الأغاني - ج11

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
261 /
5

الجزء الحادي عشر

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

1-أخبار النابغة و نسبه‏

نسب النابغة:

النابغة اسمه زياد بن معاوية بن ضباب بن جناب‏[1]بن يربوع بن غيظ بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. و يكنى أبا أمامة[2]. و ذكر أهل الرّواية أنه إنما لقّب النّابغة لقوله:

فقد نبغت لهم منّا شئون‏

من الطبعة الأولى:

و هو أحد الأشراف الذين غضّ الشعر منهم. و هو من الطبقة الأولى المقدّمين على سائر الشعراء.

سأل عمر بن الخطاب عن شعر فلما أخبر أنه له قال إنه أشعر العرب:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو نعيم قال حدّثنا شريك عن مجاهد عن الشّعبيّ عن ربعيّ بن حراش قال:

/قال عمر: يا معشر غطفان، من الّذي يقول:

أتيتك عاريا خلقا ثيابي # على خوف تظنّ بي الظّنون‏

قلنا: النابغة. ذاك أشعر شعرائكم.

أخبرني أحمد و حبيب قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا عبيد بن جنّاد قال حدّثنا معن بن عبد الرحمن عن عيسى بن عبد الرحمن السّلميّ عن جدّه عن الشّعبيّ قال: قال عمر: من أشعر الناس؟قالوا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين. قال: من الّذي يقول:

إلاّ سليمان إذ قال الإله له‏[3] # قم في البريّة فاحددها عن الفند[4]

و خبّر[5]الجنّ أنّي قد أذنت لهم # يبنون تدمر[6]بالصّفّاح و العمد[7]

[1]في «شرح التبريزي للمعلقات العشر» : «جابر بن يربوع» بدل «جناب بن يربوع» .

[2]و يكنى أيضا: «أبا ثمامة» . كني بابنتيه أمامة و ثمامة. (راجع «شرح المعلقات العشر» للتبريزي و كتاب «الشعر و الشعراء» . )

[3]و يروى: «إذ قال المليك» . (و الروايات المشار إليها هنا و فيما يأتي عن «شرح التبريزي للمعلقات العشر» ) .

[4]فاحددها: فامنعها. و يروى: «فازجرها» . و الفند: الخطأ.

[5]في «جـ» و «ديوانه» و «شرح التبريزي» : «و خيس الجن إني إلخ» أي ذللهم.

[6]تدمر: مدينة قديمة مشهورة كانت ببرية الشام. و كانوا يزعمون أنها مما بنته الجن لسليمان عليه السلام.

[7]الصفاح (بالضم) : حجارة دقاق عراض، واحدها صفاحة. و العمد (بفتحتين و بضمتين) : جمع عمود.

6

قالوا: النابغة. قال: فمن الذي يقول:

أتيتك عاريا خلقا ثيابي # على خوف تظنّ بي الظنون‏

قالوا: النابغة. قال: فمن الذي يقول:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # و ليس وراء اللّه للمرء مذهب

لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانة # لمبلغك الواشي أغشّ و أكذب

/و لست بمستبق أخا لا تلمّه‏[1] # على شعث أيّ الرجال المهذّب‏

قالوا: النابغة. قال: فهو أشعر العرب.

أخبرنا أحمد قال حدّثنا عمر بن شبّه قال حدّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدّثنا عمر بن أبي زائدة عن الشّعبيّ قال: ذكر الشّعر عند عمر؛ ثم ذكر مثله.

سئل ابن عباس عن أشعر الناس فأمر أبا الأسود بالجواب فذكره:

أخبرني أحمد قال حدّثنا عمر قال حدّثني عليّ بن محمد عن المدائنيّ عن عبد اللّه بن الحسن عن عمر بن الحباب عن أبي المؤمّل قال:

قام رجل إلى ابن عبّاس فقال: أيّ الناس أشعر؟فقال ابن عباس: أخبره يا أبا الأسود الدّؤليّ: قال الذي يقول:

فإنّك كاللّيل الذي هو مدركي # و إنّ خلت أنّ المنتأى‏[2]عنك واسع‏

حوار في شعر له في مجلس الجنيد بن عبد الرحمن:

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد قرأت على أبي جرير بن شريك بن جرير بن عبد اللّه البجليّ قال: كنّا عند الجنيد بن عبد الرحمن بخراسان و عنده بنو مرة و جلساؤه من الناس، فتذاكروا شعر النابغة حتى أنشدوا قوله:

فإنّك كاللّيل الذي هو مدركي # و إن خلت أنّ المنتأى عنك واسع‏

/فقال شيخ من بني مرّة: ما الّذي رأى في النّعمان حيث يقول له هذا!و هل كان النّعمان إلا على منظرة من مناظر الحيرة!و قالت ذلك القيسيّة فأكثروا. فنظر إليّ/الجنيد و قال: يا أبا خالد!لا يهولنّك قول هؤلاء الأعاريض‏[3]! فأقسم باللّه أن لو عاينوا من النّعمان ما عاين صاحبهم لقالوا أكثر مما قال، و لكنهم قالوا ما تسمع و هم آمنون.

كان يجلس للشعراء بعكاظ فمدح شعر الخنساء و حواره مع حسان:

أخبرني حبيب بن نصر و أحمد بن عبد العزيز قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو بكر العليميّ قال حدّثني [1]استبقى الصاحب: عفا عن زلله فاستبقى مودّته. و لم الأمر: جمعه و أصلحه. و الشعث (بالفتح و بالتحريك) : انتشار الأمر و فساده؛ يقال: لم اللّه شعثه يلمه لما أي جمع ما تفرّق من أموره و أصلحه. و قوله «أي الرجال المهذب» يقول: و أي الناس لا تكون فيه خصلة غير مرضية.

[2]المنتأى: اسم مكان من انتأى إذا بعد.

[3]كذا في «الأصول» : و لعلها: «هؤلاء الأعاريب» .

7

عبد الملك بن قريب‏[1]قال:

كان يضرب للنابغة قبّة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. قال: و أوّل من أنشده الأعشى ثم حسّان بن ثابت ثم أنشدته الشعراء، ثم أنشدته الخنساء بنت عمرو بن الشّريد:

و إنّ صخرا لتأتمّ الهداة به # كأنّه علم في رأسه نار

فقال: و اللّه لو لا أنّ أبا بصير أنشدني آنفا لقلت إنك أشعر الجنّ و الإنس. فقام حسّان فقال: و اللّه لأنا أشعر منك و من أبيك!. فقال له النابغة: يا ابن أخي، أنت لا تحسن أن تقول:

فإنّك كاللّيل الذي هو مدركي # و إن خلت أنّ المنتأى عنك واسع

خطاطيف‏[2]حجن في حبال متينة # تمدّ بها أيد إليك نوازع‏

قال: فخنس‏[3]حسّان لقوله.

تذاكر قوم الشعر و هم في الصحراء فإذا هم بجني يقول إنه أشعر الناس:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا الأصمعيّ قال حدّثنا أبو عمرو بن العلاء قال قال فلان لرجل سمّاه فأنسيته:

بينا نحن نسير بين أنقاء[4]من الأرض تذاكرنا الشعر، فإذا راكب أطيلس‏[5]يقول أشعر الناس زياد بن معاوية؛ ثم تملّس‏[6]فلم نره.

فضله أبو عمرو على زهير:

أخبرني أحمد قال حدّثنا عمر قال حدثنا الأصمعيّ قال سمعت أبا عمرو يقول: ما كان ينبغي للنابغة إلاّ أن يكون زهير أجيرا له.

سأل عبد الملك عن شعر له في اعتذاره للنعمان و قال إنه أشعر العرب:

[1]عبد الملك بن قريب: هو اسم الأصمعي الراوية المشهور.

[2]الخطاطيف: جمع خطاف (بالضم) . و خطاف البئر: حديدة حجناء تستخرج بها الدلاء و غيرها. و حجن: معوجة، واحدها أحجن و الأنثى حجناء و نوازع: جواذب. يقول: لك خطاطيف هذه صفتها أجرّ بها إليك. و هذا تمثيل. يريد أنه في قبضة يده و أنه لا مفرّ له منه.

[3]خنس: انقبض، أو رجع و تنحى.

[4]الأنقاء: جمع نقا و هو القطعة من الرمل تنقاد محدودبة. و يقال في تثنيته نقوان و نقيان.

[5]أطيلس: تصغير أطلس، و هو ما في لونه غيرة إلى السواد.

[6]تملس: تملص و أفلت.

8

أخبرني أحمد قال حدّثنا عمر قال عمرو بن المنتشر المراديّ:

وفدنا على عبد الملك بن مروان فدخلنا عليه، فقام رجل فاعتذر من أمر و حلف عليه. فقال له عبد الملك: ما كنت حريّا أن تفعل و لا تعتذر. ثم أقبل على أهل الشأم فقال: أيّكم يروي من اعتذار النابغة إلى النّعمان:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # و ليس وراء اللّه للمرء مذهب‏

فلم يجد فيهم من يرويه؛ فأقبل عليّ فقال: أ ترويه؟قلت نعم!فأنشدته القصيدة كلّها؛ فقال: هذا أشعر العرب.

سئل حماد بم تقدّم النابغة فأجاب:

أخبرنا حبيب بن نصر و أحمد بن عبد العزيز قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال:

قال معاوية بن بكر الباهليّ قلت لحمّاد الراوية: بم تقدّم النابغة؟قال: باكتفائك بالبيت الواحد من شعره، لا بل بنصف بيت، لا بل بربع بيت، مثل قوله:

/

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # و ليس وراء اللّه للمرء مذهب‏

[كلّ نصف يغنيك عن صاحبه، و قوله: «أيّ الرجال المهذّب» ربع بيت يغنيك عن غيره‏[1]].

و هذه القصيدة العينيّة[2]يقولها في النّعمان بن المنذر يعتذر إليه بها و بعدّة قصائد قالها فيه تذكر في مواضعها.

و لقد اختلفت الرّواة في السبب الذي دعاه إلى ذلك.

كان أثيرا عند النعمان فدخل على زوجته المتجردة فوصفها:

فأخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة عن أبي/عبيدة و غيره من علمائهم:

انّ النابغة كان كبيرا[3]عند النّعمان خاصّا به و كان من ندمائه و أهل أنسه؛ فرأى زوجته المتجرّدة يوما و غشيها تشبيها[4]بالفجاءة، فسقط نصيفها و استترت بيدها و ذراعها، فكادت ذراعها تستر وجهها لعبالتها و غلظها؛ فقال قصيدته التي أوّلها:

أ من آل ميّة رائح‏[5]أو مغتدي # عجلان ذا زاد و غير مزوّد

زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا # و بذاك تنعاب الغراب الأسود

لا مرحبا بغد و لا غير أنّ ركابنا # لمّا تزل برحالنا و كأن قد

في إثر غانية رمتك بسهمها # فأصاب قلبك غير أن لم تقصد[6]

[1]التكملة عن «شرح الديوان» للوزير أبي بكر عاصم بن أيوب البطليوسي.

[2]هي قصيدته التي مطلعها:

عفا ذو حسا من فرتني فالفوارع # فجنبا أريك فالقلاع الدوافع‏

[3]في «جـ» أ، «كثيرا» . و لعل صوابه: «كان أثيرا عند النعمان... إلخ» .

[4]لعله «شبيها بالفجاءة» أي غشيها غشيانا شبيها بالمفاجأة.

[5]رائح: خبر لمحذوف، و التقدير: أ من آل مية أنت رائح، كما قال الأصمعي.

[6]تقصد: تقتل؛ يقال: أقصد الشي‏ء إذا ضربه أو رماه فمات مكانه.

9

بالدّرّ

و الياقوت زيّن نحرها # و مفضّل من لؤلؤ و زبرجد

/عروضه من الكامل. و غنّاه أبو كامل من رواية حبش ثقيلا أول بالبنصر. و غنّاه الغريض من روايته ثاني ثقيل بالوسطى. و غنّاه ابن سريج من رواية إسحاق ثقيلا أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى.

قوله: أ من آل ميّة: يخاطب نفسه كالمستثبت. و عجلان: من العجلة، نصبه على الحال. و الزاد في هذا الموضع: ما كان من تسليم و ردّ تحيّة. و البوارح: ما جاء من ميامنك إلى مياسرك فولاّك مياسره. و السانح ما جاء من مياسرك فولاّك ميامنه؛ حكى ذلك أبو عبيدة عن رؤبة و قد سأله يونس عنه. و أهل نجد يتشاءمون بالبوارح، و غيرهم من العرب تتشاءم بالسانح و تتيمّن بالبارح؛ و منهم من لا يرى ذلك شيئا؛ قال بعضهم‏[1]:

و لقد غدوت و كنت لا # أغدو على واق و حاتم‏[2]

فإذا الأشائم كالأيا # من و الأيامن كالأشائم‏

و تنعاب الغراب: صياحه؛ يقال: نعب الغراب ينعب نعيبا و نعبانا، و التنعاب تفعال من هذا. و كان النابغة قال في هذا البيت: «و بذاك خبّرنا الغراب الأسود» ثم ورد يثرب فسمعه يغنّى فيه، فبان له الإقواء، فغيّره في مواضع من شعره.

كان يقوى فلما ذهب إلى يثرب تبين له هذا العيب فأصلحه:

و أخبرنا الحسين بن يحيى قال قال حماد بن إسحاق قرأت على أبي:

قال أبو عبيدة: كان فحلان من الشعراء يقويان: النابغة و بشر بن أبي خازم. فأمّا النابغة فدخل يثرب فهابوه أن يقولوا له لحنت و أكفأت‏[3]، فدعوا قينة و أمروها أن تغنّي في شعره ففعلت. فلمّا سمع الغناء و «غير مزوّد» و «الغراب الأسود» و بان له ذلك في اللحن فطن لموضع الخطأ فلم يعد. و أمّا بشر بن أبي خازم فقال له أخوه سوادة: إنّك تقوي. قال) و ما ذاك؟قال: قولك:

و ينسي مثل ما نسيت جذام‏[4]

[1]هو مرقش السدومي، و قيل: إنه لخزز (بضم ففتح) بن لوزان. (عن «لسان العرب» ) .

[2]الواقي (وزان القاضي) هنا: الصرد (بضم ففتح) و هو طائر فوق العصفور كانت العرب تتطير بصوته. و الحاتم هنا: الغراب الأسود.

و قبل البيتين:

لا يمنعنك من بغا # الخير تعقاد التمائم‏

و بعدهما:

و كذاك لا خير و لا # شر على أحد بدائم

قد خط ذلك في ذلك في الزبو # ر الأوّليات القدائم‏

«الزبور» : الكتب، واحدها زبر (بالكسر) . (راجع «لسان العرب» مادتي وقى و حتم) .

[3]الإكفاء في الشعر عند العرب: الفساد في قوافيه باختلاف الحركات أو الحروف القريبة المحارج بأن يكون روي القافية ميما ثم يجي‏ء الرويّ في بعض القصيدة نونا. و الإكفاء عند أهل العروض: اختلاف إعراب القوافي.

[4]في «الأصول» :

أمن الأحلام إذ صحبي نيام‏

و التصويب من «خزانة الأدب» (ج 2 ص 262) ؛ فإن الشطر الأوّل في «الأصول» من الرمل، و الثاني من الوافر. و تمام البيت الأوّل:

أ لم تر أن طول الدهر يسلي # و ينسي مثل ما نسيب جذام‏

10

ثم قلت بعده «إلى البلد الشآم» . ففطن فلم يعد.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثنا خلاّد الأرقط و غيره من علمائنا قالوا:

كان النابغة يقول: إنّ في شعري لعاهة ما أقف عليها. فلمّا قدم المدينة غنّي في شعره؛ فلمّا سمع قوله:

«و اتّقتنا باليد» و «يكاد من اللّطافة يعقد» تبيّن له لمّا مدّت «باليد» فصارت الكسرة ياء و مدّت «يعقد» فصارت الضمّة كالواو؛ ففطن فغيّره و جعله:

غنم على أغصانه لم يعقد

/و كان يقول: وردت يثرب و في/شعري بعض العاهة، فصدرت عنها و أنا أشعر الناس. و قوله لا مرحبا: لا سعة؛ و نصبه هاهنا شبيه بالمصدر؛ كأنه قال لا رحب رحبا و لا أهل أهلا. و أزف: قرب.

قال: و قال في قصيدته هذه يذكر ما نظر إليه من المتجرّدة و سترها وجهها بذراعها:

صوت‏

سقط النّصيف و لم ترد إسقاطه # فتناولته و اتّقتنا باليد

بمخضّب رخص كأنّ بنانه # عنم على أغصانه لم يعقد

و يفاحم رجل أثيث نبته # كالكرم مال على الدّعام المسند

نظرت إليك بحاجة لم تقضها # نظر السّقيم إلى وجوه العوّد

غنّاه ابن سريج، و لحنه من خفيف الثّقيل الأوّل بالوسطى عن عمرو. و النّصيف: الخمار، و الجمع أنصفة و نصف.

و العنم، فيما ذكر أبو عبيدة، يساريع‏[1]حمر تكون في البقل في الربيع. و قال الأصمعيّ: الغنم: شجر يحمرّ و ينعم‏[2]نبته. و الفاحم: الشديد السواد. و الرّجل: الذي ليس بجعد. و الأثيث: المتكاثف؛ قال امرؤ القيس:

أثيث‏[3]كقنو النخلة المتعثكل‏

و يقال: شعر رجل و رجل. و يروى:

و رنت إليّ بمقلتي مكحولة

/و المكحولة: البقرة. و قوله: لم تقضها: يعني المرأة أي لم تقدر على الكلام من مخافة أهلها، فهي كالسّقيم الذي ينظر إلى من يعوده.

غنّاه ابن سريج خفيف ثقيل أوّل بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة.

-تمام البيت الثاني:

و كانوا قومنا فبغوا علينا # فسقناهم إلى البلد الشآم‏

[1]اليساريع: جمع يسروع (بضم الياء و فتحها، و يقال فيها أسروع بضم الهمزة و فتحها) و هي دودة حمراء تكون في البقل، تشبه بها الأصابع.

[2]نعم العود (من باب فرح) : اخضرّ و نضر.

[3]صدر البيت:

و فرع يغشى المتن أسود فاحم‏

و الفرع: الشعر الطويل. و المتن: الظهر. و القنو: العذق (و هو من المخل كالعنقود من العنب) . و المتعثكل: ذو العثاكيل (الشماريخ) .

11

قال صالح بن حسان إنه كان مخنثا:

و أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثنا العمريّ قال:

قال الهيثم بن عديّ قال لي صالح بن حسّان: كان و اللّه النابغة مخنّثا. قلت: و ما علمك به؟أ رأيته قط؟قال:

لا و اللّه!. قلت: أ فأخبرت عنه؟قال لا.

قلت: فما علمك به؟قال: أ ما سمعت قوله:

سقط النّصيف و لم ترد إسقاطه # فتناولته و اتّقتنا باليد

لا و اللّه ما أحسن هذه الإشارة و لا هذا القول إلا مخنّث.

هروبه من النعمان إلى ملوك غسان و اختلاف الرواة في سببه:

قال: فأنشدها النابغة مرّة بن سعد القريعيّ، فأنشدها مرّة النّعمان، فامتلأ غضبا فأوعد النابغة و تهدده؛ فهرب منه فأتى قومه، ثم شخص إلى ملوك غسّان بالشأم فامتدحهم. و قيل: إنّ عصام بن شهبر الجرميّ حاجب النّعمان أنذره‏[1]و عرّفه ما يريده النّعمان، و كان صديقه، فهرب. و عصام الذي يقول فيه الراجز:

نفس عصام سوّدت عصاما # و علّمته الكرّ و الإقداما

و جعلته ملكا هماما

/و قال من رويت عنه خبر النابغة: إنّ السبب في هربه من النّعمان أنّ عبد القيس بن خفاف التّميميّ و مرّة بن‏[2]سعد بن قريع السّعديّ عملا هجاء في النّعمان على لسانه، و أنشدا النّعمان منه أبياتا يقال فيها:

ملك يلاعب أمّه و قطينه # رخو المفاصل أيره كالمرود

و منه:

قبّح اللّه ثم ثنّى بلعن # وارث الصائغ الجبان الجهولا

من يضرّ الأدنى و يعجز عن ضرّ الأقاصي و من يخون الخليلا /

يجمع الجيش ذا الألوف و يغزو # ثم لا يرزأ العدوّ فتيلا

يعني بوارث الصائغ النّعمان؛ و كان جدّه لأمّه صائغا بفدك‏[3]يقال له عطيّة. و أمّ النّعمان سلمى بنت عطيّة.

فأخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثني عمي عبيد اللّه عن ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل: أنّ مرّة بن سعد القريعيّ الذي وشى بالنابغة كان له سيف قاطع يقال له ذو الرّيقة من كثرة فرنده و جوهره، فذكر النابغة للنعمان، فأخذه. فاضطغن ذلك حتى وشى به إلى النّعمان و حرّضه عليه.

و أخبرنا الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن محمد بن سلاّم عن يونس بن حبيب عن أبي عمرو بن العلاء، و أخبرنا إبراهيم بن أيّوب عن ابن قتيبة، و أخبرنا أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبّة، قالوا جميعا:

[1]أنذره: أعلمه.

[2]في «خزانة الأدب» (ج 1 ص 371 و 427) و «شرح لديوانه» : «ابن ربيعة» بدل «ابن سعد» .

[3]فدك: قرية بالحجاز من نواحي خيبر.

12

/إنّ الذي من أجله هرب النابغة من النّعمان أنه كان و المنخّل بن عبيد بن عامر اليشكريّ جالسين عنده، و كان النّعمان دميما أبرش‏[1]قبيح المنظر، و كان المنخّل بن عبيد من أجمل العرب، و كان يرمى بالمتجرّدة زوجة النّعمان، و يتحدّث العرب أنّ ابني النّعمان منها كانا من المنخّل. فقال النّعمان للنابغة: يا أبا أمامة، صف المتجرّدة في شعرك؛ فقال قصيدته التي وصفها فيها و وصف بطنها و روادفها و فرجها. فلحقت المنخّل من ذلك غيرة، فقال للنّعمان: ما يستطيع أن يقول هذا الشعر إلاّ من جرّبه. فوقر ذلك في نفس النّعمان. و بلغ النّابغة فخافه فهرب فصار في غسّان.

كان المنخل اليشكري يهوى هندا بنت عمرو بن هند فتغزل فيها فقتله:

قالوا: و كان المنخّل يهوى هندا بنت عمرو بن هند، و فيها يقول:

صوت‏

و لقد دخلت على الفتا # ة الخدر في اليوم المطير

الكاعب الحسناء تر # فل في الدّمقس و في الحرير

فدفعتها[2]فتدافعت # مشي القطاة إلى الغدير

و لثمتها فتنفّست # كتنفّس الظّبي البهير[3]

-غنّاه إبراهيم الموصليّ من رواية عمرو بن بانة ثاني ثقيل بالوسطى على مذهب إسحاق.

