مجمع البيان في تفسير القرآن - ج8

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
832 /
425

الجزء الثامن‏

(1) -

(29) سورة العنكبوت مكية و آياتها تسع و ستون (69)

توضيح‏

مكية كلها في قول عكرمة و عطاء و الكلبي و مدنية في أحد القولين عن ابن عباس و قتادة و مكية إلا عشر آيات من أولها فإنها مدنية عن الحسن و في أحد القولين عن ابن عباس و هو عن يحيى بن سلام .

عدد آيها

تسع و ستون آية بالإجماع‏ .

اختلافها

ثلاث آيات «الم» كوفي و «تَقْطَعُونَ اَلسَّبِيلَ» حجازي «مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ» بصري شامي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل المؤمنين و المنافقين‏

و

روى أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) من قرأ سورة العنكبوت و الروم في شهر رمضان ليلة ثلاث و عشرين فهو و الله يا أبا محمد من أهل الجنة لا أستثني فيه أبدا و لا أخاف أن يكتب الله علي في يميني إثما و أن لهاتين السورتين من الله مكانا.

تفسيرها

ختم الله سبحانه سورة القصص بذكر الوعد و الوعيد و افتتح هذه السورة بذكر تكليف العبيد فقال‏

426

(1) -

القراءة

قرأ علي (ع) فليعلمن الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين بضم الياء و كسر اللام فيهما و هو المروي عن جعفر ابن محمد

و محمد بن عبد الله بن الحسن و وافقهم الزهري في و ليعلمن الكاذبين و قرأ أيضا و ليعلمن المنافقين .

الحجة

معناه ليعرفن الناس من هم فحذف المفعول الأول كما قال سبحانه‏ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ و قال‏ يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمََاهُمْ و قال‏ وَ نَحْشُرُ اَلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً و يجوز أن يكون من قولهم ثوب معلم و فارس معلم بالكسر إذا أعلم نفسه في الحرب فيكون معناه و ليشهرن فيرجع إلى المعنى الأول لأنه على تقدير حذف المفعول و يجوز أن يكون على حذف المفعول الثاني أي و ليعلمن الصادقين ثواب صدقهم و الكاذبين عقاب كذبهم.

الإعراب‏

قال الزجاج موضع أن الأولى نصب باسم حسب و خبره و موضع أن الثانية نصب من جهتين‏أجودهما أن تكون منصوبة بيتركوا فيكون المعنى أ حسب الناس أن يتركوا لأن يقولوا أو بأن يقولوا فلما حذف حرف الخفض وصل يتركوا إلى أن فنصب و يجوز أن تكون أن الثانية العامل فيها حسب أي حسب الناس أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون قال أبو علي أما ما ذكره من أنه نصب بيتركوا فإنه بين السقوط لأن ترك فعل يتعدى إلى مفعول واحد فإذا بني للمفعول لم يتعد إلى آخر فإن يقولوا لا يتعلق به و لا يتعدى إليه حتى يقدر حرف ثم يقدر الحذف فيصل الفعل و أما ما ذكره من انتصابه فلا يخلو إذا قدر انتصابه به من أن يكون مفعولا أولا أو ثانيا أو صفة أو بدلا فلا يكون مفعولا أولا لتعديه إلى المفعول الذي قبله و هو الترك و لا يجوز أن يكون مفعولا ثانيا من وجهين (أحدهما) أن باب ظننت و أخواته إذا تعدى إلى هذا الضرب من المفعول لم يتعد إلى مفعول ثان ظاهر في اللفظ (و الآخر) أن المفعول الثاني هو الأول في المعنى و ليس القول الترك و لا يكون أيضا بدلا لأنه ليس الأول و لا بعضه مشتملا عليه و لا يكون أيضا صفة لأن أن الثانية لحسب و عمله فيها لا يخلو مما ذكرناه فإذا لم يستقم‏

427

(1) - حمله على شي‏ء مما ذكرناه تبينت موضع إغفاله في المسألة و أقول و بالله التوفيق إن البدل هنا صحيح فإنه إذا قال أ حسبوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون و قوله «وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ» جملة في موضع الحال فكأنه قال أ حسبوا أن يدعو الإيمان غير مختبرين ممتحنين بمشاق التكليف‏فيكون التقدير في معنى الآية أ حسبوا أن يتركوا أ حسبوا أن يهملوا و لا شك أن الإهمال في معنى الترك فيكون الثاني في معنى الأول بعينه و أما الوجه الأول فإنك لو قدرت اللام فقلت لأن يقولوا أو الباء فقلت بأن يقولوا فلا شك أن الحرف يتعلق بيتركوا فإن الجار و المجرور في موضع نصب به فتساهل الزجاج في العبارة عن المجرور بأنه منصوب و قوله «سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ» ما هذه يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون اسما مفردا نكرة في موضع النصب على التمييز و التقدير ساء حكما يحكمون (و الثاني) أن يكون حرفا موصولا و يحكمون صلته و تقديره ساء الحكم حكمهم.

النزول‏

قيل نزلت الآية في عمار بن ياسر و كان يعذب في الله عن ابن جريج و قيل نزلت في أناس مسلمين كانوا بمكة فكتب إليهم من كان في المدينة أنه لا يقبل منكم الإقرار بالإسلام حتى تهاجروا فخرجوا إلى المدينة فاتبعهم المشركون فآذوهم و قاتلوهم فمنهم من قتل و منهم من نجا عن الشعبي و قيل أنه أراد بالناس الذين آمنوا بمكة سلمة بن هشام و عياش ابن أبي ربيعة و الوليد بن الوليد و عمار بن ياسر و غيرهم عن ابن عباس .

المعنى‏

} «الم ` أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ» أي أ ظن الناس أن يقنع منهم بأن يقولوا إنا مؤمنون فقط و يقتصر منهم على هذا القدر و لا يمتحنون بما تبين به حقيقة إيمانهم هذا لا يكون و هذا استفهام إنكار و توبيخ و

قيل إن معنى يفتنون يبتلون في أنفسهم و أموالهم عن مجاهد و هو المروي عن أبي عبد الله (ع)

و يكون المعنى و لا يشدد عليهم التكليف و التعبد و لا يؤمرون و لا ينهون و قيل معناه و لا يصابون بشدائد الدنيا و مصائبها أي أنها لا تندفع بقولهم آمنا و قال الحسن معناه أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا لا إله إلا الله و لا يختبروا أ صدقوا أم كذبوا يعني أن مجرد الإقرار لا يكفي و الأولى حمله على الجميع إذ لا تنافي فإن المؤمن يكلف بعد الإيمان بالشرائع و يمتحن في النفس و المال و يمنى بالشدائد و الهموم و المكاره فينبغي أن يوطن نفسه على هذه الفتنة ليكون الأمر أيسر عليه إذا نزل به ثم أقسم سبحانه فقال‏} «وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» أي و لقد ابتلينا الذين من قبل أمة محمد ص من سالف الأمم بالفرائض التي افترضناها عليهم أو بالشدائد و المصائب على حسب اختلافهم و ذكر ذلك تسلية للمؤمنين قال ابن عباس منهم إبراهيم خليل الرحمن و قوم‏

428

(1) - كانوا معه و من بعده نشروا بالمناشير على دين الله فلم يرجعوا عنه و قال غيره يعني بني إسرائيل ابتلوا بفرعون يسومونهم سوء العذاب «فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا» في إيمانهم «وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ» فيه و إنما قال فليعلمن مع أن الله سبحانه كان عالما فيما لم يزل بأن المعلوم سيحدث لأنه لا يصح وصفه سبحانه فيما لم يزل بأنه عالم بأنه حادث و إنما يعلمه حادثا إذا حدث و قيل معناه فليميزن الله الذين صدقوا من الذين كذبوا بالجزاء و المكافاة و عبر عن الجزاء و التمييز بالعلم لأن كل ذلك إنما يحصل بالعلم فأقام السبب مقام المسبب و مثله في إقامة السبب مقام المسبب قوله تعالى‏ «كََانََا يَأْكُلاََنِ اَلطَّعََامَ» فهذا سبب قضاء الحاجة فكني بذكره عنها و معنى صدقوا أي ثبتوا على الشدائد و كذبوا أي لم يثبتوا و منه قول زهير :

إذا ما الليث كذب عن أقرانه صدقا

«أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ أَنْ يَسْبِقُونََا» أم هذه استفهام منقطع عما قبله و ليست التي هي معادلة الهمزة و المعنى بل أ حسب الذين يفعلون الكفر و القبائح أن يفوتونا فوت السابق لغيره و يعجزونا فلا نقدر على أخذهم و الانتقام منهم «سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ» أي بئس الشي‏ء الذي يحكمون ظنهم أنهم يفوتوننا

و روى العياشي بالإسناد عن أبي الحسن (ع) قال جاء العباس إلى أمير المؤمنين (ع) فقال له امش حتى نبايع لك الناس فقال أ تراهم فاعلين قال نعم فأين قول الله «الم ` أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا» الآيات‏

«مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ» أي من كان يأمل لقاء ثواب الله و قيل معناه من كان يخاف عقاب الله عن سعيد بن جبير و السدي و الرجاء قد يكون بمعنى الخوف كما في قول الشاعر:

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # و حالفها في بيت نوب عواسل‏

و المعنى من كان يخشى البعث و يخاف الجزاء و الحساب أو يأمل الثواب فليبادر بالطاعة قبل أن يلحقه الأجل «فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ» أي الوقت الذي وقته الله للثواب و العقاب جاء لا محالة «وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ» لأقوالكم «اَلْعَلِيمُ» بما في ضمائركم.

ـ

429

(1) -

الإعراب‏

حسنا مفعول فعل محذوف تقديره و وصينا الإنسان بأن يفعل بوالديه حسنا أي ما يحسن «مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» موصول و صلة في موضع نصب بأنه مفعول تشرك.

النزول‏

قال الكلبي نزلت الآية الأخيرة في عياش بن أبي ربيعة المخزومي و ذلك أنه أسلم فخاف أهل بيته فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النبي ص فحلفت أمه أسماء بنت مخزمة بن أبي جندل التميمي أن لا تأكل و لا تشرب و لا تغسل رأسها و لا تدخل كنا حتى يرجع إليها فلما رأى ابناها أبو جهل و الحرث ابنا هشام و هما أخوا عياش لأمه جزعها ركبا في طلبه حتى أتيا المدينة فلقياه و ذكرا له القصة فلم يزالا به حتى أخذ عليهما المواثيق أن لا يصرفاه عن دينه و تبعهما و قد كانت أمه صبرت ثلاثة أيام ثم أكلت و شربت فلما خرجوا من المدينة أخذاه و أوثقاه كثافا و جلده كل واحد منهما مائة جلدة حتى برى‏ء من دين محمد ص جزعا من الضرب و قال ما لا ينبغي فنزلت الآية و كان الحرث أشدهما عليه فحلف عياش لئن قدر عليه خارجا من الحرم ليضربن عنقه فلما رجعوا إلى مكة مكثوا حينا ثم هاجر النبي ص و المؤمنون إلى المدينة و هاجر عياش و حسن إسلامه و أسلم الحرث بن هشام و هاجر إلى‏

430

(1) - المدينة و بايع النبي ص على الإسلام و لم يحضر عياش فلقيه عياش يوما بظهر قبا و لم يشعر بإسلامه فضرب عنقه فقيل له إن الرجل قد أسلم فاسترجع عياش و بكى ثم أتى النبي ص فأخبره بذلك فنزل‏ «وَ مََا كََانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاََّ خَطَأً» الآية و قيل نزلت الآية في ناس من المنافقين يقولون آمنا فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك عن الضحاك و قيل نزلت في قوم ردهم المشركون إلى مكة عن قتادة .

المعنى‏

لما رغب سبحانه في تحقيق الرجاء و الخوف بفعل الطاعة عقبه بالترغيب في المجاهدة فقال «وَ مَنْ جََاهَدَ فَإِنَّمََا يُجََاهِدُ لِنَفْسِهِ» أي و من جاهد الشيطان بدفع وسوسته و إغوائه و جاهد أعداء الدين لإحيائه و جاهد نفسه التي هي أعدى أعدائه فإنما يجاهد لنفسه لأن ثواب ذلك عائد عليه و واصل إليه دون الله تعالى «إِنَّ اَللََّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ اَلْعََالَمِينَ» غير محتاج إلى طاعتهم فلا يأمرهم و لا ينهاهم لمنفعة ترجع إليه بل لمنفعتهم‏} «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ» التي اقترفوها قبل ذلك أي لنطلبنها حتى تصيركأنهم لم يعملوها «وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ اَلَّذِي كََانُوا يَعْمَلُونَ» أي يجزيهم بأحسن أعمالهم و هو ما أمروا به من العبادات و الطاعات و المعنى لنكفرن سيئاتهم السابقة منهم في حال الكفر و لنجزينهم بحسناتهم التي عملوها في الإسلام و لما أمر سبحانه بمجاهدة الكفار و مباينتهم بين حال الوالدين في ذلك فقال‏} «وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ» أي أمرناه أن يفعل بوالديه «حُسْناً» و ألزمناه ذلك ثم خاطب سبحانه كل واحد من الناس فقال «وَ إِنْ جََاهَدََاكَ» أي و إن جاهداك أبواك أيها الإنسان و ألزماك و استفرغا مجهودهما في دعائك «لِتُشْرِكَ بِي» في العبادة «مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» أي و ليس لأحد به علم «فَلاََ تُطِعْهُمََا» في ذلك فأمر سبحانه إطاعة الوالدين في الواجبات حتما و في المباحات ندبا و نهى عن طاعتهما في المحظورات و نفي العلم به كأنه كناية عن تعريه من الأدلةلأنه إذا لم يكن عليه حجة و دليل لم يحصل العلم به فلا يحسن اعتقاده «إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ» أي إلى حكمي مصيركم «فَأُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» أي أخبركم بأعمالكم فأجازيكم عليها و روي عن سعد بن أبي وقاص قال كنت رجلا برا بأمي فلما أسلمت قالت يا سعد ما هذا الدين الذي أحدثت لتدعن دينك هذا أو لا آكل و لا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال يا قاتل أمه فقلت لا تفعلي يا أمه إني لا أدع ديني هذا لشي‏ء قال فمكثت يوما لا تأكل و ليلة ثم مكثت يوما آخر و ليلة فما رأيت ذلك قلت و الله يا أمه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا فكلي و اشربي و إن شئت فلا تأكلي و لا تشربي فلما رأت ذلك أكلت فأنزلت هذه الآية «وَ إِنْ جََاهَدََاكَ» و أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس و

روي عن بهر بن أبي حكيم عن أبيه عن جده قال قلت للنبي ص يا

431

(1) - رسول الله من أبر قال أمك قلت ثم من قال ثم أمك‏قلت ثم من قال ثم أمك قلت ثم من قال ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب‏

و

عن أنس بن مالك عن النبي ص قال الجنة تحت أقدام الأمهات‏

ثم قال سبحانه‏} «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي صدقوا بوحدانية الله تعالى و إخلاص العبادة له «وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي اَلصََّالِحِينَ» أي في زمرتهم و جملتهم في الجنة و لما ذكر سبحانه خيار المؤمنين عقبه بذكر ضعفائهم و قيل بل عقبه بذكر المنافقين فقال‏} «وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا بِاللََّهِ» بلسانه «فَإِذََا أُوذِيَ فِي اَللََّهِ» أي في دين الله أو في ذات الله «جَعَلَ فِتْنَةَ اَلنََّاسِ كَعَذََابِ اَللََّهِ» و المعنى فإذا أوذي بسبب دين الله رجع عن الدين مخافة عذاب الناس كما ينبغي للكافر أن يترك دينه مخافة عذاب الله‏فيسوي بين عذاب فإن منقطع و بين عذاب دائم غير منقطع أبدا لقلة تمييزه و سمي أذية الناس فتنة لما في احتمالها من المشقة «وَ لَئِنْ جََاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ» يا محمد أي و لئن جاء نصر من الله للمؤمنين و دولة لأولياء الله على الكافرين «لَيَقُولُنَّ إِنََّا كُنََّا مَعَكُمْ» أي ليقولن هؤلاء المنافقون للمؤمنين إنا كنا معكم على عدوكم طمعا في الغنيمة ثم كذبهم الله فقال «أَ وَ لَيْسَ اَللََّهُ بِأَعْلَمَ بِمََا فِي صُدُورِ اَلْعََالَمِينَ» من الإيمان و النفاق فلا يخفى عليه كذبهم فيما قالوا.

