الأغاني - ج16

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
545 /
271

الجزء السادس عشر

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* <الجزء السادس عشر من كتاب الأغاني>

1-أخبار شارية

نسبها و تعلمها الغناء

قال أبو الفرج عليّ بن الحسين:

كانت شارية مولدة من مولدات البصرة، يقال إن أباها كان رجلا من بني سامة بن لؤيّ المعروفين ببني ناجية[1]، و أنه جحدها، و كانت أمها أمة، فدخلت في الرق. و قيل بل سرقت فبيعت، فاشترتها امرأة من بني هاشم، فأدّبتها، و علمتها الغناء، ثم اشتراها إبراهيم بن المهدي، فأخذت غناءها[2]كله أو أكثره عنه، و بذلك يحتج من يقدّمها على عريب، و يقول: إن إبراهيم خرّجها، و كان يأخذها بصحة الأداء/لنفسه، و بمعرفة ما يأخذها به.

و لم تكن هذه حال عريب، لأن المراكبي‏[3]لم يكن يقارب إبراهيم في العلم، و لا يقاس به في بعضه‏[4]، فضلا عن سائره.

ابن المعتز يؤلف عنها

أخبرني بخبرها محمد بن إبراهيم قريص‏[5]:

أن ابن المعتز دفع إليه كتابه الذي ألّفه في أخبارها، و قال له أن يرويه عنه، فنسخت منه ما كان يصلح لهذا الكتاب على شرطي فيه، و أضفت إليه ما وجدته من أخبارها عن غيره في الكتب، و سمعته أنا عمن رويته عنه.

[1]سامة بن لؤي بن غالب: أخو كعب الجد السادس للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم. و اختلف فيه: فقال أبو الفرج الأصبهاني: إن قريشا تدفع بني سامة، و تنسبهم إلى أمهم ناجية. و قال الهمداني: يقول الناس: بنو سامة، و لم يعقب ذكرا، إنما هم أولاد بنته، و كذلك قال عمر و عليّ، و لم يفرضا لهم، و هم ممن حرم. و قال ابن الكلبي و الزبير بن بكار: فولد سامة بن لؤي الحارث و غالبا (انظر «تاج العروس» الزبيدي في: سوم) .

[2]كذا في ف، و في بقية الأصول: غناءه.

[3]كذا في ف، مب، و «نهاية الأرب» (5: 96) و هو عبد اللّه بن إسماعيل المراكبي، مولى عريب، و مخرجها في الغناء. و في بقية الأصول. المرادي، تحريف.

[4]كذا في ف. و في أ، م: و لا يقاس في بعضه. و في ج: و لا يقاس بعضها بعضه.

[5]هو قريص المغني، قال ابن النديم في «الفهرست» (مصر 222) : قريص الجراحي، كان في جملة أبي عبد اللّه محمد بن داود بن الجراح، و اسمه... «من حذاق المغنين و علمائهم» و قريص: بصاد مهملة كما في ف و بعض النسخ، لا بالضاد كما في بعض آخر؛ يؤيد ذلك الجناس في بيت جحظة البرمكي، من أبيات يهجوه بها:

أكلنا قريصا و غنى قريص # فبتنا على شرف الفالج‏

توفى قريص سنة أربع و عشرين، و فيها مات جحظة» . انظر «الفهرست» لابن النديم.

272

بيعها

قال ابن المعتز: حدثني عيسى بن هارون المنصوري:

أن شارية كانت لا مرأة من الهاشميات بصرية، من ولد جعفر بن سليمان. فحملتها لتبيعها ببغداد، فعرضت على إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فأعطى بها ثلاثمائة دينار، ثم استغلاها بذلك و لم يردها. فجي‏ء بها إلى إبراهيم بن المهدي، فعرضت عليه، فساوم بها. فقالت له مولاتها: قد بذلتها لإسحاق بن إبراهيم بثلاثمائة دينار، و أنت أيها الأمير، أعزك اللّه، بها أحق. فقال: زنوا لها ما قالت. فوزن لها، ثم دعا بقيمته، فقال: خذي هذه الجارية و لا ترينيها[1]سنة، و قولي للجواري يطرحن عليها، /فلما كان بعد سنة أخرجت إليه، فنظر إليها و سمعها.

فأرسل إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي فدعاه، و أراه إياها، و أسمعه غناءها. و قال: هذه جارية تباع، فبكم تأخذها لنفسك؟قال إسحاق: آخذها بثلاثة آلاف دينار، و هي رخيصة بها. قال له إبراهيم: أتعرفها؟قال: لا. قال: هذه الجارية التي عرضتها عليك الهاشمية بثلاثمائة دينار، فلم تقبل. فبقي إسحاق متحيرا، يعجب من حالها و ما انقلبت إليه.

و قال ابن المعتز: حدثني الهشامي‏[2]عن محمد بن راشد: أن شارية كانت مولدة البصرة، و كانت لها أمّ خبيثة منكرة، تدّعي أنها بنت محمد بن زيد، من بني سامة بن لؤي.

قال ابن المعتز: و حدثني غيره، أنها كانت تدّعي أنها من بني زهرة.

قال الهشامي: فجي‏ء بها إلى بغداد، و عرضت على إبراهيم بن المهدي، فأعجب بها إعجابا شديدا، فلم يزل يعطي بها، حتى بلغت ثمانية آلاف درهم. فقال لي هبة اللّه بن إبراهيم بن المهدي: إنه لم يكن عند أبي درهم و لا دانق، فقال لي: ويحك!قد أعجبتني و اللّه هذه الجارية إعجابا شديدا، و ليس عندنا شي‏ء. فقلت له: نبيع ما نملكه حتى الخزف. و نجمع ثمنها. فقال لي: قد فكرت‏[3]في شي‏ء؛ اذهب إلى عليّ بن هشام، فأقرئه مني السلام، و قل له: جعلني اللّه فداءك!قد عرضت/عليّ جارية قد أخذت بمجامع قلبي، و ليس عندي ثمنها، فأحب أن تقرضني عشرة آلاف درهم. فقلت له: إن ثمنها ثمانية آلاف درهم، فلم تكثر على الرجل بعشرة آلاف درهم؟فقال: إذا اشتريناها بثمانية آلاف درهم، لا بدّ أن نكسوها، و نقيم لها ما تحتاج إليه.

/فصرت إلى عليّ بن هشام، فأبلغته الرسالة، فدعا بوكيل له، و قال له: ادفع إلى خادمه عشرين ألفا، و قل له: أنا لا أصلك، و لكن هي لك حلال في الدنيا و الآخرة[4]. قال: فصرت إلى أبي بالدراهم، فلو طلعت عليه بالخلافة، لم تكن تعدل عنده تلك الدراهم.

خبث أمها

و كانت أمها خبيثة، فكانت كلما لم يعط إبراهيم ابنتها ما تشتهي، ذهبت إلى عبد الوهاب بن عليّ، و دفعت إليه رقعة يرفعها إلى المعتصم، تسأله أن تأخذ ابنتها من إبراهيم.

[1]في «نهاية الأرب» (5: 79) : تزينيها.

[2]كذا في ف، ج. و في بقية الأصول: الهاشمي، تحريف.

[3]كذا في ف. و في بعض الأصول: تذكرت، و في بعضها: تفكرت.

[4]كذا في الأصول و «نهاية الأرب» (5: 80) و لعله يريد ليست هي بقرض و لا صدقة، و لكنها هبة.

273

قال ابن المعتز: و أخبرني عبد الواحد بن إبراهيم بن محمد بن الخصيب، قال: ذكر يوسف بن إبراهيم المصريّ، صاحب إبراهيم بن المهدي:

أن إبراهيم وجّه به إلى عبد الوهاب بن عليّ، في حاجة كانت له، [قال‏[1]]: فلقيته و انصرفت من عنده، فلم أخرج من دهليز عبد الوهاب حتى استقبلتني امرأة. فلما نظرت في وجهي سترت وجهها. فأخبرني شاكري‏[2]أن المرأة هي أم شارية، جارية إبراهيم. فبادرت إلى إبراهيم، و قلت له: أدرك، فإني رأيت أم شارية في دار عبد الوهاب، و هي من تعلم، و ما يفجؤك إلا حيلة قد أوقعتها. فقال لي في جواب ذلك: أشهدك أن جاريتي شارية صدقة على ميمونة بنت إبراهيم بن المهدي، ثم أشهد ابنه هبة اللّه على مثل ذلك‏[3]. و أمرني بالركوب إلى دار ابن أبي دواد، و إحضار من قدرت عليه من الشهود المعدلين عنده، فأحضرته أكثر من عشرين شاهدا. و أمر بإخراج شارية، /فخرجت، فقال لها: اسفري، فجزعت من ذلك. فأعلمها أنه إنما أمرها بذلك لخير يريده بها، ففعلت.

فقال لها: تسمّى. فقالت: أنا شارية أمتك. فقال لهم: تأملوا وجهها، ففعلوا. ثم قال: فإني أشهدكم أنها حرة لوجه اللّه تعالى، و أني قد تزوّجتها، و أصدقتها عشرة آلاف درهم. يا شارية مولاة إبراهيم بن المهديّ، أرضيت؟ قالت: نعم يا سيدي قد رضيت، و الحمد للّه على ما أنعم به عليّ. فأمرها بالدخول، و أطعم الشهود و طيّبهم و انصرفوا.

فما أحسبهم بلغوا دار ابن أبي دواد، حتى دخل علينا عبد الوهاب بن عليّ، فأقرأ عمه سلام المعتصم، ثم قال له: يقول لك أمير المؤمنين: من المفترض عليّ طاعتك، و صيانتك عن كل ما يعرك‏[4]، إذ كنت عمي، و صنو أبي، و قد رفعت إليّ امرأة من قريش قصة، ذكرت فيها أنها من بني زهرة صليبة[5]، و أنها أم شارية، و احتجت بأنه لا تكون بنت امرأة من قريش أمة، فإن كانت هذه المرأة صادقة في أن شارية بنتها، و أنها من بني زهرة، فمن المحال أن تكون شارية أمة؛ و الأشبه بك و الأصلح إخراج شارية من دارك، و سترها عند من تثق به من أهلك، حتى نكشف ما قالت هذه المرأة؛ فإن ثبت ما قالته أمرت من جعلتها عنده بإطلاقها، و كان في ذلك الحظ لك في دينك و مروءتك؛ و إن لم يصح ذلك، أعيدت الجارية إلى منزلك، و قد زال عنك القول/الذي لا يليق بك و لا يحسن.

فقال له إبراهيم: فديتك يا أبا إبراهيم، هب شارية بنت زهرة بن كلاب، أ تنكر على ابن عباس بن عبد المطلب أن يكون بعلا لها؟فقال عبد الوهاب: لا. فقال إبراهيم: فأبلغ أمير المؤمنين، أطال اللّه بقاءه السلامة، و أخبره أن شارية/حرة، و أني قد تزوجتها بشهادة جماعة من العدول.

[1]قال: عن «نهاية الأرب» .

[2]الشاكريّ: أحد الجنود الشاكرية؛ من جند الخلفاء العباسيين. انظر رسالة معاقب الترك و عامة جند الخلافة للجاحظ ص 18.

[3]كذا في ف. و في بقية الأصول: ثم أشهد اللّه أنه على مثل ما أشهدني عليه.

[4]كذا في ف. و في بعض الأصول: يضرك. و في «نهاية الأرب» للنويري (5: 81) : يسوؤك.

[5]صليبة: بتقديم الياء المثناة على الباء، كذا في ف، أ. و في ترجمة أبي تمام ( «الأغاني» طبعة الساسي 15: 96) . و كذلك جاءت في أخبار أبي تمام للصولي (ص 59 طبعة ترجمة التأليف و الترجمة) . و هي منصوبة إما على أنها صفة لمحذوف، أي نسبة صليبة، و هي الخالصة. قال في «أساس البلاغة» : عربي صليب: خالص النسب، و امرأة صليبة: كريمة المنصب عريقة. و إما على أنها حال من بني زهرة، و هم فرع من قريش. و في ج، م، س، ب: صليبة، بتقديم الموحدة على المثناة، نسبة إلى الصلب. يريد أن آباءها من بني زهرة أنفسهم، و ليست مولاة لهم، فكلا اللفظين إذن صحيح.

274

و قد كان الشهود بعد منصرفهم من عند إبراهيم صاروا إلى ابن أبي دواد. فشم منهم من رائحة الطيب ما أنكره، فسألهم عنه، فأعلموه أنهم حضروا عتق شارية، و تزوّج إبراهيم إياها. فركب إلى المعتصم، فحدّثه بالحديث معجبا له منه. فقال: ضلّ سعي عبد الوهاب. و دخل عبد الوهاب على المعتصم، فلما رآه يمشي في صحن الدار، سدّ المعتصم أنف نفسه، و قال: يا عبد الوهاب، أنا أشم رائحة صوف محرق، و أحسب أن عمي لم يقنعه ردّك إلا و على أذنك صوفة حتى أحرقها، فشممت رائحتها منك. فقال: الأمر على ما ظنّ أمير المؤمنين و أقبح.

و لما انصرف عبد الوهاب من عند إبراهيم، ابتاع إبراهيم منه بنته ميمونة شارية، بعشرة آلاف درهم، و ستر ذلك عنها، فكان عتقه إياها و هي في ملك غيره، ثم ابتاعها من ميمونة، فحل له فرجها، فكان يطؤها على أنها أمته، و هي تتوهم أنه يطؤها على أنها حرة. فلما توفي طلبت مشاركة أم محمد بنت خالد زوجته في الثّمن، فأظهرت خبرها. و سئلت ميمونة و هبة اللّه عن الخبر، فأخبرا به المعتصم. فأمر المعتصم بابتياعها من ميمونة، فابتيعت بخمسة آلاف و خمسمائة دينار، فحوّلت إلى داره، فكانت في ملكه حتى توفّي.

قال ابن المعتز: و قد قيل إن المعتصم ابتاعها بثلاثمائة ألف درهم.

قال: و كان منصور بن محمد بن واضح يزعم أن إبراهيم اقترض ثمن شارية من ابنته، و ملكها إبراهيم و لها سبع سنين، فرباها تربية الولد، حتى لقد ذكرت/أنها كانت في حجره جالسة، و قد أعجب بصوت أخذته منه، إذ طمثت أوّل طمثها، فأحس بذلك، فدعا قيّمة له، فأمرها بأن تأتيه بثوب خام، فلفه عليها، فقال: احمليها، فقد اقشعرّت، و أحسب برد الحشّ قد آذاها[1].

حسن وجهها و غنائها

قال: و حدّثت شارية أنها كانت معه في حراقة قد توسط بها دجلة، في ليلة مقمرة، و هي تغني إذ اندفعت فغنت:

لقد حثوا الجمال ليهـ # ربوا منا فلم يئلوا

فقام إليها، فأمسك فاها، و قال: أنت و اللّه أحسن من الغريض وجها و غناء، فما يؤمنني عليك؟أمسكي.

قال: و حدّث حمدون بن إسماعيل: أنه دخل على إبراهيم يوما، فقال له: أ تحب أن أسمعك شيئا لم تسمعه قط؟قال: نعم. فقال: هاتوا شارية، فخرجت، فأمرها أن تغني لحن إسحاق:

هل بالديار التي حيّيتها أحد؟

قال حمدون: فغنتني شيئا لم أسمع مثله قطّ، فقلت: لا و اللّه يا سيدي ما سمعت هكذا. فقال: أ تحب أن تسمعه أحسن من هذا؟فقلت: لا يكون. فقال: بلى و اللّه تقر بذاك. فقلت: على اسم اللّه. فغناه هو، فرأيت فضلا عجيبا. فقلت: ما ظننت أن هذا يفضل ذاك هذا الفضل. قال: أ فتحب أن تسمعه أحسن من هذا و ذاك؟فقلت: هذا الذي لا يكون. فقال: بلى و اللّه. فقلت: فهات. قال: بحياتي يا شارية، قوليه و أحيلى‏[2]حلقك فيه. فسمعت و اللّه فضلا/بينا، فأكثرت التعجب. فقال لي: يا أبا جعفر، ما أهون هذا على السامع!تدري باللّه كم مرّة رددت عليها [1]الحش: البستان. و في بعض النسخ: الخيش.

[2]كذا في ف، س. و معناه: حوّلي حلقك في أثناء الغناء من حال إلى حال، ارتفاعا و انخفاضا. و في أ: و أحلى. و في ج: و اجيلى.

275

موضعا في هذا الصوت؟قلت: لا. قال: فقل و أكثر. قلت: مائة مرّة. قال: اصعد ما بدا لك. قلت: ثلاثمائة.

قال: أكثر و اللّه من ألف مرّة، حتى قالته كذا.

عقوبتها

قال: و كانت/ريّق تقول: إن شارية كانت إذا اضطربت في صوت، فغاية ما عنده من عقوبتها، انه يقيمها تغنيه على رجليها، فإن لم تبلغ الذي يريد، ضربت ريق‏[1].

شارية تضرب بالعود

قال: و يقال إن شارية لم تضرب بالعود إلا في أيام المتوكل، لمّا اتصل الشرّ بينها و بين عريب، فصارت تقعد بها عند الضرب، فضربت هي بعد ذلك.

إبراهيم يمتنع من بيعها

قال ابن المعتز: و حدّث محمد بن سهل بن عبد الكريم، المعروف بسهل الأحول، و كان قاضي الكتاب في زمانه، و كان يكتب لإبراهيم، و كان شيخا ثقة، قال: أعطى المعتصم إبراهيم بشارية سبعين ألف دينار، فامتنع من بيعها. فعاتبته على ذلك، فلم يجبني بشي‏ء. ثم دعاني بعد أيام، فدخلت و بين يديه مائدة لطيفة. فأحضره الغلام سفّودا فيه ثلاث فراريج، فرمى إليّ بواحدة، فأكلتها و أكل اثنتين، ثم شرب رطلا و سقانيه، ثم أتي بسفود آخر، ففعل كما فعل، و شرب كما شرب و سقاني. ثم ضرب سترا كان إلى جانبه، فسمعت حركة العيدان، ثم قال: يا شارية تغنّى. فسمعت شيئا ذهب بعقلي. فقال: يا سهل، هذه التي عاتبتني في أن أبيعها بسبعين ألف دينار، لا و اللّه، و لا هذه الساعة الواحدة بسبعين ألف دينار.

نسبها و بيعها

قال: و كانت شارية تقول: إن أباها من قريش، و إنها سرقت صغيرة، فبيعت بالبصرة من امرأة هاشمية، و باعتها من إبراهيم بن المهديّ. و اللّه أعلم.

رأى في غنائها

أخبرني عمي، قال: حدّثني عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر، قال: أمرني المعتز ذات يوم بالمقام عنده، فأقمت. فأمر فمدّت الستارة، و خرج من كان يغني وراءها، و فيهنّ شارية، و لم أكن سمعتها قبل ذلك. فاستحسنت ما سمعت منها، فقال لي أمير المؤمنين المعتز: يا عبيد اللّه، كيف ما تسمع منها عندك‏[2]؟فقلت: حظ العجب من هذا الغناء، أكثر من حظ الطرب. فاستحسن ذلك، و أخبرها به فاستحسنته.

تلعب النرد مع ريق‏

قال ابن المعتز: و أخبرني الهشاميّ، قال: قالت لي ريّق: كنت ألعب أنا و شارية بالنرد بين يدي إبراهيم، و هو متكئ على مخدّة ينظر إلينا، فجرى بيني و بين شارية مشاجرة في اللعب، فأغلظت لها في الكلام بعض الغلظة.

[1]أي أخذت من شارية العود، و ضربت هي به، لتضبط اللحن.

[2]ف: كيف ما تسمع مما عندك؟

276

فاستوى إبراهيم جالسا، و قال: أرك تستخفين بها، فو اللّه لا أحد[1]يخلفك غيرها. و أومأ إلى حلقه بيده‏[2].

إبراهيم لم يدخل بها

قال: و حدثني الهشاميّ، قال: حدّثني عمرو بن بانة، قال: حضرت يوما مجلس المعتصم، و ضربت الستارة، و خرجت الجواري، و كنت إلى جانب مخارق، فغنت شارية، فأحسنت جدا. فقلت لمخارق: هذه الجارية في حسن الغناء على/ما تسمع، و وجهها وجه حسن، فكيف لم يتحرّم‏[3]بها إبراهيم بن المهديّ؟فقال لي: أحد الحظوظ التي رفعت لهذا الخليفة منع إبراهيم بن المهديّ من ذلك.

جواري المعتصم و جواري‏

قال عبد اللّه بن المعتز: و حدّثني أبو محمد الحسن بن يحيى أخو علي بن يحيى، عن ريق قالت:

استزار المعتصم من إبراهيم بن المهديّ جواريه، و كان في جفوة من السلطان تلك الأيام، فنالته ضيقة.

