الأغاني - ج18

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
503 /
259

الجزء الثامن عشر

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

1-ذكر ذي الرمة و خبره‏

نسبه‏

اسمه غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ملكان بن عديّ بن عبد مناة بن أدّ طابخة بن إلياس بن مضر.

أقوال في سبب تلقيبه ذا الرمة

و قال ابن سلاّم: هو غيلان بن عقبة بن بهيش‏[1]بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة[2]بن ملكان.

و يكنى أبا الحارث، و ذو الرمة لقب. يقال: لقّبته به ميّة؛ و كان اجتاز بخبائها و هي جالسة إلى جنب أمها فاستسقاها ماء، فقالت لها أمها: قومي فاسقيه. و قيل: بل خرق إداوته لمّا رآها، و قال لها: اخرزي لي هذه، فقالت: و اللّه ما أحسن ذلك، فإني لخرقاء. قال: و الخرقاء التي لا تعمل بيدها شيئا لكرامتها على قومها، فقال لأمها: مريها أن تسقيني ماء، فقالت لها: قومي يا خرقاء فاسقيه ماء، فقامت فأتته بماء، و كانت على كتفه‏[3]رمّة؛ و هي قطعة من حبل، فقالت: اشرب يا ذا الرّمّة؛ فلقّب بذلك.

و حكى ابن قتيبة[4]أن هذه القصة جرت بينه و بين خرقاء العامريّة.

و قال ابن حبيب: لقّب ذا الرمة لقوله‏[5]:

أشعث باقي رمّة التّقليد

/و قيل: بل كان يصيبه في صغره فزع، فكتبت‏[6]له تميمة، فعلّقها[7]بحبل، فلقّب بذلك ذا الرّمّة.

و نسخت من كتاب محمد بن داود بن الجرّاح: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، عن محمد بن صالح العدويّ، عن أبيه، و عن أشياخه، و عدّة من أهل البادية من بني عديّ، منهم زرعة بن أذبول‏[8]و ابنه سليمان و أبو قيس و تميم/و غيرهم من علمائهم:

[1]كذا في «المشتبه» ، و «القاموس» ، و «اللآلي» ، و «ابن خلكان» . و في «الأصول» : «نهيس» .

[2]جـ: «بن عمرو بن ساعدة بن كعب بن عوف بن ثعلبة بن ربيعة» .

[3]جـ: «كفه» .

[4] «الشعر و الشعراء» 509.

[5] «اللسان» 15: 143، و «نوادر المخطوطات» لابن حبيب 301، و «الشعر و الشعراء» 508.

[6]ب، س: «فكتبت له أمه» .

[7]أ: «فتعلقها» .

[8]ب، س، ف: «دبول» .

260

أنّ أمّ ذي الرّمة جاءت إلى الحصين بن عبدة بن نعيم العدويّ‏[1]و هو يقرئ الأعراب بالبادية احتسابا بما يقيم لهم صلاتهم، فقالت له: يا أبا الخليل؛ إن ابني هذا يروّع بالليل، فاكتب لي معاذة أعلّقها على‏[2]عنقه، فقال لها: ائتيني برقّ أكتب فيه، قالت: فإن لم يكن، فهل يستقيم في غير رقّ أن يكتب له؟قال: فجيئيني بجلد[3]، فأتته بقطعة جلد غليظ، فكتب له معاذة فيه، فعلّقته في عنقه، فمكث دهرا. ثم إنها مرّت مع ابنها لبعض حوائجها بالحصين و هو جالس في ملأ من أصحابه و مواليه، فدنت منه، فسلّمت عليه، و قالت: يا أبا الخليل، أ لا تسمع قول غيلان و شعره؟قال:

بلى. فتقدّم فأنشده، و كانت المعاذة مشدودة على يساره في حبل أسود، فقال الحصين: أحسن ذو الرمة؛ فغلبت عليه.

كان له إخوة كلهم شعراء

و قال الأصمعيّ: أمّ ذي الرمة امرأة من بني أسد يقال لها ظبية، و كان له إخوة لأبيه و أمّه شعراء منهم مسعود، و هو الذي يقول يرثي أخاه ذا الرمّة و يذكر ليلى بنته:

إلى اللّه أشكو لا إلى الناس أنني # و ليلى كلانا موجع مات وافده‏[4]

/و لمسعود يقول ذو الرمة[5]:

صوت‏

أقول لمسعود بجرعاء مالك # و قد همّ دمعي أن تسحّ أوائله

ألا هل ترى الأظعان جاوزن مشرفا # من الرمل أو سالت بهنّ سلاسله‏[6]

غنّى فيه يحيى بن المكيّ‏[7]ثاني ثقيل بالوسطى، على مذهب إسحاق من رواية عمرو.

و مسعود الذي يقول‏[8]يرثي أخاه أيضا ذا الرمّة، و يرثي أوفى بن دلهم ابن عمه، و أوفى هذا أحد من يروى عنه الحديث.

و قال هارون بن‏[9]الزيات: أخبرني ابن حبيب، عن ابن الأعرابيّ، قال: كان لذي الرمة إخوة ثلاثة[10]:

مسعود، و جرفاس، و هشام، كلّهم شعراء، و كان الواحد منهم يقول الأبيات فيبني عليها ذو الرمة أبياتا أخر، فينشدها الناس، فيغلب عليها لشهرته و تنسب إليه‏[11]:

[1]جـ: «العذري» .

[2]ف: «في عنقه» .

[3]جـ: «بقطعة جلد» .

[4]جـ: «واحده» .

[5] «ديوانه» 466.

[6]ف: «أو حاذت... سوائله» . و مشرف: موضع، و سلاسل الرمل: ما انعقد و اتصل.

[7]ف: «يحيى المكي» .

[8]في ف: «يقول فيه أيضا» .

[9]ف: «بن محمد الزيات» .

[10]في ابن سلام: و كانوا إخوة ثلاثة: غيلان و أوفى و مسعود. و قال ابن قتيبة في «الشعر و الشعراء» : و كان لذي الرمة إخوة ثلاثة: هشام و أوفى و مسعود، فجعلهم أربعة إخوة.

[11] «ابن سلام» 481، و «شرح الحماسة» 2: 147، و «الكامل» 1: 153.

261

نعى الركب أوفى حين آبت ركابهم # لعمري لقد جاءوا بشرّ فأوجعوا[1]

نعوا باسق الأخلاق لا يخلفونه # تكاد الجبال الصّمّ منه تصدّع

/خوى المسجد المعمور بعد ابن دلهم # فأضحى بأوفى قومه قد تضعضعوا

تعزّيت عن أوفى بغيلان بعده # عزاء و جفن العين ملآن مترع

و لم تنسني أوفى المصيبات‏[2]بعده # و لكن نكاء القرح بالقرح‏[3]أوجع‏

و أخوه الآخر هشام، و هو ربّاه‏[4]، و كان شاعرا. و لذي الرمّة يقول:

أ غيلان إن ترجع قوى الودّ بيننا # فكلّ الذي ولّى من العيش‏[5]راجع

فكن مثل أقصى الناس عندي فإنني # بطول التّنائي من أخي السوء قانع‏

يقول شعرا لأخيه هشام فيجيبه‏

و قال ذو الرمة لهشام أخيه‏[6]:

أغرّ هشاما من أخيه ابن أمّه # قوادم ضأن أقبلت و ربيع‏[7]

و هل تخلف الضأن الغزار أخا النّدى‏[8] # إذا حلّ أمر في الصّدور فظيع‏

/فأجابه هشام فقال:

إذا بان مالي من سوامك لم يكن # إليك و ربّ العالمين رجوع

فأنت الفتى ما اهتزّ في الزّهر النّدى‏[9] # و أنت إذا اشتدّ الزمان منوع‏[10]

ذو الرمة و أخوه مسعود يقولان شعرا في ظبية سنحت لهما

و ذكر المهلّبيّ‏[11]عن أبي كريمة النجويّ، قال:

/خرج ذو الرمّة يسير مع أخيه مسعود بأرض الدّهناء، فسنحت لهما ظبية، فقال ذو الرمة[12]:

أقول لدهناوية عوهج جرت # لنا بين أعلى برقة بالصّرائم‏[13]

[1]أ: «فأوجفوا» ، تصحيف.

[2]أ: «أوفى المصائب» .

[3]القرح: الجرح.

[4]ف: «رثاه» .

[5]ف: «من الدهر» .

[6] «ديوانه» 354.

[7]في «الديوان» : «قوادم ضأن يسرت و ربيع» .

[8] «الديوان» : «و لا تخلف... أخا الفتى» .

[9]ف: «ما اهتز في الدهر للندى» .

[10]ف: «هلوع» .

[11]ف: «الهشامي» .

[12] «ديوانه» 621.

[13] «الديوان» : «لنا بين أعلى عرفة بالصرائم» .

و دهناوية: ظبية من ظباء الدهناء. و الصرائم: الرمال. و عوهج: طويلة. و برقة: موضع.

262

أبا ظبية الوعساء بين جلاجل # و بين النّقا آنت أم أمّ سالم!

و قال مسعود[1]:

فلو تحسن التشبيه و النعت لم تقل # لشاة النّقا آنت أم أمّ سالم

جعلت لها قرنين فوق قصاصها[2] # و ظلفين مسودّين تحت القوائم‏

و قال‏[3]ذو الرمة[4]:

هي الشّبه لو لا مذرواها و أذنها # سواء و لو لا مشقة في القوائم‏[5]

و كان طفيليا

و كان ذو الرمّة كثيرا ما يأتي الحضر فيقيم بالكوفة و البصرة، و كان طفيليّا.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثني الحسن بن عليّ، قال: حدثني ابن‏[6]سعيد الكنديّ، قال:

سمعت ابن عيّاش يقول:

حدثني من رأى ذا الرمّة طفيليّا يأتي العرسات‏[7].

بعض صفاته‏

نسخت من كتاب محمد بن داود بن الجرّاح: حدثني هارون بن الزيات، قال: أخبرني محمد بن صالح العدويّ، قال: قال زرعة بن أذبول:

كان ذو الرمّة مدوّر الوجه، حسن الشّعرة جعدها، أقنى، أنزع، خفيف العارضين، أكحل، حسن الضحك‏[8]، مفوّها، إذا كلمك كلّمك أبلغ الناس، يضع لسانه حيث يشاء.

قال حمّاد بن إسحاق: حدثني إدريس بن سليمان بن يحيى بن أبي حصفة، عن عمته عافية و غيرها من أهله:

أنهم رأوا ذا الرمّة باليمامة عند المهاجر بن عبد اللّه شيخا أجنأ[9]سناطا[10]متساقطا.

و قال هارون‏[11]بن الزيات: حدثني عليّ بن أحمد الباهليّ، قال: حدثني ربيح النميريّ، قال:

اجتمع الناس مرة و تحلّقوا على ذي الرمة، و هو ينشدهم، فجاءت أمه فاطّلعت من بينهم فإذا رجل قاعد و هو [1]ف: «فقال له مسعود» .

[2]قصاص الشعر: حيث تنتهي نبتته من مقدمه أو مؤخره. ( «القاموس» ) .

[3]ف «فقال» .

[4] «ديوانه» 622.

[5] «الديوان» : «إلا مدرييها و أذنها... و إلا مشقة، و في أ: ... إلا مذرييها» ، و المذروان من الرأس: ناحيتاه. و المدري: القرن.

و المشقة: الرقة أو فرجة في قوائمها.

[6]ف: «حدثني علي بن سعيد» .

[7]العرسات: جمع عرس، بالضم و بضمتين: طعام الوليمة.

[8]جـ: «حسن المضحك» .

[9]الأجنأ: من يشرف كاهله على صدره.

[10]السناط، بالكسر و الضم: الخفيف العارض، أو الذي لا لحية له أصلا.

[11]جـ: «هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات» .

263

ذو الرمة. و كان دميما شختا[1]أجنأ فقالت أمه: استمعوا إلى شعره، و لا تنظروا إلى وجهه.

قال هارون: و أخبرني يعقوب بن السكّيت، عن أبي عدنان، قال: أخبرني أسيد الغنويّ، قال:

/سمعت بباديتنا من قوم هضبوا في الحديث‏[2]أنّ ذا الرّمّة كان ترعيّة[3]، و كان كناز اللحم مربوعا قصيرا، و كان أنفه ليس بالحسن.

الفرزدق و جرير يحسدانه‏

أخبرني ابن عمّار، عن سليمان بن أبي‏[4]شيخ، عن أبيه، عن صالح بن سليمان قال:

كان الفرزدق و جرير يحسدان ذا الرمّة، و أهل البادية يعجبهم شعره.

كان صالح بن سليمان راوية لشعره‏

قال: و كان صالح بن سليمان راوية لشعر ذي الرمّة، فأنشد يوما قصيدة له، و أعرابيّ من بني عديّ يسمع، فقال: أشهد عنّك-أي أنّك-لفقيه تحسن ما تتلوه‏[5]، و كان يحسبه قرآنا.

إعجاب الكميت بشعره‏

نسخت من كتاب محمد بن داود: و حدثني هارون بن الزيات، عن محمد بن صالح العدويّ، قال: قال حمّاد الراوية:

قال الكميت حين سمع قول ذي الرمة[6]:

أعاذل قد أكثرت من قول قائل # و عيب على ذي الودّ[7]لوم العواذل‏

/هذا و اللّه ملهم، و ما علم بدويّ بدقائق‏[8]الفطنة و ذخائر كنز العقل المعدّ لذوي الألباب!أحسن ثم أحسن.

قال محمد بن صالح: و حدثني محمد بن كناسة بذلك عن الكميت، و قال:

/لما أنشده قوله في هذه القصيدة[9]:

دعاني و ما داعي الهوى من بلادها # إذا ما نأت خرقاء عنّي بغافل‏

فقال الكميت: للّه بلاد هذا الغلام!ما أحسن قوله!و ما أجود وصفه!و لقد شفع‏[10]البيت الأول بمثله في [1]أ: «و كان ذميما شيخا» . و الشخت: الدقيق الضامر خلقة لا هزالا.

[2]هضب الرجل في الحديث: أفاض. و في حـ: «هضبوا الحديث» .

[3]رجل ترعية بالتشديد، و قد يخفف: يجيد رعية الإبل.

[4]ف: «أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، عن أحمد بن سليمان بن أبي شيخ» .

[5]ف: «ما تلوته» .

[6] «ديوانه» 500.

[7]في «الديوان» : «و عيب على ذي اللب» .

[8]ف: «بدقائق فهم الفطنة» .

[9] «ديوانه» 492.

[10]جـ: «شيع» .

264

جودة الفهم و الفطنة، و قال‏[1]قول مستسلم.

قال ابن كناسة: و قال لي حمّاد الراوية: ما أخّر القوم ذكره إلاّ لحداثة سنّه، و أنهم حسدوه.

آراء قيلت في شعره‏

قال محمد بن صالح: و قال لي خالد بن كلثوم و أبو عمرو: قال أبو حزام و أبو المطرّف‏[2]:

لم يكن أحد من القوم في زمانه أبلغ من ذي الرمة، و لا أحسن جوابا؛ كان كلامه أكثر من شعره.

و قال الأصمعيّ: ما أعلم أحدا من العشّاق الحضريّين و غيرهم شكا حبّا أحسن من شكوى ذي الرمّة، مع عفّة و عقل رصين.

قال: و قال أبو عبيدة:

ذو الرمة يخبر فيحسن الخبر، ثم يردّ على نفسه الحجّة من صاحبه‏[3]فيحسن الردّ، ثم يعتذر فيحسن التخلص، مع حسن إنصاف و عفاف في الحكم.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا أبو أيوب المدينيّ، قال: حدثنا الفضل بن إسحاق الهاشميّ، عن مولّى لجدّه، قال:

رأيت ذا الرمة بسوق المربد، و قد عارضه رجل يهزأ به، فقال له: يا أعرابيّ، أتشهد بما لم تر؟قال: نعم، قال: بما ذا؟قال: أشهد أنّ أباك ناك أمّك.

/أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ، قال: حدثني عمّي عبيد اللّه، عن ابن حبيب، عن عمارة بن عقيل، قال:

كان جرير عند بعض الخلفاء، فسأله عن ذي الرمّة، فقال: أخذ من طريف الشعر و حسنه‏[4]ما لم يسبقه إليه أحد غيره.

أخبرني وكيع‏[5]، عن حماد بن إسحاق، قال: قال حماد الراوية:

قدم علينا ذو الرمة الكوفة، فلم أر أفصح و لا أعلم بغريب منه.

نسخت من كتاب ابن النطّاح: حدثني أبو عبيدة، عن أبي عمرو، قال: ختم الشّعر بذي الرمة، و ختم الرّجز برؤبة.

قال: فما تقول في هؤلاء الذين يقولون؟قال: كلّ على غيرهم؛ إن قالوا حسنا فقد سبقوا إليه، و إن قالوا قبيحا فمن عندهم.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخرّاز، عن المدائنيّ، عن بعض أصحابه، عن حمّاد الرّاوية، قال:

[1]ف: «فقال» .

[2]جـ: ... و أبو عمرو علي بن حزام و أبو المطرف.

[3]ج: «من صاحبته» .

[4]جـ: «و وحشيه» .

[5]حـ: «محمد بن خلف وكيع. قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه... » .

265

أحسن الجاهلية تشبيها امرؤ القيس، و ذو الرمة أحسن أهل الإسلام تشبيها.

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ، عن عمه عبيد اللّه، عن ابن حبيب، عن عمارة بن عقيل:

أنّ جريرا و الفرزدق اتّفقا عند خليفة من خلفاء بني أميّة، فسأل كلّ واحد منهما على انفراد[1]عن ذي الرمة، فكلاهما قال: أخذ من طريف الشعر و حسنه‏[2]ما لم يسبقه إليه غيره، فقال الخليفة: أشهد لاتفاقكما[3]فيه أنه أشعر منكما جميعا.

/أخبرني جحظة[4]، عن حماد بن إسحاق، قال: حدثني أبي قال:

أنشد الصّيقل شعر ذي الرمة فاستحسنه، و قال: ما له قاتله اللّه!ما كان إلاّ ربيقة، هلاّ عاش قليلا[5]!.

و قال هارون بن محمد: أخبرني عليّ بن أحمد الباهليّ، قال: حدثني محمد بن إسحاق البلخيّ، عن سفيان ابن عيينة، عن ابن شبرمة، قال: سمعت ذا الرمة يقول: إذا قلت: كأنّه، ثم لم أجد مخرجا فقطع‏[6]اللّه لساني.

/قال هارون: و حدثني‏[7]العباس بن ميمون طائع، قال: قال الأصمعيّ: كان ذو الرمّة أشعر الناس إذا شبّه، و لم يكن بالمفلق.

و حدثني أبو خليفة، عن محمد بن سلاّم، قال:

كان لذي الرمة حظّ في حسن التشبيه لم يكن لأحد من الإسلاميين، كان‏[8]علماؤنا يقولون: أحسن الجاهلية تشبيها امرؤ القيس، و أحسن أهل الإسلام تشبيها ذو الرّمة.

