الأغاني - ج4

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
522 /
261

الجزء الرابع‏

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

39-ذكر نسب أبي العتاهية و أخباره‏

سوى ما كان منها مع عتبة، فإنه أفرد لكثرة الصنعة في تشبيبه بها، و أنها اتسعت جدا فلم يصلح ذكرها هنا، لئلا تنقطع المائة الصوت المختارة، و هي تذكر في موضع آخر إن شاء اللّه تعالى.

اسمه و لقبه و كنيته و نشأته:

أبو العتاهية لقب غلب عليه. و اسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، مولى عنزة. و كنيته أبو إسحاق. و أمّه أمّ زيد بنت زياد المحاربيّ مولى بني زهرة؛ و في ذلك يقول أبو قابوس النّصرانيّ و قد بلغه أنّ أبا العتاهية فضّل عليه العتّابيّ:

قل للمكنّي نفسه # متخيّرا بعتاهيه

و المرسل الكلم القبيـ # ح وعته أذن واعيه

إن كنت سرّا سؤتني # أو كان ذاك علانيه

فعليك لعنة ذي الجلا # ل و أمّ زيد زانيه‏

مناحيه الشعرية:

و منشؤه بالكوفة. و كان في أوّل أمره يتخنّث و يحمل زاملة المخنّثين، ثم كان يبيع الفخّار بالكوفة، ثم قال الشعر فبرع فيه و تقدّم. و يقال: أطبع الناس بشار/و السيّد[1]و أبو العتاهية. و ما قدر أحد على جمع شعر هؤلاء الثلاثة لكثرته. و كان غزير البحر، لطيف المعاني، سهل الألفاظ، كثير الافتنان، قليل التكلف، إلا أنه كثير الساقط المرذول مع ذلك. و أكثر شعره في الزهد و الأمثال. و كان قوم من أهل عصره ينسبونه إلى القول بمذهب الفلاسفة ممن لا يؤمن بالبعث، و يحتجّون بأنّ شعره إنما هو في ذكر الموت و الفناء دون ذكر النّشور و المعاد. و له أوزان طريفة[2]قالها مما لم يتقدّمه الأوائل فيها. و كان أبخل الناس مع يساره و كثرة ما جمعه من الأموال.

سبب كنيته:

حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال أخبرني محمد بن موسى بن حمّاد قال:

قال المهديّ يوما لأبي العتاهية: أنت إنسان متحذلق‏[3]معتّه‏[4]. فاستوت له من ذلك كنية غلبت عليه دون [1]يعني السيد الحميريّ؛ و اسمه إسماعيل بن محمد أبو هاشم، و قد أورد له أبو الفرج ترجمة في (ج 7 ص 229-278 من هذه الطبعة) .

[2]كذا في ء، م. و في سائر النسخ: «ظريفة» بالظاء المعجمة.

[3]المتحذلق: المتكيس المتظرف.

[4]يقال: رجل معته، إذا كان مجنونا مضطربا في خلقه. و قد ذكر صاحب «اللسان» (في مادة عنه) هذا الخبر فقال: «و أبو العتاهية

262

اسمه و كنيته، و سارت له في الناس. قال: و يقال/للرجل المتحذلق: عتاهية، كما يقال للرجل الطويل:

شناحية[1]. و يقال: أبو عتاهية، بإسقاط الألف و اللام.

/قال محمد بن يحيى و أخبرني محمد بن موسى قال أخبرني ميمون بن هارون عن بعض مشايخه قال: كني بأبي العتاهية أن كان‏[2]يحبّ الشهرة و المجون و التعتّه. و بلده الكوفة و بلد آبائه، و بها مولده و منشؤه و باديته.

يقول ابنه إنها من عنزة:

قال محمد بن سلاّم: و كان محمد بن أبي العتاهية يذكر أن أصلهم من عنزة، و أن جدّهم كيسان كان من أهل عين‏[3]التّمر، فلما غزاها خالد بن الوليد كان كيسان جدّهم هذا يتيما صغيرا يكفله قرابة له من عنزة، فسباه خالد مع جماعة صبيان من أهلها، فوجّه بهم إلى أبي بكر، فوصلوا إليه و بحضرته عبّاد بن رفاعة العنزيّ بن أسد بن ربيعة بن نزار، فجعل أبو بكر رضي اللّه عنه يسأل الصبيان عن أنسابهم فيخبره كلّ واحد بمبلغ معرفته، حتى سأل كيسان، فذكر له أنه من عنزة. فلما سمعه عبّاد يقول ذلك استوهبه من أبي بكر رضي اللّه عنه، و قد كان خالصا له، فوهبه له؛ فأعتقه، فتولّى عنزة[4].

استعداؤه مندل بن علي و أخاه علي سبه بأنه نبطي:

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا أحمد بن الحجّاج الجلاّنيّ الكوفيّ قال حدّثني أبو دؤيل مصعب بن دؤيل الجلاّني، قال: لم أر قطّ مندل بن عليّ العنزيّ و أخاه حيّان بن عليّ غضبا من شي‏ء قطّ إلا يوما واحدا، دخل عليهما أبو العتاهية و هو مضمّخ بالدماء. فقالا له: ويحك!ما بالك؟فقال لهما: من أنا؟فقالا له: أنت أخونا و ابن عمّنا و مولانا. فقال: إنّ فلانا الجزّار قتلني و ضربني و زعم أنّي نبطيّ‏[5]، فإن كنت نبطيّا هربت على وجهي/و إلاّ فقوما فخذا لي بحقّي. فقام معه مندل بن عليّ و ما تعلّق نعله‏[6]غضبا؛ و قال له: و اللّه لو كان حقّك على عيسى بن موسى لأخذته لك منه؛ و مرّ معه حافيا حتى أخذ له بحقّه.

أخبرني الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن موسى عن الحسن بن عليّ عن عمر[7]بن معاوية عن جبارة بن المغلّس‏[8]الحمّانيّ قال: أبو العتاهية مولى عطاء بن محجن العنزيّ.

-الشاعر المعروف ذكر أنه كان له ولد يقال له عتاهية، و قيل: لو كان الأمر كذلك لقيل له أبو عتاهية بغير تعريف؛ إنما هو لقب لا كنية، و كنيته أبو إسحاق. و لقب بذلك لأن المهديّ قال له: أراك متخلطا متعتها. و كان قد تعته بجارية للمهديّ... و قيل: لقب بذلك لأنه كان طويلا مضطربا، و قيل: لأنه يرمي بالزندقة» .

[1]كذا في نسخة الشنقيطي، و هو الموافق لما «معاجم اللغة» . و في أكثر الأصول: «شناجية» بالجيم المعجمة، و هو تصحيف.

[2]في أ، حـ، ء: «إذ كان» .

[3]عين التمر: بلدة قريبة من الأنبار غربيّ الكوفة، غزاها خالد بن الوليد في أيام أبي بكر رضي اللّه عنه.

[4]تولى عنزة: اتخذهم أولياء له.

[5]النبطيّ: منسوب إلى النبط، و هم جبل ينزلون البطائح بين العراقين.

[6]ما تعلق نعله: ما لبسها.

[7]في حـ: «عن محمد بن معاوية» .

[8]كذا في «تهذيب التهذيب» و «الخلاصة في أسماء الرجال» و «أنساب السمعاني» و «شرح القاموس» مادة غلس. و في أ، حـ، ء:

«جنادة بن المغلس» ، و في ب، س: «جنادة بن الأفلس» و كلاهما تحريف.

263

أبي العتاهية و صنعة أهله:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال قال أبو عون أحمد بن المنجّم أخبرني خيار الكاتب قال:

كان أبو العتاهية و إبراهيم الموصليّ من أهل المذار[1]جميعا، و كان أبو العتاهية و أهله يعملون الجرار الخضر، فقدما إلى بغداد ثم افترقا؛ فنزل إبراهيم الموصليّ ببغداد، و نزل أبو العتاهية الحيرة. و ذكر عن الرّياشيّ أنه قال مثل ذلك، و أن أبا العتاهية نقله إلى الكوفة.

قال محمد بن موسى: فولاء أبي العتاهية من قبل أبيه لعنزة، و من قبل أمّه لبني زهرة، ثم لمحمد بن هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص، و كانت أمّه مولاة لهم، يقال لها أمّ زيد.

/أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن مهرويه؛ قال قال الخليل بن أسد:

كان أبو العتاهية يأتينا فيستأذن و يقول: أبو إسحاق الخزّاف. و كان أبوه حجّاما من أهل ورجة[2]؛ و لذلك يقول أبو العتاهية:

ألا إنّما التّقوى هو العزّ و الكرم # و حبّك للدّنيا هو الفقر و العدم

و ليس على عبد تقيّ نقيصة # إذا صحّح التّقوى و إن حاك أو حجم‏

فاخره رجل من كنانة فقال شعرا:

حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا الغلابيّ قال حدّثنا محمد بن أبي العتاهية قال:

/جاذب رجل من كنانة أبا العتاهية في شي‏ء، ففخر عليه الكنانيّ و استطال بقوم من أهله؛ فقال أبو العتاهية:

دعني من ذكر أب و جدّ # و نسب يعليك سور المجد

ما الفخر إلا في التّقى و الزّهد # و طاعة تعطى جنان الخلد

لا بدّ من ورد لأهل الورد # إمّا إلى ضحل‏[3]و إمّا عدّ[4]

آراؤه الدينية:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن موسى عن أحمد بن حرب قال:

كان مذهب أبي العتاهية القول بالتوحيد، و أنّ اللّه خلق جوهرين متضادّين لا من شي‏ء، ثم إنه بنى العالم هذه البنية منهما، و أن العالم حديث العين و الصّنعة لا محدث له إلا اللّه. و كان يزعم أنّ اللّه سيردّ كلّ شي‏ء إلى الجوهرين المتضادّين قبل أن تفنى الأعيان جميعا. و كان يذهب إلى أن المعارف واقعة بقدر الفكر/و الاستدلال [1]كذا في أ، بالذال المعجمة. و المذار في ميسان بين واسط و البصرة، و هي قصبة ميسان بينها و بين البصرة مقدار أربعة أيام. و في سائر النسخ: «المزار» بالزاي المعجمة؛ و لم نعثر عليه في أسماء البلدان.

[2]كذا في جميع الأصول التي بأيدينا، و لم نعثر عليه في «معاجم البلدان» ، و الذي في «اللسان» (مادة ودج) و «معجم ما استعجم» (ج 2 ص 622) أن «ودج» اسم موضع.

[3]الضحل: الماء القليل على الأرض لا عمق له.

[4]العدّ: الماء الجاري الذي له مادة لا تنقطع كماء العين.

264

و البحث طباعا. و كان يقول بالوعيد و بتحريم المكاسب، و يتشيّع بمذهب الزّيدية[1]البتريّة المبتدعة، لا يتنقّص أحدا و لا يرى مع ذلك الخروج على السّلطان. و كان مجبّرا[2].

مناظرته لثمامة بن أشرس في العقائد بين يدي المأمون:

قال الصّوليّ: فحدّثني يموت بن المزرّع قال حدّثني الجاحظ قال: قال أبو العتاهية لثمامة بين يدي المأمون -و كان كثيرا ما يعارضه بقوله في الإجبار-: أسألك عن مسألة. فقال له المأمون: عليك بشعرك. فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في مسألته و يأمره بإجابتي!فقال له: أجبه إذا سألك. فقال: أنا أقول: إنّ كلّ ما فعله العباد من خير و شرّ فهو من اللّه، و أنت تأبى ذلك، فمن حرّك يدي هذه؟و جعل أبو العتاهية يحرّكها. فقال له ثمامة:

حرّكها من أمّه زانية. فقال: شتمني و اللّه يا أمير المؤمنين. فقال ثمامة: ناقض الماصّ بظر أمه و اللّه يا أمير المؤمنين! فضحك المأمون و قال له: أ لم أقل لك أن تشتغل بشعرك و تدع ما ليس من عملك!قال ثمامة: فلقيني بعد ذلك فقال لي: يا أبا معن، أ ما أغناك الجواب عن السّفه؟!فقلت: إنّ من أتمّ الكلام ما قطع الحجة، و عاقب على الإساءة، و شفى من الغيظ، و انتصر من الجاهل.

قال محمد بن يحيى و حدّثني عون بن محمد الكنديّ قال:

سمعت العبّاس بن رستم يقول: كان أبو العتاهية مذبذبا في مذهبه: يعتقد شيئا، فإذا سمع طاعنا عليه ترك اعتقاده إيّاه و أخذ غيره.

اعترض عليه أبو الشمقمق في ملازمة المخنثين فأجابه:

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني ابن أبي الدّنيا قال حدّثني الحسين بن عبد ربه قال حدّثني عليّ بن عبيدة الرّيحانيّ قال حدّثني أبو الشّمقمق: أنه رأى أبا العتاهية يحمل زاملة المخنّثين، فقلت له‏[3]: أمثلك يضع نفسه هذا الموضع مع سنّك و شعرك و قدرك؟!فقال له: أريد أن أتعلّم كيادهم، و أتحفّظ كلامهم.

حاوره بشر بن المعتمر في صنعة الحجامة:

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال:

ذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أنّ بشر بن المعتمر قال يوما لأبي العتاهية: بلغني أنك لمّا نسكت جلست تحجم اليتامى و الفقراء للسبيل، أ كذلك كان؟قال نعم. قال له: فما أردت بذلك؟قال: أردت أن أضع من نفسي حسبما رفعتني الدّنيا، و أضع منها ليسقط عنها الكبر، و أكتسب بما فعلته الثواب، و كنت أحجم اليتامى و الفقراء خاصّة. فقال له بشر: /دعني من تذليلك نفسك بالحجامة؛ فإنه ليس بحجّة لك أن تؤدّبها و تصلحها بما لعلّك تفسد به أمر غيرك؛ أحبّ أن تخبرني هل كنت تعرف الوقت الذي كان يحتاج فيه من تحجمه إلى إخراج الدّم؟قال [1]الزيدية: فرقة نسبت إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، تقصر الإمامة على أولاد فاطمة و لا تجيز الإمامة في غيرهم. و البترية: طائفة منهم أصحاب كثير النوى الأبتر، توقفوا في أمر عثمان أ هو مؤمن أم كافر، و فضلوا عليا على جميع الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم (انظر الكلام على هذه الفرقة ببيان واف في كتاب «الملل و النحل» للشهرستاني طبع أوروبا ص 115-121) .

[2]مجبرا: يقول بالجبر، و هو عند أهل الكلام إسناد إفعال إلى اللّه سبحانه إيجادا و تأثيرا. و يقول الجبرية إنه لا قدرة للعبد أصلا لا مؤثرة و لا كاسبة، فهو بمنزلة الجمادات فيما يوجد منها.

[3]كذا في جميع الأصول. و لعله: «فقال له» .

265

لا. قال: هل كنت تعرف مقدار ما يحتاج كلّ واحد منهم إلى أن يخرجه على قدر طبعه، مما إذا زدت فيه أو نقصت منه ضرّ المحجوم؟قال لا. قال: فما أراك إلا أردت أن تتعلّم الحجامة على أقفاء اليتامى و المساكين!

أراد حمدوية صاحب الزنادقة أخذه فتستر بالحجامة:

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا أبو ذكوان قال حدّثنا العبّاس بن رستم قال: كان حمدويه صاحب الزّنادقة قد أراد أن يأخذ أبا العتاهية، ففزع من ذلك و قعد حجّاما.

/أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال قال أبو دعامة عليّ بن يزيد: أخبر يحيى بن خالد أنّ أبا العتاهية قد نسك، و أنه جلس يحجم النّاس للأجر تواضعا بذلك. فقال: أ لم يكن يبيع الجرار قبل ذلك؟فقيل له بلى. فقال: أ ما في بيع الجرار من الذّلّ ما يكفيه و يستغنى به عن الحجامة!

سئل عن خلق القرآن فأجاب:

أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني شيخ من مشايخنا قال حدّثني أبو شعيب صاحب ابن أبي دواد قال:

قلت لأبي العتاهية: القرآن عندك مخلوق أم غير مخلوق؟فقال: أ سألتني عن اللّه أم عن غير اللّه؟قلت: عن غير اللّه، فأمسك. و أعدت عليه فأجابني هذا الجواب، حتى فعل ذلك مرارا. فقلت له: ما لك لا تجيبني؟قال: قد أجبتك و لكنّك حمار.

أوصافه و صناعته:

أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا شيخ من مشايخنا قال حدّثني محمد بن موسى قال:

كان أبو العتاهية قضيفا[1]، أبيض اللون، أسود الشعر، له وفرة[2]جعدة، و هيئة حسنة و لباقة و حصافة، و كان له عبيد من السّودان، و لأخيه زيد أيضا عبيد منهم يعملون الخزف في أتّون‏[3]لهم؛ فإذا اجتمع منه شي‏ء ألقوه على أجير لهم يقال له أبو عباد/اليزيديّ من أهل طاق‏[4]الجرار بالكوفة، فيبيعه على يديه و يردّ فضله إليهم. و قيل: بل كان يفعل ذلك أخوه زيد لا هو؛ و سئل عن ذلك فقال: أنا جرّار القوافي، و أخي جرّار التّجارة.

قال محمد بن موسى: و حدّثني عبد اللّه بن محمد قال حدّثني عبد الحميد بن سريع مولى بني عجل قال:

أنا رأيت أبا العتاهية و هو جرّار يأتيه الأحداث و المتأدّبون فينشدهم أشعاره، فيأخذون ما تكسّر من الخزف فيكتبونها فيها.

كان يشم أبا قابوس و يفضل عليه العتابيّ فهجاه:

حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني عون بن محمد الكنديّ قال حدّثني محمد بن عمر الجرجانيّ قال:

[1]كذا في ء، أ، م، و القضيف: الدقيق العظم القليل اللحم. و في ب، س: «نظيفا» . و في حـ: «قصيفا» بالصاد المهملة. و الظاهر أنها مصحفة عن «قضيفا» .

[2]الوفرة: الشعر المجتمع على الرأس أو ما سال على الأذنين أو ما جاوز شحمة الأذن. و الجعدة: التي فيها التواء و تقبض.

