الأغاني - ج17

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
255 /
5

الجزء السابع عشر

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

1-ذكر الكميت و نسبه و خبره‏

نسبه‏

هو الكميت‏[1]بن زيد بن خنيس‏[2]بن مجالد بن وهيب بن عمرو بن سبيع. و قيل: الكميت بن زيد بن خنيس بن مجالد بن ذؤيبة بن قيس بن عمرو بن سبيع بن مالك بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. شاعر مقدّم، عالم بلغات العرب، خبير بأيامها، من شعراء مضر و ألسنتها، و المتعصّبين على القحطانية، المقارنين المقارعين لشعرائهم، العلماء بالمثالب و الأيام، المفاخرين بها. و كان في أيام بني أميّة، و لم يدرك الدولة العبّاسيّة، و مات قبلها.

تشيعه لبني هاشم‏

و كان معروفا بالتشيّع لبني هاشم، مشهورا بذلك، و قصائده الهاشميّات من جيّد شعره و مختاره.

مناقضة دعبل و ابن أبي عيينة لقصيدته المذهبة

و لم تزل عصبيّته للعدنانية و مهاجاته شعراء اليمن متّصلة، و المناقضة بينه و بينهم شائعة في حياته و بعد وفاته، حتى ناقض دعبل و ابن أبي عيينة قصيدته المذهبة[3]بعد وفاته، و أجابهما أبو البلقاء[4]البصريّ مولى بني هاشم عنها، و ذلك يذكر في موضع آخر يصلح له من هذا الكتاب إن شاء اللّه‏[5].

كان معلم صبيان‏

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم، عن الأصمعيّ، عن خلف الأحمر: أنه رأى الكميت يعلّم الصبيان في مسجد بالكوفة.

[1]من يقال له الكميت ثلاثة من بني أسد بن خزيمة؛ هم: الكميت الأكبر بن ثعلبة بن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس.

و الكميت بن معروف بن الكميت الأكبر. و الكميت بن زيد هذا. (المؤتلف و المختلف للآمدي 257) .

[2]و كذا في تاريخ الإسلام للذهبي 5: 127، و في المؤتلف و المختلف، و اللآلئ، و الخزانة: الأخنس، و في تجريد الأغاني: حبيش، بالحاء المهملة، تصحيف.

[3]المذهبات التي في جمهرة أشعار العرب ليس من بينها قصيدة الكميت.

[4]في هب: «أبو الذلفاء» ، و في ب، س، و «المختار» : «أبو الزلفاء» .

[5]هذا الموضع هو ترجمة دعبل في الجزء الثامن عشر ص 29 (بولاق) .

6

مودته للطرماح مع اختلاف المذهب و العصبية

قال ابن قتيبة في خبره خاصة: و كانت بينه و بين الطّرمّاح خلطة و مودّة و صفاء لم يكن بين اثنين‏[1]، قال‏[2]:

فحدّثني بعض أصحابه عن محمد بن سهل راوية الكميت، قال: أنشدت الكميت قول الطّرمّاح:

إذا قبضت نفس الطّرمّاح أخلقت # عرا المجد و استرخى عنان القصائد

قال: إي و اللّه و عنان الخطابة و الرواية. قال: و هذه الأحوال بينهما على تفاوت المذاهب و العصبيّة و الدّيانة؛ كان الكميت شيعيّا عصبيّا عدنانيا من شعراء مضر، متعصّبا لأهل الكوفة، و الطرمّاح خارجيّ صفريّ قحطانيّ عصبيّ لقحطان، من شعراء اليمن، متعصب لأهل الشام، فقيل لهما: ففيم اتفقتما هذا الاتفاق مع اختلاف سائر الأهواء[3] ؟قال: اتفقنا على بغض العامة.

علمه بأيام العرب و أشعارها

أخبرني عمي قال: حدثني محمد بن سعد الكرانيّ، قال: حدّثنا أبو عمر العمريّ، عن لقيط، قال:

اجتمع الكميت بن زيد و حمّاد الراوية في مسجد الكوفة، فتذاكرا أشعار العرب و أيّامها، فخالفه حماد في شي‏ء و نازعه، فقال له الكميت: أ تظنّ أنّك أعلم منّي بأيام العرب و أشعارها؟قال: و ما هو إلا الظنّ!هذا و اللّه هو اليقين. فغضب الكميت ثم قال له: لكم شاعر بصير، يقال له عمرو ابن فلان، تروي؟و لكم شاعر أعور أو أعمى‏[4] اسمه فلان ابن عمرو، تروي؟فقال حماد قولا لما يحفظه: فجعل الكميت يذكر رجلا رجلا من صنف صنف، /و يسأل حمّادا: هل يعرفه؟فإذا قال: لا، أنشده من شعره جزءا منه حتى ضجرنا.

مساءلته حمادا عن شي‏ء من الشعر و تفسيره‏

ثم قال له الكميت: فإني سائلك عن شي‏ء من الشّعر، فسأله عن قول الشاعر[5]:

طرحوا أصحابهم في ورطة # فذفك المقلة شطر المعترك‏[6]

فلم يعلم حمّاد تفسيره، فسأله عن قول الآخر:

تدرّيننا بالقول حتى كأنما # تدرّين ولدانا تصيد الرّهادنا

فأفحم حمّاد، فقال له: قد أجّلتك إلى الجمعة الأخرى، فجاء حماد و لم يأت بتفسيرهما، و سأل الكميت أن يفسّرهما له، فقال: المقلة: حصاة أو نواة من نوى المقل يحملها القوم معهم إذا سافروا، و توضع في الإناء و يصبّ عليها الماء حتى يغمرها، فيكون ذلك علامة يقتسمون بها الماء. و الشّطر: النّصيب. و المعترك: الموضع الذي يختصمون فيه في الماء، فيلقونها هناك عند الشّرّ. و قوله: «تدرّيننا» ، يعني النساء، أي ختلننا فرميننا. و الرهادن:

طير بمكة كالعصافير.

[1]الخبر في الشعر و الشعراء 562.

[2]الخبر في الشعر و الشعراء 567.

[3]في أ: «مع سائر اختلاف» .

[4]في المختار: «لكم شاعر أعمى يقال له فلان ابن عمر» .

[5]هو يزيد بن طعمة الخطمي. اللسان «مقل» ، مجالس العلماء 216.

[6]في أ: «وسط المعترك» .

7

سبب حفيظة خالد القسري عليه‏

و كان خالد بن عبد اللّه القسريّ-فيما حدّثني به عيسى بن الحسين الورّاق، قال: أخبرنا أحمد بن الحارث الفزاريّ عن ابن الأعرابيّ، و ذكره محمد بن أنس السّلاميّ عن المستهلّ بن الكميت، و ذكره ابن كناسة عن جماعة من بني أسد-[قد بلغه‏]أنّ الكميت أنشد قصيدته التي يهجو فيها اليمن، و هي:

ألا حيّيت عنّا يا مدينا[1]

احتيال خالد لإثارة هشام عليه‏

فأحفظته عليه، فروّى جارية حسناء قصائده الهاشميات، و أعدّها ليهديها إلى هشام، و كتب إليه بأخبار الكميت و هجائه بني أميّة، و أنفذ إليه قصيدته التي يقول فيها:

فيا ربّ هل إلاّ بك النّصر يبتغى # و يا ربّ هل إلاّ عليك المعوّل![2]

حبسه و كتاب أبان بن الوليد إليه بطريقة هروبه‏

و هي طويلة يرثي فيها[3]زيد بن عليّ، و ابنه الحسين بن زيد، و يمدح بني هاشم. فلما قرأها أكبرها و عظمت عليه، و استنكرها، و كتب إلى خالد يقسم عليه أن يقطع الكميت و يده. فلم يشعر الكميت إلاّ و الخيل محدقة بداره، فأخذ و حبس في المخيّس‏[4]، و كان أبان بن الوليد عاملا على واسط، و كان الكميت صديقه، فبعث إليه بغلام على بغل، و قال له: أنت حرّ إن لحقته، و البغل لك. و كتب إليه: قد بلغني ما صرت إليه، و هو القتل، إلا أن يدفع اللّه عزّ و جلّ، و أرى لك أن تبعث إلى حبّي-يعني زوجة الكميت و هي بنت نكيف بن عبد الواحد، و هي ممّن يتشيّع أيضا-فإذا دخلت إليك تنقّبت نقابها، و لبست ثيابها و خرجت، فإني أرجو إلاّ يؤبه لك.

فأرسل الكميت إلى أبي وضّاح حبيب بن بديل، و إلى فتيان من بني عمّه من مالك بن سعيد، فدخل عليه حبيب فأخبره الخبر، و شاوره فيه، فسدّد رأيه، ثم بعث إلى حبّي امرأته، فقصّ عليها القصة، و قال لها: أي ابنة عمّ، إن الوالي لا يقدم عليك، و لا يسلمك قومك، و لو خفته عليك لما عرّضتك له. /فألبسته ثيابها و إزارها و خمّرته‏[5]، و قالت له: أقبل و أدبر؛ ففعل، فقالت: ما أنكر منك شيئا إلاّ يبسا في كتفك، فاخرج على اسم اللّه.

امرأته حبّى مكانه في السجن‏

/و أخرجت معه جارية لها، فخرج و على باب السجن أبو وضّاح، و معه فتيان من أسد، فلم يؤبه له، و مشى [1]عجزة:

و هل بأس بقول مسلّمينا

الخزانة 1: 86، و قوله: «يا مدينا» أراد: «يا مدينة» فرخم.

[2]الهاشميات 70.

[3]في هامش أ: «هذا غلط من وجهين: أحدهما إيفاد خالد إلى بمرثية زيد، و زيد إنما قتل في إمارة يوسف بن عمر بعد خالد.

و الثاني في جعله الحسين بن زيد مرثيا أيضا و الحسين لم يقتل، و كان ممن يرى الخروج» .

[4]المخيس، كمعظم و محدّث: السجن.

[5]خمرته: ألبسته خمارها.

8

و الفتيان بين يديه إلى سكّة شبيب بناحية الكناسة[1]، فمرّ بمجلس من مجالس بني تميم، فقال بعضهم: رجل و ربّ الكعبة. و أمر غلامه فاتّبعه، فصاح به أبو الوضّاح: يا كذا و كذا، لا أراك تتبع هذه المرأة منذ اليوم. و أومأ إليه بنعله، فولّى العبد مدبرا، و أدخله أبو الوضّاح منزله.

كشف أمره‏

و لمّا طال على السجّان الأمر نادى الكميت فلم يجبه، فدخل ليعرف خبره، فصاحت به المرأة: وراءك، لا أمّ لك!فشقّ ثوبه، و مضى صارخا إلى بابا خالد، فأخبره الخبر، فأحضر حبّي فقال لها: يا عدوّة اللّه، احتلت على أمير المؤمنين، و أخرجت عدوّه، لأمثّلنّ بك و لأصنعنّ و لأفعلنّ. فاجتمعت بنو أسد إليه. و قالوا: ما سبيلك على امرأة منّا خدعت. فخافهم فخلّى سبيلها.

خبرته بزجر الطير

قال: و سقط غراب على الحائط فنعب، فقال الكميت لأبي وضّاح: إني لمأخوذ، و إنّ حائطك لساقط. فقال:

سبحان اللّه!هذا ما لا يكون إن شاء اللّه. فقال له: لا بدّ من أن تحوّلني. فخرج به إلى بني علقمة-و كانوا يتشيّعون- فأقام فيهم و لم يصبح حتى سقط الحائط الذي سقط عليه الغراب.

خروجه إلى الشأم‏

قال ابن الأعرابيّ: قال المستهلّ: و أقام الكميت مدة متواريا، حتى إذا أيقن أنّ الطلب قد خفّ عنه خرج ليلا في جماعة من بني أسد، على خوف و وجل، و فيمن معه صاعد غلامه، قال: و أخذ الطريق على القطقطانة[2] -و كان عالما بالنجوم مهتديا بها-فلما صار سحير[3]صاح بنا: هوّموا[4]يا فتيان، فهوّ منا، و قام يصلّي.

أطعم ذئبا فهداه الطريق‏

قال المستهلّ: فرأيت شخصا فتضعضعت له، فقال: ما لك؟قلت: أرى شيئا مقبلا، فنظر إليه فقال: هذا ذئب قد جاء يستطعمكم، فجاء الذئب فربض ناحية، فأطعمناه يد جزور، فتعرّقها، ثم أهوينا له بإناء فيه ماء فشرب منه، و ارتحلنا، فجعل الذئب يعوي، فقال الكميت: ما له ويله!أ لم نطعمه و نسقه!و ما أعرفني بما يريد!هو يعلمنا أنّا لسنا على الطريق؛ تيامنوا يا فتيان، فتيامنّا فسكن عواؤه.

تواريه و سعي رجالات قريش في خلاصه‏

فلم نزل نسير حتى جئنا الشام، فتوارى في بني أسد و بني تميم، و أرسل إلى أشراف قريش-و كان سيّدهم يومئذ عنبسة بن سعيد بن العاص-فمشت رجالات قريش بعضها إلى بعض، و أتوا عنبسة، فقالوا: يا أبا خالد، هذه مكرمة قد أتاك اللّه بها، هذا الكميت بن زيد لسان مضر، و كان أمير المؤمنين كتب في قتله، فنجا حتى تخلّص إليك [1]في ب و المختار: «الكناس» ، و الكناسة: محلة بالكوفة، و كناس: موضع في بلا غني. (ياقوت) .

[2]القطقطانة: موضع بالكوفة، كان به سجن للنعمان بن المنذر.

[3]صار هنا تامة.

[4]هوّموا: ناموا نوما خفيفا؛ يريد: استريحوا، و أغفوا إغفاءة.

9

و إلينا. قال: فمروه أن يعوذ بقبر معاوية بن هشام بدير[1]حنيناء. فمضى الكميت، فضرب فسطاطه عند قبره، و مضى عنبسة فأتى مسلمة بن هشام، فقال له: يا أبا شاكر، مكرمة أتيتك بها تبلغ الثّريّا إن اعتقدتها، فإن اعتقدتها، فإن علمت أنك تفي بها و إلاّ كتمتها. قال: و ما هي؟فأخبره الخبر، /و قال: إنه قد مدحكم عامّة، و إياك خاصة بما لم يسمع بمثله. فقال: عليّ خلاصه.

مسلمة بن هشام يطلب الأمان له‏

فدخل على أبيه هشام و هو عند أمّه في غير وقت دخول، فقال هشام: أ جئت لحاجة؟قال: نعم، قال: هي مقضيّة إلاّ أن يكون الكميت. فقال: ما أحبّ أن تستثني عليّ في حاجتي، و ما أنا و الكميت!فقالت أمّه: و اللّه لتقضينّ حاجته كائنة ما كانت. قال: قد قضيتها و لو أحاطت بما بين قطريها. قال: هي الكميت يا أمير المؤمنين، و هو آمن بأمان اللّه عزّ و جل و أماني، و هو شاعر مضر، /و قد قال فينا قولا لم يقل مثله، قال: قد أمّنته، و أجزت أمانك له، فاجلس له مجلسا ينشدك فيه ما قال فينا.

هشام يعقد له مجلسا يسمع فيه مدائحه في بني أمية

فعقد له، و عنده الأبرش الكلبيّ، فتكلّم بخطبة ارتجلها ما سمع بمثلها قطّ، و امتدحه بقصيدته الرّائية، و يقال:

إنه قالها ارتجالا، و هي قوله:

قف بالديار وقوف زائر[2]

فمضى فيها حتى انتهى إلى قوله:

ما ذا عليك من الوقو # ف بها و أنك غير صاغر

درجت عليها الغاديا # ت الرّائحات من الأعاصر

و فيها يقول:

فالآن صرت إلى أميّة # و الأمور إلى المصاير

و جعل هشام يغمز مسلمة بقضيب في يده، فيقول: اسمع، اسمع.

/ثم استأذنه في مرثيّة ابنه معاوية، فأذن له، فأنشده قوله‏[3]:

سأبكيك للدّنيا و للدّين إنني # رأيت يد المعروف بعدك شلّت

فدامت عليك بالسلام تحية # ملائكة اللّه الكرام و صلّت‏

فبكى هشام بكاء شديدا، فوثب الحاجب فسكّته.

ثم جاء الكميت إلى منزله آمنا، فحشدت له المضريّة بالهدايا، و أمر له مسلمة بعشرين ألف درهم، و أمر له [1]دير حنيناء: من أعمال دمشق. (ياقوت) .

[2]صدر بيت، و عجزة:

و تأيّ إنّك غير صاغر

و تأي: تلبث و أمكث.

[3]الهاشميات 93.

10

هشام بأربعين ألف درهم. و كتب إلى خالد بأمانه و أمان أهل بيته، و أنه لا سلطان له عليهم.

قال: و جمعت له بنو أميّة بينها مالا كثيرا. قال: و لم يجمع من قصيدته تلك يومئذ إلاّ ما حفظه الناس منها فألف. و سئل عنها، فقال: ما أحفظ منها شيئا؛ إنما هو كلام ارتجلته.

فقال: و ودّع هشاما، و أنشده قوله فيه:

ذكر القلب إلفه المذكورا

سبقه الشعراء إلى معنى في صفة الفرس‏

قال محمد بن كناسة: و كان الكميت يقول: سبقت الناس في هذه القصيدة من أهل الجاهلية و الإسلام إلى معنى ما سبقت إليه في صفة الفرس حين أقول:

يبحث التّرب عن كواسر في المشـ # رب لا يجشم السّقاة الصّفيرا

هذه رواية ابن عمار. و قد روى فيه غير هذا.