/و بدت‏[4]و قالت يا منخّل ما بجسمك من فتور؟ ما مسّ جسمي غير حبّك فاهدئي‏[5]عنّي و سيري

و لقد شربت من المدى # مة بالكبير و بالصغير

فإذا سكرت فإنّني # ربّ الخورنق و السّدير[6]

و إذا صحوت فإنّني # ربّ الشّويهة و البعير

يا هند هل من نائل # يا هند للعاني الأسير

و أحبّها و تحبّني # و تحبّ‏[7]ناقتها بعيري‏

-و قال حمّاد بن إسحاق عن أبيه في كتاب أغاني ابن مسحج: في هذا الصوت لمالك و معبد و ابن سريج و ابن [1]الأبرش: الذي في لونه اختلاف بأن تكون نقطة حمراء و أخرى سوداء أو غبراء أو نحو ذلك.

[2]في «الأغاني» في ترجمة «المنخل اليشكري» (ج 18 ص 154 طبعة بلاق) : «دافعتها» . و في رواية هذه القصيدة هنا و في ترجمة المنخل فيما سيأتي في «الأغاني» و في كتاب «الشعر و الشعراء» . اختلاف في بعض الكلمات سنشير إلى بعضه هاهنا.

[3]البهير: الذي تتابع نفسه من الأعباء و التعب؛ يقال: انبهر و بهر (مبنيا للمجهول) فهو مبهور و بهير. و رواية البيت في كتاب «الشعر و الشعراء» :

و عطفتها فتعطفت # كتعطف الظبي الغرير

[4]في ترجمة «المنخل» : «و رنت» . و في كتاب «الشعر و الشعراء» : «فترت» .

[5]كذا في ح، أ، و ترجمة «المنخل» فيما يأتي و كتاب «الشعر و الشعراء» . و في سائر الأصول هنا: «فاعزبي» .

[6]الخورنق و السدير: قصران، و قيل: هما نهران.

[7]في ترجمة «المنخل» و كتاب «الشعر و الشعراء» : «و يحب» .

13

محرز و الغريض و ابن مسحج لكلهم فيه ألحان-قال: فبلغ عمرا خبر المنخّل فأخذه فقتله. و قال المنخل قبل أن يقتله و هو محبوس في يده يحضّ قومه على طلب الثأر به:

/

ظلّ وسط العراق قتلي بلا جر # م و قومي ينتجون السّخالا

رجع الخبر إلى سياقه. قالوا جميعا: فلمّا صار النّابغة إلى غسّان نزل بعمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر[1]-و أمّ الحارث الأعرج مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع‏[2]الكنديّة/و هي ذات القرطين اللّذين يضرب بهما المثل فيقال لما يغلى به الثمن «[خذه و لو[3]] بقرطي مارية» . و أختها هند الهنود امرأة حجر آكل المرار. و إيّاها عنى حسّان بقوله في جبلة بن الأيهم:

أولاد جفنة حول قبر أبيهم # قبر ابن مارية الجواد المفضل‏

مدح عمرو بن الحارث الأصغر الغساني و أخاه النّعمان:

و لذلك خبر يأتي في موضعه-فمدحه النابغة و مدح أخاه النّعمان. و لم يزل مقيما مع عمرو حتى مات، و ملك أخوه النّعمان؛ فصار معه إلى أن استطلعه‏[4]النّعمان فعاد إليه. فممّا مدح به عمرا قوله:

صوت‏

كليني لهمّ يا أميمة[5]ناصب # و ليل أقاسيه بطي‏ء الكواكب

و صدر أراح الليل عازب همّه # تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب

تقاعس حتى قلت ليس بمنقض # و ليس الذي يهدي النّجوم بآئب

عليّ لعمرو نعمة بعد نعمة # لوالده ليست بذات عقارب‏

عروضه من الطويل. غنّي في البيتين الأوّلين ابن محرز خفيف ثقيل أوّل بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو. و غنّى فيه الأبجر من رواية حبش ثاني ثقيل بالوسطى. و غنّى مالك في البيت الرابع ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى من رواية هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات. و غنى في الأربعة الأبيات عبد اللّه ابن العبّاس الرّبيعيّ ماخوريّا عن حبش، و غنّى فيها طويس رملا بالوسطى بحكايتين عن حبش. /هكذا روي قوله «يا أميمة» مفتوح الهاء. قال الخليل: من عادة العرب أن تنادي المؤنّث بالترخيم فتقول يا أميم و يا عزّ و يا سلم؛ فلمّا لم يرخّم لحاجته إلى الترخيم‏[6]أجراها على لفظها مرخّمة[7]و أتى بها بالفتح. و كليني أي دعيني. و وكلته إلى كذا أكله و كالة[8].

[1]يقال فيه أيضا شمر (بكسر أوله و سكون ثانيه) . (راجع «خزانة الأدب» ج 1 ص 371) .

[2]ضبطه الحافظ في «التبصير» كمحسن، و ضبطه الصاغاني في «العباب» كمحدّث. (عن «القاموس و شرحه» ) .

[3]التكملة عن كتب الأمثال.

[4]استطلعه: طلب طلوعه إليه. يريد: استقدمه إليه.

[5]أميمة: تصغير أمامة و هي بنته. و أقاسيه: أكابده و أعالج طوله.

[6]لعل صوابه: «لحاجته إلى ترك الترخيم» لأن الترخيم هنا يفسد وزن الشعر.

[7]هذا رأي الجمهور، قالوا: إن أميمة مرخم، و الأصل يا أميم، ثم دخلت الهاء غير معتد بها، و فتحت لأنها وقعت موقع ما يستحق الفتح و هو ما قبل هاء التأنيث. و فيه آراء أخرى مبسوطة في كتب النّحو.

[8]الذي في كتب اللغة أنه يقال: و كل الأمر إليه يكله وكلا و وكولا إذا سلمه إليه و تركه، و وكله إلى نفسه وكلا و وكولا. و الوكالة (بالفتح و بالكسر أيضا) : اسم من التوكيل.

14

و ناصب‏[1]: متعب. و بطي‏ء الكواكب أي قد طال حتى إن كواكبه لا تجري و لا تغور. أراح: ردّ. يقال أراح الرجل إبله أي ردّها. فيقول: ردّ هذا الليل إليّ ما عزب من همّي بالنهار؛ لأنه يتعلّل نهارا بمحادثة النّاس و التشاغل بغير الفكر، فإذا خلا بالليل راح إليه همّه. و تقاعس تأخّر؛ و أصل التقاعس الرجوع إلى خلف القهقري، فشبّه اللّيل في طوله بالمتقاعس. و الذي يهدي النّجوم أوّلها، شبهها بهواديها[2]. و قوله «ليست بذات عقارب» أي لا يكدّرها و لا يمنّها.

/و مما يغنّى فيه هذه القصيدة:

حلفت يمينا غير ذي مثنويّة[3] # و لا علم إلاّ حسن ظنّي‏[4]بصاحب

لئن كان للقبرين قبر بجلّق‏[5] # و قبر بصيداء الذي عن حارب

و للحارث‏[6]الجفنيّ سيّد قومه # ليلتمسن بالجيش دار المحارب‏

-غنّاه إسحاق خفيف ثقيل أوّل بالبنصر على مذهبه من رواية عمرو بن بانة عنه و من رواية/حبش. و غنّاه ابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر. يقول: ليس لي علم بما يكون من صاحبي إلا أنّي أحسن الظنّ به. و قوله: «لئن كان للقبرين» يعني لئن كان عمرو ابنا للمدفونين في هذين القبرين، يعني قبر أبيه و جدّه و هما الحارث الأكبر و الحارث الأعرج، ليلتمسنّ جيشه دار المحارب له؛ يحرّضه بذلك و يروي «أرض المحارب» -

و لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم # بهنّ فلول‏[7]من قراع الكتائب

إذا استنزلوا[8]عنهنّ للطعن أرقلوا # إلى الموت إرقال الجمال المصاعب‏

[1]أي فناصب بمعنى منصب من النّصب (بالتحريك) و هو التعب جي‏ء به على طرح الزوائد. و حمله سيبويه على النّسب أي ذو نصب، كما يقال، طريق خائف أي ذو خوف. و قال أبو عمرو: همّ ناصب من قولك نصب به الهم أي حل. و قال ابن الأعرابي: نصب له الهم إذا كان لا يفارقه. (راجع «خزانة الأدب البغدادي» ج 1 ص 370، و شروح «ديوان» النابغة) .

[2]في هذه الجملة غموض، قد يرجع إلى سهو النّساخ عن بعض الكلام. و معنى «و ليس الذي يهدي النّجوم بآئب» ، كما في شروح «الديوان» ، أن الذي يهدي النّجوم ما يتقدّمها؛ إذ هادي كل شي‏ء ما يتقدّمه. فقيل المراد به أوّل النّجوم، و معنى كونه غير آئب: غير راجع إلى مسقطه و مغيبه. و قيل المراد بهادي النّجوم الشمس لأنها تتقدّم النّجوم في المغيب، و معنى كونها غير آئبة: غير راجعة إلى مشرقها؛ فكأنه ليل لا نهار بعده. و يروى: «و ليس الذي يرعى النّجوم... » .

[3]غير ذي مثنوية: حال من فاعل حلفت أي لم أستثن فيها.

[4]رواية «ديوان» النابغة و شروحه: «إلا حسن ظن» بتنكير الظن.

[5]جلق (بكسر الجيم و تشديد اللام مكسورة أو مفتوحة) : موضع بالشام، و قيل: هو اسم مدينة دمشق نفسها، و قيل: اسم لكورة الغوطة كلها، و قيل موضع بقرية من قرى دمشق. و صيداء: مدينة على ساحل بحر الشام شرقي صور بينهما ستة فراسخ. و حارب: موضع.

[6]الحارث الجفني: هو الحارث بن أبي شمر الجفني الغساني.

[7]فلول: ثلوم. و القراع: المجالدة، يقال: قارعه مقارعة و قراعا. و الكتيبة: الجيش أو القطعة منه. و هذا الضرب من الاستثناء يسميه أصحاب البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم، و مثله:

فتى كملت أخلاقه غير أنه # جواد فما يبقى من المال باقيا

[8]الضمير في «عنهن» للخيل في قوله:

على عارفات للطعان عوابس‏

و هو وارد في «الديوان» قبل هذا البيت مباشرة.

15
صوت‏

لهم شيمة لم يعطها اللّه غيرهم # من النّاس و الأحلام غير عوازب

على عارفات للطّعان عوابس # بهنّ كلوم بين دام و جالب

و لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب

إذا استنزلوا عنهنّ للطعن أرقلوا # إلى الموت إرقال الجمال المصاعب

حبوت بها غسّان إذ كنت لاحقا # بقومي و إذ أعيت عليّ مذاهبي‏

وجدت في كتاب لهارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات في البيتين‏[1]و الثالث و الرابع لحنا منسوبا إلى معبد من خفيف الرمل بالوسطى. و أحسبه من لحن يحيى المكّيّ. الشّيمة: الطبيعة، و جمعها شيم. غير عوازب أي لا تعزب أحلامهم فتنفذ عنهم. و عارفات للطعان أي صابرات عليه عوّدت أن يحارب عليها. و عوابس كوالح. و جالب أي عليه جلبة و هي قشرة تكون على الجرح؛ يقال جلب الجرح يجلب جلوبا و أجلب إجلابا. و الإرقال: مشي يشبه الخبب سريع. و المصاعب واحدها مصعب و هو الفحل الذي لم يمسسه الحبل و إنما يقتنى للفحلة، و يقال له قرم و مقرم. و قوله «حبوت بها» يعني بالقصيدة. و روى أبو عبيدة «إذ كنت لاحقا بقوم» و قال: يعني إذ كنت لاحقا بغيركم أي بقوم آخرين، فكنتم أحقّ بالمدح منهم.

قالوا: فنظر إلى النّعمان بن الحارث أخى عمرو و هو يومئذ غلام فقال:

هذا غلام حسن وجهه # مقتبل الخير سريع التّمام

للحارث الأكبر و الحارث الـ # أصغر و الأعرج خير الأنام‏[2]

/ثم لهند و لهند فقد # أسرع في الخيرات منه إمام‏[3]

خمسة آباء و هم ما هم # هم خير من يشرب صوب الغمام‏[4]

غنّاه حنين خفيف رمل بالبنصر عن حبش.

فضله الشعبي على الأخطل في مواجهته في مجلس عبد الملك:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا هارون بن عبد اللّه الزبيريّ قال حدّثنا شيخ يكنى أبا داود عن الشعبيّ قال:

دخلت على عبد الملك بن مروان و عنده الأخطل و أنا لا أعرفه. فقلت حين دخلت: عامر بن شراحيل الشّعبيّ. فقال‏[5]: على علم ما أذنّا لك. فقلت في نفسي: خذ واحدة على وافد أهل العراق. فسأل عبد الملك [1]كذا في «الأصول» (؟) .

[2]كذا في كتاب «الشعر و الشعراء» و «خزانة الأدب» . و في «الأصول» هنا و فيما يأتي: «و الحارث خير الأنام» .

[3]في كتاب «الشعر و الشعراء» و «خزانة الأدب» :

........... و قد

ينجع في الروضات ماء الغمام‏

[4]في هذين المصدرين: «يشرب صفو المدام» .

[5]أي الأخطل.

16

الأخطل: من أشعر النّاس؟قال: أنا يا أمير المؤمنين. فقلت لعبد الملك: من هذا يا أمير المؤمنين؟فتبسّم و قال:

هذا الأخطل. فقلت في نفسي: خذها ثنتين على وافد أهل العراق، فقلت: أشعر منك الذي يقول:

/

هذا غلام حسن وجهه # مستقبل الخير سريع التّمام

للحارث الأكبر و الحارث الـ # أصغر و الأعرج خير الأنام

خمسة آباء و هم ما هم # هم خير من يشرب ماء الغمام‏

-و الشعر للنابغة-فقال الأخطل: إنّ أمير المؤمنين إنما سألني عن أشعر أهل زمانه، و لو سألني عن أشعر أهل الجاهليّة لكنت حريّا أن أقول كما قلت أو شبيها به. فقلت في نفسي: خذها ثلاثا على وافد أهل العراق. (يعني أنه أخطأ ثلاث مرات) . و نسخت هذا الخبر من كتاب أحمد بن الحارث الخرّاز و لم أسمعه من/أحد، و وجدته أتمّ مما رأيت في كل موضع، فأتيت به في هذا الموضع و إن لم يكن من خاصّ خبر النّابغة لأنه أليق به. قال أحمد بن الحارث الخرّاز حدّثني المدائنيّ عن عبد الملك بن مسلم قال:

كتب عبد الملك إلى الحجّاج: إنه ليس شي‏ء من لذّة الدنيا إلاّ و قد أصبت منه، و لم يكن عندي شي‏ء ألذّه إلا مناقلة الإخوان للحديث. و قبلك عامر الشّعبيّ، فابعث به إليّ يحدّثني. فدعا الحجّاج الشغبيّ فجهّزه و بعث به إليه و قرّظه و أطراه في كتابه. فخرج الشعبيّ، حتى إذا كان بباب عبد الملك قال للحاجب: استأذن لي. قال: من أنت؟ قال: أنا عامر الشعبيّ. قال: حيّاك اللّه!ثم نهض فأجلسني على كرسيّه. فلم يلبث أن خرج إليّ فقال: ادخل يرحمك اللّه. فدخلت، فإذا عبد الملك جالس على كرسيّ و بين يديه رجل أبيض الرأس و اللّحية على كرسيّ، فسلّمت فردّ عليّ السلام، ثم أومأ إليّ بقضيبه فقعدت عن يساره، ثم أقبل على الذي بين يديه فقال: ويحك!من أشعر النّاس؟قال: أنا يا أمير المؤمنين. قال الشعبيّ. فأظلم عليّ ما بيني و بين عبد الملك، فلم أصبر أن قلت: و من هذا يا أمير المؤمنين الذي يزعم أنه أشعر النّاس؟!-قال: فعجب عبد الملك من عجلتي قبل أن يسألني عن حالي- قال: هذا الأخطل. فقلت: يا أخطل!أشعر و اللّه منك الذي يقول:

هذا غلام حسن وجهه # مستقبل الخير سريع التّمام

للحارث الأكبر و الحارث الـ # أصغر و الأعرج خير الأنام

ثم لهند و لهند فقد # أسرع في الخيرات منه إمام

خمسة آباء و هم ما هم # هم خير من يشرب صوب الغمام‏

فردّدتها حتى حفظها عبد الملك. فقال الأخطل: من هذا يا أمير المؤمنين؟قال: هذا الشعبيّ. قال فقال: صدق و اللّه يا أمير المؤمنين، النابغة و اللّه أشعر منّي. فقال الشعبيّ: ثم أقبل عليّ فقال: كيف أنت يا شعبيّ؟قلت: بخير يا أمير المؤمنين فلا زلت به. ثم ذهبت لأضع معاذيري لما كان من خلافي‏[1]على الحجاج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث؛ فقال: مه‏[2]!إنّا لا نحتاج إلى هذا المنطق و لا تراه منّا في قول و لا فعل حتى تفارقنا. ثم أقبل عليّ فقال: ما تقول في النّابغة؟قال قلت: يا أمير المؤمنين، قد فضّله عمر بن الخطّاب في غير موطن على الشعراء [1]كذا في «أمالي السيد المرتضى» (ج 3 ص 102 الطبعة الأولى بمطبعة السعادة بالقاهرة) . و في «الأصول» : «... خلافي عن الحجاج» .

[2]مه: اسم فعل بمعنى أكفف. ـ

17

أجمعين، و ببابه وفد غطفان فقال: يا معشر غطفان، أيّ شعرائكم الذي يقول:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # و ليس وراء اللّه للمرء مذهب

/لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانة # لمبلغك الواشي أغشّ و أكذب

و لست بمستبق أخا لا تلمّه # على شعث أيّ الرجال المهذّب‏

قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين. قال: فأيّكم الذي يقول:

فإنك كاللّيل الذي هو مدركي # و إن خلت أن المنتأى عنك واسع

خطاطيف جحن في حبال متينة # تمدّ بها أيد إليك نوازع‏

قالوا: النابغة. قال: فأيّكم الذي يقول:

إلى اين محرّق أعملت نفسي # و راحلتي و قد هدت‏[1]العيون

أتيتك عاريا خلقا ثيابي # على خوف تظنّ بي الظّنون

فألفيت الأمانة لم تخنها # كذلك كان نوح لا يخون‏

قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين. قال: هذا أشعر شعرائكم. قال: ثم أقبل على الأخطل فقال: أ تحبّ أنّ لك قياضا[2]بشعرك شعر أحد من العرب أو[3]تحبّ أنك قلته؟قال: لا و اللّه يا أمير المؤمنين، إلاّ أنّي وددت أن كنت قلت أبياتا قالها رجل منّا، كان و اللّه ما علمت مغدف‏[4]القناع قليل السّماع قصير الذّراع. قال: و ما قال؟فأنشد قصيدته:

إنّ محيّوك فاسلم أيّها الطّلل # و إن بليت و إن طالت بك الطّيل‏[5]

ليس الجديد به‏[6]تبقى بشاشته # إلا قليلا و لا ذو خلّة يصل

و العيش لا عيش إلاّ ما تقرّ به # عين و لا حال إلاّ سوف تنتقل

إن ترجعي من أبي عثمان منجحة[7] # فقد يهون على المستنجح العمل

و الناس من يلق خيرا قائلون له # ما يشتهي و لأمّ المخطئ الهبل

قد يدرك المتأنّي بعض حاجته # و قد يكون مع المستعجل الزلل‏

حتى أتى على آخرها. قال الشعبيّ: فقلت: قد قال القطاميّ أفضل من هذا. قال: و ما قال؟قلت قال:

[1]أصله «هدأت» بالهمز، فسهلت الهمزة ثم حذفت لالتقاء الساكنين.

[2]كذا في «جـ» و «أمالي السيد المرتضى» . و في سائر الأصول: «نياطا» و هو تحريف.

[3]كذا في «أمالي السيد المرتضى» . و في الأصول: «أم تحب» .

[4]كذا في «أمالي السيد المرتضى» . و قد وردت هذه الكلمة في «الأصول» محرفة؛ ففي بعضها: «مفرق القناع» ، و في بعضها: «مغرف القناع» . و إغداف القناع: إرساله على الوجه.

[5]الطلل: ما شخص من آثار الديار. و الطيل: جمع طيلة و هي الدهر.

[6]الضمير في «به» للدهر في بيت قبل هذا البيت و هو:

كانت منازل منا قد نحل بها # حتى تغير دهر خائن خبل‏

[7]الخطاب لناقته. و منجحة: ظافرة. و المستنجح: طالب النجاح.

18

طرقت

جنوب رحالنا من مطرق # ما كنت أحسبها قريب المعنق‏[1]

/قطعت إليك بمثل جيد جداية[2] # حسن معلّق تومتيه مطوّق

و مصرّعين من الكلال كأنما # شربوا[3]الغبوق من الرّحيق المعرق

متوسّدين ذراع‏[4]كلّ نجيبة # و مفرّج عرق المقذّ منوّق

و جثت‏[5]على ركب تهدّ بها الصّفا # و على كلاكل كالنّقيل المطرق

و إذا سمعن إلى هماهم‏[6]رفقة # و من النجوم غوابر[7]لم تخفق

جعلت تميل خدودها آذانها # طربا بهنّ إلى حداء السّوق

كالمنصتات إلى الغناء سمعنه # من رائع لقلوبهن مشوّق

و إذا نظرن إلى الطريق رأينه # لهقا[8]كشاكلة الحصان الأبلق

و إذا تخلّف بعدهنّ لحاجة # حاد يشسع نعله‏[9]لم يلحق

/و إذا يصيبك و الحوادث جمّة # حدث حداك إلى أخيك الأوثق

/لئن الهموم عن الفؤاد تفرّقت‏[10] # و خلا التّكلّم للّسان المطلق‏

قال: فقال عبد الملك: هذا و اللّه أشعر، ثكلت القطاميّ أمّه!. قال: فالتفت إليّ الأخطل فقال: يا شعبيّ، إن لك [1]و في الأصول: «قريب المعنق» . و التصويب من «ديوان القطامي» و «أمالي السيد المرتضى» و «لسان العرب» . و المعنق: المكان الذي أعنقت منه. يقول: لم أظن أنها تقدر على أن تعنق و تسرع من هذا المكان. و العنق: ضرب من السير سريع؛ يقال عانق و أعنق إذا أسرع.