اللغة

الثقل متاع البيت و جمعه أثقال و هو من الثقل يقال ارتحل القوم بثقلهم و ثقلتهم أي بأمتعتهم و منه‏

الحديث إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي و إنهما لن يفترقا

432

(1) - حتى يردا علي الحوض‏

قال ثعلب سميا به لأن الأخذ بموجبهما ثقيل و قال غيره إن العرب تقول لكل شي‏ء خطير نفيس ثقل فسماهما ثقلين تفخيما لشأنهماو كل شي‏ء يتنافس فيه فهو ثقل و منه سمي الجن و الإنس ثقلين لأنهما فضلا على غيرهما من الخلق و الطوفان الماء الكثير الغامر لأنه يطوف بكثرته في نواحي الأرض قال الراجز:

"أفناهم الطوفان موت جارف"

الجرف الأخذ الكثير و قد جرفت الشي‏ء أجرفه بالضم جرفا أي ذهبت كله شبه الموت في كثرته بالطوفان .

الإعراب‏

قوله «بِحََامِلِينَ مِنْ خَطََايََاهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ» تقديره و ما هم بحاملين من شي‏ء من خطاياهم فقوله «مِنْ خَطََايََاهُمْ» في الأصل صفة لشي‏ء فقدم عليه فصار في موضع نصب على الحال. «أَلْفَ سَنَةٍ» نصب على الظرف خمسين نصب على الاستثناء و عاما تمييزه.

ـ

المعنى‏

ثم أقسم سبحانه فقال‏ «وَ لَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا» بالله على الحقيقة ظاهرا و باطنا «وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْمُنََافِقِينَ» فيجازيهم بحسب أعمالهم قال الجبائي معناه و ليميزن الله المؤمن من المنافق فوضع العلم موضع التمييز توسعا و قد مر بيانه و في هذه الآية تهديد للمنافقين بما هو معلوم من حالهم التي استهزءوا بها و توهموا أنهم قد نجوا من ضررها بإخفائها فبين أنها ظاهرة عند من يملك الجزاء عليها و أنه يحل الفضيحة العظمى بها} «وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» نعم الله و جحدوها «لِلَّذِينَ آمَنُوا» أي صدقوا بتوحيده و صدق رسله «اِتَّبِعُوا سَبِيلَنََا وَ لْنَحْمِلْ خَطََايََاكُمْ» أي و نحن نحمل آثامكم عنكم إن قلتم إن لكم في اتباع ديننا إثما و يعنون بذلك أنه لا إثم عليكم باتباع ديننا و لا يكون بعث و لا نشور فلا يلزمنا شي‏ء مما ضمنا و المأمور في قوله «وَ لْنَحْمِلْ» هو المتكلم به نفسه في مخرج اللفظ و المراد به إلزام النفس هذا المعنى‏كما يلزم الشي‏ء بالأمر و فيه معنى الجزاء و تقديره إن تتبعوا ديننا حملنا خطاياكم عنكم ثم قال سبحانه «وَ مََا هُمْ بِحََامِلِينَ مِنْ خَطََايََاهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ» أي لا يمكنهم حمل ذنوبهم عنهم يوم القيامة فإن الله سبحانه عدل لا يعذب أحدا بذنب غيره فلا يصح إذا أن يتحمل أحد ذنب غيره و هذا مثل قوله‏ وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ و أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ و لا يجري هذا مجرى تحمل الدية عن الغير لأن الغرض في الدية أداء المال عن نفس المقتول فلا فرق بين أن يؤديه زيد عنه و بين أن يؤديه عمرو فإنه بمنزلة قضاء الدين «إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ» فيما ضمنوا

433

(1) - من حمل خطاياهم‏} «وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقََالَهُمْ وَ أَثْقََالاً مَعَ أَثْقََالِهِمْ» يعني أنهم يحملون خطاياهم و أوزارهم في أنفسهم التي لم يعملوها بغيرهم و يحملون الخطايا التي ظلموا بها غيرهم و قيل معناه يحملون عذاب ضلالهم و عذاب إضلالهم غيرهم و دعائهم لهم إلى الكفرو هذا

كقوله من سن سنة سيئة

الخبر و هذا كقوله‏ لِيَحْمِلُوا أَوْزََارَهُمْ كََامِلَةً يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ و من أوزار الذين يضلونهم بغير علم «وَ لَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ عَمََّا كََانُوا يَفْتَرُونَ» و معناه أنهم يسئلون سؤال تعنيف و توبيخ و تبكيت و تقريع لا سؤال استعلام و استخبار} «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ» يدعوهم إلى توحيد الله عز و جل «فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاََّ خَمْسِينَ عََاماً» فلم يجيبوه و كفروا به «فَأَخَذَهُمُ اَلطُّوفََانُ» جزاء على كفرهم فهلكوا «وَ هُمْ ظََالِمُونَ» لأنفسهم بما فعلوه من الشرك و العصيان‏} «فَأَنْجَيْنََاهُ وَ أَصْحََابَ اَلسَّفِينَةِ» أي فأنجينا نوحا من ذلك الطوفان و الذين ركبوا معه في السفينة من المؤمنين به «وَ جَعَلْنََاهََا» أي و جعلنا السفينة «آيَةً لِلْعََالَمِينَ» أي علامة للخلائق أجمعين يعتبرون بها إلى يوم القيامة لأنها فرقت بين المؤمنين و الكافرين و الأبرار و الفجار و هي دلالة للخلق على صدق نوح و كفر قومه.

النظم‏

إنما اتصل قوله «وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» بما تقدمه من ذكر المنافقين فإنه سبحانه لما بين حالهم عند إيراد الشبهة عليهم بين في هذه الآية أن من الواجب أن لا يغتر المؤمنون بما يورده أهل الكفر عليهم من الشبه الفاسدة و قد ذكر في اتصال قصة نوح بما قبلها وجوه (أحدها) أنه لما قال‏ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فصل ذلك فبدأ بقصة نوح ثم بما يليها (و ثانيها) أنه لما ذكر حال المجاهد الصابر و حال من كان بخلافه ذكر قصة نوح و صبره على أذى قومه و تكذيبهم تلك المدة الطويلة ثم عقب ذلك بذكر غيره من الأنبياء (و ثالثها) أنه لما أمر و نهى و وعد و أوعد على امتثال أوامره و ارتكاب نواهيه أكد ذلك بقصص الأنبياء.

434

(1) -

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي و خلف أ و لم تروا بالتاء و الباقون بالياء و روي عن أبي بكر بالتاء و الياء جميعا و قرأ ابن كثير و أبو عمرو النشاءة بفتح الشين ممدودة مهموزة و قرأ الباقون «اَلنَّشْأَةَ» بسكون الشين غير ممدودة و في الشواذ قراءة السلمي و زيد بن علي و تخلقون إفكا .

الحجة

قال أبو علي حجة التاء في أ و لم تروا أن قبلها «وَ إِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ» و حجة الياء أن المعنى قل لهم أ و لم يروا النشاءة و النشأة مثل الرآفة و الرأفة و الكآبة و الكأبة و قال أبو زيد نشأت أنشأ نشأ إذا شببت و نشأت السحابة نشأ و لم يذكر النشأة و أما تخلقون فإنه على وزن تكذبون و في معناه.

الإعراب‏

«كَيْفَ يُبْدِئُ اَللََّهُ اَلْخَلْقَ» كيف في موضع نصب على الحال من الله و التقدير أ مبدعا يبدئ الله الخلق أم لا و يجوز أن يكون حالا من الخلق فيكون تقديره أ مبدعا يبدئ الله الخلق أم لا ثم يعيده أم لا و يجوز أن يكون في موضع مصدر و التقدير أي إبداء يبدئ و مثله كيف بدأ الخلق و النشأة منصوبة على المصدر و مفعول ينشئ محذوف تقديره و ينشئ الخلق.

المعنى‏

ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال «وَ إِبْرََاهِيمَ » أي و أرسلنا إبراهيم «إِذْ قََالَ لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ اِتَّقُوهُ» أي أطيعوا الله و خافوه بفعل طاعاته و اجتناب معاصيه «ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ» أي ذلك التقوى خير لكم «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ما هو خير مما هو شر لكم‏} «إِنَّمََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْثََاناً» ما في هذا الموضع كافة و المعنى أنكم تعبدون‏

435

(1) - أصناما من حجارة لا تضر و لا تنفع‏ «وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً» أي تفتعلون كذبا بأن تسموا هذه الأوثان آلهة عن السدي و قيل معناه و تصنعون أصناما بأيديكم و سماها إفكا لادعائهم إنها آلهة عن مجاهد و قتادة و أبي علي الجبائي ثم ذكر عجز آلهتهم عن رزق عابديها فقال «إِنَّ اَلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ لاََ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً» أي لا يقدرون على أن يرزقوكم و الملك قدرة القادر على ماله أن يتصرف في ماله أتم التصرف و ليس ذلك إلا لله على الحقيقة فإن الإنسان إنما يملك ما يملكه الله تعالى و يأذن له في التصرف فيه فأصل الملك لجميع الأشياء لله تعالى فمن لا يملك أن يرزق غيره لا يستحق العبادة لأن العبادة تجب بأعلى مراتب النعمة و لا يقدر على ذلك غير الله تعالى فلا يستحق العبادة سواه «فَابْتَغُوا عِنْدَ اَللََّهِ اَلرِّزْقَ» أي اطلبوا الرزق من عنده دون من سواه «وَ اُعْبُدُوهُ وَ اُشْكُرُوا لَهُ» على ما أنعم به عليكم من أصول النعم من الحياة و الرزق و غيرهما «إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي إلى حكمه تصيرون يوم القيامة فيجازيكم على قدر أعمالكم ثم خاطب العرب فقال‏} «وَ إِنْ تُكَذِّبُوا» أي و إن تكذبوا محمدا ص «فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ» أنبياءهم الذين بعثوا إليهم «وَ مََا عَلَى اَلرَّسُولِ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ» أي ليس عليه إلا التبليغ الظاهر البين و ليس عليه حمل من أرسل إليه على الإيمان‏} «أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اَللََّهُ اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» يعني كفار مكة الذين أنكروا البعث و أقروا بأن الله هو الخالق فقال أ و لم يتفكروا فيعلموا كيف أبدأ الله الخلق بعد العدم ثم يعيدهم ثانيا إذا أعدمهم بعد وجودهم قال ابن عباس يريد الخلق الأول و الخلق الآخر «إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ» غير متعذر لأن من قدر على الإنشاء و الابتداء فهو على الإعادة أقدر ثم خاطب محمدا ص فقال‏} «قُلْ» لهؤلاء الكفار «سِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ اَلْخَلْقَ» و تفكروا في آثار من كان فيها قبلكم و إلى أي شي‏ء صار أمرهم لتعتبروا بذلك و يؤديكم ذلك إلى العلم بربكم‏و قيل معناه انظروا و ابحثوا هل تجدون خالقا غير الله فإذا علموا أنه لا خالق ابتداء إلا الله لزمتهم الحجة في الإعادة و هو قوله «ثُمَّ اَللََّهُ يُنْشِئُ اَلنَّشْأَةَ اَلْآخِرَةَ» أي ثم الله الذي خلقها و أنشأ خلقها ابتداء ينشئها نشأة ثانية و معنى الإنشاء الإيجاد من غير سبب «إِنَّ اَللََّهَ» تعالى «عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» أي إن الله على الإنشاء و الإفناء و الإعادة و على كل شي‏ء يشاؤه قدير.

ـ

436

(1) -

القراءة

قرأ ابن كثير و أهل البصرة و الكسائي مودة بينكم بالرفع و الإضافة و قرأ حمزة و حفص بنصب مَوَدَّةَ و إضافتها إلى «بَيْنِكُمْ» و قرأ الباقون مودة منصوبة منونة بينكم بالنصب إلا الشموني و البرجمي فإنهما قرءا مودة مرفوعة منونة بينكم بالنصب.

الحجة

قال أبو علي يجوز في قول من قال مودة بينكم أن يجعل ما اسم إن و يضمر ذكرا يعود إلى ما كما جاء في قوله‏ «وَ اِتَّخَذْتُمُوهُ وَرََاءَكُمْ ظِهْرِيًّا» فيكون التقدير إن الذين اتخذتموهم أوثانا ذوو مودة بينكم‏و يكون دخول إن على ما لأنه بمنزلة الذي كقوله «أَ يَحْسَبُونَ أَنَّمََا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مََالٍ وَ بَنِينَ» لعود الذكر إليه و يجوز أن يضمر هو و يجعل «مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ» خبرا عنه و الجملة في موضع خبر أن و من قرأ مودة بينكم بالنصب جعل ما مع إن كلمة و لم يعد إليها ذكرا كما أعاد في الوجه الأول و جعل الأوثان منتصبا باتخذتم و عداه أبو عمرو إلى مفعول واحد كقوله‏ «قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اَللََّهِ عَهْداً» و المعنى إنما اتخذتم من دون الله أوثانا آلهة فحذف كما أن قوله‏ «إِنَّ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا اَلْعِجْلَ» معناه اتخذوا العجل إلها فحذف و انتصب مودة على أنه مفعول له و بينكم نصب على الظرف و العامل فيه المودة و من قال «مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ» أضاف المودة إلى البين و اتسع بأن جعل الظرف اسما لما أضاف إليه و مثل ذلك قراءة

437

(1) - من قرأ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ و من قرأ مودة بينكم في الحياة الدنيا جاز في قوله بينكم إذا نون مودة ضربان (أحدهما) أن يجعله ظرفا متعلقا بالمصدر لأن الظرفين أحدهما من المكان و الآخر من الزمان و إنما الذي يمتنع أن يعلق به إذا كانا ظرفين من الزمان أو ظرفين من المكان فأما إن اختلفا فسائغ فقوله «فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا» ظرف زمان‏ لأن المعنى في وقت الحياة الدنيا و لا ذكر في واحد من الظرفين كما إنك إذا قلت لقيت زيدا اليوم في السوق كان كذلك فإن جعلت الظرف الأول صفة للنكرة كان متعلقا بمحذوف و صار فيه ذكر يعود إلى الموصوف فإذا جعلته صفة للمصدر جاز أن يكون قوله «فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا» في موضع حال و العامل فيه الظرف الذي هو صفة للنكرة و فيه ذكر يعود إلى ذي الحال و ذو الحال الضمير الذي في الظرف العائد إلى الموصوف الذي هو مودة و هو هي في المعنى فإن قلت هل يجوز أن يتعلق الظرف الذي قد جاز أن يكون حالا بالمودة مع أنه قد وصف بقوله بينكم قيل لا يمتنع ذلك لأنك إذا وصفته فمعنى الفعل قائم فيه و الظرف يتعلق بمعنى الفعل و إنما الذي يمتنع أن يعمل فيه إذا وصف المفعول به فأما الحال و الظرف فلا يمتنع أن يتعلق كل واحد منهما به و إن كان قد وصف به و قد جاء في الشعر ما يعمل عمل الفعل إذا وصف عاملا في المفعول به و إذا جاز أن يعمل في المفعول به فلا نظر في جواز علمه فيما ذكرناه من الظرف و الحال فمن ذلك قوله:

إذا فاقد خطباء فرخين رجعت # ذكرت سليمى في الخليط المباين‏

و التحقير في ذلك بمنزلة الوصف‏لو قال هذا ضويرب زيدا لقبح كما يقبح ذلك في الصفة و لم يجز ذلك في حال السعة و الاختيار.

