الأغاني - ج15

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
267 /
5

الجزء الخامس عشر

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* <الجزء الخامس عشر من كتاب الأغاني>

صوت‏

هل في ادّكار الحبيب من حرج # أم هل لهمّ الفؤاد من فرج

أم كيف أنسى رحيلنا حرما # يوم حللنا بالنّخل من أمج‏[1]

يوم يقول الرسول قد أذنت # فائت على غير رقبة فلج

أقبلت أسعى إلى رحالهم # في نفحة من نسيمها الأرج‏

الشعر لجعفر بن الزّبير[2]، و الغناء للغريض، خفيف ثقيل أوّل، بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، عن إسحاق. و ذكر عمرو بن بانة أنه لدحمان في هذه الطريقة و المجرى. و ذكره يونس بغير طريقة و قال: فيه لحنان:

لابن سريج و الغريض. و ذكر الهشاميّ أنّ لحن ابن سريج رمل بالوسطى.

[1]أمج، بالتحريك: بلد من أعراض المدينة.

[2]الأبيات نسبت في «معجم البلدان» إلى عبيد اللّه بن قيس الرقيات.

6

تتمة التراجم‏

1-أخبار جعفر بن الزّبير و نسبه‏

نسبه:

جعفر بن الزّبير بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب. و أم جعفر بن الزبير زينب بنت بشر بن عبد عمرو، من بني قيس‏[1]بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل.

قصته مع سليمان بن عبد الملك في فرض الأعطيات:

أخبرني الطّوسي قال: حدّثنا الزبير بن بكّار قال: حدّثني مصعب بن عثمان قال: أخبرني جدّك عبد اللّه بن مصعب‏[2]عن أبي عثمان‏[3]بن مصعب، عن شعيب بن جعفر بن الزبير قال:

فرض سليمان بن عبد الملك للناس في خلافته، و عرض الفرض. قال: و كان ابن حزم‏[4]في ذلك محسنا يعلم اللّه، إنّه كان/يأمر الغلمان أن يتطاولوا على خفافهم ليرفعهم بذلك.

قال شعيب بن جعفر بن الزبير: فقال لي سليمان بن عبد الملك: من أنت؟قلت: شعيب بن جعفر بن الزبير.

فقال: ما فعل جعفر؟فقال له عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين‏[5]على الكبر و العيال. فقال: قل له يحضر الباب. /فقال لجعفر، احضر الباب. فدعا المنذر بن عبيدة بن الزبير، فرفع معه رقعة و أرسله إلى عمر بن عبد العزيز، فيها قوله:

يا عمر بن عمر بن الخطّاب # إنّ وقوفي من وراء الأبواب

يعدل عندي حطم بعض الأنياب‏[6]

قال: فلما قرأها عمر عذره عند سليمان، فأمر له سليمان بألف دينار في دينه، و ألف دينار معونة على عياله، و برقيق من البيض و السّودان، و كثير من طعام الجاري‏[7]، و أن يدان من الصّدقة بألفي دينار. قال: فلما جاء ذلك [1]هذا ما في ط، مب، مط. و في م: «بن عبد عزى من بني قيس» و في سائر النسخ: «بن عبد عمرو بن قيس» .

[2]كذا في ط، مب، مط. و هو الصواب؛ إذ أن عبد اللّه بن مصعب، هو جدّ الزبير بن بكار. و في بعض النسخ: «جدي» بدل «جدك» ، تحريف.

[3]م: «عن عثمان» .

[4]هو محمد بن حزم، ذكر المسعودي في «التنبيه و الإشراف» 275 أنه كان قاضي سليمان بن عبد الملك.

[5]يا أمير المؤمنين، من ط، مب، مط.

[6]يعدل: يساوي. س: «بعدك» . أ، ط: «بعض أنياب» ، أي أنيابي.

[7]ط، مب: «و من طعام الجار» .

7

إلى أبي قال: أعطيته من غير مسألة؟فقيل: نعم. قال: الحمد للّه، ما أسخى هذا الفتى!ما كان أبوه سخيا و لا ابن سخيّ. و لكنّ هذا كأنه‏[1]من آل حرب. ثم قال:

فما كنت ديانا فقد دنت إذ بدت # صكوك أمير المؤمنين تدور[2]

بوصل أولي الأرحام قبل سؤالهم # و ذلك أمر في الكرام كثير

قال بعض من روى هذا الخبر عن الزبير: الناس لا ينظرون في عيب أنفسهم، و ما كان لجعفر أن يعيب أحدا بالبخل؛ و ما رئي في الناس أحد أبخل منهم أهل البيت و لا من عبد اللّه بن الزبير خاصة، و ما كان فيهم جواد غير مصعب.

قال الزبير: حدّثني عمي، قال: كان السلطان بالمدينة إذا جاء مال الصدقة أدان من أراد من قريش منه‏[3]، و كتب بذلك صكّا عليه، فيستعبدهم به، /و يختلفون إليه، و يديرونه‏[4]، فإذا غضب على أحد منهم استخرج ذلك منه‏[5]، حتّى كان هارون الرشيد، فكلّمه عبد اللّه بن مصعب في صكوك بقيت من ذلك على غير واحد من قريش؛ فأمر بها فخرّقت عنهم، فذلك قول ابن الزبير:

فما كنت ديّانا فقد دنت إذ بدت # صكوك أمير المؤمنين تدور

قال الزبير: و حدّثني عمّي مصعب قال:

شهد جعفر بن الزبير مع أخيه عبد اللّه حربه، و استعمله عبد اللّه على المدينة، و قاتل يوم قتل عبد اللّه بن الزبير، حتّى جمد الدم على يده؛ و في ذلك يقول جعفر:

لعمرك إنّي يوم أجلت ركائبي # لأطيب نفسا بالجلاد لدى الرّكن‏[6]

ضنين بمن خلفي شحيح بطاعتي # طراد رجال لا مطاردة الحصن‏

-الحصن: جمع حصان، يقول: هذا طراد القتال لا طراد الخيل في الميادين-

غداة تحامتنا تجيب و غافق # و همدان تبكي من مطاردة الضّبن‏[7]

عاتب أخاه عروة و قال شعرا:

قال الزبير:

و حدّثني عمي مصعب بن عثمان؛ أنّ جعفر بن الزبير كانت بينه و بين أخيه عروة معاتبة، فقال في ذلك:

[1]كأنه، ساقطة من ط، مب.

[2]أراد بالديان هنا المقترض، كالمديان.

[3]ط، مب، مط: «منها» ، برجوع الضمير إلى «الصدقة» .

[4]س: «و يداورونه» . أ: «و يدبرونه» ، و أثبت ما في ط، مب، مط. يقال: أدرته عن الأمر، إذا طلبت منه تركه.

[5]الاستخراج: استصفاء أموال من اتهم باختلاس الدولة، و كانوا يستخدمون كل ما لديهم من وسائل التعذيب و الإرهاق لاستخراج هذه الأموال، و كان لهذا قيم يسمونه «صاحب الاستخراج» . انظر «البيان و التبيين» للجاحظ (2: 166) .

[6]ط، مب، مط: «كتائبي» موضع «ركائبي» .

[7]تجيب، بضم التاء و فتحها: بطن من كندة. س: «بخبت» ، تحريف. و الضبن، لعلّه يعني بهم بني ضبينة، و هم حي من قيس.

8

/

لا تلحينّي يا ابن أمّي فإنّني # عدوّ لمن عاديت يا عرو جاهد

و فارقت إخواني الذين تتابعوا # و فارقت عبد اللّه و الموت عاند[1]

و لو لا يمين لا أزال أبرّها # لقد جمعتنا بالفناء المقاعد[2]

رثاؤه لولده:

قال الزبير: أنشدتني عمّتي أسماء بنت مصعب بن ثابت، لجعفر بن الزبير، و أنشدنيه غيرها يرثي ابنا له‏[3]:

صوت‏

أهاجك بين من حبيب قد احتمل # نعم ففؤادي هائم العقل محتبل

و قالوا صحيرات اليمام و قدّموا # أوائلهم من آخر الليل في الثّقل‏[4]

مررن على ماء العشيرة و الهوى # على ملل يا لهف نفسي على ملل‏[5]

فتى السنّ كهل الحلم يهتزّ للندى # أمر من الدّفلى و أحلى من العسل‏[6]

في هذه الأبيات خفيف رمل بالبنصر، نسبه يحيى المكي إلى ابن سريج، و نسبه الهشاميّ إلى الأبجر، قال:

و يقال إنه لابن سهيل.

قصة في بيتين من شعره‏

فأخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائني-و خبره أتم-قال: اصطحب قوم في سفر، و معم رجل يغنّي، و شيخ عليه أثر النّسك و العبادة، فكانوا يشتهون أن يغنّيهم الفتى و يستحيون من الشّيخ إلى أن/بلغوا إلى صحيرات اليمام، فقال له المغني: أيها الشيخ إنّ عليّ يمينا أن أنشد شعرا إذا انتهيت إلى هذا الموضع، و إنّي أهابك و أستحي منك؛ فإن رأيت أن تأذن لي في إنشاده أو تتقدّم حتّى أوفي بيميني ثم نلحق بك فافعل. قال: و ما عليّ من إنشادك؟!أنشد ما بدا لك. فاندفع يغني:

و قالوا صحيرات اليمام و قدّموا # أوائلهم من آخر الليل في الثّقل

وردن على ماء العشيرة و الهوى # على ملل يا لهف نفسي على ملل‏

فجعل الشيخ يبكي أحرّ بكاء و أشجاه، فقالوا له: ما لك يا عمّ تبكي؟فقال: لا جزيتم خيرا؛ هذا معكم طول هذا الطريق و أنتم تبخلون عليّ به أتفرّج به‏[7]و يقطع عنّي طريقي؛ و أتذكّر أيام شبابي. فقالوا: لا و اللّه ما كان يمنعنا [1]العاند: العاتي الشديد.

[2]أ، س: «لا أراك» تحريف، صوابه في ط، مب، مط.

[3]كذا في ط، مب، مط. و في بعض النسخ: «لها» .

[4]و يقال أيضا «صخيرات الثمام» كما في «معجم البلدان» ، و هو موضع ذكر في غزاة بدر.

[5]العشيرة بلفظ التصغير، كما في «معجم البلدان» . و ملل: واد ينحدر من ورقان حتى يصب في الفرش.

[6]الدفلى، بكسر الدال: نبات شديد المرارة.

[7]أتفرّج به: ألتمس الفرج مما أنا فيه من ضيق.

9

منه غير هيبتك. قال: فأنتم إذا معذورون. ثم أقبل عليه؛ فقال: عد فديتك إلى ما كنت عليه. فلم يزل يغنّيهم طول سفرهم حتّى افترقوا.

شعره في ترقيص ابنته أم عروة:

قال الزبير: و أخبرني مصعب بن عثمان أن أمّ عروة بنت جعفر بن الزبير أنشدته لأبيها جعفر و كان يرقّصها بذلك:

يا حبّذا عروة في الدّمالج‏[1] # أحبّ كلّ داخل و خارج‏

شعره في ابنه صالح في غزوة أرض الروم:

قال: و أخبرتني أن أخاها صالح بن جعفر غزا أرض الروم، فقال فيه جعفر:

قد راح يوم السبت حين راحوا[2] # مع الجمال و التّقى صلاح

من كلّ حيّ نفر سماح # بيض الوجوه عرب صحاح

و فزعوا و أخذ السلاح # و هم إذا ما كره الشّياح‏[3]

مصاعب يكرهها الجراح‏

/قال الزبير: و لجعفر شعر كثير قد نحل عمر بن أبي ربيعة و دخل في شعره. فأمّا الأبيات التي ذكرت فيها الغناء فمن الناس من يرويها لعمر بن أبي ربيعة، و منهم من يرويها للأحوص و للعرجيّ؛ و قد أنشدنيها جماعة من أصحابنا لجعفر بن الزبير. و أخبرني بذلك الحرميّ، و الطوسيّ، و حبيب بن نصر المهلّبي، و ذكر الأبيات. و أخبرنيه عمّي عن ابن أبي سعد[عن سعيد بن عمرو عن أم عروة بنت جعفر مثله. قال ابن أبي سعد][4]: قال الحزاميّ:

الناس يروونها للعرجيّ، و أمّ عروة أصدق.

تزوجه امرأة من خزاعة

أخبرني الطوسيّ قال حدّثنا الزبير قال: حدّثني سعيد بن عمرو الزبيريّ قال: تزوّج جعفر بن الزبير امرأة من خزاعة و فيها يقول:

هل في ادّكار الحبيب من حرج‏

الأبيات. و زاد فيها بيتين و هما:

تسفر عن واضح إذا سفرت # ليس بذي آمة و لا سمج‏[5]

و سقط البيت الآخر من الأصل.

[1]الدمالج: جمع دملج، و هو حلية تلبس في العضد. ط، مب، مط: «في الروائج» .

[2]في بعض النسخ «حتى راحوا» ، صوابه في ط، مب، مط.

[3]الشياح: المقاتلة. و هذا الشطر من ط، مب، مط.

[4]هذه التكملة من ط، مب، مط فقط.

[5]الآمة، كقامة: العيب. و السمج: القبيح ذو السماجة.

10

وفاته و كثرة من شيع جنازته‏

قال الزبير في رواية الطوسي: حدّثني مصعب بن عثمان و عمي مصعب قالا:

كان جماعة من قريش منتحين عن المدينة، فصدر عن المدينة بدويّ فسألوه: هل كان للمدينة خبر؟قال: نعم مات أبو الناس. قالوا: و أنّى ذلك؟قال: شهده أهل المدينة جميعا؛ و بكي عليه من كلّ دار. فقال القوم: هذا جعفر بن الزبير، فجاءهم الخبر بعد أنّ جعفر بن الزّبير مات.

شعره في زواج الحجاج ببنت عبد اللّه بن جعفر:

أخبرني عمي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني إبراهيم بن معاوية عن أبي محمد الأنصاريّ، عن عروة بن هشام بن عروة عن أبيه؛ قال:

لمّا تزوّج الحجّاج و هو أمير المدينة بنت عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، أتى رجل سعيد بن المسيّب فذكر له ذلك، فقال: إني لأرجو أن لا يجمع اللّه بينهما، و لقد دعا داع بذلك فابتهل، و عسى اللّه، فإن أباها لم يزوّج إلا الدراهم. فلما بلغ ذلك عبد الملك بن مروان أبرد البريد إلى الحجاج، و كتب إليه يغلظ له و يقصّر به، و يذكر تجاوزه قدره، و يقسم باللّه لئن هو مسّها ليقطعن أحبّ أعضائه إليه، و يأمره بتسويغ أبيها المهر[1]، و بتعجيل فراقها.

ففعل، فما بقي أحد فيه خير إلا سرّه ذلك.

و قال جعفر بن الزبير و كان شاعرا في هذه القصة:

وجدت أمير المؤمنين ابن يوسف # حميّا من الأمر الذي جئت تنكف‏[2]

و نبّئت أن قد قال لمّا نكحتها # و جاءت به رسل تخب و توجف‏[3]

ستعلم أنّي قد أنفت لما جرى # و مثلك منه عمرك اللّه يؤنف

و لو لا انتكاس الدهر ما نال مثلها # رجاؤك إذ لم يرج ذلك يوسف

أبنت المصفّى ذي الجناحين تبتغي # لقد رمت خطبا قدره ليس يوصف‏[4]

[1]التسويغ: الإعطاء.

[2]ابن يوسف، أراد بابن يوسف، يعني الحجاج. و الحمى: الذي أخذته الحمية، و هي الأنفة و الغيرة. و يقال نكف عن الأمر: عدل.

[3]الخبب و الإيجاف: ضربان من السير السريع.

[4]ذو الجناحين: جعفر بن أبي طالب. كان قد حمل لواء المسلمين في يوم مؤتة بيمينه فقطعت، ثم بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه فقتل و خرّ شهيدا، فيقولون: إنه عوض من يديه جناحين يطير بهما في الجنة. «الإصابة» 1162.

11
صوت‏

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا # أنيس و لم يسمر بمكّة سامر[1]

بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا # صروف الليالي و الجدود العواثر[2]

عروضه من الطويل. الشعر فيما ذكر ابن إسحاق صاحب المغازي لمضاض بن عمرو/الجرهميّ. و قال غيره:

بل هو للحارث بن عمرو بن مضاض.

أخبرنا بذلك الجوهريّ عن عمر بن شبة عن أبي غسان محمد بن يحيى عن غسان بن عبد الحميد. و قال عبد العزيز بن عمران‏[3]: هو عمرو بن الحارث بن مضاض. و الغناء ليحيى المكي، رمل بالوسطى عن عمرو. و فيه لإبراهيم الموصلي ماخوريّ بالبنصر. و فيه لأهل مكة لحن قديم ذكره إبراهيم و لم يجنّسه.

[1]الحجون، بفتح الحاء: جبل بمعلاة مكة. و الصفا: من مشاعر مكة بلحف أبي قييس.

[2]الجدود: الحظوظ. العواثر، يعني بها الخوائب.

[3]ابن عمران، من ط، مب، مط.

12

2-ذكر خبر مضاض بن عمرو

أمر إبراهيم عليه السلام ابنه إسماعيل أن يتزوج ابنته:

هو مضاض بن عمرو بن الحارث الجرهميّ. و كان جدّه مضاض قد زوّج ابنته رعلة، إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن، فولدت له اثنى عشر رجلا أكبرهم قيذار و نابت. و كان أبوه إبراهيم عليه السلام أمره بذلك لأنّه لما بنى مكة و أنزلها ابنه قدم عليه قدمة من قدماته، فسمع كلام العرب و قد كانت طائفة من جرهم نزلت هنالك مع إسماعيل، فأعجبته لغتهم و استحسنها، فأمر إسماعيل عليه السلام أن يتزوّج إليهم، فتزوّج بنت مضاض بن عمرو، و كان سيّدهم.

حرب جرهم و قطوراء:

فأخبرنا محمد بن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق. و أخبرني محمد بن جعفر النحويّ قال: حدّثنا إسحاق بن أحمد الخزاعي قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه الأزرقي قال: حدّثني جدّي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن محمد بن إسحاق. و رواية إسحاق بن أحمد أتمّ. و قد جمعتها:

أن نابت بن إسماعيل ولي البيت بعد أبيه ثم توفّي، فولى مكانه جدّه لأمه مضاض بن عمرو الجرهمي، فضمّ ولد نابت بن إسماعيل إليه، و نزلت جرهم مع ملكهم مضاض بن عمرو بأعلى مكّة، و نزلت قطوراء مع ملكهم السّميدع أجياد، أسفل مكة[1]. و كان هذان البطنان خرجا سيّارة من اليمن، و كذلك كانوا لا يخرجون إلاّ مع ملك يملّكونه عليهم، فلما رأوا مكّة رأوا بلدا طيّبا، و ماء و شجرا، فنزلا و رضي كلّ واحد منهما بصاحبه و لم ينازعه، فكان مضاض يعشر[2]من جاء مكّة من أعلاها، /و كان السّميدع يعشر من جاءها من أسفلها و من كداء[3]لا يدخل أحدهما على صاحبه في أمره، ثم إن جرهما و قطوراء بغى كلّ واحد منهما على صاحبه، فتنافسوا في الملك حتّى نشبت الحرب بينهم؛ و كانت ولاية البيت إلى مضاض دون السّميدع، فخرج مضاض من بطن قعيقعان مع كتيبته في سلاح شاك‏[4]يتقعقع-فيقال: ما سميت قعيقعان إلا بذلك-و خرج السميدع من شعب‏[5]أجياد، في الخيل الجياد و الرجال-و يقال: ما سميت أجيادا إلا بذلك-حتى التقوا بفاضح، فاقتتلوا قتالا شديدا، و فضحت قطوراء-و يقال:

ما سمّي فاضحا إلا بذلك-ثم تداعى القوم إلى الصلح فساروا حتّى نزلوا المطابخ شعبا بأعلى مكّة، و هو الذي يقال [1]أجياد: أرض بمكة، أو جبل بها.