رواية أخرى في سبب المنافرة بينه و بين خالد

و قيل في سبب المنافرة بين خالد و الكميت غير هذا، نسخته من كتاب محمد بن يحيى الخرّاز، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم الحاسب، قال: حدثني عبد الرحمن بن داود بن أبي أميّة البلخيّ، قال:

/كان حكيم بن عيّاش‏[1]الأعور الكلبيّ ولعا بهجاء مضر، فكانت شعراء مضر تهجوه و يجيبهم، و كان الكميت يقول: هو و اللّه أشعر منكم. قالوا: فأجب الرجل. قال: إنّ خالد بن عبد اللّه القسريّ محسن إليّ فلا أقدر أن أردّ عليه، قالوا: فاسمع بأذنك ما يقول في بنات عمّك و بنات خالك من الهجاء، و أنشدوه ذلك؛ فحمي الكميت لعشيرته، فقال المذهبة[2].

ألا حيّيت عنّا يا مدينا

فأحسن فيها، و بلغ خالدا خبرها. فقال: لا أبالي ما لم يجر لعشيرتي ذكر، فأنشدوه قوله:

و من عجب عليّ لعمر أمّ # غذتك و غير هاتيا يمينا[3]

تجاوزت المياه بلا دليل # و لا علم تعسّف مخطئينا

فإنك و التحوّل من معدّ # كهيلة قبلنا و الحالبينا[4]

تخطّت خيرهم حلبا و نسئا[5] # إلى المولى المغادر هاربينا[6]

/كعنز السّوء تنطح عالفيها # و ترميها عصيّ الذابحينا[7]

[1]في أ: «حكيم بن عباس» .

[2]المذهبة: لقب هذه القصيدة، و انظر حاشية 3 ص 3.

[3]في ما: «تيّامنينا» ، و في أ: «تتأيمينا» .

[4]في أ، ب: «و الجالبينا» .

[5]النس‏ء: اللبن الرقيق الكثير الماء، و في ب: «و مسنّا» .

[6]في ما: «إلى الوالي» ، و المثبت في أ، ب.

[7]في أ: «و ترضيا» تحريف.

11

فبلغ ذلك خالدا، فقال: فعلها!و اللّه لأقتلنّه. ثم اشترى ثلاثين جارية بأغلى ثمن، و تخيّرهنّ نهاية في حسن الوجوه و الكمال و الأدب، فروّاهنّ/الهاشميّات، و دسّهنّ مع نخّاس إلى هشام بن عبد الملك، فاشتراهنّ جميعا، فلما أنس بهنّ استنطقهنّ، فرأى فصاحة و أدبا، فاستقرأهنّ القرآن، فقرأن، و استنشدهنّ الشعر، فأنشدنه قصائد الكميت الهاشميّات. فقال: ويلكنّ!من قائل هذا الشعر؟قلن: الكميت بن زيد الأسديّ. قال: و في أيّ بلد هو؟ قلن: في العراق، ثم بالكوفة. فكتب إلى خالد و هو عامله على العراق: ابعث إليّ برأس الكميت بن زيد، فبعث خالد إلى الكميت في الليل، فأخذه و أودعه السّجن. و لما كان من الغد أقرأ من حضره من مضر كتاب هشام، و اعتذر إليهم من قتله، و آذنهم في إنفاذ الأمر فيه في غد، فقال لأبان بن الوليد البجليّ-و كان صديقا للكميت-:

انظر ما ورد في صديقك. فقال: عزّ عليّ و اللّه‏[ما]به، ثم قام أبان، فبعث إلى الكميت فأنذره، فوجّه إلى امرأته.

مسلمة بن هشام يجيره و يحتال في خلاصه‏

ثم ذكر الخبر في خروجه و مقامها مكانه، كما ذكر من تقدّمه. و قال فيه: فأتى مسلمة بن عبد الملك فاستجار به، فقال: إني أخشى ألاّ ينفعك جواري عنده، و لكن استجر بابنه مسلمة بن هشام. فقال: كن أنت السفير بيني و بينه في ذلك، ففعل مسلمة، و قال لابن أخيه: قد أتيتك بشرف الدّهر، و اعتقاد الصّنيعة في مضر، و أخبره الخبر؛ فأجاره مسلمة بن هشام. و بلغ ذلك هشاما فدعا به، ثم قال: أ تجير على أمير المؤمنين بغير أمره؟!فقال: كلاّ، و لكني انتظرت سكون غضبه. قال: أحضرنيه الساعة، فإنه لا جوار لك. فقال مسلمة للكميت: يا أبا المستهلّ، إنّ أمير المؤمنين أمرني بإحضارك. قال: أ تسلمني يا أبا شاكر؟قال: كلاّ، و لكني أحتال لك، ثم قال له: إنّ معاوية بن هشام مات قريبا، و قد جزع عليه جزعا شديدا، فإذا كان/من الليل فاضرب رواقك على قبره، و أنا أبعث إليك بنيه يكونون معك في الرّواق، فإذا دعا بك تقدّمت إليهم أن يربطوا ثيابهم بثيابك، و يقولوا: هذا استجار بقبر أبينا، و نحن أحقّ من أجاره.

فأصبح هشام على عادته متطلّعا من قصره إلى القبر، فقال: من هذا؟فقالوا: لعلّه مستجير بالقبر!فقال:

يجار من كان إلاّ الكميت؛ فإنه لا جوار له. فقيل: فإنه الكميت، قال: يحضر أعنف إحضار. فلما دعي به ربط الصبيان ثيابهم بثيابه. فلما نظر هشام إليهم اغرورقت عيناه و استعبر، و هم يقولون: يا أمير المؤمنين، استجار بقبر أبينا، و قد مات، و مات حظّه من الدنيا، فاجعله هبة له و لنا، لا تفضحنا فيمن استجار به. فبكى هشام حتى انتحب، ثم أقبل على الكميت فقال له: يا كميت، أنت القائل:

و إلاّ تقولوا غيرها تتعرّفوا # نواصيها تردي بنا و هي شزّب‏[1]

خطبته بين يدي هشام و إنشاده بعض مدائحه في بني أمية

فقال: لا، و اللّه، و لا أتان من أتن الحجاز وحشيّة، فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على نبيّه، ثم قال: أمّا بعد فإنّي كنت أتدهدى‏[2]في غمرة، و أعوم في بحر غواية، أخنى عليّ خطلها، و استفزّني وهلها[3]؛ فتحيّرت في [1]ردى يردى، إذا رجم الأرض رجما بين العدو و المشي الشديد. و الشازب: الذي فيه ضمور، و جمعه شزّب.

[2]أتدهدى: أتقلّب و أتلوى.

[3]الوهل: الفزع.

12

الضّلالة، و تسكّعت في الجهالة، مهرعا[1]عن الحقّ، جائرا عن القصد، /أقول الباطل ضلالا، و أفوه بالبهتان وبالا، و هذا مقام العائذ مبصر الهدى، و رافض العمى‏[2]فاغسل عنّي يا أمير المؤمنين الحوبة[3]بالتّوبة، و اصفح عن الزّلة، و اعف عن الجرمة[4]، ثم قال‏[5]:

كم قال قائلكم: لعا # لك، عند عثرته لعاثر[6]

و غفرتم لذوي الذنو # ب من الأكابر و الأصاغر

أ بني أمية إنكم # أهل الوسائل و الأوامر

ثقتي لكلّ ملمّة # و عشيرتي دون العشائر

أنتم معادن للخلا # فة كابرا من بعد كابر

بالتّسعة المتتابعيـ # ن خلائفا و بخير عاشر[7]

و إلى القيامة لا تزا # ل لشافع منكم و واتر

ثم قطع‏[8]الإنشاد و عاد إلى خطبته، فقال: إغضاء أمير المؤمنين و سماحته و صباحته، و مناط المنتجعين بحبله، من لا تحلّ حبوته لإساءة المذنبين، فضلا عن استشاطة غضبه بجهل الجاهلين.

محاورة بينه و بين هشام في شعر قاله في بني أمية

فقال له: ويلك يا كميت!من زيّن لك الغواية، و دلاّك في العماية؟قال: الذي أخرج أبانا من الجنّة، و أنساه العهد، فلم يجد له عزما. فقال: إيه!أنت القائل:

فيا موقدا نارا لغيرك ضوأها # و يا حاطبا في غير حبلك تحطب‏

فقال: بل أنا القائل‏[9]:

/

إلى آل بيت أبي مالك # مناخ هو الأرحب الأسهل

نمتّ بأرحامنا الدّاخلا # ت من حيث لا ينكر المدخل

ببرّة و النّضر و المالكي[10] # ن رهط هم الأنبل الأنبل‏

[1]مهرعا: منصرفا.

[2]في أ: «العماية» .

[3]الحوبة: الخطيئة و الإثم.

[4]الجرمة: مثل كلمة: الذنب.

[5]الهاشميات 92.

[6]يقال للعائر: لعا لك، دعا له بالإقالة و الابتعاد.

[7]لم يرد في الهاشميات.

[8]في أ: «و قطع» .

[9]الهاشميات 93.

[10]في أ و المختار: «بمرة» ، و المثبت من ج، قال في هامشه: برة بنت مرّ، أخت تميم، كانت عند خزيمة، فولدت له أسدا ثم مات، فخلف عليها ابنه كنانة، فولدت له النضر، و هو قريش، أبو مالك. فبنو أسد ينتمون إلى قريش لهذا السبب. و البيت ليس في الهاشميات. ـ

13

و يا بني خزيمة بدر السما[1] # ء و الشمس مفتاح ما نأمل

وجدنا قريشا قريش البطاح # على ما بنى الأوّل الأوّل

بهم صلح الناس بعد الفساد # و حيص من الفتق ما رعبلوا[2]

قال له: و أنت القائل‏[3]:

لا كعبد المليك أو كوليد # أو سليمان بعد أو كهشام

من يمت لا يمت فقيدا و من‏[4]يحـ # ي فلا ذو إلّ‏[5]و لا ذو ذمام‏

ويلك يا كميت!جعلتنا ممّن لا يرقب في مؤمن إلاّ و لا ذمّة، فقال: بل أنا القائل يا أمير المؤمنين‏[6]:

فالآن صرت إلى أميّ # ة و الأمور إلى المصاير

و الآن صرت بها المصيـ # ب كمهتد بالأمس حائر

/يا بن العقائل للعقا # ئل و الجحاجحة الأخاير[7]

من عبد شمس و الأكا # بر من أميّة فالأكابر

إنّ الخلافة و الإلا # ف برغم ذي حسد و واغر[8]

دلفا من الشّرف التّليـ # د إليك بالرّفد الموافر

فحللت معتلج البطا # ح و حلّ غيرك بالظواهر[9]

/ قال له: إيه، فأنت القائل‏[10]:

فقل لبني أميّة حيث حلّوا # و إن خفت المهنّد و القطيعا[11]

أجاع اللّه من أشبعتموه # و أشبع من بجوركم أجيعا

بمرضيّ السياسة هاشميّ # يكون حيا لأمّته ربيعا

فقال: لا تثريب‏[12]يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تمحو عنّي قولي الكاذب. قال: بما ذا؟قال: بقولي الصادق‏[13]:

[1]في س: «و باري» ، و في المختار: «و بابني خزيمة و بل السماء» . و البيت ساقط من أ، ب، و لم يرد في الهاشميات أيضا.

[2]حيص: رتق و أصلح. و رعبل الثوب: قطعه و مزقه، أي حفظ من الفتق ما مزقوا.

[3]الهاشميات 26، 27.

[4]الهاشميات: «و إن» .

[5]الإلّ: للعهد و الحلف. و الذمام، بكسر الذال: الحق و الحرمة. و في ب: «آل» .

[6]الهاشميات 91.

[7]الجحاجحة: جمع جحجاح؛ و هو السيد العظيم.

[8]الواغر: الحاقد.

[9]البطاح: جمع بطحاء و أبطح، و هو المسيل الواسع فيه دقاق الحصى.

[10]الهاشميات 82.

[11]حاشية أ: «القطيع» : السوط.

[12]التثريب: اللوم.

[13]الهاشميات 93.

14

أورثته الحصان أمّ هشام # حسبا ثاقبا و وجها نضيرا

و تعاطى به ابن عائشة البد # ر فأمسى له رقيبا نظيرا

و كساه أبو الخلائف مروا # ن سنيّ المكارم المأثورا

لم تجهّم له البطاح و لكن # وجدتها له مغارا[1]و دورا

إعجاب هشام بشعره و رضاؤه عنه‏

و كان هشام متّكئا فاستوى جالسا، و قال: هكذا فليكن الشعر-يقولها لسالم بن عبد اللّه بن عمر، و كان إلى جانبه-ثم قال: قد رضيت عنك يا كميت؛ فقبّل يده، و قال: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تزيد في تشريفي، و لا تجعل لخالد عليّ إمارة!قال: قد فعلت. و كتب له بذلك، و أمر له بأربعين ألف درهم و ثلاثين ثوبا هشاميّة.

و كتب إلى خالد أن يخلّي سبيل امرأته و يعطيها عشرين ألفا و ثلاثين ثوبا. ففعل ذلك.

خالد يضربه مائة سوط

و له مع خالد أخبار بعد قدومه الكوفة بالعهد الذي كتب له، منها أنه مرّ به خالد يوما، و قد تحدّث الناس بعزله عن العراق، فلما جاز تمثّل الكميت:

أراها-و إن كانت تحبّ-كأنها # سحابة صيف عن قليل تقشّع‏

فسمعه خالد، فرجع و قال: أما و اللّه لا تنقشع حتى يغشاك‏[2]منها شؤبوب برد. ثم أمر به فجرّد، فضربه مائة سوط، ثم خلّى عنه و مضى. هذه رواية ابن حبيب.

ينذر هشاما بخالد

و قد أخبرني أحمد بن عبد اللّه بن عمّار قال: حدثنا النّوفليّ عليّ بن محمد بن سليمان أبو الحسن، قال:

حدثني أبي، قال:

كان هشام بن عبد الملك قد اتّهم خالد بن عبد اللّه-و كان يقال-إنه يريد خلعك-فوجد بباب هشام يوما رقعة فيها شعر، فدخل بها على هشام فقرئت عليه، و هي‏[3]:

تألّق برق عندنا و تقابلت # أثاف لقدر الحرب أخشى اقتبالها

فدونك قدر الحرب و هي مقرّة # لكفّيك و اجعل دون قدر جعالها[4]

/و لن تنتهي أو يبلغ الأمر حدّه # فنلها برسل قبل ألاّ تنالها[5]

فتجشم منها ما جشمت من التي # بسوراء هرّت نحو حالك حالها[6]

تلاف أمور الناس قبل تفاقم # بعقدة حزم لا تخاف انحلالها

[1]في س و الهاشميات: «معانا» .

[2]في أ: «يتغشاك» .

[3]الهاشميات 89.

[4]الجعالة: خرقة تنزل بها القدر.

[5]الرسل، بكسر الراء: الرفق و التؤدة.

[6]في س: «بسوراء أهدت» ، و المثبت من أ، ب، و هرت: صوتت. و سوراء: موضع؛ يقال: هو إلى جنب بغداد. و البيت لم يرد في الهاشميات.

15

فما أبرم‏[1]الأقوام يوما لحيلة # من الأمر إلاّ قلّدوك احتيالها[2]

و قد تخبر الحرب العوان بسرّها # -و إن لم تبح-من لا يريد سؤالها

فأمر هشام أن يجمع له من بحضرته من الرّواة، فجمعوا. فأمر بالأبيات فقرئت عليهم، فقال: شعر من تشبه هذه الأبيات؟فأجمعوا جميعا من ساعتهم أنه كلام الكميت بن زيد/الأسديّ، فقال هشام: نعم، هذا الكميت ينذرني بخالد بن عبد اللّه. ثم كتب إلى خالد بخبره، و كتب إليه بالأبيات، و خالد يومئذ بواسط.

هاشميته اللامية

فكتب خالد إلى واليه بالكوفة يأمره بأخذ الكميت و حبسه، و قال لأصحابه: إنه بلغني أنّ هذا يمدح بني هاشم و يهجو بني أمية، فأتوني من شعره هذا بشي‏ء. فأتي بقصيدته اللامية التي أوّلها[3]:

ألا هل عم في رأيه متأمّل # و هل مدبر بعد الإساءة مقبل!

فكتبها و أدرجها في كتاب إلى هشام، يقول: هذا شعر الكميت؛ فإن كان قد صدق في هذا فقد صدق في ذاك.

/فلما قرئت على هشام اغتاظ، فلما قال‏[4]:

فيا ساسة هاتوا لنا من جوابكم‏[5] # ففيكم لعمري ذو أفانين مقول‏

اشتدّ غيظه. فكتب إلى خالد يأمره أن يقطع يدي الكميت و رجليه، و يضرب عنقه و يهدم داره، و يصلبه على ترابها.

ابن عنبسة ينذره ليتخلص من الحبس‏

فلما قرأ خالد الكتاب كره أن يستفسد عشيرته، و أعلن الأمر رجاء أن يتخلّص الكميت، فقال: لقد كتب إليّ أمير المؤمنين، و إني لأكره أن أستفسد عشيرته، و سمّاه، فعرف عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد ما أراد، فأخرج غلاما له مولّدا ظريفا، فأعطاه بغلة له شقراء فارهة من بغال الخليفة، و قال: إن أنت وردت الكوفة، فأنذرت الكميت لعله أن يتخلّص من الحبس، فأنت حرّ لوجه اللّه، و البغلة لك، و لك عليّ بعد ذلك إكرامك و الإحسان إليك.

فركب البغلة و سار بقيّة يومه و ليلته من واسط إلى الكوفة فصبّحها، فدخل الحبس متنكّرا، فخبّر الكميت بالقصة، فأرسل إلى امرأته و هي ابنة عمّه يأمرها أن تجيئه و معها ثياب من لباسها و خفّان، ففعلت، فقال: ألبسيني لبسة النساء، ففعلت، ثم قالت له: أقبل، فأقبل، و أدبر، فأدبر. فقالت: ما أرى إلاّ يبسا في منكبيك، اذهب في حفظ اللّه.

