مجمع البيان في تفسير القرآن - ج6

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
823 /
419

الجزء السادس‏

(1) -

(13) سورة الرعد مدنية و آياتها ثلاث و أربعون (43)

توضيح‏

مكية كلها عن ابن عباس و عطاء و قال الكلبي و مقاتل مكية إلا آخر آية منها نزلت في عبد الله بن سلام و قال سعيد بن جبير كيف تكون هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام و السورة كلها مكية و قال الحسن و عكرمة و قتادة إنها مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ و ما بعدها.

عدد آيها

أربعون و سبع آيات شامي و خمس بصري أربع حجازي ثلاث كوفي.

اختلافها

خمس آيات‏ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ اَلظُّلُمََاتُ وَ اَلنُّورُ غير الكوفي‏ اَلْأَعْمى‏ََ وَ اَلْبَصِيرُ و سُوءُ اَلْحِسََابِ* شامي‏ مِنْ كُلِّ بََابٍ عراقي شامي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل سحاب مضى و كل سحاب يكون إلى يوم القيامة و كان يوم القيامة من الموفين بعهد الله تعالى‏

و

قال أبو عبد الله (ع) من أكثر قراءة الرعد لم يصبه الله بصاعقة أبدا و إن‏ كان مؤمنا أدخل الجنة بغير حساب و شفع في جميع من يعرفه من أهل بيته و إخوانه.

تفسيرها

لما ختم الله سبحانه سورة يوسف بذكر قصص الأنبياء افتتح هذه السورة بأن جميع ذلك آيات الكتاب و أن الذي أنزله هو الحق تعالى فقال:

420

(1) -

توضيح‏

و لم يعد أحد «المر» آية و عد الكوفيون طه و حم* آية لأن طه مشاكلة لرءوس الآي التي بعدها بالألف مع أنه لا يشبه الاسم المفرد كما أشبه صاد و قاف و نون لأنها بمنزلة باب و نوح.

اللغة

العمد و العمد جميعا بمعنى واحد و هما جمع عمود و عماد إلا أن عمدا جمع عمود و عماد و عمدا اسم للجمع و مثله أديم و أدم و إهاب و أهب و أفيق و أفق .

الإعراب‏

الذي أنزل يجوز أن يكون موضعه رفعا على الابتداء و يجوز أن يكون موضعه بالعطف على آيات الكتاب و يكون الحق مرفوعا على إضمار هو و يجوز أن يكون في موضع جر بالعطف على الكتاب و تقديره تلك آيات الكتاب و آيات الذي أنزل إليك من ربك و يكون الحق مرفوعا على الإضمار و يجوز أن يكون الحق مجرورا صفة للذي إذا جعلته عطفا على الكتاب و لكنه لم يقرأ به أحد من القراء.

المعنى‏

«المر» قد فسرناه في أول البقرة و بينا ما قيل فيه و

روي أن معناه أنا الله أعلم و أرى‏

«تِلْكَ آيََاتُ اَلْكِتََابِ» أي هذه السورة هي آيات الكتاب التي تقدم الوعد بها ليست بمفتريات و لا بسحر و الكتاب القرآن عن ابن عباس و الحسن و قيل إن الكتاب عبارة عن التوراة و الإنجيل عن مجاهد و قتادة و يكون تقديره تلك الأخبار التي قصصتها عليك آيات التوراة و الإنجيل و الكتب المتقدمة و الآيات الدلالات العجيبة المؤدية إلى المعرفة بالله سبحانه و أنه لا يشبه الأشياء و لا تشبهه «وَ اَلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ اَلْحَقُّ» يعني و هذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق فاعتصم بالله و اعمل بما فيه و على القول الأول فإنه وصف القرآن بصفتين إحداهما بأنه كتاب و الأخرى بأنه‏ منزل «وَ لََكِنَّ أَكْثَرَ اَلنََّاسِ لاََ يُؤْمِنُونَ» أي لا يصدقون بأنه منزل و أنه حق مع وضوحه‏} «اَللََّهُ اَلَّذِي رَفَعَ اَلسَّمََاوََاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهََا» لما ذكر الله سبحانه أنهم لا يؤمنون عرف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق و يريد بالعمد

421

(1) - السواري و الدعائم و قيل فيه قولان (أحدهما) أن المراد رفع السماوات بغير عمد و أنتم ترونها كذلك عن ابن عباس و الحسن و قتادة و الجبائي و أبي مسلم و هو الأصح قال ابن عباس يعني ليس من دونها دعامة يدعمها و لا فوقها علاقة تمسكها قال الزجاج و في ذلك من القدر و الدلالة ما لا شي‏ء أوضح منه لأن السماء محيطة بالأرض متبرية منها بغير عمد (و الآخر) أن يكون ترونها من نعت العمد فيكون المعنى بغير عمد مرئية فعلى هذا تعمدها قدرة الله عز و جل و روي ذلك عن ابن عباس و مجاهد «ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ» قد مضى تفسيره و إذا حملنا الاستواء على معنى الملك و الاقتدار فالوجه في إدخال ثم فيه و لم يزل سبحانه كذلك أن المراد اقتداره على تصريفه و تقليبه و إذا كان كذلك فلا يكاد القديم سبحانه يوصف به إلا و قد وجد نفس العرش «وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ» أي ذللهما لمنافع خلقه و مصالح عباده و «كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى» أي كل واحد منهما يجري إلى وقت معلوم و هو فناء الدنيا و قيام الساعة التي تكور عندها الشمس و يخسف القمر و تنكدر النجوم عن الحسن و قال ابن عباس أراد بالأجل المسمى درجاتهما و منازلهما التي ينتهيان إليها و لا يجاوزانها و للشمس مائة و ثمانون منزلا تنزل كل يوم منزلا حتى ينتهي إلى آخر منازله «يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ» أي يدبر الله كل أمر من أمور السماوات و الأرض و أمور الخلق على وجه توجيه الحكمة و تقتضيه المصلحة «يُفَصِّلُ اَلْآيََاتِ» أي يأتي بآية في إثر آية فصلا مميزا بعضها عن بعض ليكون أمكن للاعتبار و التفكر و قيل معناه يبين الدلائل بما يحدثه في السماوات و الأرض «لَعَلَّكُمْ بِلِقََاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ» أي لكي توقنوا بالبعث و النشور و تعلموا أن القادر على هذه الأشياء قادر على البعث بعد الموت و في هذا دلالة على وجوب النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى و على بطلان التقليد و لو لا ذلك لم يكن لتفصيل الآيات معنى.

422

(1) -

القراءة

قد ذكرنا الاختلاف في قوله «يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهََارَ» في سورة الأعراف و قرأ ابن كثير و أبو عمر و يعقوب و حفص «وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوََانٌ وَ غَيْرُ صِنْوََانٍ» جميعها بالرفع و الباقون بالجر في الجميع و قرأ حفص صنوان بضم الصاد و كذلك رواية الحلواني عن القواس و قرأ الباقون بكسر الصاد و في الشواذ قراءة الحسن و قتادة صنوان و قرأ «يُسْقى‏ََ» بالياء ابن عامر و زيد و رويس عن يعقوب و قرأ الباقون تسقى بالتاء و قرأ أهل الكوفة غير عاصم و روح عن يعقوب و يفضل بالياء و الباقون بالنون.

الحجة

قال أبو علي من رفع قوله «وَ زَرْعٌ» فتقديره و في الأرض زرع و نخيل صنوان فجعله محمولا على قوله وَ فِي اَلْأَرْضِ قِطَعٌ و لم يجعله محمولا على ما في الجنات من الأعناب و الجنة على هذا تقع على الأرض التي فيها الأعناب دون غيرها كما تقع على الأرض التي فيها الأعناب و النخيل دون غيرهما و يقوي ذلك قول زهير

كان عيني في غربي مقتلة # من النواضح تسقي جنة سحقا

فالمعنى تسقي نخيل جنة فأما من قرأ بالجر فإنه حمل النخيل و الزرع على الأعناب فكأنه قال جنات من أعناب من زرع و نخيل و الدليل على أن الأرض إذا كان فيها النخل و الكرم و الزرع سميت جنة قوله‏ «جَعَلْنََا لِأَحَدِهِمََا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنََابٍ وَ حَفَفْنََاهُمََا بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنََا بَيْنَهُمََا زَرْعاً» فكما سميت الأرض ذات العنب و النخل و الزرع جنة كذلك يكون النخيل و الزرع محمولين على الأعناب فتكون الجنة من هذه الأشياء و يقوي ذلك قوله.

أقبل سيل جاء من أمر الله # يحرد حرد الجنة المغلة

و الغلة إنما هي ما يكال بالقفيز في أكثر الأمر قال و الصنوان فيما يذهب إليه أبو عبيدة

423

(1) - صفة للنخيل و المعنى أن يكون من أصل واحد ثم يتشعب من الرؤوس فيصير نخلا و نخلين قال و قال «يُسْقى‏ََ بِمََاءٍ وََاحِدٍ» لأنها تشرب من أصل واحد وَ نُفَضِّلُ بَعْضَهََا عَلى‏ََ بَعْضٍ فِي اَلْأُكُلِ و هي التمر و أجاز غيره أن يكون الصنوان من صفة الجنات و كأنه يكون يراد به في المعنى ما في الجنات و إن جرى على لفظ الجنات و على هذا يجوز أن ترفع و إن جررت النخيل لأن الجنات مرفوعة و لم يحك هذا في قراءة السبعة و أما الكسرة التي في صنوان فليست التي كانت في صنو كما أن الكسرة التي في قنو ليست في قنوان لأن تلك قد حذفت في التكسير و عاقبتها الكسرة التي يجتلبها التكسير و كذلك الكسرة التي في هجان و أنت تريد الجمع ليست الكسرة التي كانت في الواحد و لكنه مثل الكسرة التي في ظراف إذا جمعت عليه ظريفا و أما من ضم الصاد من صنوان فإنه جعله مثل ذئب و ذؤبان و ربما تعاقب فعلان و فعلان على البناء الواحد نحو حش و حشان و حشان و أما صنوان بفتح الصاد فليست من أمثلة الجمع المكسر فإن صح ذلك فإنه يكون اسما للجمع لا مثالا له من أمثلة التكسير فيكون بمنزلة الجامل و السامر و مثله قولهم السعدان و الضمران في الجمع و من قرأ تسقى بالتاء فالمراد تسقى هذه الأشياء و من قرأ بالياء حمله على الزرع وحده.

ـ

المعنى‏

لما ذكر سبحانه و تعالى في الآية من نعمائه و آلائه على عباده في رفع السماوات و تسخير الشمس و القمر و دل بذلك على وحدانيته عقبه بذكر الأرض و ما فيها من الآيات فقال «وَ هُوَ اَلَّذِي مَدَّ اَلْأَرْضَ» أي بسطها طولا و عرضا ليتمكن الحيوانات من الثبات فيها و الاستقرار عليها «وَ جَعَلَ فِيهََا رَوََاسِيَ» أي جبالا ثوابت لتمسك الأرض و لو أراد أن يمسكها من غير جبال لفعل إلا أنه أمسكها بالرواسي لأن ذلك أقرب إلى أفهام الناس و أدعى لهم إلى الاستدلال و النظر «وَ أَنْهََاراً» أي و شق فيها أنهارا تجري فيها المياه و لو لا الأنهار لضاع أكثر المياه و لما أمكن الشرب و السقي «وَ مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرََاتِ جَعَلَ فِيهََا زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ» أي و جعل في الأرض من كل الثمرات لمأكولهم و مطعومهم صنفين أسود و أبيض و حلوا و حامضا و صيفيا و شتويا و رطبا و يابسا عن ابن عباس و قيل الزوج قد يكون واحدا و قد يكون اثنين يقال زوج نعل و زوج نعلين عن أبي عبيدة و إنما قال اثنين للتأكيد و الزوج في الحيوانات عبارة عن الذكر و الأنثى و في الثمار عبارة عن لونين و قال الماوردي : واحد الزوجين ذكر و أنثى كفحول النخل‏ و إناثها و كذلك كل جنس من النبات و إن خفي الزوج الآخر حلو و حامض أو عذب و مالح أو أبيض و أسود أو أحمر و أصفر فإن كل جنس من النبات ذو نوعين فصارت كل ثمرة زوجين هما أربعة أنواع «يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهََارَ» أي يلبس ظلمة الليل ضياء النهار عن الحسن و قيل يدخل الليل في النهار و النهار في الليل عن ابن عباس و قيل معناه يأتي بالليل‏

424

(1) - ليذهب بضياء النهار و يستره ليسكن الحيوانات فيه و يأتي بضياء النهار ليمحو ظلام الليل و ينصرف الناس فيه لمعايشهم «إِنَّ فِي ذََلِكَ» أي فيما سبق ذكره «لَآيََاتٍ» أي لدلالات واضحات على وحدانية الله تعالى «لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» فيها فيستدلون منها على أن لهم صانعا «وَ فِي اَلْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجََاوِرََاتٌ» أي أبعاض متقاربات مختلفات في التفاضل منها جبل صلب و لا ينبت شيئا و منها سهل حر ينبته و منها سبخة لا تنبت عن ابن عباس و مجاهد و الضحاك بين الله سبحانه باختلاف هذه الأرضين مع تجاورها و تقارب بعضها من بعض في الهيأة و المنظر أنه قادر على كل شي‏ء من الأصناف المختلفة و المؤتلفة و قيل إنها متجاورات بعضها عامر و بعضها غير عامر عن الزجاج «وَ جَنََّاتٌ» أي بساتين «مِنْ أَعْنََابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوََانٌ» أي نخلات من أصل واحد «وَ غَيْرُ صِنْوََانٍ» أي نخلات من أصول شتى عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الصنو الأصل يقال هذا صنوه أي أصله عن ابن الأنباري و قيل إن الصنوان النخلة تكون حولها النخلات و غير صنوان النخل المتفرق عن البراء بن عازب و سعيد بن جبير و قيل الصنو المثل و الصنوان الأمثال و منها

قوله ص عم الرجل صنو أبيه‏

عن الجبائي «يُسْقى‏ََ بِمََاءٍ وََاحِدٍ» أي يسقي ما ذكرناه من القطع المتجاورة و الجنات و النخيل المختلفة بماء الأنهار أو بماء السماء «و يفضل بعضها على بعض في الأكل» أي و يفضل الله و من قرأ بالنون فالمعنى نفضل نحن بعضها على بعض في الطعم و اللون و الطبع مع أن البئر واحدة و الشرب واحد و الجنس واحد حتى يكون بعضها حامضا و بعضها حلوا و بعضها مرا فلو كانت بالطبع لما اختلف ألوانها و طعومها مع كون الأرض و الماء و الهواء واحدا و في هذا أوضح دلالة على أن لهذه الأشياء صانعا قادرا أحدثها و أبدعها و دبرها على ما تقتضيه حكمته و الأكل الثمر الذي يؤكل «إِنَّ فِي ذََلِكَ» أي في اختلاف ألوانها و طعومها عن ابن عباس و قيل إن فيما تقدم ذكره «لَآيََاتٍ» أي حججا و دلالات «لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» دلائل الله تعالى و يتفكرون فيها و يستدلون بها و

روي عن جابر قال: سمعت النبي ص يقول لعلي (ع) الناس من شجر شتى و أنا و أنت من شجرة واحدة ثم قرأ «وَ فِي اَلْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجََاوِرََاتٌ وَ جَنََّاتٌ مِنْ أَعْنََابٍ» الآية.

425

(1) -

القراءة

قرأ أبو جعفر إذا كنا بغير استفهام إنا بهمزة واحدة مطولة و كذلك يفعل بكل استفهامين يجتمعان في القرآن يستفهم بالثاني و لا يستفهم بالأول إلا في سورة الصافات و الواقعة و أما نافع و يعقوب و سهل فإنهم يستفهمون بالأول بهمزة واحدة غير مطولة و لا يستفهمون بالثاني إلا في سورة النمل و العنكبوت إلا أن قالون عن نافع و زيدا عن يعقوب يمدان الهمزة مثل أبي جعفر و الكسائي أيضا يستفهم بالأول و لا يستفهم بالثاني إلا في سورة النمل غير أنه يهمز بهمزتين و ابن عامر مثل أبي جعفر لا يستفهم في إذا كل القرآن إلا في سورة الواقعة فإنه يستفهم في أ إذا و أ إنا جميعا بهمزتين همزتين بينهما مد آ إنا يهمز ثم يمد ثم يهمز على وزن عاعنا و لا يجمع بين استفهامين إلا هاهنا و في سورة النمل يستفهم‏ أَ إِذََا بهمزتين أ إننا بنونين و الكسائي مثله في هذا الموضع و أبو عمرو يستفهم فيهما جميعا و في جميع أشباههما بهمزة واحدة مطولة و ابن كثير يستفهم فيهما جميعا بهمزة واحدة غير مطولة و عاصم و حمزة و خلف يستفهمون فيهما بهمزتين همزتين كل القرآن و خالف ابن كثير و حفص عن عاصم في حرف واحد في العنكبوت و سنذكره هناك إن شاء الله.

