُولََئِكَ» إشارة إلى الذين يموتون و هم كفار لأنه أقرب إليه من قوله «لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ» و يحتمل أيضا أن يكون التقدير أعتدنا لهم العذاب إن عاملناهم بالعدل و لم نشأ العوف عنهم و تكون الفائدة فيه إعلامهم ما

38

(1) - يستحقونه من العقاب‏و أن لا يأمنوا من أن يفعل بهم ذلك فإن قوله‏ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ لا تتناول المشيئة فيه إلا المؤمنين من أهل الكبائر الذين يموتون قبل التوبة لأن المؤمن المطيع خارج عن هذه الجملة و كذلك التائب إذ لا خلاف في أن الله لا يعذب أهل الطاعات من المؤمنين و لا التائبين من المعصية و الكافر خارج أيضا عن المشيئة لأخبار الله تعالى أنه لا يغفر الكفر فلم يبق تحت المشيئة إلا من مات مؤمنا موحدا و قد ارتكب كبيرة لم يتب منها و قال الربيع إن الآية منسوخة بقوله‏ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ لأنه حكم من الله و النسخ جائز في الأحكام كما جاز في الأوامر و النواهي و إنما يمتنع النسخ في الأخبار بأن يقول كان كذا و كذا ثم يقول لم يكن أو يقول في المستقبل لا يكون كذا ثم يقول يكون كذا و هذا لا يصح لأن قوله «أَعْتَدْنََا» وارد مورد الخبر فلا يجوز النسخ فيه كما لا يجوز في سائر الأخبار.

ـ

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي كرها بضم الكاف هنا و في التوبة و الأحقاف و وافقهما عاصم و ابن عامر و يعقوب في الأحقاف و قرأ الباقون بفتح الكاف في جميع ذلك و قرأ بفاحشة مبينة بفتح الياء ابن كثير و أبو بكر عن عاصم و الباقون بكسر الياء و روي في الشواذ عن ابن عباس مبينة بكسر الياء خفيفة.

الحجة

الكره و الكره لغتان مثل الضعف و الضعف و الفقر و الفقر و الدف و الدف و قال سيبويه بين الشي‏ء و بينته و أبان الشي‏ء و أبنته و استبان الشي‏ء و استبنته و تبين و تبينته و من أبيات الكتاب :

سل الهموم بكل معطي رأسه # تاج مخالط صهبة متعيس

39

(1) - مغتال أحبله مبين عنقه # في منكب زين المطي عرندس‏

و في نوادر أبي زيد :

يبينهم ذو اللب حين يراهم # بسيماهم بيضا لحاهم و أصلعا

و من كلامهم‏

قد بين الصبح لذي عينين.

اللغة

العضل التضييق بالمنع من التزويج و أصله الامتناع يقال عضلت الدجاجة ببيضتها إذا عسرت عليها و عضل الفضاء بالجيش الكثير إذا لم يمكن سلوكه لضيقه و منه الداء العضال الذي لا يبرأ و الفاحشة مصدر كالعاقبة و العافية قال أبو عبيدة الفاحشة الشنار و الفحش القبيح و المعاشرة المصاحبة و هو من العشرة .

الإعراب‏

«أَنْ تَرِثُوا اَلنِّسََاءَ» في موضع رفع بأنه فاعل يحل و كرها مصدر وضع موضع الحال من النساء و العامل في الحال ترثوا «وَ لاََ تَعْضُلُوهُنَّ» يجوز أن يكون أيضا نصبا بكونه معطوفا على ترثوا و تقديره لا يحل لكم أن ترثوا و لا أن تعضلوا و يجوز أن يكون مجزوما على النهي.

النزول‏

قيل أن أبا قيس بن الأسلت لما مات عن زوجته كبيشة بنت معن ألقى ابنه محصن بن أبي قيس ثوبه عليها فورث نكاحها ثم تركها و لم يقربها و لم ينفق عليها فجاءت إلى النبي ص فقالت يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي و لا أنا تركت فأنكح فنزلت الآية عن مقاتل و هو المروي عن أبي جعفر (ع)

و

قيل كان أهل الجاهلية إذا مات الرجل جاء ابنه من غيرها أو وليه فورث امرأته كما يرث ماله و ألقى عليها ثوبا فإن شاء تزوجها بالصداق الأول و إن شاء زوجها غيره و أخذ صداقها فنهوا عن ذلك عن الحسن و مجاهد و روى ذلك أبو الجارود عن أبي جعفر (ع)

و قيل نزلت في الرجل تكون تحته امرأة يكره صحبتها و لها عليه مهر فيطول عليها و يضارها لتفتدي بالمهر فنهوا عن ذلك عن ابن عباس و

قيل نزلت في الرجل يحبس المرأة عنده لا حاجة له إليها و ينتظر موتها حتى يرثها عن الزهري و روي ذلك عن أبي جعفر (ع)

أيضا.