لقاؤه بمية و شغفه بها

أخبرني محمد بن يزيد قال: حدثنا حماد، عن أبيه، عن أبي عقيل عمارة بن عقيل، عن عمته أم القاسم ابنة بلال بن جرير، عن جارية كانت لأم ميّ، قالت:

كنا نازلين بأسفل الدهناء، و كان رهط ذي الرّمة مجاورين لنا، فجلست مية-و هي حينئذ فتاة حين نهد ثدياها أحسن من رأيته-تغسل ثيابا لها و لأمها في بيت منفرد، و كان بيتا رثّا قد أخلق، ففيه خروق، فلما فرغت و لبست ثيابها جاءت فجلست عند أمها، فأقبل ذو الرّمة حتى دخل إلينا، ثم سلّم، و نشد ضالّة و جلس ساعة ثم خرج.

فقالت مية: إني لأرى هذا العدويّ‏[9]قد رآني منكشفة و اطلع عليّ من/حيث لا أدري؛ فإنّ بني عديّ‏[10]أخبث قوم في الأرض، فاذهبي فقصّي أثره، فخرجت فوجدته ما يثبت مقامه، فقصصت أثره ثانية حتى رأيته و قد تردد أكثر [1]أ: «انفراده» .

[2]ف: «و وحشيه» .

[3]ف: «أشهد على اتفاقكما» .

[4]حـ: «أحمد بن جعفر جحظة» .

[5]حـ: «ما كان إلا زنبقة، ألا عاش قليلا!و الربقة: العروة من الحبل، و تصغيرها ربيقة.

[6]حـ: «و لم أجد فقطع» .

[7]حـ: «و حدثني محمد بن العباس» .

[8]جـ: «و كان» .

[9]في «المختار» : «العذري» .

[10]في «المختار» : «بني عذرة» .

266

من ثلاثين طرقة[1]، كل ذلك يدنو فيطّلع إليها، ثم يرجع على عقبيه، ثم يعود فيطلع إليها، فأخبرتها بذلك، ثم لم تنشب أن جاءنا شعره فيها من كل وجه و مكان‏[2].

رواية أخرى في ذلك‏

و ذكر عليّ بن سعيد بن بشر الرازيّ: أن هارون بن مسلم بن سعد حدّثه عن حسين‏[3]بن براق الأسديّ، عن عمارة بن ثقيف، قال:

حدثني ذو الرّمة أنّ أول ما قاد المودّة بينه و بين ميّة أنه خرج هو و أخوه و ابن عمه في بغاء إبل لهم، قال:

بينا[4]نحن نسير إذ وردنا على ماء و قد أجهدنا العطش، فعدلنا إلى حواء[5]عظيم، فقال لي أخي و ابن عمي: ائت الحواء فاستسق لنا[6]، فأتيته و بين يديه في رواقه عجوز جالسة. قال: فاستسقيت، فالتفتت وراءها فقالت: يا ميّ، اسقي هذا الغلام، فدخلت عليها فإذا هي تنسج‏[7]علقة لها، و هي تقول:

يا من يرى‏[8]برقا يمرّ حينا # زمزم رعدا و انتحى يمينا[9]

كأنّ في حافاته حنينا[10] # أو صوت خيل ضمّر يردينا

قال: ثم قامت تصبّ في شكوتي‏[11]ماء، و عليها شوذب‏[12]لها، فلما/انحطّت على القربة رأيت مولّى لم أر أحسن منه، فلهوت بالنظر إليها، و أقبلت تصبّ الماء في شكوتي و الماء يذهب يمينا و شمالا. قال: فأقبلت عليّ العجوز «[13]و قالت: يا بنيّ ألهتك ميّ عما بعثك أهلك له، أما ترى الماء يذهب يمينا و شمالا!» [13]فقلت: أما و اللّه ليطولنّ هيامي بها.

قال: و ملأت شكوتي، و أتيت أخي و ابن عمي، و لففت رأسي، فانتبذت ناحية، و قد كانت ميّ قالت: لقد كلّفك أهلك السّفر على ما أرى من صغرك و حداثة سنك، فأنشأت أقول‏[14]:

قد سخرت‏[15]أخت بني لبيد # منّي و من سلم و من وليد[16]

[1]طرقة: مرّة من الطرق.

[2]انفردت ف بهذا الخبر.

[3]ف: «غصين بن براق» .

[4]ف: «فبينا» .

[5]في المختار: «خباء» . و الخبار و الحواء، ككتاب: جماعة البيوت المتدانية.

[6]ف: «فاستسق لنا ماء» .

[7]في «المختار» : «تمسح علقة لها» . و في ف: «تنسج شقة لها» . و العلقة: قميص بلا كمين، و قيل: ثوب صغير يتخذ للصبي.

[8]في «المختار» : «رأى» .

[9]في «المختار» : «... على يبرينا... و انتحى حنينا» .

[10] «المختار» : «جنينا» .

[11]الشكوة: وعاء من أدم الماء و اللبن.

[12]الشوذب: ثوب طويل.

(13-13) من أ، ف، و المختار.

[14] «ديوانه» 57.

[15] «الديوان» : «قد عجبت» .

[16] «الديوان» : «و هزئت مني و من مسعود» .

267

رأت غلامي سفر بعيد # يدّرعان اللّيل ذا السّدود[1]

مثل ادّراع اليلمق‏[2]الجديد

قال: و هي أول قصيدة قلتها ثم أتممتها:

هل‏[3]تعرف المنزل بالوحيد

ثم مكثت أهيم بها في ديارها عشرين سنة.

ذو الرمة و زوج ميّ‏

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، عن النوفليّ‏[4]، قال: سمعت أبي يقول:

ضاف ذو الرّمة[5]زوج ميّ في ليلة ظلماء، و هو طامع في ألاّ يعرفه زوجها، فيدخله بيته‏[6]، فيراها و يكلّمها، ففطن له الزّوج و عرفه فلم يدخله، و أخرج إليه/قراه، و تركه بالعراء[7]، و قد عرفته ميّة؛ فلما كان في جوف الليل تغني غناء الرّكبان قال‏[8]:

أ راجعة يا ميّ أيامنا الألى # بذي الأثل أم لا، ما لهنّ رجوع!

فغضب زوجها، و قال: قومي فصيحي به: يا بن الزانية، و أيّ أيام كانت لي‏[9]معك بذي الأثل!فقالت:

يا سبحان اللّه، ضيف، و الشاعر يقول!فانتضى السيف، و قال: و اللّه لأضربنّك به حتى آتي عليك أو تقولي‏[10]، فصاحت به كما أمرها زوجها، فنهض على‏[11]راحلته، فركبها و انصرف عنها مغضبا يريد أن يصرف مودّته عنها إلى غيرها.

قال شعرا في خرقاء يغيظ به ميّا

فمرّ بفلج في ركب، و بعض أصحابه يريد/أن يرقع خفّه، فإذا هو بجوار خارجات من بيت يردن آخر، و إذا خرقاء فيهنّ-و هي امرأة من بني عامر-فإذا جارية حلوة شهلاء[12]، فوقعت عين ذي الرّمة عليها، فقال لها:

يا جارية، أ ترقعين لهذا الرجل خفّه؟فقالت تهزأ به: أنا خرقاء لا أحسن أن أعمل؛ فسمّاها خرقاء، و ترك ذكر ميّ؛ يريد أن يغيظ بذلك ميّا. فقال فيها قصيدتين أو ثلاثا، ثم لم يلبث أن مات.

[1]يدرعان: يلبسان. و السدود: الظلمات.

[2]اليلمق: القباء، فارسي معرب.

[3] «الديوان» : 15، و أولها:

ألا يا دارميّة بالوحيد # كأن رسومها قطع البرود

[4]حـ: «حدثني علي بن محمد النوفلي» .

[5]أي نزل ذو الرمة ضيفا عليه.

[6]ف: «بيته و يقريه» .

[7]ف: «و تركه بالعراء و راحلته» .

[8] «ديوانه» 352 و روايته في «الديوان» : «أيامنا التي... بذي الرمث» .

[9]ف: «كانت لنا» .

[10]ف: «أو لتقولن» ، و في المختار: «أو لتقولين» .

[11]ف: «إلى راحلته» .

[12]الشهل، محركة و بالضم: أقل من الزرق في الحدقة و أحسن منه. ( «القاموس» ) .

268

لقاؤه بجرير و المهاجر بن عبد اللّه‏

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حمّاد، عن الأصمعيّ، عن عمارة بن عقيل، قال:

قال جرير: خرجت مع المهاجر بن عبد اللّه إلى حجّة، فلقينا ذا الرّمة، فاستنشده المهاجر فأنشده‏[1]:

و من حاجتي لو لا التّنائي و ربّما # منحت الهوى من ليس بالمتقارب

/عطابيل بيض من ربيعة عامر # عذاب الثنايا مثقلات الحقائب‏[2]

يقظن الحمى و الرّمل منهنّ محضر[3] # و يشربن ألبان الهجان النجائب‏

فالتفت إليّ المهاجر، و قال: أ تراه مجنونا!.

رأي لجرير في بيت قاله‏

أخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: أخبرنا أبو البيداء الرّياحيّ، قال:

قال جرير: قاتل اللّه ذا الرمّة حيث يقول‏[4]:

و منتزع من بين نسعيه جرّة[5] # نشيج الشّجا جاءت إلى ضرسه نزرا[6]

أما و اللّه لو قال: «ما بين جنبيه» لما كان عليه من سبيل.

جرير و أبو عمرو بن العلاء يصفان شعره‏

أخبرني الطوسيّ و حبيب‏[7]المهلبيّ، عن ابن شبّة، عن أبي غزالة[8]، عن هشام بن محمد الكلبيّ، عن رجل من كندة، قال:

سئل جرير عن شعر ذي الرمة فقال: بعر ظباء، و نقط عروس، يضمحلّ‏[9]عن قليل.

أخبرني أبو خليفة، عن ابن سلاّم، قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: إنما شعر ذي الرّمة نقط[عروس يضمحل عن قليل‏][10]و أبعار لها مشمّ في أول شمّة[11]، ثم تعود إلى أرواح البعر.

الفرزدق يعجب بشعره و لا يعده من فحول الشعراء

قال أبو زيد بن شبة: قال أبو عبيدة:

[1] «ديوانه» 56.

[2]في «الديوان» : ... من دؤابة عامر... رقاق الثنايا مشرفات الحقائب.

و عطابيل: بيض طوال حسان.

[3]في «الديوان» : ... منهن مربع، و الهجان: الكرام. و النجائب: الكرام من الإبل. و يقظن: ينزلنه في القيظ، و في أ: «يعظن» .

[4] «ديوانه» 273.

[5]ف: «درة» .

[6]أ: «نزر» .

[7]ف: «و حبيب بن نصر المهلبي» .

[8]ف: «ابن غزالة» .

[9]ف: «أي يضمحل عن قريب» .

[10]من ابن سلام.

[11]ابن سلام: «شمها» . ـ

269

/وقف الفرزدق على ذي الرمّة و هو ينشد قصيدته (الحائية) [1]التي يقول فيها[2]:

إذا ارفضّ أطراف السّياط و هلّلت # جروم المطايا عذّبتهنّ صيدح‏[3]

فقال‏[4]ذو الرمة: كيف تسمع يا أبا فراس؟قال: أسمع حسنا، قال: فما لي لا أعدّ في الفحول من الشعراء؟ قال: يمنعك من ذلك و يباعدك‏[5]ذكرك الأبعار و بكاؤك الديار، ثم قال‏[6]:

و دويّة لو ذو الرّميمة رامها[7] # لقصّر عنها ذو الرّميم و صيدح‏[8]

قطعت إلى معروفها منكراتها # إذا اشتدّ آل الأمعز المتوضّح‏[9]

و قال عمر بن شبّة في هذا الخبر: فقام إليه ذو الرمة فقال: أنشدك اللّه أبا فراس أن تزيد عليهما شيئا، فقال:

إنهما بيتان، و لن أزيد عليهما شيئا.

قال: و كان عمر بن شبة يقول عمن أخبره عن أبي عمرو[10]: إنما شعره نقط عروس تضمحل عمّا قليل، و أبعار ظباء لها مشمّ في أول شمها، ثم تعود إلى أرواح الأبعار[11].

كان هواه مع الفرزدق على جرير

و كان‏[12]هوى ذي الرّمّة مع الفرزدق على جرير؛ و ذلك لما كان بين جرير و ابن لجأ/التّيميّ، و تيم و عديّ أخوان من الرّباب، و عكل أخوهم، و لذلك يقول جرير لعكل‏[13].

فلا يضغمنّ الليث عكلا بغرّة # و عكل يشمّون الفريس المنيّبا

الفريس هاهنا ابن لجأ، و كذلك يفعل السبع‏[14]إذا ضغم‏[15]شاة ثم طرد عنها، أو سبقته، أقبلت/الغنم [1]كذا في ف.

[2] «ديوانه» 87.

[3]ارفض: تفرق من العراق. و الجرم: الجسد، و هللت جرومها: صارت كالأهلة من الهزال. و صيدح: اسم ناقة ذي الرمة.

[4]ف: «ثم قال» .

[5]ف: «و يتقاعد بك» .

[6] «ديوانه» 147.

[7]ف: «أمها» ، و الدوّية: المفازة.

[8]س: «ذو الرماء» ، و في «الديوان» .

بصيدح أودي ذو الرميم و صيدح‏

و ذو الرميمة، تصغير ذي الرمة، و رامها بصيدح: ابتغى قطعها بناقته صيدح.

[9]ف: «إذا امتد» . و في «ابن سلام» 469، و «الديوان» :

إذا خب آل دونها يتوضح‏

الأمعز: المكان الصلب الكثير الحصى. المتوضح: المستبين.

[10]أ: «قال: و كان أبو عمرو يقول» .

[11]ف: «البعر» .

[12]ابن سلام 46.

[13] «ديوانه» : 14، و ابن سلام 469.

[14]ف: «الليث» .

[15]ضغم السبع الشاة: عضها، أو عضها دون النهش.

270

تشمّ موضع الضّغم، فيفترسها[1]السبع، و هي تشم، و لذلك قال جرير لبني عديّ‏[2]:

و قلت نضاحة لبني عديّ # ثيابكم و نضح دم القتيل‏[3]

يحذّر عديّا ما لقي ابن لجأ.

الفرزدق ينتحل أبياتا له‏

أخبرني أبو خليفة، عن ابن سلام‏[4]أنّ أبا يحيى الضبيّ قال: قال ذو الرمّة يوما: لقد قلت أبياتا إنّ لها لعروضا و إن لها لمرادا و معنى بعيدا. قال له الفرزدق: ما هي؟قال: قلت‏[5]:

أ حين أعاذت بي تميم نساءها[6] # و جرّدت تجريد اليماني من الغمد

و مدّت بضبعيّ الرّباب و مالك # و عمرو و شالت من ورائي بنو سعد

و من آل يربوع زهاء كأنّه # زها اللّيل‏[7]محمود النّكاية و الرّفد

فقال له الفرزدق: لا تعودنّ فيها، فأنا أحقّ بها منك، قال: و اللّه/لا أعود فيها و لا أنشدها أبدا إلاّ لك؛ فهي قصيدة الفرزدق التي يقول فيها[8]:

و كنّا إذا القيسيّ نبّ عتوده # ضربناه فوق الأنثيين على الكرد[9]

-الأنثيان: الأذنان. و الكرد: العنق-.

و روى هذا الخبر حمّاد عن أبيه، عن أبي عبيدة، عن الضحاك الفقيميّ‏[10]قال:

بينا أنا بكاظمة و ذو الرمّة ينشد قصيدته التي يقول فيها:

أ حين أعاذت بي تميم نساءها[11]

إذا راكبان قد تدلّيا من نقب‏[12]كاظمة مقنّعان فوقفا، فلما فرغ ذو الرمّة حسر الفرزدق عن وجهه و قال لراويته‏[13]: يا عبيد، اضمم إليك‏[14]هذه الأبيات. قال له ذو الرمة: نشدتك اللّه يا أبا فراس!فقال له: أنا أحقّ بها منك، و انتحل منها هذه الأربعة الأبيات.

[1]ف: «فيغترها» .

[2]البيت في «ديوانه» 437.

[3]نضاحة، أي نضحا. و النضح: الرشاش يصيب الثوب من دماء أو ماء.

[4]ف: «حدثنا أبو عبد اللّه بن سلام قال» .

[5]ابن سلام 470، و «الموشح» 169، 170، 171، و «ديوان ذي الرمة» 142.

[6]س: «نساءهم» . و المثبت في أ، ج، و ابن سلام، و في «الموشح» ، و «ديوان ذي الرمة» 142.

[7] «ديوانه» : «دجا الليل» .

[8] «ديوانه» 21 و «اللسان» (كرد) ، و «المعرب» 279، و «الموشح» 170، و ابن سلام 471.

[9]س: «و كان... إلى الكرد» ، و المثبت من المراجع السابقة. و العتود: الجدي القوي.

[10]ف: «عن الضحاك بن القاسم» .

[11]س: «نساءهم» .

[12]ف: «بيت» .

[13]حـ: «للراوية» .

[14]جـ: «اضمم هذه» .

271

المهاجاة بينه و بين هشام المرئي‏

حدّثنا محمد، قال: حدثنا أبو الغرّاف، قال:

مرّ ذو الرمّة بمنزل لامرئ القيس بن زيد مناة يقال له: مرأة[1]، به نخل، فلم ينزلوه و لم يقروه، فقال‏[2]:

نزلنا و قد طال‏[3]النهار و أوقدت # علينا حصى المعزاء[4]شمس تنالها

أنخنا فظلّلنا بأبراد يمنة # عتاق و أسياف قديم صقالها[5]

/فلما رآنا أهل مرأة أغلقوا # مخادع لم ترفع لخير ظلالها[6]

و قد سمّيت باسم امرئ القيس قرية # كرام صواديها لئام رجالها[7]

فلجّ الهجاء بين ذي الرّمة و بين هشام المرئيّ، فمرّ الفرزدق بذي الرمة و هو ينشد[8]:

صوت‏

وقفت على ربع لميّة ناقتي # فما زلت أبكي عنده و أخاطبه

و أسقيه حتى كاد مما أبثّه # تكلّمني أحجاره و ملاعبه‏

غنّى‏[9]فيه إبراهيم ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر، و سيأتي خبره بعد؛ لئلا ينقطع هذا الخبر.

فقال له الفرزدق: ألهاك البكاء[10]في الديار، و العبد يرتجز[11]بك في المقابر[12]، يعني هشاما.

و كان‏[13]ذو الرّمّة مستعليا هشاما حتى لقي جرير هشاما، فقال: غلبك العبد، يعني ذا الرّمة، قال: فما أصنع يا أبا حزرة، و أنا راجز و هو يقصّد، و الرّجز لا يقوم للقصيد في الهجاء؟و لو رفدتني‏[14]، فقال جرير-لتهمته ذا الرّمّة [1]ابن سلام 471.

[2] «ديوانه» 542.

