مجمع البيان في تفسير القرآن - ج4

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
865 /
421

الجزء الرابع‏

(1) -

(6) سورة الأنعام مكية و آياتها خمس و ستون و مائة (165)

توضيح‏

هي مكية عن ابن عباس غير ست آيات «وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» إلى آخر ثلاث آيات «قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» إلى آخر ثلاث آيات فإنهن نزلن بالمدينة و في رواية أخرى عنه غير ثلاث آيات «قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ» إلى آخر الثلاث و باقي السورة كلها نزلت بمكة و

روي عن أبي بن كعب و عكرمة و قتادة أنها كلها نزلت بمكة جملة واحدة ليلا و معها سبعون ألف ملك قد ملأوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح و التحميد فقال النبي ص سبحان الله العظيم و خر ساجدا ثم دعا الكتاب فكتبوها من ليلتهم و أكثرها حجاج على المشركين و على من كذب بالبعث و النشور.

عدد آيها

هي مائة و خمس و ستون آية كوفي ست بصري شامي سبع حجازي (خلافها) أربع آيات «وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ» حجازي «لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ» كوفي «كُنْ فَيَكُونُ» و «إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ» غير الكوفي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال أنزلت علي الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح و التحميدفمن قرأها صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما و ليلة

،

جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي ص قال من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله «وَ يَعْلَمُ مََا تَكْسِبُونَ» وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة و ينزل ملك من السماء السابعة و معه مرزبة من حديد فإذا أراد الشيطان أن يوسوس أو يرمي في قلبه شيئا ضربه بها إلى آخر الخبر

و

روى‏

422

(1) - العياشي بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال إن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة و شيعها سبعون ألف ملك فعظموها و بجلوها فإن اسم الله فيها في سبعين موضعا و لو يعلم الناس ما في قراءتها من الفضل ما تركوها ثم قال ع من كانت له إلى الله حاجة يريد قضاءها فليصل أربع ركعات بفاتحة الكتاب و الأنعام و ليقل في صلاته إذا فرغ من القراءة يا كريم يا كريم يا كريم يا عظيم يا عظيم يا عظيم يا أعظم من كل عظيم يا سميع الدعاء يا من لا تغيره الليالي و الأيام صل على محمد و آل محمد و ارحم ضعفي و فقري و فاقتي و مسكنتي يا من رحم الشيخ يعقوب حين رد عليه يوسف قرة عينه يا من رحم أيوب بعد طول بلائه يا من رحم محمدا و من اليتم آواه و نصره على جبابرة قريش و طواغيتها و أمكنه منهم يا مغيث يا مغيث يا مغيث تقول ذلك مرارا فو الذي نفسي بيده لو دعوت الله بها ثم سألت الله جميع حوائجك لأعطاك‏

و

روى علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع) قال نزلت الأنعام جملة واحدة شيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح و التهليل و التكبير فمن قرأها سبحوا له إلى يوم القيامة

و روى أبو صالح عن ابن عباس قال من قرأ سورة الأنعام في كل ليلة كان من الآمنين يوم القيامة و لم ير النار بعينه أبدا.

تفسيرها

لما ختم الله سورة المائدة بآية عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ افتتح سورة الأنعام بما يدل على كمال قدرته من خلق السماوات و الأرض و غيره فقال.

423

(1) -

اللغة

العدل خلاف الجور و عدلت به غيره أي سويته به و عدلت عنه أي أعرضت و عدلت الشي‏ء فاعتدل أي قومته فاستقام و الأجل الوقت المضروب لانقضاء الأمد فأجل الإنسان وقت انقضاء عمره و أجل الدين محله و هو وقت انقضاء التأخير و أصله التأخير يقال أجله تأجيلا و عجله تعجيلا و الآجل نقيض العاجل و الامتراء الشك و أصله من مرأت الناقة إذا مسحت ضرعها لاستخراج اللبن و منه ماراه يماريه مراء و مماراة إذا استخرج ما عنده بالمناظرة فالامتراء استخراج الشبهة المشكلة من غير حل .

المعنى‏

بدأ الله تعالى هذه السورة بالحمد لنفسه إعلاما بأنه المستحق لجميع المحامد لأن أصول النعم و فروعها منه تعالى و لأن له الصفات العلى فقال «اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ» يعني اخترعهما بما اشتملا عليه من عجائب الصنعة و بدائع الحكمة و قيل إنه في لفظ الخبر و معناه الأمر أي احمدوا الله و إنما جاء على صيغة الخبر و إن كان فيه معنى الأمر لأنه أبلغ في البيان من حيث أنه يجمع الأمرين و قد ذكرنا من معنى الحمد لله و تفسيره في الفاتحة ما فيه كفاية «وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ» يعني الليل و النهار عن السدي و جماعة من المفسرين و قيل الجنة و النار عن قتادة و إنما قدم ذكر الظلمات لأنه خلق الظلمة قبل النور و كذلك خلق السماوات قبل الأرض ثم عجب سبحانه ممن جعل له شريكا مع ما يرى من الآيات الدالة على وحدانيته فقال «ثُمَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» أي جحدوا الحق «بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» أي يسوون به غيره بأن جعلوا له أندادا مأخوذ من قولهم ما أعدل بفلان أحدا أي لا نظير له عندي و قيل معنى يعدلون يشركون به غيره عن الحسن و مجاهد و دخول ثم في قوله «ثُمَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» دليل على معنى لطيف و هو أنه سبحانه أنكر على الكفار العدل به و عجب المؤمنين من ذلك و مثله في المعنى قوله فيما بعد} «ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ» و الوجه في التعجيب أن هؤلاء الكفار مع اعترافهم بأن أصول النعم منه و أنه هو الخالق و الرازق عبدوا غيره و نقضوا ما اعترفوا به و أيضا فإنهم عبدوا ما لا ينفع و لا يضر من الحجارة و الموات «هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ» يعني به آدم و المعنى أنشأ أباكم و اخترعه من طين و أنتم من ذريته فلما كان آدم أصلنا و نحن من نسله جاز أن يقول لنا خلقكم من طين «ثُمَّ قَضى‏ََ أَجَلاً» أي كتب و قدر أجلا و القضاء يكون بمعنى الحكم و بمعنى الأمر و بمعنى الخلق و بمعنى الإتمام و الإكمال «وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» قيل فيه أقوال (أحدها) أنه يعني بالأجلين أجل الحياة إلى الموت و أجل الموت إلى البعث و قيام الساعة عن الحسن و سعيد بن المسيب و قتادة

424

(1) - و الضحاك و اختاره الزجاج و روى أيضا عطاء عن ابن عباس قال قضى أجلا من مولده إلى مماته و أجل مسمى عنده من الممات إلى البعث لا يعلم ميقاته أحد سواه‏فإذا كان الرجل صالحا واصلا لرحمه زاد الله له في أجل الحياة و نقص من أجل الممات إلى البعث و إذا كان غير صالح و لا واصل نقصه الله من أجل الحياة و زاد في أجل المبعث قال و ذلك قوله‏ وَ مََا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لاََ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاََّ فِي كِتََابٍ (و ثانيها) أنه الأجل الذي يحيا به أهل الدنيا إلى أن يموتوا و أجل مسمى عنده يعني الآخرة لأنه أجل دائم ممدود لا آخر له و إنما قال مسمى عنده لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ في السماء و هو الموضع الذي لا يملك فيه الحكم على الخلق سواه عن الجبائي و هو قول سعيد بن جبير و مجاهد (و ثالثها) أن أجلا يعني به أجل من مضى من الخلق و أجل مسمى عنده يعني به آجال الباقين عن أبي مسلم (و رابعها) أن قوله قضى أجلا عنى به النوم يقبض الروح فيه ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة و أجل مسمى عنده هو أجل موت الإنسان و هو المروي عن ابن عباس و يؤيده قوله‏ وَ يُرْسِلُ اَلْأُخْرى‏ََ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى و الأصل في الأجل هو الوقت فأجل الحياة هو الوقت الذي يكون فيه الحياة و أجل الموت أو القتل هو الوقت الذي يحدث فيه الموت أو القتل و ما يعلم الله تعالى أن المكلف يعيش إليه لو لم يقتل لا يسمى أجلا حقيقة و يجوز أن يسمى ذلك مجازا و ما

جاء في الأخبار من أن صلة الرحم تزيد في العمر و الصدقة تزيد في الأجل و أن الله تعالى زاد في أجل قوم يونس

و ما أشبه ذلك فلا مانع من ذلك و قوله «ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ» خطاب للكفار الذين شكوا في البعث و النشورو احتجاج عليهم بأنه سبحانه خلقهم و نقلهم من حال إلى حال و قضى عليهم الموت و هم يشاهدون ذلك و يقرون بأنه لا محيص منه ثم بعد هذا يشكون و يكذبون بالبعث و من قدر على ابتداء الخلق فلا ينبغي أن يشك في أنه يصح منه إعادتهم و بعثهم.

الإعراب‏

"هو"الأشبه أن يكون ضمير القصة و الحديث و تقديره الأمر الله يعلم في السماوات و في الأرض سركم و جهركم فالله مبتدأ و يعلم خبره و في السماوات و في الأرض في موضع النصب بيعلم و سركم مفعوله أيضا و لا يكون الظرف الذي هو الجار و المجرور منصوب الموضع بالمصدر و إن جعلنا الظرف متعلقا باسم الله جاز في قياس قول من قال إن أصل الله الإلاه فيكون المعنى هو المعبود في السماوات و في الأرض يعلم و تقديره الأمر المعبود في السماوات و في الأرض يعلم سركم و جهركم و من جعل اسم الله بمنزلة أسماء

425

(1) - الأعلام فلا يجوز أن يتعلق الظرف به إلا أن يقدر فيه ضربا من معنى الفعل و يجوز أن يكون هو مبتدأ و الله خبره و العامل في قوله «فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ فِي اَلْأَرْضِ» اسم الله على ما قلناه و يجوز أن يكون خبرا بعد خبر.

ـ

المعنى‏

ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال «وَ هُوَ اَللََّهُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ فِي اَلْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ» فيه وجوه على ما ذكرناه في الإعراب فعلى التقدير الأول يكون معناه الله يعلم في السماوات و في الأرض سركم و جهركم و يكون الخطاب لجميع الخلق لأن الخلق إما أن يكونوا ملائكة فهم في السماء أو بشرا أو جنا فهم في الأرض فهو سبحانه عالم بجميع أسرارهم و أحوالهم و متصرفاتهم لا يخفى عليه منها شي‏ء و يقويه قوله «وَ يَعْلَمُ مََا تَكْسِبُونَ» أي يعلم جميع ما تعلمونه من الخير و الشر فيجازيكم على حسب أعمالكم و على التقدير الثاني يكون معناه أن المعبود في السماوات و في الأرض أو المنفرد بالتدبير في السماوات و في الأرض يعلم سركم و جهركم فلا تخفى عليه منكم خافية و يكون الخطاب لبني آدم و إن جعلت اسم الله علما على هذا التقدير ثم علقت به قوله «فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ فِي اَلْأَرْضِ» لم يجز و إن علقته بمحذوف يكون خبر الله أو حالا عنه أوهم بأن يكون البارئ سبحانه في محل تعالى عن ذلك علوا كبيرا و قال أبو بكر السراج أن الله و إن كان اسما علما ففيه معنى الثناء و التعظيم الذي يقرب بهما من الفعل فيجوز أن يوصل لذلك بالمحل و تأويله و هو المعظم أو نحو ذا في السماوات و في الأرض ثم قال يعلم سركم و جهركم و مثل ذلك قوله سبحانه‏ وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمََاءِ إِلََهٌ وَ فِي اَلْأَرْضِ إِلََهٌ قال الزجاج فلو قلت هو زيد في البيت و الدار لم يجز إلا أن يكون في الكلام دليل على أن زيدا يدبر أمر البيت و الدار فيكون المعنى هو المدبر في البيت و الدار و لو قلت هو المعتضد و الخليفة في الشرق و الغرب أو قلت هو المعتضد في الشرق و الغرب جاز و على مقتضى ما قاله أبو بكر و الزجاج يكون في متعلقة بما دل عليه اسم الله و يكون هو الله مبتدأ و خبرا و المعنى و هو المنفرد بالإلهية في السماوات و في الأرض لا إله فيهما غيره و لا مدبر لهما سواه و إن جعلت في السماوات خبرا بعد خبر فيكون التقدير و هو الله و هو في السماوات و في الأرض يعني أنه في كل مكان فلا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان ثم أخبر سبحانه عن هذا المعنى مبينا لذلك مؤكدا له بقوله «يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ» أي الخفي المكتوم و الظاهر المكشوف منكم‏ «وَ يَعْلَمُ مََا تَكْسِبُونَ» و المعنى يعلم نياتكم و أحوالكم و أعمالكم و هذا الترتيب الذي ذكرته في معاني هذه الآية التي استنبطتها من‏

426

(1) - وجوه الإعراب مما لم أسبق إليه و هو في استقامة فصوله و مطابقة أصول الدين كما تراه لا غبار عليه و فيه دلالة على فساد قول من يقول بأن الله تعالى في مكان دون مكان تعالى عن ذلك و تقدس و في قوله «يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ» دلالة على أنه عالم لنفسه لأن من كان عالما بعلم لا يصح ذلك منه.

الإعراب‏

من الأولى مزيدة و هي التي تقع في النفي لاستغراق الجنس و موضعه رفع و الثانية للتبعيض.

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن الكفار المذكورين في أول الآية فقال «وَ مََا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ» أي لا تأتيهم حجة «مِنْ آيََاتِ رَبِّهِمْ» أي من حججه و بيناته كانشقاق القمر و آيات القرآن و غير ذلك من المعجزات «إِلاََّ كََانُوا عَنْهََا مُعْرِضِينَ» لا يقبلونها و لا يستدلون بها على ما دلهم الله عليه من توحيده و صدق رسوله‏} «فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمََّا جََاءَهُمْ» أي بالحق الذي أتاهم به محمد ص من القرآن و سائر أمور الدين «فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبََاءُ» أي أخبار «مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» و المعنى أخبار استهزائهم و جزاؤه و هو عقاب الآخرة و قيل معناه سيعلمون ما يؤول إليه استهزاؤهم عن ابن عباس و الحسن و به قال الزجاج و معنى الاستهزاء إيهام التفخيم في معنى التحقير .

427

(1) -

اللغة

القرن أهل كل عصر مأخوذ من أقرانهم في العصر قال الزجاج و القرن ثمانون سنة و قيل سبعون سنة قال و الذي يقع عندي أن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم قلت السنون أو كثرت و الدليل عليه‏

قول النبي ص خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم‏

و التمكين إعطاء ما به يصح الفعل كائنا ما كان من آلة و غيرها و الإقدار إعطاء القدرة خاصة و مفعال من أسماء المبالغة يقال ديمة مدرار إذا كان مطرها غزيرا دارا و هذا كقولهم امرأة مذكار إذا كانت كثيرة الولادة للذكور و كذلك مئناث في الإناث و أصل المدرار من در اللبن إذا أقبل على الحالب منه شي‏ء كثير و درت السماء إذا أمطرت و الدر اللبن و يقال لله دره أي عمله و في الذم لا در دره أي لا كثر خيره .

الإعراب‏

كم نصب بأهلكنا لا بقوله «يَرَوْا» لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله و هو تعليق و معنى التعليق أن الاستفهام أبطل عمل يرى في اللفظ و قد عمل في معناه و انتقل من الخبر إلى الخطاب في قوله «مََا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ» اتساعا في الكلام و قد قال «مَكَّنََّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ» و إنما لم يقل ما لم نمكنكم لأن العرب تقول مكنته و مكنت له كما تقول نصحته و نصحت له.