[2]عشره يعشره عشرا، من باب نصر: أخذ عشر ماله.

[3]كذا في أ، ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «كدى» . أما الممدودة فهي بفتح الكاف، و أما المقصورة فبضمها. فقيل المقصورة بأسفل مكة و الممدودة بأعلاها، و قيل العكس أيضا. انظر «معجم البلدان» .

[4]السلاح الشاكي: ذو الشوكة و الحد.

[5]الشعب، بالكسر: الطريق في الجبل.

13

له الآن شعب بن عامر فاصطلحوا هناك، و سلّموا الأمر إلى مضاض؛ فلمّا اجتمع له أمر مكّة، و صار ملكها دون السّميدع نحر للناس فطبخوا هناك الجزر، فأكلوا، و سمّي ذلك الموضع المطابخ. فيقال: إنّ هذا أوّل بغي بمكة، فقال مضاض بن عمرو في تلك الحرب‏[1]:

نحن قتلنا سيّد الحيّ عنوة # فأصبح منها و هو حيران موجع‏

-يعني أنّ الحيّ أصبح حيران موجعا-

و ما كان يبغي أن يكون سواؤنا # بها ملكا حتّى أتانا السّميدع‏[2]

فذاق وبالا حين حاول ملكنا # و حاول منّا غصّة تتجرّع‏[3]

و نحن عمرنا البيت كنّا ولاته # نضارب عنه من أتانا و ندفع

/و ما كان يبغي ذاك في الناس غيرنا # و لم يك حيّ قبلنا ثمّ يمنع

و كنّا ملوكا في الدهور التي مضت # ورثنا ملوكا لا ترام فتوضع‏

انتقام ممن استخف بحق البيت:

قال عثمان بن ساج في خبره:

و حدّثني بعض أهل العلم أنّ سيلا جاء فدخل البيت فانهدم، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم، بناه لهم رجل منهم يقال له أبو الجدرة و اسمه عمر الجارود، و سمّي بنوه الجدرة. قال: ثم استخفّت جرهم بحقّ البيت، و ارتكبوا فيه أمورا عظاما، و أحدثوا فيه أحداثا قبيحة، و كان للبيت خزانة، و هي بئر في بطنه، يلقى فيها الحلي و المتاع الذي يهدى له، و هو يومئذ لا سقف عليه، فتواعد عليه خمسة من جرهم أن يسرقوا كلّ ما فيه، فقام على كلّ زاوية من البيت رجل منهم و اقتحم الخامس، فجعل اللّه عزّ و جلّ أعلاه أسفله، و سقط منكّسا فهلك، و فرّ الأربعة الآخرون.

خبر إساف و نائلة:

قالوا: و دخل إساف و نائلة[4]البيت ففجرا فيه، فمسخهما اللّه حجرين، فأخرجا من البيت. و قيل إنّه لم يفجر بها في البيت، و لكنه قبّلها في البيت.

و ذكر عثمان بن ساج عن أبي الزناد، أنه إساف بن سهيل، و أنها نائلة بنت عمرو بن ذئب. و قال غيره: إنها نائلة بنت ذئب. فأخرجا من الكعبة، و نصبا ليعتبر بهما من رآهما، و يزدجر النّاس عن مثل ما ارتكبا، فلما غلبت خزاعة على مكة و نسي حديثهما، حوّلهما عمرو بن لحيّ بن كلاب بعد ذلك؛ فجعلها تجاه الكعبة يذبح عندهما عند موضع زمزم.

[1]الكلام بعده إلى قوله: «ثم رموا بالجدب من خلفهم» ساقط من ط.

[2]سواؤنا: لغة في سوانا.

[3]أ: «يتجرع» .

[4]هما اللذان يزعم العرب أنهما مسخا حجرين فجعلا صنمين يعبدان. و إساف، بفتح الهمزة و كسرها. و كان هذا الصنم على الصفا.

و أما نائلة فكان على المروة. و كان يذبح عليهما تجاه الكعبة.

14

دفاع مضاض عن حرمة البيت:

قالوا: فلما كثر بغي جرهم بمكّة قام فيهم مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض فقال:

/يا قوم احذروا البغي، فإنّه لا بقاء لأهله، و قد رأيتم من كان قبلكم من العماليق استخفّوا بالحرم و لم يعظّموه و تنازعوا بينهم و اختلفوا، حتّى سلطكم اللّه عليهم فاجتحتموهم‏[1]فتفرّقوا في البلاد، فلا تستخفّوا بحقّ الحرم و حرمة بيت اللّه، و لا تظلموا من دخله و جاءه معظّما لحرماته، أو خائفا، أو رغب في جواره، فإنّكم إن فعلتم ذلكم تخوّفت أن تخرجوا منه خروج ذلّ و صغار، حتّى لا يقدر أحد منكم أن يصل إلى الحرم، و لا إلى زيارة البيت الذي هو لكم حرز و أمن، و الطّير تأمن فيه.

فقال قائل منهم يقال له مجدع: و من الذي يخرجنا منه؟ألسنا أعزّ العرب و أكثرهم مالا و سلاحا؟فقال مضاض: إذا جاء الأمر بطل ما تذكرون؛ فقد رأيتم ما صنع اللّه بالعماليق!قالوا: و قد كانت العماليق بغت في الحرم، فسلّط اللّه عزّ و جلّ عليهم الذر[2]فأخرجهم منه، ثم رموا بالجدب من خلفهم حتّى ردّهم اللّه إلى مساقط رءوسهم، ثم أرسل عليهم الطوفان-قال: و الطوفان: الموت-قال: فلما رأى مضاض بن عمرو بغيهم و مقامهم عليه، عمد إلى كنوز الكعبة، و هي غزالان من ذهب، و أسياف قلعية[3]، فحفر لها ليلا في موضع زمزم، و دفنها.

فبيناهم/على ذلك إذ سارت القبائل من أهل مأرب، و معهم طريقة[4]الكاهنة، حين خافوا سيل العرم، و عليهم مزيقياء و هو عمرو بن عامر بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فقالت لهم/طريقة لمّا قاربوا[5]مكة: «و حقّ ما أقول‏[6]، و ما علّمني ما أقول إلا الحكيم المحكّم، ربّ جميع الأمم، من عرب و عجم» . قالوا لها: ما شأنك يا طريقة؟قالت:

«خذوا البعير الشدقم‏[7]، فخضّبوه بالدّم، تكن لكم أرض جرهم، جيران بيته المحرّم» . فلما انتهوا إلى مكّة و أهلها أرسل إليهم عمرو ابنه ثعلبة، فقال لهم: يا قوم، إنّا قد خرجنا من بلادنا فلم ننزل بلدة إلا أفسح أهلها لنا، و تزحزحوا عنّا، فنقيم معهم حتّى نرسل روّادا فيرتادوا لنا بلدا يحملنا، فافسحوا لنا في بلادكم حتّى نقيم قدر ما نستريح، و نرسل روّادنا[8]إلى الشّام و إلى الشرق، فحيثما بلغنا أنّه أمثل لحقنا به، و أرجو أن يكون مقامنا معكم يسيرا، فأبت ذلك جرهم إباء شديدا، و استكبروا في أنفسهم، و قالوا: لا و اللّه؛ ما نحبّ أن تنزلوا فتضيّقوا علينا مرابعنا[9]و مواردنا، فارحلوا عنا حيث أحببتم، فلا حاجة لنا بجواركم. فأرسل إليهم: إنّه لا بدّ من المقام بهذا البلد [1]الاجتياح: الاستئصال و الإهلاك.

[2]الذر: صغار النمل.

[3]القلعية: نسبة إلى القلعة بالفتح و التحريك، و هو بلد الهند تنسب إليه السيوف الجياد.

[4]طريقة، بالقاف في ط، أ، مب. و في سائر النسخ بالفاء.

[5]كذا على الصواب في ط، مب، مط. و في أ: «لما قاموا» . و في سائر النسخ «لا تؤموا مكة» ، تحريف.

[6]هذا هو الصواب في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «حتى أقول» .

[7]الشدقم: الواسع الشدق.

[8]كذا في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «روادا» .

[9]المرابع: جمع مربع، و هو موضع الإقامة في الربيع.

15

حولا، حتى ترجع إليّ رسلي التي أرسلت، فإن أنزلتموني طوعا نزلت و حمدتكم و آسيتكم‏[1]في الرّعي و الماء، و إن أبيتم أقمت على كرهكم ثم لم ترتعوا معي إلاّ فضلا[2]، و لم تشربوا إلا رنقا[3]، و إن قاتلتموني قاتلتكم، ثمّ إن ظهرت عليكم سبيت النساء و قتلت الرجال، و لم أترك منكم أحدا ينزل الحرم أبدا!فأبت جرهم أن تنزله/طوعا و تعبّت لقتاله‏[4]، فاقتتلوا ثلاثة أيام أفرغ عليهم فيها الصبر، و منعوا النصر[5]، ثم انهزمت جرهم فلم يفلت منهم إلا الشّريد. و كان مضاض بن عمرو قد اعتزل حربهم و لم يعنهم في ذلك، و قال: قد كنت أحذّركم هذا. ثم رحل هو و ولده و أهل بيته حتّى نزلوا قنونى‏[6]و ما حوله، فبقايا جرهم‏[7]به إلى اليوم، و فني الباقون؛ أفناهم السيف في تلك الحروب.

شعره في نفي جرهم عن الحرم‏

قالوا: فلما حازت خزاعة أمر مكّة و صاروا و أهلها جاءهم بنو إسماعيل و قد كانوا اعتزلوا حرب جرهم و خزاعة، فلم يدخلوا في ذلك، فسألوهم السّكنى معهم و حولهم فأذنوا لهم، فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو بن الحارث و قد كان أصابه من الصّبابة إلى مكّة أمر عظيم، أرسل إلى خزاعة يستأذنها، و متّ إليهم برأيه‏[8]و توريعه قومه عن القتال‏[9]، و سوء العشرة في الحرم، و اعتزاله الحرب، فأبت خزاعة أن يقرّوهم و نفوهم عن الحرم كلّه، و قال عمرو بن لحي لقومه: من وجد منكم جرهميا قد قارب الحرم فدمه هدر[10]!فنزعت إبل لمضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو، من قنونى تريد مكة، فخرج في طلبها حتّى وجد أثرها[11]قد دخلت مكة، فمضى على الجبال نحو أجياد، حتّى ظهر على أبي قبيس‏[12]يتبصّر الإبل في بطن وادي/مكّة، فأبصر الإبل تنحر و تؤكل و لا سبيل له إليها، فخاف إن هبط الوادي أن يقتل، فولّى منصرفا إلى أهله و أنشأ يقول:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا # أنيس و لم يسمر بمكّة سامر

و لم يتربّع واسطا فجنوبه # إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر[13]

[1]المواساة و المؤاساة: التسوية. ط، مب، أ «واسيتكم» . و نص في «القاموس» أنها لغة رديئة.

[2]الارتعاء: الرعي.

[3]الرنق بالفتح و السكون، و ككنف و جبل: الماء الكدر.

[4]التعبى: التهيؤ و الاستعداد للقتال.

[5]أي لم ينتصر أحد الفريقين.

[6]قنوني، بفتح القاف و النون: واد من أودية السراة يصب إلى البحر في أوائل أرض اليمن من جهة مكة. ط، مب: «فنوني» بالفاء و بضبط سابقه، في مط: «فنونا» . قال ياقوت: «موضع في بلاد العرب» .

[7]ط، ها: «بها» .

[8]مت: توسل. ط، مب: «برائه» . و الراء: الرأي.

[9]ورعه توريعا: كفه. ما عدا ط، مب، مط: «توزيعه» . و التوزيع: التفريق، و لا وجه له.

[10]كذا في ط، مب، مط. و بدله في سائر النسخ: «و قالوا: من دخله منهم فدمه هدر» .

[11]ما عدا ط، أ، مب: «حتى وجدها» .

[12]ظهر عليه: علاه. و أبو قبيس: جبل بمكة.

[13]التربع: الإقامة بالمكان. و واسط: موضع بالحجاز في طريق منى. و ذو الأراكة: نخل بموضع من اليمامة. ما عدا ط: «من ذي الأريكة» ، تحريف. مب: «من ذي أراكة» . مط «من ذي أراك» .

16

/

بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا # صروف اللّيالي و الجدود العواثر

و أبدلنا ربّي بها دار غربة # بها الذئب يعوي و العدوّ المخامر[1]

أقول إذا نام الخلي و لم أنم # أ ذا العرش لا يبعد سهيل و عامر[2]

قد ابدلت منهم أوجها لا أريدها # و حمير قد بدّلتها و اليحابر[3]

فإن تمل الدّنيا علينا بكلّها # و يصبح شرّ بيننا و تشاجر[4]

فنحن ولاة البيت من بعد نابت # نمشّي به و الخير إذ ذاك ظاهر[5]

و أنكح جدّي خير شخص علمته # فأبناؤه منّا و نحن الأصاهر[6]

و أخرجنا منها المليك بقدرة # كذلك يا للنّاس تجري المقادر

/فصرنا أحاديثا و كنّا بغبطة # كذلك عضّتنا السّنون الغوابر

و سحّت دموع العين تبكي لبلدة # بها حرم أمن و فيها المشاعر

و يا ليت شعري من بأجياد بعدنا # أقام بمفضى سيله و الظّواهر[7]

فبطن منّى أمسى كأن لم يكن به # مضاض و من حيّا عديّ عمائر[8]

فهل فرج آت بشي‏ء نحبّه # و هل جزع منجيك ممّا تحاذر

قالوا: و قال أيضا:

يا أيّها الحيّ سيروا إنّ قصركم # أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا[9]

إنّا كما أنتم كنّا فغيّرنا # دهر بصرف كما صرنا تصيرونا[10]

أزجوا المطيّ و أرخوا من أزمّتها # قبل الممات و قضّوا ما تقضّونا[11]

قد مال دهر علينا ثم أهلكنا # بالبغي فيه فقد صرنا أفانينا[12]

كنّا زمانا ملوك الناس قبلكم # نأوي بلادا حراما كان مسكونا

قال الأزرقي: فحدّثني محمد بن يحيى قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران قال:

[1]المخامر: المستتر. ط: «المحاصر» . مط: «المحاضر» .

[2]أ ذا العرش، أي يا ذا العرش.

[3]ما عدا ط، أ، مب، مط: «و بدلت» . يحابر بضم الياء، بن مالك بن أدد: قبيلة من اليمن. و في «الاشتقاق» لابن دريد: «و يحابر بن مالك، و هو مراد، و إنما سمي مراد لأنه أوّل من تمرد باليمن» .

[4]الكل: الثقل، كذا جاءت الرواية في ط، أ، مب، مط. و في سائر النسخ: «بكلكل» .

[5]نابت: ابن إسماعيل بن إبراهيم.

[6]أ، ط: «الأياصر» . مب، مط: «الأباصر» بالباء الموحدة.

[7]في البيت إقواء.

[8]العمائر: جمع عمارة، و هي أصغر من القبيلة و أكبر من البطن.

[9]قصركم و قصاراكم: نهايتكم و مآلكم.

[10]الصرف: واحد صروف الدهر، و هي نوائبه، و حوادثه.

[11]الإزجاء: السوق. و إرخاء الزمام: كناية عن الإسراع بالمطي. ما عدا ط، مب، مط: «و أزجوا من أزمتها» ، تحريف.

[12]أفانين: جمع أفنان، و هي جمع فنن، أي صرنا متفرقين. أو هو جمع أفنون، و هي الجري المختلط من جري الناقة و الفرس.

17

اجتمع به أبو سلمة بن عبد الأسد و هو مسنّ معلق في شجرة:

و خرج أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي قبيل الإسلام في نفر من قريش يريدون اليمن فأصابهم عطش شديد ببعض الطريق، و أمسوا على غير الطريق، فتشاوروا جميعا، فقال لهم أبو سلمة: إنّي أرى ناقتي تنازعني شقّا[1]؛ أ فلا أرسلها و أتبعها؟قالوا: فافعل. فأرسل ناقته و تبعها فأضحوا على ماء و حاضر[2]، فاستقوا/و سقوا، فإنّهم لعلى ذلك إذ أقبل إليهم رجل فقال: من القوم؟قالوا: من قريش. فرجع إلى شجرة أمام الماء فتكلّم عندها بشي‏ء ثم رجع إلينا، فقال: أ ينطلق معي أحدكم إلى رجل ندعوه‏[3]. قال أبو سلمة: فانطلقت معه فوقف بي تحت شجرة، فإذا وكر معلّق فصوّت: يا أبت!فزعزع شيخ رأسه‏[4]، فأجابه فقال: هذا الرجل. فقال لي: ممن الرجل؟قلت:

من قريش. قال: من أيّها؟قلت: من بني مخزوم بن يقظة. قال: من أيّهم؟قلت: أنا أبو سلمة بن عبد الأسد بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم بن يقظة. قال: أيهات منك‏[5]!أنا و يقظة سنّ‏[6]، أ تدري من يقول:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا # أنيس و لم يسمر بمكة سامر

/بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا # صروف الليالي و الجدود العواثر

قلت: لا. قال: أنا قائلها، أنا عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي. أ تدري لم سمّى أجياد أجيادا؟قلت:

لا. قال: جادت بالدّماء يوم التقينا نحن و قطوراء؛ أ تدري لم سمّي قيعقعان؟قلت: لا. قال: لتقعقع السلاح على ظهورنا لمّا طلعنا عليهم منه.

و أخبرني بهذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء؛ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: حدّثني إبراهيم بن المنذر الحزاميّ؛ قال: حدّثنا عبد العزيز بن عمران؛ قال حدّثني راشد بن حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال:

قال أبو سلمة بن عوف‏[7]:

/و خرجت في نفر من قريش يريدون اليمن. و ذكر الخبر مثل حديث الأزرقيّ. و اللّه أعلم.

تغريب ربيعة بن أمية بن خلف‏

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني محمد بن يحيى قال: حدّثنا غسان بن عبد العزيز بن عبد الحميد[8]أنّ ربيعة بن أمية بن خلف كان قد أدمن الشراب، و شرب في شهر رمضان، فضربه عمر رضي اللّه عنه و غرّبه إلى ذي المروة، فلم يزل بها حتّى توفّي و استخلف عثمان رضي اللّه عنه؛ فقيل له: قد توفّي عمر و استخلف عثمان فلو دخلت المدينة ما ردّك أحد. قال: لا و اللّه لا أدخل المدينة فتقول قريش قد غرّبه رجل [1]شقا، أي جانبا.