[3]ف: «و قد طاب النهار» ، و في «الديوان» : «و قد غار النهار» .

[4]المعزاء: الأرض الصلبة ذات الحصى.

[5]في «الديوان» :

بنيننا علينا ظل أبراد يمنة # على سمك أسياف قديم صقالها

اليمنة: ضرب من برود اليمن.

[6]في «الديوان» : «فلما دخلنا جوف مرأة غلفت... دساكر.... » .

و الدساكر: جمع دسكرة، و هي بناء كالقصر، حوله بيوت الأعاجم، يكون فيها الشراب و الملاهي، أراد بها هاهنا البيوت عامة.

[7]سميت مرأة باسم امرئ القيس. و الصوادي: جمع صادية؛ و هي النخل التي بلغت عروقها الماء و طالت، فهي لا تحتاج إلى سقي.

و في أ: «كدام صواديها» .

[8] «ديوانه» 38، ابن سلام 472.

[9]أ: «غناه إبراهيم» .

[10]في ابن سلام: «التبكاء» .

[11]في ابن سلام: «يرجز بك» .

[12]في حـ، و ابن سلام: «في المقبرة» .

[13]ابن سلام 473.

[14]حـ، و ابن سلام: «فلو رفدتني» ، و رفده: أعانه.

272

بالميل‏[1]/إلى الفرزدق-: قل له‏[2]:

/

غضبت لرجل من عديّ تشمّسوا # و في أيّ يوم لم تشمّس رجالها[3]

و فيم عديّ عند تيم من العلا # و أيامنا اللاّتي تعدّ فعالها

و ضبّة عميّ يا ابن جلّ‏[4]فلا ترم # مساعي قوم ليس منك سجالها[5]

يماشي عديّا لؤمها، لا تجنّه # من الناس ما مسّت عديّا ظلالها[6]

فقل لعديّ تستعن بنسائها # عليّ فقد أعيا عديّا رجالها

أ ذا الرّمّ قد قلّدت قومك رمّة # بطيئا بأمر المطلقين انحلالها

قال أبو عبد اللّه: فحدثني أبو الغرّاف، قال:

لما بلغت الأبيات ذا الرمة قال: و اللّه ما هذا بكلام‏[7]هشام، و لكنه كلام ابن الأتان‏[8].

أخبرنا أبو خليفة، قال: حدثنا ابن سلاّم، قال: و حدثني‏[9]أبو البيداء قال:

لما سمعها[10]قال: هو و اللّه ينتمي شعر حنظليّ عذريّ‏[11]، و غلب هشام على ذي الرمّة بها.

/نسخت من كتاب ابن النطّاح: حدثني أبو عبيدة، قال: حدثني فلان المرئيّ، قال:

أتانا جرير على حمار، و أنا لا أعرفه، فأتي بنبيذ فشرب، فلما أخذ فيه قال: أين هشام؟فدعي، فقال له:

أنشدني ما قلت في ذي الرمّة، فأنشده، فجعل كلما أنشده قصيدة قال: لم تصنع شيئا، ثم قال له: قد دنا رواحي فاردد[12]هذه الأبيات و مر شبّانكم بروايتها، و ذكر الأبيات التي أولها قوله‏[13]:

غضبت لرجل‏[14]من تميم تشمّسوا

ذو الرمة يعاتب جريرا فيعينه بأبيات يهجو بها هشاما

قال: فغلبه هشام بها، فلما كان بعد ذلك لقي ذو الرّمة جريرا فقال: تعصّبت على خالك للمرئيّ. فقال جرير: حيث [1]في ابن سلام: «و ميله إلى الفرزدق» .

[2] «ديوان جرير» 486، و ابن سلام 473.

[3]ابن سلام: «غضبت لرهط... » ، قال محققه: و يروى: «عجبت لرحل» ، و «غضبت لرحل» ، بالحاء المهملة. و تشمس: قعد في الشمس أو انتصب لها.

[4]بنو جل بن عدي بن عبد مناة بن ود.

[5]السجال: المساجلة و المباراة و المفاخرة.

[6]ف: «... ضلالها» ، و في ابن سلام: «... ما مشت عديا رجالها» .

[7]أ، ف: «كلام» .

[8]ابن الأتان، يعني جريرا.

[9]ابن سلام 474.

[10]ف: «فلما سمعها» .

[11]ف: «نجودي» ، و ابن سلام: «غدري» .

[12]حـ: «فار و هذه الأبيات» .

[13]ساقط من جـ.

[14]انظر التعليق السابق، حاشية 2 ص 19.

273

فعلت ما ذا؟قال: حين تقول للمرئيّ كذا و كذا، فقال جرير: لأنك‏[1]ألهاك البكاء في دارميّة حتى استقبحته‏[2]محارمك.

قال: و قول ذي الرمّة: تعصّبت على خالك، أنّ النّوار بنت جلّ‏[3]أمّ حنظلة بن مالك، و هي من رهط ذي الرّمة، و كذلك عنى جرير بقوله:

و لو لا أن تقول بنو[4]عديّ # أ لم تك أمّ حنظلة النّوار

أتتكم يا بني ملكان منّي # قصائد لا تعاورها البحار[5]

فقال ذو الرّمة: لا، و لكن اتهمتني بالميل مع الفرزدق عليك، قال: كذلك هو، قال: فو اللّه ما فعلت، و حلف له بما يرضيه، قال: فأنشدني ما هجوت به المرئيّ، فأنشده قوله‏[6]:

نبت عيناك عن‏[7]طلل بحزوى # عفته الريح و امتضح‏[8]القطارا

/فأطال‏[9]جدّا، فقال له جرير: ما صنعت شيئا، أ فأرفدك؟قال: نعم، قال: قل‏[10]:

يعدّ الناسبون إلى تميم # بيوت المجد[11]أربعة كبارا

يعدّون الرّباب و آل سعد[12] # و عمرا ثم حنظلة الخيارا

و يهلك بينها المرئيّ لغوا # كما ألغيت في الدّية الحوارا

([13]و يروى: و يذهب بينها[13]) .

فغلبه‏[14]ذو الرّمة بها.

قال: حدثني محمد بن عمر الجرجانيّ‏[15]، قال: حدثني جماعة من أهل العلم أنّ ذا الرّمّة مرّ بالفرزدق فقال له: أنشدني أحدث ما قلت في المرئيّ، فأنشده هذه الأبيات، فأطرق الفرزدق ساعة، ثم قال: أعد، فأعاد، فقال:

كذبت و ايم اللّه، ما هذا لك، و لقد قاله أشدّ لحيين منك، و ما هذا إلاّ شعر ابن الأتان‏[16].

[1]ف: «لا، بل» .

[2]ف: «حتى استبيحت» .

[3]أ: «بنت خال» .

[4]في أ: «بني عدي» .

[5]في ف: «التجار» .

[6] «ديوانه» 193.

[7]أ: «من طلل» . و حزوى: موضع بنجد.

[8]ف، و «الديوان» : «و امتنح» ، و امتنح، من المنحة و هي العطية، و امتضح، من مضح عرضه: شأنه.

[9]جـ: «فأطالها» .

[10] «ديوان ذي الرمة» 196.

[11] «الديوان» : «بيوت العز» .

[12] «الديوان» :

يعدون الرباب لهم و عمرا و سعدا ثم.....

(13-13) كذا في جـ.

[14]في ف: «فغلب» .

[15]ما: «الجرجراني» . و ف: «الجرجرائي» .

[16]يريد جريرا.

274

فلما سمعها المرئيّ جعل يلطم رأسه، و يصرخ و يدعو/بويله، و يقول: قتلني جرير، قتله اللّه!هذا و اللّه شعره الذي لو نقطت منه نقطة في البحر لكدّرته، قتلني، و فضحني.

فلما استعلى ذو الرمة على هشام أتى هشام و قومه جريرا فقالوا: يا أبا حزرة، عادتك الحسنى، فقال:

هيهات، ظلمت أخوالي، قد أتاني ذو الرّمة، فاعتذر إليّ، و حلف‏[1]فلست أعين عليهم.

/فلما يئسوا من عنده أتوا لهذا المكاتب و قد طلع بمكاتبته، فأعطوه عشرة أعنز، و أعانوه على مكاتبته، فقال أبياتا عينيّة يفضّل فيها بني امرئ القيس على بني عديّ، و هشاما على ذي الرمّة، و مات ذو الرمّة في تلك الأيام، فقال الناس: غلبه هشام.

قال ابن النّطاح: إنما مات ذو الرمة بعقب إرفاد جرير إيّاه على المرئيّ، فقال الناس: غلبه، و لم يغلبه؛ إنما مات قبل الجواب.

يتحدث عن شعره‏

أخبرني اليزيديّ‏[2]، عن محمد بن الحسن الأحول، عن بعض أصحابه، عن الشّبو بن قسيم العذريّ‏[3]، قال:

سمعت ذا الرمّة يقول: من‏[4]شعري ما طاوعني فيه القول و ساعدني، و منه ما أجهدت نفسي فيه، و منه ما جننت به جنونا؛ فأما ما طاوعني القول فيه فقولي‏[5]:

خليليّ عوجا من صدور الرّواحل‏

و أما ما أجهدت نفسي فيه فقولي‏[6]:

أ أن توسّمت من خرقاء منزلة

أما ما جننت به جنونا فقولي‏[7]:

ما بال عينك منها الدّمع ينسكب‏

جرير يتمنى أن ينسب إليه شعر لذي الرمة

أخبرني عليّ بن سليمان، عن محمد بن يزيد، عن عمارة بن عقيل، قال: كان جرير يقول: ما أحببت أن ينسب إليّ من شعر ذي الرمة إلا قوله:

[1]ف: «و حلف لي» .

[2]حـ: «محمد بن العباس اليزيدي» .

[3]حـ: «السير بن قسيم العدوي» .

[4]حـ: «في» .

[5] «ديوانه» 491 و عجز البيت:

بجمهور حزوى فابكيا في المنازل‏

[6] «ديوانه» 567 و في «الديوان» :

أعن ترسمت........ # ماء الصبابة من عينيك مسجوم‏

[7] «ديوانه» 1 و تمامه:

كأنه من كل مفرية سرب‏

275

ما بال عينك منها الماء ينسكب‏

فإن شيطانه كان له فيها ناصحا.

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، قال:

قال حمّاد الراوية: ما تمم ذو الرمة قصيدته التي يقول فيها:

ما بال عينك منها الماء ينسكب‏

حتى مات، كان يزيد فيها منذ قالها حتى توفّي.

ذو الرمة و خياط في سوق المربد

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حمّاد، عن أبي عدنان، قال: أخبرنا جابر بن عبد اللّه بن جامع بن جرموز الباهليّ، عن كثير بن ناجية، قال:

بينا ذو الرمة ينشد بالمربد و الناس مجتمعون إليه، إذا هو بخيّاط يطالعه، و يقول: يا غيلان

أ أنت الذي تستنطق الدار واقفا # من الجهل هل كانت بكنّ حلول؟

فقام ذو الرمّة و فكّر زمانا، ثم عاد فقعد في المربد ينشد، فإذا الخياط قد وقف عليه، ثم قال‏[1]:

أ أنت الذي شبّهت عنزا بقفرة # لها ذنب فوق استها أمّ سالم؟

و قرنان إمّا يلزقا بك يتركا[2] # بجنبيك يا غيلان مثل المواسم

جعلت لها قرنين فوق شواتها[3] # و رابك منها مشقة في القوائم‏

/فقام ذو الرمة فذهب، و لم ينشد بعدها في المربد حتى مات الخياط. قال: و أراد الخياط بقوله هذا قول ذي الرمة[4]:

أقول لدهناويّة عوهج جرت # لنا بين أعلى برقة في الصّرائم‏[5]

أيا ظبية الوعساء بين جلاجل # و بين النّقا آنت أم أمّ سالم؟

هي الشّبه لو لا مدرياها[6]و أذنها # سواء و إلاّ مشقة في القوائم‏

فانتبه ذو الرّمة لذلك، فقال‏[7]:

/

أقول بذي الأرطى عشيّة أرشقت‏[8] # إلى الرّكب أعناق الظّباء الخواذل‏[9]

[1]حـ: «فقال» .

[2]حـ: «يلزمانك يثنيا» .

[3]الشواة: الشوى، و الشوى: قحف الرأس. و في ف: «فوق ثيابها» .

[4] «ديوانه» 621.

[5]في «الديوان» : «... بين أعلى عرفة بالصرائم» . و في ف: «بين أعلى عجمة فالصرائم» .

[6]في «الديوان» : «إلا مدرييها» . و المدريان: القرنان.

[7] «ديوانه» 495.

[8]في «الديوان» :

«و عشية أتلعت... »

، و في ف: «أشرفت» .

[9]حـ: «أعناق المطي» .

276

لأدماء[1]من آرام بين سويقة # و بين الجبال‏[2]العفر ذات السّلاسل

أرى فيك من خرقاء يا ظبية اللّوى # مشابه جنّبت‏[3]اعتلاق الحبائل

فعيناك عيناها و جيدك جيدها # و لونك لو لا أنها غير عاطل‏[4]

في البيتين الأخيرين من هذه الأبيات رمل بالوسطى لإبراهيم‏[5].

رؤبة يعجز عن تفسير بيت قاله الراعي فيفسره له ذو الرمة

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش‏[6]، عن أبي سعيد السكريّ، عن يعقوب بن السكّيت، عن محمد بن سلاّم، عن أبي الغرّاف، قال:

قال ذو الرمة لرؤبة: ما عنى الراعي بقوله‏[7]:

أناخا بأسوإ الظّنّ ثمّت عرّسا # قليلا و قد أبقى سهيل فعرّدا

فجعل رؤبة يقول: هي كذا هي كذا، لأشياء لا يقبلها ذو الرمّة، فقال له رؤبة: فمه؟ويحك!قال: هي الأرض بين المكلئة و بين المجدبة.

الوليد بن عبد الملك يسأل الفرزدق و جريرا عن ذي الرمة

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبي عدنان، عن إبراهيم بن نافع:

أن الفرزدق دخل على الوليد بن عبد الملك أو غيره، فقال له: من أشعر الناس؟قال: أنا، قال: أ فتعلم أحدا أشعر منك؟قال: لا، إلاّ أن غلاما من بني عديّ بن كعب يركب أعجاز الإبل، و ينعت الفلوات. ثم أتاه جرير فسأله، فقال له مثل ذلك. ثم أتاه ذو الرمة فقال له: ويحك!أنت أشعر الناس، قال: لا، و لكن غلام من بني عقيل يقال له: مزاحم: يسكن الرّوضات يقول وحشيّا من الشعر لا نقدر على أن نقول مثله.

كثيرة تقول شعرا في ميّ و تنحله ذا الرمة

قال: و كان ذو الرمة يتشبّب‏[8]بميّ بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقريّ، و كانت كثيرة[9]أمة مولّدة لآل قيس بن [1]في «الديوان» : «لأدمانة من وحش» ، و أدمانة: ظبية.

[2]في «الديوان» : «... الحبال» ، بالحاء المهملة، قال: و الحبال يعني حبال الرمل. و العفر: الحمر. و السلاسل من الرمل: ما تعقد منه.

[3]جـ: «جنته» ، و المثبت من أ و «الديوان» : يدعو لها ألا تعلق في حبالة الصائد.

[4]حـ و «الديوان» : «إلا أنها» . و العاطل: التي لا حلي عليها.

[5]حـ: «لإبراهيم الموصلي» .

[6]ف: «علي بن سليمان الأخفش عن أبي سعيد» .

[7]ابن سلام 477، و روايته:

أناخا بأشوال طروقا بخبة # قليلا و قد أعيا سهيل فعردا

و في «اللسان» (خبب) و «المخصص» 10: 173:

أناخوا بأشوال إلى أهل خبة # طروقا و قد أقعى سهيل فعردا

و في حـ:

أناخا بأشراط و ظلا بخبة # طروقا و قد أقعى سهيل فعردا

[8]حـ: «يشبب» .

[9]ابن سلام: «كنزة» .

277

عاصم، و هي أم سهم بن بردة اللص الذي/قتله سنان بن مخيّس‏[1]القشيريّ أيام محمد بن سليمان، فقالت كثيرة[2]:

على وجه ميّ مسحة من ملاحة # و تحت الثياب الخزي لو كان باديا

أ لم تر أنّ الماء يخبث طعمه # و لو كان لون الماء في العين صافيا[3]

و نحلتها ذا الرّمة، فامتعض من ذلك، و حلف بجهد[4]أيمانه ما قالها.

قال: و كيف أقول هذا و قد قطعت دهري، و أفنيت شبابي أشبّب بها و أمدحها[5]، ثم أقول هذا، ثم اطّلع على أنّ كثيرة قالتهما، و نحلتهما إياه.

ميّة لا ترد عليه السلام فيغضب و يقول في ذلك شعرا

و قال هارون بن محمد: حدثني عبد الرحمن بن عبد اللّه، قال: حدثني هارون بن سعيد، قال: حدثني أبو المسافر الفقعسيّ، عن أبي بكر بن جبلة الفقعسيّ، قال:

وقف ذو الرمة في ركب معه على ميّة، فسلّموا عليها، فقالت: و عليكم إلاّ ذا الرمة[6]، فأحفظه ذلك و غمّه ما سمع منها بحضرة القوم‏[7]؛ فغضب و انصرف و هو يقول:

أيا ميّ قد أشمتّ بي ويحك العدا # و قطّعت حبلا كان يا ميّ باقيا

فيا ميّ لا مرجوع للوصل بيننا # و لكنّ هجرا بيننا و تقاليا

أ لم تر أنّ‏[8]الماء يخبث طعمه # و إن كان لون الماء في العين صافيا

محمد بن الحجاج الأسيدي يلتقي بميّة و هي عجوز

أخبرني الحسن بن عليّ الأدميّ، عن‏[9]ابن مهرويه، عن ابن النطّاح، عن محمد بن الحجاج الأسيديّ من بني أسيد بن عمرو بن تميم، قال:

مررت على ميّة و قد أسنّت، فوقفت عليها و أنا/يومئذ شابّ فقلت: يا ميّة!ما أرى ذا الرمة إلاّ قد ضيّع فيك قوله حيث يقول‏[10]:

صوت‏

أما[11]أنت عن ذكراك ميّة مقصر # و لا أنت ناسي العهد منها فتذكر

[1]أ: «ابن محسر» ؛ و المثبت من ف و ابن سلام.

[2]ابن سلام: «كنزة» ، و الشعر في ابن سلام 476، و «أمالي الزجاجي» 57، و «الحماسة» 4: 53، و «الشعر و الشعراء» 519.

[3]في هامش حـ من نسخة: «و إن كان... » . و في «الديوان» 675: «... أن الماء يخلف طعمه» .

[4]حـ: «جهد» .

[5]س: «و أمذقها» ؛ و المثبت من أ، ف، و ابن سلام.

[6]حـ: «إلا ذو الرمة» .

[7]حـ: «فأحفظه ما سمع منها بحضرة القوم» .