قالت: فتحمل ذهابنا إليه على ضعف، فحضرنا مجلس المعتصم و نحن في سراويلات مرقعة، فجعلنا نرى جواري المعتصم و ما عليهنّ من الجوهر و الثياب الفاخرة، فلم تستجمع إلينا أنفسنا حتى غنوا و غنينا، فطرب المعتصم على غنائنا، و رآنا أمثل من جواريه، فتحوّلت إلينا أنفسنا في التيه و الصلف، و أمر لنا المعتصم بمائة ألف درهم.

شارية أحسن الناس غناء

قال: و حدّثني أبو العبيس‏[4]، عن أبيه قال: /كانت شارية أحسن الناس غناء، منذ توفي المعتصم إلى آخر خلافة الواثق.

افتضها المعتصم‏

قال أبو العبيس: و حدّثتني ريق أن المعتصم افتضها، و أنها كانت معها في تلك الليلة.

تعلم الغناء و المعتمد يعشق جاريتها

قال أبو العبيس: و حدّثتني طباع‏[5]جارية الواثق: أن الواثق كان يسميها ستي. و كانت تعلم فريدة، فلم تبق في تعليمها غاية، إلى أن وقع بينهما شي‏ء[6]/بحضرة الواثق، فحلفت أنها لا تنصحها و لا تنصح أحدا بعدها، فلم [1]كذا في ف. و في الأصول: ما أجد أحدا.

[2]كذا في ف. و في الأصول ما عدا م: حلقة بيدها. و في م: خلقة بيدها، و هما تحريف.

[3]في «التاج» : و تحرم منه بحرمة: إذا تمنع و تحمى بذمة أو صحبة أو حق. كأنه يريد: لما ذا لم يعتقها و يتزوّج بها، فتكون من حرمه فلا تباع.

[4]أبو العبيس، كما في ف: هو أحد المغنين، و ليس هو أو العنبس كما ورد اسمه محرفا في مواضع مختلفة من «الأغاني» ، جاء في الجزء الأوّل من طبعة دار الكتب ص 99، هذه العبارة: غنى أبو العبيس بن حمدون... الخ، و يستفاد منها أمران: الأوّل: أنه مغن. و الثاني أن اسم أبيه حمدون. أما أبو العنبس فهو محمد بن إسحاق بن إبراهيم الصيمري الشاعر، كما قال الخطيب البغدادي في «تاريخه» (1: 238) .

[5]م: تباع.

[6]ج: شر.

277

نكن تطرح بعد ذلك صوتا إلا نقصت من نغمه. و كان المعتمد قد تعشق شرة جاريتها، و كانت أكمل الناس ملاحة و خفة روح، و عجز عن شرائها. فسأل أمّ المعتز أن تشتريها له، فاشترتها من شارية بعشرة آلاف دينار، و أهدتها إليه. ثم تزوّجت بعد وفاة المعتمد بابن البقال المغني، و كان يتعشقها. فقال عبد اللّه بن المعتز، و كان يتعشقها:

أقول و قد ضاقت بأحزانها نفسي # ألا رب تطليق قريب من العرس

لئن صرت للبقال يا شر زوجة # فلا عجب قد يربض‏[1]الكلب في الشمس‏

ابن وصيف يودع جوهره عندها

و قال يعقوب بن بنان: كانت شارية خاصة بصالح بن وصيف. فلما بلغه رحيل موسى بن بغا من الجبل يريده، بسبب قتله المعتز، أودع شارية جوهره. فظهر لها جوهر كثير بعد ذلك. فلما أوقع موسى بصالح، استترت شارية عند هارون بن شعيب العكبري‏[2]، و كان أنظف خلق اللّه طعاما، و أسراه مائدة، و أوسخه‏[3]كل شي‏ء بعد ذلك؛ و كان له بسر من رأى منزل، فيه بستان كبير، و كانت شارية تسميه أبي، و تزوره إلى منزله. فتحمل معها كل شي‏ء تحتاج إليه، حتى الحصير الذي تقعد عليه.

من أكرم الناس‏

قال: و كانت شارية من أكرم الناس، عاشرها[4]أبو الحسن علي بن الحسين عند هارون هذا، ثم أضاق في وقت، فاقترض منها على غير رهن، عشرة آلاف دينار، و مكثت عليه أكثر من سنة، ما أذكرته بها، و لا طالبته، حتى ردّها ابتداء[4].

تحزب أهل سر من رأى للمغنين‏

قال يعقوب بن بنان: و كان أهل‏[5]سر من رأى متحازبين، فقوم مع شارية، و قوم مع عريب، لا يدخل أصحاب هذه مع هؤلاء، و لا أصحاب هذه في هؤلاء. فكان أبو الصقر إسماعيل بن بلبل‏[6]عريبيا، فدعا عليّ بن الحسين يوم جمعة أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، و عنده عريب و جواريها. فاتصل الخبر بشارية، فبعثت بجواريها إلى عليّ بن الحسين بعد يوم أو يومين، و أمرت إحداهن، و ما أدري من هي: مهرجان، أو مطرب، أو قمرية، إلا أنها إحدى الثلاثة، أن تغني قوله:

لا تعودنّ بعدها # فترى كيف أصنع‏

فلما سمع عليّ الغناء ضحك، و قال: لست أعود.

[1]أ، م: يركض.

[2]كذا في ف، مب، و في «نهاية الأرب» . و في الأصول: العكري.

[3]كذا في ف، مب، و «نهاية الأرب» . و في الأصول: و أسخاه في.

(4-4) العبارة ساقطة من جميع الأصول، ما عدا ف، مب، و «نهاية الأرب» .

[5]أهل: زيادة عن س يقتضيها السياق. و في «نهاية الأرب» : الناس بسر من رأى.

[6]هو أبو الصقر إسماعيل بن بلبل أحد وزراء الخليفة المعتمد (265-277) .

278

المعتمد لا يأكل إلا طعامها

قال: و كان المعتمد قد وثق بشارية، فلم يكن يأكل إلا طعامها. فمكثت دهرا من الدهور[1]تعدّله في كل يوم جونتين‏[2]، و كان طعامه منهما في أيام المتوكل.

إبراهيم بن المهدي يدعوها بنتي‏

قال ابن المعتز: و حدثني أحمد بن نعيم عن ريق، قالت: كان مولاي إبراهيم يسمي شارية بنتي، و يسميني أختي.

المعتمد يمنحها ألف ثوب‏

حدثني جحظة، قال: كنت عند المعتمد يوما، فغنته شارية بشعر مولاها إبراهيم بن المهدي و لحنه:

يا طول علة قلبي المعتاد # إلف الكرام و صحبة الأمجاد

فقال لها: أحسنت و اللّه. فقالت: هذا غنائي و أنا عارية، فكيف لو كنت كاسية؟فأمر لها بألف ثوب من جميع أنواع الثياب الخاصيّة، فحمل ذلك إليها. فقال لي عليّ بن يحيى المنجم: /اجعل انصرافك معي. ففعلت، فقال لي: هل بلغك أن خليفة أمر لمغنية بمثل ما أمر به أمير المؤمنين اليوم لشارية؟قلت: لا. فأمر بإخراج سير الخلفاء، فأقبل بها الغلمان يحملونها في دفاتر عظام، فتصفحناها كلها؛ فما وجدنا أحدا قبله فعل ذلك.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

يا طول علة[3]قلبي المعتاد # إلف الكرام و صحبة الأمجاد

ما زلت آلف كل قرم ماجد # متقدم الآباء و الأجداد

الشعر لإبراهيم بن المهدي، و الغناء لعلويه، خفيف رمل لشارية بالبنصر، و لم يقع إلينا فيه طريقة غير هذه.

تغنى بشعر لخديجة بنت المأمون‏

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثني عبد اللّه بن أبي سعيد، قال: حدثني محمد بن مالك الخزاعيّ، قال: حدثتني ملح العطارة، و كانت من أحسن الناس غناء، و إنما سميت العطارة لكثرة استعمالها العطر المطيب، قالت: غنت شارية يوما بين يدي المتوكل و أنا واقفة مع الجواري:

باللّه قولوا لي لمن ذا الرّشا # المثقل الردف الهضيم الحشا

أظرف ما كان إذا ما صحا # و أملح الناس إذا ما انتشى

و قد بنى برج حمام له # أرسل فيه طائرا مرعشا

[1]كذا في ف، مب، ج، س. و في بقية الأصول: الدهر. و في «نهاية الأرب» : فمكثت دهرا، و هي أحسن.

[2]الجونة: سلة صغيرة مستديرة مغشاة أدما، يوضع فيها الطيب أو الثياب أو نحوهما، جمعها جون، و قد تهمز الواو في المفرد و الجمع، و الهمز هو الأصل.

[3]أ، م: غلة، بالغين المنقوطة.

279

/

يا ليتني كنت حماما له # أو باشقا يفعل بي ما يشا

لو لبس القوهيّ‏[1]من رقة # أوجعه القوهيّ أو خدّشا

و هو هزج‏[2]، فطرب المتوكل، و قال لشارية: لمن هذا الغناء؟فقالت: أخذته من دار المأمون، و لا أدري لمن هو.

فقلت له أنا: أعلم لمن هو. فقال: لمن هو يا ملح؟فقلت: أقوله لك سرا. قال: أنا في دار النساء، و ليس يحضرني إلا حرمي، فقوليه. فقلت: الشعر و الغناء جميعا لخديجة بنت المأمون، قالته في خادم لأبيها كانت تهواه، و غنت فيه هذا اللحن. فأطرق طويلا، ثم قال: لا يسمع هذا منك أحد.

صوت‏

أحبك يا سلمى على غير ريبة # و ما خير حب لا تعف سرائره

أحبك حبا لا أعنّف بعده # محبا، و لكني إذا ليم عاذره

و قد مات حبّي‏[3]أوّل الحب فانقضى # و لومت أضحى الحب قد مات آخره

و لما تناهى الحب في القلب واردا # أقام و سدّت فيه عنه مصادره‏

الشعر للحسين بن مطير الأسدي، و الغناء لإسحاق: هزج بالبنصر.

[1]القوهي: ضرب من الثياب البيض، منسوب إلى قوهستان.

[2]يريد أن لحنه من الهزج. أما الشعر فمن السريع.

[3]أ، م: قلبي.

280

2-أخبار الحسين بن مطير و نسبه‏

نسبه و شعره‏

هو الحسين بن مطير بن مكمّل، مولى لبني أسد بن خزيمة، ثم لبني سعد[1]بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد. و كان جده مكمل عبدا، فأعتقه مولاه. و قيل بل كاتبه، فسعى في مكاتبته حتى أدّاها و أعتق. /و هو من مخضرمي الدولتين: الأموية و العباسية، شاعر متقدم في القصيد و الرجز، فصيح، قد مدح بني أمية و بني العباس.

سكنه‏

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، عن محمد بن داود بن الجراح، عن محمد بن الحسن بن الحرون: أنه كان من ساكني زبالة[2]، و كان زيه و كلامه يشبه مذاهب الأعراب و أهل البادية. و ذلك بيّن في شعره.

إدراكه بني أمية

و مما يدل على إدراكه دولة بني أمية، و مدحه إياهم، ما أخبرنا به يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة، قال:

أخبرني أبي، عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، عن مروان بن أبي حفصة، قال: دخلت أنا و طريح بن إسماعيل الثقفيّ، و الحسين بن مطير الأسدي، في عدة من الشعراء، على الوليد بن يزيد و هو في فرش قد غاب فيها[3]، و إذا رجل كلما أنشد شاعر شعرا، وقف الوليد على بيت بيت منه، و قال: هذا أخذه من موضع كذا و كذا، و هذا المعنى نقله من شعر فلان، حتى أتى على أكثر الشعراء. فقلت: من هذا؟قالوا: هذا حماد الرواية. فلما وقفت بين يدي الوليد/لأنشده، قلت: ما كلام هذا في مجلس أمير المؤمنين و هو لحانة. فتهانف‏[4]الشيخ، ثم قال: يا ابن أخي، أنا رجل أكلم العامة، و أتكلم بكلامها، فهل تروي من أشعار العرب شيئا؟فذهب عني الشعر كله، إلا شعر ابن مقبل، فقلت: نعم، لابن مقبل. فأنشدته:

سل الدار من جنبي حبرّ فواهب # إلى ما رأى هضب القليب المضيح‏[5]

[1]كذا في ف، ج، س، ب، و «نهاية الأرب» ، و «تاج العروس» . و في أ، م: شعبة. تحريف.

[2]زبالة: منزل بطريق مكة من الكوفة. و هي قرية عامرة، بها أسواق، فيها حصن و جامع لبني غاطرة، من بني أسد. (عن «معجم البلدان» لياقوت) .

[3]كذا في ف. و في الأصول: عريش قد غاب عنا.

[4]التهانف كما في ف: الضحك بالسخرية. نقله صاحب «تاج العروس» عن نسخة من «الكامل» للمبرد. و قيل إنه خاص بالنساء. و في الأصول: فتهافت، أي تساقط قطعة قطعة، من الهفت، و هو السقوط. و أكثر ما يستعمل في الشر.

[5]ورد هذا البيت محرّفا في نسخ «الأغاني» . و أثبتناه مصححا عن «معجم البلدان» لياقوت، و «معجم ما استعجم» للبكري، و «منتهى الطلب من أشعار العرب» ، لابن ميمون. و حبر و واهب: جبلان لبني سليم. و هضب القليب: ماء لبني قنفذ، من بني سليم.

و المضيح (بصيغة اسم المفعول) : ماء لبني البكاء. و في بعض ألفاظ البيت روايات أخر: يروى «واصف» في موضع «واهب» ، و هو اسم ماء. و يزوى «إذا» في موضع «إلى» ، و يروى «يرى» في موضع «رأى» .

281

ثم جزت. فقال: قف. ما ذا يقول؟فلم أدر ما يقول. فقال: يا ابن أخي، أنا أعلم الناس بكلام العرب، يقال: تراءى الموضعان: إذا تقابلا.

يفد على معن بن زائدة فينقد شعره‏

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، و الحسن بن عليّ، و يحيى بن عليّ، قالوا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثنا أحمد بن عبد اللّه بن عليّ، قال: حدّثني أبي:

أن الحسين بن مطير وفد على معن بن زائدة لما ولي اليمن و قد مدحه، فلما دخل عليه أنشده:

أتيتك إذ لم يبق‏[1]غيرك جابر # و لا واهب يعطي اللّها و الرغائبا

/فقال له معن: يا أخا بني أسد، ليس هذا بمدح، إنما المدح قول نهار بن توسعة أخي بني تيم اللّه بن ثعلبة، في مسمع بن مالك.

قلدته عرا الأمور نزار # قبل أن تهلك السراة البحور[2]

قال: و أوّل هذا الشعر:

اظعني من هراة[3]قد مر فيها # حجج مذ سكنتها و شهور

اظعني نحو مسمع تجديه # نعم ذو المنثنى‏[4]و نعم المزور

سوف يكفيك إن نبت بك أرض # بخراسان أو[5]جفاك أمير

من بني الحصن عامل بن بريح # لا قليل الندى و لا منزور[6]

و الذي يفزع الكماة إليه # حين تدمى من الطعان النحور

فاصطنع يا ابن مالك آل بكر # و اجبر العظم إنه مكسور

فغدا إليه بأرجوزته التي مدحه بها، و أوّلها:

/

حديث ريا حبّذا إدلالها # تسأل عن حالي و ما سؤالها

عن امرئ قد شفّه خيالها # و هي شفاء النفس لو تنالها

[1]كذا في ف، و «معجم الأدباء» لياقوت (10: 167) و «الخزانة» (2: 485) . و في ج: «أتيتك لما لم يبق» . و في بقية النسخ: «أتيتيك لما يبق» . و اللها: جمع لهوة، بضم اللام و فتحها: العطية، دراهم أو غيرها.

[2]السراة: أعالي الناس و أشرافهم، واحدهم سريّ. و نهار بن توسعة بن أبي عتبان من بني حنتم، من بكر بن وائل. و كان أشعر بكر بخراسان، في أيام الدولة الأموية، هجا قتيبة بن مسلم، ثم مدحه.

[3]هراة: مدينة عظيمة في مدن خراسان.

[4]في جميع النسخ: «ذا المنثنى» . و في «الخزانة» : «ذي المنتأى» . و الصحيح: «ذو» لأنه فاعل بنعم. و المنتأى: المكان البعيد، أو مصدر ميمي، و معناه: أن مسمعا نعم الرجل النائي المحل، الذي يجزل العطاء لقاصده. و معنى «نعم ذو المنثنى» : نعم الرجل ينثني عنه قاصده بخير كثير.

[5]في «الخزانة» : «إذ» . و رواية الأصول أجود.

[6]كذا في ف، و «خزانة الأدب» (2: 486) . و في الأصول: «من بني الحضر عامر بن سريج» . ـ

282

/يقول فيها يمدحه:

سلّ سيوفا محدثا صقالها # صاب‏[1]على أعدائه و بالها

و عند معن ذي الندى أمثالها

فاستحسنها، و أجزل صلته.

دعبل يأخذ من شعره‏

أخبرني ابن عمار و يحيى بن عليّ، قالا: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني أبو المثنى أحمد بن يعقوب بن أخت أبي بكر الأصم قال:

كنا في مجلس الأصمعيّ، فأنشده رجل لدعبل بن عليّ:

أين الشباب و أية سلكا

فاستحسنا قوله‏[2]:

لا تعجبي يا سلم من رجل # ضحك المشيب برأسه فبكى‏

فقال الأصمعيّ: هذا أخذه من قول الحسين بن مطير:

أين أهل القباب بالدهناء # أين جيراننا على الأحساء

فارقونا و الأرض ملبسة نو # ر الأقاحي يجاد بالأنواء[3]

كلّ يوم بأقحوان جديد # تضحك الأرض من بكاء السماء[4]

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى، قال: حدّثني محمد بن القاسم الدينوريّ، قال: حدّثني محمد بن عمران الضبيّ، قال:

أبياته تسهر المهدي‏

قال المهدي للمفضل الضبيّ: أسهرتني البارحة أبيات الحسين بن مطير الأسديّ. قال: و ما هي يا أمير المؤمنين؟قال: قوله:

/

و قد تغدر الدنيا فيضحي فقيرها # غنيا و يغنى بعد بؤس فقيرها

فلا تقرب الأمر الحرام فإنه # حلاوته تفنى و يبقى مريرها

و كم قد رأينا من تغير عيشة # و أخرى صفا بعد اكدرار غديرها

فقال له المفضل: مثل هذا فليسهرك يا أمير المؤمنين.

[1]صاب: انصب في غزارة.

[2]كذا في ف. و في الأصول: فاستحسنها. و في «الخزانة» : «فاستحسنها كل من كان حاضرا في المجلس، و أكثروا التعجب من قوله» .

[3]في «الخزانة» : «جاورونا» في موضع: «فارقونا» . و «تجاد» : في موضع «يجاد» .

[4]كذا في ف و «الخزانة» . و في الأصول: «عن مهل السماء» .

283

و قد أخبرني بهذا الخبر عمي رحمه اللّه أتم من هذا، قال: نسخت من كتاب المفضل بن سلمة: قال أبو عكرمة الضبيّ: قال المفضل الضبيّ:

كنت يوما جالسا على بابي و أنا محتاج إلى درهم، و عليّ عشرة آلاف درهم‏[1]، إذ جاءني رسول المهديّ، فقال: أجب أمير المؤمنين. فقلت: ما بعث إليّ في هذا الوقت إلا لسعاية ساع. و تخوّفته، لخروجي-كان-مع إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن‏[2]، فدخلت منزلي، فتطهرت و لبست ثوبين نظيفين، و صرت إليه. فلما مثلث بين يديه سلمت، فردّ عليّ، و أمرني بالجلوس. فلما سكن جأشي، قال لي: يا مفضل، أيّ بيت قالته العرب أفخر؟ فتشككت ساعة، ثم قلت: بيت الخنساء. و كان مستلقيا فاستوى جالسا، ثم قال: و أي بيت هو؟قلت قولها:

و إنّ صخرا لتأتمّ الهداة به # كأنه علم في رأسه نار

فأومأ إلى إسحاق بن بزيع‏[3]، ثم قال: قد قلت له ذلك فأباه. فقلت: الصواب ما قاله أمير المؤمنين. ثم قال:

حدّثني يا مفضل. قلت: أي الحديث أعجب إلى أمير المؤمنين؟قال: حديث النساء. فحدّثته حتى انتصف النهار، ثم قال لي: /يا مفضل، أسهرني البارحة بيتا ابن مطير، و أنشد/البيتين المذكورين في الخبر الأول. ثم قال: أ لهذين ثالث يا مفضل؟نعم يا أمير المؤمنين. فقال: و ما هو؟فأنشدته قوله:

و كم قد رأينا من تغير عيشة # و أخرى صفا بعد اكدرار غديرها

و كان المهديّ رقيقا فاستعبر، ثم قال: يا مفضل، كيف حالك؟قلت: كيف يكون حال من هو مأخوذ بعشرة آلاف درهم؟فأمر لي بثلاثين ألف درهم، و قال: اقض دينك، و أصلح شأنك. فقبضتها و انصرفت.