المعنى‏

ثم حذرهم سبحانه ما نزل بالأمم قبلهم فقال «أَ لَمْ يَرَوْا» أي أ لم يعلم هؤلاء الكفار «كَمْ أَهْلَكْنََا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ» أي من أمة و كل طبقة مقترنين في وقت قرن «مَكَّنََّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ مََا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ» معناه جعلناهم ملوكا و أغنياء كأنه سبحانه أخبر النبي عنهم في صدر الكلام ثم خاطبه معهم و قال ابن عباس يريد أعطيناهم ما لم نعطكم و المعنى وسعنا عليهم في كثرة العبيد و الأموال و الولاية و البسطة و طول العمر و نفاذ الأمر و أنتم تسمعون أخبارهم و ترون ديارهم و آثارهم «وَ أَرْسَلْنَا اَلسَّمََاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرََاراً» قال ابن عباس يريد به الغيث و البركة و السماء معناه المطر هنا «وَ جَعَلْنَا اَلْأَنْهََارَ» أي ماء الأنهار «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنََاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ» و لم يغن ذلك عنهم شيئا لما طغوا و اجترءوا علينا «وَ أَنْشَأْنََا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ» أي خلقنا من بعد هلاكهم جماعة أخرى و في هذه الآية دلالة على وجوب التفكر و التدبر و احتجاج على منكري البعث بأن من أهلك من قبلهم و أنشأ قوما آخرين قادر على أن يفني العالم و ينشئ عالما آخر و يعيد الخلق بعد الإفناء.

428

(1) -428

النزول‏

نزلت في نضر بن الحرث و عبد الله بن أبي أمية و نوفل بن خويلد قالوا يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله و معه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله و أنك رسوله عن الكلبي .

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن عنادهم فقال «وَ لَوْ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ» يا محمد «كِتََاباً فِي قِرْطََاسٍ» أي كتابة في صحيفة و أراد بالكتاب المصدر و بالقرطاس الصحيفة و قيل كتابا معلقا من السماء إلى الأرض عن ابن عباس «فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ» أي فعاينوا ذلك معاينة و مسوه بأيديهم عن قتادة و غيره قالوا اللمس باليد أبلغ في الإحساس من المعاينة و لذلك قال «فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ» دون أن يقول فعاينوه «لَقََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هََذََا إِلاََّ سِحْرٌ مُبِينٌ» أخبر سبحانه أنهم يدفعون الدليل حتى لو أتاهم الدليل مدركا بالحس لنسبوا ذلك إلى السحر لعظم عنادهم و قساوة قلوبهم و في هذه الآية دلالة على ما يقوله أهل العدل في اللطف لأنه تعالى بين أنه إنما لم يفعل ما سألوه حيث علم أنهم لا يؤمنون عنده.

اللغة

قال الزجاج قضي في اللغة على ضروب كلها يرجع إلى معنى انقطاع الشي‏ء و تمامه و قد ذكرنا معاني القضاء في سورة البقرة عند قوله‏ إِذََا قَضى‏ََ أَمْراً فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يقال لبست الأمر على القوم ألبسه لبسا إذا شبهته عليهم و جعلته مشكلا قال ابن السكيت يقال لبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى لا يعرف جهته و معنى اللبس منع النفس‏

429

(1) - من إدراك الشي‏ء بما هو كالستر له و أصله من الستر بالثوب و هو لبس الثوب لأنه يستر النفس يقال لبست الثوب ألبسه لباسا و لبسا و الحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله يقال حاق بهم يحيق حيقا و حيوقا و حيقانا بفتح الياء .

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار أنهم «قََالُوا لَوْ لاََ» أي هلا «أُنْزِلَ عَلَيْهِ» أي على محمد «مَلَكٌ» نشاهده فنصدقه ثم أخبر تعالى عن عظم عنادهم فقال «وَ لَوْ أَنْزَلْنََا مَلَكاً» على ما اقترحوه لما آمنوا به و اقتضت الحكمة استئصالهم و أن لا ينظرهم و لا يمهلهم و ذلك معنى قوله «لَقُضِيَ اَلْأَمْرُ ثُمَّ لاََ يُنْظَرُونَ» أي لأهلكوا بعذاب الاستئصال عن الحسن و قتادة و السدي و قيل معناه لو أنزلنا ملكا في صورته لقامت الساعة أو وجب استئصالهم عن مجاهد ثم قال تعالى‏} «وَ لَوْ جَعَلْنََاهُ مَلَكاً» أي لو جعلنا الرسول ملكا أو الذي ينزل عليه ليشهد بالرسالة كما يطلبون ذلك «لَجَعَلْنََاهُ رَجُلاً» لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته لأن أعين الخلق تحار عن رؤية الملائكة إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة و لذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنس و كان جبرائيل يأتي النبي ص في صورة دحية الكلبي و كذلك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب و إتيانهم إبراهيم و لوطا في صورة الضيفان من الآدميين «وَ لَلَبَسْنََا عَلَيْهِمْ مََا يَلْبِسُونَ» قال الزجاج كانوا هم يلبسون على ضعفتهم في أمر النبي فيقولون إنما هذا بشر مثلكم فقال لو أنزلنا ملكا فرأوا هم الملك رجلا لكان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفتهم منهم أي فإنما طلبوا حال لبس لا حال بيان و هذا احتجاج عليهم بأن الذي طلبوه لا يزيدهم بيانا بل يكون الأمر في ذلك على ما هم عليه من الحيرة و قيل معناه و لو أنزلنا ملكا لما عرفوه إلا بالتفكر و هم لا يتفكرون فيبقون في اللبس الذي كانوا فيه فأضاف اللبس إلى نفسه لأنه يقع عند إنزاله الملائكة ثم قال سبحانه على سبيل التسلية لنبيه من تكذيب المشركين إياه و استهزائهم به‏} «وَ لَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ» يقول لقد استهزأت الأمم الماضية برسلها كما استهزأ بك قومك فلست بأول رسول استهزئ به و لا هم أول أمة استهزأت برسولها «فَحََاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ» أي فحل بالساخرين منهم «مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» من وعيد أنبيائهم بعاجل العقاب في الدنيا و قيل معنى حاق بهم أحاط بهم عن الضحاك و هو اختيار الزجاج أي أحاط بهم العذاب الذي هو جزاء استهزائهم فهو من باب حذف المضاف إذا جعلت ما في قوله «مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» عبارة عن القرآن و الشريعة و إن جعلت ما عبارة عن العذاب الذي كان يوعدهم به النبي إن لم يؤمنوا استغنيت عن تقدير

430

(1) - حذف المضاف و يكون المعنى فحاق بهم العذاب الذي كانوا يسخرون من وقوعه.

الإعراب‏

قال الأخفش «اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» بدل من الكاف و الميم في ليجمعنكم و قال الزجاج هو في موضع رفع على الابتداء و خبره «فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ» لأن ليجمعنكم مشتمل على سائر الخلق الذين خسروا أنفسهم و غيرهم قال و اللام في ليجمعنكم لام قسم فجائز أن يكون تمام الكلام كتب ربكم على نفسه الرحمة ثم استأنف فقال ليجمعنكم و المعنى و الله ليجمعنكم و جائز أن يكون ليجمعنكم بدلا من الرحمة مفسرا لها لأنه لما قال كتب ربكم على نفسه الرحمة فسر رحمته بأنه يمهلهم إلى يوم القيامة ليتوبوا.

المعنى‏

ثم خاطب سبحانه نبيه ص فقال «قُلْ» يا محمد لهؤلاء الكفار «سِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ» أي سافروا فيها «ثُمَّ اُنْظُرُوا» و النظر طلب الإدراك بالبصر و بالفكر و بالاستدلال و معناه هنا فانظروا بأبصاركم و تفكروا بقلوبكم «كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ» المستهزءين و إنما أمرهم بذلك لأن ديار المكذبين من الأمم السالفة كانت باقية و أخبارهم في الخسف و الهلاك كانت شائعة فإذا سار هؤلاء في الأرض و سمعوا أخبارهم و عاينوا آثارهم دعاهم ذلك إلى الإيمان و زجرهم عن الكفر و الطغيان ثم قال‏} «قُلْ» يا محمد لهؤلاء الكفار «لِمَنْ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» الله الذي خلقهما أم الأصنام فإن أجابوك فقالوا الله و إلا فـ «قُلْ» أنت «لِلََّهِ» أي ملكهما و خلقهما و التصرف فيهما كيف يشاء له «كَتَبَ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ» أي أوجب على نفسه الإنعام على خلقه و قيل معناه أوجب على نفسه الثواب لمن أطاعه و قيل‏

431

(1) - أوجب على نفسه الرحمة بإنظاره عباده و إمهاله إياهم ليتداركوا ما فرطوا فيه و يتوبوا عن معاصيهم و قيل أوجب على نفسه الرحمة لأمة محمد بأن لا يعذبهم عند التكذيب كما عذب من قبلهم من الأمم الماضية و القرون الخالية عند التكذيب بل يؤخرهم إلى يوم القيامة عن الكلبي «لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ» أي ليؤخرن جمعكم إلى يوم القيامة فيكون تفسيرا للرحمة على ما ذكرناه أن المراد به إمهال العاصي ليتوب و قيل إن هذا احتجاج على من أنكر البعث و النشور و يقول ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه كما تقول جمعت هؤلاء إلى هؤلاء أي ضممت بينهم في الجمع يريد بجمع آخركم إلى أولكم قرنا بعد قرن إلى يوم القيامة و هو الذي «لاََ رَيْبَ فِيهِ» و قيل معناه ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم إلى هذا اليوم الذي يجحدونه و يكفرون به عن الأخفش و يسأل عن هذا فيقال كيف يحذر المشركين بالبعث و هم لا يصدقون به و الجواب أنه جار مجرى الإلزام و أيضا فإنه تعالى إنما ذكر ذلك عقيب الدليل و يقال كيف نفى الريب مطلقا فقال لا ريب فيه و الكافر مرتاب فيه و الجواب أن الحق حق و إن ارتاب فيه المبطل و أيضا فإن الدلائل تزيل الشك و الريب فإن نعم الدنيا تعم المحسن و المسي‏ء فلا بد من دار يتميز فيه المحسن من المسي‏ء و أيضا فقد صح أن التكليف تعريف للثواب و إذا لم يمكن إيصال الثواب في الدنيالأن من شأنه أن يكون صافيا من الشوائب فلا يكون مقترنا بالتكليف لأن التكليف لا يعري من المشقة فلا بد من دار أخرى و أيضا فإن التمكين من الظلم من غير انتصاف في العاجل و إنزال الأمراض من غير استحقاق و لا إيفاء عوض في العاجل توجب قضية العقل في ذلك أن يكون دار أخرى توفى فيها الأعواض و ينتصف من المظلوم للظالم «اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» أي أهلكوها بارتكاب الكفر و العناد «فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ» أي لا يصدقون بالحق و لما ذكر تعالى ملك السماوات و الأرض عقبه بذكر ما فيهما فقال‏} «وَ لَهُ مََا سَكَنَ» أي و له كل متمكن ساكن «فِي اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ» خلقا و ملكا و ملكا و إنما ذكر الليل و النهار هنا و ذكر السماوات و الأرض فيما قبل لأن الأول يجمع المكان و الثاني يجمع الزمان و هما ظرفان لكل موجود فكأنه أراد الأجسام و الأعراض و على هذا فلا يكون السكون في الآية ما هو خلاف الحركة بل المراد به الحلول كما قال ابن الأعرابي إنه من قولهم فلان يسكن بلد كذا أي يحله و هذا موافق لقول ابن عباس و له ما استقر في الليل و النهار من خلق و قيل معناه ما سكن في الليل للاستراحة و تحرك في النهار للمعيشة و إنما ذكر الساكن دون المتحرك لأنه أعم و أكثر و لأن عاقبة التحرك السكون و لأن النعمة في السكون أكثر و الراحة فيه أعم و قيل أراد الساكن و المتحرك و تقديره‏

432

(1) - و له ما سكن و تحرك إلا أن العرب قد تذكر أحد وجهي الشي‏ء و تحذف الآخر لأن المذكور ينبه على المحذوف كقوله تعالى‏ «سَرََابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ» و المراد الحر و البرد و متى قيل لما ذا ذكر السكون و الحركة من بين سائر المخلوقات فالجواب لما في ذلك من التنبيه على حدوث العالم و إثبات الصانع لأن كل جسم لا ينفك من الحوادث التي هي الحركة و السكون فإذا لا بد من محرك و مسكن لاستواء الوجهين في الجواز و لما نبه على إثبات الصانع عقبه بذكر صفته فقال «وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ» و السميع هو الذي على صفة يصح لأجلها أن يسمع المسموعات إذا وجدت و هو كونه حيا لا آفة به و لذلك يوصف به فيما لم يزل و العليم هو العالم بوجوده التدابير في خلقه و بكل ما يصح أن يعلم و إنما جعل الليل و النهار في هذه الآية كالمسكن لما اشتملا عليه لأنه ليس يخرج منهما شي‏ء فجمع كل الأشياء بهذا اللفظ القليل الحروف و هذا من أفصح ما يمكن كما قال النابغة :

فإنك كالليل الذي هو مدركي # و إن خلت إن المنتأى عنك واسع‏

فجعل الليل مدركا له إذ كان مشتملا عليه.

القراءة

روي في الشواذ قراءة عكرمة و الأعمش و لا يطعم بفتح الياء و معناه و لا يأكل.

اللغة

الفطرة ابتداء الخلقة قال ابن عباس ما كنت أدري معنى الفاطر حتى احتكم‏

433

(1) - إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي ابتدأت حفرها و أصل الفطر الشق و منه‏ إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْفَطَرَتْ أي انشقت قال الزجاج فإن قال قائل كيف يكون الفطر في معنى الخلق و الانفطار في معنى الانشقاق قيل إنهما يرجعان إلى شي‏ء واحد لأن معنى فطرهما خلقهما خلقا قاطعا .

الإعراب‏

غير نصب لأنه مفعول «أَتَّخِذُ وَلِيًّا» مفعول ثان و قوله «إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي» فيه وجهان أحدهما أنه اعتراض بين الكلام كما يكون الاعتراض بالأقسام فعلى هذا لا موضع له من الإعراب و الآخر أنه في موضع نصب على الحال فكأنه قيل إني أخاف عاصيا ربي عذاب يوم عظيم و يكون جواب الشرط محذوفا على الوجهين جميعا.

النزول‏

قيل إن أهل مكة قالوا لرسول الله يا محمد تركت ملة قومك و قد علمنا أنه لا يحملك على ذلك إلا الفقر فإنا نجمع لك من أموالنا حتى تكون من أغنانا فنزلت الآية.

المعنى‏

«قُلْ» يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سبق ذكرهم «أَ غَيْرَ اَللََّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا» أي مالكا و مولى و ولي الشي‏ء مالكه الذي هو أولى من غيره و المعنى لا أتخذ غير الله وليا إلا أن إخراجه على لفظ الاستفهام أبلغ من سائر ألفاظ النفي «فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» أي خالقهما و منشئهما من غير احتذاء على مثال‏ «وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لاََ يُطْعَمُ» أي يرزق و لا يرزق و المراد يرزق الخلق و لا يرزقه أحد و قيل إنما ذكر الإطعام لأن حاجة العباد إليه أشد و لأن نفيه عن الله أدل على نفي شبهه بالمخلوقين لأن الحاجة إلى الطعام لا تجوز إلا على الأجسام و احتج سبحانه بهذا على الكفار لأن من خلق السماوات و الأرض و أنشأ ما فيهما و أحكم تدبيرها و أطعم من فيهما و هم فقراء إليه معلوم أنه الذي ليس كمثله شي‏ء و هو القادر القاهر الغني الحي فلا يجوز لمن عرف ذلك أن يعبد غيره «قُلْ» يا محمد «إِنِّي أُمِرْتُ» أي أمرني ربي «أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ» أي استسلم لأمر الله و رضي بحكمه و قيل معناه أمرت أن كون أول من أخلص العبادة من أهل هذا الزمان عن الكلبي و قيل أول من أسلم من أمتي و آمن بعد الفترة عن الحسن و إنما كان أول لأنه خص بالوحي و قيل معناه أن أكون أول من خضع و آمن و عرف الحق من قومي و أن أترك ما هم عليه من الشرك و نظيره قول موسى سُبْحََانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ أي بأنك لا ترى ممن سألك أن تريه نفسك و قول السحرة إِنََّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنََا رَبُّنََا خَطََايََانََا أَنْ كُنََّا أَوَّلَ اَلْمُؤْمِنِينَ بأن هذا ليس بسحر و أنه‏

434

(1) - الحق أي أول المؤمنين من السحرة «وَ لاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ» المعنى أمرت بالأمرين جميعا أي أمرت بالإيمان و نهيت عن الشرك و تقديره و قيل لي لا تكونن من المشركين و صار أمرت بدلا من ذلك لأنه حين قال أمرت أخبر أنه قيل له ذلك فقوله «وَ لاََ تَكُونَنَّ» معطوف على ما قبله في المعنى‏ «قُلْ» يا محمد «إِنِّي أَخََافُ» قيل معناه أوقن و أعلم و قيل هو من الخوف «إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي» بترك أمره و ترك نهيه و قيل بعبادة غيره و قيل باتخاذ غيره وليا «عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» يعني يوم القيامة و معنى العظيم هنا أنه شديد على العباد و عظيم في قلوبهم.

