مجمع البيان في تفسير القرآن - ج9

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
424 /
3

الجزء التاسع‏

(1) -

(41) سورة فصلت مكية و آياتها أربع و خمسون (54)

نزلت بعد غافر

عدد آيها

أربع و خمسون آية كوفي ثلاث حجازي آيتان بصري شامي.

اختلافها

آيتان «حم» كوفي « عََادٍ وَ ثَمُودَ » حجازي كوفي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال من قرأ حم السجدة أعطي بعدد كل حرف منها عشر حسنات‏

و

روى ذريح المحاربي عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ حم السجدة كانت له نورا يوم القيامة مد بصره و سرورا و عاش في هذه الدنيا مغبوطا محمودا.

تفسيرها

ختم الله سورة المؤمن بذكر المنكرين لآيات الله و افتتح هذه السورة بمثل ذلك فقال:

4

(1) -

الإعراب‏

قال الزجاج تنزيل رفع بالابتداء و خبره «كِتََابٌ فُصِّلَتْ» هذا مذهب البصريين و قال الفراء يجوز أن يكون تنزيل يرتفع بحم و يجوز أن يرتفع بإضمار هذا و المعنى هذا تنزيل أو هو تنزيل و قوله « قُرْآناً عَرَبِيًّا» نصب قرآنا على الحال بمعنى بينت آياته في حال جمعه و بشيرا و نذيرا من صفته.

المعنى‏

«حم» قد تقدم القول فيه و قيل في وجه الاشتراك في افتتاح هذه السور السبع بحم أنه للمشاكلة التي بينها بما يختص به و ليس لغيرها و ذلك أن كل واحدة منها استفتحت بصفة الكتاب مع تقاربها في الطول و مع شدة تشاكل الكلام في النظم‏} «تَنْزِيلٌ مِنَ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ» نزل به جبرائيل على محمد ص } «كِتََابٌ فُصِّلَتْ آيََاتُهُ» وصف الكتاب بالتفصيل دون الإجمال لأن التفصيل يأتي على وجوه البيان أي الذي بينت آياته بيانا تاما و التبيين فيه على وجوه منها تبيين الواجب مما ليس بواجب و تبيين الأولى في الحكمة مما ليس بأولى و تبيين الجائز مما ليس بجائز و تبيين الحق من الباطل و تبيين الدليل على الحق مما ليس بدليل و تبيين ما يرغب فيه مما لا يرغب فيه و تبيين ما يحذر منه مما لا يحذر منه إلى غير ذلك من الوجوه و قيل فصلت آياته بالأمر و النهي و الوعد و الوعيد و الترغيب‏و الترهيب و الحلال و الحرام و المواعظ و الأمثال و قيل فصلت أي نظمت آياته على أحسن نظام و أوضح بيان « قُرْآناً عَرَبِيًّا» وصفه بأنه قرآن لأنه جمع بعضه إلى بعض و بأنه عربي لأنه يخالف جميع اللغات التي ليست بعربية و كل ذلك يدل على حدوث القرآن «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» اللسان العربي و يعجزون عن مثله فيعرفون إعجازه و قيل يعلمون أن القرآن من عند الله نزل. عن الضحاك } «بَشِيراً وَ نَذِيراً» يبشر المؤمن بما فيه من الوعد و ينذر الكافر بما فيه من الوعيد «فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ» يعني أهل مكة عدلوا عن الإيمان بالله و التدبر فيه «فَهُمْ لاََ يَسْمَعُونَ» أي لا يسمعونه سمع تفكر و قبول‏فكأنهم لا يسمعونه حقيقة} «وَ قََالُوا قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ» أي في أغطية عن مجاهد و السدي «مِمََّا تَدْعُونََا إِلَيْهِ» فلا نفقه ما تقول و إنما قالوا ذلك ليؤيسوا النبي ص من قبولهم دينه فكأنهم شبهوا قلوبهم بما يكون في غطاء فلا يصل إليه شي‏ء مما وراءه «وَ فِي آذََانِنََا وَقْرٌ» أي ثقل عن استماع القرآن و صمم «وَ مِنْ بَيْنِنََا وَ بَيْنِكَ حِجََابٌ» أي بيننا و بينك فرقة في الدين و حاجز في النحلة فلا نوافقك على ما تقول عن الزجاج و قيل إنه تمثيل بالحجاب ليؤيسوه من الإجابة عن علي بن عيسى «فَاعْمَلْ إِنَّنََا عََامِلُونَ» قيل أن أبا جهل رفع ثوبا بينه و بين النبي ص فقال يا محمد أنت من ذلك الجانب و نحن من هذا

5

(1) - الجانب فاعمل أنت على دينك و مذهبك إننا عاملون على ديننا و مذهبنا عن مقاتل و قيل معناه فاعمل في هلاكنا إنا عاملون في هلاكك عن الفراء و قيل فاعمل به في إبطال أمرنا إنا عاملون في إبطال أمرك و هذا غاية في العناد.

القراءة

قرأ أبو جعفر سواء بالرفع و قرأ يعقوب سواء بالجر و الباقون بالنصب «سَوََاءً» .

الحجة

من قرأ سواء بالرفع جعله خبر مبتدإ محذوف أي هي سواء و من قرأ سواء بالجر جعله صفة أيام التقدير في أربعة أيام مستويات تامات و أما النصب فعلى المصدر على معنى استوت سواء و استواء.

المعنى‏

ثم قال لنبيه ص «قُلْ» يا محمد لهؤلاء الكفار «إِنَّمََا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ» من ولد آدم لحم و دم و إنما خصني الله تعالى بنبوته و ميزني منكم بأن أوحى إلي و لو لا الوحي ما دعوتكم و هو قوله «يُوحى‏ََ إِلَيَّ أَنَّمََا إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وََاحِدٌ» لا شريك له في العبادة «فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ» أي لا تميلوا عن سبيله‏و توجهوا إليه بالطاعة كما يقال استقم إلى منزلك أي لا تعدل عنه إلى غيره «وَ اِسْتَغْفِرُوهُ» من الشرك و اطلبوا المغفرة لذنوبكم من جهته ثم أوعدهم فقال «وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ` اَلَّذِينَ لاََ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ» أي لا يعطون الزكاة المفروضة

6

(1) - و فيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بالشرائع و هذا هو الظاهر و قيل معناه لا يطهرون أنفسهم من الشرك بقول لا إله إلا الله فإنها زكاة الأنفس عن عطاء عن ابن عباس و هذا كما يقال أعطى فلان من نفسه الطاعة أي ألزمها نفسه‏و قد وصف سبحانه الكفر بالنجاسة بقوله‏ إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ و ذكر الزكاة بمعنى التطهير في قوله‏ خَيْراً مِنْهُ زَكََاةً و قيل معناه لا يقرون بالزكاة و لا يرون إيتاءها و لا يؤمنون بها عن الحسن و قتادة و عن الكلبي عابهم الله بها و قد كانوا يحجون و يعتمرون و قيل لا ينفقون في‏الطاعة و لا يتصدقون عن الضحاك و مقاتل و كان يقول الزكاة قنطرة الإسلام و قال الفراء الزكاة في هذا الموضع أن قريشا كانت تطعم الحاج و تسقيهم فحرموا ذلك على من آمن بمحمد ص } «وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كََافِرُونَ» و هم مع ذلك يجحدون بما أخبر الله تعالى به من أحوال الآخرة ثم عقب سبحانه ما ذكره من وعيد الكافرين بذكر الوعد للمؤمنين فقال‏} «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي صدقوا بأمر الآخرة من الثواب و العقاب «وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ» أي الطاعات «لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» أي لهم جزاء على ذلك غير مقطوع بل هو متصل دائم و يجوز أن يكون معناه أنه لا أذى فيه من المن الذي يكدر الصنيعة ثم وبخهم سبحانه على كفرهم فقال‏} «قُلْ» يا محمد لهم على وجه الإنكار عليهم «أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ اَلْأَرْضَ» و هذا استفهام تعجيب‏أي كيف تستجيزون أن تكفروا و تجحدوا نعمة من خلق الأرض «فِي يَوْمَيْنِ» أي في مقدار يومين «وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدََاداً» أي أمثالا و أشباها تعبدونهم و في هذا دلالة على أنه سبحانه إنما يستدل على إثبات ذاته و صفاته بأفعاله فهي دالة على إثبات صفاته إما بنفسها كما يدل صحة الفعل على كونه قادرا و أحكامه على كونه عالما و إما بواسطة كما يدل كونه قادرا عالما على كونه حيا موجودا سميعا بصيرا «ذََلِكَ رَبُّ اَلْعََالَمِينَ» أي ذلك الذي خلق الأرض في يومين خالق العالمين و مالك التصرف فيهم‏} «وَ جَعَلَ فِيهََا» أي في الأرض «رَوََاسِيَ» أي جبالا راسيات ثابتات «مِنْ فَوْقِهََا» أي من فوق الأرض «وَ بََارَكَ فِيهََا» بما خلق فيها من المنافع و قيل بأن أنبت شجرها من غير غرس و أخرج نبتها من غير زرع و بذر و أودعهامما ينتفع به العباد عن السدي «وَ قَدَّرَ فِيهََا أَقْوََاتَهََا» أي قدر في الأرض أرزاق أهلها على حسب الحاجة إليها في قوام أبدان الناس و سائر الحيوان و قيل قدر في كل بلدة منها ما لم يجعله في أخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد «فِي أَرْبَعَةِ أَيََّامٍ» أي في تتمة أربعة أيام من حين ابتداء الخلق فاليومان الأولان داخلان فيها كما تقول خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام و إلى الكوفة في خمسة عشر يوما أي في تتمة خمسة عشر يوما «سَوََاءً لِلسََّائِلِينَ» أي مستوية كاملة من غير زيادة و لا نقصان للسائلين عن مدة خلق الأرض و قيل معناه للذين‏

7

(1) - يسألون الله أرزاقهم و يطلبون أقواتهم فإن كلا يطلب القوت و يسأله عن قتادة و السدي و اختلف في علة خلق الأرض و ما فيها في أربعة أيام فقيل إنما خلق ذلك شيئا بعد شي‏ء في هذه الأيام الأربعة ليعلم الخلق أن من الصواب التأني في الأمور و ترك الاستعجال فيهافإنه سبحانه كان قادرا على أن يخلق ذلك في لحظة واحدة عن الزجاج و قيل إنما خلق ذلك في هذه المدة ليعلم بذلك أنها صادرة عن قادر مختار عالم بالمصالح و بوجوه الأحكام إذ لو صدرت عن مطبوع أو موجب لحصلت في حالة واحدة و

روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي ص أنه قال إن الله تعالى خلق الأرض في يوم الأحد و الإثنين و خلق الجبال يوم الثلاثاء و خلق الشجر و الماء و العمران و الخراب يوم الأربعاء فتلك أربعة أيام و خلق يوم الخميس السماء و خلق يوم الجمعة الشمس و القمر و النجوم و الملائكة و آدم .

ـ

الإعراب‏

طوعا و كرها مصدران وضعا موضع الحال التقدير ائتيا تطيعان إطاعة أو

8

(1) - تكرهان كرها و طائعين يدل على ذلك و هو منصوب على الحال. «سَبْعَ سَمََاوََاتٍ» أيضا منصوب على الحال بعد الفراغ من الفعل.

المعنى‏

ثم ذكر سبحانه خلق السماوات فقال «ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ وَ هِيَ دُخََانٌ» أي ثم قصد إلى خلق السماءو كانت السماء دخانا و قال ابن عباس كانت بخار الأرض و أصل الاستواء الاستقامة و القصد للتدبير المستقيم تسوية له و قيل معناه ثم استوى أمره إلى السماء عن الحسن «فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ» قال ابن عباس أتت السماء بما فيها من الشمس و القمر و النجوم و أتت الأرض بما فيها من الأنهار و الأشجار و الثمار و ليس هناك أمر بالقول على الحقيقة و لا جواب لذلك القول بل أخبر الله سبحانه عن اختراعه السماوات و الأرض و إنشائه لهما من غير تعذر و لا كلفة و لا مشقة بمنزلة ما يقال للمأمور افعل فيفعل من غير تلبث و لا توقف فعبر عن ذلك بالأمر و الطاعة و هو كقوله إِنَّمََا أَمْرُهُ إِذََا أَرََادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و إنما قال «أَتَيْنََا طََائِعِينَ» و لم يقل أتينا طائعتين لأن المعنى أتينا بمن فينا من العقلاء فغلب حكم العقلاء عن قطرب و قيل أنه لما خوطبن خطاب من يعقل جمعن جمع من يعقل كما قال‏ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ و مثله كثير في كلامهم قال:

فأجهشت للبوباة حين رأيته # و كبر للرحمن حين رآني

فقلت له أين الذين رأيتهم # بجنبك في خفض و طيب زمان

فقال مضوا و استودعوني بلادهم # و من ذا الذي يبقى على الحدثان‏

و قال آخر:

ألا أنعم صباحا أيها الرسم و أنطق # و حدث حديث الحي إن شئت و أصدق‏

و قد ذكرنا فيما تقدم من أمثال ذلك ما فيه كفاية و قوله سبحانه «ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ» يفيد أنه خلق السماء بعد الأرض و خلق الأقوات فيها و قال سبحانه في موضع آخر وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ دَحََاهََا و على هذا فتكون الفائدة فيه أن الأرض كانت مخلوقة غير مدحوة فلما خلق الله السماء دحا بعد ذلك الأرض و بسطها و إنما جعل الله السماء أولا دخانا ثم سموات أطباقا

9

(1) - ثم زينها بالمصابيح ليدل ذلك على أنه سبحانه قادر لنفسه لا يعجزه شي‏ء. عالم لذاته لا يخفى عليه شي‏ء. غني لا يحتاج و كلما سواه محتاج إليه سبحانه و تعالى‏} «فَقَضََاهُنَّ» أي صنعهن‏و أحكمهن و فرغ من خلقهن «سَبْعَ سَمََاوََاتٍ فِي يَوْمَيْنِ» يوم الخميس و الجمعة قال السدي إنما سمي جمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات و الأرض «وَ أَوْحى‏ََ فِي كُلِّ سَمََاءٍ أَمْرَهََا» أي خلق فيها ما أراده من ملك و غيره عن السدي و قتادة و قيل معناه و أمر في كل سماء بما أراد عن مقاتل و قيل و أوحى إلى أهل كل سماء من الملائكة ما أمرهم به من العبادة عن علي بن عيسى «وَ زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِمَصََابِيحَ» سمي الكواكب مصابيح لأنه يقع الاهتداء بها كقوله‏ «وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» «وَ حِفْظاً» أي و حفظناها من استماع الشياطين قيل بالكواكب حفظا «ذََلِكَ» الذي ذكر «تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ» في ملكه لا يمتنع عليه شي‏ء «اَلْعَلِيمِ» بمصالح خلقه لا يخفى عليه شي‏ء ثم عقب سبحانه دلائل التوحيد بذكر الوعيد لأهل الشرك و الجحود من العبيد فقال‏} «فَإِنْ أَعْرَضُوا» عن الإيمان بك بعد هذا البيان «فَقُلْ» يا محمد لهم مخوفا إياهم «أَنْذَرْتُكُمْ صََاعِقَةً مِثْلَ صََاعِقَةِ عََادٍ وَ ثَمُودَ » أي استعدوا للعذاب فقد خوفتكم عذابا مثل عذاب عاد و ثمود لما أعرضوا عن الإيمان و الصاعقة المهلكة من كل شي‏ء و هي في العرف اسم للنار التي تنزل من السماء فتحرق‏} «إِذْ جََاءَتْهُمُ اَلرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ» . إذ متعلقة بقوله «صََاعِقَةً» و التقدير نزلت بهم حين أتتهم الرسل من قبلهم و من بعدهم عن ابن عباس يعني به الرسل الذين جاءوا آباءهم و الرسل الذين جاءوهم في أنفسهم لأنهم كانوا خلف من جاء آباءهم من الرسل فيكون الهاء و الميم في من خلفهم للرسل و قيل معناه أن منهم من تقدم زمانهم و منهم من تأخر قال البلخي و يجوز أن يكون المراد: أتاهم أخبار الرسل من هاهنا و من هاهنا «أَلاََّ تَعْبُدُوا» أي أرسلناهم بأن لا تعبدوا «إِلاَّ اَللََّهَ» وحده و لا تشركوا بعبادته غيره «قََالُوا» أي فقال المشركون عند ذلك «لَوْ شََاءَ رَبُّنََا» أن نؤمن به و نخلع الأنداد «لَأَنْزَلَ مَلاََئِكَةً» تدعونا إلى ذلك و لم يبعث بشرا مثلنا و كأنهم‏أنفوا من الانقياد لبشر مثلهم و جهلوا أن الله تعالى يبعث الأنبياء على حسب ما يعلمه من مصالح عباده و يعلم من يصلح للقيام بأعباء النبوة «فَإِنََّا بِمََا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كََافِرُونَ» أي أظهروا الكفر بهم و الجحود ثم فصل سبحانه أخبارهم فقال‏} «فَأَمََّا عََادٌ فَاسْتَكْبَرُوا» أي تجبروا و عتوا «فِي اَلْأَرْضِ» و تكبروا على أهلها «بِغَيْرِ اَلْحَقِّ» أي بغير حق جعله الله لهم بل للكفر المحض و الظلم الصراح «وَ قََالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنََّا قُوَّةً» اغتروا