المعنى‏

ثم ذكر سبحانه الوعد و الوعيد فقال «يُعَذِّبُ مَنْ يَشََاءُ» معناه أنه المالك للثواب و العقاب و إن كان لا يشاء إلا الحكمة و العدل و ما هو الأحسن من الأفعال فيعذب من يشاء ممن يستحق العقاب «وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشََاءُ» ممن هو مستحق للرحمة بأن يغفر له بالتوبة و غير التوبة «وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ» معاشر الخلق أي إليه ترجعون يوم القيامة و القلب هو الرجوع و الرد فمعناه أنكم تردون إلى حال الحياة في الآخرة حيث لا يملك فيه النفع و الضر إلا الله‏

438

(1) - و هذا يتعلق بما قبله كان المنكرين للبعث قالوا إذا كان العذاب غير كائن في الدنيا فلا نبالي به فقال «وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ» و كأنهم قالوا إذا صرفنا إلى حكم الله فررنا فقال‏} «وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ» أي و لستم بفائتين عن الله في الدنيا و لا في الآخرة فاحذروا مخالفته و متى قيل كيف وصفهم بذلك و ليسوا من أهل السماء فالجواب عنه من وجهين (أحدهما) إن المعنى لستم بمعجزين فرارا في الأرض و لا في السماء لو كنتم في السماءكقولك ما يفوتني فلان هاهنا و لا بالبصرة يعني و لا بالبصرة لو صار إليها عن قطرب و هو معنى قول مقاتل (و الآخر) أن المعنى و لا من في السماء بمعجزين فحذف من لدلالة الكلام عليه كما قال حسان :

أ من يهجو رسول الله منكم # و يمدحه و ينصره سواء

فكأنه قال و من يمدحه و ينصره سواء أم لا يتساوون عن الفراء و هذا ضعيف عند البصريين «وَ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ» ينصركم و يدفع عذاب الله عنكم فلا تغتروا بأن الأصنام تشفع لكم و قيل إن الولي الذي يتولى المعونة بنفسه و النصير يتولى النصرة تارة بنفسه و تارة بأن يأمر غيره به‏} «وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ» أي جحدوا بالقرآن و بأدلة الله «وَ لِقََائِهِ» أي و جحدوا بالبعث بعد الموت «أُولََئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي» أخبر أنه سبحانه آيسهم من رحمته و جنته أو يكون معناه يجب أن ييأسوا من رحمتي‏ «وَ أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ» أي مؤلم و في هذا دلالة على أن المؤمن بالله و اليوم الآخر لا ييأس من رحمة الله ثم عاد سبحانه إلى قصة إبراهيم فقال‏} «فَمََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ» يعني حين دعاهم إلى الله تعالى و نهاهم عن عبادة الأصنام «إِلاََّ أَنْ قََالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ» و في هذا تسفيه لهم إذ قالوا حين انقطعت حجتهم لا تحاجوه و لكن اقتلوه أو حرقوه ليتخلصوا منه «فَأَنْجََاهُ اَللََّهُ مِنَ اَلنََّارِ» و هاهنا حذف تقديره ثم اتفقوا على إحراقه فأججوا نارا فألقوه فيها فأنجاه الله منها «إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ» أي علامات واضحات و حجج بينات «لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» بصحة ما أخبرناه به و بتوحيد الله و كمال قدرته‏} «وَ قََالَ» إبراهيم لقومه «إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْثََاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ» أي لتتوادوا بها «فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا» و قد تقدم بيانه في الحجة «ثُمَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ» أي يتبرأ القادة من الأتباع «وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» أي و يلعن الأتباع القادة لأنهم زينوا لهم الكفر و قال قتادة كل خلة تنقلب يوم القيامة عداوة إلا خلة المتقين قال سبحانه‏ اَلْأَخِلاََّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ «وَ مَأْوََاكُمُ اَلنََّارُ» أي و مستقركم النار «وَ مََا لَكُمْ مِنْ نََاصِرِينَ» يدفعون عنكم عذاب الله.

ـ

439

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير حفص أ إنكم لتأتون الفاحشة «أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلرِّجََالَ» بهمزتين فيهما و قرأ أبو عمرو بالاستفهام فيهما بهمزة ممدودة آنكم و قرأ الباقون «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلْفََاحِشَةَ» بكسر الهمزة من غير استفهام «أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلرِّجََالَ» بالاستفهام إلا أن ابن كثير و ورشا و يعقوب قرءوا بهمزة واحدة غير ممدودة و ابن عامر و حفص بهمزتين و أهل المدينة غير ورش بهمزة واحدة ممدودة.

اللغة

هاجر القوم من دار إلى دار معناه تركوا الأولى للثانية قال الأزهري أصل المهاجرة خروج البدوي من البادية إلى المدن و تهجر أي تشبه بالمهاجرين‏ و منه حديث عمر هاجروا و لا تهجروا أي أخلصوا الهجرة لله و النادي و الندي المجلس إذا اجتمعوا فيه و تنادى القوم اجتمعوا في النادي و دار الندوة دار قصي بن كلاب كانوا يجتمعون فيه للمشاورة تبركا به و الأصل من النداء لأن القوم ينادي بعضهم بعضا .

المعنى‏

ثم عطف سبحانه على ما تقدم بأن قال «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ » أي فصدق بإبراهيم لوط و هو ابن أخته و كان إبراهيم خاله عن ابن عباس و ابن زيد و جمهور المفسرين و هو أول من صدق بإبراهيم (ع) «وَ قََالَ» إبراهيم «إِنِّي مُهََاجِرٌ إِلى‏ََ رَبِّي» أي خارج من‏

440

(1) - جملة الظالمين على جهة الهجر لهم لقبيح أعمالهم من حيث أمرني ربي و قيل معناه قال لوط إني مهاجر إلى ربي عن الجبائي و خرج إبراهيم (ع) و معه لوط و امرأته سارة و كانت ابنة عمه من كوثي و هي قرية من سواد الكوفة إلى أرض الشام عن قتادة و مثل هذا هجرة المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة أولا ثم إلى المدينة ثانيا لأنهم هجروا ديارهم و أوطانهم بسبب أذى المشركين لهم‏ «إِنَّهُ هُوَ اَلْعَزِيزُ» الذي لا يذل من نصره «اَلْحَكِيمُ» الذي لا يضيع من حفظه‏} «وَ وَهَبْنََا لَهُ» أي لإبراهيم من بعد إسماعيل « إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ » من وراء إسحاق «وَ جَعَلْنََا فِي ذُرِّيَّتِهِ اَلنُّبُوَّةَ وَ اَلْكِتََابَ» و ذلك أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه فالتوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان كلها أنزلت على أولاده «وَ آتَيْنََاهُ أَجْرَهُ فِي اَلدُّنْيََا» و هو الذكر الحسن و الولد الصالح عن ابن عباس و قيل هو رضى أهل الأديان به فكلهم يحبونه و يتولونه عن قتادة و قيل هو أنه أري مكانه في الجنة عن السدي و قال بعض المتأخرين هو بقاء ضيافته عند قبره و ليس ذلك لغيره من الأنبياء قال البلخي و في هذا دلالة على أنه يجوز أن يثيب الله في دار التكليف ببعض الثواب «وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصََّالِحِينَ» يعني أن إبراهيم مع ما أعطي من الأجر و الثواب في الدنيا يحشره الله في جملة الصالحين العظيمي الأقدار مثل آدم و نوح } «وَ لُوطاً إِذْ قََالَ لِقَوْمِهِ» أي و أرسلنا لوطا و يجوز أن يريد و اذكر لوطا حين قال لقومه «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلْفََاحِشَةَ» من قرأ بلفظ الاستفهام أراد به الإنكار دون الاستعلام و من قرأ إنكم على الخبر أراد أن لوطا قال ذلك لقومه منكرا لفعلهم لا مفيدا معلما لهم لأنهم قد علموا ما فعلوه و الفاحشة هاهنا ما كانوا يفعلونه من إتيان الذكران «مََا سَبَقَكُمْ بِهََا» أي بهذه الفاحشة «مِنْ أَحَدٍ مِنَ اَلْعََالَمِينَ» أي أحد من الخلائق ثم فسر الفاحشة بقوله‏} «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلرِّجََالَ» أي تنكحونهم «وَ تَقْطَعُونَ اَلسَّبِيلَ» قيل فيه وجوه (أحدها) تقطعون سبيل الولد باختياركم الرجال على النساء (و ثانيها) إنكم تقطعون الناس عن الأسفار بإتيان هذه الفاحشة فإنهم كانوا يفعلون هذا الفعل بالمجتازين من ديارهم و كانوا يرمون ابن السبيل بالحجارة بالحذف فأيهم أصابه كان أولى به و يأخذون ماله و ينكحونه و يغرمونه ثلاثة دراهم و كان لهم قاض يقضي بذلك (و ثالثها) إنهم كانوا يقطعون الطريق على الناس كما يفعل قطاع الطريق في زماننا «وَ تَأْتُونَ فِي نََادِيكُمُ اَلْمُنْكَرَ» قيل فيه أيضا وجوه (أحدها)

هو أنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم من غير حشمة و لا حياء عن ابن عباس و روي ذلك عن الرضا (ع)

(و ثانيها) إنهم كانوا يأتون الرجال في مجالسهم يرى‏

441

(1) - بعضهم بعضا عن مجاهد (و ثالثها) كانت مجالسهم تشتمل على أنواع من المناكير و القبائح مثل الشتم و السخف و الصفع و القمار و ضرب المخراق و حذف الأحجار على من مر بهم و ضرب المعازف و المزامير و كشف العورات و اللواطقال الزجاج و في هذا إعلام أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المناكير و لا أن يجتمعوا على المناهي و لما أنكر لوط على قومه ما كانوا يأتونه من الفضائح قالوا له استهزاء ائتنا بعذاب الله و ذلك قوله «فَمََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ إِلاََّ أَنْ قََالُوا اِئْتِنََا بِعَذََابِ اَللََّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ» و عند ذلك‏} «قََالَ» لوط «رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْمُفْسِدِينَ» الذين فعلوا المعاصي و ارتكبوا القبائح و أفسدوا في الأرض.

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم و يعقوب لننجينه خفيفة الجيم ساكنة النون و الباقون «لَنُنَجِّيَنَّهُ» بالتشديد و قرأ ابن كثير و أهل الكوفة غير حفص و يعقوب إنا منجوك بالتخفيف و الباقون بالتشديد و قرأ ابن عامر منزلون بالتشديد و الباقون «مُنْزِلُونَ» بالتخفيف.

الحجة

قال أبو علي حجة و من قرأ لننجينه و إنا منجوك قوله‏ «فَأَنْجََاهُ اَللََّهُ مِنَ‏

442

(1) - اَلنََّارِ» و حجة من ثقل قوله‏ «نَجَّيْنََا شُعَيْباً وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» يقال نجا زيد و نجيته و أنجيته مثل فرحته و أفرحته و كذلك قولك نزل إذا عديته قلت نزلته و أنزلته.

المعنى‏

ثم بين سبحانه أنه استجاب دعاء لوط و بعث جبرائيل و معه الملائكة لتعذيب قومه بقوله «وَ لَمََّا جََاءَتْ رُسُلُنََا إِبْرََاهِيمَ بِالْبُشْرى‏ََ» أي يبشرونه بإسحاق و من وراء إسحاق يعقوب «قََالُوا إِنََّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هََذِهِ اَلْقَرْيَةِ» يعنون قرية قوم لوط (ع) و إنما قالوا هذا لأن قريتهم كانت قريبة من قرية قوم إبراهيم «إِنَّ أَهْلَهََا كََانُوا ظََالِمِينَ» أي مشركين مرتكبين للفواحش‏} «قََالَ» إبراهيم «إِنَّ فِيهََا لُوطاً » فكيف تهلكونها «قََالُوا» في جوابه «نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهََا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ» أي لنخلصن لوطا من العذاب بإخراجه منها و لنخلصن أيضا أهله المؤمنين منهم «إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ» فإنها تبقى في العذاب لا تنجو منه و ذلك قوله «كََانَتْ مِنَ اَلْغََابِرِينَ» أي من الباقين في العذاب‏} «وَ لَمََّا أَنْ جََاءَتْ رُسُلُنََا لُوطاً » أن هذه مزيدة «سِي‏ءَ بِهِمْ» معناه سي‏ء لوط بالملائكةأي ساءه مجيئهم لما رآهم في أحسن صورة لما كان يعلمه من خبث فعل قومه عن قتادة و قيل معناه سي‏ء بقومه لما علم من عظيم البلاء النازل بهم «وَ ضََاقَ بِهِمْ ذَرْعاً» أي ضاق قلبه و قيل ضاقت حيلته فيما أراد من حفظهم و صيانتهم عن الجبائي فلما رأى الملائكة حزنه و ضيق صدره «قََالُوا لاََ تَخَفْ» علينا و عليك «وَ لاََ تَحْزَنْ» بما نفعله بقومك و قيل لا تخف و لا تحزن علينا فإنا رسل الله لا يقدرون علينا «إِنََّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ» من العذاب «إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ» الكافرة «كََانَتْ مِنَ اَلْغََابِرِينَ» أي الباقين في العذاب‏} «إِنََّا مُنْزِلُونَ عَلى‏ََ أَهْلِ هََذِهِ اَلْقَرْيَةِ رِجْزاً» أي عذابا من السماء «بِمََا كََانُوا يَفْسُقُونَ» أي يخرجون من طاعة الله إلى معصيته أي جزاء بفسقهم «وَ لَقَدْ تَرَكْنََا مِنْهََا آيَةً بَيِّنَةً» أي تركنا من تلك القرية عبرة واضحة و دلالة على قدرتنا قال قتادة هي الحجارة التي أمطرت عليهم و قال ابن عباس هي آثار منازلهم الخربةو قال مجاهد هي الماء الأسود على وجه الأرض «لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» ذلك و يبصرونه و يتفكرون فيه و يتعظون به فيزجرهم ذلك عن الكفر بالله و اتخاذ شريك معه في العبادة.

ـ

443

(1) -

اللغة

الرجفة زعزعة الأرض تحت القدم يقال رجف السطح من تحت أهله يرجف رجفا و رجفة شديدة و البحر رجاف لاضطرابه و أرجف الناس بالشي‏ء أي أخبروا بما يضطرب لأجله من غير تحقق به و الحاصب الريح العاصفة التي فيها الحصباء و هي الحصى الصغار يشبه به البرد و الجليد قال الفرزدق :

مستقبلين رياح الشام تضربنا # بحاصب كنديف القطن منثور

و قال الأخطل :

و لقد علمت إذ العشار تروحت # هدج الرئال بكنهن شمالا

ترمي العضاة بحاصب من ثلجها # حتى تبيت على العضاة جفالا

444

(1) - و الخسف سوخ الأرض بما عليها يقال خسف الله به الأرض و خسف القمر إذهاب نوره و الخسوف للقمر و الكسوف للشمس .

الإعراب‏

أخاهم ينتصب بفعل مضمر و التقدير و أرسلنا إلى مدين أخاهم و عادا منصوب بفعل مضمر تقديره و أهلكنا عادا و ثمود و قد تبين فاعله مضمر تقديره و قد تبين إهلاكهم لكم «وَ كََانُوا مُسْتَبْصِرِينَ» في موضع نصب على الحال. «لِيَظْلِمَهُمْ» اللام لتأكيد النفي و لا يجوز إظهار أن بعده.