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي و خلف و يعقوب و أبو بكر عن عاصم من يصرف بفتح الياء و كسر الراء و الباقون «يُصْرَفْ» بضم الياء و فتح الراء.

الحجة

قال أبو علي فاعل يصرف الضمير العائد إلى ربي و ينبغي أن يكون حذف الضمير العائد إلى العذاب و المعنى من يصرفه عنه و كذلك في قراءة أبي فيما زعموا و ليس حذف هذا الضمير بالسهل و ليس بمنزلة الضمير الذي يحذف من الصلة لأن من جزاء و لا يكون صلة على أن الضمير إنما يحذف من الصلة إذا عاد إلى الموصول نحو أَ هََذَا اَلَّذِي بَعَثَ اَللََّهُ رَسُولاً و سَلاََمٌ عَلى‏ََ عِبََادِهِ اَلَّذِينَ اِصْطَفى‏ََ أي بعثهم و اصطفاهم و لا يعود الضمير المحذوف هنا إلى موصول و لا إلى من التي للجزاء و إنما يرجع إلى العذاب في قوله «عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» و ليس هذا بمنزلة قوله‏ وَ اَلْحََافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ اَلْحََافِظََاتِ لأن هذا فعل واحد قد تكرر و عدي الأول منهما إلى المفعول فعلم بتعدية الأول أن الثاني بمنزلته و أما قراءة من قرأ «يُصْرَفْ» فالمسند إليه الفعل المبني للمفعول ضمير العذاب المتقدم ذكره و الذكر العائد إلى المبتدأ الذي هو من في القراءتين جميعا الضمير الذي في عنه و مما يقوي قراءة من قرأ يصرف بفتح الياء أن ما بعده من قوله «فَقَدْ رَحِمَهُ» مسند إلى ضمير اسم الله تعالى فقد اتفق الفعلان في الإسناد إلى هذا الضمير و مما يقوي ذلك أيضا أن الهاء المحذوفة من يصرفه لما كانت في حيز الجزاء و كان ما في حيزه في أنه لا يتسلط على ما تقدمه بمنزلة ما في الصلة في أنه لا يجوز أن يتسلط على الموصول حسن حذف الهاء منه كما حسن حذفها من الصلة.

المعنى‏

«مَنْ يُصْرَفْ» العذاب «عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ» الله يريد من غفر له فإنه‏

435

(1) - يثيبه الله لا محالة و ذكر سبحانه الرحمة مع صرف العذاب لئلا يتوهم أنه ليس له إلا صرف العذاب عنه فقط «وَ ذََلِكَ اَلْفَوْزُ» أي الظفر بالبغية «اَلْمُبِينُ» الظاهر البين و يحتمل أن يكون معنى الآية أنه لا يصرف العذاب عن أحد إلا برحمة الله كما

روي أن النبي ص قال و الذي نفسي بيده ما من الناس أحد يدخل الجنة بعمله قالوا و لا أنت يا رسول الله قال و لا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه و فضل و وضع يده على فوق رأسه و طول بها صوته رواه الحسن في تفسيره .

ـ

المعنى‏

ثم بين سبحانه أنه لا يملك النفع و الضر إلا هو فقال «وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اَللََّهُ بِضُرٍّ» أي إن يمسك بفقر أو مرض أو مكروه «فَلاََ كََاشِفَ لَهُ إِلاََّ هُوَ» أي لا مزيل و لا مفرج له عنك إلا هو و لا يملك كشفه سواه مما يعبده المشركون «وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ» أي و إن يصبك بغنى أو سعة في الرزق أو صحة في البدن أو شي‏ء من محاب الدنيا «فَهُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» من الخير و الضر «قَدِيرٌ» و لا يقدر أحد على دفع ما يريده لعباده من مكروه أو محبوب فإن قيل إن المس من صفات الأجسام فكيف قال «إِنْ يَمْسَسْكَ اَللََّهُ» قلنا الباء للتعدية و المراد أن أمسك الله ضرا أي جعل الضر يمسك فالفعل للضر و إن كان في الظاهر قد أسند إلى اسم الله تعالى و الضر اسم جامع لكل ما يتضرر به من المكاره كما أن الخير اسم جامع لكل ما ينتفع به‏} «وَ هُوَ اَلْقََاهِرُ» و معناه القادر على أن يقهر غيره «فَوْقَ عِبََادِهِ» معنى فوق هاهنا قهره و استعلاؤه عليهم فهم تحت تسخيره و تذليله بما علاهم به من الاقتدار الذي لا ينفك منه أحدو مثله قوله تعالى‏ يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يريد أنه أقوى منهم «وَ هُوَ اَلْحَكِيمُ اَلْخَبِيرُ» معناه أنه مع قدرته عليهم لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة و الخبير العالم بالشي‏ء و تأويله أنه العالم بما يصح أن يخبر به و الخبر علمك بالشي‏ء تقول لي به خبر أي علم و أصله من الخبر لأنه طريق من طرق العلم فإذا كان القاهر على ما ذكرناه بمعنى القادر صح وصفه سبحانه فيما لم يزل بأنه قاهر و قال بعضهم لا يسمى قاهرا إلا بعد أن يقهر غيره فعلى هذا

436

(1) - يكون من صفات الأفعال فلا يصح وصفه فيما لم يزل به.

الإعراب‏

شهادة نصب على التمييز و من بلغ في محل نصب بالإنذار و العائد إلى الموصول محذوف و أ إنكم كتب بالياء لأن الهمزة التي قبلها همزة تخفف بأن تجعل بين بين فإذا كانت مكسورة تجعل بين الهمزة و الياء فكتب بالياء «اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ» رفع بالابتداء و يعرفونه خبره «اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» رفع بكونه نعتا للذين الأولى و يجوز أن يكون رفعا بالابتداء و قوله «فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ» خبره.

النزول‏

قال الكلبي أتى أهل مكة رسول الله ص فقالوا أ ما وجد الله رسولا غيرك ما نرى أحدا يصدقك فيما تقول و لقد سألنا عنك اليهود و النصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم فأنزل الله تعالى هذه الآية.

المعنى‏

«قُلْ» يا محمد لهؤلاء الكفار «أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ» أي أعظم «شَهََادَةً» و أصدق حتى آتيكم به و أدلكم بذلك على أني صادق و قيل معناه أي شي‏ء أكبر شهادة حتى يشهد لي بالبلاغ و عليكم بالتكذيب عن الجبائي و قيل معناه أي شي‏ء أعظم حجة و أصدق شهادة عن ابن عباس فإن قالوا الله و إلا فـ «قُلْ» لهم «اَللََّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ» يشهد لي بالرسالة و النبوة و قيل معناه يشهد لي بتبليغ الرسالة إليكم و تكذيبكم إياي «وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هََذَا اَلْقُرْآنُ » أي أنزل إلي حجة أو شهادة على صدقي «لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ» أي لأخوفكم به من عذاب الله تعالى «وَ مَنْ بَلَغَ» أي و لا خوف به من بلغه القرآن إلى يوم القيامة و

روى الحسن في تفسيره

437

(1) - عن النبي ص أنه قال من بلغه أني أدعو إلى أن لا إله إلا الله فقد بلغه‏

يعني بلغته الحجة و قامت عليه و قال محمد بن كعب من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا و سمع منه و قال مجاهد حيث ما يأتي القرآن فهو داع و نذير و قرأ هذه الآية و

في تفسير العياشي قال أبو جعفر و أبو عبد الله (ع) من بلغ معناه من بلغ أن يكون إماما من آل محمد فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول الله ص

و على هذا فيكون قوله «وَ مَنْ بَلَغَ» في موضع رفع عطفا على الضمير في أنذر و في الآية دلالة على أن الله تعالى يجوز أن يسمي شيئا لأن قوله «أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهََادَةً» جاء جوابه «قُلِ اَللََّهُ» و معنى الشي‏ء إنه ما يصح أن يعلم و يخبر عنه فالله سبحانه شي‏ء لا كالأشياء بمعنى أنه معلوم لا كالمعلومات التي هي الجواهر و الأعراض و الاشتراك في الاسم لا يوجب التماثل و في قوله «وَ مَنْ بَلَغَ» دلالة على أنه خاتم الأنبياء و مبعوث إلى الناس كافة ثم قال سبحانه موبخا لهم قل يا محمد لهم «أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اَللََّهِ آلِهَةً أُخْرى‏ََ» هذا استفهام معناه الجحد و الإنكار و تقديره كيف تشهدون أن مع الله آلهة أخرى بعد وضوح الأدلة و قيام الحجة بوحدانية الله تعالى و إنما قال «أُخْرى‏ََ» و لم يقل آخر لأن الآلهة جمع و الجمع مؤنث فهو كقوله وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ و قوله‏ فَمََا بََالُ اَلْقُرُونِ اَلْأُولى‏ََ و لم يقل الأول‏ثم قال سبحانه لنبيه «قُلْ» أنت يا محمد «لاََ أَشْهَدُ» بمثل ذلك و إن شهدتم بإثبات الشريك لله بعد قيام الحجة بوحدانية الله تعالى و الشاهد هو المبين لدعوى المدعي ثم قال «قُلْ» يا محمد لمن شهد أن معه آلهة أخرى «إِنَّمََا هُوَ إِلََهٌ وََاحِدٌ وَ إِنَّنِي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ» به و بعبادته من الأوثان و غيرها و لهذا قال أهل العلم يستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين و يتبرأ من كل دين سوى الإسلام ثم ذكر سبحانه أن الكفار بين جاهل و معاند فقال‏} «اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يَعْرِفُونَهُ كَمََا يَعْرِفُونَ أَبْنََاءَهُمُ» و هذا مفسر في سورة البقرة «اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ» مفسر في هذه السورة فإن حملته على أنه صفة للذين الأولى فالمعني به أهل الكتاب و إن حملته على الابتداء فإنه يتناول جميع الكفار و قال أبو حمزة الثمالي لما قدم النبي ص المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام إن الله تعالى أنزل على نبيه ص أن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كيف هذه المعرفة قال عبد الله بن سلام نعرف نبي الله بالنعت الذي نعته الله إذا رأيناه فيكم كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه بين الغلمان و أيم الله الذي يحلف به ابن سلام لأنه بمحمد أشد معرفة مني بابني فقال له كيف قال عبد الله عرفته بما نعته الله لنا في كتابنا فأشهد أنه هو فأما ابني فإني لا أدري ما أحدثت أمه فقال قد وفقت و صدقت و أصبت.

438

(1) -

القراءة

و يوم يحشرهم ثم يقول بالياء فيهما قراءة يعقوب وحده و كذلك في الفرقان و في سبإ و قرأ في سائر القرآن بالنون و قرأ حفص هنا و في يونس بالنون و في سائر القرآن بالياء و قرأ أبو جعفر و ابن كثير في الفرقان بالياء و في سائر القرآن بالنون و قرأ الباقون بالنون في جميع القرآن .

الحجة

من قرأ بالياء رده إلى الله في قوله عَلَى اَللََّهِ كَذِباً و من قرأ بالنون ابتداء و الياء في المعنى كالنون.

الإعراب‏

«يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ» العامل فيه محذوف على معنى و اذكر يوم نحشرهم و قيل إنه معطوف على محذوف كأنه قيل لا يفلح الظالمون أبدا و يوم نحشرهم و العائد إلى الموصول محذوف من «اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» و تقديره تزعمون أنهم شركاء أو تزعمونهم شركاء فحذف مفعولي الزعم لدلالة الكلام و حالة السؤال عليه.

المعنى‏

ثم بين سبحانه ما يلزمهم من التوبيخ و التهجين بالإشراك فقال «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً» معناه و من أكفر ممن اختلق على الله كذبا فأشرك به الآلهة عن ابن عباس و هذا استفهام معناه الجحد أي لا أحد أظلم منه لأن جوابه كذلك فاكتفى من الجواب بما يدل عليه «أَوْ كَذَّبَ بِآيََاتِهِ» أي بالقرآن و بمحمد و معجزاته «إِنَّهُ لاََ يُفْلِحُ اَلظََّالِمُونَ» أي لا يفوز برحمة الله و ثوابه و رضوانه و لا بالنجاة من النار الظالمون و الظالم هاهنا هو الكافر بنبوة محمد (ص) المكذب بآياته الجاحد لها بقوله ما نصب الله آية على نبوته «وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً» عنى بهم من تقدم ذكرهم من الكفار لأنه سبحانه يحشرهم يوم القيامة من قبورهم إلى موضع الحساب‏ «ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكََاؤُكُمُ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» اختلف في وجه هذا السؤال فقيل إن المشركين إذا رأوا تجاوز الله تعالى عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض إذا سئلتم فقولوا أنا موحدون فلما جمعهم الله قال لهم أين شركاؤكم‏

439

(1) - ليعلموا أن الله يعرف أنهم أشركوا به في دار الدنيا و أنه لا ينفعهم الكتمان عن مقاتل و قيل إن المشركين كانوا يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم عند الله فقيل لهم يوم القيامة «أَيْنَ شُرَكََاؤُكُمُ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» أنها تشفع لكم توبيخا لهم و تبكيتا على ما كانوا يدعونه عن أكثر المفسرين و إنما أضاف الشركاء إليهم لأنهم اتخذوها لأنفسهم و معنى تزعمون تكذبون قال ابن عباس و كل زعم في كتاب الله كذب و في هذه الآية دلالة واضحة على بطلان مذهب الجبر و على إثبات المعاد و حشر جميع الخلق.

القراءة

قرأ أهل المدينة و أبو عمرو و أبو بكر عن عاصم و خلف «ثُمَّ لَمْ تَكُنْ» بالتاء فتنتهم بالنصب و قرأ ابن كثير و ابن عامر و حفص عن عاصم «ثُمَّ لَمْ تَكُنْ» بالتاء أيضا «فِتْنَتُهُمْ» بالرفع و قرأ حمزة و الكسائي و يعقوب ثم لم يكن بالياء فتنتهم بالنصب و قرأ حمزة و الكسائي و خلف و الله ربنا بالنصب و قرأ الباقون بالجر.

الحجة

من قرأ «تَكُنْ» بالتاء فتنتهم بالنصب فإنه أنث «أَنْ قََالُوا» لما كان القول الفتنة في المعنى كما قال‏ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا فأنث الأمثال لما كانت في المعنى الحسنات و مما جاء في الشعر قول لبيد :

فمضى و قدمها و كانت عادة # منه إذا هي عردت أقدامها

فأنث الأقدام لما كانت العادة في المعنى قال الزجاج و يجوز أن يكون تأويل «إِلاََّ أَنْ قََالُوا» إلا مقالتهم و من قرأ «لَمْ تَكُنْ» بالتاء «فِتْنَتُهُمْ» رفعا أثبت علامة التأنيث في الفعل المسند إلى الفتنة و الفتنة مؤنثة و على هذه القراءة يكون قوله «إِلاََّ أَنْ قََالُوا» في موضع نصب بكونه خبر كان و من قرأ لم يكن بالياء فتنتهم نصبا فعلى أن قوله «أَنْ قََالُوا» اسم كان و الأولى و الأقوى أن يكون فتنتهم نصبا و «أَنْ قََالُوا» الاسم لأن أن إذا وصلت لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر

440

(1) - فكما أن المضمر إذا كان مع المظهر كان، أن يكون المضمر الاسم أحسن، فكذلك أن إذا كانت مع اسم غيرها كانت، أن يكون الاسم أولى و أما من قرأ «وَ اَللََّهِ رَبِّنََا» فإنه جعل الاسم المضاف وصفا للمفرد و مثل ذلك رأيت زيدا صاحبنا و قوله «مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ» جواب للقسم و من قرأ ربنا بالنصب فصل بالاسم المنادى بين القسم و المقسم عليه و الفصل به لا يمتنع و قد فصل بالنداء بين الصلة و الموصول لكثرة النداء في الكلام و ذلك مثل قول الشاعر:

ذاك الذي و أبيك يعرف مالك # و الحق يدفع ترهات الباطل‏

و يجوز أن يكون نصبه على المدح بمعنى أعني ربنا و أذكر ربنا.