[3]الأتون (بتشديد التاء) : الموقد، و العامة تخففه.

[4]في ب، س: «طارق الجرار» و هو تحريف.

266

لمّا هاجى أبو قابوس النّصرانيّ كلثوم بن عمرو العتّابيّ، جعل أبو العتاهية يشتم أبا قابوس و يضع منه؛ و يفضّل العتّابيّ عليه؛ فبلغه ذلك فقال فيه:

قل للمكنّي نفسه # متخيّرا بعتاهيه

و المرسل الكلم القبيـ # ح وعته أذن واعيه

إن كنت سرّا سؤتني # أو كان ذاك علانيه

فعليك لعنة ذي الجلا # ل و أمّ زيد زانيه‏

-يعني أمّ أبي العتاهية، و هي أمّ زيد بنت زياد-فقيل له: أ تشتم مسلما؟فقال: لم أشتمه، و إنّما قلت:

فعليك لعنة ذي الجلا # ل و من عنينا زانيه‏

هجاه والبة بن الحباب:

قال: و فيه يقول والبة بن الحباب و كان/يهاجيه:

كان فينا يكنى أبا إسحاق # و بها الرّكب سار في الآفاق

فتكنّى معتوهنا[1]بعتاه # يا لها كنية أتت باتّفاق

خلق اللّه لحية لك لا تنـ # فكّ معقودة بداء الحلاق‏[2]

حصته مع النوشجاني:

أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا النّوشجانيّ قال: أتاني البوّاب يوما فقال لي: أبو إسحاق الخزّاف بالباب؛ فقلت: ائذن له، فإذا أبو العتاهية قد دخل. فوضعت بين يديه قنو موز[3]؛ فقال: قد صرت تقتل العلماء بالموز، قتلت أبا عبيدة بالموز، و تريد أن تقتلني به!لا و اللّه لا أذوقه. قال: فحدّثني عروة بن يوسف الثّقفيّ قال: رأيت أبا عبيدة قد خرج من دار النّوشجانيّ في شقّ محمل مسجّى، إلاّ أنه حيّ، و عند رأسه قنو موز و عند رجليه قنو موز آخر، يذهب به إلى أهله. فقال النّوشجانيّ و غيره: لمّا دخلنا عليه نعوده قلنا: ما سبب علّتك؟قال: هذا النّوشجانيّ جاءني بموز كأنه أيور المساكين، فأكثرت منه، فكان سبب علّتي. قال: و مات في تلك العلّة.

رأي مصعب بن عبد اللّه في شعره:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال:

سمعت مصعب بن عبد اللّه يقول: أبو العتاهية أشعر الناس. فقلت له: بأيّ شي‏ء استحقّ ذلك عندك؟فقال:

بقوله:

تعلّقت بآمال # طوال أيّ آمال‏

[1]كذا في أكثر النسخ و «ديوانه» طبع بيروت. و في ب، س: «معتوتها» .

[2]الحلاق: صفة سوء. و قد ورد هذا البيت في هامش «ديوانه» (ص 343) هكذا:

خلق اللّه لحية لك لا تنـ # فك معقودة لدى الحلاّق‏

[3]القنو: الكباسة، و هي كالعنقود من العنب.

267

و أقبلت على الدّنيا # ملحّا أيّ إقبال

/أيا هذا تجهّز لـ # فراق الأهل و المال

فلا بدّ من الموت # على حال من الحال‏

ثم قال مصعب: هذا كلام سهل حقّ لا حشو فيه و لا نقصان، يعرفه العاقل و يقرّ به الجاهل.

استحسن الأصمعيّ بعض شعره:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال: سمعت الأصمعيّ يستحسن قول أبي العتاهية:

أنت ما استغنيت عن صا # حبك الدهر أخوه

فإذا احتجت إليه # ساعة مجّك فوه‏

أنشد سلّم الخاسر من شعره و قال: هو أشعر الجنّ و الإنس:

حدّثنا محمد بن العبّاس اليزيدي إملاء قال حدّثني عمّي الفضل بن محمد قال حدّثني موسى بن صالح الشّهرزوريّ‏[1]قال:

أتيت سلما الخاسر فقلت له: أنشدني لنفسك. قال: لا، و لكن أنشدك لأشعر الجنّ و الإنس، لأبي العتاهية، ثم أنشدني قوله:

صوت‏

سكن يبقى له سكن # ما بهذا يؤذن الزّمن

نحن في دار يخبّرنا # ببلاها ناطق لسن

دار سوء لم يدم فرح # لامرئ فيها و لا حزن

في سبيل اللّه أنفسنا # كلّنا بالموت مرتهن

كلّ نفس عند ميتتها # حظّها من مالها الكفن

إنّ مال المرء ليس له # منه إلاّ ذكره الحسن‏

/فأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني محمد بن القاسم قال حدّثني رجل من أهل/البصرة أنسيت اسمه، قال حدّثني حمدون بن زيد قال حدّثني رجاء[2]بن مسلمة قال:

قلت لسلم الخاسر: من أشعر الناس؟فقال: إن شئت أخبرتك بأشعر الجنّ و الإنس. فقلت: إنما أسألك عن [1]الشهرزوريّ: نسبة إلى شهرزور، و هي كورة واسعة في الجبال بين إربل و همذان.

[2]في حـ: «رجاء بن سلمة» .

268

الإنس، فإن زدتني الجنّ فقد أحسنت. فقال: أشعرهم الذي يقول:

سكن يبقى له سكن # ما بهذا يؤذن الزّمن‏

قال: و الشعر لأبي العتاهية.

مدح جعفر بن يحيى شعره بحضرة الفرّاء فوافقه:

حدّثني اليزيديّ قال حدّثني عمّي الفضل قال حدّثنا عبد اللّه بن محمد قال حدّثنا يحيى بن زياد الفرّاء قال:

دخلت على جعفر بن يحيى فقال لي: يا أبا زكريّا، ما تقول فيما أقول؟فقلت: و ما تقول أصلحك اللّه؟قال:

أزعم أنّ أبا العتاهية أشعر أهل هذا العصر. فقلت: هو و اللّه أشعرهم عندي.

مدح داود بن زيد و عبد اللّه بن عبد العزيز شعره:

حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني محمد بن موسى قال حدّثني جعفر بن النّضر الواسطيّ الضّرير قال حدّثني محمد بن شيرويه‏[1]الأنماطيّ قال:

قلت لداود بن زيد بن رزين الشاعر: من أشعر أهل زمانه؟قال: أبو نواس. قلت: فما تقول في أبي العتاهية؟ فقال: أبو العتاهية أشعر الإنس و الجنّ.

/أخبرني الصوليّ قال حدّثني محمد بن موسى قال قال الزّبير بن بكّار: أخبرني إبراهيم بن المنذر عن الضحّاك، قال:

قال عبد اللّه بن عبد العزيز العمريّ: أشعر النّاس أبو العتاهية حيث يقول:

ما ضرّ من جعل التّراب مهاده # ألاّ ينام على الحرير إذا قنع‏

صدق و اللّه و أحسن.

مهارته في الشعر و حديثه عن نفسه في ذلك:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن موسى قال حدّثني أحمد بن حرب قال حدّثني المعلّى بن عثمان قال:

قيل لأبي العتاهية: كيف تقول الشعر؟قال: ما أردته قطّ إلا مثل لي، فأقول ما أريد و أترك ما لا أريد.

أخبرني ابن عمّار قال حدّثني ابن مهرويه قال حدّثني روح بن الفرج الحرمازيّ قال:

جلست إلى أبي العتاهية فسمعته يقول: لو شئت أن أجعل كلامي كلّه شعرا لفعلت.

حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا أبو عكرمة قال:

قال محمد بن أبي العتاهية: سئل أبي: هل تعرف العروض؟فقال: أنا أكبر من العروض. و له أوزان لا تدخل في العروض.

نظم شعرا للرشيد و هو مريض فابلغه الفضل و قرّ به الرشيد:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا العنزيّ. قال حدّثنا أبو عكرمة قال:

[1]في أ، ء: «خروية» بالخاء المعجمة. و في ب، حـ، س: «سرويه» . و لعل الجميع محرف عما أثبتناه.

269

حمّ الرّشيد، فصار أبو العتاهية إلى الفضل بن الرّبيع برقعة فيها:

لو علم النّاس كيف أنت لهم # ماتوا إذا ما ألمت أجمعهم

/خليفة اللّه أنت ترجح بالـ # نّاس إذا ما وزنت أنت و هم

قد علم النّاس أنّ وجهك يسـ # تغني‏[1]إذا ما رآه معدمهم‏

فأنشدها الفضل بن الربيع الرشيد؛ فأمر بإحضار أبي العتاهية، فما زال يسامره و يحدّثه إلى أن برئ‏[2]، و وصل إليه بذلك السبب مال جليل.

إعجاب ابن الأعرابيّ به و إفحامه من تنقص شعره:

قال: و حدّثت أنّ ابن الأعرابيّ حدّث بهذا الحديث؛ فقال له رجل بالمجلس: ما هذا الشعر بمستحق لما قلت. قال: و لم؟قال: لأنه شعر ضعيف. فقال ابن الأعرابيّ-و كان أحدّ الناس-: الضعيف و اللّه عقلك لا شعر أبي العتاهية، أ لأبي العتاهية تقول: إنّه ضعيف الشعر!فو اللّه ما رأيت شاعرا قطّ أطبع و لا أقدر/على بيت منه، و ما أحسب مذهبه إلا ضربا من السحر، ثم أنشد له:

قطّعت منك حبائل الآمال # و حططت عن ظهر المطيّ رحالي

و وجدت برد اليأس بين جوانحي # فأرحت من حلّ و من ترحال

يا أيها البطر الذي هو من غد # في قبره متمزّق الأوصال

حذف المنى عنه‏[3]المشمّر في الهدى # و أرى مناك طويلة الأذيال

حيل ابن آدم في الأمور كثيرة # و الموت يقطع حيلة المحتال

قست السؤال فكان أعظم قيمة # من كلّ عارفة جرت بسؤال

فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا # فابذله للمتكرّم المفضال

/و إذا خشيت تعذّرا في بلدة # فاشدد يديك بعاجل التّرحال

و اصبر على غير الزّمان فإنّما # فرج الشّدائد مثل حلّ عقال‏

ثم قال للرجل: هل تعرف أحدا يحسن أن يقول مثل هذا الشّعر؟فقال له الرجل: يا أبا عبد اللّه، جعلني اللّه فداءك!إني لم أردد عليك ما قلت، و لكنّ الزهد مذهب أبي العتاهية، و شعره في المديح ليس كشعره في الزّهد.

فقال: أ فليس الذي يقول في المديح:

[1]كذا في جميع النسخ و «الديوان» ، و هي رواية جيدة و فيها المطابقة بين العدم و الغنى. و مع هذا فمن المحتمل أن يكون «يستسقي» ؛ قال أبو طالب:

و أبيض يستسقي الغمام بوجهه # ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏

[2]أهل العالية يقولون: برأت من المرض أبرأ برءا و بروءا. و أهل الحجاز يقولون: برأت من المرض برءا بالفتح. و سائر العرب يقولون: برئت من المرض. و برؤ برءا من باب قرب لغة. (انظر «اللسان» مادة برأ و «المصباح المنير» ) .

[3]في ب، س، حـ: «عند» و هو تحريف. ـ

270

و هارون ماء المزن يشفى به الصّدى‏[1] # إذا ما الصّدي بالرّيق غصّت حناجره

و أوسط بيت في قريش لبيته # و أوّل عزّ في قريش و آخره

و زحف له تحكي البروق سيوفه # و تحكي الرعود القاصفات حوافره

إذا حميت شمس النّهار تضاحكت # إلى الشّمس فيه بيضه‏[2]و مغافره

إذا نكب الإسلام يوما بنكبة # فهارون من بين البريّة ثائره

و من ذا يفوت الموت و الموت مدرك # كذا لم يفت هارون ضدّ ينافره‏

قال: فتخلّص الرجل من شرّ ابن الأعرابيّ بأن قال له: القول كما قلت، و ما كنت سمعت له مثل هذين الشعرين، و كتبهما عنه.

قال أبو نواس لست أشعر الناس و هو حي:

حدّثني محمد قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال حدّثني ابن الأعرابيّ المنجّم قال حدّثني هارون بن سعدان بن الحارث مولى عبّاد قال:

حضرت أبا نواس في مجلس و أنشد شعرا. فقال له من حضر في المجلس: أنت أشعر الناس. قال: أمّا و الشيخ حيّ فلا. (يعني أبا العتاهية) .

أنشد لثمامة شعره في ذم البخاري فاعترض على بخاري فأجابه:

أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال:

/قال ثمامة بن أشرس أنشدني أبو العتاهية:

إذا المرء لم يعتق من المال نفسه # تملّكه المال الذي هو مالكه

ألا إنّما مالي الذي أنا منفق # و ليس لي المال الذي أنا تاركه

إذا كنت ذا مال فبادر به الذي # يحقّ و إلاّ استهلكته مهالكه‏

فقلت له: من أين قضيت بهذا؟فقال: من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت» . فقلت له: أ تؤمن بأنّ هذا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أنه الحقّ؟قال نعم. قلت:

فلم تحبس عندك سبعا/و عشرين بدرة[3]في دارك، و لا تأكل منها و لا تشرب و لا تزكّي و لا تقدّمها ذخرا ليوم فقرك و فاقتك؟فقال: يا أبا معن، و اللّه إنّ ما قلت لهو الحقّ، و لكنّي أخاف الفقر و الحاجة إلى الناس. فقلت: و بم تزيد حال من افتقر على حالك و أنت دائم الحرص دائم الجمع شحيح على نفسك لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد؟! فترك جواب كلامي كلّه، ثم قال لي: و اللّه لقد اشتريت في يوم عاشوراء لحما و توابله و ما يتبعه بخمسة دراهم. فلما [1]الصدى: العطش.

[2]البيض (بفتح الباء) : جمع بيضة و هي الخوذة تصنع من الحديد ليتقي بها في الحرب. و المغافر: جمع مغفر، و هو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة، و قيل فيه غير ذلك.

[3]البدرة: عشرة آلاف درهم.

271

قال لي هذا القول أضحكني حتّى أذهلني عن جوابه و معاتبته، فأمسكت عنه و علمت أنه ليس ممن شرح اللّه صدره للإسلام.

بخله، و نوادر مختلفة في ذلك:

أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني عليّ بن المهديّ قال قال الجاحظ: حدّثني ثمامة قال:

دخلت يوما إلى أبي العتاهية فإذا هو يأكل خبزا بلا شي‏ء. فقلت: كأنك رأيته يأكل خبزا وحده؛ قال: لا! و لكنّي رأيته يتأدّم بلا شي‏ء. فقلت: و كيف ذلك؟فقال: رأيت قدّامه خبزا يابسا من رقاق فطير و قدحا فيه لبن حليب، فكان يأخذ/القطعة من الخبز فيغمسها من اللبن و يخرجها و لم تتعلّق منه بقليل و لا كثير؛ فقلت له: كأنك اشتهيت أن تتأدّم بلا شي‏ء، و ما رأيت أحدا قبلك تأدّم بلا شي‏ء.

قال الجاحظ: و زعم لي بعض أصحابنا قال: دخلت على أبي العتاهية في بعض المتنزّهات، و قد دعا عيّاشا صاحب الجسر و تهيّأ له بطعام، و قال لغلامه: إذا وضعت قدّامهم الغداء فقدّم إليّ ثريدة[1]بخلّ و زيت. فدخلت عليه، و إذا هو يأكل منها أكل متكمّش‏[2]غير منكر لشي‏ء. فدعاني فمددت يدي معه، فإذا بثريدة بخلّ و بزر بدلا من الزّيت. فقلت له: أ تدري ما تأكل؟قال: نعم ثريدة بخلّ و بزر. فقلت: و ما دعاك إلى هذا؟قال: غلط الغلام بين دبّة[3]الزيت و دبّة البزر؛ فلمّا جاءني كرهت التجبّر و قلت: دهن كدهن، فأكلت و ما أنكرت شيئا.

أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثنا عبد اللّه بن عطيّة الكوفيّ قال حدّثنا محمد بن عيسى الخزيميّ، و كان جار أبي العتاهية، قال:

كان لأبي العتاهية جار يلتقط النّوى ضعيف سيّئ الحال متجمّل‏[4]عليه ثياب فكان يمرّ بأبي العتاهية طرفي النهار؛ فيقول أبو العتاهية: اللهم أغنه عمّا هو بسبيله، شيخ ضعيف سيّئ الحال عليه ثياب متجمّل، اللهم أعنه، اصنع له، بارك فيه. فبقي على هذا إلى أن مات الشيخ نحوا من عشرين سنة. و و اللّه‏[5]إن تصدّق عليه بدرهم و لا دانق قطّ، و ما زاد على الدعاء شيئا. فقلت له يوما: يا أبا إسحاق إني أراك تكثر الدعاء لهذا الشيخ و تزعم أنه فقير مقلّ، فلم لا تتصدّق عليه بشي‏ء؟فقال: أخشى أن يعتاد الصّدقة، و الصدقة أخر[6]كسب العبد، و إنّ في الدعاء لخيرا كثيرا.

/قال محمد بن عيسى الخزيميّ هذا: و كان لأبي العتاهية خادم أسود طويل كأنه محراك أتّون، و كان يجري عليه في كل يوم رغيفين. فجاءني الخادم يوما فقال لي: و اللّه ما أشبع. فقلت: و كيف ذاك؟قال: لأنّي ما أفتر من الكدّ و هو يجري عليّ رغيفين بغير إدام. فإن رأيت أن تكلّمه حتى يزيدني رغيفا فتؤجر!فوعدته بذلك. فلمّا جلست معه مرّ بنا الخادم فكرهت إعلامه أنّه شكا إليّ ذلك، فقلت له: يا أبا إسحاق، كم تجري على هذا الخادم في كلّ [1]في ب، س: «ثردة» و الثردة (بالضم) : الاسم من ثرد الخبز أي فته ثم بلّه بمرق.