الحجة

قال أبو علي : من استفهم في الجملتين فموضع إذا نصب بفعل مضمر يدل على قوله «أَ إِنََّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ» لأن هذا الكلام يدل على نبعث و نحشر فكأنه قال أ نبعث إذا كنا ترابا و من لم يدخل الاستفهام في الجملة الثانية كان موضع إذا أيضا نصبا بما دل عليه قوله «أَ إِنََّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ» فكأنه قال أ نبعث إذا كنا ترابا و ما بعد أن في أنه لا يجوز أن يعمل فيما قبله بمنزلة الاستفهام فكما قدرت هذا الناصب لإذا مع الاستفهام لأن الاستفهام لا يعمل فيما قبله كذلك تقدره في أن لأن ما بعدها أيضا لا يعمل فيما قبلها و من قرأ إذا كنا من غير استفهام أ إنا ينبغي أن يكون على مضمر كما حل من تقدم على ذلك لأن ما بعد الاستفهام منقطع مما قبله.

اللغة

العجب و التعجب هجوم ما لا يعرف سببه على النفس و الغل طوق تشد به‏

426

(1) - اليد إلى العنق و الاستعجال طلب التعجيل بالأمر و التعجيل تقديم الأمر قبل وقته و السيئة خصلة تسوء النفس و نقيضها الحسنة و هي خصلة تسر النفس و المثلات العقوبات واحدها مثلة بفتح الميم و ضم الثاء و من قال في الواحد مثله‏ بضم الميم و سكون الثاء قال في الجمع مثلات بضمتين نحو غرفة و غرفات و قيل في جمعها مثلات و مثلات أيضا قال الشاعر:

و لما رأونا باديا ركباتنا # على موطن لا يخلط الجد بالهزل‏

رووه بفتح الكاف في ركبات .

ـ

المعنى‏

لما تقدم ذكر الأدلة على أنه سبحانه قادر على الإنشاء و الإعادة عقبه بالتعجب من تكذيبهم بالبعث و النشور فقال «وَ إِنْ تَعْجَبْ» يا محمد من قول هؤلاء الكفار في إنكارهم البعث مع إقرارهم بابتداء خلق الخلق فقد وضعت التعجب موضعه لأن هذا قول عجب و معناه عجب للمخلوقين فإن معنى العجب في صفات الله لا يجوز لأن العجب أن يشتبه عليه سر أمره فيستطرفه «فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ» أي فقولهم عجب «أَ إِذََا كُنََّا تُرََاباً أَ إِنََّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ» أي أ نبعث و نعاد بعد ما صرنا ترابا هذا مما لا يمكن و هذا منهم نهاية في الأعجوبة فإن الماء إذا حصل في الرحم استحال علقة ثم مضغة ثم لحما فإذا مات و دفن استحال ترابا فإذا جاز أن يتعلق الإنشاء بالاستحالة الأولى فلم لا يجوز تعلقه بالاستحالة الثانية و سمى الله تعالى الإعادة خلقا جديدا و اختلف المتكلمون فيما يصح عليه الإعادة فقال بعضهم كلما يكون مقدورا للقديم سبحانه خاصة و يصح عليه البقاء يصح عليه الإعادة و لا يصح الإعادة على ما لا يقدر على جنسه غيره تعالى و هذا قول أبي علي الجبائي و قال آخرون كلما كان مقدورا له و هو مما يبقى يصح عليه الإعادة و هو قول أبي هاشم و من تابعه فعلى هذا يصح إعادة أجزاء الحياة ثم اختلفوا فيما يجب إعادته من الحي‏ فقال أبو القاسم البلخي يعاد جميع أجزاء الشخص و قال أبو هاشم يعاد الأجزاء التي بها يتميز الحي من غيره و يعاد التأليف ثم رجع عن ذلك و قال تعاد الحياة مع البنية و قال القاضي أبو الحسن تعاد البنية و ما عدا ذلك يجوز فيه التبديل و هذا هو الأصح‏ «أُولََئِكَ» المنكرون للبعث «اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ» أي جحدوا قدرة الله تعالى على البعث «وَ أُولََئِكَ اَلْأَغْلاََلُ فِي أَعْنََاقِهِمْ» في الآخرة و قيل أراد به أغلال الكفر أي كفرهم أغلال في أعناقهم «وَ أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ» مضى تفسيره‏} «وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ» أي يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون «بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ» أي بالعذاب قبل الرحمة عن ابن عباس و مجاهد أي بالعقاب الذي توعدوا به على التكذيب قبل الثواب الذي وعدوا به على الإيمان و ذلك حين قالوا فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ‏

427

(1) - اَلسَّمََاءِ و قيل يستعجلونك بالعذاب الذي توعدهم به قبل الإحسان بالإنظار فإن إنظار من وجب عليه العقاب إحسان إليه كإنذار من وجب عليه الدين و سماها سيئة لأنها جزاء السيئة «وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ» أي مضت من قبلهم «اَلْمَثُلاََتُ» أي العقوبات التي يقع بها الاعتبار و هو ما حل بهم من المسخ و الخسف و الغرق و قد سلك هؤلاء طريقتهم فكيف يتجاسرون على استعجالها و قيل هي العقوبة الفاضحة التي تسير بها الأمثال و تقديره و قد خلت المثلات بأقوام أو خلا أصحاب المثلات فحذف المضاف «وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنََّاسِ عَلى‏ََ ظُلْمِهِمْ» قال المرتضى (ره) في هذه الآية دلالة على جواز المغفرة للمذنبين من أهل القبلة لأنه سبحانه دلنا على أنه يغفر لهم مع كونهم ظالمين لأن قوله «عَلى‏ََ ظُلْمِهِمْ» إشارة إلى الحال التي يكونون عليها ظالمين و يجري ذلك مجرى قول القائل أنا أود فلانا على غدره و أصله على هجره «وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ اَلْعِقََابِ» لمن استحقه و

روي عن سعيد بن المسيب قال لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ص لو لا عفو الله و تجاوزه ما هنا أحدا العيش و لو لا وعيد الله و عقابه لا تكل كل واحد

و تلا مطرف يوما هذه الآية فقال لو يعلم الناس قدر رحمة الله و عفو الله و تجاوز الله لقرت أعينهم و لو يعلم الناس قدر عذاب الله و بأس الله و نكال الله و نقمة الله ما رقا لهم دمع و لا قرت أعينهم بشي‏ء} «وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» مثل الناقة و العصا عن ابن عباس و قال الزجاج طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى و عيسى فأعلم الله أن لكل قوم هاد و المعنى أنه سبحانه بين سوء طريقتهم في اقتراح الآيات كما في قوله‏ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله‏ أَوْ تَأْتِيَ بِاللََّهِ وَ اَلْمَلاََئِكَةِ قَبِيلاً و كما قالوا اجعل الصفا لنا ذهبا حتى نأخذ منه ما نشاء و إنما لم يظهر الله تعالى تلك الآيات لأنه لو أجاب أولئك لاقترح قوم آخرون آية أخرى و كذلك كل كافر فكان يؤدي إلى غير نهاية «إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هََادٍ» فيه أقوال (أحدها) أن معناه إنما أنت منذر أي مخوف و هاد لكل قوم و ليس إليك إنزال الآيات عن الحسن و أبي الضحى و عكرمة و الجبائي و على هذا فيكون أنت مبتدأ و منذر خبره و هاد عطف على منذر و فصل بين الواو و المعطوف بالظرف (و الثاني) أن المنذر هو محمد و الهادي هو الله تعالى عن ابن عباس و سعيد بن جبير و الضحاك و مجاهد (و الثالث) أن معناه إنما أنت منذر يا محمد و لكل قوم هاد نبي يهديهم و داع يرشدهم عن ابن عباس في رواية أخرى و قتادة و الزجاج و ابن زيد (و الرابع) أن المراد بالهادي كل داع إلى الحق و في رواية أخرى‏

عن ابن عباس قال لما نزلت الآية قال رسول الله أنا المنذر و علي الهادي من بعدي يا علي بك يهتدي المهتدون‏

و

روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل بالإسناد عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير عن أبيه‏

428

(1) - عن حكم بن جبير عن أبي بردة الأسلمي قال دعا رسول الله ص بالطهور و عنده علي بن أبي طالب فأخذ رسول الله بيد علي بعد ما تطهر فألزمها بصدره ثم قال إنما أنت منذر ثم ردها إلى صدر علي ثم قال و لكل قوم هاد ثم قال إنك منارة الأنام و غاية الهدى و أمير القرى و أشهد على ذلك أنك كذلك‏

و على هذه الأقوال الثلاثة يكون هاد مبتدأ و لكل قوم خبره على قول سيبويه و يكون مرتفعا بالظرف على قول الأخفش .

القراءة

في الشواذ قراءة أبي البرهسم له معاقيب من بين يديه و رقباء من خلفه يحفظونه بأمر الله و

روي عن أبي عبد الله (ع) له معقبات من خلفه و رقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله

و

روي عن علي (ع) و ابن عباس و عكرمة و زيد بن علي يحفظونه بأمر الله .

الحجة

يجب أن يكون معاقيب تكسير معقبة غير أنه لما حذف أحد القافين عوض منها الياء و قوله يحفظونه بأمر الله فمعناه يحفظونه مما يحاذره بأمر الله و المفعول هنا محذوف‏

429

(1) - قال ابن جني و أما قراءة الجماعة «يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ» فتقديره له معقبات من أمر الله يحفظونه مما يخافه فمن على هذا مرفوعة الموضع لأنها صفة للمرفوع الذي هو معقبات و ليس هذا على معنى يحفظونه من أمر الله أن ينزل به لأنه لو كان كذلك لكانت منصوبة الموضع كقولك حفظت زيدا من الأسد و الذي ذكرته رأي أبي الحسن فإن قلت فهلا كان تقديره على يحفظونه من أمر الله بأمر الله و يستدل على إرادة الباء هنا بقراءة علي (ع) يحفظونه بأمر الله و جاز أن يكون يحفظونه بأمر الله لأن هذه المصائب كلها في علم الله و بإقداره فاعليها عليها فيكون هذا كقولك هربت من قضاء الله بقضاء الله قيل تأويل أبي الحسن اذهب في الاعتداد عليهم و ذلك لأنه سبحانه وكل بهم من يحفظهم من حوادث الدهر و مخاوفه التي لا يعتد عليهم بتسليطها عليهم فهذا أسهل طريقا و أرسخ في الاعتداد بالنعمة عليهم عرفا.

اللغة

الغيض ذهاب المائع في جهة العمق و غاضت المياه نقصت و غيضته نقصته قال:

غيضن من عبراتهن و قلن لي # ما ذا لقيت من الهوى و لقينا

المتعالي و العالي واحد و تعالى أي جل عن كل ثناء و قيل المتعالي المقتدر على وجه يستحيل أن يساويه غيره و السارب الساري الجاري بسرعة و السرب بفتح السين و الراء الماء السائل من المزادة قال ذو الرمة :

ما بال عينك منها الماء ينسكب # كأنه من كلي مفرية سرب‏

و قيل السارب الذاهب في الأرض و منه قول قيس بن الحطيم :

(إني سربت و كنت غير سروب)

و يقال خل سربه أي طريقه و المعقبات المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه و يكون بدلا منه و أصل التعقيب أن يكون الشي‏ء عقيب آخر و المعقب الطالب دينه مرة بعد مرة قال الشاعر:

حتى تهجر في الرواح وهاجها # طلب المعقب حقه المظلوم‏

430

(1) - و منه العقاب لأنه يستحق عقيب الجرم و العقاب لأنها تعقب الصيد تطلبه مرة بعد مرة و قيل إن واحد المعقبات معقب و الجمع معقبة و معقبات جمع الجمع كما قالوا رجالات عن الفراء .

ـ

الإعراب‏

ما في قوله «مََا تَحْمِلُ» و «مََا تَغِيضُ» و «مََا تَزْدََادُ» استفهامية و موضعها نصب بالفعل الذي بعدها معناه أي شي‏ء تحمل و الجملة معلقة بيعلم قال الزجاج «سَوََاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ اَلْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ» موضع من رفع بسواء و كذلك من الثانية يرتفعان جميعا بسواء لأن سواء يطلب اثنين تقول سواء زيد و عمرو في معنى ذو سواء لأن سواء مصدر فلا يجوز أن يرتفع ما بعده إلا على الحذف تقول عدل زيد و عمرو و المعنى ذو عدل زيد و عمرو لأن المصادر ليست بأسماء الفاعلين و إنما ترفع الأسماء أوصافها فإذا رفعتها المصادر فهي على الحذف كما قالت الخنساء .

ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت # فإنما هي إقبال و إدبار

أي ذات إقبال و إدبار و كذلك زيد إقبال و إدبار و هذا مما كثر استعماله أعني سواء فجرى مجرى أسماء الفاعلين و يجوز أن يرتفع على أن يكون في موضع مستوى إلا أن سيبويه يستقبح ذلك لا يجيز مستو زيد و عمرو لأن أسماء الفاعلين عنده إذا كانت نكرة لا يبتدأ بها لضعفها عن الفعل فلا يبتدأ بها و يجريها مجرى الفعل.

المعنى‏

«اَللََّهُ يَعْلَمُ مََا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ََ» أي يعلم ما في بطن كل حامل من ذكر أو أنثى تام أو غير تام و يعلم لونه و صفاته «وَ مََا تَغِيضُ اَلْأَرْحََامُ» أي يعلم الوقت الذي تنقصه الأرحام من المدة التي هي تسعة أشهر «وَ مََا تَزْدََادُ» على ذلك عن أكثر المفسرين و قال الضحاك الغيض النقصان من الأجل و الزيادة ما يزداد على الأجل و ذلك أن النساء لا يلدن لأجل واحد و قيل يعني بقوله «مََا تَغِيضُ اَلْأَرْحََامُ» الولد الذي تأتي به المرأة لأقل من ستة أشهر و ما تزداد الولد الذي تأتي به المرأة لأقصى مدة الحمل عن الحسن و قيل معناه ما تنقص الأرحام من دم الحيض و هو انقطاع الحيض و ما تزداد بدم النفاس بعد الوضع عن ابن عباس بخلاف و ابن زيد «وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ» أي و كل شي‏ء من الرزق أو الأجل أو ما سبق ذكره من الحمل «عِنْدَهُ بِمِقْدََارٍ» أي بقدر واحد لا يجاوزه و لا يقصر عنه على ما توجبه الحكمة «عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ» أي عالم بما غاب عن حس العباد و بما يشاهده العباد لا يغيب عنه‏

431

(1) - شي‏ء و قيل عالم بالمعدوم و الموجود و الغيب هو المعدوم و قيل عالم السر و العلانية عن الحسن و الأولى أن يحمل على العموم و يدخل في هاتين الكلمتين كل معلوم نبه سبحانه بذلك على أنه عالم بجميع المعلومات الموجودات منها و المعدومات منها «اَلْكَبِيرُ» و هو السيد الملك القادر على جميع الأشياء و قيل هو الذي كل شي‏ء دونه لكمال صفاته و لكونه عالما لذاته قادرا لذاته حيا لذاته و قيل هو الذي كبر عن شبه المخلوقين «اَلْمُتَعََالِ» و هو الذي علا كل شي‏ء بقدرته فلا يساويه قادر و قيل هو المنزه عما لا يجوز عليه في ذاته و فعله و عما يقوله المشركون‏} «سَوََاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ اَلْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ» معناه سواء عند الله و في علمه من أسر القول في نفسه و أخفاه و من أعلنه و أبداه و لم يضمره في نفسه «وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سََارِبٌ بِالنَّهََارِ» أي و من هو مستتر متوار بالليل و من هو سالك في سربه أي في مذهبه ماض في حوائجه بالنهار معناه أنه يرى ما أخفته ظلمة الليل كما يرى ما أظهره ضوء النهار بخلاف المخلوقين الذين يخفي عليهم الليل أحوال أهله و قال الحسن معناه و من هو مستتر بالليل و من هو مستتر بالنهار و صحح الزجاج هذا القول لأن العرب تقول انسرب الوحش إذا دخل في كناسة } «لَهُ مُعَقِّبََاتٌ» اختلف في الضمير الذي في له على وجوه (أحدها) أنه يعود إلى من في قوله «مَنْ أَسَرَّ اَلْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ» (و الآخر) أنه يعود إلى اسم الله تعالى و هو عالم الغيب و الشهادة (و ثالثها) أنه يعود إلى النبي ص في قوله «إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرٌ» عن ابن زيد و اختلف في المعقبات على أقوال (أحدها) أنها الملائكة يتعاقبون تعقب ملائكة الليل‏ ملائكة النهار و ملائكة النهار ملائكة الليل و هم الحفظة يحفظون على العبد عمله عن الحسن و سعيد بن جبير و قتادة و مجاهد و الجبائي و قال الحسن