[2]الجداية (بالفتح و يكسر) : الغزال. و التومة (بالضم) : اللؤلؤة، و القرط فيه حبة كبيرة.

[3]في الأصول: «سمر و الغبوق من الرحيق المغبق» . و التصويب من «الديوان» و «لسان العرب» (مادة عرق) . و فيهما «الطلاء» بدل الرحيق. و الكلال: الإعياء و التعب. و الغبوق: ما يشرب بالعشي، و هو أيضا الشرب بالعشي. و الرحيق: من أسماء الخمر.

و المعرق: القليل الماء؛ يقال: أعرقت الكأس و عرّقتها (بتشديد الراء) إذا أقللت ماءها.

[4]في «لسان العرب» (مادة فرج) : «زمام كل نجيبة» : و النجيبة من الإبل: الكريمة. و المفرج: ما بان مرفقه عن إبطه، و هي صفة ممدوحة في الإبل. و المقذ: ما خلف الأذن. و عرق (بضم ففتح) : كثير العرق. و بعير منوّق: مذلل كأنه ناقة، أو هو الذي قد اختير و تنوّق فيه.

[5]جثا يجثو و جثى يجثي جثوا و جثيا (على فعول فيهما) : جلس على ركبتيه. و الصفا: جمع صفاة و هي الحجر الصلد الضخم.

و الكلاكل: الصدور، واحدها كلكل. و النقيل: رقاع النعل و الخف، واحدتها نقيلة. و المطرق: الذي وضع بعضه فوق بعض، أي هي شديدة كأنها نعال مرقعة.

[6]رواية «الديوان» : «فإذا سمعن هماهما من رفقة» . و الهماهم: جمع همهمة و هي الكلام الخفي أو ترديد الصوت في الصدر.

[7]كذا في «الديوان» . و غوابر: بواق. تخفق: تغيب. و في الأصول: «غوائر لم تلحق» .

[8]كذا في «جـ» و «الديوان» . و في سائر الأصول: «كهفا» و هو تحريف. و اللهق (بكسر الهاء و فتحها) : الشديد البياض. و الشاكلة:

الخاصرة. و الأبلق من الخيل: الذي ارتفع تحجيله إلى فخذيه.

[9]شسع نعله (بالتشديد) : جعل لها شسعا. و مثله شسع (بالتخفيف) و أشسع. و الشسع (بالكسر) : أحد سيور النعل، و هو الذي يدخل بين الأصبعين و يدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل.

[10]كذا في «الديوان» . و فيه «تفرجت» بدل «تفرقت» . و جواب القسم في البيت الذي بعده و هو:

لأعلقن على المطي قصائدا # أذر الرواة بها طويلى المنطق‏

و في «الأصول» : «ليت الهموم... » .

19

فنونا في الأحاديث، و إنما لنا فنّ واحد؛ فإن رأيت ألاّ تحملني على أكتاف قومك فأدعهم حرضا[1]!. فقلت: لا أعرض لك في شي‏ء من الشعر أبدا، فأقلني في هذه المرّة. قال: من يتكفّل بك؟قلت: أمير المؤمنين. فقال عبد الملك: هو عليّ ألاّ يعرض لك أبدا؛ ثم قال: يا شعبيّ، أيّ نساء الجاهليّة أشعر؟قلت: خنساء. قال: و لم فضّلتها على غيرها؟قلت: لقولها:

و قائلة و النّعش‏[2]قد فات خطوها # لتدركه يا لهف نفسي على صخر

ألا ثكلت أمّ الذين غدوا به # إلى القبر!ما ذا يحملون إلى القبر

فقال عبد الملك: أشعر منها و اللّه التي تقول‏[3]:

# مهفهف‏[4]الكشح و السربال منخرق

عنه القميص لسير الليل محتقر # /لا يأمن الناس ممساه و مصبحه

في كلّ فجّ و إن لم يغز ينتظر[5]

ثم قال: يا شعبيّ، لعلّك شقّ عليك ما سمعت. قلت: إي و اللّه يا أمير المؤمنين أشدّ المشقّة. إني أحدّثك منذ شهرين لم أفدك‏[6]إلاّ أبيات النابغة في الغلام. قال: يا شعبيّ، إنما أعلمتك هذا لأنه بلغني أنّ أهل العراق يتطاولون على أهل الشام، يقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة فلم يغلبونا على العلم و الرواية؛ و أهل الشأم أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق؛ ثم ردّ عليّ الأبيات أبيات ليلى‏[7]حتى حفظتها، و لم أزل عنده؛ فكنت أوّل داخل و آخر خارج. قال: فمكثت كذلك سنين‏[8]، و جعلني في ألفين من العطاء و عشرين رجلا من ولدي و أهل بيتي في ألفين ألفين؛ فبعثني إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر و كتب إليه: يا أخي، إني قد بعثت إليك الشعبيّ، فانظر هل رأيت مثله قطّ؟!ثم أذن فانصرفت.

[1]الحرض (بالتحريك) الردي‏ء من الناس. يريد: أجعلهم بهجائي من أراذل الناس. و الحرض يوصف به المفرد مذكرا و مؤنثا و المثنى و الجمع بلفظ واحد لأنه مصدر. و يقال رجل حرض (بكسر الراء) و حارض؛ و هذان الوصفان مؤنثان و يثنيان و يجمعان.

[2]في الأصول: «و الناس» . و التصويب من «أمالي السيد المرتضى» (ج 3 ص 105) .

[3]هي ليلى أخت المنتشر بن وهب الباهلي-و قيل الدعجاء أخته-ترثيه بقصيدة منها هذان البيتان. و الذي في «الكامل» للمبرد أن هذين البيتين من قصيدة لأعشى باهلة يرثي بها المنتشر هذا.

[4]مهفهف الكشح: ضامره. و هفهفة السربال: رقته و خفته. و منخرق عنه القميص أي «لا يبالي كيف كانت ثيابه لأنه لا يزين نفسه، إنما يزين حسبه و يصون كرمه. و قيل معناه أنه غليظ المناكب، و إذا كان كذلك أسرع الخرق إلى قميصه. و قيل:

أرادت أنه كثير الغزوات متصل الأسفار؛ فقميصه منخرق لذلك» . بهذا شرح أبو زكريا التبريزي قول ليلى الأخيلية في «ديوان الحماسة» :

و مخرّق عنه القميص تخاله # وسط البيوت من الحياء سقيما

[5]رواية «الكامل» للشطر الأوّل من البيت الأوّل:

مهفهف أهضم الكشحين منخرق‏

و للشطر الثاني من البيت الثاني:

من كل أوب و إن لم يأت ينتظر

[6]كذا في «جـ» ، و «أمالي السيد المرتضى» . و «لم أفدك» جملة حالية و في «أ، م» : «إلا أفدك إلا... » و في «ب، س» : «إني إن أحدثك» بزيادة «إن» قبل «أحدثك» .

[7]تراجع الحاشية رقم 4 من ص 25 من هذا الجزء.

[8]في «جـ» : «سنتين» .

20

حديث حسان عنه حين وفد على النعمان:

أخبرني الحسين بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ، و أخبرني ببعضه أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عمر بن شبّة عن أبي بكر الهذليّ قال:

/قال حسّان بن ثابت: قدمت على النّعمان بن المنذر و قد امتدحته، فأتيت حاجبه عصام بن شهبر فجلست إليه، فقال: إنّي لأرى عربيا، أ فمن الحجاز أنت؟قلت نعم. قال: فكن قحطانيّا. فقلت: فأنا قحطانيّ. قال: فكن يثربيا.

قلت: فأنا يثربيّ. قال: فكن خزرجيا. قلت: فأنا خزرجيّ. قال: فكن حسّان بن ثابت. قلت: فأنا هو. قال: أ جئت بمدحة الملك؟قلت نعم. قال: فإني أرشدك: إذا دخلت إليه فإنه يسألك عن جبلة بن الأيهم و يسبّه، فإيّاك أن تساعده على ذلك، و لكن أمرّ ذكره إمرارا لا توافق فيه و لا تخالف، و قل: ما دخول مثلي أيّها الملك بينك و بين جبلة و هو منك و أنت منه!. و إن دعاك إلى الطعام فلا تؤاكله، فإن أقسم عليك فأصب منه اليسير إصابة بارّ قسمه متشرّف بمؤاكلته لا أكل جائع سغب، و لا تطل محادثته، و لا تبدأه بإخبار عن شي‏ء حتى يكون هو السائل لك، و لا تطل الإقامة في مجلسه. فقلت: أحسن اللّه رفدك!قد أوصيت واعيا. و دخل ثم خرج إليّ فقال لي: ادخل. فدخلت فسلّمت و حيّيت تحيّة الملوك. فجاراني من أمر جبلة ما قاله عصام كأنه/كان حاضرا، و أجبت بما أمرني، ثم استأذنته في الإنشاد فأذن لي فأنشدته. ثم دعا بالطعام، ففعلت ما أمرني عصام به، و بالشراب ففعلت مثل ذلك. فأمر لي بجائزة سنيّة و خرجت.

فقال لي عصام: بقيت عليّ واحدة لم أوصك بها، قد بلغني أنّ النابغة الذّبيانيّ قدم‏[1]عليه، و إذا قدم فليس لأحد منه حظّ سواه، فاستأذن حينئذ و انصرف مكرّما خير من أن تنصرف مجفوا، فأقمت ببابه شهرا. ثم قدم عليه الفزاريّان و كان بينهما و بين النعمان دخلل (أي خاصّة) و كان معهما النابغة قد استجار بهما/و سألهما مسألة النعمان أن يرضى عنه.

فضرب عليهما قبّة من أدم، و لم يشعر بأنّ النابغة معهما. و دسّ النابغة قينة تغنّيه بشعره:

يا دار ميّة بالعلياء فالسّند

فلمّا سمع الشعر قال: أقسم باللّه إنه لشعر النابغة!و سأل عنه فأخبر أنه مع الفزاريّين، فكلّماه فيه فأمنه.

و قال أبو زيد عمر بن شبّة في خبره: لمّا صار معهما إلى النعمان كان يرسل إليهما بطيب و ألطاف مع قينة من إمائه، فكانا يأمرانها أن تبدأ بالنابغة قبلهما. فذكرت ذلك للنّعمان، فعلم أنّه النابغة. ثم ألقى عليها شعره هذا و سألها أن تغنّيه به إذا أخذت فيه الخمر، ففعلت فأطربته، فقال: هذا شعر علويّ‏[2]، هذا شعر النابغة!. قال: ثم خرج في غبّ سماء، فعارضه الفزاريّان و النابغة بينهما قد خضب بحنّاء فقنأ[3]خضابه. فلما رآه النّعمان قال: هي بدم كانت أحرى أن تخضب. فقال الفزاريّان: أبيت اللّعن!لا تثريب‏[4]، قد أجرناه، و العفو أجمل. فأمّنه و استنشده أشعاره. فعند ذلك قال حسّان بن ثابت: فحسدته على ثلاث لا أدري على أيتهن كنت له أشدّ حسدا:

على إدناء النّعمان له بعد المباعدة و مسامرته‏[5]له و إصغائه إليه، أم على جودة شعره، أم على مائة بعير من [1]لعله «قادم عليه» .

[2]علوي (بالضم) : نسبة إلى العالية على غير القياس، و هي ما فوق نجد إلى أرض تهامة إلى ما وراء مكة و قرى بظاهر المدينة.

[3]في «الأصول» : «فأفنأ» . و التصويب من كتب اللغة. و قنوه الخضاب: اشتداد حمرته.

[4]التثريب: اللوم و التعيير بالذنب و التذكير به.

[5]في «جـ» : «و مسايرته له» .

21

عصافيره‏[1]أمر له بها.

قال أبو عبيدة: قيل لأبي عمرو: أ فمن مخافته امتدحه و أتاه بعد هربه منه أم لغير ذلك؟فقال: لا لعمر اللّه ما لمخافته فعل، إن كان لآمنا من أن يوجّه النعمان له/جيشا، و ما كانت عشيرته لتسلمه لأوّل وهلة، و لكنه رغب في عطاياه و عصافيره. و كان النابغة يأكل و يشرب في آنية الفضّة و الذهب من عطايا النعمان و أبيه و جدّه، لا يستعمل غير ذلك. و قيل: إنّ السبب في رجوعه إلى النّعمان بعد هربه منه أنه بلغه عليل لا يرجى، فأقلقه ذلك و لم يملك الصبر على البعد عنه مع علّته و ما خافه عليه و أشفق من حدوثه به، فصار إليه و ألفاه محمولا[2]على سريره ينقل ما بين الغمر و قصور الحيرة. فقال لعصام بن شهبر حاجبه-فيما أخبرنا به اليزيديّ عن عمّه عبيد اللّه و ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل-:

صوت‏

أ لم أقسم عليك لتخبرنّي # أ محمول على النّعش الهمام

فإنّي لا ألومك في دخولي # و لكن ما وراءك يا عصام

فإن يهلك أبو قابوس‏[3]يهلك # ربيع النّاس و الشهر الحرام

و نمسك‏[4]بعده بذناب عيش # أجبّ الظهر ليس له سنام‏

غنّاه حنين ثقيلا أوّل بالبنصر عن حبش.

قال أبو عبيدة: كانت ملوك العرب إذا مرض/أحدهم حملته الرجال على أكتافها يتعاقبونه، فيكون كذلك على أكتاب الرجال، لأنه عندهم أوطأ من الأرض.

/و قوله:

فإني لا ألومك في دخولي‏

أي لا ألومك في ترك الإذن لي في الدخول، و لكن أخبرني بكنه أمره. و قوله:

ربيع الناس و الشهر الحرام‏

يريد أنه كالربيع في الخصب لمجتديه، و كالشهر الحرام لجاره، لا يوصل إلى من أجاره كما لا يوصل في الشهر الحرام إلى أحد.

[1]العصافير: إبل نجائب كانت للملوك.

[2]في «الأصول» : مجموما على سريره و هو تحريف.

[3]أبو قابوس: كنية النعمان بن المنذر.

[4]نمسك معطوف على جواب الشرط في البيت الذي قبله، فيجوز فيه الجزم بالعطف، و النصب بأن مقدرة، و الرفع على الاستئناف.

و يروى: «و نأخذ بعده» . و ذناب كل شي‏ء (بكسر أوّله) : عقبه و مؤخره. و أجب الظهر: مقطوع السنام، كأن سنامه قد جب أي قطع من أصله، يقال: بعير أجب، و ناقة جباء. يقول: و نمسك بعده بطرف عيش قليل الخير بمنزلة البعير المهزول الذي ذهب سنامه و انقطع لشدّة هزاله. و الأحسن في «الظهر» الجر بالإضافة، و يجوز في مثله الرفع على قبح، و النصب على ضعف. قال ابن مالك في الكافية:

و الرفع و النصب حكوا و الجرا # في قول من قال أجب الظهرا

22
صوت‏

مما يغنى فيه من شعره:

رأيتك ترعاني‏[1]بعين بصيرة # و تبعث حراسا عليّ و ناظرا[2]

فآليت‏[3]لا آتيك إن كنت مجرما # و لا أبتغي جارا سواك مجاورا

و أهلي فداء لامرئ إن أتيته‏[4] # تقبّل معروفي و سدّ[5]المفاقرا[6]

ألا أبلغ النّعمان حيث لقيته # و أهدي له اللّه الغيوث البواكرا

غنّاه خليد[7]الواديّ رملا بالبنصر من رواية حبش.

/و مما يغنّى فيه من قصائد النابغة التي يعتذر فيها إلى النعمان:

صوت‏

يا دار ميّة بالعلياء فالسّند # أقوت و طال عليها سالف الأمد

وقفت فيها أصيلانا أسائلها # أعيت جوابا و ما بالرّبع من أحد

إلا الأواريّ لأيا ما أبيّنها # و النّؤى كالحوّض بالمظلومة الجلد

ردّت عليه أقاصيه و لبّده # ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد[8]

خلّت سبيل أتيّ كان يحبسه # و رفّعته إلى السّجفين فالنّضد

أضحت خلاء و أضحى و أضحى أهلها احتملوا # أخنى عليها الذي أخنى على لبد

الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه لجميلة ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو و حبش.

قال الأصمعيّ: قوله «يا دار ميّة» يريد أهل دار ميّة، كما قال امرؤ القيس:

ألاعم صباحا أيّها الطّلل البالي‏

يريد أهل الطلل. و قال الفرّاء. إنما نادى الدار لا أهلها أسفا عليها و تشوّقا إلى أهلها و تمنّيه أن تكون أهلا.

[1]ترعاني: تحرسني و تحفظني.

[2]في «شرح لديوانه» (طبع المطبعة الوهبية بمصر سنة 1293 هـ) : «و ناصرا» .

[3]آليت: أقسمت. و مجرما: مذنبا، يقال: جرم فهو جارم، و أجرم فهو مجرم. بقول: أقسمت لا آتيك حتى أعتبك و أرضيك.

و يروي «محرما» بالحاء المهملة. أي لا آتيك و معي حرمة من أحد. و قيل: معنى «محرم» داخل في الشهر الحرام، و من دخل في الشهر الحرام أمن. أي لا آتيك في الشهر الحرام من خوفك و لكني آتيك في شهور الحل و أنا آمن بأمانك.

[4]في بعض نسخ «الديوان» : «إذ أتيته» . قال الوزير أبو بكر عاصم بن أيوب البطليوسي: رواية الطوسي «إذ أتيته» و فسره فقال: «إذ لما مضى، و هو الآن غائب عنه، فأخبر بإتيانه إياه فيما مضى و إحسانه إليه» .

[5]يريد بمعروفه الذي تقبله ثناءه عليه و مدحه إياه.

[6]يقال: سدّ اللّه مفاقره أي أغناه و سد وجوه فقره، لا واحد له من لفظه، و قيل: هو جمع فقر على غير قياس، كحسن و محاسن.

[7]هو خليد بن عتيك أحد المغنين بوادي القرى. (راجع ص 280 س 12 ج 6 من هذه الطبعة) .

[8]الكلام على حذف مضاف أي في موضع الثأد، و موضع الثأد التراب الندي المبلول، و هو إذا ضرب بالمسحاة التصق بعضه ببعض و انخفض.

23

و العلياء: المكان المرتفع بناؤه، يقال من ذلك علا يعلو و علي يعلى، مثل حلا يحلو و حلي، و سلا يسلو و سلي يسلي. و السّند: سند الجبل و هو ارتفاعه حيث يسند فيه أي يصعد. أقوت: أقفرت و خلت من أهلها. و قال أبو عبيدة في قوله يا دارميّة ثم قال أقوت و لم يقل أقويت: إنّ من شأن العرب أن يخاطبوا الشي‏ء ثم يتركوه و يكفّوا عنه.

و روي الأصمعيّ «أصيلانا[1]» و هو/تصغير أصلان‏[2]. و يروي «عيّت‏[3]جوابا» أي عييت بالجواب. و الأواريّ:

جمع آري‏[4]. و لأيا: بطءا. و المظلومة: التي لم يكن فيها أثر فحفر أهلها فيها حوضا، و ظلمهم إيّاها إحداثهم فيها ما لم يكن فيها. شبّه النّؤى بذلك الحوض لاستدارته. و الجلد: الأرض الصّلبة الغليظة من غير حجارة. و إنما جعلها جلدا لأنّ الحفر فيها لا يسهل. و قوله «ردّت عليه‏[5]أقاصيه» يعني أمة فعلت ذلك، أضمرها و لم يكن جرى لها ذكر. و أقاصيه: يعني أقاصي النّؤي على أدناه ليرتفع. و لبّده: طأمنه‏[6]. و الوليدة: الأمة الشابّة. و الثأد: النّدى.

و السبيل: الطريق. و الأتيّ: النهر المحفور، و الأتيّ: السيل من حيث كان. يقول: لمّا/أفسدت طريق الأتيّ سهّلت له طريقا حتى جرى. و رفعته أي قدّمت الحفر إلى موضع السجفين، و ليس رفعته هاهنا من ارتفاع العلوّ[7].

و السّجفان: ستران رقيقان يكونان في مقدّم البيت. و النّضد: /ما نضد من المتاع. و أخنى: أفسد[8]. و لبد. آخر نسور لقمان التي اختار أن يعمّر مثل أعمارها، و له حديث ليس هذا موضعه.

صوت‏

أسرت‏[9]عليه من الجوزاء سارية # تزجي الشمال عليه جامد البرد[10]

فارتاع من صوت كلاّب فبات له # طوع الشّوامت من خوف و من صرد

فبثّهن‏[11]عليه و استمرّ به # صمع الكعوب بريّات من الحرد

[1]و يروى «أصيلالا» بابدال النون لاما. و يروى «أصيلا كي أسائلها» . و يروى «طويلا كي أسائلها» .

[2]أصلان: قيل: إنه جمع أصيل و هو العشي، كرغيف و رغفان. و رد هذا القول بأنه لو كان جمع كثرة لما صح تصغيره، إذ يدل بصيغته على التكثير و بتصغيره على التقليل، فيكون المرء مكثرا مقللا، و هذا لا يكون، و أن الصحيح أنه مفرد بني من الأصيل على وزن الغفران و التكلان.

[3]هذه هي الرواية الصحيحة، يقال: عيّ بالجواب (بالإدغام) و عي بالجواب (بالتصحيح) . و أما أعيا ففي المشي، يقال: أعيا الرجل في المشي فهو معي. و في «لسان العرب» في الكلام على هذا البيت: «و لا ينشد أعيت جوابا» .

[4]الأريّ: الآخية التي تشدّ بها الدابة.

[5]و يروي: «ردت» بضم الراء بالبناء للمفعول. و تنتفي على هذه الرواية ضرورة تسكين الياء في «أقاصيه» ، و ضرورة إضمار الفاعل من غير أن يجري له ذكر.

[6]طامنه: خفضة و سكنه.

[7]قال البطليوسي في شرحه «لديوانه» : «معنى البيت أن الأمة لما خافت من السيل على بيتها خلت سبيل الماء في الأتي بتنقيتها له من التراب كأنه كان انكبس فكنسته و محت ما فيه من مدر و غير ذلك مما كان يحبس الماء فيه حتى بلغت بحفرها إلى موضع السجفين... و الهاء في رفعته تعود على النؤى أي قدمت النؤى حتى بلغت إلى سجفي البيت لتقى السجفين و متاع البيت من السيل» .

[8]قال التبريزي في «شرح المعلقات» : «أخنى: فيه قولان، أحدهما أن المعنى: أتى عليها. و القول الآخر، و هو الجيد، أن المعنى أفسد، لأن الخنا الفساد و النقصان» .

[9]هذه رواية الأصمعي، و يروي أيضا: «سرت» بدون ألف و هي المناسبة لقوله «سارية» . و يرى الأصمعي أنه جاء باللغتين.

[10]البرد (بالتحريل) : حب الغمام.