[1]في أ، ب: «فما برم» ، و المثبت يوافق ما في الهاشميات.

[2]في ب: «احتبالها» .

[3]الهاشميات 66.

[4]الهاشميات 68.

[5]في الهاشميات: «من حديثكم» .

16

فخرج فمرّ بالسجّان، فظنّ أنه المرأة، فلم يعرض له فنجا، و أنشأ يقول‏[1].

/

خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل # على الرّغم من تلك النوابح و المشلي‏[2]

عليّ ثياب الغانيات و تحتها # عزيمة أمر أشبهت سلّة النّصل‏

و ورد كتاب خالد على والي الكوفة يأمره فيه بما كتب به إليه هشام، فأرسل إلى الكميت ليؤتى به من الحبس فينفذ فيه أمر خالد، فدنا من باب البيت فكلّمتهم المرأة، و خبّرتهم أنها في البيت‏[3]، و أنّ الكميت قد خرج؛ فكتب بذلك إلى خالد فأجابه: حرّة كريمة آست ابن عمها بنفسها، و أمر بتخليتها، فبلغ الخبر الأعور الكلبيّ بالشام، فقال قصيدته التي يرمي فيها امرأة الكميت بأهل الحبس، و يقول: أسودين و أحمرينا[4].

هجاؤه أحياء اليمن‏

فهاج الكميت ذلك حتى قال:

ألا حيّيت عنّا يا مدينا[5]

.

و هي ثلاثمائة بيت لم يترك فيها حيّا من أحياء اليمن إلاّ هجاهم. و توارى، و طلب، فمضى إلى الشام، فقال شعره الذي يقول فيه:

قف بالدّيار وقوف زائر

/في مسلمة بن عبد الملك، و يقول:

يا مسلم ابن أبي‏[6]الوليد لميّت إن شئت ناشر /اليوم صرت إلى أميّة و الأمور إلى المصاير قال أبو الحسن: قال أبي: إنما أراد اليوم صرت إلى أميّة و الأمور إلى مصايرها؛ أي بني هاشم. و بذلك احتجّ ابنه المستهلّ على أبي العباس حين عيّره بقول أبيه هذا الشعر.

فأذن له ليلا، فسأله أن يجيره على هشام، فقال: إني قد أجرت على أمير المؤمنين فأخفر جواري، و قبيح برجل مثلي أن يخفر في كلّ يوم، و لكنّي أدلّك، فاستجر بمسلمة بن هشام و بأمّه أمّ الحكم‏[7]بنت يحيى بن الحكم؛ فإن أمير المؤمنين قد رشّحه لولاية العهد.

[1]الهاشميات 17.

[2]يضرب المثل بقدح ابن مقبل؛ لأنه وصفه بقوله:

خروج من الغمّى إذا صكّ صكة # بدا و العيون المستكفّة نلمح‏

[3]كذا في الأصول، و المراد بالبيت هنا حجرة السجن و هو مراد الكميت هنا، و مراد عبد الملك فيما كتب به إلى الحجاج.

[4]البيت كما في الخزانة 1/86:

فما وجدت بنات بني نزار # حلائل أسودين و أحمرينا

[5]هامش أ: «مدينا» ، أراد به «مدينة» ، و العرب تقول لابن الأمة: «ابن مدينة» ، قال الأخطل:

ربت و ربا في كومها ابن مدينة # يظل على مسحاته يتركّل‏

( «للسان» -مدن) .

[6]في س: «و بابن أبي الوليد» ، و البيت ليس في الهاشميات.

[7]حاشية أ: «حكيم» و عليها علامة الصحة.

17

فقال الكميت: بئس الرّأي!أضيع دمي بين صبيّ و امرأة!فهل غير هذا؟قال: نعم، مات معاوية ابن أمير المؤمنين و كان يحبّه، و قد جعل أمير المؤمنين على نفسه أن يزور قبره في كل أسبوع يوما-و سمّى يوما بعينه-و هو يزوره في ذلك اليوم، فامض فاضرب بناءك عند قبره، و استجر به، فإني سأحضر معه و أكلّمه بأكثر من الجوار.

استجارته بقبر معاوية بن هشام‏

ففعل ذلك الكميت في اليوم الذي يأتيه فيه أبوه، فجاء هشام و معه مسلمة، فنظر إلى البناء، فقال لبعض أعوانه: انظر ما هذا، فرجع فقال: الكميت بن زيد مستجير بقبر معاوية ابن أمير المؤمنين. فأمر بقتله، فكلّمه مسلمة و قال: يا أمير المؤمنين، إنّ إخفار الأموات عار على الأحياء، فلم يزل يعظّم عليه الأمر حتى أجاره.

خروج الجعفرية على خالد و هو يخطب و تحريفهم‏

فحدثنا محمد بن العباس اليزيديّ، قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثنا حجر بن عبد الجبّار، قال:

خرجت الجعفرية على خالد بن عبد اللّه القسريّ و هو يخطب على المنبر و هو لا يعلم بهم، فخرجوا في التبابين‏[1]، ينادون: لبّيك جعفر، لبّيك جعفر!و عرف خالد خبرهم، و هو يخطب على المنبر، فدهش فلم يعلم ما يقول فزعا، فقال: أطعموني ماء، ثم خرج الناس إليهم فأخذوا، فجعل يجي‏ء بهم إلى المسجد و يؤخذ طنّ‏[2] قصب فيطلى بالنّفط، و يقال للرجل احتضنه، و يضرب حتى يفعل، ثم يحرق، فحرّقهم جميعا.

تعريضه بخالد

فلما قدم يوسف بن عمر دخل عليه الكميت و قد مدحه بعد قتله زيد بن عليّ، فأنشده قوله فيه:

خرجت لهم تمشي البراح و لم تكن # كمن حصنه فيه الرّتاج المضبّب‏[3]

و ما خالد يستطعم الماء فاغرا # بعدلك و الدّاعي إلى الموت ينعب‏

الجند يقتلونه تعصبا لخالد

قال: و الجند قيام على رأس يوسف بن عمر، و هم يمانية، فتعصّبوا لخالد، فوضعوا ذباب سيوفهم في بطن الكميت، فوجئوه‏[4]بها، أ تنشد الأمير و لم تستأمره!فلم يزل الدّم حتى مات.

اعتذاره لهشام من ذنبه‏

و أخبرني عمّي، قال: حدثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه الطلحيّ عن محمد بن سلمة بن أرتبيل، قال:

/لما دخل الكميت بن زيد على هشام، سلّم ثم قال: يا أمير المؤمنين، غائب آب، و مذنب تاب، محا [1]التبابين: جمع تبان، و هو سراويل صغير يكون للملاحين و المصارعين، و تشبه أن تكون البيانيين و هم أتباع بيان فقد ورد في «الطبري» حوادث سنة 119 خروجهم على خالد و تحريقه لهم.

[2]طن القصب، بضم الطاء: الحزمة منه.

[3]الرتاج: الباب العظيم؛ و المضبب: المغلق.

[4]وجئوه: ضربوه.

18

بالإنابة ذنبه، و بالصّدق كذبه، و التوبة تذهب الحوبة، و مثلك حلم عن ذي الجريمة، و صفح عن ذي الرّيبة.

فقال له هشام: ما الّذي نجّاك من القسريّ؟قال: صدق النّية في التوبة. قال و من سنّ لك الغيّ و أورطك فيه؟ قال: الذي أغوى آدم فنسي و لم يجد له عزما، فإن رأيت يا أمير المؤمنين-فدتك نفسي-أن تأذن لي بمحو الباطل بالحقّ، بالاستماع لما قلته!فأنشده‏[1]:

/

ذكر القلب إلفه المذكورا[2] # و تلافى من الشباب أخيرا

حدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدثني أحمد بن بكير الأسديّ، قال: [حدثني محمد بن أنس، قال‏[3]]: حدثني محمد بن سهل الأسديّ، قال:

ابنه المستهل و عبد الصمد بن علي‏

دخل المستهلّ بن الكميت على عبد الصمد بن عليّ، فقال له: من أنت؟فأخبره؛ فقال: لا حيّاك اللّه و لا حيّا أباك، هو الذي يقول:

فالآن صرت إلى أميّة و الأمور إلى المصاير قال: فأطرقت استحياء مما قال، و عرفت البيت. قال: ثم قال لي: ارفع رأسك يا بنيّ، فلئن كان قال هذا، فلقد قال:

بخاتمكم كرها تجوز أمورهم # فلم أر غصبا مثله حين يغصب‏[4]

قال: فسلّى بعض تما كان بي، و حادثني ساعة، ثم قال: ما يعجبك من النساء يا مستهلّ؟قلت:

/

غرّاء تسحب من قيام فرعها # جثلا يزيّنه سواد أسحم‏[5]

فكأنها فيه نهار مشرق # و كأنّه ليل عليها مظلم‏

قال: يا بنيّ؛ هذه لا تصاب إلاّ في الفردوس، و أمر له بجائزة.

شعره يصلح بين هشام و جاريته صدوف‏

أخبرني عمّي قال: حدثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدثني إبراهيم بن عبد اللّه الخصّاف الطلحيّ، عن محمد بن أنس السّلاميّ، قال:

كان هشام بن عبد الملك مشغوفا بجارية له يقال لها صدوف مدنيّة[6]اشتريت له بمال جزيل، فعتب عليها ذات يوم في شي‏ء و هجرها، و حلف ألاّ يبدأها بكلام، فدخل عليه الكميت و هو مغموم بذلك، فقال: ما لي أراك [1]الهاشميات 18.

[2]في الهاشميات: «إلفه المهجورا» .

[3]زيادة تقتضيها صحة السند، و انظر ص 29.

[4]الهاشميات 40، و في س: «لخاتمكم» .

[5]الشعر لبكر بن النطاح. الحماسة 2: 70 (طبعة الرافعي) .

[6]كذا في س، و هو الوجه في النسبة إلى مدينة الرسول تفرقة بينها و بين مدينة المنصور، فالنسبة إليها مدينيّ، و في أ: «مدينية» .

19

مغموما يا أمير المؤمنين، لا غمّك اللّه!فأخبره هشام بالقصة، فأطرق الكميت ساعة ثم أنشأ يقول‏[1]:

أعتبت أم عتبت عليك صدوف # و عتاب مثلك مثلها تشريف

لا تقعدنّ تلوم نفسك دائبا # فيها و أنت بحبّها مشغوف

إنّ الصريمة لا يقوم بثقلها[2] # إلاّ القويّ بها، و أنت ضعيف‏

فقال هشام: صدقت و اللّه، و نهض من مجلسه، فدخل إليها، و نهضت إليه فاعتنقته. و انصرف الكميت، فبعث إليه هشام بألف دينار، و بعثت إليه بمثلها.

وفوده على زيد بن عبد الملك‏

قال الطلحيّ: أخبرني حبيش بن الكميت أخو المستهلّ بن الكميت بن زيد، قال:

وفد الكميت بن زيد على يزيد بن عبد الملك، فدخل عليه يوما و قد اشتريت له سلاّمة القسّ، فأدخلها إليه و الكميت حاضر فقال له: يا أبا المستهلّ؛ هذه جارية تباع، أ فترى أن نبتاعها؟قال: إي و اللّه يا أمير المؤمنين؛ و ما أرى أنّ لها مثلا في الدنيا فلا تفوتنّك، قال: فصفها في شعر حتى أقبل رأيك؛ فقال الكميت‏[3]:

شعره في سلامة القس‏

هي شمس النهار في الحسن إلاّ # أنها فضّلت بقتل الظّراف

غضّة بضّة رخيم لعوب # و عثة المتن شختة الأطراف‏[4]

زانها دلّها و ثغر نقيّ # و حديث مرتّل غير جافي

/خلقت فوق منية المتمنّي # فاقبل النّصح يا بن عبد مناف‏

فضحك يزيد، و قال: قد قبلنا نصحك يا أبا المستهلّ، و أمر له بجائزة سنّية.

لقاؤه بالفرزدق و هو صبي‏

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: أخبرني إبراهيم بن أيوب، عن ابن قتيبة، قال:

مرّ الفرزدق بالكميت و هو ينشد-و الكميت يومئذ صبيّ-فقال له الفرزدق: يا غلام، أ يسرّك أني أبوك؟فقال:

لا، و لكن يسرّني أن تكون أمّي!فحصر[5]الفرزدق، فأقبل على جلسائه و قال: ما مرّ بي مثل هذا قط.

إنشاده أبا عبد اللّه جعفر بن محمد

أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد الهمدانيّ بن عقدة، قال: أخبرنا عليّ بن محمد/الحسينيّ، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عيسى الحمّال، قال: حدثنا مصبّح بن الهلقام، قال: حدثنا محمد بن سهل صاحب الكميت:

قال:

[1]الهاشميات 94.

[2]في ب: «بمثلها» و المثبت ما في الهاشميات.

[3]الهاشميات 94.

[4]المتن: الظهر. و وعثة: سمينة. شختة الأطراف: ضامرتها لا هزالا.

[5]الحصر، بالتحريك: العي في المنطق.

20

دخلت مع الكميت على أبي عبد اللّه جعفر بن محمد عليهما السّلام، فقال له: جعلت فداك!أ لا أنشدك؟قال:

إنها أيام عظام، قال: إنها فيكم، قال: هات-و بعث أبو عبد اللّه إلى بعض أهله فقرب-فأنشده، فكثر البكاء حتى أتى على هذا البيت‏[1]:

يصيب به الرّامون عن قوس غيرهم # فيا آخرا سدّى له الغيّ أوّل‏[2]

فرفع أبو عبد اللّه-عليه السّلام-يديه فقال: اللهم اغفر للكميت ما قدّم و ما أخّر، و ما أسرّ و ما أعلن، و أعطه حتى يرضى.

إنشاده أبا جعفر محمد بن علي‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدثنا عمر بن شبّة قال: قال محمد بن كناسة: حدثني صاعد مولى الكميت، قال:

دخلنا على أبي جعفر محمد بن عليّ-عليهما السّلام-فأنشده الكميت قصيدته التي أولها:

من لقلب متيّم مستهام؟

فقال: اللهم اغفر للكميت، اللهم اغفر للكميت.

قبوله كسوة أبي جعفر و رده المال‏

قال: و دخلنا يوما على أبي جعفر محمد بن عليّ، فأعطانا ألف دينار و كسوة، فقال له الكميت: و اللّه ما أحببتكم للدنيا، و لو أردت الدنيا لأتيت من هي في يديه، و لكني أحببتكم للآخرة؛ فأما الثياب التي أصابت أجسامكم فأنا أقبلها لبركاتها، و أمّا المال فلا أقبله، فردّه و قبل الثياب.

فاطمة بنت الحسين تحتفي به‏

قال: و دخلنا على فاطمة بنت الحسين-عليهما السّلام-فقالت: هذا شاعرنا أهل البيت، و جاءت بقدح فيه سويق، فحركته بيدها و سقت الكميت، فشربه، ثم أمرت له بثلاثين دينارا و مركب، فهملت عيناه، و قال: لا و اللّه لا أقبلها؛ إني لم أحبّكم للدنيا.

احتجاج بني أسد على المستهل بن الكميت ببيت لأبيه‏

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ، قال: أخبرني عمّي، عن عبيد اللّه بن محمد بن حبيب، عن ابن كناسة، قال:

لما جاءت المسوّدة سخروا[3]بالمستهلّ بن الكميت، و حملوا عليه حملا ثقيلا، و ضربوه، فمرّ ببني أسد، فقال: أ ترضون أن يفعل بي هذا الفعل؟قالوا له: هؤلاء الذين يقول أبوك فيهم‏[4]:

[1]الهاشميات 71.

[2]في الهاشميات: أسدى.

[3]أ: «سجروا» تحريف.

[4]الهاشميات 22.

21

و المصيبون باب ما أخطأ النّا # س و مرسو قواعد الإسلام‏[1]

قد أصابوا فيك، فلا نكذب أباك.

المستهل و أبو مسلم‏

قال: و دخل المستهلّ على أبي مسلم، فقال له: أبوك الذي كفر بعد إسلامه، فقال: كيف و هو الذي يقول:

بخاتمكم كرها تجوز أمورهم‏[2] # فلم أر غصبا مثله حين يغصب‏

فأطرق أبو مسلم مستحييا منه.

المستهل يشكو إلى أبي جعفر

أخبرني عمّي، قال: حدثنا محمد بن سعد الكرانيّ، قال: حدثنا الحسن بن بشر السّعديّ، قال:

/أخذ العسس المستهلّ بن الكميت في أيام جعفر، و كان/الأمر صعبا، فحبس، فكتب إلى أبي جعفر يشكو حاله، و كتب في آخر الرّقعة:

لئن نحن خفنا في زمان عدوّكم # و خفناكم إنّ البلاء لراكد

فلما قرأها أبو جعفر قال: صدق المستهلّ، و أمر بتخليته.

خبر لدعبل في رؤياه النسبي‏

حدثني عليّ بن محمد بن عليّ إمام مسجد الكوفة، قال: أخبرنا إسماعيل بن عليّ الخزاعيّ-ابن أخي دعبل- قال: حدثني عمّي دعبل بن عليّ قال:

رأيت النبيّ، صلّى اللّه عليه و سلم، في النوم، فقال لي: ما لك و للكميت بن زيد؟فقلت: يا رسول اللّه، ما بيني و بينه إلاّ كما بين الشعراء، فقال: لا تفعل، أ ليس هو القائل:

فلا زلت فيهم حيث يتّهمونني # و لا زلت في أشياعهم أتقلّب‏

فإنّ اللّه قد غفر له بهذا البيت. قال: فانتهيت عن الكميت بعدها.