[2]ما عدا ط، أ، مب، مط: «فأصبحوا» . و الحاضر: القوم المقيمون على الماء.

[3]ط: «يدعوه» .

[4]زعزع: حرّك.

[5]أيهات: لغة في هيهات بمعنى بعد. ما عدا ط، أ، مب، مط: «أنبئك» .

[6]أي في سن و عمر واحد.

[7]أي اسم صاحب القصة أبو سلمة بن عوف، لا أبو سلمة بن عبد الأسد.

[8]ابن عبد الحميد، من ط فقط. مب، مط: «غسان بن عبد الحميد» فقط.

18

من بني عديّ بن كعب. فلحق بالرّوم و تنصّر، فكان قيصر يحبوه و يكرمه، فأعقب‏[1]بها.

تغني الربيع بشعر عمرو بن الحارث بن مضاض‏

قال غسان: حدّثني أبي قال: قدم رسول يزيد بن معاوية على معاوية من بلاد الروم؛ فقال له معاوية: هل كان للناس خبر؟قال: بينا نحن محاصرون مدينة كذا و كذا إذ سمعنا رجلا فصيح اللسان مشرفا من بين شرفتين‏[2]من شرف الحصن، و هو ينشد:

كأن لم يكن بن الحجون إلى الصّفا # أنيس و لم يسمر بمكة سامر

فقال معاوية: ويحك، ذاك الربيع بن أمية يتغنى بشعر عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي.

غناء ابن جامع بشعر مضاض:

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدّثنا عمر بن شبة قال؛ حدّثني إسحاق بن إبراهيم قال: قال لي أبي: مر بالدوابّ تسرج سحرا حتّى نغدو إلى ابن جامع‏[3]نستقبله بالياسرية[4]بسحرة[5]لا تأخذنا الشّمس‏[6] قال: فأمرت بذلك. و ركبنا في السحر فأصبحنا دون الياسرية، و قد طلعت علينا الشّمس. قال: فجئنا إلى ابن جامع و إذا به مختضب و على رأسه و لحيته خرق الخضاب، و إذا بقدر تطبخ في الشّمس؛ فلما نظر إلينا رحّب بنا، و قام إلينا فسلّم علينا، ثم دعا الماء فغسل رأسه و لحيته، ثم دعا بالغداء فأتي بغدائه، فغرف لنا من تلك القدر التي في الشمس، فتقزّزت‏[7]و بشعت من ذلك الطعام الذي طبخ، فأشار إليّ أبي: بأن كل. فأكلنا حتّى فرغنا من غدائنا، فلما غسلنا أيدينا نادى ابن جامع: يا غلام هات شرابنا!فأتي بنبيذ في زكرة قد كانت الزّكرة في الشمس‏[8]، فكرهت ذلك، فأشار إليّ أبي، أن لا تمتنع، ثم أتوا بقدح جيشانيّ‏[9]مل‏ء الكفّ، فصبّ النبيذ فيه و هو يشبه‏[10]ماء قد[11] أغلي بالنار، ثم غنّى ابن جامع فقال:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا # أنيس و لم يسمر بمكّة سامر

بلى نحن كنا أهلها فأزالنا # صروف الليالي و الجدود العواثر

[1]أعقب بها: صار له بها ولد و نسل.

[2]الشرفة، بالضم: ما يوضع على أعالي القصور و المدن. ما عدا ط، مب، مط: «من شرفين» ، تحريف.

[3]هو إسماعيل بن جامع. و قد سبقت ترجمته و أخباره.

[4]الياسرية: قرية كبيرة على نهر عيسى بينها و بين بغداد ميلان. ما عدا ط: «بالباسرية» بباء موحدة، تحريف.

[5]السحرة، بالضم: وقت السحر.

[6]أي لئلا تأخذنا الشمس.

[7]كذا في ط، أ، مب. و في سائر النسخ: «فنفرت» .

[8]الزكرة، بضم الزاي: زقيق صغير للشراب. ما عدا ط: مب، مط: «ركوة و قد كانت الركوة في الشمس» .

[9]الجيشاني، بفتح الجيم: نسبة إلى جيشان: مخلاف باليمن تنسب إليه الأقداح و الخمر السود أيضا. ط، مب: «جبساني» ، مط:

«حيساني» تحريف. و الخمر: جمع خمار بكسر الخاء.

[10]ما عدا ط، أ، مب: «يشوبه» تحريف.

[11]هذه الكلمة من ط، مب، مط فقط. و بدلها في أ: «ثم» .

19
صوت‏

ثم غنّى، للعرجيّ‏[1]:

لو أنّ سلمى رأتنا لا يراع لنا # لما هبطنا جميعا أبطن السوق‏[2]

و كشرنا و كبول القين تنكؤنا # كالأسد تكشر عن أنيابها الرّوق‏[3]

صوت‏

ثم تغنّى:

أجرّر في الجوامع كلّ يوم # فيا للّه مظلمتي و صبري‏

ثم أمر بالرّحيل. و قد غنى هذه الثلاثة الأصوات. فقال لي أبي: يا بنيّ بشعت لما رأيت من طعام ابن جامع و شرابه؛ فعليّ عتق ما أملك‏[4]إن لم يكن شرب الدم مع هذا طيّبا. ثم قال: أسمعت بنيّ غناء قطّ أحسن من هذا؟ فقلت: لا و اللّه ما سمعت. قال: ثمّ خرج ابن جامع حتى نزل بباب أمير المؤمنين الرشيد ليلا، و اجتمع المغنّون على الباب، و خرج الرسول إليهم فأذن لهم؛ و الرشيد خلف السّتارة، فغنّوا إلى السّحر؛ فأعطاهم ألف دينار إلاّ ابن جامع فلم يعطه شيئا، و انصرفوا متوجّهين له، و عرضوا عليه جميعا فلم يقبل؛ و انصرفوا، فلما كان في الليلة الثانية دعوا فغنّوا ساعة، ثم كشفت الستارة، و غنّى جامع صوتا عرّض فيه بحاله و هو:

صوت‏

تقول أقم فينا فقيرا و ما الذي # ترى فيه ليلي أن أقيم فقيرا

ذريني أمت يا ليل أو أكسب الغنى # فإنّي أرى غير الغنيّ حقيرا

يدفّع في النادي و يرفض قوله # و إن كان بالرأي السّديد جديرا

و يلزم ما يجني سواه و إن يطف # بذنب يكن منه الصغير كبيرا[5]

قالوا: فأعجب الرّشيد ذلك الشعر و اللحن فيه، و أمال رأسه نحوه كالمستدعي له. و غنّاه أيضا:

صوت‏

لئن مصر فاتتني بما كنت أرتجي # و أخلفني منها الذي كنت آمل‏[6]

[1]هذا الصواب في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «العرجي» .

[2]اليراع: الضعاف من الغنم و غيرها. ط: «لا نزاع لنا» . ط، مب: «أبطح السوق» . مط «أبطح الشوق» .

[3]الكشر: التبسم، و بدو الأسنان عند الضحك. و الكبول: جمع كبل بالفتح و الكسر، و هو القيد، و القين: الحداد. تنكؤنا: تؤلمنا كذا جاءت الرواية على الصواب في ط، مب، مط. و في أ: «تبكؤنا» . و في سائر النسخ: «تبكرنا» . الروق: جمع أروق و روقاء، و هو الذي طالت ثناياه العليا على السفلى.

[4]أ، ط، مب: «فعتق ما يملك» ، و هو أسلوب يبدلون به الكلام لئلا يقع المتكلم به فيما تقتضيه اليمين من نذر أو طلاق أو نحوهما.

[5]كذا على الصواب في ط، مب، مط. و في جـ: «و يلزمني» و في سائر النسخ: «و يغفر» .

[6]الأبيات لأبي دهمان الغلابي، كما نصّ الجاحظ في «البيان و التبيين» (2: 291) . و كذا جاءت رواية البيت في ط، مب، مط، جـ

20

فما كلّ ما يخشى الفتى نازل به # و لا كلّ ما يرجو الفتى هو نائل‏[1]

و و اللّه ما فرّطت في وجه حيلة # و لكنّ ما قد قدّر اللّه نازل

و قد يسلم الإنسان من حيث يتّقي # و يؤتى الفتى من أمنه و هو غافل‏

ثم أمر بالانصراف فانصرفوا، فلمّا بلغوا السّتر صاح به الخادم: يا قرشيّ مكانك. فوقف مكانه فخرج إليه بخلع و سبعة آلاف دينار، و أمر إن شاء أن يقيم، و إن شاء أن ينصرف.

غناء امرأة جرهمية بشعر مضاض:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: ذكر الكلبي عن أبيه: أنّ الناس بيناهم في ليلة مقمرة في المسجد الحرام، إذ بصروا بشخص قد أقبل‏[2]كأنّ قامته رمح، فهربوا من بين يديه و هابوه؛ فأقبل حتّى طاف بالبيت الحرام سبعا ثم وقف فتمثّل:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا # أنيس و لم يسمر بمكّة سامر

قال: فأتاه رجل من أهل مكّة؛ فوقف بعيدا منه ثم قال: سألتك بالذي خلقك أ جنّيّ أنت أم إنسيّ‏[3]؟فقال:

بل إنسيّ، أنا امرأة من جرهم، كنّا سكّان هذه الأرض و أهلها، فأزالنا/عنها هذا الزمان الذي يبلي كلّ جديد و يغيّره! ثم انصرفت خارجة[4]عن المسجد حتّى غابت عنهم، و رجعوا إلى مواضعهم.

إنشاد شعره في رؤيا و تأويل ذلك:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال: حدّثني أبي عن جدّي قال: قال لي يحيى بن خالد يوما: أخبرك برؤيا رأيتها؟قلت: خيرا رأيت. قال: رأيت كأنّي خرجت من داري راكبا، ثم التفتّ يمينا و شمالا فلم أر معي أحدا، حتّى صرت إلى الجسر، فإذا بصائح يصيح من ذلك الجانب:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا # أنيس و لم يسمر بمكّة سامر

فأجبته بقوله:

بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا # صروف اللّيالي و الجدود العواثر

فانصرفت إلى الرشيد فغنّيته الصوت، و خبرته الخبر، فعجب منه. و ما مضت الأيّام حتّى أوقع بهم‏[5].

صوت‏

شافني الزائرات قصر نفيس # مثقلات الأعجاز قبّ البطون‏

و «البيان» . و في سائر النسخ: «لئن حرمتني كل ما كنت أرتجي» .

[1]ما عدا ط، م، مب، مط: «نازلا به» . «البيان» : «بمصيبه» .

[2]قد أقبل، من ط، مط فقط.

[3]ما عدا ط، مب، مط: «فقال له بل إنسي» .

[4]هذه الكلمة من ط، مب، مط فقط.

[5]أي بالبرامكة. س، ب: «إلا أيام» .

21

يتربّعنه الربيع و ينزلـ # -ن إذا صفن منزل الماجشون‏

/يتربّعنه: ينزلنه في أيام الربيع. يقال لمنزل القوم في أيام الربيع: متربّعهم. قال الشاعر:

أ من آل ليلى بالملا متربّع # كما لاح وشم في الذّراع مرجّع‏[1]

الماجشون و علة تسميته:

و الماجشون: رجل من أهل المدينة يروى عنه الحديث. و الماجشون لقب لقّبته به سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب-عليهم السلام-و هو اسم لون من الصّبغ أصفر تخالطه حمرة، و كذلك كان لونه. و يقال: إنها ما لقّبت أحدا قطّ بلقب إلاّ لصق به.

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أحمد بن زهير قال: حدّثنا مصعب الزبيريّ، قال: حدّثني ابن الماجشون، قال:

نظرت سكينة إلى أبي، فقالت: كأنّ هذا الرجل الماجشون-و هو صبغ أصفر تخالطه حمرة-فلقّب بذلك.

تلقيب سكينة لرجل بشيرج:

قال عبد العزيز: و نظرت إلى رجل من ولد عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه و كانت فيه غلظة، فقالت: هذا الرجل في قريش كالشّيرج في الأدهان!فكان ذلك الرجل يسمّى: فلان شيرج حتّى مات.

الشعر لعمر بن أبي ربيعة، و الغناء لإبراهيم الموصليّ. خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر، و فيه لبصبص جارية ابن نفيس التي قيل هذا الشعر فيها: رمل. و ذكر حبش أن لها فيه أيضا ثقيل أوّل بالوسطى.

[1]مرجع: وشم مرة بعد مرة. ما عدا ط، مب، مط: «وسم» و «متربع» ، تحريف.

22

3-ذكر أخبار بصبص جارية ابن نفيس‏[1]و أخبارها

كانت بصبص هذه جارية مولّدة من مولّدات المدينة، حلوة الوجه، حسنة الغناء، قد أخذت عن الطبقة الأولى من المغنّين، و كان يحيى بن نفيس مولاها-و قيل نفيس بن محمد، و الأوّل أصح-صاحب قيان يغشاه الأشراف، و يسمعون غناء جواريه، و له في ذلك قصص نذكرها بعد، و كانت بصبص هذه أنفسهنّ و أشدّهنّ تقدّما.

الخلاف في والدة علية بنت المهدي:

و ذكر ابن خرداذبه: أنّ المهديّ اشتراها و هو وليّ و العهد سرّا من أبيه بسبعة عشر ألف دينار، فولدت منه عليّة بنت/المهديّ.

و ذكر غيره أنّ ابن خرداذبه غلط[2]في هذا، و أن الذي صحّ أن المهديّ اشترى بهذه الجملة جارية غيرها، و ولدت علية.

و ذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: أن ابن القداح حدّثه قال:

كانت مكنونة جارية المروانيّة-و ليست من آل مروان بن الحكم؛ و هي زوجة الحسين بن عبد اللّه بن العباس- أحسن جارية بالمدينة وجها، و كانت رسحاء[3]، و كان بعض من يمازحها يعبث بها، و يصيح: طست طست‏[4]! و كانت حسنة الصّدر و البطن، و كانت توضح بهما[5]، و تقول: و لكن هذا!فاشتريت للمهديّ/في حياة أبيه بمائة ألف درهم فغلبت عليه، حتّى كانت الخيرزان تقول: ما ملك أمة أغلظ عليّ منها. و استتر أمرها على المنصور حتّى مات. و ولدت من المهديّ عليّة بنت المهديّ.

و الذي قال ابن خرداذبه غير مردود إذا كان هذا صحيحا.

شراء المهدي لبصبص:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن غرير بن طلحة قال: اتّعد[6]محمد بن يحيى بن زيد بن علي‏[7]بن الحسين، و عبد اللّه بن يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير، و عبد اللّه بن مصعب الزّبيري، و أبو [1]ابن نفيس هذا هو يحيى بن نفيس. و ضبط في ط بهيئة التصغير. و في «القاموس» : «و نفيس بن محمد من موالي الأنصار، و قصره على ميلين من المدينة» .

[2]كذا في ط، ح، م، مب. و في سائر النسخ: «و ذكر غير ابن خرداذبه أنه غلط» .

[3]الرسحاء: القليلة لحم العجز و الفخذين.

[4]الطست: إناء من صفر. يعني أنها شبيهة به.

[5]توضح بهما: تظهر بهما، و تتباهى.

[6]اتعدا: تواعدا.

[7]ط، مب، مط: «محمد بن زيد بن علي» حـ، م: «محمد بن يزيد بن علي» .

23

بكر بن محمد بن عثمان الربعي، و يحيى بن عقبة، أن يأتوا بصبص جارية ابن نفيس، فعجل محمد بن يحيى، و كان من أصحاب عيسى بن موسى، ليخرج إلى الكوفة، فقال عبد اللّه بن مصعب.

أ رائح أنت أبا جعفر # من قبل أن تسمع من بصبصا

هيهات أن تسمع منها إذا # جاوزت العيس بك الأعوصا[1]

فخذ عليها مجلسي لذّة # و مجلسا من قبل أن تشخصا[2]

أحلف باللّه يمينا و من # يحلف باللّه فقد أخلصا

لو أنّها تدعو إلى بيعة # بايعتها ثمّ شققت العصا[3]

قال: و فيها[4]غناء لبصبص.

قال: فاشتراها أبو غسّان مولى منيرة للمهديّ بسبعة عشر ألف دينار.

/قال حمّاد: و حدّثني أبي عن الزبير أن عبد اللّه بن مصعب خاطب بهذا الشعر أبا جعفر المنصور لما حجّ فاجتاز بالمدينة منصرفا من الحجّ، لا أبا جعفر محمد بن يحيى بن زيد.

غضب المنصور على عبد اللّه بن مصعب في إعجابه بها:

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعي إجازة قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني محمد بن سلام قال: حدّثني موسى بن مهران قال: كانت بالمدينة قينة لآل نفيس بن محمد يقال لها بصبص، و كان مولاها صاحب قصر نفيس الذي يقول فيه الشاعر:

شاقني الزائرات قصر نفيس # مثقلات الأعجاز قبّ البطون‏[5]

قال: و كان عبد اللّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير يأتيها، فيسمع منها، و كان يأتيها فتيان من قريش فيسمعون منها، فقال عبد اللّه بن مصعب حين قدم المنصور منصرفا من الحجّ و مرّ بالمدينة يذكر بصبص:

أ راحل أنت أبا جعفر # من قبل أن تسمع من بصبصا

و ذكر الأبيات، فبلغت أبا جعفر، فغضب فدعا به؛ فقال: أما إنكم يا آل الزبير قديما ما قادتكم النساء، و شققتم معهنّ العصا، حتّى صرت أنت آخر الحمقى تبايع المغنّيات؛ فدونكم يا آل/الزبير هذا المرتع الوخيم‏[6].

قال: ثمّ بلغ أبا جعفر بعد ذلك أنّ عبد اللّه بن مصعب قد اصطبح‏[7]مع بصبص و هي تغنّيه بشعره:

[1]الأعوص: موضع قرب المدينة.

[2]تشخص: تذهب من بلد إلى بلد.

[3]شق العصا: كناية عن الخلاف، و مفارقة الجماعة.

[4]ط، مط: «و فيه» .

[5]القب: جمع أقب و قباء، و هو الضامر البطن.

[6]دونك هذا، أي خذه، صيغة للإغراء.

[7]اصطبح: شرب الصبوح، و هو شرب الصباح.

24
صوت‏

إذا تمزّزت صراحيّة # كمثل ريح المسك أو أطيب‏[1]

ثم تغنّى لي بأهزاجه # زيد أخو الأنصار أو أشعب

حسبت أنّي مالك جالس # حفّت به الأملاك و الموكب

فلا أبالي و إله الورى # أ شرّق العالم أم غرّبوا

الغناء لزيد الأنصاري، هزج مطلق في مجرى الوسطى عن الهشاميّ و غيره، و ذكر غيره أنه لأشعب. فقال أبو جعفر: العالم لا يبالون كيف أصبحت و كيف أمسيت.