[8]أ: «أ لم ترين» ، و المثبت من «الديوان» .

[9]ف: «قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه» .

[10]الأبيات في «ديوانه» 666.

[11]في حـ: «و ما» .

278

تهيم بها ما تستفيق و دونها # حجاب و أبواب و ستر مستّر

قال: فضحكت و قالت: رأيتني يا بن أخي و قد ولّيت و ذهبت محاسني، و يرحم اللّه غيلان؛ فلقد قال هذا فيّ و أنا أحسن من النار الموقدة في الليلة القرّة في عين المقرور، و لن تبرح حتى أقيم عندك عذره‏[1]، ثم صاحت:

يا أسماء، اخرجي؛ فخرجت جارية كالمهاة ما رأيت مثلها، فقالت: أ ما لمن شبّب بهذه و هويها عذر؟فقلت: بلى، فقالت: و اللّه لقد كنت أزمان كنت مثلها أحسن منها، و لو رأيتني يومئذ لازدريت هذه ازدراءك إياي اليوم، انصرف راشدا.

في هذين البيتين لإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى.

أبو سوّار الغنويّ يصف ميّة

أخبرني‏[2]أبو خليفة، قال: قال محمد بن سلام: قال أبو سوّار[3]الغنويّ:

رأيت ميّة و إذا معها بنون لها صغار، فقلت: صفها لي، فقال: مسنونة الوجه، /طويلة الخد[4]، شمّاء الأنف، عليها وسم جمال، فقالت: ما تلقّيت‏[5]بأحد من بنيّ هؤلاء إلاّ في الإبل، قلت: أ فكانت تنشدك شيئا مما قاله ذو الرمّة فيها؟قال: نعم، كانت تسحّ سحّا، ما رأى أبوك مثله.

ميّة تجعل للّه عليها أن تنحر بدنة يوم ترى ذا الرمة

فأمّا ابن قتيبة فقال في خبره‏[6]:

مكثت ميّة زمانا لا ترى ذا الرمّة، و هي تسمع مع ذلك شعره، فجعلت للّه عليها أن تنحر بدنة يوم تراه، فلما رأته رجلا دميما أسود، و كانت من أجمل الناس قالت: وا سوأتاه! وا بؤساه‏[7]وا ضيعة بدنتاه!فقال ذو الرمة:

على وجه ميّ مسحة من ملاحة # و تحت الثياب الشّين لو كان باديا

قال: فكشفت ثوبها عن جسدها، ثم قالت: أ شينا ترى لا أمّ لك!فقال:

أ لم تر أنّ الماء يخبث طعمه # و إن كان لون الماء أبيض صافيا

فقالت: أمّا ما تحت الثياب فقد رأيته و علمت أن لا شين فيه، و لم يبق إلا أن أقول لك: هلمّ، حتى تذوق ما وراءه، و و اللّه لا ذقت ذاك أبدا، فقال:

فيا ضيعة الشّعر الذي لجّ فانقضى # بميّ و لم أملك ضلال فؤاديا

قال: ثم صلح الأمر بينهما بعد ذلك، فعاد لما كان عليه من حبّها.

[1]ف: «عذره في» .

[2]الخبر في ابن سلام 476.

[3]جـ: «ابن سوار» .

[4]في ابن سلام: «الخدين» .

[5]تلقت المرأة: حبلت.

[6] «الشعر و الشعراء» 509.

[7]ساقط من ف، و هو في «الشعر و الشعراء» .

279

محمد بن علي الجبيري يلتقي بالنوار ابنة ميّة و يتذاكران شعرا لذي الرمة

و ذكر محمد بن عليّ بن حفص الجبيريّ‏[1]الحنفيّ-من ولد أبي جبيرة-أنّ النّوار بنت عاصم المنقرية -و أمّها ميّة صاحبة ذي الرمة-أخبرته، و قد ذكر عندها ذا الرمة[2]، و أنشدها قوله في أمها[3]:

/

هي البرء و الأسقام و الهمّ و المنى # و موت الهوى في القلب مني المبرّح‏[4]

و كان الهوى بالنأي‏[5]يمحى فيمحي # و حبّك عندي يستجدّ و يربح‏

يربح، أي يزيد الربح‏[6]. هكذا ذكره الأصمعيّ.

إذا غيّر النأي المحبّين لم أجد # رسيس الهوى‏[7]من حبّ ميّة يبرح‏

فلما سمعت قوله:

إذا غيّر النّأي المحبّين....

قالت: قبّحه اللّه، هو الذي يقول أيضا:

على وجه ميّ مسحة من ملاحة # و تحت الثياب الشّين‏[8]لو كان باديا

/فقلت لها: أ كانت ميّة جدّتك؟قالت: لا، بل أمّي، فقلت لها: كم تعدّين؟قالت: ستين سنة.

أخبرني الحسين‏[9]بن يحيى، قال حماد: قرأت على أبي، عن محمد بن سلام، قال:

كانت ميّ صاحبة ذي الرمة من ولد طلبة بن قيس بن عاصم المنقريّ، و كانت لها بنت‏[عم‏][10]من ولد قيس يقال لها: كثيرة[11]أم سلهمة، فقالت على لسان ذي الرمة:

على وجه ميّ مسحة من ملاحة

الأبيات. فكان ذو الرمة إذا ذكر له ذلك يمتعض منه، و يحلف أنه ما قالها[12]قطّ.

أخبرني بهذا الخبر أبو خليفة، عن محمد بن سلام، عن أبي الغرّاف الضبيّ‏[13]بمثله، و قال فيه:

[1]حـ: «الحميري» .

[2]ف: «ذو الرمة» .

[3] «ديوانه» 79، 83 من قصيدته التي مطلعها:

أ منزلتي ميّ سلام عليكما # على النأي، و النائي يسود و ينصح‏

[4]حـ: «للأسقام و الهم و المنى» ، و في «الديوان» :

هي البرء و الأسقام و الهم ذكرها # و موت الهوى لو التنائي المبرح‏

[5] «الديوان» : «و بعض الهوى بالبحر» .

[6]حـ: «يزيد كما يزيد الربح» .

[7]في «الديوان» :

«... لم يكد # ... رسيس الهوى... »

.

[8]حـ و «الديوان» : «الخزي» .

[9]أ: «الحسن بن يحيى. »

[10]ساقط من ف.

[11]انظر الحاشية 4 ص 25.

[12]حـ: «ما قاله» .

[13]حـ: «الفقعسي» .

280

/إن كثيرة مولاة لهم، و هي‏[1]أمّ سلهمة اللص الذي قتلته خيل محمد بن سليمان، و اللّه أعلم.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز و حبيب المهلبيّ‏[2]، عن ابن شبّة، عن المدائنيّ، عن سلمة[3]، عن محارب، قال:

كان ذو الرمّة يقرأ و يكتب و يكتم ذلك، فقيل له: كيف تقول: عزيز ابن اللّه أو عزيز بن اللّه؟فقال: أكثرهما حروفا.

ذو الرمة يكتب‏

أخبرني إبراهيم بن أيّوب، عن عبد اللّه بن مسلم، قال:

قال‏[4]عيسى بن عمر: قال لي‏[5]ذو الرمة: ارفع هذا الحرف، فقلت له: أ تكتب؟فقال بيده‏[6]على فيه:

اكتم‏[7]عليّ فإنه عندنا عيب.

رؤبة يتهمه بسرقة شعره‏

أخبرني ابن دريد، عن أبي حاتم، عن الأصمعيّ، عن محمد بن أبي بكر المخزوميّ، قال:

قال رؤبة: كما قلت شعرا سرقه ذو الرمّة، فقيل له: و ما ذاك؟قال: قلت‏[8]:

حيّ الشهيق ميّت الأنفاس‏

فقال هو[9]:

يطرحن بالمهارق الأغفال # كلّ جهيض لثق السّربال

حيّ الشهيق ميّت الأوصال‏

/فقلت له: فقوله و اللّه أجود من قولك، و إن كان سرقه منك، فقال: ذلك‏[10]أغمّ لي.

يحدثنا عن منزلته من الراعي‏

أخبرني ابن عبد العزيز[11]عن ابن شبّة قال:

[1]حـ: «و أمها» .

[2]ف: «و حبيب بن نصر» .

[3]حـ: «عن مسلمة بن محارب» .

[4] «الشعر و الشعراء» 507.

[5]جـ: «قال ذو الرمة» .

[6]يريد: أشار بيده على فيه.

[7] «الشعر و الشعراء» : «أي اكتم عليّ» .

[8] «الشعر و الشعراء» 516، و فيه: «موتى العطايا حية الأنفاس» .

[9] «ديوانه» 482، «الشعر و الشعراء» 516.

و المهارق: الصحف؛ شبه الفلوات بها. و الأغفال: اللواتي لا علم بها. و الجهيض: الولد الذي سقط لغير تمام. السربال، يعني جلده. و في ف: «كل حنين» و في ب: «كل حصين» .

[10]حـ: «ذاك» .

[11]حـ: «محمد بن عبد العزيز» .

281

قيل لذي الرمة: إنما أنت راوية الراعي. فقال: أما و اللّه لئن قيل ذاك ما مثلي و مثله إلاّ شابّ صحب شيخا، فسلك به طرقا ثم فارقه، فسلك الشابّ بعده شعابا و أودية لم يسلكها الشيخ قطّ.

لا يحسن الهجاء و المدح‏

أخبرني محمد بن أحمد بن الطّلاّس، عن الخراز[1]عن المدائنيّ، و أخبرني به‏[2]إبراهيم بن أيوب، عن عبد اللّه بن مسلم، عن ابن أخي الأصمعيّ، عن عمه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض قال:

إنما[3]وضع من ذي الرمة أنه كان لا يحسن أن يهجو و لا يمدح، و قد مدح بلال بن أبي بردة فقال‏[4]:

رأيت الناس ينتجعون غيثا # فقلت لصيدح: انتجعي بلالا

فلما أنشده قال له: أ و لم ينتجعني غير صيدح؟يا غلام، أعطه حبل قتّ لصيدح، فأخجله.

أخبرني أبو خليفة، عن ابن سلاّم قال: حدثني أبو الغرّاف قال:

عاب الحكم بن عوانة الكلبيّ ذا الرمة في بعض قوله فقال فيه‏[5]:

فلو كنت من كلب صميما[6]هجوتكم # جميعا و لكن لا إخالك من كلب‏[7]

/و لكنما أخبرت أنك ملصق # كما ألصقت من غيرها ثلمة القعب‏[8]

تدهدى فخرّت ثلمة من صميمه‏[9] # فكيف بأخرى‏[10]بالغراء و بالشّعب‏

ذو الرمة و بلال بن أبي بردة يحتكمان إلى أبي عمرو بن العلاء في رواية شي‏ء من شعر حاتم‏

:

أخبرني أبو خليفة، عن ابن سلاّم‏[11]قال: و حدثني أبو الغرّاف قال:

دخل ذو الرمّة على/بلال بن أبي بردة، و كان بلال راوية فصيحا أديبا، فأنشده بلال أبيات حاتم طيّى‏ء قال‏[12]:

لحا اللّه صعلوكا مناه و همّه # من العيش أن يلقى لبوسا و مطعما

يرى الخمس تعذيبا و إن نال شبعة # يبت قلبه من شدّة الهمّ مبهما[13]

[1]حـ: «عن أحمد بن الحارث الخراز» .

[2]حـ: «و أخبرني إبراهيم» .

[3]حـ: «و إنما» .

[4] «ديوانه» 442.

[5]ابن سلام 482، «ديوانه» 53.

[6] «الديوان» . و في «الأصول» : «صحيحا» .

[7] «الديوان» و ابن سلام. و في بعض «الأصول» : «في كلب» .

[8] «الديوان» : «و لكنني خبرت» ، و ثلمة الإناء: موضع الكسر من شفته، و القعب: القدح.

[9]ف، و في أ، س: «صحيحه» .

[10]في «الديوان» و ابن سلام: «فلز بأخرى» .

[11]ابن سلام 483.

[12] «ديوان حاتم» 25، و ابن سلام 483.

[13]في ابن سلام: «من قلة الهم» .

282

هكذا أنشد بلال، فقال ذو الرمة: يرى الخمص تعذيبا، و إنما الخمس للإبل، و إنما هو خمص البطن، فمحك بلال-و كان محكا[1]-و قال: هكذا أنشدنيه‏[2]رواة طيّى‏ء، فردّ عليه ذو الرمة، فضحك‏[3]، و دخل أبو عمرو بن العلاء، فقال له بلال: كيف تنشدهما[4]؟و عرف أبو عمرو الذي به فقال: كلا الوجهين جائز، فقال: أ تأخذون عن ذي الرمة؟فقال: إنه لفصيح و إنا لنأخذ عنه بتمريض. و خرجا من عنده، فقال ذو الرمة لأبي عمرو: و اللّه لو لا أني أعلم‏[5]أنك حطبت في حبله و ملت‏[6]مع هواه لهجوتك هجاء لا يقعد إليك اثنان بعده.

أجود شعره في رأي بلال بن جرير

نسخت من كتاب محمد بن داود بن الجرّاح: حدثني هارون بن محمد الزيات، قال: حدثني حمّاد بن إسحاق عن عمارة بن عقيل، قال: قيل لبلال بن جرير: أيّ شعر ذي الرمة أجود؟فقال‏[7]:

هل حبل خرقاء بعد اليوم مرموم‏

إنها مدينة الشعر.

رأي لابن سلام في ذي الرمة

حدثنا[8]أبو خليفة، عن ابن سلاّم، قال:

كان ذو الرمة من جرير و الفرزدق بمنزلة قتادة من الحسن و ابن سيرين، كان يروي عنهما و يروي عن الصحابة، و كذلك ذو الرمّة، هو دونهما و يساويهما في بعض شعره‏[9].

جماعة من الكوفة يصنعون له أبياتا

أخبرني‏[10]الجوهريّ قال: حدثنا ابن شبّة، عن ابن معاوية[11]، قال: قال حماد الراوية:

قدم علينا ذو الرمة الكوفة فلم نر أحسن و لا أفصح و لا أعلم بغريب منه؛ فغمّ ذلك كثيرا من أهل المدينة[12]، فصنعوا له أبياتا و هي قوله:

رأى جملا يوما و لم يك قبلها # من الدّهر يدري كيف خلق الأباعر

[1]كذا في ابن سلام. و محك: نازع في الكلام و تمادى في اللجاجة، و في ف: «و كان ضحوكا» .

[2]في ابن سلام: «أنشدنيهما» .

[3]ابن سلام: «فمحك» .

[4]حـ: «كيف تنشدها» .

[5]حـ و ابن سلام: «أعلمك» .

[6]ابن سلام: «و قلت في هواه» .

[7] «ديوانه» 569، و فيه: «... بعد الهجر» ، و تمامه:

أم هل لها آخر الأيام تكليم‏

[8]ابن سلام 466.

[9]في ابن سلام: «الشعر» .

[10]جـ: «و أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري» .

[11]جـ: «عن أحمد بن معاوية الباهلي» .

[12]جـ: «من أهل الكوفة» .

283

فقال: شظايا مع ظبايا ألا لنا # و أجفل إجفال الظّليم المبادر

فقلت له: لا ذهل ملكيل بعد ما # ملا نيفق التّبّان منه بعاذر

قال: فاستعادها مرتين أو ثلاثا، ثم قال: ما أحسب هذا من كلام العرب.

ذو الرمة و عنبسة النحوي‏

أخبرني أبو الحسن الأسديّ، عن العباس بن ميمون طائع، قال: حدثنا أبو عثمان المازنيّ، عن الأصمعيّ، عن عنبسة النحويّ، قال:

/قلت لذي الرمة و سمعته ينشد و يقول:

و عينان قال اللّه كونا فكانتا # فعولين بالألباب ما تفعل الخمر

قال: فقلت له: فهلاّ قلت: فعولان؟فقال: لو قلت: سبحان اللّه، و الحمد للّه، و لا إله إلا اللّه، و اللّه أكبر، كان خيرا لك؛ أي أنك أردت القدر، و أراد ذو الرمة كونا فعولين بالألباب، و أراد عنبسة: و عينان فعولان.

و روى هذا الخبر ابن الزيّات‏[1]، عن محمد بن عبادة، عن الأصمعيّ، عن العلاء بن أسلم، فذكر مثله.

يغير شعره لرأي قاله ابن شبرمة

و حكى أن إسحاق بن سويد المعارض له قال: و أخبرني الأخفش، قال: حدثني محمد بن يزيد النحويّ، قال: حدثني عبد الصمد بن المعذّل، قال: حدثني أبي، عن أبيه قال:

قدم ذو الرمّة الكوفة فوقف ينشد الناس بالكناسة قصيدته الحائيّة، حتى أتى على قوله‏[2]:

إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد # رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح‏

/فناداه ابن شبرمة: يا غيلان، أراه قد برّح. فشنق‏[3]ناقته، و جعل يتأخّر بها و يفكر. ثم عاد فأنشد قوله:

إذا غيّر النّأي المحبين لم أجد

قال: فلما انصرفت حدّثت أبي، فقال: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرّمّة ما أنشد، و أخطأ ذو الرّمّة حين غيّر شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا مثل قول اللّه عز و جل: ظُلُمََاتٌ بَعْضُهََا فَوْقَ بَعْضٍ إِذََا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا [4]و إنما معناه لم يرها و لم يكد.

بلال بن أبي بردة يأمر له بعشرة آلاف درهم‏

أخبرني الجوهريّ، عن ابن شبرمة، عن يحيى بن نجيم‏[5]قال:

قال رؤبة لبلال بن أبي بردة: علام تعطي ذا الرمة؟فو اللّه إنه ليعمد إلى مقطّعاتنا فيصلها فيمدحك بها، فقال:

و اللّه لو لم أعطه إلا على تأليفه لأعطيته، و أمر له بعشرة آلاف درهم.

[1]جـ: «هارون بن محمد الزيات» .

[2] «ديوانه» 78.

[3]جـ: «فشنق لناقته» ، و شنق البعير: كفه بزمامه حتى ألزق ذفراه بقادمة الرحل، أو رفع رأسه و هو راكبه.

[4]سورة النور 40.

[5]جـ: «أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني يحيى بن نجيم قال: » .

284

رجل بمربد البصرة يراجعه في شعر ينشده‏

أخبرني إسماعيل بن يونس، قال: حدثنا عمر بن شبّة، حدثنا[1]إسحاق الموصليّ، عن الأصمعيّ، قال‏[2]:

قال رجل: رأيت ذا الرّمة بمربد البصرة و عليه جماعة مجتمعة و هو قائم، و عليه برد قيمته مائتا دينار، و هو ينشد، و دموعه تجري على لحيته‏[3]:

ما بال عينك منها الماء ينسكب‏

فلما انتهى إلى قوله‏[4]:

تصغي إذا شدّها بالكور جانحة # حتى إذا ما استوى في غرزها تثب‏

قلت: يا أخا بني تميم، ما هكذا قال عمّك، قال: و أيّ أعمامي يرحمك اللّه؟قلت: الراعي، قال: و ما قال؟ قال: قلت: قوله‏[5]:

و لا تعجل المرء قبل الورو # ك و هي بركبته أبصر[6]

و هيّ إذا قام في غرزها # كمثل السفينة إذا توقر[7]

/و مصغية خدّها بالزّما # م فالرأس منها له أصعر[8]

حتى إذا ما استوى طبّقت # كما طبّق المسحل‏[9]الأغبر

قال: فأرتج عليه ساعة، ثم قال: إنه نعت ناقة ملك و نعتّ ناقة سوقة. فخرج منها على رءوس الناس.