خبر لسعد الأسدي في رؤياه النبي‏

حدثني عليّ بن محمد، قال: حدثني إسماعيل بن عليّ، قال: حدثني إبراهيم بن سعد الأسديّ، قال:

سمعت أبي يقول: رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في المنام، فقال: من أيّ الناس أنت؟قلت: من العرب، قال:

أعلم، فمن أيّ العرب؟قلت: من بني أسد، قال: من أسد بن خزيمة؟قلت: نعم، قال لي: أ هلاليّ أنت؟قلت:

نعم، قال: أ تعرف الكميت بن زيد؟قلت: يا رسول اللّه، عمّي و من قبيلتي، قال: أ تحفظ من شعره شيئا؟قلت:

نعم، قال: أنشدني‏[3]:

طربت و ما شوقا إلى البيض أطرب‏

[1]في الهاشميات: «و المصيبين... و مرسي» .

[2]في ط: «لخاتمكم» ، و المثبت من أ، ب و الهاشميات.

[3]الهاشميات 36، و بقية البيت:

و لا لعبا مني و ذو الشّوق يلعب‏

22

/قال: فأنشدته حتى بلغت إلى قوله‏[1]:

فما لي إلاّ آل أحمد شيعة # و ما لي إلاّ مشعب الحقّ مشعب‏

فقال لي: إذا أصبحت فاقرأ عليه السلام، و قل له: قد غفر اللّه لك بهذه القصيدة.

نصر بن مزاحم يراه في نومه ينشد بين يدي النبي‏

وجدت في كتاب بخط المرهبيّ الكوفيّ: حدّثني سليمان بن الربيع بن هشام النهديّ‏[2]الخراز، قال:

حدثني نصر بن مزاحم المنقريّ، أنّه رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم في النوم و بين يديه رجل ينشده:

من لقلب متيّم مستهام؟[3]

قال: فسألت عنه، فقيل لي: هذا الكميت بن زيد الأسديّ، قال: فجعل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم يقول له: جزاك اللّه خيرا! و أثنى عليه.

نقد الفرزدق شعره‏

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدثني أحمد بن بكير الأسديّ، قال: حدثني محمد بن أنس السّلاميّ، قال: حدثني محمد بن سهل راوية الكميت، قال:

جاء الكميت إلى الفرزدق لما قدم الكوفة، فقال له: إني قد قلت شيئا فأسمعه مني يا أبا فراس. قال: هاته، فأنشده قوله‏[4].

/

طربت و ما شوقا إلى البيض أطرب # و لا لعبا مني و ذو الشيب يلعب‏[5]

و لكن إلى أهل الفضائل و النّهى # و خير بني حوّاء و الخير يطلب‏

فقال له: قد طربت إلى شي‏ء ما طرب إليه أحد قبلك، فأما نحن فما نطرب، و لا طرب من كان قبلنا إلاّ إلى ما تركت أنت الطرب إليه.

يعرض شعره على الفرزدق قبل إذاعته‏

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: حدثنا محمد بن عليّ النّوفليّ، قال: سمعت أبي يقول:

لما قال الكميت بن زيد الشعر كان أول ما قال الهاشميّات، فسترها، ثم أتى الفرزدق بن غالب، فقال له:

يا أبا فراس، إنك شيخ مضر و شاعرها، و أنا ابن أخيك الكميت بن زيد الأسديّ. قال له: صدقت، أنت ابن أخي، فما/حاجتك؟قال: نفث على لساني‏[6]فقلت شعرا، فأحببت أن أعرضه عليك؛ فإن كان حسنا أمرتني بإذاعته، و إن [1]الهاشميات 39.

[2]في ب: «السمري» .

[3]في أ: مشتاق، و بقيته:

غير ما صبوة و لا أحلام‏

[4]الهاشميات 36.

[5]حاشية أ: «و ذو الشوق» ، و عليها علامة الصحة، و هي رواية لهاشميات.

[6]نفث على لساني: أوحى إليّ بالشعر.

23

كان قبيحا أمرتني بستره، و كنت أولى من ستره عليّ. فقال له الفرزدق: أمّا عقلك فحسن، و إني لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك، فأنشدني ما قلت، فأنشدته:

طربت و ما شوقا إلى البيض أطرب‏[1]

قال: فقال لي: فيم تطرب يا بن أخي؟فقال:

و لا لعبا مني و ذو الشيب يلعب‏

فقال: بلى يا بن أخي، فالعب، فإنك في أوان اللعب، فقال:

و لم يلهني دار و لا رسم منزل # و لم يتطرّبني بنان مخضّب‏

/فقال: ما يطربك يا بن أخي؟فقال:

و لا السانحات البارحات عشية # أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب؟

فقال: أجل، لا تتطيّر، فقال:

و لكن إلى أهل الفضائل و النّهى # و خير بني حوّاء و الخير يطلب‏

فقال: و من هؤلاء؟ويحك!فقال:

إلى النّفر البيض الّذين بحبّهم # إلى اللّه فيما نابني أتقرّب‏

قال: أرحني ويحك!من هؤلاء؟قال:

بني هاشم رهط النبيّ فإنني # بهم و لهم أرضى مرارا و أغضب

خفضت لهم منّي جناحي مودّة # إلى كنف عطفاه؛ أهل و مرحب

و كنت لهم من هؤلاء و هؤلا # محبّا[2]، على أنّي أذمّ و أقصب‏[3]

و أرمى و أرمي بالعداوة أهلها # و إني لأوذى فيهم و أؤنّب‏

فقال له الفرزدق: بابن أخي، أذع ثم أذع؛ فأنت و اللّه أشعر من مضى، و أشعر من بقى.

معارضته قصيدة لذي الرمة

أخبرني الحسن، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدثني أحمد بن بكير، قال: حدثني محمد بن أنس، قال: حدثني محمد بن سهل راوية الكميت عن الكميت، قال:

لم قدم ذو الرّمة أتيته فقلت له: إني قد قلت قصيدة عارضت بها قصيدتك:

/ما بال عينك منها الماء ينسكب‏[4]

فقال لي: و أيّ شي‏ء قلت؟قال: قلت:

[1]الهاشميات 36.

[2]الهاشميات: «مجنّا» .

[3]في س: «و أعضب» . و قصبه، أي عابه و شتمه، و المثبت ما في الهاشميات.

[4]ديوانه أ، و تمامه:

كأنه من كلى مفريّة سرب‏

ـ

24

هل أنت عن طلب الأيفاع‏[1]منقلب # أم كيف يحسن من ذي الشّيبة اللّعب؟!

حتى أنشدته إياها، فقال لي: ويحك!إنك لتقول قولا ما يقدر إنسان أن يقول لك أصبت و لا أخطأت، و ذلك أنك تصف الشي‏ء فلا تجي‏ء به، و لا تقع بعيد منه، بل تقع قريبا. قلت له: أو تدري لم ذلك؟قال: لا، قلت:

لأنك تصف شيئا رأيته بعينك، و أنا أصف شيئا وصف لي، و ليست المعاينة كالوصف. قال: فسكت‏[2].

علمه بالبادية عن وصف جدتيه‏

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدثني إسماعيل بن عبد اللّه الطلحيّ، عن محمد بن سلمة بن أرتبيل، عن حمّاد الراوية، قال:

كانت للكميت جدّتان أدركتا الجاهلية، فكانتا تصفان له البادية و أمورها و تخبرانه بأخبار الناس في الجاهلية، فإذا شكّ في شعر أو خبر عرضه عليهما فيخبرانه عنه، فمن هناك كان علمه.

أخبرني الحسن بن القاسم البجليّ/الكوفيّ، قال: حدثنا عليّ بن إبراهيم بن المعلّى، قال: حدثنا محمد بن فضيل-يعني الصّيرفيّ-عن أبي بكر الحضرميّ، قال:

/استأذنت للكميت على أبي جعفر محمد بن عليّ-عليهما السلام-في أيام التّشريق بمنى، فأذن له، فقال له الكميت: جعلت فداك!إنّي قلت فيكم شعرا أحبّ أن أنشدكه. فقال: يا كميت، اذكر اللّه في هذه الأيام المعلومات، و في هذه الأيام المعدودات، فأعاد عليه الميت القول، فرقّ له أبو جعفر-عليه السّلام-فقال:

هات، فأنشده قصيدته حتى بلغ‏[3]:

يصيب به الرّامون عن قوس غيرهم # فيا آخرا سدّى له الغيّ أوّل‏[4]

فرفع أبو جعفر يديه إلى السماء و قال: اللهم اغفر للكميت.

استئذانه أبا جعفر في مدح بني أمية

أخبرني جعفر بن محمد بن مروان الغزّال الكوفيّ، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أرطاة بن حبيب، عن فضيل الرّسّان، عن ورد بن زيد أخي الكميت، قال:

أرسلني الكميت إلى أبي جعفر، فقلت له: إن الكميت أرسلني إليك، و قد صنع بنفسه ما صنع، فتأذن له أن يمدح بني أمية؟قال: نعم، هو في حلّ فليقل ما شاء.

أخبرني محمد بن العباس، قال: أخبرني عمّي عن عبيد اللّه بن محمد بن حبيب، عن ابن كناسة، قال:

مات ورد أخو الكميت، فقيل للكميت: أ لا ترثي أخاك؟فقال: مرثيته و مرزيته عندي سواء، و إني لا أطيق أن أرثيه جزعا عليه.

[1]الأيفاع: يريد بالأيفاع الكواعب التي شارفت البلوغ.

[2]الموشح 307، و الأغاني 1: 348.

[3]الهاشميات 71.

[4]انظر الحاشية رقم 2 ص 24.

25

روايته للحديث‏

و قد روى الكميت بن زيد الحديث، و روي عنه.

أخبرني جعفر بن محمد بن عبيد بن عتبة في كتابه إليّ، قال: حدثني/الحسين بن محمد بن عليّ الأزديّ، قال: حدثني الوليد بن صالح، قال: حدثني محمد بن سعيد بن عمير الصّيداويّ، عن أبيه، عن الكميت بن زيد، قال:

حدثني عكرمة أنّ عبد اللّه بن عبّاس بعثه مع الحسين بن عليّ-عليهما السّلام-فجعل يهلّ‏[1]حتى رمى جمرة العقبة، أو حين رمى جمرة العقبة، فسألته عن ذلك، فأخبرني أنّ أباه فعله، فحدّثت به ابن عباس، فقال لي: لا أمّ لك!أ تسألني عن شي‏ء أخبرك به الحسين بن علي عن أبيه!و اللّه إنها لسنّة.

أخبرنا أبو الحسن بن سراج الجاحظ، قال: حدثنا مسروق بن عبد الرحمن أبو صالح، عن الحسن بن محمد بن أعين، عن حفص بن محمد الأسدي، قال: حدثنا الكميت بن زيد عن مذكور مولى زينب، عن زينب، قالت:

دخل عليّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم و أنا فضل‏[2]، قالت: فقلت بيدي هكذا-و استترت-قالت: فقال لي: إنّ اللّه عزّ و جلّ زوّجنيك.

روايته للتفسير

حدثني أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، قال: حدثني أحمد بن سراج، قال: حدثني الحسن بن أيوب الخثعميّ، قال: حدثنا فرات بن حبيب الأسديّ قال: حدثني أبي حبيب بن أبي سليمان، قال:

حدثني الكميت بن زيد، قال: سألت أبا جعفر عن قول اللّه عزّ و جلّ: / إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرََادُّكَ إِلى‏ََ مَعََادٍ [3]. قال: دخلت أنا و أبي إلى أبي سعيد الخدريّ، فسأله أبي عنها، فقال: معاد آخرته: الموت.

يعتذر إلى أبي جعفر محمد بن علي‏

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثني إسحاق بن محمد بن أبان، قال: حدثني محمد بن عبد اللّه بن مهران، قال: حدثني ربعيّ بن عبد اللّه بن الجارود بن أبي سبرة، عن أبيه، قال:

دخل الكميت بن زيد الأسديّ على أبي جعفر محمد بن عليّ، عليهما السلام، فقال له: يا كميت!أنت القائل:

/

فالآن صرت إلى أميّة # و الأمور إلى المصاير

قال: نعم، قد قلت، و لا و اللّه ما أردت به إلاّ الدنيا، و لقد عرفت فضلكم، قال: أما أن قلت ذلك فإنّ التقيّة لتحلّ.

[1]يهل: يرفع صوته.

[2]فضل، أي في ثوب واحد؛ و في أ: «أصلي» .

[3]سورة القصص 85.

26

رأي معاذ الهراء في شعره‏

أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الرّبعيّ، قال:

حدثنا أحمد بن بكير الأسديّ قال: حدثنا محمد بن أنس السّلامي الأسديّ قال:

سئل معاذ الهرّاء: من أشعر الناس؟قال: أ من الجاهليين أم من الإسلاميين؟قالوا: بل من الجاهليين. قال:

امرؤ القيس، و زهير، و عبيد بن الأبرص. قالوا: فمن الإسلاميين؟قال: الفرزدق، و جرير، و الأخطل، و الرّاعي.

قال: فقيل له: يا أبا محمد، ما رأيناك ذكرت الكميت فيمن ذكرت. قال: ذاك أشعر الأوّلين و الآخرين.

لم يخرج مع زيد بن علي‏

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلاّبيّ، قال: حدثنا العباس بن بكّار، قال: حدثنا أبو بكر الهذليّ، قال:

/لمّا خرج زيد بن عليّ كتب إلى الكميت: اخرج معنا يا أعيمش، أ لست القائل‏[1]:

ما أبالي-إذا حفظت أبا القا # سم-فيكم ملامة اللوّام‏

فكتب إليه الكميت:

تجود لكم نفسي بما دون وثبة # تظلّ لها الغربان حولي تحجل‏

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ، قال: حدثني عمّي عن عبيد اللّه بن محمد بن حبيب، عن محمد بن كناسة، قال:

لما أنشد هشام بن عبد الملك قول الكميت‏[2]:

فبهم صرت للبعيد ابن عمّ # و اتّهمت القريب أيّ اتّهام‏

مبدئا صفحتي على الموقف المعلم، باللّه قوّتي و اعتصامي‏[3] قال: استقتل المرائي.

مدحه خالد القسري‏

قال: و دخل الكميت على خالد القسريّ، فأنشده قوله فيه‏[4]:

لو قيل للجود: من حليفك؟ما # إن كان إلاّ إليك ينتسب

أنت أخوه و أنت صورته # و الرأس منه، و غيرك الذّنب

أحرزت فضل النّضال في مهل # فكلّ يوم بكفّك القصب

لو أنّ كعبا و حاتما نشرا # كانا جميعا من بعض ما تهب‏

[1]الهاشميات 33.

[2]الهاشميات 33.

[3]الهاشميات: «عزتي» .

[4]الهاشميات 90.

27

/

لا تخلف الوعد إن وعدت و لا # أنت عن المعتفين تحتجب

ما دونك اليوم من نوال، و لا # خلفك للراغبين منقلب‏[1]

فأمر له بمائة ألف درهم.

المستهل و عيسى بن موسى‏

قال: و حضر المستهلّ بن الكميت باب عيسى بن موسى-و كان يكرمه-فبلغه أنه قد غلب عليه الشراب، فاستخفّ به، و كان آخر من يدخل إلى عيسى بن موسى قوم يقال لهم الرّاشدون يؤذن لهم في القعود، فأدخل المستهلّ معهم، فقال:

أ لم تر أنّي لما حضرت # دعيت فكنت مع الرّاشدينا

ففزت بأحسن أسمائهم # و أقبح منزلة الدّاخلينا

إنشاده مخلد بن يزيد بن المهلب‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال:

دخل الكميت على مخلد بن/يزيد بن المهلب، فأنشده‏[2]:

قاد الجيوش لخمس عشرة حجّة # و لداته عن ذاك في أشغال‏[3]

قعدت بهم همّاتهم و سمت به # همم الملوك و سورة الأبطال‏

قال: و قدّام مخلد دراهم يقال لها الرّويجة، فقال: خذ وقرك‏[4]منها. فقال له: البغلة بالباب، و هي أجلد منّي، فقال: خذ وقرها، فأخذ أربعة و عشرين ألف درهم، فقيل لأبيه في ذلك، فقال: لا أردّ مكرمة فعلها ابني.

إذا قال أحب أن يحسن‏

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثني أبو بكر الأمويّ، قال: حدثنا ابن فضيل، قال:

/سمعت ابن شبرمة، قال: قلت للكميت: إنك قلت في بني هاشم فأحسنت، و قلت في بني أمية أفضل، قال: إني إذا قلت أحببت أن أحسن.

طويل أصم لا يجيد الإنشاد

أخبرني الحسن بن عليّ و محمد بن عمراه الصيرفيّ، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدثنا محمد بن معاوية، عن ابن كناسة، قال:

كان الكميت بن زيد طويلا أصمّ، و لم يكن حسن الصوت و لا جيّد الإنشاد، فكان إذا استنشد أمر ابنه المستهلّ فأنشد، و كان فصيحا حسن الإنشاد[5].

[1]في أ: «مطّلب» .

[2]الهاشميات 88.

[3]لداته: أنداده.

[4]الوقر، بالكسر: الحمل الثّقيل.

[5]انظر الأغاني 10: 321، و المختار6: 287.