[11]بثهن: فرقهن. و فاعل «استمر» «صمع الكعوب» أي مضت به كعوبه الصمع. يريد أنه جدّ و أسرع.

24

و كان ضمران‏[1]منه حيث يوزعه # طعن المعارك عند المحجر النّجد

شكّ الفريصة بالمدرى فأنفذها # طعن المبيطر إذ يشفى من العضد

غنى فيه إبراهيم الموصليّ هزجا بالبنصر من رواية عمرو بن بانة. و فيه لحن لمالك. يعني أنّ سحابة مرّت عليه ليلا و أن أنواء الجوزاء أسرت عليه بها. و تزجي: تسوق و تدفع. عليه أي على الثور[2]. و الكلاّب: صاحب الكلاب. و قوله «بات له طوع/الشوامت» أي بات له ما يسرّ السوامت اللّواتي شمتن‏[3]به. و صمع الكعوب: يعني قوائمه أنها لازقة محدّدة الأطراف ليست برهلات. و أصل الصّمع رقّة الشي‏ء و لطافته. و الحرد[4]: داء يعيبه، يقال بعير أحرد، و ناقة حرداء. و المحجر: الملجأ. و النّجد[5]: الشجاع. و الفريصة: مرجع الكتف إلى الخاصرة و المدري: القرن.

و المبيطر: البيطار. و العضد: داء يأخذ في العضد.

و في لحن إبراهيم الموصليّ بعد «فارتاع من صوت كلاّب» :

كأنّ رحلي و قد زال النّهار بنا # يوم الجليل على مستأنس‏[6]وحد

من وحش وجرة موشيّ أكارعه # طاوي المصير كسيف الصّيقل الفرد

قال الأصمعيّ: زال النهار بنا أي انتصف. و «بنا» هاهنا في موضع «علينا» . و من روى «مستوجس» فإنه يعني أنه قد أوجس شيئا خافه‏[7]فهو يستوجس. و الجليل‏[8]: الثّمام، واحدته جليلة. و وجرة: طرف السّيّ‏[9]و هي فلاة بين مرّان و ذات عرق و هي/ستون ميلا يجتمع فيها الوحش. و موشيّ أكارعه أي أنه أبيض في قوائمه نقط سود و في وجهه سفعة[10]. و طاوي المصير: ضامر. و المصير المعى، و جمعه المصران. و الفرد: المنقطع القرين، يقال:

فرد و فرد و فرد.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ قال:

[1]ضمران: اسم كلب: و كان الرياشي يرويه بالفتح عن الأصمعي. و يوزعه: يغريه. أي كان الكلب من الثور بالمكان الذي يغريه الكلاب، كما تقول للرجل: أنا حيث يحب. و نصب طعن بمحذوف أي طعنه طعن المعارك. و المعارك: المقاتل. يريد أنه لما دنا الكلب من الثور طعنه الثور فنشب في قرنه. و إذا ففي الكلام إيجاز بالحذف.

[2]الثور المذكور في قوله: «كأن رحلى... إلخ» البيتين الآتيين، و هما مذكوران في «الديوان» قبل هذا البيت.

[3]هذا الشرح الذي ذكره المؤلف إنما هو على رواية «طوع الشوامت» بالرفع. قال ابن السكيت في بيان هذه الرواية: يقول بات له ما أطاع شامته من البرد و الخوف أي بات له ما تشتهي شوامته. قال: و سرورها به هو طوعها، و من ذلك يقال: اللهم لا تطيعن بي شامتا أي لا تفعل بي ما يحب فتكون كأنك أطعته. و يروي «طوع الشوامت» بالنصب. و الشوامت على هذه الرواية هي القوائم، واحدتها شامتة. يقول: فبات له الثور طوع شوامته أي قوائمه أي بات قائما. (راجع «لسان العرب» في مادة شمت) .

[4]الحرد: استرخاء عصب في يدي البعير من شد العقال و ربما كان خلقه. و إذا كان به هذا الداء نفض يديه و ضرب بهما الأرض ضربا شديدا.

[5]هذا على رواية ضم الجيم، و هو حينئذ صفة للمعارك. و يروي «النجد» بكسر الجيم وصفا من النجد (بالتحريك) و هو العرق من عمل أو كرب أو غيره. و هو على هذه الرواية يكون وصفا للمحجر، أي المحجر المكروب.

[6]قال ابن الأعرابي: الاستئناس: النظر و التوجس كأنه يخاف الإنس.

[7]في «الأصول» : «عاقه» و هو تحريف.

[8]و الجليل أيضا: اسم موضع ينبت فيه الثمام، و لعله هو المراد.

[9]السيّ (بكسر أوله) : موضع بتلك الجهة التي ذكرها المؤلف.

[10]السفعة: السواد أو هي سواد مشرب حمرة.

25

غنّى مخارق بين يدي الرشيد:

سرت عليه من الجوزاء سارية

فلمّا بلغ إلى قوله:

فارتاع من صوت كلاّب فبات له‏

قال: فارتاع (بضم العين) ، فأردت أن أردّ عليه خطأه، ثم خفت أن يغضب الرشيد و يظنّ أنّي حسدته على منزلته منه و أردت إسقاطه. فالتفت إليه بعض من حضر-أظنّه قال محمد بن عمر الروميّ-فقال له: ويلك يا مخارق!أ تغنّي بمثل هذا الخطأ القبيح لسوقة فضلا عن الملوك!ويلك!/لو قلت: «فارتاع» كان أخفّ على اللسان و أسهل من قولك «فارتاع» . فخجل مخارق، و كفيت ما أردته بغيري. قال: و كان مخارق لحّانا.

و منها:

صوت‏

قالت ألا ليتما هذا الحمام‏[1]لنا # إلى حمامتنا و نصفه فقد

يحفّه جانبا نيق و تتبعه # مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد

/فحسبوه فألفوه كما حسبت‏[2] # تسعا و تسعين لم تنقص و لم تزد

فكمّلت مائة فيها حمامتها # و أسرعت حسبة في ذلك العدد

غنّاه ابن سريج خفيف ثقيل عن الهشاميّ. هذا خبر روي عن زرقاء اليمامة[3]، و يروى عن بنت الخسّ‏[4].

أخذ معنى لزرقاء اليمامة

:

حدثنى محمد بن العباس اليزيدي قال سمعت أبا العباس محمد بن الحسن الأحول يقول: هذا أخذه النابغة من زرقاء اليمامة، قالت:

ليت الحمام ليه # و نصفه قديه‏[5]

إلى حمامتيه # تمّ الحمام ميه‏

فسلخه النابغة. و قال الأصمعيّ: سمعت أناسا من أهل البادية يتحدّثون أنّ بنت الخسّ كانت قاعدة في جوار، فمرّ بها قطا وارد في مضيق من الجبل، فقالت:

يا ليت ذا القطاليه # و مثل نصف معيه

إلى قطاة أهليه # إذا لنا قطا ميه‏

[1]يروي بنصب الحمام على أن «ليت» عاملة، و يروي بالرفع على أنها مكفوفة عن العمل بما.

[2]و يروي: «كما زعمت» .

[3]زرقاء اليمامة: امرأة من بقايا طسم و جديس كانت حديدة النظر و كانوا يزعمون أنها تبصر مسيرة ثلاثة أيام.

[4]بنت الخس: امرأة من إياد كانت مشهورة بالفصاحة، اسمها هند، و قيل: جمعة.

[5]قديه: حسبي، و الهاء الساكنة للسكت.

26

و أتبعت فعدّت على الماء فإذا هي ستّ و ستّون. و قوله: «فقد» أي فحسب. و يحفّه‏[1]أي يكون من ناحية هذا الثّمد، يقال: حفّ القوم بالرجل أي اكتنفوه. /و النّيق: الجبل. و مثل الزجاجة: يريد عينا صافية كصفاء الزجاجة.

الحسبة: الهيئة التي تحسب، يقال: ما أحسن حسبته، مثل الجلسة و اللّبسة و الرّكبة.

و منها:

صوت‏

نبّئت أنّ أبا قابوس أو عدني # و لا قرار على زأر من الأسد

مهلا فداء لك الأقوام كلّهم # و ما أثّر من مال و من ولد

إن كنت قلت الذي بلّغت معتمدا # إذا فلا رفعت سوطي إليّ يدي

هذا الثناء فإن تسمع به حسنا # فلم أعرّض أبيت اللّعن بالصّفد

غنّاه الهذليّ، و لحنه من الثقيل الأوّل عن الهشاميّ. أثّر: أصلح و أجمع. و الزّأر: صياح الأسد، يقال: زأر زئيرا و هو الزأر. و الصّفد[2]: العطيّة، يقال: أصفده يصفده إصفادا إذا أعطاه، و صفده يصفده صفدا[3]إذا أوثقه.

رواية أخرى في حديث حسان عنه حين وفد على النعمان‏

:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني الصّلت بن مسعود قال حدّثنا أحمد بن شبّويه عن سليمان بن صالح عن عبد اللّه بن المبارك عن فليح بن سليمان عن رجل قد سمّاه عن حسّان بن ثابت، و نسخت من كتاب ابن أبي خيثمة عن أبيه عن مصعب الزبيريّ قال قال حسّان بن ثابت، و أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني عمّي يوسف بن محمد عن عمه إسماعيل/بن أبي محمد قال قال أبو عمرو الشيبانيّ قال حسان بن ثابت-و قد جمعت رواياتهم و ذكرت اختلافهم فيها، و أكثر اللفظ للجوهريّ-قال: خرجت إلى النّعمان بن المنذر، فلقيت رجلا-و قال اليزيديّ في خبره: فلقيت صائغا من أهل فدك-فلما رآني/قال: كن يثربيا، فقلت: الأمر كذلك. قال: كن خزرجيا، قلت: أنا خزرجيّ. قال: كن نجّاريا، قلت: أنا نجّاريّ. قال: كن حسّان بن ثابت، قلت: أنا هو. فقال: أين تريد؟قلت: إلى هذا الملك. قال: تريد أن أسدّدك إلى أين تذهب و من تريد؟قلت نعم. قال: إن لي به علما و خبرا. قلت: فأعلمني ذلك. قال: فإنك إذا جئته متروك شهرا قبل أن يرسل إليك ثم عسى أن يسأل عنك رأس الشهر، ثم إنك متروك أخر بعد المسألة ثم عسى أن يؤذن لك. فإن أنت خلوت‏[4]به و أعجبته فأنت مصيب منه خيرا، فأقم ما أقمت، فإن رأيت أبا أمامة فاظعن، فلا شي‏ء لك عنده. قال:

فقدمت ففعل بي ما قال الرجل ثم أذن لي و أصبت منه مالا كثيرا و نادمته و أكلت معه. فبينا أنا على ذلك و أنا معه في قبّة له إذا رجل يرتجز حولها:

[1]يريد الشاعر أن جانبي الجبل أحاطا بالحمام فكان الحمام بينهما. قال الأصمعيّ: «إذا كان الحمام بين جانبي نيق ضاق عليه فركب بعضه بعضا أشدّ لعده و جزره، و إذا كان في موضع واسع كان أسهل لعده، فكان أحكم لها إذا أصابته في هذه الحال» . و بهذا يعلم ما في الأصول لشرح كلمة «بحقه» هنا من غموض.

[2]و يقال فيه أيضا الصفد (بسكون الفاء) .

[3]و مثله صفده تصفيدا.

[4]في «الأصول» : «خلوته» . و الذي في كتب اللغة أنّه يقال: خلا الرجل بصاحبه و إليه و معه، إذا اجتمع معه في خلوة.

27

أصمّ أم يسمع ربّ القبّه # يا أوهب الناس لعنس‏[1]صلبه

ضرّابة بالمشفر الأذبّه‏[2] # ذات هباب‏[3]في يديها جلبة[4]

في لاحب‏[5]كأنّه الأطبّه‏

-و في رواية اليزيدي «في يديها خدبة[6]» أي طول و اضطراب. و الأطبّة: جمع طباب‏[7]و هو الشّراك يجمع فيه بين الأديمين في الخرز. و قال عمر بن شبّة في خبره: قال/فليح بن سليمان: أخذت هذا الرجز عن ابن دأب- قال فقال: أ ليس بأبي أمامة؟قالوا بلى. قال: فأذنوا له. و دخل فحيّاه و شرب معه. ثم وردت النّعم السّود، و لم يكن لأحد من العرب بعير أسود يعرف مكانه و لا يفتحل أحد بعيرا أسود غير النعمان. فاستأذنه في أن ينشده كلمته على الباء، فأذن له أن ينشده قصيدته التي يقول فيها:

فإنّك شمس و الملوك كواكب # إذا طلعت لم يبد منهن كوكب‏

و وردت عليه مائة من الإبل السّود الكلبيّة فيها رعاؤها و بيتها و كلبها، فقال: شأنك بها يا أبا أمامة، فهي لك بما فيها. قال حسّان. فما أصابني حسد في موضع ما أصابني يومئذ، و ما أدري أيّما كنت أحسد له عليه: ألما أسمع من فضل شعره، أم ما أرى من جزيل عطائه، فجمعت جراميزي‏[8]و ركبت إلى بلادي. و قد روى الواقديّ عن محمد بن صالح الخبر فذكر أن حسّان قدم على جبلة بن أبي شمر، و لعله غلط. أخبرنا به محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثني عمّي يوسف قال حدّثني عمّي إسماعيل عن الواقديّ عن محمد بن صالح قال:

كان حسّان بن ثابت يقدم على جبلة بن الأيهم سنة و يقيم سنة في أهله. فقال: لو وفدت على الحارث، فإن له قرابة و رحما بصاحبي، و هو أبذل الناس لمعروف، و قد يئس منّي أن أقدم عليه لما يعرف من انقطاعي إلى جبلة.

فخرجت في السنة التي كنت أقيم فيها بالمدينة حتى قدمت على الحارث و قد هيّأت مديحا. فقال لي حاجبه و كان لي ناصحا: إنّ الملك قد سرّ بقدومك/عليه، و هو لا يدعك حتى تذكر جبلة. فإيّاك أن تقع فيه فإنه يختبرك، فإنّك إن وقعت فيه زهد فيك و إن ذكرت محاسنه ثقل عليه، فلا تبتدئ بذكره، فإن سألك عنه فلا تطنب/في الثناء عليه و لا تعبه، امسح ذكره مسحا و جاوزه. و إنه سوف يدعوك إلى الطعام و هو يثقل عليه أن يؤكل طعامه أو يشرب شرابه، فلا تضع يدك في شي‏ء حتى يدعوك إليه. فشكرت له ذلك. ثم دعاني فسألني عن البلاد و الناس و عن عيشنا في الحجاز و كيف ما بيننا من الحرب، و كلّ ذلك أخبره، حتى انتهى إلى ذكر جبلة فقال: كيف تجد جبلة، فقد انقطعت إليه و تركتنا؟فقلت له: إنما جبلة منك و أنت منه، فلم أجر معه في مدح و لا ذمّ، و فعلت في الطعام [1]في جـ، م: «لعيس» . و العنس: الناقة القوية. و العيس من الإبل: التي تضرب إلى الصفرة أو هي البيض مع شقرة يسيرة، واحدها أعيس و الأنثى عيساء.

[2]الأذبة: جمع قلة الذباب.

[3]الهباب (بالكسر) : النشاط و السرعة، يقال: هب يهب (بالكسر) هبا و هبوبا و هبابا إذا نشط و أسرع. و في «الأصول» : «ذات هيات» و هو تصحيف.

[4]كذا في «أ» . و في «سائر الأصول» : «خلبة» بالخاء المعجمة.

[5]اللاحب: الطريق الواضح.

[6]في «أكثر الأصول» : «جذبة» . و التصويب من «أ، م» .

[7]طباب: جمع طبابة (بكسر الطاء) و معناها ما ذكره المؤلّف في تفسير جمعها.

[8]يقال: جمع فلان إليه جراميزه إذا رفع ما انتشر من ثيابه ثم مضى.

28

و الشراب كما قال لي الحاجب. قال: ثم قال لي الحاجب: قد بلغني قدوم النابغة و هو صديقه و آنس به، و هو قبيح أن يجفوك بعد البرّ، فاستأذنه من الآن فهو أحسن. فاستأذنته فأذن لي و أمر لي بخمسمائة دينار و كسا و حملان‏[1]، فقبضتها و انصرفت إلى أهلي.

صوت‏

ملوك و إخوان إذا ما لقيتهم # أحكّم في أموالهم و أقرّب

و لكنّني كنت امرأ لي جانب # من الأرض فيه مستراد و مطلب‏

الغناء لإبراهيم ثقيل أوّل. الجانب هنا: المتّسع من الأرض. و المستراد: المختلف يذهب فيه و يجي‏ء، و يقال: راد الرجل لأهله إذا خرج رائدا لهم في طلب الكلى و نحوه. ثم ذكر مستراده فقال: «ملوك و إخوان» .

و من القصيدة العينيّة:

صوت‏

عفا ذو حسا من قرتنا فالفوارع # فجنبا أريك فالتّلاع الدوافع‏[2]

/فمجتمع الأشراج غيّر رسمها # مصايف مرّت بعدنا و مرابع‏[3]

توهّمت آيات لها فعرفتها # لستّة[4]أعوام و ذا العام سابع

رماد ككحل العين ما إن أبينه‏[5] # و نؤي كجذم الحوض أثلم خاشع‏

غنّاه معبد من رواية حبش رملا بالبنصر.

صوت‏

آذنتنا ببينها أسماء # ربّ ثاو يملّ منه الثّواء

بعد عهد لها ببرقة شمّا # ء فأدنى ديارها الخلصاء

عروضه من الخفيف. آذنتنا: أعلمتنا. و البين: الفرقة. و الثاوي: المقيم، يقال ثوى ثواء. و البرقة: أرض ذات رمل و طين. و شمّاء و الخلصاء: موضعان. الشعر للحارث بن حلّزة اليشكريّ. و الغناء لمعبد، ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو، و من الناس من ينسبه إلى حنين.

[1]الحملان (بالضم) : دواب الحمل في الهبة خاصة.

[2]عفا: درس و امحى، يقال: عفت الدار، و عفت الريح الدار، فهو لازم و متعدّ. و ذو حسا و أريك: موضعان. و فرتنا: اسم امرأة.

و الفوارع: تلال مشرفات المسائل. و في «الأصول» : «فالقوارع» و التصويب من نسخ «الديوان» . و التلاع: جمع تلعة، و هي هنا:

مجرى الماء من أعلى الوادي إلى بطون الأرض. و الدوافع: التي تدفع بالماء إلى الوادي.

[3]الأشراج: جمع شرج (بالفتح و يجمع جمع كثرة على شراج و شروج) و هو مجرى الماء من الحرار إلى السهولة. و المصايف: جمع مصيف من الصيف، و مثله المرابع من الربيع. أي غير رسمها ما يحدث في المصايف و المرابع من رياح و أمطار، أو غيره تعاقبهما عليها و طول اختلافهما.

[4]اللام هنا بمعن «بعد» أي بعد ستة أعوام.

[5]في بعض نسخ «الديوان» : لأيا أبيته» أي أبيته بعد جهد و مشقة. و النؤي: حفير حول الخيمة ليحجز عنها الماء. و جذم كل شي‏ء:

أصله. ذكر الشاعر في هذا البيت بعض الآيات التي توهمها فعرف بها الدار، و هي رماد ككحل العين في سواده، و قلته، و نؤي متثلم متكسر قد ذهب شخصه و لم يبق منه إلاّ ما يبقى من الحوض إذا تهدّم.

29

2-أخبار الحارث بن حلزة و نسبه‏

نسب الحارث بن حلزة:

هو الحارث بن حلّزة بن مكروه بن يزيد[1]بن عبد اللّه بن مالك بن عبد بن سعد بن جشم بن عاصم بن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن/جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.

السبب في قول قصيدته المعلقة:

قال أبو عمرو الشيبانيّ: كان من خبر هذه القصيدة و السبب الذي دعا الحارث إلى قولها أنّ عمرو بن هند الملك، و كان جبّارا عظيم الشأن و الملك، لمّا جمع بكرا و تغلب ابني وائل و أصلح بينهم، أخذ من الحيّين رهنا من كلّ حيّ مائة غلام ليكفّ بعضهم عن بعض، فكان أولئك الرّهن يكونون معه في مسيره و يغزون معه، فأصابتهم سموم في بعض مسيرهم فهلك عامّة التّغلبيّين و سلم البكريّون. فقالت تغلب لبكر: أعطونا ديات أبنائنا، فإن ذلك لكم لازم، فأبت بكر بن وائل. فاجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم و أخبروه بالقصة. فقال عمرو[ابن كلثوم لتغلب: بمن ترون بكرا تعصب أمرها اليوم؟قالوا: بمن عسى إلاّ برجل من أولاد ثعلبة. قال عمرو[2]]: أرى و اللّه الأمر سينجلي عن أحمر أصلج‏[3]أصمّ من بني يشكر. فجاءت بكر بالنّعمان بن هرم أحد بني ثعلبة بن غنم بن يشكر، و جاءت تغلب بعمرو بن كلثوم. فلما اجتمعوا عند الملك قال عمرو بن كلثوم للنعمان بن هرم: يا أصمّ!جاءت بك أولاد ثعلبة تناضل عنهم و هم يفخرون عليك!. فقال النّعمان: و على من أظلت/السماء كلّها يفخرون ثم لا ينكر ذلك. فقال عمرو بن كلثوم له: أما و اللّه لو لطمتك لطمة ما أخذوا لك بها. فقال له النّعمان: و اللّه لو فعلت ما أفلتّ بها قيس أير أبيك. فغضب عمرو بن هند و كان يؤثر بني تغلب على بكر، فقال: يا جارية[4]أعطيه لحيا بلسان‏[5]أنثى (أي سبّيه بلسانك) . فقال: أيها الملك أعط ذلك أحبّ أهلك إليك. فقال: يا نعمان أ يسرّك أنّي أبوك؟قال: لا!و لكن وددت أنّك أميّ فغضب عمرو بن هند غضبا شديدا حتى همّ بالنّعمان. و قام الحارث بن حلّزة فارتجل قصيدته هذه ارتجالا، توكّأ على قوسه و أنشدها و انتظم‏[6]كفّه و هو لا يشعر من الغضب حتى فرغ منها. قال ابن الكلبيّ: أنشد الحارث عمرو بن هند هذه القصيدة و كان به [1]في شرح «المعلقات العشر للتبريزي» : «بديد» .

[2]الزيادة من شرح «المعلقات السبع لابن الأنباري» (نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية رقم 153 أدب ش) و شرح «المعلقات العشر للتبريزي» .

[3]في «شرحي ابن الأنباري و التبريزي للمعلقات» : «أصلع» . و الأصلج: الأصم، و الأصلج في لغة بعض قيس: الأصلع.

[4]كذا في «جـ» . و في «سائر الأصول» : «يا حارثة» و هو تصحيف.