[2]تكمش الرجل: أسرع.

[3]الدبة: الوعاء للبزر و الزيت.

[4]المتجمل: الفقير الذي لم يظهر على نفسه المسكنة و الذل.

[5]في أ، حـ، ء: «لا و اللّه» .

[6]أي أرذله و أدنؤه. و يجوز مد الألف.

272

يوم؟قال/رغيفين. فقلت له: لا يكفيانه. قال: من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير، و كلّ من أعطى نفسه شهوتها هلك، و هذا خادم يدخل إلى حرمي و بناتي، فإن لم أعوّده القناعة و الاقتصاد أهلكني و أهلك عيالي و مالي. فمات الخادم بعد ذلك فكفّنه في إزار و فراش له خلق. فقلت له: سبحان اللّه!خادم قديم الحرمة طويل الخدمة واجب الحق، تكفّنه في خلق، و إنما يكفيك له كفن بدينار!فقال: إنه يصير إلى البلى، و الحيّ أولى بالجديد من الميّت.

فقلت له: يرحمك اللّه أبا إسحاق!فلقد عوّدته الاقتصاد حيّا و ميّتا.

قال محمد بن عيسى هذا: وقف عليه ذات يوم سائل من العيّارين‏[1]الظّرفاء و جماعة من جيرانه حوله، فسأله من بين الجيران؛ فقال: صنع اللّه لك!فأعاد السّؤال فأعاد عليه ثانية، فأعاد عليه ثالثة فردّ عليه مثل ذلك، فغضب و قال له: أ لست القائل:

كلّ حيّ عند ميتته # حظّه من ماله الكفن‏

ثم قال: فباللّه عليك أ تريد أن تعدّ مالك كلّه لثمن كفنك؟قال لا. قال: فباللّه كم قدّرت لكفنك؟قال: خمسة دنانير. قال: فهي إذا حظّك من مالك/كلّه. قال نعم. قال: فتصدّق عليّ من غير حظّك بدرهم واحد. قال: لو تصدّقت عليك لكان حظّي. قال: فاعمل على أنّ دينارا من الخمسة الدنانير وضيعة[2]قيراط، و ادفع إليّ قيراطا واحدا، و إلا فواحدة أخرى‏[3]. قال: و ما هي؟قال: القبور تحفر بثلاثة دراهم، فأعطني درهما و أقيم لك كفيلا بأنّي أحفر لك قبرك به متى متّ، و تربح درهمين لم يكونا في حسبانك، فإن لم أحتفر رددته على ورثتك أو ردّه كفيلي عليهم. فخجل أبو العتاهية و قال: اعزب لعنك اللّه و غضب عليك!فضحك جميع من حضر. و مرّ السائل يضحك؛ فالتفت إلينا أبو العتاهية فقال: من أجل هذا و أمثاله حرّمت الصدقة. فقلنا له: و من حرّمها و متى حرّمت!فما رأينا أحدا ادّعى أنّ الصدقة حرّمت قبله و لا بعده.

قال محمد بن عيسى هذا: و قلت لأبي العتاهية: أ تزكّي مالك؟فقال: و اللّه ما أنفق على عيالي إلاّ من زكاة مالي. فقلت: سبحان اللّه!إنما ينبغي أن تخرج زكاة مالك إلى الفقراء و المساكين. فقال: لو انقطعت عن عيالي زكاة مالي لم يكن في الأرض أفقر منهم.

سئل عن أحكم شعره فأجاب:

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال:

قال سليمان بن أبي شيخ قال إبراهيم بن أبي شيخ قلت لأبي العتاهية: أيّ شعر قلته أحكم؟قال قولي:

علمت يا مجاشع بن مسعده # أنّ الشّباب و الفراغ و الجده

مفسدة للمرء أيّ مفسدة

عاتب عمرو بن مسعدة على عدم قضاء حاجته بعد موت أخيه:

أخبرني عيسى قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا أبو غزيّة قال:

[1]العيار: الكثير الطواف و الذي يتردّد بلا عمل.

[2]الوضيعة: الحطيطة.

[3]في ب، س: «فواحدا آخر قال و ما ذلك» .

273

كان مجاشع بن مسعدة أخو عمرو بن مسعدة صديقا لأبي العتاهية، فكان يقوم بحوائجه كلّها و يخلص مودّته، فمات، و عرضت لأبي العتاهية حاجة إلى أخيه عمرو بن مسعدة فتباطأ فيها؛ فكتب إليه أبو العتاهية:

غنيت عن العهد القديم غنيتا # و ضيّعت ودّا بيننا و نسيتا

و من عجب الأيّام أن مات مألفي # و من كنت تغشاني به و بقيتا

/فقال عمرو: استطال أبو إسحاق أعمارنا و توعّدنا، ما بعد هذا خير، ثم قضى حاجته.

فارق أبا غزية في المدينة و أنشده شعرا:

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا أبو غزيّة قال:

كان أبو العتاهية إذا قدم من‏[1]المدينة يجلس إليّ؛ فأراد مرّة الخروج من المدينة فودّعني ثم قال:

إن نعش نجتمع و إلاّ فما أشـ # غل من مات عن جميع الأنام‏

طالبه غلام من التجار بمال فقال فيه شعرا أخجله:

أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني عبد الرحمن بن إسحاق العذريّ قال:

كان لبعض التّجّار من أهل باب الطّاق‏[2]على أبي العتاهية ثمن ثياب أخذها منه. فمرّ به يوما، فقال صاحب الدّكّان لغلام ممن يخدمه حسن الوجه: أدرك أبا العتاهية فلا تفارقه حتى تأخذ منه مالنا[3]عنده؛ فأدركه على رأس الجسر، /فأخذ بعنان حماره و وقفه‏[4]. فقال له: ما حاجتك يا غلام؟قال: أنا رسول فلان، بعثني إليك لآخذ ماله عليك. فأمسك عنه أبو العتاهية؛ و كان كلّ من مرّ فرأى الغلام متعلّقا به وقف ينظر، حتى رضي أبو العتاهية جمع الناس و حفلهم، ثم أنشأ يقول:

و اللّه ربّك إنّني # لأجلّ وجهك عن فعالك

لو كان فعلك مثل وجـ # هك كنت مكتفيا بذلك‏

فخجل الغلام و أرسل عنان الحمار، و رجع إلى صاحبه، و قال: بعثتني إلى شيطان جمع عليّ الناس و قال فيّ الشعر حتى أخجلني فهربت منه.

حجبه حاجب عمرو بن مسعدة فقال فيه شعرا:

أخبرني أحمد بن العبّاس قال حدّثنا العنزيّ قال قال إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم التّيميّ: حدّثني إبراهيم بن حكيم قال:

[1]كذا في جميع النسخ. و السياق يقتضي حذف «من» كما هو ظاهر.

[2]باب الطاق: محلة كبيرة ببغداد بالجانب الشرقيّ تعرف بطاق أسماه.

[3]في س، ب: «ما كان عنده» .

[4]حكى عن بعضهم أنه قال: ما يمسك باليد يقال فيه: أوقفت (بالألف) ، و ما لا يمسك باليد يقال فيه: وقفت (بغير ألف) . و الفصيح وقفت بغير ألف في جميع الباب إلا في قولك: ما أوقفك هاهنا؟و أنت تريد: أيّ شأن حملك على الوقوف. (انظر «المصباح المنير» مادة وقف) .

274

كان أبو العتاهية يختلف إلى عمرو بن مسعدة لود كان بينه و بين أخيه مجاشع. فاستأذن عليه يوما فحجب عنه، فلزم منزله. فاستبطأه عمرو؛ فكتب إليه: إنّ الكسل يمنعني من لقائك؛ و كتب في أسفل رقعته:

كسّلني اليأس منك عنك فما # أرفع طرفي إليك من كسل

إنّي إذا لم يكن أخي ثقة # قطّعت منه حبائل الأمل‏

حدّثني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد النّحويّ قال:

استأذن أبو العتاهية على عمرو بن مسعدة فحجب عنه؛ فكتب إليه:

/مالك قد حلت عن إخائك و اسـ # تبدلت يا عمرو شيمة كدره

إنّي إذا الباب تاه حاجبه # لم يك عندي في هجره نظره

لستم ترجّون للحساب و لا # يوم تكون السماء منفطره

لكن لدنيا كالظلّ بهجتها # سريعة الانقضاء منشمره

قد كان وجهي لديك معرفة # فاليوم أضحى حرفا من النّكره‏

قصيدته في هجو عبد اللّه بن معن و ما كان بينهما:

أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال حدّثنا أبو عكرمة قال:

كان الرّشيد إذا رأى عبد اللّه بن معن بن زائدة تمثّل قول أبي العتاهية:

أخت بني شيبان مرّت بنا # ممشوطة كورا[1]على بغل‏

/و أوّل هذه الأبيات:

يا صاحبي رحلي لا تكثرا # في شتم عبد اللّه من عذل

سبحان من خصّ ابن معن بما # أرى به من قلّة العقل

قال ابن معن وجلا نفسه # على من الجلوة يا أهلي

أنا فتاة الحيّ من وائل # في الشّرف الشّامخ و النّبل

ما في بني شيبان أهل الحجا # جارية واحدة مثلي

ويلي و يا لهفي على أمرد # يلصق منّي القرط بالحجل‏[2]

صافحته يوما على خلوة # فقال دع كفي و خذ رجلي

أخت بني شيبان مرّت بنا # ممشوطة كورا على بغل

تكنى أبا الفضل و يا من رأى # جارية تكنى أبا الفضل

/قد نقّطت في وجهها نقطة # مخافة العين من الكحل‏

[1]الكور: الرحل.

[2]الحجل (بفتح الحاء و كسرها) : الخلخال.

275

إن زرتموها قال حجّابها # نحن عن الزّوّار في شغل

مولاتنا مشغولة عندها # بعل و لا إذن على البعل

يا بنت معن الخير لا تجهلي # و أين إقصار عن الجهل

أتجلد الناس و أنت امرؤ # تجلد في الدّبر و في القبل

ما ينبغي للنّاس أن ينسبوا # من كان ذا جود إلى البخل

يبذل ما يمنع أهل الندى # هذا لعمري منتهى البذل

ما قلت هذا فيك إلاّ و قد # جفّت به الأقلام من قبلي‏

قال: فبعث إليه عبد اللّه بن معن، فأتي به؛ فدعا بغلمان له ثم أمرهم أن يرتكبوا منه الفاحشة، ففعلوا ذلك، ثم أجلسه و قال له: قد جزيتك على قولك فيّ، فهل لك في الصّلح و معه مركب و عشرة آلاف درهم أو تقيم على الحرب؟قال: بل الصلح. قال: فأسمعني ما تقوله في الصلح؛ فقال:

ما لعذّالي و ما لي # أمروني بالضّلال

عذلوني في اغتفاري # لابن معن و احتمالي

إن يكن ما كان منه # فبجرمي و فعالي

أنا منه كنت أسوا # عشرة في كلّ حال

قل لمن يعجب من حسـ # ن رجوعي و مقالي

ربّ ودّ بعد صدّ # و هوى بعد تقالي‏[1]

قد رأينا ذا كثيرا # جاريا بين الرّجال

إنما كانت يميني # لطمت منّي شمالي‏

حب سعدى التي كان يحبها ابن معن ثم هجاها:

/حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن موسى اليزيديّ قال حدّثنا أبو سويد عبد القويّ بن محمد بن أبي العتاهية و محمد بن سعد قالا[2]:

كان أبو العتاهية يهوى في/حداثته امرأة نائحة من أهل الحيرة لها حسن و جمال يقال لها سعدى؛ و كان عبد اللّه بن معن بن زائدة المكنّى بأبي الفضل يهواها أيضا، و كانت مولاة لهم، ثم اتّهمها أبو العتاهية بالنّساء، فقال فيها:

ألا يا ذوات السّحق في الغرب و الشّرق # أفقن فإنّ النّيك أشفى من السّحق

أفقن فإنّ الخبز بالأدم يشتهى # و ليس يسوغ الخبز بالخبز في الحلق‏

[1]التقالى: التباغض.

[2]في جميع النسخ: «قال» بالإفراد.

276

أراكنّ ترقعن الخروق بمثلها # و أيّ لبيب يرقع الخرق بالخرق

و هل يصلح المهراس‏[1]إلا بعوده # إذا احتيج منه ذات يوم إلى الدّقّ‏

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني الغلابيّ قال حدّثني مهديّ بن سابق قال:

تهدّد عبد اللّه بن معن أبا العتاهية و خوّفه و نهاه أن يعرض لمولاته سعدى؛ فقال أبو العتاهية:

ألا قل لابن معن ذا الـ # ذي في الودّ قد حالا

لقد بلّغت ما قال # فما باليت ما قالا

و لو كان من الأسد # لما صال و لا هالا

فصغ ما كنت حلّيت # به سيفك خلخالا

و ما تصنع بالسيف # إذا لم تك قتّالا

و لو مدّ إلى أذنيـ # ه كفّيه لما نالا

قصير الطّول و الطّيلـ # ة[2]لا شبّ و لا طالا

أرى قومك أبطالا # و قد أصبحت بطّالا

ضربه عبد اللّه بن معن فهجاه:

حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن موسى قال حدّثني سليمان المدائنيّ قال:

احتال عبد اللّه بن معن على أبي العتاهية حتى أخذ في مكان فضربه مائة سوط ضربا ليس بالمبرّح غيظا عليه، و إنما لم يعنف في ضربه خوفا من كثرة من يعنى به؛ فقال أبو العتاهية يهجوه:

جلدتني بكفّها # بنت معن بن زائده

جلدتني فأوجعت # بأبي تلك جالده

و تراها مع الخصـ # يّ على الباب قاعدة

تتكنّى كنى الرجا # ل بعمد مكايده

جلدتني و بالغت # مائة غير واحده

اجلديني و اجلدي # إنّما أنت والده‏

و قال أيضا:

ضربتني بكفّها بنت معن # أوجعت كفّها و ما أوجعتني

و لعمري لو لا أذى كفّها إذ # ضربتني بالسّوط ما تركتني‏

[1]المهراس: الهاون.

[2]الطيلة هنا: العمر.

277

توعده يزيد بن معن لهجائه أخاه فهجاه:

قال الصّوليّ: حدّثنا عون بن محمد و محمد بن موسى قالا:

لمّا اتصل هجاء أبي العتاهية/بعبد اللّه بن معن و كثر، غضب أخوه يزيد بن معن من ذلك و توعّد أبا العتاهية؛ فقال فيه قصيدته التي أوّلها:

بنى معن و يهدمه يزيد # كذاك اللّه يفعل ما يريد

فمعن كان للحسّاد غمّا # و هذا قد يسرّ به الحسود

يزيد يزيد في منع و بخل # و ينقص في العطاء و لا يزيد

مصالحته أولاد معن:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني جبلة بن محمد قال حدّثني أبي قال:

مضى بنو معن إلى مندل و حيّان ابني عليّ العنزيين الفقيهين-و هما من بني عمرو بن عامر بطن من يقدم بن عنزة، و كانا من سادات أهل الكوفة-فقالوا لهما: نحن بيت واحد و أهل، و لا فرق بيننا، و قد أتانا من مولاكم هذا ما لو أتانا من بعيد الولاء لوجب أن تردعاه. فأحضرا أبا العتاهية، و لم يكن يمكنه الخلاف عليهما، فأصلحا بينه و بين عبد اللّه و يزيد ابني معن، و ضمنا عنه خلوص النيّة، و عنهما ألاّ يتبعاه بسوء، و كانا ممّن لا يمكن خلافهما، فرجعت الحال إلى المودّة و الصّفاء. فجعل الناس يعذلون أبا العتاهية على ما فرط منه، و لامه آخرون في صلحه لهما؛ فقال:

ما لعذّالي و ما لي # أمروني بالضّلال‏

و قد كتبت متقدّمة.

رثاؤه زائدة بن معن:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن موسى قال:

كان زائدة بن معن صديقا لأبي العتاهية و لم يعن إخوته عليه، فمات؛ فقال أبو العتاهية يرثيه:

حزنت لموت زائدة بن معن # حقيق أن يطول عليه حزني

فتى الفتيان زائدة المصفّى # أبو العباس كان أخي و خدني

فتى قوم و أيّ فتى توارت # به الأكفان تحت ثرى و لبن‏[1]

ألا يا قبر زائدة بن معن # دعوتك كي تجيب فلم تجبني

سل الأيّام عن أركان قومي # أصبن بهنّ ركنا بعد ركن‏

كان عبد اللّه بن معن يخجل إذا لبس السيف لهجوه فيه:

أخبرني الصّوليّ قال حدّثنا الحسن بن عليّ الرازيّ القارئ قال حدّثني أحمد بن أبي فنن قال:

[1]اللبن (بكسر فسكون لغة في اللبن ككتف، و يقال فيه: اللبن بكسرتين مثل إبل) : المضروب من الطين مربعا للبناء.

278

كنّا عند ابن الأعرابيّ، فذكروا قول ابن نوفل في عبد الملك بن عمير:

إذا ذات دلّ كلّمته لحاجة # فهمّ بأن يقضي تنحنح أو سعل‏

و أن عبد الملك قال: تركني و اللّه و إنّ السّعلة لتعرض لي في الخلاء فأذكر قوله فأهاب أن أسعل. قال: فقلت لابن الأعرابيّ: فهذا أبو العتاهية قال في عبد اللّه بن معن بن زائدة:

فصغ ما كنت حلّيت # به سيفك خلخالا

و ما تصنع بالسّيف # إذا لم تك قتّالا

فقال عبد اللّه بن معن: ما لبست سيفي قطّ فرأيت إنسانا يلمحني إلا ظننت أنه يحفظ قول أبي العتاهية فيّ، فلذلك يتأمّلني فأخجل. فقال ابن الأعرابيّ: اعجبوا لعبد يهجو مولاه. قال: و كان ابن الأعرابيّ مولى بني شيبان.