40

(1) -

المعنى‏

لما نهى الله فيما تقدم عن عادات أهل الجاهلية في أمر اليتامى و الأموال عقبه بالنهي عن الاستنان بسنتهم في النساء فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي يا أيها المؤمنون «لاََ يَحِلُّ لَكُمْ» أي لا يسعكم في دينكم «أَنْ تَرِثُوا اَلنِّسََاءَ» أي نكاح النساء «كَرْهاً» أي على كره منهن و قيل ليس لكم أن تحبسوهن على كره منهن طمعا في ميراثهن و قيل ليس لكم أن تسيئوا صحبتهن‏ليفتدين بما لهن أو بما سقتم إليهن من مهورهن أو ليمتن فترثوهن «وَ لاََ تَعْضُلُوهُنَّ» أي و أن لا تحبسوهن و قيل و لا تمنعوهن عن النكاح «لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مََا آتَيْتُمُوهُنَّ» و اختلف في المعني بهذا النهي على أربعة أقوال (أحدها)

أنه الزوج أمره الله بتخلية سبيلها إذا لم يكن له فيها حاجة و أن لا يمسكها إضرارا بها حتى تفتدي ببعض مالها عن ابن عباس و قتادة و السدي و الضحاك و هو المروي عن أبي عبد الله (ع)

(و ثانيها) أنه الوارث نهي عن منع المرأة من التزويج كما كان يفعله أهل الجاهلية على ما بيناه عن الحسن (و ثالثها) أنه المطلق أي لا يمنع المطلقة من التزويج كما كانت تفعله قريش في الجاهلية ينكح الرجل منه المرأة الشريفة فإذا لم توافقه فارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه و يشهد عليها بذلك و يكتب كتابا فإذا خطبها خاطب فإن أرضته أذن لها و إن لم تعطه شيئا عضلها فنهى الله عن ذلك عن ابن زيد (و رابعها) أنه الولي خوطب بأن لا يمنعها عن النكاح عن مجاهد و القول الأول أصح «إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» أي ظاهرة و قيل فيه قولان (أحدهما) أنه يعني إلا أن يزنين عن الحسن و أبي قلابة و السدي و قالوا إذا اطلع منها على زنية فله أخذ الفدية (و الآخر) أن الفاحشة النشوز عن ابن عباس و

الأولى حمل الآية على كل معصية و هو المروي عن أبي جعفر (ع)

و اختاره الطبري . و اختلف في هذا الاستثناء و هو قوله «إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ» من ما ذا هو فقيل هو من أخذ المال و هو قول أهل التفسير و قيل كان هذا قبل الحدود و كان الأخذ منهن على وجه العقوبة لهن ثم نسخ عن الأصم و قيل هو من الحبس و الإمساك على ما تقدم في قوله‏ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ عن أبي علي الجبائي و أبي مسلم إلا أن أبا علي قال إنها منسوخة و أبى أبو مسلم النسخ «وَ عََاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» أي خالطوهن من العشرة التي هي المصاحبة بما أمركم الله به من أداء حقوقهن التي هي النصفة في القسم و النفقة و الإجمال في القول و الفعل و قيل المعروف أن لا يضربها و لا يسي‏ء القول فيها و يكون منبسط الوجه معها و قيل هو أن يتصنع لها كما تتصنع له «فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ» أي‏

41

(1) - كرهتم صحبتهن و إمساكهن «فَعَسى‏ََ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللََّهُ فِيهِ» أي في ذلك الشي‏ء و هو إمساكهن على كره منكم «خَيْراً كَثِيراً» من ولد يرزقكم أو عطف لكم عليهن بعد الكراهة و به قال ابن عباس و مجاهد فعلى هذا يكون المعنى إن كرهتموهن فلا تعجلوا طلاقهن لعل الله يجعل فيهن خيرا كثيرا و في هذا حث للأزواج على حسن الصبر فيما يكرهون من الأزواج و ترغيبهم في إمساكهن مع كراهة صحبتهن إذا لم يخافوا في ذلك من ضرر على النفس أو الدين أو المال و يحتمل أن يكون الهاء عائدا إلى الذي تكرهونه أي عسى أن يجعل الله فيما تكرهونه خيرا كثيرا و المعنى مثل الأول و قيل المعنى و يجعل الله في فراقكم لهن خيرا عن الأصم قال و نظيره‏ وَ إِنْ يَتَفَرَّقََا يُغْنِ اَللََّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ قال القاضي و هذا بعيد لأن الله تعالى حث على الاستمرار على الصحبة فكيف يحث على المفارقة.

ـ

اللغة

القنطار مأخوذ من القنطرة و منه القنطر للداهية لأنها كالقنطرة في عظم الصورة و يقال قنطر في الأمر يقنطر إذا عظمه بتكثير الكلام فيه من غير حاجة إليه و البهتان الكذب الذي يواجه به صاحبه على وجه المكابرة له و أصله التحير من قوله‏ فَبُهِتَ اَلَّذِي كَفَرَ أي تحير لانقطاع حجته فالبهتان كذب يحير صاحبه لعظمه و الإفضاء إلى شي‏ء هو الوصول إليه بالملامسة و أصله من الفضاء و هو السعة فضا يفضو فضوا إذا اتسع .

الإعراب‏

«بُهْتََاناً» مصدر وضع موضع الحال و كذلك قوله «وَ إِثْماً» و المعنى أ تأخذونه مباهتين و آثمين.