[5]في «الأصول» : لحنا» بالنون، و التصويب من «شرح المعلقات العشر للتبريزي» و «شرح المعلقات السبع لابن الأنباري» . و العبارة فيهما: «أعطيه لحيا بلسان. يقول الحية» .

[6]كذا في «جـ» و «شرح ابن الأنباري و التبريزي للمعلقات» . و انتظم هنا: طعن. يريد: و جرح كفه. و في «م» : «و اقتط» . و في «سائر الأصول» : و اقتطم» .

30

وضح‏[1]، فقيل لعمرو بن هند: إنّ به وضحا، فأمر أن يجعل بينه و بينه ستر. فلمّا تكلّم أعجب بمنطقه، فلم يزل عمرو يقول: أدنوه أدنوه حتى أمر بطرح السّتر و أقعده معه قريبا منه لإعجابه به. هذه رواية أبي عمرو. و ذكر الأصمعيّ نحوا من ذلك و قال: أخذ منهم ثمانين غلاما من كل حيّ و أصلح بينهم بذي المجاز[2]، و ذكر أنّ الغلمان من بني تغلب كانوا معه في حرب فأصيبوا. و قال في خبره: إنّ الحارث بن حلّزة لمّا ارتجل هذه القصيدة بين يدي عمرو قام عمرو بن كلثوم فارتجل قصيدته:

قفي قبل التفرّق يا ظعينا

و غير الأصمعيّ ينكر ذلك و ينكر أنه السبب في قول عمرو بن كلثوم.

/و ذكر ابن الكلبيّ عن أبيه أنّ الصلح كان بين بكر و تغلب عند المنذر بن ماء السماء، و كان قد شرط: أيّ رجل وجد قتيلا في دار قوم فهم ضامنون لدمه، و إن وجد بين محلّتين قيس ما بينهما فينظر أقربهما إليه فتضمن ذلك القتيل. و كان الذي ولي ذلك و احتمى لبني تغلب قيس بن شراحيل بن مرة بن همّام. ثم إنّ المنذر أخذ من الحيّين أشرافهم و أعلامهم فبعث بهم إلى مكة، فشرط بعضهم على بعض و تواثقوا على ألاّ يبقي واحد منهم لصاحبه غائلة و لا يطلبه بشي‏ء مما كان من الآخر من الدّماء. و بعث المنذر معهم رجلا من بني تميم يقال له الغلاّق. و في ذلك يقول الحارث بن حلّزة:

فهلاّ سعيت لصلح الصّديق # كصلح ابن مارية الأقصم‏[3]

/و قيس تدارك بكر العراق # و تغلب من شرّها الأعظم

و بيت شراحيل في وائل # مكان الثّريا من الأنجم

فأصلح ما أفسدوا بينهم # كذلك فعل الفتى الأكرم‏

-ابن مارية هو قيس بن شراحيل. و مارية أمّه بنت الصبّاح بن شيبان من بني هند-فلبثوا كذلك ما شاء اللّه، و قد أخذ المنذر من الفريقين رهنا بأحداثهم، فمتى التوى أحد منهم بحقّ صاحبه أقاد من الرّهن. فسرّح النّعمان بن المنذر ركبا من بني تغلب إلى جبل طيّى‏ء في أمر من أمره، فنزلوا بالطرفة[4]و هي لبنى شيبان و تيم اللات. فذكروا أنهم أجلوهم عن الماء و حملوهم على المفازة، فمات القوم عطشا. فلما بلغ ذلك بني تغلب غضبوا و أتوا عمرو بن هند فاستعدوه على بكر، و قالوا: غدرتم و نقضتم العهد و انتهكتم الحرمة و سفكتم الدّماء و قالت بكر: أنتم الذين فعلتم ذلك، /قذفتمونا بالعضيهة[5]و سمّعتم الناس بها، و هتكتم الحجاب و السّتر بادّعائكم الباطل علينا قد سقيناهم إذ وردوا، و حملناهم على الطريق إذ خرجوا، فهل علينا إذ حار القوم و ضلّوا!. و يصدّق ذلك قول الحارث بن حلّزة:

لم يغرّوكم غرورا و لكن # يرفع‏[6]الآل جرمهم و الضّحاء

[1]الوضح هنا: البرص.

[2]ذو المجاز: «موضع سوق من أسواق العرب بعرفة.

[3]الأقصم: المكسور الثنية من النصف.

[4]لم نجد هذا الاسم في «كتب البلدان» .

[5]العضيهة: الإفك و البهتان و القالة القبيحة.

[6]في «الأصول» : «يدفع» بالدال، و التصويب من «المعلقات» . و الآل: السراب، و هو ما يرى كالماء نهارا بين السماء و الأرض يرفع الشخوص. و قيل: الآل ما كان في الضحى و العشي، و السراب ما كان نصف النهار. و الضحاء: ارتفاع النهار. يقول: ما أتوكم على-

31

كان أبو عمرو الشيباني يعجب لارتجاله معلقته في موقف واحد، و شرح أبيات منها:

و قال يعقوب بن السّكّيت: كان أبو عمرو الشيبانيّ يعجب لارتجال الحارث هذه القصيدة في موقف واحد و يقول: لو قالها في حول لم يلم. قال: و قد جمع فيها ذكر عدّة من أيّام العرب عيّر ببعضها بني تغلب تصريحا، و عرّض ببعضها لعمرو بن هند، فمن ذلك قوله:

أ علينا جناح كندة أن يغـ # نم غازيهم و منّا الجزاء

قال: و كانت كندة قد كسرت الخراج على الملك، فبعث إليهم رجالا من بني تغلب يطالبونهم بذلك، فقتلوا و لم يدرك بثأرهم، فعيّرهم بذلك. هكذا ذكر الأصمعيّ. و ذكر غيره أنّ كندة غزتهم فقتلت و سبت و استاقت، فلم يكن في ذلك منهم‏[1]شي‏ء و لا أدركوا ثأرا. قال: و هكذا البيت الذي يليه و هو:

أم علينا جرّى‏[2]قضاعة أم ليـ # س علينا فيما جنوا أنداء[3]

/فإنه عيّره بأن قضاعة كانت غزت بني تغلب ففعلت بهم فعل كندة، و لم يكن منهم في ذلك شي‏ء و لا أدركوا منهم ثأرا. قال: و قوله:

أم علينا جرّى حنيفة أم ما # جمّعت من محارب غبراء[4]

قال: و كانت حنيفة محالفة لتغلب على بكر، فأذكر الحارث عمرو بن هند بهذا البيت قتل شمر بن عمرو الحنفيّ أحد بني سحيم المنذر بن ماء السماء غيلة لمّا حارب الحارث بن جبلة الغسّانيّ، و بعث الحارث إلى المنذر بمائة غلام تحت لواء شمر هذا يسأله الأمان على أن يخرج له عن ملكه و يكون من قبله، فركن المنذر إلى ذلك و أقام الغلمان معه، فاغتاله شمر بن عمرو الحنفيّ فقتله غيلة، و تفرّق من كان مع المنذر، و انتهبوا عسكره. فحرّضه بذلك على حلفاء بني تغلب بني حنيفة. قال و قوله:

و ثمانون من تميم بأيديـ # هم رماح صدورهنّ القضاء[5]

/يعني عمرا أحد بني سعد[بن زيد]مناة، خرج في ثمانين رجلا من تميم فأغار على قوم من بني قطن من تغلب يقال لهم بنو رزاح كانوا يسكنون أرضا تعرف بنطاع قريبة من البحرين، فقتل فيهم و أخذ أموالا كثيرة، فلم يدرك منه بثأر. قال: و قوله:

ثمّ خيل‏[6]من بعد ذاك مع الغلاّق و لا رأفة و لا إبقاء -غرة و إنما أتوكم نهارا ظاهرين و أنتم ترونهم، يرفع الآل أشخاصهم و يكشفها الضحاء. و يروي. «يرفع الآل شخصهم» ، و يروي: «جمعهم» .

[1]في «الأصول هنا» : «تغيير» بدل «شي‏ء» ، و قد تكررت هذه العبارة بعد ثلاثة أسطر، فأثبتناها هنا كما وردت هناك.

[2]الجرى (و يمد) : الجناية.

[3]وردت هذه الكلمة محرفة في «الأصول» بين «أتواء» و «أنواء» و «أفراء» و التصويب من «المعلقات» . و الأنداء: جمع ندى، و هو هنا ما يلحق الإنسان من الشر، يقال: ما لحقني من فلان ندى أي شر، و ما نديني من فلان شي‏ء أكرهه أي ما بلني و لا أصابني.

[4]غبراء أي جماعة غبراء، يريد الفقراء و الصعاليك، و قيل لهم غبراء لما عليهم من أثر الفقر و الضر. يريد: أم ما جمعت صعاليك محارب. و الغبراء أيضا: الأرض، و يقال للفقراء بنو غبراء، لأنهم لا مأوى لهم إلاّ الصحراء و ما أشبهها.

[5]القضاء هنا: الموت.

[6]يريد: ثم غزتهم من بعد بني تميم خيل مع الغلاق فقتلت فيهم و لم يدرك منها بثأر. و معنى قوله: لا رأفة و لا إبقاء أي ليس لأصحاب الغلاق رأفة بهم و لا إبقاء عليهم.

32

قال: الغلاّق صاحب هجائن النّعمان بن المنذر، و كان من بني حنظلة بن زيد مناة تميميا.

/و كان عمرو بن هند دعا بني تغلب بعد قتل المنذر إلى الطلب بثأره من غسّان، فامتنعوا و قالوا: لا نطيع أحدا من بني المنذر أبدا!أ يظنّ ابن هند أنّا له رعاء!. فغضب عمرو بن هند و جمع جموعا كثيرة من العرب، فلما اجتمعت آلى ألاّ يغزو قبل تغلب أحدا، فغزاهم فقتل منهم قوما، ثم استعطفه من معه لهم و استوهبوه جريرتهم، فأمسك عن بقيّتهم، و طلّت‏[1]دماء القتلى. فذلك قول الحارث:

من أصابوا من تغلبيّ فمطلو # ل عليه‏[2]إذا تولّى العفاء

ثم اعتدّ على عمرو بحسن بلاء بكر عنده فقال:

من لنا عنده من الخير آيا # ت ثلاث في كلّهن القضاء[3]

آية شارق‏[4]الشّقيقة إذ جا # ءوا جميعا لكل حيّ لواء

حول قيس مستلئمين‏[5]بكبش # قرظيّ كأنه عبلاء

فرددناهم‏[6]بضرب كما يخـ # رج من خربة المزاد الماء

ثم حجرا[7]أعني ابن أمّ قطام # و له فارسيّة[8]خضراء

/أسد في اللّقاء ذو[9]أشبال # و ربيع إن شنّعت‏[10]غبراء

فرددناهم بطعن كما تنـ # هز[11]في جمّة الطّويّ الدّلاء

و فككنا غلّ امرئ القيس عنه # بعد ما طال حبسه و العناء

و أقدناه‏[12]ربّ غسّان بالمنـ # ذر كرها و ما تكال‏[13]الدّماء

[1]طل دمه: أهدر و لم يثأر به، يقال: طل دمه و أطل مبنيين للمفعول. و جوز أبو عبيدة و الكسائي أن يقال: طل دمه مبينا للفاعل.

[2]في «الأصول» : «عليهم» و التصويب من المعلقات. و يروي: «إذا أصيب» بدل «إذا تولى» .

و عليه العفاء: دعاء. و العفاء هنا: الدروس و الهلاك، أي ينسى فيصير كالشي‏ء الدارس.

[3]الآيات: العلامات. و قوله «في كلهن القضاء» أي في كلهن يقضي لنا بولاء الملك.

[4]شارق: جاء من قبل المشرق.

[5]المستلئم: لابس اللاّمة و هي الدرع. و المراد بالكبش هنا الرئيس. و قرظيّ: نسبة إلى البلاد التي ينبت بها القرظ و هي اليمن.

و العبلاء: الصخرة البيضاء.

[6]و يروي: «فجبهناهم» أي تلقينا جباههم بضرب... إلخ. و الخربة هاهنا: عزلاء المزادة (القربة) و هي مسيل الماء منها. فشبه خروج الدم و نزوه من الجروح التي يصيبونهم بها بخروج الماء من أفواه القرب و ثقوبها.

[7]نصب حجر بالنسق على الضمير المتصوب في «فرددناهم» أي ثم رددنا حجرا.

[8]فارسية: يريد كتيبة سلاحها من عمل فارس. و وصفها بالخضرة لكثرة ما تحمل من سلاح.

[9]و يروي: «ورد هموس» و الورد: الذي يضرب لونه إلى الحمرة. و الهموس: المختال الذي يخفي وطأه حتى يأخذ فريسته.

[10]شنعت: جاءت بأمر شنيع. و الغبراء هنا: السنة التي لا مطر بها.

[11]نهز الدلاء: تحريكها لتمتلئ، يقال: نهزت بالدلو في البئر إذا ضربت بها في الماء لتمتلئ، و نهزتها إذا نزعت بها. و الجمة (بالفتح) : المكان الذي يجتمع فيه الماء، و الجمة (بالضم) : الماء الكثير أو معظم الماء. و الطويّ: البئر المطوية، أي المبنية بالحجارة.

[12]أقدت القاتل بالقتيل: قتلته به. و رب غسان: ملكها.

[13]في «الأصول» : «و ما تطل الدماء» ، و التصويب من «المعلقات» . و معنى «و ما تكال الدماء» أي لا تحصى لكثرتها، أو لا يقام لها كيل و لا وزن فتذهب هدرا. و يروى: «إذ ما تكال» .

33

و فديناهم بتسعة أملا # ك كرام أسلابهم‏[1]أغلاء

[و مع الجؤن‏[2]جون آل بني الأو # س عنود[3]كأنها دفواء]

يعني بهذه الأيّام أيّاما كانت كلها لبكر مع المنذر، فمنها يوم الشّقيقة و هم قوم من شيبان جاءوا مع قيس بن معد يكرب و معه جمع عظيم من أهل اليمن يغيرون على إبل لعمرو بن هند، فردّتهم بنو يشكر و قتلوا فيهم، و لم يوصل إلى شي‏ء من إبل عمرو بن هند. و منها يوم غزا حجر الكنديّ، و هو حجر بن أمّ قطام، امرأ القيس و هو/ماء السماء بن المنذر، لقيه و مع حجر جمع كثير من كندة، و كانت بكر مع امرئ القيس، فخرجت إلى حجر فردّته و قتلت جنوده. و قوله:

ففككنا غلّ امرئ القيس عنه‏

و كانت غسّان أسرته يوم قتل المنذر أبيه، فأغارت بكر بن وائل على بعض بوادي الشام فقتلوا ملكا من ملوك غسّان و استنقذوا امرأ القيس بن المنذر، و أخذ عمرو بن هند بنتا لذلك الملك يقال لها ميسون. و قوله: «و فديناهم بتسعة... » يعني بني حجر آكل المرار. و كان المنذر وجّه خيلا من بكر في طلب بني حجر، فظفرت بهم بكر بن وائل فأتوا المنذر بهم و هم تسعة، فأمر بذبحهم في ظاهر الحيرة/فذبحوا بمكان يقال له جفر الأملاك. قال: و الجون جون آل بني الأوس: ملك من ملوك كندة و هو ابن عم قيس بن معد يكرب. و كان الجون جاء ليمنع بني آكل المرار و معه كتيبة خشناء، فحاربته بكر فهزموه، و أخذوا بني الجون فجاءوا بهم إلى المنذر فقتلهم.

قال: فلمّا فرغ الحارث من هذه القصيدة حكم عمرو بن هند أنه لا يلزم بكر بن وائل ما حدث على رهائن تغلب، فتفرقوا على هذه الحال. ثم لم يزل في نفسه من ذلك شي‏ء حتّى هم باستخدام أمّ عمرو بن كلثوم تعرّضا لهم و إذلالا، فقتله عمرو بن كلثوم. و خبره يذكر هناك.

قصيدة له دالية:

قال يعقوب بن السّكّيت أنشدني النّضر بن شميل للحارث بن حلّزة-و كان يستحسنها و يستجيدها و يقول: للّه درة ما أشعره-:

صوت‏

من حاكم بيني و بيـ # ن الدّهر مال عليّ عمدا

أودى بسادتنا و قد # تركوا لنا حلقا و جردا[4]

/خيلي و فارسها و ربّ أبيك كان أعزّ فقدا فلو انّ ما يأوي إليّ أصاب من ثهلان‏[5]هدّا [1]الأسلاب: جمع سلب (بالتحريك) و هو ما يكون مع القوم من ثياب و سلاح و دواب. و أغلاء: غالية.

[2]أثبتنا هذا البيت زيادة على ما في «الأصول» لأن المؤلّف سيتعرّض له في شرحه.

[3]عنود: يريد هنا كتيبة، كأنها تعند في سيرها أي تطغي و تجور عن القصد. و الدفواء: المائلة. و الدفواء: العقاب لعوج منقارها.

فيحتمل أنه يريد: كأنها مائلة من بغيها، أو كأنها عقاب لأنها تنقض على العدو كما تنقض العقاب على الصيد.

[4]الحلق هنا: الدروع. و الجرد: الخيل القصيرة الشعر، واحدها أجرد.

[5]ثهلان: جبل.

34

فضعي قناعك إنّ ريـ # ب الدّهر قد أفنى معدّا

فلكم رأيت معاشرا # قد جمّعوا مالا و ولدا

و هم زباب حائر[1]لا يضر # لا تسمع‏[2]الآذان رعدا

فعش بجدّ[3]لا يضر # ك النّوك ما لا لاقيت جدا

العيش خير في ظلا # ل النّوك ممن عاش كذا[4]

في البيت الأوّل من القصيدة و البيتين الأخيرين خفيف ثقيل أوّل بالوسطى لعبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ، و من الناس من ينسبه إلى بابويه.

صوت‏

ألا[5]هبيّ بصحنك فاصبحينا # و لا تبقي خمور الأندرينا

/مشعشعة[6]كأنّ الحصّ فيها # إذا ما الماء خالطها سخينا[7]

عروضه من الوافر. الشعر لعمرو بن كلثوم التّغلبيّ. و الغناء لإسحاق ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى الوسطى من روايته. و فيه لإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو.

[1]الزباب: ضرب من الفثرة لا تسع، يشبه بها الجاهل، و الواحدة زبابة.

[2]أي لا تسمع آذانها الرعد لما بها من صمم.

[3]الجد (بفتح الجيم) : الحظ. و النوك (بالضم و بالفتح) : الحمق. و يحتمل أن يكون الأصل: «عيشن بجد» إلخ. .

[4]استشهد أصحاب المعاني بهذا البيت على الإيجاز المخل. إذ هو يريد أن العيش الناعم في ظل النوك خير من العيش الشاق في ظل العقل، و ألفاظ البيت لا تفي بهذا المعنى.

[5]هبي: قومي من نومك، يقال: هب من نومه هبا إذا انتبه و قام من مضجعه. و الصحن: القدح الواسع الضخم. و اصبحينا: اسقينا الصبوح و هو شراب الغداة. و أندرين: قرية كانت جنوبي حلب في طرف البرية و كانت من القرى الشهيرة بالخمر. و قد قال اللغويون فيها غير هذا القول أقوالا كثيرة فندها جميعا ياقوت في كتابه «معجم البلدان» .

[6]مشعشعة: ممزوجة بالماء و أرق مزجها. و هي منصوبة على أنها مفعول «أصبحينا» أو على أنها حال من «خمور الأندرين» أو بدل منها، و يجوز الرفع على تقدير هي مشعشعة. و الحص (بالضم) : الورس (نبت أصفر باليمن) أو هو الزعفران. شبه صفرتها بصفرته.

[7]سخينا: حال من الماء، قال أبو عمرو الشيباني: كانوا يسخنون لها الماء ثم يمزجونها به، أو نعت لمحذوف، و المعنى: فاسقينا شرابا سخينا. و قيل: أن «سخينا» فعل و فاعل أي جدنا. و في فعل «سخا» لغات، يقال: سخى يسخى (و زان فرح) سخا و سخوة، و سخا يسخو، و سخا يسخى (و زان فتح) سخاء، و سخو يسخو (و زان كرم) سخاء و سخوا و سخاوة.

35

3-نسب عمرو بن كلثوم و خبره‏

نسب عمرو بن كلثوم من قبل أبويه:

هو عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب بن سعد بن زهير بن جشم‏[بن بكر[1]]بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان. و أمّ عمرو بن كلثوم ليلى بنت مهلهل أخي كليب، و أمّها بنت بعج‏[2]بن عتبة بن سعد بن زهير.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثني العكليّ‏[3]عن العبّاس بن هشام عن أبيه عن خراش بن إسماعيل عن رجل من بني تغلب ثم من بني عتّاب قال: سمعت الأخذر-و كان نسّابة-يقول:

لمّا تزوّج مهلهل بنت بعج بن عتبة أهديت‏[4]إليه، /فولدت له ليلى بنت مهلهل. فقال مهلهل لامرأته هند:

اقتليها. فأمرت خادما لها أن تغيّبها عنها. فلمّا نام هتف به هاتف يقول:

كم من فتى يؤمّل # و سيّد شمردل‏[5]

و عدّة لا تجهل # في بطن بنت مهلهل‏

و استيقظ فقال: يا هند أين بنتي؟قالت: قتلتها. قال: كلاّ و إله ربيعة!-فكان أوّل من حلف بها-فاصدقيني، فأخبرته. فقال: أحسني غداءها. فتزوّجها كلثوم بن مالك بن عتّاب. فلما حملت بعمرو بن كلثوم قالت: إنّه أتاني آت في المنام فقال:

/

يا لك ليلى من ولد # يقدم إقدام الأسد

من جشم فيه العدد # أقول قيلا لا قند

فولدت غلاما فسمّته عمرا. فلما أتت عليه سنة قالت أتاني ذلك الآتي في الليل أعرفه، فأشار إلى الصبيّ و قال:

إنّي زعيم لك أمّ عمرو # بماجد الجدّ كريم النّجر[6]

أشجع من ذي لبد[7]هزبر # وقّاص أقران‏[8]شديد الأسر[9]

[1]زيادة عن «خزانة الأدب» (ج 1 ص 519) و «شرح التبريزي» للـ «معلقات» و كتاب «المعارف» لابن قتيبة و «شرح ديوان المفضليات» لأبي محمد الأنباري.

[2]لم نوفق لضبط هذا الاسم. و الذي في «خزانة الأدب» : «هند بنت عتيبة» بحذف «بعج» و تصغير «عتبة» .

[3]في «الأصول» : «... حدّثني العكليّ بن العباس» .

[4]هدى العروس إلى زوجها و أهداها: زفها إليه.

[5]الشمردل: القوي الفتيّ الحسن الخلق.

[6]النجر: الأصل.