ناظر مسلم بن الوليد في قول الشعر:

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: /حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال:

اجتمع أبو العتاهية و مسلم بن الوليد الأنصاريّ في بعض المجالس، فجرى بينهما كلام؛ فقال له مسلم: و اللّه لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك:

الحمد و النعمة لك # و الملك لا شريك لك

لبيك إنّ الملك لك‏

/لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت، و لكنّي أقول:

موف على مهج في يوم ذي رهج‏[1] # كأنّه أجل يسعى إلى أمل

ينال بالرّفق ما يعيا الرجال به # كالموت مستعجلا يأتي على مهل

يكسو السيوف نفوس الناكثين به # و يجعل الهام تيجان القنا الذّبل

للّه من هاشم في أرضه جبل # و أنت و ابنك ركنا ذلك الحبل‏

فقال له أبو العتاهية: قل مثل قولي:

الحمد و النّعمة لك‏

أقل مثل قولك:

كأنّه أجل يسعى إلى أمل‏

تقارض هو و بشار الثناء على شعريهما:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا الغلابيّ قال حدّثنا مهديّ بن سابق قال:

[1]في يوم ذي رهج: أي في يوم ذي غبار من الحرب. و في «ديوان مسلم» (طبع مدينة ليدن ص 9) :

موف على مهج و اليوم ذو رهج‏

279

قال بشّار لأبي العتاهية: أنا و اللّه أستحسن اعتذارك من دمعك حيث تقول:

كم من صديق لي أسا # رقه البكاء من الحياء

فإذا تأمّل لامني # فأقول ما بي من بكاء

لكن ذهبت لأرتدي # فطرفت عيني بالرّداء

فقال له أبو العتاهية: لا و اللّه يا أبا معاذ، ما لذت إلاّ بمعناك و لا اجتنيت إلا من غرسك حيث تقول:

صوت‏

شكوت إلى الغواني ما ألاقي # و قلت لهنّ ما يومي بعيد

فقلن بكيت قلت لهنّ كلاّ # و قد يبكي من الشّوق الجليد

و لكنّي أصاب سواد عيني # عويد قدى له طرف حديد

فقلن فما لدمعهما سواء # أكلتا مقلتيك أصاب عود

لإبراهيم الموصليّ في هذه الأبيات لحن من الثّقيل الأوّل بالوسطى مطلق.

شكا إليه محمد بن الفضل الهاشميّ جفاء السلطان فقال شعرا:

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمد بن هارون الأزرقيّ مولى بني هاشم عن ابن عائشة عن ابن لمحمد بن الفضل الهاشميّ قال:

جاء أبو العتاهية إلى أبي فتحدّثا ساعة، و جعل أبي يشكو إليه تخلّف الصّنعة[1]و جفاء السلطان. فقال لي أبو العتاهية: اكتب:

كلّ على الدّنيا له حرص # و الحادثات أناتها غفص‏[2]

و كأنّ من واروه في جدث # لم يبد منه لناظر شخص

تبغي من الدنيا زيادتها # و زيادة الدنيا هي النّقص

ليد المنيّة في تلطّفها # عن ذخر كلّ شفيقة فحص‏

حبسه الرشيد ثم عفا عنه و أجازه:

حدّثني عمرو قال حدّثني عليّ بن محمد الهشاميّ‏[3]عن جدّه ابن حمدون قال أخبرني مخارق/قال:

لمّا تنسّك‏[4]أبو العتاهية و لبس الصوف، أمره الرشيد أن يقول شعرا في الغزل، فامتنع؛ فضربه الرشيد ستين عصا، و حلف ألاّ يخرج من حبسه حتى يقول شعرا/في الغزل. فلمّا رفعت المقارع عنه قال أبو العتاهية: كلّ [1]كذا في الأصول. و لعلها: «الصنيعة» .

[2]الغفص: الختل.

[3]في جميع النسخ: «الشامي» و هو تحريف.

[4]في حـ: «تقرّأ» و معناه: تنسك. ـ

280

مملوك له حرّ و امرأته طالق إن تكلّم سنة إلاّ بالقرآن أو بلا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه. فكأنّ الرشيد تحزّن مما فعله، فأمر أن يحبس في دار و يوسّع عليه، و لا يمنع من دخول من يريد إليه. قال مخارق: و كانت الحال بينه و بين إبراهيم الموصليّ لطيفة، فكان يبعثني إليه في الأيام أتعرّف خبره. فإذا دخلت وجدت بين يديه ظهرا[1]و دواة، فيكتب إليّ ما يريد، و أكلّمه. فمكث هكذا سنة. و اتّفق أنّ إبراهيم الموصليّ صنع صوته:

صوت‏

أعرفت دار الحيّ بالحجر # فشدوريان فقنّة الغمر[2]

و هجرتنا و ألفت رسم بلى # و الرسم كان أحقّ بالهجر

-لحن إبراهيم في هذا الشعر خفيف رمل بالوسطى. و فيه لإسحاق رمل بالوسطى-قال مخارق: فقال لي إبراهيم: اذهب إلى أبي العتاهية حتى تغنّيه هذا الصوت. فأتيته في اليوم الذي انقضت فيه يمينه، فغنّيته إيّاه. فكتب إليّ بعد أن غنّيته: هذا اليوم تنقضي فيه يميني، فأحبّ أن تقيم عندي إلى الليل؛ فأقمت عنده نهاري كلّه، حتى إذا أذّن الناس المغرب كلّمني، فقال: يا مخارق. قلت: لبّيك. قال: قل لصاحبك: يا ابن الزانية!أما و اللّه لقد أبقيت للناس فتنة إلى يوم القيامة، فانظر أين أنت من اللّه غدا!قال مخارق: فكنت أوّل من أفطر على كلامه؛ فقلت: دعني من هذا، هل قلت شيئا للتخلّص من هذا الموضع؟فقال: نعم، قد قلت في امرأتي شعرا. قلت: هاته؛ فأنشدني:

صوت‏

من لقلب متيّم مشتاق # شفّه شوقه و طول الفراق

طال شوقي إلى قعيدة بيتي # ليت شعري فهل لنا من تلاقي

هي حظّي قد اقتصرت عليها # من ذوات العقود و الأطواق

جمع اللّه عاجلا بك شملي # عن قريب و فكّني من وثاقي‏

قال: فكتبتها و صرت بها إلى إبراهيم؛ فصنع فيها لحنا، و دخل بها على الرشيد؛ فكان أوّل صوت غنّاه إيّاه في ذلك المجلس؛ و سأله: لمن الشعر و الغناء؟فقال إبراهيم: أمّا الغناء فلي، و أما الشعر فلأسيرك أبي العتاهية.

فقال: أو قد فعل؟قال: نعم قد كان ذلك. فدعا به، ثم قال لمسرور الخادم: كم ضربنا أبا العتاهية؟قال: ستين عصا، فأمر له بستين ألف درهم و خلع عليه و أطلقه.

غضب عليه الرشيد و ترضّاه له الفضل:

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثنا الحسين بن أبي السّريّ قال:

قال لي الفضل بن العباس: وجد الرشيد و هو بالرّقّة على/أبي العتاهية و هو بمدينة السّلام، فكان أبو العتاهية [1]لعله يريد بالظهر هنا الريش الذي يظهر من ريش الطائر و جمعه ظهار كعرق و عراق. و يظهر أنه كان من عادتهم الكتابة به كالأقلام.

[2]القنة: ذروة الحبل و أعلاه. و الغمر: جبل بحذاء توّز. و توز: من منازل طريق مكة من البصرة معدود في أعمال اليمامة. أما «شدوريان» فلم نهتد إليه.

281

يرجو أن يتكلّم الفضل بن الربيع في أمره، فأبطأ عليه بذلك؛ فكتب إليه أبو العتاهية:

أ جفوتني فيمن جفاني # و جعلت شأنك غير شأني

و لطالما أمّنتني # ممّا أرى كلّ الأمان

حتّى إذا انقلب الزّما # ن عليّ صرت مع الزمان‏

فكلّم الفضل فيه الرشيد فرضي عنه. و أرسل إليه الفضل يأمره بالشخوص. و يذكر له أنّ أمير المؤمنين قد رضي عنه؛ فشخص إليه. فلما دخل إلى الفضل أنشده قوله فيه:

/

قد دعوناه نائيا فوجدنا # ه على نأيه قريبا سميعا

فأدخله إلى الرشيد، فرجع إلى حالته الأولى.

كان يزيد بن منصور يحبه و يقربه فرثاه عند صوته:

أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال:

كان يزيد بن منصور خال المهديّ يتعصب لأبي العتاهية؛ لأنه كان يمدح اليمانية أخوال المهديّ في شعره؛ فمن ذلك قوله:

صوت‏

سقيت الغيث يا قصر السّلام # فنعم محلّة الملك الهمام

لقد نشر الإله عليك نورا # و حفّك بالملائكة الكرام

سأشكر نعمة المهديّ حتّى # تدور عليّ دائرة الحمام

له بيتان بيت تبّعيّ # و بيت حلّ بالبلد الحرام‏

قال: و كان أبو العتاهية طول حياة يزيد بن منصور يدّعي أنه مولى لليمن و ينتفي من عنزة؛ فلمّا مات يزيد رجع إلى ولائه الأوّل. فحدّثني الفضل بن العبّاس قال: قلت له: أ لم تكن تزعم أنّ ولاءك لليمن؟!قال: ذلك شي‏ء احتجنا إليه في ذلك الزمن، و ما في واحد ممّن انتميت إليه خير، و لكنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع. و كان ادّعى ولاء اللّخميّين. قال: و كان يزيد بن منصور من أكرم النّاس و أحفظهم لحرمة، و أرعاهم لعهد، و كان بارّا بأبي العتاهية، كثيرا فضله عليه؛ و كان أبو العتاهية منه في منعة و حصن حصين مع كثرة ما يدفعه إليه و يمنعه من المكاره. فلمّا مات قال أبو العتاهية يرثيه:

/

أنعى يزيد بن منصور إلى البشر # أنعى يزيد لأهل البدو و الحضر

يا ساكن الحفرة المهجور ساكنها # بعد المقاصر و الأبواب و الحجر

وجدت فقدك في مالي و في نشبي # وجدت فقدك في شعري و في بشري‏[1]

فلست أدري جزاك اللّه صالحة # أ منظري اليوم أسوأ فيك أم خبري‏

[1]في «ديوانه» : «شعري (بكسر الشين) و في نثري» .

282

استحسن شعره بشار و قد اجتمعا عند المهدي:

حدّثنا ابن عمّار قال حدّثنا محمد بن إبراهيم بن خلف قال حدّثني أبي قال:

حدّثت أنّ المهديّ جلس للشّعراء يوما، فأذن لهم و فيهم بشّار و أشجع، و كان أشجع يأخذ عن بشّار /و يعظّمه، و غير هذين، و كان في القوم أبو العتاهية. قال أشجع: فلمّا سمع بشار كلامه قال: يا أخا سليم، أ هذا ذلك الكوفيّ الملقّب؟قلت نعم. قال: لا جزى اللّه خيرا من جمعنا معه. ثم قال له المهديّ: أنشد؛ فقال: ويحك! أو يبدأ فيستنشد أيضا قبلنا؟!فقلت: قد ترى. فأنشد:

ألا ما لسيّدتي ما لها # أدلاّ فأحمل إدلالها

و إلاّ ففيم تجنّت و ما # جنيت سقى اللّه أطلالها

ألا إنّ جارية للإما # م قد أسكن الحبّ سربالها

مشت بين حور قصار الخطا # تجاذب في المشي أكفالها

و قد أتعب اللّه نفسي بها # و أتعب باللّوم عذّالها

قال أشجع: فقال لي بشّار: ويحك يا أخا سليم!ما أدري من أيّ أمريه أعجب: أ من ضعف شعره، أم من تشبيبه بجارية الخليفة، يسمع ذلك بأذنه!حتى أتى على قوله:

أتته الخلافة منقادة # إليه تجرّر أذيالها

و لم تك تصلح إلاّ له # و لم يك يصلح إلاّ لها

/و لو رامها أحد غيره # لزلزلت الأرض زلزالها

و لو لم تطعه بنات القلوب‏[1] # لما قبل اللّه أعمالها

و إنّ الخليفة من بغض لا # إليه ليبغض من قالها

قال أشجع: فقال لي بشّار و قد اهتزّ طربا: ويحك يا أخا سليم!أ ترى الخليفة لم يطر عن فرشه طربا لما يأتي به هذا الكوفيّ؟

شنّع عليه منصور بن عمار و رماه بالزندقة:

أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني ابن مهرويه قال حدّثني العبّاس بن ميمون قال حدّثني رجاء بن سلمة قال:

سمعت أبا العتاهية يقول: قرأت البارحة (عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ) ، ثم قلت قصيدة أحسن منها. قال: و قد قيل: إنّ منصور بن عمّار شنّع عليه بهذا.

قال يحيى بن عليّ حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني أبو عمر القرشيّ قال:

لمّا قصّ منصور بن عمّار على الناس مجلس البعوضة[2]قال أبو العتاهية: إنما سرق منصور هذا الكلام من [1]بنات القلوب: النيات.

[2]يريد بذلك أنه قص ما يتعلق بالبعوضة من خلقها و صفتها و ما أودعه اللّه فيها من الأسرار، فأطلق المكان-و هو المجلس-و أراد ما

283

رجل كوفيّ. فبلغ قوله منصورا فقال: أبو العتاهية زنديق، أ ما ترونه لا يذكر في شعره الجنة و لا النار، و إنما يذكر الموت فقط!فبلغ ذلك أبا العتاهية، فقال فيه:

يا واعظ الناس قد أصبحت متّهما # إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها

كالملبس الثوب من عري و عورته # للناس بادية ما إن يواريها

/فأعظم الإثم بعد الشّرك نعلمه # في كلّ نفس عماها عن مساويها

عرفانها بعيوب الناس تبصرها # منهم و لا تبصر العيب الذي فيها

فلم تمض إلاّ أيام يسيرة حتى مات منصور بن عمّار، فوقف أبو العتاهية على قبره و قال: يغفر اللّه لك أبا السّريّ ما كنت رميتني به.

وشى به إلى حمدويه صاحب الزنادقة فتحقق أمره و تركه:

أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا محمد بن موسى قال أخبرني النّسائيّ عن محمد بن أبي العتاهية قال:

كانت لأبي العتاهية جارة تشرف عليه، فرأته ليلة يقنت، فروت عنه أنه يكلّم القمر، و اتّصل الخبر بحمدويه صاحب الزنادقة، /فصار إلى منزلها و بات و أشرف على أبي العتاهية و رآه يصلّي، و لم يزل يرقبه حتى قنت و انصرف إلى مضجعه، و انصرف حمدويه خاسئا.

قال شعرا يدل على توحيده ليتناقله الناس:

حدّثنا محمد بن يحيى قال حدّثنا محمد بن الرّياشيّ قال حدّثنا الخليل بن أسد النّوشجانيّ قال:

جاءنا أبو العتاهية إلى منزلنا فقال: زعم الناس أنّي زنديق، و اللّه ما ديني إلى التّوحيد. فقلنا له: فقل شيئا نتحدّث به عنك؛ فقال:

ألا إنّنا كلّنا بائد # و أيّ بني آدم خالد

و بدؤهم كان من ربّهم # و كلّ إلى ربّه عائد

فيا عجبا كيف يعصى الإلـ # ه أم كيف يجحده الجاحد

و في كلّ شي‏ء له آية # تدلّ على أنه واحد

أرجوزته المشهورة و قوّة شعرها:

أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعيّ قال:

تذاكروا يوما شعر أبي العتاهية بحضرة الجاحظ؛ إلى أن جرى ذكر أرجوزته المزدوجة التي سمّاها «ذات الأمثال» ؛ فأخذ بعض من حضر ينشدها حتى أتى على قوله:

يا للشّباب المرح التّصابي # روائح الجنّة في الشّباب‏

() يقع فيه. و هذا المجاز كثير الاستعمال. و قد تكلم الإمام الغزالي في «الإحياء» في باب المحبة على البعوضة (راجع ج 4 ص 247 طبع المطبعة الميمنية بمصر سنة 1306 هـ) و تكلم عليها الدميريّ أيضا في «حياة الحيوان» (راجع ج 1 ص 159-166 طبع بولاق) .

284

فقال الجاحظ للمنشد: قف، ثم قال: انظروا إلى قوله:

روائح الجنّة في الشّباب‏

فإنّ له معنى كمعنى الطّرب الذي لا يقدر على معرفته إلا القلوب، و تعجز عن ترجمته الألسنة إلا بعد التطويل و إدامة التفكير. و خير المعاني ما كان القلب إلى قبوله أسرع من اللسان إلى وصفه. و هذه الأرجوزة من بدائع أبي العتاهية، و يقال: إن‏[له‏][1]فيها أربعة آلاف مثل. منها قوله:

حسبك ممّا تبتغيه القوت # ما أكثر القوت لمن يموت

الفقر فيما جاوز الكفافا # من اتّقى اللّه رجا و خافا

هي المقادير فلمني أو فذر # إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر

لكلّ ما يؤذي و إن قلّ ألم # ما أطول اللّيل على من لم ينم

ما انتفع المرء بمثل عقله # و خير ذخر المرء حسن فعله

إنّ الفساد ضدّه الصّلاح # و ربّ جدّ جرّه المزاح

من جعل النّمّام عينا هلكا # مبلغك الشرّ كباغيه لكا

إنّ الشّباب و الفراغ و الجده # مفسدة للمرء أيّ مفسدة

/يغنيك عن كلّ قبيح تركه # يرتهن الرأي الأصيل شكّه

ما عيش من آفته بقاؤه # نغّص عيشا كلّه فناؤه‏[2]

يا ربّ من أسخطنا بجهده # قد سرّنا اللّه بغير حمده

ما تطلع الشمس و لا تغيب # إلاّ لأمر شأنه عجيب

لكلّ شي‏ء معدن و جوهر # و أوسط و أصغر و أكبر

/من لك بالمحض و كلّ ممتزج # وساوس في الصّدر منه تعتلج

و كلّ شي‏ء لاحق بجوهره # أصغره متّصل بأكبره

ما زالت الدنيا لنا دار أذى # ممزوجة الصّفو بألوان القذى

الخير و الشرّ بها أزواج # لذا نتاج و لذا نتاج

من لك بالمحض و ليس محض # يخبث بعض و يطيب بعض

لكلّ إنسان طبيعتان # خير و شرّ و هما ضدّان

إنّك لو تستنشق الشّحيحا # وجدته أنتن شي‏ء ريحا

و الخير و الشرّ إذا ما عدّا # بينهما بون بعيد جدّا

[1]الزيادة عن أ، م.