هم أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر و هو معنى قوله‏ إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كََانَ مَشْهُوداً و قد روي ذلك عن أئمتنا (ع)

أيضا (و الثاني)

أنهم ملائكة يحفظونه من المهالك حتى ينتهوا به إلى المقادير فيحيلون بينه و بين المقادير عن علي (ع)

و ابن عباس و قيل هم عشرة أملاك على كل آدمي يحفظونه (و الثالث) أنهم الأمراء و الملوك في الدنيا الذين يمنعون الناس عن المظالم و تكون لهم الأحراس و الشرط و المواكب يحفظونه عن عكرمة و الضحاك و روي أيضا عن ابن عباس و تقديره و من هو سارب بالنهار له أحراس و أعوان قدر أنهم يحرسونه و لم يتجه إحراسه من الله «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ» أي يطوفون به كما يطوف الموكل بالحفظة و قيل يحفظون ما تقدم من عمله و ما تأخر إلى أن يموت فيكتبونه عن الحسن و قيل يحفظونه من وجوه المهالك و المعاطب و من الجن و الإنس و الهوام و قال ابن عباس يحفظونه مما لم يقدر نزوله فإذا جاء المقدر بطل الحفظ و قيل من أمر الله أي بأمر الله عن الحسن و مجاهد و الجبائي و روي ذلك عن‏

432

(1) - ابن عباس و هذا كما يقال هذا الأمر بتدبير فلان و من‏ تدبير فلان و قيل معناه يحفظونه عن خلق الله فتكون من بمعنى عن كما في قوله‏ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أي عن خوف قال كعب : لو لا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم و مشربكم و عوراتكم لتخطفنكم الجن «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُغَيِّرُ مََا بِقَوْمٍ» من النعمة و الحال الجميلة «حَتََّى يُغَيِّرُوا مََا بِأَنْفُسِهِمْ» من الطاعة فيعصون ربهم و يظلم بعضهم بعضا قال ابن عباس إذا أنعم الله على قوم فشكروها زادهم و إذا كفروها سلبهم إياها و إلى هذا المعنى‏

أشار أمير المؤمنين (ع) بقوله إذا أقبلت عليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر

«وَ إِذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً» أي عذابا و إنما سماه سوءا لأنه يسوء «فَلاََ مَرَدَّ لَهُ» أي لا مدفع له و قيل معناه إذا أراد الله بقوم بلاء من مرض و سقم فلا مرد لبلائه «وَ مََا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وََالٍ» يلي أمرهم و يمنع العذاب عنهم.

النظم‏

اتصلت الآية الأولى بقوله‏ «وَ إِنْ تَعْجَبْ» الآية فإنه احتجاج‏ للبعث و المعنى أن من كان بهذه الصفة في القدرة و العلم فإنه يقدر على البعث و قيل إنها اتصلت بقوله «وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ» و قوله «لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» يعني أن من يعلم غوامض الأمور فهو أعلم بالمصالح و لو علم الصلاح في إنزال العذاب أو الآية لفعل عن البلخي و أبي مسلم و قوله «لَهُ مُعَقِّبََاتٌ» يتصل بقوله «وَ سََارِبٌ بِالنَّهََارِ» عن الجبائي و قيل يتصل بقوله «عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ» و «يَعْلَمُ مََا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ََ» أي كما يعلمهم جعل عليهم حفظة يحفظونهم و قيل يتصل بقوله «إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرٌ» يعني أنه (ع) محفوظ بالملائكة و اتصل قوله «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُغَيِّرُ مََا بِقَوْمٍ» إلى آخره بقوله «وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ» [بالعذاب‏]يعني أنه لا ينزل العذاب إلا بمن يعلم من جهتهم التغير حتى لو علم أن فيهم من يؤمن في المستقبل أو يعقب مؤمنا لا ينزل العذاب و قيل بل اتصلت بالسارب بمعنى أنه إذا أتى بالمعصية بطل به حفظه و حاق به عقابه و قيل بل هو على الإطلاق و العموم.

433

(1) -

القراءة

في الشواذ قراءة الأعرج شديد المحال بفتح الميم و قراءة أبي مجلز بالغدو و الإيصال .

الحجة

قال ابن جني المحال مفعل من الحيلة قال أبو زيد يقال ما له حيلة و لا محالة فيكون تقديره شديد الحيلة و تفسيره قوله سبحانه‏ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاََ يَعْلَمُونَ و قوله‏ وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اَللََّهُ و الإيصال مصدر آصلنا أي دخلنا في وقت الأصيل و نحن موصلون.

ـ

اللغة

يقال أراه يريه إراءة و هو أن يجعله على صفة الرؤية بإظهار المرئي له أو يجعله على صفة يرى و السحاب جمع سحابة و لذلك قال الثقال و لو قيل الثقيل لجاز و الصواعق جمع صاعقة و هي نار تسقط من السماء و الرعد و البرق ذكرنا معناهما في أول البقرة و المحال الأخذ بالعقاب هاهنا فقال ماحله مماحلة و محالا إذا قاواه حتى يتبين أيهما أشد و محلت به محلا قال الأعشى :

فرع نبع يهتز في غصن المجد # غزير الندي شديد المحال‏

و الاستجابة و الإجابة بمعنى غير أن في الاستجابة معنى الطلب قال‏

(فلم يستحبه عند ذاك مجيب)

و الظلال جمع الظل و هو ستر الشخص ما بإزائه و الظل الظليل و هو ستر الشمس اللازم و أما الفي‏ء فهو الذي يرجع بعد ذهاب ضوئه و منه الظلة لسترها و الآصال جمع أصل و أصل جمع أصيل فهو جمع الجمع مأخوذ من الأصل فكأنه أصل الليل الذي ينشأ منه و هو ما بين العصر إلى مغرب الشمس و قد يقال في جمعه أصائل قال أبو ذؤيب :

لعمري لأنت البيت أكرم أهله # و أقعد في أفنائه بالأصائل‏

.

434

(1) -

الإعراب‏

خوفا و طمعا لا ينتصبان على الغرض لأن ما ينتصب لذلك يجب أن يكون فاعله و فاعل الفعل الأول واحدا و هاهنا الخائف و الطامع ليسا بالذي يرى البرق و هما في قوله يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً ينتصبان على الغرض لأن الخائف و الطامع هناك هو الداعي فأعلمه فإنه جيد مفيد و المعنى هاهنا يخوفكم بما يريكم خوفا و يطمعكم طمعا فالمصدر وقع موقع الحال «وَ هُمْ يُجََادِلُونَ فِي اَللََّهِ» جاز أن تكون هذه الواو واو الحال أي يصيب بها من يشاء في حال جدالهم في الله لأنه جاء في التفسير أن رجلا جاء إلى النبي ص فجادله فقال يا محمد مم ربك أ من نحاس أم من حديد أم من لؤلؤ أم من ياقوت أم من ذهب أم من فضة فأرسل الله عليه صاعقة ذهب بقحفه و هو قول أنس بن مالك و مجاهد و يجوز أن يكون لما تمم الله أوصاف ما يدل على توحيده و قدرته قال بعد ذلك «وَ هُمْ يُجََادِلُونَ» و الكاف من قوله «كَبََاسِطِ كَفَّيْهِ» يتعلق بصفة مصدر تقديره إلا استجابة كائنة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء هذا إذا كان الكاف حرفا و إذا كان اسما محضا فالتقدير إلا استجابة مثل استجابة باسط كفيه إلى الماء فلا يكون في الكاف ضمير أي كما يستجيب الماء باسط كفيه إليه و اللام في قوله «لِيَبْلُغَ فََاهُ» يتعلق بباسط كفيه «وَ مََا هُوَ بِبََالِغِهِ» أي ما الماء ببالغ فاه و قيل ما فوه ببالغ الماء و قيل ما باسط كفيه إلى الماء ببالغ الماء و طوعا و كرها مصدران وضعا موضع الحال.

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن كمال قدرته فقال «هُوَ اَلَّذِي يُرِيكُمُ اَلْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً» أي تخويفا و إطماعا فأقام الخوف و الطمع مقام التخويف و الإطماع و ذكر فيه وجوه (أحدها) أن المعنى خوفا من الصواعق التي يكون معها و طمعا في الغيث الذي يزيل القحط عن الحسن و أبي مسلم (و الثاني) خوفا للمسافر من أن يضل الطريق فلا يمكنه المسير و طمعا للمقيم في نمو الزرع و الخير الكثير عن قتادة و الضحاك و الجبائي (الثالث) خوفا لمن يخاف ضر المطر لأنه ليس كل بلد ينتفع فيه بالمطر و طمعا لمن يرجو الانتفاع به عن الزجاج «وَ يُنْشِئُ اَلسَّحََابَ اَلثِّقََالَ» أي و يخلق السحاب الثقال بالماء يرفعها من الأرض فيجريها في الجو} «وَ يُسَبِّحُ اَلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ» تسبيح الرعد دلالته على تنزيه الله تعالى و وجوب حمده فكأنه هو المسبح و قيل إن الرعد هو الملك الذي يسوق السحاب و يزجره بصوته و هو يسبح الله تعالى و يحمده و

روي عن النبي ص أنه قال إن ربكم سبحانه يقول لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل و أطلعت عليهم الشمس بالنهار و لم أسمعهم صوت الرعد و كان ص إذا سمع صوت الرعد قال سبحان من يسبح الرعد بحمده‏

و كان ابن عباس يقول‏

435

(1) - سبحان الذي سبحت له‏ و

روي سالم بن عبد الله عن أبيه قال كان رسول الله ص إذا سمع الرعد و الصواعق قال اللهم لا تقتلنا بغضبك و لا تهلكنا بعذابك و عافنا قبل ذلك‏

و قال ابن عباس من سمع صوت الرعد فقال سبحان الذي يسبح الرعد بحمده و الملائكة من خيفته و هو على كل شي‏ء قدير فإن أصابته صاعقة فعلي ديته «وَ اَلْمَلاََئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ» أي و يسبح الملائكة من خيفة الله تعالى و خشيته قال ابن عباس إنهم خائفون من الله تعالى ليس كخوف ابن آدم لا يعرف أحدهم من على يمينه و من على يساره و لا يشغله عن عبادة الله طعام و لا شراب و لا شي‏ء «وَ يُرْسِلُ اَلصَّوََاعِقَ فَيُصِيبُ بِهََا مَنْ يَشََاءُ» و يصرفها عمن يشاء إلا أنه حذف و

روي عن أبي جعفر الباقر ع أن الصواعق تصيب المسلم و غير المسلم و لا تصيب ذاكرا

«وَ هُمْ يُجََادِلُونَ فِي اَللََّهِ» يعني أن هؤلاء الجهال مع مشاهدتهم لهذه الآيات يخاصمون أهل التوحيد و يحاولون فتلهم عن مذاهبهم بجدالهم لأن معنى الجدال فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج‏

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه عنى بذلك أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة العامري لأمه و عامر بن طفيل و ذلك أنهما أتيا النبي ص يجادلانه و يريدان الفتك به و كان عامر أوصى إلى أربد إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف فجعل عامر يخاصم رسول الله ص و يراجعه الكلام فدار أربد خلف رسول الله ص ليضربه فاخترط من سيفه شبرا ثم حبسه الله عنه فلم يقدر على سله و جعل عامر يؤمي إليه فالتفت رسول الله ص فرأى أربدا و ما يصنع بسيفه فقال اللهم اكفنيهما بما شئت‏فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صاح صائف فأحرقته و ولى عامر هاربا و قال يا محمد دعوت ربك فقتل أربدا و الله لأملأنها عليك خيلا جردا و فتيانا مردا و لأربطن بكل نخلة فرسا فقال ص الله يمنعك من ذلك فنزل بيت امرأة من سلول و خرج على ركبتيه في الوقت غدة عظيمة فكان يقول غدة كغدة البعير و موت في بيت سلولية حتى قتلته و في ذلك يقول لبيد بن ربيعة يرثي أخاه أربدا :

أخشى على أربد الحتوف و لا # أرهب نوء السماك و الأسد

فجعني البرق و الصواعق بالفارس # يوم الكريهة النجد

«وَ هُوَ شَدِيدُ اَلْمِحََالِ» أي شديد الأخذ عن علي (ع)

و قيل شديد القوة عن قتادة و مجاهد و قيل شديد النقمة عن الحسن و قيل شديد القدرة و العذاب عن الزجاج و قيل شديد الكيد للكفار عن الجبائي } «لَهُ دَعْوَةُ اَلْحَقِّ» أي لله سبحانه دعوة الحق و اختلف في معنى‏

436

(1) - دعوة الحق على أقوال (أحدها) أنها كلمة الإخلاص شهادة أن لا إله إلا الله عن ابن عباس و قتادة و ابن زيد (و الثاني) أن الله تعالى هو الحق فدعاؤه دعوة الحق و من دعاه دعا الحق عن الحسن (و الثالث) أنها الدعوة التي يدعى بها الله على إخلاص التوحيد عن الجبائي و المعنى أن من دعاه على جهة الإخلاص فهو يجيبه فله سبحانه من خلقه دعوة الحق «وَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ» أي و الذين يدعوهم المشركون من دون الله لحاجاتهم من الأوثان و غيرها «لاََ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْ‏ءٍ إِلاََّ كَبََاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى اَلْمََاءِ لِيَبْلُغَ فََاهُ وَ مََا هُوَ بِبََالِغِهِ» هذا مثل ضربه الله لكل من عبد غير الله و دعاءه رجاء أن ينفعه يقول إن مثله كمثل رجل بسط كفيه إلى الماء من مكان بعيد ليتناوله و يسكن به غلته و ذلك الماء لا يبلغ فاه لبعد المسافة بينهما فكذلك ما كان يعبده المشركون من الأصنام لا يصل نفعها إليهم و لا يستجيب دعاءهم عن ابن عباس و قيل كباسط كفيه إلى الماء أي كالذي يدعو الماء بلسانه و يشير إليه بيده فلا يأتيه الماء عن مجاهد و قيل كالذي يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فمات قبل أن يبلغ الماء فاه عن الحسن و قيل إنه تمثيل العرب لمن يسعى فيما لا يدركه فيقول هو كالقابض على الماء عن أبي عبيدة و البلخي و أبي مسلم قال الشاعر:

فأصبحت مما كان بيني و بينها # من الود مثل القابض الماء باليد

و قال الآخر

فإني و إياكم و شوقا إليكم # كقابض ماء لم تسعه أنامله‏

«وَ مََا دُعََاءُ اَلْكََافِرِينَ إِلاََّ فِي ضَلاََلٍ» أي ليس دعاؤهم الأصنام من دون الله إلا في ذهاب عن الحق و الصواب و قيل في ضلال عن طريق الإجابة و النفع‏ ثم بين سبحانه كمال قدرته و سعة مملكته فقال‏} «وَ لِلََّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» يعني الملائكة و سائر المكلفين «طَوْعاً وَ كَرْهاً» اختلف في معناه على قولين (أحدهما) أن معناه أنه يجب السجود لله تعالى إلا أن المؤمن يسجد له طوعا و الكافر يسجد له كرها بالسيف عن الحسن و قتادة و ابن زيد (و الثاني) أن المعنى و لله يخضع من في السماوات و الأرض إلا أن المؤمن يخضع له طوعا و الكافر يخضع له كرها لأنه لا يمكنه أن يمتنع من الخضوع لله لما يحل به من الآلام و الأسقام عن الجبائي «وَ ظِلاََلُهُمْ» أي و يسجد ظلالهم لله «بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ» أي العشيات قيل إن المراد بالظل الشخص فإن من يسجد يسجد ظله معه قال الحسن يسجد ظل الكافر و لا يسجد الكافر و معناه عند أهل التحقيق أنه يسجد شخصه دون قلبه لأنه لا يريد بسجوده عبادة ربه من حيث إنه يسجد للخوف و قيل إن الظلال على ظاهرها و المعنى في‏

437

(1) - سجودها تمايلها من جانب إلى جانب و انقيادها بالتسخير بالطول و القصر.

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير حفص أم هل يستوي الظلمات بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة

من قرأ بالتاء فإنه مسند إلى مؤنث لم يفصل بينه و بين فاعله بشي‏ء كقوله وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ و قََالَتِ اَلْأَعْرََابُ و قد جاء في مثل ذلك التذكير كقوله‏ وَ قََالَ نِسْوَةٌ و من قرأ بالياء فإنه مؤنث غير حقيقي.