المعنى‏

لما حث الله على حسن مصاحبة النساء عند الإمساك عقبه ببيان حال الاستبدال فقال مخاطبا للأزواج «وَ إِنْ أَرَدْتُمُ» أيها الأزواج «اِسْتِبْدََالَ زَوْجٍ مَكََانَ زَوْجٍ» أي إقامة امرأة مقام امرأة «وَ آتَيْتُمْ إِحْدََاهُنَّ» أي أعطيتم المطلقة التي تستبدلون بها غيرها

42

(1) - «قِنْطََاراً» أي مالا كثيرا على ما قيل فيه من أنه ملأ مسك ثور ذهبا أو أنه دية الإنسان أو غير ذلك من الأقوال التي ذكرناها في أول آل عمران «فَلاََ تَأْخُذُوا مِنْهُ» أي من المؤتى أي المعطى «شَيْئاً» أي لا ترجعوا فيما أعطيتموهن من المهر إذا كرهتموهن و أردتم طلاقهن «أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتََاناً» هذا استفهام إنكاري أي تأخذونه باطلا و ظلما كالظلم بالبهتان و قيل معناه أ تأخذونه بإنكار التمليك و سماه بهتانا لأن الزوج إذا أنكر تمليكه إياها بغير حق استوجب المعطى لها في ظاهر الحكم كان إنكاره بهتانا و كذبا «وَ إِثْماً مُبِيناً» أي ظاهرا لا شك فيه و متى قيل في الآية لم خص حال الاستبدال بالنهي عن الأخذ مع أن الأخذ محرم مع عدم الاستبدال فجوابه أن مع الاستبدال قد يتوهم جواز الاسترجاع من حيث أن الثانية تقوم مقام الأولى فيكون لها ما أخذت الأولى فبين تعالى أن ذلك لا يجوز و أزال هذا الإشكال و المعنى إن أردتم تخلية المرأة سواء استبدلتم مكانها أخرى أم لم تستبدلوا فلا تأخذوا مما آتيتموها شيئا} «وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ» و هذا تعجيب من الله تعالى و تعظيم أي عجبا من فعلكم كيف تأخذون ذلك منهن «وَ قَدْ أَفْضى‏ََ بَعْضُكُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ» و هو كناية عن الجماع عن ابن عباس و مجاهد و السدي و قيل المراد به الخلوة الصحيحة و إن لم يجامع فسمى الخلوة إفضاء لوصوله بها إلى مكان الوطء و كلا القولين قد رواه أصحابنا و في تفسير الكلبي عن ابن عباس أن الإفضاء حصوله معها في لحاف واحد جامعها أو لم يجامعها فقد وجب المهر في الحالين «وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثََاقاً غَلِيظاً» قيل فيه أقوال (أحدها)

أن الميثاق الغليظ هو العهد المأخوذ على الزوج حالة العقد من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان عن الحسن و ابن سيرين و الضحاك و قتادة و السدي و هو المروي عن أبي جعفر (ع)

(و ثانيها) أن المراد به كلمة النكاح التي يستحل بها الفرج عن مجاهد و ابن زيد (و ثالثها)

قول النبي ص أخذتموهن بأمانة الله و استحللتم فروجهن بكلمة الله‏

عن عكرمة و الشعبي و الربيع و قد قيل في هاتين الآيتين ثلاثة أقوال (أحدها) أنهما محكمتان غير منسوختين لكن للزوج أن يأخذ الفدية من المختلعة لأن النشوز حصل من جهتها فالزوج يكون في حكم المكره لا المختار للاستبدال و لا يتنافى حكم الآيتين و حكم آية الخلع فلا يحتاج إلى نسخهما بها و هو قول الأكثرين (و ثانيها) أنهما محكمتان و ليس للزوج أن يأخذ من المختلعة شيئا و لا من غيرها لأجل ظاهر الآية عن بكير بن بكر بن عبد الله المزني (و الثالث) أن حكمهما منسوخ بقوله‏ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ يُقِيمََا حُدُودَ اَللََّهِ فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِمََا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ عن الحسن .

43

(1) -

اللغة

النكاح اسم يقع على العقد و منه‏ وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامى‏ََ مِنْكُمْ و يقع على الوطء و منه‏ اَلزََّانِي لاََ يَنْكِحُ إِلاََّ زََانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً أي لا يطأ بالحرام إلا من يطاوعه و منه‏

ملعون من نكح يده و ملعون من نكح بهيمة

قال الشاعر:

كبكر تشهى لذيذ النكاح # و تفزع من صولة الناكح‏

و أصله الجمع و منه أنكحنا الفرا فسنرى و المقت بغض من أمر قبيح يرتكبه صاحبه يقال مقت الرجل إلى الناس مقاتة و مقته الناس يمقته مقتا فهو مقيت و ممقوت و يقال أن ولد الرجل من امرأة أبيه كان يسمى المقتي و منهم أشعث بن قيس و أبو معيط جد الوليد بن عقبة .

الإعراب‏

«إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ» استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل و نظيره لا تبع من مالي إلا ما بعت و لا تأكل إلا ما أكلت و منه‏ لاََ يَذُوقُونَ فِيهَا اَلْمَوْتَ إِلاَّ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى‏ََ المعنى لكن ما قد سلف فلا جناح عليكم فيه و قال المبرد جاز أن يكون كان زائدة في قوله «إِنَّهُ كََانَ فََاحِشَةً» فالمعنى أنه فاحشة و أنشد في ذلك قول الشاعر:

فكيف إذا حللت بدار قوم # و جيران لنا كانوا كرام‏

قال الزجاج هذا غلط منه لأنه لو كان زائدة لم يكن ينصب خبرها و الدليل عليه البيت الذي أنشده:

و جيران لنا كانوا كرام‏

و لم يقل كراما قال علي بن عيسى إنما دخلت «كََانَ» ليدل على أن ذلك قبل تلك الحال فاحشة أيضا كما دخلت في قوله‏ وَ كََانَ اَللََّهُ غَفُوراً رَحِيماً و قوله «وَ سََاءَ سَبِيلاً» أي بئس طريقا ذلك الطريق فسبيلا منصوب على التمييز و فاعل ساء مضمر يفسره الظاهر و المخصوص بالذم محذوف.