10

(1) - بقوتهم لما هددهم بالعذاب فقالوا نحن نقدر على دفعه بفضل قوتنا إذ لا أحد أشد منا قوة فقال الله سبحانه ردا عليهم «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللََّهَ اَلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً» أي أ و لم يعلموا أن الله الذي خلقهم و خلق فيهم هذه القوة أعظم اقتدارا منهم فلو شاء أهلكهم «وَ كََانُوا بِآيََاتِنََا» أي بدلالاتنا «يَجْحَدُونَ» ينكرونها و لا يعترفون بها.

القراءة

قرأ أبو جعفر و ابن عامر و أهل الكوفة «نَحِسََاتٍ» بكسر الحاء و الباقون نحسات بسكونها و قرأ نافع و يعقوب نحشر بالنون أعداء الله بالنصب و الباقون «يُحْشَرُ» بالياء على ما لم يسم فاعله «أَعْدََاءُ اَللََّهِ» بالرفع.

الحجة

قال أبو علي النحس كلمة يكون على ضربين (أحدهما) أن يكون اسما (و الآخر) أن يكون وصفا مما جاء فيه اسما مصدرا قوله‏ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ فالإضافة إليه يدل على أنه اسم ليس بوصف لا يضاف إليه الموصوف‏و قال المفسرون في نحسات قولين (أحدهما) الشديدة البرد (و الآخر) أنها المشئومة عليهم فتقدير قوله‏ فِي يَوْمِ نَحْسٍ في يوم مشئوم و قالوا يوم نحس و يوم نحس فمن أضافه كان مثل ما في التنزيل و من أجراه على الأول احتمل أمرين (أحدهما) أن يكون وصفا مثل فسل و رذل (و الآخر) أن يكون‏

11

(1) - مصدرا وصف به نحو رجل عدل فمن قرأ في أيام نحسات فأسكن الحاء أسكنها لأنه صفة مثل الخزعبلات و صعبات‏و يجوز أن يكون جمع المصدر و تركه على إسكانه في الجمع كما قالوا زورة و عدلة قال أبو الحسن لم أسمع في النحس إلا الإسكان و قال أبو عبيدة نحسات ذوات نحس فيمكن أن يكون من كسر العين جعله صفة من باب فرق و نزق و جمع على ذلك و من قرأ نحشر أعداء الله فحجته أنه معطوف على قوله «وَ نَجَّيْنَا» و يقويه قوله‏ يَوْمَ نَحْشُرُ اَلْمُتَّقِينَ إِلَى اَلرَّحْمََنِ وَفْداً و من قرأ «يُحْشَرُ» فبنى الفعل للمفعول به يقويه قوله «فَهُمْ يُوزَعُونَ» و كلا الأمرين حسن.

اللغة

اشتقاق الصرصر من الصرير ضوعف اللفظ إشعارا بمضاعفة المعنى يقال صر يصر صريرا و صرصر يصرصر صرصرة و ريح صرصر شديدة الصوت و أصله صرر ثم قلبت الراء صادا كما يقال نهنهه و نههه و كفكفه و كففه‏قال النابغة :

أكفكف عبرة غلبت عزائي # إذا نهنهتها عادت ذباحا

الخزي: الهوان الذي يستحيي من مثله خوفا من الفضيحة و الهون: الهوان و الوزع:

المنع و الكف و منه قول الحسن "لا بد للناس من وزعة" .

الإعراب‏

قوله: «وَ يَوْمَ يُحْشَرُ» انتصب الظرف بمدلول قوله «فَهُمْ يُوزَعُونَ» لأن يوما بمنزلة إذا و لا ينتصب بقوله «وَ نَجَّيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» لأنه ماض و قوله «وَ يَوْمَ يُحْشَرُ» مستقبل فلا يعمل فيه الماضي.

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن إهلاكهم بقوله «فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً» أي عاصفا شديدة الصوت من الصرة و هي الصيحةو قيل هي الباردة من الصر و هو البرد عن ابن عباس و قتادة و قال الفراء هي الباردة تحرق كما تحرق النار «فِي أَيََّامٍ نَحِسََاتٍ» أي نكدات مشئومات ذوات نحوس عن مجاهد و قتادة و السدي و النحس سبب الشر و السعد سبب الخير و بذلك سميت سعود النجوم و نحوسها و قيل نحسات ذوات غبار و تراب حتى لا يكاد يبصر بعضهم بعضا عن الجبائي و قيل نحسات باردات و العرب تسمي البرد نحسا عن أبي مسلم

12

(1) - «لِنُذِيقَهُمْ عَذََابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا» أي فعلنا ذلك بهم لنذيقهم عذاب الهون و الذل و هو العذاب الذي يجزون في الدنيا فيوقنوا بقوة معذبهم و بقدرته عليهم و يظهر ذلك لمن رأى حالهم «وَ لَعَذََابُ اَلْآخِرَةِ أَخْزى‏ََ» و أفضح من ذلك «وَ هُمْ لاََ يُنْصَرُونَ» أي لا يدفع عنهم العذاب الذي ينزل بهم ثم ذكر قصة ثمود فقال «وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ» أي بينا لهم سبيل الخير و الشر عن قتادة و قيل دللناهم و بينا لهم الحق عن ابن عباس و السدي و ابن زيد «فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمى‏ََ عَلَى اَلْهُدى‏ََ» فاختاروا العمى في الدين على قبول الهدى و بئس الاختيار ذلك عن الحسن . و قيل اختاروا الكفر على الإيمان عن ابن زيد و الفراء «فَأَخَذَتْهُمْ صََاعِقَةُ اَلْعَذََابِ اَلْهُونِ» أي ذي الهون و هو الذي يهينهم و يخزيهم و قد قيل أن كل عذاب صاعقة لأن كل من يسمعها يصعق لها «بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ» من تكذيبهم صالحا و عقرهم الناقة} «وَ نَجَّيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كََانُوا يَتَّقُونَ» الشرك أي و نجينا صالحا و من آمن به من العذاب ثم أخبر سبحانه عن أحوال الكفار يوم القيامة فقال «وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدََاءُ اَللََّهِ إِلَى اَلنََّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ» أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا و لا يتفرقوا و المعنى إذا حشروا وقفوا «حَتََّى إِذََا مََا جََاؤُهََا» أي جاءوا النار التي حشروا إليها «شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصََارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ» أي شهد عليهم سمعهم بما قرعه من الدعاء إلى الحق فأعرضوا عنه و لم يقبلوه و أبصارهم بما رأوا من الآيات الدالة على وحدانية الله فلم يؤمنوا و سائر جلودهم بما باشروه من المعاصي و الأفعال القبيحة و قيل في شهادة الجوارح قولان (أحدهما) أن الله تعالى يبنيها بنية الحي و يلجئها إلى الاعتراف و الشهادة بما فعله أصحابه (و الآخر) أن الله يفعل فيها الشهادة و إنما أضاف الشهادة إليها مجازا و قيل في ذلك أيضا وجه ثالث و هو أنه يظهر فيها أمارات دالة على كون أصحابها مستحقين للنار فسمي ذلك شهادة مجازا كما يقال عيناك تشهدان بسهرك و قيل أن المراد بالجلود هنا الفروج على طريق الكناية عن ابن عباس و المفسرين.

ـ

13

(1) -

القراءة

في الشواذ قراءة الحسن و عمرو بن عبيد و إن يستعتبوا بضم الياء و فتح التاء فما هم من المعتبين بكسر التاء.

الحجة

قال ابن جني معناه لو استعطفوا لما عطفوا لأنه لا غناء عندهم و لا خير فيهم فيجيبوا إلى جميل.

اللغة

الإنطاق جعل القادر على الكلام ينطق إما بالإلجاء إلى النطق أو الدعاء إليه و النطق إدارة اللسان في الفم بالكلام و لذلك لا يوصف سبحانه بأنه ناطق و إن وصف بأنه متكلم و الإرداء الإهلاك يقال أراده فردي يردى‏فهو رد قال الأعشى :

أ في الطوف خفت علي الردى # و كم من رد أهله لم يرم‏

و الاستعتاب طلب العتبي و هي الرضاء و هو الاسترضاء و الإعتاب الإرضاء و أصل الإعتاب عند العرب استصلاح الجلد بإعادته في الدباغ ثم استعير فيما يستعطف به البعض بعضا لإعادته ما كان من الألفة و أصل التقييض التبديل و منه المقايضة و هي مبادلة مال بمال قال الشماخ :

تذكرت لما أثقل الدين كأهلي # و عاب بزيد ما أردت تعذرا

14

(1) - رجالا مضوا مني فلست مقايضا # بهم أبدا من سائر الناس معشرا

.

الإعراب‏

«وَ ذََلِكُمْ ظَنُّكُمُ» ذلكم مبتدأ و ظنكم خبره و أرداكم خبر بعد خبر و إن أضمرت قد فجعلته حالا جاز أي ذلكم ظنكم مرديا إياكم و يجوز أن يكون ذلكم مبتدأ و ظنكم بدلا منه و أرداكم خبر المبتدأ.

المعنى‏

ثم حكى سبحانه عنهم بقوله «وَ قََالُوا» يعني الكفار «لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنََا» أي يعاتبون أعضاءهم فيقولون لها لم شهدتم علينا «قََالُوا» أي فتقول جلودهم في جوابهم «أَنْطَقَنَا اَللََّهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ» أي مما ينطق و المعنى أعطانا الله آلة النطق و القدرة على النطق و تم الكلام ثم قال سبحانه «وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» في الآخرة أي إلى حيث لا يملك أحد الأمر و النهي سواه تعالى و ليس هذا من جواب الجلود «وَ مََا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ» أي من أن يشهد «عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لاََ أَبْصََارُكُمْ وَ لاََ جُلُودُكُمْ» معناه و ما كنتم تستخفون أي لم يكن يتهيأ لكم أن تستروا أعمالكم عن هذه الأعضاء لأنكم كنتم بها تعملون فجعلها الله شاهدة عليكم في القيامة و قيل معناه و ما كنتم تتركون المعاصي حذراأن تشهد عليكم جوارحكم بها لأنكم ما كنتم تظنون ذلك «وَ لََكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اَللََّهَ لاََ يَعْلَمُ كَثِيراً مِمََّا تَعْمَلُونَ» لجهلكم بالله تعالى فهان عليكم ارتكاب المعاصي لذاك و روي عن ابن مسعود أنها نزلت في ثلاثة نفر تساروا و قالوا أ ترى الله يسمع سرارنا.

و يجوز أن يكون المعنى إنكم عملتم عمل من ظن أن عمله يخفى على الله كما يقال أهلكت نفسي أي عملت عمل من أهلك النفس و قيل: إن الكفار كانوا يقولون إن الله لا يعلم ما في أنفسنا و لكنه يعلم ما يظهر عن ابن عباس } «وَ ذََلِكُمْ ظَنُّكُمُ اَلَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدََاكُمْ» ذلكم مبتدأ و ظنكم خبره و أرداكم خبر ثان و يجوز أن يكون ظنكم بدلا من ذلكم و يكون المعنى و ظنكم الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون أهلككم إذ هون عليكم أمر المعاصي و أدى بكم إلى الكفر «فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ» أي فظللتم من جملة من خسرت تجارته لأنكم خسرتم الجنة و حصلتم في النار

قال الصادق (ع) ينبغي للمؤمن أن يخاف الله خوفا كأنه يشرف على النار و يرجوه رجاءكأنه من أهل الجنة أن الله تعالى يقول «وَ ذََلِكُمْ ظَنُّكُمُ اَلَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ» الآية ثم قال إن الله عند ظن عبده به إن خيرا فخير و إن شرا فشر

ثم أخبر سبحانه عن حالهم فقال‏} «فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنََّارُ مَثْوىً لَهُمْ» أي فإن يصبر هؤلاء على النار و آلامها و ليس المراد به الصبر المحمود و لكنه الإمساك عن إظهار الشكوى و عن الاستغاثة

15

(1) - فالنار مسكن لهم «وَ إِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمََا هُمْ مِنَ اَلْمُعْتَبِينَ» أي و إن يطلبوا العتبي و سألوا الله تعالى أن يرضى عنهم فليس لهم طريق إلى الإعتاب فما هم ممن يقبل عذرهم و يرضى عنهم و تقدير الآية أنهم إن صبروا و سكتوا أو جزعوا فالنار مأواهم كما قال سبحانه: «اِصْلَوْهََا فَاصْبِرُوا أَوْ لاََ تَصْبِرُوا سَوََاءٌ عَلَيْكُمْ» و المعتب هو الذي يقبل عتابه و يجاب إلى ما سأل و قيل معناه و إن يستغيثوا فما هم من المغاثين‏} «وَ قَيَّضْنََا لَهُمْ قُرَنََاءَ» أي هيأنا لهم قرناء من الشياطين عن مقاتل و معناه بدلناهم قرناء: سوء من الجن و الإنس مكان قرناء الصدق الذين أمروا بمقارنتهم فلم يفعلوا بين الله سبحانه إنه إنما فعل ذلك عقوبة لهم على مخالفتهم و نظيره‏ وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمََنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطََاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ و قيل: معناه خلينا بينهم و بين قرناء السوء بما استوجبوه من الخذلان عن الحسن «فَزَيَّنُوا لَهُمْ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ» أي زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا حتى آثروه و عملوا له و ما خلفهم من أمر الآخرة بدعائهم إلى أنه لا بعث و لا جزاء عن الحسن و السدي و قيل فزينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة فقالوا لا جنة و لا نار و لا بعث و لا حساب و ما خلفهم من أمر الدنيا من جمع الأموال و ترك النفقة في وجوه البر عن الفراء و قيل: ما بين أيديهم ما قدموه من أفعالهم السيئة حتى ارتكبوها و ما خلفهم ما سنوه لغيرهم ممن يأتي بعدهم‏ «وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ» أي وجب عليهم الوعيد و العذاب «فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ» أي صاروا في أمم أمثالهم كذبوا لتكذيبهم قد مضوا قبلهم وجب عليهم العذاب بعصيانهم ثم قال سبحانه «إِنَّهُمْ كََانُوا خََاسِرِينَ» خسروا الجنة و نعيمها.