إعجاب المنصور بشعر طريف العنبري:

ثم قال أبو جعفر: و لكنّ الذي يعجبني أن يحدو بي الحادي الليلة بشعر طريف العنبريّ، فهو آلف في سمعي من غناء بصبص، و أحرى أن يختاره أهل العقل. قال: فدعا فلانا الحادي-قد ذكره و سقط اسمه-و كان إذا حدا وضعت الإبل رءوسها لصوته‏[2]و انقادت انقيادا عجيبا[3]، فسأله المنصور: ما بلغ من حسن حدائه؟قال: تعطّش الإبل ثلاثا أو قال خمسا و تدني من الماء، ثمّ أحدو فتتبع كلّها صوتي، و لا تقرب الماء. فحفظ الشعر، و كان‏[4]:

إنّي و إن كان ابن عمّي كاشحا # لمزاحم من دونه و ورائه‏[5]

و ممدّه نصري و إن كان أمرأ # متزحزحا في أرضه و سمائه‏[6]

/و أكون مأوى سرّه و أصونه # حتّى يحقّ عليّ يوم أدائه

و إذا أتى من غيبه بطريفة # لم أطّلع: ما ذا وراء خبائه

و إذا تحيّفت الحوادث ماله # قرنت صحيحتنا إلى جربائه‏[7]

و إذا تريّش في غناه و فرته # و إذا تصعلك كنت من قرنائه‏[8]

و إذا غدا يوما ليركب مركبا # صعبا قعدت له على سيسائه‏[9]

فلما كان الليل حدا به الحادي بهذه الأبيات، فقال: هذا و اللّه أحثّ على المروءة و أشبه بأهل الأدب من غناء [1]التمزز: التمصص. و في بعض النسخ: «تمررت» تحريف. و الصراحية: الخمر الخالصة.

[2]وضعت رءوسها: خفضتها.

[3]هذه الكلمة من ط، مب، مط.

[4]كذا في ط، ها، مب، ح. و في سائر النسخ: «فحفظه هذا الشعر» .

[5]الكاشح: مضمر العداوة.

[6]المتزحزح: البعيد.

[7]قرنت، كذا على الصواب في ط، مب. و في سائر النسخ: «قرت» . و جربائه تصحيح ط، مط و هي في حـ: «جريانه» ، و في سائر النسخ: «حوبائه» .

[8]تريش و ارتاش: أصاب خيرا فرئي عليه أثر ذلك.

[9]اسيساء الظهر من الدواب: مجتمع الوسط.

25

بصبص. قال: فحدا به ليلة، فلما أصبح قال: يا ربيع أعطه درهما. فقال له: يا أمير المؤمنين؛ حدوت بهشام بن عبد الملك، فأمر لي بعشرين ألف درهم و تأمر أنت بدرهم!قال: إنّا للّه!ذكرت ما لم نحبّ‏[1]أن تذكره؛ و وصفت أنّ رجلا ظالما أهذ مال اللّه من غير حلّه؛ و أنفقه في غير حقّه يا ربيع، اشدد، يديك به حتّى يردّ المال. فبكى الحادي، و قال: يا أمير المؤمنين قد مضت لهذا السّنون‏[2]و قضيت به الديون، و تمزّقته النّفقات؛ و لا و الذي أكرمك بالخلافة ما بقي عندي منه شي‏ء. فلم يزل أهله و خاصته يسألونه حتّى كفّ عنه، و شرط عليه أن يحدو به ذاهبا و راجعا، و لا يأخذ منه شيئا.

فشل بصبص في محاولتها أخذ درهم من مزبد:

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثني القاسم بن زيد المدينيّ؛ قال:

/اجتمع ذات يوم عند بصبص جارية ابن نفيس عبد اللّه بن مصعب الزّبيريّ‏[3]و محمد بن عيسى الجعفريّ، في أشراف من أهل المدينة، /فتذاكروا مزبّدا المدينيّ صاحب النوادر و بخله، فقالت بصبص: أنا آخذ لكم منه درهما.

فقال لها مولاها: أنت حرّة لئن فعلت إن لم أشتر لك مخنقة[4]بمائة ألف دينار و إن لم أشتر لك ثوب وشي بما شئت؛ و أجعل لك مجلسا[5]بالعقيق أنحر لك فيه بدنة لم تقتب‏[6]و لم تركب. فقالت: جي‏ء به و ارفع عني الغيرة.

فقال: أنت حرّة أن لو رفع برجليك لأعنته على ذلك. فقال عبد اللّه بن مصعب: فصلّيت الغداة في مسجد المدينة، فإذا أنا به، فقلت: أبا إسحاق، أ ما تحبّ أن ترى بصبص جارية ابن نفيس؟فقال: امرأته طالق‏[7]إن لم يكن اللّه ساخطا عليّ فيها، و إن لم أكن أسأله أن يرينيها منذ سنة فما يفعل. فقلت له: اليوم إذا صلّيت العصر فوافني هاهنا.

قال: امرأته طالق إن برحت من هاهنا حتّى تجي‏ء صلاة العصر. قال: فتصرّفت‏[8]في حوائجي حتّى كانت العصر، و دخلت المسجد فوجدته فيه، فأخذت بيده و أتيتهم به، فأكلوا و شربوا، و تساكر القوم و تناوموا، فأقبلت بصبص على مزبّد، فقالت: أبا إسحاق، كأنّ في نفسك تشتهي أن أغنّيك الساعة:

لقد حثّوا الجمال ليهـ # -ربوا منّا فلم يئلوا[9]

/فقال: زوجته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللّوح المحفوظ!قال: فغنّته ساعة ثم مكثت ساعة فقالت:

أبا إسحاق كأنّ في نفسك تشتهي أن تقوم من مجلسك فتجلس إلى جانبي فتقرصني قرصات، و أغنّيك.

قالت و قد أبثثتها وجدي فبحت به‏[10] # قد كنت قدما تحبّ السّتر فاستتر

[1]ط، مب، مط: «يجب» .

[2]ما عدا ط، مب، مط: «هذه السنون» .

[3]هذه الكلمة من ط، مب، مط فقط.

[4]المخنقة: القلادة.

[5]العقيق: موضع بالمدينة.

[6]البدنة: واحدة الإبل و البقر، تطلق على الذكر و الأنثى. و الإقتاب: شد القتب على البعير، و هو الرحل على قدر سنامه.

[7]ط، حـ، مب، مط: «فقال امرأته الطلاق» .

[8]ما عدا ط، حـ، مب، مط: «فانصرفت» .

[9]وأل يئل: نجا.

[10]ما عدا ط، مب، مط: «أبحت به» .

26

أ لست تبصر من حولي فقلت لها # غطّى هواك و ما ألقى على بصري‏

فقال: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في الأرحام و ما تكسب الأنفس غدا، و بأيّ أرض تموت!فغنّته ثم قالت: برح الخفاء[1]، أنا أعلم أنّك تشتهي أن تقبّلني شقّ التّين و أغنّيك هزجا:

أنا أبصرت بالليل # غلاما حسن الدّلّ

كغصن البان قد أصـ # -بح مسقيا من الطل‏

لم يذكر صانعه، و هو هزج على ما ذكر.

فقال: أنت نبيّة مرسلة!فغنته ثم قالت: أبا إسحاق، أ رأيت أسقط من هؤلاء!يدعونك و يخرجونني إليك و لا يشترون ريحانا بدرهم، أي أبا إسحاق؛ هلمّ درهما نشتري به ريحانا!فوثب و صاح: وا حرباه‏[2]، أي زانية، أخطأت استك الحفرة[3]، انقطع و اللّه عنك الوحي الذي كان يوحى إليك!و عطعط القوم بها[4]، و علموا أنّ حيلتها لم تنفذ عليه، ثمّ خرجوا فلم يعد إليها، و عاود القوم مجلسهم، فكان أكثر شغلهم فيه حديث مزبّد معها و الضّحك منه.

شعر ابن أبي الزوائد في بصبص:

و قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: أنشدني الزبير بن بكّار، قال: أنشدني غرير بن طلحة لابن أبي الزوائد-و هو ابن ذي الزوائد-في بصبص:

بصبص أنت الشمس مزدانة # فإن تبذّلت فأنت الهلال

سبحانك اللّهمّ ما هكذا # فيما مضى كان يكون الجمال

/إذا دعت بالعود في مشهد # و عاونت يمنى يديها الشّمال

غنّت غناء يستفزّ الفتى # حذقا وزان الحذق منها الدلاّل‏

قال هارون: قال الزّبير: و أنشدني غرير أيضا لنفسه يهجو مولاها:

يا ويح بصبص من يحيى‏[5]لقد رزقت # وجها قبيحا و أنفا من جعاميس‏[6]

يمجّ من فيه في فيها إذا هجعت # ريقا خبيثا كأرواح الكرابيس‏[7]

[1]برح، كسمع. و هو مثل لظهور الأمر و انكشافه.

[2]الحرب: أن يسلب الرجل ماله كله.

[3]يضرب لمن رام شيئا فلم ينله. «مجمع الأمثال» .

[4]عطعط به: صاح.

[5]س: «من حي» .

[6]الجعاميس: جمع جعموس، و هو ما يطرحه الإنسان من ذي بطنه.

[7]أرواح: جمع ريح. و الكراييس: جمع كرياس، و هو الكنيف الذي يكون مشرفا على سطح بقناة من الأرض. قال الأزهري: سمي كرياسا لما يعلق به من الأقذار فيركب بعضه بعض و يتكرس مثل الدمن. «اللسان» (كرس) و «معجم استينجاس» 1026 و «الحيوان» (5: 468) و «عيون الأخبار» (3: 230) .

27

علاقة محمد بن عيسى بها:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمي قال: هوي محمد بن عيسى الجعفريّ بصبص جارية ابن نفيس، فهام بها و طال ذلك عليه فقال لصديق له: لقد شغلتني هذه عن صنعتي و كلّ أمري، و قد وجدت مسّ السلوّ فاذهب بنا حتّى أكاشفها بذلك فأستريح. فأتياها فلما غنّت لهما قال لها محمد بن عيسى:

أ تغنين:

و كنت أحبّكم فسلوت عنكم # عليكم في دياركم السّلام‏

فقالت: لا و لكنّي أغنّي:

تحمّل أهلها عنها فبانوا # على آثار من ذهب العفاء[1]

/فاستحيا و ازداد بها كلفا، و لها عشقا، فأطرق ساعة ثم قال: أ تغنين:

و أخضع بالعتبي إذا كنت مذنبا # و إن أذنبت كنت الذي أتنصّل‏

قالت: نعم و أغنّي أحسن منه:

فإن تقبلوا بالودّ نقبل بمثله # و ننزلكم منّا بأقرب منزل‏

قال: فتقاطعا في بيتين، و تواصلا في بيتين. و في هذه الأبيات الأربعة غناء كان محمد قريض‏[2]، و ذكاء، و غيرهما ممن شاهدنا من الحذّاق يغنّونه في الابتداءين لحنين من الثقيل الأوّل، و في الجوابين لحنين من خفيف الثقيل، و لا أعرف صانعهما.

شغف أبي السائب المخزومي بها

أخبرني عمي قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال: حدّثني أبو أيوب المدينيّ عن مصعب قال:

حضر أبو السائب المخزومي مجلسا فيه بصبص جارية يحيى بن نفيس، فغنت:

قلبي حبيس عليك موقوف # و العين عبرى و الدمع مذروف

و النّفس في حسرة بغصّتها # قد شفّ أرجاءها التّساويف‏[3]

إن كنت بالحسن قد وصفت لنا # فإنّني بالهوى لموصوف

يا حسرتا حسرة أموت بها # إن لم يكن لي لديك معروف‏

قال: فطرب أبو السائب و نعر[4]، و قال: لا عرف اللّه قدره إن لم أعرف لك معروفك. ثم أخذ قناعها عن رأسها و جعله على رأسه‏[5]و جعل يلطم و يبكي، و يقول لها: بأبي و اللّه أنت، إنّي لأرجو أن تكوني عند اللّه أفضل من الشّهداء، لما توليناه من السرور، و جعل يصيح، وا غوثاه!يا للّه لما يلقى العاشقون.

[1]البيت لزهير، في «ديوانه» 58.

[2]ط، مب، مط: «قريص» بالصاد المهملة.

[3]شفها: نقصها و نال منها. و أرجاؤها: نواحيها. و التساويف: جمع تسويف، و هو المماطلة.

[4]نعر: صاح.

[5]و جعله على رأسه، من ط فقط.

28

شغف أحد الفتيان بها:

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان‏[قال حدّثني أبو بكر العامري قال حدّثني عمرو بن عبد اللّه البصري‏][1] قال: حدّثنا[الحسين‏][1]بن يحيى عن عثمان بن محمد الليثي قال: كنت يوما في مجلس ابن نفيس، فخرجت إلينا جاريته بصبص، و كان في القوم فتى يحبّها، فسألته حاجة، فقام ليأتيها بها، فنسي أن يلبس نعله، و مشى حافيا؛ فقالت: يا فلان، /نسيت نعلك. فلبسها و قال: أنا و اللّه كما قال الأوّل:

و حبّك ينسيني عن الشّي‏ء في يدي # و يشغلني عن كلّ شي‏ء أحاوله‏

فأجابته فقالت:

و بي مثل ما تشكوه منّي و إنّني # لأشفق من حبّ أراك تزاوله‏

صوت‏

يشتاق قلبي إلى مليكة لو # أمست قريبا ممن يطالبها

ما أحسن الجيد من مليكة و الـ # -لّبّات إذ زانها ترائبها[2]

يا ليتني ليلة إذا هجع الـ # -نّاس و نام الكلاب صاحبها

في ليلة لا يرى بها أحد # يسعى علينا إلاّ كواكبها

الشعر لأحيحة بن الجلاح، و الغناء لابن سريج. رمل بالخنصر في مجرى البنصر. و فيه لحن لمالك‏[3]من رواية يونس.

[1]هذه التكلمة من ط، مب، مط.

[2]اللبات: جمع لبة؛ بالفتح، و هو موضع القلادة من الصدر. و الترائب: عظام الصدر، أو ما بين الثديين.

[3]لمالك، من ط، مط.

29

4-ذكر أحيحة بن الجلاح و نسبه و خبره و السبب الذي من أجله قال الشعر

نسب أحيحة:

هو أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس.

و يكنى أحيحة أبا عمرو.

سؤال الوليد بن عبد الملك عن الزوراء:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثني الزبير بن بكّار قال: حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز قال: ركب الوليد بن عبد الملك إلى المساجد، فأتى مسجد العصبة[1]، فلما صلّى قال للأحوص: يا أحوص أين الزّوراء التي قال فيها صاحبكم:

إنّي أقيم على الزّوراء أعمرها # إنّ الكريم على الإخوان ذو المال

لها ثلاث بئار في جوانبها # في كلّها عقب تسقى بأقبال‏[2]

استغن أو مت و لا يغررك ذو نشب # من ابن عمّ و لا عمّ و لا خال‏[3]

قال الزبير؛ العقب الذي في أوّل المال عند مدخل الماء، و الطلب الذي في آخره‏[4]. قال: فأشار له الأحوص إليها و قال: ها هي تلك، لو طوّلت لأشقرك هذا لجال عليها[5]، فقال الوليد: إنّ أبا عمرو كان يراه غنيّا بها، فعجب الناس يومئذ لعناية الوليد بالعلم، حتّى علم أنّ كنية أحيحة أبو عمرو.

و في بعض‏[6]هذا الشعر غناء، و هو:

صوت‏

استغن أو مت و لا يغررك ذو نشب # من ابن عمّ و لا عمّ و لا خال

يلوون ما لهم عن حقّ أقربهم # و عن عشيرتهم؛ و الحقّ للوالي‏[7]

[1]العصبة، بالضم: دار بني جحجبى بالمدينة. ياقوت. و قد ضبطت في مب، مط بالتحريك. ما عدا ط، ما: «القصبة» تحريف.

[2]البئار: جمع بئر. مب، حـ: «فكلها» . و «يسقى» هي في مط «سقى» و في سائر النسخ ما عدا ط، مب: «يسعى» . و أقبال الجداول:

أوائلها و رءوسها.

[3]النشب: المال.

[4]كذا ورد هذا التفسير.

[5]أشقرك، يعني فرسك الأشقر.

[6]هذه الكلمة من ط، مط.

[7]يلوونه: يجحدونه و ينكرونه.

30

غنّاه الهذلي رملا بالوسطى من رواية الهشاميّ و عمرو بن بانة.

سبب قول أحيحة هذا الشعر:

و أمّا السّبب في قول أحيحة هذا الشعر فإنّ أحمد بن عبيد المكتّب‏[1]ذكر أن محمد بن يزيد الكلبيّ حدّثه، و حدّثه أيضا هشام بن محمد عن الشّرقيّ بن القطاميّ قال هشام: و حدّثني به أبي أيضا.

قال: و حدّثني رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عمّار بن ياسر، قال: و حدّثني/عبد الرحمن بن سليمان الأنصاريّ، قالوا جميعا:

أقبل تبّع الأخير و هو أبو كرب بن حسان بن أسعد الحميريّ، من اليمين سائرا[2]يريد المشرق كما كانت التّبابعة تفعل، فمرّ بالمدينة فخلّف بها ابنا له، و مضى حتّى قدم الشّأم، ثم سار من الشأم حتّى قدم العراق فنزل بالمشقّر[3]، فقتل ابنه غيلة بالمدينة، فبلغه و هو بالمشقّر مقتل ابنه، فكرّ راجعا إلى المدينة و هو يقول:

يا ذا معاهر ما تزال ترود # رمد بعينك عادها أم عود[4]

منع الرّقاد فما أغمّض ساعة # نبط بيثرب آمنون قعود

لا تستقي بيديك إن لم تلقها # حربا كأنّ أشاءها مجرود[5]

ثم أقبل حتّى دخل المدينة و هو مجمع على إخرابها و قطع نخلها، و استئصال أهلها، و سبي الذرّية؛ فنزل بسفح أحد فاحتفر بها بئرا-فهي البئر التي يقال لها إلى اليوم بئر الملك-ثم أرسل إلى أشراف أهل المدينة ليأتوه فكان فيمن أرسل إليه زيد بن ضبيعة بن زيد بن عمرو بن عوف، و ابن عمه زيد بن أميّة بن زيد، و ابن عمه زيد بن عبيد بن زيد[6]-و كانوا يسمّون الأزياد-و أحيحة بن الجلاح؛ فلمّا جاء رسوله قال الازدياد: إنما أرسل إلينا ليملّكنا على أهل يثرب. فقال أحيحة: و اللّه ما دعاكم لخير!و قال:

ليت حظّي من أبي كرب # أن يردّ خيره خبله‏[7]

فذهبت مثلا. و كان يقال: إنّ مع أحيحة تابعا من الجنّ يعلمه الخبر لكثرة صوابه؛ لأنّه كان لا يظنّ شيئا فيخبر به قومه إلا كان كما يقول. فخرجوا إليه، و خرج أحيحة و معه قينة له، و خباء، فضرب الخباء و جعل فيه القينة و الخمر، ثم خرج حتى استأذن على تبّع، فأذن له، و أجلسه معه على زربيّة تحته‏[8]، و تحدّث معه و سأله عن أمواله بالمدينة؛ فجعل يخبره عنها، و جعل تبّع كلّما أخبره عن شي‏ء منها يقول: كلّ ذلك على هذه الزربية. يريد بذلك تبّع [1]المكتب، بكسر التاء المشدّدة، هو من يعلم الصبيان الخط و الأدب. السمعاني. 54 ب. ما عدا ط، مب، مط، حـ: «الكاتب» .