النزول‏

قيل نزلت فيما كان يفعله أهل الجاهلية من نكاح امرأة الأب عن ابن عباس و قتادة و عكرمة و عطاء و قالوا تزوج صفوان بن أمية امرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب

44

(1) - و تزوج حصين بن أبي قيس امرأة أبيه كبيشة بنت معن و تزوج منظور بن ريان بن المطلب امرأة أبيه مليكة بنت خارجة قال أشعث بن سوار

توفي أبو قيس و كان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت إني أعدك ولدا و أنت من صالحي قومك و لكني آتي رسول الله ص فاستأمره فأتته فأخبرته فقال لها رسول الله ص ارجعي إلى بيتك فأنزل الله هذه الآية.

ـ

المعنى‏

لما تقدم ذكر شرائط النكاح عقبه تعالى بذكر من تحل له من النساء و من لا تحل فقال «وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ» أي لا تتزوجوا ما تزوج آباؤكم و قيل ما وطأ آباؤكم من النساء حرم عليكم ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من نكاح امرأة الأب عن ابن عباس و قتادة و عطاء و عكرمة و قيل أن تقديره لا تنكحوا نكاح آبائكم أي مثل نكاح آبائكم فيكون «مََا نَكَحَ» بمنزلة المصدر و تكون ما حرفا موصولا فعلى هذا يكون النهي عن حلائل الآباء و كل نكاح كان لهم فاسد و هو اختيار الطبري و في الوجه الأول يكون ما اسما موصولا يحتاج إلى عائد من صلته إليه قال الطبري أن الوجه الثاني أجود لأنه لو أراد حلائل الآباء لقال لا تنكحوا من نكح آباؤكم و قد أجيب عن ذلك بأنه يجوز أن يكون ذهب به مذهب الجنس كما يقول القائل لا تأخذ ما أخذ أبوك من الإماء فيذهب به مذهب الجنس ثم يفسره بمن «إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ» فإنكم لا تؤاخذون به و قيل معناه إلا ما قد سلف فدعوه فهو جائز لكم قال البلخي و هذا خلاف الإجماع و ما علم من دين رسول الله ص و قيل معناه لكن ما سلف فاجتنبوه و دعوه عن قطرب و قيل إنما استثني ما قد مضى ليعلم أنه لم يكن مباحا لهم «إِنَّهُ كََانَ فََاحِشَةً» أي زنا «وَ مَقْتاً» أي بغضا يعني يورث بغض الله و يجوز أن يكون الهاء في إنه عائدا إلى النكاح بعد النهي فيكون معناه‏أن نكاح امرأة الأب فاحشة أي معصية محرمة قبيحة و يجوز أن يكون عائدا إلى النكاح الذي كان عليه أهل الجاهلية أي أنه كان فاحشة قبل هذا و لا يكون كذلك إلا و قد قامت عليكم الحجة بتحريمه من قبل الرسل و الأول أقوى و هذا اختيار الجبائي قال و تكون السلامة مما قد سلف في الإقلاع منه بالتوبة و الإبانة قال البلخي و ليس كل نكاح حرمه الله يكون زنا لأن الزنا فعل مخصوص لا يجري على طريقة لازمة و لا سنة جارية و لذلك لا يقال للمشركين في الجاهلية أولاد زنا و لا لأولاد أهل الذمة و المعاهدين أولاد زنا إذ كان ذلك عقدا بينهم يتعارفونه‏و قوله «وَ سََاءَ سَبِيلاً» أي بئس الطريق ذلك النكاح الفاسد و في هذه الآية دلالة على أن كل من عقد عليها الأب من النساء تحرم على الابن دخل بها الأب أو لم يدخل و هذا إجماع فإن دخل بها الأب على وجه‏

45

(1) - السفاح فهل تحرم على الابن ففيه خلاف و عموم الآية يقتضي أنه يحرم عليه لأن النكاح قد يعبر به عن الوطء و هو الأصل فيه كما يعبر به عن العقد فينبغي أن تحمل اللفظ في الآية على الأمرين و امرأة الأب و إن علا تحرم على الابن و إن سفل بلا خلاف.

اللغة

الربائب جمع ربيبة و هي بنت زوجة الرجل من غيره سميت بذلك لتربيته إياها فهي في معنى مربوبة نحو قتيلة في موضع مقتولة و يجوز أن تسمى ربيبة سواء تولى تربيتها أو لم يتول و سواء كانت في حجره أو لم تكن لأنه إذا تزوج بأمها فهو رابها و هي ربيبته و العرب تسمي الفاعلين و المفعولين بما يقع بهم و يوقعونه يقولون هذا مقتول و إن لم يقتل بعد و هذا ذبيح و إن لم يذبح بعد إذا كان يراد ذبحه و قتله و كذلك يقولون هذا أضحية لما أعد للتضحية و هذه قتوبة و حلوبة أي هي مما تقتب و تحلب و قد يقال لزوج المرأة ربيب ابن امرأته بمعنى أنه رابه كما يقال شهيد و خبير بمعنى شاهد و خابر و الحلائل جمع الحليلة و هي بمعنى المحللة مشتقة من الحلال و الذكر حليل و جمعه أحلة كعزيز و أعزة سميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل له مباشرة صاحبه و قيل هو من الحلول لأن كل واحد منهما يحال صاحبه أي يحل معه في الفراش .