روايات في سبب تشبيبه بخرقاء

فأما السبب بين ذي الرمة و خرقاء فقد اختلف فيه الرواة؛ فقيل: إنه كان يهواها، و قيل: بل كاد بها ميّة، و قيل: بل كانت كحّالة فداوت عينه فشبّب بها.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ‏[10]، عن النوفليّ، عن أبيه:

أن زوج ميّة أمرها أن تسبّ ذا الرمة غيرة عليها، فامتنعت، فتوعّدها بالقتل، فسبّته فغضب، و شبّب بخرقاء [1]جـ: «قال حدثنا» ، و الخبر في «الشعر و الشعراء» 517.

[2]جـ: «عن رجل أخبرني قال» .

[3] «ديوانه» 1، و تمامه:

كأنه من كلي مفرية سرب‏

[4] «ديوانه» 8.

[5] «الشعر و الشعراء» 518، «الموشح» 277، «أمالي المرتضى» 1: 279، «اللآلي» 898، «اللسان» (ورك) .

[6] «الشعر و الشعراء» :

و لا تعجل المرء قبل البرو # ك، و هي بركبتها أبصر

[7] «الشعر و الشعراء» : «أو أوقر» .

[8] «الشعر و الشعراء» : «و واضعة خدها للزمام» . و أصعر: مائل.

[9]المسحل: الحمار الوحشي. و انظر «الموشح» 277.

[10]جـ: «قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي» .

285

العامريّة؛ يكيد ميّة بذلك، فما قال فيها إلاّ قصيدتين أو ثلاثا حتى مات.

أخبرني حبيب بن نصر، عن ابن شبة، عن العتبيّ، عن هارون بن عتبة قال:

شبّب ذو الرمّة بخرقاء العامرية بغير هوى؛ و إنما كانت كحّالة فداوت عينه من رمد كان بها فزال، فقال لها:

ما تحبّين حتى أعطيك؟فقالت‏[1]: عشرة أبيات تشبّب بي؛ ليرغب الناس فيّ إذا سمعوا أنّ في بقية للتشبيب، ففعل.

كان الحاجّ يمرون بخرقاء

أخبرنا أبو خليفة، عن ابن سلاّم، قال:

كان ذو الرمة شبّب‏[2]بخرقاء إحدى نساء بني عامر بن ربيعة، و كانت تحلّ فلجا[3]، و يمرّ بها الحاجّ، فتقعد لهم و تحادثهم و تهاديهم، و كانت تجلس معها فاطمة/بنتها-فحدثني من رآهما-فلم‏[4]تكن فاطمة مثلها، و كانت تقول: أنا منسك من مناسك الحج؛ لقول ذي الرمّة فيها[5]:

/

تمام الحجّ أن تقف المطايا # على خرقاء واضعة اللّثام‏

خرقاء تسأل القحيف العقيلي أن يشيب بها

قال ابن سلاّم في خبره‏[6]: و أرسلت خرقاء إلى القحيف العقيليّ تسأله أن يشبب بها فقال:

صوت‏

لقد أرسلت خرقاء نحوي جريها[7] # لتجعلني خرقاء فيمن أضلّت

و خرقاء لا تزداد إلاّ ملاحة # و لو عمّرت تعمير نوح و جلّت‏

خرقاء تسقي ذا الرمة و هي لا تعرفه‏

حدثني حبيب بن نصر، عن الزّبير، عن موهوب‏[8]بن رشيد، عمّن حدثه، قال:

نزل ركب بأبي خرقاء العامريّة، فأمر لهم بلبن فسقوه، و قصّر عن شابّ منهم، فأعطته خرقاء صبوحها و هي لا تعرفه، فشربه، و مضوا فركبوا، فقال لها أبوها: أ تعرفين الرجل الذي سقيته صبوحك؟قالت: لا و اللّه، قال: هو ذو الرمة القائل فيك الأقاويل، فوضعت يدها على رأسها، و قالت: وا سوأتاه وا بؤساه!و دخلت بيتها، فما رآها أبوها ثلاثا.

[1]جـ: «لي عشر بنات أيامي، فشبب بي ليرغب الناس فيهن» .

[2]ف: «يشبب» .

[3]في ابن سلام 477: «فلجة» .

[4]جـ و ابن سلام: «قال: لم تكن» .

[5] «ديوانه» 673، ابن سلام 478.

[6]ابن سلام 479.

[7]جريها: رسولها.

[8]ف: «حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثنا موهوب... » ، و في س: «موهب» ، و المثبت في أ.

286

المفضل الضّبيّ يزور خرقاء

حدثني إبراهيم بن أيوب، عن ابن قتيبة، قال: قال‏[1]الضبيّ:

كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حججت، فقال لي يوما: هل لك إلى أن أريك خرقاء صاحبة ذي الرمّة؟ فقلت: إن فعلت فقد بررت. فتوجهنا جميعا نريدها، فعدل بي عن الطريق قدر ميل، ثم أتينا أبيات شعر، فاستفتح /بيتا ففتح له، و خرجت امرأة طويلة حسنة[2]بها قوّة، فسلّمت و جلست، فتحدثنا ساعة، ثم قالت لي: هل حججت قطّ؟قلت: غير مرة. قالت: فما منعك من زيارتي؟أ ما علمت أنّي منسك من مناسك الحج؟قلت: و كيف ذاك؟قالت: أ ما سمعت قول ذي الرمة:

تمام الحجّ أن تقف المطايا # على خرقاء واضعة اللّثام‏

أخبرني وكيع، عن أبي أيوب المدائنيّ‏[3]عن مصعب الزبيريّ، قال: شبّب ذو الرمة بخرقاء و لها ثمانون سنة.

رواية أخرى في لقاء ذي الرمة بخرقاء

قال هارون بن الزيات: حدثني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن إبراهيم، عن محمد بن يعقوب، عن أبيه قال:

رأيت خرقاء بالبصرة و قد ذهبت أسنانها، و إنّ في ديباجة وجهها لبقيّة، فقلت: أخبريني عن السبب بينك و بين ذي الرمّة، فقالت: اجتاز بنا في ركب و نحن عدّة جوار على بعض المياه، فقال: أسفرن، فسفرن غيري، فقال: لئن لم تسفري لأفضحنّك، فسفرت، فلم يزل يقول حتى أزيد، ثم لم أره بعد ذلك.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدثنا الزّبير بن بكار قال: حدثني موهوب بن رشيد، قال: حدثني جدّي، قال:

كنت مع خرقاء ذي الرمة إذ نزل ببابها ركب من بني تميم فأمر لهم بلبن فسقوه، و قصر اللبن عن شاب منهم، فأمرت له خرقاء بغبوقها، فلما أن رحل عنهم الركب قال لها أبوها: يا خرقاء أ تعرفين من سقيت غبوقك اليوم؟ قالت: لا و اللّه ما أعرفه، قال: ذاك ذو الرمة، فوضعت يدها على رأسها و قالت: وا سوأتاه!و دخلت خدرها.

/قال الزبير: و حدثني عبد اللّه بن إبراهيم الجمحيّ، قال: حدثنا أبو الشّبل المعديّ قال:

كانت خرقاء البكائيّة أصبح من القبس، و بقيت بقاء طويلا حتى شبّب بها القحيف‏[4]العقيليّ.

خرقاء و صباح بن الهذيل‏

أخبرنا أبو الحسن الأسديّ، عن أحمد بن سليمان، عن أبي شيخ، عن أبيه، عن عليّ بن صالح بن سليمان‏[5]، عن صباح بن الهذيل أخي زفر بن الهذيل، قال:

[1]ف: «قال المفضل الضبي» .

[2]ف: «حسّانه» .

[3]أ، ب: «المديني» .

[4]جـ: «شبب بها العجيف» .

[5]جـ: «عن أحمد بن سليمان بن صباح» .

287

خرجت أريد الحجّ، فمررت بالمنزل الذي تنزله خرقاء، فأتيتها، فإذا امرأة جزلة، عندها سماطان‏[1]من الأعراب تحدّثهم‏[2]و تناشدهم، فسلّمت فردّت، و نسبتني، فانتسبت لها و هي تنزلني، حتى انتسبت‏[3]إلى أبي، فقالت: حسبك أكرمت‏[4]ما شئت، ما اسمك؟قلت: صباح، قالت: و أبو من؟قلت: أبو المغلّس، قالت:

أخذت أول الليل و آخره، قال: فما كان‏[5]لي همّة/إلاّ الذّهاب عنها.

الحجاج الأسدي يزور خرقاء، و تنشده شعرا لها في ذي الرمة

نسخت من كتاب محمد بن صالح بن النطّاح: حدثني محمد بن الحجاج الأسديّ التميميّ-و ما رأيت تميميا أعلم منه-قال:

حججت فلما صرت بمرّان منصرفا، فإذا أنا بغلام أشعث الذّؤابة قد أورد غنيمات له فجئته فاستنشدته‏[6]، فقال لي: إليك عنّي، فإني مشغول عنك. و ألححت عليه فقال: أرشدك إلى ما بعض ما تحبّ، انظر إلى ذلك البيت الذي يلقاك فإن فيه حاجتك، هذا بيت خرقاء ذي الرمة؛ فمضيت نحوه فطوّحت بالسلام من بعيد، فقالت: ادنه، فدنوت، فقالت: إنك لحضريّ، فمن أنت؟قلت: /من بني تميم-و أنه أحسب أنها لا معرفة لها بالناس-قالت:

من أيّ تميم، فأعلمتها، فلم تزل تنزلني حتى انتسبت إلى أبي، فقالت: الحجاج بن عمير بن يزيد؟قلت: نعم، قالت: رحم اللّه أبا المثنّى!قد كنّا نرجو أن يكون خلفا من عمير بن يزيد، قلت: نعم، فعاجلته المنيّة شابّا، قالت:

حيّاك اللّه يا بنيّ و قرّبك، من أين أقبلت؟قلت: من الحج. قالت: فما لك لم تمرّ بي و أنا أحد مناسك الحج؟إنّ حجّك ناقص، فأقم حتى تحجّ أو تكفّر بعتق. قلت: و كيف ذلك؟قالت: أ ما سمعت قول غيلان عمّك:

تمام الحجّ أن تقف المطايا # على خرقاء واضعة اللّثام‏

قال: و كانت و هي قاعدة بفناء البيت كأنها قائمة من طولها، بيضاء شهلاء، فخمة الوجه. قال: فسألتها عن سنّها، فقالت: لا أدري إلاّ أني كنت أذكر شمر بن ذي الجوشن حين قتل الحسين عليه السلام، مرّ بنا و أنا جارية و معه كسوة فقسّمها في قومه، قالت: و كان أبي قد أدرك الجاهلية و حمل فيها حمالات، قال: و لما أنشدتني خرقاء بيت ذي الرّمة فيها قلت: هيهات يا عمّة، قد ذهب ذلك منك، قالت: لا تقل‏[7]يا بنيّ، أ ما سمعت قول قحيف‏[8] فيّ:

و خرقاء لا تزداد إلاّ ملاحة # و لو عمّرت تعمير نوح و جلّت‏

ثم قالت: رحم اللّه ذا الرمة؛ فقد كان رقيق البشرة، عذب المنطق، حسن الوصف، مقارب الرّصف، عفيف الطّرف، فقلت لها: لقد أحسنت الوصف، فقالت: هيهات أن يدركه وصف، رحمه اللّه، و رحم من سمّاه اسمه.

[1]السماط: الصف.

[2]ف: «تحادثهم» .

[3]جـ: «حتى انتهيت» .

[4]جـ: «كرمت» .

[5]جـ: «فما كانت» .

[6]ف: «فحييته و استنشدته» .

[7]أ: «لا تغفل» .

[8]أ، و «المختار» : «عجيف» . و انظر «المختار» 6: 63.

288

فقلت: و من سمّاه؟قالت: سيد بني عديّ الحصين بن عبدة بن نعيم، ثم أنشدتني لنفسها في ذي الرمة:

/

لقد أصبحت في فرعي معدّ # مكان النّجم في فلك السماء

إذا ذكرت محاسنه تدرّت # بحار الجود من نحو السماء[1]

حصين شاد باسمك غير شكّ # فأنت غياث محل بالفناء

إذا ضنّت سحابة ماء مزن # تثجّ بحار جودك بارتواء

لقد نصرت باسمك أرض قحط # كما نثرت‏[2]عديّ بالثّراء

فقلت: أحسنت يا خرقاء، فهل سمع ذلك منك ذو الرمة؟قالت: إي و ربي، قلت: فما ذا قال؟قالت: قال:

شكر اللّه لك يا خرقاء نعمة ربّيت شكرها من ذكرها، فقالت: أثقلنا حقّها، ثم قالت: اللهم غفرا، هذا في اللفظ، و نحتاج إلى العمل.

رجل من بني النجار يمر ببيت خرقاء و يحادث ابنتها

أخبرني جحظة، عن حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، عن ابن كناسة، عن خيثم بن حجّيّة العجليّ، قال: حدثني رجل من بني النجار، قال:

خرجت/أمشي في ناحية البادية، فمررت على فتاة قائمة على باب بيت فقمت‏[3]أكلّمها فنادتني عجوز من ناحية الخباء: ما يقيمك على هذا الغزال النّجديّ؟فو اللّه ما تنال‏[4]خيرا منه و لا ينفعك، قال: و تقول هي: دعيه يا أمّاه يكن كما قال ذو الرمة[5]:

و إن لم يكن إلاّ معرّس ساعة # قليلا فإني نافع لي قليلها

فسألت عنهما، فقيل لي: العجوز خرقاء ذي الرمة و الفتاة بنتها.

ذو الرمة يموت و له أربعون سنة

و توفي ذو الرمة في خلافة هشام بن عبد الملك، و له أربعون سنة. و قد اختلفت‏[6]الرواة في سبب وفاته.

روايات مختلفة في وفاته‏

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، عن أبي سعيد السّكّريّ، عن يعقوب بن السّكيت: أنه بلغ أربعين سنة، و فيها توفي‏[7]، و هو خارج إلى هشام بن عبد الملك، و دفن‏[8]بحزوى، و هي الرملة التي كان يذكرها في شعره.

[1]ما: «ماء السماء» .

[2]جـ: «مطرت» .

[3]ف: «فوقفت» .

[4]حـ: «لا تصيب» .

[5] «ديوانه» 550. و فيه: «فإن لم يكن إلا تعلل» .

[6]جـ: «اختلف» .

[7]جـ: «مات» .

[8]جـ: «فدفن» . ـ

289

أخبرني‏[1]أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: حدثني ابن أبي عديّ قال:

قال ذو الرمة: بلغت نصف الهرم و أنا ابن أربعين‏[سنة][2].

قال ابن سلاّم: و حدثني أبو الغرّاف أنه مات و هو يريد هشاما، و قال في طريقه في ذلك‏[3]:

بلاد بها أهلون لست ابن أهلها # و أخرى بها أهلون ليس بها أهل‏

و قال هارون بن محمد بن عبد الملك: حدثني القاسم بن محمد الأسديّ، قال: حدثني جبر بن رياط قال:

أنشد ذو الرمة الناس شعرا له، وصف فيه الفلاة بالثّعلبية[4]، فقال له حلبس الأسديّ: إنك لتنعت الفلاة نعتا لا تكون منيّتك إلا بها.

قال: و صدر ذو الرمة على أحد جفري بني تميم و هما على طريق الحاجّ من البصرة، فلما أشرف على البصرة[5]قال‏[6]:

و إنّي لعاليها و إني لخائف # لما قال يوم الثّعلبيّة حلبس‏[7]

/قال: و يقال: إن هذا آخر شعر قاله. فلما توسّط الفلاة نزل عن راحلته فنفرت منه، و لم تكن تنفر منه، و عليها شرابه و طعامه، فلما دنا منها نفرت حتى مات، فيقال: إنه قال عند ذلك‏[8]:

ألا أبلغ الفتيان‏[9]عنّي رسالة # أهينوا[10]المطايا هنّ أهل هوان

فقد تركتني صيدح بمضلّة # لساني ملتاث من الطّلوان‏[11]

قال هارون: و أخبرني أحمد بن محمد الكلابيّ بهذه القصة، و ذكر أن ناقته وردت على أهله في مياههم، فركبها أخوه، و قصّ أثره، حتى وجده ميّتا و عليه خلع الخليفة، و وجد هذين البيتين مكتوبين على قوسه.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز[12]، عن الرّياشيّ، عن الأصمعيّ، عن أبي الوجيه، قال:

دخلت على ذي الرمة و هو يجود بنفسه، فقلت له: كيف تجدك؟قال: أجدني و اللّه أجد ما لا أجد[13]أيام [1]ابن سلام 480.

[2]من ابن سلام.

[3]جـ: «تلك» ، و البيت في «ديوانه» 458، و ابن سلام 480. و في ف، و «الديوان» : «ليسوا بأهلها» ، و في ف بعد البيت: «و يروى:

ليسوا بأهلنا» .

[4]جـ: «و هو بالثعلبية» . و الثعلبية: من منازل طريق مكة.

[5]جـ: «الفلاة» .

[6] «ديوانه» 668.

[7]جـ: «التغلبية حابس» ، و المثبت في «الديوان» و «المختار» .

[8] «ديوانه» 675.

[9]ف: «الركبان» .

[10]أ: «أهين» .

[11]الطلوان: بياض يعلو اللسان من مرض أو عطش.

[12]حـ: «عمر بن عبد العزيز بن أحمد» .

[13]حـ: «ما أجد» .

290

أزعم أني ما لم أجد حيث أقول‏[1]:

كأنّي غداة[2]الزّرق‏[3]يا ميّ مدنف # يجود بنفس قد أحمّ‏[4]حمامها

حذار اجتذام البين أقران نيّة # مصاب‏[5]و لو عات‏[6]الفؤاد انجذامها

/قال: و كان آخر ما قاله‏[7]:

يا ربّ قد أشرفت نفسي و قد علمت # علما يقينا لقد أحصيت آثاري

يا مخرج الرّوح من جسمي إذا احتضرت # و فارج الكرب زحزحني عن النّار

/قال أبو الوجيه: و كانت منيّته هذه في الجدريّ، و في ذلك يقول‏[8]:

أ لم يأتها أنّي تلبّست بعدها # مفوّفة صوّاغها غير أخرق‏[9]

نسخت من كتاب هارون بن الزيات: حدثني عبد الوهاب بن إبراهيم الأزديّ، قال: حدثني جهم بن مسعدة، قال: حدثني محمد بن الحجاج الأسديّ، عن أبيه، قال:

وردت حجرا و ذو الرمة به، فاشتكى شكايته التي كانت منها منيّته، و كرهت أن أخرج حتى أعلم بما يكون في‏[10]شكاته، و كنت أتعهّده، و أعوده في اليوم و اليومين، فأتيته يوما و قد ثقل، فقلت: يا غيلان، كيف تجدك؟ فقال: أجدني و اللّه يا أبا المثنى اليوم في الموت، لا غداة[11]أقول:

كأني غداة الزّرق‏[12]يا ميّ مدنف # يكيد بنفس قد أحمّ حمامها

فأنا و اللّه الغداة في ذلك‏[13]، لا تلك الغداة.