يمدح المهدي فيمنحه سبعين ألف درهم‏

أخبرني يحيى بن عليّ، عن عليّ بن يحيى إجازة، و حدّثنا الحسن‏[4]بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن القاسم، عن عبد اللّه بن أبي سعد[5]، قال: حدّثني إسحاق بن عيسى بن موسى بن مجمع، أحد بني سوار بن الحارث الأسديّ، قال: أخبرني جدّي موسى بن مجمع، قال:

قال الحسين بن مطير في المهدي قصيدته التي يقول فيها:

إليك أمير المؤمنين تعسفت # بنا البيد هو جاء النّجاء خبوب‏[6]

و لو لم يكن قدامها ما تقاذفت # جبال بها مغبرة و سهوب

فتى هو من غير التخلق ماجد # و من غير تأديب الرجال أديب‏

[1]كذا في ف. و في الأصول: و على يومئذ عشرة آلاف درهم دين.

[2]خرج إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن العلويّ علي أبي جعفر المنصور العباسيّ في البصرة سنة 145 هـ (عن الفخري لابن الطقطقي) .

[3]أ، ج: بزيغ.

[4]ج: الحسين.

[5]في بعض النسخ: ابن أبي سعيد. و الصحيح: سعد، و يلقب بالوراق. ذكر في «أساتيد الموشح» للمرزباني في عدّة مواضع.

[6]تعسفت: من العسف، و هو أن يأخذ المسافر على غير طريق و لا جادة و لا علم (بتحريك اللام) . و الهوجاء من الإبل: الناقة المسرعة، كأن بها هو جاء، و هو الطيش و التسرع. و النجاء: الإسراع. و خبوب: صيغة مبالغة من الخبب، و هو ضرب من عدو الإبل. و في الأصول: جنوب. تحريف.

284

علا خلقه خلق الرجال و خلقه # إذا ضاق أخلاق الرجال رحيب

/إذا شاهد الفؤاد سار أمامهم # جري‏ء على ما يتقون وثوب

و إن غاب عنهم شاهدتهم مهابة # بها يقهر الأعداء حين يغيب

يعف و يستحي إذا كان خاليا # كما عف و استحيا بحيث رقيب‏

فلما أنشدها المهديّ أمر له بسبعين ألف درهم و حصان جواد.

مسكنه‏

و كان الحسين من الثعلبية[1]، و تلك داره بها. قال ابن أبي سعد: و أرانيها الشيخ.

يمدح المهدي بأبيات فيعطيه لكل بيت ألف درهم‏

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، عن إسحاق بن عيسى، قال:

دخل الحسين بن مطير على المهدي، فأنشده قوله:

لو يعبد الناس يا مهدي أفضلهم # ما كان في الناس إلا أنت معبود

أضحت يمينك من جود مصوّرة # لا بل يمينك منها صوّر الجود

لو أن من نوره مثقال خردلة # في السود طرا إذن لا بيضت السود

فأمر له لكل بيت بألف درهم.

المهدي يطرده لمدحه معن بن زائدة

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدّثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، قال: حدّثني أبي، قال:

خرج المهديّ يوما، فلقيه الحسين بن مطير، فأنشده قوله:

أضحت يمينك من جود مصوّرة # لا بل يمينك منها صوّر الجود

فقال: كذبت يا فاسق، و هل تركت من شعرك موضعا لأحد، بعد قولك في معن بن زائدة حيث تقول:

ألمّا بمعن ثم قولا لقبره # سقيت الغوادي مربعا ثم مربعا

أخرجوه عني، فأخرجوه.

/و تمام الأبيات:

/

أيا قبر معن كنت أوّل حفرة # من الأرض خطت للمكارم مضجعا[2]

أيا قبر معن كيف واريت جوده # و قد كان منه البر و البحر مترعا

[1]الثعلبية: موضع بجوار زبالة التي كان يسكنها الحسين.

[2]كذا في ف. و في الأصول: للسماحة.

285

بلى قد وسعت الجود و الجود ميت # و لو كان حيا ضقت حتى تصدعا

فتى عيش في معروفه بعد موته # كما كان بعد السيل مجراه ممرعا[1]

أبى ذكر معن أن تموت فعاله # و إن كان قد لاقى حماما و مصرعا

أشعر العباسيين‏

أخبرني أحمد بن يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة[2]قال: حدّثني ابن مهرويه قال: حدّثني عليّ بن عبيد الكوفي‏[3]قال: حدّثني الحسين بن أبي الخصيب الكاتب عن أحمد بن يوسف الكاتب، قال:

كنت أنا و عبد اللّه بن طاهر عند المأمون و هو مستلق على قفاه، فقال لعبد اللّه بن طاهر: يا أبا العباس، من أشعر من قال الشعر في خلافة بني هاشم؟قال: أمير المؤمنين أعلم بهذا و أعلى عينا. فقال له: على ذاك فقل، و تكلم أنت أيضا يا أحمد بن يوسف. فقال عبد اللّه بن طاهر: أشعرهم الذي يقول:

أيا قبر معن كنت أوّل خطة # من الأرض خطت للمكارم مضجعا[4]

فقال أحمد بن يوسف: بل أشعرهم الذي يقول:

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي # متأخّر عنه و لا متقدم‏[5]

/فقال: أبيت يا أحمد إلا غزلا!أين أنتم عن الذي يقول:

يا شقيق النفس من حكم # نمت عن ليلي و لم أنم‏[6]

أبو عبيدة يعجب بشعره‏

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أبو خليفة عن التّوزي، قال: قلت لأبي عبيدة: ما تقول في شعر الحسين بن مطير؟فقال: و اللّه لوددت أن الشعراء قاربته في قوله:

مخصرة الأوساط زانت عقودها # بأحسن مما زينتها عقودها

فصفر تراقيها، و حمر أكفها # و سود نواصيها، و بيض خدودها

وصفه للسحاب و المطر

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: أنشدنا محمد بن يزيد للحسين بن مطير، قال:

كان سبب قوله هذه الأبيات أن واليا ولي المدينة، فدخل عليه الحسين بن مطير، فقيل له: هذا من أشعر الناس. فأراد أن يختبره، و قد كانت سحابة مكفهرة نشأت، و تتابع منها الرعد و البرق، و جاءت بمطر جود. فقال له: صف هذه السحابة. فقال:

[1]في «شرح التبريزي» على «الحماسة» (2: 3 بولاق) : مرتعا.

[2]كذا في ف. و في الأصول: أحمد بن عبيد اللّه بن عمار.

[3]كذا في ف. و في الأصول: علي بن عبيد اللّه الكوفي.

[4]كذا في ف. و في الأصول: ... حفرة... للمكارم مضجعا.

[5]البيت مع أبيات أخرى لأبي الشيص. ( «الشعر و الشعراء» لابن قتيبة ص 535 و «الأغاني» آخر هذا الجزء. )

[6]البيت مطلع قصيدة لأبي نواس.

286

مستضحك بلوامع مستعبر # بمدامع لم تمرها الأقذاء[1]

فله بلا حزن و لا بمسرة # ضحك يراوح بينه و بكاء[2]

كثرت لكثرة ودقه أطباؤه # فإذا تحلّب فاضت الأطباء[3]

/و كأن بارقه حريق تلتقي # ريح عليه و عرفج و ألاء

لو كان من لجج السواحل ماؤه # لم يبق في لجج السواحل ماء

صوت‏

إذا ما أم عبد اللّ # ه لم تحلل بواديه

و لم تمس قريبا هيـ # ج الحزن دواعيه‏[4]

/غزال راعه القنا # ص تحميه صياصيه‏[5]

و ما ذكرى حبيبا و # قليل ما أواتيه‏[6]

كذى الخمر تمناها # و قد أنزف ساقيه‏[7]

عرفت الربع بالإكليـ # ل عفته سوافيه‏[8]

بجو ناعم الحوذا # ن ملتف روابيه‏[9]

الشعر مختلط، بعضه للنعمان بن بشير الأنصاري، و بعضه ليزيد بن معاوية، فالذي للنعمان بن بشير منه الثلاثة الأبيات الأول و البيت الأخير، و باقيها ليزيد بن معاوية[10]. و رواه من لا يوثق به و بروايته لنوفل بن أسد بن عبد العزى. فأما من ذكر أنه للنعمان بن بشير فأبو عمرو الشيباني؛ وجدت ذلك عنه في كتابه، /و خالد بن كلثوم، نسخته من كتاب‏[11]أبي سعيد السكري في مجموع‏[12]شعر النعمان. و تمام الأبيات للنعمان بن بشير بعد الأربعة الأبيات التي نسبتها إليه، فإنها متوالية[13]، قال:

[1]لم تمرها الأقذاء: لم يسل دمعها وقوع القذى فيها. و أصل المري: الحلب.

[2]يراوح: كذا في الأصول. و في «معجم الأدباء» لياقوت (10: 172) : يؤلف.

[3]الودق: المطر. و الأطباء: جمع طبي بوزن قفل، و هو ثدي الحيوان. و البيت ساقط من الأصول ما عدا ف، مب.

[4]في «معجم البلدان» لياقوت (إكليل) : و لم تشف سقيما.

[5]الصياصي: أعالي الجبال.

[6]في «معجم البلدان» : قليلا.

[7]أنزف: ذهب عقله كله.

[8]الإكليل: موضع. و السوافي: جمع سافية، و هي الريح تسفي أي تحمل التراب و الرمال.

[9]الجو: الوادي المتسع. و الحوذان: نبت، أو بقلة من بقول الرياض، لها نور أصفر طيب الرائحة ( «اللسان» عن الأزهري) .

[10]مب: و سائرها ليزيد بن معاوية. و العبارة ساقطة من بقية الأصول.

[11]كذا في ف. و في الأصول: خط.

[12]كذا في ف. و في الأصول: جامع.

[13]ف: تعزى إليه.

287

فبحت اليوم بالأمر الـ # لذي قد كنت تخفيه‏[1]

فإن أكتمه يوما # فإني سوف أبديه

و ما زلت أفدّيه # و أدنيه و أرقيه

و أسعى في هواه أ # بدا حتى ألاقيه

فبات الريم مني حـ # ذرا زلت مراقبه‏[2]

و الغناء لمعبد: خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. و ذكره إسحاق في خفيف الرمل بالسبابة في مجرى البنصر، و لم ينسبه إلى أحد. و فيه للغريض ثقيل أوّل بالوسطى، عن الهشامي و حنين.

[1]س: أخفيه. يخاطب نفسه.

[2]كذا في ف. و في الأصول: دلت مراقيه. و المراقي: لعله يريد بها أرجله التي يرقى بها.

288

3-أخبار النعمان بن بشير و نسبه‏

نسبه‏

هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة[1]بن خلاّس‏[2]بن زيد بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج. و أمه عمرة بنت رواحة، أخت عبد اللّه بن رواحة، التي يقول فيها قيس بن الخطيم:

أجدّ بعمرة غنيانها # فتهجر أم شاننا شانها[3]

و عمرة من سروات النسا # ء تنفح بالمسك أردانها

و له صحبة بالنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و لأبيه بشير بن سعد. و كان جاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و معه آخر، ليشهد معه غزوة له فيما قيل، فاستصغرهما[4]فردّهما.

أبوه‏

و أبوه بشير بن سعد أوّل من قام يوم السقيفة من الأنصار إلى أبي بكر رضي اللّه عنه فبايعه، ثم توالت الأنصار فبايعته. و شهد بشير بيعة العقبة و بدرا و أحدا و الخندق و المشاهد كلها، و استشهد يوم عين التمر[5]مع خالد بن الوليد.

هواه مع عثمان بن عفان‏

و كان النعمان عثمانيا، و شهد مع معاوية صفين، و لم يكن معه من الأنصار غيره، و كان كريما عليه، رفيعا عنده و عند يزيد ابنه بعده، و عمر إلى خلافة/مروان بن الحكم، و كان يتولى حمص. فلما بويع لمروان، دعا إلى ابن الزبير، و خالف على مروان، و ذلك بعد قتل الضحاك بن قيس بمرج راهط. فلم يجبه أهل حمص إلى/ذلك.

فهرب منهم، و تبعوه فأدركوه فقتلوه، و ذلك في سنة خمس و ستين.

أوّل مولود للأنصار بعد الهجرة

و يقال إن النعمان بن بشير أوّل مولود ولد بالمدينة بعد قدوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إياها. و قد قيل ذلك في عبد اللّه بن الزبير، إلا أن النعمان أوّل مولود ولد بعد مقدمه عليه السّلام من الأنصار، روى ذلك عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.

[1]ف، مب: معد بن حصين بن ثعلبة. و بقية الأصول: سعد بن نصر بن ثعلبة. و الظاهر أن كلاّ من لفظي حصين و نصر من حشو الناسخين، فليس لهما وجود في نسب النعمان الذي أورده ابن دريد في «الاشتقاق» ص 271 و الخزرجي في «الخلاصة» ص 50 و مقدمة «ديوان النعمان» طبع دهلي بالهند ص أ.

[2]خلاس، بفتح الخاء و تشديد اللام: كذا في الأصول، و «تاج العروس» (خلس) و جامع الأصول. و في «الاشتقاق» و «خلاصة» الخزرجي: جلاس، بضم الجيم و تخفيف اللام.

[3]غنيانها: مصدر غنيت المرأة بزوجها، أي استغنت.

[4]ف: فاستصغره.

[5]عين التمر: بلدة قريبة من الأنبار، غربي الكوفة، فتحها خالد بن الوليد عنوة سنة 12 للهجرة في عهد أبي بكر.

289

و روى النعمان بن بشير عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كثيرا.

يروي الحديث العدل بين الأولاد

حدّثني أحمد بن محمد بن الجعد الوشاء. قال حدّثني أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا عباد بن العوّام، عن الحصين، عن الشعبيّ، قال:

سمعت النعمان بن بشير يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت أمي عمرة: لا أرضى حتى تشهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

فأتى رسول اللّه فقال: ابني من عمرة أعطيته عطية فأمرتني أن أشهدك. فقال: أعطيت كل ولدك مثل هذا؟قال: لا.

فقال: فاتقوا اللّه و اعدلوا بين أولادكم.

يرفض أن يعطي الكوفيين زيادتهم في العطاء لهواهم مع علي‏

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدّثنا محمد بن سعيد، قال: حدّثنا العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال:

أمر معاوية لأهل الكوفة بزيادة عشرة دنانير في أعطيتهم، و عامله يومئذ على الكوفة و أرضها النعمان بن بشير، و كان عثمانيا، و كان يبغض أهل الكوفة لرأيهم في عليّ عليه السّلام. فأبى النعمان أن ينفذها لهم. فكلموه و سألوه باللّه، فأبى أن/يفعل. و كان إذا خطب على المنبر أكثر قراءة القرآن. و كان يقول: لا ترون على منبركم هذا أحدا بعدي يقول: إنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. فصعد المنبر يوما فقال: يأهل الكوفة. فصاحوا[1]: ننشدك اللّه و الزيادة.

فقال: اسكتوا. فلما أكثروا قال: أ تدرون ما مثلي و مثلكم؟قالوا: لا. قال: مثل الضبع و الضب و الثعلب: فإن الضبع و الثعلب أتيا الضب في وجاره، فنادياه: أبا الحسل. فقال: سميعا دعوتما. قالا: أتيناك لتحكم بيننا. قال:

في بيته يؤتي الحكم. قالت الضبع: إني حللت عيبتي. قال: فعل الحرة فعلت. قالت: فلقطت ثمرة. قال: طيبا لقطت. قالت: فأكلها الثعلب. قال: لنفسه نظر. قالت: فلطمته. قال: بجرمه. قالت: فلطمني. قال: حر انتصر.

قالت: فاقض بيننا. قال: قد فعلت. قال: حدث امرأة حديثين، فإن أبت فعشرة[2].

/فقال عبد اللّه بن همّام السّلولي:

زيادتنا نعمان لا تحبسنها # خف اللّه فينا و الكتاب الذي تتلو[3]

[1]في الأصول غير (ف) : فقام إليه أهل الكوفة فقالوا... .

[2]روى هذا المثل الميداني في ( «مجمع الأمثال» 2: 13) على لسان الأرنب و الثعلب و الضب. و رواه أبو هلال العسكري في «جمهرة الأمثال» ، في باب الحاء. و روايته أقرب إلى رواية المؤلف هنا. و قوله: «حدّث امرأة حديثين... إلخ» روايته في «الجمهرة» و «مجمع الأمثال» هكذا: «حدّث حديثين امرأة، فإن لم تفهم فأربعة» . قال الميداني: أي زد. و يروى: فاربع، أي كف. و أراد بالحديثين: حديثا واحدا تكرره مرتين، فكأنك حدّثتها بحديثين. و المعنى: كرّر لها الحديث، لأنها أضعف فهما، فإن لم تفهم فاجعلهما أربعة. و قال أبو هلال: يضرب مثلا لسوء الفهم، و ظاهره خلاف باطنه. و حقيقته أنها إذا كانت لا تفهم حديثين، كانت بألا تفهم أربعة أقرب. و قال بعض العلماء: إنما هو: إن لم تفهم فأربع، أي أمسك، و ذلك غلط. و لم نجد في روايات «كتب الأمثال» : فعشرة. و المراد: تكرار الحديث، لا حقيقة العدد. و كان الضب و قد تمثل بهذا المثل يوبخ الضبع لأنها أنثى لم تفهم كلامه من أول مرة.

[3]كذا في ف، مب. و في بقية الأصول: لا تحرمننا. و رواه أبو زيد الأنصاري في «نوادره» ص 4: تق اللّه فينا. و انظر «شرح الرضى على شواهد الشافية» ص 496.

290

فإنك قد حمّلت منا أمانة # بما عجزت عنه الصّلاخمة البزل‏[1]

فلا يك باب الشر تحسن فتحه # و باب الندى و الخيّرات له قفل‏[2]

و قد نلت سلطانا عظيما فلا يكن # لغيرك جمّات الندى و لك البخل

و أنت امرؤ حلو اللسان بليغه # فما باله عند الزيادة لا يحلو

و قلبك قد كانوا علينا أئمة # يهمهم تقويمنا و هم عصل‏[3]

إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا # و لكنّ حسن القول خالفه الفعل‏[4]

يذمون دنياهم و هم يرضعونها # أفاويق حتى ما يدرّ لهم ثعل‏[5]

/فيا معشر الأنصار إني أخوكم # و إني لمعروف أنى منكم‏[6]أهل

/و من أجل إيواء النبيّ و نصره # يحبكم قلبي و غيركم الأصل‏[7]

فقال النعمان بن بشير: لا عليه ألا يتقرّب‏[8]، فو اللّه لا أجيزها و لا أنفذها أبدا.

يسمع غناء عزة الميلاء

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: حدّثنا عمر بن شبة، قال: حدّثنا الأصمعيّ‏[9]، قال: حدّثني شيخ قديم‏[10]من أهل المدينة. و أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبة[9]قال: حدّثنا أبو غسان، عن أبي السائب المخزوميّ. و أخبرني الحسين بن يحيى المرداسيّ عن حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: ذكر لي عن جعفر بن محرز الدوسيّ‏[11]قال:

[1]الصلاخمة: جمع صلخم كجعفر: يريد الجمال الصلبة الشديدة. و البزل: جمع بازل، و هو الجمل الذي انشق نابه، و ذلك في العام التاسع من عمره.

[2]كذا روى البيت في ف و في مب:

فلا تك باب الشر تحسن فتحه # لدينا، و باب الخير أنت له قفل‏

و في بقية الأصول المخطوطة:

و إن يك باب الشعر تحسن فتحه # فلا يك باب الخير ليس له قفل‏

و في س: «باب الشر» . و في «رغبة الآمل» للمرصفي (1: 186) : «باب الخير منك» .

[3]أ، م: كرام بهم تقويمنا. و العصل: جمع أعصل: و هو المعوج فيه صلابة و شدّة.

[4]نصبوا للقول: تهيئوا له. و أصل النصب: أن يقوم المرء رافعا رأسه. و في الأصول «أنصتوا للقول» .

[5]كذا في ف، مب. و في بقية الأصول: «يذمون دنيانا... يدر لها» . و أفاويق: جمع أفواق، و هو جمع فيقة، بكسر الفاء، اسم اللبن يجتمع في الضرع بين الحلبتين، يريد أنهم يرضعونها، ثم يتركونها. مقدار ما يجتمع اللبن، فيرضعونها ثانية و هكذا. و الثعل: خلف زائد صغير في أخلاف الناقة و ضرع الشاة، لا يدرّ من اللبن شيئا، و إنما ذكره للمبالغة في الارتضاع.

[6]أنى: حان. و في مب: أبى، و في بقية الأصول: أتى، بالتاء.