46

(1) -

المعنى‏

ثم بين المحرمات من النساء فقال «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ» لا بد فيه من محذوف‏لأن التحريم لا يتعلق بالأعيان و إنما يتعلق بأفعال المكلف ثم يختلف باختلاف ما أضيف إليه فإذا أضيف إلى مأكول نحو قوله‏ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ فالمراد الأكل و إذا أضيف إلى النساء فالمراد العقد فالتقدير حرم عليكم نكاح أمهاتكم فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه لدلالة مفهوم الكلام عليه و كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك «وَ بَنََاتُكُمْ» أي و نكاح بناتكم و كل امرأة رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث رجع نسبها إليك بذكور فهي بنتك «وَ أَخَوََاتُكُمْ» هي جمع الأخت و كل أنثى ولدها شخص ولدك في الدرجة الأولى فهي أختك «وَ عَمََّاتُكُمْ» هي جمع العمة و كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك و قد تكون العمة من جهة الأم مثل أخت أبي أمك و أخت جد أمك فصاعدا «وَ خََالاََتُكُمْ» و هي جمع الخالة و كل أنثى رجع نسبها إليها بالولادة فأختها خالتك و قد تكون الخالة من جهة الأب مثل أخت أم أبيك أو أخت جدة أبيك فصاعدا و إذا خاطب تعالى المكلفين بلفظ الجمع كقوله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ» ثم أضاف المحرمات بعده إليهم للفظ الجمع فالآحاد تقع بإزاء الآحاد فكأنه قال حرم على كل واحد منكم نكاح أمه و من يقع عليها اسم الأم و نكاح بنته و من يقع عليها اسم البنت و كذلك الجميع «وَ بَنََاتُ اَلْأَخِ وَ بَنََاتُ اَلْأُخْتِ» فهذا أيضا على ما ذكرناه جمع بإزاء جمع فيقع الآحاد بإزاء الآحاد و التحديد في هؤلاء كالتحديد في بنات الصلب و هؤلاء السبع هن المحرمات بالنسب و قد صح عن ابن عباس أنه قال حرم الله من النساء سبعا بالسبب و تلا الآية ثم قال و السابعة وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ ثم ذكر سبحانه المحرمات بالسبب فقال «وَ أُمَّهََاتُكُمُ اَللاََّتِي أَرْضَعْنَكُمْ» سماهن أمهات للحرمة و كل أنثى انتسبت إليها باللبن فهي أمك فالتي أرضعتك أو أرضعت امرأة أرضعتك أو رجلا أرضعت بلبانه من زوجته أو أم ولد له فهي أمك من الرضاعة و كذلك كل امرأة ولدت امرأة أرضعتك أو رجلا أرضعك فهي أمك من الرضاعة «وَ أَخَوََاتُكُمْ مِنَ اَلرَّضََاعَةِ» يعني بنات المرضعة و هن ثلاث الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء أرضعتها معك أو مع ولدها قبلك أو بعدك و الثانية أختك لأمك دون أبيك و هي التي أرضعتها أمك بلبان غير أبيك و الثالثة أختك لأبيك دون أمك و هي التي أرضعتها زوجة ـ

47

(1) -أبيك بلبن أبيك و أم الرضاعة و أخت الرضاعة لو لا الرضاعة لم تحرما فإن الرضاعة سبب تحريمهما و كل من تحرم بالنسب من اللاتي مضى ذكرهن تحرم أمثالهن بالرضاع‏