[2]في «ديوانه» ص 348: «... عيشا طيّبا فناؤه» .

285

عجبت حتى غمّني السكوت # صرت كأنّي حائر مبهوت

كذا قضى اللّه فكيف أصنع # الصمت إن ضاق الكلام أوسع‏

و هي طويلة جدّا، و إنما ذكرت هذا القدر منها حسب ما استاق الكلام من صفتها.

برمه بالناس و ذمهم في شعره:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه عن روح بن الفرج قال:

شاور رجل أبا العتاهية فيما ينقشه على خاتمه؛ فقال: انقش عليه: لعنة اللّه على الناس؛ و أنشد:

/

برمت بالناس و أخلاقهم # فصرت أستأنس بالوحده

ما أكثر الناس لعمري و ما # أقلّهم في حاصل العدّه‏

مدح عمر بن العلاء فأجازه و فضله على الشعراء:

حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا الغلابيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن الضحّاك: أنّ عمر بن العلاء مولى عمرو بن حريث صاحب المهديّ كان ممدّحا، فمدحه أبو العتاهية، فأمر له بسبعين ألف درهم؛ فأنكر ذلك بعض الشعراء و قال:

كيف فعل هذا بهذا الكوفيّ!و أيّ شي‏ء مقدار شعره!فبلغه ذلك، فأحضر الرجل و قال له: و اللّه إنّ الواحد منكم ليدور على المعنى فلا يصيبه، و يتعاطاه فلا يحسنه، حتى يشبّب بخمسين بيتا، ثم يمدحنا ببعضها، و هذا كأنّ المعاني تجمع له، مدحني فقصّر التشبيب، و قال:

إنّي أمنت من الزمان و ريبه # لمّا علقت من الأمير حبالا

لو يستطيع الناس من إجلاله # لحذوا له حرّ الوجوه نعالا

صوت‏

إنّ المطايا تشتكيك لأنّها # قطعت إليك سباسبا[1]و رمالا

فإذا وردن بنا وردن مخفّة[2] # و إذا رجعن بنا رجعن ثقالا

أخذ هذا المعنى من قول نصيب:

فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله # و لو سكتوا أثنت عليك الحقائب‏

رأى العتابي فيه:

حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن عون قال حدّثني محمد بن النّضر كاتب غسّان بن عبد اللّه قال:

/أخرجت رسولا إلى عبد اللّه بن طاهر و هو يريد مصر، فنزلت على العتّابيّ، و كان لي صديقا، فقال: أنشدني لشاعر العراق-يعني أبا نواس، و كان قد مات-فأنشدته/ما كنت أحفظ من ملحه، و قلت له: ظننتك تقول هذا لأبي العتاهية. فقال: لو أردت أبا العتاهية لقلت لك: أنشدني لأشعر الناس، و لم أقتصر على العراق.

[1]سباسب: جمع سبسب، و هو الأرض القفر البعيدة.

[2]مخفة: قليلة الحمل. و في «ديوانه» (طبع بيروت) : «خفائفا» .

286

ملاحظته على سهولة الشعر لمن يعالجه:

أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني هارون بن سعدان عن شيخ من أهل بغداد قال:

قال أبو العتاهية: أكثر الناس يتكلّمون بالشعر و هم لا يعلمون، و لو أحسنوا تأليفه كانوا شعراء كلّهم. قال:

فبينما نحن كذلك إذ قال رجل لآخر عليه مسح‏[1]: «يا صاحب المسح تبيع المسح؟» [2]. فقال لنا أبو العتاهية: هذا من ذلك، أ لم تسمعوه يقول:

يا صاحب المسح تبيع المسحا

قد قال شعرا و هو لا يعلم. ثم قال الرجل: «تعال إن كنت تريد الرّبح» [2]. فقال أبو العتاهية: و قد أجاز المصراع بمصراع آخر و هو لا يعلم، قال له:

تعال إن كنت تريد الرّبحا

وصف الأصمعيّ شعره:

حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن موسى قال حدّثنا أحمد بن بشير[3]أبو طاهر الحلبيّ قال حدّثنا مزيد الهاشميّ عن السّدريّ قال:

/سمعت الأصمعيّ يقول: شعر أبي العتاهية كساحة الملوك يقع فيها الجوهر و الذهب و التراب و الخزف و النّوى.

مدح يزيد بن منصور لشفاعته فيه لدى المهدي:

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال:

لمّا حبس المهديّ أبا العتاهية، تكلّم فيه يزيد بن منصور الحميريّ حتى أطلقه؛ فقال فيه أبو العتاهية:

ما قلت في فضله شيئا لأمدحه # إلاّ و فضل يزيد فوق ما قلت

ما زلت من ريب دهري خائفا وجلا # فقد كفاني بعد اللّه ما خفت‏

قدرته على ارتجال الشعر:

أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني محمد بن يحيى قال حدّثني عبد اللّه بن الحسن قال:

جاءني أبو العتاهية و أنا في الديوان فجلس إليّ. فقلت: يا أبا إسحاق، أ ما يصعب عليك شي‏ء من الألفاظ فتحتاج فيه إلى استعمال الغريب كما يحتاج إليه سائر من يقول الشعر، أو إلى ألفاظ مستكرهة؟قال لا. فقلت [له‏][4]: إنّي لأحسب ذلك من كثرة ركوبك القوافي السّهلة. قال: فاعرض عليّ ما شئت من القوافي الصعبة.

فقلت: قل أبياتا على مثل البلاغ. فقال من ساعته:

[1]المسح: كساء من شعر كثوب الرهبان.

[2]في الأصول: «المسحا» و «الربحا» بالألف، و هو نثر لا داعي فيه لألف الإطلاق.

[3]في أ، ء، م: «ابن بشر» .

[4]زيادة عن حـ.

287

أيّ عيش يكون أبلغ من عيـ # ش كفاف قوت بقدر البلاغ‏[1]

صاحب البغي ليس يسلم منه # و على نفسه بغى كلّ باغي

ربّ ذي نعمة تعرّض منها # حائل بينه و بين المساغ

أبلغ الدهر في مواعظه بل # زاد فيهنّ لي على الإبلاغ

غبنتني الأيّام عقلي و مالي # و شبابي و صحّتي و فراغي‏

/أخبرنا يحيى إجازة قال حدّثنا عليّ بن مهديّ قال حدّثني أبو عليّ اليقطيني قال حدّثني أبو خارجة بن مسلم قال:

كان مسلم بن الوليد يستخف به فلما أنشده من غزله أكبره‏

قال مسلم بن الوليد: كنت مستخفّا بشعر أبي العتاهية، فلقيني يوما فسألني أن أصير إليه، فصرت إليه فجاءني بلون واحد فأكلناه، /و أحضرني تمرا فأكلناه، و جلسنا نتحدّث، و أنشدته أشعارا لي في الغزل، و سألته أن ينشدني؛ فأنشدني قوله:

باللّه يا قرّة العينين زوريني # قبل الممات و إلاّ فاستزيريني

إنّي لأعجب من حبّ يقرّبني # ممن يباعدني منه و يقصيني‏[2]

أمّا الكثير فما أرجوه منك و لو # أطمعتني في قليل كان يكفيني‏

ثم أنشدني أيضا:

رأيت الهوى جمر الغضى غير أنّه # على حرّه في صدر صاحبه حلو

صوت‏

أخلاّي بي شجو و ليس بكم شجو # و كلّ امرئ عن شجو صاحبه خلو

و ما من محبّ نال ممن يحبّه # هوى صادقا إلاّ سيدخله زهو

بليت و كان المزح بدء بليّتي # فأحببت حقّا و البلاء له بدو

و علّقت من يزهو[3]عليّ تجبّرا # و إنّي في كلّ الخصال له كفو

رأيت الهوى جمر الغضى غير أنّه # على كل حال عند صاحبه حلو

[1]البلاغ هنا: الكفاية.

[2]كذا في أ، ء، م. و في سائر النسخ: «و يعصيني» .

[3]يزهو: يترفع و يتكبر. و الفصيح: «يزهى» بالبناء للمجهول.

288

-الغناء لإبراهيم ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، و له فيه أيضا خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. و لعمرو بن بانة رمل بالوسطى من كتابه. و لعريب فيه خفيف ثقيل من كتاب ابن المعتزّ-قال مسلم: ثم أنشدني أبو العتاهية:

صوت‏

خليليّ ما لي لا تزال مضرّتي # تكون على الأقدار حتما من الحتم

يصاب فؤادي حين أرمي و رميتي # تعود إلى نحري و يسلم من أرمي

صبرت و لا و اللّه ما بي جلادة # على الصبر لكنّي صبرت على رغمي

ألا في سبيل اللّه جسمي و قوّتي # ألا مسعد حتى أنوح على جسمي

تعدّ عظامي واحدا بعد واحد # بمنحى‏[1]من العذّال عظما على عظم

كفاك بحقّ اللّه ما قد ظلمتني # فهذا مقام المستجير من الظّلم‏

-الغناء لسياط في هذه الأبيات، و إيقاعه من خفيف الثّقيل الأوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق-قال مسلم: فقلت له: لا و اللّه يا أبا إسحاق ما يبالي من أحسن أن يقول مثل هذا الشّعر ما فاته من الدنيا!فقال: يا بن أخي، لا تقولنّ مثل هذا؛ فإن الشعر أيضا من بعض مصايد الدنيا.

وفد مع الشعراء على الرشيد و مدحه فلم يجز غيره:

أخبرنا يحيى إجازة قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني عبد الرحمن بن الفضل قال حدّثني ابن الأعرابيّ قال:

اجتمعت الشعراء على باب الرشيد، فأذن لهم فدخلوا و أنشدوا؛ فأنشد أبو العتاهية:

يا من تبغّى‏[2]زمنا صالحا # صلاح هارون صلاح الزمن

/كلّ لسان هو في ملكه # بالشكر في إحسانه مرتهن‏

قال: فاهتزّ[3]له الرشيد، و قال له: أحسنت و اللّه!و ما خرج في ذلك اليوم أحد من الشعراء بصلة غيره.

قال شعرا في المشمر فرس الرشيد فأجازه:

أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثنا عليّ بن مهديّ قال حدّثنا عامر بن عمران الضّبيّ قال حدّثني ابن الأعرابيّ قال:

أجرى هارون الرشيد الخيل، فجاءه فرس يقال له المشمّر سابقا، و كان الرشيد معجبا بذلك الفرس، فأمر الشعراء أن يقولوا فيه؛ فبدرهم أبو العتاهية فقال:

[1]في ب، س: «نحني» بتقديم الحاء على النون. و هو تحريف.

[2]تبغي: تطلب.

[3]في ب، س: «فأدهش له» .

289

جاء المشمّر و الأفراس يقدمها # هونا على رسله‏[1]و ما انبهرا

و خلّف الريح حسرى‏[2]و هي جاهدة # و مرّ يختطف الأبصار و النظرا

فأجزل صلته، و ما جسر أحد بعد أبي العتاهية أن يقول فيه شيئا.

رثاؤه صديقه علي بن ثابت:

أخبرني يحيى إجازة قال حدّثني الفضل بن عبّاس بن عقبة بن جعفر قال:

كان عليّ بن ثابت صديقا لأبي العتاهية و بينهما مجاوبات كثيرة في الزهد و الحكمة، فتوفّي عليّ بن ثابت قبله، فقال يرثيه:

مؤنس كان لي هلك # و السبيل التي سلك

يا عليّ بن ثابت # غفر اللّه لي و لك

كلّ حيّ مملّك # سوف يفنى و ما ملك‏

قال الفضل‏[3]: و حضر أبو العتاهية عليّ بن ثابت و هو يجود بنفسه، فلم يزل ملتزمه حتى فاض‏[4]؛ فلما شدّ لحياه بكى طويلا، ثم أنشد يقول:

يا شريكي في الخير قرّبك اللّ # ه فنعم الشّريك في الخير كنتا

قد لعمري حكيت لي غصص المو # ت فحرّكتني لها و سكنتا

/قال: و لمّا دفن وقف على قبره يبكي طويلا أحرّ بكاء، و يردّد هذه الأبيات:

ألا من لي بأنسك يا أخيّا # و من لي أن أبثّك ما لديّا

طوتك خطوب دهرك بعد نشر # كذاك خطوبه نشزا و طيّا

فلو نشرت قواك لي المنايا # شكوت إليك ما صنعت إليّا

بكيتك يا عليّ بدمع عيني # فما أغنى البكاء عليك‏[5]شيّا

و كانت في حياتك لي عظات # و أنت اليوم أوعظ منك حيّا

اشتمال مرثيته في علي بن ثابت على أقوال الفلاسفة في موت الإسكندر:

قال عليّ بن الحسين مؤلّف هذا الكتاب: هذه المعاني أخذها كلّها أبو العتاهية من كلام الفلاسفة لمّا حضروا تابوت الإسكندر، و قد أخرج الإسكندر ليدفن: قال بعضهم: كان الملك أمس أهيب منه اليوم، و هو اليوم أوعظ منه [1]على رسله: على تؤدته و هينته، و مثله الهون (بالفتح) .

[2]حسري: كالة معيية.

[3]في ب، س: «أبو الفضل» و هو تحريف.

[4]في م: «فاظ» و كلاهما بمعنى مات.

[5]في أ، م، ء: «على» .

290

أمس. و قال آخر: سكنت حركة الملك في لذّاته، و قد حرّكنا اليوم في سكونه جزعا لفقده. و هذان المعنيان هما اللذان ذكرهما أبو العتاهية في هذه الأشعار.

سأله جعفر بن الحسين عن أشعر الناس فأنشده من شعره:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني جعفر بن الحسين المهلّبيّ قال:

لقينا أبو العتاهية فقلنا له: يا أبا إسحاق، من/أشعر الناس؟قال: الذي يقول:

اللّه أنجح ما طلبت به # و البرّ خير حقيبة الرّحل‏[1]

فقلت: أنشدني شيئا من شعرك؛ فأنشدني:

يا صاحب الرّوح ذي الأنفاس في البدن‏[2] # بين النهار و بين الليل مرتهن

لقلّما يتخطّاك اختلافهما # حتى يفرّق بين الرّوح و البدن

/لتجذبنّي‏[3]يد الدّنيا بقوّتها # إلى المنايا و إن نازعتها رسني

للّه دنيا أناس دائبين لها # قد ارتعوا في رياض الغيّ و الفتن‏[4]

كسائمات رتاع‏[5]تبتغي سمنا # و حتفها لو درت في ذلك السّمن‏

قال: فكتبتها، ثم قلت له: أنشدني شيئا من شعرك في الغزل؛ فقال: يا ابن أخي، إنّ الغزل يسرع إلى مثلك.

فقلت له: أرجو عصمة اللّه جل و عزّ. فأنشدني:

كأنّها من حسنها درّة # أخرجها اليمّ إلى الساحل

كأن في فيها و في طرفها # سواحرا أقبلن من بابل

لم يبق منّي حبّها ما خلا # حشاشة في بدن ناحل

يا من رأى قبلي قتيلا بكى # من شدّة الوجد على القاتل‏

فقلت له: يا أبا إسحاق، هذا قول صاحبنا جميل:

خليليّ فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي‏

فقال: هو ذاك يا بن أخي و تبسّم.

شعره في التحسر على الشباب:

أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال حدّثني أبي قال حدّثني أبو عكرمة عن شيخ له من أهل الكوفة قال:

[1]في ب، ء: «الرجل» بالجيم المعجمة.

[2]كذا في «ديوانه» . و في جميع الأصول: «و الأنفاس و البدن» .

[3]كذا في «الديوان» . و في الأصول: «لتجذبن به الدنيا... » .

[4]ورد هذا البيت في «الديوان» هكذا:

للّه درّ أناس عمرت بهم # حتى رعوا في رياض الغيّ و الفتن‏

[5]رتاع: جمع راتعة. و في «الديوان» : «رواع» جمع راعية، و هما بمعنى. ـ

291

دخلت مسجد المدينة ببغداد بعد أن بويع الأمين محمد بسنة، فإذا شيخ عليه جماعة و هو ينشد:

/

لهفي على ورق الشباب # و غصونه الخضر الرّطاب

ذهب الشباب و بان عنّ # ي غير منتظر الإياب

فلأبكينّ على الشّبا # ب و طيب أيّام التّصابي

و لأبكينّ من البلى # و لأبكينّ من الخضاب

إنّي لآمل أن أخـ # لّد و المنيّة في طلابي‏

قال: فجعل ينشدها و إنّ دموعه لتسيل على خدّيه. فلمّا رأيت ذلك لم أصبر أن ملت فكتبتها. و سألت عن الشيخ فقيل لي: هو أبو العتاهية.

كان ابن الأعرابي يعيب شعره:

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني أبو العباس محمد بن أحمد قال:

كان ابن الأعرابيّ يعيب أبا العتاهية و يثلبه، فأنشدته:

كم من سفيه غاظني سفها # فشفيت نفسي منه بالحلم

و كفيت نفسي ظلم عاديتي # و منحت صفو مودّتي سلمي‏[1]

و لقد رزقت لظالمي غلظا # و رحمته إذ لجّ في ظلمي‏

أحب شعره إليه:

/أخبرني محمد بن عمران قال حدّثني العنزيّ قال حدّثني محمد بن إسحاق قال حدّثني محمد بن أحمد الأزديّ قال:

قال لي أبو العتاهية: لم أقل شيئا قطّ أحبّ إليّ من هذين البيتين‏[في‏][2]معناهما:

ليت شعري فإنّني لست أدري # أيّ يوم يكون آخر عمري

و بأيّ البلاد يقبض روحي # و بأيّ البقاع‏[3]يحفر قبري‏

راهن في أوّل أمره جماعة على قول الشعر فغلبهم:

أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثني محمد بن الفضل قال حدّثنا محمد بن عبد الجبّار الفزاريّ قال:

اجتاز أبو العتاهية في أوّل أمره و على ظهره قفص فيه فخّار يدور به في الكوفة و يبيع منه، فمرّ بفتيان جلوس [1]سلمي: مسالمي؛ يقال: فلان سلّم لفلان، و حرب له، إذا كان بينهما سلام أو حرب.