16

(1) -

اللغة

اللغو الكلام الذي لا معنى له يستفاد و إلغاء الكلمة إسقاط عملها يقال لغي يلغى و يلغو لغوا و لغا يلغى لغا قال عن اللغا و رفث التكلم.

الإعراب‏

ذلك مبتدأ و «جَزََاءُ أَعْدََاءِ اَللََّهِ» خبره و النار بدل من قوله «جَزََاءُ أَعْدََاءِ اَللََّهِ» و يجوز أن تكون النار تفسيرا كأنه قيل ما هو فقيل يقول هو النار قال الزجاج قوله: «لَهُمْ فِيهََا دََارُ اَلْخُلْدِ» أي لهم في النار دار الخلد و النار هي الدار كما تقول لك في هذه الدار دار سرور و أنت تعي الدار بعينها كما قال الشاعر:

أخو رغائب يعطيها و يسألها # يأبى الظلامة منه النوفل الزفر

فيكون ذلك من باب التجريد و موضع «أَلاََّ تَخََافُوا» نصب تقديره تتنزل عليهم الملائكة بأن لا تخافوا فلما حذف الباء وصل الفعل فنصبه.

المعنى‏

ثم عطف سبحانه على ما تقدم من ذكر الكفار فقال «وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» أي قال رؤساؤهم لأتباعهم أو قال بعضهم لبعض يعني كفار قريش «لاََ تَسْمَعُوا لِهََذَا اَلْقُرْآنِ » الذي يقرؤه محمد و لا تصغوا إليه «وَ اِلْغَوْا فِيهِ» أي عارضوه باللغو و الباطل و بما لا يعتد به من الكلام «لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ» أي لتغلبوه باللغو و الباطل و لا يتمكن أصحابه من الاستماع و قيل الغوا فيه بالتخليط في القول و المكاء و الصفير عن مجاهد و قيل: معناه ارفعوا أصواتكم في وجهه بالشعر و الرجز عن ابن عباس و السدي لما عجزوا عن معارضة القرآن احتالوا في اللبس على غيرهم و تواصوا بترك استماعه و الإلغاء عنه فيه عند قراءته ثم أوعدهم‏

17

(1) - الله سبحانه فقال‏} «فَلَنُذِيقَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَذََاباً شَدِيداً» في الدنيا بالأسر و القتل يوم بدر و قيل في الآخرة «وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ اَلَّذِي كََانُوا يَعْمَلُونَ» أي نجازيهم بأقبح الجزاء على أقبح معاصيهم و هو الكفر و الشرك و خص الأسوأ بالذكر للمبالغة في الزجر و قيل: معناه لنجزينهم بأسوإ أعمالهم و هي المعاصي دون غيرها مما لا يستحق به العذاب‏} «ذََلِكَ» يعني ما تقدم الوعيد به «جَزََاءُ أَعْدََاءِ اَللََّهِ» الذين عادوه بالعصيان و الكفر و عادوا أولياءه من الأنبياء و المؤمنين «اَلنََّارُ» و هي النار و الكون فيها «لَهُمْ فِيهََا دََارُ اَلْخُلْدِ» أي منزل الدوام و التأبيد «جَزََاءُ» لهم و عقوبة «بِمََا كََانُوا بِآيََاتِنََا يَجْحَدُونَ» يعني القرآن يجحدون بأنه من عند الله عن مقاتل } «وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» أي و سيقول الكفار في النار «رَبَّنََا أَرِنَا اَلَّذَيْنِ أَضَلاََّنََا مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ»

يعنون إبليس الأبالسة و قابيل بن آدم أول من أبدع المعصية روي ذلك عن علي (ع)

و قيل المراد بذلك كل من أبدع الكفر و الضلالة من الجن و الإنس و المراد باللذين جنس الجن و الإنس كما في قوله‏ وَ اَلَّذََانِ يَأْتِيََانِهََا مِنْكُمْ «نَجْعَلْهُمََا تَحْتَ أَقْدََامِنََا لِيَكُونََا مِنَ اَلْأَسْفَلِينَ» تمنوا لشدة عداوتهم لهم و بغضهم إياهم بما أضلوهم و أغووهم أن يجعلوهم تحت أقدامهم في الدرك الأسفل من النار و قيل: إن المراد به ندوسهما و نطاؤهما بأقدامنا إذلالا لهما ليكونا من الأسفلين الأذلين قال ابن عباس ليكونا أشد عذابا منا و لما ذكر سبحانه وعيد الكفار عقبه بذكر الوعد للمؤمنين الأبرار فقال‏} «إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ» أي وحدوا الله تعالى‏بلسانهم و اعترفوا به و صدقوا أنبياءه «ثُمَّ اِسْتَقََامُوا» أي استمروا على أن الله ربهم وحده لم يشركوا به شيئا عن مجاهد و قيل معناه ثم استقاموا على طاعته و أداء فرائضه عن ابن عباس و الحسن و قتادة و ابن زيد و قيل ثم استقاموا في أفعالهم كما استقاموا في أقوالهم و قيل ثم استقاموا على ما توجبه الربوبية من عبادته عن ابن مسلم و

روي عن أنس قال قرأ علينا رسول الله ص هذه الآية ثم قال قد قالها ناس ثم كفر أكثرهم فمن قالها حتى يموت فهو ممن استقام عليها

و

روى محمد بن الفضيل قال سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن الاستقامة فقال هي و الله ما أنتم عليه‏

«تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةُ» يعني عند الموت عن مجاهد و السدي و روي ذلك عن أبي عبد الله (ع)

و قيل تستقبلهم الملائكة إذا خرجوا من قبورهم في الموقف بالبشارة من الله عن الحسن و ثابت و قتادة و قيل في القيامة عن الجبائي و أبي مسلم و قيل أن البشرى تكون في ثلاثة مواطن عند الموت و في القبر و عند البعث عن وكيع بن الجراح «أَلاََّ تَخََافُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا» أي تقولون لهم لا تخافوا عقاب الله و لا تحزنوا لفوات الثواب‏و قيل لا تخافوا مما أمامكم من أمور الآخرة و لا تحزنوا على ما وراءكم و على ما خلفتم من أهل و ولد عن عكرمة و مجاهد و قيل لا تخافوا و لا تحزنوا على

18

(1) - ذنوبكم فإني أغفرها لكم عن عطاء بن أبي رياح و قيل أن الخوف يتناول المستقبل و الحزن يتناول الماضي و كان المعنى لا تخافوا فيما يستقبل من الأوقات و لا تحزنوا على ما مضى و هذا نهاية المطلوب «وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» بها في دار الدنيا على ألسنة الأنبياء.

ـ

الإعراب‏

نزلا نصب على المصدر و تقديره أنزلكم ربكم فيما تشتهون نزلا و يجوز أن يكون نصبا على الحال و تقديره و لكم فيها ما تشتهي أنفسكم منزلا نزلا كما يقال جاء زيد مشيا أي ماشيا و القولان جميعا يرجعان إلى كونه مصدرا و قال أبو علي نزلا يحتمل ضربين (أحدهما) أن يكون جمع نازل كقوله:

إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا # أو تنزلون فإنا معشر نزل‏

و يكون حالا من الضمير في تدعون أي ما تدعون من غفور رحيم نازلين (و الآخر) أن يراد به القوت الذي يقام للنازل أو الضيف حالا مما تدعون أي لكم ما تدعون «نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ» صفة نزل و فيه ضمير يعود إليه و قولا نصب على التفسير و قوله «وَ لاَ اَلسَّيِّئَةُ» لا هاهنا زائدة مؤكدة لتبعيد المساواة.

المعنى‏

ثم حكى سبحانه أن الملائكة تقول للمؤمنين الذين استقاموا بعد البشارة

19

(1) - «نَحْنُ أَوْلِيََاؤُكُمْ» أي نحن معاشر الملائكة أنصاركم و أحباؤكم‏ «فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا» نتولى إيصال الخيرات إليكم من قبل الله تعالى «وَ فِي اَلْآخِرَةِ» فلا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة عن مجاهد و قيل كنا نتولى حفظكم في الدنيا بأنواع المعونة و في الآخرة نتولاكم بأنواع الإكرام و المثوبة و

قيل نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا أي نحرسكم في الدنيا و عند الموت و في الآخرة عن أبي جعفر (ع)

«وَ لَكُمْ فِيهََا» أي في الآخرة «مََا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ» من الملاذ و تتمنونه من المنافع «وَ لَكُمْ فِيهََا مََا تَدَّعُونَ» أنه لكم فإن الله سبحانه يحكم لكم بذلك و قيل أن المراد بقوله «مََا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ» البقاء لأنهم كانوا يشتهون البقاء في الدنيا أي لكم فيها ما كنتم تشتهون من البقاء و لكم فيها ما كنتم تتمنونه من النعيم عن ابن زيد «نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ» معناه أن هذا الموعود به مع جلالته في نفسه له جلالة بمعطيه إذ هو عطاء لكم و رزق يجري عليكم ممن يغفر الذنوب و يستر العيوب رحمة منه لعباده فهو أهنأ لكم‏و أكمل لسروركم قال الحسن أرادوا أن جميع ذلك من الله و ليس منا و في هذه الآية بشارة للمؤمنين بمودة الملائكة لهم و فيها بشارة بنيل مشتهياتهم في الجنة و فيها دلالة على أن الملائكة تتردد إلى من كان مستقيما على الطاعات و على شرف الاستقامة أيضا تتولى الملائكة صاحبها من أجلها} «وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعََا إِلَى اَللََّهِ وَ عَمِلَ صََالِحاً» صورته صورة الاستفهام و المراد به النفي تقديره و ليس أحد أحسن قولا ممن دعا إلى طاعة الله و أضاف إلى ذلك أن يعمل الأعمال الصالحة «وَ قََالَ إِنَّنِي مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ» أي و يقول مع ذلك أنني من المستسلمين لأمر الله المنقادين إلى طاعته و قيل: معناه و يقول إنني من جملة المسلمين كما قال إبراهيم وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُسْلِمِينَ و هذا الداعي هو رسول الله ص عن الحسن و ابن زيد و السدي و قيل هو و جميع الأئمة الدعاة الهداة إلى الحق عن مقاتل و جماعة من المفسرين و قيل هم المؤذنون عن عائشة و عكرمة و في هذه الآية رد على من قال أنا مؤمن إن شاء الله لأنه مدح من قال إنني من المسلمين من غير أن يقرنه بالمشيئة و في هذه الآية دلالة على أن الدعاء إلى الدين من أعظم الطاعات و أجل الواجبات و فيها دلالة على أن الداعي يجب أن يكون عاملا بعلمه ليكون الناس إلى القبول منه أقرب و إليه أسكن ثم قال سبحانه «وَ لاََ تَسْتَوِي اَلْحَسَنَةُ وَ لاَ اَلسَّيِّئَةُ» قيل معناه لا تستوي الملة الحسنة التي هي الإسلام و الملة السيئة التي هي الكفر و قيل معناه لا تستوي الأعمال الحسنة و لا الأعمال القبيحة و قيل: لا تستوي الخصلة الحسنة و السيئة فلا يستوي الصبر و الغضب و الحلم و الجهل و المداراة و الغلظة و العفو و الإساءة ثم بين سبحانه ما يلزم على الداعي من الرفق بالمدعو فقال «اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [خاطب النبي ص فقال للنبي ص ادفع بالتي هي‏

20

(1) - أحسن‏]خاطب النبي ص فقال ادفع بحقك باطلهم و بحلمك جهلهم و بعفوك إساءتهم «فَإِذَا اَلَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَدََاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» معناه فإنك إذا دفعت خصومك بلين و رفق و مداراة صار عدوك الذي يعاديك في الدين بصورة وليك القريب فكأنه وليك في الدين و حميمك في النسب و

روي عن أبي عبد الله (ع) إن الحسنة التقية و السيئة الإذاعة

«وَ مََا يُلَقََّاهََا» أي و ما يلقى هذه الفعلة و هذه الحالة التي هي دفع السيئة بالحسنة «إِلاَّ اَلَّذِينَ صَبَرُوا» على كظم الغيظ و احتمال المكروه و قيل إلا الذين صبروا في الدنيا على الأذى عن أبي عبد الله (ع) «وَ مََا يُلَقََّاهََا» أي و ما يلقى هذه الخصلة المذكورة و لا يؤتاها «إِلاََّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» أي ذو نصيب وافر من الرأي و العقل و قيل إلا ذو نصيب عظيم من الثواب و الخير و قيل: الحظ العظيم الجنة عن قتادة و ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة و

روي عن أبي عبد الله (ع) و ما يلقاها إلا كل ذي حظ عظيم.

النظم‏

اتصل قوله «وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعََا إِلَى اَللََّهِ» الآية بما قبله من قوله‏ «وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاََ تَسْمَعُوا لِهََذَا اَلْقُرْآنِ وَ اِلْغَوْا فِيهِ» الآية فكأنه قال إلا تتعجبون من إعراض الكفار عن استماع القرآن و تواصيهم فيما بينهم باللغو في قراءته و لا قائل أحسن قولا من محمد ص يدعوكم إلى من تقرون أنه خالقكم ثم أنه قد عمل في دينه بما دعاكم إليه فانتفت عنه التهمة من جميع الوجوه.

21

(1) -

اللغة

النزغ النخس بما يدعو إلى الفساد يقال نزغ ينزغ و فلان ينزغ فلانا كأنه ينخسه بما يدعوه إلى خلاف الصواب و ألحد: مال عن الحق و يقال لحد يلحد أيضا بمعناه و يسمى القرآن ذكرا لأنه ذكر فيه الدلائل و الأحكام .

الإعراب‏

«وَ إِمََّا يَنْزَغَنَّكَ» هي إن التي للجزاء زيد عليها ما تأكيدا فأشبه لذلك القسم فلذلك دخل الفعل نون التأكيد «إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ» لم يذكر لأن خبرا و التقدير إن الذين كفروا بالذكر مبتدأ الخبر معذبون فحذف الخبر و يجوز أن يكون الخبر أُولََئِكَ يُنََادَوْنَ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ .

المعنى‏

ثم أمر نبيه ص أن يستعيذ بالله إذا صرفه الشيطان عن الاحتمال فقال «وَ إِمََّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ اَلشَّيْطََانِ نَزْغٌ» أن ما يدعونك نزغ من الشيطان بالوسوسة «فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ» أي فاطلب الاعتصام من شره بالله «إِنَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ» الآية مفسرة في آخر سورة الأعراف ثم ذكر سبحانه دلالات التوحيد فقال‏} «وَ مِنْ آيََاتِهِ» أي حججه الدالة على وحدانيته و أدلته على صفاته التي باين بها جميع خلقه «اَللَّيْلُ» بذهاب الشمس عن بسيط الأرض «وَ اَلنَّهََارُ» بطلوعها على وجهها و تقديرهما على وجه مستقر و تدبيرهما على نظام مستمر «وَ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ» و ما اختصا به من النور و ظهر فيهما من التدبير في المسير

22

(1) - و التعريف في فلك التدوير «لاََ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لاََ لِلْقَمَرِ» و إن كان فيهما منافع كثيرة لأنهما ليسا بخالقين «وَ اُسْجُدُوا لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَهُنَّ» و أنشأهن و إنما قال «خَلَقَهُنَّ» لوجهين (أحدهما) أن ضمير غير ما يعقل على لفظ التأنيث تقول هذا كباشك فسقها و إن شئت قلت فسقهن (و الآخر) أن الضمير يرجع إلى معنى الآيات لأنه قال «وَ مِنْ آيََاتِهِ» هذه الأشياء «وَ اُسْجُدُوا لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيََّاهُ تَعْبُدُونَ» إن كنتم تقصدون بعبادتكم الله كما تزعمون فاسجدوا لله دون غيره ثم قال‏} «فَإِنِ اِسْتَكْبَرُوا» عن توجيه العبادة إلى الله وحده «فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ» و هم الملائكة «يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ وَ هُمْ لاََ يَسْأَمُونَ» أي لا يملون‏و لا يفترون و هو مفسر في سورة الأعراف و المروي عن ابن عباس و قتادة و ابن المسيب أن موضع السجود عند قوله «وَ هُمْ لاََ يَسْأَمُونَ» و

عن ابن مسعود و الحسن أنه عند قوله «إِنْ كُنْتُمْ إِيََّاهُ تَعْبُدُونَ» و هو اختيار أبي عمرو بن العلا و هو المروي عن أئمتنا (ع)

وَ مِنْ آيََاتِهِ» أي من أدلته الدالة على ربوبيته «أَنَّكَ تَرَى اَلْأَرْضَ خََاشِعَةً» أي غبراء دارسة متهشمة عن قتادة و السدي أي كان حالها حال الخاضع المتواضع و قيل ميتة يابسة لا نبات فيها قال الأزهري إذا يبست الأرض و لم تمطر قيل قد خشعت «فَإِذََا أَنْزَلْنََا عَلَيْهَا اَلْمََاءَ اِهْتَزَّتْ» أي تحركت بالنبات «وَ رَبَتْ» أي انتفخت و ارتفعت قبل أن تنبت و قيل «اِهْتَزَّتْ» بالنبات «وَ رَبَتْ» بكثرة ريعها عن الكلبي «إِنَّ اَلَّذِي أَحْيََاهََا» أي أحيا الأرض بما أنزله من المطر «لَمُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ» في الآخرة مثل ذلك «إِنَّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» ظاهر المعنى «إِنَّ اَلَّذِينَ يُلْحِدُونَ» أي إن الذين يميلون من الإيمان بآياتنا «لاََ يَخْفَوْنَ عَلَيْنََا» بأشخاصهم و أقوالهم و أفعالهم و هذا وعيد عن قتادة و ابن زيد و السدي و قد قيل أن معنى الإلحاد في آيات الله هو ما كانوا يفعلونه من المكاء و الصفير عن مجاهد و قيل: هو تبديلهم ذلك و وضعه في غير موضعه عن ابن عباس و قال بعض المفسرين أن المراد بالآيات هنا دلالات التوحيد و الإلحاد فيها الانحراف عنها و ترك الاستدلال بها ثم قال سبحانه على وجه الإنكار عليهم و التهجين لفعلهم و التهديد لهم «أَ فَمَنْ يُلْقى‏ََ فِي اَلنََّارِ خَيْرٌ» و هم الملحدون «أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ» من عذاب الله و هم المؤمنون المطيعون و هذا استفهام تقرير معناه أنهما لا يستويان‏و قيل إن الذي يلقى في النار أبو جهل و الذي يأتي آمنا يوم القيامة رسول الله ص عن مقاتل و قيل: هو عمار بن ياسر عن عكرمة و الصحيح أن الآية على العموم و المراد بهما المؤمن و الكافر ثم قال سبحانه «اِعْمَلُوا مََا شِئْتُمْ» لفظه لفظ الأمر و معناه‏

23

(1) - الوعيد و التهديد أي فإذا علمتم أنهما لا يستويان فليختر كل واحد منكم لنفسه ما شاء من الأمرين فإن العاقل لا يختار الإلقاء في النار فإذا لم يختر ذلك فلا بد أن يؤمن بالآيات فلا يلحد فيها «إِنَّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ» أي بأعمالكم «بَصِيرٌ» عالم لا يخفى عليه شي‏ء منها ثم أخبر سبحانه عنهم مهجنا لهم فقال‏} «إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ» الذي هو القرآن و جحدوه «لَمََّا جََاءَهُمْ» أي حين جاءهم ثم أخذ سبحانه في وصف الذكر و ترك خبر إن على تقدير إن الذين كفروا بالذكر يجازون بكفرهم و نحو ذلك و قيل إن خبره "أُولََئِكَ يُنََادَوْنَ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ" عن أبي عمرو بن العلا و قيل إن قوله «وَ إِنَّهُ لَكِتََابٌ عَزِيزٌ» في موضع الخبر و التقدير الكتاب الذي جاءهم عزيز و أما قوله «وَ إِنَّهُ» فالهاء يعود إلى القرآن الذي هو الذكر و المعنى إن الذكر لكتاب عزيز بأنه لا يقدر أحد من العباد على أن يأتي بمثله و قيل إنه عزيز بإعزاز الله عز و جل إياه إذا حفظه من التغيير و التبديل و قيل هو عزيز إذ جعله الله على أتم صفات الأحكام و قيل عزيز بأنه يجب أن يعز و يجل بالانتهاء إلى ما فيه و ترك الإعراض عنه و قيل عزيز أي كريم على الله عز و جل عن ابن عباس } «لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ» قيل فيه أقوال (أحدها) إن الباطل الشيطان و معناه لا يقدر الشيطان أن ينقص منه حقا أو يزيد فيه باطلا عن قتادة و السدي (و ثانيها) إنه لا يأتيه ما يبطله من بين يديه أي من الكتب التي قبله و لا من خلفه أي لا يجي‏ء من بعده كتاب يبطله أي ينسخه عن ابن عباس و الكلبي و مقاتل (و ثالثها)

معناه أنه ليس في إخباره عما مضى باطل و لا في إخباره عما يكون في المستقبل باطل بل إخباره كلها موافقة لمخبراتها و هو المروي عن أبي جعفر (ع) و أبي عبد الله (ع)

(و رابعها) لا يأتيه الباطل من أول تنزيله و لا من آخره عن الحسن و (خامسها) لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات فلا تناقض في ألفاظه و لا كذب في أخباره و لا يعارض و لا يزاد فيه و لا يغير بل هو محفوظ حجة على المكلفين إلى يوم القيامة و يؤيده قوله‏ «إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ» و «تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ» أي هو تنزيل من عالم بوجوه الحكمة «حَمِيدٍ» مستحق للحمد على خلقه بالإنعام عليهم و القرآن هو من أعظم نعمه فاستحق به الحمد و الشكر.

ـ

24

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير حفص أ أعجمي بهمزتين و قرأ هشام عن ابن عامر بهمزة واحدة و قرأ الباقون بهمزة واحدة ممدودة.

الحجة

قال أبو علي الأعجمي الذي لا يفصح من العرب كان أو من العجم قالوا زياد الأعجم لآفة كانت في لسانه و كان عربيا و قالوا صلاة النهار عجماء أي تخفى فيها القراءة و لا تبين و يجمع الأعجم على عجم أنشد أبو زيد :

يقول الخنا و أبغض العجم ناطقا # إلى ربنا صوت الحمار اليجدع‏

أي أبغض صوت العجم صوت الحمار و تسمي العرب من لم يبين كلامه من أي صنف كان من الناس أعجم و منه قول ابن الأخزر :

سلوم لو أصبحت وسط الأعجم # بالروم أو بالترك أو بالديلم

فقال لو كنت وسط الأعجم و لم يقل وسط العجم لأنه جعل كل من لم يبين كلامه أعجم فكأنه قال وسط القبيل الأعجم و العجم خلاف العرب و العجمي خلاف العربي منسوب إلى العجم و إنما قوبل الأعجمي بالعربي في الآية و خلاف العربي العجمي لأن الأعجمي في أنه لا يبين مثل العجمي عندهم فمن حيث اجتمعا في أنهما لا يبينان قوبل به العربي في قوله «أَعْجَمِيٌّ وَ عَرَبِيٌّ» و ينبغي أن يكون الأعجمي الياء فيه للنسب نسب إلى‏

25

(1) - الأعجم الذي لا يفصح و هو في المعنى كالعجمي و إن كانا يختلفان في النسبة فيكون الأعجمي عربيا و يجوز أن يقال للرجل أعجمي و يراد به ما يراد بأعجم بغير ياء النسب كما يقال أحمر و أحمري و دوار و دواري و قوله‏ وَ لَوْ نَزَّلْنََاهُ عَلى‏ََ بَعْضِ اَلْأَعْجَمِينَ مما جمع على إرادة ياء النسب فيه مثل قولهم النميرون و لو لا ذلك لم يجز جمعه بالواو و النون أ لا ترى أنك لا تقول في الأحمر إذا كان صفة أحمرون و إنما جاز الأعجمون لما ذكرنا فأما الأعاجم فينبغي أن تكون تكسير أعجمي كما كان المسامعة تكسير مسمعي‏و قد استعمل هذا الوصف استعمال الأسماء فمن ذلك قوله:

"حزق يمانية لأعجم طمطم"

فينبغي أن يكون من باب الأجارع و الأباطح و أما قوله تعالى أعجمي و عربي فالمعنى المنزل أعجمي و المنزل عليه عربي فقوله أعجمي و عربي يرتفع كل منهما على أنه خبر مبتدإ محذوف و هذه الآية في المعنى كقوله‏ «وَ لَوْ نَزَّلْنََاهُ عَلى‏ََ بَعْضِ اَلْأَعْجَمِينَ ` فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مََا كََانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ» .

المعنى‏

ثم عزى سبحانه نبيه ص على تكذيبهم فقال «مََا يُقََالُ لَكَ إِلاََّ مََا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ» أي ما يقول هؤلاء الكفار لك إلا ما قد قيل للأنبياء قبلك من التكذيب و الجحد لنبوتهم عن قتادة و السدي و الجبائي و قيل معناه ما يقول الله لك إلا ما قد قاله للرسل من قبلك و هو الأمر بالدعاء إلى الحق في عبادة الله و لزوم طاعته فهذا القرآن موافق لما قبله من الكتب و قيل معناه ما حكاه تعالى بعده من «إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَ ذُو عِقََابٍ أَلِيمٍ» فيكون على جهة الوعد و الوعيد أي أنه‏لذو مغفرة لمن آمن بك و ذو عقاب أليم لمن كذب بك «وَ لَوْ جَعَلْنََاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا» أي لو جعلنا هذا الكتاب الذي تقرؤه على الناس بغير لغة العرب «لَقََالُوا لَوْ لاََ فُصِّلَتْ آيََاتُهُ» أي هلا بينت بلسان العرب حتى نفهمه «ءَ أَعْجَمِيٌّ وَ عَرَبِيٌّ» أي كتاب أعجمي و نبي عربي و هذا استفهام على وجه الإنكار و المعنى أنهم كانوا يقولون المنزل عليه عربي و المنزل أعجمي و كان ذلك أشد لتكذيبهم فبين الله سبحانه أنه أنزل الكتاب بلغتهم و أرسل الرسول من عشيرتهم ليكون أبلغ في الحجة و أقطع للمعذرة «قُلْ» يا محمد لهم «هُوَ» أي القرآن «لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً» من الضلالة «وَ شِفََاءٌ» من الأوجاع و قيل و شفاء للقلوب من كل شك و ريب و شبهة و سمي اليقين شفاء كما سمي الشك مرضا في قوله‏ «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» * «وَ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ فِي آذََانِهِمْ وَقْرٌ» أي ثقل‏

26

(1) - و صمم عن سماعه من حيث يثقل عليهم استماعه فلا ينتفعون به‏فكأنهم صم عنه «وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى» عميت قلوبهم عنه عن السدي يعني أنهم لما ضلوا عنه و حاروا عن تدبره فكأنه عمي لهم «أُولََئِكَ يُنََادَوْنَ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ» أي أنهم لا يسمعون و لا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع و لم يفهم و إنما قال ذلك لبعد أفهامهم و شدة إعراضهم عنه و قيل لبعده عن قلوبهم عن مجاهد و قيل ينادى الرجل منهم في الآخرة بأشنع اسمه عن الضحاك } «وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ» أي التوراة «فَاخْتُلِفَ فِيهِ» لأنه آمن به قوم و كذب به آخرون و هذه تسلية للنبي ص أيضا عن جحود قومه له و إنكارهم لنبوته «وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ» في تأخير العذاب عن قومك و أنه لا يعذبهم و أنت فيهم «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» أي لفرغ من عذابهم و استئصالهم‏و قيل: معناه لو لا حكم سبق من ربك بتأخيرهم العذاب إلى وقت انقضاء آجالهم لقضي بينهم قبل انقضاء آجالهم فيظهر المحق من المبطل «وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ» أي و إن قومك لفي شك مما ذكرناه موقع لهم الريبة و هو أفظع الشك.

27

(1) -

القراءة

قرأ أهل المدينة و الشام و حفص «مِنْ ثَمَرََاتٍ» على الجمع و الباقون من ثمرة على التوحيد.

الحجة

قال أبو علي من ثمرة إذا أفرد يدل على الكثرة و استغني به عن الجمع و يقوي الإفراد قوله‏ «وَ مََا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى‏ََ» * و حجة من جمع أن الجمع صحيح و أن المعنى على ذلك.

اللغة

الأكمام جمع كم و كم جمع كمة عن ابن خالويه و قيل هي جمع كمة عن أبي عبيدة و هي الكفري و تكمم الرجل في ثوبه إذا تلفف به و الإيذان الإعلام .