المعنى‏

ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال «وَ إِلى‏ََ مَدْيَنَ » أي و أرسلنا إلى مدين «أَخََاهُمْ شُعَيْباً » و هذا مفسر فيما مضى «فَقََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ» بدأ بالدعاء إلى التوحيد و العبادة «اُرْجُوا اَلْيَوْمَ اَلْآخِرَ» أي و أملوا ثواب اليوم الآخر و اخشوا عقابه بفعل الطاعات و تجنب السيئات «وَ لاََ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» أي لا تسعوا في الأرض بالفساد ثم أخبر أن قومه كذبوه و لم يقبلوا منه فعاقبهم الله و ذلك قوله‏} «فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ» و قد مر بيانه «فَأَصْبَحُوا فِي دََارِهِمْ جََاثِمِينَ» أي باركين على ركبهم ميتين‏} «وَ عََاداً وَ ثَمُودَ » أي و أهلكنا أيضا عادا و ثمود جزاء لهم على كفرهم «وَ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ» معاشر الناس كثير «مِنْ مَسََاكِنِهِمْ» و قيل معناه و قد ظهر لكم يا أهل مكة من منازلهم بالحجر و اليمن آية في هلاكهم «وَ زَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطََانُ أَعْمََالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ» أي فمنعهم عن طريق الحق «وَ كََانُوا مُسْتَبْصِرِينَ» أي و كانوا عقلاء يمكنهم التمييز بين الحق و الباطل بالاستدلال و النظر و لكنهم أغفلوا و لم يتدبروا و قيل معناه إنهم كانوا مستبصرين عند أنفسهم فيما كانوا عليه من الضلالةيحسبون أنهم على هدى عن قتادة و الكلبي } «وَ قََارُونَ » أي و أهلكنا قارون «وَ فِرْعَوْنَ وَ هََامََانَ وَ لَقَدْ جََاءَهُمْ مُوسى‏ََ بِالْبَيِّنََاتِ» أي بالحجج الواضحات من قلب العصا حية و اليد البيضاء و فلق البحر و غيرها «فَاسْتَكْبَرُوا» أي طلبوا التجبر «فِي اَلْأَرْضِ» و لم ينقادوا للحق «وَ مََا كََانُوا سََابِقِينَ» أي فائتين الله كما يفوت السابق‏} «فَكُلاًّ أَخَذْنََا بِذَنْبِهِ» أي فأخذنا كلا من هؤلاء بذنبه و عاقبناهم بتكذيبهم الرسل «فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنََا عَلَيْهِ حََاصِباً» أي حجارة و قيل ريحا فيها حصى و هم قوم لوط عن ابن عباس و قتادة و قيل هم عاد «وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ اَلصَّيْحَةُ» و هم ثمود و قوم شعيب عن ابن عباس و قتادة و الصيحة العذاب و قيل صاح بهم جبرائيل فهلكوا «وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنََا بِهِ اَلْأَرْضَ» و هو قارون «وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنََا» يعني قوم نوح و فرعون و قومه «وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيَظْلِمَهُمْ» فيعذبهم على غير ذنب أو قبل إزاحة العلة «وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» بكفرهم و تكذيبهم الرسل و في هذا دلالة واضحة على فساد مذهب أهل‏

445

(1) - الجبر فإن الظلم لو كان من فعل الله كما يزعمون لما كان هؤلاء هم الظالمين لنفوسهم بل كان الظالم لهم من فعل فيهم الظلم تعالى الله عن ذلك.

القراءة

قرأ أهل البصرة و عاصم إلا الأعمش و البرجمي «مََا يَدْعُونَ» بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة و الإعراب‏

قال أبو علي التاء على قوله قل لهم إن الله يعلم ما تدعون لا يكون إلا عند هذا لأن المسلمين لا يخاطبون بذلك و ما استفهام و موضعه نصب بيدعون و لا يجوز أن يكون نصبا بيعلم و لكن صارت الجملة التي هي في موضع نصب بيعلم و لا يكون يعلم بمعنى يعرف كقوله‏ وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي اَلسَّبْتِ لأن ذلك لا يلغى و ما لا يلغى لا يعلق و يبعد ذلك دخول من في الكلام و هي إنما تدخل في نحو قولك هل من طعام و هل من رجل و لا تدخل في الإيجاب هذا قول الخليل و كذلك قوله‏ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عََاقِبَةُ اَلدََّارِ المعنى فستعلمون المسلم تكون له عاقبة الدار أم للكافر و كل ما كان من هذا فهكذا القول فيه و هو قياس قول الخليل .

446

(1) -

اللغة

جمع العنكبوت عناكب و تصغيره عنيكب و وزنه فعللوت و هو يذكر و يؤنث قال الشاعر:

على هطالهم منهم بيوت # كان العنكبوت هو ابتناها

و يقال فيه العنكباء.

المعنى‏

ثم شبه سبحانه حال الكفار الذين اتخذوا من دونه آلهة بحال العنكبوت فقال «مَثَلُ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْلِيََاءَ» أي شبه من اتخذ الأصنام آلهة يريدون نصرها و نفعها و ضرها و الرجوع إليها عند الحاجة «كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتاً» لنفسها لتأوي إليه فكما أن بيت العنكبوت لا يغني عنها شيئا لكونه في غاية الوهن و الضعف و لا يجدي نفعا كذلك الأصنام لا تملك لهم خيرا و شرا و نفعا و ضرا و الولي هو المتولي للنصرة و هو أبلغ من الناصر لأن الناصر قد يكون ناصرا بأن يأمر غيره بالنصرة و الولي هو الذي يتولى النصرة بنفسه «وَ إِنَّ أَوْهَنَ اَلْبُيُوتِ» أي أضعفها «لَبَيْتُ اَلْعَنْكَبُوتِ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ» صحة ما أخبرناهم به و يتحققون و لو متعلقة بقوله «اِتَّخَذُوا» أي لو علموا أن اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتا سخيفا لم يتخذوهم أولياء و لا يجوز أن تكون متعلقة بقوله «وَ إِنَّ أَوْهَنَ اَلْبُيُوتِ لَبَيْتُ اَلْعَنْكَبُوتِ» لأنهم كانوا يعلمون أن بيت العنكبوت واه ضعيف‏} «إِنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ» هذا وعيد منه سبحانه و معناه أنه يعلم ما يعبد هؤلاء الكفار و ما يتخذونه من دونه أربابا «وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ» الذي لا يغالب فيما يريده «اَلْحَكِيمُ» في جميع أفعاله‏} «وَ تِلْكَ اَلْأَمْثََالُ» و هي الأشباه و النظائر يعني أمثال القرآن «نَضْرِبُهََا لِلنََّاسِ» أي نذكرها لهم لندعوهم إلى المعرفة و التوحيد و نعرفهم قبح ما هم فيه من عبادة الأصنام «وَ مََا يَعْقِلُهََا إِلاَّ اَلْعََالِمُونَ» أي و ما يفهمها إلا من يعلم وجه الشبه بين المثل و الممثل به و قيل معناه و ما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله و

روي الواحدي بالإسناد عن جابر قال تلا النبي ص هذه الآية و قال العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته و اجتنب سخطه‏

ثم بين سبحانه ما يدل على إلهيته و استحقاقه العبادة فقال‏} «خَلَقَ اَللََّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ» أي أخرجهما من العدم إلى الوجود و لم يخلقهما عبثا بل خلقهما ليسكنهما خلقه و ليستدلوا بهما على إثباته و وحدانيته «بِالْحَقِّ» أي على وجه الحكمة و قيل معناه للحق و إظهار الحق‏ «إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ» لأنهم المنتفعون بذلك ثم خاطب سبحانه نبيه ص فقال‏} «اُتْلُ مََا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ اَلْكِتََابِ» يعني القرآن أي اقرأه على المكلفين و اعمل بما تضمنه «وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ» أي أدها

447

(1) - بحدودها في مواقيتها «إِنَّ اَلصَّلاََةَ تَنْهى‏ََ عَنِ اَلْفَحْشََاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ» في هذا دلالة على أن فعل الصلاة لطف للمكلف في ترك القبيح و المعاصي التي ينكرها العقل و الشرع فإن انتهى عن القبيح يكون توفيقا و إلا فقد أتى المكلف من قبل نفسه و قيل إن الصلاة بمنزلة الناهي بالقول إذا قال لا تفعل الفحشاء و المنكر و ذلك لأن فيها التكبير و التسبيح و التهليل و القراءة و الوقوف بين يدي الله تعالى و غير ذلك من صنوف العبادة و كل ذلك يدعو إلى شكله و يصرف عن ضده فيكون مثل الأمر و النهي بالقول و كل دليل مؤد إلى المعرفة بالحق فهو داع إليه و صارف عن الباطل الذي هو ضده و قيل معناه أن الصلاة تنهي صاحبها عن الفحشاء و المنكر ما دام فيها و قيل معناه أنه ينبغي أن تنهاه كقوله‏ وَ مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً و قال ابن عباس في الصلاة منهي و مزدجر عن معاصي الله‏فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد من الله إلا بعدا و قال الحسن و قتادة من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر فليست صلاته بصلاة و هي وبال عليه و

روي أنس بن مالك الجهني عن النبي ص قال إنه من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزدد من الله إلا بعدا

و

روي عن ابن مسعود أيضا عن النبي ص أنه قال لا صلاة لمن لم يطع الصلاة و طاعة الصلاة أن ينتهي عن الفحشاء و المنكر

و معنى ذلك أن الصلاة إذا كانت ناهية عن المعاصي فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله بها فإن تاب من بعد ذلك و ترك المعاصي فقد تبين أن صلاته كانت نافعة له ناهية و إن لم ينته إلا بعد زمان و

روي أنس أن فتى من الأنصار كان يصلي الصلاة مع رسول الله ص و يرتكب الفواحش فوصف ذلك لرسول الله ص فقال إن صلاته تنهاه يوما

و

عن جابر قال قيل لرسول الله ص إن فلانا يصلي بالنهار و يسرق بالليل فقال إن صلاته لتردعه‏

و

روى أصحابنا عن أبي عبد الله (ع) قال من أحب أن يعلم أ قبلت صلاته أم لم تقبل فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء و المنكر فبقدر ما منعته قبلت منه‏

«وَ لَذِكْرُ اَللََّهِ أَكْبَرُ» أي و لذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته عن ابن عباس و سلمان و ابن مسعود و مجاهد و قيل معناه ذكر العبد لربه أكبر مما سواه و أفضل من جميع أعماله عن سلمان في رواية أخرى و ابن زيد و قتادة و روي ذلك عن أبي الدرداء و على هذا فيكون تأويله أن أكبر شي‏ء في النهي عن الفحشاء ذكر العبد ربه و أوامره و نواهيه و ما أعده من الثواب و العقاب فإنه أقوى لطف يدعو إلى الطاعة و ترك المعصية و هو أكبر من كل لطف و قيل معناه ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة عن أبي مالك و قيل إن ذكر الله هو التسبيح و التقديس و التهليل و هو أكبر و أحرى بأن ينهى عن الفحشاء و المنكر عن الفراء أي من كان ذاكرا لله فيجب أن ينهاه ذكره عن الفحشاء و المنكر و روي عن ثابت البناني قال إن رجلا أعتق أربع رقاب فقال رجل آخر سبحان الله و الحمد لله‏

448

(1) - و لا إله إلا الله و الله أكبر ثم دخل المسجد فأتى حبيب بن أوفى السلمي و أصحابه فقال ما تقولون في رجل أعتق أربع رقاب و أني أقول سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر فأيهما أفضل فنظروا هنيهة فقالوا ما نعلم شيئا أفضل من ذكر الله و عن معاذ بن جبل قال ما عن عمل آدمي عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله عز و جل و قيل و لا الجهاد في سبيل الله قال و لا الجهاد فإن الله عز و جل يقول «وَ لَذِكْرُ اَللََّهِ أَكْبَرُ» و

عنه قال سألت رسول الله ص أي الأعمال أحب إلى الله قال إن تموت و لسانك رطب من ذكر الله عز و جل و قال ص يا معاذ إن السابقين الذين يسهرون بذكر الله عز و جل و من أحب أن يرتع في رياض الجنةفليكثر ذكر الله عز و جل‏

و روي عن عطا بن السائب عن عبد الله بن ربيعة قال قال ابن عباس أ رأيت قول الله عز و جل «وَ لَذِكْرُ اَللََّهِ أَكْبَرُ» قال قلت ذكر الله بالقرآن حسن و ذكره بالصلاة حسن و بالتسبيح و التكبير و التهليل حسن و أفضل من ذلك أن يذكر الرجل ربه عند المعصية فينحجز عنها فقال ابن عباس لقد قلت قولا عجيبا و ما هو كما قلت و لكن ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه «وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ مََا تَصْنَعُونَ» من خير و شر فيجازيكم بحسبه.

ـ

449

(1) -

القراءة

قرأ ابن كثير و أهل الكوفة غير حفص و قتيبة آية من ربه على التوحيد و الباقون «آيََاتٌ» على الجمع.

الحجة

قال أبو علي حجة الإفراد قوله‏ فَلْيَأْتِنََا بِآيَةٍ وَ قََالُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اَللََّهَ قََادِرٌ عَلى‏ََ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً و حجة الجمع أن في حرف أبي زعموا لو لا يأتينا بآيات من ربه «قُلْ إِنَّمَا اَلْآيََاتُ عِنْدَ اَللََّهِ» و قد تقع على لفظ الواحد و يراد به كثرة كما جاء وَ جَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً و ليس في قوله «قُلْ إِنَّمَا اَلْآيََاتُ عِنْدَ اَللََّهِ» دلالة على ترجيح من قرأ «آيََاتٌ» لأنه لما اقترحوا آية قيل إنما الآيات عند الله‏و المعنى الآية التي اقترحتموها و آيات أخر لم تقترحوها.

اللغة

أصل الجدل شدة الفتل يقال جدلته أجدله جدلا إذا فتلته فتلا شديدا و الجدال فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج فيه و قيل إن أصله من الجدالة و هي الأرض فإن كل واحد من الخصمين يروم أن يلقي صاحبه بالجدالة . الخط معروف و الارتياب و الريبة شك مع تهمة .

الإعراب‏

«اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ» في محل النصب على الاستثناء من «أَهْلَ اَلْكِتََابِ» «وَ كَذََلِكَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ» تقديره و كما أنزلنا إلى أهل الكتاب الكتاب أنزلنا إليك الكتاب.

«إِذاً لاَرْتََابَ اَلْمُبْطِلُونَ» اللام للقسم و في الكلام حذف تقديره و لو خططته بيمينك أو تلوت قبله كتابا إذا و الله لارتابوا به. من ربه في موضع رفع بأنه صفة آية.