لقول النبي ص إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب‏

فثبت بهذا الخبر أن السبع من المحرمات بالنسب على التفصيل الذي ذكره محرمات بالرضاع و الكلام في الرضاع يشتمل على ثلاثة فصول (أحدها) مدة الرضاع و قد اختلف فيها فقال أكثر أهل العلم لا يحرم إلا ما كان في مدة الحولين و هو مذهب أصحابنا و به قال الشافعي و أبو يوسف و محمد و قال أبو حنيفة مدة الرضاع حولان و نصف و قال مالك حولان و شهر و اتفقوا على أن رضاع الكبير لا يحرم (و ثانيها) قدر الرضاع و قد اختلف فيه أيضا فقال أبو حنيفة إن قليله و كثيره يحرم و روي ذلك عن ابن عمر و ابن عباس و هو مذهب مالك و الأوزاعي و قال الشافعي إنما يحرم خمس رضعات و به قالت عائشة و سعيد بن جبير و قال أصحابنا لا يحرم إلا ما أنبت اللحم و شد العظم و إنما يعتبر ذلك برضاع يوم و ليلة لا يفصل بينه برضاع امرأة أخرى أو بخمس عشرة رضعة متواليات لا يفصل بينها برضاع امرأة أخرى و قال بعض أصحابنا المحرم عشر رضعات متواليات (و ثالثها) كيفية الرضاع فعند أصحابنا لا يحرم إلا ما وصل إلى الجوف من الثدي في المجرى المعتاد الذي هو الفم فأما ما يوجر أو يسعط أو يحقن به فلا يحرم بحال و لبن الميتة لا حرمة له في التحريم و في جميع ذلك خلاف و قوله «وَ أُمَّهََاتُ نِسََائِكُمْ» أي حرم عليكم نكاحهن و هذا يتضمن تحريم نكاح أمهات الزوجات و جداتهن قربن أو بعدن من أي وجه كن سواء كن من النسب أو من الرضاع و هن يحرمن بنفس العقد على البنت سواء دخل بالبنت أو لم يدخل لأن الله تعالى أطلق التحريم و لم يقيده بالدخول «وَ رَبََائِبُكُمُ» يعني بنات نسائكم من غيركم «اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ» و هو جمع حجر الإنسان و المعنى في ضمانكم و تربيتكم و يقال فلان في حجر فلان أي في تربيته و لا خلاف بين العلماء أن كونهن في حجره ليس بشرط في التحريم و إنما ذكر ذلك لأن الغالب أنها تكون كذلك و هذا يقتضي تحريم بنت المرأة من غير زوجها على زوجها و تحريم بنت ابنها و بنت بنتها قربت أم بعدت لوقوع اسم الربيبة عليهن «مِنْ نِسََائِكُمُ اَللاََّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» و هذه نعت لأمهات الربائب لا غير لحصول الإجماع على أن الربيبة تحل إذا لم يدخل بأمها قال المبرد و اللاتي دخلتم بهن نعت للنساء اللواتي هن أمهات الربائب لا غير و الدليل على ذلك إجماع الناس على أن الربيبة تحل إذا لم يدخل بأمهاو من أجاز أن يكون قوله «مِنْ نِسََائِكُمُ اَللاََّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» هو لأمهات نسائكم فيكون المعنى و أمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن و يخرج أن‏

48

(1) - يكون اللاتي دخلتم بهن لأمهات الربائب قال الزجاج و الدليل على صحة ذلك أن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدا لا يجيز النحويون مررت بنسائك و هربت من نساء زيد الظريفات على أن تكون الظريفات نعتا لهؤلاء النساء و هؤلاء النساء و

روى العياشي في تفسيره بإسناده عن إسحاق بن عمار عن جعفر بن محمد عن أبيه (ع) قال إن عليا كان يقول الربائب عليكم حرام من الأمهات اللاتي قد دخلتم بهن كن في الحجور أو في غير الحجور

و الأمهات مبهمات دخل بالبنات أو لم يدخل بهن فحرموا ما حرم الله و أبهموا ما أبهم الله و اختلف في معنى الدخول على قولين (أحدهما) أن المراد به الجماع عن ابن عباس (و الآخر) أنه الجماع و ما يجري مجراه من المسيس و التجريد عن عطاء و هو مذهبنا و في ذلك خلاف بين الفقهاء «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» يعني بأم الربيبة «فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ» أي لا إثم عليكم في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن «وَ حَلاََئِلُ أَبْنََائِكُمُ اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاََبِكُمْ» أي و حرم عليكم نكاح أزواج أبنائكم ثم أزال الشبهة في أمر زوجة المتبني به فقال «اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاََبِكُمْ» لئلا يظن أن زوجة المتبني به تحرم على المتبني و روي عن عطاء أن هذه نزلت حين نكح النبي امرأة زيد بن حارثة فقال المشركون في ذلك فنزل «وَ حَلاََئِلُ أَبْنََائِكُمُ اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاََبِكُمْ» و قوله‏ وَ مََا جَعَلَ أَدْعِيََاءَكُمْ أَبْنََاءَكُمْ و مََا كََانَ مُحَمَّدٌ أَبََا أَحَدٍ مِنْ رِجََالِكُمْ و أما حلائل الأبناء من الرضاعة فمحرمات أيضا

بقوله إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب‏

«وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ» أي و حرم عليكم الجمع بين الأختين‏لأن أن مع صلتها في حكم المصدر و هذا يقتضي تحريم الجمع بين الأختين في العقد على الحرائر و تحريم الجمع بينهما في الوطء بملك اليمين فإذا وطئ إحداهما فقد حرمت عليه الأخرى حتى تخرج تلك من ملكه و هو قول الحسن و أكثر المفسرين و الفقهاء «إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ» استثناء منقطع و معناه لكن ما قد سلف لا يؤاخذكم الله به و ليس المراد به أن ما قد سلف حال النهي يجوز استدامته بلا خلاف و قيل معناه إلا ما كان من يعقوب إذ جمع بين الأختين ليا أم يهوذا و راحيل أم يوسف عن عطاء و السدي «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ غَفُوراً رَحِيماً» لا يؤاخذكم الله بحكم ما قد سلف من هذه الأنكحة قبل نزول التحريم و كل ما حرم الله في هذه الآية فإنما هو على وجه التأبيد سواء كن مجتمعات أو متفرقات إلا الأختين فإنهما يحرمان على وجه الجمع دون الانفراد و يمكن أن يستدل بهذه الآية على أن هؤلاء المحرمات من ذوات الأنساب لا يصح أن تملك واحدة منهن لأن التحريم عام و المحرمات بالنسب أو السبب على وجه التأبيد يسمون مبهمات لأنهن يحرمن من جميع الجهات و هي مأخوذة من البهيم الذي لا

49

(1) - يخالط معظم لونه لون آخر يقال فرس بهيم لا شية له «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ غَفُوراً» يغفر الذنوب «رَحِيماً» يرحم العباد المؤمنين.