[2]التكملة عن نسخة أ.

[3]في ب، س: «البلاد» .

292

يتذاكرون الشعر و يتناشدونه، فسلّم و وضع القفص عن ظهره، ثم قال: يا فتيان أراكم تذاكرون الشعر، فأقول شيئا منه فتجيزونه، فإن فعلتم فلكم عشرة دراهم، و إن لم تفعلوا فعليكم عشرة دراهم؛ فهزئوا منه و سخروا به و قالوا نعم. قال: لا بدّ أن يشترى بأحد القمارين‏[1]رطب يؤكل فإنه قمار[1]حاصل، و جعل رهنه تحت يد أحدهم، ففعلوا. فقال: أجيزوا:

ساكني الأجداث أنتم‏

و جعل بينه و بينهم وقتا في ذلك الموضع إذا بلغته الشمس و لم يجيزوا البيت، غرّموا الخطر[2]؛ و جعل يهزأ بهم و تمّمه:

.......................

مثلنا بالأمس كنتم # ليت شعري ما صنعتم

أ ربحتم أم خسرتم‏

و هي قصيدة طويلة في شعره.

هجاه أبو حبش و ذم شعره:

أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن عبد اللّه عن أبي خيثم العنزيّ قال:

لمّا حبس الرشيد أبا العتاهية و حلف ألاّ يطلقه أو يقول شعرا، قال لي أبو حبش: أسمعت بأعجب من هذا الأمر، تقول الشعراء الشعر الجيّد النادر فلا يسمع منهم، و يقول هذا المخنّث المفكّك تلك الأشعار بالشفاعة!ثم أنشدني:

/

أبا إسحاق راجعت الجماعه # و عدت إلى القوافي و الصّناعه

و كنت كجامح‏[3]في الغيّ عاص # و أنت اليوم ذو سمع و طاعه

فجرّ الخزّ مما كنت تكسى # ودع عنك التّقشّف و البشاعة

و شبّب بالتي تهوى و خبّر # بأنّك ميّت في كلّ ساعه

كسدنا ما نراد و إن أجدنا # و أنت تقول شعرك بالشّفاعه‏

خرج مع المهدي في الصيد و قد أمره بهجوه فقال شعرا:

أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه قال حدّثني أبو خيثم العنزيّ، و كان صديقا لأبي العتاهية، قال حدّثني أبو العتاهية قال:

أخرجني المهديّ معه إلى الصّيد، فوقعنا منه على شي‏ء كثير، فتفرّق أصحابه في طلبه و أخذ هو في طريق غير طريقهم فلم يلتقوا[4]، و عرض لنا واد جرّار و تغيّمت السماء و بدأت تمطر فتحيّرنا، و أشرفنا على الوادي فإذا فيه [1]في ب، س، حـ: «القمرين... قمر» .

[2]الخطر هنا: الرهان.

[3]في الأصول: «كجامع» و لا يستقيم بها الكلام، فآثرنا ما أثبتناه.

[4]في ب، س: «فلم يلتفتوا» .

293

ملاّح يعبّر النّاس، فلجأنا إليه فسألناه عن الطريق، فجعل يضعّف رأينا و يعجّزنا في بذلنا أنفسنا في ذلك الغيم للصيد حتى أبعدنا، /ثم أدخلنا كوخا له. و كاد المهديّ يموت بردا؛ فقال له: أغطّيك بجبّتي هذه الصوف؟فقال نعم؛ فغطّاه بها، فتماسك قليلا و نام. فافتقده غلمانه و تبعوا أثره حتى جاءونا. فلمّا رأى الملاّح كثرتهم علم أنه الخليفة فهرب، و تبادر الغلمان فنحّوا الجبّة عنه و ألقوا عليه الخزّ و الوشي. فلما انتبه قال لي: ويحك!ما فعل الملاّح؟فقد و اللّه وجب حقّه علينا. فقلت: هرب و اللّه خوفا من قبح ما خاطبنا به. قال: إنّا للّه!و اللّه لقد أردت أن أغنيه، و بأيّ شي‏ء/خاطبنا!نحن و اللّه مستحقّون لأقبح مما خاطبنا به!بحياتي عليك إلاّ ما هجوتني. فقلت: يا أمير المؤمنين، كيف تطيب نفسي بأن أهجوك!قال: و اللّه لتفعلنّ؛ فإني ضعيف الرأي مغرم بالصّيد. فقلت:

يا لابس الوشي على ثوبه # ما أقبح الأشيب في الراح‏

فقال: زدني بحياتي؛ فقلت:

لو شئت أيضا جلت في خامة[1] # و في وشاحين و أوضاح‏[2]

فقال: ويلك!هذا معنى سوء يرويه عنك الناس، و أنا استأهل. زدني شيئا آخر. فقلت: أخاف أن تغضب.

قال: لا و اللّه. فقلت:

كم من عظيم القدر في نفسه # قد نام في جبّة ملاّح‏

فقال: معنى سوء عليك لعنة اللّه!و قمنا و ركبنا و انصرفنا.

وقعت في عسكر المأمون رقعة فيها شعره فوصله:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد قال حدّثنا جماعة من كتّاب الحسن بن سهل قالوا:

وقعت رقعة فيها بيتا شعر في عسكر المأمون؛ فجي‏ء بها إلى مجاشع بن مسعدة، فقال: هذا كلام أبي العتاهية، و هو صديقي، و ليست المخاطبة لي و لكنّها للأمير الفضل بن سهل. فذهبوا بها، فقرأها و قال: ما أعرف هذه العلامة. فبلغ المأمون خبرها فقال: هذه إليّ و أنا أعرف العلامة. و البيتان:

صوت‏

ما على ذا كنّا افترقنا بسندا[3] # ن و ما هكذا عهدنا الإخاء

تضرب الناس بالمهنّدة البيـ # ض على غدرهم و تنسى الوفاء

قال: فبعث إليه المأمون بمال.

في هذين البيتين لأبي عيسى بن المتوكّل رمل من رواية ابن المعتزّ.

[1]الخام: ثوب من القطن لم يغسل.

[2]الأوضاح: حليّ من فضة أو هي الخلاخيل.

[3]سندان: مدينة ملاصقة للسند.

294

استبطأ عادة ابن يقطين فقال شعرا فعجلها له:

قال: و كان عليّ بن يقطين صديقا لأبي العتاهية، و كان يبرّه في كل سنة ببرّ واسع، فأبطأ عليه بالبرّ في سنة من السنين، و كان إذا لقيه أبو العتاهية أو دخل عليه يسرّ به و يرفع مجلسه و لا يزيده على ذلك. فلقيه ذات يوم و هو يريد دار الخليفة، فاستوقفه فوقف له، فأنشده:

حتّى متى ليت شعري يا بن يقطين # أثني عليك بما لا منك توليني

إنّ السّلام و إنّ البشر من رجل # في مثل ما أنت فيه ليس يكفيني

هذا زمان ألحّ الناس فيه على # تيه الملوك و أخلاق المساكين

/أ ما علمت جزاك اللّه صالحة # و زادك اللّه فضلا يا بن يقطين

أنّي أريدك للدّنيا و عاجلها # و لا أريدك يوم الدّين للدين‏

فقال عليّ بن يقطين: لست و اللّه أبرح و لا تبرح من موضعنا هذا إلا راضيا، و أمر له بما كان يبعث به إليه في كل سنة، فحمل من وقته و عليّ واقف إلى أن تسلّمه.

نظم شعرا في الحبس فلما سمعه الرشيد بكى و أطلقه:

و أخبرني محمد بن جعفر النحويّ صهر المبرّد قال حدّثنا محمد بن يزيد قال:

بلغني من غير وجه: أنّ الرشيد لمّا ضرب أبا العتاهية و حبسه، وكّل به صاحب خبر يكتب إليه بكل ما يسمعه. فكتب إليه أنه سمعه ينشد:

أما و اللّه إنّ الظلم لوم # و ما زال المسي‏ء هو الظّلوم

إلى ديّان يوم الدين نمضي # و عند اللّه تجتمع الخصوم‏

قال: فبكى الرشيد، و أمر بإحضار أبي العتاهية و إطلاقه، و أمر له بألفي دينار.

رماه منصور بن عمار بالزندقة و شنع عليه فاحتقره العمامة:

أخبرني محمد بن جعفر قال حدّثني محمد بن موسى عن أحمد بن حرب عن محمد بن أبي العتاهية قال:

لمّا قال أبي في عتبة[1]:

كأنّ عتابة من حسنها # دمية قسّ فتنت قسّها

يا ربّ لو أنسيتنيها بما # في جنّة الفردوس لم أنسها

شنّع عليه منصور بن عمّار بالزندقة، و قال: يتهاون بالجنة و يبتذل ذكرها في شعره بمثل هذا التهاون!و شنّع عليه أيضا بقوله:

إنّ المليك رآك أحـ # سن خلقه و رأى جمالك‏

[1]هي عتبة جارية المهدي، و قد اشتهر بمحبته لها و أكثر من تشبيبه فيها.

295

فحذا بقدرة نفسه # حور الجنان على مثالك‏

و قال: أ يصوّر الحور على مثال امرأة آدميّة و اللّه لا يحتاج إلى مثال!و أوقع له هذا على ألسنة العامّة؛ فلقي منهم بلاء.

سأله الباذغيسي عن أحسن شعره فأجابه:

حدّثني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا خليل بن أسد قال حدّثني أبو سلمة الباذغيسيّ قال:

/قلت لأبي العتاهية: في أيّ شعر أنت أشعر؟قال: قولي:

الناس في غفلاتهم # و رحا المنيّة تطحن‏

أنشد المأمون شعره في الموت فوصله:

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني يحيى بن عبد اللّه القرشيّ قال حدّثني المعلّى بن أيّوب قال:

دخلت على المأمون يوما و هو مقبل على شيخ حسن اللّحية خضيب شديد بياض الثياب على رأسه لاطئة[1]، فقلت للحسن بن أبي سعيد-قال: و هو ابن خالة المعلّى بن أيوب. و كان الحسن كاتب المأمون على العامّة-: من هذا؟فقال: أ ما تعرفه؟فقلت: لو عرفته ما سألتك عنه. فقال: هذا أبو العتاهية. فسمعت المأمون يقول له: أنشدني أحسن ما قلت في الموت؛ فأنشده:

أنساك محياك المماتا # فطلبت في الدنيا الثباتا

أوثقت بالدنيا و أنـ # ت ترى جماعتها شتاتا

/و عزمت منك على الحيا # ة و طولها عزما بتاتا

يا من رأى أبويه فيـ # من قد رأى كانا فماتا

هل فيهما لك عبرة # أم خلت أنّ لك انفلاتا

و من الذي طلب التّفلّ # ت من منيّته ففاتا

كلّ تصبّحه المنـ # يّة أو تبيّته بياتا

قال: فلمّا نهض تبعته فقبضت عليه في الصّحن أو في الدّهليز، فكتبتها عنه.

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الجاحظ عن ثمامة قال:

/دخل أبو العتاهية على المأمون فأنشده:

ما أحسن الدنيا و إقبالها # إذا أطاع اللّه من نالها

من لم يواس الناس من فضلها # عرّض للإدبار إقبالها

فقال له المأمون: ما أجود البيت الأوّل!فأما الثاني فما صنعت فيه شيئا، الدنيا تدبر عمن واسى منها أو ضنّ [1]اللاطئة: قلنسوة صغيرة تلطأ بالرأس.

296

بها، و إنما يوجب السماحة بها الأجر، و الضنّ بها الوزر. فقال: صدقت يا أمير المؤمنين، أهل الفضل أولى بالفضل، و أهل النقص أولى بالنقص. فقال المأمون: ادفع إليه عشرة آلاف درهم لاعترافه بالحق. فلمّا كان بعد أيام عاد فأنشده:

كم غافل أودى به الموت # لم يأخذ الأهبة للفوت

من لم تزل نعمته قبله # زال‏[1]عن النعمة بالموت‏

فقال له: أحسنت!الآن طيّبت المعنى؛ و أمر له بعشرين ألف درهم.

تأخرت عنه عادة المأمون سنة فقال شعرا فأعجلها له:

أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني ابن سنان‏[2]العجليّ عن الحسن بن عائذ قال:

كان أبو العتاهية يحجّ في كلّ سنة، فإذا قدم أهدى إلى المأمون بردا و مطرفا و نعلا سوداء و مساويك أراك، فيبعث إليه بعشرين ألف درهم. [و كان‏][3]يوصّل الهديّة من جهته منجاب مولى المأمون و يجيئه بالمال. فأهدى مرّة له كما كان يهدي كلّ سنة إذا قدم، فلم يثبه و لا بعث إليه بالوظيفة. فكتب إليه أبو العتاهية:

/

خبّروني أنّ من ضرب السّنه # جددا بيضا و صفرا حسنه

أحدثت لكنّني لم أرها # مثل ما كنت أرى كلّ سنه‏

فأمر المأمون بحمل العشرين ألف درهم، و قال: أغفلناه حتى ذكّرنا.

كان الهادي واجدا عليه فلما تولى استعطفه:

حدّثنا محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا المغيرة بن محمد المهلّبيّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال أخبرني عروة بن يوسف الثقفيّ قال:

لمّا ولي الهادي الخلافة كان واجدا على أبي العتاهية لملازمته أخاه هارون و انقطاعه إليه و تركه موسى، و كان أيضا قد أمر أن يخرج معه إلى الرّيّ فأبى ذلك؛ فخافه و قال يستعطفه:

أ لا شافع عند الخليفة يشفع # فيدفع عنّا شرّ ما يتوقّع

و إنّي على عظم الرجاء لخائف # كأنّ على رأسي الأسنّة تشرع

/يروّعني موسى على غير عثرة # و ما لي أرى‏[4]موسى من العفو أوسع

و ما آمن يمسي و يصبح عائذا # بعفو أمير المؤمنين يروّع‏

[1]كذا في «ديوانه» . و في الأصول: «تذعر النعمة بالموت» .

[2]في أ، ء، م: «أبو سنان» . و لم نقف على ما يرجح إحداهما.

[3]هذه الكلمة ساقطة من ب، س، حـ.

[4]كذا في جميع النسخ و «الديوان» . و لعله: «لدى موسى» .

297

مدح الهادي فأمر خازنه بإعطائه فمطله فقال شعرا في ابن عقال فعجلها له:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني عليّ بن الصبّاح قال حدّثني محمد بن أبي العتاهية قال: دخل أبي على الهادي فأنشده:

يا أمين اللّه ما لي # لست أدري اليوم ما لي

لم أنل منك الذي قد # نال غيري من نوال

تبذل الحقّ و تعطي # عن يمين و شمال

و أنا البائس لا تنـ # ظر في رقّة حالي‏

/قال: فأمر المعلّى الخازن أن يعطيه عشرة آلاف درهم. قال أبو العتاهية: فأتيته فأبى أن يعطيها. ذلك أنّ الهادي امتحنني في شي‏ء من الشعر، و كان مهيبا، فكنت أخافه فلم يطعني طبعي، فأمر لي بهذا المال، فخرجت.

فلمّا منعنيه المعلّى صرت إلى أبي الوليد أحمد بن عقال، و كان يجالس الهادي، فقلت له:

أبلغ سلمت أبا الوليد سلامي # عنّي أمير المؤمنين إمامي

و إذا فرغت من السّلام فقل له # قد كان ما شاهدت من إفحامي

و إذا حصرت‏[1]فليس ذاك بمبطل # ما قد مضى من حرمتي و ذمامي

و لطالما وفدت إليك مدائحي # مخطوطة فليأت‏[2]كلّ ملام

أيّام لي لسن و رقّة جدّة # و المرء قد يبلى مع الأيّام‏

قال: فاستخرج‏[3]لي الدراهم و أنفذها إليّ.

كان الهادي واجدا عليه فلما تولى استعطفه و مدحه فأجازه:

حدّثني الصوليّ و محمد بن عمران الصيرفيّ قالا حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا محمد بن أحمد بن سليمان قال:

ولد للهادي ولد في أوّل يوم ولي الخلافة؛ فدخل أبو العتاهية فأنشده:

أكثر موسى غيظ حسّاده # و زيّن الأرض بأولاده

و جاءنا من صلبه سيّد # أصيد في تقطيع أجداده

فاكتست الأرض به بهجة # و استبشر الملك بميلاده

و ابتسم المنبر عن فرحة # علت بها ذروة أعواده /

كأنّني بعد قليل به # بين مواليه و قوّاده

في محفل تخفق راياته # قد طبّق الأرض بأجناده‏

قال: فأمر له موسى بألف دينار و طيب كثير، و كان ساخطا عليه فرضي عنه.

[1]الحصر: العيّ في المنطق.

[2]في أ، ء، م: «فلنأب» .

[3]كذا في حـ، و في سائر الأصول: «فاستخرج إليّ» .