المعنى‏

لما بين سبحانه في الآية الأولى أنه المستحق للعبادة و أن له من في السماوات و الأرض عقبه بما يجري مجرى الحجة على ذلك فقال «قُلْ» يا محمد لهؤلاء الكفار «مَنْ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» أي من مدبرهما و مصرفهما على ما فيهما من البدائع فإذا استعجم عليهم الجواب و لا يمكنهم أن يقولوا الأصنام فـ «قُلْ» أنت لهم رب السماوات و الأرض و ما بينهما من أنواع الحيوان و النباتات و الجماد «اَللََّهُ» فإذا أقروا بذلك «قُلْ» لهم على وجه التبكيت و التوبيخ لفعلهم «أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ» توجهون عبادتكم إليهم فالصورة صورة الاستفهام و المراد به التقريع ثم بين أن هؤلاء الذين اتخذوهم من دونه أولياء «لاََ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لاََ ضَرًّا» و من لا يملك لنفسه ذلك فالأولى و الأحرى أن لا يملك لغيره و من كان كذلك فكيف يستحق العبادة و إذا قيل كيف يكون هو السائل و المجيب و الملزم بقوله «قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ» فالجواب أنه إذا كان القصد بالحجاج ما يبينه من بعد من بعد لم يمتنع ذلك فكأنه قال الله الخالق‏ فلما ذا اتخذتم من دون الله أولياء لأن الأمر

438

(1) - الظاهر الذي لا يجيب الخصم إلا به لا يمتنع أن يبادر السائل إلى ذكره ثم يورد الكلام عليه تفاديا من التطويل و يكون تقدير الكلام أ ليس الله رب السماوات و الأرض فلم اتخذتم من دونه أولياء ثم ضرب لهم سبحانه مثلا بعد إلزام الحجة فقال «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلْأَعْمى‏ََ وَ اَلْبَصِيرُ» أي كما لا يستوي الأعمى و البصير كذلك لا يستوي المؤمن و الكافر لأن المؤمن يعمل على بصيرة و يعبد الله الذي يملك النفع و الضر و الكافر يعمل على عمى و يعبد من لا يملك النفع و الضر ثم زاد في الإيضاح فقال «أَمْ هَلْ تَسْتَوِي اَلظُّلُمََاتُ وَ اَلنُّورُ» أي هل يستوي الكفر و الإيمان أو الضلالة و الهدى أو الجهل و العلم «أَمْ جَعَلُوا لِلََّهِ شُرَكََاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ» أي هل جعل هؤلاء الكفار لله شركاء في العبادة خلقوا أفعالا مثل خلق الله تعالى من الأجسام و الألوان و الطعوم و الأراييح و القدرة و الحياة و غير ذلك من الأفعال التي يختص سبحانه بالقدرة عليها «فَتَشََابَهَ اَلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ» أي فاشتبه لذلك عليهم ما الذي خلق الله و ما الذي خلق الأوثان فظنوا أن الأوثان تستحق العبادة لأن أفعالها مثل أفعال الله فإذا لم يكن ذلك مشتبها إذ كان ذلك كله لله تعالى لم يبق شبهة أنه الإله لا يستحق العبادة سواه فـ «قُلْ» لهم «اَللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» يستحق به العبادة من أصول النعم و فروعها «وَ هُوَ اَلْوََاحِدُ» و معناه أنه يستحق من الصفات ما لا يستحقه غيره فهو قديم لذاته قادر لذاته عالم لذاته حي لذاته غني لا مثل له و لا شبه‏ و قيل الواحد هو الذي لا يتجزأ و لا يتبعض و قيل هو الواحد في الإلهية لا ثاني له في القدم «اَلْقَهََّارُ» الذي يقهر كل قادر سواه و لا يمتنع عليه شي‏ء و استدلت المجبرة بقوله الله تعالى خالق كل شي‏ء على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن ظاهر العموم يقتضي دخول أفعال العباد فيه و بقوله «أَمْ جَعَلُوا لِلََّهِ شُرَكََاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ» قالوا لأنه أنكر أن يكون خالق خلق كخلقه و أجيب عن ذلك بأن الآية وردت حجة على الكفار إذ لو كان المراد ما قالوا لكان فيها لهم على الله لأنه إذا كان الخالق لعبادتهم الأصنام هو الله فلا يتوجه التوبيخ إلى الكفار و لا يلحقهم اللوم بذلك بل يكون لهم أن يقولوا إنك خلقت فينا ذلك فلم توبخنا على فعل فعلته فينا فيبطل حينئذ فائدة الآية و أيضا فإن أكثر أصحابنا لا يطلقون على غيره سبحانه أنه يخلق أصلا فضلا عن أن يقولوا إنه يخلق كخلق الله و لكن يقولون إن العباد يفعلون و يحدثون و معنى الخلق عندهم الاختراع و لا يقدر العباد عليه و من جوز منهم إطلاق لفظ الخلق في أفعال العباد فإنه يقول إنه سبحانه إنما نفى أن يكون أحد يخلق مثل خلقه و نحن لا نقول ذلك لأن خلق الله اختراع و إبداع و أفعال غيره مفعولة في محل القدرة عليها مباشرا أو متولدا في الغير بسبب حال في محل القدرة و لا يقدر على اختراع الأفعال في الغير على وجه من الوجوه إلا الله سبحانه الذي أبدع السماوات و الأرض‏

439

(1) - و ما فيهما و ينشئ الأجناس من الأعراض التي لا يقدر عليها غيره‏ فكيف يشبه الخلق مع هذا التمييز الظاهر على أن عندهم كل حركة هي كسب للعبد و فعل لله تعالى و لا يتميز فقد حصل التشابه هنا و نحن نقول إن أحدنا يفعل بقدرة محدثة يفعلها الله تعالى فيه و الله يفعل لكونه قادرا لذاته فالفرق و التمييز ظاهر فعلمنا أن المراد بقوله «خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» ما قدمناه من أنه خالق كل شي‏ء يستحق لخلقه العبادة.

القراءة

قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر «يُوقِدُونَ» بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة

قال أبو علي من قرأ بالتاء فلما قبله من الخطاب و هو قوله «قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ» و يجوز أن يكون خطابا عاما يراد به الكافة كان المعنى و مما توقدون عليه أيها الموقدون زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل و من قرأ بالياء فلأن ذكر الغيبة قد تقدم في قوله «أَمْ جَعَلُوا لِلََّهِ شُرَكََاءَ» و يجوز أن يراد به جميع الناس و يقوي ذلك قوله «وَ أَمََّا مََا يَنْفَعُ اَلنََّاسَ» فكما أن الناس يعم المؤمنين و الكافرين كذلك الضمير في يوقدون و قال «وَ مِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنََّارِ» فجعل الظرف متعلقا بيوقدون لأنه قد يوقد على ما ليس في النار كقوله‏ فَأَوْقِدْ لِي يََا هََامََانُ عَلَى اَلطِّينِ فهذا إيقاد يقال على ما ليس في النار و إن كان يلحقه وهجها و لهبها.

440

(1) -

اللغة

الوادي سفح الجبل العظيم المنخفض الذي يجتمع فيه ماء المطر و منه اشتقاق الدية لأنه جمع المال العظيم الذي يؤدى عن القتيل و القدر اقتران الشي‏ء بغيره من غير زيادة و لا نقصان و الوزن يزيد و ينقص فإذا كان مساويا فهو القدر و قرأ الحسن بقدرها بسكون الدال و هما لغتان يقال أعطى قدر شبر و قدر شبر و المصدر بالتخفيف لا غير و هم يختصمون في القدر معا بالسكون و الحركة قال:

ألا يا لقوم للنوائب و القدر # و للأمر يأتي المرء من حيث لا يدري‏

و الاحتمال رفع الشي‏ء على الظهر بقوة الحامل له و يقال علا صوته على فلان فاحتمله و لم يغضبه و الزبد وضر الغليان و هو خبث الغليان و منه زبد القدر و زبد السيل و الجفاء ممدود مثل الغثاء و أصله الهمز يقال جفا الوادي جفاء قال أبو زيد : يقال جفأت الرجل إذا صرعته و أجفأت القدر بزبدها إذا ألقيت زبدها عنها قال الفراء : كل شي‏ء ينضم بعضه إلى بعض فإنه يجي‏ء على فعال مثل الحطام و القماش و الغثاء و الجفاء و الإيقاد إلقاء الحطب في النار و استوقدت النار و اتقدت و توقدت و المتاع ما تمتعت به و المكث الكون في المكان على مرور الزمان يقال مكث و مكث و تمكث أي تلبث .

الإعراب‏

قال جامع العلوم البصير قوله «فِي اَلنََّارِ» متعلق بمحذوف في موضع الحال من الضمير المجرور بقوله «عَلَيْهِ» أي و مما توقدون عليه ثابتا في النار «اِبْتِغََاءَ حِلْيَةٍ» أي مبتغين حلية فهو مصدر في موضع الحال من الضمير في يوقدون و لا يجوز أن يكون قوله «فِي اَلنََّارِ» من صلة يوقدون لأن المعنى ليس على ذلك فالمعنى أنهم يوقدون على الذهب في حال كونه في النار فافهمه من كلام أبي علي و لم يهتد إليه غيره و قوله «زَبَدٌ» مبتدأ و مثله نعت له و الظرف الذي هو قوله «مِمََّا يُوقِدُونَ» خبره على قول سيبويه و هو مرتفع بالظرف على قول الأخفش و موضع جفاء نصب على الحال أي يذهب على هذه الحالة قال الشاعر

إذا أكلت سمكا و فرضا # ذهبت طولا و ذهبت عرضا

أي ذهبت على هذه الحالة و الفرض نوع من التمر .

المعنى‏

ثم ضرب سبحانه مثلين للحق و الباطل (أحدهما) الماء و ما يعلوه من الزبد (و الآخر) ما توقد عليه النار من الذهب و الفضة و غيرهما و ما يعلوه من الزبد على ما رتبه فقال «أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً» أي مطرا «فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا» يعني فاحتمل الأنهار الماء كل نهر بقدره‏ الصغير على قدر صغره و الكبير على قدر كبره فسالت كل نهر بقدره عن‏

441

(1) - الحسن و قتادة و الجبائي و قيل بقدرها بما قدر لها من مائها عن الزجاج «فَاحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَداً رََابِياً» أي طافيا عاليا فوق الماء شبه سبحانه الحق و الإسلام بالماء الصافي النافع للخلق و الباطل بالزبد الذاهب باطلا و قيل إنه مثل القرآن النازل من السماء ثم تحتمل القلوب حظها من اليقين و الشك على قدرها فالماء مثل اليقين و الزبد مثل الشك عن ابن عباس ثم ذكر المثل الآخر فقال «وَ مِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنََّارِ» و هو الذهب و الفضة و الرصاص و غيره مما يذاب «اِبْتِغََاءَ حِلْيَةٍ» أي طلب زينة يتخذ منه كالذهب و الفضة «أَوْ مَتََاعٍ» معناه أو ابتغاء متاع ينتفع به و هو مثل جواهر الأرض يتخذ منها الأواني و غيرها «زَبَدٌ مِثْلُهُ» أي مثل زبد الماء فإن هذه الأشياء التي تستخرج من المعادن و توقد عليها النار ليتميز الخالص من الخبيث لها أيضا زبد و هو خبثها «كَذََلِكَ يَضْرِبُ اَللََّهُ اَلْحَقَّ وَ اَلْبََاطِلَ» أي مثل الحق و الباطل و ضرب المثل تسييره في البلاد حتى يتمثل به في الناس «فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفََاءً» أي باطلا متفرقا بحيث لا ينتفع به‏ «وَ أَمََّا مََا يَنْفَعُ اَلنََّاسَ» هو الماء الصافي و الأعيان التي ينتفع لها «فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ» فينتفع به الناس فمثل المؤمن و اعتقاده كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض و حياة كل شي‏ء به و كمثل نفع الذهب و الفضة و سائر الأعيان المنتفع بها و مثل الكافر و كفره كمثل هذا الزبد الذي يذهب جفاء و كمثل خبث الحديد و ما تخرجه النار من وسخ الذهب و الفضة الذي لا ينتفع به «كَذََلِكَ يَضْرِبُ اَللََّهُ اَلْأَمْثََالَ» للناس في أمر دينهم قال قتادة هذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد شبه نزول القرآن بالماء الذي ينزل من السماء و شبه القلوب بالأودية و الأنهار فمن استقصى في تدبره و تفكر في معانيه أخذ حظا عظيما منه كالنهر الكبير الذي يأخذ الماء الكثير و من رضي بها أداه إلى التصديق بالحق على الجملة كان أقل خطأ منه كالنهر الصغير فهذا مثل ثم شبه الخطوات و وساوس الشيطان بالزبد يعلو على الماء و ذلك من خبث التربة لا عين الماء كذلك ما يقع في النفس من الشكوك فمن ذاتها لا من ذات الحق يقول فكما يذهب الزبد باطلا و يبقى صفوة الماء كذلك يذهب مخايل الشك هباء باطلا و يبقى الحق فهذا مثل ثان و المثل الثالث قوله «وَ مِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنََّارِ» إلى آخره فالكفر مثل هذا الخبث الذي لا ينتفع به و الإيمان مثل الماء الصافي الذي ينتفع به‏ و تم الكلام عند قوله «يَضْرِبُ اَللََّهُ اَلْأَمْثََالَ» ثم استأنف بقوله‏} «لِلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِرَبِّهِمُ اَلْحُسْنى‏ََ» عن الحسن و البلخي و قيل بل يتصل بما قبله لأن معناه أن الذي يبقى مثل الذين استجابوا لربهم و الذي يذهب جفاء مثل الذي لا يستجيب و المراد به للذين استجابوا دعوة الله و آمنوا به و أطاعوه الحسنى و هي الجنة عن الحسن و الجبائي و قيل معناه الخصلة الحسنى و الحالة الحسنى و هي صفة الثواب و الجنة أيضا عن أبي مسلم «وَ اَلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ» أي لله فلم يؤمنوا به «لَوْ

442

(1) - أَنَّ لَهُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ» أي جعلوا ذلك فدية أنفسهم من العذاب لم يقبل ذلك منهم «أُولََئِكَ لَهُمْ سُوءُ اَلْحِسََابِ» قيل فيه أقوال (أحدها) أن سوء الحساب أخذهم بذنوبهم كلها من دون أن يغفر لهم شي‏ء منها عن إبراهيم النخعي و يؤيد ذلك‏

ما جاء في الحديث و من نوقش الحساب عذب‏

فيكون سوء الحساب المناقشة (و الثاني) هو أن يحاسبوا للتقريع و التوبيخ فإن الكافر يحاسب على هذا الوجه و المؤمن يحاسب ليسر بما أعد الله تعالى له عن الجبائي (و الثالث)

هو أن لا يقبل لهم حسنة و لا يغفر لهم سيئة عن الزجاج و روي ذلك عن أبي عبد الله (ع)

(و الرابع) أن سوء الحساب هو سوء الجزاء فسمي الجزاء حسابا لأن فيه إعطاء المستحق حقه «وَ مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ» أي مصيرهم إلى جهنم «وَ بِئْسَ اَلْمِهََادُ» أي و بئس ما مهدوا لأنفسهم و المهاد الفراش الذي يوطأ لصاحبه و تسمى النار مهادا لأنها موضع المهاد لهم.

اللغة

الألباب العقول و لب الشي‏ء أجل ما فيه و أخلصه و أجوده و لب الإنسان عقله لأنه أجل ما فيه و لب الخلة قلبها و الميثاق العهد الواقع على إحكام و الوصل ضم الثاني إلى‏

443

(1) - الأول من غير فاصلة و الخوف و الخشية و الفزع نظائر و هو انزعاج النفس بما لا يأمن منه من الضرر و السوء ورود ما يشق على النفس و الحساب إحصاء ما على العامل و له و هو هاهنا إحصاء ما على المجازي و له و السر هو إخفاء المعنى في النفس و منه السرور لأنه لذة تحصل للنفس و منه السرير لأنه مجلس سرور و الدرء الدفع و العدن الإقامة الطويلة و عدن بالمكان يعدن عدنا و منه المعدن و الصلاح استقامة الحال و المصلح من فعل الصلاح الذي يدعو إليه العقل و الشرع و الصالح المستقيم الحال في نفسه و العقبي فعلى من العاقبة و هو الانتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر .

الإعراب‏

موضع الذين يوفون رفع لأنه صفة لقوله أُولُوا اَلْأَلْبََابِ و قيل إنه صفة لمن يعلم و ابتغاء نصب لأنه مفعول له و جنات عدن بدل من عقبى و من صلح موضعه رفع عطفا على الواو في قوله «يَدْخُلُونَهََا» و جائز أن يكون نصبا بأنه مفعول معه كما تقول قد دخلوا و زيدا أي مع زيد و الباء في قوله «بِمََا صَبَرْتُمْ» يتعلق بمعنى سلام لأنه دل على السلامة لكم بما صبرتم و يحتمل أن يتعلق بمحذوف على تقدير هذه الكرامة لكم بما صبرتم و ما في قوله «بِمََا صَبَرْتُمْ» مصدرية تقديره بصبركم و قيل إنه بمعنى الذي كأنه قال بالذي صبرتم على فعل طاعاته و تجنب معاصيه.