[7]اللبدة: شعر الأسد الذي على كتفيه. و الهزبر: من أسماء الأسد.

[8]وردت هذه الكلمة محرّفة في «الأصول» . و التصويب من «خزانة الأدب» . و الوقص: الكسر و الدق.

[9]شديد الأسر: معصوب الخلق غير مسترخ. ـ

36

يسودهم في خمسة و عشر

قال الأخذر: فكان كما قال ساد و هو ابن خمسة عشر، و مات و له مائة و خمسون سنة.

قصة قتله لعمرو بن هند:

قال أبو عمرو حدّثني أسد بن عمرو الحنفيّ و كرد بن السّمعيّ و غيرهما، و قال ابن الكلبي حدّثني أبي و شرقيّ بن القطاميّ، و أخبرنا إبراهيم بن أيّوب عن ابن قتيبة:

أنّ عمرو بن هند قال ذات يوم لندمائه: هل تعلمون أحدا من العرب تأنف أمّه من خدمة أمّي؟فقالوا: نعم! أم عمرو بن كلثوم. قال: و لم؟قالوا: لأنّ أباها مهلهل بن ربيعة، و عمّها كليب وائل أعزّ العرب، و بعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، و ابنها عمرو و هو سيّد قومه. فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره و يسأله أن يزير أمّه أمّه. فأقبل عمرو من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة بني تغلب. و أمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة و الفرات، و أرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب. فدخل عمرو بن كلثوم على عمرو بن هند في رواقه، /و دخلت ليلى و هند في قبّة من جانب الرّواق. و كانت هند عمّة امرئ القيس بن حجر الشاعر، و كانت أمّ ليلى بنت مهلهل بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أمّ امرئ القيس، و بينهما هذا النسب. و قد كان عمرو بن هند أمر أمّه أن تنحّي الخدم إذا دعا بالطّرف و تستخدم ليلى. فدعا عمرو بمائدة ثم دعا بالطّرف. فقالت هند:

ناوليني يا ليلى ذلك الطّبق. فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فأعادت عليها و ألحّت. فصاحت ليلى:

وا ذلّاه!يا لتغلب!فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدّم في وجهه، و نظر إليه عمرو بن هند فعرف الشرّ في وجهه، فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيف لعمرو بن هند معلّق بالرّواق ليس هناك سيف غيره، فضرب به رأس عمرو بن هند، و نادى في بني تغلب، فانتهبوا ما في الرّواق و ساقوا نجائبه، و ساروا نحو الجزيرة. ففي ذلك يقول عمرو بن كلثوم:

ألا هبّي بصحنك فاصبحينا

تعظيم تغلب بقصيدته المعلقة:

و كان قام بها خطيبا بسوق عكاظ و قام بها في/موسم مكة. و بنو تغلب تعظّمها جدّا و يرويها صغارهم و كبارهم، حتى هجوا بذلك؛ قال بعض شعراء بكر بن وائل:

ألهى بني تغلب عن كل مكرمة # قصيدة قالها عمرو بن كلثوم

يروونها[1]أبدا مذ كان أوّلهم # يا للرجال لشعر غير مسئوم‏

فخر شعراء تغلب بقتله عمرو بن هند:

و قال الفرزدق يردّ على جرير في هجائه الأخطل:

ما ضرّ تغلب وائل أ هجوتها # أم بلت حيث تناطح البحران

قوم هم قتلوا ابن هند عنوة # عمرا و هم قسطوا[2]على النّعمان‏

[1]و يروى: «يفاخرون بها» .

[2]قسطوا: جاروا؛ يقال: أقسط إذا عذل، و قسط إذا جار.

37

/و قال أفنون‏[1]صريم التّغلبيّ يفخر بفعل عمرو بن كلثوم في قصيدة له:

لعمرك ما عمرو بن هند و قد دعا # لتخدم ليلى‏[2]أمّه بموفّق

فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتا[3] # فأمسك من ندمانه‏[4]بالمخنّق

و جلّله عمرو على الرأس ضربة # بذي شطب‏[5]صافي الحديدة رونق‏

قال: و كان لعمرو أخ يقال له مرّة بن كلثوم، فقتل المنذر بن النّعمان و أخاه. و إيّاه عنى الأخطل بقوله لجرير:

أ بني كليب إنّ عمّيّ اللّذا[6] # قتلا الملوك و فكّكا الأغلالا

و كان لعمرو بن كلثوم ابن يقال له عبّاد، و هو قاتل بشر بن عمرو بن عدس. و لعمرو بن كلثوم عقب باق، و منهم كلثوم‏[7]بن عمرو العتّابيّ الشاعر صاحب الرسائل.

أغار على بني تميم ثم انتهى إلى بني حنيفة فأسره يزيد ابن عمرو ثم أطلقه فمدحه:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن الحسن الأحول عن ابن الأعرابيّ قال:

أغار عمرو بن كلثوم التغلبيّ على بني تميم ثم مرّ من غزوه ذلك على حيّ من بني قيس بن ثعلبة، فملأ يديه منهم و أصاب أسارى و سبايا؛ و كان فيمن أصاب/أحمد بن جندل السّعديّ، ثم انتهى إلى بني حنيفة باليمامة و فيهم أناس من عجل، فسمع به‏[8]أهل حجر[9]؛ فكان أوّل من أتاه من بني حنيفة بنو سحيم عليهم يزيد بن عمرو بن شمر. فلما رآهم عمرو بن كلثوم ارتجز فقال:

من عاذ منّي بعدها فلا اجتبر # و لا سقى الماء و لا أرعى الشّجر

بنو لجيم‏[10]و جعاسيس‏[11]مضر # بجانب الدّوّ[12]يدهدون العكر

[1]أفنون: لقب صريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن عمرو بن تغلب، توفي بالألاهة (موضع) و له في وفاته بها قصة ذكرها ياقوت في «معجم البلدان» . و في «الأصول» : «أفنون بن صريم» بزيادة «ابن» و هو تحريف. (راجع «النقائض» ص 886 طبع أوربا و «القاموس» و شرحه و «معجم البلدان» لياقوت في كلامه على الألاهة) .

[2]في «الأصول» : «لتخدم أمي أمه» و التصويب من «النقائض» .

[3]أصلت السيف: جرّده من غمده؛ فهو مصلت (بكسر اللام) و السيف مصلت (بفتحها) .

[4]الندمان «بفتح النون» : الذي ينادمك على الشراب. و المخنق: موضع حبل الخنق من العنق.

[5]شطب السيف: طرائقه في متنه من شدّة بريقه، الواحدة شطبه. و الرونق: ماء السيف و صفاؤه و حسنه.

[6]أي اللذان، فحذف النون تخفيفا.

[7]له ترجمة في «الأغاني» في أوّل الجزء الثاني عشر من طبعة بلاق.

[8]في «الأصول» : «فسمع بها» ، و ظاهر أن مرجع الضمير عمرو بن كلثوم.

[9]حجر (بالفتح) : عاصمة اليمامة.

[10]هو لجيم بن صعب؛ و حنيفة أبو القبيلة أحد أولاده. و سياق الكلام قبله يرجح أن يكون الخطاب لبني سحيم. فلعل «لجيما» محرف عن «سحيم» .

[11]الجعاسيس: اللئام الخلق و الخلق، و الواحد جعسوس.

[12]الدوّ: الفلاة. و يدهدون: يدحرجون و يقلبون؛ يقال: «دهدي الشي‏ء إذا قلب بعضه على بعض، مثل دهدهه. و العكر (بالتحريك) درديّ كل شي‏ء. و في «جـ» : «يدهون» و في «أ، م» : «نجائب الدوّ يدهون» . و في «ب، س» : «يديهون» و كله تحريف؛ إذ الظاهر أنه يريد أن يذم هؤلاء القوم فوصفهم بأنهم يعملون في أحقر الأشياء و لا شأن لهم و لا خطر.

38

فانتهى إليه يزيد بن عمرو فطعنه فصرعه عن فرسه و أسره. و كان يزيد شديدا جسيما، فشدّه في القدّ و قال له: أنت الذي تقول:

متى تعقد[1]قرينتنا بحبل # تجذّ الحبل أو تقص القرينا

أما إنّي سأقرنك إلى ناقتي هذه فأطردكما[2]جميعا. فنادى عمرو بن كلثوم يا لربيعة!أمثلة!. قال: فاجتمعت بنو لجيم‏[3]فنهوه و لم يكن يريد ذلك به. فسار به حتّى أتى قصرا بحجر من قصورهم، و ضرب عليه قبّة و نحر له و كساه و حمله على نجيبه و سقاه الخمر. فلما أخذت برأسه تغنّى:

/

أ أجمع صحبتي السّحر ارتحالا # و لم أشعر ببين منك هالا[4]

و لم أر مثل هالة في معدّ # أشبّه حسنها إلاّ الهلالا

ألا أبلغ بني جشم بن بكر # و تغلب كلّما أتيا حلالا[5]

/بأنّ الماجد القرم ابن عمرو # غداة نطاع‏[6]قد صدق القتالا

كتيبته‏[7]ململمة رداح # إذا يرمونها تفني النّبالا

جزى اللّه الأغرّ يزيد خيرا # و لقّاه المسرّة و الجمالا

بمأخذه ابن كلثوم بن عمرو # يزيد الخير نازله نزالا

بجمع من بني قرّان‏[8]صيد # يجيلون الطعان إذا أجالا

يزيد يقدم السفراء[9]حتى # يروّي صدرها الأسل النّهالا

حواره مع عمرو بن أبي حجر الغساني حين مر ببني تغلب فلم يكرموه:

أخبرني عليّ بن سليمان قال أخبرنا الأحول عن ابن الأعرابيّ قال:

زعموا أنّ بني تغلب حاربوا المنذر بن ماء السماء فلحقوا بالشأم خوفا منه. فمرّ بهم عمرو[10]بن أبي حجر [1]رواية «المعلقات» في عدة نسخ «متى نعقد» بالنون. و القرينة: التي تقرن إلى غيرها أي تربط مع غيرها بحبل. و تجذ: تقطع، و هو مجزوم في جواب الشرط، فيجوز فيه الكسر لالتقاء الساكنين و هو المختار، و الفتح للتخفيف، و الضم اتباعا لضمة ما قبله. و تقص:

تكسر؛ يقال: وقص عنقه يقصها وقصا إذا كسرها و دقها.

[2]طرد الإبل: ساقها.

[3]تقدّم أن «لجيما» جد أعلى لهم، و أن الجد الذي ينتسبون إليه «سحيم» .

[4]يريد: يا هالة.

[5]حلال: جمع حلة (بالكسر) و هي جماعة بيوت الناس، و مجتمع القوم.

[6]نطاع: أرض، و قد ذكرها المؤلف في صفحة 46 من هذا الجزء.

[7]الكتيبة: الجيش أو فرقة منه. و ململمة: مجتمعة. و رداح: ثقيلة جرارة.

[8]قرّان حصن باليمامة، نسب إليه أهله كأنه أب لهم. (راجع شرح «ديوان المفضليات» لأبي محمد الأنباري ص 434 طبعة مطبعة الآباء اليسوعيين ببيروت سنة 1920 م)

[9]كذا في «الأصول» . و لم نوفق لوجه الصواب فيه.

[10]في كتاب «الكامل» لابن الأثير أنه الحارث بن أبي شمر الغساني. و سياق هذا الخبر فيه أتم و أوضح مما هنا. و أحسب أن مصدر الغموض و الاضطراب في «الأغاني» هنا سقوط كلام من النساخ. و نص الخبر في كتاب «الكامل» : «..... فخرج ملك غسان بالشام و هو الحارث بن أبي شمر الغساني، فمر بأفاريق من تغلب فلم يستقبلوه. و ركب عمرو بن كلثوم التغلبي فلقيه فقال له: ما

39

الغسّاني، فتلقّاه عمرو بن كلثوم. فقال له: يا عمرو، ما منع/قومك أن يتلقّوني؟!فقال له: يا عمرو يا خير الفتيان، فإن قومي لم يستيقظوا لحرب قطّ إلا علا فيها أمرهم و اشتدّ شأنهم و منعوا ما وراء ظهورهم. فقال له:

أيقاظ[1]نومة ليس فيها حلم، أجتثّ فيها أصولهم، و أنفى فلّهم‏[2]إلى اليابس الجرد، و النازح الثّمد. فانصرف عمرو بن كلثوم و هو يقول:

ألا فاعلم أبيت اللّعن أنّا # على عمد سنأتي ما نريد

تعلّم أنّ محملنا ثقيل # و أنّ زناد كبتنا[3]شديد

و أنّا ليس حيّ من معدّ # يوازينا إذا لبس الحديد

هجاؤه للنعمان بن المنذر:

قال: و قال ابن الأعرابيّ: بلغ عمرو بن كلثوم أنّ النعمان بن المنذر يتوعّده، فدعا كاتبا من العرب فكتب إليه:

ألا أبلغ النّعمان عنّي رسالة # فمدحك حوليّ و ذمّك قارح‏[4]

متى تلقني في تغلب ابنة وائل # و أشياعها ترقى إليك المسالح‏[5]

و هجا النّعمان بن المنذر هجاء كثيرا، منه قوله يعيّره بأمّه سليمى:

حلّت سليمى بخبت‏[6]بعد فرتاج # و قد تكون قديما في بني ناج

/إذ لا ترجّي سليمى أن يكون لها # من بالخورنق من قين و نسّاج

و لا يكون على أبوابها حرس # كما تلفّف قبطيّ بديباج

تمشي بعدلين من لؤم و منقصة # مشي المقيّد في الينبوت‏[7]و الحاج‏

-منع قومك أن يتلقوني؟!فقال لم يعلموا بمرورك. فقال: لئن رجعت لأغزونهم غزوة تتركهم أيقاظا لقدومي. فقال عمرو: ما استيقظ قوم قط إلا نبل رأيهم و عزت جماعتهم؛ فلا توقظن نائمهم. فقال: كأنك تتوعدني بهم!أما و اللّه لتعلمن إذا نالت (لعلها أجالت) غطاريف غسان الخيل في دياركم أن أيقاظ قومك سينامون نومة لا حلم فيها: تجتث أصولهم و ينقى فلهم إلى اليابس الجرد و النازح الثمد. ثم رجع عمرو بن كلثوم عنه و جمع قومه و قال: ألا فاعلم... إلخ» .

[1]في «الأصول» : «أيقاظي» بياء في آخرها.

[2]الفل: القوم المنهزمون. و الجرد (بالتحريك) : من الأرض ما لا ينبت. و الثمد (بالفتح بالتحريك) : الماء القليل الذي لا مادّ له.

و النازح: الذي نفد ماؤه؛ يقال نزحنا البئر، و نزحت البئر، فهو لازم متعدّ. يريد أن ينفي المنهزمين منهم إلى أرض لا نبات فيها و لا ماء.

[3]كذا في «جـ» . و الكبة (بالفتح) : الحملة في الحرب و الدفعة في القتال، و كبة كل شي‏ء شدته و دفعته مثل كبة الشتاء و الجري. و في «أ، م» : «و أن زناد كتبنا» بتقديم التاء المثناة من فوق على الباء الموحدة. و في «ب، س» : «زناد كتبتنا» بزيادة تاء قبل النون.

و أحسب أن صوابه: «و أن ذياد كبتنا شديد» أي أن دفع حملتنا في القتال شديد لا يطاق.

[4]الحولي: ما أتى عليه حول. و القارح من ذي الحافر: الذي شق نابه. و هو في السنة الأولى حولي ثم ثنى ثم رباع ثم قارح.

[5]المسالح: جمع مسلحة، و هي القوم ذوو السلاح.

[6]الخبت: المطمئن من الأرض، و اسم لعدة مواضع. و فرتاج (بكسر الفاء) : موضع. و بنو ناج: بطن من عدوان.

[7]في «أكثر الأصول» : «اليابوت» . و في «جـ» : «اليلبوت» ، و كلاهما تحريف. و الينبوت: نبات، و هو ضربان، أحدهما ذو شوك، و هو المراد هنا. و الحاج: الشوك أو ضرب منه. يريد أنها تمشي مثقلة بما تحمل من لؤم و منقصة كما يمشي المقيد في هذين الضربين من الشوك.

40

قال و قال في النعمان:

لحا اللّه أدنانا إلى اللّؤم زلفة[1] # و ألأمنا خالا و أعجزنا أبا

و أجدرنا أن ينفخ الكير خاله # يصوغ القروط و الشّنوف بيثربا

وفاته و نصيحته لبنيه:

أخبرني الحسين بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن سعيد الدّمشقيّ قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عليّ بن المغيرة عن ابن الكلبيّ عن رجل من النّمر بن قاسط قال:

لمّا حضرت عمرو بن كلثوم الوفاة و قد أتت عليه خمسون و مائة سنة، جمع بنيه فقال: يا بنيّ، قد بلغت من العمر ما لم يبلغه أحد من آبائي، و لا بدّ أن ينزل بي ما نزل بهم من الموت. و إني و اللّه/ما عيّرت أحدا بشي‏ء إلا عيّرت بمثله، إن كان حقّا فحقّا، و إن كان باطلا فباطلا. و من سبّ سبّ؛ فكفّوا عن الشتم فإنه أسلم لكم، و أحسنوا جواركم يحسن ثناؤكم، و امنعوا من ضيم الغريب؛ فربّ رجل خير من ألف، و ردّ خير من خلف. و إذا حدّثتم فعوا، و إذا حدّثتم فأوجزوا؛ فإن مع الإكثار تكون الأهذار[2]. و أشجع القوم العطوف بعد الكرّ، كما أنّ أكرم المنايا /القتل. و لا خير فيمن لا رويّة له عند الغضب، و لا من إذا عوتب لم يعتب‏[3]. و من الناس من لا يرجى خيره، و لا يخاف شرّه؛ فبكئوه‏[4]خير من درّه، و عقوقه خير من برّه. و لا تتزوّجوا في حيّكم فإنه يؤدّي إلى قبيح البغض.

صوت‏

لمن الديار ببرقة الرّوحان‏[5] # إذ لا نبيع زماننا بزمان

صدع الغواني إذ رمين فؤاده # صدع الزّجاجة ما لذاك تداني

إن زرت أهلك لم أنوّل حاجة # و إذا هجرتك شفّني هجراني‏

الشعر لجرير يهجو الأخطل و يردّ عليه حكومته التي حكم بها للفرزدق عليه. و الغناء، فيما ذكره عليّ بن يحيى المنجّم في كتابه الذي لقّبه بالمحدث، لمعبد ثقيل أوّل بالوسطى، و ذكر الهشاميّ أنّه لحنين، قال و يقال: إنه لمعبد. و فيه ليزيد حوراء لحن ذكره عبد الملك بن موسى عنه، و قال: لا أدري أ هو الثقيل الأوّل أم خفيف الرمل.

و ذكر حبش أنّ الثقيل الأوّل للغريض و أنّ خفيف الرمل بالبنصر للدّلال.

[1]ألزلفة (بالضم) -و مثلها الزلفى و الزلف (بالتحريك) -: القربة و الدرجة و المنزلة.

[2]الأهذار: جمع هذر (بالتحريك) و هو سقط الكلام.

[3]الإعتاب: رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضى العاتب، و الاسم منه العتبي.

[4]أصل البك‏ء: قلة اللبن أو انقطاعه، يقال: بكأت الناقة أو الشاة تبكأ بك‏ءا (من باب فتح) و بكؤت تبكؤ (من باب كرم) بكاءة و بكوءا.

و المعنى المراد: فمنعه خير من عطائه.

[5]راجع الحاشية رقم 1 ص 63 من هذا الجزء.

41

4-ذكر الخبر عن السبب في اتصال الهجاء بين جرير و الأخطل‏

سبب التهاجي بين جرير و الأخطل:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش و محمد بن العبّاس اليزيديّ قالا حدّثنا أبو سعيد السكّريّ عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة و عن أبي غسّان دماذ عن أبي عبيدة، و أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا أبو ذكوان القاسم بن إسماعيل قال حدّثنا أبو غسّان عن أبي عبيدة، و أخبرنا الصّوليّ عن إبراهيم بن المعلّى الباهليّ عن الطوسيّ عن ابن الأعرابيّ و أبي عمرو الشيبانيّ، و قد جمعت رواياتهم. قال أبو عبيدة حدّثني عامر بن مالك المسمعيّ قال:

كان الذي هاج التهاجي بين جرير و الأخطل أنّه لمّا بلغ الأخطل تهاجي جرير و الفرزدق قال لابنه مالك-و هو أكبر ولده و به كان يكنى-: انحدر إلى العراق حتّى تسمع منهما و تأتيني بخبرهما. فانحدر مالك حتى لقيهما و سمع منهما ثم أتى أباه. فقال له: كيف وجدتهما؟قال: وجدت جريرا يغرف من بحر، و وجدت الفرزدق ينحت من صخر. فقال الأخطل: الذي يغرف من بحر أشعرهما؛ و قال يفضّل جريرا على الفرزدق:

إنّي قضيت قضاء غير ذي جنف # لمّا سمعت و لمّا جاءني الخبر

أنّ الفرزدق قد شالت نعامته # و عضّه حيّة من قومه ذكر

و في رواية ابن الأعرابيّ «قد سال الفرات به» . قال أبو عبيدة: ثم إن بشر بن مروان دخل الكوفة، فقدم عليه الأخطل، فبعث إليه محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بألف درهم و كسوة و بغلة و خمر، و قال له: لا تعن على شاعرنا، /و اهج هذا الكلب الذي/يهجو بني دارم؛ فإنك قد قضيت على صاحبنا، فقل أبياتا و اقض لصاحبنا عليه. فقال الأخطل:

أ جرير إنّك و الذي تسمو له # كأسيفة[1]فخرت بحدج حصان

عملت لربّتها فلمّا عوليت‏[2] # نسلت تعارضها مع الرّكبان

أتعدّ مأثرة لغيرك فخرها # و ثناؤها في سالف الأزمان

تاج‏[3]الملوك و فخرهم في دارم # أيّام يربوع‏[4]مع الرّعيان‏

[1]الأسيفة: الأمة. و الحدج (بالكسر) : مركب من مراكب النساء يشبه المحفة. و الحصان العفيفة. و يعنى بها هنا الحرة لمقابلتها للأمة.

[2]في «ديوان» الأخطل: «حملت» . و ربتها: سيدتها. و عوليت: رفعت أي حملت على مركب. و نسلت: أسرعت في المشي؛ و قيل:

أصل النسلان للذئب ثم استعمل في غيره.

[3]رواية «الديوان» :

في دارم تاج الملوك و صهرها

[4]يربوع: جدّ لجرير.