298

حضر غضب المهدي على أبي عبيد اللّه و ترضاه عنه بشعر فرضي عنه:

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني عليّ بن يزيد الخزرجيّ الشاعر عن يحيى بن الرّبيع قال:

دخل أبو عبيد اللّه على المهديّ، و كان قد وجد عليه في أمر بلغه عنه، و أبو العتاهية حاضر المجلس، فجعل المهديّ يشتم أبا عبيد اللّه و يتغيّظ عليه، ثم أمر به فجرّ برجله و حبس، ثم أطرق المهديّ طويلا. فلمّا سكن أنشده /أبو العتاهية:

أرى الدّنيا لمن هي في يديه # عذابا كلّما كثرت لديه

تهين المكرمين لها بصغر[1] # و تكرم كلّ من هانت عليه

إذا استغنيت عن شي‏ء فدعه # و خذ ما أنت محتاج إليه‏

فتبسّم المهديّ و قال لأبي العتاهية: أحسنت!فقام أبو العتاهية ثم قال: و اللّه يا أمير المؤمنين، ما رأيت أحدا أشدّ إكراما للدّنيا و لا أصون لها و لا أشحّ عليها من هذا الذي جرّ برجله الساعة. و لقد دخلت إلى أمير المؤمنين و دخل هو و هو أعزّ الناس، فما برحت حتى رأيته أذلّ الناس، و لو رضي من الدنيا بما يكفيه لاستوت أحواله و لم تتفاوت. فتبسّم المهديّ و دعا بأبي عبيد اللّه فرضي عنه. فكان أبو عبيد اللّه يشكر ذلك لأبي العتاهية.

مدح شعرا له بإسحاق بن حفص:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمد بن الحسن قال حدّثني إسحاق بن حفص قال:

/أنشدني هارون بن مخلّد الرازيّ لأبي العتاهية:

ما إن يطيب لذي الرعاية[2]للـ # أيّام لا لعب و لا لهو

إذ كان يطرب‏[3]في مسرّته # فيموت من أجزائه جزو

فقلت: ما أحسنهما!فقال: أ هكذا تقول!و اللّه لهما روحانيّان يطيران بين السماء و الأرض.

فضله ابن مناذر على جميع المحدثين:

أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال حدّثني أبي عن ابن عكرمة عن مسعود بن بشر المازنيّ قال:

لقيت ابن مناذر بمكة، فقلت له: من أشعر أهل الإسلام؟فقال: أ ترى من إذا شئت هزل، و إذا شئت جدّ؟ قلت: من؟قال: مثل جرير حين يقول في النّسيب:

إنّ الذين غدّوا بلبّك غادروا # وشلا بعينك ما يزال معينا

غيّضن من عبراتهنّ و قلن لي # ما ذا لقيت من الهوى و لقينا

[1]الصغر: الضيم و الذل.

[2]في س، ب: «الوعاية» بالواو و هو تحريف.

[3]في «ديوانه» (ص 298) : «يسرف» .

299

ثم قال حين جدّ:

إنّ الّذي حرم المكارم تغلبا # جعل النّبوّة و الخلافة فينا

مضر أبي و أبو الملوك فهل لكم # يا آل تغلب من أب كأبينا

هذا ابن عمّي في دمشق خليفة # لو شئت ساقكم إليّ قطينا[1]

و من المحدثين هذا الخبيث الذي يتناول شعره من كمّه. فقلت: من؟قال: أبو العتاهية. قلت: في ما ذا؟ قال: قوله:

/

اللّه بيني و بين مولاتي # أبدت لي الصّدّ و الملالات

لا تغفر الذنب إن أسأت و لا # تقبل عذري و لا مواتاتي

منحتها مهجتي و خالصتي # فكان هجرانها مكافاتي

أقلقني حبّها و صيّرني # أحدوثة في جميع جاراتي‏

ثم قال حين جدّ:

و مهمه‏[2]قد قطعت طامسه‏[3] # قفر على الهول و المحاماة /

بحرّة[4]جسرة عذافرة # خوصاء عيرانة علنداة

تبادر الشمس كلّما طلعت # بالسّير تبغي بذاك مرضاتي

يا ناق خبّي بنا و لا تعدي # نفسك مما ترين راحات

حتّى تناخي بنا إلى ملك # توّجه اللّه بالمهابات

عليه تاجان فوق مفرقه # تاج جلال و تاج إخبات‏[5]

يقول للرّيح كلّما عصفت # هل لك يا ريح في مباراتي

من مثل من عمّه الرسول و من # أخواله أكرم الخئولات‏

عير إسحاق بن عزيز لقبوله المال عوضا عن عبادة معشوقته:

أخبرني وكيع قال: قال الزّبير بن بكّار حدّثني أبو غزيّة، و كان قاضيا على المدينة، قال: كان إسحاق بن عزيز يتعشّق عبّادة جارية المهلّبيّة، و كانت المهلبيّة منقطعة إلى الخيزران. فركب إسحاق يوما و معه عبد اللّه بن مصعب يريدان المهديّ، فلقيا عبّادة؛ فقال إسحاق: يا أبا بكر، هذه عبّادة، و حرّك دابّته حتى سبقها فنظر إليها، /فجعل [1]القطين هنا: الخدم و الأتباع.

[2]المهمه: المفازة البعيدة.

[3]الطامس هنا: البعيد.

[4]الحرة من الإبل: العتيقة الأصيلة. و الجسرة: العظيمة من الإبل و غيرها. و العذافرة: العظيمة الشديدة من الإبل. و الخوصاء: وصف من الخوص و هو ضيق العين و صغرها و غئورها. و العيرانة من الإبل: التي تشبه بالعير في سرعتها و نشاطها. و العلنداة: الناقة الضخمة الطويلة.

[5]الإخبات: الخشية و الخضوع.

300

عبد اللّه بن مصعب يتعجّب من فعله. و مضيا فدخلا على المهديّ، فحدّثه عبد اللّه بن مصعب بحديث إسحاق و ما فعل. فقال: أنا أشتريها لك يا إسحاق. و دخل على الخيزران فدعا بالمهلبيّة فحضرت، فأعطاها بعبّادة خمسين ألف درهم. فقالت له: يا أمير المؤمنين، إن كنت تريدها لنفسك فبها فداك اللّه، و هي لك. فقال: إنما أريدها لإسحاق بن عزيز. فبكت و قالت: أ تؤثر عليّ إسحاق بن عزيز و هي يدي و رجلي و لساني في جميع حوائجي!فقالت لها الخيزران عند ذلك: ما يبكيك؟و اللّه لا وصل إليها ابن عزيز أبدا، صار يتعشّق جواري الناس!فخرج المهديّ فأخبر ابن عزيز بما جرى، و قال له: الخمسون ألف درهم لك مكانها، و أمر له بها، فأخذها عن عبّادة. فقال أبو العتاهية يعيّره بذلك:

من صدق الحبّ لأحبابه # فإنّ حبّ ابن عزيز غرور

أنساه عبّادة ذات الهوى # و أذهب الحبّ الذي في الضمير

خمسون ألفا كلّها راجح # حسنا لها في كل كيس صرير

و قال أبو العتاهية في ذلك أيضا:

حبّك للمال لا كحبك عبّا # دة يا فاضح المحبّينا

لو كنت أصفيتها الوداد كما # قلت لما بعتها بخمسينا

طال وجع عينه فقال شعرا:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني جبلة بن محمد قال حدّثني أبي قال:

رأيت أبا العتاهية بعد ما تخلّص من حبس المهديّ و هو يلزم طبيبا على بابنا ليكحل عينه. فقيل له: قد طال وجع عينك؛ فأنشأ يقول:

صوت‏

أيا ويح نفسي ويحها ثم ويحها # أ ما من خلاص من شباك الحبائل

أيا ويح عيني قد أضرّ بها البكا # فلم يغن عنها طبّ ما في المكاحل‏

/في هذين البيتين لإبراهيم الموصليّ لحن من الثقيل الأوّل.

كان الهادي واجدا عليه لاتصاله بهارون فلما ولي الخلافة مدحه فأجزل صلته:

أخبرني عيسى بن الحسين قال حدّثنا عمر بن شبّة قال:

كان الهادي واجدا على أبي العتاهية لملازمته أخاه هارون في خلافة المهديّ، فلمّا ولي موسى الخلافة، قال أبو العتاهية يمدحه:

صوت‏

يضطرب الخوف و الرجاء إذا # حرّك موسى القضيب أو فكّر

ما أبين الفضل في مغيّب ما # أورد من رأيه و ما أصدر

301

-في هذين البيتين لأبي عيسى بن المتوكل لحن من الثقيل الأوّل في نهاية الجودة، و ما بان به فضله في الصّناعة-:

فكم ترى عزّ عند ذلك من # معشر قوم و ذلّ من معشر

يثمر من مسّه القضيب و لو # يمسّه غيره لما أثمر

من مثل موسى و مثل والده الـ # مهديّ أو جدّه أبي جعفر

قال: فرضي عنه. فلمّا دخل عليه أنشده:

لهفي على الزمن القصير # بين الخورنق و السّدير

إذ نحن في غرف الجنا # ن نعوم في بحرّ السّرور

في فتية ملكوا عنا # ن الدهر أمثال الصّقور

/ما منهم إلاّ الجسو # ر على الهوى غير الحصور

يتعاورون مدامة # صهباء من حلب العصير

عذراء ربّاها شعا # ع الشمس في حرّ الهجير

لم تدن من نار و لم # يعلق بها وضر القدور

و مقرطق يمشي أما # م القوم كالرّشأ الغرير

بزجاجة تستخرج الـ # سرّ الدّفين من الضمير

زهراء مثل الكوكب الـ # درّيّ في كفّ المدير

تدع الكريم و ليس يد # ري ما قبيل من دبير[1]

و مخصّرات‏[2]زرننا # بعد الهدوّ من الخدور

ريّا[3]روادفهنّ يلـ # بسن الخواتم في الخصور

غرّ الوجوه محجّبا # ت قاصرات الطّرف حور

متنعّمات في النّعيـ # م مضمّخات بالعبير

برفلن في حلل المحا # سن و المجاسد[4]و الحرير

ما إن يرين الشمس # إلاّ الفرط[5]من خلل السّتور

[1]القبيل: ما وليك. و الدبير: ما خالفك. يقولون: لا يعرف قبيله من دبيره، و لا يدري قبيلا من دبير، أي لا يعرف شيئا.

[2]مخصرات: دقيقات الخصور.

[3]ريا هنا: ممتلئة.

[4]المجاسد: جمع مجسد، و هو القميص الذي يلي البدن.

[5]كذا في أكثر الأصول. و الفرط: الحين؛ يقال: لا ألقاه إلا في الفرط، أي في الأيام مرة. و في ب، س: «القرط» بالقاف، و هو تصحيف. ـ

302

و إلى أمين اللّه مهـ # ر بنا من الدّهر العثور

و إليه أتعبنا المطا # يا بالرّواح و بالبكور /

صعر الخدود كأنّما # جنّحن أجنحة النّسور /

متسربلات بالظّلا # م على السّهولة و الوعور

حتّى وصلن بنا إلى # ربّ المدائن و القصور

ما زال قبل فطامه # في سنّ مكتهل كبير

-قال: قيل لو كان جزل اللفظ لكان أشعر الناس-فأجزل صلته. و عاد إلى أفضل ما كان له عليه.

أخبرني عمّي الحسن بن محمد قال حدّثني الكرانيّ عن أبي حاتم قال:

قدم علينا أبو العتاهية في خلافة المأمون. فصار إليه أصحابنا فاستنشدوه، فكان أوّل ما أنشدهم:

أ لم تر ريب الدّهر في كلّ ساعة # له عارض‏[1]فيه المنيّة تلمع

أيا باني الدّنيا لغيرك تبتني # و يا جامع الدنيا لغيرك تجمع

أرى المرء وثّابا على كل فرصة # و للمرء يوما لا محالة مصرع

تبارك من لا يملك الملك غيره # متى تنقضي حاجات من ليس يشبع

و أيّ امرئ في غاية ليس نفسه # إلى غاية أخرى سواها تطلّع‏

قال: و كان أصحابنا يقولون: لو أنّ طبع أبي العتاهية بجزالة لفظ لكان أشعر الناس.

تمثل الفضل بشعر له حين انحطت مرتبته في دار المأمون:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني سليمان بن جعفر الجزريّ قال حدّثني أحمد بن عبد اللّه قال:

كانت مرتبة أبي العتاهية مع الفضل بن الربيع في موضع واحد في دار المأمون. فقال الفضل لأبي العتاهية:

يا أبا إسحاق، ما أحسن بيتين لك و أصدقهما!قال: و ما هما؟قال: قولك:

/

ما النّاس إلا للكثير المال أو # لمسلّط ما دام في سلطانه

فإذا الزمان رماهما ببليّة # كان الثّقات هناك من أعوانه‏

يعني: من أعوان الزمان. قال: و إنما تمثّل الفضل بن الرّبيع بهذين البيتين لانحطاط مرتبته في دار المأمون و تقدّم غيره. و كان المأمون أمر بذلك لتحريره‏[2]مع أخيه.

كان ملازما للرشيد فلما تنسك حبسه و لما استعطفه أطلقه:

أخبرني عمّي الحسن بن محمد قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال:

[1]العارض: الأصل فيه السحاب المعترض في الأفق.

[2]لعل أصل الكلام «لتحريره نفسه مع أخيه» فسقطت من الناسخ أو حذفها المؤلف للعلم بها.

303

قال لي محمد بن أبي العتاهية: كان أبي لا يفارق الرشيد في سفر و لا حضر إلا في طريق الحجّ، و كان يجري عليه في كل سنة خمسين ألف درهم سوى الجوائز و المعاون. فلمّا قدم الرشيد الرّقّة، لبس أبي الصوف و تزهّد و ترك حضور المنادمة و القول في الغزل، و أمر الرشيد بحبسه فحبس؛ فكتب إليه من وقته:

صوت‏

أنا اليوم لي و الحمد للّه أشهر # يروح عليّ الهمّ منكم و يبكر

تذكّر أمين اللّه حقّي و حرمتي # و ما كنت توليني لعلك‏[1]تذكر

ليالي تدني منك بالقرب مجلسي # و وجهك من ماء البشاشة يقطر

فمن لي بالعين التي كنت مرّة # إليّ بها في سالف الدهر تنظر

/قال: فلمّا قرأ الرشيد الأبيات قال: قولوا له: لا بأس عليك. فكتب إليه:

صوت‏

أرقت و طار عن عيني النّعاس # و نام السامرون و لم يواسوا

أمين اللّه أمنك خير أمن # عليك من التّقى فيه لباس

تساس من السماء بكلّ برّ # و أنت به تسوس كما تساس

كأنّ الخلق ركّب فيه روح # له جسد و أنت عليه رأس

أمين اللّه إنّ الحبس بأس # و قد أرسلت‏[2]: ليس عليك باس‏

-غنّى في هذه الأبيات إبراهيم، و لحنه ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. و فيه أيضا ثقيل أوّل عن الهشاميّ-قال: و كتب إليه أيضا في الحبس‏[3]:

و كلّفتني ما حلت بيني و بينه # و قلت سأبغي ما تريد و ما تهوى

فلو كان لي قلبان كلّفت واحدا # هواك و كلفت الخليّ لما يهوى‏

قال: فأمر بإطلاقه.

حدّثني عمّي قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني الزبير بن بكّار قال حدّثني ثابت بن الزّبير بن حبيب قال حدّثني ابن أخت أبي خالد الحربيّ قال:

قال لي الرشيد: احبس أبا العتاهية و ضيّق عليه حتى يقول الشعر الرقيق في الغزل كما كان يقول. فحبسته في بيت خمسة أشبار في مثلها؛ فصاح: الموت، أخرجوني، فأنا أقول كلّ ما شئتم. فقلت: قل. فقال: حتى أتنفّس.

فأخرجته و أعطيته دواة و قرطاسا؛ فقال أبياته التي أوّلها:

[1]كذا في «الديوان» (ص 326) و أشير في هامشه إلى رواية أخرى هي: «كذلك يذكر» . و في جميع النسخ: «لذلك يذكر» .

[2]في «الديوان» : «و قد وقعت» .

[3]في أ، ء، م: «من الحبس» .

304
صوت‏

من لعبد أذلّه مولاه # ما له شافع إليه سواه

يشتكي ما به إليه و يخشا # ه و يرجوه مثل ما يخشاه‏

قال: فدفعتها إلى مسرور الخادم فأوصلها، و تقدّم الرشيد إلى إبراهيم الموصليّ فغنّى فيها، و أمر بإحضار أبي العتاهية فأحضر. فلما أحضر قال له: أنشدني قولك:

صوت‏

يا عتب سيّدتي أ ما لك دين # حتّى متى قلبي لديك رهين

و أنا الذّلول لكلّ ما حمّلتني # و أنا الشقيّ البائس المسكين

و أنا الغداة لكلّ باك مسعد # و لكلّ صبّ صاحب و خدين

لا بأس إنّ لذاك عندي راحة # للصّبّ أن يلقى الحزين حزين

يا عتب أين أفرّ منك أميرتي # و عليّ حصن من هواك حصين‏

-لإبراهيم في هذه الأبيات هزج عن الهشاميّ-فأمر له الرشيد بخمسين ألف درهم.

و لأبي العتاهية في الرشيد لمّا حبسه أشعار كثيرة، منها قوله:

يا رشيد الأمر أرشدني إلى # وجه نجحي لاعدمت الرّشدا

/لا أراك اللّه سوءا أبدا # ما رأت مثلك عين أحدا

أعن‏[1]الخائف و ارحم صوته # رافعا نحوك يدعوك يدا

و إبلائي من دعاوى أمل # كلّما قلت تداني بعدا

كم أمنّي بغد بعد غد # ينفد العمر و لم ألق غدا

هجا القاسم بن الرشيد فضربه و حبسه و لما اشتكى إلى زبيدة بره الرشيد و أجازه:

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال:

مرّ القاسم بن الرشيد في موكب عظيم و كان من أتيه الناس، و أبو العتاهية جالس مع قوم على ظهر الطريق، فقام أبو العتاهية حين رآه إعظاما له، فلم يزل قائما حتى جاز، فأجازه و لم يلتفت إليه؛ فقال أبو العتاهية:

يتيه ابن آدم من جهله # كأنّ رحا الموت لا تطحنه‏

فسمع بعض من في موكبه ذلك فأخبر به القاسم؛ فبعث إلى أبي العتاهية و ضربه مائة مقرعة[2]، و قال له: يا [1]كذا في جميع النسخ و «الديوان» . و لعله: «آمن الخائف» .

[2]المقرعة: السوط.