قال هارون بن الزيات: حدثني موسى بن عيسى الجعفريّ، قال: أخبرني أبي قال: أخبرني رجل من بني تميم، قال:

كانت ميتة ذي الرمة أنه اشتكى النّوطة[14]فوجعها دهرا، فقال في ذلك‏[15]:

[1] «ديوانه» 637.

[2]حـ: «كأني يوم البين» .

[3]حـ: «الرزق... يكيد بنفس» . و في «الديوان» : «يكيد بنفس» .

[4] «الديوان» : «أجم» . و أحم: دنا و قرب. و الحمام: الموت.

[5]حـ و «الديوان» : «مصيب» .

[6]حـ: «كروعات» ، و في «الديوان» : «لو قرأت الفؤاد» .

[7] «ديوانه» 667.

[8] «ديوانه» 670.

[9]جـ: «تبدلت» . و في «الديوان» : «غير أخرقا» .

[10]جـ: «من شكاته» .

[11]جـ: «لا في غداة» .

[12]جـ: «الرزق» .

[13]جـ: «في ذلك اليوم» .

[14]النوطة: ورم في الصدر، أو غدة في البطن مهلكة. ( «القاموس» ) .

[15] «ديوانه» 491.

291

ألفت كلاب الحيّ حتى عرفنني # و مدّت نساج‏[1]العنكبوت على رحلي‏

/قال: ثم قال لمسعود أخيه: يا مسعود، قد أجدني تماثلت و خفّت الأشياء عندنا، و احتجنا إلى زيارة بني مروان، فهل لك بنا فيهم؟فقال: نعم، فأرسله إلى إبله يأتيه‏[2]منها بلبن يتزوده، و واعده مكانا، و ركب ذو الرمة ناقته فقمصت به، و كانت قد أعفيت‏[3]من الركوب، و انفجرت‏[4]النّوطة التي كانت به. قال: و بلغ موعد صاحبه و جهد و قال: أردنا شيئا و أراد اللّه شيئا، و إن العلّة التي كانت بي انفجرت. فأرسل إلى أهله فصلّوا[5]عليه، و دفن برأس حزوى، و هي الرملة التي كان يذكرها في شعره.

قبره بالدهناء

نسخت من كتاب عبيد اللّه‏[6]بن محمد اليزيديّ: قال أبو عبيدة و ذكر هارون‏[7]بن الزيات، عن محمد بن عليّ بن المغيرة، عن أبيه، عن أبي عبيدة، عن المنتجع بن نبهان قال:

لما احتضر ذو الرمة قال: إني لست ممن يدفن في الغموض و الوهاد، قالوا: فكيف نصنع بك و نحن في رمال الدهناء؟قال: فأين أنتم من كثبان حزوى؟-قال: و هما رملتان مشرفتان على ما حولهما من الرمال-قالوا: فكيف نحفر لك في الرمل‏[8]و هو هائل؟قال: فأين الشجر و المدر و الأعواد؟قال: فصلّينا عليه في بطن الماء، ثم حملنا له الشجر و المدر على الكباش، و هي أقوى على الصّعود في الرمل من الإبل. فجعلوا قبره هناك و زبّروه‏[9]بذلك الشجر و المدر، و دلّوه في قبره، فأنت إذا عرفت موضع قبره رأيته قبل أن تدخل الدهناء، و أنت بالدّوّ[10]على مسيرة ثلاث.

قال هارون: و حدثني محمد بن صالح العدويّ، قال: ذكر أبو عمرو المراديّ:

/إن قبر ذي الرمة بأطراف عناق من وسط الدّهناء مقابل الأواعس، و هي أجبل شوارع يقابلن الصّريمة[11] صريمة النّعام، و هذا الموضع لبني سعد و يختلط معهم الرّباب.

قال هارون: و حدثني هارون بن مسلم، عن الزّياديّ، عن العلاء بن برد، قال:

ما كان شي‏ء أحبّ إلى ذي الرمة إذا ورد ماء من أن يطوي و لا يسقي‏[12]، فأخبرني مخبر أنه مر بالجفر و قد جهده العطش، قال: فسمعته يقول:

[1]في «الديوان» :

«أتتني... # و مدت نسوج»

. و في «المختار» : «و مدت مسوح» .

[2]أ: «ليأتيه» .

[3]ف: «عنت» .

[4]ف: «فانفجرت» .

[5] «المختار» : «فأتوه و صلوا عليه» .

[6]ف: «عبد اللّه» .

[7]ف: «و ذكر هارون بن محمد الزيات» .

[8]ف: «رمل هائل» .

[9]أ: «و دثروه» . و الزبر أصله طي البئر بالحجارة.

[10]ياقوت: الدو: أرض ملساء بين مكة و البصرة.

[11]أ: «الصرمة» .

[12]ف: «و لا يستكفي» .

292

/

يا مخرج الرّوح من جسمي إذا احتضرت # و فارج الكرب زحزحني عن النار

ثم قضى.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعيّ، عن عمه، عن عيسى بن عمر، قال:

كان ذو الرمة ينشد الشعر، فإذا فرغ قال: و اللّه لأكسعنّك‏[1]بشي‏ء ليس في حسابك: سبحان اللّه، و الحمد للّه، و لا إله إلا اللّه، و اللّه أكبر.

كان حسن الصلاة و الخشوع‏

أخبرني الحسن بن عليّ، و وكيع، عن أبي أيوب، قال: حدثني أبو معاوية الغلابيّ، قال:

كان ذو الرمّة حسن الصلاة، حسن الخشوع، فقيل له: ما أحسن صلاتك!فقال: إن العبد إذا قام بين يدي اللّه لحقيق أن يخشع.

أخوه مسعود يرثيه‏

نسخت من كتاب عبيد اللّه اليزيديّ قال: حدثني عبد الرحمن، عن عمّه، عن أبي عمرو بن العلاء، قال:

كان مسعود أخو ذي الرمة يمشي معي كثيرا إلى منزلي فقال لي يوما، و قد بلغ قريبا من منزلي: أنا الذي أقول في أخي ذي الرّمة:

إلى اللّه أشكو لا إلى الناس أنني # و ليلى كلانا موجع مات وافده‏[2]

فقلت له: من ليلى؟فقال: بنت أخي ذي الرمة.

[1]كسعه: ضرب دبره بيده أو بصدر قدمه.

[2]ف: «قائده» .

293

2-ذكر خبر إبراهيم في هذه الأصوات الماخوريّة

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، عن ابن شبّة، عن إسحاق الموصليّ، عن أبيه، قال:

صنعت لحنا فأعجبني، و جعلت أطلب له شعرا، فعسر ذلك عليّ، فأريت في المنام كأن رجلا لقيني، فقال لي: يا إبراهيم، أ و قد أعياك شعر لغنائك هذا الذي تعجب به؟قلت: نعم. قال: فأين أنت من قول ذي الرمة[1]:

ألا يا اسلمى يا دار ميّ على البلى # و لا زال منهلاّ بجرعائك القطر

قال: فانتهيت فرحا بالشعر؛ فدعوت من ضرب عليّ فغنيته، فإذا هو أوفق ما خلق اللّه، فلما عملت هذا الغناء في شعر ذي الرمة نبّهت عليه و على شعره، فصنعت فيه ألحانا ماخورية منها[2]:

أ منزلتي ميّ سلام عليكما # هل الأزمن اللاّئي مضين رواجع!

و غنّيت بها الهادي فاستحسنها، و كاد يطير فرحا، و أمر لكل صوت بألف دينار.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت‏

ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلى # و لا زال منهلاّ بجرعائك القطر

و لو[3]لم تكوني غير شام بقفرة # تجرّ بها الأذيال صيفيّة كدر[4]

/عروضه من الطويل. و قوله: يا اسلمي هاهنا نداء؛ كأنه قال: يا دار ميّ اسلمي، و يا هذه اسلمي، يدعو لها بالسلامة. و مثله قول اللّه عزّ و جلّ: أَلاََّ يَسْجُدُوا[5]لِلََّهِ اَلَّذِي يُخْرِجُ اَلْخَبْ‏ءَ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ ، فسّره أهل اللغة هكذا، كأنه قال: يا قوم اسجدوا للّه. و ميّ ترخيم ميّة إلا أنه أقامه هاهنا مقام الاسم الذي لم يرخّم فنوّنه. و قوله: على البلى، أي اسلمي و إن كنت قد بليت. و المنهلّ: الجاري، يقال: انهلّ المطر انهلالا، إذا سال.

و الجرعاء و الأجرع من الرمل: الكثير/الممتد. و الشام: موضع يخالف لون الأرض، و هو جمع، واحدته شامة.

و القفر: ما لم يكن فيه نبات و لا ماء، تجر بها الأذيال صيفية يعني الرياح الصيفية الحارة. و أذيالها: مآخيرها التي تسفي التراب على وجه الأرض، شبهها بذيل المرأة، و عنى بها أوائلها. و الكدر: التي فيها الغبرة من القتام [1] «ديوانه» 206.

[2] «ديوانه» 332.

[3]في «الديوان» : «فإن لم تكوني» .

[4]شام: جمع شامة؛ و هي بقعة تخالف لون الأرض. صيفية: رياح فيها كدر و غبرة.

[5]على قراءة التخفيف. و انظر القرطبي 13: 186. و الآية في سورة النمل 25.

294

و الفجاج؛ فهي تعفّي الآثار و تدفنها. غنّاه إبراهيم الموصليّ ماخوريّا بالوسطى. و منها[1]:

صوت‏

أ منزلتي ميّ سلام عليكما # هل الأزمن اللائي مضين رواجع!

و هل يرجع التّسليم أو يكشف العمى # ثلاث الأثافي و الدّيار البلاقع![2]

توهمتها يوما فقلت لصاحبي # و ليس لها إلاّ الظباء الخواضع‏[3]

و موشيّة سحم‏[4]الصّياصي كأنها # مجلّلة حوّ عليها البراقع‏

عروضه من الطويل. غنّاه إبراهيم ماخوريّا بالوسطى. و الأزمن و الأزمان جمع/زمان. و العمى: الجهالة.

و الأثافيّ الثلاث هي الحجارة التي تنصب عليها القدر، واحدتها أثفيّة. و الخواضع من الظباء: اللاتي قد طأطأت رءوسها. و الموشيّة: يعني البقر. و الصّياصي: القرون واحدتها صيصية. و المجلّلة: التي كأن عليها جلالا[5] سودا. و الحوّة: حمرة في سواد. و مما يغنّي فيه من هذه القصيدة قوله‏[6]:

صوت‏

قف العنس‏[7]ننظر نظرة في ديارها # و هل ذاك من داء الصبابة نافع![8]

فقال: أ ما تغشى لميّة منزلا # من الأرض إلا قلت: هل أنا رابع![9]

و قلّ لأطلال لميّ تحيّة[10] # تحيّا بها أو أن ترشّ المدامع‏

العنس: الناقة. و الرابع: المقيم. و قلّ لأطلال، أي ما أقل لهذه الأطلال مما أفعله. و ترش المدامع، أي تكثر نضحها الدموع. غناه إبراهيم الموصليّ ماخوريا.

و ذكر ابن الزيات، عن محمد بن صالح العذريّ، عن الحرمازيّ، قال:

مرّ الفرزدق على ذي الرمة و هو ينشد:

أ منزلتي ميّ سلام عليكما

فلمّا فرغ قال له: يا أبا فراس، كيف ترى؟قال: أراك شاعرا. قال: فما أقعدني عن غاية الشعراء؟قال:

بكاؤك على الدّمن، و وصفك القطا و أبوال الإبل.

[1] «ديوانه» 332.

[2] «الديوان» : «الرسوم البلاقع» .

[3]جـ: «الخواشع» .

[4]الأسحم: الأسود؛ و جمعه سحم. و أصل الصياصي الحصون و المعاقل؛ و لما كانت البقر تحمي بقرونها سميت قرونها صياصى.

يقول: كأن البقر خيل مجللة. حو: دهم، يعني الخيل.

[5]جـ: «أجلالها» .

[6] «ديوانه» 333.

[7]ب، و «الديوان» : «العيس» . و العنس: الناقة الصلبة القوية.

[8]أ: «رافع» .

[9] «الديوان» ، جـ: «هل أنت رابع» .

[10] «الديوان» : «و قل إلى أطلال ميّ تحية» .

295

ذو الرمة و عصمة بن مالك يزوران ميّة

حدثني ابن عمار و الجوهريّ، و حبيب المهلّبيّ، عن ابن شبّة[1]، عن إسحاق الموصليّ، عن مسعود بن قند، قال:

/تذاكرنا ذا الرمة يوما فقال عصمة بن مالك: إياي فاسألوا عنه، قال: كان حلو العينين، حسن النغمة، إذا حدّث لم تسأم حديثه، و إذا أنشدك بربر[2]و جشّ صوته، جمعني و إيّاه مربع مرّة، فقال لي: هيا عصمة، إن ميّة من منقر، و منقر أخبث حيّ و أقفاه لأثر، و أثبته في نظر، و أعلمه بشرّ، و قد عرفوا آثار إبلي؛ فهل عندك من ناقة نزدار[3]عليها ميّة؟قلت: إي و اللّه عندي الجؤذر بنت يمانية الجدليّ، قال: فعليّ بها. فأتيته بها، فركب و ردفته فأتينا محلّة ميّة، و القوم خلوف و النساء في الرحال، فلمّا رأين ذا الرمة اجتمعن إلى ميّ، و أنخنا قريبا و أتيناهنّ، فجلسنا إليهنّ، فقالت ظريفة منهنّ: أنشدنا/يا ذا الرمة. فقال لي: أنشدهنّ يا عصمة. فأنشدت قصيدته التي يقول فيها[4]:

نظرت إلى أظعان ميّ كأنها # ذرا النّخل أو أثل تميل ذوائبه

فأسبلت العينان و القلب كاتم # بمغرورق نمّت عليه سواكبه

بكاء فتى خاف الفراق و لم تجل # جوائلها أسراره و معاتبه‏[5]

قالت الظريفة: فالآن فلتجل، ثم أنشدت حتى أتيت على قوله‏[6]:

و قد حلفت باللّه ميّة ما الذي # أحدّثها إلاّ الذي أنا كاذبه

إذا فرماني اللّه من حيث لا أرى # و لا زال في أرضي عدوّ أحاربه‏

فقالت ميّة: ويحك يا ذا الرّمة!خف اللّه و عواقبه. ثم أنشدت حتى أتيت على قوله:

إذا سرحت من حبّ ميّ سوارح # على القلب أبّته جميعا عوازبه‏

/فقالت الظريفة: قتلته قتلك اللّه!فقالت ميّة: ما أصحّه و هنيئا له!فتنفّس ذو الرّمة تنفيسة كاد حرّها يطير بلحيتي، ثم أنشدت حتى أتيت على قوله‏[7]:

إذا نازعتك القول ميّة أو بدا # لك الوجه منها أو نضا الدّرع سالبه

فما شئت من خدّ أسيل‏[8]و منطق # رخيم و من خلق تعلّل جادبه‏[9]

[1]جـ: «حدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، و حبيب بن نصر المهلبي، قالوا: حدثنا عمر بن شبة... » .

[2]بربر في كلامه: أكثر منه. و البربرة: الجلبة و الصياح.

[3]ازداره: زاره.

[4] «ديوانه» 39.

[5]جـ: «و مغايبه» . و في «الديوان» : «هوى آلف جاء الفراق فلم تجل» .

[6] «ديوانه» 42.

[7] «ديوانه» 42.

[8] «الديوان» : «فيا لك من خدّ أسيل» .

[9]جادبه: عاتبه.

296

فقالت الظريفة: فقد بدا لك الوجه و تنوزع‏[1]القول، فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه؟فقالت لها ميّة:

قاتلك اللّه!فما ذا تأتين به!فتضاحكت الظريفة و قالت: إن لهذين لشأنا فقوموا بنا عنهما، فقامت و قمن معها[2]، و قمت فخرجت، و كنت قريبا حيث أراهما و أسمع ما ارتفع من كلاميهما، فو اللّه ما رأيته تحرك من مكانه الذي خلّفته فيه حتى ثاب أوائل الرجال، فأتيته فقلت: انهض بنا فقد ثاب القوم فودّعها فركب و ردفته و انصرفنا.

و منها[3]:

صوت‏

إذا هبّت الأرواح من أيّ جانب # به أهل ميّ هاج قلبي هبوبها

هوّى تذرف العينان منه و إنما # هوى كلّ نفس حيث كان حبيبها

الغناء لإبراهيم ماخوريّ بالوسطى عن الهشاميّ.

صوت‏

إني تذكّرني الزّبير حمامة # تدعو بمجمع نخلتين هديلا

أفتى النّدى و فتى الطّعان قتلتم # و فتى الرّياح إذا تهبّ بليلا

لو كنت حرّا يا بن قين مجاشع # شيّعت ضيفك فرسخا أو ميلا

و في أخرى: فرسخين و ميلا:

قالت قريش: ما أذلّ مجاشعا # جارا و أكرم ذا القتيل قتيلا!

الشعر لجرير، يهجو الفرزدق و يعيّره بقتل عشيرته الزّبير بن العوّام يوم الجمل، و الغناء للغريض ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو.

[1]جـ: «من متوزع القلب» .

[2]جـ: «وهن» .

[3] «ديوانه» 66 و فيه: «من نحو جانب» .

297

3-ذكر مقتل الزبير و خبره‏

الزبير و علي بن أبي طالب‏

حدّثنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، و أحمد بن عبد العزيز، عن ابن شبّة قالا: حدثنا المدائنيّ، عن أبي بكر الهذليّ، عن قتادة قال:

سار أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه من الزّاوية[1]يريد طلحة و الزّبير و عائشة، و صاروا من الفرضة[2]يريدونه، فالتقوا عند قصر عبيد اللّه بن زياد يوم الخميس النصف من جمادى الآخرة سنة ستّ و ثلاثين، فلما تراءى الجمعان خرج الزّبير على فرس و عليه سلاحه، فقيل لعليّ صلوات اللّه عليه: هذا الزّبير، فقال: أما و اللّه إنه أحرى الرجلين إن ذكّر باللّه أن يذكره، و خرج طلحة، و خرج عليّ عليه السلام إليهما، فدنا منهما حتى اختلفت أعناق دوابّهم، فقال لهما: لعمري لقد أعددتما خيلا و رجالا[3]، إن كنتما أعددتما عند اللّه عذرا فاتّقيا اللّه و لا تكونا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهََا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكََاثاً [4]أ لم أكن أخاكما في دينكما تحرّمان دمي و أحرّم دماءكما؟فهل من حدث أحلّ لكما دمي؟فقال له طلحة[5]: ألّبت الناس على عثمان، فقال: يا طلحة، أ تطلبني بدم عثمان؟فلعن اللّه قتلة عثمان، يا زبير، أتذكر يوم مررت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و آله في بني غنم، فنظر إليّ و ضحك، و ضحكت إليه، فقلت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال: مه ليس بمزهوّ، و لتقاتلنّه و أنت له ظالم، فقال: اللهمّ نعم، و لو ذكّرت ما سرت مسيري هذا، و اللّه لا أقاتلك أبدا. و انصرف عليّ صلوات اللّه عليه إلى أصحابه و قال: أما الزّبير فقد أعطى اللّه عهدا ألاّ يقاتلني.