[2]ط، مب، مط: «يسير» .

[3]المشقر: حصن بالبحرين عظيم، لبعد القيس.

[4]ذو معاهر، بضم الميم: قيل من أقيال حمير، كما في «القاموس» (عهد) . ط، مط: «يا ذا معاهد» و في سائر النسخ: «يا ذا المعاهد» كلاهما محرّف عما أثبت. عود، أراد: أم طرفت بعود.

[5]ط: «إن لم يلقها حرب» مب، مط: «إن لم تلقها حرب» . و الأشاء: جمع أشاءة، و هي صغار النخل. مجرود: جرّد عنه الخوص، أو أصابه الجراد.

[6]كذا في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «زيد بن أمية بن زيد و ابن عمّه زيد بن ضبيعة بن زيد بن عمرو بن عوف و ابن عمه زيد بن أمية بن زيد، و ابن عمه زيد بن عبيد بن زيد» ، و فيه تكرار و خلاف في الترتيب.

[7]كذا على الصواب في ط، مب، مط و «كتاب التيجان» لوهب بن منبه 294. لكن في «التيجان» : «أن يسد» . و في سائر النسخ: «أن يرد خبره جبله» .

[8]الزربية، بالكسر و بضم: واحدة الزرابي، و هي البسط و النمارق.

31

قتل أحيحة، ففطن أحيحة أنه يريد قتله فخرج من عنده فدخل خباءه، فشرب الخمر، و قرض أبياتا، و أمر القينة أن نغنّيه بها، و جعل تبّع عليه حرسا، و كانت قينته تدعى مليكة فقال:

يشتاق قلبي إلى مليكة لو # أمست قريبا ممن يطالبها

الأبيات. و زاد فيها مما ليس فيه غناء:

لتبكني قينة و مزهرها # و لتبكني قهوة و شاربها

و لتبكني ناقة إذا رحلت # و غاب في سردح مناكبها[1]

و لتبكني عصبة إذا جمعت # لم يعلم الناس ما عواقبها[2]

فلم تزل القينة تغنّيه بذلك يومه و عامّة ليلته‏[3]؛ فلما نام الحرّاس قال لها: إنّي ذاهب إلى أهلي فشدّي‏[4] عليك الخباء، فإذا جاء رسول الملك فقولي له: هو نائم؛ فإذا أبوا إلاّ أن يوقظوني فقولي: قد رجع إلى أهله و أرسلني إلى الملك برسالة. فإن ذهبوا بك إليه فقولي له: يقول لك أحيحة: «اغدر بقينة أو دع» . ثم انطلق فتحصّن في أطمه‏[5]الضّحيان، و أرسل تبّع من جوف الليل إلى الأزياد فقتلهم على فقارة من فقار[6]تلك الحرّة. و أرسل إلى أحيحة ليقتله، فخرجت إليهم/القينة، فقالت: هو راقد. فانصرفوا و تردّدوا عليها مرارا؛ كلّ ذلك تقول: هو راقد.

ثم عادوا فقالوا: لتوقظنّه أو لندخلنّ عليك. قالت: فإنه قد رجع إلى أهله، و أرسلني إلى الملك برسالة. فذهبوا بها إلى الملك، فلما دخلت عليه سألها عنه، فأخبرته خبره، و قالت: يقول لك: «اغدر بقينة أو دع» . فذهبت كلمة أحيحة هذه مثلا؛ فجرّد له كتيبة من خيله، ثم أرسلهم في طلبه فوجدوه قد تحصّن في أطمه، فحاصروه ثلاثا؛ يقاتلهم بالنّهار و يرميهم بالنبل و الحجارة، و يرمي إليهم بالليل/بالتمر، فلما مضت الثلاث رجعوا إلى تبّع فقالوا:

بعثتنا[7]إلى رجل يقاتلنا بالنهار، و يضيفنا بالليل!فتركه؛ و أمرهم أن يحرّقوا نخله. و شبّت الحرب بين أهل المدينة: أوسها و خزرجها و يهودها، و بين تبّع، و تحصّنوا في الآطام. فخرج رجل من أصحاب تبّع حتى جاء بني عديّ بن النجّار؛ و هم متحصّنون في أطمهم، الذي كان في قبلة مسجدهم، فدخل حديقة من حدائقهم، فرقي عذقا منها يجدّها[8]، فاطّلع إليه رجل من بني عديّ بن النجار من الأطم يقال له أحمر أو صخر[9]بن سليمان من بني سلمة، فنزل إليه فضربه بمنجل حتّى قتله ثم ألقاه في بئر!و قال: جاءنا يجدّ نخلنا[10]، «إنّما النخل لمن أبره» [11]، فأرسلها مثلا. فلما انتهى ذلك إلى تبّع زاده حنقا و جرّد إلى بني النجّار جريدة من خيله‏[12]؛ فقاتلهم بنو النجّار [1]السردح: الأرض اللينة المستوية. ط، حـ: «سرنج» . و السرنج: الأرض الواسعة.

[2]ط، مب، مط: «إذا اجتمعت» .

[3]ط، مب، مط: «عامة ليله» .

[4]ما عدا ط، مب، مط: «فسدى» بالسين المهملة.

[5]الأطم: حصن مبني بحجارة، و هو القصر أيضا.

[6]هذا ما في حـ، مب، مط. و في ط: «فقرة من فقار» ، و هي صحيحة أيضا، مشبهتان بفقار الظهر. و في سائر النسخ: «قفارة من قفار» ، تحريف.

[7]ما عدا ط، مب، مط: «تبعثنا» .

[8]العذق: النخلة، عند أهل الحجاز. يجدها: يقطع تمرها. ما عدا ط، مب، مط، حـ: «يجده» ، التذكير للفظ و التأنيث للمعنى.

[9]ط: «صحر» بالحاء المهملة.

[10]ما عدا ط، مب، مط: «نخلتنا» .

[11]الأبر و التأبير: إصلاح النخل و تشذيبه.

[12]الجريدة من الخيل: القطعة منها عليها فرسانها.

32

و رئيسهم عمرو بن طلّة[1]أخو بني معاوية بن مالك بن النجّار، و جاء بعض تلك الخيول إلى بني عديّ و هم متحصّنون في أطمهم الذي في قبلة مسجدهم، فراموا بني عديّ بالنّبل، فجعلت نبلهم تقع في جدار الأطم، فكان على أطمهم مثل الشّعر من النبل، فسمّي ذلك الأطم الأشعر-و لم تزل بقايا النّبل فيه حتّى جاء اللّه عزّ و جلّ بالإسلام-و جاء بعض جنوده إلى بني الحارث بن الخزرج، فجذموا نخلهم من أنصافها، /فسمّيت تلك النخل جذمان‏[2]، و جدعوا هم فرسا لتبّع، فكان تبّع يقول: لقد صنع بي أهل يثرب شيئا ما صنعه بي أحد؛ قتلوا ابني و صاحبي، و جدعوا فرسي!قالوا: فبينا تبّع يريد إخراب المدينة، و قتل المقاتلة، و سبي الذرّية، و قطع الأموال أتاه حبران من اليهود[3]فقالا، أيها الملك انصرف عن هذه البلدة فإنّها محفوظة، و إنا نجد اسمها كثيرا في كتابنا، و أنّها مهاجر نبيّ من بني إسماعيل اسمه أحمد، يخرج من هذا الحرم من نحو البيت الذي بمكة، تكون داره و قراره، و يتبعه أكثر أهلها. فأعجبه ما سمع منهما، و كفّ عن الذي أراد بالمدينة و أهلها، و صدّق الحبرين بما حدّثاه، و انصرف تبّع عما كان أراد بها، و كفّ عن حربهم، و آمنهم حتّى دخلوا عسكره، و دخل جنده المدينة؛ فقال عمرو بن مالك بن النجار، يذكر شأن تبع، و يمدح عمرو بن طلّة:

أصحا أم انتحى ذكره # أم قضى من لذّة و طره‏[4]

بعد ما ولّى الشباب و ما # ذكره الشّباب أو عصره‏[5]

إنّها حرب يمانية # مثلها آتى الفتى عبره

سائلي عمران أو أسدا # إذ أتت تعدو مع الزّهره‏[6]

/فيلق فيه أبو كرب # سبع أبدانه ذفرة[7]

/ثم قالوا من يؤمّ بنا # أ بنو عوف أم النّجرة[8]

يا بني النّجار إنّ لنا # فيكم ذحلا و إنّ تره‏[9]

فتلقّتهم مسايفة # مدّها كالغبية النّثرة[10]

-الغبية[11]: السحابة التي فيها مطر و برق برعد-.

[1]كذا في ط، مب، مط، و «كتاب التيجان» 294-295. و في سائر النسخ: «عمرو بن طلحة» في كل موضع من هذا الخبر.

[2]أي سمي ذلك الموضع، و هو بضم الجيم. و أنشد ياقوت فيه لقيس بن الخطيم:

فلا تقربوا جذمان إن حمامه # و جنته تأذى بكم فتحملوا

[3]الحبر، بفتح الحاء و كسرها: العالم.

[4]انتحى: اعتمد و قصد. ط، حـ، مب، مط: «أم ما انتحى» .

[5]العصر، بضمتين: لغة في العصر، و هو الزمان. ما عدا ط، حـ: «ذكرت شبانه» . و إنما يقول: إن ذكر الشباب و عصره لا يغني عن الشيخ فتيلا.

[6]عمران، في ط، حـ، مب، مط. و في سائر النسخ: «همدان» .

[7]كذا على الصواب في ط، مب، مط. جعله أسدا ذفر البدن، و السبع أبخر ذفر البدن. ما عدا ط، مب: «تبع» تحريف.

[8]يعني بالنجرة، بني النجار.

[9]أي و إن لنا ترة. و الترة: الوتر و الذحل. و هذه رواية ط، مب. و فيما عداهما: «و إن نترة» ، تحريف.

[10]المسايفة: التي تسايف، أي تضارب بالسيوف. كالغبية، هي فيما عدا ط، مب، مط، جـ: «كالصيبة» ، تحريف. و النثرة: وصف من النثر، و هو رمي الشي‏ء متفرقا.

[11]الغبية: بفتح الغين و سكون الباء بعدها. ما عدا ط، ما، جـ: «الصيبة» ، محرفة.

33

فيهم عمرو بن طلّة لا # همّ فامنح قومه عمره‏[1] سيّد سامي الملوك و من

يدع عمرا لا تجد قدره‏[2]

و قال في ذلك رجل من اليهود:

تكلّفني من تكاليفها # نخيل الأساويف و المصنعة[3]

نخيلا حمتها بنو مالك # جنود أبي كرب المفظعة

و قال أحيحة يرثي الأزياد الذين قتلهم تبّع:

ألا يا لهف نفسي أيّ لهف # على أهل الفقارة أيّ لهف‏[4]

/مضوا قصد السّبيل و خلّفوني # إلى خلف من الأبرام خلف‏[5]

سدى لا يكتفون و لا أراهم # يطيعون أمرا إن كان يكفي‏[6]

قالوا: فلما كفّ تبّع عن أهل المدينة اختلطوا بعسكره فبايعوه و خالطوهم. ثم إنّ تبّعا استوبأ بئره التي حفرها[7]، و شكا بطنه عن مائها؛ فدخلت عليه امرأة من بني زريق يقال لها فكهة بنت زيد بن كلدة[8]بن عامر بن زريق، و كانت ذات جلد و شرف في قومها، فشكا إليها و بأبئره، فانطلقت فأخذت قربا و حمارين حتّى استقت له من ماء رومة، فشربه فأعجبه، و قال: زيديني من هذا الماء. فكانت تختلف إليه في كلّ يوم بماء رومة، فلمّا حان رحيله دعاها، فقال لها: يا فكهة، إنّه ليس معنا من الصفراء و البيضاء شي‏ء[9]، و لكن لك ما تركنا من أزوادنا و متاعنا. فلما خرج تبّع نقلت ما تركوه من ازوادهم و متاعهم؛ فيقال إنه لم تزل فكهة أكثر بني زريق مالا حتّى جاء الإسلام.

قال: و خرج تبّع يريد اليمن و معه الحبران اللذان نهياه عن المدينة، فقال حين شخص من منزله: هذه قباء الأرض. فسمّيت قباء[10]. و مرّ بالجرف فقال؛ هذا جرف الأرض. فسمّي الجرف؛ و هو أرفعها. و مرّ بالعرصة و تسمّى السليل فقال: هذه عرصة الأرض. ثم انحدر في العقيق فقال: هذا عقيق الأرض. فسمّي العقيق. /ثمّ خرج يسير حتّى نزل البقيع، فنزل على غدير ماء يقال له براجم، فشرب منه شربة فدخلت في حلقه علقة فاشتكى منها. فقال فيما ذكر أبو مسكين قوله:

[1]لا هم، أي اللّهم. قومه، كذا على الصواب في ط، مب، مط. و في جـ: «قوله» و في سائر النسخ: «نوله» محرفتان. و هو دعاء له بطول العمر.

[2]قدره، أي مثله و كفأه.

[3]الأساويف و المصنعة: موضعان لم أهتد إلى تعيينهما. ط، مط: «كل لهف» .

[4]ما عدا ط، حـ: «أهل القفارة» و هي في مط مهملة الفاء و القاف. و انظر ما سبق في صفحة 40.

[5]الأبرام: جمع برم، بالتحريك، و هو الجبان البخيل، أو المعدم الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. و الخلف، بالفتح: الأشرار.

[6]سدى: همل. س: «يصونون أمرا» .

[7]استوبأها: استوخمها.

[8]ط، حـ، مب: «جلدة» مب: «حمدة» .

[9]الصفراء: الدنانير. و البيضاء: الدراهم.

[10]إنما يصح اشتقاقها على لغة القصر، فإن القبي: جمع قبوة. انظر «معجم البلدان» (قبا) .

34

و لقد شربت على براجم شربة # كادت بباقية الحياة تذيع‏[1]

ثم مضى حتى إذا كان بحمدان‏[2]جاءه نفر من هذيل‏[3]فقالوا له: اجعل لنا جعلا و ندلّك على بيت مال فيه كنوز من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد و الذهب و الفضّة[4]، ليست لأهله منعة و لا شرف. فجعل لهم على ذلك جعلا، فقالوا له: هو البيت الذي تحجّه العرب بمكة. و أرادوا بذلك هلاكه. فتوجّه نحوه فأخذته ظلمة منعته من السّير، فدعا الحبرين فسألهما، فقالا: هذا لما/أجمعت عليه في هذا البيت؛ و اللّه مانعه منك، و لن تصل إليه، فاحذر أن يصيبك ما أصاب من انتهك حرمات اللّه؛ و إنّما أراد القوم الذين أمروك به هلاكك؛ لأنه لم يرمه أحد قطّ بشرّ إلا أهلكه اللّه، فأكرمه وطف به، و احلق رأسك عنده، فترك الذي كان أجمع عليه، و أمر بالهذليّيين فقطّع أيديهم و أرجلهم، ثم خرج يسير حتّى أتى مكّة فنزل بالشّعب من الأبطح، و طاف بالبيت، و حلق رأسه، و كساه الخصف‏[5].

محاولة تبع هدم البيت ثم عدوله عن ذلك:

قال هشام: و حدّثني ابن لجرير بن يزيد البجلي عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال هشام: و حدّثني أبي عن صالح‏[6]عن ابن عباس قال:

لمّا أقبل تبّع يريد هدم البيت و صرف وجوه العرب إلى اليمن، بات صحيحا فأصبح و قد سالت عيناه على خدّيه، فبعث إلى السّحرة و الكهّان و المنجّمين، فقال: مالي، فو اللّه‏[7]لقد بتّ ليلتي ما أجد شيئا، و قد صرت إلى ما ترون. فقالوا: حدّث نفسك بخير. ففعل فارتدّ بصيرا، و كسا البيت الخصف.

هذه رواية جعفر بن محمد عن أبيه. و في رواية ابن عباس:

فأتي في المنام فقيل له: اكسه أحسن من هذا. فكساه الوصائل-قال: و هي برود العصب‏[8]، سمّيت الوصائل لأنّها كانت يوصل بعضها ببعض-قال: فأقام بمكة ستّة أيام يطعم الطعام، و ينحر في كلّ يوم ألف بعير، ثم سار إلى اليمن و هو يقول:

و نحرنا بالشّعب ستّة آلا # ف ترى الناس نحوهنّ ورودا[9]

و كسونا البيت الذي حرّم اللّ # -ه ملاء معضّدا و برودا؟[10]

[1]كذا على الصواب في حـ. و في ط، مب، مط: «تريع» و في سائر النسخ: «تزيغ» . و إنما يقال أذاع بالشي‏ء: ذهب به. و منه بيت الكتاب:

ربع قواء أذاع المعصرات به‏

أي أذهبته و طمست معالمه. و قول الآخر:

توازن أعوام أذاعت بخمسة # و تجعلني إن لم يق اللّه سأدبا.

[2]ط، حـ: «بجمدان» بالجيم.

[3]كذا على الصواب في ط، مب، مط و «التيجان» 295. و في سائر النسخ «من قريش» .

[4]هذه من ط، مب، مط.

[5]الخصف، بالتحريك: ثياب غلاظ جدا، مشبهة بالخصف المنسوج من الخوص.

[6]ط، مب، مط: «عن أبي صالح» .

[7]ما عدا ط، مب، مط: «فقال و اللّه» .

[8]العصب: ضرب من برود اليمن. و هذا ما في ط، مب، مط، حـ. و في سائر النسخ: «القصب» ، تحريف.

[9]ورودا، أي واردين. و أصل الورود مصدر ورد.

[10]معضد: مخطط على شكل العضد. ما عدا ط، مب، مط، حـ: «منضدا» تحريف.

35

و أقمنا به من الشّهر ستّا # و جعلنا له به إقليدا

ثم أبنا منه نؤمّ سهيلا # قد رفعنا لواءنا المعقودا[1]

قال: و تهوّد تبّع و أهل اليمن بذينك الحبرين.