اللغة

قال الأزهري جماع الفتنة في كلام العرب الامتحان مأخوذ من قولك فتنت الذهب و الفضة إذا أذبتهما بالنار و أحرقتهما و قد فتن الرجل بالمرأة و افتتن و قد فتنته المرأة و أفتنته قال الشاعر:

لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت # عقيلا فأمسى قد قلى كل مسلم‏

.

الإعراب‏

العامل في كيف قوله «كَذَبُوا» و لا يجوز أن يعمل فيه أنظر لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يجوز أن يعمل فيه ما قبله.

ـ

المعنى‏

ثم بين سبحانه جواب القوم عند توجه التوبيخ إليهم فقال «ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ» اختلف في معنى الفتنة هنا على وجوه (أحدها) إن معناه ثم لم يكن جوابهم لأنهم حين سألوا اختبر ما عندهم بالسؤال فلم يكن الجواب عن ذلك الاختبار إلا هذا القول (و ثانيها)

إن المراد لم يكن معذرتهم «إِلاََّ أَنْ قََالُوا» عن ابن عباس و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله (ع)

و هذا راجع إلى معنى الجواب (أيضا) (و ثالثها) ما قاله الزجاج أن تأويله حسن لطيف لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام و تصرف العرب في ذلك و الله عز و جل ذكر في هذه الآية الأقاصيص التي جرت من أمر المشركين و أنهم مفتنون بشركهم ثم أعلم أنه لم يكن افتتانهم بشركهم و إقامتهم عليه إلا أن تبرأوا منه و انتفوا منه فحلفوا أنهم ما

441

(1) - كانوا مشركين و مثل ذلك في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا فإذا وقع في هلكة تبرأ منه فتقول له ما كانت محبتك فلانا إلا أن افتتنت منه فالفتنة هاهنا بمعنى الشرك و الافتتان بالأوثان و يؤيد ذلك ما رواه عطا عن ابن عباس قال فتنتهم يريد شركهم في الدنيا و هذا القول في التأويل يرجع إلى حذف المضاف لأن المعنى لم يكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة منها بقولهم «وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ» و يسأل فيقال كيف يجوز أن يكذبوا في الآخرة و يحلفوا على الكذب و الدار ليست بدار تكليف و كل الناس ملجئون فيها إلى ترك القبيح لمشاهدة الحقائق و زوال عوارض الشبه و الشكوك و لمعرفتهم بالله سبحانه ضرورة و الجواب أن معناه ما كنا مشركين في الدنيا عند أنفسنا و في اعتقادنا و تقديرنا و ذلك أن المشركين في الدنيا يعتقدون كونهم مصيبين فيحلفون على هذا في الآخرة فعلى هذا يكون قولهم و حلفهم يقعان على وجه الصدق و قيل أيضا أنهم إنما يحلفون على ذلك لزوال عقولهم بما يلحقهم من الدهشة من أهوال القيامة ثم ترجع عقولهم فيقرون و يعترفون و يجوز أن ينسوا إشراكهم في الدنيا بما يلحقهم من الدهشة عند مشاهدة تلك الأهوال‏} «اُنْظُرْ» المعنى يقول الله تعالى عند حلف هؤلاء أنظر يا محمد «كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ» و هذا و إن كان لفظه لفظ الاستفهام فالمراد به التنبيه على التعجيب منهم و معناه أنظر إلى إخباري عن افترائهم كيف هو فإنه لا يمكن النظر إلى ما يوجد في الآخرة و إنما كذبهم الله سبحانه في قولهم و إن كانوا صادقين عند أنفسهم لأن الكذب هو الإخبار بالشي‏ء لا على ما هو به علم المخبر بذلك أو لم يعلم فلما كان قولهم‏ «مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ» كذبا في الحقيقة جاز أن يقال كذبوا على أنفسهم و قيل معناه أنظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا لا أنهم كذبوا في الآخرة لأنهم كانوا مشركين على الحقيقة و إن اعتقدوا أنهم على الحق عن الجبائي «وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ» أي ضلت عنهم أوثانهم التي كانوا يعبدونها و يفترون الكذب بقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله غدا فذهبت عنهم في الآخرة فلم يحدوها و لم ينتفعوا بها عن الحسن و قيل أنه عام في كل ما يعبد من دون الله تعالى أنها تضل عن عابديها يوم القيامة و لا تغني عنهم شيئا و اختلف أهل العدل في أن أهل الآخرة هل يجوز أن يقع منهم الكذب فالأصح أنه لا يجوز على ما قلناه‏و قال بعضهم يجوز ذلك لما يلحقهم من الدهش و الحيرة في القيامة فإذا استقر أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار فحينئذ لا يجوز أن يقع منهم القبيح و الكذب و يكون جميعهم ملجئين إلى ترك القبيح و به قال أبو بكر بن الإخشيد و أصحابه و قال بعضهم أنه يجوز وقوعه منهم على جميع الأحوال.

442

(1) -

اللغة

الأكنة جمع كنان و هو ما وقى شيئا و ستره مثل عنان و أعنة قال الليث كل شي‏ء وقى شيئا فهو كنانة و كنه و الفعل منه كننت و أكننت و الكنة امرأة الابن أو الأخ لأنها في كنه و استكن الرجل من الحر و اكتن استتر و الوقر الثقل في الأذن و الوقر بكسر الواو الحمل قال أبو زيد وقرت أذنه توقر وقرا و قال الكسائي وقرت أذنه فهي موقورة قال الشاعر:

و كلام سي‏ء قد وقرت # أذني منه و ما بي من صمم‏

و أساطير واحدتها أسطورة و أسطارة مأخوذ من سطر الكتاب و هو سطر و سطر فمن قال سطر جمعه أسطارا و من قال سطر فجمعه في القليل أسطر و الكثير سطور و قال رؤبة :

إني و أسطار سطرن سطرا # لقائل يا نصر نصرا نصرا

و جمع أسطار أساطير قال الزجاج و تأويل السطر في اللغة أن تجعل شيئا ممتدا مؤلفا و قال الأخفش أساطير جمع لا واحد له نحو أبابيل و مذاكير و قال بعضهم واحد الأبابيل إبيل بالتشديد و كسر الألف و الجدال الخصومة سمي بذلك لشدته و قيل أنه مشتق من الجدالة و هي الأرض لأن أحدهما يلقي صاحبه على الأرض .

الإعراب‏

«أَنْ يَفْقَهُوهُ» موضعه نصب على أنه مفعول له المعنى لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت اللام نصبت الكراهة و لما حذفت الكراهة انتقل نصبها إلى أن قاله الزجاج يريد أنه حذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه و «يُجََادِلُونَكَ» في موضع نصب على الحال.

النزول‏

قيل أن نفرا من مشركي مكة منهم النضر بن الحارث و أبو سفيان بن حرب و الوليد بن المغيرة و عتبة بن ربيعة و أخوه شيبة و غيرهم جلسوا إلى رسول الله (ص) و هو يقرأ القرآن فقالوا للنضر ما يقول محمد فقال أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية فأنزل الله هذه الآية.

443

(1) -

المعنى‏

ثم وصف الله سبحانه حالهم عند استماع القرآن فقال «وَ مِنْهُمْ» أي و من الكفار الذين تقدم ذكرهم «مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ» يريد يستمعون إلى كلامك قال مجاهد يعني قريشا «وَ جَعَلْنََا عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذََانِهِمْ وَقْراً» قد ذكرنا الكلام فيه في سورة البقرة عند قوله‏ «خَتَمَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ» و قال القاضي أبو عاصم العامري أصح الأقوال فيه ما روي أن النبي (ص) كان يصلي بالليل و يقرأ القرآن في الصلاة جهرا رجاء أن يستمع إلى قراءته إنسان فيتدبر معانيه و يؤمن به فكان المشركون إذا سمعوه آذوه و منعوه عن الجهر بالقراءة فكان الله تعالى يلقي عليهم النوم أو يجعل في قلوبهم أكنة ليقطعهم عن مرادهم و ذلك بعد ما بلغهم مما تقوم به الحجة و تنقطع به المعذرة و بعد ما علم الله سبحانه أنهم لا ينتفعون بسماعه و لا يؤمنون به فشبه إلقاء النوم عليهم بجعل الغطاء على قلوبهم و بوقر آذانهم لأن ذلك كان يمنعهم من التدبر كالوقر و الغطاء و هذا معنى قوله تعالى‏ «وَ إِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ جَعَلْنََا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجََاباً مَسْتُوراً» و هو قول أبي علي الجبائي و يحتمل ذلك وجها آخر و هو أنه تعالى يعاقب هؤلاء الكفار الذين علم أنهم لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم تكون موانع من أن يفهموا ما يسمعونه ويحتمل أيضا أن يكون سمي الكفر الذي في قلوبهم كنا تشبيها و مجازا و إعراضهم عن تفهم القرآن وقرا توسعا لأن مع الكفر و الإعراض لا يحصل الإيمان و الفهم كما لا يحصلان مع الكن و الوقر و نسب ذلك إلى نفسه لأنه الذي شبه أحدهما بالآخر كما يقول أحدنا لغيره إذا أثنى على إنسان و ذكر مناقبه جعلته فاضلا و بالضد إذا ذكر مقابحه و فسقه يقول جعلته فاسقا و كما يقال جعل القاضي فلانا عدلا و كل ذلك يراد به الحكم عليه بذلك و الإبانة عن حاله كما قال الشاعر:

جعلتني باخلا كلا و رب منى # إني لأسمح كفا منك في اللزب‏

و معناه سميتني باخلا «وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاََ يُؤْمِنُوا بِهََا» يريد و أن يروا كل عبرة لم يصدقوا بها عن ابن عباس و قيل معناه و إن يروا كل علامة و معجزة دالة على نبوتك لا يؤمنوا بها لعنادهم عن الزجاج و لو أجري معنى الآية على ظاهرها لم يكن لهذا معنى لأن من لا يمكنه أن يسمع و يفقه لا يجوز أن يوصف بذلك و كان لا يصح أن يصفهم بأنهم كذبوا بآياته و غفلوا عنها و هم ممنوعون عن ذلك و الذي يزيل الإشكال أنه تعالى قال في وصف بعض‏

444

(1) - الكفار «وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا وَلََّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهََا» الآيةو لو كان في أذنيه وقر مانع عن السماع مزيل للقدرة لكان لا معنى لقوله‏ «كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً» و لكان لا يستحق المذمة لأنه لم يعط آلة السمع فكيف يذم على ترك السمع «حَتََّى إِذََا جََاؤُكَ يُجََادِلُونَكَ» يعني أنهم إذا دخلوا عليك بالنهار يجيئون مجي‏ء مخاصمين مجادلين رادين عليك قولك و لم يجيؤوا مجي‏ء من يريد الرشاد و النظر في الدلالة الدالة على توحيد الله و نبوة نبيه «يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هََذََا» أي ما هذا القرآن «إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ» أي أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها عن الضحاك و قيل معنى الأساطير الترهات و البسابس مثل حديث رستم و إسفنديار و غيره مما لا فائدة فيه و لا طائل تحته و قال بعضهم أن جدالهم هذا القول منهم و قيل هو مثل قولهم أ تأكلون ما تقتلونه بأيديكم و لا تأكلون ما قتله الله تعالى.

ـ

اللغة

الناي البعد يقال نأيت عنه أنأى نأيا و منه أخذ النؤي و هو الحاجز حول البيت لئلا يدخله الماء .

المعنى‏

ثم كنى عن الكفار الذين تقدم ذكرهم فقال «وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ» أي ينهون الناس عن اتباع النبي (ص) و يتباعدون عنه فرارا منه عن ابن عباس و محمد بن الحنفية و الحسن و السدي و قيل معناه ينهون الناس عن استماع القرآن لئلا يقع في قلوبهم صحته و يتباعدونهم عن استماعه عن قتادة و مجاهد و اختاره الجبائي و قيل عنى به أبا طالب بن عبد المطلب و معناه يمنعون الناس عن أذى النبي (ص) و لا يتبعونه عن عطا و مقاتل و هذا لا يصح لأن هذه الآية معطوفة على ما تقدمها و ما تأخر عنها معطوف عليها و كلها في ذم الكفار المعاندين للنبي (ص) هذا و قد ثبت إجماع أهل البيت (ع) على إيمان أبي طالب و إجماعهم حجة لأنهم أحد الثقلين اللذين أمر النبي (ص) بالتمسك بهما

بقوله إن تمسكتم بهما لن تضلوا

و يدل على ذلك أيضا ما

رواه ابن عمر أن أبا بكر جاء بأبيه أبي قحافة

445

(1) - يوم الفتح إلى رسول الله (ص) فأسلم فقال (ص) أ لا تركت الشيخ فأتيه و كان أعمى فقال أبو بكر أردت أن يأجره الله تعالى و الذي بعثك بالحق لأنا كنت بإسلام أبي طالب أشد فرحا مني بإسلام أبي ألتمس بذلك قرة عينك فقال (ص) صدقت‏

و روى الطبري بإسناده أن رؤساء قريش لما رأوا ذب أبي طالب عن النبي (ص) اجتمعوا عليه و قالوا جئناك بفتى قريش جمالا و جودا و شهامة عمارة بن الوليد ندفعه إليك و تدفع إلينا ابن أخيك الذي فرق جماعتنا و سفه أحلامنا فنقتله فقال أبو طالب ما أنصفتموني تعطونني ابنكم فاغذوه و أعطيكم ابني فتقتلونه‏بل فليأت كل امرئ منكم بولده فأقتله و قال:

منعنا الرسول رسول المليك # ببيض تلألأ كلمع البروق

أذود و أحمي رسول المليك # حماية حام عليه شفيق‏

و أقواله و أشعاره المنبئة عن إسلامه كثيرة مشهورة لا تحصى فمن ذلك قوله:

أ لم تعلموا أنا وجدنا محمدا # نبيا كموسى خط في أول الكتب

أ ليس أبونا هاشم شد أزره # و أوصى بنيه بالطعان و بالحرب‏

و قوله من قصيدة:

و قالوا لأحمد أنت امرؤ # خلوف اللسان ضعيف السبب

ألا إن أحمد قد جاءهم # بحق و لم يأتهم بالكذب‏

و قوله في حديث الصحيفة و هو من معجزات النبي (ص) :

و قد كان في أمر الصحيفة عبرة # متى ما يخبر غائب القوم يعجب

محا الله منها كفرهم و عقوقهم # و ما نقموا من ناطق الحق معرب

و أمسى ابن عبد الله فينا مصدقا # على سخط من قومنا غير معتب‏

و قوله في قصيدة يحض أخاه حمزة على اتباع النبي و الصبر في طاعته:

صبرا أبا يعلى على دين أحمد # و كن مظهرا للدين وفقت صابرا

فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن # فكن لرسول الله في الله ناصرا

و قوله من قصيدة:

446

(1) -

أقيم على نصر النبي محمد # أقاتل عنه بالقنا و القنابل‏

و قوله يحض النجاشي على نصر النبي :

تعلم مليك الحبش أن محمدا # وزير لموسى و المسيح بن مريم

أتى بهدى مثل الذي أتيا به # و كل بأمر الله يهدي و يعصم

و إنكم تتلونه في كتابكم # بصدق حديث لا حديث المرجم

فلا تجعلوا لله ندا و أسلموا # و إن طريق الحق ليس بمظلم‏

و قوله في وصيته و قد حضرته الوفاة:

أوصي بنصر النبي الخير مشهده # عليا ابني و شيخ القوم عباسا

و حمزة الأسد الحامي حقيقته # و جعفرا أن يذودوا دونه الناسا

كونوا فدى لكم أمي و ما ولدت # في نصر أحمد دون الناس أتراسا

في أمثال هذه الأبيات مما هو موجود في قصائده المشهورة و وصاياه و خطبة يطول بها الكتاب على أن أبا طالب لم ينأ عن النبي (ص) قط بل كان يقرب منه و يخالطه و يقوم بنصرته فكيف يكون المعنى بقوله «وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ» «وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ» معناه ما يهلكون بنهيهم عن قبوله و بعدهم عنه إلا أنفسهم «وَ مََا يَشْعُرُونَ» أي و ما يعلمون إهلاكهم إياها بذلك.

القراءة

قرأ «وَ لاََ نُكَذِّبَ» «وَ نَكُونَ» بالنصب حفص عن عاصم و حمزة و يعقوب و قرأ ابن عامر «وَ نَكُونَ» بالنصب و قرأ الباقون بالرفع فيهن.