ـ

المعنى‏

ثم بين سبحانه الفرق بين المؤمن و الكافر فقال «أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ» يا محمد «مِنْ رَبِّكَ اَلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى‏ََ» عنه أخرج الكلام مخرج الاستفهام و المراد به الإنكار أي لا يكونان مستويين فإن الفرق بينهما هو الفرق بين الأعمى و البصير لأن المؤمن يبصر ما فيه رشده فيتبعه و الكافر يتعامى عن الحق فيتبع ما فيه هلاكه «إِنَّمََا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ» أي إنما يتفكر فيه و يستدل به ذوو العقول و المعرفة قال علي بن عيسى و في هذا حث على طلب العلم و إلزام له لأنه إذا كانت حال الجاهل كحال الأعمى و حال العالم كحال البصير و أمكن هذا الأعمى‏ أن يستفيد بصرا فما الذي يقعده عن طلب العلم الذي يخرجه عن حال العمى بالجهل إلى حال البصير} «اَلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اَللََّهِ وَ لاََ يَنْقُضُونَ اَلْمِيثََاقَ» أي يؤدون ما عهد الله إليه و ألزمهم إياه عقلا و سمعا فالعهد العقلي ما جعله في عقولهم من اقتضاء صحة أمور و فساد أمور أخر كاقتضاء الفعل للفاعل و إن الصنائع لا بد أن ترجع إلى صانع غير مصنوع و إلا أدى إلى ما لا يتناهى و إن للعالم مدبرا لا يشبهه و العهد الشرعي ما أخذه النبي ص على المؤمنين من الميثاق المؤكد باليمين أن يطيعوه و لا يعصوه و لا يرجعوا عما التزموه من أوامر شرعه و نواهيه و إنما كرر ذكر الميثاق و إن دخل جميع الأوامر و النواهي في لفظ العهد لئلا يظن ظان أن ذلك خاص فيما بين العبد و ربه فأخبر أن ما بينه و بين العباد من المواثيق كذلك في الوجوب و اللزوم و قيل إنه كرره تأكيدا} «وَ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ مََا

444

(1) - أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» قيل المراد به الإيمان بجميع الرسل و الكتب كما في قوله‏ «لاََ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ» و قيل هو صلة محمد و موازرته و معاونته و الجهاد معه عن الحسن و قيل هو صلة الرحم عن ابن عباس و

روى أصحابنا أن أبا عبد الله (ع) لما حضرته الوفاة قال أعطوا الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين و هو الأفطس سبعين دينارا فقالت له أم ولد له أ تعطي رجلا حمل عليك بالشفرة فقال لها ويحك أ ما تقرئين قوله تعالى «وَ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» الآية

و قيل هو ما يلزم من صلة المؤمنين بأن يتولوهم و ينصروهم و يذبوا عنهم و يدخل فيه صلة الرحم و غير ذلك عن الجبائي و أبي مسلم و

روى جابر عن أبي جعفر (ع) قال قال رسول الله ص بر الوالدين و صلة الرحم يهونان الحساب ثم تلا هذه الآية

روى محمد بن الفضيل عن موسى بن جعفر الكاظم (ع) في هذه الآية قال صلة آل محمد ص معلقة بالعرش تقول اللهم صل من وصلني و اقطع من قطعني و هي تجري في كل رحم‏

و

روى الوليد بن أبان عن أبي الحسن الرضا (ع) قال قلت له هل على الرجل في ماله سوى الزكاة قال نعم أين ما قال الله «وَ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ» الآية

«وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ» أي و يخافون عقاب ربهم في قطعها «وَ يَخََافُونَ سُوءَ اَلْحِسََابِ» قد بينا ما قيل فيه و

روى هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال سوء الحساب أن يحسب عليهم السيئات و لا يحسب لهم الحسنات و هو الاستعصاء

و

روى حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع) أنه قال لرجل يا فلأن ما لك و لأخيك قلت جعلت فداك لي عليه شي‏ء فاستقصيت حقي عنه قال أبو عبد الله (ع) أخبرني عن قول الله سبحانه «وَ يَخََافُونَ سُوءَ اَلْحِسََابِ» أ تراهم خافوا أن يجور عليهم أو يظلمهم لا و الله و لكن خافوا الاستقصاء و المداقة

«وَ اَلَّذِينَ صَبَرُوا اِبْتِغََاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ» أي الذين صبروا على القيام بما أوجبه الله عليهم و على بلاء الله من الأمراض و العقوبة و غير ذلك و عن معاصي الله سبحانه لطلب ثواب الله تعالى لأن ابتغاء وجه الله هو ابتغاء الله و ابتغاء الله يكون ابتغاء ثوابه تقول العرب في تعظيم الشي‏ء هذا وجه الرأي و هذا نفس الرأي للرأي المعظم فكذلك وجه ربهم هو نفسه المعظم فلا شي‏ء أعظم منه و لا شي‏ء يساويه في العظم و قيل إن ذكر الوجه هنا عبارة عن الإخلاص و ترك الرياء «وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ» أي أدوها بحدودها و قيل داموا على فعلها «وَ أَنْفَقُوا مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ سِرًّا وَ عَلاََنِيَةً» أي ظاهرا و باطنا «وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ اَلسَّيِّئَةَ» أي يدفعون بفعل الطاعة المعصية قال ابن عباس يدفعون بالعمل الصالح السيئ من العمل كما

روي عن النبي ص أنه قال لمعاذ بن جبل إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها

و قيل معناه يدفعون إساءة من أساء إليهم بالإحسان و العفو و لا يكافئون كقوله سبحانه‏ «اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ اَلسَّيِّئَةَ» عن قتادة و ابن زيد و القتيبي قال الحسن إذا حرموا أعطوا و إذا

445

(1) - ظلموا عفوا و إذا قطعوا وصلوا و قيل معناه يدفعون بالتوبة معرة الذنب عن ابن كيسان «أُولََئِكَ» يعني أن هؤلاء الذين هذه صفاتهم «لَهُمْ عُقْبَى اَلدََّارِ» أي ثواب الجنة فالدار الجنة و ثوابها عقباها التي هي العاقبة المحمودة عن ابن عباس و الحسن ثم وصف الدار فقال «جَنََّاتُ عَدْنٍ» أي بساتين إقامة تدوم و لا تفنى و قيل هي الدرجة العليا و سكانها الشهداء و الصديقون عن ابن عباس و قيل هي مدينة في الجنة فيها الأنبياء و الأئمة و الشهداء عن الضحاك و قيل قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حاكم عدل عن الحسن و عبد الله بن عمر ثم بين سبحانه ما يتكامل به سرورهم من اجتماع قومهم معهم فقال «يَدْخُلُونَهََا وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبََائِهِمْ وَ أَزْوََاجِهِمْ وَ ذُرِّيََّاتِهِمْ» أي أولادهم يعني من آمن منهم و صدق بما صدقوا به و ذلك أن الله سبحانه جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله من إلحاقهم به في الجنة كرامة له كما قال ألحقنا بهم ذريتهم عن ابن عباس و مجاهد «وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ» من أبواب الجنة الثمانية و قيل من كل باب من أبواب البر كالصلاة و الزكاة و الصوم و قيل من أبواب قصورهم و بساتينهم بالتحية من الله سبحانه و التحف و الهدايا عن ابن عباس و يقولون‏} «سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ بِمََا صَبَرْتُمْ» و القول محذوف لدلالة الكلام عليه و السلام و التحية و البشارة منهم بالسلامة و الكرامة و انتفاء كل أمر تشوبه مضرة أي سلمكم الله من الأهوال و المكاره بصبركم على شدائد الدنيا و محنها في طاعة الله تعالى «فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدََّارِ» أي نعم عاقبة الدار ما أنتم فيه من الكرامة.

446

(1) -

اللغة

الإنابة الرجوع إلى الحق بالتوبة انتاب فلان القوم أتاهم مرة بعد مرة و يقال ناب ينوب نوبة إذا رجع مرة بعد مرة و طوبى فعلى من الطيب و هو تأنيث الأطيب و لم يغيروا طوبى بأن يقولوا طيبي كما قالوا ضيزى فقلبوا الواو ياء و الضمة كسرة لأن طوبى اسم و ضيزى صفة فرقوا بين الاسم و الصفة.

الإعراب‏

«اَلَّذِينَ آمَنُوا» في موضع نصب ردا على من. المعنى يهدي إليه الذين آمنوا و ألا حرف تنبيه و ابتداء و حسن مآب عطف على طوبى لأن طوبى في موضع رفع.

ـ

المعنى‏

لما ذكر سبحانه الذين يوفون بعهد الله و وصفهم بالصفات التي يستحقون بها الجنة عقبه بذكر من هو على خلاف حالهم فقال «وَ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللََّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» قد ذكرنا معنى عهد الله و ميثاقه و صلة ما أمر الله به أن يوصل «وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ» بالدعاء إلى غير الله عن ابن عباس و قيل بقتال النبي ص و المؤمنين عن الحسن و قيل بالعمل فيها بمعاصي الله و الظلم لعباده و إخراب بلاده و هذا أعم «أُولََئِكَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ» و هي الإبعاد من رحمة الله و التبعيد من جنته «وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدََّارِ» أي عذاب النار و الخلود فيها} «اَللََّهُ يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَقْدِرُ» أي يوسع الرزق على من يشاء من عباده بحسب ما يعلم من المصلحة و يضيقه على آخرين إذا كانت المصلحة في التضييق «وَ فَرِحُوا بِالْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا» أي فرحوا بما أوتوا من حطام الدنيا فرح البطر و نسوا فناءه و بقاء أمر الآخرة و تقديره و فرح الذين بسط لهم في الرزق في الحياة الدنيا «وَ مَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاََّ مَتََاعٌ» أي ليست هذه الحياة الدنيا بالإضافة إلى الحياة الآخرة إلا قليل ذاهب لأن هذه فانية و تلك دائمة باقية عن مجاهد و قيل إنه مذكور على وجه التعجب أي عجبا لهم أن فرحوا بالدنيا الفانية و تركوا النعيم الدائم و الدنيا في جنب الآخرة متاع لا خطر له و لا بقاء له مثل القدح و القصعة و القدر يتمتع به زمانا ثم ينكسر عن ابن عباس } «وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» أي هلا أنزل على محمد معجزة من ربه يقترحها و يجوز أنهم لم يتفكروا في الآيات المنزلة فاعتقدوا أنه لم ينزل عليه آية و لم يعتدوا بتلك الآيات فقالوا هذا القول جهلا منهم بها «قُلْ» يا محمد «إِنَّ اَللََّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ» عن طريق الجنة بسوء

447

(1) - أفعاله و عظم معاصيه و قد مضى القول في وجوه الإضلال و الهدى فلا معنى لإعادته «وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنََابَ» أي رجع إليه بالطاعة} «اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اَللََّهِ» معناه الذين اعترفوا بتوحيد الله على جميع صفاته و نبوة نبيه و قبول ما جاء به من عند الله و تسكن قلوبهم بذكر الله و تأنس إليه و الذكر حصول المعنى للنفس و قد يسمى العلم ذكرا و القول الذي فيه المعنى الحاضر للنفس أيضا يسمى ذكرا و قد وصف الله المؤمن هاهنا بأنه يطمئن قلبه إلى ذكر الله و وصفه في موضع آخر بأنه إذا ذكر الله وجل قلبه لأن المراد بالأول أنه يذكر ثوابه و إنعامه و آلاءه التي لا تحصى و أياديه التي لا تجازى فيسكن إليه و بالثاني أنه يذكر عقابه و انتقامه فيخافه و يوجل قلبه «أَلاََ بِذِكْرِ اَللََّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ» و هذا حث للعباد على تسكين القلب إلى ما وعد الله به من النعيم و الثواب و الطمأنينة إليه فإن وعده سبحانه صادق و لا شي‏ء تطمئن النفس إليه أبلغ من الوعد الصادق و هو اعتراض وقع بين الكلامين إذا كان قوله «اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اَللََّهِ» في موضع رفع بالابتداء و يكون قوله‏} «اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ» بدلا منه و قوله «طُوبى‏ََ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ» جملة في موضع الرفع بأنه خبر المبتدأ و إذا كان الذين آمنوا الأول في موضع نصب على ما تقدم ذكره فيكون «اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ» مبتدأ مستأنفا و طوبى لهم خبره‏ و معناه أن الذين يؤمنون بالله و يعلمون ما يجب عليهم من الطاعات «طُوبى‏ََ لَهُمْ» و فيه أقوال (أحدها) أن معناه فرح لهم و قرة عين عن ابن عباس (و الثاني) غبطة لهم عن الضحاك (و الثالث) خير لهم و كرامة عن إبراهيم النخعي (و الرابع) الجنة لهم عن مجاهد (و الخامس) معناه العيش المطيب لهم عن الزجاج و الحال المستطابة لهم عن ابن الأنباري لأنه فعلى من الطيب و قيل أطيب الأشياء لهم و هو الجنة عن الجبائي (و السادس) هنيئا بطيب العيش لهم (السابع) حسني لهم عن قتادة (الثامن) نعم ما لهم عن عكرمة (التاسع) طوبى لهم دوام الخير لهم (العاشر)

أن طوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبي ص و في دار كل مؤمن منها غصن عن عبيد بن عمير و وهب و أبي هريرة و شهر بن حوشب و رواه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا و هو المروي عن أبي جعفر (ع) قال لو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منها و لو أن غرابا طار من أصلها ما بلغ أعلاها حتى يبيض هرما ألا في هذا فارغبوا إن المؤمن نفسه منه في شغل و الناس منه في راحة إذا جن عليه الليل فرش وجهه و سجد لله يناجي الذي خلقه في فكاك رقبته ألا فكهذا فكونوا

و

روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي عبد الله (ع) كان رسول الله ص يكثر تقبيل فاطمة (ع) فأنكرت عليه بعض نسائه ذلك فقال ص إنه لما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة

448

(1) - و أدناني جبرائيل (ع) من شجرة طوبى و ناولني منها تفاحة فأكلتها فحول الله ذلك في ظهري ماء فهبطت إلى الأرض و واقعت خديجة فحملت بفاطمة فكلما اشتقت إلى الجنة قبلتها و ما قبلتها إلا وجدت رائحة شجرة طوبى فهي حوراء إنسية

و

روى الثعلبي بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال طوبى شجرة أصلها في دار علي (ع) في الجنة و في دار كل مؤمن منها غصن و رواه أبو بصير عن أبي عبد الله (ع)

و

روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن موسى بن جعفر (ع) عن أبيه عن آبائه (ع) قال سئل رسول الله ص عن طوبى قال شجرة أصلها في داري و فرعها على أهل الجنة ثم سئل عنها مرة أخرى فقال في دار علي (ع) فقيل في ذلك فقال إن داري و دار علي في الجنة بمكان واحد

«وَ حُسْنُ مَآبٍ» أي و لهم حسن مآب أي مرجع.

النظم‏

وجه اتصال قوله «اَللََّهُ يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَقْدِرُ» الآية بما قبله أنه بين أن نقضهم للعهد إنما كان لحب الرئاسة و المنافسة في الدنيا و زهدهم في المنافسة و أخبر بأنه يبسط الرزق لمن يرى صلاحه فيه و يرزق مقدار الكفاية من علم أن صلاحه فيه ثم لما ذكر سبحانه سوء عاقبة الكفار عقب ذلك بذكر ما اقترحوه من الآيات و ترك تفكرهم فيما أنزل من الآيات الخارقة للعادات فقال «وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» و لما استعجلوا العذاب بين سبحانه أنه يضل من يشاء أي يهلك من يشاء معجلا و يؤخر عذاب من يشاء عن أبي مسلم قال و المراد بقوله «آيَةٌ» آيات العذاب و قيل إنهم لما اقترحوا الآيات بين أنهم إنما لم يجابوا إلى ذلك لأن في المعلوم أنهم لا يؤمنون و أنه يهلكهم.

449

(1) -

القراءة

قرأ علي و ابن عباس و علي بن الحسين (ع) و زيد بن علي و جعفر بن محمد و ابن أبي مليكة و عكرمة و الجحدري و أبو يزيد المزني أ فلم يتبين

و القراءة المشهورة «يَيْأَسِ» .