المعنى‏

لما تقدم الأمر بالدعاء إلى الله سبحانه بين عقيبه كيف يدعونهم و كيف يجادلونهم فقال‏ «وَ لاََ تُجََادِلُوا أَهْلَ اَلْكِتََابِ» و هم نصارى بني نجران و قيل اليهود و النصارى «إِلاََّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» أي بالطريق التي هي أحسن و إنما يكون أحسن إذا كانت المناظرة برفق و لين لإرادة الخير و النفع بها و مثله قوله‏ فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ََ و الأحسن الأعلى في الحسن من جهة قبول العقل له و قد يكون أيضا أعلى في الحسن من جهة قبول الطبع و قد يكون في الأمرين جميعا و في هذا دلالة على وجوب الدعاء إلى الله تعالى على أحسن الوجوه و ألطفها و استعمال القول الجميل في التنبيه على آيات الله و حججه «إِلاَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ» أي إلا من أبى أن يقر بالجزية منهم و نصب الحرب فجادلوا هؤلاء بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن مجاهد و سعيد بن جبير و قيل إلا الذين ظلموا منهم بالعناد و كتمان صفة نبينا ص بعد العلم به عن أبي مسلم و قيل إلا الذين ظلموا منهم بالإقامة على الكفر بعد قيام الحجة عن ابن زيد و الأولى أن يكون معناه إلا الذين ظلموك في جدالهم أو

450

(1) - في غيره مما يقتضي الإغلاظ لهم فيجوز أن يسلكوا معهم طريقة الغلظة و قيل إن الآية منسوخة بآية السيف عن قتادة و الصحيح أنها غير منسوخة لأن الجدال على الوجه الأحسن هو الواجب الذي لا يجوز غيره «وَ قُولُوا» لهم في المجادلة و في الدعوة إلى الدين «آمَنََّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنََا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ» أي بالكتاب الذي أنزل إلينا و بالكتاب الذي أنزل إليكم «وَ إِلََهُنََا وَ إِلََهُكُمْ وََاحِدٌ» لا شريك له «وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» أي مخلصون طائعون‏} «وَ كَذََلِكَ» أي و مثل ما أنزلنا الكتاب على موسى و عيسى «أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ» و هو القرآن «فَالَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ» أي علم الكتاب فحذف المضاف «يُؤْمِنُونَ بِهِ» يعني مؤمني أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام و نظرائه «وَ مِنْ هََؤُلاََءِ» يعني كفار مكة «مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ» يعني من أسلم منهم و يجوز أن تكون الهاء في ربه راجعة إلى النبي ص و يجوز أن تكون راجعة إلى القرآن و يحتمل أيضا أن يريد بقوله «فَالَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ» المسلمين و الكتاب القرآن و من هؤلاء يعني و من اليهود و النصارى من يضمن به «وَ مََا يَجْحَدُ بِآيََاتِنََا إِلاَّ اَلْكََافِرُونَ» أي و ما ينكر دلالاتنا إلا الكافرون و لا يضرك جحودهم ثم خاطب نبيه ص فقال‏ «وَ مََا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتََابٍ » أي و ما كنت يا محمد تقرأ قبل القرآن كتابا و المعنى أنك لم تكن تحسن القراءة قبل أن يوحى إليك بالقرآن «وَ لاََ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ» معناه و ما كنت أيضا تكتبه بيدك «إِذاً لاَرْتََابَ اَلْمُبْطِلُونَ» أي و لو كنت تقرأ كتاب أو تكتبه لوجد المبطلون طريقا إلى اكتساب الشك في أمرك و إلقاء الريبة لضعفة الناس في نبوتك و لقالوا إنما تقرأ علينا ما جمعته من كتب الأولين فلما ساويتهم في المولد و المنشأ ثم أتيت بما عجزوا عنه وجب أن يعلموا أنه من عند الله تعالى و ليس من عندك إذ لم تجر العادة أن ينشأ الإنسان بين قوم يشاهدون أحواله من عند صغره إلى كبره و يرونه في حضره و سفره لا يتعلم شيئا من غيره ثم يأتي من عنده بشي‏ء يعجز الكل عنه و عن بعضه و يقرأ عليهم أقاصيص الأولين. قال الشريف الأجل المرتضى علم الهدى قدس الله روحه هذه الآية تدل على أن النبي ص ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة فأما بعد النبوة فالذي نعتقده في ذلك التجويز لكونه عالما بالكتابة و القراءة و التجويز لكونه غير عالم بهما من غير قطع على أحد الأمرين و ظاهر الآية يقتضي أن النفي قد تعلق بما قبل النبوة دون ما بعدها و لأن التعليل في الآية يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوة لأن المبطلين إنما يرتابون في نبوته ص لو كان يحسن الكتابة قبل النبوة فأما بعد النبوة فلا تعلق له بالريبة و التهمة فيجوز أن يكون قد تعلمها من جبرائيل (ع) بعد النبوة ثم قال سبحانه‏} «بَلْ هُوَ آيََاتٌ بَيِّنََاتٌ فِي صُدُورِ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ» يعني أن القرآن دلالات واضحات في صدور العلماء و هم النبي ص و المؤمنون به‏لأنهم حفظوه و وعوه و رسخ معناه في قلوبهم عن الحسن و

قيل‏

451

(1) - هم الأئمة (ع) من آل محمد عن أبي جعفر و أبي عبد الله ع

و قيل إن هو كناية عن النبي ص أي أنه في كونه أميا لا يقرأ و لا يكتب آيات بينات في صدور العلماء من أهل الكتاب لأنه منعوت في كتبهم بهذه الصفة عن الضحاك و قال قتادة المراد به القرآن و أعطى هذه الأمة الحفظ و من كان قبلها لا يقرءون الكتاب إلا نظرا فإذا طبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا اليسير «وَ مََا يَجْحَدُ بِآيََاتِنََا إِلاَّ اَلظََّالِمُونَ» الذين ظلموا أنفسهم بترك النظر فيها و العناد لها بعد حصول العلم لهم بها و قيل يريد بالظالمين كفار قريش و اليهود } «وَ قََالُوا» يعني كفار مكة «لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيََاتٌ مِنْ رَبِّهِ» أراد به الآيات التي اقترحوها في قوله‏ وَ قََالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً الآيات و أن يجعل الصفا ذهبا و قيل إنهم سألوا آية كآية موسى (ع) من فلق البحر و قلب العصا حية و جعلوا ما أتى به من المعجزات و الآيات غير آية و حجة إلقاء للشبهة بين العوام فقال الله تعالى «قُلْ» يا محمد لهم «إِنَّمَا اَلْآيََاتُ عِنْدَ اَللََّهِ» ينزلها و يظهرها بحسب ما يعلم من مصالح عباده و ينزل على كل نبي منها ما هو أصلح له و لأمته و لذلك لم تتفق آيات الأنبياء كلها و إنما جاء كل نبي بفن منها «وَ إِنَّمََا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ» أي منذر مخوف من معصية الله مظهر طريق الحق و الباطل و قد فعل الله سبحانه ما يشهد بصدقي من المعجزات.

ـ

452

(1) -

القراءة

قرأ نافع و أهل الكوفة «وَ يَقُولُ» بالياء و الآخرون بالنون.

الحجة

قال أبو علي و يقول أي و يقول الموكل بعذابهم ذوقوا كقوله‏ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بََاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذََابَ اَلْهُونِ أي يقولون لهم و من قرأ بالنون فلأن ذلك لما كان بأمره سبحانه جاز أن ينسب إليه و المعنى ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون و إنما قيل ذوقوا لوصول ذلك إلى المعذبين و اتصاله كوصول المذوق إلى الذائق قال (دونك ما جنيته فأحسن و ذق) .

الإعراب‏

يتلى في موضع نصب على الحال من الكتاب أي متلو عليهم. «يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ» يجوز أن يكون صفة لقوله «شَهِيداً» و يجوز أن يكون حالاو يجوز أن يكون جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. «وَ لَيَأْتِيَنَّهُمْ» اللام جواب قسم مقدر. بغتة منصوب على الحال. «يَوْمَ يَغْشََاهُمُ» ظرف لقوله «لَمُحِيطَةٌ» .

المعنى‏

لما تقدم طلبهم للآيات أجابهم سبحانه فقال «أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنََّا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ» يا محمد «اَلْكِتََابَ» أي القرآن «يُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ» بين سبحانه أن في إنزال القرآن دلالة واضحة و معجزة لائحة و حجة بالغة تنزاح معه العلة و تقوم به الحجة فلا يحتاج في الوصول إلى العلم بصحة نبوته إلى غيره على أن إظهار المعجزات مع كونها إزاحة للعلة تراعى فيه المصلحة فإذا كانت المصلحة في إظهار نوع منها لم يجز إظهار غيرها و لو أظهر الله سبحانه الآيات التي اقترحوها ثم لم يؤمنوا لاقتضت الحكمة إهلاكهم بعذاب الاستئصال كما اقتضت ذلك في الأمم السالفة و قد وعد الله سبحانه أن لا يعذب هذه الأمة بعذاب الاستئصال و في هذا دلالة على أن القرآن كاف في المعجز و أنه في أعلى درجات الإعجاز لأنه جعله كافيا عن جميع المعجزات و الكفاية بلوغ حد ينافي الحاجة «إِنَّ فِي ذََلِكَ» معناه إن في القرآن «لَرَحْمَةً» أي نعمة عظيمة الموقع لأن من تبعه و عمل به نال الثواب و فاز بالجنة «وَ ذِكْرى‏ََ» أي و تذكير أو موعظة «لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» أي يصدقون به و قيل أن قوما من المسلمين كتبوا شيئا من كتب أهل الكتاب فهددهم سبحانه في هذه الآية و نهاهم عنه و

قال النبي ص جئتكم بها بيضاء نقية

«قُلْ» يا محمد «كَفى‏ََ بِاللََّهِ بَيْنِي‏

453

(1) - وَ بَيْنَكُمْ شَهِيداً» لي بالصدق و الإبلاغ و عليكم بالتكذيب و العناد و شهادة الله له قوله‏ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللََّهِ و هو في كلام معجز قد ثبت أنه من الله سبحانه و قيل إن شهادة الله له إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه «يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» فيعلم أني على الهدى و أنكم على الضلالة «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْبََاطِلِ» أي صدقوا بغير الله عن ابن عباس و قيل بعبادة الشيطان عن مقاتل «وَ كَفَرُوا بِاللََّهِ» أي جحدوا وحدانية الله «أُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ» خسروا ثواب الله بارتكاب المعاصي و الجحود بالله‏} «وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذََابِ» يا محمد أي يسألونك نزول العذاب عاجلا لجحودهم صحة ما توعدهم به كما قال النضر بن الحرث أمطر علينا حجارة من السماء «وَ لَوْ لاََ أَجَلٌ مُسَمًّى» أي وقت قدره الله تعالى أن يعاقبهم فيه و هو يوم القيامة أو أجل قدره الله تعالى أن يبقيهم إليه لضرب من المصلحة «لَجََاءَهُمُ اَلْعَذََابُ» الذي استحقوه «وَ لَيَأْتِيَنَّهُمْ» العذاب «بَغْتَةً وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ» بإتيانه و وقت مجيئه ثم ذكر أن موعد عذابهم النار فقال‏} «يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذََابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكََافِرِينَ» يعني إن العذاب و إن لم يأتهم في الدنيا فإن جهنم محيطة بهم أي جامعة لهم و هم معذبون فيها لا محالة} «يَوْمَ يَغْشََاهُمُ اَلْعَذََابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» يعني أن العذاب يحيط بهم لا أنه يصل إلى موضع منهم دون موضع فلا يبقى جزء منهم إلا و هو معذب في النار عن الحسن و هذا كقوله‏ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهََادٌ وَ مِنْ فَوْقِهِمْ غَوََاشٍ «وَ يَقُولُ ذُوقُوا مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» أي جزاء أعمالكم و أفعالكم القبيحة.

القراءة

قرأ يرجعون بالياء يحيي عن أبي بكر و هشام و الباقون بالتاء و قرأ أهل الكوفة

454

(1) - غير عاصم لنثوينهم بالثاء و الباقون «لَنُبَوِّئَنَّهُمْ» بالباء.

الحجة

قال أبو علي أما يرجعون بالياء فلان الذي قبله على لفظ الغيبة و «تُرْجَعُونَ» على أنه انتقل من الغيبة إلى الخطاب مثل‏ إِيََّاكَ نَعْبُدُ بعد قوله‏ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ و حجة من قرأ «لَنُبَوِّئَنَّهُمْ» بالباء قوله‏ «وَ لَقَدْ بَوَّأْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ» و «إِذْ بَوَّأْنََا لِإِبْرََاهِيمَ مَكََانَ اَلْبَيْتِ » و تكون اللام هنا زائدة كزيادتها في قوله‏ «رَدِفَ لَكُمْ» و يجوز أن يكون بوأنا لدعاء إبراهيم (ع) و يكون المفعول محذوفا أي بوأنا لدعائه ناسا مكان البيت و من قرأ لنثوينهم فحجته قوله «وَ مََا كُنْتَ ثََاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ » أي مقيما نازلا فيهم قال الأعشى :

أثوى و قصر ليلة ليزودا # و مضى و أخلف من قتيلة موعدا

و قال حسان :

"ثوى في قريش بضع عشرة حجة"

أي أقام فيهم فإذا تعدى بحرف جر فزيدت عليه الهمزة وجب أن يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر و ليس في الآية حرف جر قال أبو الحسن قرأ الأعمش لنثوينهم من الجنة غرفا و لا يعجبني لأنك لا تقول أثويته الدار قال أبو علي و وجهه أنه كان في الأصل لنثوينهم من الجنة في غرف كما يقول لننزلنهم من الجنة في غرف و حذف الجار كما حذف من قولك"أمرتك الخير فافعل ما أمرت به"و يقوي ذلك أن الغرف و إن كانت أماكن مختصة فقد أجريت المختصة من هذه الحروف مجرى غير المختص نحو قوله:

(كما عسل الطريق الثعلب)

و نحو ذهبت الشام عند سيبويه .

الإعراب‏

خالدين نصب على الحال من الهاء و الميم. «اَلَّذِينَ صَبَرُوا» في موضع جر صفة للعالمين و يكون المخصوص بالمدح محذوفا أي نعم أجر العاملين الصابرين المتوكلين أجرهم و يجوز أن يكون المضاف محذوفا أي نعم أجر العاملين أجر الذين صبروا فحذف المخصوص بالمدح و أقام المضاف إليه مقامه. «وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاََ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللََّهُ» . موضع كأين مرفوع. و من دابة في موضع التبيين له. و قوله «لاََ تَحْمِلُ رِزْقَهَا» صفة للمجرور و يكون قوله الله مبتدأ و يرزقها خبره و الجملة خبر كأين.

455

(1) -

النزول‏

قيل نزلت الآية الأولى في المستضعفين من المؤمنين بمكة أمروا بالهجرة عنها عن مقاتل و الكلبي و نزل قوله «وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاََ تَحْمِلُ رِزْقَهَا» في جماعة كانوا بمكة يؤذيهم المشركون فأمروا بالهجرة إلى المدينة فقالوا كيف نخرج إليها و ليس لنا بها دار و لا عقار و من يطعمنا و من يسقينا.

ـ

المعنى‏

ثم بين سبحانه أنه لا عذر لعباده في ترك طاعته فقال «يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وََاسِعَةٌ» يبعد أقطارها فاهربوا من أرض يمنعكم أهلها من الإيمان و الإخلاص في عبادتي و

قال أبو عبد الله (ع) معناه إذا عصي الله في أرض أنت فيها فاخرج منها إلى غيرها

و قيل معناه إن أرض الجنة واسعة عن الجبائي و أكثر المفسرين على القول الأول «فَإِيََّايَ فَاعْبُدُونِ» أي اعبدوني خالصا و لا تطيعوا أحدا من خلقي في معصيتي و إياي منصوب بفعل مضمر يفسره ما بعده و قد مر بيانه و قيل إن دخول الفاء للجزاء و التقدير إن ضاق بكم موضع فاعبدوني و لا تعبدوا غيري إن أرضي واسعة أمر سبحانه المؤمنين إذا كانوا في بلد لا يلتئم فيه لهم أمر دينهم أن ينتقلوا عنه إلى غيره ثم خوفهم بالموت ليهون عليهم الهجرة فقال‏} «كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ» أي كل نفس أحياها الله بحياة خلقها فيه ذائقة مرارة الموت بأي أرض كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت «ثُمَّ إِلَيْنََا تُرْجَعُونَ» بعد الموت فنجازيكم بأعمالكم ثم ذكر سبحانه ثواب من هاجر فقال‏ «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ» يعني المهاجرين «لَنُبَوِّئَنَّهُمْ» أي لننزلنهم «مِنَ اَلْجَنَّةِ غُرَفاً» أي علالي عاليات «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ» قال ابن عباس لنسكننهم غرف الدر و الزبرجد و الياقوت و لننزلنهم قصور الجنة «خََالِدِينَ فِيهََا» يبقون فيها ببقاء الله «نِعْمَ أَجْرُ اَلْعََامِلِينَ» لله تلك الغرف ثم وصفهم فقال‏} «اَلَّذِينَ صَبَرُوا» على دينهم فلم يتركوه لشدة نالتهم و أذى لحقهم و صبروا على مشاق الطاعات «وَ عَلى‏ََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» في مهمات أمورهم و مهاجرة دورهم ثم قال‏} «وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاََ تَحْمِلُ رِزْقَهَا» أي و كم من دابة لا يكون رزقها مدخرا معدا عن الحسن و قيل معناه لا تطيق حمل رزقها لضعفها و تأكل بأفواهها عن مجاهد و قيل إن الحيوان أجمع من البهائم و الطيور و غيرهما مما يدب على وجه الأرض لا تدخر القوت لغدها إلا ابن آدم و النملة و الفأرة بل تأكل منه قدر كفايتها فقط عن ابن عباس «اَللََّهُ يَرْزُقُهََا وَ إِيََّاكُمْ» أي يرزق تلك الدابة الضعيفة التي لا تقدر على حمل رزقها و يرزقكم أيضا فلا تتركوا الهجرة بهذا السبب‏و

عن عطا عن ابن عمر قال خرجنا مع رسول الله ص حتى دخل بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر و يأكل فقال يا ابن عمر ما لك لا تأكل فقلت لا أشتهيه يا رسول الله قال لكني أشتهيه و هذه صبح رابعة منذ لم أذق‏

456

(1) - طعاما و لو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى و قيصر فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت مع قوم يخبئون رزق سنتهم لضعف اليقين فو الله ما برحنا حتى نزلت هذه الآية «وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاََ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللََّهُ يَرْزُقُهََا وَ إِيََّاكُمْ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ»

أي السميع لأقوالكم عند مفارقة أوطانكم العليم بأحوالكم لا يخفى عليه شي‏ء من سركم و إعلانكم.