[7] «و غيركم الأصل» : يريد إني أحبكم و إن كان غيركم أهل.

[8]يتقرّب: و هي رواية ف، مب ج. و في بقية الأصول: يقترب. يريد لا بأس عليه في ألا يكون قريبا من الأنصار.

[9]هذه العبارة عن ف، مب، و «الأغاني» 9: 13.

[10]في «الأغاني» (9: 13) : قدم من المدينة.

[11] «الأغاني» (9: 13) : السدوس.

291

دخل النعمان بن بشير المدينة في أيام يزيد بن معاوية و ابن الزبير، فقال: و اللّه لقد أخفقت أذناي من الغناء، فأسمعوني. فقيل له: لو وجهت إلى عزة الميلاء، فإنها من قد عرفت. فقال: إي و رب الكعبة، إنها لممن تزيد النفس طيبا، و العقل شحذا. ابعثوا إليها عن رسالتي، فإن أبت صرت إليها. فقال له بعض القوم: إن النقلة تشتدّ عليها، لثقل بدنها، و ما بالمدينة دابة تحملها. فقال النعمان بن بشير: و أين النجائب عليها الهوادج؟فوجه إليها بنجب، فذكرت علة. فلما عاد الرسول إلى النعمان قال لجليسه: أنت كنت أخبر بها، قوموا بنا. فقام هو مع خواص أصحابه حتى طرقوها. فأذنت و أكرمت و اعتذرت، فقبل النعمان عذرها، و قال لها: غني، فغنت:

صوت‏[1]

أجدّ بعمرة غنيانها # فتهجر أم شاننا شانها

و عمرة من سروات النسا # ء تنفح بالمسك أردانها

قال: فأشير إليها أنها أمه، فأمسكت. فقال: غني، فو اللّه ما ذكرت إلا كرما و طيبا، و لا تغنّي سائر اليوم غيره. فلم نزل تغنيه هذا اللحن فقط حتى انصرف.

قال إسحاق: فتذاكروا هذا الحديث عند الهيثم بن عديّ، فقال: أ لا أزيدكم فيه طريفة؟فقلنا: بلى، يا أبا عبد الرّحمن. فقال: قال لقيط و نحن عند سعيد الزبيريّ‏[2]، قال عامر الشعبيّ:

اشتاق النعمان بن بشير إلى الغناء، فصار إلى منزل عزة الميلاء، فلما انصرف إذا امرأة بالباب منتظرة له. فلما خرج شكت إليه كثرة غشيان زوجها إياها، فقال النعمان: لأقضين بينكما بقضية لا تردّ عليّ، قد أحل اللّه له من النساء أربعا: مثنى، و ثلاث، و رباع، له مرتان‏[3]بالنهار، و مرتان‏[3]بالليل.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال حدّثني عمي، عن العباس بن هشام‏[4]، عن أبيه؛ و أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن الكلبي‏[5]. و أخبرني عمي قال: حدّثنا الكرانيّ قال: حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ، قالوا:

أعشى همدان يمدحه‏

خرج أعشى همدان إلى الشام في ولاية مروان بن الحكم، فلم ينل فيها حظا؛ فجاء إلى النعمان بن بشير و هو عامل على حمص، فشكا إليه حاله. فكلم له النعمان اليمانية، و قال لهم: هذا شاعر اليمن و لسانها، و استماحهم له. فقالوا: نعم، يعطيه كل واحد منا دينارين من عطائه. فقال: أعطه دينارا، و اجعلوا ذلك معجلا. فقالوا له:

[1]صوت: ساقطة من الأصول غير ف، مب.

[2]ف، مب: سعيد الزبيريّ.

[3]مرتان: كذا في الموضعين بدون همز بين الراء و التاء في جميع الأصول المخطوطة، و هى لغة الحجاز بين الذين يفرّون من الهمز.

و في المطبوعتين ب، س: مرأتان. و في «الأغاني» (9: 14) : امرأتان. أو لعله تثنية مرة أي يأتيها مرتين نهارا، و مرتين ليلا، فكأنه يأتي أربع نساء، اثنتين ليلا، و اثنتين نهارا.

[4]ف: العباس عن هشام. تحريف.

[5]كذا في ف. و في الأصول: ابن الكلبي.

292

أعطه إياه من بيت المال، و احتسب ذلك على كل رجل من عطائه. ففعل النعمان ذلك، و كانوا عشرين ألفا، فأعطاه عشرين ألف دينار، و ارتجعا متهم عند العطاء. فقال الأعشى يمدح النعمان:

و لم أر للحاجات عند التماسها # كنعمان نعمان الندى ابن بشير

/إذا قال أو في ما يقول و لم يكن # كمدل إلى الأقوام حبل غرور

متى أكفر النعمان لا ألف شاكرا # و ما خير من لا يقتدي بشكور

فلو لا أخو الأنصار كنت كنازل # ثوى ما ثوى لم ينقلب بنقير

الأخطل يهجو الأنصار

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، و حبيب بن نصر المهلّبي قالا: حدّثنا عمر بن شبة، قال: حدّثنا يحيى الزبيري‏[1]قال حدّثني ابن أبي زريق، قال: شبّب عبد الرّحمن بن حسان برملة بنت معاوية، فقال:

رمل هل تذكرين يوم غزال # إذ قطعنا مسيرنا بالتمني

إذ تقولين عمرك اللّه هل شي‏ء # و إن جلّ سوف يسليك عني

أم هل اطمعت منكم يا ابن حسا # ن كما قد أراك أطمعت مني‏[2]

/فبلغ ذلك يزيد بن معاوية، فغضب و دخل على معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، أ لا ترى إلى هذا العلج‏[3] من أهل يثرب، يتهكم بأعراضنا، و يشبب بنسائنا؟فقال: و من هو؟قال: عبد الرّحمن بن حسان. و أنشده ما قال.

فقال: يا يزيد؛ ليس العقوبة من أحد أقبح منها بذوي القدرة، و لكن أمهل حتى يقدم وفد الأنصار، ثم أذكرني به.

فلما قدموا أذكره به. فلما دخلوا، قال: يا عبد الرّحمن، أ لم يبلغني أنك شببت برملة بنت أمير المؤمنين؟قال:

بلى، و لو علمت أن أحدا أشرف لشعري منها لذكرته. فقال: فأين أنت عن أختها هند؟قال: و إن لها لأختا يقال لها هند؟قال: نعم. و إنما أراد معاوية أن يشبب بهما جميعا، فيكذب نفسه. قال: فلم يرض يزيد ما كان من معاوية في ذلك، فأرسل إلى كعب بن الجعيل، فقال: اهج الأنصار. فقال: أفرق من أمير المؤمنين، و لكن أدلك على هذا الشاعر الكافر الماهر الأخطل. قال: فدعاه، فقال له: أهج الأنصار. فقال: أفرق من أمير المؤمنين. قال: لا تخف شيئا، أنا بذلك لك. فهجاهم، فقال:

و إذا نسبت ابن الفريعة خلته # كالجحش بين حمارة و حمار[4]

لعن الإله من اليهود عصابة # بالجزع بين صليصل و صدار[5]

[1]ف: أبا يحيى الزهري.

[2]كذا في ف. و في بقية الأصول: اطمعت يا ابن حسان في ذاك.

[3]للعلج في «لسان العرب» معان، منها الرجل الغليظ، و الرجل من كفار العجم، و هو لفظ شائع عندهم في السب. و في ج: العجل، تحريف.

[4]ابن الفريعة: كنية حسان بن ثابت الأنصارى، و الفريعة: أمه، و هي فريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان. و أصل معنى الفريعة:

القملة. أو لعله الفارعة ثم صغره تصغير الترخيم.

[5]اليهود: كذا في ف، (ب 13: 148) . و في بقية الأصول: المهور، و لعله تحريف. و صليصل: تصغير صلصل، موضع بناحية المدينة، على سبعة أميال منها. و صدار، كغراب: موضع قرب المدينة، و في ف: و صغار.

293

/

قوم إذا هدر العصير رأيتهم # حمرا عيونهم من المسطار[1]

خلّوا المكارم لستم من أهلها # و خذوا مساحيكم بني النجار[2]

إن الفوارس يعرفون ظهوركم # أولاد كل مقبّح أكار[3]

ذهبت قريش بالمكارم و العلا # و اللؤم تحت عمائم الأنصار[4]

فبلغ ذلك النعمان بن بشير، فدخل على معاوية، فحسر عمامته عن رأسه، و قال: يا أمير المؤمنين، أ ترى لؤما؟قال: بل أرى كرما و خيرا. فما ذاك؟قال: زعم الأخطل أن اللؤم تحت عمائم الأنصار. قال: أو فعل ذلك؟قال: نعم. قال لك لسانه. و كتب فيه أن يؤتى به. فلما أتى به، سأل الرسول أن يدخله إلى يزيد أولا، فأدخله عليه. فقال له: هذا الذي كنت أخاف. قال: لا تخف شيئا. و دخل إلى معاوية، فقال: علام أرسل إلى هذا الرجل الذي يمدحنا، و يرمي من وراء جمرتنا[5]؟قال: هجا الأنصار. قال: و من زعم ذلك؟قال: النعمان بن بشير. قال: لا تقبل قوله عليه، و هو المدعى/لنفسه، و لكن تدعوه بالبينة، فإن أثبت شيئا أخذت به له. فدعاه بالبينة، فلم يأت بها، فخلى سبيله، فقال الأخطل:

و إنى غداة استعبرت أم مالك # لراض من السلطان أن يتهددا[6]

/و لو لا يزيد ابن الملوك و سعيه # تجللت حدبارا من الشر أنكدا[7]

فكم أنقدتني من خطوب حباله # و خرساء لو يرمى بها الفيل بلدا[8]

و دافع عني يوم جلّق غمرة # و همّا ينسّيني الشراب المبرّدا[9]

و بات نجيّا في دمشق لحية # إذا همّ لم ينم السليم و أقصدا[10]

يخافته طورا، و طورا إذا رأى # من الوجه إقبالا ألحّ و أجهدا[11]

أبا خالد دافعت عني عظيمة # و أدركت لحمي قبل أن يتبددا

[1]المسطار: كذا في ف. و في (ب 13: 148) ، و في بقية الأصول: المصطار، و هما لغتان في الخمر التي اعتصرت حديثا من أبكار العنب، أو الخمر الحامضة.

[2]المساحي: جمع مسحاة، و هي المجرفة من الحديد، يجرف بها الطين من على وجه الأرض. يهجوهم بأنهم حراثون، يقلبون الأرض بمساحيهم. و بنو النجار: فريق من أهل المدينة.

[3]الأكار: الحراث الزارع.

[4]كذا في ف. و في أكثر الأصول: «بالمكارم كلها» .

[5]أصل الجمرة: القبيلة التي لا تنضم إلى غيرها بحلف أو نحوه في القتال؛ و المراد هنا: الجماعة مطلقا.

[6] «غداة استعبرت» : كذا في ف و «الأغاني» (ب 13: 148) . و في جميع الأصول هنا: «و إن استعبرت» . و يلزم على هذه الرواية قطع همزة الوصل للضرورة.

[7]تجللت: علوت. و الحدبار من النوق: الضامرة التي قد يبس لحمها من الهزال، و بدا عظم ظهرها. و جعل ذلك مثلا للأمر الصعب.

و هذه رواية (ب 13: 149) . و في سائر الأصول هنا «تحللت جرباذاي» تحريف.

[8]الخرساء: كذا في «الأغاني» (ب 13: 149) و في سائر الأصول: كرساء. تحريف. و الخرساء: الداهية. و بلد: ضعف و استكان، أو سقط إلى الأرض. و في ف: «عردا» .

[9]الغمرة: الشدة. و الشراب: كذا في ف. و في الأصول: السلاف. و هو خالص الخمر، أو ما سال من العنب قبل أن يعصر.

[10]نجيا: مسارا. و الحية هنا: الرجل الداهي الشديد. و السليم: الملدوغ. و أقصدت الحية الرجل: إذا عضته فمات في مكانه.

[11]البيت عن ف، مب. ـ

294

و أطفأت عني نار نعمان بعد ما # أغذ لأمر فاجر و تجردا[1]

و لما رأى النعمان دوني ابن حرّة # طوى الكشح إذ لم يستطعني و عرّدا[2]

حدّثني عمي، قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز، عن المدائني، عن أبي بكر الهذلي، قال:

لما أمر يزيد بن معاوية كعب بن الجعيل بهجاء الأنصار، قال له: أ رادّي أنت إلى الكفر بعد الإسلام؟أ أهجو قوما آووا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم/و نصروه؟!قال: أما إذ كنت غير فاعل فأرشدني إلى من يفعل ذلك. قال: غلام منا خبيث الدين نصراني، فدله على الأخطل.

تهاجي عبد الرّحمن بن حسان و عبد الرّحمن بن الحكم‏

أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن أبي الخطاب، قال:

لما كثر الهجاء بين عبد الرّحمن بن حسان بن ثابت و عبد الرّحمن بن الحكم بن أبي العاصي، و تفاحشا، كتب معاوية إلى سعيد بن العاصي و هو عامله على المدينة، أن يجلد كل واحد منهما مائة سوط، و كان ابن حسان صديقا لسعيد، و ما مدح أحدا غيره قط، فكره أن يضربه أو يضرب ابن عمه، فأمسك عنهما. ثم ولي مروان. فلما قدم أخذ ابن حسان فضربه مائة سوط، و لم يضرب أخاه. فكتب ابن حسان إلى النعمان بن بشير و هو بالشام، و كان كبيرا أثيرا مكينا عند معاوية:

ليت شعري أ غائب ليس بالشا # م خليلي أم راقد نعمان‏[3]

أية ما يكن فقد يرجع الغا # ئب يوما و يوقظ الوسنان

إن عمرا و عامرا أبوينا # و حراما قدما على العهد كانوا

أفهم مانعوك أم قلة الكـ # تّاب أم أنت عاتب غضبان

أم جفاء أم أعوزتك القراطيـ # س أم امري به عليك هوان

يوم أنبئت أن ساقي رضّت # و أتتكم بذلك الركبان

ثم قالوا إن ابن عمك في بلـ # وى أمور أتى بها الحدثان

/فنسيت‏[4]الأرحام و الودّ و الصحـ # بة فيما أتت به الأزمان

إنما الرمح فاعلمنّ قناة # أو كبعض العيدان لو لا السنان‏

و هي قصيدة طويلة. فدخل النعمان بن بشير على معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أمرت سعيدا بأن يضرب ابن حسان و ابن الحكم مائة مائة، فلم يفعل، ثم وليت أخاه، /فضرب ابن حسان و لم يضرب أخاه: قال. فتريد ما ذا[5]؟ [1]أغذ: أسرع، و هذه رواية ف، مب. و في بقية الأصول: أعد.

[2]البيت عن ف، مب. و عرد عنه: انحرف و بعد.

[3]ليس بالشام كذا في ف، مب. و في بقية الأصول: أنت بالشام. و راقد: كذا في (ب 13: 152) . و في مب: شاهد. و في بقية الأصول: عاتب، و يؤيد الرواية الأولى قوله في البيت بعده: «و يوفظ الوسنان» .

[4]كذا في ب، و في سائر الأصول المخطوطة: فتئط.

[5]أخر ما ذا عن صدر الجملة مع أنها من ألفاظ الاستفهام التي لها صدر الكلام، و هو أسلوب عربي مخصوص بما إذا ركبت مع ذا (انظر حاشية يس على «التصريح» : باب الاسم الموصول) .

295

قال: أن تكتب إليه بمثل ما كتبت به إلى سعيد. فكتب معاوية إليه يعزم عليه أن يضرب أخاه مائة. فضربه خمسين، و بعث إلى ابن حسان بحلة، و سأله أن يعفو عن خمسين. ففعل، و قال لأهل المدينة: إنما ضربني حد الحر مائة، و ضربه حد العبد خمسين. فشاعت هذه الكلمة حتى بلغت ابن الحكم. فجاء إلى أخيه فأخبره، و قال: لا حاجة لي فيما عفا عنه ابن حسان. فبعث إليه مروان: لا حاجة لنا فيما تركت، فهلم فاقتص من صاحبك. فحضر فضربه مروان خمسين أخرى.

امرأته الكلبية

أخبرني الحسن بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن الحارث، قال: حدثنا المدائني، عن يعقوب بن داود الثقفي و معاوية بن محارب‏[1]:

أن معاوية تزوج امرأة من كلب، فقال لامرأته ميسون أم يزيد بن معاوية: ادخلي فانظري إلى ابنة عمك هذه‏[2]. فأتتها فنظرت إليها، ثم رجعت فقالت: ما رأيت مثلها، و لقد رأيت خالا تحت سرتها ليوضعنّ تحت مكانه في حجرها/رأس زوجها. فتطير من ذلك، فطلقها، فتزوجها حبيب بن مسلمة، ثم طلقها، فتزوجها النعمان بن بشير، فلما قتل وضعوا رأسه في حجرها.

مقتله‏

قالوا: و كان النعمان بن بشير لما قتل الضحاك بن قيس بمرج راهط، في خلافة مروان بن الحكم، أراد أن يهرب من حمص، و كان عاملا عليها، فخالف و دعا لابن الزبير، فطلبه أهل حمص، فقتلوه و احتزوا رأسه. فقالت امرأته هذه الكلبية: ألقوا رأسه في حجري، فأنا أحق به. فألقوه في حجرها، فضمته إلى جسده، و كفنته و دفنته.

يغضب من معاوية فيرضيه‏

أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي، قال: حدثنا أبو غسان دماذ، قال: حدثنا أبو عبيدة، قال:

نظر معاوية إلى رجل في مجلسه، فراقه حسنا و شارة و جسما، فاستنطقه فوجده سديدا. فقال له: ممن أنت؟ قال: ممن أنعم اللّه عليه بالإسلام، فاجعلني حيث شئت يا أمير المؤمنين. قال: عليك بهذه الأزد الطويلة العريضة، الكثير عددها، التي لا تمنع من دخل فيهم، و لا تبالي من خرج منهم. فغضب النعمان بن بشير، و وثب من بين يديه، و قال: أما و اللّه أنك ما علمت لسيئ المجالسة لجليسك، عاقّ بزورك‏[3]، قليل الرعاية لأهل الحرمة بك.

فأقسم عليه إلا جلس فجلس. فضاحكه معاوية طويلا، ثم قال له: إن قوما أولهم غسان و آخرهم الأنصار، لكرام.

و سأله عن حوائجه، فقضاها حتى رضى.

أوّل شعر قاله‏

نسخت من كتاب أبي سعيد السكري بخطه: أخبرنا ابن حبيب، قال: قال خالد بن كلثوم.

/خرج النعمان بن بشير في ركب من قومه و هو يومئذ حديث السن، حتى نزلوا بأرض من الأردنّ يقال لها [1]كذا في ف، مب و في بقية الأصول: مسلمة بن محارب.

[2]كانت ميسون بنت بحدل أم يزيد كلبية أيضا، و كليب من قضاعة.

[3]الزور: مصدر مراد به الزائر أو الزائرون.

296

حفير[1]، و حاضرتها بنو القين. فأهدت لهم امرأة من بني القين يقال لها ليلى، هدية[2]. فبينا القوم يتحدثون و يذكرون الشعراء، إذ قال بعضهم: يا نعمان هل قلت شعرا؟قال: لا و اللّه ما قلت، فقال شيخ من الحارث بن الخزرج‏[3]يقال له ثابت بن سماك: لم تقل شعرا قط؟قال: لا. قال: فأقسم عليك لتربطن إلى هذه السرحة، فلا تفارقها حتى يرتحل القوم، أو تقول شعرا. فقال عند ذلك، و هو أول شعر قاله:

يا خليليّ و دعا دار ليلى # ليس مثلي يحل دار الهوان

إن قينية تحل محبا # و حفيرا فجنبتي ترفلان‏[4]

لا تؤاتيك في المغيب إذا ما # حال من دونها فروع قنان‏[5]

/إن ليلى و لو كلفت بليلى # عاقها عنك عائق غير و ان‏[6]

قال: و ضرب الدهر على ذلك، و أتى عليه زمن طويل. ثم أن ليلى القينية قدمت عليه بعد ذلك، و هو أمير على حمص، فلما رآها عرفها فأنشأ يقول:

ألا استأذنت ليلى فقلنا لها لجي # و مالك ألا تدخلي بسلام

فإن أناسا زرتهم ثم حرّموا # عليك دخول البيت غير كرام‏

و أحسن صلتها، و رفدها[7]طول مقامها، إلى أن رحلت عنه.