42

و هي طويلة يقول فيها:

فاخسأ إليك كليب إنّ مجاشعا # و أبا الفوارس نهشلا أخوان

سبقوا أباك بكلّ أعلى‏[1]تلعة # في المجد عند مواقف الرّكبان

قوم إذا خطرت عليك قرومهم # ألقتك بين كلاكل و جران‏[2]

و إذا وضعت أباك في ميزانهم # رجحوا و شال أبوك في الميزان‏[3]

/و قال جرير يردّ حكومة الأخطل:

لمن الدّيار ببرقة الرّوحان‏[4] # إذ لا نبيع زماننا بزمان‏

و هي طويلة يقول فيها:

يا ذا الغباوة[5]إنّ بشرا قد قضى # ألاّ تجوز حكومة النّشوان‏[6]

فدعوا الحكومة لستم من أهلها # إنّ الحكومة في بني شيبان

قتلوا كليبكم بلقحة جارهم # يا خزر تغلب لستم بهجان‏[7]

قصيدة للأخطل و شرح بعض كلماتها:

و مما غنيّ فيه من نقائض جرير و الأخطل:

صوت‏

أناخوا فجرّوا شاصيات كأنّها # رجال من السّودان لم يتسربلوا

فقلت اصبحوني‏[8]لا أبا لأبيكم # و ما وضعوا الأثقال إلاّ ليفعلوا

تمرّ بها الأيدي سنيحا و بارحا # و ترفع‏[9]باللّهمّ حيّ و تنزل‏

الشاصيات: الشائلات القوائم من امتلائها. و عنى بالشاصيات هاهنا الزّقاق، لأنها إذا امتلأت شالت أكارعها؛ [1]في «الديوان» : «مجمع تلعة» .

[2]القرم (بالفتح) : الفحل من الإبل، و يستعمل في السيد المعظم من الرجال على التشبيه. و الكلاكل: الصدور. و الجران: باطن عنق البعير أو مقدمة من مذبحه إلى منحره.

[3]شولان الميزان (بالتحريك) : ارتفاع إحدى كفتيه؛ و يستعمل في المفاخرة على التمثيل؛ يقال: فاخرت فلانا فشال ميزانه أو شال في ميزانه، أي فخرته و غلبته.

[4]برقة الروحان: روضة باليمامة. و في «الأصول» هنا: «ببرقة الريحان» و التصويب من «الأغاني» (ج 5 ص 186 من هذه الطبعة) و «النقائض» و «معجم البلدان» لياقوت.

[5]كذا في «كل الأصول» هنا. و قد أثبت في الجزء الثامن: «يا ذا العباءة» . (راجع فيه الحاشية رقم 5 ص 17) .

[6]في «الأصول» : «النسوان» بالسين المهملة و هو تصحيف.

[7]اللقحة: الناقة الحلوب. و الخزر (بالضم) : جمع أخزرة و الخزر: صغر العين و ضيقها. و الهجان: البيض الكرام. يشير في هذا البيت إلى مقتل كليب بن ربيعة و سببه.

[8]صبحه: سقاه الصبوح و هو الشراب بالغداة. و الأثقال: الأمتعة، واحدها ثقل (بالتحريك) .

[9]في «بعض الأصول» : «و ترفعها باللم» و هو تحريف. يعني أنه يسمى عليها بذكر اللّه في رفعها و إنزالها. و يروى: «و توضع......

... و تحمل» .

43

يقال) شصا برجله إذا رفعها، و شصا ببصره إذا شخص؛ قال الراجز يصف الشاخص.

/

و بقر خماص‏[1] # ينظرن من خصاص‏[2]

بأعين شواصي # كفلق‏[3]الرّصاص‏

و السانح و السنيح: ما جاء عن يمينك يريد شمالك. و البارح: ما جاء عن شمالك يريد يمينك. و الجابه: ما جاء من أمامك مواجها لك. و القعيد و الخفيف: ما جاء من ورائك. شبّه دور الكأس و اختلافها بينهم بالسوانح و البوارح.

الشعر للأخطل. و الغناء لمالك، فيه لحنان كلاهما له، أحدهما رمل بالبنصر في مجراها في الأبيات الثلاثة على الولاء من رواية إسحاق، و الآخر خفيف رمل بالوسطى في الثالث ثم الأوّل و الثاني عن عمرو. و ذكر عمرو أنّ الرمل ايضا لابن سريج و أنه بالوسطى. و فيه بالبنصر في الاول و الثاني عن الهشاميّ و عمرو. و فيه لابن محرز خفيف ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو و الهشاميّ.

و منها:

صوت‏

خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا # و أزعجتهم نوّى في صرفها غير

كأنّني شارب يوم استبدّ بهم # من قرقف ضمّنتها حمص‏[4]أو جدر

جادت بها ذوات القار مترعة # كلفاء ينحتّ من خرطومها المدر

يا قاتل اللّه وصل الغانيات إذا # أيقنّ أنّك ممن قد زها الكبر

أعرضن لمّا حنى قوسي موتّرها # و ابيضّ بعد سواد اللّمّة الشّعر

/استبدّ بهم أي علي‏[5]عليهم. و القرقف: التي تأخذ شاربها رعدة لشدّتها. و الكلفاء: الخابية في لونها كلف‏[6].

و قوله «زها الكبر» يعني استخفّه و أضعفه؛ يقال: زهاه و ازدهاه. و قال أبو عبيدة: الأصل في زهاه رفعه؛ فكأنه أراد أنه رفعه في علوّ سنّه عما يردن منه. و اللّمّة: الشعر المجتمع.

الشعر للأخطل يمدح عبد الملك بن مروان و يهجو قيسا و بني كليب و يقول فيها:

أمّا كليب بن يربوع فليس لها # عند التفاخر[7]إيراد و لا صدر

مخلّفون و يقضي الناس أمرهم # و هم بغيب و في عمياء ما شعروا

[1]خماص: ضامرات البطون، الواحد خمصان (بفتح الخاء و ضمها) للمذكر، و خمصانة للمؤنث.

[2]الخصاص: الخروق، واحدها خصاصة.

[3]في «الأصول» : «تعلق بالرصاص» . و التصويب من «لسان العرب» (مادة شصا) . و فيه زيادة عما هنا، هي:

يا رب مهر شاص‏

و موضعه في أول الرجز.

[4]حمص: مدينة مشهورة بالشام بين دمشق و حلب في نصف الطريق. و جدر: قرية بين حمص و سلمية تنسب إليها الخمر.

[5]في «الأصول» : «علا عليهم» و هو تحريف. يعني أنهم غلبوا على أمرهم.

[6]الكلف: حمرة كدرة، أو هو لون بين السواد و الحمرة.

[7]في «الديوان» : «عند التفارط» : و التفارط التقدم في طلب الماء. ـ

44

ملطّمون بأعقار[1]الحياض فما # ينفكّ من دارميّ فيهم أثر

بئس الصحاة[2]و بئس الشّرب شربهم # إذا جرى فيهم المزّاء و السّكر

قوم تناهت إليهم كلّ مخزية # و كلّ فاحشة سبّت بها مضر

الآكلون خبيث الزّاد وحدهم # و السائلون بظهر الغيب ما الخبر

و هذه القصيدة من فاخر شعر الأخطل و مقدّمه و مما غلّب فيه على جرير. و قد احتاج جرير إلى سلخ‏[3]بيته هذا الأخير فردّه عليه بعينه في نقيضة هذه القصيدة، و ضمّنه بيتين من شعره فقال:

/

الآكلون خبيث الزّاد وحدهم # و النازلون إذا واراهم الخمر[4]

و الظاعنون على العمياء إن رحلوا # و السائلون بظهر الغيب ما الخبر

و في هذه القصيدة يقول الأخطل يمدح عبد الملك:

إلى امرئ لا تعرّينا[5]نوافله # أظفره اللّه فليهنئ له الظّفر

الخائض الغمر و الميمون طائره # خليفة اللّه يستسقى به المطر

و الهمّ بعد نجيّ النفس يبعثه‏[6] # بالحزم و الأصمعان‏[7]القلب و الحذر

و ما الفرات إذا جاشت غواربه # في حافتيه و في أوساطه العشر[8]

و زعزعته‏[9]رياح الصّيف‏[10]و اضطربت # فوق الجآجي‏ء[11]من آذيّه غدر

مسحنفر[12]من جبال‏[13]الروم يستره # منها أكافيف‏[14]فيها دونه زور

[1]الأعقار: جمع عقر (بالضم) و هو مؤخر الحوض حيث تقف الإبل إذا وردت، أو هو مقام الشاربة منه.

[2]كذا في «الديوان» . و هو يريد أن يذم بني يربوع في حل سكرهم إذا شربوا و صحوهم. و في «الأصول» : «بئس الصحاب» . و المزاء (بالضم) : من أسماء الخمر؛ سميت بذلك للذعها اللسان.

[3]كذا في «جـ» . و في «سائر الأصول» : «نسخ بيته» .

[4]الخمر (بالتحريك) : ما واراك من شجر و غيره.

[5]كذا في «الديوان» . و في «أكثر الأصول» : «لا تعدينا» . و في «حـ» : «لا يعدينا» .

[6]في «الأصول» : «بلغته» و التصويب من «الديوان» .

[7]في الأصول «و الأصمعين» و التصويب من «الديوان» ؛ إذ المعنى المراد: و الأصمعان القلب و الحذر يبعثانه أيضا. و القلب الأصمع:

الذكي المتوقد الفطن، و كذلك يوصف بالصمع الرأي الحازم.

[8]جاشت: هاجت. و الغوارب: المتون؛ يريد أمواجه و أعاليه. و في «الديوان» : «حوالبه» و هي أمواجه. و العشر: شجر.

[9]زعزعته: حركته، و قيل حركته تحريكا شديدا. و في «الديوان» : «ذعذعته» بالذال المعجمة، و هما بمعنى واحد.

[10]في «الأصول» : «رياح الطير» و التصويب من «الديوان» .

[11]الجآجيّ: الصدور، واحدها جؤجؤ. و الآذيّ: الموج. و الغدر: جمع غدير. و في «الأصول» عذر (بعين مهملة و ذال معجمة) و التصويب من «الديوان» .

[12]مسحنفر: سريع الجري.

[13]في «الأصول» : «من بلاد الروم» و التصويب من «الديوان» و «لسان العرب» .

[14]في «الأصول» : «أكاليف» و التصويب من «الديوان» و «لسان العرب» (مادة كفف) . و أكافيف الجبل: حيوده أي حروفه الناتئة في أعراضه. و الزور (بالتحريك) : الميل. يصف الفرات و جريه في جبال الروم المطلة عليه حتى يشق بلاد العراق.

45

/

يوما بأجود منه حين تسأله # و لا بأجهر[1]منه حين يجتهر

في نبعة[2]من قريش يعصبون‏[3]بها # ما إن يوازى بأعلى نبتها الشجر

حشد على الخير عيّافو الخنا أنف # إذا ألمّت بهم مكروهة صبروا

لا يستقلّ‏[4]ذوو الأضغان حربهم # و لا يبيّن في عيدانهم خور

شمس‏[5]العداوة حتى يستقاد لهم # و أعظم الناس أحلاما إذا قدروا

مدح الرشيد بيتا للأخطل:

أخبرنا الحسن بن عليّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا عليّ بن الصبّاح عن أبيه:

أنّ الرشيد قال لجماعة من أهله و جلسائه: أيّ بيت مدح به الحلفاء منّا و من بني أميّة أفخر؟فقالوا و أكثروا.

فقال الرشيد: أمدح بيت و أفخره قول ابن النّصرانيّة في عبد الملك:

شمس العداوة حتى يستقاد لهم # و أعظم الناس أحلاما إذا قدروا

مدح آدم بن عمر بن عبد العزيز بيتا للأخطل في مجلس المهدي فأغضبه:

أخبرني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال:

قال المهدي يوما و بين يديه مروان بن أبي حفصة: أين ما تقوله فينا من قولك في أمير المؤمنين المنصور:

/

له لحظات عن حفافي سريره # إذا كرّها فيها عقاب و نائل‏

فاعترضه آدم بن عمر بن عبد العزيز فقال: هيهات و اللّه يا أمير المؤمنين أن يقول هذا و لا ابن هرمة كما قال الأخطل:

شمس العداوة حتى يستقاد لهم # و أعظم الناس أحلاما إذا قدروا

قال: فغضب المهديّ حتى استشاط و قال: كذب و اللّه ابن النّصرانيّة العاضّ بظر أمّه و كذبت يا عاضّ بظر أمّك!و اللّه لو لا أن يقال: إني خفرت‏[6]بك لعرّفتك من أكثر شعرا!خذوا برجل ابن الفاعلة فأخرجوه عنّي!فأخرجوه على تلك الحال، و جعل يشتمه و هو يجرّ و يقول: يا بن الفاعلة!أراها في رءوسكم و أنفسكم!.

صوت‏

إنّي أرقت و لم يأرق معي صاح # لمستكفّ بعيد النّوم لوّاح‏

[1]في «الأصول» : «بأجهد» و التصويب من «الديوان» . أي بأعظم و لا أحسن مرآة منه؛ يقال جهرت قلانا و اجتهرته إذا رأيته عظيما حسن المرآة في عينك.

[2]النبع: ضرب من الشجر و هو من أجوده.

[3]هذه رواية «الديوان» . و في «الأصول» : «يعصمون بها» . و يعصبون بها: يطيفون بها و يلزمونها.

[4]استقل الشي‏ء: حمله. يريد أن خصومهم لا يستطيعون أن ينهضوا بحربهم. و يبين: يتضح و يظهر.

[5]شمس: جمع شموس، و هو من الرجال العسر في عداوته الشديد الخلاف على من عانده. و الأصل في هذا الجمع أن يكون مضموم العين، و يجوز فيه التسكين كما ورد في البيت هنا.

[6]كذا في «الأصول» . و الذي في كتب اللغة أنه يقال: خفرت فلانا و خفرت به إذا أجرته و أمنته، و أخفرته إذا غدرته، و يقال خفرت ذمته إذا لم يوف بها.

46

دان مسفّ فويق الأرض هيدبه # يكاد يدفعه من قام بالرّاح‏

عروضه من البسيط. الشعر لأوس بن حجر-و هكذا رواه الأصمعيّ، أخبرنا بذلك اليزيديّ عن الرّياشيّ عنه، و وافقه بعض الكوفيين، و غير هؤلاء يرويه لعبيد بن الأبرص-و الغناء لإبراهيم الموصليّ ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. و لحسين بن محرز لحن في البيت الثاني و بعده:

إن أشرب الخمر أو أغلى بها ثمنا # فلا محالة يوما أنني صاح‏

و طريقته خفيف رمل بالوسطى.

/قوله: مستكفّ: يعني مستديرا؛ و كلّ طرّة كفّة. أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الريّاشيّ قال حدّثنا الأصمعيّ قال سمعت أبا مهديّ يقول و هو يصف شجاعا[1]عرض له في طريقه: تبعني شجاع من هذه الشّجعان، فمرّ خلفي/كأنه سهم زالج، فحدت عنه، و استكفّ كأنه كفّة حابل، فرميته فنظرت ثلاثة أثنائه‏[2] و كذلك يقال كفّة الحابل و كفّة الميزان بالكسر، و الأولى مضمومة[3]. و لوّاح: من قولهم لاح يلوح إذا ظهر.

و مسفّ: قد أسفّ على وجه الأرض إذا صار عليها أو قرب منها أو دنا إليها؛ و من هذا يقال: أسفّ الطائر إذا طار على وجه الأرض؛ و يقال ذلك للسهم أيضا. و هيدبه: الذي تراه كالمتعلّق بالسحاب. يقول: هذا السحاب يكاد من مقام أن يمسّه و يدفعه براحته لقربه من الأرض؛ و هو أحسن ما وصف به السحاب.

[1]الشجاع (بضم الشين و كسرها، و جمعه شجعان بضم الشين و كسرها) : الحية الذكر، أو الحية مطلقا، أو هو ضرب من الحيات.

[2]أثناء الحية: مطاويها إذا تحوّت و تثنت، واحدها ثني (بالكسر) . و يقال أيضا مثاني الحية، جمع مثناة (بفتح الميم و كسرها) .

[3]لأهل اللغة في ضبط كلمة «كفة» في معانيها المختلفة آراء كثيرة مبسوطة في كتاب «لسان العرب» . و غيره.

47

5-ذكر أوس بن حجر و شي‏ء من أخباره‏

نسب أوس بن حجر:

و قد اختلف في نسبه، فقال الأصمعي، فيما أخبرنا به محمد بن العبّاس اليزيديّ عن الرياشي عنه، هو أوس بن حجر بن مالك بن حزن بن عقيل بن خلف بن نمير. و قال ابن حبيب، فيما ذكره السكّريّ عنه، : هو أوس بن حجر من شعراء الجاهليّة و فحولها.

و ذكر أبو عبيدة أنه من الطبقة الثالثة، و قرنه بالحطيئة نابغة بني جعدة.

في الشعر:

فأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال قال أبو عبيدة حدّثنا يونس عن‏[1]أبي عمرو قال:

كان أوس شاعر مضر حتى أسقطه النابغة و زهير، فهو شاعر تميم في الجاهليّة غير مدافع.

أخبرنا أحمد قال حدّثنا عمر قال حدّثنا الأصمعيّ قال سمعت أبا عمرو يقول: كان أوس بن حجر فحل الشعراء؛ فلما نشأ النابغة طأطأ منه. و أمّا الكلبيّ فإنه زعم أنّ من هذه الطبقة لبيد بن ربيعة و الشّمّاخ بن ضرار. قال:

و تميم إلى الآن مقيمة على تقديم أوس. قال: و منهم من يقول بتقديم عديّ؛ و أنشد لحارثة بن بدر الغدانيّ:

و الشّعر كان مبيته و مظلّه # عند العباديّ الذي لا يجهل‏

و قال يعقوب بن سليمان قال حمّاد: أدركت رجالا من بني تميم لا يفضّلون على عديّ في الشعر أحدا.

أخبرني اليزيديّ عن الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال: تميم تروى هذه القصيدة الحائيّة لعبيد، و ذلك غلط؛ و من الناس من يخلطها بقصيدته التي على وزنها و رويّها لتشابههما.

غنت فتاة أعرابية بشعر له في السحاب:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال أخبرنا أبو سعيد السّكّريّ قال حدّثنا عليّ بن الصبّاح قال حدّثني عبيد اللّه بن الحسين بن المسوّد بن وردان مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال:

خرج أعرابيّ مكفوف و معه ابنة عمّ له لرعي غنم لهما. فقال الشيخ: أجد ريح النّسيم قد دنا، فارفعي رأسك فانظري. فقالت: أراها كأنها ربرب معزى هزلي. قال: ارعي و احذري. ثم قال لها بعد ساعة: إني أجد ريح النسيم قد دنا، فارفعي رأسك فانظري. فقال: أراها كأنها بغال دهم تجرّ جلالها. قال: ارعي و احذري. ثم مكث ساعة ثم قال: إني لأجد ريح النسيم قد دنا، فانظري. قالت: أراها كأنها بطن حمار أصحر. فقال: ارعي و احذري. ثم [1]في «الأصول» : «حدّثنا يونس بن أبي عمرو... » و هو تحريف.

48

مكث ساعة فقال: إني لأجد ريح النسيم، فما ترين؟قالت: أراها كما قال الشاعر:

دان مسفّ فويق الأرض هيدبه # يكاد يدفعه من قام بالراح

/كأنما بين أعلاه و أسفله # ريط منشّرة أو ضوء مصباح

فمن بمحفله كمن بنجوته # و المستكنّ كمن يمشي بقرواح‏

فقال: انجي لا أبا لك!فما انقضى كلامه حتى هطلت السماء عليهما.

البيت الثاني من هذه الأبيات ليس من رواية ابن حبيب و لا الأصمعيّ.

معنى قول الجارية «كأنها بطن حمار أصحر» : تعني أنه أبيض فيه حمرة. و الصحرة لون كذلك. و قوله: «فمن بمحفله كمن بنجوته» : يعني من هو بحيث احتفل السيل-و احتفال كل شي‏ء معظمه-كمن في نجوته. و قد روي «بمحفشه» ، و هما واحد، و معناهما مجرى معظم السيل. يقول: فمن هو في هذا الموضع منه كمن بنجوته (أي ناحية عنه) سواء لكثرة المطر. و القرواح: الفضاء؛ /يقال قرواح و قرياح. و يقال في معنى المحفش: حفشت الأودية إذا سالت، و تحفّشت المرأة على ولدها إذا قامت عليه.

كان يسير ليلا فصرعته ناقته، فأكرمه فضالة بن كلدة، فمدحه:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني عليّ بن أبي عامر السّهميّ المصريّ قال حدّثني أبو يوسف الأصبهانيّ قال حدّثني أبو محمد الباهليّ عن الأصمعيّ، و ذكر هذا الخبر أيضا التّوّزيّ عن أبي عبيدة، فجمعت روايتيهما، قالا:

كان أوس بن حجر غزلا مغرما بالنساء؛ فخرج في سفر، حتى إذا كان بأرض بني أسد بين شرج و ناظرة[1]، فبينا هو يسير ظلاما إذ جالت به ناقته فصرعته فاندقّت فخذاه فبات مكانه؛ حتى إذا أصبح غدا جواري الحيّ يجتنين الكمأة و غيرها من نبات الأرض و الناس في ربيع. فبينا هنّ كذلك إذ بصرن بناقته تجول و قد علق زمامها في شجرة و أبصرنه ملقى، ففزعن فهربن. فدعا بجارية منهن فقال لها: من أنت؟قالت: أنا حليمة بنت فضالة بن كلدة، و كانت أصغرهن؛ فأعطاها حجرا و قال لها: اذهبي إلى أبيك فقولي له: ابن هذا يقرئك السلام. فأخبرته فقال: يا بنيّة، لقد أتيت أباك بمدح طويل أو هجاء طويل. ثم احتمل هو و أهله حتى بنى عليه بيته حيث صرع و قال: و اللّه لا أتحوّل أبدا حتى تبرأ؛ و كانت حليمة تقوم عليه حتى استقلّ. فقال أوس بن حجر في ذلك:

جدلت‏[2]على ليلة ساهره # بصحراء شرج إلى ناظره

تزاد لياليّ في طولها # فليست بطلق و لا ساكره‏[3]

أنوء برجل بها ذهنها[4] # و أعيت بها أختها الغابرة

[1]شرج و ناظره: موضعان.

[2]الجدل: الصرع؛ يقال: جدله و جدّله تجديلا فانجدل و تجدّل. و في «الأصول» و «الديوان» : «خذلت» و ظاهر أنه تصحيف.

[3]ليلة طلق و طلقة: طيبة لا خرّ فيها و لا برد و لا مطر و لا قر؛ و يقال: يوم طلق. و ليلة ساكرة: ساكنة الريح؛ يقال: سكرت الريح تسكر (على وزان قعد) سكورا و سكرانا إذا سكنت بعد الهبوب.