457

(1) -

القراءة

قرأ ابن كثير و قالون و أهل الكوفة غير عاصم إلا الأعمش و البرجمي و ليتمتعوا ساكنة اللام و الباقون و «لِيَتَمَتَّعُوا» بكسر اللام.

الحجة

قال أبو علي من كسر اللام و جعلها الجارة كانت متعلقة بالإشراك المعنى يشركون ليكفروا أي لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر و ليس يرد عليهم الشرك نفعا إلا الكفر و التمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة و من قرأ و ليتمتعوا و أراد الأمر كان على معنى التهديد و الوعيد كقوله‏ «وَ اِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ» و «اِعْمَلُوا مََا شِئْتُمْ» و يدل على ذلك قوله في موضع آخر «فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» و الإسكان في لام الأمر سائغ.

اللغة

قال أبو عبيدة الحيوان و الحياة واحد و هما مصدران حي حياة و حيوانا و الحياة عرض يصير الأجزاء بمنزلة الشي‏ء الواحد حتى يصح أن يكون قادرا عالما و خاصية الحياة الإدراك . و التخطف تناول الشي‏ء بسرعة و منه اختطاف الطير لصيده .

الإعراب‏

أنى في قوله «فَأَنََّى يُؤْفَكُونَ» منصوب الموضع فيجوز أن يكون حالا من يؤفكون و التقدير منكرين يؤفكون و يجوز أن يكون مصدرا تقديره أي إفك يؤفكون «وَ يُتَخَطَّفُ اَلنََّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ» جملة في موضع الحال.

المعنى‏

ثم عجب سبحانه و رسوله و المؤمنون من إيمان المشركين بالباطل مع اعترافهم بأن الله هو الخالق الفاعل فقال «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ» أي إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين «مَنْ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ» أي من أنشأهما و أخرجهما من العدم إلى الوجود «وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ» أي من ذللهما و سيرهما في دورانهما على طريقة واحدة لا تختلف «لَيَقُولُنَّ» في جواب ذلك «اَللََّهُ» الفاعل لذلك لأنهم كانوا يقولون بحدوث العالم و النشأة الأولى «فَأَنََّى يُؤْفَكُونَ» أي فكيف يصرفون عن عبادته إلى عبادة حجر لا ينفع و لا يضر} «اَللََّهُ يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ» أي يوسعه «لِمَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ» أي و يضيق ذلك على قدر ما تقتضيه المصلحة و إنما خص بذكر الرزق على الهجرة لئلا يخلفهم عنها خوف العيلة «إِنَّ اَللََّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» يعلم مصالح عباده فيرزقهم بحسبها} «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَحْيََا بِهِ اَلْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهََا لَيَقُولُنَّ» في الجواب عن ذلك «اَللََّهُ قُلِ» يا محمد عند ذلك «اَلْحَمْدُ لِلََّهِ» على كمال قدرته و تمام نعمته و على ما وفقنا للاعتراف بتوحيده و الإخلاص في عبادته ثم قال «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ» توحيد ربهم مع إقرارهم بأنه خالق الأشياء و منزل المطر من السماء لأنهم لا يتدبرون و عن الطريق المفضي‏

458

(1) - إلى الحق يعدلون فكأنهم لا يعقلون‏} «وَ مََا هََذِهِ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ» لأنها تزول كما يزول اللهو و اللعب و يستمتع بها الإنسان مدة ثم تنصرم و تنقطع «وَ إِنَّ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ» يعني الجنة «لَهِيَ اَلْحَيَوََانُ» أي الحياة على الحقيقة لأنها الدائمة الباقية التي لا زوال لها و لا موت فيها و تقديره و إن الدار الآخرة لهي دار الحيوان أو ذات الحيوان لأن الحيوان مصدر كالنزوان و الغليان فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه و المعنى أن حياة الدار الآخرة هي الحياة التي لا تنغيص فيها و لا تكدير «لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ» الفرق بين الحياة الفانية و الحياة الباقية الدائمة أي لو علموا لرغبوا في الباقي و زهدوا في الفاني‏و لكنهم لا يعلمون «فَإِذََا رَكِبُوا فِي اَلْفُلْكِ دَعَوُا اَللََّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ» أخبر الله سبحانه عن حال هؤلاء الكفار فقال إنهم إذا ركبوا في السفن في البحر و هاجت به الرياح و تلاطمت به الأمواج و خافوا الهلاك أخلصوا الدعاء لله مستيقنين أنه لا يكشف السوء إلا هو و تركوا شركاءهم فلم يطلبوا منهم إنجاءهم «فَلَمََّا نَجََّاهُمْ إِلَى اَلْبَرِّ إِذََا هُمْ يُشْرِكُونَ» أي فلما خلصهم إلى البر و أمنوا الهلاك عادوا إلى ما كانوا عليه من الإشراك معه في العبادة} «لِيَكْفُرُوا بِمََا آتَيْنََاهُمْ وَ لِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» إن جعلت اللام للأمر فمعناه التهديد أي ليجحدوا نعم الله في إنجائه إياهم و ليتمتعوا بباقي عمرهم فسوف يعلمون عاقبة كفرهم و إن جعلتها لام كي فالمعنى أنهم يشركون ليكفروا و قد مر معناه‏} «أَ وَ لَمْ يَرَوْا» أي أ لم يعلم هؤلاء الكفار «أَنََّا جَعَلْنََا حَرَماً آمِناً» يأمن أهله فيه من القتل و الغارة «وَ يُتَخَطَّفُ اَلنََّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ» أي يقتل بعضهم بعضا فيما حولهم و هم آمنون في الحرم ذكرهم سبحانه النعمة بذلك ليذعنوا له بالطاعة و ينزجروا عن عبادة غيره ثم قال مهددا لهم «أَ فَبِالْبََاطِلِ يُؤْمِنُونَ» أي يصدقون بعبادة الأصنام و هي باطلة مضمحلة «وَ بِنِعْمَةِ اَللََّهِ» التي أنعم بها عليهم «يَكْفُرُونَ» ثم قال «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً» أي لا ظالم أظلم ممن أضاف إلى الله ما لم يقله من عبادة الأصنام و غيرها «أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ» أي بالقرآن و قيل بمحمد ص «لَمََّا جََاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكََافِرِينَ» هذا استفهام تقرير أي أ ما لهؤلاء الكفار المكذبين مثوى في جهنم و هذا مبالغة في إنجاز الوعيد لهم‏} «وَ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا» أي جاهدوا الكفار ابتغاء مرضاتنا و طاعة لنا و جاهدوا أنفسهم في هواها خوفا منا و قيل معناه اجتهدوا في عبادتنا رغبة في ثوابنا و رهبة في عقابنا «لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا» أي لنهدينهم السبل الموصلة إلى ثوابنا عن ابن عباس و قيل لنوفقنهم لازدياد الطاعات فيزداد ثوابهم و قيل معناه و الذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة و قيل معناه و الذين يعملون بما يعلمون لنهدينهم إلى ما لا يعلمون «وَ إِنَّ اَللََّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ» بالنصر و المعونة في دنياهم و الثواب و المغفرة في عقباهم و بالله التوفيق.

459

(1) -

(30) سورة الروم مكية و آياتها ستون (60)

توضيح‏

هي مكية قال الحسن إلا قوله «فَسُبْحََانَ اَللََّهِ حِينَ تُمْسُونَ» الآية

عدد آيها

تسع و خمسون مكية و المدني الأخير و الباقون ستون آية.

اختلافها

أربع آيات «الم» كوفي «غُلِبَتِ اَلرُّومُ » غير الكوفي و المدني الأخير فِي بِضْعِ سِنِينَ» غير الكوفي و المدني الأول «يُقْسِمُ اَلْمُجْرِمُونَ» المدني الأول.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأها كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ملك سبح لله ما بين السماء و الأرض و أدرك ما ضيع في يوم و ليلته.

تفسيرها

أجمل في آخر العنكبوت ذكر المجاهدين ثم فصل في هذه السورة فقال:

460

(1) -

اللغة

قال الزجاج الغلب و الغلبة مصدر غلبت مثل الجلب و الجلبة و الغلبة الاستيلاء على القرن بالقهر و البضع القطعة من العدد ما بين الثلاثة إلى العشرة و هو من بضعته أي قطعته تبضيعا و منه البضاعة القطعة من المال تدور في التجارة قال المبرد البضع ما بين العقدين في جميع الأعداد و الفرح و السرور نظيران و تقيضهما الغم و ليس شي‏ء من ذلك بجنس و الصحيح أنها من جنس الاعتقاد .

الإعراب‏

«مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ» تقديره من بعد أن غلبوا فالمصدر مضاف إلى المفعول.

وعد الله مصدر مؤكد لأن قوله «سَيَغْلِبُونَ» وعد من الله للمؤمنين فالمعنى وعد الله ذلك وعدا.

المعنى‏

«الم» مر تفسيره‏} «غُلِبَتِ اَلرُّومُ » قال المفسرون غلبت فارس الروم و ظهروا عليهم على عهد رسول الله ص و فرح بذلك كفار قريش من حيث إن أهل فارس لم يكونوا أهل كتاب‏و ساء ذلك المسلمين و كان بيت المقدس لأهل الروم كالكعبة للمسلمين فدفعتهم فارس عنه و قوله‏} «فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ» أي في أدنى الأرض من أرض العرب عن الزجاج و قيل في أدنى الأرض من أرض الشام إلى أرض فارس يريد الجزيرة و هي أقرب أرض الروم إلى فارس عن مجاهد و قيل يريد أذرعات و كسكر عن عكرمة «وَ هُمْ» يعني الروم «مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ» أي من بعد غلبة فارس إياهم سيغلبون فارس } «فِي بِضْعِ سِنِينَ» و هذه من الآيات الدالة على أن القرآن من عند الله عز و جل لأن فيه أنباء ما سيكون و ما يعلم ذلك إلا الله عز و جل «لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ» أي من قبل أن غلبت الروم و من بعد أن غلبت فإن شاء جعل الغلبة لأحد الفريقين على الآخر و إن شاء جعل الغلبة للفريق الآخر عليهم و إن شاء أهلكهما جميعا «وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ اَلْمُؤْمِنُونَ ` بِنَصْرِ اَللََّهِ» أي و يوم يغلب الروم فارسا يفرح المؤمنون بدفع الروم فارسا عن بيت المقدس لا بغلبة الروم على بيت المقدس فإنهم كفار و يفرحون أيضا لوجوه أخر و هو اغتمام المشركين بذلك و لتصديق خبر الله عز و جل و خبر رسوله و لأنه مقدمة لنصرهم على المشركين‏} «يَنْصُرُ مَنْ يَشََاءُ» من عباده «وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ» في الانتقام من أعدائه «اَلرَّحِيمُ» بمن أناب إليه من خلقه‏ «وَعْدَ اَللََّهِ» أي وعد الله ذلك «لاََ يُخْلِفُ اَللََّهُ وَعْدَهُ» بظهور الروم على فارس «وَ لََكِنَّ أَكْثَرَ اَلنََّاسِ» يعني كفار مكة «لاََ يَعْلَمُونَ» صحة ما أخبرناه لجهلهم بالله تعالى‏

461

(1) -} «يَعْلَمُونَ ظََاهِراً مِنَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ هُمْ عَنِ اَلْآخِرَةِ هُمْ غََافِلُونَ» أي يعلمون منافع الدنيا و مضارها و متى يزرعون و متى يحصدون و كيف يجمعون و كيف يبنون و هم جهال بالآخرة فعمروا دنياهم و خربوا آخرتهم عن ابن عباس و قال الحسن بلغ و الله من علم أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظهره فيخبرك بوزنه و ما يحسن أن يصلي و

سئل أبو عبد الله (ع) عن قوله «يَعْلَمُونَ ظََاهِراً مِنَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا» فقال منه الزجر و النجوم.

[القصة]

عن الزهري قال كان المشركون يجادلون المسلمين و هم بمكة يقولون أن الروم أهل كتاب و قد غلبهم الفرس و أنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي أنزل إليكم على نبيكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم و أنزل الله تعالى «الم ` غُلِبَتِ اَلرُّومُ » إلى قوله «فِي بِضْعِ سِنِينَ»

قال فأخبرني عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا بكر ناحب بعض المشركين قبل أن يحرم القمار على شي‏ء إن لم تغلب فارس في سبع سنين فقال رسول الله ص لم فعلت فكل ما دون العشرة بضع‏

فكان ظهور فارس على الروم في تسع سنين ثم أظهر الله الروم على فارس زمن الحديبية ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب و روى أبو عبد الله الحافظ بالإسناد عن ابن عباس في قوله «الم ` غُلِبَتِ اَلرُّومُ» قال قد مضى كان ذلك في أهل فارس و الروم و كانت فارس قد غلبت عليهم ثم غلبت الروم بعد ذلك و لقي نبي الله مشركي العرب و التقت الروم و فارس فنصر الله النبي ص و من معه من المسلمين على مشركي العرب و نصر أهل الكتاب على مشركي العجم ففرح المسلمون بنصر الله إياهم و نصر أهل الكتاب على العجم قال عطية و سألت أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال التقينا مع رسول الله ص و مشركو العرب و التقت الروم و فارس فنصرنا الله على مشركي العرب و نصر أهل الكتاب على المجوس ففرحنا بنصر الله إيانا على مشركي العرب و نصر أهل الكتاب على المجوس فذلك قوله «يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ اَلْمُؤْمِنُونَ ` بِنَصْرِ اَللََّهِ» و قال سفيان الثوري سمعت أنهم ظهروا يوم بدر و قال مقاتل فلما كان يوم بدر غلب المسلمون كفار مكة و أخبر رسول الله ص أن الروم غلبت فارسا ففرح المؤمنون بذلك‏و روي أنهم استردوا بيت المقدس و أن ملك الروم مشى إليك شكرا و بسطت له الرياحين فمشى عليها و قال الشعبي لم تمض تلك المدة

462

(1) - التي عقدها أبو بكر مع أبي بن خلف حتى غلبت الروم فارسا و ربطوا خيولهم بالمدائن و بنوا الرومية فأخذ أبو بكر الخطر من ورثته و جاء به إلى رسول الله ص فتصدق به و روي أن أبا بكر لما أراد الهجرة تعلق به أبي و أخذ ابنه عبد الله بن أبي بكر كفيلا فلما أراد أن يخرج أبي إلى حرب أحد تعلق به عبد الله بن أبي بكر و أخذ منه ابنه كفيلا و جرح أبي في أحد و عاد إلى مكة فمات من تلك الجراحة جرحه رسول الله ص و جاءت الرواية

عن النبي ص أنه قال لفارس نطحة أو نطحتان ثم قال لا فارس بعدها أبدا و الروم ذات القرون كلما ذهب قرن خلف قرن هبهب إلى آخر الأبد

و المعنى أن فارس تنطح نطحة أو نطحتين فيبطل ملكها و يزول أمرها

ـ

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير البرجمي و الشموني عن أبي بكر عاقبة بالنصب و الباقون بالرفع.