الأنصار خير ألقاب أهل المدينة

أخبرني عمي، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن الحسن بن مسعود، عن أبيه، عن مشيخة من الأنصار، قال:

حضرت وفود الأنصار باب معاوية بن أبي سفيان، فخرج إليهم حاجبه سعد أبو درة[8]-و قد حجب بعده عبد الملك بن مروان-فقالوا له: استأذن للأنصار. فدخل إليه و عنده عمرو بن العاص، فاستأذن لهم. فقال لهم عمرو:

ما هذا اللقب يا أمير المؤمنين؟اردد القوم إلى أنسابهم. فقال معاوية: إني أخاف من ذلك الشّنعة. فقال: هي كلمة تقولها، إن مضت عضتهم‏[9]و نقصتهم، و إلا فهذا الاسم راجع إليهم. فقال له: اخرج فقل: من كان هاهنا من ولد عمرو بن عامر فليدخل. فقالها الحاجب، فدخل ولد عمرو بن عامر كلهم إلا الأنصار. فنظر معاوية إلى عمرو نظرا [1]كذا في ف، مب و معجم البلدان» لياقوت و في البيت الثاني من الأبيات الآتية. و قد اشتبه أمره على ياقوت، فذكر الشعر الآتي مرة ثانية في رسم ضفير. و الصواب: حفير، بالحاء المهملة.

[2]ج: هبة.

[3]كذا في ف، مب، ج. و في الأصول: الحارث بن الحارث. و في ج بعدها خرم بمقدار اثنتي عشرة صفحة من مطبوعة بولاق.

[4]محب و حفير و ترفلان: مواضع بالشام. و في «معجم البلدان» لياقوت: «فحفيرا فجنتي ترفلان» .

[5]قنان: جبل بأعلى نجد.

[6]في «معجم البلدان» : و إن، في موضع: و لو. و هي أجود. و غيروان: كذا في ف، مب، و «معجم ياقوت» . و في الأصول: «و أوان» .

تحريف.

[7]كذا في ف، مب. و في الأصول: فاستحسن صلتها و زودها. و في س و «الديوان» : فأحسن صلتها و زودها.

[8]كذا في ف، مب. و في الأصول: أبو درة.

[9]كذا في ف. و في مب، و «الديوان» : عضضتهم. و في الأصول: عرتهم.

297

منكرا، فقال له: باعدت جدا. فقال: اخرج فقل: من كان هاهنا من الأوس و الخزرج فليدخل. فخرج فقالها، فلم يدخل‏[1]أحد. فقال له معاوية: أخرج فقل: من كان هاهنا من الأنصار فليدخل. فخرج فقالها، فدخلوا يقدمهم النعمان بن بشير و هو يقول:

يا سعد لا تعد الدعاء فما لنا # نسب نجيب به سوى الأنصار[2]

نسب تخيّره الإله لقومنا # أثقل به نسبا على الكفار[3]

إن الذين ثووا ببدر منكم # يوم القليب هم وقود النار

/فقال معاوية لعمرو: قد كنا أغنياء عن هذا[4].

الشعراء من آل النعمان‏

و النعمان بن بشير: هو من المعروفين في الشعر سلفا و خلفا، جده شاعر، و أبوه شاعر، و عمه شاعر، و هو شاعر، و أولاده و أولاده شعراء.

فأما جده سعد بن الحصين‏[5]فهو القائل.

إن كنت سائلة و الحق معتبة # فالأزد نسبتنا و الماء غسان‏[6]

شم الأنوف لهم عز و مكرمة # كانت لهم من جبال الطّود أركان‏[7]

و عمه الحسين بن سعد أخو بشير بن سعد، القائل:

إذا لم أزلا إلا لآكل أكلة # فلا رفعت كفي إليّ طعامي

فما أكلة إن نلتها بغنيمة # و لا جوعة إن جعتها بغرام‏

و أبوه بشير بن سعد الذي يقول‏[8]:

[1]عن ف و مب.

[2]كذا في ف، مب. و في الأصول: لا تجب الدعاء. و في «الديوان» : لا تعد النداء... نجيب له.

[3]كذا في ف، مب و «الديوان» . و في الأصول: إلى الكفار.

[4]زاد «الديوان» في هذا الخبر هنا: «فقام مغضبا فانصرف، فبعث فيه معاوية، فرده و ترضاه، و قضى حوائجه و حوائج من كان معه من الأنصار، و قال لعمرو: قد كنا عن هذا أغنياء» .

[5]كذا في جميع الأصول. و هو غلط من المؤلف نبه عليه ناشر «الديوان» . و لعل صوابه: سعد أبو الحسين. و الحسين: عم النعمان بن بشير. و البيتان المنسوبان إليه ينسبان أيضا إلى حسان بن ثابت، و هما في «ديوانه» مع بعض اختلاف في الرواية.

[6]معتبة: موجدة. يريد أن الحق يثقل على النفوس سماعه، فيورث العتاب و الغضب. و في «ديوان حسان» : مغضبة. و يروى الشطر الأول في «ديوان النعمان» (ص 13) و «سيرة ابن هشام» (1: 10) «إما سألت فإنا معشر نجب» ، و في «ديوان حسان» و «سيرة ابن هشام» : «الأسد نسبتنا» : و الأسد: لغة في الأزد، و هو الأسد بن الغوث، من أجود الأنصار. و غسان: ماء بسد مأرب باليمن، كان شربا لبني مازن بن الأزد بن الغوث، و هم الأنصار و بنو جفنة و خزاعة. و يقال: غسان: ماء بالمشلل، قريب من الجحفة: (عن «معجم البلدان» لياقوت) .

[7]جبال الطود: هي جبال السراة. و في «ديوان حسان» : «كجبال الطود» ، و فيه أيضا: «لهم مجد» .

[8]ذكر ياقوت الأبيات: 1، 2، 5 و بيتا آخر من القصيدة، و نسبها لبشير بن سعد أبي النعمان، و نسبها السكري إلى حسان بن ثابت، و هي في «ديوانه» (ص 42) . و تنسب أيضا لسعد بن الحصين من بني الحارث بن الخزرج. و يبدو أن الأبيات المذكورة هنا ملفقة من أقوال هؤلاء الشعراء لأن المعنى غير متسق فيها جميعها.

298

/

لعمرة بالبطحاء بين معرّف # و بين المطاف مسكن و محاضر[1]

لعمري لحيّ بين دار مزاحم # و بين الجثا لا يجشم السير حاضر[2]

وحي حلال لا يروع سربهم # لهم من وراء القاصيات زوافر[3]

أحق بها من فتية و ركائب # يقطع عنها الليل عوج ضوامر[4]

/تقول و تذري الدمع عن حر وجهها # لعلك نفسي قبل نفسك باكر[5]

أباح لها بطريق فارس غائطا # لها من ذرا الجولان بقل و زاهر[6]

/فقرّبتها للرحل و هي كأنها # ظليم نعام بالسماوة نافر

فأوردتها ماء فما شربت به # سوى أنه قد بلّ منها المشافر

فباتت سراها ليلة ثم عرست # بيثرب و الأعراب باد و حاضر

قال خالد بن كلثوم:

غضبه من هجاء الأخطل للأنصار

و دخل النعمان بن بشير على معاوية لما هجا الأخطل الأنصار، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:

معاوي إلاّ تعطنا الحق تعترف # لحى الأزد مشدودا عليها العمائم

أ يشتمنا عبد الأراقم ضلة # و ما ذا الذي تجدى عليك الأراقم‏[7]

[1]الظاهر من رواية (ف) أن البطحاء، هي بطحاء مكة. و معرف: موضع الوقوف بعرفات، و المطاف: حيث يطوف الناس بالبيت. و في الأصول: بيت، في مكان: «بين» الأولى. و البطاح، في مكان: «المطاف» . و المعنى على هذه قريب من معنى الرواية الأولى. فهما تحددان مواضع قرب مكة. و في «ديوان حسان» و «معجم البلدان» لياقوت: «لعمرك» في مكان «لعمرة» . و في «ديوان حسان» أيضا:

«نطاة» في مكان «البطاح» . و في «معجم ياقوت» : «النطاق» ، و على هذه الروايات الأخيرة يختلف معنى البيت، إذ يكون قصد الشاعر تحديد مكان قريب من المدينة، و هو الأشبه بالشاعر، لقرب موطنه (المدينة) من هذه الأماكن.

[2]الجثا: الحجارة التي توضع على حدود الحرم، أو هي الأنصاب التي كانت تذبح عليها الذبائح، واحدتها جثوة. و جثا أيضا كربا:

جبل من جبال أجأ، مشرف على رمل طيئ. و الجثوة أيضا: حجارة من تراب متجمع كالبقر.

[3]الحي الحلال: القوم المقيمون بأرضهم. و السرب: المال الراعي من الإبل، أو من جميع الماشية. و القاصيات: جمع قاصية:

موضع، و لعله جمعه بما حوله. و الزوافر: جمع زافرة، و هم الرهط و العشيرة و الأنصار. و في الأصول: «وحي حلال لا يكثر» ، تحريف. و في «ديوان حسان» : لا يكمش، أي لا يساق بإعجال.

[4]قبل هذا البيت في «ديوان حسان» بيت آخر، و هو.

إذا قيل يوما اظعنوا قد أتيتم # أقاموا و لم تجلب إليهم أباعر

و يظهر لنا أن الأبيات غير متلاحقة، أو ليست من قصيدة واحدة، لغموض الصلة بينها. و العوج: جمع أعوج و عوجاء، و هو من الخيل و الإبل ما كان في يديه عوج، و هو من الصفات المستحسنة فيها. و الضوامر: جمع ضامر و ضامرة، و هي القليلة اللحم و الشحم.

[5]لعل الضمير في تقول يرجع إلى «عمرة» . و تذري: تسقط. و باكر: وصف من بكر إذا تقدّم، تريد أنك مقدم على إهلاكي قبل أن تهلك نفسك بهذه الرحلة.

[6]الغائط: المكان المنخفض يزرع.

[7]الأراقم: أحياء من تغلب، و هم ستة: جشم، و مالك، و عمرو، و ثعلبة، و معاوية، و الحارث، بنو بكر بن حبيب بت غنم بن تغلب.

و يريد بعبد الأراقم: الأخطل. أي عبد من الأراقم.

299

فمالي ثأر غير[1]قطع لسانه # فدونك من يرضيه عنك الدراهم

و أرع رويدا لا تسمتا دنية # لعلك في غب الحوادث نادم‏[2]

متى تلق منا عصبة خزرجية # أو الأوس يوما تخترمك المخارم‏[3]

و تلقك خيل كالقطا مسبطرّة # شماطيط أرسال عليها الشكائم‏[4]

يسوّمها العمران عمرو بن عامر # و عمران حتى تستباح المحارم

و يبدو من الخود الغريرة حجلها # و تبيض من هول السيوف المقادم

فتطلب شعب الصدع بعد انفتاقه # فتعيا به فالآن و الأمر سالم

/و إلا فبزّي لأمة تبعيه # مواريث آبائي و أبيض صارم

و أجرد خوّار العنان كأنه # بدومة موشيّ الذراعين صائم‏[5]

و أسمر خطّي كأن كعوبه # نوى القسب فيها لهذميّ ضبارم‏[6]

فإن كنت لم تشهد ببدر وقيعة # أذلت قريشا و الأنوف رواغم

فسائل بنا حي لؤيّ بن غالب # و أنت بما تخفي من الأمر عالم

أ لم تبتدركم يوم بدر سيوفنا # و ليلك عما ناب قومك نائم‏[7]

ضربناكم حتى تفرّق جمعكم # و طارت أكف منكم و جماجم

و عاذت على البيت الحرام عوانس # و أنت على خوف عليك تمائم‏[8]

و عضت قريش بالأنامل بغضة # و من قبل ما عضت علينا الأباهم‏[9]

فكنا لها في كل أمر تكيده # مكان الشّجا و الأمر فيه تفاقم

فما إن رمى رام فأوهى صفاتنا # و لا ضامنا يوما من الدهر صائم

و إني لأغضي عن أمور كثيرة # سترقى بها يوما إليك السلالم

أصانع فيها عبد شمس و انني # لتلك التي في النفس مني أكاتم‏

[1] «غير» كذا في ف. و في الأصول: «دون» .

[2] «و أرع رويدا» أي كن برعيتك شفيقا. و في الأصول عدا ف: «و راغ» .

[3]تخترمك: تهلكك. و المخارم: الطرق في الجبال. يريد: نغزوك فتصبح طريدا تتجاذبك مخارم الجبال، فتهلك.

[4]مسبطرة: طويلة سريعة. و الشماطيط: المتفرّقة المتتابعة. و الأرسال: جمع رسل، بمعنى الشماطيط.

[5]البيت عن ف وحدها، مب. و رواية الأخيرة: صارم.

[6]القسب: التمر اليابس يتفتت في الفم، صلب النوى، تشبه بنواه الرماح في الصلابة. و اللهذم و اللهذمي: القاطع من الأسنة.

و الضبارم: الشديد الخلق من الأسد، استعاره و صفا للرمح. و في ف، مب: خثارم. و في بقية الأصول: حيازم، و لعلها تحريف عما أثبتناه.

[7] «ليلك نائم» : كذا في ف. يريد و أنت نائم غافل في ليلك. و في الأصول: قائم. و هي صحيحة.

[8]عاذت على البيت: كذا في الأصول. و الذي في «المعاجم» : عاذ بكذا، إذا التجأ إليه، فلعل الأصل: عاذت إلى البيت.

[9]كذا في ف، مب. و في الأصول: الأداهم.

300

فلا تشتمنّا يا ابن حرب فإنما # ترقّي إلى تلك الأمور الأشائم‏[1]

فما أنت و الأمر الذي لست أهله # و لكن ولي الحق و الأمر هاشم

/إليهم يصير الأمر بعد شتاته # فمن لك بالأمر الذي هو لازم

بهم شرع اللّه الهدى و اهتدى بهم # و منهم له هاد إمام و خاتم‏

ينصر عبد الرّحمن بن حسان‏

/قال: فلما بلغت هذه الأبيات معاوية، أمر بدفع الأخطل إليه، ليقطع لسانه. فاستجار بيزيد بن معاوية، فمنع منه، و أرضوا النعمان، حتى رضى و كف عنه.

و قال عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه: لما ضرب مروان بن الحكم عبد الرّحمن بن حسان الحد، و لم يضرب أخاه، حين تهاجيا و تقاذفا، كتب عبد الرّحمن إلى النعمان بن بشير يشتكي ذلك إليه، فدخل إلى معاوية، و أنشأ يقول:

يا ابن أبي سفيان ما مثلنا # جار عليه ملك أو أمير

اذكر بنا مقدم أفراسنا # بالحنو إذ أنت إلينا فقير

و اذكر غداة الساعديّ الذي # آثركم بالأمر فيها بشير[2]

و احذر عليهم مثل بدر فقد # مر بكم يوم ببدر عسير

إن ابن حسان له ثائر # فأعطه الحق تصحّ الصدور[3]

و مثل أيام لنا شتتت # ملكا لكم أمرك فيها صغير

أما ترى الأزد و أشياعها # نحوك خزرا كاظمات تزير[4]

يطوف‏[5]حولي منهم معشر # إن صلت صالوا و هم لي نصير

/يأبى لنا الضيم فلا يعتلي # عز منيع و عديد كثير

و عنصر في حرّ جرثومة # عاديّة تنقل عنها الصخور[6]

لقب الأنصار

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدّثني أحمد بن الهيثم الفراسي، قال: حدّثني العمري، عن الهيثم بن عديّ، قال:

[1]البيت: عن ف، مب. و الأشائم بالرفع نعت مقطوع عما قبله.

[2]الساعديّ: يريد اليوم الساعدي، نسبة إلى بني ساعدة من الأنصار أصحاب السقيفة، و قد كان بشير بن سعد أبو النعمان أوّل أنصاري بايع أبا بكر بالخلافة، مؤثرا بها قريشا على قومه.

[3]ثائر: ناصر، يثور له و يطالب بحقه.

[4]نحوك: كذا في ف، مب. و في الأصول: تجول. و الخزر: جمع أخزر، و هو الذي ينظر بمؤخر عينه غضبا. و تزير: تصيح غضبا كالأسد، و أصله تزئر، بوزن تضرب، فسهل الهمزة.

[5]يطوف: كذا في ف، مب. و في الأصول: يصول.

[6]حر جرثومة: كذا في ف. و في الأصول: عز جرثومة. و الجرثومة: الأصل.

301

حضرت الأنصار باب معاوية و معهم النعمان بن بشير، فخرج إليهم سعد أبو درّة، و كان حاجب معاوية، ثم حجب عبد الملك بن مروان، فقال: استأذن لنا. فدخل، فقال لمعاوية: الأنصار بالباب. فقال له عمرو بن العاص: ما هذا اللقب الذي قد جعلوه نسبا؟أرددهم إلى نسبهم. فقال معاوية: إن علينا في ذلك شناعة. قال: و ما في ذلك؟إنما هي كلمة مكان كلمة، و لا مردّ لها. فقال له معاوية: اخرج فناد من بالباب من ولد عمرو بن عامر فليدخل. فخرج فنادى بذلك، فدخل من كان هناك منهم سوى الأنصار. فقال له: أخرج فناد من كان هاهنا من الأوس و الخزرج فليدخل. فخرج فنادى ذلك، فوثب النعمان بن بشير، فأنشأ يقول:

يا سعد لا تعد الدعاء فما لنا # نسب نجيب به سوى الأنصار

نسب تخيره الإله لقومنا # أثقل به نسبا على الكفار

إن الذين ثووا ببدر منكم # يوم القليب هم وقود النار

و قام مغضبا و انصرف. فبعث معاوية فردّه، فترضاه و قضى حوائجه و حوائج من حضر معه من الأنصار.

مختار شعره‏

و من مختار شعر النعمان قوله، رواها خالد بن كلثوم، و اخترت منها:

إذا ذكرت أم الحويرث أخضلت # دموعي على السربال أربعة سكبا[1]

/كأني لما فرّقت بيننا النّوى # أجاور في الأغلال تغلب أو كلبا

/و كنا كماء العين و الجفن لا ترى # لواش بغى نقض الهوى بيننا إربا[2]

فأمسى الوشاة غيّروا ودّ بيننا # فلا صلة ترعى لديّ و لا قربى

جرى بيننا سعي الوشاة فأصبحت # كأنّي-و لم أذنب-جنيت لها ذنبا

فإن تصرميني تصرمي بي واصلا # لدي الود معراضا إذا ما التوى صعبا

عزوفا إذا خاف الهوان عن الهوى # و يأبى فلا يعطي مودته غصبا

فإن أستطع أصبر و إن يغلب الهوى # فمثل الذي لاقيت كلفني نصبا[3]

و اخترت هذه الأبيات من قصيدة أخرى، و أوّلها:

أهيّج دمعك رسم الطلل # عفا غير مطّرد كالخلل‏[4]

نعم فاستهلّ لعرفانه # يسح و يهمي بفيض سبل‏[5]

ديار الألوف و أترابها # و أنت من الحب كالمختبل‏[6]

[1]أخضل الدمع الثوب: بله. و قد ضمنه الشاعر معنى سقط، فعداه بعلي.

[2]الجفن: كذا في ف، مب. و في الأصول: الحسير. تحريف. و الإرب: الحاجة.

[3]النصب: الداء و البلاء و الشر.

[4]الخلل: جمع خلة، و هي بطانة تنقش بالذهب، يغشى بها جفن السيف.

[5]استهل: جرى و سال. و السيل: المطر الجود الهاطل. و رواية الشطر الثاني في «الديوان» ص 10: «سراعا و جادت بفيض سبل» .

[6]رواية الشطر الثاني في «الديوان» : «إذا أنت ملحب كالمختبل» .

302

ليالي تسبي قلوب الرجا # ل تحت الخدور بحسن الغزل

من الناهضات بأعجازهنّ # حين يقوم جزيل الكفل

كأن الرّضاب و صوب السحا # ب بات يشاب بذوب العسل

من الليل خالط أنيابها # بعيد الكرى و اختلاف العلل‏[1]

/أخذ هذا المعنى جميل منه، فقال:

و كأن طارقها على علل الكرى # و النجم و هنا قد دنا لتغوّر[2]

يشتمّ ريح مدامة معلولة # بسحيق مسك في ذكي العنبر[3]

و في هذه القصيدة يقول النعمان:

و أورع ذي شرف حازم # صروم وصول حبال الخلل‏[4]

كريم البلاء صبور اللقا # ء صافي الثناء قليل العذل‏[5]

عظيم الرماد طويل العما # د واري الزناد بعيد القفل‏[6]

أقمت له و لأصحابه # عمود السّرى بذمول رمل‏[7]

مداخلة سرحة جسرة # على الأين دوسرة كالجمل‏[8]

عبد اللّه بن النعمان‏

و من شعراء ولد النعمان بن بشير، ابنه عبد اللّه بن النعمان، و هو القائل:

ما ذا رجاؤك غائبا # من لا يسرّك شاهدا

و إذا دنوت يزيده # منك الدنو تباعدا

[1]اختلاف العلل: حدوث النوم بعد النوم. و رواية «الديوان» :

من الليل شارك أنيابها # بعيد الرقاد و بعيد الكسل‏

.