28

سبب هجائه أهل اليمن‏

أخبرني عمي و ابن عمار، قالا: حدثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه الطلحيّ، عن محمد بن سلمة بن أرتبيل:

أنّ سبب هجاء الكميت أهل اليمن، أنّ شاعرا من أهل الشام يقال له حكيم بن عيّاش الكلبيّ كان يهجو عليّ بن أبي طالب-عليه السّلام-و بني هاشم جميعا، و كان منقطعا إلى بني أمية، فانتدب له الكميت فهجاه و سبّه، فأجابه و لجّ الهجاء بينهما، و كان الكميت يخاف أن يفتضح في شعره عن عليّ-عليه السّلام-لما وقع بينه و بين هشام، و كان يظهر أنّ هجاءه إياه في العصبية التي بين عدنان و قحطان، فكان ولد إسماعيل بن الصبّاح بن الأشعث ابن قيس و ولد علقمة بن وائل الحضرميّ يروون‏[1]شعر الكلبيّ، فهجا أهل اليمن جميعا إلاّ هذين، فإنه قال في آل علقمة:

و لو لا آل علقمة اجتدعنا # بقايا من أنوف مصلّمينا[2]

/و قال في إسماعيل:

فإنّ لإسماعيل حقّا، و إننا # له شاعبو الصّدع المقارب للشّعب‏

و كانت لآل علقمة عنده يد؛ لأنّ علقمة آواه ليلة خرج إلى الشّام، و أمّ إسماعيل من بني أسد، فكفّ عنهما لذلك.

قال الطلحيّ: قال أبو سلمة: حدثني محمد بن سهل، قال: قال الكلبيّ:

ما سرّني أنّ أمّي من بني أسد # و أنّ ربّي نجّاني من النار

و أنهم زوّجوني من بناتهم # و أنّ لي كل يوم ألف دينار

فأجابه الكميت:

يا كلب مالك أمّ من بني أسد # معروفة فاحترق يا كلب بالنار

لكنّ أمّك من قوم شنئت بهم # قد قنّعوك قناع الخزي و العار

قال: فقال له الكلبي:

/

لن يبرح اللّؤم هذا الحيّ من أسد # حتى يفرّق بين السّبت و الأحد[3]

قال محمد بن أنس: حدثني المستهلّ بن الكميت، قال: قلت لأبي: يا أبت، إنك هجوت الكلبيّ، فقلت:

ألا يا سلم يا تربي‏[4] # أ في أسماء من ترب؟

و غمزت عليه فيها، ففخرت ببني أمية، و أنت تشهد عليها بالكفر، فألا فخرت بعليّ و بني هاشم الذين [1]في أ: «يردّون» .

[2]الشعر و الشعراء 509، 510.

[3]في أ: «حتى أفرق» .

[4]انظر «م» .

29

تتولاّهم!فقال: يا بنيّ، أنت تعلم انقطاع الكلبيّ إلى بني أمية، و هم أعداء عليّ عليه السّلام، فلو ذكرت عليّا لترك /ذكري، و أقبل على هجائه، فأكون قد عرّضت عليّا له، و لا أجد له ناصرا من بني ففخرت عليه ببني أمية، و قلت: إن نقضها عليّ قتلوه، و إن أمسك عن ذكرهم قتلته غمّا و غلبته؛ فكان كما قال، أمسك الكلبيّ عن جوابه، فغلب عليه، و أفحم الكلبيّ.

و في أول هذه القصيدة غناء نسبته.

صوت‏

ألا يا سلم يا تربي‏[1] # أ في أسماء من ترب؟

ألا يا سلم حيّيت # سلي عنّي و عن صحبي

ألا يا سلم غنّينا # و إن هيّجتما حبّي

على حادثة الأيا # م لي نصبا من النّصب‏[2]

الغناء لابن سريج ثقيل أول بالبنصر عن عمرو.

يحاول إطلاق سراح أبان بن الوليد البجلي‏

أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: أخبرني أبو سعيد السّكّريّ، عن محمد بن حبيب، عن إبراهيم بن عبد اللّه الطلحيّ، قال: قال محمد بن سلمة:

كان الكميت مدّاحا لأبان بن الوليد البجليّ، و كان أبان له محبّا و إليه محسنا، فمدح الكميت الحكم بن الصّلت، و هو يومئذ يخلف يوسف بن عمر، بقصيدته التي أولها:

طربت و هاجك الشوق الحثيث‏

فلما أنشده إياها و فرغ، دعا الحكم بخازنه ليعطيه الجائزة، ثم دعا بأبان بن الوليد، فأدخل إليه و هو مكبّل بالحديد، فطالبه بالمال، فالتفت الكميت/فرآه، فدمعت عيناه، و أقبل على الحكم، فقال: أصلح اللّه الأمير! اجعل جائزتي لأبان، و احتسب بها له من هذا النّجم. فقال له الحكم: قد فعلت، ردّوه إلى السجن. فقال له أبان:

يا أبا المستهلّ، ما حلّ له عليّ شي‏ء بعد. فقال الكميت للحكم: أبي تسخر أصلح اللّه الأمير!فقال الحكم: كذب، قد حلّ عليه المال، و لو لم يحلّ لاحتسبنا له مما يحلّ.

تعريضه بحوشب بن يزيد الشيباني‏

فقال له حوشب بن يزيد الشيباني-و كان خليفة الحكم-: أصلح اللّه الأمير، أ تشفّع حمار بني أسد في عبد بجيلة؟فقال له الكميت: لئن قلت ذاك فو اللّه ما فررنا عن آبائنا حتى قتلوا، و لا نكحنا حلائل آبائنا بعد أن ماتوا -و كان يقال إنّ حوشبا فرّ عن أبيه في بعض الحروب، فقتل أبوه و نجا هو، و يقال: إنه وطئ جارية لأبيه بعد وفاته-فسكت حوشب مفحما خجلا، فقال له الحكم: ما كان تعرّضك للسان الكميت!.

[1]انظر «م» .

[2]غناء يشبه الحداء إلا أنه أرق منه.

30

قال: و في حوشب يقول الشاعر:

نجّى حشاشته و أسلم شيخه # لمّا رأى وقع الأسنّة حوشب‏

ابنته ريا و فاطمة بنت أبان بن الوليد

/قال الطّلحيّ في هذه الخبر: و حدثني إبراهيم بن علي الأسديّ قال:

التقت ريّا بنت الكميت بن زيد، و فاطمة بنت أبان بن الوليد بمكة، و هما حاجّتان، فتساءلتا حتى تعارفتا، فدفعت بنت أبان إلى بنت الكميت خلخالي ذهب كانا عليها، فقالت لها بنت الكميت: جزاكم اللّه خيرا يا آل أبان، فما تتركون برّكم بنا قديما و لا حديثا!فقالت لها بنت أبان: بل أنتم، فجزاكم اللّه خيرا؛ فإنّا أعطيناكم ما يبيد و يفنى، و أعطيتمونا من المجد و الشرف ما يبقى أبدا و لا يبيد، يتناشده الناس في المحافل فيحيي ميّت الذكر، و يرفع بقية العقب.

مولده و موته و مبلغ شعره‏

أخبرني عمي و ابن عمّار، قالا: حدثنا يعقوب بن نعيم، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن زيد الخصّاف الطلحيّ، قال: قال محمد بن سلمد بن أرتبيل:

ولد الكميت أيام مقتل الحسين بن عليّ سنة ستين، و مات في سنة ستّ و عشرين و مائة، في خلافة مروان بن محمد، و كان مبلغ شعره حين مات خمسة آلاف و مائتين و تسعة و ثمانين بيتا.

و قال يعقوب بن إسرائيل في رواية عمّي خاصة عنه: حدّثت عن المستهلّ بن الكميت أنه قال: حضرت أبي عند الموت و هو يجود بنفسه، ثم أفاق ففتح عينيه، ثم قال: اللهمّ آل محمد، اللهم آل محمد، اللهم آل محمد -ثلاثا-قال لي: يا بنيّ؛ وددت أني لم أكن هجوت نساء بني كلب بهذا البيت:

مع العضروط و العسفاء ألقوا # برادعهنّ غير محصّنينا[1]

وصيته لابنه في دفنه‏

فعممتهنّ قذفا بالفجور، و اللّه ما خرجت بليل قطّ إلاّ خشيت أن أرمى بنجوم السماء لذلك. ثم قال: يا بنيّ؛ إنه بلغني في الروايات أنه يحفر بظهر الكوفة خندق يخرج فيه الموتى من قبورهم و ينبشون منها، فيحوّلون إلى قبور غير قبورهم، فلا تدفنّي في الظهر، و لكن إذا متّ فامض بي إلى موضع يقال له مكران، فادفنّي فيه. فدفن في ذلك الموضع و كان أول من دفن فيه، هي مقبرة بني أسد إلى الساعة.

قال المستهلّ: و مات أبي في خلافة مروان بن محمد سنة ستّ و عشرين و مائة.

صوت‏
شعر لعمر بن أبي ربيعة:

أستعين الذي بكفّيه نفعي # و رجائي على الّتي قتلتني

و لقد كنت قد عرفت و أبصر # ت أمورا لو أنّها نفعتني‏

[1]العضروط: لخادم على طعام بطنه، و العسيف: الأجير أو العبد المستعان به، و جمعه عسفاء، و في أ: «براذعهن» . و هما بمعنى.

31

قلت: إني أهوى شفا ما ألاقي # من خطوب تتابعت فدحتني‏

عروضه من السريع‏[1]، يقال: إن الشعر العمر، و الغناء لابن سريج ثقيل أول بالوسطى، عن حمّاد عن أبيه، و فيه لحن للهذليّ. و قيل: بل لحن ابن سريج للهذليّ، ذكر ذلك حبش. و قيل: بل هو مما نسب من غناء ابن سريج إلى الهذليّ.

[1]كذا في أصول الأغاني، و البيت عروضه من البحر الخفيف.

32

2-خبر ابن سريج مع سكينة بنت الحسين عليهما السّلام‏

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن مصعب الزّبيريّ، قال: حدثني شيخ من المكيّين، و وجدت هذا الخبر أيضا في بعض الكتب مرويّا عن محمد بن سعد كاتب الواقدي، عن مصعب، عن شيخ من المكيّين، و الرواية عنهما متّفقة، قال:

امتناعه من الغناء و قدومه المدينة للاستشفاء

كان ابن سريج قد أصابته/الريح الخبيثة، و آلى يمينا ألاّ يغنّي، و نسك و لزم المسجد الحرام حتى عوفي. ثم خرج و فيه بقيّة من العلّة، فأتى قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم و موضع مصلاّه.

فلما قدم المدينة نزل على بعض إخوانه من أهل النّسك و القراءة، فكان أهل الغناء يأتونه مسلّمين عليه، فلا يأذن لهم في الجلوس و المحادثة، فأقام بالمدينة حولا حتى لم يحسّ من علّته بشي‏ء، و أراد الشخوص إلى مكة.

سكينة ترغب في الاستماع منه‏

و بلغ ذلك سكينة بنت الحسين، فاغتمّت اغتماما شديدا، و ضاق به ذرعها، و كان أشعب يخدمها، و كانت تأنس بمضاحكته و نوادره، و قالت لأشعب: ويلك!إنّ ابن سريج شخص، و قد دخل المدينة منذ حول، و لم أسمع من غنائه قليلا و لا كثيرا، و يعزّ ذلك عليّ، فكيف الحيلة في الاستماع منه، و لو صوتا واحدا؟فقال لها أشعب:

جعلت فداك!و أنّى لك بذلك و الرجل اليوم زاهد و لا حيلة فيه؟فارفعي طمعك، و الحسي تورك‏[1]تنفعك حلاوة فمك.

/فأمرت بعض جواريها فوطئن بطنه حتى كادت أن تخرج أمعاؤه، و خنقنه حتى كادت نفسه أن تتلف، ثم أمرت به فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجا عنيفا. فخرج على أسوإ الحالات، و اغتمّ أشعب غمّا شديدا، و ندم على ممازحتها في وقت لم ينبغ له ذلك؛ فأتى منزل ابن سريج ليلا فطرقه، فقيل: من هذا؟فقال:

أشعب، ففتحوا له، فرأى على وجهه و لحيته التراب، و الدّم سائلا من أنفه و جبهته على لحيته، و ثيابه ممزّقة، و بطنه و صدره و حلقه قد عصرها الدّوس و الخنق، و مات الدم فيها، فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله و راعه، فقال له:

ما هذا ويحك؟فقصّ عليه القصة.

امتناعه من الذهاب إليها

فقال ابن سريج: إنا للّه و إنا إليه راجعون!ما ذا نزل بك؟و الحمد للّه الذي سلّم نفسك، لا تعودنّ إلى هذه [1]في بعض النسخ: و امسحي بوزك. و المثبت في (ج) و التّور بالفتح: إناء يشرب فيه.

33

أبدا. قال أشعب: فديتك هي مولاتي و لا بدّ لي منها، و لكن هل لك حيلة في أن تصير إليها و تغنّيها؛ فيكون ذلك سببا لرضاها عني؟قال ابن سريج: كلاّ و اللّه لا يكون ذلك أبدا بعد أن تركته.

قال أشعب: قد قطعت أملي و رفعت رزقي، و تركتني حيران بالمدينة، لا يقبلني أحد و هي ساخطة عليّ، فاللّه اللّه فيّ، و أنا أنشدك إلاّ تحمّلت هذا الإثم فيّ، فأبى عليه.

حيلة أشعب لإرغامه‏

فلما رأى أشعب أنّ عزم ابن سريج قد تمّ على الامتناع قال في نفسه: لا حيلة لي، و هذا خارج، و إن خرج هلكت، فصرخ صرخة آذن أهل المدينة لها، و نبّه الجيران من رقادهم، و أقام الناس من فرشهم، ثم سكت، فلم يدر الناس ما القصّة عند خفوت الصّوت بعد أن قد راعهم.

فقال له ابن سريج: ويلك!ما هذا؟قال: لئن لم تصر معي إليها/لأصرخنّ أخرى لا يبقى بالمدينة أحد إلاّ صار بالباب، ثم لأفتحنّه و لأرينّهم ما بي، و لأعلمنّهم أنك أردت تفعل كذا و كذا بفلان-يعني غلاما كان ابن سريج مشهورا به-فمنعتك، و خلّصت الغلام من يدك حتى فتح الباب و مضى؛ ففعلت بي هذا غيظا و تأسّفا، و أنك إنما أظهرت النّسك و القراءة لتظفر بحاجتك منه، و كان أهل مكة و المدينة يعلمون حاله معه. فقال ابن سريج:

اغرب، أخزاك اللّه. قال أشعب: و اللّه الذي لا إله إلا هو، و إلا فما أملك صدقة[1]، و امرأته طالق‏[2]ثلاثا، و هو نحير[3]في مقام إبراهيم، و الكعبة، و بيت النار، و القبر قبر أبي رغال‏[4]إن أنت/لم تنهض معي في ليلتي هذه لأفعلنّ.

قبوله الذهاب إلى منزل سكينة

فلما رأى ابن سريج الجدّ منه قال لصاحبه: ويحك!أما ترى ما وقعنا فيه؟!و كان صاحبه الذي نزل عنده ناسكا؛ فقال: لا أدري ما أقول فيما نزل بنا من هذا الخبيث. و تذمّم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل فقال لأشعب: اخرج من منزل الرجل. فقال: رجلي مع رجلك، فخرجا.

/فلما صارا في بعض الطريق قال ابن سريج لأشعب: امض عنّي. قال: و اللّه لئن لم تفعل ما قلت لأصيحنّ الساعة حتى يجتمع الناس، و لأقولنّ: إنك أخذت مني سوارا من ذهب لسكينة على أن تجيئها فتغنّيها سرّا، و إنك كابرتني عليه و جحدتني، و فعلت بي هذا الفعل.

فوقع ابن سريج فيما لا حيلة له فيه. فقال: أمضي، لا بارك اللّه فيك. فمضى معه.

[1]في أ: «أصدقه» .

[2]في أ: «و امرأته الطلاق ثلاثا» .

[3]نحير، أي مذبوح؛ و الكلمة محرفة في الأصول.

[4]في القاموس: رغال، ككتاب و في سنن أبي داود، و دلائل النبوة و غيرهما عن ابن عمر، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حين خرجنا إلى الطائف، فمررنا بقبر، فقال: هذا قبر أبي رغال، و هو من ثقيف، و كان من ثمود، و كان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه. و قول الجوهري: «كان دليلا للحبشة حين توجهوا إلى مكة فمات في الطريق، غير جيد. و كذا قول ابن سيده: «كان عبدا لشعيب، و كان عشارا جائرا» . (رغل) .

34

استعفاؤه و إباء سكينة

فلمّا صار إلى باب سكينة قرع الباب، فقيل: من هذا؟فقال: أشعب قد جاء بابن سريج، ففتح الباب لهما، و دخلا إلى حجرة خارجة عن دار سكينة، فجلسا ساعة، ثم أذن لهما فدخلا إلى سكينة، فقالت: يا عبيد، ما هذا الجفاء؟قال: قد علمت بأبي أنت ما كان مني. قالت: أجل، فتحدّثا ساعة، و قصّ عليها ما صنع به أشعب، فضحكت، و قالت: لقد أذهب ما كان في قلبي عليه، و أمرت لأشعب بعشرين دينارا و كسوة. ثم قال لها ابن سريج:

أ تأذنين بأبي أنت؟قالت: و أين؟قال: المنزل، قالت: برئت من جدّي إن برحت داري ثلاثا، و برئت من جدّي إن أنت لم تغنّ إن خرجت من داري شهرا، و برئت من جدّي إن أقمت في داري شهرا إن لم أضربك لكل يوم تقيم فيه عشرا، و برئت من جدّي إن حنثت في يميني أو شفّعت فيك أحدا.

فقال عبيد: وا سخنة عيناه!وا ذهاب دنياه! وا فضيحتاه!ثم اندفع يغنّي:

أستعين الذي بكفّيه نفعي # و رجائي على التي قتلتني‏

دملج سكينة في يده‏

الصوت المذكور آنفا. فقالت له سكينة: فهل عندك يا عبيد من صبر؟ثم أخرجت دملجا[1]من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالا، فرمت/به إليه، ثم قالت: أقسمت عليك لما أدخلته في يدك، ففعل ذلك.