الحجة

قال ابن جني : هذه القراءة فيها تفسير قوله «أَ فَلَمْ يَيْأَسِ اَلَّذِينَ آمَنُوا» و روي عن علي بن عياش أنها لغة فخذ من النخع قال:

أ لم ييأس الأقوام أني أنا ابنه # و إن كنت عن أرض العشيرة نائيا

و قال سحيم بن وثيل :

أقول لأهل الشعب إذ يأسرونني # أ لم ييأسوا أني ابن فارس زهدم‏

و روي إذ ييسرونني أي يقسمونني أي أ لم يعلموا قال و يشبه عندي أن يكون هذا أيضا راجعا إلى معنى اليأس و ذلك أن المتأمل للشي‏ء المتطلب لعلمه ذاهب بفكره في جهات تعرفه إياه فإذا ثبت نفسه على شي‏ء اعتقده و أضرب عما سواه فلم ينصرف إليه كما ينصرف اليائس عن الشي‏ء عنه و لا يلتفت إليه هذا طريق الصنعة فيها.

اللغة

المتاب التوبة تاب يتوب توبا و متابا و التوبة الفعلة الواحدة و التسيير تصيير الشي‏ء بحيث يسير يقال سار يسير سيرا و سيرة غيره و التقطيع تكثير القطع و القطع تفصيل المتصل و الحلول حصول الشي‏ء في الشي‏ء كحصول العرض في الجوهر و حصول الجوهر في الوعاء و الأصل الأول و الثاني مشبه به و القارعة الشديدة من شدائد الدهر و منه سميت القيامة قارعة و أصله من القرع و هو الضرب و مقارعة الأبطال ضرب بعضهم بعضا و قوارع القرآن الآيات التي من قرأها أمن من الشيطان كأنها تضرب الشياطين إذا قرئت .

النزول‏

نزلت الآية الأولى في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول‏

450

(1) - الله ص لعلي (ع) اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو و المشركون ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب أكتب باسمك اللهم و هكذا كان أهل الجاهلية يكتبون ثم قال رسول الله ص اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقال مشركو قريش لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك و صددناك لقد ظلمناك و لكن اكتب هذا ما صالح محمد بن عبد الله فقال أصحاب رسول الله ص دعنا نقاتلهم قال لا و لكن اكتبوا كما يريدون فأنزل الله عز و جل «كَذََلِكَ أَرْسَلْنََاكَ فِي أُمَّةٍ» الآية

عن قتادة و مقاتل و ابن جريج و قيل نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي ص اسجدوا للرحمن قالوا و ما الرحمن عن الضحاك عن ابن عباس و نزلت الآية الأخرى في نفر من مشركي مكة منهم أبو جهل بن هشام و عبد الله بن أبي أمية المخزومي جلسوا خلف الكعبة ثم أرسلوا إلى النبي ص فأتاهم فقال له عبد الله بن أمية إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن فأذهبها عنا حتى تنفسخ فإنها أرض ضيقة و اجعل لنا فيها عيونا و أنهارا حتى نغرس و نزرع فلست كما زعمت أهون على ربك من داود (ع) حيث سخر له الجبال تسبح معه أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام فنقضي عليها مسيرتنا و حوائجنا ثم نرجع من يومنا فقد كان سليمان سخرت له الريح فكما زعمت لنا فلست أهون على ربك من سليمان و أحي لنا جدك قصيا أو من شئت من موتانا لنسأله أ حق ما تقول أم باطل فإن عيسى (ع) كان يحيي الموتى و لست بأهون على الله منه فأنزل الله سبحانه «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً» الآية.

ـ

المعنى‏

لما ذكر سبحانه النعمة على من تقدم ذكره بالثواب و حسن المآب عقبه بذكر النعمة على من أرسل إليه النبي ص فقال «كَذََلِكَ أَرْسَلْنََاكَ» أي كما أنعمنا على المذكورين بالثواب في الجنة أنعمنا على المرسل إليهم بإرسالك و قيل إن معنى التشبيه أنا كما أرسلنا الأنبياء في الأمم قبلك أرسلناك «فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهََا أُمَمٌ» أي في جماعة قد مضت من قبلها قرون و جماعات «لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ» بين الغرض في إرساله و هو أن يقرأ عليهم القرآن ليتدبروا آياته و يتعظوا بها «وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمََنِ» أي و قريش يكفرون بالرحمن أي و يقولون قد عرفنا الله و لا ندري ما الرحمن كما أخبر عنهم بأنهم قالوا و ما الرحمن أ نسجد لما تأمرنا عن الحسن و قتادة و قيل معناه أنهم يجحدون بالوحدانية «قُلْ» يا محمد «هُوَ رَبِّي» أي الرحمن الذي أنكرتموه ربي أي خالقي و مدبري «لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ» أي إليه فوضت أمري متمسكا بطاعته راضيا بحكمه «وَ إِلَيْهِ مَتََابِ» أي مرجعي و قيل معناه إلى الرحمن توبتي‏} «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ» أي تجعل به الجبال سائرة فأذهبت من مواضعها و قلعت من أماكنها «أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ‏

451

(1) - اَلْأَرْضُ» أي شققت فجعلت أنهارا و عيونا «أَوْ كُلِّمَ بِهِ اَلْمَوْتى‏ََ» أي أحيي به الموتى حتى يعيشوا و يتكلموا و حذف جواب لو لأن في الكلام دليلا عليه و التقدير لكان هذا القرآن لعظم محله و علو أمره و جلالة قدره‏ قال الزجاج و الذي أتوهم و قد قاله بعضهم أن المعنى لو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى لما آمنوا و دليله قوله‏ «وَ لَوْ أَنَّنََا نَزَّلْنََا إِلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةَ» إلى قوله‏ «مََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا» و حذف جواب لو يكثر في الكلام قال امرؤ القيس :

فلو أنها نفس تموت سوية # و لكنها نفس تساقط أنفسا

و هو آخر القصيدة و قال:

و جدك لو شي‏ء أتانا رسوله # سواك و لكن لم نجد لك مدفعا

«بَلْ لِلََّهِ اَلْأَمْرُ جَمِيعاً» معناه أن جميع ما ذكر من تسيير الجبال و تقطيع الأرض و إحياء الموتى و كل تدبير يجري هذا المجرى لله لأنه لا يملكه سواه و لا يقدر عليه غيره و لكنه لا يفعل لأن فيما أنزل من الآيات مقنعا و كفاية للمنصفين و الأمر ما يصح أن يؤمر به و ينهى عنه و هو عام و أصله الأمر نقيض النهي «أَ فَلَمْ يَيْأَسِ اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي أ فلم يعلموا و يتبينوا عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و قتادة و سعيد بن جبير و أبي مسلم و قيل معناه أ فلم يعلم الذين آمنوا علما ييأسوا معه من أن يكون غير ما علموه عن الفراء و قيل معناه أ فلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين‏ وصفهم الله عز و جل بأنهم لا يؤمنون عن الزجاج قال لأنه قال «أَنْ لَوْ يَشََاءُ اَللََّهُ لَهَدَى اَلنََّاسَ جَمِيعاً» أي أن الله لو أراد أن يهدي الخلق كلهم إلى جنته لهداهم لكنه كلفهم لينالوا الثواب بطاعاتهم على وجه الاستحقاق و قيل أراد به مشيئة الإلجاء أي لو أراد أن يلجئهم إلى الاهتداء لقدر على ذلك لكنه ينافي التكليف و يبطل الغرض به «وَ لاََ يَزََالُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمََا صَنَعُوا» من كفرهم و أعمالهم الخبيثة «قََارِعَةٌ» أي نازلة و داهية تقرعهم و مصيبة شديدة من الحرب و الجدب و القتل و الأسر عليهم على جهة العقوبة للتنبيه و الزجر و قيل أراد بالقارعة سرايا النبي ص كان يبعثها إليهم و قيل أراد بذلك ما مر ذكره من حديث أربد و عامر «أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دََارِهِمْ» و قيل إن التاء في تحل للتأنيث و المعنى أو تحل تلك القارعة قريبا من دارهم فتجاورهم حتى يحصل لهم المخافة منه عن الحسن

452

(1) - و قتادة و أبي مسلم و الجبائي و قيل إن التاء للخطاب و المعنى أ و تحل أنت يا محمد بنفسك قريبا من دارهم «حَتََّى يَأْتِيَ وَعْدُ اَللََّهِ» أي ما وعد الله من فتح مكة عن ابن عباس قال و هذه الآية مدنية و قيل حتى يأتي يوم القيامة عن الحسن «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُخْلِفُ اَلْمِيعََادَ» ظاهر المعنى.

النظم‏

اتصلت الآية الأخيرة بقوله‏ «وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» و التقدير أن مثل هذا القرآن أنزل عليهم و هم يطلبون آيات أخر عن الجبائي و قيل اتصلت بقوله «كَذََلِكَ أَرْسَلْنََاكَ» الآية لأن المفهوم من قوله «لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ» أنه قرأ عليهم القرآن و أنهم كفروا به.

القراءة

قرأ أهل الكوفة و يعقوب «وَ صُدُّوا» بضم الصاد و كذلك في حم المؤمن و الباقون و صدوا بفتح الصاد.

الحجة

قال أبو الحسن : صد و صددته مثل رجع و رجعته قال:

صدت كما صد عما لا يحل له # ساقي نصارى قبيل الفصح صوام‏

453

(1) - قال عمرو بن كلثوم :

صددت الكأس عنا أم عمرو # و كان الكأس مجراها اليمينا

و حجة من أسند الفعل إلى الفاعل قوله‏ «اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ» * و في موضع آخر يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ و صَدُّوكُمْ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ * فلما أسند الفعل إلى الفاعل في هذه الآية فكذلك في هذه الآية أي صدوا الناس عن النبي ص و من بنى الفعل للمفعول به جعل فاعل الصد غواتهم و العتاة منهم في كفرهم و قد يكون على نحو ما يقال صد فلأن عن الخير و صد عنه بمعنى أنه لم يفعل خيرا و لا يراد به أن مانعا منعه.

اللغة

الاستهزاء طلب الهزء و الهزء إظهار خلاف الإضمار للاستصغار و الإملاء التأخير و هو من الملاوة و الملوان الليل و النهار قال ابن مقبل :

ألا يا ديار الحي بالسبعان # ألح عليها بالبلى الملوان‏

و قال في التهنئة البس جديدا و تمل حبيبا أي لتطل أيامك معه و الواقي المانع فاعل من الوقاية و هو الحجر بما يدفع الأذى و المكروه .

المعنى‏

ثم عزى سبحانه نبيه ص فقال «وَ لَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ» كما استهزأ هؤلاء بك «فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا» أي فأمهلتهم و أطلت مدتهم ليتوبوا و لتتم عليهم الحجة «ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ» أي أهلكتهم و أنزلت عليهم عذابي «فَكَيْفَ كََانَ عِقََابِ» أي فكيف حل عقابي بهم و هو إشارة إلى تفخيم ذلك العقاب و تعظيمه ثم عاد سبحانه إلى الحجاج مع الكفار} «أَ فَمَنْ هُوَ قََائِمٌ عَلى‏ََ كُلِّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ» معناه أ فمن هو قائم بالتدبير على كل نفس و حافظ كل نفس أعمالها يجازيها و قيل أ فمن هو قائم عليها برزقها و حفظها و الدفع عنها كمن ليس بهذه الصفات من الأصنام التي لا تنفع و لا تضر و يدل على هذا المحذوف قوله «وَ جَعَلُوا لِلََّهِ شُرَكََاءَ» يعني أن هؤلاء الكفار جعلوا لله شركاء في العبادة من الأصنام التي لا تقدر على شي‏ء مما ذكرنا «قُلْ» يا محمد «سَمُّوهُمْ» أي سموهم بما يستحقون من الصفات و إضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله كما يوصف الله بالخالق و الرازق و المحيي و المميت و يعود المعنى إلى أن الصنم لو كان إلها لتصور منه أن يخلق الرزق فيحسن حينئذ أن يسمى بالخالق و الرازق و قيل سموهم بالأسماء

454

(1) - التي هي صفاتهم ثم انظروا هل‏ تدل صفاتهم على جواز عبادتهم و اتخاذهم آلهة و قيل معناه أنه ليس لهم اسم له مدخل في استحقاق الإلهية و ذلك استحقار لهم و قيل سموهم ما ذا خلقوا و هل ضروا أو نفعوا و هو مثل قوله‏ «أَرُونِي مََا ذََا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ» عن الحسن «أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمََا لاََ يَعْلَمُ فِي اَلْأَرْضِ» هذا استفهام منقطع مما قبله أي بل أ تخبرون الله بشريك له في الأرض و هو لا يعلمه على معنى أنه ليس و لو كان لعلم «أَمْ بِظََاهِرٍ مِنَ اَلْقَوْلِ» أي أم تقولون مجازا من القول و باطلا لا حقيقة له عن مجاهد و قتادة و الضحاك و على هذا فالمعنى أنه كلام ظاهر ليس له في الحقيقة باطن و معنى فهو كلام فقط و قيل أم بظاهر كتاب أنزل الله تعالى سميتم الأصنام آلهة فبين أنه ليس هاهنا دليل عقلي و لا سمعي يوجب استحقاق الأصنام الإلهية عن الجبائي ثم بين سبحانه بطلان قولهم فقال «بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ» أي دع ذكر ما كنا فيه زين الشيطان لهم الكفر لأن مكرهم بالرسول كفر منهم عن ابن عباس و قيل بل زين لهم الرؤساء و الغواة كذبهم و زورهم «وَ صُدُّوا عَنِ اَلسَّبِيلِ» أي و صدوا الناس عن الحق أو صدوا بأنفسهم عن الحق و عن دين الله «وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ هََادٍ» سبق معناه في مواضع‏} «لَهُمْ عَذََابٌ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا» بالقتل و السبي و الأسر و قيل بالمصائب و الأمراض «وَ لَعَذََابُ اَلْآخِرَةِ أَشَقُّ» أي أغلظ و أبلغ في الشدة على النفس لدوامه و خلوصه و كثرته «وَ مََا لَهُمْ مِنَ اَللََّهِ مِنْ وََاقٍ» أي ما لهم من دافع يدفع عنهم عذاب الله تعالى.

455

(1) -

اللغة

الأنهار جمع نهر و نهر كفرد و أفراد و جمل و أجمال و النهر المجرى الواسع من مجاري الماء على وجه الأرض و أصله الاتساع و منه النهار لاتساع الضياء فيه و أنهرت الدماء وسعت مجراها و قال:

"ملكت بها كفي فأنهرت فتقها"

أي وسعته و الأكل بضم الهمزة المأكول و الأحزاب جمع الحزب و هم الجماعة التي تقوم بالنائبة يقال تحزب القوم إذا صاروا حزبا و حزبهم الأمر يحزبهم أي نالهم بمكروه .

الإعراب‏

«مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي» فيه أقوال (أحدها) أنه بمعنى الشبه و خبره محذوف و تقديره مثل الجنة التي هي كذا أجل مثل (و الثاني) أن تقديره فيما نقص عليكم مثل الجنة أو مثل الجنة فيما نقص عليكم فهو مرفوع أيضا على الابتداء و خبره محذوف و هو قول سيبويه و اختاره أبو علي الفارسي (و الثالث) إن معناه صفة الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار فتجري من تحتها الأنهار مع ما بعده خبر المبتدأ الذي هو مثل الجنة قالوا و قوله سبحانه‏ «وَ لِلََّهِ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلى‏ََ» معناه الصفة العليا و لم يرتض أبو علي هذا القول.