/قال: و رجع الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنت في موطن مذ عقلت إلاّ و أنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا، قالت: و ما تريد أن تصنع؟قال: أدعهم و أذهب، فقال له ابنه عبد اللّه: أجمعت بين هذين الغارين‏[6]حتى إذا حدّد بعضهم لبعض أردت أن تذهب و تتركهم؟أ خشيت‏[7]رايات ابن أبي طالب و علمت أنّها تحملها فتية أنجاد.

فأحفظه، فقال: إني حلفت ألاّ أقاتله. قال: كفّر عن يمينك و قاتله، فدعا غلاما له يدعى مكحولا فأعتقه، فقال عبد الرحمن بن سليمان التيميّ:

لم أر كاليوم أخا إخوان‏[8] # أعجب من مكفّر الأيمان‏

[1]الزاوية: عدة مواضع، منها موضع قرب البصرة.

[2]في ب: «الفريضة» .

[3]في «التجريد» : «و سلاحا» .

[4]النحل 92.

[5]في «التجريد» : «فقالا: ألبت... » .

[6]الغار: الجيش الكثير. و في ب: «العارين» .

[7]في بيروت: «أحسست» .

[8]في «التجريد» : «أخا خوان» .

298

بالعتق في معصية الرّحمن‏

و قال بعض شعرائهم:

يعتق مكحولا لصون دينه # كفّارة للّه عن يمينه

و النّكث قد لاح على جبينه‏

مقتل الزبير

حدثني ابن عمّار[1]و الجوهريّ قال: حدثنا ابن شبّة[2]، عن عليّ بن محمد النوفليّ، عن الهذليّ، عن قتادة، قال:

وقف الزبير على مسجد بني مجاشع فسأل عن عياض بن حمّاد، فقال له النعمان بن زمام: هو بوادي السّباع فمضى يريده.

حدثني ابن عمّار و الجوهريّ، عن عمر، قال: حدّثني المدائنيّ، عن أبي مخنف، عمّن حدّثه عن الشعبيّ، قال:

خرج النعمان مع الزبير حتى بلغ النّجيب‏[3]، ثم رجع.

/قال: و حدثنا عن مسلمة بن محارب، عن عوف، و عن أبي/اليقظان، قالا:

مرّ الزّبير ببني حمّاد فدعوه إلى أنفسهم فقال: اكفوني خيركم و شرّكم، فو اللّه ما كفوه خيرهم و شرّهم. و مضى ابن فرتنى إلى الأحنف و هو بعرق سويقه، فقال: هذا الزّبير قد مرّ، فقال الأحنف: ما أصنع به!جمع بين غارين من المسلمين، فقتل بعضهم بعضا، ثم مرّ يريد أن يلحق بأهله. فقام عمرو بن جرموز و فضالة بن حابس و نفيع بن كعب أحد بني عوف‏[4]-و يقال نفيع بن عمير-فلحقوه بالعرق، فقتل قبل أن ينتهي إلى عياض، قتله عمرو بن جرموز.

حدثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجليّ الكوفيّ، و جعفر بن محمد بن الحسن العلويّ الحسنيّ‏[5]، و العباس بن عليّ بن العبّاس و أبو عبيد الصّيرفيّ، قالوا: حدثنا محمد بن عليّ بن خلف العطّار، قال: حدّثنا عمرو بن عبد الغفار، عن سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين عليه السلام، قال:

حدثني ابن عباس قال:

قال لي عليّ صلوات اللّه عليه: ائت الزبير فقل له: يقول لك عليّ بن أبي طالب نشدتك اللّه، أ لست قد بايعتني طائعا غير مكره. فما الذي أحدثت فاستحللت به قتالي؟.

و قال أحمد بن يحيى في حديثه: قل لهما: إن أخاكما يقرأ عليكما السلام و يقول: هل نقمتما عليّ جورا في [1]ف: «أحمد بن عبيد اللّه بن عمار» .

[2]ف: «عمر بن شبة» .

[3]هب: «النحيت» .

[4]في «الطبقات» 3-78: «عمير بن جرموز التميمي، و فضالة بن حابس التميمي، و نفيع أو نفيل بن حابس التميمي» .

[5]في ف: «الحيني» .

299

حكم أو استئثارا بفي‏ء؟فقالا: لا، و لا واحدة منهما، و لكن الخوف و شدّة الطمع.

و قال محمد بن خلف في خبره: فقال الزبير: مع الخوف شدّة المطامع، فأتيت عليّا عليه السلام فأخبرته بما قال الزبير، فدعا بالبغلة فركبها و ركبت معه، فدنوا حتى/اختلفت أعناق دابّتيهما فسمعت عليّا صلوات اللّه عليه يقول: نشدتك اللّه يا زبير، أتعلم أني كنت أنا و أنت في سقيفة بني فلان تعالجني و أعالجك فمرّ بي-يعني النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم-فقال: كأنّك تحبّه!فقلت: و ما يمنعني!قال: أما إنه ليقاتلنّك و هو لك ظالم. فقال الزبير: اللهمّ نعم، ذكّرتني ما نسيت، و ولّى راجعا. و نادى منادي عليّ: ألا لا تقاتلوا القوم حتى يستشهدوا منكم رجلا، فما لبث أن أتي برجل يتشحّط[1]في دمه، فقال عليّ عليه السلام: اللهمّ اشهد، اللهمّ اشهد، اللهمّ اشهد. و أمر الناس فشدّوا عليهم، و أمر الصّرّاخ فصرخوا: لا تذفّفوا[2]على جريح و لا تتبعوا مدبرا، و لا تقتلوا أسيرا.

حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن محمد بن أيوب المخزوميّ، عن سعيد بن محمد الجرميّ، عن أبي الأحوص، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ بن حبيش، و لا أحسبه إلا قال:

كنت قاعدا عند عليّ عليه السلام، فأتاه آت فقال: هذا ابن جرموز قاتل الزبير بن العوّام يستأذن على الباب، قال: ليدخلنّ قاتل ابن صفيّة النّار، إني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: «إن لكلّ نبيّ حواريّ و إنّ حواريّ الزبير» .

أخبرني الطّوسيّ و حرميّ، عن الزّبير، عن عليّ بن صالح‏[3]، عن سالم بن عبد اللّه بن عروة، عن أبيه: أن عمرا أو عويمر بن جرموز[4]قاتل الزبير أتى مصعبا حتى وضع يده في يده، فقذفه في السجن، و كتب إلى عبد اللّه بن الزبير يذكر له أمره، فكتب إليه عبد اللّه: بئس ما صنعت، أ ظننت أنّي أقتل أعرابيّا من بني تميم بالزّبير! خلّ سبيله، فخلاّه.

عاتكة ترثي الزبير

أخبرني الطوسيّ و الحرميّ، عن الزّبير، عن عمه قال: قتل الزبير و هو ابن/سبع و ستين سنة أو ستّ و ستين سنة، فقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن/نفيل ترثيه:

غدر ابن جرموز بفارس بهمة # يوم اللقاء و كان غير معرّد[5]

يا عمرو لو نبّهته لوجدته # لا طائشا رعش اللسان و لا اليد[6]

شلّت يمينك إن قتلت لمسلما # حلّت عليك عقوبة المستشهد[7]

إنّ الزّبير لذو بلاء صادق # سمح سجيّته كريم المشهد

كم غمرة قد خاضها لم يثنه # عنها طرادك يا ابن فقع القردد[8]

[1]تشحط في الدم: تضرج به.

[2]ذففه و ذف عليه: أجهز عليه.

[3]في ف: «أخبرني الطوسي الحرمي بن أبي العلاء، قالا: حدثنا الزبير بن بكار» .

[4]ف: «عمرو بن عمير بن جرموز» .

[5]البهمة: الشجاع، و يراد بالهمة هنا الجيش. و المعرد: الهارب المحجم عن قرنه.

[6]في ف: «السنان» . و في «التجريد» : «البنان» . و في «الطبقات» : 3-79: «رعش الجنان» .

[7]هب، «التجريد» ، «الطبقات» : «المتعمد» .

[8]الفقع: نوع من الكمأة، و القردد: المستوى، و يقال للذليل: فقع قرقرة، و فقع القردد. و في ف: «يا ابن نبع القردد» . و في ب: «يوم نقع» . ـ

300

فاذهب فما ظفرت يداك بمثله # فيمن مضى ممن يروح و يغتدي‏[1]

و كانت عاتكة قبل الزبير عند عمر، و قبل عمر عند عبد اللّه بن أبي بكر.

عبد اللّه بن أبي بكر و عاتكة

أخبرني بخبرها محمد بن خلف وكيع، عن أحمد بن عمرو بن بكر، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الهيثم بن عديّ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، و أخبرنا وكيع، قال: حدثني إسماعيل بن مجمّع‏[2] عن المدائنيّ.

و أخبرني الطوسيّ و الحرميّ، قالا: حدثنا الزبير، عن عمّه، عن أبيه، و أخبرني اليزيديّ، عن الخليل بن أسد، عن عمرو بن سعيد، عن الوليد بن هشام بن يحيى الغسّانيّ.

و أخبرني الجوهريّ، عن ابن شبّة، قال: حدثنا محمد بن موسى الهذليّ، و كل/واحد منهم يزيد في الرواية و ينقص منها، و قد جمعت رواياتهم قالوا:

تزوج عبد اللّه بن أبي بكر الصّدّيق عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، و كانت امرأة لها جمال و كمال و تمام في عقلها و منظرها و جزالة رأيها، و كانت قد غلبته على رأيه فمرّ عليه أبو بكر أبوه و هو في علّيّة[3]يناغيها[4]في يوم جمعة، و أبو بكر متوجه إلى الجمعة، ثم رجع و هو يناغيها، فقال: يا عبد اللّه أ جمّعت‏[5]؟قال: أو صلّى الناس؟ قال: نعم-قال: و قد كانت شغلته عن سوق و تجارة كان فيها-فقال له أبو بكر: قد شغلتك عاتكة عن المعاش و التجارة، و قد ألهتك عن فرائض الصلاة[6]طلّقها، فطلّقها تطليقة، و تحولت إلى ناحية[7]، فبينا أبو بكر يصلّي على سطح له في الليل إذ سمعه و هو يقول:

أ عاتك لا أنساك ما ذرّ شارق‏[8] # و ما ناح قمريّ الحمام المطوّق

أ عاتك قلبي كلّ يوم و ليلة # لديك بما تخفي النفوس معلّق

لها خلق جزل و رأي و منطق # و خلق مصون في حياء و مصدق‏[9]

فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلها # و لا مثلها في غير شي‏ء تطلّق‏

فسمع أبو بكر قوله فأشرف عليه و قد رقّ له، فقال: يا عبد اللّه، راجع عاتكة، فقال: أشهدك أني قد راجعتها.

و أشرف على غلام له يقال له أيمن، فقال له: يا أيمن، أنت حرّ لوجه اللّه تعالى، أشهدك أني قد راجعت عاتكة، ثم خرج إليها يجري إلى مؤخّر الدار و هو يقول:

[1]في هب: «فيما مضى ممن يروح و يغتدي» . و في ف: «فيما مضى فيما تروح و تغتدي» .

[2]ف: «محمد» .

[3]العلية «بالضم و الكسر» : بيت منفصل عن الأرض.

[4]في «المختار» : «يداعبها» .

[5]جمع: شهد الجمعة.

[6]في «التجريد» ، بيروت، «المختار» : «فرائض اللّه تعالى» .

[7]في ف، هب: «ناحية الدار» .

[8]ما ذر شارق: ما طلعت الشمس حين تشرق.

[9]في «الخزانة» 4-351: «... و رأي و منصب... و خلق سوى في الحياة و مصدق» .

301

/

أ عاتك قد طلّقت في غير ريبة # و روجعت‏[1]للأمر الذي هو كائن

كذلك أمر اللّه غاد و رائح # على الناس فيه ألفة و تباين

و ما زال قلبي للتّفرّق طائرا # و قلبي لما قد قرّب اللّه ساكن‏[2]

/ليهنك أني لا أرى فيك سخطة # و أنك قد تمّت عليك المحاسن

فإنك ممّن زيّن اللّه وجهه # و ليس لوجه زانه اللّه شائن‏

قال: و أعطاها حديقة له حين راجعها على ألاّ تتزوّج بعده، فلما مات من السهم الذي أصابه بالطائف، أنشأت تقول:

فللّه عينا من رأى مثله فتى‏[3] # أكرّ و أحمى في الهياج و أصبرا

إذا شرعت فيه الأسنّة خاضها # إلى الموت حتى يترك الرّمح أحمرا

فأقسمت لا تنفكّ عيني سخينة # عليك و لا ينفكّ جلدي أغبرا[4]

مدى الدّهر ما غنّت حمامة أيكة # و ما طرد الليل الصّباح المنوّرا

عمر بن الخطاب و عاتكة

فخطبها عمر بن الخطاب، فقالت: قد كان أعطاني حديقة على ألا أتزوج بعده، قال: فاستفتي، فاستفتت عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: ردّي الحديقة على أهله و تزوّجي. فتزوجت عمر فسرّح‏[5]عمر إلى عدّة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فيهم عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه-يعني دعاهم-لما بنى بها، فقال له علي: إنّ لي إلى عاتكة حاجة أريد أن أذكّرها إياها، فقل لها تستتر حتى أكلّمها، فقال لها عمر: استتري يا عاتكة فإنّ ابن أبي طالب يريد أن يكلمك، /فأخذت عليها مرطها[6]فلم يظهر منها إلا ما بدا من براجمها[7]، فقال:

يا عاتكة:

فأقسمت لا تنفكّ عيني سخينة # عليك و لا ينفكّ جلدي أغبرا[8]

فقال له عمر: ما أردت إلى هذا؟فقال: و ما أرادت إلى أن تقول ما لا تفعل؛ و قد قال اللّه تعالى: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللََّهِ أَنْ تَقُولُوا مََا لاََ تَفْعَلُونَ [9]و هذا شي‏ء كان في نفسي أحببت و اللّه أن يخرج. فقال عمر: ما حسّن‏[10]اللّه فهو حسن، فلما قتل عمر، قالت ترثيه:

[1]في ف: «زوجت» .

[2]في ف، و «المختار» ، و «التجريد» : «فقلبي لما قرت به العين ساكن» .

[3]في «التجريد» : «مثل هالك» .

[4]في ف: «أصفرا» .

[5]في «المختار» : «فسير» .

[6]المرط: كساء من صوف أو خزّ.

[7]البراجم: مفاصل الأصابع إذا قبض الشخص كفه نشزت.

[8]في ف: «أصفرا» .

[9]الصف 3.

[10]في ب: ما أحسن.

302

عين جودي بعبرة و نحيب # لا تملّي على الإمام النّجيب

فجعتنا المنون بالفارس المعـ # لم يوم الهياج و التّلبيب

عصمة اللّه و المعين على الدّهـ # ر غياث المنتاب و المحروب

قل لأهل الضّرّاء و البؤس موتوا # قد سقته المنون كأس شعوب‏

و قالت ترثيه أيضا:

صوت‏

منع الرّقاد فعاد، عيني عيد[1] # ممّا تضمّن قلبي المعمود

يا ليلة حبست عليّ نجومها # فسهرتها و الشامتون هجود[2]

قد كان يسهرني حذارك مرّة # فاليوم حقّ لعيني التّسهيد

أبكي أمير المؤمنين و دونه # للزّائرين صفائح و صعيد

غنى فيه طويس خفيف رمل عن حمّاد و الهشاميّ.

الزبير بن العوام و عاتكة

فلما انقضت عدّتها خطبها الزّبير بن العوّام فتزوّجها، فلما ملكها قال: يا عاتكة، لا تخرجي إلى المسجد، و كانت امرأة عجزاء بادنة.. فقالت: يا بن العوّام، أ تريد أن أدع لغيرتك مصلّى صلّيت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم/و أبي بكر و عمر فيه؟قال: فإني لا أمنعك، فلما سمع النداء لصلاة الصبح توضّأ و خرج، فقام لها في سقيفة بني ساعدة، فلما مرّت به ضرب بيده على عجيزتها، فقالت: مالك قطع اللّه يدك!و رجعت، فلما رجع من المسجد قال: يا عاتكة، ما لي لم أرك في مصلاّك؟قالت: يرحمك اللّه أبا عبد اللّه، فسد الناس بعدك، الصلاة اليوم في القيطون‏[3]أفضل منها في البيت، و في البيت أفضل منها في الحجرة. فلما قتل عنها الزّبير بوادي السّباع رثته فقالت:

غدر ابن جرموز بفارس بهمة # يوم اللقاء و كان غير معرّد

يا عمرو لو نبّهته لوجدته # لا طائشا رعش اللّسان و لا اليد

هبلتك أمّك إن قتلت لمسلما # حلّت عليك عقوبة المتعمّد

الحسين بن علي و عاتكة

فلما انقضت عدّتها تزوّجها الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام، فكانت أوّل من رفع خدّه من التراب-صلّى اللّه عليه و آله و لعن قاتله و الرّاضي به يوم قتل-و قالت ترثيه:

و حسينا فلا نسيت حسينا # أقصدته أسنّة الأعداء[4]

غادروه بكربلاء صريعا # جادت المزن في ذرى كربلاء

[1]عيد: ما اعتاد من مرض أو حزن و نحوه. و في ب: عود.

[2]في ف، و «المختار» : «نحست» بدل: «حبست» . و «الساهرون رقود» بدل: «و الشامتون هجود» .

[3]القيطون: المخدع.

[4]أقصدته أسنّة الأعداء: أصابته فلم تخطئه.

303

ثم تأيّمت‏[1]بعده، فكان عبد اللّه بن عمر يقول: من أراد الشّهادة فليتزوّج بعاتكة. و يقال: إن مروان خطبها بعد الحسين عليه السلام فامتنعت عليه، و قالت: ما كنت لأتّخذ حما[2]بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدثنا الخليل بن أسد قال: حدثني العمريّ قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن القاسم بن محمد قال:

/لم يزل السهم الذي أصاب عبد اللّه بن أبي بكر عند أبي بكر حتى قدم وفد ثقيف فأخرجه إليهم، فقال: من يعرف هذا منكم؟فقال سعيد بن عبيد من بني علاج: هذا سهمي و أنا بريته، و أنا رشته، و أنا عقبته، و أنا رميت به يوم الطائف فقال أبو بكر: فهذا السهم الذي قتل عبد اللّه، و الحمد للّه الذي أكرمه بيدك، و لم يهنك بيده.