استدعاء عزة الميلاء

ثم قالت لأشعب: اذهب إلى عزّة[2]فاقرئها مني السلام، و أعلمها أنّ عبيدا عندنا، فلتأتنا متفضّلة بالزيارة.

فأتاها أشعب فأعلمها، فأسرعت المجي‏ء، فتحدّثوا باقي ليلتهم. ثم أمرت عبيدا و أشعب فخرجا فناما في حجرة مواليها.

مجلس غناء

فلما أصبحت هيّئ لهم غداؤهم، و أذنت لابن سريج فدخل فتغدّى قريبا منها مع أشعب و مواليها، و قعدت هي مع عزّة و خاصّة جواريها، فلما فرغوا من الغداء قالت: يا عزّ، إن رأيت أن تغنّينا فافعلي. قالت: إي و عيشك.

فتغنّت لحنها في شعر عنترة العبسيّ‏[3]:

حيّيت من طلل تقادم عهده # أقوى و أقفر بعد أمّ الهيثم

إن كنت أزمعت الفراق فإنما # زمّت‏[4]ركابكم بليل مظلم‏

فقال ابن سريج: أحسنت و اللّه يا عزّة!و أخرجت سكينة الدّملج الآخر من يدها فرمته إلى عزّة، و قالت:

صيّري هذا في يدك، ففعلت. ثم قالت لعبيد: هات غنّنا. فقال: حسبك ما سمعت البارحة. فقالت: لا بدّ أن تغنينا في كلّ يوم لحنا. فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على/الامتناع مما تسأله غنّى:

[1]الدملج: السوار يلبس في العضد.

[2]هي عزّة الميلاء.

[3]ديوانه: 129.

[4]زمت، زممت البعير: خطمته و علقت عليه الزمام.

35

قالت: من أنت؟-على ذكر-فقلت لها: # أنا الذي ساقه للحين مقدار[1]

قد حان منك-فلا تبعد بك الدار- # بين و في البين للمتبول إضرار

/ثم قالت لعزّة في اليوم الثاني: غنّي، فغنّت لحنها في شعر الحارث بن خالد-و لابن محرز فيه لحن-، و لحن عزّة أحسنهما:

و قرّت بها عيني، و قد كنت قبلها # كثير البكاء مشتفقا من صدودها

و بشرة خود مثل تمثال بيعة # تظلّ النصارى حوله يوم عيدها

قال ابن سريج: و اللّه ما سمعت مثل هذا قطّ حسنا و لا طيبا.

ثم قالت لابن سريج: هات، فاندفع يغنّي:

أرقت فلم أنم طربا # و بتّ مسهّدا نصبا

لطيف أحبّ خلق اللّه # إنسانا و إن غضبا

فلم أردد مقالتها # و لم أك عاتبها عتبا[2]

و لكن صرّمت تحبلي # فأمسى الحبل منقضبا[3]

فقالت سكينة: قد علمت ما أردت بهذا، و قد شفّعناك، و لم نردّك. و إنما كانت يميني على ثلاثة أيام، فاذهب في حفظ اللّه و كلاءته.

ثم قالت لعزّة: إذا شئت. و دعت لها بحلّة، و لابن سريج بمثلها. فانصرفت عزّة، و أقام ابن سريج حتى انقضت ليلته، و انصرف، فمضى من وجهه إلى مكة راجعا.

أشعار و أصواتها.

نسبة الأصوات التي في هذا الخبر

منها:

صوت‏

حيّيت من طلل تقادم عهده # أقوى و أقفر بعد أمّ الهيثم‏

/الشّعر لعنترة بن شدّاد العبسيّ. و الغناء لعزّة الميلاء، و قد كتب ذلك في أول هذه القصيدة و سائر ما يغنيّ فيها.

و منها:

[1]المقدار هنا: القدر، بفتحتين.

[2]العتب، بالتحريك: الكريهة و الأمر الشديد.

[3]بعد هذا البيت في أ: «و ذكر باقي الأبيات الأربعة» و لم يكتب هذه الأبيات» .

36
صوت‏

أرقت فلم أنم طربا # و بتّ مسهّدا نصبا

لطيف احبّ خلق اللّه # إنسانا و إن غضبا

إلى نفسي، و أوجههم # و إن أمسى قد احتجبا

و صرّم حبلنا ظلما # لبلغة كاشح كذبا[1]

عروضه من الوافر. الشعر لعمر بن أبي ربيعة، و الغناء لابن سريج، ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر.

و منها قوله:

صوت‏

قد حان منك-فلا تبعد بك الدار- # بين و في البين للمتبول إضرار

قالت: من أنت؟-على ذكر-فقلت لها: # أنا الذي ساقني للحين مقدار

/الشعر لعمر بن أبي ربيعة، و الغناء لابن سريج، رمل بالسبابة في مجرى الوسطى.

و منها الصوت الذي أوّله:

و قرّت بها عيني و قد كنت قبلها

أوله قوله:

صوت‏

لبشرة أسرى الطّيف و الخبت دونها[2] # و ما بيننا من حزن أرض و بيدها

و قرّت بها عيني و قد كنت قبلها # كثيرا بكائي مشفقا من صدودها

و بشرة خود مثل تمثال بيعة # تظلّ النصارى حولها يوم عيدها

الشعر للحارث بن خالد المخزوميّ، و الغناء لمعبد، خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى.

و ذكر إسحاق هذه الطريقة في هذا الصّوت و لم ينسبها إلى أحد، و لابن محرز في هذه الأبيات ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى، و فيها لعزّة الميلاء خفيف رمل.

الحارث بن خالد المخزومي و بشرة

و بشرة هذه-التي ذكرها الحارث بن خالد-أمة كانت لعائشة بنت طلحة، و كان الحارث يكنى عن ذكر عائشة بها، و له فيها أشعار كثيرة.

منها مما يغنّي فيه قوله:

[1]في «بيروت» : لقوله، و المثبت يتفق مع «الديوان. » و المبلغة يراد بها التبليغ.

[2]الخبت: المتسع من بطون الأرض.

37
صوت‏

يا ربع بشرة بالجناب تكلّم # و أبن لنا خبرا و لا تستعجم

ما لي رأيتك بعد أهلك موحشا # خلقا كحوض الباقر[1]المتهدّم

/تسقي الضجيع إذا النجوم تغوّرت # طوع الضجيع و غاية المتوسّم

قبّ البطون أوانس شبه الدّمى # يخلطن ذاك بعفّة و تكرّم‏

عروضه من الكامل، و الشعر للحارث بن خالد، و الغناء لمعبد، و لحنه من خفيف الرمل بالسبابة في مجرى البنصر، عن إسحاق.

و فيه أيضا ثقيل أول بالوسطى على مذهب إسحاق في رواية عمرو، و منها:

صوت‏

يا ربع بشرة إن أضرّ بك البلى # فلقد عهدتك آهلا معمورا

عقب الرّذاذ خلافه فكأنما # بسط الشّواطب بينهنّ حصيرا[2]

غنّاه ابن سريج، رمل بالسبابة في مجرى الوسطى، عن إسحاق، و فيه لحن لمالك، و قيل: بل هو لابن محرز. و عروضه من الكامل.

و قوله: «عقب الرّذاذ خلافه» يقول: جاء الرذاذ بعده، و منه يقال: عقب لفلان غنى بعد فقر. و عقب الرجل أباه، إذا قام بعده مقامه. و عواقب الأمور مأخوذة منه، واحدتها عاقبة. و الرذاذ: صغار المطر. و قوله خلافه: أي بعده. قالل متمم بن نويرة:

و فقدي بني أمّ تداعوا فلم أكن # خلافهم أن أستكين‏[3]و أضرعا

أي بعدهم. و الشّواطب: النساء اللواتي يشطبن لحاء السّعف يعملن منه الحصر، و منه السيف المشطّب.

و الشّطيبة: الشّعبة من الشي‏ء، و يقال: بعثنا إلى فلان شطيبة من خيلنا، أي قطعة.

مغنية و بيت شعر للحارث المخزومي‏

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، قال: كانت مغنّية تختلف إلى صديق لها، فأتته يوما، فوجدته مريضا لا حراك به، فدعت بالعود و غنّت:

/

يا ربع بشرة إن أضر بك البلى # فلقد عهدتك آهلا معمورا

و مما يغنّي به فيه من هذه الأبيات الرائية:

[1]الباقر: اسم جمع للبقر.

[2] «اللسان» «خلف» بنسبته إلى الحارث بن خالد المخزومي.

[3]في النسخ: «لأستكين فأضرعا» . و المثبت من «اللسان» .

38
صوت‏

أعرفت أطلال الرّسوم تنكّرت # بعدي و غيّر آيهنّ دثورا

و تبدّلت بعد الأنيس بأهلها # عفر البواقر[1]يرتعين وعورا

من كل مصبية الحديث ترى لها # كفلا كرابية الكثيب وثيرا

الأطلال: ما شخص من آثار الدّيار. الرسوم: البقايا من الديار، و هي دون الأطلال و أخفى منها. و تنكّرت:

تغيّرت. و الدّاثر: الدارس. و العفر: الظباء، واحدها أعفر. و الوعور: المواضع التي لا أنيس فيها. و الرّبية: الأرض المشرفة، و هي دون الجبل. و الكثيب: القطعة العالية المرتفعة من الرّمل، جمعها كثب. و الوثير: التامّ المرتفع، يقال: فراش وثير إذا كان مرتفعا عن الأرض.

لإسحاق الموصليّ في البيتين الأوّلين ثاني ثقيل بالبنصر، و لإبراهيم فيها خفيف ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى، و لطويس فيهما خفيف ثقيل. و قيل: إنه ليس له. و لابن سريج في الثالث ثم الأول خفيف رمل، و قيل:

/بل هو لخليدة المكّيّة. و في البيت الأول و الثاني لمالك رمل بالوسطى، و قيل: الرمل لطويس، و خفيف الثقيل لمالك. و لمعبد في هذا الصوت لحنان: أحدهما ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى، و الآخر خفيف ثقيل أول.

و منها:

صوت‏

يا دار حسّرها البلى تحسيرا # و سفت عليها الريح بعدك مورا

دقّ التراب بخيلها[2]فمخيّم # بعراصها و مسيّر تسييرا

غنّى في هذين البيتين ابن مسجح خفيف ثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى. و للغريض في: «أعرفت أطلال الرسوم» و ما بعده ثقيل أول بالبنصر، و للغريض أيضا ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى.

حسّرها: أذهب معالمها، و منه حسر الرجل عن ذراعه و عن رأسه إذا كشفهما. و حسر الصلع شعر الرأس، إذا حصّه‏[3]. و المور: التراب، و المخيّم: المقيم.

و منها صوت، أوله:

من كلّ مصيبة الحديث ترى لها[4] # كفلا كرابية الكثيب وثيرا

يفتن-لا يألون-كلّ مغفّل # يملأنه بحديثهنّ سرورا

/و منها:

[1]في أ: «عفر اليعافر» و اليعافر: جمع يعفور، و هو الغزال.

[2]المثبت من «ج» .

[3]الحصّ: حلق الشعر.

[4]المصيبة: التي يشوق حديثها و يستهوي السامع.

39
صوت‏

دع ذا و لكن هل رأيت ظعائنا # قرّبن أجمالا لهنّ قحورا؟!

قرّبن كلّ مخيّس متحمّل # بزلا تشبّه هامهنّ قبورا

القحور: واحدها قحر، و هو المسنّ. و المخيّس: المحبوس للرحلة. و المتحمّل: معتاد الحمل.

و في هذه الأربعة الأبيات للغريض اللّحن الذي ذكرناه. و لابن جامع في:

دع ذا و لكن هل رأيت ظعائنا

و الذي بعده ثاني ثقيل بالوسطى.

/و منها:

صوت‏

إن يمس حبلك بعد طول تواصل # خلقا و يصبح بيتكم مهجورا

فلقد أراني-و الجديد إلى بلى- # زمنا بوصلك راضيا مسرورا

جذلا بمالي عندكم لا أبتغي # للنفس بعدك خلّة و عشيرا

كنت الهوى و أعزّ من وطئ الحصا # عندي، و كنت بذاك منك جديرا

لإبراهيم الموصليّ، و يحيى المكّيّ في هذه الأبيات لحنان، كلاهما من الثقيل الثاني؛ فلحن إبراهيم بالوسطى، و لحن يحيى بالبنصر، و لإسحاق فيهما رمل. و قيل: إنّ لابن سريج فيهما أيضا لحنا آخر.

مغنية تعبر عن حالها ببيتين من شعر الحارث‏

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، قال:

حدثني رجل من أهل البصرة، قال: اشتريت جارية مغنيّة، عندي زمنا و هويتني، و كرهت أن يراها أهلي، فعرضتها للبيع، فجزعت، و قالت: لقد اشتريتني و أنا لك كارهة، و إنك لتبيعني و أنا لذلك كارهة. فقال أخ لي: أرنيها، فقلت: هي عند فلانة، فانظر إليها، فأتاها فنظر إليها و أنا حاضر، فلما اعترضها و فرغ من ذلك غنّت:

إن يمس حبلك بعد طول تواصل # خلقا و يصبح بيتكم مهجورا

فلقد أراني-و الجديد إلى بلى- # زمنا بوصلك راضيا مسرورا

ثم بكت، و ضربت بالعود الأرض فكسرته، فخيّرتها بين أنّ أعتقها أو أبيعها ممن شاءت، فاختارت البيع، و طلبت موضعا ترضاه حتى أصابته، فصيّرتها إليه.

أخبرني يحيى بن عليّ، قال: حدثني أبو أيوب المدائني، قال: حدثني إبراهيم بن علي بن هشام، قال:

حدثتني جارية يقال لها طباع-جارية محمد بن سهل بن فرخنّد-قالت: غنيت إسحاق في لحنه:

أعرفت أطلال الرسوم تنكرت # بعدي.....................

40

إسحاق ينكر على مخارق في أداء لحن له‏

فأنكر عليّ في مقاطعة شيئا، و قال: ممن أخذته؟فقلت: من مخارق، فقال لي: تعثّر الجواد[1]بل هو كما أقول لك، و ردّه عليّ، فهو يقال كما يقول مخارق، و كما غيّره إسحاق.

صوت‏

أخشى على أربد الحتوف و لا # أرهب نوء السّماك و الأسد[2]

فجّعني الرّعد و الصّواعق بالـ # فارس يوم الكريهة النّجد

يا عين هلاّ بكيت أربد إذ # قمنا و قام الخصوم في كبد

إن يشغبوا لا يبال شغبهم # أو يقصدوا في الخصام يقتصد[3]

عروضه من المنسرح.

النّجد: البطل ذو النّجدة. و قال الأصمعيّ في النّجد مثل ذلك. و قال: النّجد-بكسر الجيم-: الذي قد عرق جدّا. و الكبد: الثبات و القيام.

الشعر للبيد بن ربيعة، و الغناء للأبجر، رمل بالبنصر عن عمرو بن بانة. و لإبراهيم فيها رمل آخر بالوسطى في مجراها عن إسحاق، أوّله الثالث و الرابع ثم الأول و الثاني، و ذكرت بذل أنّ في الثالث و الرابع لحنا لحنين بن محرز.

[1]في س: «فقال لي: ليس كما تحدث الخزاز» ، و المثبت من أ.

[2]ديوان لبيد 158، 159، و أربد، أخو لبيد لأمه.

[3]في الديوان: «في الحكوم» ، و الحكوم: القضاء عند التحكيم. يقتصد: يأخذ القصد.

41

3-خبر لبيد في مرثية أخيه‏

نسب أربد

و قد تقدم‏[1]من خبر لبيد و نسبه ما فيه كفاية. يرثي أخاه لأمه أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب، و كانت أصابته صاعقة فأحرقته.

أخبرنا بالسبب في ذلك محمد بن جرير الطبريّ، قال: حدثنا[2]محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن عاصم، عن عمرو بن قتادة، قال:

وفد بني عامر بن صعصعة

قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم وفد بني عامر بن صعصعة، فيهم عامر بن الطّفيل و أربد بن قيس و جبّار[3]بن سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب، و كان هؤلاء الثلاثة رءوس القوم و شياطينهم، فهمّ عامر بن الطّفيل بالغدر برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و قد قال له قومه: يا عامر؛ إنّ الناس قد أسلموا فأسلم، فقال: و اللّه لقد كنت أليت ألاّ أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، فأتبع أنا عقب هذا الفتى من قريش!.

تآمر عمر و أربد على قتل رسول اللّه‏

ثم قال لأربد: إذا أقبلنا على الرّجل فإني شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله أنت بالسيف.

محادة عامر لرسول اللّه‏

فلما قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال له عامر: يا محمد، خالّني‏[4]قال: لا و اللّه، حتى تؤمن باللّه وحده. قال:

يا محمد، خالّني، و جعل/يكلّمه و ينتظر من أربد ما كان أمره، فجعل أربد لا يحير شيئا. فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال: يا محمّد، خالّني، قال: لا، و اللّه، حتى تؤمن باللّه وحده لا تشرك به. فلما أبى عليه رسول اللّه قال:

أما[5]و اللّه لأملأنّها عليك خيلا حمرا، و رجالا سمرا.

دعاء الرسول عليه‏

فلما ولّى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: اللهم اكفني عامر بن الطّفيل. فلما خرجوا من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال عامر لأربد: ويلك يا أربد!أين ما كنت أوصيتك به!و اللّه ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي [1]الأغاني، الجزء الرابع عشر.

[2]الجزء الثالث ص 144 من «تاريخ الطبري» .

[3]في ديوان لبيد: «جارا» ، و المثبت ما في أ، و تاريخ الطبري.