[2]و هنا: ساعة في وسط الليل.

[3]يشتم: كذا في ف، مب. و في الأصول: كنسيم. و في «الأغاني» (8: 101) : يستاف: و هو بمعنى يشتم. و رواية البيت في هذا الموضع من «الأغاني» :

يستاف ريح مدامة معجونة # بذكي مسك أو سحيق العنبر

.

[4]الأروع من الرجال: الذي يعجبك حسنه. و الخلل: جمع خلة، و هي الحبيبة. و رواية الشطر الأول في «الديوان» :

و أفيح ذي سرب حازم‏

[5]في «الديوان» : «قليل العلل» .

[6]القفل: كذا في مب، و «الديوان» ، و هو الرجوع من أماكن الغزو البعيدة. و في بقية الأصول: العقل. تحريف.

[7]العمود: طريق السير الذي تستقيم عليه السيارة. و الذمول: الناقة تسير الذميل، و هو ضرب من سير الإبل فوق العنق. و رمل: أي ذات رمل، و هو ضرب من السير السريع، و هو الهرولة. و في «الديوان» : «و لأشباهه» في مكان «و لأصحابه» .

[8]مداخلة: كذا في ف، مب، أ، «الديوان» . و هي المكتنزة المدمجة الخلق. و في س: بذعلبة، و هي الناقة السريعة، شبهت بالذعلبة، و هي النعامة. و السرحة: الطويلة الجسم، و أصلها الشجرة العظيمة. و الجسرة: الماضية، أو الطويلة الضخمة. و الأين: التعب و الكلال. و الدوسرة: الضخمة الشديدة.

303

عبد الخالق بن أبان‏

و منهم عبد الخالق بن أبان بن النعمان بن بشير، شاعر مكثر، و هو القائل في قصيدة طويلة:

و شاد أبونا الشيخ عمرو بن عامر # بأعلى ذرا العلياء ركنا تأثلا

و خطّ حياض المجد مترعة لنا # ملاء فعلّ الصفو منها و أنهلا

و أشرع فيها الناس بعد، فما لهم # من المجد إلا سؤره حين أفضلا[1]

و في غيرنا مجد من الناس كلهم # فأما كمثل العشر من مجدنا فلا

/و له أشعار كثيرة لم أحب الإطالة بذكرها.

شبيب بن يزيد

و منهم شبيب بن يزيد[2]بن النعمان بن بشير، شاعر مكثر مجيد، و هو القائل من قصيدة طويلة، يعاتب بني أمية عند اختلاف أمرهم في أيام الوليد بن يزيد و بعده، أوّلها:

يا قلب صبرا جميلا لا تمت حزنا # قد كنت من أن ترى جلد القوى قمنا[3]

يقول فيها:

بل أيها[4]الراكب المزجي مطيته # لقّيت حيث توجهت الثّنا الحسنا

/أبلغ أمية أعلاها و أسفلها # قولا ينفّر عن نوّامها الوسنا

إن الخلافة أمر كان يعظمه # خيار أوّلكم قدما و أوّلنا

فقد بقرتم بأيديكم بطونكم # و قد وعظتم فما أحسنتم الأذنا[5]

أغريتم بكم جهلا عدوكم # في غير فائدة فاستوسقوا سننا[6]

لما سفكتم بأيديكم دماءكم # بغيا و غشّيتم أبوابكم درنا

إبراهيم بن بشير

و منهم إبراهيم بن بشير بن سعد، أخو النعمان، شاعر مكثر، و هو القائل في قصيدة طويلة:

أشاقتك أظعان الحدوج البواكر # كنخل النّجير الشامخات المواقر[7]

[1]أشرع فيها الناس: أي وردوا حياض المجد بعده. و السؤر: البقية تبقى في الحوض و نحوه بعد الشرب. و كذا ورد البيت في مب.

و في ف: ما لهم من الجد. و في بقية الأصول و «الديوان» : فنالهم من المجد.

[2]كذا في ف، مب. و في الأصول: زيد.

[3]يقال: قمن بكذا، و قمن منه: جدير به.

[4]كذا في ف، مب. و في الأصول و «الديوان» : يا أيها.

[5]أذن له أذنا (بتحريك الذال) : استمع.

[6]البيت عن ف، مب. و في مب: أعثرتم، في موضع: أغريتم. و استوسقوا: اجتمعوا و السنن: الطريق الواضح. يريد: اجتمعوا و اتفقوا على عدوانكم.

[7]النجير: مكان. و المواقر: جمع موقرة، و هي ذوات الأحمال. و في «الديوان» : الكارعات، في موضع: الشامخات. ـ

304

على كل فتلاء الذراعين جسرة # و أعيس نضّاخ المهدّ عذافر[1]

نعم فاستدرت عبرة العين لوعة # و ما أنت عن ذكرى سليمى بصابر

و لم أر سلمى بعد إذ نحن جيرة # من الدهر إلا وقفة بالمشاعر

ألا ربّ ليل قد سريت سواده # إلى ردح الأعجاز غرّ المحاجر[2]

/ليالي يدعوني الصّبا فأجيبه # أجر إزاري عاصيا أمر زاجري

و إذ لمتي مثل الجناح أثيثة # أمشّي الهوينى لا يروّع طائري

فأصبحت قد ودعت كم بغيره # مخافة ربي يوم تبلى سرائري‏[3]

حميدة بنت بشير

و بنت النعمان بن بشير، و اسمها حميدة، كانت شاعرة ذات لسان و عارضة و شر، فكانت تهجو أزواجها.

و كانت تحت الحارث بن خالد المخزومي، و قيل بل كانت تحت المهاجر بن عبد اللّه بن خالد، فقالت فيه:

كهول دمشق و شبانها # أحب إليّ من الجالية[4]

صماحهم كصماح التيو # س أعيا على المسك و الغاليه‏[5]

و قمل يدب دبيب الجراد # أكاريس أعيا على الفاليه‏[6]

فطلقها. فتزوّجها روح بن زنباع، فهجته، و قالت تخاطب أخاها الذي زوّجها من روح، و تقول:

أضل اللّه حلمك من غلام # متى كانت مناكحنا جذام

أ ترضى بالأكارع و الذّنابى # و قد كنا يقر لنا السنام‏

و قالت تهجو روحا.

بكى الخزّ من روح و أنكر جلده # و عجّت عجيجا من جذام المطارف

و قال العباء نحن كنا ثيابهم # و أكسية كدريّة و قطائف‏[7]

[1]فتلاء الذراعين: في ذراعيها فتل و بعد عن الجنبين، و هو صفة مستحسنة في الناقة. و الجسرة: الماضية أو الطويلة الضخمة. و في الأصول عدا ف: مهجر، و هي الناقة الفائقة في الشحم و السمن. و جمل أعيس: فيه أدمة. و النضاخ: من النضخ و هو شدة فور الماء في جيشانه و انفجاره من ينبوعه. و المهد: مصدر ميمي بمعنى المهدّ، و هو هدير الفحل، شبه صوته عند هديره بجيشان الماء إذا فارعن الينبوع. و جمل عذافر: صلب عظيم شديد.

[2]ردح: جمع رداح، و هي الضخمة. و في مب: رجح. و الأعجاز: كذا في ف، مب. و في الأصول: الأكفال.

[3]تبلى: تختبر.

[4]الجالية: القوم الذين جلوا عن بلادهم.

[5]الصماح: العرق المنتن، و هو الصنان. و صماحهم كصماح: كذا في ف، مب. و في الأصول: صنانهم كصنان. و في «ديوان النعمان» (ص 41) : له دفر كصنان. و الدفر: هو الصنان.

[6]أكاريس: جمع أكراس، و هذا جمع كراس بالكسر، و هو الجماعة من كل شي‏ء. كذا رواية الشطر في ف. و في الأصول و «الديوان» :

(دأعيا على الغالي و الغالية) . و في مب: (دأعيا الغداة على الغالية) .

[7]العباء: نوع من ثياب الأعراب غليظ خشن. و رواية الشطر الأول في «الديوان» : «و قال العبا قد كنت حينا ثيابهم» .

305

/فطلقها روح، و قال: سلط اللّه عليك بعلا يشرب الخمر و يقيئها في حجرك. فتزوّجت بعده الفيض بن أبي عقيل الثقفي، و كان يسكر و يقي‏ء في حجرها. فكانت تقول: أجيبت فيّ دعوة روح. و قالت في الفيض:

سمّيت فيضا و ما شي‏ء تفيض به # إلا بسلحك بين الباب و الدار[1]

فتلك دعوة روح الخير أعرفها # سقى الإله صداه الأوطف الساري‏[2]

و قالت فيه:

و هل أنا إلا مهرة عربية # سليلة أفراس تجلّلها بغل‏[3]

فإن نتجت مهرا كريما فبالحرى # و إن كان إقراف فما أنجب الفحل‏[4]

هكذا روى خالد بن كلثوم هذين البيتين لها، و غيره يرويهما لمالك بن أسماء لما تزوّج الحجاج أخته هندا.

و هي القائلة لما تزوّج الحجاج أختها أم أبان:

قد كنت أرجو بعض ما يرجو الراج # أن تنكحيه ملكا أو ذا تاج

إذا تذكرت نكاح الحجاج # تضرّم القلب بحزن وهّاج

و فاضت العين بماء ثجّاج # لو كان نعمان قتيل الأعلاج

مستوي الشخص صحيح الأوداج # ما نلت ما تلت بختل الدّراج‏[5]

فأخرجها الحجاج من العراق، وردها إلى الشأم.

صوت‏

نفرت قلوصي من حجارة حرّة # بنيت على طلق اليدين وهوب

لا تنفري يا ناق منه فإنه # شرّيب خمر مسعر لحروب

لا يبعدنّ ربيعة بن مكدّم # و سقى الغوادي قبره بذنوب

لو لا السّفار و بعد خرق مهمه # لتركتها تحبو على العرقوب‏[6]

[1]بسلحك: كذا في الأصول. و في «الديوان» (ص 39) : بجعرك.

[2]البيت عن ف و «الديوان» . و الصدى: عظام الموتى تصير هامة فتطير كزعم الجاهلية (عن «تاج العروس» ) . و الأوطف: السحاب المسترخي الجوانب لكثرة مائه.

[3]روى ابن قتيبة في «أدب الكتاب» الشطر الأول: «و هل هند إلا مهرة عربية» و نسب الشعر إلى هند بنت النعمان بن بشير، أخت حميدة. و أنكر بعضهم لفظ «بغل» بالباء، و قالوا: هي تصحيف، و الصواب نغل بالنون، بوزن سهم و كنف، و هو الخسيس من الناس و الدواب، أو الفاسد النسب (انظر «التاج» في نغل) .

[4]إقراف: كذا في ف. و في الأصول: إقرافا. و في «الديوان» : و إن يك إقراف فما أنجب: و كذا في مب. و في بقية الأصول و «الديوان» : فمن قبل الفحل.

[5]ختل: خداع. و الدراج: طائر شبيه بالحجل و أكبر منه، أرقط بسواد و بياض، قصير المنقار، شبهت به أختها.

[6]يريد لو لا طول رحلته في الفلوات المترامية لعقر ناقته على قبر ربيعة بن مكدم. قال صاحب «العقد الفريد» (يوم الكديد) : و كان ربيعة بن مكدم يعقر على قبره في الجاهلية، و لم يعقر على قبر أحد غيره.

306

يقال إن الشعر لحسان بن ثابت الأنصاريّ، و يقال: إنه لضرار بن الخطاب الفهريّ.

أخبرني أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلام، قال: الصحيح أن هذه الأبيات لعمرو بن شقيق، أحد بني فهر بن مالك. و من الناس من يرويها لمكرّز بن حفص بن الأحنف الفهري‏[1]، و عمرو بن شقيق أولى بها.

و الغناء[2]لمالك: خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر[2].

[1]الفهري: كذا في ف. و في بقية الأصول: العامري. و نسب أبو تمام في «الحماسة» (2: 187) الأبيات إلى حفص بن الأحنف الكناني. و نسبها التبريزي عن أبي رياش إلى حفص بن الأحنف العامري، و إلى كرز بن خالد الفهري. و في الاسم الذي ذكره المؤلف تلفيق من هذه الأسماء. و يوم الكديد مذكور في «شرح الحماسة» ، مع بعض الاختلاف في التفاصيل و الأقوال و الأشعار.

(2-2) العبارة عن ف، مب.

307

4-أخبار مقتل ربيعة و نسبه‏

نسبه و مقتله‏

و هذا الشعر قيل في قتل ربيعة بن مكدّم بن عامر بن حرثان بن جذيمة بن علقمة بن جذل الطّعان بن فراس بن عثمان بن ثعلبة بن مالك بن كنانة، أحد فرسان مضر المعدودين، و شجعانهم المشهورين، قتله نبيشة بن حبيب السّلمى في يوم الكديد.

و كان السبب في ذلك فيما ذكره محمد بن الحسن بن دريد، إجازة عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة؛ و نسخته أيضا من رواية الأصمعي و حماد صاحب أبي غسان دماذ و الأثرم، فجمعتها هاهنا.

قال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: وقع تدارؤ[1]بين نفر من بني سليم بن منصور و بين نفر من بني فراس بن مالك بن كنانة، فقتلت بنو فراس رجلين من بني سليم بن منصور، /ثم إنهم ودوهما. ثم ضرب الدهر ضربانه، فخرج نبيشة بن حبيب السلمي غازيا، فلقى ظعنا من بني كنانة بالكديد، في نفر من قومه، و بصر بهم‏[2] نفر من بني فراس بن مالك، فيهم عبد اللّه بن جذل الطعان بن فراس، و الحارث بن مكدم أبو الفارعة، قال: بعضهم أبو الفرعة، أخو ربيعة بن مكدم، قال: و هو مجدور يومئذ يحمل في محفة، فلما رآهم أبو الفارعة، قال: هؤلاء بنو سليم يطلبون دماءهم. فقال أخوه ربيعة بن مكدم: أنا أذهب حتى أعلم علم القوم، فآتيكم بخبرهم. فتوجه نحوهم، فلما ولّى، قال بعض الظعن: هرب/ربيعة. فقالت أخته أم عزة بنت مكدم: أين تنتهي نفرة الفتى؟ فعطف و قد سمع قول النساء، فقال:

لقد علمن أنّني غير فرق # لأطعنن طعنه و أعتنق

أعمل فيهم حين تحمر الحدق # عضبا حساما و سنانا يأتلق‏[3]

قال: ثم انطلق يعدو به فرسه، فحمل عليه بعض القوم، فاستطرد له في طريق الظعت. و انفرد به رجل من القوم، فقتله ربيعة. ثم رماه نبيشة أو طعنه، فلحق بالظعن يستدمي، حتى أتى إلى أمه أم سيار، فقال: اجعلي على يدي عصابة، و هو يرتجز و يقول:

شدي عليّ العصب أم سيار # لقد رزيت فارسا كالدينار

يطعن بالرمح أمام الأدبار

[1]تدارؤ: تدافع في خصومة و اختلاف.

[2]كذا في ف، مب. و في الأصول: في ركب من قومه و ظفر بهم.

[3]كذا ورد الشعر في مب. و في ف: «و أصبحهم حين تحمر الحدق» . و في بقية الأصول: «أصبحهم صاح بمحمر الحدق» . و كلاهما محرف.

308

فقالت أمه:

إنا بنو ثعلبة بن مالك # مرزّأ أخيارنا كذلك

من بين مقتول و بين هالك # و لا يكون الرزء إلا ذلك‏

قال أبو عبيدة: و شدّت أمه عليه عصابة. فاستسقاها ماء، فقالت: إنك إن شربت الماء مت، فكرّ على القوم. فكر راجعا يشد على القوم و يذبّهم، و نزفه الدم حتى اثخن، فقال للظعن: أوضعن‏[1]ركابكن خلفي، حتى تنتهين إلى أدنى بيوت الحي، فإني لما بي، و سوف أقف دونكن لهم على العقبة، و أعتمد على رمحي، فلن يقدموا عليكن لمكاني. ففعلن ذلك، فنجون إلى مأمنهن.

/قال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: و لا نعلم قتيلا و لا ميتا حمى ظعائن غيره. قال: و إنه يومئذ لغلام له ذؤابة. قال: فاعتمد على رمحه، و هو واقف لهن على متن فرسه، حتى بلغن مأمنهن، و ما تقدّم القوم عليه.

فقال: نبيشة بن حبيب: إنه لمائل العنق، و ما أظنه إلا قد مات. فأمر رجلا من خزاعة كان معه أن يرمي فرسه.

فرماها فقمصت و زالت، فمال عنها ميتا. قال: و يقال بل الذي رمى فرسه نبيشة. فانصرفوا عنه، و قد فاتهم الظّعن.

قال أبو عبيدة: و لحقوا يومئذ أبا الفرعة الحارث بن مكدم، فقتلوه، و ألقوا على ربيعة أحجارا.

أشعار في رثائه‏

فمر به رجل من بني الحارث بن فهر، فنفرت ناقته من تلك الأحجار التي أهليت على ربيعة. فقال يرثيه و يعتذر ألا يكون عقر ناقته على قبره، و حض على قتلته، و عيّر من فر و أسلمه من قومه:

نفرت قلوصى من حجارة حرة # بنيت على طلق اليدين و هوب

لا تنفري يا ناق منه فإنه # سبّاء خمر مسعر لحروب

لو لا السّفار و بعد خرق مهمه # لتركتها تحبو على العرقوب

/فر الفوارس عن ربيعة بعد ما # نجّاهم من غمّة المكروب‏[2]

يدعو عليا حين أسلم ظهره # فلقد دعوت هناك غير مجيب

للّه در بني عليّ إنهم # لم يحمشوا غزوا كولغ الذيب‏[3]

نعم الفتى أدى نبيشة بزّه # يوم الكديد، نبيشة بن حبيب‏[4]

لا يبعدن ربيعة بن مكدم # و سقى الغوادي قبره بذنوب‏

/قال أبو عبيدة: و يقال إن الذي قال هذا الشعر هو ضرار بن الخطاب بن مرداس، أحد بني محارب بن فهر.

و قال آخر: هو حسان بن ثابت. و قال الأثرم: أنشدني أبو عبيدة مرة أخرى هذا البيت:

و سقى الغوادي قبره بذنوب‏

[1]الإيضاع: نوع من السير سريع.

[2]غمة: كذا في ف، مب. و في الأصول: غمرة.

[3]هذا البيت و الذي بعده عن ف، مب. و يحمشوا: يحرضوا على القتال و يلهبوه. و الولغ: مصدر ولغ الذئب في الماء: شرب منه.

[4]البز: السلاح، درعا و غيرها.

309

و احتج به في قول اللّه عز و جل: ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحََابِهِمْ [1]. فسألته لمن هذا البيت، فقال: لمكرّز بن حفص بن الأحنف، أحد بني عامر بن لؤي، رجل من قريش الظواهر؛ و لم يسمه هاهنا.

و قال عبد اللّه بن جذل الطعان و اسمه بلعاء:

لأطلبن بربيعة بن مكدم # حتى أنال عصيّة بن معيص‏

يقال إن عصية من بني سليم، و هو عصية بن معيص بن عامر بن لؤي

و تقاد كل طمرة ممحوصة # و مقلّص عبل الشّوى ممحوص‏[2]

و قال رجل من بني الحارث بن الخزرج من الأنصار يرثي ربيعة بن مكدم. و قال أبو عبيدة: زعم أبو الخطاب الأخفش أنه لحسان بن ثابت، يحض على قتلته.

و لأصرفنّ سوى حذيفة مدحتي # لفتى الشتاء و فارس الأجراف‏[3]

مأوى الضّريك إذا الرياح تناوحت # ضخم الدّسيعة مخلف متلاف‏[4]

/من لا يزال يكب كل ثقيلة # كوماء غير مسائل منزاف‏[5]

رحب المباءة و الجناب موطّأ # مأوى لكل معتق بسواف‏[6]

فسقى الغوادي قبرك ابن مكدم # من صوب كل مجلجل وكّاف‏[7]

أبلغ بني بكر و خص فوارسا # لحقوا الملامة دون كل لحاف

أسلمتم جذل الطعان أخاكم # بين الكديد و قلة الأعراف‏[8]

الأعراف: رمل، قال الأثرم: الأعراف كل ما ارتفع، و منه قول اللّه تعالى: وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلْأَعْرََافِ .

حتى هوى متزايلا أوصاله # للّحد بين جنادل و قفاف‏[9]

[1]سورة الذاريات آية: 59.

[2]الطمرة: الفرس الطويلة القوائم الخفيفة المستعدة للعدو. و الممحوصة: القليلة لحم القوائم، التي خلصت من الرهل. و المقلص:

الحصان الطويل القوائم المنضم البطن. و عبل الشوى: ضخم الأطراف.

[3]لفتى الشتاء: الذي يطعم في الشتاء وقت الجدب. و في «ديوان قيس بن الخطيم» : لفتى العشي. و في الأصول: لفتى اليسار.