المعنى‏

لما تقدم ذكر ما أعد الله للكافرين عقبه سبحانه بذكر ما أعده للمؤمنين فقال «مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ» أي شبهها عن مقاتل و قيل صفتها و صورتها عن الحسن قال ابن قتيبة المثل الشبه في أصل اللغة ثم قد يصير بمعنى صورة الشي‏ء و صفته يقال مثلت لك كذا أي صورته و وصفته و قيل إن مثل مقحم و التقدير الجنة التي وعد المتقون «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ أُكُلُهََا دََائِمٌ» يعني أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا و ظلها لا يزول و لا تنسخه الشمس عن الحسن و قيل معناه نعيمها لا ينقطع بموت و لا آفة عن ابن عباس و قيل لذتها في الأفواه باقية عن إبراهيم التيمي «وَ ظِلُّهََا» أيضا دائم لا يكون مرة شمسا و مرة ظلا كما يكون في الدنيا «تِلْكَ عُقْبَى اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا» أي تلك الجنة عاقبة المتقين فالطريق إليها التقوى «وَ عُقْبَى اَلْكََافِرِينَ اَلنََّارُ» أي و عاقبة أمر الكفار النار و لما تقدم ذكر الوعد و الوعيد أخبر سبحانه عن المتقين و الكافرين فقال‏} «وَ اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يَفْرَحُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ» يريد أصحاب النبي ص الذين آمنوا به و صدقوه أعطوا القرآن و فرحوا بإنزاله «وَ مِنَ اَلْأَحْزََابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ» يعني اليهود و النصارى و المجوس أنكروا بعض معانيه و ما يخالف أحكامهم عن الحسن و قتادة و مجاهد و قيل الذين آتيناهم الكتاب هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام و أصحابه فرحوا بالقرآن لأنهم يصدقون به و الأحزاب بقية أهل الكتاب و سائر المشركين عن ابن عباس قال لأن عبد الله بن سلام

456

(1) - و أصحابه أساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة فأنزل الله‏ «قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ» ففرحوا بذلك و كفر المشركون بالرحمن و قالوا ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة و يريد بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ص بالمعاداة و من ينكر بعضه يعني ذكر الرحمن و هو قوله‏ «وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمََنِ» «قُلْ» يا محمد «إِنَّمََا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اَللََّهَ وَ لاََ أُشْرِكَ بِهِ» أي أمرت أن أوجه عبادتي إلى الله و لا أشرك به في عبادته أحدا «إِلَيْهِ أَدْعُوا» يعني إلى الله أو إلى الإقرار بتوحيده و صفاته و توجيه العبادة إليه وحده أدعو «وَ إِلَيْهِ مَآبِ» أي إليه مرجعي و مصيري أي أرجع و أصير إلى حيث لا يملك الضر و النفع إلا هو وحده فإنه لا يملك يوم القيامة الأمر أحدا من عباده كما ملكهم في الدنيا} «وَ كَذََلِكَ أَنْزَلْنََاهُ حُكْماً عَرَبِيًّا» أي كما أنزلنا الكتب إلى من تقدم من الأنبياء بلسانهم أنزلنا إليك حكمه عربية أي جارية على مذاهب العرب في كلامهم يعني القرآن فالحكم هاهنا بمعنى الحكمة كما في قوله‏ «وَ آتَيْنََاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا» و قيل إنما سماه حكما لما فيه من الأحكام في بيان الحلال و الحرام و سماه عربيا لأنه أتى به نبي عربي «وَ لَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوََاءَهُمْ» خطاب للنبي ص و المراد به الأمة أي لئن واقفت و طلبت أهواء الذين كفروا و الأهواء جمع الهوى و هو ميل الطباع إلى شي‏ء بالشهوة «بَعْدَ مََا جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ» بالله تعالى لأن ما آتيناك من الدلالات و المعجزات موجب للعلم الذي يزول معه الشبهات «مََا لَكَ مِنَ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ» أي ناصر يعينك عليه و يمنعك من عذابه «وَ لاََ وََاقٍ» يقيك منه «"مِنْ وَلِيٍّ"» في موضع رفع و من مزيدة.

القراءة

قرأ أهل البصرة و ابن كثير و عاصم «يُثْبِتُ» بالتخفيف و قرأ الباقون يثبت بالتشديد.

457

(1) -

الحجة

قال أبو علي : المعنى يمحو ما يشاء و يثبته فاستغني بتعدية الأول من الفعلين عن تعدية الثاني و مثل ذلك‏ وَ اَلْحََافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ اَلْحََافِظََاتِ وَ اَلذََّاكِرِينَ اَللََّهَ كَثِيراً وَ اَلذََّاكِرََاتِ و زعم سيبويه إن من العرب من يعمل الأول من الفعلين و لا يعمل الثاني في شي‏ء من كلامهم كقولهم متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا قال الكميت :

بأي كتاب أم بأية سنة # ترى حبهم عارا علي و تحسب‏

فلم يعمل الثاني و هذا و الله أعلم فيما يحتمل النسخ و التبديل من الشرائع الموقوفة على المصالح على حسب الأوقات فأما غير ذلك فلا يمحى و لا يبدل و حجة من قال يثبت قوله‏ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً و حجة من قرأ «يُثْبِتُ» ما

روي عن عائشة كان رسول الله ص إذا صلى صلاة أثبتها

و قوله‏ «ثََابِتٌ» لأن ثبت مطاوع أثبت.

النزول‏

قال ابن عباس : عيروا رسول الله ص بكثرة تزويج النساء و قالوا لو كان نبيا لشغلته النبوة عن تزويج النساء فنزلت الآية «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ» .

المعنى‏

«وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ» يا محمد «وَ جَعَلْنََا لَهُمْ أَزْوََاجاً وَ ذُرِّيَّةً» أي نساء و أولادا أكثر من نسائك و أولادك و كان لسليمان (ع) ثلاث مائة امرأة مهيرة و سبعمائة سرية و لداود (ع) مائة امرأة عن ابن عباس أي فلا ينبغي أن يستنكر منك أن تتزوج و يولد لك و

روي أن أبا عبد الله (ع) قرأ هذه الآية ثم أومأ إلى صدره فقال نحن و الله ذرية رسول الله ص

«وَ مََا كََانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ» أي لم يكن لرسول يرسله الله أن يجي‏ء بآية و دلالة إلا بعد أن يأذن في ذلك و يطلق له فيه «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتََابٌ» ذكر فيه وجوه (أحدها) أن معناه لكل أجل مقدر كتاب أثبت فيه‏ و لا تكون آية إلا بأجل قد قضاه الله في كتاب على وجه ما يوجبه التدبير فالآية التي اقترحوها لها وقت أجله الله لا على شهواتهم و اقتراحاتهم عن البلخي (و الثاني) لكل أمر قضاه الله كتاب كتبه فيه فهو عنده كأجل الحياة و الموت و غير ذلك عن أبي علي الجبائي (و الثالث) أنه من المقلوب و المعنى لكل كتاب ينزل من السماء أجل ينزل فيه عن ابن عباس و الضحاك و معناه لكل كتاب وقت يعمل به فللتوراة وقت و للإنجيل وقت و كذلك القرآن } «يَمْحُوا اَللََّهُ مََا يَشََاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتََابِ» قيل في المحو و الإثبات أقوال (أحدها) إن ذلك في الأحكام من الناسخ‏

458

(1) - و المنسوخ عن ابن عباس و قتادة و ابن زيد و ابن جريج و هو اختيار أبي علي الفارسي (و الثاني) أنه يمحو من كتاب الحفظة المباحات و ما لا جزاء فيه و يثبت ما فيه الجزاء من الطاعات و المعاصي عن الحسن و الكلبي و الضحاك عن ابن عباس و الجبائي (و الثالث) أنه يمحو ما يشاء من ذنوب المؤمنين فضلا فيسقط عقابها و يثبت ذنوب من يريد عقابه عدلا عن سعيد بن جبير (الرابع) أنه عام في كل شي‏ء فيمحو من الرزق و يزيد فيه و من الأجل و يمحو السعادة و الشقاوة و يثبتهما عن عمر بن الخطاب و ابن مسعود و أبي وائل و قتادة و أم الكتاب أصل الكتاب الذي أثبت فيه الحادثات و الكائنات و

روى أبو قلابة عن ابن مسعود أنه كان يقول اللهم أن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء و أثبتني في السعداء فإنك تمحو ما تشاء و تثبت و عندك أم الكتاب و روي مثل ذلك‏ عن أئمتنا (ع) في دعواتهم المأثورة

و

روى عكرمة عن ابن عباس قال هما كتابان كتاب سوى أم الكتاب يمحو الله منه ما يشاء و يثبت و أم الكتاب لا يغير منه شي‏ء و رواه عمران بن حصين عن النبي ص

و

روي محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال سألته عن ليلة القدر فقال ينزل الله فيها الملائكة و الكتبة إلى السماء الدنيا فيكتبون ما يكون من أمر السنة و ما يصيب العباد و أمر ما عنده موقوف له فيه المشيئة فيقدم منه ما يشاء و يؤخر ما يشاء و يمحو و يثبت و عنده أم الكتاب‏

و

روى الفضيل قال سمعت أبا جعفر (ع) يقول العلم علمان علم علمه ملائكته و رسله و أنبياءه و علم عنده مخزون لم يطلع عليه أحد يحدث فيه ما يشاء

و

روى زرارة عن حمران عن أبي عبد الله (ع) قال هما أمران موقوف و محتوم فما كان من محتوم أمضاه و ما كان من موقوف فله فيه المشيئة يقضي فيه ما يشاء

(و الخامس) أنه في مثل تقتير الأرزاق و المحن و المصائب يثبته في أم الكتاب ثم يزيله بالدعاء و الصدقة و فيه حث على الانقطاع إليه سبحانه (و السادس) إنه يمحو بالتوبة جميع الذنوب و يثبت بدل الذنوب حسنات يبينه قوله‏ «إِلاََّ مَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صََالِحاً فَأُوْلََئِكَ يُبَدِّلُ اَللََّهُ سَيِّئََاتِهِمْ حَسَنََاتٍ» عن عكرمة (و السابع)

أنه يمحو ما يشاء من القرون و يثبت ما يشاء منها كقوله‏ «ثُمَّ أَنْشَأْنََا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ» و قوله‏ «كَمْ أَهْلَكْنََا قَبْلَهُمْ مِنَ اَلْقُرُونِ» و روي ذلك عن علي (ع)

(و الثامن) إنه يمحو ما يشاء يعني القمر و يثبت يعني الشمس و بيانه‏ فَمَحَوْنََا آيَةَ اَللَّيْلِ وَ جَعَلْنََا آيَةَ اَلنَّهََارِ مُبْصِرَةً عن السدي و أم الكتاب هو اللوح المحفوظ الذي لا يغير و لا يبدل لأن الكتب المنزلة انتسخت منه فالمحو و الإثبات إنما يقع في الكتب المنتسخة لا في أصل الكتاب عن أكثر المفسرين و قيل إن ابن عباس سأل كعبا عن أم الكتاب فقال علم الله ما هو خالق و ما خلقه عاملون فقال لعلمه كن كتابا فكان كتابا و قيل إنما سمي أم الكتاب لأنه الأصل الذي كتب فيه أو سيكون كذا و كذا لكل ما

459

(1) - يكون فإذا وقع كتب أنه قد كان ما قيل إنه سيكون و الوجه في ذلك ما فيه من المصلحة و الاعتبار لمن تفكر فيه من الملائكة الذين يشاهدونه إذا قابلوا ما يكون بما هو مكتوب فيه و علموا أن ما يحدث على كثرته قد أحصاه الله تعالى و علمه قبل أن يكون مع أن ذلك أهول في الصدور و أعظم في النفوس حتى كان من تصوره و فكر فيه شاهدا له‏} «وَ إِنْ مََا نُرِيَنَّكَ» يا محمد «بَعْضَ اَلَّذِي نَعِدُهُمْ» أي نعد هؤلاء الكفار من نصر المؤمنين عليهم بتمكينك منهم بالقتل و الأسر و اغتنام الأموال «أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ» أي و نقبضنك إلينا قبل أن نريك ذلك و بين بهذا أنه يكون بعض ذلك في حياته و بعضه‏ بعد وفاته أي فلا تنتظر أن يكون جميع ذلك في أيام حياتك و أن يكون مما لا بد أن تراه «فَإِنَّمََا عَلَيْكَ اَلْبَلاََغُ وَ عَلَيْنَا اَلْحِسََابُ» أي عليك أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم و تقول بما أمرناك بالقيام به و علينا حسابهم و مجازاتهم و الانتقام منهم إما عاجلا و إما آجلا و في هذه دلالة على أن الإسلام سيظهر على سائر الأديان و يبطل الشرك في أيامه و بعد وفاته و قد وقع المخبر به على وفق الخبر.

ـ

النظم‏

اتصلت الآية الأولى بما تقدمها من قولهم‏ «لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» فبين سبحانه أنه بشر كما أن الرسل الذين كانوا قبله كانوا بشرا و البشر لا يقدر على الآيات بل إنما يأتي سبحانه بها إذا اقتضت المصلحة ذلك عن أبي مسلم و قيل إنه لما تقدم ذكر إرساله بين سبحانه أنه أرسل قبله بشرا كما أرسله فحاله مثل حالهم عن القاضي و إنما اتصلت الآية الثانية بقوله «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتََابٌ» لأن الظاهر اقتضى أن يكون كل مكتوب لا يجوز محوه فبين سبحانه أنه يمحو ما يشاء و يثبت لئلا يتوهم أن المعصية مثبتة مع التوبة كما أنها كذلك قبل التوبة عن علي بن عيسى و قيل لما نزلت «وَ مََا كََانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ» قالت قريش ما نراك يا محمد تملك شيئا فلقد فرغ من الأمر فأنزل هذه الآية تخويفا و وعيدا لهم إنا لو شئنا أحدثنا من أمرنا ما شئنا و نمحو و نثبت في ليلة القدر ما نشاء من أرزاق الناس و مصائبهم عن مجاهد و إنما اتصل قوله «وَ إِنْ مََا نُرِيَنَّكَ» الآية بما قبله من وعيد الله بالعذاب فبين سبحانه أنه يفعل ذلك لا محالة إما في حياته أو بعد وفاته بشارة له و قيل إنه لما تقدم أن لكل أجل كتابا بين أن لعذابهم وقتا سيفعله فيه لا محالة إما في حياته أو بعد وفاته.

460

(1) -

القراءة

قرأ أهل الحجاز و أبو عمرو و سيعلم الكافر على لفظ الواحد و الباقون «اَلْكُفََّارُ» على الجمع و في الشواذ

قراءة النبي ص و علي و ابن عباس و سعيد بن جبير و عكرمة و ابن أبي إسحاق و الضحاك و الحكم بن عيينة و من عنده علم الكتاب

بكسر الميم و الدال و قراءة علي و الحسن و ابن السميفع و من عنده علم الكتاب .

الحجة

قال أبو علي العلم في قوله «وَ سَيَعْلَمُ اَلْكُفََّارُ» هو المتعدي إلى مفعولين بدلالة تعليقه و وقوع الاستفهام بعده تقول علمت لمن الغلام فتعلقه مع الجار كما تعلقه مع غيره في نحو فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عََاقِبَةُ اَلدََّارِ و موضع الجار مع المجرور نصب من حيث سد الكلام الذي هو فيه مسد المفعولين لا من حيث حكمت في نحو مررت بزيد بأن موضعه نصب و لكن اللام الجارة كانت متعلقة في الأصل بفعل فكان مثل علمت بمن تمر في أن الجار يتعلق بالمرور و الجملة التي هي منها في موضع نصب و قد علق الفعل عنها فأما من قرأ الكافر فإنه جعل الكافر اسما شائعا كالإنسان في قوله‏ «إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ» و زعموا أن لا ألف فيه و هذا الحذف إنما يقع في كل فاعل نحو خالد و صالح و لا يكاد الحذف في فعال و زعموا أن في بعض الحروف و سيعلم الذين كفروا فهذا يقوي الجمع و قد جاء فاعل يراد به اسم الجنس أنشد أبو زيد :

إن تبخلي يا جمل أو تعتلي # و تصبحي في الظاعن المولى‏

فهذا إنما يكون في الكسرة و ليس المراد على كل كافر واحد و الجمع الذي هو الكفار المراد في الآية لا إشكال فيه فأما من قرأ و من عنده علم الكتاب فمعناه و من فضله و لطفه أم الكتاب و من قرأ من عنده علم الكتاب فالمعنى مثل ذلك إلا أن الجار هاهنا يتعلق بعلم و في الأول بمحذوف و علم الكتاب مبتدأ و مرفوع بالظرف على ما تقدم ذكره في قوله‏ «وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ» .

اللغة

النقص أخذ الشي‏ء من الجملة ثم يستعمل في نقصان المنزلة و الطرف منتهى‏

461

(1) - الشي‏ء و هو موضع من الشي‏ء ليس وراءه ما هو منه و أطراف الأرض نواحيها و التعقيب رد الشي‏ء بعد فصله و منه عقب العقاب على صيده إذا رد الكرور عليه بعد فصله عنه و منه قول لبيد :

"طلب المعقب حقه المظلوم"

و المكر الفتل عن البغية بطريق الحيلة و الشهيد و الشاهد واحد إلا أن في شهيد مبالغة و الشهادة البينة على صحة المعنى من طريق المشاهدة .

الإعراب‏

«نَنْقُصُهََا مِنْ أَطْرََافِهََا» جملة منصوبة الموضع على الحال و كذلك قوله «لاََ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ» و الباء في قوله «كَفى‏ََ بِاللََّهِ» زائدة قال علي بن عيسى دخلت لتحقيق الإضافة من وجهين جهة الفاعل و جهة حرف الإضافة و ذلك أن الفعل لما جاز أن يضاف إلى غير فاعله بمعنى أنه أمر به أزيل هذا الاحتمال بهذا التأكيد و نظيره في تأكيد الإضافة قوله «لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» .