[4]خالّ الرجل مخالّة و خلالا: وادّه و صادقه و آخاه.

[5]في أ: «أم و اللّه» .

42

منك، و ايم اللّه لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال: لا تعجل عليّ لا أبا لك!و اللّه ما هممت بالذي أمرتني به من مرّة إلا دخلت بيني و بين الرجل ما أرى غيرك!أ فأضربك بالسيف!فقال عامر:

بعث الرسول بما ترى فكأنما # عمدا أشدّ على المقانب غارا[1]

و لقد وردن بنا المدينة شزّبا # و لقد قتلن بجوّها الأنصارا[2]

إصابة عامر بالطاعون و موته قبل عودته‏

و خرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث اللّه على عامر الطاعون في عنقه، فقتله اللّه، و إنه لفي بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر، أ غدّة كغدّة البكر[3]، و موت في بيت امرأة من بني سلول!فمات.

صاعقة تحرق أربد

ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بني عامر، فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ فقال: لقد دعانا إلى عبادة شي‏ء لوددت أنّه عندي الآن فأرميه بنبلي هذه حتى أقتله. فخرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه، فأرسل اللّه عليه و على جمله صاعقة فأحرقتهما.

و كان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأمّه.

وفود لبيد إلى الرسول‏

نسخت من كتاب يحيى بن حازم، قال: حدثنا عليّ بن صالح صاحب المصلّى، قال: حدّثنا ابن دأب، قال:

كان أبو براء عامر بن مالك قد أصابته دبيلة[4]، فبعث لبيد بن ربيعة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، أهدى له رواحل، فقدم بها لبيد، و أمره أن يستشفيه من وجعه، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: /لو قبلت من مشرك لقبلت منه، و تناول من الأرض مدرة[5]فتفل عليها، ثم أعطاها لبيدا، و قال: دفها[6]له بماء ثم اسقه إياه.

يقرأ القرآن و يكتب سورة الرحمن‏

و أقام عندهم لبيد يقرأ القرآن و كتب منهم: اَلرَّحْمََنُ*`عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ [7]فخرج بها، و لقيه أخوه أربد على ليلة من الحيّ، فقال له: انزل فنزل، فقال: يا أخي، أخبرني عن هذا الرجل؛ فإنه لم يأته رجل أوثق عندي فيه قولا منك. فقال: يا أخي، ما رأيت مثله-و جعل يذكر صدقه و برّه و حسن حديثه. فقال له: هل معك من قوله شي‏ء؟ قال: نعم، فأخرجها له فقرأها/عليه، فلما فرغ منها قال له أربد: لوددت أني ألقى الرحمن بتلك البرقة[8]، فإن لم أضربه بسيفي فعليّ و عليّ...

[1]المقانب: جمع مقنب، كمنبر، و هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين. و في أ: «المعايب» تصحيف.

[2]شزّبا: ضمرا.

[3]في المختار: كعدة البعير.

[4]الدبيلة، كجهينة: داء في الجوف.

[5]المدر: قطع الطين اليابس، واحدتها بهاء.

[6]دفها: أخلطها.

[7]سورة الرحمن: 1، 2.

[8]البرقة: أرض غليظة بحجارة و رمل. و في أ: «البرقة» ، بفتح الباء.

43

قال: و نشأت سحابة و قد خلّيا عن بعيريهما، فخرج أربد يريد البعيرين، حتى إذا كان عند تلك البرقة غشيته صاعقة فمات.

و قد لبيد على أبي براء فأخبره خبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و أمره، قال: فما فعل فيما استشفيته؟قال: تاللّه ما رأيت منه شيئا كان أضعف عندي من ذلك، و أخبره بالخبر. قال: فأين هي؟قال: ها هي ذه معي. قال: هاتها، فأخرجها له فدافها، ثم شربها فبرأ.

رواية أخرى في وفوده على الرسول‏

قال ابن دأب: فحدّثني حنظلة بن قطرب بن إياد، أحد بني أبي بكر بن كلاب، قال:

لما أصاب عامر بن الطفيل ما أصابه، بعث بنو عامر لبيدا، و قالوا له: اقدم لنا على هذا الرجل فاعلم لنا علمه. فقدم عليه، فأسلم، و أصابه و جمع هناك شديد من حمى، فرجع إلى قومه بفضل تلك الحمّى، و جاءهم بذكر البعث و الجنة و النار، فقال سراقة بن عوف بن الأحوص:

لعمر لبيد إنه لابن أمّه # و لكن أبوه مسّه قدم العهد

دفعناك في أرض الحجاز كأنما # دفعناك فحلا فوقه قزع اللّبد[1]

فعالجت حمّاه و داء ضلوعه # و ترنيق عيش مسّه طرف الجهد

و جئت بدين الصابئين تشوبه # بألواح نجد بعد عهدك من عهد!

و إنّ لنا دارا-زعمت-و مرجعا # و ثمّ إياب القارظين و ذي البرد

/قال: فكان عمر يقول: و ايم اللّه، إياب القارظين‏[2]و ذي البرد.

وفود عامر بن الطفيل على رسول اللّه‏

أخبرني عبد العزيز بن أحمد عمّ أبي، و حبيب بن نصر المهلّبي، و غيرهما، قالوا: حدثنا الزّبير بن بكّار، قال:

حدّثتني ظمياء بنت عبد العزيز بن مولة، قالت‏[3]:

حدثني أبي، عن جدّي مولة بن كثيف، أنّ عامر بن الطفيل أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فوسّده و سادة، ثم قال: أسلم يا عامر. قال: على أنّ لي الوبر و لك المدر، فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فقام عامر مغضبا فولّى، و قال: لأملأنّها عليك خيلا جردا، و رجالا مردا، و لأربطنّ بكل نخلة فرسا. فسألته عائشة: من هذا؟فقال: هذا عامر بن الطفيل، و الذي نفسي بيده لو أسلم فأسلمت بنو عامر معه لزاحموا قريشا على منابرهم. قال: ثم دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و قال: يا قوم، إذا دعوت فأمّنوا، فقال: اللهم اهد بني عامر، و اشغل عنّي عامر بن الطفيل بما شئت، و كيف شئت، و أنّى شئت.

موت عامر بن الطفيل‏

فخرج فأخذته غدّة مثل غدّة البكر، فجعل يثب و ينزو في السماء و يقول: يا موت ابرز لي، و يقول: غدّة مثل غدّة البكر، و موت في بيت سلوليّة؟!و مات.

[1]اللبد: ما يجعل على ظهر الفرس. و القزع: بقايا الشعر.

[2]القارظان: رجلان خرجا في طلب القرظ، يجنيانه، فلم يرجعا، فضرب بهما المثل في انقطاع الغيبة.

[3]في أ: قال «و حدّثني» .

44

/أخبرني محمد بن الحسن بن دريد إجازة، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، قال: أخبرني أسعد بن عمرو الجعفيّ، قال: أخبرني خالد بن قطن الحارثيّ، قال:

لما مات عامر بن الطفيل خرجت امرأة من بني سلول كأنها نخلة حاسرا، و هي تقول:

[1]

أنعى عامر بن الطفيل و أبقى # و هل يموت عامر من حقا؟

و ما أرى عامرا مات حقّا!

/قال: فما رثي يوم أكثر باكيا و باكية، و خمش وجوه، و شقّ جيوب من ذلك اليوم.

بنو عامر تحمي قبر عامر بالأنصاب‏

و قال أبو عبيدة عن الحرمازيّ، قال:

لما مات عامر بن الطفيل بعد منصرفه عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم، نصبت عليه بنو عامر أنصابا ميلا في ميل، حمى على قبره لا تنشر فيه ماشية، و لا يرعى، و لا يسلكه راكب و لا ماش. و كان جبّار[2]بن سلمى بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب غائبا، فلما قدم قال: ما هذه الأنصاب؟قالوا: نصبناها حمى لقبر عامر بن الطّفيل، فقال: ضيّقتم على أبي عليّ، إنّ أبا عليّ بان من الناس بثلاث: كان لا يعطش حتى يعطش الجمل، و كان لا يضلّ حتى يضلّ النّجم، و كان لا يجبن حتى يجبن السيل.

ثلاث خلال فضل عامر بهن الناس‏

قال أبو عبيدة: و قدم عامر على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم و هو ابن بضع و ثمانين سنة.

مراثي لبيد لأخيه‏

و مما رثى به لبيد أخاه أربد قوله‏[3]:

ألا ذهب المحافظ و المحامي # و دافع‏[4]ضيمنا يوم الخصام

و أيقنت التّفرّق يوم قالوا: # تقسّم‏[5]مال أربد بالسّهام

و أربد فارس الهيجا إذا ما # تقعّرت المشاجر بالفئام‏[6]

/و هي طويلة يقول فيها:

فودّع بالسلام أبا حزيز[7] # و قلّ وداع أربد بالسّلام‏

[1]كذا في الأصول.

[2]في س: «حيان» .

[3]ديوانه: 201.

[4]الديوان: «و رافع ضيمنا» .

[5]مختار الأغاني: «نقسم» ، و المثبت يوافق ما في الديوان أيضا.

[6]تقعرت: تقوضت من أصلها. و قال ابن قتيبة: المشاجر: مراكب للنساء أكبر من الهودج الواحد مشجر. و الفئام: وطاء يكون للهودج، أو هو الهودج الذي وسع في أسفله بشي‏ء زيد فيه.

[7]في أ: «أبا حدار» ، تصحيف «أبا حزاز» و في حاشية أ: «أربد أبو حزاز» بالتشديد و التخفيف. و المثبت كما في الديوان مصغّر (حزاز) . ـ

45

قال: و كانت كنية أربد أبا حزاز، فصغّره ضرورة.

و قال فيه أيضا[1]:

ما إن تعدّى‏[2]المنون من أحد # لا والد مشفق و لا ولد

أخشى على أربد الحتوف و لا # أرهب نوء السّماك و الأسد

فجّعني الرّعد و الصّواعق بالـ # فارس يوم الكريهة النّجد

الحارب الجابر الحريب إذا # جاء نكيبا و إن يعد يعيد[3]

يعفو على الجهد و السّؤال كما # أنزل صوب الربيع ذي الرّصد[4]

لم تبلغ‏[5]العين كلّ نهمتها # ليلة تمسي الجياد كالقدد[6]

كلّ بني حرّد مصيرهم # قلّ، و أن أكثرت من العدد

إن يغبطوا يهبطوا[7]و إن أمروا # يوما يصيروا للهلك و النّفد[8]

يا عين هلاّ بكيت أربد إذ # قمنا و قام الخصوم في كبد[9]

/يا عين هلاّ بكيت أربد إذ # ألوت رياح الشتاء بالعضد[10]

و أصبحت لاقحا مصرّمة # حين تقضّت غوابر المدد

إن يشغبوا لا يبال شغبهم # أو يقصدوا في الخصام يقتصد[11]

/حلو كريم، و في حلاوته # مرّ، لطيف الأحشاء و الكبد

أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ينشد شعرا له في رثاء أخيه أربد

نسخت من كتاب ابن النطاح، عن المدائني، عن عليّ بن مجاهد، قال:

أنشد أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه قول لبيد في أخيه أربد[12]:

لعمري لئن كان المخبّر صادقا # لقد رزئت في حادث الدّهر جعفر

[1]ديوانه: 158.

[2]في الديوان: «ما إن تعرى» قال في «شرحه» : تعرّى: تترك.

[3]الحارب: من يحرب الأموال. الجابر: الذي يجبر من قد حرم ماله. نكيبا: مصابا. و إن يعد لسؤاله، يعد لعطيته. و في «بيروت» :

و جاء «بكيئا» .

[4]يعفو: يكثر. و الصّوب: المطر يكون في أول الزمان. و صوب الربيع: مطره. و الرصد: نبات يكمن تحت الثرى، و ذلك في أول المطر.

[5]في أ: «لا تبلغ» .

[6]القدد: السيور.

[7]يهبطوا: يموتوا.

[8]الديوان: «النكد» .

[9]كذا في ب، س و مختار الأغاني و الديوان، و في أ: «و قال الخصوم» . و الكبد: الأمر الشديد.

[10]هامش أ: العضد: الشجر المقطوع. و في شرح الديوان: العضد: الشجر اليابس. و ألوت: ذهبت به و طارت.

[11]الشغب: الجور عن الطريق و القصد. يقتصدوا: يأخذوا الفصد.

[12]ديوانه 167.

46

أخ لي، أمّا[1]كلّ شي‏ء سألته # فيعطي، و أما كلّ ذنب فيغفر

فقال أبو بكر رضوان اللّه عليه: ذلك رسول اللّه، لا أربد بن قيس.

و قد رثاه بعد ذلك بقصائد يطول الخبر بذكرها.

و مما رثاه به، و فيه غناء، قوله‏[2]:

صوت‏

بلينا و ما تبلى النجوم الطّوالع # و تبقى الجبال بعدنا و المصانع

و قد كنت في أكناف دار مضنّة # ففارقني جار بأربد نافع

فلا جزع إن فرّق الدّهر بيننا # فكلّ فتى يوما به الدّهر فاجع

و ما المرء إلاّ كالشّهاب و ضوئه # يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

/أ ليس ورائي إن تراخت منيّتي # لزوم العصا تحنى عليها الأصابع

أخبّر أخبار القرون التي مضت # أدبّ كأنّي كلما قمت راكع

فأصبحت مثل السيف أخلق جفنه # تقادم عهد القين و النّصل قاطع

فلا تبعدن إنّ المنية موعد # علينا فدان للطّلوع و طالع

أعاذل ما يدريك، إلاّ تظنّيا # إذا رحل السّفّار[3]من هو راجع؟

أ تجزع مما أحدث الدهر للفتى # و أيّ كريم لم تصبه القوارع!

غنّى في الأول و الخامس و السادس و السابع حنين الحيريّ خفيف ثقيل أول بالبنصر، عن الهشاميّ و ابن المكيّ و حماد، و فيها ثقيل أول بالوسطى، يقال إنه لحنين أيضا، و يقال إنّه لأحمد النّصبيّ‏[4]، و يقال: إنه منحول.

و مما رثاه به قوله، و هي من مختار مراثيه‏[5]:

طرب الفؤاد و ليته لم يطرب # و عناد ذكرى خلّة لم تصقب‏[6]

سفها، و لو أني أطعت عواذلي # فيما يشرن به بسفح المذنب

لزجرت قلبا لا يريع لزاجر # إنّ الغويّ إذا نهي لم يعتب‏[7]

فتعزّ عن هذا، و قل في غيره # و اذكر شمائل من أخيك المنجب

يا أربد الخير الكريم جدوده # أفردتني أمشي بقرن أعضب‏[8]

[1]في الديوان: «فتى كان أما» .

[2]ديوانه 168.

[3]في الديوان: «إذا ارتحل الفتيان» .

[4]في ب، س، ج: النصيبي.

[5]ديوانه 156.

[6]تصقب: تجاور و تقترب.

[7]لا يريع: لا يرجع و لا يتعظ، لم يعتب: لم يرجع إلى ما يرضى عاتبه.

[8]أعضب: مكسور أو مقطوع.

47

إنّ الرزيّة لا رزيّة مثلها # فقدان كلّ أخ كضوء الكوكب

/ذهب الذين يعاش في أكنافهم # و بقيت في خلف كجلد الأجرب

يتأكّلون مغالة[1]و خيانة # و يغاب قائلهم و إن لم يشغب

و لقد أراني تارة من جعفر # في مثل غيث الوابل المتحلّب‏[2]

من كل كهل كالسّنان و سيّد # صعب المقادة كالفنيق المصعب‏[3]

/من معشر سنّت لهم آباؤهم # و العزّ قد يأتي بغير تطلّب

فبرى عظامي بعد لحمي فقدهم # و الدّهر إن عاتبت ليس بمعتب‏

حدثنا محمد بن جرير الطبريّ، قال: حدثنا أبو السائب سالم بن جنادة، قال: حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها كانت تنشد بيت لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم # و بقيت في خلف كجلد الأجرب‏

ثم تقول: رحم اللّه لبيدا، فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم!.

قال عروة: رحم اللّه عائشة، فكيف بها لو أدركت من نحن بين ظهرانيهم!.

قال هشام: رحم اللّه أبي، فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم!و قال وكيع: رحم اللّه هشاما، فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم!قال أبو السائب: رحم اللّه وكيعا، فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم!قال أبو جعفر: رحم اللّه أبا السائب، فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم!.

قال أبو الفرج الأصبهاني: و نحن نقول: اللّه المستعان، فالقصّة أعظم من أن توصف!.

صوت‏

فإن كان حقّا ما زعمت أتيته # إليك فقام النائحات على قبري

و إن كان ما بلّغته كان باطلا # فلا متّ حتى تسهري الليل من ذكري‏

عروضه من الطويل. و الشعر للعباس بن الأحنف يقوله في فوز، و خبرهما يأتي هاهنا، و الغناء لبذل، خفيف رمل بالبنصر، و فيه لبنان بن عمرو ثاني ثقيل بالبنصر، و فيه لحن لابن جامع من كتاب إبراهيم. و زعم أبو العباس أنّ لمعبد اليقطينيّ فيه خفيف رمل، و ذكر حبش أنّ لإبراهيم خفيف الرمل بالوسطى. و ذكر عليّ بن يحيى المنجم أنه لعليّة. و قيل: إن خفيف الرمل بالبنصر للقاسم بن ز نقطة. و الصحيح أنه لبذل.

[1]مغالة، أي اغتيالا.

[2]جعفر، يعني قومه بني جعفر. في مثل غيث الوابل، أي كثرة عدد.

[3]الفنيق: الفحل المقرم لا يركب لكرامته على أهله. المصعب: غير الذلول.