الحجة

قال أبو علي من نصب عاقبة جعلها خبر كان و نصبها متقدمة كما قال‏ وَ كََانَ‏

463

(1) - حَقًّا عَلَيْنََا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ فأما اسمها على هذه القراءة فيجوز أن يكون أحد الشيئين السوأى عاقبة الذين أساءوا و يكون إن كذبوا مفعولا له أي لأن كذبوا و لا يجوز أن يكون كذبوا متعلقا بقوله «أَسََاؤُا» على هذا لأنك تفصل بين الصلة و الموصول باسم كان أو يكون إن كذبوا اسم كان و التقدير ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساءوا و يكون السوأى على هذا مصدرا لأساءوا لأن فعلى من أبنية المصادر كالرجعى و الشورى و البشرى و يدل على أن السوأى و السوء بمنزلة المصدر ما أنشده أبو عمرو :

أنى جزوا عامرا سوءا بفعلهم # أم كيف يجزونني السوأى من الحسن‏

و من رفع عاقبة جاز أن يكون الخبر أحد الشيئين السوأى و إن كذبوا كما جاز في النصب أن يكون كل واحد منهما الاسم و معنى الذين أساءوا الذين أشركوا و التقدير ثم كان عاقبة المسي‏ء التكذيب بآيات الله أي لم يظفر في كفره و شركه بشي‏ء إلا بالتكذيب و إذا جعلت أن كذبوا نفس الخبر جعلت السوأى في موضع نصب بأنه مصدر و قد يجوز أن يكون السوأى صفة لموصوف محذوف كأنه قال الخلة السوأى أو الخلال السوأى.

المعنى‏

ثم حث سبحانه على التفكر و التدبر فيما يدل على توحيده من خلق السماوات و الأرض ثم في أحوال القرون الخالية و الأمم الماضية فقال «أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ» أي في حال الخلوة لأن في تلك الحالة يتمكن الإنسان من نفسه و يحضره ذهنه و قيل معناه أ و لم يتفكروا في خلق الله أنفسهم و المعنى أ و لم يتفكروا فيعلموا و حذف لأن في الكلام دليلا عليه «مََا خَلَقَ اَللََّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ» قال الزجاج معناه إلا للحق أي لإقامة الحق و معناه للدلالة على الصانع و التعريض للثواب «وَ أَجَلٍ مُسَمًّى» أي و لوقت معلوم توفى فيه كل نفس ما كسبت‏و قيل معناه خلقها في أوقات قدرها اقتضت المصلحة خلقها فيها و لم يخلقها عبثا عن الجبائي (سؤال) قالوا كيف يعلم المتفكر في نفسه إن الله سبحانه لم يخلق شيئا إلا بالحق و كيف يعلم الآخرة (جواب) قلنا إذا علم بالنظر في نفسه أنه محدث مخلوق و إن له محدثا قديما قادرا عالما حيا و أنه لا يفعل القبيح و أنه حكيم علم أنه لم يخلقه عبثا و إنما خلقه لغرض و هو التعريض للثواب و ذلك لا يتم إلا بالتكليف فلا بد إذا من الجزاء فإذا لم يوجد في الدنيا فلا بد من دار أخرى يجازى فيها و يعلم إذا خلق ما لا ينتفع بنفسه فلا بد أن يكون الغرض أن ينتفع الحي به «وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ بِلِقََاءِ رَبِّهِمْ لَكََافِرُونَ» أي بلقاء جزاء ربهم و بالبعث و بيوم القيامة لجاحدون غير معترفين ثم نبههم سبحانه دفعة أخرى فقال‏} «أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كََانَ‏

464

(1) - عََاقِبَةُ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» من الأمم «كََانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً» فهلكوا و بادوا فيعتبروا بهم لعلمهم أنهم أهلكوا بتكذيبهم «وَ أَثََارُوا اَلْأَرْضَ» أي و قلبوها و حرثوها بعمارتها عن مجاهد «وَ عَمَرُوهََا أَكْثَرَ مِمََّا عَمَرُوهََا» أي أكثر مما عمرها هؤلاء الكفار لأنهم كانوا أكثر أموالا و أطول أعمارا و أكثر أعدادا فحفروا الأنهار و غرسوا الأشجار و بنوا الدور و شيدوا القصور ثم تركوها و صاروا إلى القبور و إلى الهلاك و الثبور «وَ جََاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ» أي أتتهم رسلهم بالدلالات من عند الله و في الكلام حذف تقديره فجحدوا الرسل و كذبوا بتلك الرسل فأهلكهم الله بالعذاب «فَمََا كََانَ اَللََّهُ لِيَظْلِمَهُمْ» بأن يهلكهم من غير استحقاق «وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» بأن جحدوا رسل الله و أشركوا معه في العبادة سواه حتى استحقوا العذاب عاجلا و آجلا} «ثُمَّ كََانَ عََاقِبَةَ اَلَّذِينَ أَسََاؤُا» إلى نفوسهم بالكفر بالله و تكذيب رسله و ارتكاب معاصيه «اَلسُّواى‏ََ» أي الخلة التي تسوء صاحبها إذا أدركها و هي عذاب النار عن ابن عباس و قتادة «أَنْ كَذَّبُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ كََانُوا بِهََا يَسْتَهْزِؤُنَ» أي لتكذيبهم بآيات الله و استهزائهم بها.

465

(1) -

القراءة

قرأ يرجعون بالياء أبو عمرو غير عباس و أوقية و سهل و حماد و يحيي مختلف عنهما و الباقون بالتاء و قرأ حمزة و الكسائي و كذلك تخرجون بفتح التاء و الباقون بضمها و فتح الراء و في الشواذ قراءة عكرمة حينا تمسون و ما بعده.

الحجة

قال أبو علي حجة الياء إن المتقدم ذكره غيبة «يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» و الخلق هم المخلوقون في المعنى‏و جاء قوله «ثُمَّ يُعِيدُهُ» على لفظ الخلق و قوله «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» على المعنى و لم يرجع على لفظ الواحد و وجه التاء أنه صار الكلام من الغيبة إلى الخطاب و حجة من قرأ يخرجون قوله‏ «مِنَ اَلْأَجْدََاثِ إِلى‏ََ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ» و حجة «تُخْرَجُونَ» مَنْ بَعَثَنََا مِنْ مَرْقَدِنََا و قوله‏ «كَذََلِكَ نُخْرِجُ اَلْمَوْتى‏ََ» و إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ و أما قوله «حِينَ تُمْسُونَ» فالمراد تمسون فيه فحذف فيه تخفيفا على مذهب صاحب الكتاب في نحوه و مثله قوله تعالى‏ «وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً» أي لا تجزي فيه قال ابن جني قال سيبويه حذف فيه معتبطا لحرف الجر و الضمير لدلالة الفعل عليهما و قال أبو الحسن حذف في فبقي تجزيه لأنه أوصل الفعل إليه ثم حذف الضمير من بعد فهما حذفان متتاليان شيئا على شي‏ء.

اللغة

الإبلاس اليأس من الخير و قيل هو التحير عند لزوم الحجة قال العجاج :

يا صاح هل تعرف رسما مكرسا # قال نعم أعرفه و أبلسا

و الحبرة المسرة و منه الحبر العالم و الحبر الجمال و في‏

الحديث يخرج رجل من النار ذهب حبره و سبره‏

أي جماله و سحناؤه و التحبير التحسين الذي يسر به‏ و خص ذكر الروضة هاهنا لأنه ليس عند العرب شي‏ء أحسن منها قال الأعشى :

ما روضة من رياض الحزن معشبة # خضراء جاد عليها مسبل هطل

466

(1) - يضاحك الشمس منها كوكب شرق # موزر بعميم النبت مكتهل

يوما بأطيب منها نشر رائحة # و لا بأحسنت منها إذ دنا الأصل‏

.

الإعراب‏

«وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ» يوم ظرف ليتفرقون و يومئذ بدل عنه و موضع الكاف من كذلك نصب بقوله «تُخْرَجُونَ» .

ـ

المعنى‏

ثم ذكر سبحانه قدرته على الإعادة فقال «اَللََّهُ يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» أي يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانوا «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» فيجازيهم بأعمالهم‏} «وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ يُبْلِسُ اَلْمُجْرِمُونَ» أي يوم تقوم القيامة ييأس الكافرون من رحمة الله تعالى و نعمة التي يفيضها على المؤمنين‏و قيل يتحيرون و تنقطع حججهم بظهور جلائل آيات الآخرة التي يقع عندها علم الضرورة} «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكََائِهِمْ شُفَعََاءُ» أي لم يكن لهم من أوثانهم التي عبدوها ليشفعوا لهم شفعاء تشفع لهم أو تدفع عنهم كما زعموا أنا نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى «وَ كََانُوا بِشُرَكََائِهِمْ كََافِرِينَ» يعني أن المشركين يتبرءون من الأوثان و ينكرون كونها آلهة و يقرون بأن الله لا شريك له عن الجبائي و أبي مسلم «وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ» أي تظهر القيامة «يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ» فيصير المؤمنون أصحاب اليمين و المشركون أصحاب الشمال فيتفرقون تفرقا لا يجتمعون بعده و قال الحسن لئن كانوا اجتمعوا في الدنيا ليتفرقن يوم القيامة هؤلاء في أعلى عليين و هؤلاء في أسفل السافلين و هو قوله «فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ» أي في الجنة ينعمون و يسرون سرورا يبين لهم عليهم عن قتادة و مجاهد و منه قيل كل حبرة تتبعها عبرة و الروضة البستان المتناهي منظرا و طيبا و قال ابن عباس يحبرون أي يكرمون و قيل يلذذون بالسماع‏

عن يحيي بن أبي كثير و الأوزاعي أخبرنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد البيهقي قال‏

467

(1) - أخبرنا جدي الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال حدثنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد قال أخبرنا أبو الحسن علي بن بندار قال حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن القرباني قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله ص قال ما من عبد يدخل الجنة إلا و يجلس عند رأسه و عند رجليه ثنتان من الحور العين تغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس و الجن و ليس بمزمار الشيطان و لكن بتمجيد الله و تقديسه‏

و

عن أبي الدرداء قال كان رسول الله ص يذكر الناس فذكر الجنة و ما فيها من الأزواج و النعيم و في القوم أعرابي فجثا لركبتيه و قال يا رسول الله هل في الجنة من سماع قال نعم يا أعرابي إن في الجنة نهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء يتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة

قال الراوي سألت أبا الدرداء بم يتغنين قال بالتسبيح و عن إبراهيم إن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا[هذا الحديث ليس في بعض النسخ و في أكثرها موجود]و

عن أبي هريرة قال قال رسول الله ص الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين منها كما بين السماء و الأرض و الفردوس أعلاها سموا و أوسطها محلةو منها تنفجر أنهار الجنة فقام إليه رجل و قال يا رسول الله إني رجل حبب إلي الصوت فهل لي في الجنة صوت حسن فقال أي و الذي نفسي بيده إن الله تعالى يوحي إلى شجرة في الجنة أن أسمعي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي و ذكري عن عزف البرابط و المزامير فترفع صوتا لم يسمع الخلائق بمثله قط من تسبيح الرب‏

ثم أخبر عن حال الكافرين فقال‏} «وَ أَمَّا اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ لِقََاءِ اَلْآخِرَةِ» أي بدلائلنا و بالبعث يوم القيامة «فَأُولََئِكَ فِي اَلْعَذََابِ مُحْضَرُونَ» أي فيه محصلون و لفظة الإحضار لا تستعمل إلا فيما يكرهه الإنسان يقال أحضر فلان مجلس القضاء إذا جي‏ء به لما لا يؤثره و منه حضور الوفاة ثم ذكر سبحانه ما تدرك به الجنة فقال‏}} «فَسُبْحََانَ اَللََّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ ` وَ لَهُ اَلْحَمْدُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ» و هذا خبر و المراد به الأمر أي فسبحوه و نزهوه عما لا يليق به أو ينافي تعظيمه من صفات النقص بأن تصفوه بما يليق به من الصفات و الأسماء. و الإمساء الدخول في المساء و هو مجي‏ء الليل و الإصباح نقيضه و هو الدخول في الصباح و هو مجي‏ء

468

(1) - ضياء النهار و له الثناء و المدح في السماوات و الأرض أي هو المستحق لمدح أهلها لإنعامه عليهم و عشيا أي و في العشي و حين تدخلون في الظهيرة و هي نصف النهار و إنما خص تعالى هذه الأوقات بالذكر بالحمد و إن كان حمده واجبا في جميع الأوقات لأنها أوقات تذكر بإحسان الله و ذلك إن انقضاء إحسان أول إلى إحسان ثان يقتضي الحمد عند تمام الإحسان الأول و الأخذ في الآخر كما أخبر سبحانه عن حمد أهل الجنة بقوله‏ «وَ آخِرُ دَعْوََاهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ» لأن ذلك حال الانتقال من نعيم الدنيا إلى الجنة و قيل إن الآية تدل على الصلوات الخمس في اليوم و الليلة لأن قوله «حِينَ تُمْسُونَ» يقتضي المغرب و العشاء الآخرة «وَ حِينَ تُصْبِحُونَ» يقتضي صلاة الصبح «وَ عَشِيًّا» يقتضي صلاة العصر «وَ حِينَ تُظْهِرُونَ» يقتضي صلاة الظهر عن ابن عباس و مجاهد و هو الأحسن لأنه خص هذه الأوقات بالذكر و قيل إنما خص صلاة الليل باسم التسبيح و صلاة النهار باسم الحمد لأن الإنسان في النهار متقلب في أحوال توجب الحمد لله عليها و في الليل على أحوال توجب تنزيه الله تعالى من الأسواء فيها فلذلك صار الحمد في النهار أخص فسميت به صلاة النهار و التسبيح بالليل أخص فسميت به صلاة الليل‏} «يُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ» أي يخرج الإنسان من النطفة و يخرج النطفة من الإنسان عن ابن عباس و ابن مسعود و قيل يخرج المؤمن من الكافر و يخرج الكافر من المؤمن عن مجاهد و قد ذكرنا فيما تقدم «وَ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا» بالنبات بعد جدوبها «وَ كَذََلِكَ تُخْرَجُونَ» أي كما أحيا الأرض بالنبات كذلك يحييكم بالبعث‏و تخرجون من قبوركم أحياء} «وَ مِنْ آيََاتِهِ» أي و من دلالاته على وحدانيته و كمال قدرته «أَنْ خَلَقَكُمْ» أي خلق آدم الذي هو أبوكم و أصلكم «مِنْ تُرََابٍ» ثم خلقكم منه و ذلك قوله «ثُمَّ إِذََا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ» أي ثم إذا أنتم ذرية بشر من لحم و دم تنبسطون في الأرض و تنصرفون على ظهرها و تتفرقون في أطرافها فهلا دلكم ذلك على أنه لا يقدر على ذلك غيره تعالى و أنه لا يستحق العبادة سواه.

469

(1) -

القراءة

قرأ حفص «لِلْعََالِمِينَ» بكسر اللام الأخيرة و الباقون بفتحها.