447

(1) -

الحجة

قال أبو علي من قرأ بالرفع جاز فيه وجهان (أحدهما) أن يكون معطوفا على «نُرَدُّ» فيكون قوله و لا نكذب و نكون داخلا في التمني دخول «نُرَدُّ» فيه فعلى هذا تمني الرد و أن لا نكذب و الكون من المؤمنين و يحتمل الرفع وجها آخر و هو أن تقطعه من الأول و يكون التقدير يا ليتنا نرد و نحن لا نكذب و نكون و قال سيبويه هو على قولك فإنا لا نكذب كما يقول القائل دعني و لا أعود أي فإني ممن لا يعود فإنما يسألك الترك و قد أوجب على نفسه أن لا يعود ترك أو لم يترك و لم يرد أن يسألك أن تجمع له الترك و أن لا يعود و حجة من نصب فقال «وَ لاََ نُكَذِّبَ» «وَ نَكُونَ» أنه أدخل ذلك في التمني غير موجب لأن التمني غير موجب فهو كالاستفهام و الأمر و النهي في انتصاب ما بعد ذلك كله من الأفعال إذا دخلت عليها الفاء أو الواو على تقدير ذكر المصدر من الفعل الأول كأنه في التمثيل يا ليتنا يكون لنا رد و انتفاء التكذيب و الكون من المؤمنين و من رفع و لا نكذب و نصب «وَ نَكُونَ» فإن الفعل الذي هو لا نكذب يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون داخلا في التمني فيكون المعنى كالنصب (و الآخر) أن يخبر على البتات أن لا نكذب رد أو لم يرد و من نصبها جميعا جعلهما داخلين في التمني.

اللغة

يقال وقفت الدابة وقوفا و وقف غيره يقفه وقفا و حكي عن أبي عمرو أنه أجاز ما أوقفك هاهنا مع إخباره أنه لم يسمعه من العرب و بدا يبدو و بدوا إذا ظهر و فلان ذو بدوات إذا بدا له الرأي بعد الرأي و بدا لي في هذا الأمر بداء و البداء لا يجوز على الله سبحانه لأنه العالم بجميع المعلومات لم يزل و لا يزال .

الإعراب‏

«وَ لَوْ تَرى‏ََ» جوابه محذوف و تقديره لرأيت أمرا هائلا و نحوه قوله تعالى‏ «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ» يريد إسكان هذا القرآن و هذه الأجوبة إنما تحذف لتعظيم الأمر و تفخيمه و مثله قول امرئ القيس :

و جئتك لو شي‏ء أتانا رسوله # سواك و لكن لم نجد لك مدفعا

و تقديره لو أتانا رسول غيرك لما جئنا و يسأل فيقال لم جاز «وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذْ وُقِفُوا» و إذ هي للماضي و الجواب أن الخبر لصحته و صدق المخبر به صار بمنزلة ما وقع.

المعنى‏

ثم بين سبحانه ما ينال هؤلاء الكفار يوم القيامة من الحسرة و تمني الرجعة فقال «وَ لَوْ تَرى‏ََ» يا محمد أو يا أيها السامع «إِذْ وُقِفُوا عَلَى اَلنََّارِ» فهذا يحتمل ثلاثة أوجه‏

448

(1) - جائز أن يكون المعنى عاينوا النار و جائز أن يكونوا عليها و هي تحتهم قال الزجاج و الأجود أن يكون معناه ادخلوها فعرفوا مقدار عذابها كما تقول في الكلام قد وقفت على ما عند فلان تريد قد فهمته و تبينته و هذا و إن كان بلفظ المضي فالمراد به الاستقبال و إنما جاز ذلك لأن كل ما هو كائن يوما مما لم يكن بعد فهو عند الله قد كان و أنشد في مثله:

ستندم إذ يأتي عليك رعيلنا # بأرعن جرار كثير صواهله‏

فوضع إذ موضع إذا و قد يوضع أيضا إذا موضع إذ كما قال الشاعر:

و ندمان يزيد الكأس طيبا # سقيت إذا تعرضت النجوم‏

«فَقََالُوا» أي فقال الكفار حين عاينوا العذاب و ندموا على ما فعلوا «يََا لَيْتَنََا نُرَدُّ» إلى الدنيا «وَ لاََ نُكَذِّبَ بِآيََاتِ رَبِّنََا» أي بكتب ربنا و رسله و جميع ما جاءنا من عنده «وَ نَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ» يعني من جملة المؤمنين بآيات الله‏} «بَلْ بَدََا لَهُمْ مََا كََانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ» اختلف فيه على أقوال (أحدها) أن معناه بل بدا لبعضهم من بعض ما كان علماؤهم يخفونه عن جهالهم و ضعفائهم مما في كتبهم فبدأ للضعفاء عنادهم (و ثانيها) أن المراد بل بدا من أعمالهم ما كانوا يخفونه فأظهره الله و شهدت به جوارحهم عن أبي روق (و ثالثها) إن المعنى ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفونه عنهم من أمر البعث و النشور لأن المتصل بهذا و له‏ «وَ قََالُوا إِنْ هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا» الآية عن الزجاج و هو قول الحسن (و رابعها) أن المراد بل بدا لهم وبال ما كانوا يخفونه من الكفر عن المبرد و كل هذه الأقوال بمعنى ظهرت فضيحتهم في الآخرة و تهتكت أستارهم «وَ لَوْ رُدُّوا لَعََادُوا لِمََا نُهُوا عَنْهُ» أي لو ردوا إلى الدنيا و إلى حال التكليف كما طلبوه لعادوا إلى ما نهوا عنه من الكفر و التكذيب «وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ» و يسأل على هذا فيقال إن التمني كيف يصح فيه الكذب و إنما يقع الكذب في الخبر و الجواب أن من الناس من حمل الكلام كله على وجه التمني و صرف الكذب إلى غير الأمر الذي تمنوه و قال إن معناه هم كاذبون فيما يخبرون به عن أنفسهم في الدنيا من الإصابة و اعتقاد الحق أو يكون المعنى إنهم كاذبون أن خبروا عن أنفسهم بأنهم متى ردوا آمنوا و إن كان ما حكي عنهم من التمني ليس بخبر و قد يجوز أن يحمل على غير الكذب الحقيقي بأن‏

449

(1) - يكون المراد أنهم تمنوا ما لا سبيل إليه فكذب أملهم و تمنيهم و هذا مشهور في كلام العرب يقولون كذبك أملك لمن تمنى ما لم يدرك و قال الشاعر:

كذبتم و بيت الله لا تنكحونها # بني شاب قرناها تصر و تحلب‏

و قال آخر:

كذبتم و بيت الله لا تأخذونها # مراغمة ما دام للسيف قائم‏

و المراد ما ذكرناه من الخيبة في الأمل و التمني فإن قيل كيف يجوز أن يتمنوا الرد إلى الدنيا و قد علموا أنهم لا يردون فالجواب عنه من وجوه (أحدها) إنا لا نعلم أن أهل الآخرة يعرفون جميع أحكام الآخرة و إنما نقول إنهم يعرفون الله معرفة لا يتخالجهم فيها الشك لما يشاهدونه من الآيات الملجئة لهم إلى المعارف و أما التوجع و التمني للخلاص و الدعاء للفرج فيجوز أن يقع منهم ذلك عن البلخي (و ثانيها) أن التمني قد يجوز فيما يعلم أنه لا يكون و لهذا قد يقع التمني على أن لا يكون ما قد كان و أن لا يكون فعل ما قد فعله و تقضي وقته (و ثالثها) أنه لا مانع من أن يقع منهم التمني للرد و لأن يكونوا من المؤمنين عن الزجاج و في الناس من جعل بعض الكلام تمنيا و بعضه إخبارا و علق تكذيبهم بالخبر دون ليتنا و هذا إنما ينساق في قراءة من رفع و لا نكذب و نكون على معنى فإنا لا نكذب بآيات ربنا و نكون من المؤمنين فيكونون قد أخبروا بما علم الله أنهم فيه كاذبون و إن لم يعلموا من أنفسهم مثل ذلك فلهذا كذبهم و ذكر أن أبا عمرو بن العلاء استدل على قراءته بالرفع في الجميع بأن قوله «وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ» فيه دلالة على أنهم أخبروا بذلك عن أنفسهم و لن يتمنوه لأن التمني لا يقع فيه الكذب.

450

(1) -

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن الكفار الذين ذكرهم قبل هذه الآية و إنكارهم البعث و النشور و الحشر و الحساب فقال «وَ قََالُوا إِنْ هِيَ» أي ما هي «إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا» عنوا بذلك أنه لا حياة لنا في الآخرة و إنما هي هذه التي حيينا بها في الدنيا «وَ مََا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ» أي لسنا بمبعوثين بعد الموت ثم خاطب سبحانه نبيه ص فقال «وَ لَوْ تَرى‏ََ» يا محمد «إِذْ وُقِفُوا عَلى‏ََ رَبِّهِمْ» ليس يصح في هذه الآية شي‏ء من الوجوه التي ذكرناها في قوله وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذْ وُقِفُوا على النار إلا وجها واحدا و هو أن المعنى عرفوا ربهم ضرورة كما يقال وقفته على كلام فلان أي عرفته إياه و قيل أيضا أن المعنى وقفوا على ما وعدهم ربهم من العذاب الذي يفعله بالكفار و الثواب الذي يفعله بالمؤمنين في الآخرة و عرفوا صحة ما أخبرهم به من الحشر و الحساب و يجوز أن يكون المعنى حبسوا على ربهم ينتظر بهم ما يأمرهم به و خرج الكلام مخرج ما جرت به العادة من وقوف العبد بين يدي سيده لما في ذلك من الفصاحة و الإفصاح بالمعنى و التنبيه على عظم الأمر «قََالَ» أي يقول الله تعالى لهم و جاء على لفظ الماضي لأنه لتحققه كأنه واقع و قيل معناه تقول الملائكة لهم بأمر الله تعالى «أَ لَيْسَ هََذََا بِالْحَقِّ» كما قالت الرسل و هذا سؤال توبيخ و تقريع و قوله «هََذََا» إشارة إلى الجزاء و الحساب و البعث «قََالُوا» أي فيقول هؤلاء الكفار مقرين بذلك مذعنين له «بَلى‏ََ» هو حق «وَ رَبِّنََا» قسم ذكروه و أكدوا اعترافهم به‏ «قََالَ» الله تعالى أو الملك بأمره «فَذُوقُوا اَلْعَذََابَ بِمََا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» أي بكفركم و إنما قال ذوقوا لأنهم في كل حال يجدون ذلك وجدان الذائق المذوق في شدة الإحساس من غير أن يصيروا إلى حال من يشم بالطعام في نقصان الإدراك.

القراءة

قرأ ابن عامر و لدار الآخرة بلام واحدة و جر الآخرة على الإضافة و الباقون‏

451

(1) - بلامين و رفع «اَلْآخِرَةُ» و قرأ أهل المدينة و ابن ذكوان عن ابن عامر و يعقوب و سهل «أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ» بالتاء هاهنا و في الأعراف و يوسف و ياسين و وافقهم حفص إلا في ياسين و حماد و يحيى عن أبي بكر في يوسف و قرأ الباقون جميع ذلك بالياء.

الحجة

من قرأ «وَ لَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ» فلأن الآخرة صفة للدار يدل على ذلك قوله‏ وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ اَلْأُولى‏ََ وَ إِنَّ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوََانُ و تِلْكَ اَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُهََا و من أضاف دارا إلى الآخرة لم يجعل الآخرة صفة للدار فإن الشي‏ء لا يضاف إلى نفسه لكنه جعلها صفة للساعة فكأنه قال و لدار الساعة الآخرة و جاز وصف الساعة بالآخرة كما وصف اليوم بالآخر في قوله‏ وَ اُرْجُوا اَلْيَوْمَ اَلْآخِرَ قال أبو علي إنما حسن إضافة الدار إلى الآخرة و لم يقبح من حيث استقبح إقامة الصفة مقام الموصوف لأن الآخرة قد صارت كالأبطح و الأبرق أ لا ترى أنه قد جاء وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ اَلْأُولى‏ََ فاستعملت استعمال الأسماء و لم يكن مثل الصفات التي لم تستعمل استعمال الأسماء و مثل الآخرة في أنها استعملت الأسماء قولهم الدنيا لما استعملت استعمال الأسماء حسن أن لا يلحق لام التعريف في نحو قوله:

"في سعي دنيا طال ما قد مدت"

و أما وجه القراءة بالياء في أ فلا يعقلون فهو أنه قد تقدم ذكر الغيبة في قوله «لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» و وجه القراءة بالتاء أنه يصلح أن يكون خطابا متوجها إليهم و يصلح أن يكون المراد الغيب و المخاطبون فيغلب الخطاب.

اللغة

كل شي‏ء أتى فجاءة فقد بغت يقال بغته الأمر يبغته بغتة قال الشاعر:

و لكنهم باتوا و لم أخش بغتة # و أفظع شي‏ء حين يفجأك البغت‏

و الحسرة شدة الندم حتى يحسر النادم كما يحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد و التفريط التقصير و أصله التقديم و الإفراط التقديم في مجاوزة الحد و التفريط التقديم في العجز و التقصير و الوزر الثقل في اللغة و اشتقاقه من الوزر و هو الحبل الذي يعتصم به و منه قيل وزير كأنه يعتصم الملك به و مثله قوله تعالى‏ «وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي» و يزرون يفعلون من وزر يزر وزرا إذا أثم و قيل وزر فهو موزور إذا فعل به ذلك و منه‏

الحديث في النساء يتبعن جنازة قتيل لهن ارجعن موزورات غير مأجورات‏

و العامة تقول مأزورات

452

(1) - و العقل و النهى و الحجى متقاربة المعنى فالعقل الإمساك عن القبيح و قصر النفس و حبسها عن الحسن قال الأصمعي و بالدهناء خبراء يقال له معقلة قال و تراها سميت معقلة لأنها تمسك الماء كما يعقل الدواء البطن و النهى لا يخلو أن يكون مصدرا كالهدي أو جمعا كالظلم و هو في معنى ثبات و حبس و منه النهي و التنهية للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع فيه لتسفله و يمنع ارتفاع ما حوله من أن يسيح على وجه الأرض و الحجى أصله من الحجو و هو احتباس و تمكث قال:

"فهن يعكفن به إذا حجا"

و حجيت بالشي‏ء و تحجيت به يهمز و لا يهمز أي تمسكت عن الأزهري قال أبو علي فكان الحجى مصدر كالشبع و من هذا الباب الحجيا للغز لتمكث الذي يلقى عليه حتى يستخرجه .

الإعراب‏

يقال ما معنى الغاية في قوله «حَتََّى إِذََا جََاءَتْهُمُ اَلسََّاعَةُ» و ما عامل الإعراب فيها و الجواب أن معناها منتهى تكذيبهم الحسرة يوم القيامة و العامل فيها «كَذَّبُوا» أي كذبوا إلى أن ظهرت الساعة بغتة فندموا حيث لا ينفعهم الندامة و يقال‏ما معنى دعاء الحسرة و هي مما لا يعقل و الجواب أن العرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن أمر عظيم تقع فيه جعلته نداء فلفظه لفظ ما ينبه و المنبه غيره مثل قوله‏ يََا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبََادِ و قوله‏ يََا حَسْرَتى‏ََ عَلى‏ََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ و يََا وَيْلَتى‏ََ أَ أَلِدُ و هذا أبلغ من أن تقول أنا أتحسر على التفريط قاله الزجاج و قال سيبويه إنك إذا قلت يا عجباه فكأنك قلت احضر و تعال يا عجب فإنه من أزمانك و تأويل يا حسرتاه انتبهوا على أننا قد حسرنا فخرج مخرج النداء للحسرة و المعنى على النداء لغيرها تنبيها على عظم شأنها و قيل إنها بمنزلة الاستغاثة فكأنه قيل يا حسرتنا تعالي فهذا أوانك كما يقال يا للعجب و قوله «سََاءَ مََا يَزِرُونَ» تقديره بئس الشي‏ء شي‏ء يزرونه و قد ذكرنا عمل نعم و بئس فيما مضى.