48

4-ذكر خبر العباس و فوز

كانت جارية لمحمد بن منصور

أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الخراسانيّ، قال: حدثنا محمد بن النضر، قال:

كانت فوز جارية لمحمد بن منصور، و كان يلقّب فتى العسكر، ثم اشتراها بعض شباب البرامكة فدبّرها[1] و حجّ بها. فلما قدمت قال العباس‏[2]:

ألا قد قدمت فوز # فقرّت عين عبّاس

لمن بشّرني البشرى # على العينين و الرّأس

أيا ديباجة الحسن # و يا رامشنة الآس‏[3]

يلوموني على الحبّ # و ما بالحبّ من باس!

تشبهه في شعره بأبى العتاهية

أخبرني محمد، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الأنباريّ-و هو أبو عاصم بن محمد الكاتب-قال:

حدثني علي بن محمد النّوفليّ قال:

كانت فوز لرجل جليل من أسباب السلطان، و كان العبّاس يتشبّه في أشعاره و ذكر فوز بما قاله أبو العتاهية في عتبة، فحجّ بها مولاها، فقال العباس‏[4]:

/

يا ربّ ردّ علينا # من كان أنسا و زينا

من لا نسرّ بعيش # حتى يكون لدينا

/يا من أتاح لقلبي # هواه شؤما و حينا ضما زلت مذ غبت عنّي

من أسخن الناس عينا # ما كان حجّك عندي‏[5]

إلاّ بلاء علينا

فلما قدمت قال:

ألا قد قدمت فوز # فقرّت عين عبّاس‏

[1]دبرها: أعتقها عن دبر، أي بعد موته.

[2]ديوانه 165.

[3]قال الشهاب في «شفاء الغليل» : «رامشنة» ، قال الصولي: هي ورقة الآس، لها رأسان و في ديوانه: و يا رائحة الآس.

[4]ديوانه 265.

[5]في ديوانه: «ما كان حجك هذا» .

49

و ذكر الأبيات المتقدمة.

معابه بينه و بين الأصمعي‏

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ، قال:

حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي، عن عمه، أنه دخل على الفضل بن الربيع يوما، و العباس بن الأحنف بين يديه، فقال العباس للفضل: دعني أعابث الأصمعيّ. قال: لا تفعل، فليس المزاح من شأنه. قال: إن رأى الأمير أن يفعل. قال: ذاك إليك. قال: فلما دخلت قال لي العبّاس: يا أبا سعيد من الذي يقول‏[1]:

إذا أحببت‏[2]أن تصـ # نع شيئا يعجب النّاسا

فصوّر هاهنا فوزا # و صوّر ثمّ عبّاسا

فإن لم يدنوا حتى # ترى خلقيهما خلقا

فكذّبها بما لاقت # و كذّبه بما قاسى‏

فقال لي ابن أبي السّعلاء الشاعر: إنه أراد العبث بك، و هو نبطيّ، /فأجبه على هذا. قال: فقلت له:

لا أعرف هذا، و لكني أعرف الذي يقول:

إذا أحببت أن تبصـ # ر شيئا يعجب الخلقا

فصوّر هاهنا زورا # و صوّر هاهنا فلقا

فإن لم يدنوا حتى # ترى خلقيهما خلقا

فكذّبها بما لاقت # و كذّبه بما يلقى‏

فعرّض بالعباس أنه نبطيّ، فضحك الفضل، فوجم العباس، فقال له‏[الفضل‏]: قد كنت نهيتك عنه، فلم تقبل.

فوز تجد صداعا

أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني محمد بن الفضل الهاشميّ، قال: حدثني أبو توبة الحنفيّ، قال:

وجّه العباس بن الأحنف رسولا إلى فوز، فعاد فأخبره أنها تجد صداعا، و أنه رآها معصوبة الرّأس؛ فقال العباس:

عصبت رأسها فليت صداعا # قد شكته إليّ كان براسي‏[3]

ثم لا تشتكي، و كان لها الأجـ # ر، و كنت السّقام عنها أقاسي

ذاك حتى يقول لي من رآني: # هكذا يفعل المحبّ المواسي‏

قال: فبرئت ثم نكست، فقال‏[4]:

[1]الأبيات في الأغاني 8: 355، و هي في ديوانه 164.

[2]في الديوان: «إذا ما شئت» .

[3]ديوانه 162.

[4]ديوانه 160.

50

إنّ التي هامت بها النّفس # عاودها من عارض نكس‏[1]

كانت إذا ما جاءها المبتلى # أبرأه من كفّها اللّمس‏[2]

/ وا بأبي الوجه المليح الّذي # قد عشقته الجنّ و الإنس

إن تكن الحمّى أضرّت به # فربما تنكسف الشمس‏

فوز ساهرة ذاكرة له‏

أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني أبو العباس الخلنجيّ، قال: حدثني أبو عبد كان الكاتب‏[3]، قال:

حدثني أبو توبة الحنفيّ، قال:

لمّا قال العباس بن الأحنف‏[4]:

أما و الذي أبلى المحبّ و زادني # بلاء، لقد أسرفت في الظلم و الهجر

فإن كان حقّا ما زعمت أتيته # إليك، فقام النائحات على قبري

و إن كان عدوانا عليّ و باطلا # فلا متّ حتى تسهري الليل من ذكري‏

بعثت إليه فوز: أظنّنا ظلمناك يا أبا الفضل، فاستجيب لك فينا!ما زلت البارحة ساهرة ذاكرة لك.

في خلقه شدة

أخبرني جحظة البرمكيّ، قال: حدثني أبو عبد اللّه بن حمدون، عن أحمد بن إبراهيم، قال: حدثني محمد بن سلاّم، قال:

كان في خلق العباس بن الأحنف شدّة، فضرب غلاما له، و حلف أنه يبيعه، فمضى الغلام إلى فوز فاستشفع بها عليه، فكتبت إليه فيه؛ فقال‏[5]:

يا من أتانا بالشفاعات # من عند من فيه لجاجاتي‏[6]

إن كنت مولاك فإنّ التي # قد شفعت فيك لمولاتي‏[7]

إرسالها فيك إلينا لنا # كرامة فوق الكرامات‏

/و رضي عنه و وصله، و أعتقه.

اكتئابه من قولة فوز له: يا شيخ!

أخبرني جحظة، قال: حدثنا أبو عبد اللّه بن حمدون، عن أبيه حمدون بن إسماعيل، عن أخيه إبراهيم بن إسماعيل، قال:

[1]في الديوان: «من سقمها» .

[2]في الديوان: «من واحتها» .

[3]في س: «أبو عبدان» ، و المثبت من أ.

[4]ديوانه 153.

[5]ديوانه 69.

[6]في الديوان: «يا من أتاني... من عند من أبغيه حاجاتي» .

[7]في الديوان: «قد كتبت فيك» .

51

جاءنا العباس بن الأحنف يوما و هو كئيب، فنشّطناه فأبى أن ينشط، فقلنا: ما دهاك؟فقال: لقيتني فوز اليوم، فقالت لي: يا شيخ!و ما قالت ذلك إلاّ من حادث ملال. فقلنا له: هوّن عليك؛ فإنها امرأة لا تثبت على حال، و ما أرادت إلا العبث بك و المزاح معك. فقال: إني و اللّه قد قلت أقبح مما قالت، ثم أنشدنا[1]:

هزئت إذ رأت كئيبا معنى‏[2] # أ قصدته الخطوب فهو حزين

هزئت بي و نلت ما شئت منها # يا لقومي فأيّنا المغبون!

فقلت له: قد انتصفت و زدت.

يمن جارية فوز تزعم أنه راودها

أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثنا علي بن الصبّاح، قال: حدثنا أبو ذكوان، قال:

كانت لفوز جارية يقال لها يمن، و كانت تجي‏ء إلى العباس برسالتها، فمضت إلى فوز، و قد طلبت من العباس شيئا فمنعها إيّاه، و زعمت أنه أرادها و دعاها إلى نفسه، فغضبت فوز من ذلك، فكتب إليها[3]:

لقد زعمت يمن بأني أردتها # على نفسها، تبّا لذلك من فعل

سلوا عن قميصي مثل شاهد يوسف # فإنّ قميصي لم يكن قد من قبل‏[4]

معاتبة فوز له في جفائه و رده عليها

أخبرني محمد، قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال: حدثني سعيد بن حميد، قال:

كانت فوز قد مالت إلى بعض أولاد الجند، و بلغ ذلك العباس، فتركها و لم ترض هي البديل بعد ذلك، فعادت إلى العباس، و كتبت إليه تعاتبه في جفائه؛ فكتب إليها:

كتبت تلوم و تستريب زيارتي # و تقول لست لنا كعهد العاهد[5]

/فأجبتها و دموع عيني جمّة # تجري على الخدّين غير جوامد!

يا فوز لم أهجركم لملالة # منّي و لا لمقال واش حاسد

لكنّني جرّبتكم فوجدتكم # لا تصبرون على طعام واحد

سرقته شعر أبي نواس‏

و قد أنشدني عليّ بن سليمان الأخفش هذه الأبيات، و قال: سرقها من أبي نواس حيث يقول:

صوت‏

و مظهرة لخلق اللّه ودّا # و تلقى بالتحيّة و السلام

أتيت فؤادها أشكو إليه # فلم أخلص إليه من الزّحام‏

[1]الديوان 260.

[2]في أ: «كبيرا» ، و في الديوان: «أن رأت غلاما» .

[3]ديوانه 213.

[4]إشارة إلى ما جاء في سورة يوسف 26: إِنْ كََانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ .

[5]ديوانه 106، و فيه: «و تستريث زيارتي» .

52

فيما من ليس يكفيه محبّ # و لا ألفا محبّ كلّ عام

أظنّك من بقية قوم موسى # فهم لا يصبرون على طعام‏

غنّت فيه عريب لحنا ذكره ابن المعتزّ، و لم يذكر طريقته.

و مما يغنّى فيه من شعر العباس في فوز قوله:

صوت‏

يا فوز ما ضرّ من يمسي و أنت له # ألاّ يفوز بدنيا آل عبّاس‏[1]

أبصرت شيبا بمولاها فوا عجبا # منه يراها و يبدو الشّيب في الرّاس!

غنّاه سليم، رمل مطلق في مجرى الوسطى عن ابن المكّيّ.

و أخبرني محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود، قال:

قرأت على أحمد بن أبي فنن شعر العباس بن الأحنف، و كان مشغوفا به، فسمعته يقول: وددت أن أبياته التي يقول فيها:

يا فوز ما ضرّ من يمسي و أنت له‏

لي بكلّ شعري.

/و في بذل يقول عبد اللّه بن العباس الربيعيّ يخاطب عمرا في بذل بقوله:

صوت‏

تسمّع بحقّ اللّه يا عمرو من بذل # فقد أحسنت و اللّه و اعتمدت قتلي

كأني أرى حبّيك يرجح كلّما # تغنّت لإعجابي و أفقد من عقلي‏

غنّاه عبد اللّه بن العباس الربيعيّ، ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو، و غنّى فيه عمرو بن بانة خفيف رمل بالبنصر عن حبش.

[1]ديوانه 159.

53

5-ذكر بذل و أخبارها

من مولدات المدينة و لها كتاب أغان‏

كانت بذل صفراء مولّدة من مولّدات المدينة، و ربّيت بالبصرة، و هي إحدى المحسنات المتقدّمات، الموصوفات بكثرة الرّواية، يقال: إنها كانت تغنّي ثلاثين ألف صوت. و لها كتاب في الأغاني منسوب الأصوات غير مجنّس، يشتمل على اثني عشر ألف صوت، يقال: إنها عملته لعليّ بن هشام. و كانت حلوة الوجه ظريفة، ضاربة متقدّمة، و ابتاعها جعفر بن موسى الهادي، فأخذها منه محمد الأمين، و أعطاه مالا جزيلا، فولدهما جميعا يدّعون ولاءها. فأخذت بذل عن أبي سعيد مولى فائد و دحمان و فليح و ابن جامع و إبراهيم، و طبقتهم.

أروى خلق اللّه للغناء

و قرأت على جحظة، عن أبي حشيشة في كتابه الذي جمعه من أخباره و ما شاهده، /قال:

كانت بذل من أحسن الناس غناء في دهرها، و كانت أستاذة كلّ محسن و محسنة، و كانت صفراء مدنية، و كانت أروى خلق اللّه تعالى للغناء، و لم يكن لها معرفة.

احتيال الأمين في أخذها

و كانت لجعفر بن موسى الهادي، فوصفت لمحمد بن زبيدة، فبعث إلى جعفر يسأله أن يريه إيّاها، فأبى، فزاره محمد إلى منزله، فسمع شيئا لم يسمع مثله، فقال لجعفر: يا أخي، بعني هذه الجارية. فقال: يا سيّدي، مثلي لا يبيع جارية، قال: فهبها لي، قال: هي مدبّرة[1]. فاحتال عليه محمد حتى أسكره، و أمر ببذل فحملت معه إلى الحرّاقة، و انصرف بها.

/فلما انتبه سأل عنها فأخبر بخبرها، فسكت، فبعث إليه محمد من الغد، فجاءه و بذل جالسة فلم يقل شيئا.

فلما أراد جعفر أن ينصرف قال: أوقروا حرّاقة ابن عمّي دراهم، فأوقرت.

قال: فحدثني عبد اللّه بن الحنينى-و كان أبوه على بيت مال جعفر بن موسى-أنّ مبلغ ذلك المال كان عشرين ألف ألف درهم.

قال: و بقيت بذل في دار محمد إلى أن قتل، ثم خرجت، فكان ولد جعفر و ولد محمد يدّعون ولاءها. فلما ماتت ورثها ولد عبد اللّه بن محمّد بن زبيدة.

[1]المدبرة: المعتقة بعد الموت. و في هامش أ: «المدبر من الرقيق: الذي يقول له سيده بعد الموت: أنت حر بعد دبر مني» ، أي بعد وفاتي.

54

وهب لها الأمين من الجوهر ما لم يملك مثله أحد

و قد روى محمد بن الحسن الكاتب هذا الخبر، عن ابن المكّيّ، عن أبيه، و قال فيه: إن محمدا وهب لها من الجوهر شيئا لم يملك أحد مثله، فسلّم لها، فكانت تخرج منه الشي‏ء بعد الشي‏ء فتبيعه بالمال العظيم، فكان ذلك معتمدها مع ما يصل إليها من الخلفاء إلى أن ماتت و عندها منه بقيّة عظيمة.

إباؤها الزواج حتى موتها

قال: و رغب إليها وجوه القوّاد و الكتّاب و الهاشميّين في التزويج، فأبت و أقامت على حالها حتى ماتت.

علي بن هشام في موكبه إليها

قال أبو حشيشة في خبره: و كنت عند بذل يوما و أنا غلام، و ذلك في أيام المأمون ببغداد، و هي في طارمة[1] لها تمتشط، ثم خرجت إلى الباب، فرأيت الموكب، فظننت أنّ الخليفة يمرّ في ذلك الموضع، فرجعت إليها فقلت: يا ستّي‏[2]؛ الخليفة يمرّ على بابك؟فقالت: انظروا أيّ شي‏ء هذا؟إذ دخل بوّابها فقال: علي بن هشام بالباب. فقالت: و ما أصنع به!فقامت إليها وشيكة[3]جاريتها-و كانت ترسلها إلى الخليفة و غيره في حوائجها- /فأكبّت على رجلها، و قالت: اللّه، اللّه!أ تحجبين عليّ بن هشام!فدعت بمنديل فطرحته على رأسها و لم تقم إليه، فقال: إني جئتك بأمر سيدي أمير المؤمنين، و ذلك أنه سألني عنك، فقلت: لم أرها منذ أيام. فقال: هي عليك غضبى، فبحياتي لا تدخل منزلك حتى تذهب إليها فسترضيها.

تكتب اثني عشر ألف صوت‏

فقالت: إن كنت جئت بأمر الخليفة فأنا أقوم. فقامت فقبّلت رأسه و يديه‏[4]و قعد ساعة و انصرف، فساعة خرج قالت: يا وشيكة، هاتي دواة و قرطاسا، فجعلت تكتب فيه‏[5]يومها و ليلتها حتى كتبت اثني عشر ألف صوت -و في بعض النسخ: «رءوس سبعة آلاف صوت» -ثم كتبت إليه: يا عليّ بن هشام، تقول: قد استغنيت عن بذل بأربعة آلاف صوت أخذناها منها، و قد كتبت هذا و أنا ضجرة، فكيف لو فرّغت لك قلبي كلّه!و ختمت الكتاب، و قالت لها: امضي به إليه.

فما كان أسرع من أن جاء رسوله-خادم أسود يقال له مخارق-بالجواب يقول فيه: يا ستّي، لا و اللّه ما قلت الذي بلغك، و لقد كذب عليّ عندك؛ إنما قلت: لا ينبغي أن يكون في الدنيا غناء أكثر من أربعة آلاف صوت، و قد بعثت إليّ بديوان لا أؤدّي شكرك عليه أبدا. /و بعث إليها عشرة آلاف درهم، و تخوتا[6]فيها خزّ و وشي و ملح، و تختا مطبقا فيه ألوان الطّيب.

علي بن هشام يعاتبها في جفوة نالته منها

أنشدني عليّ بن سليمان الأخفش لعليّ بن هشام يعاتب بذلا في جفوة نالته منها:

[1]الطارمة: بيت من الخشب، كالقبة.

[2]ستّي: كلمة مولّدة، و في نهاية الأرب: يا «سيدتي» .

[3]في مختار الأغاني: «وشيك» ، بغير تاء.

[4]في ب، س: «فقبلت رأسه و رجليه» .

[5]في أ: «به» .

[6]التخوت: جمع تخت؛ و هو وعاء تصان فيه الثياب.