خلاف أحيحة مع بني النجار و خيانة زوجه له:

أخبرني محمد بن مزيد[2]قال: أخبرني حمّاد بن إسحاق عن أبيه، قال: حدّثني أبو البختري عن أبي إسحاق، قال: أخبرني أيوب بن عبد الرحمن:

أنّ رجلا من بني مازن بن النجار يقال له كعب بن عمرو، تزوّج امرأة من بني سالم بن عوف‏[3]فكان يختلف إليها، فقعد له رهط من بني جحجبى بمرصد، فضربوه حتّى قتلوه أو كادوا، فأدركه القوافل‏[4]فاستنقدوه؛ فلما بلغ ذلك أخاه عاصم بن عمرو خرج و خرج معه بنو النجّار و خرج أحيحة بن الجلاح ببني عمرو بن عوف، فالتقوا بالرّحابة[5]، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل أخا عاصم يومئذ أحيحة بن الجلاح، و كان يكنى أبا وحوحة، فأصابه في أصحابه حين انهزموا، و طلب عاصم أحيحة حتّى انتهى إلى البيوت، فأدركه عاصم عند باب داره فزجّه بالرمح، و دخل‏[6]أحيحة الباب، و وقع الرّمح في الباب، و رجع عاصم و أصحابه فمكث أياما. ثم إنّ عاصما طلب أحيحة ليلا ليقتله في داره، فبلغ ذلك أحيحة، و قيل له إنّ عاصما قد رئي البارحة عند الضّحيان‏[7]و الغابة[8]-و هي أرض لأحيحة، و الضّحيان: أطم له-و كان أحيحة إذ ذاك سيّد قومه من الأوس، و كان رجلا صنعا للمال‏[9]، شحيحا عليه، يبيع‏[10]بيع الربا بالمدينة، حتّى كاد يحيط بأموالهم، و كان له تسع و تسعون بعيرا[11]كلّها ينضح/عليها، و كان له بالجرف أصوار[12]من نخل قلّ يوم يمرّ به إلاّ يطّلع فيه، و كان له أطمان: أطم في قومه/يقال له المستظلّ، و هو الذي تحصّن فيه حين قاتل تبّعا أسعد أبا كرب الحميريّ، و أطمه الضّحيان بالعصبة[13]في أرضه التي يقال لها الغابة[14] بناه بحجارة سود و بنى عليه نبرة[15]بيضاء مثل الفضّة، ثم جعل عليها مثلها، يراها الراكب من مسيرة يوم أو نحوه، [1]نؤم سهيلا، أي نقصد اليمن. و سهيل مطلعه اليمن.

[2]ما عدا ط، مب، ، مط حـ: «محمد بن يزيد» .

[3]ما عدا ط، ما، مب: «بن عون» .

[4]القوافل، بقافين: بطن من الأنصار. و في الأصول: «القوافل» .

[5]الرحابة: بضم الراء: موضع بالمدينة.

[6]فيما عدا ط، مب، مط، حـ: «و قفل» ، تحريف.

[7]هذا ما في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «قد روي عن الضحيان» تحريف.

[8]ط: «و العناية» حـ: «و العنانة» أ: «و العباية» . مط: «و العاية» .

[9]الصنع، بالتحريك: الحاذق الماهر. ما عدا ط، مب: «صنيعا» محرّف.

[10]ما عدا ط، مب، مط: «يتبع» .

[11]ط، مط: «بئرا» . و مؤدّى العبارتين واحد.

[12]أصوار: جمع صور، بالفتح، و هو النخل الصغار أو المجتمع. و المعروف في جمعه «صيران» .

[13]سبق الكلام عليها في صفحة 37.

[14]انظر ما سبق قريبا ص 47.

[15]النبرة: كل شي‏ء مرتفع فوق شي‏ء. ط، مب، مط: «بئره» تحريف. ـ

36

و كانت الآطام هي عزّهم و منعتهم و حصونهم التي يتحرّزون فيها من عدوّهم. و يزعمون أنّه لما بناه أشرف هو و غلام له، ثم قال: لقد بنيت حصنا حصينا ما بنى مثله رجل من العرب أمنع و لا أكرم، و لقد عرفت موضع حجر منه لو نزع لوقع جميعا!فقال غلامه: أنا أعرفه. فقال: فأرنيه يا بنيّ. قال: هو هذا. و صرف إليه رأسه، فلما رأى أحيحة أنّه قد عرفه دفعه من رأس الأطم فوقع على رأسه فمات، و إنّما قتله إرادة ألاّ يعرف ذلك الحجر أحد. و لمّا بناه قال:

بنيت بعد مستظلّ ضاحيا # بنيته بعصبة[1]من ماليا

و السرّ مما يتبع القواصيا[2] # أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا[3]

و كان أحيحة إذا أمسى جلس بحذاء حصنه الضّحيان، ثم أرسل كلابا له تنبح دونه على من يأتيه ممّن لا يعرف، حذرا أن يأتيه عدوّ يصيب منه غرّة؛ فأقبل عاصم بن عمرو يريده في مجلسه ذلك ليقتله بأخيه، و قد أخذ معه تمرا، فلما نجته/الكلاب حين دنا منه ألقى لها التمر فوقفت، فلمّا رآها أحيحة قد سكنت حذر فقام فدخل حصنه، و رماه عاصم بسهم فأحرزه منه الباب‏[4]، فوقع السّهم بالباب، فلما سمع أحيحة وقع السّهم صرخ في قومه، فخرج عاصم بن عمرو، فأعجزهم حتّى أتى قومه. ثمّ إنّ أحيحة جمع لبني النجّار، فأراد أن يغترّهم فواعدهم و قومه لذلك‏[5]، و كانت عند أحيحة سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش إحدى نساء بني عديّ بن النجار، له منها عمرو بن أحيحة، و هي أمّ عبد المطلب بن هاشم، خلف عليها هاشم بعد أحيحة، و كانت امرأة شريفة لا تنكح الرجال إلاّ و أمرها بيدها، إذا كرهت من رجل شيئا تركته.

فزعم ابن إسحاق أنّه حدّثه أيوب بن عبد الرحمن‏[6]، و هو أحد رهطها، قال: حدّثني شيخ منّا أنّ أحيحة لمّا أجمع بالغارة على قومها و معها ابنها عمرو بن أحيحة، و هو يومئذ فطيم أو دون الفطيم، و هو مع أحيحة في حصنه عمدت إلى ابنها فربطته بخيط، حتّى إذا أوجعت الصبيّ تركته فبات يبكي، و هي تحمله؛ و بات أحيحة معها ساهرا، يقول: ويحك ما لابني؟فتقول: و اللّه ما أدري ما له. حتّى إذا ذهب اللّيل أطلقت الخيط عن الصبيّ فنام. و ذكروا أنّها ربطت رأس ذكره، فلما هدأ الصبيّ قالت: وا رأساه!فقال: أحيحة: هذا و اللّه ما لقيت من سهر هذه الليلة.

فبات يعصب لها رأسها و يقول: ليس بك بأس. حتّى إذا لم يبق من الليل إلا أقلّه قالت له: قم فنم، فإنّي أجدني‏[7] صالحة قد ذهب عنّي ما كنت/أجده. و إنما فعلت به ذلك ليثقل رأسه، و ليشتدّ نومه على طول السّهر. فلما نام قامت و أخذت حبلا شديدا و أوثقته برأس الحصن، ثم تدلّت منه و انطلقت إلى قومها، فأنذرتهم و أخبرتهم بالذي أجمع هو و قومه من ذلك، فحذر القوم و أعدّوا و اجتمعوا. فأقبل أحيحة في قومه فوجد القوم على حذر قد [1]ط، مب، مط: «بقودة» .

[2]ما عدا ط، حـ، مب، مط: «للستر مما يتبع القواصيا» .

[3]الركيب: مصغر ركب، و هم الجماعة الراكبون. و الرجيل: مصغر الرجل، بالفتح، و هم الجماعة الراجلون.

[4]هذا الصواب من حـ، ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «فأحرز منه الباب» .

[5]فيما عدا ط، حـ، مب، مط: «فواعده قومه لذلك» .

[6]ما عدا ط، حـ، مب، مط: «أن جدّه أيوب بن عبد الرحمن» ، تحريف.

[7]ما عدا ط، حـ، مب، مط: «أجد في صالحة» محرّف.

37

استعدّوا، فلم يكن بينهم كبير قتال؛ ثم رجع أحيحة فرجعوا عنه، /و قد فقدها أحيحة حين أصبح؛ فلما رأى القوم على حذر قال: هذا عمل سلمى!خدعتني حتّى بلغت ما أرادت. و سمّاها قومها المتدلّية؛ لتدلّيها من رأس الحصن. فقال في ذلك أحيحة و ذكر ما صنعت به سلمى:

شعره في امرأته سلمى:

تفهّم أيّها الرّجل الجهول # و لا يذهب بك الرأي الوبيل

فإنّ الجهل محمله خفيف # و إنّ الحلم محمله ثقيل‏[1]

[و فيها يقول:

لعمر أبيك ما يغني مقامي # من الفتيان رائحة جهول

نؤوم ما يقلّص مستقلاّ # على الغايات مضجعه ثقيل‏]

إذا باتت أعصّبها فنامت # عليّ مكانها الحمّى الشّمول‏[2]

لعلّ عصابها يبغيك حربا # و يأتيهم بعورتك الدّليل

و قد أعددت للحدثان عقلا # لو أنّ المرء تنفعه العقول‏[3]

/و قال فيها و فيما صنعت به:

أخلق الرّبع من سعاد فأمسى # ربعه مخلقا كدرس الملاة[4]

باليا بعد حاضر ذي أنيس # من سليمى إذ تغتدي كالمهاة

و هي قصيدة طويلة، يقال إنّ في هذين البيتين منها غناء.

مساومة قيس بن زهير له في درعه:

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدّثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه عن أبي مسكين:

أنّ قيس بن زهير بن جذيمة أتى أحيحة بن الجلاح لمّا وقع الشرّ بينه و بين بني عامر؛ و خرج إلى المدينة ليتجهّز، بعث إليهم حين قتل خالد بن جعفر زهير بن جذيمة، فقال قيس لأحيحة: يا أبا عمرو، نبّئت أنّ عندك درعا ليس بيثرب درع مثلها؛ فإن كانت فضلا[5]فبعنيها، أو فهبها لي. فقال: يا أخا بني عبس، ليس مثلي يبيع السلاح و لا يفضل عنه‏[6]، و لو لا أنّي أكره أن أستليم‏[7]إلى بني عامر لوهبتها لك، و لحملتك على سوابق خيلي، و لكن [1]البيتان بعده مما انفردت به نسخة ط، مب، مط.

[2]أعصبها، يشير إلى ما كان من تعصيبه رأس امرأته حين ادّعت ألم رأسها. يقول: باتت عليه الحمى الشمول، أي الباردة التي تصيب صاحبها بالقشعريرة.

[3]العقول: جمع عقل، و هو الحصن و المعقل. و في الأصول: «أصلا» و قد فسّرت في مط «هو بناء الحصن» . و الرواية المعروفة:

«عقلا» كما في «اللسان» (عقل) .

[4]الملاة، أراد بها الملاءة. و الدرس: الخلق، بفتح الدال و كسرها، و هو من إضافة إلى الموصوف.

[5]الفضل بضمتين. و انظر شروح «سقط الزند» 1488.

[6]ط، مب، مط: «تفضل عليه» حـ: «يفضل عليه» .

[7]استلام إليهم: أتى إليهم ما يلومونه عليه. و في ط: «أن أستذم» و في هامشها «أن أستليم» كما في سائر النسخ.

38

اشترها يا أبا أيوب‏[1]، فإنّ البيع مرتخص و غال. فأرسلها مثلا. فقال له قيس: فما تكره من استلامتك إلى بني عامر؟قال: كيف لا أكره ذلك و خالد بن جعفر الذي يقول:

إذا ما أردت العزّ في آل يثرب # فناد بصوت يا أحيحة تمنع‏[2]

رأيت أبا عمرو أحيحة جاره # يبيت قرير العين غير مروّع

/و من يأته من خائف ينس خوفه # و من يأته من جائع الجوف‏[3]يشبع

فضائل كانت للجلاح قديمة # و أكرم بفخر من خصالك الأربع‏

فقال قيس: و ما عليك بعد ذلك من لوم. فلها عنه ثم عاوده فساومه، فغضب أحيحة و قال له: بت عندي.

فبات عنده، فلمّا شرب تغنّى أحيحة و قيس يسمع:

ألا يا قيس لا تسمنّ درعي # فما مثلي يساوم بالدّروع‏[4]

فلولا خلّة لأبي جويّ # و أنّي لست عنها بالنّزوع

لأبت بمثلها عشر و طرف # لحوق الإطل جيّاش تليع‏[5]

و لكن سمّ ما أحببت فيها # فليس بمنكر غبن البيوع‏[6]

فما هبة الدّروع أخا بغيض # و لا الخيل السّوابق بالبديع‏[7]

و/قال: فأمسك بعد ذلك عن مساومته:

إسحاق الموصلي و سؤاله حفيد معبد عن غناء جدّه:

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال: حدّثني أخي أحمد بن عليّ عن عافية بن شبيب، قال: حدّثني أبو جعفر الأسدي، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، و أخبرنا به إسماعيل بن يونس الشيعي إجازة، عن عمر بن شبّة عن إسحاق قال:

دعاني الفضل بن الربيع يوما فأتيته، فإذا عنده شيخ حجازيّ حسن الوجه و الهيئة، فقال لي: أ تعرف هذا؟ قلت: لا. قال: هذا ابن أنيسة بنت معبد، فسله عمّا أحببت من غناء جدّه. فقلت: يا أخا أهل الحجاز، كم غناء جدّك؟قال: ستّون صوتا. ثم غناني:

ما أحسن الجيد من مليكة و الـ # -لّبّات إذ زانها ترائبها

[1]ما عدا ط، حـ، مب، مط: «ابتزها» . و الابتزاز: الاستلاب، و ليس مرادا هنا.

[2]ما عدا ط، مب، مط: «أسمع» تحريف.

[3]ب، س: «البطن» .

[4]أراد: «لا تسومن» فأسقط الواو للشعر.

[5]أي بعشر مثلها. و الطرف، بالكسر: الفرس الكريم الطرفين، أي الأبوين. و اللحوق: الضامر. و الإطل: الخاصرة. و التليع:

الطويل العنق.

[6]ما عدا ط، مب، مط: «غير البيوع» ، تحريف.

[7]أي يا أخا بغيض، و هم قبيلة قيس بن زهير بن جذيمة. البديع: الأمر المبتدع.

39

/قال: فغنّاه أحسن غناء في الأرض، و لم آخذه منه اتّكالا على قدرتي عليه. و اضطرب‏[1]الأمر على الفضل و صار إلى التغيّب، و شخص الشيخ إلى المدينة، فبقيت أنشد الشّعر و أسأل عنه مشايخ المغنّين، و عجائز المغنّيات، فلا أجد أحدا يعرفه، حتى قدمت البصرة، و كنت آتي جزيرتها في القيظ فأبيت بها ثم أبكر بالغداة إلى منزلي. فإنّي لداخل يوما إذا بامرأتين نبيلتين‏[2]، قد قامتا فأخذتا بلجام حماري، فقلت لهما: مه!قال أبو زيد في خبره: فقالت إحداهما: كيف عشقك اليوم لـ «ما أحسن الجيد من مليكة» و شغفك به، فقد بلغني أنّك كنت تطلبه من كلّ أحد؟ و قد كنت رأيتك في مجلس الفضل و قد استخفّك الطّرب لهذا الصوت حتّى صفّقت. قال: فقلت لها: أشدّ و اللّه ما كنت عشقا له، و قد ألهبت بذكرك إيّاه في قلبي جمرا، و لقد طلبته ببغداد كلّها فلم أجد أحدا يسمعنيه. قالت:

أ فتحبّ أن أغنيك إياه. قلت: نعم. فغنّته و اللّه أحسن ممّا سمعته قديما بصوت خافض، فنزلت إليها فقبّلت يديها و رجليها و قلت: جعلني اللّه فداك، لو شئت لصرت معي إلى منزلي. قالت: أصنع ما ذا؟قلت: أغنّيك و تغنّيني يومنا إلى الليل. قالت: أنت و اللّه أطفس‏[3]من أن تفعل ذاك، و إنّما هو عرض، و لكنّي أغنّيك حتّى تأخذه. فقلت: بأبي أنت و أمّي، و جعلني اللّه فداك من أنت؟قالت: أنا وهبة جارية محمّد بن عمران القرويّ، التي يقول فيها فرّوح‏[4] الرّفاء الطّلحي:

صوت‏

يا وهب لم يبق لي شي‏ء أسرّ به # إلاّ الجلوس فتسقيني و أسقيك‏[5]

و تمزجين بريق منك لي قدحا # كأنّ فيه رضاب المسك من فيك

يا أطيب النّاس ريقا غير مختبر # إلاّ شهادة أطراف المساويك

قد زرتنا زورة في الدّهر واحدة # ثنّي و لا تجعليها بيضة الديك‏[6]

ما نلت منك سوى شي‏ء أسرّ به # و لست أبصر شيئا من مساويك‏[7]

قالت ملكت و لم تملك فقلت لها # ما كلّ مالكة تزري بمملوك‏

قال أبو زيد خاصّة: قال إسحاق: و أنشدتنيه و غنّتني فيه بصوت مليح قد صنعته فيه، ثم صارت إليّ بعد ذلك، و كانت من أحسن الناس غناء، و أحسنهم رواية. فما كانت تفوق فيه من صنعتها سائر الناس صوتها، و هو:

صوت‏

لا بدّ من سكرة على طرب # لعلّ روحا يدال من كرب‏[8]

[1]ما عدا ط، حـ، مب، مط: «و اطرب» ، و هي لغة في اضطرب.

[2]النبيلة: الجسيمة.

[3]أطفس، من الطفس و هو القذارة. و هذا ما في ط، حـ. و في سائر النسخ: «أنفس» .

[4]ط، مب، مط: «فروج» ، بالجيم.

[5]شي‏ء، في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «شيئا» .

[6]بيضة الديك: مثل في الندرة، يقال إنه يبيض في العمر بيضة واحدة.

[7]المساوي: مقابل المحاسن.

[8]الروح: الراحة. يدال: يبدل. ما عدا ط، حـ، مب، مط: «يداك» محرّف.

40

فعاطنيها صفراء صافية # تضحك من لؤلؤ على ذهب‏

قال: و لها فيه عمل فاضل. و من صنعتها قوله:

صوت‏

الكأس بعد الكأس قد # تصبي لك الرجل الحليما

و تقرّب النسب البعيـ # -د و تبسط الوجه الشّتيما[1]

قال: و ممّا برّزت فيه من صنعتها:

صوت‏

هاتها سكّريّة كشعاع الـ # شّمس لا قرقفا و لا خندريسا[2]

في ربى يخلع الوليّ عليها # ما يحيّي به الجليس الجليسا[3]

فلنوّارها نسيم إذا ما # حرّكته الرّياح ردّ النّفوسا

صوت‏

أمسى لسلاّمة الزّرقاء في كبدي # صدع مقيم طوال الدّهر و الأبد

لا يستطيع صناع القوم يشعبه # و كيف يشعب صدع الحبّ في الكبد[4]

إلاّ بوصل التي من حبّها انصدعت # تلك الصّدوع من الأسقام و الكمد

الشعر و الغناء لمحمد بن الأشعث بن فجوة الكاتب الكوفي، أحد بني زهرة من قريش. و لحنه من خفيف الثّقيل الأوّل بالبنصر.

سلامة الزرقاء:

و سلاّمة الزرقاء هذه جارية ابن رامين، و كانت إحدى القينات المحسنات.

[1]الشتيم: القبيح الكريه المنظرة.

[2]القرقف: التي تقرقف صاحبها، لشدتها. و الخندريس: القديمة.

[3]الولي: المطر يأتي بعد الوسمي. يحيي الجليس جليسه بالزهر.