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار فقال «قَدْ خَسِرَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقََاءِ اَللََّهِ» يعني بلقاء ما وعد الله به من الثواب و العقاب و جعل لقائهم لذلك لقاء له تعالى مجازا عن ابن عباس و الحسن و قيل المراد بلقاء جزاء الله كما يقال للميت لقي فلان عمله أي لقي جزاء عمله و نظيره‏ إِلى‏ََ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمََا أَخْلَفُوا اَللََّهَ مََا وَعَدُوهُ «حَتََّى إِذََا جََاءَتْهُمُ اَلسََّاعَةُ» أي القيامة «بَغْتَةً» أي فجأة من غير أن علموا وقتها «قََالُوا» عند معاينة ذلك اليوم و أهواله و تباين أحوال‏

453

(1) - أهل الثواب و العقاب «يََا حَسْرَتَنََا عَلى‏ََ مََا فَرَّطْنََا فِيهََا» أي على ما تركنا و ضيعنا في الدنيا من تقديم أعمال الآخرة عن ابن عباس و قيل إن الهاء يعود إلى الساعة عن الحسن و المعنى على ما فرطنا في العمل للساعة و التقدمة لها و قيل إن الهاء يعود إلى الجنة أي في طلبها و العمل لها عن السدي يدل عليه ما

رواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ص في هذه الآية قال يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون يا حسرتنا

و قال محمد بن جرير الهاء يعود إلى الصفقة لأنه لما ذكر الخسران دل على الصفقة و يجوز أن يكون الهاء يعود إلى معنى ما في قوله «مََا فَرَّطْنََا» أي يا حسرتنا على الأعمال الصالحة التي فرطنا فيها فعلى هذا الوجه يكون ما موصولة بمعنى الذي و على الوجوه المتقدمة يكون ما بمعنى المصدر و يكون تقديره على تفريطنا «وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزََارَهُمْ» أي أثقال ذنوبهم «عَلى‏ََ ظُهُورِهِمْ» و قال ابن عباس يريد آثامهم و خطاياهم و قال قتادة و السدي إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شي‏ء صورة و أطيبه ريحا فيقول أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله‏ يَوْمَ نَحْشُرُ اَلْمُتَّقِينَ إِلَى اَلرَّحْمََنِ وَفْداً أي ركبانا و إن الكافر إذا خرج من قبره استقبله أقبح شي‏ء صورة و أخبثه ريحا فيقول أنا عملك السي‏ء طال ما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم و ذلك قوله «وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزََارَهُمْ عَلى‏ََ ظُهُورِهِمْ» و قال الزجاج هذا مثل جائز أن يكون جعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل ما يحمل لأن الثقل كما يستعمل في الوزن يستعمل في الحال أيضا كما تقول ثقل علي خطاب فلان و معناه كرهت خطابه كراهة اشتدت علي فعلى هذا يكون المعنى أنهم يقاسون عذاب آثامهم مقاساة تثقل عليهم و لا تزايلهم و إلى هذا المعنى

أشار أمير المؤمنين ع في قوله تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر بأولكم آخركم‏

«أَلاََ سََاءَ مََا يَزِرُونَ» أي بئس الحمل حملهم عن ابن عباس و قيل معناه ساء ما ينالهم جزاء لذنوبهم و أعمالهم السيئة إذ كان ذلك عذابا و نكالا ثم رد عليهم قولهم ما هي إلا حياتنا الدنيا و بين سبحانه أن ما يتمتع به من الدنيا يزول و يبيد فقال‏} «وَ مَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ لَعِبٌ وَ لَهْوٌ» أي باطل و غرور إذا لم يجعل ذلك طريقا إلى الآخرة و إنما عنى بالحياة الدنيا أعمال الدنيا لأن نفس الدنيا لا توصف باللعب و ما فيه رضا الله من عمل الآخرة لا يوصف به أيضا لأن اللعب ما لا يعقب نفعا و اللهو ما يصرف من الجد إلى الهزل و هذا إنما يتصور في المعاصي‏و قيل المراد باللعب و اللهو أن الحياة تنقضي و تفنى و لا تبقى فتكون لذة فانية عن قريب كاللعب و اللهو «وَ لَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ» و ما فيها من أنواع النعيم و الجنان «خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» معاصي الله لأنها باقية دائمة لا يزول عنهم نعيمها و لا يذهب عنهم سرورها «أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ» إن ذلك كما

454

(1) - وصف لهم فيزهدوا في شهوات الدنيا و يرغبوا في نعيم الآخرة و يفعلوا ما يؤديهم إلى ذلك من الأعمال الصالحة و في هذه الآية تسلية للفقراء بما حرموا من متاع الدنيا و تقريع للأغنياء إذا ركنوا إلى حطامها و لم يعملوا لغيرها.

القراءة

قرأ نافع ليحزنك بضم الياء و كسر الزاي و الباقون «لَيَحْزُنُكَ» بفتح الياء و ضم الزاي و

قرأ نافع و الكسائي و الأعشى عن أبي بكر لا يكذبونك خفيف و هو قراءة علي (ع) و المروي عن جعفر الصادق (ع)

و الباقون «يُكَذِّبُونَكَ» بفتح الكاف و التشديد.

الحجة

قال أبو علي قال سيبويه قالوا حزن الرجل و حزنته و زعم الخليل إنك حيث تقول حزنته لم ترد أن تقول جعلته حزينا كما أنك حيث قلت أدخلته أردت جعلته داخلا و لكنك أردت أن تقول جعلت فيه حزنا كما تقول كحلته جعلت فيه كحلا و دهنته جعلت فيه دهنا و لم ترد بفعلته هنا تعدي قوله حزن و لو أردت ذلك لقلت أحزنته و حجة نافع إنه أراد أن يعدي حزن فنقله بالهمزة و الاستعمال في حزنته أكثر منه في أحزنته فإلى كثرة الاستعمال ذهب عامة القراء و أما قوله «يُكَذِّبُونَكَ» فمن ثقل فهو من فعلته إذا نسبته إلى الفعل مثل زنيته و فسقته نسبته إلى الزنا و الفسق و قد جاء في هذا المعنى أفعلته قالوا أسقيته أي قلت له سقاك الله قال ذو الرمة :

و أسقيه حتى كاد مما أبثه # تكلمني أحجاره و ملاعبه‏

فيجوز على هذا أن يكون معنى القراءتين واحدا و يجوز أن يكون «لاََ يُكَذِّبُونَكَ» أي لا

455

(1) - يصادفونك كاذبا كما تقول أحمدته إذا أصبته محمودا و يدل على الوجه الأول قول الكميت :

و طائفة قد أكفرتني بحبكم # و طائفة قالت مسي‏ء و مذنب‏

أي نسبتني إلى الكفر قال أحمد بن يحيى كان الكسائي يحكي عن العرب أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاءك بكذب و كذبته إذا أخبرت أنه كذاب.

ـ

[المعنى‏}]

ثم سلى سبحانه نبيه ص على تكذيبهم إياه بعد إقامة الحجة عليهم‏فقال «قَدْ نَعْلَمُ» نحن يا محمد «إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ اَلَّذِي يَقُولُونَ» أي ما يقولون إنك شاعر أو مجنون و أشباه ذلك «فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ» دخلت الفاء في أنهم لأن الكلام الأول يقتضيه كأنه قيل إذا كان قد يحزنك قولهم فاعلم أنهم لا يكذبونك و اختلف في معناه على وجوه (أحدها) أن معناه لا يكذبونك بقلوبهم اعتقادا و إن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عنادا و هو قول أكثر المفسرين عن أبي صالح و قتادة و السدي و غيرهم قالوا يريد أنهم يعلمون أنك رسول الله و لكن يجحدون بعد المعرفة و يشهد لهذا الوجه ما

روى سلام بن مسكين عن أبي يزيد المدني أن رسول الله ص لقي أبا جهل فصافحه أبو جهل فقيل له في ذلك فقال و الله إني لأعلم إنه صادق و لكنا متى كنا تبعا لعبد مناف فأنزل الله هذه الآية

و قال السدي التقى أخنس ابن شريق و أبو جهل بن هشام فقال له يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أ صادق هو أم كاذب فإنه ليس هاهنا أحد غيري و غيرك يسمع كلامنا فقال أبو جهل ويحك و الله إن محمدا لصادق و ما كذب قط و لكن إذا ذهب بنو قصي باللواء و الحجابة و السقاية و الندوة و النبوة فما ذا يكون لسائر قريش (و ثانيها) أن المعنى لا يكذبونك بحجة و لا يتمكنون من إبطال ما جئت به ببرهان و يدل عليه ما

روي عن علي (ع) إنه كان يقرأ «لاََ يُكَذِّبُونَكَ» و يقول إن المراد بها إنهم لا يأتون بحق هو أحق من حقك‏

(و ثالثها) أن المراد لا يصادفونك كاذبا تقول العرب قاتلناكم فما أجبناكم أي ما أصبناكم جبناء قال الأعشى :

أثوى و قصر ليلة ليزودا # فمضى و أخلف من قتيلة موعدا

أراد صادف منها خلف الوعد و قال ذو الرمة :

456

(1) -

تريك بياض لبتها و وجها # كقرن الشمس أفتق ثم زالا

أي وجد فتقا من السحاب و لا يختص هذا الوجه بالقراءة بالتخفيف دون التشديد لأن أفعلت و فعلت يجوزان في هذا الموضع و أفعلت هو الأصل فيه ثم يشدد تأكيدا مثل أكرمت و كرمت و أعظمت و عظمت إلا أن التخفيف أشبه بهذا الوجه (و رابعها) أن المراد لا ينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به لأنك كنت عندهم أمينا صدوقا و إنما يدفعون ما أتيت به و يقصدون التكذيب بآيات الله و يقوي هذا الوجه قوله «وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ بِآيََاتِ اَللََّهِ يَجْحَدُونَ» و قوله‏ «وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ اَلْحَقُّ» و لم يقل و كذبك قومك و ما روي أن أبا جهل قال للنبي ص ما نتهمك و لا نكذبك و لكنا نتهم الذي جئت به و نكذبه (و خامسها) أن المراد أنهم لا يكذبونك بل يكذبونني فإن تكذيبك راجع إلي و لست مختصا به لأنك رسول الله فمن رد عليك فقد رد علي و من كذبك فقد كذبني و ذلك تسلية منه سبحانه للنبي ص و قوله «وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ بِآيََاتِ اَللََّهِ يَجْحَدُونَ» أي بالقرآن و المعجزات يجحدون بغير حجة سفها و جهلا و عنادا و دخلت الباء في «بِآيََاتِ اَللََّهِ» و الجحد يتعدى بغير الجار و المجرور لأن معناه هنا التكذيب أي يكذبون بآيات الله و قال أبو علي الباء تتعلق بالظالمين و المعنى و لكن الظالمين برد آيات الله أو إنكار آيات الله يجحدون ما عرفوه من صدقك و أمانتك و مثله قوله سبحانه‏ وَ آتَيْنََا ثَمُودَ اَلنََّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهََا أي ظلموا بردها أو الكفر بها ثم زاد سبحانه في تسلية نبيه ص بقوله‏} «وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى‏ََ مََا كُذِّبُوا وَ أُوذُوا» أي صبروا على ما نالهم منهم من التكذيب و الأذى في أداء الرسالة «حَتََّى أَتََاهُمْ» جاءهم «نَصْرُنََا» إياهم على المكذبين و هذا أمر منه سبحانه لنبيه ص بالصبر على كفار قومه إلى أن يأتيه النصر كما صبرت الأنبياء «وَ لاََ مُبَدِّلَ لِكَلِمََاتِ اَللََّهِ» معناه لا أحد يقدر على تكذيب خبر الله على الحقيقة و لا على إخلاف وعده و أن ما أخبر الله به أن يفعل بالكفار فلا بد من كونه لا محالة و ما وعدك به من نصره فلا بد من حصوله لأنه لا يجوز الكذب في إخباره و لا الخلف في وعده و قال الكلبي و عكرمة يعني بكلمات الله الآيات التي وعد فيها نصر الأنبياء نحو قوله‏ كَتَبَ اَللََّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي و قوله إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ «وَ لَقَدْ جََاءَكَ مِنْ نَبَإِ اَلْمُرْسَلِينَ» أي خبرهم في القرآن كيف أنجيناهم و نصرناهم على قومهم قال الأخفش من هاهنا صلة مزيدة كما تقول أصابنا من مطر أي مطر

457

(1) - و قال غيره من النحويين لا يجوز ذلك لأن من لا تزاد في الإيجاب و إنما تزاد في النفي و من هنا للتبعيض و فاعل جاء مضمر يدل المذكور عليه و تقديره و لقد جاءك من نبأ المرسلين نبأ فيكون المعنى أنه أخبره ع ببعض أخبارهم على حسب ما علم من المصالح و يؤيد ذلك قوله‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ .

اللغة

النفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر و أصله الخروج و منه المنافق لخروجه من الإيمان إلى الكفر و منه النفقة لخروجها من اليد و السلم الدرج و هو مأخوذ من السلامة قال الزجاج لأنه الذي يسلمك إلى مصعدك و الاستجابة من الجوب و هو القطع و هل عندك جائبة خبر أي تجوب البلاد و الفرق بين يستجيب و يجيب أن يستجيب فيه قبول لما دعي إليه و ليس كذلك يجيب لأنه يجوز أن يجيب بالمخالفة كما أن السائل يقول أ توافق في هذا المذهب أم تخالف فيقول المجيب أخالف عن علي بن عيسى و قيل إن أجاب و استجاب بمعنى .

الإعراب‏

جواب إن محذوف و تقديره إن استطعت ذلك فافعل قال الفراء و إنما تفعله العرب في كل موضع يعرف فيه معنى الجواب أ لا ترى أنك تقول للرجل إن استطعت‏

458

(1) - أن تتصدق إن رأيت أن تقوم معنا فتترك الجواب للمعرفة به فإذا قلت إن تقم تصب خيرا فلا بد من الجواب لأن معناه لا يعرف إذا طرح الجواب.

المعنى‏

ثم بين سبحانه أن هؤلاء الكفار لا يؤمنون فقال مخاطبا لنبيه ص «وَ إِنْ كََانَ كَبُرَ» أي عظم و اشتد «عَلَيْكَ إِعْرََاضُهُمْ» و انصرافهم عن الإيمان و قبول دينك و امتناعهم من اتباعك و تصديقك «فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ» أي قدرت و تهيأ لك «أَنْ تَبْتَغِيَ» أي تطلب و تتخذ «نَفَقاً فِي اَلْأَرْضِ» أي سربا و مسكنا في جوف الأرض «أَوْ سُلَّماً» أي مصعدا «فِي اَلسَّمََاءِ» و درجا «فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ» أي حجة تلجئهم إلى الإيمان و تجمعهم على ترك الكفر فافعل ذلك و قيل فتأتيهم بآية أفضل مما آتيناهم به فافعل عن ابن عباس يريد لا آية أفضل و أظهر من ذلك «وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى اَلْهُدى‏ََ» بالإلجاء و إنما أخبر عز اسمه عن كمال قدرته و أنه لو شاء لألجأهم إلى الإيمان و لم يفعل ذلك‏لأنه ينافي التكليف و يسقط استحقاق الثواب الذي هو الغرض بالتكليف و ليس في الآية أنه سبحانه لا يشاء منهم أن يؤمنوا مختارين أو لا يشاء أن يفعل ما يؤمنون عنده مختارين و إنما نفى المشيئة لما يلجئهم إلى الإيمان ليتبين أن الكفار لم يغلبوه بكفرهم فإنه لو أراد أن يحول بينهم و بين الكفر لفعل لكنه يريد أن يكون إيمانهم على الوجه الذي يستحق به الثواب و لا ينافي التكليف «فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ» قيل معناه فلا تجزع في مواطن الصبر فيقارب حالك حال الجاهلين بأن تسلك سبيلهم عن الجبائي و قيل إن هذا نفي للجهل عنه أي لا تكن جاهلا بعد أن أتاك العلم بأحوالهم و أنهم لا يؤمنون و المراد فلا تجزع و لا تتحسر لكفرهم و إعراضهم عن الإيمان و غلظ الخطاب تبعيدا و زجرا عن هذه الحال ثم بين سبحانه الوجه الذي لأجله لا يجتمع هؤلاء الكفار على الإيمان فقال‏} «إِنَّمََا يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ يَسْمَعُونَ» و معناه إنما يستجيب إلى الإيمان بالله و ما أنزل إليك من يسمع كلامك و يصغي إليك و إلى ما تقرأه عليه من القرآن و يتفكر في آياتك فإن من لم يتفكر و لم يستدل بالآيات بمنزلة من لم يسمع كما قيل:

لقد أسمعت لو ناديت حيا # و لكن لا حياة لمن تنادي‏

و قال الآخر:

"أصم عما ساءه سميع"

«وَ اَلْمَوْتى‏ََ يَبْعَثُهُمُ اَللََّهُ» يريد أن الذين لا يصغون إليك من هؤلاء الكفار و لا يتدبرون فيما تقرأه عليهم و تبينه لهم من الآيات و الحجج بمنزلة الموتى‏فكما أيست أن تسمع الموتى كلامك إلى أن يبعثهم الله فكذلك فأيس من‏

459

(1) - هؤلاء أن يستجيبوا لك و تقديره إنما يستجيب المؤمن السامع للحق فأما الكافر فهو بمنزلة الميت فلا يجيب إلى أن يبعثه الله يوم القيامة فيلجئه إلى الإيمان و قيل معناه إنما يستجيب من كان قلبه حيا فأما من كان قلبه ميتا فلا ثم وصف الموتى بأنه يبعثهم و يحكم فيهم «ثُمَّ إِلَيْهِ» أي إلى حكمه «يُرْجَعُونَ» و قيل معناه يبعثهم الله من القبور ثم يرجعون إلى موقف الحساب ثم عاد سبحانه إلى حكاية أقوال الكفار فقال عاطفا على ما تقدم‏} «وَ قََالُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» هذا إخبار عن رؤساء قريش لما عجزوا من معارضته فيما أتى به من القرآن اقترحوا عليه مثل آيات الأولين كعصا موسى و ناقة ثمود فقال سبحانه في موضع آخر «أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنََّا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ» و قال هاهنا «قُلْ» يا محمد «إِنَّ اَللََّهَ قََادِرٌ عَلى‏ََ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً» أي آية تجمعهم على هدى عن الزجاج و قيل آية كما يسألونها «وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ» ما في إنزالها من وجوب الاستئصال لهم إذا لم يؤمنوا عند نزولها و ما في الاقتصار بهم على ما أوتوه من الآيات من المصلحةو قيل معناه و لكن أكثرهم لا يعلمون أن فيما أنزلنا من الآيات مقنعا و كفاية لمن نظر و تدبر و قد اعترضت الملحدة على المسلمين بهذه الآية فقالوا أنها تدل على أن الله تعالى لم ينزل على محمد آية إذ لو نزلها لذكرها عند سؤال المشركين إياها فيقال لهم قد بينا أنهم التمسوا آية مخصوصة و تلك لم يؤتوها لأن المصلحة منعت عن إيتائها و قد أنزل الآيات الدالة على نبوته من القرآن و آتيتهم من المعجزات الباهرة التي شاهدوها ما لو نظروا فيها أو في بعضها حق النظر لعرفوا صدقه و صحة نبوته و قد بين في آية أخرى أنه لو أنزل عليهم ما التمسوه لم يؤمنوا فقال‏ «وَ لَوْ أَنَّنََا نَزَّلْنََا إِلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةَ» إلى قوله‏ «مََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا» و في موضع آخر «وَ قََالُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيََاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا اَلْآيََاتُ عِنْدَ اَللََّهِ» يعني في قدرة الله ينزل منها ما يشاء و يسقط ما اعترضوا به.

ـ

460

(1) -

اللغة

الدابة كل ما يدب من الحيوان و أصله الصفة من دب يدب دبيبا إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو و الدبوب و الديبوب النمام و

في الحديث لا يدخل الجنة ديبوب و لا قلاع‏

فالديبوب النمام لأنه يدب بالنميمة و القلاع الواشي بالرجل ليقتلعه قال الأزهري تصغير الدابة دويبة الباء مخففة و فيها إشمام الكسر و

في الحديث أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب

أراد الأدب فأظهر التضعيف و هو الكثير الوبر و قد دب يدب دبيبا و الجناح إحدى ناحيتي الطير اللتين يتمكن بهما من الطيران في الهواء و أصله الميل إلى ناحية .

الإعراب‏

من مزيدة و تأويله و ما دابة و يجوز في غير القرآن «لا طائر يطير» بالرفع عطفا على موضع من دابة و قوله «مِنْ شَيْ‏ءٍ» من زائدة أيضا و تفيد التعميم أي ما فرطنا شيئا ما و صم و بكم كلاهما خبر الذين كقولهم هذا حلو حامض و دخول الواو لا يمنع من ذلك فإنه بمنزلة قولك صم بكم.

المعنى‏

لما بين سبحانه أنه قادر على أن ينزل آية عقبه بذكر ما يدل على كمال قدرته و حسن تدبيره و حكمته فقال «وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ» أي ما من حيوان يمشي على وجه الأرض «وَ لاََ طََائِرٍ يَطِيرُ بِجَنََاحَيْهِ» جمع بهذين اللفظين جميع الحيوانات لأنها لا تخلو إما أن تكون مما يطير بجناحيه أو يدب‏و مما يسأل عنه أن يقال لم قال يطير بجناحيه و قد علم أن الطير لا يطير إلا بالجناح فالجواب أن هذا إنما جاء للتوكيد و رفع اللبس لأن القائل قد يقول طر في حاجتي أي أسرع فيها و قال الشاعر:

قوم إذا الشر أبدى ناجذية لهم # طاروا إليه زرافات و وحدانا

و أنشد سيبويه :

فطرت بمنصلي في يعملات # و دوامي الأيد يخبطن السريحا

و قيل إنما قال بجناحيه لأن السمك تطير في الماء و لا أجنحة لها و إنما خرج السمك‏

461

(1) - عن الطائر لأنه من دواب البحر و إنما أراد سبحانه ما في الأرض و ما في الجو «إِلاََّ أُمَمٌ» أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يشتمل كل صنف على العدد الكثير عن مجاهد «أَمْثََالُكُمْ» قيل أنه يريد أشباهكم في إبداع الله إياها و خلقه لها و دلالتها على أن لها صانعا و قيل إنما مثلت الأمم عن غير الناس بالناس في الحاجة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم و أكلهم و لباسهم و نومهم و يقظتهم و هدايتهم إلى مراشدهم إلى ما لا يحصى كثرة من أحوالهم و مصالحهم و أنهم يموتون و يحشرون و بين بهذه الآية أنه لا يجوز للعباد أن يتعدوا في ظلم شي‏ء منها فإن الله خالقها و المنتصف لها «مََا فَرَّطْنََا فِي اَلْكِتََابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ» أي ما تركنا و قيل معناه ما قصرنا و اختلف في معنى الكتاب على أقوال (أحدها) إنه يريد بالكتاب القرآن لأنه ذكر جميع ما يحتاج إليه فيه من أمور الدين و الدنيا إما مجملا و إما مفصلا و المجمل قد بينه على لسان نبيه ص و أمرنا باتباعه في قوله‏ «مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» و هذا مثل قوله تعالى‏ «وَ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ تِبْيََاناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ» و يروى عن عبد الله بن مسعود أنه قال ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه يعني الواشمة و المستوشمة و الواصلة و المستوصلة فقرأت المرأة التي سمعت ذلك منه جميع القرآن ثم أتته و قالت يا ابن أم عبد تلوت البارحة ما بين الدفتين فلم أجد فيه لعن الواشمة فقال لو تلوتيه لوجدتيه قال الله تعالى‏ «مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» و إن‏

مما أتانا رسول الله أن قال لعن الله الواشمة و المستوشمة

و هو قول أكثر المفسرين و هذا القول اختيار البلخي (و ثانيها) أن المراد بالكتاب هاهنا الكتاب الذي هو عند الله عز و جل المشتمل على ما كان و يكون و هو اللوح المحفوظ و فيه آجال الحيوان و أرزاقه و آثاره ليعلم ابن آدم أن عمله أولى بالإحصاء و الاستقصاء عن الحسن (و ثالثها) أن المراد بالكتاب الأجل‏أي ما تركنا شيئا إلا و قد أوحينا له أجلا ثم يحشرون جميعا عن أبي مسلم و هذا الوجه بعيد «ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ» معناه يحشرون إلى الله بعد موتهم يوم القيامة كما يحشر العباد فيعوض الله تعالى ما يستحق العوض منها و ينتصف لبعضها من بعض و فيما رووه عن أبي هريرة أنه قال يحشر الله الخلق يوم القيامة البهائم و الدواب و الطير و كل شي‏ء فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول كوني ترابا فلذلك يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا و

عن أبي ذر قال بينا أنا عند رسول الله ص إذ انتطحت عنزان فقال النبي ص أ تدرون فيما انتطحا فقالوا لا ندري قال لكن الله يدري‏

462

(1) - و سيقضي بينهما

و على هذا فإنما جعلت أمثالنا في الحشر و الاقتصاص و اختاره الزجاج فقال يعني أمثالكم في أنهم يبعثون و يؤيده قوله‏ «وَ إِذَا اَلْوُحُوشُ حُشِرَتْ» و معنى إلى ربهم إلى حيث لا يملك النفع و الضر إلا الله سبحانه إذ لم يمكن منه كما مكن في الدنيا و استدلت جماعة من أهل التناسخ بهذه الآية على أن البهائم و الطيور مكلفة لقوله «أُمَمٌ أَمْثََالُكُمْ» و هذا باطل لأنا قد بينا أنها من أي وجه تكون أمثالنا و لو وجب حمل ذلك على العموم‏لوجب أن تكون أمثالنا في كونها على مثل صورنا و هيأتنا و خلقتنا و أخلاقنا و كيف يصح تكليف البهائم و هي غير عاقلة و التكليف لا يصح إلا مع كمال العقل‏} «وَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا» أي بالقرآن و قيل بسائر الحجج و البينات «صُمٌّ وَ بُكْمٌ» قد بينا معناهما في سورة البقرة «فِي اَلظُّلُمََاتِ» أي في ظلمات الكفر و الجهل لا يهتدون إلى شي‏ء من منافع الدين و قيل أراد صم و بكم في الظلمات في الآخرة على الحقيقة عقابا لهم على كفرهم لأنه ذكرهم عند ذكر الحشر عن أبي علي الجبائي «مَنْ يَشَأِ اَللََّهُ يُضْلِلْهُ» هذا مجمل قد بينه في قوله‏ «وَ مََا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفََاسِقِينَ» «وَ يُضِلُّ اَللََّهُ اَلظََّالِمِينَ» «وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً» «يَهْدِي بِهِ اَللََّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوََانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاََمِ» و المعنى من يشأ الله يخذله بأن يمنعه ألطافه و فوائده و ذلك إذا واتر عليه الأدلة و أوضح له الحجج فأعرض عنها و لم ينعم النظر فيها و يجوز أن يريد من يشأ الله إضلاله عن طريق الجنة و نيل ثوابها يضلله عنه «وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ» أي و من يشأ أن يرحمه و يهديه إلى الجنة يجعله على الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة.

القراءة

قرأ أهل المدينة أ رأيتكم و أ رأيتم و أ رأيت و أشباه ذلك بتخفيف الهمزة كل القرآن و قرأ الكسائي وحده أريتكم و أريت و أريتم كل القرآن بترك الهمزة و قرأ الباقون بالهمز في الجميع كل القرآن .

الحجة

قال أبو علي من حقق الهمزة فوجه قراءته بين لأنه فعلت من الرؤية فالهمزة

463

(1) - عين الفعل و من قرأ بألف في كل القرآن من غير همز على مقدار ذوق الهمزة فإنه يجعل الهمزة بين بين أي بين الألف و الهمزة و أما الكسائي فإنه حذف الهمزة حذفا أ لا ترى أن التخفيف القياسي فيها أن تجعل بين بين و هذا حذف الهمزة كما قالوا ويلمه و كما أنشد أحمد بن يحيى :

(إذن لم أقاتل فالبسوني برقعا)

و كقول أبي الأسود :

"يا با المغيرة رب أمر معضل"

و مما جاء على ذلك قول الآخر:

أ رأيت إن جاءت به أملودا # مرجلا و يلبس البرودا

و مما يقوي ذلك قول الشاعر:

و من رأى مثل معدان بن ليلى # إذا ما النسع طال على المطية.

الإعراب‏

«أَ رَأَيْتَكُمْ» الكاف فيه للخطاب مجردا و معنى الاسم مخلوع عنه لأنه لو كان اسما لوجب أن يكون الاسم الذي بعده في قوله‏ أَ رَأَيْتَكَ هََذَا اَلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ و أ رأيتك زيدا ما صنع هو الكاف في المعنى لأن رأيت يتعدى إلى مفعولين يكون الأول منهما هو الثاني في المعنى و قد علمنا أنه ليس الكاف في المعنى و إذا لم يكن اسما كان حرفا للخطاب مجردا من معنى الاسمية كالكاف في ذلك و هنالك و كالتاء في أنت و إذا ثبت أنه للخطاب فالتاء في أ رأيت لا يجوز أن يكون للخطاب لأنه لا يجوز أن يلحق الكلمة علامتان للخطاب كما لا يلحقها علامتان للتأنيث و لا علامتان للاستفهام فلما لم يجز ذلك أفردت التاء في جميع الأحوال لما كان الفعل لا بد له من فاعل و جعل في جميع الأحوال على لفظ واحد لأن ما يلحق الكاف من معنى الخطاب يبين الفاعلين فيخصص التأنيث من التذكير و التثنية من الجمع و لو لحق علامة التأنيث و الجمع التاء لاجتمعت علامتان للخطاب ما يلحق التاء و ما يلحق الكاف فكان يؤدي إلى ما لا نظير له فرفض و هذا من كلام أبي علي الفارسي و جواب إن من قوله «إِنْ أَتََاكُمْ عَذََابُ اَللََّهِ» الفعل الذي دخل عليه حرف الاستفهام كما تقول إن أتاك زيد أ تكرمه و موضع إن و جوابه نصب لأنه في موضع مفعولي رأيت و قوله «إِنْ كُنْتُمْ‏

464

(1) - صََادِقِينَ» جوابه محذوف يدل عليه قوله «أَ رَأَيْتَكُمْ» لأنه في معنى أخبروا فكأنه قال إن كنتم صادقين فأخبروا من تدعون عند نزول البلاء بكم.

ـ

المعنى‏

ثم أمر سبحانه نبيه بمحاجة الكفار فقال «قُلْ» يا محمد لهؤلاء الكفار «أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتََاكُمْ عَذََابُ اَللََّهِ» في الدنيا كما نزل بالأمم قبلكم مثل عاد و ثمود «أَوْ أَتَتْكُمُ اَلسََّاعَةُ» أي القيامة قال الزجاج الساعة اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد و اسم للوقت الذي يبعث فيه العباد و المعنى أو أتتكم الساعة التي وعدتم فيها بالبعث و الفناء لأن قبل البعث يموت الخلق كلهم «أَ غَيْرَ اَللََّهِ تَدْعُونَ» أي أ تدعون فيها لكشف ذلك عنكم هذه الأوثان التي تعلمون أنها لا تقدر أن تنفع أنفسها و لا غيرها أو تدعون الله الذي هو خالقكم و مالككم لكشف ذلك عنكم‏ «إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ» في أن هذه الأوثان آلهة لكم احتج سبحانه عليهم بما لا يدفعونه لأنهم كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله ثم قال‏} «بَلْ إِيََّاهُ تَدْعُونَ» و بل استدراك و إيجاب بعد نفي أعلمهم الله تعالى أنهم إذا لحقتهم الشدائد في البحار و البراري و القفار يتضرعون إليه و يقبلون عليه و المعنى لا تدعون غيره بل تدعونه «فَيَكْشِفُ مََا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شََاءَ» أي يكشف الضر الذي من أجله دعوتم إن شاء أن يكشفه «وَ تَنْسَوْنَ مََا تُشْرِكُونَ» أي تتركون دعاء ما تشركون من دون الله لأنه ليس عندهم ضرر و لا نفع عن ابن عباس و يكون العائد إلى الموصول محذوفا للعلم على تقدير ما تشركون به و قيل معناه إنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم عن الزجاج و هو قول الحسن لأنه قال تعرضون عنه إعراض الناسي أي لليأس في النجاة من مثله و يجوز أن يكون ما مع تشركون بمنزلة المصدر فيكون بمنزلة و تنسون شرككم.

465

(1) -

القراءة

قرأ أبو جعفر فتحنا بالتشديد في جميع القرآن و وافقه ابن عامر إلا قوله‏ وَ لَوْ فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ بََاباً و حَتََّى إِذََا فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ بََاباً فإنه خففهما و وافقهما يعقوب في القمر و قرأ الباقون في جميع ذلك بالتخفيف إلا مواضع قد اختلفوا فيها سنذكرها إن شاء الله إذا بلغنا إلى مواضعها.