المعنى‏

ثم احتج سبحانه عليهم بأن قال «مَنْ عَمِلَ صََالِحاً فَلِنَفْسِهِ» أي من عمل طاعة فلنفسه لأن ثواب ذلك واصل إليه و منفعته تكون له دون غيره «وَ مَنْ أَسََاءَ فَعَلَيْهََا» أي من عمل معصية فعلى نفسه وبال ذلك و عقابه يلحقه دون غيره «وَ مََا رَبُّكَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ» و هذا على وجه المبالغة في نفي الظلم عن نفسه للعبيد و إنما قال ذلك مع أنه لا يظلم مثقال ذرة لأمرين (أحدهما) أن من فعل الظلم و إن قل و هو عالم بقبحه و بأنه غني عنه لكان ظلاما (و الآخر) أنه على طريق الجواب لمن زعم أنه يظلم العباد فيأخذ أحدا بذنب غيره و يثيبه بطاعة غيره ثم بين سبحانه أنه العالم بوقت القيامة فقال‏} «إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ» التي يقع فيها الجزاء للمطيع و العاصي و هو يوم القيامة «وَ مََا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرََاتٍ مِنْ أَكْمََامِهََا» أي و ما تخرج ثمرة من أوعيتها و غلفها «وَ مََا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى‏ََ وَ لاََ تَضَعُ إِلاََّ بِعِلْمِهِ» أي و لا تحمل أنثى من حمل ذكرا كان أو أنثى و لا تضع أنثى إلا في الوقت الذي علم سبحانه أنها تحمل فيه و تضع فيه فيعلم سبحانه قدر الثمار و كيفيتها و أجزاءها و طعومها و روائحها و يعلم ما في بطون الحبالى و كيفية انتقالها حالا بعد حال حتى يصير بشرا سويا «وَ يَوْمَ يُنََادِيهِمْ» أي ينادي الله المشركين «أَيْنَ شُرَكََائِي» أي في قولكم و زعمكم كما قال أين شركائي الذين كنتم تزعمون «قََالُوا آذَنََّاكَ مََا مِنََّا مِنْ شَهِيدٍ» أي يقولون أعلمناك ما منا شاهد بأن لك شريكا يتبرءون يومئذ من أن يكون مع الله شريك‏} «وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مََا كََانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ»

28

(1) - أي بطل عنهم و ذهب ما كانوا أملوه من أصنامهم «وَ ظَنُّوا» أي أيقنوا «مََا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ» أي من مهرب و ملجأ دخل الظن على ما التي للنفي كما تدخل على لام الابتداء و كلاهما له صدر الكلام‏و المعنى أنهم علموا أن لا مخلص لهم من عذاب الله و قد يعبر بالظن عن اليقين فيما طريقه الخبر دون العيان ثم بين سبحانه طريقتهم في الدنيا فقال‏} «لاََ يَسْأَمُ اَلْإِنْسََانُ مِنْ دُعََاءِ اَلْخَيْرِ» قال الكلبي الإنسان هاهنا يراد به الكافر أي لا يمل الكافر من دعائه الخير و لا يزال يسأل ربه الخير الذي هو المال و الغنى و الصحة و الولد «وَ إِنْ مَسَّهُ اَلشَّرُّ» أي البلاء و الشدة و الفقر «فَيَؤُسٌ» أي فهو يؤوس شديد اليأس من الخير «قَنُوطٌ» من الرحمة و قيل يؤوس من إجابة الدعاء قنوط سي‏ء الظن بربه‏} «وَ لَئِنْ أَذَقْنََاهُ رَحْمَةً مِنََّا» أي خيرا و عافية و غنى «مِنْ بَعْدِ ضَرََّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هََذََا لِي» أي هذا بعملي و أنا محقوق به عن مجاهد قال و كل هذا من أخلاق الكافر و قيل معناه هذا لي دائما أبدا «وَ مََا أَظُنُّ اَلسََّاعَةَ قََائِمَةً» أي كائنة على ما يقوله المسلمون «وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى‏ََ رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى‏ََ» أي لست على يقين من البعث فإن كان الأمر على ذلك و رددت إلى ربي إن لي عنده الحالة الحسنى و المنزلة الحسنى و هي الجنة سيعطيني في الآخرة مثل ما أعطاني في الدنيا ثم هدد سبحانه من هذه صفته بأن قال «فَلَنُنَبِّئَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِمََا عَمِلُوا» أي لنقفنهم يوم القيامة على مساوئ أعمالهم عن ابن عباس «وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذََابٍ غَلِيظٍ» أي شديد متراكم.

ـ

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن جهل الإنسان الذي تقدم وصفه بمواقع نعم الله‏

29

(1) - سبحانه فقال «وَ إِذََا أَنْعَمْنََا عَلَى اَلْإِنْسََانِ أَعْرَضَ» عن الشكر «وَ نَأى‏ََ بِجََانِبِهِ» أي بعد بجانبه تكبرا و تجبرا عن الاعتراف بنعم الله تعالى و من قرأ ناء فإنه مقلوب من نأى كما في قول الشاعر:

أقول و قد ناءت بها غربة النوى # نوى خيتعور: لا تشط ديارك‏

«وَ إِذََا مَسَّهُ اَلشَّرُّ» أي الضر أو الفقر أو المرض «فَذُو دُعََاءٍ عَرِيضٍ» أي فهو ذو دعاء كثير عند ذلك عن السدي و إنما قال «فَذُو دُعََاءٍ عَرِيضٍ» و لم يقل طويل لأنه أبلغ فإن العرض يدل على الطول و الطول لا يدل على العرض إذ قد يصح طويل و لا عرض له و لا يصح عريض و لا طول له فإن العرض الانبساط في خلاف جهة الطول و الطول الامتداد في أي جهة كان و في الآية دلالة على بطلان مذهب أهل الجبر القائلين‏بأنه ليس لله على الكافر نعمة فإن الله سبحانه أخبر بأنه ينعم على الكافر و أنه يعرض عن موجبها من الشكر و المراد بالآية أن الكافر يسأل ربه بالتضرع و الدعاء أن يكشف ما به من الضر و البلاء و يعرض عن الدعاء في الرخاء} «قُلْ» يا محمد «أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ» القرآن «مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ» و قيل إن كان هذا الإنعام من عند الله «ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ» و جحدتموه «مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقََاقٍ بَعِيدٍ» أي في خلاف للحق بعيد عنه و هو أنتم و الشقاق و المشاقة الميل إلى شق العداوة أي فلا أحد أضل منكم‏} «سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي اَلْآفََاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» اختلف في معناه على أقوال (أحدها) أن المعنى سنريهم حججنا و دلائلنا على التوحيد في آفاق العالم و أقطار السماء و الأرض من الشمس و القمر و النجوم و النبات و الأشجار و البحار و الجبال و في أنفسهم و ما فيها من لطائف الصنعة و بدائع الحكمة «حَتََّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ» أي يظهر لهم «أَنَّهُ اَلْحَقُّ» أي أن الله هو الحق عن عطاء و ابن زيد (و ثانيها) إن معناه سنريهم آياتنا و دلائلنا على صدق محمد ص و صحة نبوته في الآفاق‏أي بما يفتح من القرى عليه و على المسلمين في أقطار الأرض و في أنفسهم يعني فتح مكة عن السدي و الحسن و مجاهد و قالوا هو ظهور محمد ص على الآفاق و على مكة حتى يعرفوا أن ما أتى به من القرآن حق و من عند الله لأنهم بذلك يعرفون أنه مؤيد من قبل الله تعالى بعد أن كان واحدا لا ناصر له (و ثالثها) أن المراد بقوله «فِي اَلْآفََاقِ» وقائع الله في الأمم «وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» وقعة يوم بدر عن قتادة (و رابعها) أن معناه سنريهم آياتنا في‏

30

(1) - الآفاق بصدق ما كان يخبرهم به النبي ص من الحوادث فيها و في أنفسهم يعني ما كان بمكة من انشقاق القمر حتى يعلموا أن خبره حق من قبل الله سبحانه (و خامسها) أن المراد سنريهم آثار من مضى من قبلهم ممن كذب الرسل من الأمم و آثار خلق الله في كل البلاد و في أنفسهم من أنهم كانوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ثم كسيت لحما ثم نقلوا إلى التمييز و العقل و ذلك كله دليل على أن الذي فعله واحد ليس كمثله شي‏ء عن الزجاج «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ» موضع قوله «بِرَبِّكَ» رفع و المعنى أ و لم يكف ربك و «أَنَّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ» في موضع رفع أيضا على البدل و إن حملته على اللفظ فهو في موضع جر و المفعول محذوف و تقديره أ و لم يكف شهادة ربك على كل شي‏ء و معنى الكفاية هنا أنه سبحانه بين للناس ما فيه كفاية من الدلالة على توحيده و تصحيح نبوة رسله قال مقاتل معناه أ و لم يكف ربك شاهدا أن القرآن من عند الله و قيل معناه أ و لم يكف ربك لأنه على كل شي‏ء شهيد أي عليم بالأشياء شاهد لجميعها لا يغيب عنه شي‏ء} «أَلاََ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقََاءِ رَبِّهِمْ» ألا كلمة تنبيه و تأكيد أن الكفار في شك من لقاء ثواب ربهم و عقابه أي في شك من مجازاة ربهم و في هذا تسفيه لهم في إضافة العبث إلى الله «أَلاََ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ» أي أحاط علمه بكل شي‏ء فلا يخفى عليه شي‏ء.

31

(1) -

(42) سورة الشورى مكية و آياتها ثلاث و خمسون (53)

و تسمى سورة حم عسق أيضا و هي مكية عن الحسن إلا قوله «وَ اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا» «وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَصََابَهُمُ» إلى قوله «لاََ يُحِبُّ اَلظََّالِمِينَ» و عن ابن عباس و قتادة إلا أربع آيات منها نزلن بالمدينة «قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ» قال ابن عباس و لما نزلت هذه الآية قال رجل و الله ما أنزل الله هذه الآية فأنزل الله «أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً» ثم أن الرجل تاب و ندم فنزل «وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبََادِهِ» إلى قوله «لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيدٌ» .

عدد آيها

ثلاث و خمسون آية كوفي و خمسون في الباقي.

اختلافها

ثلاث آيات «حم ` عسق» «كَالْأَعْلاََمِ» ثلثهن كوفي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص من قرأ سورة حم عسق كان ممن يصلي عليه الملائكة و يستغفرون له و يسترحمون‏

و

روى سيف بن عميرة عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ حم عسق بعثه الله يوم القيامة و وجهه كالقمر ليلة البدر حتى يقف بين يدي الله عز و جل فيقول عبدي أدمنت قراءة حم عسق و لم تدر ما ثوابها أما لو دريت ما هي و ما ثوابها لما مللت من قراءتها و لكن سأجزيك جزاءك أدخلوه الجنة و له فيها قصر من ياقوتة حمراء أبوابها و شرفها و درجها منها يرى ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها و له فيها حوراوان من الحور العين و ألف جارية و ألف غلام من الولدان المخلدين الذين وصفهم الله.

تفسيرها

ختم الله سورة حم السجدة بذكر القرآن و افتتح هذه السورة بذكره أيضا فقال:

32

(1) -

القراءة

قرأ ابن كثير كذلك يوحى إليك بفتح الحاء و الباقون «يُوحِي» بكسر الحاء و في الشواذ رواية الأعمش عن ابن مسعود حم سق بغير عين.

الحجة

قال أبو علي من قرأ يوحى فبنى الفعل للمفعول به احتمل أمرين (أحدهما) أن المعنى يوحي إليك السورة كما أوحى إلى الذين من قبلك زعموا أن هذه السورة قد أوحى إلى الأنبياء قبل (و الآخر) أن يكون الجار و المجرور يقومان مقام الفاعل و يجوز أن يكون قوله تعالى «اَللََّهُ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ» تبيينا للفاعل كقوله‏ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهََا ثم قال‏ رِجََالٌ كأنه قيل من يسبح فقال رجال و من قرأ «يُوحِي إِلَيْكَ» على بناء الفعل للفاعل فإن اسم الله يرتفع بفعله و أما اختلاف القراء في «يَتَفَطَّرْنَ» و ينفطرن و الوجه في ذلك قد مر ذكره في سورة مريم و قال ابن جني قراءة ابن مسعود حم سق مما يؤكدان الغرض في هذه الفواتح إنما هو لكونها فواصل بين السور و لو كان في أسماء الله سبحانه لما جاز تحريف شي‏ء منها بل كانت مؤداة بأعيانها و قد كان‏ ابن عباس قد قرأها بلا عين أيضا و كان يقول السين كل فرقة تكون و القاف كل جماعة تكون.

المعنى‏

«حم» قد مضى تفسيره‏} «عسق» قيل إنما فضلت هذه السورة من بين سائر الحواميم بعسق لأن جميعها استفتح بذكر الكتاب على التصريح به إلا هذه فذكر عسق ليكون دلالة على الكتاب دلالة التضمين و إن لم يدل عليه دلالة التصريح و هو معنى قول قتادة فإنه قال هو اسم من أسماء القرآن و قيل لأن هذه السورة انفردت بأن معانيها أوحيت إلى سائر الأنبياء فلذلك خصت بهذه التسمية و قال عطا : هي حروف مقطعة من حوادث آتية فالحاء من حرب و الميم من تحويل ملك و العين من عدو مقهور و السين من الاستئصال بسنين كسني يوسف و القاف من قدرة الله في ملوك الأرض و سائر الأقوال في ذلك مذكورة في أول البقرة «كَذََلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ» أي كالوحي الذي تقدم يوحي إليك أخبار الغيب‏

33

(1) - و ما يكون قبل أن يكون و إلى الذين من قبلك من الأنبياء عن عطا عن ابن عباس قال و ما من نبي أنزل الله عليه الكتاب إلا أنزل عليه معاني هذه السورة بلغاتهم و قيل معناه كهذا الوحي الذي يأتي في هذه السورة يوحي إليك لأن ما لم يكن حاضرا تراه صلح فيه هذا لقرب وقته و ذلك لبعده في نفسه و معنى التشبيه في كذلك أن بعضه كبعض في أنه حكمة و صواب بما تضمنه من الحجج و المواعظ و الفوائد «اَللََّهُ» الذي تحق له العبادة «اَلْعَزِيزُ» القادر الذي لا يغالب «اَلْحَكِيمُ» المحكم لأفعاله‏} «لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَلِيُّ» المستعلي على كل قادر «اَلْعَظِيمُ» شأنه‏} «تَكََادُ اَلسَّمََاوََاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ» أي تكاد كل واحدة من السماوات تنشق من فوق التي تليها من قول المشركين اتخذ الله ولدا استعظاما لذلك عن ابن عباس و الحسن و قيل معناه تكاد السماوات يتشققن فرقا من عظمة الله و جلاله من فوقهن تقديره ممن فوقهن أي من عظمة من فوقهن عن الضحاك و قتادة و الزجاج و قيل من فوقهن أي من فوق الأرضين و هذا على طريق التمثيل و المعنى لو كانت السماوات تنفطر لشي‏ء لانفطرت لهذا «وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ» أي ينزهونه عما لا يجوز عليه في صفاته و يعظمونه عما لا يليق به في ذاته و أفعاله و

روي عن أبي عبد الله (ع) و الملائكة و من حول العرش يسبحون بحمد ربهم لا يفترون‏

«وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي اَلْأَرْضِ» من المؤمنين «أَلاََ إِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ» و المعنى ظاهر.

34

(1) -

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن إمهاله الكفار بعد تقديم الإنذار فقال «وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ» أي آلهة عبدوها من دون الله يعني كفار مكة «اَللََّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ» أي حافظ عليهم أعمالهم لا يعزب شي‏ء منها عنه ليجازيهم على ذلك كله «وَ مََا أَنْتَ» يا محمد «عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» أي و ما أنت بمسلط عليهم لتدخلهم في الإيمان قهرا و قيل معناه إنك لم توكل بحفظ أعمالهم و إنما بعثت نذيرا لهم داعيا إلى الله مبينا سبيل الرشد أي فلا يضيقن صدرك بتكذيبهم إياك و فيه تسلية للنبي ص } «وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا» أي و مثل ما أوحينا إلى من تقدمك‏من الأنبياء بالكتب التي أنزلناها عليهم بلغة قومهم أوحينا إليك قرآنا بلغة العرب ليفقهوا ما فيه «لِتُنْذِرَ أُمَّ اَلْقُرى‏ََ وَ مَنْ حَوْلَهََا» أي لتنذر أهل أم القرى و هي مكة و من حولها من سائر الناس و قرى الأرض كلها «وَ تُنْذِرَ يَوْمَ اَلْجَمْعِ» أي و تنذرهم يوم الجمع و هو يوم القيامة يجمع الله فيه الأولين و الآخرين و أهل السماوات و الأرضين فيوم الجمع مفعول ثان لتنذر و ليس بظرف «لاََ رَيْبَ فِيهِ» أي لا شك في كونه ثم قسم سبحانه أهل يوم الجمع فقال «فَرِيقٌ فِي اَلْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي اَلسَّعِيرِ» أي فريق منهم في الجنة بطاعتهم و فريق منهم في النار بمعصيتهم‏ «وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً» أي و لو شاء الله أن يحملهم على دين واحد و هو الإسلام بأن يلجئهم إليه لفعله و لكنه لم يفعله لأنه يؤدي إلى إبطال التكليف و التكليف إنما يثبت مع الاختيار عن الجبائي و قيل إن معناه و لو شاء الله لسوى بين الناس في المنزلة بأن يخلقهم في الجنة و لكنه اختار لهم أعلى الدرجتين و هو استحقاق الثواب «وَ لََكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشََاءُ فِي رَحْمَتِهِ» و هم المؤمنون «وَ اَلظََّالِمُونَ مََا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ» يواليهم «وَ لاََ نَصِيرٍ» يمنع عنهم عذاب الله‏} «أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ» أي بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام و الأوثان يوالونهم «فَاللََّهُ هُوَ اَلْوَلِيُّ» معناه أن المستحق للولاية في الحقيقة هو الله تعالى دون غيره لأنه المالك للنفع و الضر «وَ هُوَ يُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ» أي يبعثهم للجزاء «وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» من الإحياء و الإماتة و غير ذلك‏} «وَ مَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللََّهِ» معناه أن الذي تختلفون فيه من أمور دينكم و دنياكم و تتنازعون فيه فحكمه إلى الله فإنه الفاصل بين المحق و المبطل فيه فيحكم للمحق بالثواب و المدح و للمبطل بالعقاب و الذم و قيل معناه فبيان الصواب إلى الله بنصب الأدلة و قيل فحكمه إلى الله يوم القيامة فيجازي كل أحد بما يستحقه «ذََلِكُمُ اَللََّهُ» الذي يحكم بين المختلفين «رَبِّي»

35

(1) - أي هو ربي «عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ» في مهماتي «وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ» أي إليه أرجع في جميع أموري.