[4]الصناع، بالفتح: الحاذق بالصنعة، يقال للذكر و الأنثى. و الشعب: الإصلاح. أراد: أن يشعبه، فحذف «أن» .

41

5-ذكر خبرها و خبر محمد بن الأشعث‏

نسخت ذلك من كتاب هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات‏[1]، ذكر أنّ أبا أيوب المديني حدّثه‏[2]عن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود قال:

كان محمد بن الأشعث القرشي ثم الزهري كاتبا، و كان من فتيان أهل الكوفة و ظرفائهم و أدبائهم، و كان يقول الشعر و يتغنى فيه. فمن ذلك قوله في زرقاء جارية ابن رامين، و كان يألفها:

أمسى لسلاّمة الزّرقاء في كبدي‏

و ذكر الأبيات:

شعر محمد بن الأشعث في سلاّمة:

قال: و من شعره فيها يخاطب مولاها و قد كان حجّ و أخرج جواريه كلّهنّ-هكذا ذكر أحمد بن إبراهيم. و هذا الشعر[3]الثاني لإسماعيل بن عمّار الأسدي، و قد ذكرت أخباره في موضع آخر.

صوت‏

أيّة حال يا ابن رامين # حال المحبّين المساكين

تركتهم موتى و لم يتلفوا # قد جرّعوا منك الأمرّين‏

-[و يروى: «تركتهم موتى و ما موّتوا» ، وجدته بخطّ حمّاد[4]. ]-

و سرت في ركب على طيّة # ركب تهام و يمانين

/يا راعي الذّود لقد رعتهم # ويلك من روع المحبّين

فرّقت جمعا لا يرى مثلهم # بين دروب الرّوم و الصّين‏

الغناء لمحمد بن الأشعث نشيد خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها، عن ابن المكي و غيره.

شعره في وصيفة:

قال: و دخل ابن الأشعث يوما على ابن رامين فخرجت إليه الزّرقاء، فبينما هو يلقي عليها إذ بصر بوصيفة من وصائفهم فأعجبته، فقال شعرا في وقته، و تغنى فيه، فأخذته منه الزرقاء، و هو قوله:

[1]هذا ما في ط، مط. و في سائر النسخ: «كتاب محمد بن عبد الملك الزيات» .

[2]ما عدا ط، حـ، مب، مط: «ذكر أبو أيوب المديني أنه حدثه» محرّف.

[3]ما عدا ط، مب، مط: «هكذا ذكره. و ذكر أحمد بن إبراهيم أن هذا الشعر» .

[4]التكملة من ط، مب.

42
صوت‏

قل لأختي التي أحبّ رضاها # أنت لي فاعلميه ركن شديد

إنّ لي حاجة إليك فقولي: # بين أذني و عاتقي ما تريد

يعني قولي: ما تريد في عنقي حتّى أفعله. ففطنت الزّرقاء للذي أراد، فوهبت له الوصيفة، فخرج بها.

الغناء فيه رمل بالوسطى. ذكر عمرو بن بانة أنّه لابن سريج، و قد وهم في ذلك، بل الغناء لمحمد بن الأشعث لا يشكّ فيه:

هو و هشام بن محمد عند ابن رامين:

قال هارون: و حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه، قال: و حدّثني أبو عبد اللّه الأسكّ‏[1]أمير المغنّين أن محمد بن الأشعث الزهري، و هشام بن محمد بن أبي عثمان السّلمي، اجتمعا عند ابن رامين، و كان هشام قد أنفق في منزله مالا عظيما، و كان يقال لأبيه بسيار درم‏[2]، و تفسيره بالعربية: الكثير الدراهم، فقال محمد بن الأشعث:

يا هشام قل ما تشاء. قال:

قل لأختي التي أحبّ رضاها # أنت لي فاعلميه ركن شديد

و أشار بذلك إلى سلاّمة الزرقاء. قالت و قد سمعت: فقل. فقال:

إنّ لي حاجة إليك فقولي # بين أذني و عاتقي ما تريد

ففطنت الزرقاء للذي أراد، فقالت: بين أذني و عاتقي ما تريد، فما هو؟قال: وصيفتك هذه، فإنّها قد أعجبتني. قالت: هي لك. فأخذها فما ردّ ذلك ابن رامين و لا تكلّم فيه.

و هذا الشعر و الغناء فيه لمحمّد بن الأشعث.

قال هارون: و حدّثني أبو أيوب عن أحمد بن إبراهيم قال:

هواه لسلامة و سحيقة و استرضاء ابن رامين له:

ذكر عمرو بن نوفل بن أنس بن زيد التميمي‏[3]، أنّ محمد بن الأشعث كان ملازما لابن رامين و لجاريته سلاّمة الزرقاء، فشهر بذلك‏[4]، و كان رجلا قصّافا[5]فلامه قومه في فعله فلم يحفل بمقالتهم و طال ذلك منه و منهم، حتّى رأى بعض ما كره في منزل ابن رامين، فمال إلى سحيقة جارية زريق بن منيح، مولى عيسى بن موسى. و كان زريق شيخا سخيّا[6]كريما نبيلا يجتمع إليه أشراف الكوفة من كلّ حيّ، و كان الغالب على منزله رجلا من ولد القاسم بن عبد [1]ما عدا ط، مب: «الأشيك» .

[2]مركب من «بسيار» الفارسية بمعنى كثير. و درم، هي أصل كلمة «درهم» في الفارسية.

[3]ما عدا ط، مب، مط: «التيمي» .

[4]ما عدا ط، مب، مط: «فشهد بذلك» تحريف.

[5]قصافا: كثير القصف، و هو اللهو و اللعب على الطعام، كما في «القاموس» .

[6]هذه الكلمة من ط، مب، مط فقط.

43

الغفّار العجلي، كغلبة محمد بن الأشعث على منزل ابن رامين، فتواصلا على ملازمة بيت زريق. ففي ذلك يقول محمد بن الأشعث:

يا ابن رامين بحت بالتّصريح # في هواي سحيقة ابن منيح‏[1]

قينة عفّة و مولّى كريم # و نديم من اللّباب الصّريح‏[2]

/ربعيّ مهذّب أريحيّ # يشتري الحمد بالفعال الرّبيح‏[3]

/نحن منه في كلّ ما تشتهي الأنـ # -فس من لذّة و عيش نجيح

عند قرم‏[4]من هاشم في ذراها # و غناء من الغزال المليح

في سرور و في نعيم مقيم # قد أمنّا من كلّ أمر قبيح

فاسل عنا كما سلوناك إنّي # غير سال عن ذات نفسي و روحي

حافظ منك كلّ ما كنت قد ضـ # -يّعت مما عصيت فيه نصيحي

فالقلى ما حييت منّي لك الدّهـ # -ر بودّ لمنيتي ممنوح‏[5]

يا ابن رامين فالزمن مسجد الحـ # يّ و طول الصّلاة و التّسبيح‏

قال عمرو بن نوفل: فلم يدع ابن رامين شريفا بالكوفة إلاّ تحمّل به على ابن الأشعث و أن يرضى عنه، و يعاود زيارته، فلم يفعل، حتّى تحمّل عليه بالحجوانيّ، و هو محمد بن بشر بن حجوان الأسديّ، و كان يومئذ على الكوفة، فكلمه فرضي عنه و رجع إلى زيارته، و لم يقطع منزل زريق. و قال في سحيقة:

سحيقة أنت واحدة القيان # فمالك مشبه فيهن ثان

فضلت على القيان بفضل حذق # فحزت على المدى قصب الرّهان

سجدن لك القيان مكفّرات # كما سجد المجوس لمرزبان‏[6]

و لا سيما إذا غنّيت صوتا # و حرّكت المثالث و المثاني‏[7]

/شربت الخمر حتّى خلت أنّي # أبو قابوس أو عبد المدان‏[8]

[1]أي في حبي لسحيقة المنسوبة إلى ابن منيح، و هو

[2]اللباب: الصفوة. و الصريح: الخالص.

[3]ربعي: منسوب إلى ربيعة. و الأريحي: الذي يهتز للكرم.

[4]القرم: السيد. ما عدا ط، مب: «قوم» تحريف.

[5]القلى: البغض و الكراهية. ما عدا ط، حـ، مب، مط: «فاكتفي» . لمنيتي، يعني بها جارية ابن رامين. يقول: إن ودي الممنوح لتلك الجارية مقابل ببغضي لك. ما عدا ط، حـ: «يا منيتي» .

[6]التكفير: إيماء الذمي أو المجوسي برأسه، أو أن يتطامن و يضع يده على صدره، أو أن يسجد لمن يعظمه، أو أن ينحني و يطأطئ رأسه قريبا من الركوع، و كل أولئك طريقة للتعظيم.

[7]سيما: مخفف سيما. و المثلث و المثنى من أوتار العود.

[8]أبو قابوس: كنية النعمان بن المنذر. و عبد المدان: سيد من سادات مذحج، و هو أبو يزيد عمرو بن الديان بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن عمرو، كما سبق في خبر أساقفة نجران.

44

فإعمال اليسار على الملاوي # و من يمناك ترجمة البيان‏[1]

احتيال سلامة لإقصاء روح بن حاتم:

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، عن حمّاد عن أبيه قال:

كان روح بن حاتم المهلبي كثير الغشيان لمنزل ابن رامين، و كان يختلف إلى الزّرقاء جارية ابن رامين، و كان يهواها محمد بن جميل و تهواه، فقال لها: إنّ روح بن حاتم قد ثقل علينا. قالت: فما أصنع‏[2]، قد غمر مولاي ببرّه!فقال: احتالي له. فبات عندهم‏[3]روح ليلة، فأخذت سراويله و هو نائم فغسلته، فلما أصبح سأل عنه فقالت: غسلناه. ففطن أنّه أحدث فيه فاحتيج إلى غسله، فاستحيا من ذلك و انقطع عنها، و خلا وجهها لابن جميل.

ابن رامين و جواريه و ما قيل فيهن من شعر:

قال هارون:

و أخبرني حماد عن أبيه قال:

ابن رامين اسمه عبد الملك بن رامين، مولى عبد الملك بن بشر بن مروان. و جواريه سعدة، و ربيحة، و سلاّمة الزرقاء. و فيهن يقول إسماعيل بن عمّار الأسديّ و أنشدناه الحرميّ عن الزبير عن عمّه، و روايته أتمّ:

/

هل من شفاء لقلب لجّ محزون # صبا، و صبّ إلى ريم ابن رامين‏[4]

إلى ربيحة إنّ اللّه فضّلها # بحسنها و سماع ذي أفانين‏[5]

نعم شفاؤك منها أن تقول لها # قتلتني يوم دير اللّجّ فاحييني‏[6]

أنت الطبيب لداء قد تلبّس بي # من الجوى فانفثي في فيّ و ارقيني

نفسي تأبّى لكم إلاّ طواعية # و أنت تحمين أنفا أن تطيعيني‏[7]

/فتلك قسمة ضيزى قد سمعت بها # و أنت تتلينها ما ذاك في الدين‏[8]

ما عائذ اللّه لي إلف و لا وطن # و لا ابن رامين، لو لا ما يمنّيني‏[9]

[1]الملاوي: ملاوي العود التي تشد بها الاوتار. و هذا البيت لم يرد في ط، مب.

[2]ما عدا ط، مب، مط: «قد ثقل علينا فما أصنع، فقالت» .

[3]ما عدا ط، مب، مط: «فبات عندها» .

[4]الريم: مخفف الرئم، و هو الظبي الخالص البياض. و الصب: العاشق. يقال صببت إليه صبابة فأنا صب، أي عاشق.

[5]أفانين: ضروب.

[6]دير اللج بالحيرة، بناه النعمان بن المنذر.

[7]تحمين أنفا، أي يحمي أنفك و تأنفين.

[8]تتلينها، من التلاوة. و الشعر و الكلام بعده إلى «عيد السعانين» و بدله فيها: «و هي طويلة. و قد تقدّمت قبل هذا الموضع في أخبار ابن عمّار الأسدي» .

[9]عائذ اللّه: حي من أحياء العرب و في الأصول: «عابد اللّه» تحريف.

45

يا ربّ ما لابن رامين، له بقر # عين و ليس لنا غير البراذين

لو شئت أعطيته مالا على قدر # يرضى به منك غير الخرّد العين

لعائذ اللّه بيت ما مررت به # إلاّ و جئت‏[1]على قلبي بسكين

يا سعدة القينة البيضاء، أنت لنا # أنس لأنّك في دار ابن رامين

لا تحسبنّ بياض الجصّ يؤنسني # و أنت كنت كمثل الخزّ في اللين

لو لا ربيحة ما استأنست ما عمدت # نفسي إليك و لو مثّلت في طين‏[2]

/لم أنس سعدة و الزّرقاء يومهما # باللّجّ شرقيّه فوق الدّكاكين

تغنّيان ابن رامين ضحاءهما # بالمسجحيّ و تشبيب المحبّين‏[3]

فما دعوت به من عيش مملكة # و لم نعش يومنا عيش المساكين

أذاك أنعم أم يوم ظللت به # منعّم العيش في بستان سورين

يشوي لنا الشّيخ سورين دواجنه # بالجردناج و سحاج الشقابين‏[4]

نسقى شرابا لعمران يعتّقه # يمسي الأصحاء منه كالمجانين‏

يعني عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد اللّه-

إذا ذكرنا صلاة بعد ما فرطت # قمنا إليها بلا عقل و لا دين‏[5]

نمشي إليها بطاء لا حراك بنا # كأنّ أرجلنا تقلعن من طين

نمشي و أرجلنا عوج مطارحها # مشي الإوزّ التي تأتي من الصين

أو مشي عميان دبر لا دليل لهم # إلاّ العصيّ، إلى عيد السّعانين‏

و قال فيه أيضا:

لابن رامين خرّد كمها الرّمـ # -ل حسان و ليس لي غير بغل

ربّ فضّلته عليّ و لو شئـ # -ت لفضّلتني عليه بفضل‏

قال حمّاد: و أخبرني أبي قال: حدّثني السّكوني، أنّ جعفر بن سليمان اشترى ربيحة بمائة ألف درهم، و اشترى صالح بن عليّ سعدة بتسعين ألف درهم، و اشترى معن بن زائدة الزرقاء.

/قال مؤلف هذا الكتاب: هذا خطأ، الزّرقاء اشتراها جعفر بن سليمان، و لعل معنّا اشترى غيرها.

[1]الوج: الطعن بسكين و نحوه.

[2]في الأصول: «و قد مثلت في طين» . و انظر ما سبق في أخبار إسماعيل بن عمّار.

[3]جـ: «بالمسحجي» بتقديم الحاء.

[4]الجردناج: هو «كردناج» بالفارسية، و هو لحم ينضج قليلا بالماء ثم يشوى. معجم استينجاس» 1080: Meat Parboiled and (roasted ( و سحاج الثقابين، كذا وردت. و فيما مضى: «و شحاج الشعانين» .

[5]فرطت: سبقت، و تقدّمت.

46

إسماعيل بن عمّار و سعدة جارية ابن رامين:

أخبرني حبيب بن نصر قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني علي بن الحسن الشيباني، عن عبد الملك بن ثوبان‏[1]قال: قال إسماعيل بن عمّار: كنت أختلف إلى منزل ابن رامين فأسمع جاريتيه:

الزرقاء و سعدة، و كانت سعدة أظرف من الزّرقاء، فأعجبت بها و علمت ذلك منّي، و كانت سعدة كاتبة، فكتبت إليها أشكو ما ألقى بها، فوعدتني فكتبت إليها رقعة مع بعض خدمهم:

يا ربّ إنّ ابن رامين له بقر # عين و ليس لنا غير البراذين‏

/و ذكر الأبيات الماضية. قال: فجاءني الخادم و قال: ما زالت تقرأ رقعتك و تضحك من قولك:

فإن تجودي بذاك الشي‏ء أحي به # و إن بخلت به عنّي فزنّيني‏

و كتبت إليّ: «حاشاك من أن أزنّيك، و لكنّي أسير إليك فأغنّيك و ألهّيك و أرضيك» . و صارت إليّ فأرضتني بعد ذلك.

شراء جعفر بن سليمان للزرقاء و قتله يزيد بن عون:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه، عن الحسين بن محمد الحرّاني، و أخبرني الجوهري عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه:

أن جعفر بن سليمان اشترى الزرقاء صاحبة ابن رامين بثمانين ألف درهم، و سترها عن أبيه-و أبوه يومئذ على البصرة في خلافة المنصور، و قد تحرّك في تلك الأيام عبد اللّه بن علي-فهجم عليهما يوما سليمان بن عليّ فأخفيا[2]العود تحت السّرير/و دخل، فقال له: ويحك نحن على هذه الحال نتوقّع الصيلم‏[3]و أنت تشتري جارية بثمانين ألف درهم!و أظهر له غضبا عليه و تسخّطا لما فعل، فغمز خادما كان على رأسه فأخرجها إلى سليمان، فأكبّت على رأسه فقبّلته، ودعت له، و كانت عاقلة مقبولة متكلّمة، فأعجبه ما رأى منها، و قام عنهما فلم يعد لمعاتبة ابنه بعد ذلك.

قال: و لما مضت لها مدّة عند جعفر سألها يوما: هل ظفر منك أحد ممن كان يهواك بخلوة أو قبلة؟ فخشيت أن يبلغه شي‏ء كانت فعلته بحضرة جماعة أو يكون قد بلغه، فقالت: لا و اللّه إلاّ يزيد بن عون العباديّ الصّيرفي؛ فإنّه قبّلني قبلة و قذف في فيّ‏[4]لؤلؤة بعتها بثلاثين ألف درهم. فلم يزل جعفر يحتال له و يطلبه‏[5]حتّى وقع في يده، فضربه بالسّياط حتّى مات.

[1]ط: «عبد الملك ثوبان» .

[2]ما عدا ط، حـ، مب، مط: «فخبأ» .

[3]الصيلم: الداهية تصطلم القوم. قال:

غضبت تميم أن تقتل عامر # يوم النسار فأعتبوا بالصيلم‏

[4]ط، مب، مط: «في فمي» .

[5]هذه من ط، ها، مب فقط.

47

استقبال سلامة الزرقاء ليزيد بن عون:

قال هارون: و حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال. حدّثني أبو عوف الدّوسيّ، عن عبد الرحمن بن مقرّن قال:

كتبت إلى ابن رامين أستأذنه في إتيانه، فكتب إليّ: «قد سبقك روح بن حاتم، فإن كنت لا تحتشم منه فرح. فرحت، فكنّا كأنّنا فرسا رهان، و التقينا فعانقني و قال لي: أنّى تريد[1]؟قلت: حيث أردت.