المعنى‏

ثم ذكر سبحانه ما يكون للكفار كالبينة على الاعتبار فقال «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا نَأْتِي اَلْأَرْضَ نَنْقُصُهََا» أي نقصدها «مِنْ أَطْرََافِهََا» و اختلف في معناه على أقوال (أحدها) أ و لم ير هؤلاء الكفار أنا ننقص أطراف الأرض بإماتة أهلها و مجازه ننقص أهلها من أطرافها كقوله‏ «وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ» أي أ فلا يخافون أن نفعل مثل ذلك بهم عن ابن عباس و قتادة و عكرمة (و ثانيها)

ننقصها بذهاب علمائها و فقهائها و خيار أهلها عن عطا و مجاهد و البلخي و روي نحو ذلك عن ابن عباس و سعيد بن جبير و عن أبي عبد الله (ع)

قال عبد الله بن مسعود موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شي‏ء ما اختلف الليل و النهار (و ثالثها) أن المراد نقصد الأرض ننقصها من أطرافها بالفتوح على المسلمين معناه فننقص من أهل الكفر و نزيد في المسلمين يعني ما دخل في الإسلام من بلاد الشرك عن الحسن و الضحاك و مقاتل قال الضحاك أ و لم ير أهل مكة أنا نفتح لمحمد ص ما حولها من القرى و قال الزجاج : علم الله تعالى أن بيان ما وعد المشركون من قهرهم قد ظهر أي أ فلا يخافون أن نفتح لمحمد أرضهم كما فتحنا له غيرها و قد روي ذلك أيضا عن ابن عباس قال القاضي و هذا القول أصح لأنه يتصل بما وعده من إظهار دينه و نصرته (و رابعها) أن معناه أ و لم يروا ما يحدث في الدنيا من الخراب بعد العمارة و الموت بعد الحياة و النقصان بعد الزيادة عن الجبائي «وَ اَللََّهُ يَحْكُمُ» أي يفصل الأمر «لاََ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ» و لا راد لقضائه عن ابن عباس و معناه‏ لا يعقب أحد حكمه بالرد و النقض «وَ هُوَ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ» أي سريع‏

462

(1) - المجازاة على أفعال العباد على الطاعات بالثواب و على المعاصي بالعقاب ثم بين سبحانه أن مكرهم يضمحل عند نزول العذاب بهم فقال‏} «وَ قَدْ مَكَرَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» يريد أن الكفار الذين كانوا قبل هؤلاء قد مكروا بالمؤمنين و احتالوا في كفرهم و دبروا في تكذيب الرسل بما في وسعهم فأبطل الله مكرهم كذلك يبطل مكر هؤلاء «فَلِلََّهِ اَلْمَكْرُ جَمِيعاً» أي له الأمر و التدبير جميعا فيرد عليهم مكرهم بنصب الحجج لعباده و قيل معناه فالله يملك الجزاء على المكر عن أبي مسلم و قيل يريد بالمكر ما يفعل الله تعالى بهم من المكروه عن الجبائي «يَعْلَمُ مََا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ» فلا يخفى عليه ما يكسبه الإنسان من خير و شر لأنه عالم بجميع المعلومات و قيل يعلم ما يمكرونه في أمر الرسول فيبطل أمرهم و يظهر أمره و دينه «وَ سَيَعْلَمُ اَلْكُفََّارُ لِمَنْ عُقْبَى اَلدََّارِ» هذا تهديد لهم بأنهم سوف يعلمون من تكون له عاقبة الجنة حين يدخل المؤمنون الجنة و الكافرون النار و قيل معناه و سيعلمون لمن العاقبة المحمودة لكم أم لهم إذا أظهر الله دينه‏} «وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» لك يا محمد «لَسْتَ مُرْسَلاً» من جهة الله تعالى إلينا «قُلْ» لهم «كَفى‏ََ بِاللََّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ» أي كفى الله شاهدا بيني و بينكم بما أظهر من الآيات و أبان من الدلالات على نبوتي‏ «وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتََابِ» قيل فيه أقوال (أحدها) أن من عنده علم الكتاب هو الله عن الحسن و الضحاك و سعيد بن جبير و اختاره الزجاج قال و يدل عليه قراءة من قرأ و من عنده علم الكتاب (و الثاني) إن المراد به مؤمنوا أهل الكتاب منهم عبد الله بن سلام و سلمان الفارسي و تميم الداري عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و اختاره الجبائي و أنكر الأولون هذا القول بأن قالوا السورة مكية و هؤلاء أسلموا بعد الهجرة (و الثالث)

إن المراد به علي بن أبي طالب و أئمة الهدى (ع) عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع)

و

روي عن بريد بن معاوية عن أبي عبد الله أنه قال إيانا عنى و علي أولنا و أفضلنا و خيرنا بعد النبي ص

و

روى عنه عبد الله بن كثير أنه وضع يده على صدره ثم قال عندنا و الله علم الكتاب كملا

و يؤيد ذلك ما روي عن الشعبي أنه قال ما أحد أعلم بكتاب الله بعد النبي من علي بن أبي طالب (ع) و من الصالحين من أولاده و روي عن عاصم بن أبي النجود عن أبي عبد الرحمن السلمي قال ما رأيت أحدا أقرأ من علي بن أبي طالب (ع) للقرآن و روى أبو عبد الرحمن أيضا عن عبد الله بن مسعود قال لو كنت أعلم أن أحدا أعلم بكتاب الله مني لأتيته قال فقلت له فعلي و قال أ و لم آته.

463

(1) -

(14) سورة إبراهيم مكية و آياتها ثنتان و خمسون (52)

توضيح‏

قال ابن عباس و قتادة و الحسن هي مكية إلا آيتان نزلتا في قتلي بدر من المشركين «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ كُفْراً» إلى قوله «وَ بِئْسَ اَلْقَرََارُ» .

عدد آيها

خمس و خمسون آية شامي أربع حجازي آيتان كوفي آية بصري.

اختلافها

سبع آيات «إِلَى اَلنُّورِ» في الموضعين حجازي و شامي «وَ عََادٍ وَ ثَمُودَ » حجازي بصري و «بِخَلْقٍ جَدِيدٍ» كوفي شامي و المدني الأول و «فَرْعُهََا فِي اَلسَّمََاءِ» غير المدني الأول و «اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ» غير البصري «عَمََّا يَعْمَلُ اَلظََّالِمُونَ» شامي.

فضلها

أبي بن كعب قال قال رسول الله ص من قرأ سورة إبراهيم (ع) و الحجر أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام و بعدد من لم يعبدها

و

روى عيينة بن مصعب عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ سورة إبراهيم و الحجر في ركعتين جميعا في كل جمعة لم يصبه فقر و لا جنون و لا بلوى.

تفسيرها

لما ختم الله سورة الرعد بإثبات الرسالة و إنزال الكتاب افتتح هذه السورة ببيان الغرض في الرسالة و الكتاب فقال:

464

(1) -

القراءة

الله الذي بالرفع مدني شامي و الباقون بالجر.

الحجة

قال أبو علي من قرأ بالجر جعله بدلا من الحميد و لم يكن صفة لأن الاسم و إن كان مصدرا في الأصل و المصادر يوصف بها كما يوصف بأسماء الفاعلين فكذلك كان هذا الاسم في الأصل الإله و معناه ذو العبادة أي العبادة تجب له قال أبو زيد التأله التنسك و أنشد لرؤبة :

"سبحان و استرجعن عن تألهي"

فهذا في أنه في الأصل مصدر قد وصف به مثل السلام و العدل إلا أن هذا الاسم غلب حتى صار في الغلبة لكثرة استعمال هذا الاسم كالعلم و قد يغلب ما أصله الصفة فيصير بمنزلة العلم قال:

و نابغة الجعدي بالرمل بيته # عليه صفيح من تراب و جندل‏

و الأصل النابغة و لما غلب نزع منه الألف و اللام كما ينزع من الأعلام نحو زيد و جعفر و ربما استعمل في هذا النحو الوجهان قال:

تقعدهم أعراق حذيم بعد ما # رجا الهتم إدراك العلى و المكارم‏

و قال:

"وجلت عن وجوه الأهاتم"

و من قرأ بالرفع قطعه من الأول و جعل الذي الخبر أو جعله صفة و أضمر الخبر و مثل ذلك في القطع‏ قُلْ بَلى‏ََ وَ رَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عََالِمِ اَلْغَيْبِ و من قطع و رفع جعل قوله‏ لاََ يَعْزُبُ عَنْهُ خبرا لقوله‏ عََالِمِ اَلْغَيْبِ و من جر أجرى عالم‏

465

(1) - الغيب صفة على الأول و على هذا يجوز مَنْ بَعَثَنََا مِنْ مَرْقَدِنََا هََذََا مََا وَعَدَ اَلرَّحْمََنُ أي إن شئت جعلت هذا صفة لقوله‏ مِنْ مَرْقَدِنََا و أضمرت خبرا لقوله‏ مََا وَعَدَ اَلرَّحْمََنُ و إن شئت جعلت قوله هََذََا ابتداء و مََا وَعَدَ اَلرَّحْمََنُ خبرا.

اللغة

العزيز القادر على الأشياء الممتنع بقدرته من أن يضام و الحميد المحمود على كل حال و الاستحباب طلب محبة الشي‏ء بالتعرض لها و المحبة إرادة منافع المحبوب و قد يستعمل بمعنى ميل الطباع و الشهوة و البغية و الابتغاء الطلب .

المعنى‏

«الر» قد ذكرنا معاني الحروف المقطعة في أوائل السور و ذكرنا اختلاف الأقاويل فيه في أول البقرة «كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ» يعني القرآن نزل به جبرئيل (ع) من عند الله تعالى أي هذا كتاب منزل إليك يا محمد ص ليس بسحر و لا بشعر «لِتُخْرِجَ اَلنََّاسَ» أي جميع الخلق «مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ» أي من الضلالة إلى الهدى و من الكفر إلى الإيمان «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» أي بإطلاق الله ذلك و أمره به و في هذا دلالة على أنه سبحانه يريد الإيمان من جميع المكلفين لأن اللام لام الغرض و لا يجوز أن يكون لام العاقبة لأنه لو كان ذلك لكان الناس كلهم مؤمنين و المعلوم خلافه ثم بين سبحانه ما النور فقال «إِلى‏ََ صِرََاطِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ» أي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى طريق الله المؤدي إلى معرفة الله المنيع في سلطانه المحمود في فعاله و نعمة التي أنعم بها على عباده‏} «اَللََّهِ اَلَّذِي لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ» أي له التصرف فيهما على وجه لا اعتراض عليه «وَ وَيْلٌ لِلْكََافِرِينَ مِنْ عَذََابٍ شَدِيدٍ» أخبر أن الويل للكافرين الذين يجحدون نعم الله و لا يعترفون بوحدانيته من عذاب تتضاعف الأمة ثم وصف الكافرين بقوله‏} «اَلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا عَلَى اَلْآخِرَةِ» أي يختارون المقام في هذه الدنيا العاجلة على الكون في الآخرة و إنما دخلت على لهذا المعنى و ذمهم سبحانه بذلك لأن الدنيا دار انتقال و فناء و الآخرة دار مقام و بقاء «وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ» أي يمنعون غيرهم من اتباع الطريق المؤدي إلى معرفة الله و يجوز أن يريد أنهم يعرضون بنفوسهم عن اتباعها «وَ يَبْغُونَهََا عِوَجاً» أي يطلبون للطريق عوجا أي عدولا عن الاستقامة و السبيل يذكر و يؤنث و قيل معناه يلتمسون الدنيا من غير وجهها لأن نعمة الله لا تستمد إلا بطاعته دون معصيته «أُولََئِكَ فِي ضَلاََلٍ بَعِيدٍ» أي في عدول عن الحق بعيد عن الاستقامة و الصواب.

466

(1) -

اللغة

التذكير التعريض للذكر الذي هو خلاف السهو و الصبار كثير الصبر.

الإعراب‏

أن أخرج يحتمل أن تكون أن بمعنى أي على وجه التفسير و يصلح أن تكون أن التي توصل بالأفعال إلا أنها وصلت هاهنا بالأمر و التأويل الخبر كما تقول أنت الذي فعلت و المعنى أنت الذي فعل «يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ» جملة في موضع الحال.

المعنى‏

ثم بين سبحانه أنه إنما يرسل الرسل إلى قومهم بلغتهم ليكون أقرب إلى الفهم و أقطع للعذر فقال «وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ بِلِسََانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» أي لم يرسل فيما مضى من الأزمان رسولا إلا بلغة قومه حتى إذا بين لهم فهموا عنه و لا يحتاجون إلى من يترجمه عنه و قد أرسل الله تعالى نبينا محمدا ص إلى الخلق كافة بلسان قومه و هم العرب بدلالة قوله‏ «وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ كَافَّةً لِلنََّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً» قال الحسن امتن الله على نبيه محمد ص أنه لم يبعث رسولا إلا إلى قومه و بعثه خاصة إلى جميع الخلق و به قال مجاهد و قيل إن معناه أنا كما أرسلناك إلى العرب بلغتهم لتبين لهم الدين‏ ثم أنهم يبينونه للناس كذلك أرسلنا كل رسول بلغة قومه ليظهر لهم الدين ثم استأنف فقال «فَيُضِلُّ اَللََّهُ مَنْ يَشََاءُ» عن طريق الجنة إذا كانوا مستحقين للعقاب «وَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ» إلى طريق الجنة و قيل يلطف لمن يشاء ممن له لطف و يضل عن ذلك من لا لطف فمن تفكر و تدبر اهتدى و ثبته الله و من أعرض عنه خذله الله «وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ» ظاهر المعنى ثم ذكر سبحانه إرساله‏

467

(1) - موسى فقال‏} «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا مُوسى‏ََ بِآيََاتِنََا» أي بالمعجزات و الدلالات «أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ» أي بأن أخرج قومك «مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ» مر معناه أي أمرناه بذلك و إنما أضاف الإخراج إليه لأنهم بسبب دعائه خرجوا من الكفر إلى الإيمان «وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيََّامِ اَللََّهِ» قيل فيه أقوال (أحدها) أن معناه و أمرناه بأن يذكر قومه وقائع الله في الأمم الخالية و إهلاك من أهلك منهم ليحذروا ذلك عن ابن زيد و البلخي و يعضده قول عمرو بن كلثوم :

و أيام لنا غر طوال # عصينا الملك فيها أن ندينا

فيكون المعنى الأيام التي انتقم الله فيها من القرون الأولى (و الثاني)

أن المعنى ذكرهم بنعم الله سبحانه في سائر أيامه عن ابن عباس و أبي بن كعب و الحسن و مجاهد و قتادة و روي ذلك عن أبي عبد الله (ع)

(و الثالث) أنه يريد بأيام الله سننه و أفعاله في عباده من إنعام و انتقام و كنى بالأيام عنهما لأنها ظرف لهما جامعة لكل منهما عن أبي مسلم و هذا جمع بين القولين المتقدمين «إِنَّ فِي ذََلِكَ» التذكير «لَآيََاتٍ لِكُلِّ صَبََّارٍ شَكُورٍ» أي دلالات لكل من كان عادته الصبر على بلاء الله و الشكر على نعمائه و إنما جمع بينهما لأن حال المؤمن لا يخلو من نعمة يجب شكرها أو محنة يجب الصبر عليها فالشكر و الصبر من خصال المؤمنين فكأنه قال لكل مؤمن و لأن التكليف لا يخلو من الصبر و الشكر} «وَ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ» و التقدير و اذكر يا محمد إذ قال موسى لهم «اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجََاكُمْ» أي في الوقت الذي أنجاكم «مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ» أي يذيقونكم «سُوءَ اَلْعَذََابِ وَ يُذَبِّحُونَ أَبْنََاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسََاءَكُمْ» أي يستبقونهن أحياء للاسترقاق «وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» و الآية مفسرة في سورة البقرة قال الفراء : و إنما دخلت الواو هنا للعطف لأنهم كانوا يعذبون أنواعا من العذاب سوى الذبح فجاز العطف فإذا حذفت الواو كان يذبحون تفسيرا للعذاب.

ـ

468

(1) -

اللغة

التأذن الإعلام يقال أذن و تأذن و مثله أوعد و توعد قال الحارث بن حلزة :

آذنتنا ببينها أسماء # رب ثاو يمل منه الثواء

و النبأ الخبر عما يعظم شأنه لهذا الأمر نبأ عظيم أي شأن و نبأ الله محمدا و تنبأ مسيلمة الكذاب ادعى النبوة و الريب أخبث الشك و المريب المتهم و هو الذي يأتي بما فيه التهمة يقال أراب يريب إذا أتى بما يوجب الريبة .

الإعراب‏

قوم نوح و ما بعده مجرور بأنه بدل من قوله «اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» و فاطر مجرور بأنه صفة لله في قوله «أَ فِي اَللََّهِ شَكٌّ» و من في قوله «مِنْ ذُنُوبِكُمْ» للتبعيض و قيل إن من زائدة عن أبي عبيدة و أنكر سيبويه زيادتها في الإيجاب.

المعنى‏

لما تقدم ذكر النعمة أتبعه سبحانه بذكر ما يلزم عليها من الشكر فقال «وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ» التقدير و اذكر إذ أعلم ربكم عن الحسن و البلخي و قيل معناه و إذ قال لكم ربكم‏