ـ

36

(1) -

اللغة

الذرأ إظهار الخلق بإيجاده يقال ذرأ الله الخلق يذرؤهم و منه ملح ذرآني لظهور بياضه و يقال أنمى الله ذراك و ذروك أي ذريتك عن الأزهري و شرع الله الدين أي بين و أظهر و منه المشرعة و الشريعة لأنهما في مكان معلوم ظاهر من الأنهار فالشريعة و الشرعة الظاهر المستقيم من المذاهب التي شرعها الله .

الإعراب‏

«أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ» يجوز أن يكون موضعه رفعا و نصبا و جرا فالرفع على معنى هو أن أقيموا الدين و النصب على معنى شرع لكم أن أقيموا الدين و الجر على البدل من الهاء في به و جائز أيضا أن يكون أن أقيموا الدين تفسيرا لما وصى به نوحا و لقوله «وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ» و لقوله «وَ مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ » فيكون المعنى‏شرع لكم و لمن قبلكم إقامة الدين و ترك الفرقة فيه.

المعنى‏

ثم وصف سبحانه نفسه بما يوجب أن لا يعبد غيره فقال: «فََاطِرُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» أي خالقهما و مبدعهما ابتداء «جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوََاجاً» أي أشكالا مع كل ذكر أنثى يسكن إليها و يألفها «وَ مِنَ اَلْأَنْعََامِ أَزْوََاجاً» أي ذكورا و إناثا لتكمل منافعكم بها كما قال‏ ثَمََانِيَةَ أَزْوََاجٍ مِنَ اَلضَّأْنِ اِثْنَيْنِ إلى آخره «يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ» أي يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر من جعل الأزواج فالهاء في فيه يعود إلى الجعل المراد بقوله «جَعَلَ لَكُمْ» و قيل معناه يذرؤكم في التزاوج لتكثروا به لدلالة الكلام عليه و هو ذكر الأزواج‏و مثله قول ذي الرمة :

و مية أحسن الثقلين جيدا # و سالفة و أحسنه قذالا

أي و أحسن من ذكر يعني الثقلين و قال الزجاج و الفراء معناه يذرؤكم به أي يكثركم بأن جعل من أنفسكم أزواجا و من الأنعام أزواجا و أنشد الأزهري في ذلك:

و أرغب فيها عن لقيط و أهله # و لكنني عن سنبس لست أرغب‏

أي أرغب بها عن لقيط «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» أي ليس مثله شي‏ء و الكاف زائدة مؤكدة لمعنى النفي قال أوس بن حجر :

و قتلي كمثل جذوع النخيل # يغشاهم سبل منهمر

37

(1) - و قال آخر:

سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم # ما إن كمثلهم في الناس من أحد

و قيل معناه إنه لو قدر الله تعالى مثل لم يكن لذلك المثل مثل لما تقرر في العقول أن الله تعالى متفرد بصفات لا يشاركه فيها غيره فلو كان له مثل لتفرد بصفات لا يشاركه فيها غيره فكان هو الله و قد دل الدليل على أنه ليس مع الله إله آخر و قيل: فيه حذف مضاف و مثل بمعنى الصفة تقديره ليس كصاحب صفته شي‏ء و صاحب صفته هو أي ليس كهو شي‏ء و الوجه هو الأول «وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ» لما نفي أن يكون له نظير و شبيه على وجه من الوجوه بين أنه مع ذلك سميع بصير فإنما المدحة في أنه لا مثل له مع كونه سميعا بصيرا لجميع المسموعات و المبصرات‏} «لَهُ مَقََالِيدُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» أي مفاتيح أرزاق السماوات و الأرض و أسبابها فتمطر السماء بأمره و تنبت الأرض بإذنه عن مجاهد و قيل معناه خزائن السماوات و الأرض عن السدي «يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَقْدِرُ» أي يوسع الرزق لمن يشاء و يضيق على من يشاء على ما يعلمه من المصالح للعباد «إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» فيفعل ذلك بحسب المصالح ثم خاطب سبحانه خلقه فقال‏} «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً » أي بين لكم و نهج و أوضح من الدين و التوحيد و البراءة من الشرك ما وصى به نوحا «وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ» أي و هو الذي أوحينا إليك يا محمد «وَ» و هو «مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسى‏ََ » ثم بين ذلك بقوله «أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» و إقامة الدين التمسك به و العمل بموجبه و الدوام عليه و الدعاء إليه و لا تتفرقوا أي و لا تختلفوا فيه و ائتلفوا فيه و اتفقوا و كونوا عباد الله إخوانا «كَبُرَ عَلَى اَلْمُشْرِكِينَ مََا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ» من توحيد الله و الإخلاص له و رفض الأوثان و ترك دين الآباء لأنهم قالوا أَ جَعَلَ اَلْآلِهَةَإِلََهاً وََاحِداً و معناه ثقل عليهم و عظم اختيارنا لك بما تدعوهم إليه و تخصيصك بالوحي و النبوة دونهم «اَللََّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشََاءُ» أي ليس إليهم الاختيار لأن الله يصطفي لرسالته من يشاء على حسب ما يعلم من قيامه بأعباء الرسالة و تحمله لها فاجتباك الله لها كما اجتبى من قبلك من الأنبياء و قيل معناه الله يصطفي من عباده لدينه من يشاء «وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ» أي و يرشد إلى دينه من يقبل إلى طاعته و هذا كقوله‏ وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً و قيل يهدي إلى جنته و ثوابه من يرجع إليه بالنية و الإخلاص ثم قال‏} «وَ مََا تَفَرَّقُوا إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْعِلْمُ» معناه و إن هؤلاء الكفار لم يختلفوا عليك‏

38

(1) - إلا بعد أن أتاهم طريق العلم بصحة نبوتك فعدلوا عن النظر فيه «بَغْياً بَيْنَهُمْ» أي فعلوا ذلك للظلم و الحسد و العداوة و الحرص على طلب الدنيا و قيل معناه‏و ما تفرقوا عنه أي عن محمد ص إلا بعد أن علموا أنه حق و لكنهم تفرقوا عنه حسدا له و خوفا أن تذهب رئاستهم «وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» معناه و لو لا وعد الله تعالى و إخباره بتبقيتهم إلى وقت معلوم و تأخر العذاب عنهم في الحال لفصل بينهم الحكم و أنزل عليهم العذاب الذي استحقوه عاجلا و قيل معناه و لو لا وعد الله بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة و هو الأجل المسمى لقضي بينهم بإهلاك المبطل و إثابة المحق «وَ إِنَّ اَلَّذِينَ أُورِثُوا اَلْكِتََابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ» معناه و إن اليهود و النصارى الذين أورثوا الكتاب من بعد قوم نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و من بعد أحبارهم لفي شك من القرآن أو من محمد ص مؤد إلى الريبة عن السدي بين بذلك أن أحبارهم أنكروا الحق عن معرفته و إن عوامهم كانوا شاكين فيه يدل عليه قوله‏ اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يَعْرِفُونَهُ* و قيل معناه و إن الذين أورثوا الكتاب أي القرآن و هم العرب من بعدهم أي من بعد اليهود و النصارى لفي شك منه بليغ و لو استقصوافي النظر أدى بهم إلى اليقين و الرشد} «فَلِذََلِكَ فَادْعُ» أي فإلى ذلك فادع عن الفراء و الزجاج يقال دعوت لفلان و إلى فلان و ذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد و معناه فإلى الدين الذي شرعه الله تعالى و وصى به أنبياءه فادع الخلق يا محمد و قيل إن اللام للتعليل أي فلأجل الشك الذي هم فيه فادعهم إلى الحق حتى تزيل شكهم «وَ اِسْتَقِمْ كَمََا أُمِرْتَ» أي فاثبت على أمر الله و تمسك به و اعمل بموجبه و قيل و استقم على تبليغ الرسالة «وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَهُمْ» يعني أهواء المشركين في ترك التبليغ «وَ قُلْ آمَنْتُ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ مِنْ كِتََابٍ» أي آمنت بكتب الله التي أنزلها على الأنبياء قبلي كلها «وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ» أي كي أعدل بينكم أي أسوي بينكم في الدين و الدعاء إلى الحق و لا أحابي أحدا و قيل معناه أمرت بالعدل بينكم في جميع الأشياء و

في الحديث ثلاث منجيات و ثلاث مهلكات فالمنجيات العدل في الرضاء و الغضب و القصد في الغنى و الفقر و خشية الله في السر و العلانية و المهلكات شح مطاع و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسه‏

«اَللََّهُ رَبُّنََا وَ رَبُّكُمْ» أي و قل لهم أيضا الله مدبرنا و مدبركم و مصرفنا و مصرفكم و المنعم علينا و عليكم و إنما قال ذلك لأن المشركين قد اعترفوا بأن الله هو الخالق «لَنََا أَعْمََالُنََا وَ لَكُمْ أَعْمََالُكُمْ» أي لا يضرنا إصراركم على الكفر فإن جزاء أعمالنا لنا و جزاء أعمالكم لكم لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره «لاََ حُجَّةَ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمُ» أي لا خصومة بيننا و بينكم عن مجاهد و ابن زيد و المعنى أن الحق قد ظهر فسقط الجدال و الخصومة و كنى بالحجة عن الخصومة لاحتجاج أحد الخصمين على الآخر و هذا قبل أن يؤمر بالقتال و إذا لم يؤمر بالقتال‏

39

(1) - و أمر بالدعوة لم تكن بينه و بين من لا يجيب خصومة و قيل معناه لا حجة بيننا و بينكم لظهور أمركم في البغي علينا و العداوة لنا و المعاندة لا على طريق الشبهة و ليس ذلك تحريما لإقامة الحجة لأنه لا يلزم قبول الدعوة إلا بالحجة التي يظهر بها المحق من المبطل فإذا صار الإنسان إلى البغي و العداوة سقط الحجاج بينه و بين أهل الحق «اَللََّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنََا» يوم القيامة لفصل القضاء «وَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ» يحكم بيننا بالحق و في هذا غاية التهديد.

ـ

المعنى‏

لما تقدم ظهور الحجة و انقطاع المحاجة عقبه بذكر من يحاج بالباطل فقال سبحانه «وَ اَلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اَللََّهِ» أي يخاصمون النبي ص و المسلمين في دين الله و توحيده و هم اليهود و النصارى قالوا كتابنا قبل كتابكم و نبينا قبل نبيكم و نحن خير منكم و أولى بالحق عن مجاهد و قتادة و إنما قصدوا بما قالوا ليدفعوا ما أتى به محمد ص «مِنْ بَعْدِ مََا اُسْتُجِيبَ لَهُ» أي من بعد ما دخل الناس في الإسلام و أجابوه إلى ما دعاهم إليه «حُجَّتُهُمْ دََاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ» أي خصومتهم باطلة حيث زعموا أن دينهم أفضل من الإسلام و لأن ما ذكروه لا يمنع‏

40

(1) - من صحة نبوة نبينابأن ينسخ الله كتابهم و شريعة نبيهم و قيل معناه و الذين يجادلون في الله بنصرة مذهبهم من بعد ما استجيب للنبي ص دعاؤه في كفار بدر حتى قتلهم الله بأيدي المؤمنين و استجيب دعاؤه على أهل مكة و على مضر حتى قحطوا و دعاؤه للمستضعفين حتى خلصهم الله من أيدي قريش و غير ذلك مما يطول تعداده عن الجبائي و قيل من بعد ما استجيب لمحمد ص دعاؤه في إظهار المعجزات و إقامتها و قيل من بعد ما استجيب له بأن أقروا به قبل مبعثه فلما بعث جحدوه كما قال و كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا و إنما سمى سبحانه شبهتهم حجة على اعتقادهم و لشبهها بالحجة أجري عليها اسمها من غير إطلاق الصفة بها «وَ عَلَيْهِمْ غَضَبٌ» أي غضب الله عليهم لأجل كفرهم «وَ لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيدٌ» دائم يوم القيامة} «اَللََّهُ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلْكِتََابَ» أي القرآن «بِالْحَقِّ» أي بالصدق فيما أخبر به من ماض و مستقبل و قيل بالحق أي بالأمر و النهي و الفرائض و الأحكام و كله حق من الله «وَ اَلْمِيزََانَ» أي و أنزل الله العدل و الميزان عبارة عن العدل كنى به عنه عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و مقاتل و إنما سمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف و التسوية بين الخلق و قيل أراد به الميزان المعروف و أنزله الله من السماء و عرفهم كيف يعملون به بالحق و كيف يزنون به عن الجبائي و قيل الميزان محمد ص يقضي بينهم بالكتاب عن علقمة و يكون على التوسع و التشبيه و لما ذكر العدل أتبعه بذكر الساعة فقال «وَ مََا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اَلسََّاعَةَ قَرِيبٌ» أي و ما يدريك يا محمد و لا غيرك لعل مجي‏ء الساعة قريب و إنما أخفى الله الساعة و وقت مجيئها على العباد ليكونوا على خوف و ليبادروا إلى التوبة و لو عرفهم مجيئها لكانوا مغرين بالقبائح قبل ذلك تعويلا على التلافي بالتوبة «يَسْتَعْجِلُ بِهَا اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِهََا» لجهلهم بأحوالها و أهوالها فلا يخافون ما فيها إذ لم يؤمنوا بها فهم يطلبون قيامها إبعادا لكونها «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهََا» أي خائفون من مجيئها و هم غير متأهبين لها «وَ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا اَلْحَقُّ» أي أن مجيئها الحق الذي لا خلف فيه «أَلاََ إِنَّ اَلَّذِينَ يُمََارُونَ» أي تدخلهم المرية و الشك «فِي اَلسََّاعَةِ» فيخاصمون في مجيئها على وجه الإنكار لها «لَفِي ضَلاََلٍ» عن الصواب «بَعِيدٍ» حين لم يذكروا فيعلموا أن الذي خلقهم أولا قادر على بعثهم ثم قال:

«اَللََّهُ لَطِيفٌ بِعِبََادِهِ» أي حفي بار بهم رفيق عن ابن عباس و عكرمة و السدي و قيل اللطيف العالم بخفيات الأمور و الغيوب و المراد به هنا الموصل المنافع إلى العباد من وجه يدق إدراكه و ذلك في الأرزاق التي‏قسمها الله لعباده و صرف الآفات عنهم و إيصال السرور و الملاذ إليهم و تمكينهم بالقدر و الآلات إلى غير ذلك من ألطافه التي لا يوقف على كنهها لغموضها ثم قال سبحانه «يَرْزُقُ مَنْ يَشََاءُ» أي يوسع الرزق على من يشاء يقال فلان مرزوق إذا وصف بسعة

41

(1) - الرزق و قيل معناه يرزق من يشاء في خفض و دعة و من يشاء في كد و مشقة و متعبةو كل من رزقه الله من ذي روح فهو ممن شاء الله أن يرزقه «وَ هُوَ اَلْقَوِيُّ» القادر الذي لا يعجز «اَلْعَزِيزُ» الغالب الذي لا يغالب‏} «مَنْ كََانَ يُرِيدُ حَرْثَ اَلْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ» معنى الحرث في اللغة الكسب و فلان يحرث لعياله و يحترث أي يكتسب أي من كان يريد بعمله نفع الآخرة و يعمل لها نجازه بعمله و نضاعف له ثواب عمله فنعطيه على الواحد عشرة و نزيد على ذلك ما نشاء «وَ مَنْ كََانَ يُرِيدُ حَرْثَ اَلدُّنْيََا نُؤْتِهِ مِنْهََا وَ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» أي و من كان يريد بعمله نفع الدنيا نعطه نصيبا من الدنيا لا جميع ما يريده بل على حسب ما تقتضيه الحكمة كما قال سبحانه‏ عَجَّلْنََا لَهُ فِيهََا مََا نَشََاءُ لِمَنْ نُرِيدُ «وَ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» و قيل معناه من قصد بالجهاد وجه الله فله سهم الغانمين و الثواب في الآخرة و من قصد به الغنيمة لم يحرم ذلك و حصل له سهمه من الغنيمة و لكن لا نصيب له من الثواب في الآخرة و

روي عن النبي ص أنه قال من كانت نيته الدنيا فرق الله عليه أمره و جعل الفقر بين عينيه و لم يأته من الدنيا إلا ما كتب له و من كانت نيته الآخرة جمع الله شمله و جعل غناه في قلبه و أتته الدنيا و هي راغمة

و قيل من كان يعمل للآخرة نال الدنيا و الآخرة و من عمل للدنيا فلا حظ له في ثواب الآخرة لأن الأعلى لا يجعل تبعا للأدون عن الحسن .

42

(1) -

القراءة

قرأ أبو عمرو و حمزة و الكسائي و خلف يبشر الله بفتح الياء و سكون الباء و ضم الشين و الباقون «يُبَشِّرُ اَللََّهُ» بضم الياء و فتح الباء و كسر الشين مشددة و قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر «وَ يَعْلَمُ مََا تَفْعَلُونَ» بالتاء على الخطاب و الباقون بالياء.

الإعراب‏

«ذََلِكَ اَلَّذِي يُبَشِّرُ اَللََّهُ عِبََادَهُ» تقديره الذي يبشر الله به عباده فحذف الباء ثم حذف الهاء و يجوز أن يكون الذي حكمه حكم ما التي تكون مصدرية أي ذلك تبشير الله عباده و «يَمْحُ اَللََّهُ اَلْبََاطِلَ» ليس بمعطوف على يختم لأن محو الباطل واجب فلا يكون معلقا بالشرط.

المعنى‏

لما أخبر الله سبحانه أن من يطلب الدنيا بأعماله فلا حظ له في خير الآخرة قال «أَمْ لَهُمْ شُرَكََاءُ» أي بل لهؤلاء الكفار شركاء فيما كانوا يفعلونه «شَرَعُوا لَهُمْ» أي بينوا لهم و نهجوا لهم «مِنَ اَلدِّينِ مََا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اَللََّهُ» أي ما لم يأمر به الله و لا أذن فيه أي شرعوا لهم دينا غير دين الإسلام عن ابن عباس «وَ لَوْ لاََ كَلِمَةُ اَلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» أي لو لا أن الله حكم في كلمة الفصل بين الخلق بتأخير العذاب لهذه الأمة إلى الآخرة لفرغ من عذاب الذين يكذبونك في الدنيا «وَ إِنَّ اَلظََّالِمِينَ» الذين يكذبونك «لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ» في الآخرة «تَرَى اَلظََّالِمِينَ مُشْفِقِينَ» أي خائفين «مِمََّا كَسَبُوا» أي من جزاء ما كسبوا من المعاصي و هو العقاب الذي استحقوه «وَ هُوَ وََاقِعٌ بِهِمْ» لا محالة لا ينفعهم منه خوفهم من وقوعه و الإشفاق الخوف من جهة الرقة على المخوف عليه من وقوع الأمر «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ فِي رَوْضََاتِ اَلْجَنََّاتِ» فالروضة الأرض الخضرة بحسن النبات و الجنة و الأرض التي يحفها الشجر «لَهُمْ فيها مََا يَشََاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ» أي لهم ما يتمنون و يشتهون يوم القيامة الذي لا يملك فيه الأمر و النهي غير ربهم و لا يريد بعند قرب المسافة لأن ذلك من صفات الأجسام و قيل عند ربهم أي في حكم ربهم «ذََلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ» أي ذلك الثواب هو الفضل العظيم من الله إذ نالوا نعيما لا ينقطع بعمل قليل منقطع ثم قال‏} «ذََلِكَ» الفضل‏

43

(1) - الكبير «اَلَّذِي يُبَشِّرُ اَللََّهُ به عِبََادَهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ» ليستعجلوا بذلك السرور في الدنيا من شدد الشين أراد به‏التكثير و من خفف فلأنه يدل على القليل و الكثير ثم قال سبحانه «قُلْ» لهم يا محمد «لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ» اختلف في معناه على أقوال (أحدها) لا أسألكم على تبليغ الرسالة و تعليم الشريعة أجرا إلا التواد و التحاب فيما يقرب إلى الله تعالى من العمل الصالح عن الحسن و الجبائي و أبي مسلم قالوا هو التقرب إلى الله تعالى و التودد إليه بالطاعة (و ثانيها) أن معناه إلا أن تودوني في قرابتي منكم و تحفظوني لها عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و جماعة قالوا و كل قريش كانت بينه و بين رسول الله ص قرابة و هذا لقريش خاصة و المعنى أن لم تودوني لأجل النبوة فودوني لأجل القرابة التي بيني و بينكم (و ثالثها)

أن معناه إلا أن تودوا قربتي و عترتي و تحفظوني فيهم عن علي بن الحسين (ع) و سعيد بن جبير و عمرو بن شعيب و جماعة و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع)

و أخبرنا السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني قال أخبرنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال حدثني القاضي أبو بكر الحميري قال أخبرنا أبو العباس الضبعي قال أخبرنا الحسن بن علي بن زياد السري قال أخبرنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال حدثنا حسين الأشتر قال أخبرنا قيس عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت «قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً» الآية قالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم قال علي و فاطمة و ولدهما

و أخبرنا السيد أبو الحمد قال أخبرنا الحاكم أبو القاسم بالإسناد المذكور في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفصيل مرفوعا إلى أبي أمامة الباهلي قال قال رسول الله ص إن الله تعالى خلق الأنبياء من أشجار شتى و خلقت أنا و علي من شجرة واحدة فأنا أصلها و علي فرعها و فاطمة لقاحها و الحسن و الحسين ثمارها و أشياعنا أوراقها فمن تعلق بغصن من أغصانها نجا و من زاغ عنها هوى و لو أن عبدا عبد الله بين الصفا و المروة ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام حتى يصير كالشن البالي ثم لم يدرك محبتنا كبه الله على منخريه في النار ثم تلا «قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ»

و روى زاذان عن علي (ع) قال فينا في آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن‏قم قرأ هذه الآية

و إلى هذا أشار الكميت في قوله:

وجدنا لكم في آل حم آية # تأولها منا تقي و معرب‏

و على الأقوال الثلاثة فقد قيل في «إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ» قولان: (أحدهما) أنه استثناء منقطع لأن‏

44

(1) - هذا مما يجب بالإسلام فلا يكون أجرا للنبوة (و الآخر) أنه استثناء متصل و المعنى لا أسألكم عليه أجرا إلا هذا فقد رضيت به أجرا كما أنك تسأل غيرك حاجة فيعرض المسئول عليك برا فتقول له اجعل بري قضاء حاجتي و على هذا يجوز أن يكون المعنى لا أسألكم عليه أجرا إلا هذا و نفعه أيضا عائد عليكم فكأني لم أسألكم أجرا كما مر بيانه في قوله‏ قُلْ مََا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ و

ذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره حدثني عثمان بن عمير عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ص حين قدم المدينة و استحكم الإسلام قالت الأنصار فيما بينها نأتي رسول الله ص فنقول له إن تعرك أمور فهذه أموالنا تحكم فيها غير حرج و لا محظور عليك فأتوه في ذلك فنزلت «قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ» فقرأها عليهم و قال تودون قرابتي من بعدي فخرجوا من عنده مسلمين لقوله فقال المنافقون إن هذا لشي‏ء افتراء في مجلسه أراد بذلك أن يذللنا لقرابته من بعده فنزلت‏} أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً فأرسل إليهم فتلاها عليهم فبكوا و اشتد عليهم فأنزل الله‏} وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبََادِهِ الآية فأرسل في إثرهم فبشرهم و قال وَ يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ آمَنُوا و هم الذين سلموا لقوله‏

ثم قال سبحانه «وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهََا حُسْناً» أي و من فعل طاعة نزد له في تلك الطاعة حسنا بأن نوجب له الثواب‏و ذكر أبو حمزة الثمالي عن السدي قال إن اقتراف الحسنة المودة لآل محمد ص و صح‏

عن الحسن بن علي (ع) أنه خطب الناس فقال في خطبته إنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال «قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهََا حُسْناً» فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت

و

روي إسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد الله (ع) أنه قال إنها نزلت فينا أهل البيت أصحاب الكساء

«إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ» أي غفور للسيئات شكور للطاعات يعامل عباده معاملة الشاكر في توفية الحق حتى كأنه ممن وصل إليه النفع فشكره «أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً» أي بل يقولون افترى محمد على الله كذبا في ادعائه الرسالة عن الله‏ «فَإِنْ يَشَإِ اَللََّهُ يَخْتِمْ عَلى‏ََ قَلْبِكَ» أي لو حدثت نفسك بأن تفتري على الله كذبا لطبع الله على قلبك و لأنساك القرآن فكيف تقدر أن تفتري على الله و هذا كقوله‏ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ و قيل معناه فإن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم إنه مفتر و ساحر عن مجاهد و مقاتل فعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار و حذف ثم أخبر سبحانه أنه يذهب ما يقولونه باطلا فقال «وَ يَمْحُ اَللََّهُ اَلْبََاطِلَ» أي يزيله و يرفعه بإقامة الدلائل على بطلانه و حذف الواو من يمحو في المصاحف‏

45

(1) - كما حذف من قوله‏ سَنَدْعُ اَلزَّبََانِيَةَ على اللفظ في ذهابها لالتقاء الساكنين و ليس بعطف على قوله «يَخْتِمْ» لأنه مرفوع يدل عليه قوله «وَ يُحِقُّ اَلْحَقَّ بِكَلِمََاتِهِ» أي و يثبت الحق بأقواله التي ينزلها على نبيه ص و هو هذا القرآن المعجز «إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذََاتِ اَلصُّدُورِ» أي بضمائر القلوب «وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبََادِهِ» و إن جلت معاصيهم فكأنه قال من نسب محمدا ص إلى الافتراء ثم تاب قبلت توبته و إن جلت معصيته‏ «وَ يَعْفُوا عَنِ اَلسَّيِّئََاتِ وَ يَعْلَمُ مََا تَفْعَلُونَ» من خير و شر فيجازيهم على ذلك.

القراءة

قرأ أهل المدينة و ابن عامر و ما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم بغير فاء و الباقون بالفاء.

الحجة

قال أبو علي القول في ذلك أن أصاب في قوله «وَ مََا أَصََابَكُمْ» يحتمل أمرين يجوز أن يكون صلة ما و يجوز أن يكون شرطا في موضع جزم فمن قدره شرطا لم يجز حذف الفاء منه على قول سيبويه و قد تأول أبو الحسن بعض الآي على حذف الفاء في جواب الشرط و قال بعض البغداديين حذف الفاء من الجواب جائز و استدل على ذلك بقوله‏ وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ‏

46

(1) - إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ و إذا كان صلة فالإثبات و الحذف جائزان‏على معنيين مختلفين أما إذا ثبت الفاء ففيه دليل على أن الأمر الثاني وجب بالأول و إذا لم يذكر الفاء جاز أن يكون الثاني وجب للأول و جاز أن يكون لغيره.

المعنى‏

لما تقدم وعيد أهل العصيان عقبه سبحانه بالوعد لأهل الطاعة فقال «وَ يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ» أي يجيبهم إلى ما يسألونه و قيل معناه يجيبهم في دعاء بعضهم لبعض عن معاذ بن جبل و قيل معناه يقبل طاعاتهم و عباداتهم و يزيدهم من فضله على ما يستحقونه من الثواب و قيل معناه و يستجيب الذين آمنوا بأن يشفعهم في إخوانهم «وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» و يشفعهم في إخوان إخوانهم عن ابن عباس و

روي عن أبي عبد الله (ع) قال قال رسول الله ص في قوله «وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» الشفاعة لمن وجبت له النار ممن‏أحسن إليهم في الدنيا

«وَ اَلْكََافِرُونَ لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيدٌ» ظاهر المعنى و لما بين سبحانه أنه يزيد المؤمنين من فضله أخبر عقيبه أن الزيادة في الأرزاق في الدنيا تكون على حسب المصالح فقال‏} «وَ لَوْ بَسَطَ اَللََّهُ اَلرِّزْقَ لِعِبََادِهِ لَبَغَوْا فِي اَلْأَرْضِ» أي لو وسع الرزق على عباده على حسب ما يطلبونه لبطروا النعمة و تنافسوا و تغالبوا و ظلموا في الأرض و تغلب بعضهم على بعض و خرجوا عن الطاعة قال ابن عباس بغيهم في الأرض طلبهم منزلة بعد منزلة و دابة بعد دابة و ملبسا بعد ملبس «وَ لََكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مََا يَشََاءُ» أي و لكنه ينزل من الرزق قدر صلاحهم ما يشاء نظرا منه لهم عن قتادة و المعنى أنه يوسع الرزق على من تكون مصلحته فيه و يضيق على من يكون مصلحته فيه و يؤيده الحديث الذي‏

رواه أنس عن النبي ص عن جبرائيل (ع) عن الله إن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم‏و لو صححته لأفسده و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة و لو أسقمته لأفسده و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى و لو أفقرته لأفسده و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر و لو أغنيته لأفسده و ذلك أني أدبر عبادي لعلمي بقلوبهم‏