قال: فالحمد للّه. فدخلنا فخرجت الزرقاء في إزار و رداء قوهيّين‏[2]مورّدين، كأنّ الشمس طالعة من بين رأسها/و كتفيها[3]، فغنّتنا ساعة ثم جاء الخادم الذي يأذن لها[4]، و كان الإذن عليها دون مولاها، فقام دون الباب و هي تغنّي، حتّى إذا قطعت نظرت إليه فقالت: من‏[5]؟فقال: يزيد بن عون العباديّ الصّيرفي، الملقّب بالماجن، على الباب. فقالت: أدخله. فلما استقبلها كفّر[6]ثم أقعى بين يديها. قال: فوجدت و اللّه له‏[7]و رأيت أثر ذلك، و تنوّقت تنوقا[8]خلاف ما كانت تفعل بنا. فأدخل يده في ثوبه فأخرج لؤلؤتين و قال: انظري يا زرقاء جعلت فداك!ثم حلف أنّه نقد فيهما بالأمس أربعين ألف درهم. فقالت: فما أصنع بذلك؟قال: أردت أن تعلمي. فغنّت صوتا ثم قالت: يا ماجن هبهما لي ويحك. قال: إن شئت و اللّه فعلت. قالت: قد شئت. قال: و اليمين التي حلفت بها لازمة لي إن أخذتهما إلاّ بشفتيك من شفتيّ. قال:

فذهب روح يتسرّع إليه، فقالت له: أ لك في بيت القوم حاجة؟قال: نعم. فقلت: إنما يتكسّبون مما ترى.

و قام ابن رامين فقال: ضع لي يا غلام ماء. ثم خرج عنا فقالت: هاتهما. فمشى على ركبتيه و كفّيه و هما بين شفتيه. فقال: هاك. فلمّا ذهبت بشفتيها جعل يصدّ عنها[9]يمينا و شمالا ليستكثر منها، فغمزت جارية على رأسها فخرجت كأنّها تريد/حاجة، ثم عطفت/عليه، فلمّا دنا منها و ذهب ليزوغ دفعت منكبيه و أمسكتهما حتّى أخذت الزّرقاء اللؤلؤتين بشفتيها من فمه، و رشح جبينها حياء منّا. ثم تجلّدت علينا فأقبلت عليه فقالت له: «المغبون في استه عود» فقال: أمّا أنا فما أبالي، لا يزال طيب هذه الرائحة في أنفي و فمي أبدا ما حييت.

عبث سعدة بثياب الضيوف:

قال هارون: و حدّثني ابن النطّاح عن المدائني، عن علي بن أبي سليمان، عن أبي عبد اللّه القرشي، عن أبي زاهر بن أبي الصباح، قال:

[1]ما عدا ط: «أين تريد» ، و هما سيان.

[2]القوهي: ضرب من الثياب بيض، منسوبة إلى قوهستان. ما عدا ط، مب، مط: «قهويين» محرّفة.

[3]ط، مب، مط: «و كعها» حـ: «و كفيها» . و أثبت ما في سائر النسخ.

[4]أي الذي يأذن في الدخول عليها. ما عدا ط، ما: «تأذن لي» ، محرّف.

[5]ط، حـ، مب، مط: «مه» .

[6]سبق الكلام على التكفير في ص 59. ما عدا ط، مب، مط: «ظفر» ، تحريف.

[7]وجدت: لحقها الوجد به و الحب.

[8]التنوق: التأنق. يقال تنوق في مطعمه و ملبسه و تأنق، أي تجوّد. ما عدا ط، مب: «و تبوّقت تبوقا» محرّف.

[9]الكلام بعده إلى ما قبل: «ما بالمغاني من أحد» مفقود من ط. ـ

48

أتيت منزل ابن رامين مع رجل من قريش، فأخرج الزرقاء، و سعدة، فقام القرشيّ ليبول و ترك مطرفه‏[1]، فلبسته سعدة و خرجت، فرجع القرشيّ و عليها المطرف قد خاطته فصار درعا[2]، فقالت: أ رأيتم أسرع من هذا؟ صار المطرف درعا!فقال القرشيّ: هو لك. قال: و عليّ طيلسان مثنّى، فأردت أن أبول فلففته و قمت، فقالت سعدة: دع طيلسانك. فقلت: لا أدعه، أخاف أن يتحوّل مطرفا.

إهداء ابن المقفع للزرقاء ألف دراجة:

و حدّثني قبيصة بن معاوية قال: قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:

شربت زرقاء ابن رامين دواء فأهدى لها ابن المقفع ألف درّاجة على جمل قراسيّ‏[3].

عشق محمد بن جميل للزرقاء:

قال هارون: و حدّثني حمّاد عن أبيه:

أنّ محمد بن جميل كان يتعشّق الزرقاء، و كان أبو جميل يغدو كلّ يوم يسأل من يقدم عن ابنه محمّد، إلى أن مرّ به صديق له يكنى أبا ياسر، فسأله عنه/فقال له أبو ياسر: تركته أعظم النّاس قدرا، يعامل الخليفة كلّ يوم في خراجه، فيحتاج إليه ولده، و صاحب شرطته، و صاحب حرسه، و خدمه. فقال له: يا أخي: فكيف بهذه الجارية التي قد شهر بها؟فقال له الرجل: لا تهتمّ بها، قد مازحه أمير المؤمنين فيها، و خاطبه بشعر قيل فيه. قال: و ما هو؟ قال:

و ابن جميل فاعلموا عاجلا # لا بدّ موقوف على مسطبه‏[4]

يوقف في زرقاء مشهورة # تجيد ضرب العود و العرطبه‏[5]

فقال جميل: و اللّه ما بي من هذا الأمر إلا أنّي أتخوّف أن يكون قد شهر بها هذه الشّهرة و لم ينكها.

قال هارون: و أحسب هذه القصّة لزرقاء الزّراد[6]، لا زرقاء ابن رامين.

تنافس معن و روح و ابن المقفع في تقديم الألطاف لها:

قال هارون: و حدّثني أبو أيوب قال: حدّثني محمد بن سلاّم، قال:

اجتمع عند ابن رامين معن بن زائدة، و روح بن حاتم، و ابن المقفّع، فلما تغنّت الزرقاء و سعدة، بعث معن إليها بدرة[7]فصبّت بين يديها، فبعث روح إليها أخرى فصبّت بين يديها، و لم يكن عند ابن المقفّع دراهم فبعث فجاء بصكّ ضيعته و قال: هذه عهدة ضيعتي خذيها، فأمّا الدّراهم فما عندي منها شي‏ء.

[1]المطرف بتثليث الميم و فتح الراء: ثوب من خز له أعلام.

[2]الدرع: القميص.

[3]الدراجة، كرمانة: واحدة الدراج، و هو ضرب من الطير طيب اللحم. و القراس بضم القاف و فتح الراء: الضخم الشديد من الإبل.

يقال قراسي و قراسية بتخفيف الياء. حـ: «فراسي» . و ما عداها «قراشي» و وجههما ما أثبت من «مب» .

[4]المسطبة، بفتح الميم و كسرها: الدكان يقعد الناس عليها.

[5]العرطبة، بالفتح و الضم: العود، أو الطنبور.

[6]كذا في أ، مب، مط. و في سائر النسخ: «الواردة» .

[7]البدرة، بالفتح: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار.

49

صفة الزرقاء و غنائها:

أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا فضل اليزيديّ قال: حدّثني إسحاق الموصليّ قال: قال سليمان الخشّاب:

/دخلت منزل ابن رامين فرأيت الزّرقاء جاريته و هي وصيفة، حين شال نهودها ثوبها عن صدرها، لها شارب كأنّه خطّ بمسك، يلحظه الطّرف و يقصر عنه الوصف، و ابن الأشعث الكوفيّ يلقي عليها، و الغناء له:

أيّة حال يا ابن رامين # حال المحبّين المساكين

تركتهم موتى و ما موّتوا # قد جرّعوا منك الأمرّين

/و سرت في ركب على طيّة # ركب تهام و يمانين

يا راعي الذّود لقد رعتنا # ويلك من روع المحبّين

فرّقت جمعا لا يرى مثلهم # فجّعتهم بالرّبرب العين‏

ابن رامين أجل مقين بالكوفة:

أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثني هارون بن محمد الزيات قال: قال أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل: كان ابن رامين مولى الزرقاء أجلّ مقيّن‏[1]بالكوفة و أكبرهم، و رامين أبوه مولى بشر بن مروان.

محمد بن الأشعث يلقي على الزرقاء و صواحباتها الغناء:

قال هارون: فحدّثني سليمان المديني قال: قال حمّاد بن إسحاق قال أبي: قال معاذ بن الطّبيب:

أتيت ابن رامين و عنده جواريه: الزّرقاء و صواحباتها، و عندهنّ فتى حسن الوجه نظيف الثّياب، عطر الريح، يلقى عليهنّ، فسألت عنه فقيل لي: هذا محمد بن الأشعث بن فجوة الزّهري. فمضيت به إلى منزلي و سألته المقام ففعل، و أتيته بطعام و شراب و غنّيته أصواتا من غناء أهل الحجاز، فسألني أن ألقيها عليه، فقلت: نعم و كرامة و حبّا، على أن تلقي عليّ أصواتا من صنعتك ألتذّ بها، و أقطع طريقي بروايتها، و أطرف أهل بلدي بها، ففعلت و فعل، فكان مما أخذته عنه من صنعته:

صوت‏

صاح إنّي عاد لي ما ذهبا # من هوى هاج لقلبي طربا[2]

أذكرتني الشّوق سلاّمة أن # لم أكن قضيت منها أربا

و إذا ما لام فيها لائم # زاد في قلبي لحبّي عجبا[3]

[1]المقين: أراد به صاحب القيان.

[2]كذا على الصواب في حـ، مب، مط. و في سائر النسخ: «إني عازل» تحريف.

[3]حـ: «زاداني قلبي بحبي» .

50

من ذوات الدّلّ لو دبّ على # جلدها الذّرّ لأبدى ندبا[1]

الغناء لمحمد بن الأشعث، ثقيل أوّل عن الهشاميّ. و فيه ليونس خفيف ثقيل بالسّبابة، في مجرى البنصر عن إسحاق. و ذكر أحمد بن عبيد أنّ فيه لحنا من الثقيل الثاني لا يدري لمن هو؟ قال: و منها.

صوت‏

لذكر الحبيب النّازح المتعتّب # طربت و من يعرض له الشوق يطرب‏

لحنه رمل: و قال منها:

صوت‏

خليليّ عوجا ساعة ثم سلّما # على زينب سقيا و رعيا لزينب‏

لحنه رمل. و قال منها:

صوت‏

رحبت بلادك يا أمامه # و سلمت ما سجعت حمامه‏[2]

و سقى ديارك كلّما # حنّت إلى السّقيا غمامه

/إنّي و إن أقصيتني # سفها أحبّ لك الكرامة

و أرى أمورك طاعة # مفروضة حتّى القيامه‏

لحنه خفيف رمل. قال: و منها[3]:

صوت‏

ما بالمغاني من أحد # إلاّ حمامات فرد[4]

أضحت خلاء درّسا # للرّيح فيها مطّرد[5]

/عهدي بها فيما مضى # ينتابها مض خرد[6]

[1]الذر: صغار النمل. و الندب: جمع ندبة، بالتحريك، و هو أثر الجرح الباقي على الجلد.

[2]رحبت: اتسعت. سجعت: غنت.

[3]إلى هنا تنتهي القطعة المفقود من ط. انظر ما سبق في ص 65 الحاشية 7.

[4]المغاني: جمع مغني، و هو الموضع يغني فيه القوم، أي يقيمون. فرد: فريدات.

[5]درس: جمع دارسة، و هي التي لعب بها البلى. المطرد: الموضع تطرد فيه الريح أي تجري؛ أو هو مصدر ميمي.

[6]ينتابها: يأتيها نوبة بعد أخرى. خرد: جمع خريدة و خريد و خرود، و هي الحيبة الطويلة السكوت الخافضة الصوت. ما عدا ط، مب، مط: «بنباتها بيض جدد» تحريف.

51

فاستبدلت وحشا بهم # و الورق تدعو و الصّرد[1]

لحنه هزج. قال: و منها:

صوت‏

ليت من طيّر نومي # ردّ في عيني المناما

أو شفى جسما سقيما # زاده الهجر سقاما

نظرت عيني إليها # نظرة هاجت غراما

تركت قلبي حزينا # بهواها مستهاما

لحنه رمل.

/قال ابن الطبيب: و أخذت منه مع هذه أصواتا كثيرة، و رأيت النّاس بعد ذلك ينسبونها إلى قدماء المغنّين.

مصير الزرقاء و ربيحة إلى جعفر و محمد بن سليمان:

قال هارون: و حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: حدّثني إسماعيل بن جعفر بن سليمان:

أنّ الزّرقاء صاحبة ابن رامين‏[2]صارت إلى أبيه، و كان يقال لها أم عثمان. و أنّ ربيحة جارية ابن رامين صارت إلى محمد بن سليمان، و كانت حظيّة عنده. قال إسماعيل: فأتى سليمان بن علي ابنه جعفرا فأخرج إليه الزّرقاء، فقال لها سليمان: غنّيني. قالت: أيّ شي‏ء تحبّ؟قال: غنّيني:

إذا ما أمّ عبد اللّ # -ه لم تحلل بواديه

و لم تشف سقيما هيّ # -ج الحزن دواعيه‏

فقالت: فديتك، قد ترك الناس هذا منذ زمان. ثم غنّته إياه.

قال إسماعيل: قد مات سليمان منذ ثلاث و سبعين سنة، و ينبغي أن يكون رأى الزرقاء قبل موته بسنتين أو ثلاث. قال: و قالت هي: قد ترك الناس هذا منذ زمان. فهذا من أقدم ما يكون من الغناء.

أبيات لشراعة في جواري ابن رامين:

قال هارون: و قال شراعة بن الزّندبوذ:

قالوا شراعة عنّين فقلت لهم # اللّه يعلم أنّي غير عنّين

فإن أبيتم و قلتم مثل قولهم # فأقحموني في دار ابن رامين‏[3]

ثم انظروا كيف طعني عند معتركي # في حر من كنت أرميها و ترميني‏

[1]الورق: جمع ورقاء، و هي الحمامة في لونها بياض إلى سواد. و الصرد: طائر أكبر من العصفور.

[2]صاحبة ابن رامين، من ط، مط فقط.

[3]أقحمه: ألقاه و رمى به.

52

صفة أخرى للزرقاء:

قال هارون: و حدّثني أبو أيوب المديني، عن أحمد بن إبراهيم قال: قال بعض المدنيّين:

أتيت منزل ابن رامين، فوجدته عنده جارية قد رفع ثديها قميصا، لها شارب أخضر ممتدّ على شفتيها[1]امتداد الطّراز، كأنّما خطّت طرّتها و حاجباها بقلم، لا يحلقها في ضرب من ضروب حسنها وصف واصف، فسألت عن اسمها فقيل: هذه الزّرقاء.

نسبة الصوت الذي في الخبر

صوت‏

إذا ما أمّ عبد اللّ # -ه لم تحلل بواديه

و لم تشف سقيما هـ # -يج الحزن دواعيه

غزال راعه القنّا # ص تحميه صواصيه‏[2]

/عرفت الربع بالإكليـ # ل عفّته سوافيه‏[3]

بجوّ ناعم الحوذا # ن ملتفّ روابيه‏[4]

/و ما ذكرى حبيبا و # قليلا ما أواتيه

كذي الخمر تمنّاها # و قد أسرف ساقيه‏[5]

ذكر الزّبير بن بكّار أنّ الشّعر لعديّ بن نوفل، و قيل إنّه للنّعمان بن بشير الأنصاريّ‏[6]و ذاك أصحّ.

و قد أخرجت أخبار النّعمان فيه مفردة في موضع آخر، و ذكرت القصيدة بأسرها. و رواها ابن الأعرابيّ و أبو عمرو الشيباني للنّعمان، و لم يذكر أنّها لعديّ غير الزّبير بن بكّار.

و الغناء فيما ذكر عمرو بن بانة لمعبد، خفيف رمل بالوسطى. و ذكر إسحاق أنّ فيه خفيف رمل بالسبّابة في مجرى البنصر، يمان‏[7]. و فيه للغريض ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشامي، في الأول و الثاني و الرابع و الخامس.

[1]ط: «شقتها» مب، مط: «شفتها» .

[2]راعه: أفزعه. و القناص، بالفتح، هو القانص، و بالضم: جمع قانص. ما عدا ط، مب: «رابه القناص» . و الصياصي: الحصون.

[3]الإكليل: اسم موضع. و أنشد هذه الأبيات ياقوت في رسم (الإكليل) . و السوافي: الرياح التي تسفي التراب.

[4]الجو و الجوة: المنخفض من الأرض. و الحوذان، بالفتح: نبت له زهرة حمراء في أصلها صفرة. ملتف روابيه: أي ملتف نبات روابيه. و الرابية: ما ارتفع من الأرض.

[5]ما عدا ط، مب، مط: «كذا الخمر» محرّف.

[6]هذا يطابق ما في «معجم البلدان» في رسم (الإكليل) .

[7]هذه الكلمة من ط، حـ، مب، مط.

53

6-نسب عديّ بن نوفل و خبره‏

نسب عدي بن نوفل:

هو عديّ بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ. و أمه آمنة بنت جابر بن سفيان، أخت تأبّط شرّا.

استعماله على حضرموت:

و كان عمر بن الخطاب رضوان اللّه عليه استعمله، أو عثمان بن عفان رضي اللّه عنه-فيما أخبرنا به الطّوسيّ عن الزبير بن بكار-على حضرموت.

داره و ما قيل فيها من الشعر:

قال الزبير: و دار عديّ بن نوفل بين المسجد و السّوق معروفة[1]، و فيها يقول إسماعيل بن يسار النّسائي‏[2]:

إنّ ممشاك نحو دار عديّ # كان للقلب شقوة و فتونا

إذ تراءت على البلاط فلمّا # واجهتها كالشّمس تعشي العيونا[3]

قال هارون قف فيا ليت أنّي # كنت طاوعت ساعة هارونا

و قد قيل إنّ هذه الأبيات لعمر بن أبي ربيعة[4].

امرأته و نشوزها عليه:

قال الزّبير: كان تحت عديّ بن نوفل أمّ عبد اللّه بنت أبي البختريّ بن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى، فغاب مدّة و كتب إليها أن تشخص إليه، فلم تفعل، فكتب إليها قوله:

إذا ما أمّ عبد اللّ # -ه لم تحلل بواديه‏

/و ذكر البيتين فقط، فقال لها أخوها الأسود بن أبي البختريّ، و هما لأب و أمّ، أمّهما عاتكة بنت أميّة بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى: قد بلغ الأمر هذا من ابن عمّك. فاشخص إليه‏[5].

[1]هذه الكلمة من ط، مب، مط.

[2]النسائي هذا بكسر النون، لقب بذلك لأنه كان يبيع النجد و الفرش التي تتخذ للعرائس، كما سبق في ترجمة إسماعيل بن يسار.

[3]البلاط: موضع بالمدينة مبلط بالحجارة بين مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و بين سوق المدينة.

[4]الأبيات في «ديوان عمر بن أبي ربيعة» 71.

[5]كذا على الصواب في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «إليك» .

54
صوت‏

أ عينيّ جودا و لا تجمدا # أ لا تبكيان لصخر النّدى

أ لا تبكيان الجريّ الجميل # أ لا تبكيان الفتى السيّدا

الشعر للخنساء بنت عمرو بن الشريد، ترثي أخاها صخرا، و الغناء لإبراهيم الموصلي، ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر، عن إسحاق. و فيه لابن سريح خفيف رمل بالوسطى، عن عمرو، /و الهشامي، و حبش.