ـ

القراءة

قرأ الكسائي وحده و المحصنات و محصنات في سائر القرآن بكسر الصاد إلا قوله «وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» فإنه فتح الصاد فيه و قرأ الباقون بفتح الصاد في كل القرآن و قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر و أبا جعفر و أحل لكم بالضم و كسر الحاء و قرأ الباقون بفتح الهمزة و الحاء.

الحجة

وقع الاتفاق على فتح العين من قوله «وَ اَلْمُحْصَنََاتُ» في هذه الآية و معناها النساء اللاتي أحصن بالأزواج و الإحصان يقع على الحرة يدل عليه قوله‏ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنََاتِ الآية يعني الحرائر لأن من قذف غير حرة لم يجلد ثمانين و يقع أيضا على العفة يدل عليه قوله‏ «وَ مَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرََانَ اَلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهََا» و قد فسر قوله «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنََاتِ» بالعفائف و يقع على التزويج كما في الآية و يقع على الإسلام كما فسر من قرأ فإذا أحصن بفتح الهمزة بأسلمن و أصل الجميع المنع لأن الحرية تمنع عن امتهان الرق و العفة حظر النفس عما حظره الشرع و التزوج في المرأة يحظر خطبتها التي كانت مباحة قبل و يمنع تصديها للتزويج و الإسلام يحظر الدم و المال اللذين كانا مباحين قبل الإسلام و من قرأ «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ» قال بناء الفعل للفاعل أشبه بما قبله لأن معنى «كِتََابَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ» كتب الله عليكم كتابا و الله أحل لكم و من قرأ و أحل لكم

50

(1) - قال أنه في المعنى يؤول إلى الأول و فيه مراعاة ما قبله و هو قوله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ» .

اللغة

قال الأزهري يقال للرجل إذا تزوج أحصن فهو محصن كقولهم الفج فهو ملفج و أسهب فهو مسهب إذا أكثر الكلام و كلام العرب كله على أفعل فهو مفعل و قال سيبويه حصنت المرأة حصنا فهي حصان مثل جبن جبنا فهو جبان و قد قالوا حصناء كما قالوا علماء و الحصان الفحل من الأفراس و أحصن الرجل امرأته و أحصنت المرأة فرجها من الفجور و المسافحة و السفاح الزنا أصله من السفح و هو صب الماء لأنه يصب الماء باطلا و سفح الجبل أسفله لأنه يصب الماء منه و قال الزجاج المسافحة و السفاح الزانيان لا يمتنعان من أحد فإذا كانت تزني بواحد فهي ذات خدن .

الإعراب‏

«كِتََابَ اَللََّهِ» نصب على المصدر من فعل محذوف و أصله كتب الله كتابا عليكم‏ثم أضمر الفعل لدلالة ما تقدم من الكلام عليه و هو قوله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ» فإنه يدل على أن ما هو مذكور مكتوب عليهم فبقي كتاب الله عليكم ثم أضيف المصدر إلى الفاعل كما أضيف إلى المفعول في قولهم ضرب زيد و مثل ذلك قوله‏ صُنْعَ اَللََّهِ اَلَّذِي و على ذلك قول الشاعر:

ما إن يمس الأرض إلا جانب منه # و حرف الساق طي المحمل‏

لأن ما في البيت يدل على أنه طيان فكان تقديره طوى طي المحمل و قال الزجاج يجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر و يكون المعنى ألزموا كتاب الله و لا يجوز أن يكون منصوبا بعليكم لأن عليكم لا يجوز تقديم منصوبه و قوله «مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ» ما اسم موصول في موضع نصب بأنه مفعول على قراءة من قرأ و أحل لكم بفتح الهمزة و من قر «وَ أُحِلَّ» بالضم فمحله رفع و يجوز أن يكون محل «أَنْ تَبْتَغُوا» نصبا على البدل من ما إن كان منصوب الموضع أو رفعا إن كان محله رفعا و يجوز أن يكون على حذف اللام من لأن تبتغوا على ما مر أمثاله فيما مضى فيكون مفعولا له محصنين نصب على الحال و ذو الحال الواو من تبتغوا «غَيْرَ

51

(1) - مُسََافِحِينَ» صفة لمحصنين و فريضة نصب على المصدر و يجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال أي مفروضة.