و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة و متى قيل نحن نرى كثيرا ممن يوسع عليه الرزق يبغي في الأرض قلنا إنا إذا علمنا على الجملة أنه سبحانه يدبر أمور عباده بحسب ما يعلم من مصالحهم فلعل هؤلاء كان يستوي حالهم في البغي وسع عليهم أو لم يوسع أو لعلهم لو لم يوسع عليهم لكانوا أسوأ حالا في البغي فلذلك‏وسع عليهم و الله أعلم بتفاصيل أحوالهم «إِنَّهُ بِعِبََادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ» أي عليم بأحوالهم بصير بما يصلحهم و ما يفسدهم ثم بين سبحانه حسن نظره بعباده فقال‏ «وَ هُوَ اَلَّذِي يُنَزِّلُ اَلْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مََا قَنَطُوا» أي ينزله عليهم من بعد ما يئسوا من نزوله و الغيث ما كان نافعا في وقته و المطر قد يكون نافعا و قد يكون ضارا في وقته و غير وقته و وجه إنزاله بعد القنوط أنه أدعى إلى شكر الآتي به‏

47

(1) - و تعظيمه و المعرفة بموقع إحسانه «وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ» أي و يفرق نعمته و يبسطها بإخراج النبات و الثمار التي يكون سببها المطر «وَ هُوَ اَلْوَلِيُّ» الذي يتولى تدبير عباده و تقدير أمورهم و مصالحهم المالك لهم. «اَلْحَمِيدُ» المحمود على جميع أفعاله لكون جميعها إحسانا و منافع‏} «وَ مِنْ آيََاتِهِ» الدالة على وحدانيته و صفاته التي باين بها خلقه «خَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» لأنه لا يقدر على ذلك غيره لما فيهما من العجائب و الأجناس التي لا يقدر عليها القادر بقدرته «وَ مََا بَثَّ فِيهِمََا مِنْ دََابَّةٍ» و الدابة ما تدب فيدخل فيه جميع الحيوانات «وَ هُوَ عَلى‏ََ جَمْعِهِمْ إِذََا يَشََاءُ قَدِيرٌ» أي و هو على حشرهم إلى الموقف بعد إماتتهم قادر لا يتعذر عليه ذلك ثم قال سبحانه‏ «وَ مََا أَصََابَكُمْ» معاشر الخلق «مِنْ مُصِيبَةٍ» من بلوى في نفس أو مال «فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» من المعاصي «وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» منها فلا يعاقب بها قال الحسن : الآية خاصة بالحدود التي تستحق على وجه العقوبة و قال قتادة هي عامة

و روي عن علي (ع) أنه قال قال رسول الله ص خير آية في كتاب الله هذه الآية يا علي ما من خدش عود و لا نكبة قدم إلا بذنب و ما عفا الله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه و ما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثني على عبده‏

و قال أهل التحقيق إن ذلك خاص و إن خرج مخرج العموم لما يلحق من مصائب الأطفال و المجانين و من لا ذنب له من المؤمنين و لأن الأنبياء و الأئمة يمتحنون بالمصائب و إن كانوا معصومين من الذنوب لما يحصل لهم على الصبر عليها من الثواب.

النظم‏

و الوجه في اتصال هذه الآية بما قبلها إن الله تعالى لما بين عظيم إنعامه على العباد بين بعده أن لا يعاقبهم إلا على معاصيهم.

ـ

48

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة و ابن عامر «اَلْجَوََارِ» بحذف الياء في الوصل و الوقف و قرأ الباقون الجواري بإثبات الياء في الوصل و ابن كثير و يعقوب في الوقف أيضا و قرأ أهل المدينة و ابن عامر يعلم الذين يجادلون بالرفع و الباقون و «يَعْلَمَ» بالنصب.

الحجة

قال أبو علي القياس الجواري و من حذف فلان حذف هذه الياءات و إن كانت لاما قد كثر في كلامهم فصار كالقياس المستمر و من قرأ يعلم بالرفع استأنف لأنه موضع استئناف من حيث جاء من بعد الجماعة إن شئت جعلته خبر مبتدإ محذوف و من نصب فلان قبله شرط و جزاء و كل واحد منهما غير واجب تقول في الشرط إن تأتني و تعطيني أكرمك فتنصب تعطيني و تقديره إن يكن إتيان منك و إعطاء أكرمك فالنصب بعد الشرط إذا عطفت عليه بالفاء أمثل من النصب بالفاء بعد جزاء الشرط فأما قوله:

و من لا يقدم رجله مطمئنة # فيثبتها في مستوى الأرض يزلق‏

فالنصب فيه حسن لمكان النفي فأما العطف على الشرط نحو إن تأتني و تكرمني فأكرمك فالذي يختار سيبويه النصب في العطف على جزاء الشرط فيختار «وَ يَعْلَمَ اَلَّذِينَ يُجََادِلُونَ» إذا لم يقطعه من الأول فيرفعه و يزعم أن المعطوف على جزاء الشرط شبيه بقوله:

"و الحق بالحجاز فاستريحا"

قال إلا أن من ينصب في العطف على جزاء الشرط أمثل من ذلك لأنه ليس يوقع فعلا إلا بأن يكون من غيره فعل فصار بمنزلة غير الواجب و زعم سيبويه أن بعضهم قرأ يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء بالنصب و أنشد للأعشى في نصب ما عطف بالفاء على الجزاء:

و من يغترب عن أهله لم يزل يرى # مصارع مظلوم مجرا و مسحبا

و تدفن منه الصالحات و إن يسي‏ء # يكن ما أساء النار في رأس كبكبا

فهذا حجة لمن قرأ «وَ يَعْلَمَ» .

اللغة

الأعلام الجبال واحدها علم قالت الخنساء :

49

(1) -

و إن صخرا لتأتم الهداة به # كأنه علم في رأسه نار

فيظللن أي يدمن و يقمن يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا و الرواكد الثوابت و الإيباق الإهلاك و الإتلاف و وبق الرجل يبق و وبق يوبق إذا هلك و المحيص المعدل و الملجأ .

المعنى‏

ثم قال سبحانه «وَ مََا أَنْتُمْ» يا معشر المشركين «بِمُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ» أي لا تعجزونني حيث ما كنتم فلا تسبقونني هربا في الأرض و في هذا استدعاء إلى العبادة و ترغيب فيما أمر به و ترهيب عما نهى عنه «وَ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ» يدفع عنكم عقابه «وَ لاََ نَصِيرٍ» ينصركم عليه‏} «وَ مِنْ آيََاتِهِ» أي و من حججه الدالة على اختصاصه بصفات لا يشركه فيها غيره «اَلْجَوََارِ» أي السفن الجارية «فِي اَلْبَحْرِ كَالْأَعْلاََمِ» أي كالجبال الطوال «إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ اَلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوََاكِدَ عَلى‏ََ ظَهْرِهِ» أي إن يشأ الله يسكن الريح فتبقى السفن راكدة واقفة على ظهر الماء لا يبرحن من المكان لأن ماء البحر يكون راكدا فلو لم تجي‏ء الريح لوقفت السفينة في البحر و لم تجر فالله سبحانه جعل الريح سببا لجريها فيه و جعل هبوبها في الجهة التي تسير إليها السفينة «إِنَّ فِي ذََلِكَ» الذي ذكر «لَآيََاتٍ» أي حججا واضحات «لِكُلِّ صَبََّارٍ» على أمر الله «شَكُورٍ» على نعمته و قيل صبار على ركوبها شكور على جريها و النجاة من البحر} «أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمََا كَسَبُوا» معناه إن يشاء إسكان الريح يسكن الريح أوأن يشأ يجعل الريح عاصفة فيهلك السفن أي أهلها بالغرق في الماء عقوبة لهم بما كسبوا من المعاصي «وَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ» من أهلها فلا يغرقهم و لا يعاجلهم بعقوبة معاصيهم «وَ يَعْلَمَ اَلَّذِينَ يُجََادِلُونَ فِي آيََاتِنََا» أي في إبطال آياتنا و دفعها «مََا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ» أي ملجأ يلجئون إليه عن السدي .

50

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم هنا و في سورة و النجم كبير الإثم على التوحيد و الباقون «كَبََائِرَ اَلْإِثْمِ» على الجمع.

الحجة

حجة الجمع قوله‏ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ و من قال كبير فأفرد جاز أن يريد به الجمع كقوله‏ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا* و

في الحديث منعت العراق درهمها و قفيزها.

الإعراب‏

«وَ إِذََا مََا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ» يجوز أن يكون هم تأكيدا للضمير في غضبوا و يغفرون جواب إذا و يجوز أن يكون هم ابتداء و يغفرون خبره و كذا «هُمْ يَنْتَصِرُونَ» و إن شئت كان هم وصفا للمنصوب قبله و إن شئت كان مبتدأ و قياس قول سيبويه أن يرتفع هم بفعل مضمر دل عليه «هُمْ يَنْتَصِرُونَ» .

المعنى‏

ثم خاطب سبحانه من تقدم وصفهم فقال «فَمََا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ» أي الذي أعطيتموه من شي‏ء من الأموال «فَمَتََاعُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا» أي فهو متاع الحياة الدنيا تتمتعون به أياما ثم تموتون فيبقى عنكم أو يهلك المال قبل موتكم «وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ» من الثواب و النعيم و ما أعده للجزاء على الطاعة «خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ََ» من هذه المنافع القليلة «لِلَّذِينَ آمَنُوا» أي صدقوا بتوحيد الله و بما يجب التصديق به «وَ عَلى‏ََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» و التوكل على الله تفويض الأمور إليه باعتقاد أنها جارية من قبله على أحسن التدبير مع الفزع إليه بالدعاء من كل ما ينوب‏} «وَ اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبََائِرَ اَلْإِثْمِ» يجوز أن يكون موضع الذين جرا عطفا على قوله «لِلَّذِينَ آمَنُوا» فيكون المعنى و ما عند الله خير و أبقى للمؤمنين المتوكلين على ربهم المجتنبين كبائر الإثم «وَ اَلْفَوََاحِشَ» و يجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء و يكون الخبر محذوفا فيكون المعنى و الذين يجتنبون الكبائر و الفواحش «وَ إِذََا مََا غَضِبُوا» مما يفعل بهم من الظلم «هُمْ يَغْفِرُونَ» و يتجاوزون عنه لهم مثل ذلك و الفواحش جمع فاحشة و هي أقبح القبيح و المغفرة في الآية المراد بها ما يتعلق بالإساءة إلى نفوسهم فمتى عفوا عنها كانوا ممدوحين فأما ما يتعلق بحقوق الله و واجبات حدوده فليس للإمام تركها و لا العفو عنها و لا يجوز له العفو عن المرتد و عمن جرى مجراه ثم زاد سبحانه في صفاتهم فقال‏} «وَ اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِرَبِّهِمْ» أي أجابوه فيما دعاهم إليه من أمور الدين «وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ» أي أداموها في أوقاتها بشرائطها «وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ََ بَيْنَهُمْ» يقال صار هذا الشي‏ء شورى بين القوم‏إذا تشاوروا فيه و هو فعلي من المشاورة و هي المفاوضة في‏

51

(1) - الكلام ليظهر الحق أي لا يتفردون بأمر حتى يشاوروا غيرهم فيه و قيل إن المعنى بالآية الأنصار كانوا إذا أرادوا أمرا قبل الإسلام و قبل قدوم النبي ص اجتمعوا و تشاوروا ثم عملوا عليه فأثنى الله عليهم بذلك و قيل هو تشاورهم حين سمعوا بظهور النبي ص و ورود النقباء عليه حتى اجتمعوا في دار أبي أيوب على الإيمان به و النصرة له عن الضحاك و في هذا دلالة على فضل المشاورة في الأمور و

قد روي عن النبي ص أنه قال ما من رجل يشاور أحدا إلا هدي إلى الرشد

«وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ» في طاعة الله تعالى و سبيل الخير} «وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَصََابَهُمُ اَلْبَغْيُ» من غيرهم «هُمْ يَنْتَصِرُونَ» ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا عن السدي و قيل ينتصرون أي يتناصرون ينصر بعضهم بعضا نحو يختصمون و يتخاصمون عن أبي مسلم و قيل يعني به المؤمنين الذين أخرجهم الكفار من مكة و بغوا عليهم ثم مكنهم الله في الأرض حتى انتصروا ممن ظلمهم عن عطاء و قيل جعل الله المؤمنين صنفين صنف يعفون عمن ظلمهم و هم الذين ذكروا قبل هذه الآية و هو قوله «وَ إِذََا مََا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ» و صنف ينتصرون ممن ظلمهم و هم الذين ذكروا في هذه الآية فمن انتصر و أخذ بحقه و لم يجاوز في ذلك ما حد الله فهو مطيع لله و من أطاع الله فهو محمود عن ابن زيد ثم ذكر سبحانه حد الانتصار فقال‏} «وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا» قيل هو جواب القبيح إذا قال أخزاك الله تقول أخزاك الله من غير أن تعتدي عن ابن نجيح و السدي و مجاهد و قيل يعني القصاص في الجراحات و الدماء عن مقاتل و سمي الثانية سيئة لأنها في مقابلة الأولى كما قال فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ‏مَا اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ ثم ذكر سبحانه العفو فقال «فَمَنْ عَفََا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اَللََّهِ» أي فمن عفا عما له المؤاخذة به و أصلح أمره فيما بينه و بين ربه فثوابه على الله «إِنَّهُ لاََ يُحِبُّ اَلظََّالِمِينَ» ثم بين سبحانه أنه لم يرغب المظلوم في العفو عن الظالم لميله إلى الظالم أو لحبه إياه و لكن ليعرضه بذلك لجزيل الثواب و لحبه الإحسان و الفضل و قيل إنه لا يحب الظالم في قصاص و غيره بتعديه عما هو له إلى ما ليس له و قيل إن الآية الأولى عامة في وجوب التناصر بين المسلمين و هذه الآية في خاصة الرجل يجازي من ظلمه بمثل ما فعله أو يعفو و قد

روي عن النبي ص أنه قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان أجره على الله فليدخل الجنة فيقال من ذا الذي أجره على الله فيقال العافون عن الناس فيدخلون الجنة بغير حساب.

52

(1) -

الإعراب‏

«إِنَّ ذََلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ» جواب القسم الذي دل عليه قوله «وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ» كما قال سبحانه‏ «لَئِنْ أُخْرِجُوا لاََ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ» و قيل بل هي جملة في موضع خبر المبتدأ الذي هو من صبر و غفر و التقدير إن ذلك منه لمن عزم الأمور و حسن الحذف لطول الكلام و قوله «خََاشِعِينَ» منصوب على الحال من يعرضون و يعرضون في موضع النصب على الحال من تراهم.

ـ

المعنى‏

ثم ذكر سبحانه المنتصر فقال‏ «وَ لَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولََئِكَ مََا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ» معناه من انتصر لنفسه و انتصف من ظالمة بعد ظلمه أضاف الظلم إلى المظلوم أي بعد أن ظلم و تعدى عليه فأخذ لنفسه بحقه فالمنتصرون ما عليهم من إثم و عقوبة و ذم و مثله في إضافة المصدر إلى المفعول قوله‏ مِنْ دُعََاءِ اَلْخَيْرِ «إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ» أي الإثم و العقاب «عَلَى اَلَّذِينَ يَظْلِمُونَ اَلنََّاسَ» ابتداء «وَ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ» أي موجع‏} «وَ لَمَنْ صَبَرَ» أي تحمل المشقة في رضاء الله «وَ غَفَرَ» فلم ينتصر فـ «إِنَّ ذََلِكَ» الصبر و التجاوز «لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ» أي من ثابت الأمور التي أمر الله تعالى بها فلم تنسخ و قيل عزم الأمور هو الأخذ بأعلاها في باب نيل الثواب و الأجر} «وَ مَنْ‏