[4]كذا في «اللسان» (في مادة ذهن) . و الذهن: القوّة. و الغابرة: الباقية. و في «الأصول» و «الديوان» : ... دهيها... العاثرة.

49

/و قال في حليمة:

لعمرك ما ملّت ثواء ثويّها[1] # حليمة إذ ألقى مراسي مقعد[2]

و لكن تلقت باليدين ضمانتي‏[3] # و حلّ بشرج م القبائل‏[4]عوّدي

و لم تلهها[5]تلك التكاليف إنّها # كما شئت من أكرومة و تخرّد[6]

سأجزيك أو يجزيك‏[7]عنّي مثوّب # و قصرك‏[8]أن يثنى عليك و تحمدي‏

رثى فضالة بن كلدة حين مات:

قالا: ثم مات فضالة بن كلدة، و كان يكنى أبا دليجة، فقال فيه أوس بن حجر يرثيه.

يا عين لا بدّ من سكب و تهمال # على فضالة جلّ الرّزء العالي‏

/و يروى «عينيّ» . العالي: الأمر العظيم الغالب. و هي طويلة جدّا. و فيها مما يغنّى فيه:

صوت‏

أبا دليجة من توصي بأرملة # أم من لأشعث‏[9]ذي طمرين ممحال

أبا دليجة من يكفي العشيرة إذ # أمسوا من الأمر في لبس و بلبال

لا زال مسك و ريحان له أرج # على صداك‏[10]بصافي اللّون سلسال‏

/غنّى فيه دحمان خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. و ذكر حبش أنّ فيه لابن عائشة رملا بالوسطى عن عمرو. و ذكر حبش أنّ فيه لابن عائشة رملا بالبنصر، و لداود بن العباس ثاني ثقيل، و لابن جامع خفيف ثقيل.

و من فاضل مراثيه إياه و نادرها قوله:

أيّتها النفس أجملي جزعا # إنّ الذي تكرهين قد وقعا

إنّ الذي جمّع السماحة و الـ # نّجدة و الحزم و القوى جمعا

[1]الثواء: الإقامة. و الثوى هنا: الضيف.

[2]المقعد: الذي به داء يقعده. و في بعض «الأصول» و «الديوان» : «مقعدي» بياء في آخره.

[3]الضمانة: الداء في الجسد من كبر أو بلاء أو غير ذلك. و مثل الضمانة الضمان و الضمن (بالتحريك) و الضمنة (بالتحريك) و الضمنة (بالضم) ؛ يقال: رجل ضمن (بالتحريك) لا يثنى و لا يجمع لأنه وصف بالمصدر، و رجل ضمن (بكسر عينه) و ضمين؛ و هذان الوصفان يثنيان و يجمعان؛ و جمع الأوّل: ضمنون، و الثاني: ضمني.

[4]أي من القبائل. و في «الأصول» : «فالقبائل» و التصويب من «الديوان» .

[5]يقال: لهى عن الشي‏ء يلهى (و زان فرح) إذا كف عنه و تركه. يريد: لم يجعلها تتركه ما تلاقيه في القيام عليه من تكاليف.

[6]التخرد: الحياء و الخفر؛ يقال: خردت الفتاة خردا (من باب فرح) و تخرّدت.

[7]المثوب هنا: الذي يعطي المحسن ثواب ما عمل؛ يقال: أثابه اللّه و أثوبه و ثوّبه.

[8]قصرك: غايتك و كفايتك؛ و مثله قصارك و قصاراك (بضم القاف فيهما) .

[9]رجل أشعث: مغبر الرأس متلبد الشعر أو منتشره لقلة تعهده بالدهن و الاستحداد. و الطمر: الثوب الخلق. و ممحال: مجدب. يريد أنّه فقير.

[10]الصدى هنا: جثة الميت في قبره. و بصافي اللون أي مع صافي اللون، يريد الماء. و الدعاء للقبور بالسقيا معروف عند العرب.

50

المخلف المتلف‏[1]المرزّأ لم # يمتع بضعف و لم يمت طبعا

أودى و هل تنفع الإشاحة[2]من # شي‏ء لمن قد يحاول البدعا

و هي قصيدة أيضا يمدحه بها في حياته و يرثيه بعد وفاته. و له فيه قصائد غير هذه.

صوت‏

رأيت زهيرا كلكل خالد # فأقبلت أسعى كالعجول أبادر

فشلّت يميني يوم أضرب خالدا # و يمنعه مني الحديد المظاهر

عروضه من الطويل. الشعر لورقاء بن زهير. و الغناء لكردم، خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها عن إسحاق، و ذكر عمرو بن بانة أنه لمعبد، و ذكر إسحاق أنه ينسبه إلى معبد من لا يعلم، و روى عن أبى سياط عن يونس أنه أخذه من كردم و أعلمه أن الصنعة فيه له.

[1]المخلف المتلف: يريد أنه يتلف ماله كرما، و يخلفه نجدة؛ كما قال آخر:

فأتلف ذاك متلاف كسوب و المرزأ: الذي تناله الرزيات في ماله لما يعطي و يسأل. و الإمتاع: الإقامة. يقول: لم يقم و هو ضعيف. و الطبع: الدنس. و أصل الطبع (بالتحريك) : الوسخ و الصدأ يغشيان السيف و غيره. و قد استعير لما يغشي النفس من الخلال الذميمة.

[2]أودى هلك. و الإشاحة: الحذر. يقول: هل ينفع الحذر و الخوف شيئا لمن يحاول دفع الموت. و عبر عن محاولة دفع الموت بمحاولة البدع، إذ محاولة دفع الموت بدعة. و في «الأصول» : «لمن قد يحاول النزعا» . و التصويب من «لسان العرب» (مادة شيح) و «الكامل» للمبرد (ص 730 طبعة أوربا) .

51

6-خبر ورقاء بن زهير و نسبه و قصة شعره هذا:

هو ورقاء بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة من مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس‏[1]بن بغيض بن ريث بن غطفان، يقوله لما قتل خالد بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة[2]، أباه زهير بن جذيمة. و كان السبب في ذلك-فيما أخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر قالا حدّثنا عمر بن شبّة، و نسخت بعض هذا الخبر عن الأثرم و رواية ابن الكلبيّ، و أضفت بعض الروايات إلى بعض إلاّ ما أفردته و جلبته عن راويه. قال أبو عبيدة حدّثني عبد الحميد بن عبد الواحد بن عاصم بن عبد اللّه بن رافع بن مالك بن عبد بن جلهمة بن حدّاق بن يربوع بن سعد بن تغلب بن سعد بن عوف بن جلاّن بن غنم بن أعصر، قال حدّثني أبي عبد الواحد و عمّي صفوان ابنا عاصم عن أبيهما عاصم بن عبد اللّه عمن أدرك شأس بن زهير. قال: كان مولد عاصم قبل مبعث النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و كان عاصم جاهليّا. قال: و قال عبد الحميد حدّثني سيّار بن عمرو أحد بني عبيد بن سعد بن عوف بن جلاّن بن غنم-/قال أبو عبيدة: و كان أعلم غنيّ‏[3]-عن شيوخهم-:

مقتل شأس بن زهير أخيه و البحث عن قاتله ثم محاولة الثأر منه:

أن شأس بن زهير بن جذيمة أقبل من عند ملك-قال أبو عبيدة: أراه النعمان-و كان بينه و بين زهير صهر- قال أبو عبيدة: ثم حدّثني مرّة أخرى قال: كانت ابنة زهير عنده-فأقبل شأس بن زهير من عنده و قد حباه أفضل/الحبوة مسكا و كسا و قطفا و طنافس، فأناخ ناقته في يوم شمال و قرّ على ردهة[4]في جبل و رياح بن الأسكّ‏[5]أحد بني رباع بن عبيد بن سعد بن عوف بن جلاّن على الرّدهة ليس غير بيته بالجبل؛ فأنشأ شأس يغتسل بين الناقة و البيت؛ فاستدبره رياح فأهوى له بسهم فبتر به صلبه. قال أبو عبيدة و حدّثني رجل يخيّل إليّ أنه أبو يحيى الغنويّ قال: ورد شأس و قد حباه الملك بحبوة فيها قطيفة حمراء ذات هدب و طيب، فورد منعجا[6]و عليه خباء ملقى لرياح بن الأسكّ فيه أهله في الظّهيرة؛ فألقى ثيابه بفنائه ثم قعد يهريق عليه الماء، و المرأة قريبة منه (يعني امرأة رياح) فإذا هو مثل الثور الأبيض. فقال رياح لامرأته: أنطيني‏[7]قوسي؛ فمدّت إليه قوسه و سهما، و انتزعت المرأة نصله لئلا يقتله؛ فأهوى عجلان إليه فوضع السهم في مستدقّ الصّلب بين فقارتين ففصلهما، و خرّ ساقطا؛ و حفر له حفرا فهدمه عليه، و نحر جمله و أكله. قال: و قال عبد الحميد: أكل ركوبته و أولج متاعه بيته. و قال [1]كذا في كتاب «المعارف» لابن قتيبة و «القاموس» . و في «الأصول» : «قطيعة بن قيس» .

[2]في «الأصول» : «حفصة» و هو تحريف.

[3]كذا في جـ. و في «سائر الأصول» : «و كان بلغني عن شيوخهم» و هو تحريف.

[4]الردهة (بالفتح) : النقرة في الجبل أو في الصخر يستنقع فيها الماء.

[5]في كتاب «الكامل» لابن الأثير (ج 1 ص 411) : «رياح بن الأشل» .

[6]منعج (بفتح فسكون فكسر) : موضع.

[7]في «أ، م» : «اعطيني» . و أنطيني لغة في اعطيني. ـ

52

عبد الحميد: و فقد شأس و قصّ أثره و نشد، و ركبوا إلى الملك فسألوه عن حاله. فقال لهم الملك: حبوته و سرّحته.

فقالوا: و ما متّعته به؟قال: مسك و كسا و نطوع و قطف. فأقبلوا يقصّون أثره فلم تتّضح لهم سبيله. فمكثوا كذلك ما شاء اللّه، لا أدري كم، حتى رأوا امرأة رياح باعت بعكاظ قطيفة حمراء أو بعض ما كان من حباء الملك، فعرفت و تيقّنوا أن رياحا ثأرهم. قال أبو عبيدة: و زعم الآخر قال: نشد[1]زهير بن جذيمة الناس، فانقطع ذكره على منعج وسط غنيّ، ثم أصابت الناس جائحة و جوع، فنحر زهير ناقة[2]، فأعطى امرأة شطّيها[3]/فقال: اشترى لي الهدب و الطّيب. فخرجت بذلك الشحم و السّنام تبيعه حتى دفعت‏[4]إلى امرأة رياح، فقالت: إنّ معي شحما أبيعه في الهدب و الطّيب؛ فاشترت المرأة منها. فأتت المرأة زهيرا بذلك، فعرف الهدب. فأتى زهير غنيّا، فقالوا: نعم!قتله رياح بن الأسكّ، و نحن برءاء منه. و قد لحق بخاله من بني الطمّاح و بني أسد بن خزيمة. فكان يكون اللّيل عنده و يظهر في أبان‏[5]إذا أحسّ الصبح، يرمي الأروى‏[6]؛ إلى أن أصبح ذات يوم و هو عنده و عبس تريغه‏[7]. فركب خاله جملا و جعله على كفل‏[8]وراءه. فبينا هو كذلك إذا دنت، فقالوا[9]: هذه خيل عبس تطلبك. فطمر[10]في قاع شجر فحفر في أصل سوقه. و لقيت الخيل خاله فقالوا: هل كان معك أحد؟قال لا. فقالوا: ما هذا المركب وراءك؟لتخبرنّا أو لنقتلنّك!قال: لا كذب، هو رياح في ذلك القاع. فلما دنوا منه قال الحصينان: يا بني عبس دعونا و ثأرنا، فخنسوا[11]عنهما. فأخذ رياح نعلين من سبت‏[12]فصيّرهما على صدره حيال كبده، و نادى: هذا غزالكما الذي تبغيان. فحمل عليه أحدهما فطعنه، فأزالت النعل الرمح إلى حيث شاكلته، و رماه رياح مولّيا فجذم‏[13]صلبه. قال: ثم جاء الآخر فطعنه فلم يغن شيئا، و رماه مولّيا فصرعه. فقالت عبس: أين تذهبون إلى هذا!و اللّه/ليقتلنّ منكم عدد مراميه، و قد جرحاه فسيموت. قال: و أخذ رياح رمحيهما و سلبيهما و خرج حتى سند إلى أبان. فأتته عجوز و هو يستدمي‏[14]على الحوض ليشرب منه/و قالت: استأسر تحي، فقال: جنّبيني‏[15]حتى أشرب. قال: فأبت و لم تنته. فلما غلبته أخذ مشقّصا[16]و كنّع‏[17]به كرسوعي يديها. قال فقال عبد الحميد: فلما [1]يريد: سأل الناس.

[2]كذا في «حـ» . و في «سائر الأصول» : «ناقته» .

[3]شطيها: جانبي سنامها.

[4]دفعت: انتهت.

[5]أبان: جبل.

[6]الأروى: اسم جمع للأروية و هي أنثى الوعول.

[7]تريغه: تطلبه.

[8]الكفل (بالكسر) : شي‏ء مستدير يتخذ من الخرق و نحوها و يوضع على سنام البعير.

[9]كذا في «الأصول» . و لعل صوابه: «إذ دنت الخيل فقال هذه... إلخ» .

[10]طمر: معناها هنا استخفى.

[11]خنسوا: تأخروا و تنحوا.

[12]السبت: (بالكسر) : الجلد المدبوغ.

[13]جذمه: قطعه بسرعة.

[14]يستدمي: يطأطئ رأسه يقطر منه الدم.

[15]جنبيني: ابعدي عني؛ يقال: جنبه تجنيبا و تجنبه و جانبه و تجانبه و اجتنبه إذا بعد عنه. و في «الأصول» : «اجنبيني» بزيادة الألف، و هو تحريف. و يقال: جنبه الشي‏ء يجنبه (من باب نصر) ، و جنّبه إياه تجنيبا، و أجنبه إياه، إذا نحاه عنه.

[16]المشقص: نصل عريض أو هو سهم فيه ذلك النصل.

[17]كتع (بالتضعيف) : قطع. و في بعض «الأصول» : «كنع» بالتاء، و هو تصحيف.

53

استبان لزهير بن جذيمة أنّ رياحا ثأره قال يرثي شأسا:

رثاء زهير بن جذيمة لابنه شأس:

بكيت لشأس حين خبّرت أنّه # بماء غنيّ آخر اللّيل يسلب

لقد كان مأتاه الرّداه لحتفه # و ما كان لو لا غرّة اللّيل يغلب

فتيل غنيّ ليس شكل كشكله # كذاك لعمري الحين للمرء يجلب

سأبكي عليه إن بكيت بعبرة # و حقّ لشأس عبرة حين تسكب

و حزن عليه ما حييت و عولة # على مثل ضوء البدر أو هو أعجب

إذا سيم‏[1]ضيما كان للضيم منكرا # و كان لدي الهيجاء يخشى و يرهب

و إن صوّت الداعي إلى الخير مرّة # أجاب لما يدعو له حين يكرب‏[2]

ففرّج عنه ثم كان وليّه # فقلبي عليه لو بدا القلب ملهب‏

و قال زهير بن جذيمة حين قتل شأس: شأس و ما شأس!و البأس و ما البأس!لو لا مقتل شأس، لم يكن بيننا بأس.

قال: ثم انصرف إلى قومه، فكان لا يقدر على غنويّ إلاّ قتله.

قال عبد الحميد: فغزت بنو عبس غنيّا قبل أن يطلبوا قودا أو دية مع أخي شأس الحصين بن زهير بن جذيمة و الحصين بن أسيد بن جذيمة ابن أخي زهير. فقيل/ذلك لغنيّ؛ فقالت لرياح: انج، لعلنا نصالح على شي‏ء أو نرضيهم بدية و فداء. فخرج رياح رديفا لرجل من بين كلاب-و زعم أبو حيّة النّميريّ أنه من بني جعد[3]-و كان معهما صحيفة فيها آراب‏[4]لحم، لا يريان إلاّ أنهما قد خالفا وجهة القوم، فأوجفا أيديهما في الصّحيفة فأخذ كل و اخذ منهما و ذرة[5]ليأكلها، مترادفين لا يقدران على النزول. قال: فمرّ فوق رءوسهما صرد[6]فصرصر، فألقيا اللحم و أمسكا بأيديهما و قالا: ما هذا!ثم عادا إلى مثل ذلك فأخذ كل واحد منهما عظما، و مرّ الصّرد فوق رءوسهما فصرصر؛ فألقيا العظمين و أمسكا بأيديهما و قالا: ما هذا!ثم عادا الثالثة فأخذ كل واحد منهما قطعة، فمرّ الصّرد فوق رءوسهما فصرصر، فألقيا القطعتين‏[7]؛ حتى فعلا ذلك ثلاث مرات، فإذا هما بالقوم أدنى ظلم (و أدنى ظلم‏[8]أي أدنى شي‏ء) و قد كانا يظنّان أنهما قد خالفا وجهة القوم. فقال صاحبه لرياح: اذهب فإني آتي القوم أشاغلهم عنك و أحدّثهم حتى تعجزهم ثم ماض إن تركوني. فانحدر رياح عن عجز الجمل فأخذ [1]سامه الأمر: كلفه إياه، و أكثر ما يستعمل في العذاب و الشر و الظلم.

[2]يكرب: يصيبه الكرب و هو الحزن و الغم الذي يأخذ بالنفس.

[3]لم نجد المظان «بني جعد» . فلعله «من بني جعدة» .

[4]آراب لحم: قطع لحم. و في «الأصول» : «أداب لحم» و هو تحريف.

[5]كذا في «جـ» . و الوذرة (بالفتح و يحرك) : القطعة الصغيرة من اللحم لا عظم فيها، و قيل: هي ما قطع من اللحم مجتمعا عرضها بغير طول. و في «سائر الأصول» : «و ضرة» و هو تحريف.

[6]الصرد. طائر أبقع ضخم الرأس يكون في الشجر، نصفه أبيض و نصفه أسود، و هو من سباع الطير، ضخم المنقار عظيم البرثن، كانت العرب تتطير من صوته.

[7]كذا في «حـ» . و في «سائر الأصول» : «العظمين» .

[8]في «الأصول» : «و أدنى ظلام» و ظاهر أنه تحريف؛ إذ هو ما قبله، و كرره المؤلف ليفسره.

54

أدراجه‏[1]و عدا أثر الراحلة حتى أتى ضفّة[2]فاحتفر تحتها مثل مكان الأرنب فولج فيه، ثم أخذ نعليه فجعل إحداهما على سرّته و الأخرى على صفنه‏[3]ثم شدّ عليهما العمامة، و مضى صاحبه حتى لقي القوم، فسألوه فحدّثهم و قال: هذه غنيّ كاملة و قد دنوت منهم، فصدّقوه و خلّوا سربه‏[4]. فلما ولّى رأوا مركب الرجل خلفه، /فقالوا: من الذي كان خلفك/فقال: لا مكذبة!ذلك رياح في الأول من السّمرات. فقال الحصينان لمن معهما: قفوا علينا حتى نعلم علمه فقد أمكننا اللّه من ثأرنا، و لم يريدا أن يشركهما فيه أحد، فمضيا و وقف القوم عنهما. قالوا قال رياح: فإذا هما ينقلان فرسيهما، فما زالا يريغاني، فابتدراني فرميت الأوّل فبترت صلبه، و طعنني الآخر قبل أن أرميه و أراد السّرّة فأصاب الرّبلة[5]، و مرّ الفرس يهوي به، فاستدبرته بسهم فرشقت به صلبه فانفقر منحنى الأوصال، و قد بترت صلبيهما. قال أبو عبيدة قال أبو حيّة: بل قال رياح: استدبرته بسهم و قد خرجت قدمه فقطعتها، فكأنما نشرت بمنشار. قال عبد الحميد: و ندّ فرساهما فلحقا[6]بالقوم. قال رياح: فأخذت رمحيهما فخرجت بهما حتى أتيت رملة فسندت فغرزت الرمحين فيها ثم انحدرت. قال: و طلبه القوم، حتى إذا رفع لهم الرمحان لم يقربوهما علم اللّه حتى وجدوا أثر رياح خارجا قد فات. و انطلق رياح خارجا حتى ورد ردهة عليها بيت أنمار بن بغيض و فيه امرأة و لها ابنان قريبان منها و جمل لها راتع في الجبل، و قد مات رياح عطشا. فلمّا رأته يستدمي طمعت فيه و رجت أن يأتيها ابناها، فقالت له: استأسر. فقال لها: دعيني ويحك أشرب، فأبت. فأخذ حديدة إمّا سكّينا و إمّا مشقصا فجذم به رواهشها[7]فماتت، و عبّ في الماء حتى نهل‏[8]ثم توجّه إلى قومه. فقال رياح فيها و في الحصينين:

قالت لي استأسر لتكتفني # حينا و يعلو قولها قولي

و لأنت أجرأ من أسامة[9]أو # منّي غداة وقفت للخيل

/إذ الحصين لدى الحصين كما # عدل الرّجازة جانب الميل‏

قال الأثرم: الرّجازة شي‏ء يكون مع المرأة في هودجها، فإذا مال أحد الجانبين وضعته في الناحية الأخرى ليعتدل. قال أبو عبيدة: يعني حصين بن زهير بن جذيمة، و حصين بن أسيد بن جذيمة و هو ابن عمه.

قال أبو عبيدة قال عبد الحميد: و اللّه لقد سمعت هذا الحديث على ما حدثتك به منذ ستين سنة قال عبد الحميد: و ما سمعت أنّ بني عبس أدركوا بواحد منهم و لا اقتادوا و لا أنذروا، و لا سمعت فيه من الشعر لنا و لا لغيرنا في الجاهليّة بأكثر مما أنشدتك. و إلى هذا انتهى حديثنا و حديثه، و لا و اللّه ما قتل خالد بن جعفر زهير بن جذيمة في حربنا، غير أنّ الكميت بن زيد الأسديّ، و كانت له أمّان من غنيّ، ذكر من مقتل [1]الأدراج: الطرق.

[2]الضفة: جانب النهر و الوادي.

[3]الصفن (بالتحريك و بالفتح) : وعاء الخصبة.

[4]السرب (بالفتح و هو الأرجح، و قال أبو عمرو بالكسر) : الطريق.

[5]الربلة (بالفتح و بالتحريك و هو الأفصح) : باطن الفخذ.

[6]في «الأصول» : «فلحقنا» .

[7]الرواهش: العصب الذي في ظاهر الذراع، و قيل: هي عصب و عروق في باطن الذراع، واحدها راهشة و راهش.

[8]نهل هنا: روى.

[9]أسامة: اسم علم للأسد.