الحجة

من ثقل أراد التكثير و المبالغة و من خفف لم يرد ذلك.

اللغة

البأساء من البأس و الخوف و الضراء من الضر و قد يكون البأساء من البؤس ، و التضرع التذلل يقال ضرع فلان لفلان إذا بخع له و سأله أن يعطيه و المبلس الشديد الحسرة و قال الفراء المبلس المنقطع الحجة قال رؤبة :

و حضرت يوم الخميس الأخماس # و في الوجوه صفرة و إبلاس‏

دابر القوم الذي يدبرهم و يدبرهم لغتان و هو الذي يتلوهم من خلفهم و يأتي على أعقابهم و أنشد:

آل المهلب جز الله دابرهم # أضحوا رمادا فلا أصل و لا طرف‏

و قال الأصمعي الدابر الأصل يقال قطع الله دابره أي أصله و أنشد:

فدى لكما رجلي و رحلي و ناقتي # غداة الكلاب إذ تجز الدوابر

أي يقتل القوم فتذهب أصولهم فلا يبقى لهم أثر و قال غيره دابر الأمر آخره و روي عن عبد الله أنه قال من الناس من لا يأتي الصلاة ألا دبريا بضم الدال يعني في آخر الوقت كذا يقول أصحاب الحديث قال أبو زيد الصواب دبريا بفتح الدال و الباء .

الإعراب‏

لو لا للتحضيض و لا يدخل إلا على الفعل و معناه هلا تضرعوا «وَ لََكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ» معطوف على تأويل الكلام الأول فإن في قوله (هلا تضرعوا) دلالة على أنهم لم يتضرعوا و قوله «بَغْتَةً» مصدر وقع موقع الحال أي أخذناهم مباغتين.

466

(1) -

المعنى‏

ثم أعلم الله سبحانه نبيه حال الأمم الماضية في مخالفة رسله و بين أن حال هؤلاء إذا سلكوا طريق المخالفة كحالهم في نزول العذاب بهم فقال «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا» و هاهنا محذوف و تقديره رسلا «إِلى‏ََ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ» فخالفوهم «فَأَخَذْنََاهُمْ» و حسن الحذف للإيجاز به و الاختصار من غير إخلال لدلالة مفهوم الكلام عليه «بِالْبَأْسََاءِ وَ اَلضَّرََّاءِ» يريد به الفقر و البؤس و الأسقام و الأوجاع عن ابن عباس و الحسن «لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ» و معناه لكي يتضرعوا و قال الزجاج لعل ترج و هذا الترجي للعباد، المعنى فأخذناهم بذلك ليكون ما يرجوه العباد منهم من التضرع كما قال في قصة فرعون لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ََ قال سيبويه المعنى اذهبا أنتما على رجائكما فالله عالم بما يكون من وراء ذلك أخبر الله تعالى أنه أرسل الرسل إلى أقوام بلغوا من القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم و أموالهم ليخضعوا و يذلوا لأمر الله فلم يخضعوا و لم يتضرعوا و هذا كالتسلية للنبي (ص) «فَلَوْ لاََ إِذْ جََاءَهُمْ بَأْسُنََا تَضَرَّعُوا» معناه فهلا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا «وَ لََكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ» فأقاموا على كفرهم فلم تنجع فيهم العظة «وَ زَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطََانُ» بالوسوسة و الإغراء بالمعصية لما فيها من عاجل اللذة «مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ» يعني أعمالهم و في هذا حجة على من قال إن الله لم يرد من الكافرين الإيمان‏لأنه سبحانه بين أنه إنما فعل ذلك بهم ليتضرعوا و بين أن الشيطان هو الذي زين الكفر للكافر بخلاف ما قالته المجبرة من أنه تعالى هو المزين لهم ذلك‏} «فَلَمََّا نَسُوا مََا ذُكِّرُوا بِهِ» أي تركوا ما وعظوا به عن ابن عباس و تأويله تركوا العمل بذلك و قيل تركوا ما دعاهم إليه الرسل عن مقاتل «فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ أَبْوََابَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» أي كل نعمة و بركة من السماء و الأرض عن ابن عباس و قيل أبواب كل شي‏ء كان مغلقا عنهم من الخير عن مقاتل و المعنى أنه تعالى امتحنهم بالشدائد لكي يتضرعوا و يتوبوا فلما تركوا ذلك فتح عليهم أبواب النعم و التوسعة في الرزق ليرغبوا بذلك في نعيم الآخرة و إنما فعل ذلك بهم و إن كان الموضع موضع العقوبة و الانتقام دون الإكرام و الإنعام ليدعوهم ذلك إلى الطاعة فإن الدعاء إلى الطاعة يكون تارة بالعنف و تارة باللطف أو لتشديد العقوبة عليهم بالنقل من النعيم إلى العذاب الأليم «حَتََّى إِذََا فَرِحُوا بِمََا أُوتُوا» من النعم و اشتغلوا بالتلذذ و أظهروا السرور بما أعطوه و لم يروه نعمة من الله تعالى حتى يشكروه «أَخَذْنََاهُمْ» أي أحللنا بهم العقوبة «بَغْتَةً» أي مفاجاة من حيث لا يشعرون «فَإِذََا هُمْ مُبْلِسُونَ» أي آيسون من النجاة و الرحمة عن ابن عباس و قيل أذلة خاضعون عن البلخي و قيل متحيرون منقطعوا الحجة، و المعاني متقاربة و المراد بقوله «أَبْوََابَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» التكثير و التفخيم دون‏

467

(1) - التعميم و هو مثل قوله‏ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ و المراد فتحنا عليهم أبواب أشياء كثيرة و آتيناهم خيرا كثيراو

روي عن النبي (ص) أنه قال إذا رأيت الله تعالى يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج منه ثم تلا هذه الآية

، و نحوه ما

روي عن أمير المؤمنين علي ع أنه قال يا ابن آدم إذا رأيت ربك يتابع عليك نعمة فاحذره‏

«فَقُطِعَ دََابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا» معناه فاستؤصل الذين ظلموا بالعذاب فلم يبق لهم عقب و لا نسل «وَ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ» على إهلاك أعدائه و إعلاء كلمة رسله، حمد الله تعالى نفسه بأن استأصل شافتهم و قطع دابرهم لأنه سبحانه أرسل إليهم و أنظرهم بعد كفرهم و أخذهم بالبأساء و الضراء و اختبرهم بالمحنة و البلاء ثم بالنعمة و الرخاء و بالغ في الإنذار و الإمهال و الإنظار فهو المحمود على كل حال و في هذا تعليم للمؤمنين ليحمدوا الله تعالى على كفايته إياهم شر الظالمين و دلالة على أن هلاكهم نعمة من الله تعالى يجب حمده عليها و

روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المقري عن فضيل بن عياض عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن الورع فقال الورع هو الذي يتورع عن محارم الله و يجتنب هؤلاء و إذا لم يتق الشبهات وقع في الحرام و هو لا يعرفه و إذا رأى المنكر و لم ينكره و هو يقدر عليه فقد أحب أن يعصى الله و من أحب أن يعصى الله فقد بارز الله بالعداوة و من أحب بقاء الظالمين فقد أحب أن يعصى الله و أن الله حمد نفسه على إهلاك الظالمين فقال «فَقُطِعَ دََابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ» .

ـ

468

(1) -

اللغة

صدف عن الشي‏ء صدوفا إذا مال عنه و الصدف و الصدفة الجانب و الناحية و الصدف كل بناء مرتفع و

في الحديث كان (ص) إذا مر بصدف مائل أسرع المشي‏

.

الإعراب‏

«مَنْ إِلََهٌ» مبتدأ و خبر و غير صفة إله و هذه الجملة في موضع مفعولي أ رأيتم و من استفهام علق الفعل الذي هو أ رأيتم فلم يعمل في مفعوليه لفظا و قوله «إِنْ أَخَذَ اَللََّهُ سَمْعَكُمْ» جوابه محذوف و تقديره فمن يأتيكم به إلا أنه أغنى عنه قوله «مَنْ إِلََهٌ غَيْرُ اَللََّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ» الذي هو مفعول أ رأيتم في المعنى و موضع الشرط و جوابه نصب على الحال كما تقول لأضربنه إن ذهب أو مكث فإن قولك إن ذهب أو مكث وقع موقع ذاهبا أو ماكثا و تقديره مقدرا ذهابه أو مكثه و يدل على أنه في موضع الحال مشابهته المفرد في أنه لا يستقل بنفسه كما تستقل الجمل و إن كان جملة في المعنى فإنه بدخول حرف الشرط قد صار بمنزلة المفرد في الحاجة إلى ما يستند إليه كما احتاج المفرد و يدل على قوة اتصاله بما قبله حاجته إلى ما قبله كما احتاج ما وقع موقعه إلى ما قبله و ليس شي‏ء من الفضلات يقع الجملة موقعه غير الحال فثبت أنه في موضع منصوب هو حال فإن قيل إن الجزاء مقدر و الشرط المذكور في اللفظ مع الجزاء كلام مستقل و إنما كان هذا الاستدلال يسوغ لو كان الجزاء غير مقدر قيل الجزاء و إن كان مقدرا لا حكم له لأنه لا يجوز إظهاره و إنما هو شي‏ء يثبت من جهة التقدير فضعف أمره و لو جاز إظهاره لكان في موضع الحال و هذا مأخوذ من كلام أبي علي الفارسي ذكره في القصريات مع كلام كثير في معناه قد دقق فيه و لم يسبق إليه و قوله «يَأْتِيكُمْ بِهِ» في موضع رفع بأنه صفة إله.

المعنى‏

ثم زاد سبحانه في الاحتجاج عليهم فقال «قُلْ» يا محمد لهؤلاء الكفار «أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللََّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصََارَكُمْ» أي ذهب بهما فصرتم صما عميا «وَ خَتَمَ عَلى‏ََ قُلُوبِكُمْ» أي طبع عليها و قيل ذهب بعقولكم و سلب عنكم التمييز حتى لا تفهمون شيئا و إنما خص هذه الأشياء بالذكر لأن بها تتم النعمة دينا و دنيا «مَنْ إِلََهٌ غَيْرُ اَللََّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ» قال الزجاج هذه الهاء تعود إلى معنى الفعل، المعنى من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم قال‏

469

(1) - و يجوز أن يكون عائدا إلى السمع و يكون ما عطف على السمع داخلا في القصة معه إذا كان معطوفا عليه قال ابن عباس يريد لا يقدر هؤلاء الذين يعبدون أن يجعلوا لكم أسماعا و أبصارا و قلوبا تعقلون بها و تفهمون أي إن أخذها الله منكم فمن يردها عليكم بين سبحانه بهذا أنه كما لا يقدر على ذلك غير الله فكذلك يجب أن لا تعبدوا سواه «اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اَلْآيََاتِ» أي نبين لهم في القرآن الآيات عن الكلبي و قيل تصريف الآيات توجيهها في الجهات التي يظهرها أتم الإظهار و مرة في جهة النعمة و مرة في جهة الشدة و قيل تصريف الآيات إحداثها دالة على وجوه كما أن الآية المعجزة تدل على فاعلها و على قدرته و علمه و على نبوة النبي (ص) و صدقه «ثُمَّ هُمْ» أي الكفار «يَصْدِفُونَ» أي يعرضون عن تأمل الآيات و الفكر فيها و قيل إعراضهم عنها كفرهم بها و إنما قال أنظر لأنه تعالى عجب أولا من تتابع نعمه عليهم و ضروب دلائله من تصريف الآيات و أسباب الاعتبار ثم عجب ثانيا من إعراضهم عنها ثم زاد تعالى في الحجاج فقال‏} «قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ» أي أعلمتم «إِنْ أَتََاكُمْ عَذََابُ اَللََّهِ» أي عذبكم الله بعد أعذاره عليكم و إرساله الرسل «بَغْتَةً» أي مفاجاة «أَوْ جَهْرَةً» أي علانية و إنما قابل البغتة بالجهرة لأن البغتة تتضمن معنى الخفية لأنه يأتيهم من حيث لا يشعرون و قيل البغتة أن يأتيهم ليلا و الجهرة أن يأتيهم نهارا عن الحسن «هَلْ يُهْلَكُ» أي لا يهلك بهذا العذاب «إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلظََّالِمُونَ» أي الكافرون الذين يكفرون بالله و يفسدون في الأرض و قيل أنهم كانوا يستدعون العذاب‏فبين أنه إذا نزل لا يهلك به إلا الكافرون فإن هلك فيه مؤمن أو طفل فإنما يهلك محنة و يعوضه الله على ذلك أعواضا كثيرة يصغر ذلك في جنبها و المراد بذلك عذاب الدنيا دون عذاب الآخرة ثم بين سبحانه أنه لا يبعث الرسل أربابا يقدرون على كل شي‏ء يسألون عنه من الآيات و إنما يرسلهم لما يعلمه من المصالح فقال‏} «وَ مََا نُرْسِلُ اَلْمُرْسَلِينَ إِلاََّ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ» ثم ذكر ثواب من صدقهم في باقي الآية و عقاب من كذبهم في الآية الثانية فقال «فَمَنْ آمَنَ» أي صدق الرسل «وَ أَصْلَحَ» أي عمل صالحا في الدنيا «فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» في الآخرة «وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ» كما يحزن أهل النار و قيل لا يحزنون على ما خلفوا وراءهم في الدنيا} «وَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا» أي أدلتنا و حججنا و قيل بمحمد (ص) و معجزاته «يَمَسُّهُمُ اَلْعَذََابُ» يصيبهم العذاب يوم القيامة «بِمََا كََانُوا يَفْسُقُونَ» أي بفسقهم و خروجهم عن الإيمان.

470

(1) -

اللغة

الخزائن جمع الخزانة و هي اسم المكان الذي يخزن فيه الشي‏ء و خزن الشي‏ء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي و منه خزن اللحم خزنا إذا تغير لأنه يخبأ حتى ينتن .

المعنى‏

ثم أمر النبي (ص) أن يقول لهم بعد اقتراحهم الآيات منه أني لا أدعي الربوبية و إنما أدعي النبوة فقال «قُلْ» يا محمد «لاََ أَقُولُ لَكُمْ» أيها الناس «عِنْدِي خَزََائِنُ اَللََّهِ» يريد خزائن رحمة الله عن ابن عباس و قيل خزائن الله مقدوراته عن الجبائي و قيل أرزاق الخلق حتى يؤمنوا طمعا في المال «وَ لاََ أَعْلَمُ اَلْغَيْبَ» الذي يختص الله بعلمه و إنما أعلم قدر ما يعلمني الله تعالى من أمر البعث و النشور و الجنة و النار و غير ذلك و قيل عاقبة ما تصيرون إليه عن ابن عباس «وَ لاََ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ» لأني إنسان تعرفون نسبي يريد لا أقدر على ما يقدر عليه الملك و قد استدل بهذا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء و هذا بعيد لأن الفضل الذي هو كثرة الثواب لا معنى له هاهنا و إنما المراد لا أقول لكم إني ملك فأشاهد من أمر الله و غيبه عن العباد ما تشاهده الملائكة «إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ» يريد ما أخبركم إلا بما أنزله الله إلي عن ابن عباس و قال الزجاج أي ما أنبأتكم به من غيب فيما مضى و فيما سيكون‏فهو بوحي من الله عز و جل ثم أمره سبحانه فقال «قُلْ» يا محمد لهم «هَلْ يَسْتَوِي اَلْأَعْمى‏ََ وَ اَلْبَصِيرُ» أي هل يستوي العارف بالله سبحانه العالم بدينه و الجاهل به و بدينه فجعل الأعمى مثلا للجاهل و البصير مثلا للعارف بالله و بنبيه و هذا قول الحسن و اختاره الجبائي و

في تفسير أهل البيت هل يستوي من يعلم و من لا يعلم‏

و قيل معناه هل يستوي من صدق على نفسه و اعترف بحاله التي هو عليها من الحاجة و العبودية لخالقه و من ذهب عن البيان و عمي عن الحق عن البلخي «أَ فَلاََ تَتَفَكَّرُونَ» فتنصفوا من أنفسكم و تعملوا بالواجب عليكم من الإقرار بالتوحيد و نفي التشبيه و هذا استفهام يراد به الإخبار يعني إنهما لا يستويان.