و الأجراف: موضع ( «التاج» ) . و ذكر البكري في «التنبيه» (ص 67) أن اللغويين يروون البيت على أن «سوى» هنا بمعنى «قصد» ، ثم قال إن الشاعر إنما قال: «إلى حذيفة» أما «سوى» فموضوع.

[4]الضريك: المحتاج. و تناوحت الريح: هبت من جهات مختلفة متقابلة، و ذلك في السنة، و قلة الأندية، و يبس الهواء، و شدة البرد.

و الدسيعة: مائدة الرجل إذا كانت كريمة، أو الجفنة.

[5]الثقلية: يريد الناقة الضخمة السمينة. و الكوماء: العظيمة السنام. و غير مسائل: أي لا يسأل أحدا عونا على الكرم كما يفعل أصحاب الميسر. و الشطر الثاني في «ديوان قيس بن الخطيم» : «و زماء غير محاول الإنزاف» .

[6]المباءة: المنزل. و المعتق من الإبل: المسن. و السواف: مرض يصيب الإبل. يريد أنه لم يبق غير مسان الإبل التي أصابها المرض، أما شبابها فإنه ينحرها للضيفان. و في ف: معتق مسواف. و في مب: مدفع مسواف. و في «ديوان قيس» : معصب مسواف.

[7]قبرك: كذا في ف. و في الأصول: رمسك. و المجلجل: المطر ذو الرعد. و الوكاف: المنهمر.

[8]الكديد: موضع على اثنين و أربعين ميلا من مكة.

[9]متزايلا: كذا في ف، مب. و في الأصول: متدائلا: أي مسرعا. و القفاف: جمع قف، و هو الأرض الغليظة.

310

للّه در بني عليّ إن هم # لم يثأروا عوفا و حيّ خفاف‏[1]

قال الأثرم: و أنشدنا أبو عبيدة هذه القصيدة مرة لقيس بن الخطيم حين قتل قاتل أبيه، فقال:

تذكر ليلى حسنها و صفاءها

/و قال ابن جذل الطعان في ذلك أيضا:

ألا اللّه در بني فراس # لقد أورثتم حزنا وجيعا

غداة ثوى ربيعة في مكرّ # تمج عروقه علقا نجيعا[2]

فلن أنسى ربيعة إذ تعالى # بكاء الظّعن تدعو يا ربيعا

و قال كعب بن زهير، و أمه من بني أشجع بن عامر بن الليث بن بكر بن كنانة، يرثي ربيعة بن مكدم، و يحض على بني سليم، و يعير بني كنانة[3]بالدماء التي أدّوها إلى بني سليم، و هم لا يدركون قتلاهم عندهم بدرك قتل فيهم و لا دية:

/

بان الشباب و كل إلف بائن # ظعن الشباب مع الخليط الظاعن

قالت أميمة ما لجسمك شاحبا # و أراك ذا بثّ و لست بدائن

غضّي ملامك إن بي من لومكم # داء أظن مما طلي أو فاتني

أبلغ كنانة غثّها و سمينها # الباذلين رباعها بالقاطن‏[4]

أن المذلة أن تطلّ دماؤكم # و دماء عوف ضامن في العاهن‏[5]

أموالكم عوض لهم بدمائهم # و دماؤكم كلف لهم بظعائن‏[6]

طلبوا فأدرك و ترهم مولاهم # و أبت محاملكم إباء الحارن‏[7]

/شدوا المآزر فاثأروا بأخيكم # إن الحفائط نعم ربح الثامن‏[8]

كيف الحياة ربيعة بن مكدم # يغدى عليك بمزهر أو قائن‏[9]

[1]بنو عليّ: قبيلة من كنانة، و هم بنو عبد مناة، و ليسوا من كنانة قريش. و إن هم: كذا في ف، مب. و في الأصول: إنهم.

[2]البيت عن ف، مب. و العلق: الدم. و النجيع: الدم، أو الدم المصبوب، أو دم الجوف.

[3]العبارة عن ف، مب.

[4]الباذلين: كذا في الأصول. و لعله يريد التاركين لأعدائهم ديارهم بمن فيها من القطان. و في ف، مب: النازلين.

[5]ضامن: مضمون. و العاهن: الثابت.

[6]ف: عوض... كلف لكم. و في الأصول: غرض... كلف لهم. يريد: إذا قتلتموهم دفعتم أموالكم في دياتهم، و إذا سببتم ظعائنهم لم يكفوا عن حربكم و قتلكم.

[7]محاملكم: كذا في الأصول. و في ف، مب: محاصلكم. و في «ديوان كعب بن زهير» (229 طبعة دار الكتب) : سعاتكم.

[8]كذا روي البيت في ف، مب. و في الأصول: و اثأروا... ربح الثامن. و في «ديوان كعب» :

شدوا المآزر فانعشوا أموالكم # إن المكارم...

[9]المزهر: العود. و القائن: صاحب القيان و مدربهن. و في ف، مب: و أقائن. و في الأصول: أو كائن، و في «الديوان» :

كيف الأسى و ربيعة بن مكدم # يودي عليك بفتية و أفاتن‏

311

و هو التّريكة بالعراء و حارث # فقع القراقر بالمكان الواتن‏[1]

كم غادروا لك من أرامل عيّل # جزر الضّباع و من ضريك واكن‏[2]

و قالت أم عمرو أخت ربيعة ترثي ربيعة:

ما بال عينك منها الدمع مهراق # سحّا و لا عازب لا لا و لا راقي‏[3]

أبكي على هالك أودى و أورثني # بعد التفرق حزنا بعده باقي

لو كان يرجع ميتا وجد ذي رحم # أبقى‏[4]أخي سالما وجدي و إشفاقي

/أو كان يفدى لكان الأهل كلّهم # و ما أثّر من مال له واقي

لكن سهام المنايا من نصبن له # لم ينجه طب ذي طب و لا راقى‏[5]

فاذهب فلا يبعدنك اللّه من رجل # لاقى الذي كلّ حي مثله لاقي

فسوف أبكيك ما ناحت مطوقة # و ما سريت مع الساري على ساقي

أبكى لذكرته عبرى مفجّعه # ما إن يجف لها من ذكره ماقي‏

و قال عبد اللّه يرثيه:

خلّى عليّ ربيعة بن مكدم # حزنا يكاد له الفؤاد يزول

فإذا ذكرت ربيعة بن مكدم # ظلت لذكراه الدموع تسيل

نعم الفتى حيا و فارس بهمة # يردي بشكته أقبّ ذءول‏[6]

سقت الغوادي بالكديد رمّة[7] # و الناس إما هالك و قتيل

فإذا لقيت ربيعة بن مكدم # فعلى ربيعة من نداه قبول

كيف العزاء و لا تزال خريدة # تبكي ربيعة غادة عطبول‏[8]

[1]التريكة: يعني ربيعة بن مكدم، و التريكة: البيضة يتركها النعام حين تنقف، و يدفنها تحت التراب. أراد أن ربيعة تريكة بالقاع مدفون، كما تركت هذه البيضة. و في «الديوان» : «و هو التريكة بالمكر» . و في مب: رهن العريكة. و في ف: «رهن الفريكة بالعراق» . و في الأصول: «و من العريكة بالعراق» . و العراق: تحريف عن العراء. و حارث: هو أخو ربيعة. و فقع القراقر: مثل يضرب للذليل.

و أصل الفقع أردأ الكمأة، تطؤه الدواب بحوافرها. و الواتن: الثابت المقيم.

[2]جزر الضباع: طعاما للضباع. و الضريك: الفقير السيئ الحال. و الواكن: الجالس عجزا. و رواية «الديوان» :

كم غادروا من ذي أرامل عائل # جزر السباع و من ضريك حاجن‏

و الحاجن: المقيم بالداء.

[3]راقي: مخفف عن راقئ، و هو الساكن. و في «ذيل الأمالي» (12) : «فلا عازب عنها و لا راقي» .

[4]كذا في ف، مب و «ذيل الأمالي» . و في الأصول: «أديم لي سالما» .

[5]نصبن: كذا في ف، مب، و «ذيل الأمالي» . و في الأصول: تصير. و في الأصول: أيضا: «لم يغنه» .

[6]البهمة: الشجاع الذي لا يدري قرنه من أين يأتيه. و الشكة: الدرع. و الأقب: الضامر البطن من الخيل. و الذءول: من الذألان، و هو مشي سريع خفيف.

[7]كذا روى الشطر الأول في ف. و في مب: سقت الكديد و من به رجبية. و في الأصول: (سبقت به أم الكديد رمية) . تحريف.

[8]العطبول: الجارية الجميلة الممتلئة الطويلة العنق.

312

يأبى لي اللّه المذلة إنما # يعطى المذلة عاجز تنبيل‏[1]

و قال عبد اللّه أيضا يرثيه:

نادى الظعائن يا ربيعة بعد ما # لم يبق غير حشاشة و فواق‏[2]

/فأجابها و الرمح في حيزومه # أنفا بطعن كالشّعيب دفاق‏[3]

/يا ريط إن ربيعة بن مكدم # و ربيع قومك آذنا بفراق‏[4]

و لئن هلكت لربّ فارس بهمة # فرجت كربته و ضيق خناق‏

و قال أيضا يتوعد بني سليم:

و لست لحاضر إن لم أزركم # كتائب من كنانة كالصريم‏[5]

على قبّ الأياطل مضمرات # أضرّ بنيّها علك الشكيم‏[6]

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدّثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدّثني الطلحي، قال: أخبرني عبد اللّه بن إبراهيم الجمحى و محمد بن الحسن بن زبالة في مجلس واحد، قالا: مرّ حسان بن ثابت بقبر ربيعة بن مكدم الكناني‏[7]، بثنية كعب، و يقال: بثنية غزال، فقلصت به راحلته، فقال‏[7]:

نفرت قلوصي من حجارة حرّة # بنيت على طلق اليدين وهوب

لا تنفري يا ناق منه فإنه # شرّيب خمر مسعر لحروب

لو لا السّفار و بعد خرق مهمه # لتركتها تحبو على العرقوب‏

فبلغ شعره بني كنانة، فقالوا: و اللّه لو عقرها لسقنا إليه ألف ناقة سود الحدق.

يقتل فارسين من أصحاب دريد بن الصمة فيهب له رمحه‏

أخبرني محمد بن الحسين بن دريد، قال: حدّثنا السجستانيّ، قال: حدّثنا أبو عبيدة، قال:

خرج دريد بن الصّمة في فوارس من بني جشم، حتى إذا كانوا بواد لبني كنانة يقال له الأخرم، و هو يريد الغارة على بني كنانة، رفع له رجل من ناحية الوادي معه ظعينة. فلما نظر إليه قال لفارس من أصحابه: صح به أن خلّ عن الظعينة و انج بنفسك، و هو لا يعرفه. فانتهى إليه الرجل، فصاح به، و ألح عليه. فلما أتى ألقى الزمام و قال للظعينة:

[1]كذا في ف، مب. و في الأصول: يأبى لك. و التنبيل: كذا في الأصول، و ليس في «المعاجم» فعليل من تنبل. و المراد: القصير العاجز.

[2]كذا في ف، مب. و في الأصول: دعت الظعينة. و الفواق: ريح يخرج من المعدة إلى الفم.

[3]مب: علقا. في موضع: أنفا.

[4]كذا في ف، مب. و في الأصول: دنا بفراق.

[5]الحاضر: الحي المقيمون في أرضهم صيفا و شتاء. يريد: لست منسوبا إلى حي قوي. و في مب: «لحاصن» ، و هي المرأة العفيفة الشريفة. و في الأصول: «و لست لصاحبي إن لم تجئكم» . و الصريم: الليل، يريد أنها لكثرتها يكون منظرها أسود كالليل.

[6]الأباطل: جمع أيطل، و هو الخاصرة. الأياطل: كذا في ف. و في الأصول: البطون. و التيّ: الشحم. و أضربه: أزاله.

(7-7) العبارة عن ف، مب.

313

سيري على رسلك سير الآمن # سير رداح ذات جأش ساكن

إن انثنائي دون قرني شائني # و ابلي بلائي و اخبري و عايني‏

ثم حمل على الفارس فقتله، و أخذ فرسه، فأعطاه الظعينة. فبعث دريد فارسا آخر، لينظر ما صنع صاحبه، فرآه صريعا. فصاح به، فتصامم عنه، فظنّ أنه لم يسمعه. فغشيه، فألقى الزمام إليها، ثم حمل على الفارس، فطعنه فصرعه، و هو يقول:

خلّ سبيل الحرة المنيعة # إنك لاق دونها ربيعة

في كفه خطّية مطيعه‏[1] # أو لا، فخذها طعنة سريعه

فالطعن منى في الوغى شريعه‏

فلما أبطأ على دريد بعث فارسا آخر لينظر ما صنعا؟فانتهى إليهما، فرآهما صريعين، و نظر إليه يقود ظعينته، و يجرر رمحه. فقال له الفارس: خل عن الظعينة. فقال لها ربيعة: اقصدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:

ما ذا تريد من شتيم عابس‏[2] # أ لم تر الفارس بعد الفارس

أرداهما عامل رمح يابس؟

/ثم طعنه فصرعه، و انكسر رمحه. فارتاب دريد، و ظنّ أنهم قد أخذوا الظعينة، و قتلوا الرجل. فلحق بهم، فوجد ربيعة لا رمح معه و قددنا من الحيّ، و وجد القوم قد قتلوا. /فقال دريد: أيها الفارس، إن مثلك لا يقتل، و إن الخيل ثائرة بأصحابها، و لا أرى معك رمحا، و أراك حديث السنّ، فدونك هذا الرمح، فإني راجع إلى أصحابي، فمثبّط عنك. فأتى دريد أصحابه، و قال: إن فارس الظعينة قد حماها، و قتل فوارسكم، و انتزع رمحي، و لا طمع لكم فيه.

فانصرف القوم. و قال دريد في ذلك:

ما إن رأيت و لا سمعت بمثله # حامي الظعينة فارسا لم يقتل

أردى فوارس لم يكونوا نهزة # ثم استمرّ كأنه لم يفعل‏[3]

متهلل تبدو أسرّة وجهه # مثل الحسام جلته كف الصيقل‏[4]

يزجي ظعينته و يسحب رمحه # متوجها بمناه نحو المنزل‏[5]

و ترى الفوارس من مخافة رمحه # مثل البغاث خشين وقع الأجدل‏[6]

يا ليت شعري من أبوه و أمه # يا صاح من يك مثله لم يجهل!

فقال ربيعة:

[1]في الأصول عدا ف، مب: منيعة.

[2]شتيم: كريه الوجه.

[3]نهزة: فرصة لمن يريدهم بشر.

[4]في الأصول عدا ف، مب: أيدي الصيقل.

[5]في «سمط اللآلئ» (ص 912) : يسحب ذيله. و بمناه: كذا في ف، و في الأصول: يمناه، من اليمن، يقال: توجه فلان يمينه و يمناه: أي توجه ظافرا ميمونا، و ضدّه: توجه فلان شماله: أي على أمر مشئوم.

[6]البغاث (مثلث الباء) : الطيور الضعيفة. و الأجدل: الصقر.

314

إن كان ينفعك اليقين فسائلي # عني الظعينة يوم وادي الأخرم

عل هي لأول من أتاها نهزة # لو لا طعان ربيعة بن مكدم

/إذ قال لي أدنى الفوارس ميتة # خلّ الظعينة طائعا لا تندم

فصرفت راحلة الظعينة نحوه # عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم

و هتكت بالرمح الطويل إهابه # فهوى صريعا لليدين و للفم

و منحت آخر بعده جياشة # نجلاء فاغرة كشدق الأضجم‏[1]

و لقد شفعتهما بآخر ثالث # و أبى الفرار لي الغداة تكرمي‏

قال:

فلم يلبث بنو مالك بن كنانة رهط ربيعة بن مكدم، أن أغاروا على بني جشم رهط دريد، فقتلوا و أسروا و غنموا، و أسروا دريد بن الصمة، فأخفى نسبه. فبينا هو عندهم محبوس، إذ جاء نسوة يتهادين إليه. فصرخت امرأة منهنّ، فقالت: هلكتم و أهلكتم، ما ذا جرّ علينا قومنا؟هذا و اللّه الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة. ثم ألقت عليه ثوبها و قالت: يا آل فراس، أنا جارة له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادي. فسألوه من هو؟فقال: أنا دريد بن الصمة، فمن‏[2]صاحبي؟قالوا: ربيعة بن مكدم، قال: [2]فما فعل؟قالوا: قتله بنو سليم، قال: فمن الظعينة التي كانت معه؟قالت المرأة: ريطة بنت جذل الطعان، و أنا هي، و أنا امرأته. فحبسه القوم، و آمروا أنفسهم، و قالوا: لا ينبغي أن تكفر نعمة دريد على صاحبنا. و قال بعضهم: و اللّه لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره.

و انبعثت المرأة في الليل، فقالت:

/

سنجزي دريدا عن ربيعة نعمة # و كل فتى يجزى بما كان قدّما

فإن كان خيرا كان خيرا جزاؤه # و إن كان شرا كان شرا مذمّما

سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرة # بإعطائه الرمح السديد المقوّما

فقد أدركت كفاه فينا جزاءه # و أهل بأن يجزى الذي كان أنعما

/فلا تكفروه حق نعماه فيكم # و لا تركبوا تلك التي تملأ الفما

فلو كان حيا لم يضق بثوابه # ذراعا، غنيا كان أو كان معدما

ففكوا دريدا من إسار مخارق # و لا تجعلوا البؤسى إلى الشر سلما

فأصبح القوم فتعاونوا بينهم، فأطلقوه، و كسته ريطة و جهزته، و لحق بقومه. و لم يزل كافا عن غزو بني فراس حتى هلك.

[1]منحت: كذا في ف، ق، مب. و في أ: نسخت. و في س: نضحت، و كلاهما تحريف. و جياشة: طعنة تجيش بالدم. و الأضجم:

صفة من الضجم، و هو عوج في الفم، و ميل في الشدق. و في ف: الأسحم، و معناه: الأسود، يريد زق الخمر.

(2-2) العبارة عن ف، مب.

315

أحيل الناس و أشجعهم و أجبنهم‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك، قال: حدّثني محمد بن يعقوب بن أبي مريم العدويّ‏[1]البصري، قال: حدّثني محمد بن عمر الأزدي، قال: حدّثني أبو البلاد[2]الغطفاني و قبيصة بن ميمون‏[3]الصادري، قالا:

سأل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عمرو بن معد يكرب الزّبيدي: من أشجع من رأيت؟فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين لأخبرنك عن أحيل‏[4]الناس، و عن أشجع الناس، و عن أجبن الناس. فقال له عمر: هات. فقال: أربعت المدينة، فخرجت كأحسن ما رأيت، و كانت لي فرس شمقمقة[5]طويلة سريعة الإبقاء[6]، تمطّق‏[7]بالعرق تمطق الشيخ/بالمرق، فركبتها، ثم آليت لا ألقي أحدا إلا قتلته. فخرجت و عليّ مقدّى‏[8]، فإذا أنا بفتى بين غرضين‏[9]، فقلت له: خذ حذرك، فإني قاتلك. فقال: و اللّه ما أنصفتني يا أبا ثور، أنا كما ترى أعزل أميل‏[10]عوّارة-و العوارة:

الذي لا ترس معه-فأنظرني حتى آخذ نبلي. فقلت: و ما غناؤها عنك؟قال: أمتنع بها. قلت: خذها. قال: لا و اللّه أو تعطيني من العهود ما يثلجني أنك لا تروّعني حتى آخذها. فأثلجته، فقال: و إله قريش لا آخذها أبدا. فسلم و اللّه مني و ذهبت؛ فهذا أحيل الناس.

ثم مضيت حتى اشتمل عليّ الليل، فو اللّه إني لأسير في قمر زاهر[11]، كالنور الظاهر[12]، إذا بفتى على فرس يقود ظعينة، و هو يقول:

يا لدينا يا لدينا # ليتنا يعدى علينا

ثم يبلى ما لدينا

ثم يخرج حنظلة من مخلاته، فيرمي بها في السماء، فلا تبلغ الأرض حتى ينظمها بمشقص‏[13]من نبله. فصحت به:

خذ حذرك ثكلتك أمك، فإني قاتلك. فمال عن فرسه فإذا هو في الأرض. فقلت: إن هذا إلا استخفاف. فدنوت منه، و صحت به: ويلك: ما أجهلك!فما تحلحل و لا زال عن موضعه، فشككت الرمح في إهابه، فإذا هو كأنه قد مات منذ سنة، فمضيت و تركته؛ فهذا أجبن الناس.

[1]الأصول عدا ف، مب: العذري.

[2]في الأصول عدا ف، مب: أبو العلاء.

[3]في الأصول عدا ف، مب: منهور.

[4]أحيل: كذا بالياء من الحيل بمعنى الحيلة، أي الحذق (انظر «تاج العروس» ) .