الحجة

قال أبو علي خص العالمين في رواية حفص و إن كانت الآية لكافة الناس عالمهم و جاهلهم لأن العالم لما تدبر فاستدل بما شاهده على ما لم يستدل عليه غيره صار كأنه ليس بآية لغير العالم لذهابه عنها و تركه الاعتبار بها و من قال للعالمين فلأن ذلك في الحقيقة دلالة و موضع اعتبار و إن ترك تاركون لغفلتهم أو لجهلهم التدبر بها و الاستدلال بها.

الإعراب‏

في قوله «وَ مِنْ آيََاتِهِ يُرِيكُمُ اَلْبَرْقَ» أقوال (أحدها) إن التقدير و من آياته أن يريكم فلما حذف أن ارتفع الفعل كقول طرفة :

أ لا أي هذا الزاجري أحضر الوغى # و أن أشهد اللذات هل أنت مخلدي‏

و في المثل تسمع بالمعيدي خير من أن تراه (و ثانيها) أن التقدير و من آياته آية يريكم البرق بها ثم حذف لدلالة من عليها و مثله من الشعر:

و ما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت و أخرى أبتغي العيش أكدح‏

أي فمنها تارة أموتها أي أموت فيها (و ثالثها) أن يكون التقدير و يريكم البرق خوفا و طمعا و من آياته فيكون عطفا لجملة على جملة و قوله «خَوْفاً وَ طَمَعاً» منصوبان على تقدير

470

(1) - اللام و التقدير لتخافوا خوفا و لتطمعوا طمعا ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض الجار يتعلق بمحذوف في موضع الحال من الكاف و الميم أي إذا دعاكم خارجين من الأرض و إن شئت كان وصفا للنكرة أي دعوة ثابتة من هذه الجهة و لا يجوز أن يتعلق بيخرجون لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبله.

ـ

المعنى‏

ثم عطف سبحانه على ما قدمه من تنبيه العبيد على دلائل التوحيد فقال «وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» أي جعل لكم من شكل أنفسكم و من جنسكم «أَزْوََاجاً» و إنما من سبحانه علينا بذلك لأن الشكل إلى الشكل أميل عن أبي مسلم و قيل معناه أن حواء خلقت من ضلع آدم (ع) عن قتادة و قيل إن المراد بقوله «مِنْ أَنْفُسِكُمْ» أن النساء خلقن من نطف الرجال‏ «لِتَسْكُنُوا إِلَيْهََا» أي لتطمئنوا إليها و تألفوا بها و يستأنس بعضكم ببعض «وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً» يريد بين المرأة و زوجها جعل سبحانه بينهما المودة و الرحمة فهما يتوادان و يتراحمان و ما شي‏ء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما قال السدي المودة المحبة و الرحمة الشفقة «إِنَّ فِي ذََلِكَ» أي في خلق الأزواج مشاكلة للرجال «لَآيََاتٍ» أي لدلالات واضحات «لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» في ذلك و يعتبرون به ثم نبه سبحانه على آية أخرى فقال‏} «وَ مِنْ آيََاتِهِ» الدالة على توحيده «خَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» و ما فيهما من عجائب خلقه و بدائع صنعه مثل ما في السماوات من النجوم و الشمس و القمر و جريها في مجاريها على غاية الاتساق و النظام و ما في الأرض من أنواع الجماد و النبات و الحيوان المخلوقة على وجه الأحكام «وَ اِخْتِلاََفُ أَلْسِنَتِكُمْ» فالألسنة جمع لسان و اختلافها هو أن ينشئها الله تعالى مختلفة في الشكل و الهيأة و التركيب فتختلف نغماتها و أصواتها حتى أنه لا يشتبه صوتان من نفسين هما إخوان و قيل إن اختلاف الألسنة هو اختلاف اللغات من العربية و العجمية و غيرهما و لا شي‏ء من الحيوانات تتفاوت لغاتها كتفاوت لغات الإنسان فإن كانت اللغات توقيفيا من قبل الله تعالى فهو الذي فعلها و ابتدأها و إن كانت مواضعة من قبل العباد فهو الذي يسرها «وَ أَلْوََانِكُمْ» أي و اختلاف ألوانكم من البياض و الحمرة و الصفرة و السمرة و غيرها فلا يشبه أحد أحدا مع التشاكل في الخلقة و ما ذلك إلا للتراكيب البديعة و اللطائف العجيبة الدالة على كمال قدرته و حكمته حتى لا يشتبه اثنان من الناس و لا يلتبسان مع كثرتهم‏ «إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ» أي أدلة واضحات «لِلْعََالِمِينَ» أي للمكلفين‏} «وَ مِنْ آيََاتِهِ» الدالة على توحيده و إخلاص العبادة له «مَنََامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ وَ اِبْتِغََاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ» بالنهار و هذا تقديره أي يصرفكم في طلب المعيشة و المنام و النوم بمعنى واحد و قيل إن الليل و النهار معا وقت للنوم و وقت لابتغاء الفضل لأن من الناس من‏

471

(1) - يتصرف في كسبه ليلا و ينام نهارا فيكون معناه و من دلائله النوم الذي جعله الله راحة لأبدانكم بالليل و قد تنامون بالنهار فإذا انتبهتم انتشرتم لابتغاء فضل الله «إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ» ذلك فيقبلونه و يتفكرون فيه لأن من لا يتفكر فيه لا ينتفع به فكأنه لم يسمعه «وَ مِنْ آيََاتِهِ يُرِيكُمُ اَلْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً» معناه و من دلالاته أن يريكم النار تنقدح من السحاب يخافه المسافر و يطمع فيه المقيم عن قتادة و قيل خوفا من الصواعق و طمعا في الغيث عن الضحاك و قيل خوفا من أن يخلف و لا يمطر و طمعا في المطر عن أبي مسلم «وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً» أي غيثا و مطرا «فَيُحْيِي بِهِ» أي بذلك الماء «اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا» أي بعد انقطاع الماء عنها و جدوبها «إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» أي للعقلاء المكلفين‏ «وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ تَقُومَ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ بِأَمْرِهِ» بلا دعامة تدعمها و لا علاقة تتعلق بها بأمره لهما بالقيام كقوله تعالى‏ «إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» و قيل بأمره أي بفعله و إمساكه إلا أن أفعال الله عز اسمه تضاف إليه بلفظ الأمر لأنه أبلغ في الاقتدار فإن قول القائل أراد فكان أو أمر فكان أبلغ في الدلالة على الاقتدار من أن يقول فعل فكان و معنى القيام الثبات و الدوام و يقال السوق قائمة «ثُمَّ إِذََا دَعََاكُمْ دَعْوَةً مِنَ اَلْأَرْضِ» أي من القبر عن ابن عباس يأمر الله عز اسمه إسرافيل (ع) فينفخ في الصور بعد ما يصور الصور في القبور فيخرج الخلائق كلهم من قبورهم «إِذََا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ» من الأرض أحياء و قيل أنه سبحانه جعل النفخة دعاء لأن إسرافيل يقول أجيبوا داعي الله فيدعو بأمر الله سبحانه و قيل إن معناه أخرجكم من قبوركم بعد أن كنتم أمواتا فيها فعبر عن ذلك بالدعاء إذ هو بمنزلة الدعاء و بمنزلة كن فيكون في سرعة تأتي ذلك و امتناع التعذر و إنما ذكر سبحانه هذه المقدورات على اختلافها ليدل عباده على أنه القادر الذي لا يعجزه شي‏ء العالم الذي لا يعزب عنه شي‏ء و تدل هذه الآيات على فساد قول من قال إن المعارف ضرورية لأن ما يعرف ضرورة لا يمكن الاستدلال عليه.

472

(1) -

الإعراب‏

«هَلْ لَكُمْ مِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ مِنْ شُرَكََاءَ» لكم الجار و المجرور في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ و المبتدأ من شركاء و من مزيدة و من في قوله «مِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» تتعلق بما يتعلق به اللام و يجوز أن يتعلق بمحذوف و يكون في موضع نصب على الحال و العامل في الحال ما يتعلق به اللام. «فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوََاءٌ» جملة في موضع نصب لأنه جواب قوله «هَلْ لَكُمْ مِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ مِنْ شُرَكََاءَ» و تقديره فتستووا و قوله «تَخََافُونَهُمْ» أي تخافون أن يساووكم كخيفتكم مساواة بعضكم بعضا. حنيفا نصب على الحال. فطرة الله منصوب بمعنى اتبع فطرة الله لأن معنى «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ اَلْقَيِّمِ» اتبع الدين القيم فيكون بدلا من وجهك في المعنى.

ـ

المعنى‏

ثم قال سبحانه بعد أن ذكر الدلالات الدالة على توحيده «وَ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» من العقلاء يملكهم و يملك التصرف فيهم و إنما خص العقلاء لأن ما عداهم في حكم التبع لهم ثم أخبر سبحانه عن جميعهم فقال «كُلٌّ لَهُ قََانِتُونَ» أي كل له مطيعون في الحياة و البقاء و الموت و البعث و إن عصوا في العبادة عن ابن عباس و هذا مفسر في سورة البقرة } «وَ هُوَ اَلَّذِي يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» أي يخلقهم إنشاء و يخترعهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الإفناء فجعل سبحانه ما ظهر من ابتداء خلقه دليلا على ما خفي من إعادته استدلالا بالشاهد على الغائب ثم أكد ذلك بقوله «وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» هو يعود إلى مصدر يعيده فالمعنى و الإعادة أهون و قيل فيه أقوال (أحدها) أن معناه و هو هين عليه كقوله‏ «اَللََّهِ أَكْبَرُ» أي كبير لا يدانيه أحد في كبريائه و كقول الشاعر:

473

(1) -

لعمرك ما أدري و إني لأوجل # على أينا تغدو المنية أول‏

فمعنى لأوجل أي وجل و قال الفرزدق :

إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعز و أطول‏

أي عزيزة طويلة و قد قيل فيه أنه أراد أعز و أطول من دعائم بيوت العرب و قال آخر:

تمنى رجال أن أموت و إن أمت # فتلك سبيل لست فيها بأوحد

أي بواحد هذا قول أهل اللغة (و الثاني) أنه إنما قال أهون لما تقرر في العقول إن إعادة الشي‏ء أهون من ابتدائه و معنى أهون أيسر و أسهل و هم كانوا مقرين بالابتداء فكأنه قال لهم كيف تقرون بما هو أصعب عندكم و تنكرون ما هو أهون عندكم (الثالث) إن الهاء في عليه يعود إلى الخلق و هو المخلوق أي و الإعادة على المخلوق أهون من النشأة الأولى لأنه إنما يقال له في الإعادة كن فيكون و في النشأة الأولى كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كسيت العظام لحما ثم نفخ فيه الروح فهذا على المخلوق أصعب و الإنشاء يكون أهون عليه و هذا قول النحويين و مثله يروى عن ابن عباس قال و هو أهون على المخلوق لأنه يقول له يوم القيامة كن فيكون و أما ما يروى عن مجاهد أنه قال الإنشاء أهون عليه من الابتداء فقوله مرغوب عنه لأنه تعالى لا يكون عليه شي‏ء أهون من شي‏ء «وَ لَهُ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلى‏ََ» أي و له الصفات العليا «فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» و هي أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له لأنها دائمة يصفه بها الثاني كما يصفه بها الأول عن قتادة و قيل هي أنه ليس كمثله شي‏ء عن ابن عباس و قيل هي جميع ما يختص به عز اسمه من الصفات العلى التي لا يشاركه فيها سواه و الأسماء الحسنى التي تفيد التعظيم كالقاهر و الإله «وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ» في ملكه «اَلْحَكِيمُ» في خلقه ثم احتج سبحانه على عبدة الأوثان فقال‏} «ضَرَبَ لَكُمْ» أيها المشركون «مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ» أي بين لكم شبها لحالكم ذلك المثل من أنفسكم ثم بينه فقال «هَلْ لَكُمْ مِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» أي من عبيدكم و إمائكم «مِنْ شُرَكََاءَ فِي مََا رَزَقْنََاكُمْ» من المال و الأملاك و النعم أي هل يشاركونكم في أموالكم و هو قوله «فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوََاءٌ» أي فأنتم و شركاؤكم من عبيدكم و إمائكم فيما رزقناكم شرع سواء «تَخََافُونَهُمْ» أن يشاركوكم فيما ترثونه من آبائكم «كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ» أي كما يخاف الرجل الحر شريكه الحر في المال يكون بينهما أن ينفرد دونه فيه بأمر و كما يخاف الرجل شريكه في الميراث أن يشاركه لأنه يجب أن ينفرد به فهو يخاف شريكه يعني أن هذه الصفة لا تكون بين المالكين و المملوكين‏

474

(1) - كما تكون بين الأحرار و معنى أنفسكم هاهنا أمثالكم من الأحرار كقوله‏ «وَ لاََ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ» و كقوله‏ «ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً» أي بأمثالهم من المؤمنين و المؤمنات و المعنى أنكم إذا لم ترضوا في عبيدكم أن يكونوا شركاء لكم في أموالكم و أملاككم فكيف ترضون لربكم أن يكون له شركاء في العبادة قال سعيد بن جبير لأنه كانت تلبية قريش لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه و ما ملك فأنزل الله تعالى الآية ردا عليهم و إنكارا لقولهم «كَذََلِكَ» أي كما ميزنا لكم هذه الأدلة «نُفَصِّلُ اَلْآيََاتِ» أي الأدلة «لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» فيتدبرون ذلك ثم قال سبحانه مبينا لهم أنهم إنما اتبعوا أهواءهم فيما أشركوا به‏} «بَلِ اِتَّبَعَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا» أي أشركوا بالله «أَهْوََاءَهُمْ» في الشرك «بِغَيْرِ عِلْمٍ» يعلمونه جاءهم من الله «فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اَللََّهُ» أي فمن يهدي إلى الثواب و الجنة من أضله الله عن ذلك عن الجبائي و قيل معناه من أضل عن الله الذي هو خالقه و رازقه و المنعم عليه مع ما نصبه له من الأدلة فمن يهديه بعد ذلك عن أبي مسلم قال و هو من قولهم أضل فلان بعيره بمعنى ضل بعيره عنه قال الشاعر:

هبوني امرءا منكم أضل بعيره # له ذمة إن الذمام كثير

و إنما المعنى ضل بعيره عنه «وَ مََا لَهُمْ مِنْ نََاصِرِينَ» ينصرونهم و يدفعون عنهم عذاب الله تعالى إذا حل بهم ثم خاطب سبحانه نبيه ص و المراد جميع المكلفين و قال‏} «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ» أي أقم قصدك للدين و المعنى كن معتقدا للدين و قيل معناه اثبت و دم على الاستقامة و قيل معناه أخلص دينك عن سعيد بن جبير و قيل معناه سدد عملك فإن الوجه ما يتوجه إليه‏و عمل الإنسان و دينه مما يتوجه الإنسان إليه لتشديده و إقامته «حَنِيفاً» أي مائلا إليه ثابتا عليه مستقيما فيه لا يرجع عنه إلى غيره «فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا» فطرة الله الملة و هي الدين و الإسلام و التوحيد التي خلق الناس عليها و لها و بها أي لأجلها و التمسك بها فيكون كقوله‏ «وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ» و هو كما يقول القائل لرسوله بعثتك على هذا و لهذا و بهذا و المعنى واحد و منه‏

قول النبي ص كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه و ينصرانه و يمجسانه‏

و قيل معناه اتبع من الدين ما دلك عليه فطرة الله و هو ابتداء خلقه للأشياء لأنه خلقهم و ركبهم و صورهم على وجه يدل على أن لهم صانعا قادرا عالما حيا قديما واحدا لا يشبه شيئا و لا يشبهه شي‏ء عن أبي مسلم «لاََ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللََّهِ» أي لا تغيير لدين الله الذي أمر الناس بالثبات عليه في التوحيد و العدل و إخلاص العبادة لله عن الضحاك و مجاهد