305

ابن الفاعلة!أتعرّض بي في مثل ذلك الموضع!و حبسه في داره. فدسّ أبو العتاهية إلى زبيدة بنت جعفر، و كانت توجب‏[1]له‏[حفّه‏][2]، هذه الأبيات:

حتّى متى ذو التّيه في تيهه # أصلحه اللّه و عافاه

يتيه أهل التّيه من جهلهم # و هم يموتون و إن تاهوا

من طلب العزّ ليبقى به # فإنّ عزّ المرء تقواه

لم يعتصم باللّه من خلقه # من ليس يرجوه و يخشاه‏

و كتب إليها بحالة و ضيق حبسه، و كانت مائلة إليه، فرثت‏[3]له و أخبرت الرشيد بأمره و كلّمته فيه؛ فأحضره و كساه و وصله، و لم يرض عن القاسم حتى برّ أبا العتاهية و أدناه و اعتذر إليه.

مدح الرشيد و الفضل فأجازاه:

و نسخت من كتاب هارون بن عليّ: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني محمد بن سهل عن خالد بن أبي الأزهر قال:

بعث الرشيد بالحرشيّ‏[4]إلى ناحية الموصل، فجبى له منها مالا عظيما من بقايا الخراج، فوافى به باب الرشيد، فأمر بصرف المال أجمع إلى بعض جواريه، فاستعظم الناس ذلك و تحدّثوا به؛ فرأيت أبا العتاهية و قد أخذه شبه الجنون، فقلت له: مالك ويحك؟!فقال لي: سبحان اللّه!أ يدفع هذا المال الجليل إلى امرأة، و لا تتعلّق كفّي بشي‏ء منه!ثم دخل إلى الرشيد بعد أيّام فأنشده:

اللّه هوّن عندك الدنـ # يا و بغّضها إليكا

فأبيت إلاّ أن تصـ # غّر كلّ شي‏ء في يديكا

ما هانت الدّنيا على # أحدكما هانت عليكا

فقال له الفضل بن الربيع: يا أمير المؤمنين، ما مدحت الخلفاء بأصدق من هذا المدح. فقال: يا فضل، أعطه عشرين ألف درهم. فغدا أبو العتاهية على الفضل فأنشده:

إذا ما كنت متّخذا خليلا # فمثل الفضل فاتّخذ الخليلا

يرى الشّكر القليل له عظيما # و يعطي من مواهبه الجزيلا /

أراني حيثما يمّمت طرفي # وجدت على مكارمه دليلا

فقال له الفضل: و اللّه لو لا أنّ أساوي أمير المؤمنين لأعطيتك مثلها، و لكن سأوصلها إليك في دفعات، ثم أعطاه ما أمر له به الرشيد، و زاد له خمسة آلاف درهم من عنده.

[1]كذا في حـ و هو المناسب؛ يقال: أوجب لفلان حقه إذا راعاه، و في سائر النسخ: «توجه له» و ليس لها معنى.

[2]زيادة يقتضيها السياق.

[3]كذا في ب، س. و في سائر النسخ: «فرثت له» .

[4]في الأصول: «المجرشي» . و لم نجد هذا الاسم. و لعله محرف عما أثبتناه، و هو سعيد الحرشي الذي كان معاصرا للرشيد و كان يقوم له بأعمال هامة.

306

سمع علي بن عيسى شعره و هو طفل فأعجب به:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا المبرّد قال حدّثني عبد الصمد بن المعذّل قال:

سمعت الأمير عليّ بن عيسى بن جعفر يقول: كنت صبيّا في دار الرشيد، فرأيت شيخا ينشد و الناس حوله:

ليس للإنسان إلاّ ما رزق # أستعين اللّه باللّه أثق

علق الهمّ بقلبي كلّه # و إذا ما علق الهمّ علق

بأبي من كان لي من قلبه # مرّة ودّ قليل فسرق

يا بني‏[1]الإسلام فيكم ملك # جامع الإسلام عنه يفترق

لندى هارون فيكم و له # فيكم صوب هطول و ورق

لم يزل هارون خيرا كلّه # قتل الشّرّ به يوم خلق‏

فقلت لبعض الهاشميّين: أما ترى إعجاب الناس بشعر هذا الرجل؟فقال: يا بنيّ، إنّ الأعناق لتقطع دون هذا الطبع. قال: ثم كان الشيخ أبا العتاهية، و الذي سأله إبراهيم بن المهديّ.

استعطف الرشيد و هو محبوس فأطلقه:

حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدّثني عبد القويّ بن محمد بن أبي العتاهية عن أبيه قال:

لبس أبو العتاهية كساء صوف و درّاعة صوف، و آلى على نفسه ألاّ يقول شعرا في الغزل، و أمر الرشيد بحبسه و التضييق عليه؛ فقال:

صوت‏

يا بن عمّ النبي سمعا و طاعه # قد خلعنا الكساء و الدّرّاعه

و رجعنا إلى الصّناعة لمّا # كان سخط الإمام ترك الصّناعه‏

و قال أيضا:

أ ما رحمتني يوم ولّت فأسرعت # و قد تركتني واقفا أتلفّت

أقلّب طرفي كي أراها فلا أرى # و أحلب عيني درّها و أصوّت‏

فلم يزل الرشيد متوانيا في إخراجه إلى أن قال:

أما و اللّه إنّ الظلم لوم # و ما زال المسي‏ء هو الظّلوم

إلى ديّان يوم الدّين نمضي # و عند اللّه تجتمع الخصوم‏

[1]ورد هذا البيت في «ديوانه» (ص 314) و كذا فيما سيأتي (ص 74) من هذا الجزء هكذا:

يا بني العباس فيكم ملك # شعب الإحسان عنه تفترق‏

307

لأمر ما تصرّفت الليالي # و أمر ما تولّيت‏[1]النّجوم

تموت غدا و أنت قرير عين # من الغفلات في لجج تعوم

تنام و لم تنم عنك المنايا # تنبّه للمنيّة يا نؤوم

سل الأيّام عن أمم تقضّت # ستخبرك المعالم و الرّسوم

تروم الخلد في دار المنايا # و كم قد رام غيرك ما تروم

/ألا يا أيّها الملك المرجّى # عليه نواهض الدنيا تحوم

أقلني زلّة لم أجر منها # إلى لوم و ما مثلي ملوم

و خلّصني تخلّص يوم بعث # إذا للناس برّزت‏[2]الجحيم‏

فرقّ له و أمر بإطلاقه.

حديثه عن شعره و رأى أبي نواس فيه:

نسخت من كتاب هارون بن عليّ: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني ابن أبي الأبيض قال:

أتيت أبا العتاهية فقلت له: إنّي رجل أقول الشعر في الزّهد، و لي فيه أشعار كثيرة، و هو مذهب أستحسنه؛ لأني أرجو ألاّ آثم فيه، و سمعت شعرك في هذا المعنى فأحببت أن أستزيد منه، فأحبّ أن تنشدني من جيّد ما قلت؛ فقال: اعلم أنّ ما قلته ردي‏ء. قلت: و كيف؟قال: لأنّ الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدّمين أو مثل شعر بشّار و ابن هرمة، فإن لم يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا تخفى على جمهور الناس مثل شعري، و لا سيما الأشعار التي في الزّهد؛ فإن الزّهد ليس من مذاهب الملوك و لا من مذاهب رواة الشعر و لا طلاّب الغريب، و هو مذهب أشغف الناس به الزّهاد و أصحاب الحديث و الفقهاء و أصحاب الرّياء و العامّة، و أعجب الأشياء إليهم ما فهموه. فقلت: صدقت. ثم أنشدني قصيدته:

لدوا للموت و ابنوا للخراب # فكلّكم يصير إلى تباب‏[3]

ألا يا موت لم أر منك بدّا # أتيت و ما تحيف و ما تحابي

كأنّك قد هجمت على مشيبي # كما هجم المشيب على شبابي‏

قال: فصرت إلى أبي نواس فأعلمته ما دار بيننا؛ فقال: و اللّه ما أحسب في شعره مثل ما أنشدك بيتا آخر.

فصرت إليه فأخبرته بقول أبي نواس؛ فأنشدني قصيدته التي يقول فيها:

/

طول التّعاشر بين النّاس مملول # ما لابن آدم إن فتّشت معقول

يا راعي الشّاء[4]لا تغفل رعايتها # فأنت عن كلّ ما استرعيت مسئول‏

[1]توليت النجوم (بالبناء للمفعول) : أي تولاها اللّه، فتطلع ثم تغيب بتأثير قدرته. و لا يصح بناء الفعل للفاعل إلا مع ضرورة قبيحة و هي عدم حذف لام الفعل مع تاء التأنيث و قلبها ياء.

[2]في أ: «سعرت» ، و في هامشها كما في الأصل.

[3]التباب: الهلاك.

[4]في أ، ء، م: «يا راعي الناس» . و في «الديوان» : «يا راعي النفس» .

308

إنّي لفي منزل ما زلت أعمره # على يقين بأنّي عنه منقول

و ليس من موضع يأتيه ذو نفس # إلاّ و للموت سيف فيه مسلول

لم يشغل الموت عنّا مذ أعدّ لنا # و كلّنا عنه باللذّات مشغول

و من يمت فهو مقطوع و مجتنب # و الحيّ ما عاش مغشيّ و موصول

كل ما بدا لك فالآكال فانية # و كلّ ذي أكل لا بدّ مأكول‏

قال: ثم أنشدني عدّة قصائد ما هي بدون هذه، فصرت إلى أبي نواس فأخبرته؛ فتغيّر لونه و قال: لم خبّرته بما قلت!قد و اللّه أجاد!و لم يقل فيه سوءا.

كان أبو نواس يجله و يعظمه:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عليّ بن عبد اللّه بن سعد قال حدّثني هارون بن سعدان مولى البجليّين قال:

كنت مع أبي نواس قريبا من دور بني نيبخت‏[1]بنهر طابق‏[2]و عنده جماعة، فجعل يمرّ به القوّاد و الكتّاب و بنو هاشم فيسلّمون عليه و هو متّكئ ممدود الرجل لا يتحرّك لأحد منهم، حتى نظرنا إليه قد قبض رجليه و وثب و قام إلى شيخ/قد أقبل على حمار له، فاعتنق أبا نواس و وقف أبو نواس يحادثه، فلم يزل واقفا معه يراوح بين رجليه يرفع رجلا و يضع أخرى، ثم مضى الشيخ و رجع إلينا أبو نواس و هو يتأوّه. فقال له بعض من حضر: و اللّه لأنت أشعر منه. فقال: و اللّه ما رأيته قطّ إلا ظننت أنه سماء و أنا أرض.

رأي بشار فيه:

قال محمد بن القاسم حدّثني عليّ بن محمد بن عبد اللّه الكوفيّ قال حدّثني السّريّ بن الصّبّاح مولى ثوبان بن عليّ قال:

كنت عند بشّار فقلت له: من أشعر أهل زماننا؟فقال: مخنّث أهل بغداد (يعني أبا العتاهية) .

عزى المهدي في وفاة ابنته فأجازه:

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم إجازة: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الخزرجيّ الشاعر قال حدّثني عبد اللّه بن أيّوب الأنصاريّ قال حدّثني أبو العتاهية قال:

ماتت بنت المهديّ فحزن عليها حزنا شديدا حتى امتنع من الطعام و الشراب، فقلت أبياتا أعزّيه بها؛ فوافيته و قد سلا و ضحك و أكل و هو يقول: لا بدّ من الصبر على ما لا بدّ منه، و لئن سلونا عمن فقدنا ليسلونّ عنّا من يفقدنا، و ما يأتي الليل و النهار على شي‏ء إلا أبلياه. فلمّا سمعت هذا منه قلت: يا أمير المؤمنين، أ تأذن لي أن أنشدك؟قال هات؛ فأنشدته:

ما للجديدين لا يبلى اختلافهما # و كلّ غضّ جديد فيهما بالي‏

[1]كذا في حـ. و قد وردت محرفة في سائر النسخ.

[2]نهر طابق: محلّه كانت ببغداد من الجانب الغربيّ.

309

يا من سلا عن حبيب بعد ميتته # كم بعد موتك أيضا عنك من سالي

كأنّ كلّ نعيم أنت ذائقه # من لذّة العيش يحكي لمعة الآل

لا تلعبنّ بك الدنيا و أنت ترى # ما شئت من عبر فيها و أمثال

ما حيلة الموت إلاّ كلّ صالحة # أولا فما حيلة فيه لمحتال‏

فقال لي: أحسنت ويحك!و أصبت ما في نفسي و وعظت و أوجزت!ثم أمر لي لكلّ بيت بألف درهم.

حبسه الرشيد مع إبراهيم الموصليّ ثم أطلقهما:

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني أحمد بن خلاّد قال حدّثني أبي قال:

لمّا مات موسى الهادي قال الرشيد لأبي العتاهية: قل شعرا في الغزل؛ فقال: لا أقول شعرا بعد موسى أبدا، فحبسه. و أمر إبراهيم الموصليّ أن يغنّي؛ فقال: لا أغنّي بعد موسى أبدا، و كان محسنا إليهما، فحبسه. فلمّا شخص إلى الرّقّة حفر لهما حفيرة واسعة و قطع بينهما بحائط، و قال: كونا بهذا المكان لا تخرجا منه حتى تشعر أنت و يغنّي هذا. فصبرا على ذلك برهة. و كان الرشيد يشرب ذات يوم و جعفر بن يحيى معه، فغنّت جارية صوتا فاستحسناه و طربا عليه طربا شديدا، و كان بيتا واحدا. فقال الرشيد: ما كان أحوجه إلى بيت ثان ليطول الغناء فيه فنستمتع مدّة طويلة به!فقال له جعفر: قد أصبته. قال: من أين؟قال: تبعث إلى أبي العتاهية فيلحقه به لقدرته على الشعر و سرعته. قال: هو أنكد من ذلك، لا يجيبنا و هو محبوس و نحن في نعيم و طرب. قال: بلى!فاكتب إليه حتى تعلم صحّة ما قلت لك. فكتب إليه بالقصّة و قال: ألحق لنا بالبيت بيتا ثانيا[1]. فكتب إليه أبو العتاهية:

شغل المسكين عن تلك المحن # فارق الرّوح و أخلى من بدن /

و لقد كلّفت أمرا عجبا # أسأل التّفريح‏[2]من بيت الحزن‏

فلمّا وصلت قال الرشيد: قد عرّفتك أنه لا يفعل. قال: فتخرجه حتى يفعل. قال: لا!حتى يشعر؛ فقد حلفت. فأقام أياما لا يفعل. قال: ثم قال أبو العتاهية لإبراهيم: إلى كم هذا نلاجّ الخلفاء!هلمّ أقل شعرا و تغنّ فيه. فقال أبو العتاهية:

/

بأبي من كان في قلبي له # مرّة حبّ قليل فسرق‏[3]

يا بني العبّاس فيكم ملك # شعب الإحسان منه تفترق

إنّما هارون خير كلّه # مات كلّ الشّر مذ يوم خلق‏

و غنّى فيه إبراهيم. فدعا بهما الرشيد؛ فأنشده أبو العتاهية و غناه إبراهيم، فأعطى كلّ واحد منهما مائة ألف درهم و مائة ثوب.

حدّثني الصّوليّ بهذا الحديث عن الحسين بن يحيى عن عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع، فقال فيه:

[1]في حـ: «آخر» .

[2]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «التفريج» بالجيم.

[3]تقدّم هذا الشعر في ص 68 من هذا الجزء مع اختلاف في الرواية.

310

غضب الرشيد على جارية له فحلف ألاّ يدخل إليها أيّاما، ثم ندم فقال:

صدّ عنّي إذ رآني مفتتن # و أطال الصّدّ لما أن فطن

كان مملوكي فأضحى مالكي # إنّ هذا من أعاجيب الزّمن‏

و قال لجعفر بن يحيى: اطلب لي من يزيد على هذين البيتين. فقال له: ليس غير أبي العتاهية. فبعث إليه فأجاب بالجواب المذكور، فأمر بإطلاقه و صلته. فقال: الآن طاب القول؛ ثم قال:

عزّة الحبّ أرته‏[1]ذلّتي # في هواه و له وجه حسن

و لهذا صرت مملوكا له # و لهذا شاع ما بي و علن‏

فقال: أحسنت و اللّه و أصبت ما في نفسي!و أضعف صلته.

شعره في ذم الناس:

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الهيثم بن عثمان قال حدّثني شبيب بن منصور قال:

/كنت في الموقف واقفا على باب الرشيد، فإذا رجل بشع الهيئة على بغل قد جاء فوقف، و جعل الناس يسلّمون عليه و يسائلونه و يضاحكونه، ثم وقف في الموقف، فأقبل الناس يشكون أحوالهم: فواحد يقول: كنت منقطعا إلى فلان فلم يصنع بي خيرا، و يقول آخر: أمّلت فلانا فخاب أملي و فعل بي، و يشكو آخر من حاله؛ فقال الرجل:

فتّشت ذي الدنيا فليس بها # أحد أراه لآخر حامد

حتّى كأنّ الناس كلّهم # قد أفرغوا في قالب واحد

فسألت عنه فقيل: هو أبو العتاهية.

هجا سلما الخاسر بالحرص:

حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني أحمد بن خلاّد عن أبيه عن عبد اللّه بن الحسن قال:

أنشد المأمون بيت أبي العتاهية يخاطب سلما الخاسر:

تعالى اللّه يا سلّم بن عمرو # أذلّ الحرص أعناق الرجال‏

فقال المأمون: إنّ الحرص لمفسد للدّين و المروءة، و اللّه ما عرفت من رجل قطّ حرصا و لا/شرها فرأيت فيه مصطنعا. فبلغ ذلك سلما فقال: ويلي على المخنّث الجرّار الزنديق!جمع الأموال و كنزها و عبّأ البدور[2]في بيته ثم تزهّد مراءاة و نفاقا، فأخذ يهتف بي إذا تصدّيت للطلب.

[1]في أ، ء، م: «أرادت» .

[2]البدور: جمع بدرة، و هي كيس فيه ألف درهم أو عشرة آلاف درهم.