[5]الشمقمقة: الطويلة.

[6]يريد بشريعة الإبقاء، أنها تسرع استئناف الجري بعد التعب.

[7]التمطق: إلصاق اللسان بالغار الأعلى، فيسمع له صوت عند استطابة الشي‏ء، يريد أن العرق يسيل من وجهها إلى فمها، فتتمطق، لالفها الجري و مزاولة الأسفار.

[8]المقد: حديدة يقد بها الجلد، يريد بها سيفه.

[9]الغرض: شعبة في الوادي غير كاملة.

[10]اعزل: لا سلاح معه. و أميل: لا يستقر على الخيل.

[11]كذا في ف، مب. و في الأصول: باهر.

[12]ف: الناظر.

[13]المشقص: نصل طويل غير عريض. ـ

316

ثم مضيت فأصبحت بين دكادك‏[1]هرشى‏[2]إلى غزال‏[3]، فنظرت إلى أبيات، /فعدلت إليها، فإذا فيها جوار ثلاث، كأنهن نجوم الثريا. فبكين حين رأينني، فقلت: ما يبكيكن؟فقلن: لما ابتلينا به منك، و من ورائنا أخت هي أجمل منا. فأشرفت من فدفد، فإذا بمن لم أر شيئا قط أحسن من وجهه، و إذا بغلام يخصف نعله، عليه ذؤابة يسحبها. فلما نظر إليّ وثب على الفرس مبادرا، ثم ركض، فسبقني إلى البيوت، فوجدهن قد ارتعن، فسمعته يقول لهن:

مهلا نسيّاتي إذن لا ترتعن # إن يمنع اليوم نساء تمنعن

أرخين أذيال المروط و ارتعن‏[4]

فلما دنوت منه، قال: أ تطردني أم اطردك؟قلت: أطردك. فركض و ركضت في أثره، حتى إذا مكنت السنان‏[5]في لفتته-و اللفتة أسفل من الكتف-اتكأت عليه، فإذا هو و اللّه مع/لبب‏[6]فرسه، ثم استوى في سرجه. فقلت: أقلني.

قال: اطرد. فتبعته حتى إذا ظننت أن السنان في ماضغيه اعتمدت عليه، فإذا هو و اللّه قائم على الأرض، و السنان ماض زالج. و استوى على فرسه، فقلت: أقلني. قال: اطرد. فطردته، حتى إذا مكنت السنان في متنه، اتكأت عليه و أنا أظن أني قد فرغت منه، فمال في ظهر فرسه‏[7]حتى نظرت إلى يديه‏[8]في الأرض، و مضى السنان زالجا. ثم استوى و قال: أبعد ثلاث؟تريد ما ذا؟اطردني ثكلتك أمك. فوليت و أنا مرعوب منه. فلما غشيني و وجدت حسن السنان، التفت فإذا هو يطردني بالرمح بلا سنان، /فكف عني و استنزلني، فنزلت و نزل، فجز ناصيتي، و قال:

انطلق، فإني أنفس بك عن القتل. فكان ذلك و اللّه يا أمير المؤمنين عندي أشد من الموت؛ فذاك أشجع من رأيت.

و سألت عن الفتى، فقيل: ربيعة بن مكدم الفراسي، من بني كنانة.

و قد أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري هذا الخبر و فيه خلاف للأول. قال: حدّثنا عمر بن شبة، قال:

حدّثني محمد بن موسى الهذلي، قال: حدّثني سكين بن محمد، قال:

دخل عمرو بن معد يكرب على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فقال له: يا أبا ثور، من أين أقبلت؟قال:

من عند سيد بني مخزوم، أعظمها هامة، و أمدّها قامة، و أقلها ملامة، و أفضلها حلما، و أقدمها سلما، و أجرؤها مقدما. قال: و من هو؟قال: سيف اللّه و سيف رسوله‏[9]، قال: و أيّ شي‏ء صنعت عنده؟قال: أتيته زائرا، فدعا لي بكعب و قوس و ثور[10]. فقال عمر: و أبيك إن في هذا لشبعا. قال: لي أو لك يا أمير المؤمنين؟قال: لي و لك. قال [1]الدكادك: جمع دكدك، و هو ما تلبد من الرمل بعضه على بعض بالأرض، و لم يرتفع كثيرا.

[2]هرشى: هضبة ململمة لا تنبت شيئا، على ملتقى طريق الشام و طريق المدينة إلى مكة.

[3]غزال: واد بين هرشى و الجحفة.

[4] ( «اللسان» : حلق) : رخين أذيال الحقى. و في «شرح التبريزي للحماسة» (4: 159) : أسبلن أذيال الحقى و اربعن. و الحقى: جمع حقو، و هو الإزار. و زاد «اللسان» بيتا رابعا هو: «مشى حميات كأن لم يفزعن» . و ترتيب الأبيات مختلف فيه عنه في «الأغاني» .

[5]من هنا يتصل الكلام في م بعد انقطاعه بمقدار اثنتي عشرة صفحة من صفحات س.

[6]لبب الفرس: نحره.

[7]في الأصول عدا ف: فمال في سرجه.

[8]في الأصول عدا ف: بدنه.

[9]يريد خالد بن الوليد.

[10]الكعب: الصبة من السمن. و القوس: ما يبقى في أصل الجلة من التمر. و الثور: الكتلة من الأقط ( «لسان العرب» : كعب) .

317

له: فو اللّه إني لآكل الجذعة، و أشرب التّبن من اللبن رثيئة و[1]صرفا، فلم تقول هذا يا أمير المؤمنين؟فقال له عمر:

أي أحياء قومك خير؟قال: مذحج، و كل قد كان فيه خير، شداد فوارسها، فوارس أبطالها، أهل الربا و الرباح‏[2].

قال عمر: و أين سعد العشيرة؟قال: هم أشدنا شريسا، /و أكثرنا خميسا[3]، و أكرمنا رئيسا، و هم الأوفياء البررة، المساعير[4]الفجرة. قال عمر: يا أبا ثور، أ لك علم بالسلاح؟قال: على الخبير سقطت، سل عما بدا لك. قال:

أخبرني عن النّبل. قال: منايا تخطئ و تصيب. قال: فأخبرني عن الرمح قال: أخوك و ربما خانك. قال: فأخبرني عن التّرس. قال: ذاك مجنّ و عليه تدور الدوائر. قال: أخبرني عن الدرع. قال: مشغلة للفارس، متعبة للراجل.

قال: أخبرني عن السيف. قال: عنه قارعتك‏[5]لأمك الهبل، قال: لا، بل لأمك. قال عمرو: بل لأمك، فرفع عمر الدّرّة، فضرب بها عمرا، و كان عمرو محتبيا، فانحلت حبوته، فاستوى قائما، و أنشأ يقول:

أ تضربني كأنك ذو رعين # بخير معيشة أو ذو نواس‏[6]

فكم ملك قديم قد رأينا # و عز ظاهر الجبروت قاسي‏[7]

فأضحى أهله بادوا و أضحى # ينقّل من أناس في أناس‏[8]

/قال: صدقت يا أبا ثور، و قد هدم ذلك كله الإسلام، أقسمت عليك لما جلست. فجلس. فقال له عمر: هل كععت‏[9]من فارس قط ممن لقيت؟قال:

اعلم يا أمير المؤمنين، أني لم أستحل الكذب في الجاهلية، فكيف أستحله في الإسلام؟و لقد قلت لجبهة من خيلي، خيل بني زبيد، أغيروا بنا على بني البكّاء. فقالوا: بعيد علينا المغار. فقلت: فعلى بني مالك بن كنانة، قال: فأتينا على/قوم سراة. فقال عمر: ما علمك بأنهم سراة. قال: رأيت مزاود خيلهم كثيرة، و قدورا مثفّاة[10]، و قباب أدم، فعرفت أن القوم سراة. فتركت خيلي حجرة[11]، و جلست في موضع أتسمع كلامهم، فإذا بجارية منهم [1]الجذعة من الغنم: ما تكون سنها بين ستة أشهر و سنة. و التبن: القدح الكبير. و الرثيئة: اللبن الحليب يصب عليه اللبن الحامض، فيروب من ساعته. و الصريف: اللبن الذي ينصرف عن الضرع حارا وقت حلبه.

[2]الربا و الرباح: النماء و الكثرة. و لعله يريد أنهم ذوو عدد وفير ، أو ذوو مال كثير، أو أنهم يجزلون العطاء لمن يصنع إليهم خيرا.

[3]الشريس: الشراسة، و هي عسر الخلق و الشدة. و الخميس: الجيش. و في «اللسان» : هم أعظمنا خميسا، و أشدنا شريسا.

[4]المساعير: جمع مسعر (بكسر الميم و فتح العين) ، و مسعر الحرب: موقدها و مهيجها، و هو من صيغ المبالغة.

[5]المقارعة: أصلها المضاربة بالسيوف في الحرب، و لعل المقصود بها هنا: المصاولة باللسان. و ظاهر العبارة أن عمرا يرى أن السيف هو أعظم السلاح، بدليل قوله فيما نقله الأبشيهي في «المستطرف» في وصف السيف (1: 22) «هو العدة عند الشدة» . و انظر «سرح العيون، في شرح رسالة ابن زيدون» (ص 312) .

[6]في «مروج الذهب» للمسعودي (1: 217 دار الرجاء) : أ توعدني... بأنعم عيشة.

[7]في «مروج الذهب» :

فكم قد كان قبلك من مليك # عظيم ظاهر....

[8]الشطر الأول في «مروج الذهب» : «فأصبح أهله بادوا و أمسى» . و زاد بعده البيت:

فلا يغررك ملكك كل ملك # يصير مذلة بعد الشماس‏

.

[9]كععت: ضعفت و جبنت.

[10]مثفاة: منصوبة على الأثافي، استعدادا للطبخ.

[11]حجرة: جانبا و ناحية.

318

قد خرجت من خيمتها، فجلست بين صواحب لها، ثم‏[1]دعت وليدة من ولائدها، فقالت: ادعي فلانا. فدعت لها برجل من الحي، فقالت له: إن نفسي تحدّثني أن خيلا تغير على الحي، فكيف أنت إن زوجتك نفسي؟فقال: أفعل و أصنع، و جعل يصف نفسه فيفرط. فقالت له: انصرف حتى أرى رأيي. و أقبلت على صواحباتها، فقالت: ما عنده خير، ادعى لي فلانا. فدعت بآخر. فخاطبته بمثل ما خاطبت به صاحبه، فأجابها بنحو جوابه، فقالت له: انصرف حتى أرى رأيي. و قالت لصواحباتها: و لا عند هذا خير أيضا. ثم قالت للوليدة ادعي لي ربيعة بن مكدّم. فدعته، فقالت له مثل قولها للرجلين، فقال لها: إن أعجز العجز وصف المرء نفسه، و لكني إذا لقيت أعذرت، و حسب المرء غناء أن يعذر. فقالت له: قد زوّجتك نفسي، فاحضر غدا مجلس الحي، ليعلموا ذلك. فانصرف من عندها، و انتظرت حتى ذهب الليل، و لاح الفجر، فخرجت/من مكمني، و ركبت فرسي، و قلت لخيلي: أغيري، فأغارت، و تركتها و قصدت نحو النسوة و مجلسهن، فكشفت عن خيمة المرأة، فإذا أنا بامرأة تامة الحسن. فلما ملأت بصرها مني، أهوت إلي درعها فشقته و قالت: وا ثكلاه؟و اللّه ما أبكي على مال و لا تلاد، و لكن على أخت من وراء هذا القوز[2]، تبقى بعدي في مثل هذا الغائط، فتهلك ضيعة، و أومأت بيدها إلى قوز رمل إلى جانبهم. فقلت:

هذه غنيمة من وراء غنيمة. فدفعت فرسي حتى أوفيت على الأيفاع، فإذا أنا برجل جلد نجد، أهلب‏[3]أغلب، يخصف نعله، و إلى جنبه فرسه و سلاحه. فلما رآني رمى بنعله، ثم استوى على فرسه، و أخذ رمحه، و مضى و لم يحفل بي. فطفقت أشجره بالرمح خفقا[4]، و أقول له: يا هذا استأسر[5]. فمضى ما يحفل بي، حتى أشرف على الوادي. فلما رأى الخيل تحوي إبله استعبر باكيا، و أنشأ يقول:

قد علمت إذ[6]منحتني فاها # أني سأحوي اليوم من حواها

بل ليت‏[7]شعري اليوم من دهاها

فأجبته:

عمرو على طول الوجى‏[8]دهاها # بالخيل يحميها على وجاها[9]

حتى إذا حل بها احتواها[10]

فحمل عليّ و هو يقول:

[1]سقط من أ، م بقية أخبار ربيعة بن مكدم، و أول أخبار المغيرة بن شعبة.

[2]القوز بالفتح: الرمل المستدير المرتفع.

[3]الأهلب: الكثير شعر الرأس و الجسد. و عبارة المسعودي في «مروج الذهب» (ج 1 ص 218) : فإذا أنا بغلام أصهب الشعر أهذب.

و لعله محرف عن أهلب أو أهدب بالدال، و هو الكثير شعر العينين.

[4]شجره بالرمح: طعنه حتى اشتبك فيه. و الخفق: الضرب بشي‏ء عريض، و لعله يريد أنه يضربه بزج الرمح لا بسنانه، أو لعله الضرب الخفيف، من الخفقة، و هي النعسة الخفيفة.

[5]استأسر: كن أسيرا لي.

[6]في «مروج الذهب» : أقول لما. و بعده: «و ألبستني بكرة رداها» .

[7]كذا في ف، مب. و في الأصول: يا ليت. و في «مروج الذهب» : فليت.

[8]الوجى: الحفا، و هو أن يرق القدم أو الحافر و ينسحج من طول السفر. و في «المروج» : الردى.

[9]في «المروج» : «بالخيل تتبعها على هواها» .

[10]في «المروج» : حواها.

319

أهون بنضر العيش في دار ندم # أفيض دمعا كلما فاض انسجم

أنا ابن عبد اللّه‏[1]محمود الشيم # مؤتمن الغيب و فيّ بالذمم

أكرم‏[2]من يمشي بساق و قدم # كالليث إن هم بتقصام قصم‏

فحملت عليه و أنا أقول:

أنا ابن ذي التقليد في الشهر الأصمّ # أنا ابن ذي الإكليل قتال البهم‏[3]

من يلقني يود كما أودت إرم # أتركه لحما على ظهر وضم‏[4]

/و حمل علي و هو يقول:

هذا حمى قد غاب عنه ذائده # الموت ورد و الأنام وارده‏

و حمل علي فضربني، فرغت و أخطأني، فوقع سيفه في قربوس‏[5]السرج، فقطعه و ما تحته، حتى هجم على مسح الفرس. ثم ثنّى بضربة أخرى، فرغت و أخطأني، فوقع سيفه على مؤخر السرج فقطعه حتى وصل إلى فخذ الفرس، و صرت راجلا. /فقلت: ويحك!من أنت؟فو اللّه ما ظننت أحدا من العرب يقدم عليّ إلا ثلاثة: الحارث بن ظالم، للعجب و الخيلاء؛ و عامر بن الطفيل للسن و التجربة؛ و ربيعة بن مكدم للحداثة و الغرّة، فمن أنت ويلك؟قال: بل الويل لك، فمن أنت؟قلت: عمرو بن معد يكرب، قال: و أنا ربيعة بن مكدم. قلت: يا هذا، إني قد صرت راجلا، فاختر مني إحدى ثلاث، إن شئت اجتلدنا بسيفينا حتى يموت الأعجز، و إن شئت اصطرعنا، فأينا صرع صاحبه حكم فيه؛ و إن شئت سالمتك و سالمتني. قال: الصلح إذن إن كان لقومك فيك حاجة، و ما بي أيضا على قومي هوان. قلت: فذاك لك. و أخذت بيده، حتى أتيت أصحابي، و قد حازوا نعمه، فقلت: هل تعلمون أني كععت عن فارس قطّ من الأبطال إذا لقيته؟قالوا: نعيذك من ذاك. قال: قلت: فانظروا هذا النعم الذي حزتموه، فخذوه مني غدا في بني زبيد، فإنه نعم هذا الفتى، و اللّه لا يوصل إلى شي‏ء منه و أنا حيّ. فقالوا لحاك اللّه فارس قوم!أشقيتنا[6]حتى إذا هجمنا على الغنيمة الباردة فثأتنا[7]عنها. قال: قلت إنه لا بد لكم من ذلك، و أن تهبوها لي و لربيعة بن مكدم. فقالوا: و إنه لهو؟قلت: نعم. فردوها و سالمته، فأمن حربي و أمنت حربه حتى هلك.

و في بعض هذه الأراجيز التي جرت بين عمرو بن معد يكرب و ربيعة بن مكدم غناء، نسبته، و قد جمع شعراهما معا في لحن واحد، و هو:

[1]في «المروج» : أنا عبيد اللّه.

[2]في «المروج» : و خير. و بعده: «عدوه يفديه من كل السقم» .

[3]التقليد: أن يجعل في عنق البدنة و نحوها شيئا يعلم به أنه هدى. و الشهر الأصم: رجب، لأنه كان لا يسمع فيه صوت مستغيث و لا حركة قتال و لا قعقعة سلاح، لأنه من الأشهر الحرم. و الإكليل: كذا في «المروج» ، و هو التاج، و كان عمرو بن معد يكرب الزبيدي من اليمن، و ملوكهم يلبسون التيجان. و في مب: أنا ابن عبد اللّه. و في بقية الأصول: أنا ابن ذي الأكال.

[4]الوضم: الخوان من الخشب أو نحوه يقطع عليه القصاب اللحم. و يقال: فلان لحم على وضم، مثل يضرب للذليل.

[5]القربوس كحلزون: حنو السرج أي الجزء المرتفع من مقدمه و من مؤخره. و المسح: ثوب غليظ من الشعر يجعل تحت السرج.

[6]كذا في مب. و في ف: أسقيتنا. و في بقية الأصول: أنسأتنا.

[7]فثأه: ثبط عزيمته و سكنه.

320
صوت‏

أنا ابن ذي التقليد في الشهر الأصمّ # أنا ابن عبد اللّه قتّال البهم

أكرم من يمشي بساق و قدم # من يلقني يود كما أودت إرم

أتركه لحما على ظهر و ضم # كالليث إن همّ بتقصام قصم

مؤتمن الغيب و فيّ بالذمم‏

ذكر أحمد بن يحيى المكي: أن الغناء في هذا الشعر لحنين، خفيف ثقيل، بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، و ذكر الهشاميّ أنه لابن سرجيس الملقب بقراريط.

حدّثني قمرية العمرية جارية عمرو بن بانة، أنها أخذت عن أحمد بن العلاء هذا اللحن، فقال لها: انظري أيّ صوت أخذت، فو اللّه لقد أخذته عن مخارق، فلما استوى لي قال لي مخارق: انظر أي صوت أخذت، فو اللّه لقد أخذته عن يحيى المكي، فلما غنيته الرشيد أطربه، فوهب ليحيى عشرة آلاف درهم.

أجود بيت في وصف الطعنة

أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدّثني محمد بن الحسن الأحول، عن الطّرسوسيّ، عن ابن الأعرابيّ، قال:

أجود بيت و صفت به الطعنة قول أهبان بن عادياء قاتل ربيعة بن مكدم، حيث يقول:

و لقد طعنت ربيعة بن مكدم # يوم الكديد فخرّ غير موسّد

في ناقع شرقت بما في جوفه # منه بأحمر كالعقيق المجسد

صوت‏

أدركت ما منيت نفسي خاليا # للّه درك يا ابنة النعمان!

إني لحلفك بالصليب مصدق # و الصّلب‏[2]أصدق حلفة الرهبان

و لقد رددت على المغيرة ذهنه # إن الملوك بطيئة الإذعان

يا هند حسبك قد صدقت فأمسكي # و الصدق خير مقالة الإنسان‏

الشعر للمغيرة بن شعبة الثقفي، يقوله في هند بنت النعمان بن المنذر، و قد خطبها فردّته. و خبره في ذلك و غيره يذكرها هنا إن شاء اللّه. و الغناء لحنين، ثاني ثقيل بالبنصر، عن الهشاميّ و إبراهيم.

[1]سقط هذا الصوت و أول ترجمة المغيرة من جميع النسخ عدا (ف، مب) . و قد نشر في مجلة جمعية المستشرقين الألمانيين في المجلد الخمسين سنة 1896 صفحة 145. و نثبت الساقط عن هذه الأصول الثلاثة.

[2]الصلب، بضم الصاد و اللام: جمع صليب، و سكنت اللام للشعر.

تنبيه-أوردت (ف، مب) بعد أخبار ربيعة بن مكدم صوتا من الغناء، من شعر عنترة، ثم أوردتا: «ذكر عنتره و نسبه و أخباره» ، ثم ذكرتا «أخبار المغيرة و نسبه» .