ـ

المعنى‏

ثم عطف سبحانه على ما تقدم ذكرهن من المحرمات فقال «وَ اَلْمُحْصَنََاتُ» أي و حرمت عليكم اللاتي أحصن «مِنَ اَلنِّسََاءِ» و اختلف في معناه على أقوال (أحدها) أن المراد به ذوات الأزواج «إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ»

من سبي من كان له زوج عن علي (ع)

و ابن مسعود و ابن عباس و مكحول و الزهري و استدل بعضهم على ذلك بخبر أبي سعيد الخدري أن الآية نزلت في سبي أوطاس و أن المسلمين أصابوا نساء المشركين و كان لهن أزواج في دار الحرب فلما نزلت نادى منادي رسول الله ص ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن و لا غير الحبالى حتى يستبرئن بحيضةو من خالف فيه ضعف هذا الخبر بأن سبي أوطاس كانوا عبدة الأوثان و لم يدخلوا في الإسلام و لا يحل نكاح الوثنية و أجيب عن ذلك بأن الخبر محمول على ما بعد الإسلام (و ثانيها) أن المراد به ذوات الأزواج إلى ما ملكت أيمانكم ممن كان لها زوج لأن بيعها طلاقها عن أبي بن كعب و جابر بن عبد الله و أنس و ابن المسيب و الحسن و قال ابن عباس طلاق الأمة يثبت بستة أشياء سبيها و بيعها و عتقها و هبتها و ميراثها و طلاق زوجها و هو الظاهر من روايات أصحابنا و قال عمر بن الخطاب و عبد الرحمن بن عوف ليس بيع الأمة طلاقها بل طلاقها كطلاق الحرة و إنما هو في السبي خاصة لأن النبي ص خير بريرة بعد ما أعتقتها عائشة و لو بانت بالعتق لم يصح تخييرها و قال الأولون أن زوج بريرة كان عبدا و لو كان حرا لم يخيرها النبي ص (و ثالثها) أن المراد بالمحصنات العفائف إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو بالثمن ملك استمتاع بالمهر و النفقة أو ملك استخدام بالثمن عن أبي العالية و سعيد بن جبير و عطاء و السدي «كِتََابَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ» يعني كتب الله تحريم ما حرم و تحليل ما حلل عليكم كتابا فلا تخالفوه و تمسكوا به و قوله «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ» قيل في معناه أربعة أقوال (أحدها) أحل لكم ما وراء ذات المحارم من أقاربكم عن عطاء (و ثانيها) أن معناه أحل لكم ما دون الخمس و هي الأربع فما دونها أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح عن السدي (و ثالثها) ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم عن قتادة (و رابعها) أحل لكم ما وراء ذات المحارم و الزيادة على الأربع أن تبتغوا بأموالكم نكاحا أو ملك يمين و هذا الوجه أحسن الوجوه و لا تنافي بين هذه الأقوال و معنى أن تبتغوا أن تطلبوا أو تلتمسوا بأموالكم أما شراء بثمن أو نكاحا بصداق عن ابن عباس

52

(1) - «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ» أي متزوجين غير زانين و قيل معناه أعفة غير زناة و قوله «فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» قيل المراد بالاستمتاع هنا درك البغية و المباشرة و قضاء الوطر من اللذة عن الحسن و مجاهد و ابن زيد و السدي فمعناه على هذا فما استمتعتم أو تلذذتم من النساء بالنكاح فأتوهن مهورهن و قيل المراد به نكاح المتعة و هو النكاح المنعقد بمهر معين إلى أجل معلوم عن ابن عباس و السدي و ابن سعيد و جماعة من التابعين و هو مذهب أصحابنا الإمامية و هو الواضح لأن لفظ الاستمتاع و التمتع و إن كان في الأصل واقعا على الانتفاع و الالتذاذ فقد صار بعرف الشرع مخصوصا بهذا العقد المعين لا سيما إذا أضيف إلى النساء فعلى هذا يكون معناه فمتى عقدتم عليهن هذا العقد المسمى متعة فأتوهن أجورهن و يدل على ذلك أن الله علق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع و ذلك يقتضي أن يكون معناه هذا العقد المخصوص دون الجماع و الاستلذاذ لأن المهر لا يجب إلا به هذا و قد روي عن جماعة من الصحابة منهم أبي بن كعب و عبد الله بن عباس و عبد الله بن مسعود أنهم قرءوا فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن و في ذلك تصريح بأن المراد به عقد المتعة و قد أورد الثعلبي في تفسيره عن حبيب بن أبي ثابت قال أعطاني ابن عباس مصحفا فقال هذا على قراءة أبي فرأيت في المصحف فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى و بإسناده عن أبي نضرة قال سألت ابن عباس عن المتعةفقال أ ما تقرأ سورة النساء فقلت بلى فقال فما تقرأ (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) قلت لا أقرؤها هكذا قال ابن عباس و الله هكذا أنزلها الله تعالى ثلاث مرات و بإسناده عن سعيد بن جبير أنه قرأ (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) و بإسناده عن شعبة عن الحكم بن عتيبة قال سألته عن هذه الآية «فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ» أ منسوخة هي قال الحكم

قال علي بن أبي طالب لو لا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي‏

و بإسناده‏

عن عمران بن الحصين قال نزلت آية المتعة في كتاب الله و لم تنزل آية بعدها تنسخها فأمرنا بها رسول الله و تمتعنا مع رسول الله ص و مات و لم ينهنا عنها فقال بعد رجل برأيه ما شاء

و مما أورده مسلم بن حجاج في الصحيح قال حدثنا الحسن الحلواني قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال قال عطاء قدم جابر بن عبد الله معتمرا فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال نعم استمتعنا على عهد رسول الله و أبي بكر و عمر و مما يدل أيضا على أن لفظ الاستمتاع في الآية لا يجوز أن يكون المراد به الانتفاع و الجماع أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم شي‏ء من المهر من لا ينتفع من المرأة بشي‏ء و قد علمنا أنه لو طلقها قبل الدخول لزمه‏