طويس يغني شعرا لعاتكة

أخبرني اليزيديّ، عن الزّبير، عن أحمد بن عبيد اللّه بن عاصم بن المنذر بن الزبير، قال:

لما قتل الزبير و خلت عاتكة بنت زيد، خطبها عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقالت له: إني لأضنّ بك على القتل يا بن عمّ رسول اللّه.

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حمّاد، عن أبيه، عن محمد بن سلاّم قال: حدثني أبي قال:

بينا فتية من قريش ببطن محسّر يتذاكرون الأحاديث و يتناشدون الأشعار إذ أقبل طويس و عليه قميص قوهيّ‏[3] و حبرة قد ارتدى بها، و هو يخطر في مشيته، فسلّم ثم جلس، فقال له القوم: يا أبا عبد اللّه غنّنا شعرا مليحا له حديث ظريف، فغنّاهم بشعر عاتكة بنت زيد ترثي عمر بن الخطاب:

منع الرّقاد فعاد عيني عيد # ممّا تضمّن قلبي المعمود

الأبيات. فقال القوم: لمن هذه الأبيات يا طويس؟قال لأجمل خلق اللّه و أشأمهم، فقالوا: بأنفسنا أنت، من هذه؟قال: هي و اللّه من لا يجهل نسبها و لا يدفع شرفها، تزوّجت بابن خليفة نبي اللّه، و ثنّت بخليفة نبيّ اللّه، و ثلّثت بحواريّ نبيّ اللّه، و ربّعت بابن نبي اللّه‏[4]و كلاّ قتلت. قالوا جميعا: جعلنا فداك، إنّ أمر هذه لعجيب، بآبائنا أنت من هذه؟قال: عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل. فقالوا: نعم، هي على ما وصفت، قوموا بنا لا يدرك مجلسنا شؤمها. قال طويس: إن شؤمها قد مات معها، قالوا: أنت و اللّه أعلم منّا.

صوت‏

يا دنانير قد تنكّر عقلي # و تحيّرت بين وعد و مطل

شغفي شافعي إليك و إلاّ # فاقتليني إن كنت تهوين قتلي‏

/الشعر و الغناء لعقيد مولى صالح بن الرشيد، خفيف ثقيل، و فيه لعريب رمل بالوسطى، و هذا الشعر يقوله في دنانير مولاة البرامكة، و كان خطبها فلم تجبه، و قيل: بل قاله أحد اليزيديّين، و نحله إيّاه.

[1]تأيمت: مكثت و لم تتزوج.

[2]في ف، «المختار» : «حموا» .

[3]قيمص قوهي: أبيض.

[4]في ف: «و ربعت بابن بنت رسول اللّه» . و في «المختار» : «و ربعت بابن رسول اللّه» .

304

4-ذكر أخبار دنانير و أخبار عقيد[1]

كانت مولاة ليحيى بن خالد البرمكي‏

كانت دنانير مولاة يحيى بن خالد البرمكيّ و كانت صفراء مولّدة، و كانت من أحسن الناس وجها و أظرفهنّ و أكملهنّ أدبا و أكثرهنّ رواية للغناء و الشعر، و كان الرشيد لشغفه بها يكثر مصيره‏[2]إلى مولاها و يقيم عندها و يبرّها[3]و يفرط، حتى شكته زبيدة إلى أهله و عمومته، فعاتبوه على ذلك.

لها كتاب في الأغاني‏

و لها كتاب مجرّد في الأغاني مشهور، و كان اعتمادها في غنائها على ما أخذته من بذل و هي خرّجتها، و قد أخذت أيضا عن الأكابر الذين أخذت بذل عنهم مثل: فليح، و إبراهيم، و ابن جامع، و إسحاق، و نظرائهم.

أخبرني جحظة، قال: حدّثني المكّيّ عن أبيه قال:

كنت أنا و ابن جامع نعايي‏[4]دنانير جارية البرامكة، فكثيرا ما كانت تغلبنا.

عرضت على إبراهيم الموصلي صوتا من صنعتهما فأعجبه‏

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ، عن ابن شبّة، قال: حدثني إسحاق الموصليّ، قال: قال لي أبي: قال لي يحيى بن خالد: إن ابنتك دنانير قد عملت صوتا اختارته و أعجبت به، فقلت لها: لا يشتدّ إعجابك حتى تعرضيه على شيخك، فإن رضيه فارضيه لنفسك، و إن كرهه فاكرهيه، فامض حتى تعرضه عليك. قال: فقال لي أبي: فقلت له: أيها الوزير فكيف إعجابك أنت به؟فإنك و اللّه ثاقب الفطنة صحيح التّمييز[5]، قال: أكره أن أقول لك: أعجبني فيكون عندك غير معجب؛ إذ كنت عندي رئيس صناعتك، تعرف منها ما لا أعرف، و تقف من لطائفها على ما لا أقف، و أكره/أن أقول لك: لا يعجبني، و قد بلغ من قلبي مبلغا محمودا، و إنما يتمّ السرور به إذا صادف ذلك منك استجادة و تصويبا. قال: فمضيت إليها، و قد تقدم إلى خدمه يعلمهم أنه سيرسل بي إلى داره، و قال لدنانير: إذا جاءك إبراهيم فاعرضي عليه الصوت الذي صنعته و استحسنته، فإن قال لك: أصبت سررتني بذلك، و إن كره فلا تعلميني. لئلا يزول سروري بما صنعت. قال إسحاق: قال أبي: فحضرت الباب فأدخلت، و إذا الستارة قد نصبت، فسلّمت على الجارية من وراء الستارة، فردّت السلام، و قالت: يا أبت أعرض عليك صوتا قد تقدّم لا شكّ [1]ب، «الدر المنثور» : عقيل.

[2]هب، «المختار» : «مسيره» .

[3]هب، «المختار» : «و يقيم عنده و يبره» .

[4]عايا فلانا: ألقى عليه كلاما لا يهتدي لوجهه. و في هب، ب، بيروت: «نعاني» .

[5]هب، ف: «ثاقب الرأي عالي الفطنة» .

305

إليك خبره، و قد سمعت الوزير يقول: إن الناس يفتنون بغنائهم، فيعجبهم منه ما لا يعجب غيرهم، و كذلك يفتنون بأولادهم، فيحسن في أعينهم منهم ما ليس يحسن، و قد خشيت على الصوت أن يكون كذلك، فقلت: هات، فأخذت عودها و تغنّت تقول.

صوت‏

نفسي أ كنت عليك مدّعيا # أم حين أزمع بينهم خنت!

إن كنت مولعة بذكرهم # فعلى فراقهم ألا متّ!

/قال: فأعجبني و اللّه غاية العجب و استخفّني الطرب، حتى قلت لها: أعيديه، فأعادته و أنا أطلب لها فيه موضعا أصلحه و أغيّره عليها لتأخذه عنّي، فلا و اللّه ما قدرت على ذلك، ثم قلت لها: أعيديه الثالثة فأعادته، فإذا هو كالذهب المصفّى، فقلت: أحسنت يا بنيّة و أصبت، و قد قطعت عليك بحسن إحسانك و جودة إصابتك أنك قائدة للمعلمين‏[1]؛ إذ قد صرت تحسنين الاختيار و تجيدين الصنعة، قال: ثم خرج فلقيه يحيى بن خالد، فقال: كيف رأيت صنعة ابنتك دنانير؟قال: أعزّ اللّه الوزير، /و اللّه ما يحسن كثير من حذّاق المغنّين مثل هذه الصنعة، و لقد قلت لها: أعيديه و أعادته عليّ مرات، كلّ ذلك أريد إعناتها، لأجتلب‏[2]لنفسي مدخلا يؤخذ عنّي و ينسب إليّ، فلا و اللّه ما وجدته، فقال لي يحيى: وصفك لها يقوم مقام تعليمك إيّاها، و قد-و اللّه-سررتني و سأسرّك، فوجّه إليّ بمال عظيم.

اشتراها يحيى بن خالد من رجل من أهل المدينة

و ذكر محمد بن الحسن الكاتب، قال: حدّثني ابن المكّي، قال:

كانت دنانير لرجل من أهل المدينة، و كان خرّجها و أدّبها، و كانت أروى الناس للغناء القديم، و كانت صفراء صادقة الملاحة، فلما رآها يحيى وقعت بقلبه فاشتراها.

الرشيد يعجب بها فتعلم أم جعفر و تشكوه إلى عمومته‏

و كان الرشيد يسير[3]إلى منزلة فيسمعها، حتى ألفها و اشتد عجبه‏[4]بها فوهب لها هبات سنية، منها أنه وهب لها في ليلة عيد عقدا، قيمته ثلاثون ألف دينار، فردّ عليه في مصادرة البرامكة بعد ذلك. و علمت أمّ جعفر خبره فشكته إلى عمومته، فصاروا جميعا إليه فعاتبوه، فقال: ما لي في هذه الجارية من أرب في نفسها، و إنما أربى في غنائها، فاسمعوها، فإن استحقت أن يؤلف غناؤها و إلا فقولوا ما شئتم، فأقاموا عنده، و نقلهم إلى يحيى حتى سمعوها عنده فعذروه، و عادوا إلى أم جعفر فأشاروا عليها ألا تلحّ في أمرها فقبلت ذلك، و أهدت إلى الرّشيد عشر جوار، منهن: ماردة أم المعتصم، و مراجل أم المأمون، و فاردة[5]أم صالح.

و قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات: أخبرني محمد بن عبد اللّه الخزاعيّ قال:

[1]ب، بيروت: «و قد قطعت عليك بحسن إحسانك و جودة إصابتك فائدة المعلمين» . و في ف: «و قد قطعت عنك بحسن اختيارك و جودة إصابتك فائدة المعلمين» .

[2]ف: «لأحتال» .

[3]ف: «يصير» .

[4]ف: «إعجابه» .

[5]في ب: مارية «أم المعتصم» . و في ف: فارد «أم صالح» .

306

حدثني عبّاد البشريّ‏[1]قال: مررت بمنزل من منازل طريق مكّة يقال له/النّباج، فإذا كتاب‏[2]على حائط في المنزل، فقرأته فإذا هو: النّيك أربعة؛ فالأول شهوة، و الثاني لذّة، و الثالث شفاء، و الرابع داء[3]، و حر إلى أيرين أحوج من أير إلى حرين، و كتبت دنانير مولاة البرامكة بخطّها.

أخبرني إسماعيل بن يونس، عن ابن شبّة: أن دنانير أخذت عن إبراهيم الموصليّ حتى كانت تغنّي غناءه، فتحكيه فيه حتى لا يكون بينهما فرق، و كان إبراهيم يقول ليحيى: متى فقدتني و دنانير باقية فما فقدتني.

دنانير تصاب بالعلة الكلبية

قال: و أصابتها العلّة الكلبيّة فكانت لا تصبر عن الأكل ساعة واحدة[4]، فكان يحيى يتصدّق عنها في كل يوم من شهر رمضان بألف دينار، لأنها كانت لا تصومه، و بقيت عند البرامكة مدة طويلة.

الرشيد يأمر بصفع دنانير حتى تغني‏

أخبرني ابن عمّار، و ابن عبد العزيز، و ابن يونس، عن ابن شبّه، عن إسحاق:

و أخبرني جحظة، عن أحمد بن الطّيّب: أنّ الرشيد دعا بدنانير البرمكيّة بعد قتله إيّاهم، فأمرها أن تغنّي، فقالت: يا أمير المؤمنين، إني آليت ألاّ أغنّي بعد سيّدي أبدا، فغضب، و أمر بصفعها، فصفعت، و أقيمت على رجليها، و أعطيت العود، و أخذته و هي تبكي أحرّ بكاء، و اندفعت/فغنّت:

صوت‏

يا دار سلمى بنازح السّند # بين الثّنايا و مسقط اللّبد

لمّا رأيت الدّيار قد درست # أيقنت أنّ النّعيم لم يعد

/الغناء للهذليّ خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى، و ذكر عليّ بن يحيى المنجّم و عمرو أنه لسياط في هذه الطريقة.

قال: فرقّ لها الرشيد و أمر بإطلاقها و انصرفت، ثم التفت إلى إبراهيم بن المهديّ فقال له: كيف رأيتها؟قال:

رأيتها تختله برفق، و تقهره بحذق.

خطبها عقيد فردته و بقيت على حالها إلى أن ماتت‏

قال عليّ بن محمد الهشاميّ‏[5]: حدثني أبو عبد اللّه بن حمدون أن عقيدا[6]مولى صالح بن الرشيد خطب دنانير البرمكيّة، و كان هويها و شغف بذكرها، فردّته، و استشفع عليها مولاه صالح بن الرشيد، و بذل، و الحسين بن محرز، فلم تجبه و أقامت على الوفاء لمولاها، فكتب إليها عقيد قوله:

[1]ف: «النشوي» ، و في «المختار» : «النسوي» .

[2]الكتاب هنا الكتابة. و في «المختار» : «و إذا على الحائط مكتوب ما صورته... » .

[3]ف: «دواء» .

[4]ف: «مرة واحدة» .

[5]في ف، بيروت: «البسامي» .

[6]في ب، «الدر المنثور» : «عقيلا» .

307

يا دنانير قد تنكّر عقلي # و تحيّرت بين وعد و مطل

شفّعي‏[1]شافعي إليك و إلاّ # فاقتليني إن كنت تهوين قتلي

أنا باللّه و الأمير و ما آ # مل من موعد الحسين و بذل

ما أحبّ الحياة يا حبّ‏[2]إن لم # يجمع اللّه عاجلا بك شملي‏

فلم يعطفها ذلك على ما يحبّ، و لم تزل على حالها إلى أن ماتت.

و كان عقيد حسن الغناء و الضرب قليل الصّنعة، ما سمعنا منه بكبير[3]صنعة، و لكنه كان بموضع من الحذق و التّقدّم.

/قال محمد بن الحسن: حدثني أبو حارثة[4]عن أخيه أبي معاوية قال:

شهدت إسحاق يوما و عقيد يغنّيه:

صوت‏

هلاّ سألت ابنة العبسيّ ما حسبي # عند الطّعان إذا ما احمرّت الحدق

و جالت الخيل بالأبطال عابسة # شعث النّواصي عليها البيض تأتلق‏

الشعر يقال: إنه لعنترة و لم يصحّ له، و الغناء لابن محرز خفيف ثقيل أول بالوسطى. قال: فجعل إسحاق يستعيده و يشرب و يصفّق حتى والى بين أربعة أرطال، و سأله بعض من حضر: من أحسن الناس غناء؟قال: من سقاني أربعة أرطال.

أبو حفص الشطرنجي يقول فيها شعرا يغنيه ابن جامع‏

و في دنانير يقول أبو حفص الشّطرنجيّ.

صوت‏

أشبهك المسك و أشبهته # قائمة في لونه قاعدة

لا شك إذ لونكما واحد # أنّكما من طينة واحده‏

غنّاه ابن جامع هزجا بالبنصر و قيل: إنه لأبي فارة.

و ذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، عن عليّ بن محمد النوفليّ، عن مولاة بن جامع أنّ مولاها كان يهوي جارية صفراء. فقال فيها هذا الشعر و غنّى فيه، و أظن هذا و هما؛ لأنا لم نسمع لابن جامع بشعر قط، و لعله غنّاه في شعر أبي حفص الشّطرنجيّ. فظننته له.

و مما غنّاه عقيد في دنانير و الشعر للموصليّ إلا البيت الأول فليس‏[5]له) .

[1]في ب، «الدر المنثور: «شغفي» .

[2]في هب، «الدر المنثور» ، ب: «يا أخت» . و الحب: الحبيب.

[3]في ف، هب، بيروت: «بكثير» .

[4]في ب: «أبو جارية» .

(5-5) كذا في في ف، هب و هذا الصوت و ما يليه من خبر خلت منه نسخة بولاق.

308
صوت‏
عقيد يقول فيها شعرا و يغنيه‏

هذي دنانير تنساني فأذكرها # و كيف تنسى محبّا ليس ينساها!

و اللّه و اللّه لو كانت إذا برزت # نفس المتيّم في كفّيه ألقاها

و الشعر و الغناء لعقيد، و لحنه من الرّمل المطلق في مجرى الوسطى، و فيه هزج خفيف محدّث.

المغنون و الجواري يغنون عند الأمين بشعر عقيد فيها

قال أحمد بن أبي طاهر: حدثني عليّ بن محمد قال: حدثني جابر بن مصعب، عن مخارق، قال:

مرّت بى ليلة ما مرّ بي قطّ مثلها. جاءني رسول محمد الأمين و هو خليفة، فأخذني و ركض بي إليه ركضا، فحين وافيت أتي بإبراهيم بن المهدي‏[1]على مثل حالي، فنزلنا، و إذا هو في صحن لم أر مثله قد ملئ شمعا من شمع محمد الأمين الكبار، و إذا به واقف ثم دخل/في الكرح‏[2]، و الدار مملوءة بالوصائف يغنّين على الطبول و السّرنايات‏[3]و محمد في وسطهنّ يرتكض في الكرح، فجاءنا رسوله، فقال: قوما في هذا الباب مما يلي الصّحن، فارفعا أصواتكما مع السرناي أين بلغ، و إيّاكما أن أسمع في أصواتكما تقصيرا عنه، قال: فأصغينا فإذا الجواري و المخنّثون يزمرون و يضربون:

هذي دنانير تنساني و أذكرها # و كيف تنسى محبّا ليس ينساها!

أعوذ باللّه من هجران جارية # أصبحت من حبّها أهذي بذكراها

قد أكمل الحسن في تركيب صورتها # فارتجّ أسفلها و اهتزّ أعلاها

/قامت تمشّى فليت اللّه صيّرني # ذاك التراب الذي مسّته رجلاها

و اللّه و اللّه لو كانت إذا برزت # نفس المتيّم في كفّيه ألقاها

فما زلنا نشقّ حلوقنا مع السرناي و نتبعه حذرا من أن نخرج عن طبقته، أو نقتصر عنه إلى الغداة، و محمد يجول في الكرح ما يسأمه، يدنو إلينا مرة في جولانه و يتباعد مرّة، و تحول الجواري بيننا و بينه حتى أصبحنا.

صوت‏

ألا طرقت أسماء لا حين مطرق # و أنّى إذا حلّت بنجران نلتقي‏

[1]في ف، «المختار» ، بيروت: «إبراهيم الموصلي» .

[2]أصل معنى الكرح بيت الراهب. و في ف، بيروت، «المختار» : «و إذا محمد قد دخل في الخدم» .

[3]السرنايات: من آلات الصفير. و في ب: «السرنابات و السرنابي» .