الأغاني - ج19

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
209 /
5

الجزء التاسع عشر

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

1-ذكر أبي محجن و نسبه‏[1]

نسبه‏

أبو محجن عبد اللّه‏[2]بن حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن عنزة بن عوف بن قسيّ و هو ثقيف، و قد مضى نسبه في عدّة مواضع.

و أبو محجن من المخضرمين الّذين أدركوا الجاهلية و الإسلام، و هو شاعر فارس شجاع معدود في أولي البأس و النّجدة، و كان من المعاقرين للخمر المحدودين في شربها.

نفاه عمر بجزيرة حضوضي مع ابن جهراء ففر منه‏

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن الحسن الأحول، عن ابن الأعرابيّ، عن المفضّل، قال:

لمّا كثر شرب أبي محجن الخمر، و أقام عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه عليه الحدّ مرارا و هو لا ينتهي، نفاه إلى جزيرة في البحر يقال لها حضوضى‏[3]، و بعث معه حرسيّا[4]يقال له ابن جهراء، فهرب منه على ساحل البحر، و لحق بسعد بن أبي وقّاص، و قال في ذلك يذكر هربه من ابن جهراء:

الحمد للّه نجّاني و خلّصني # من ابن جهراء و البوصيّ‏[5]قد حبسا

من يجشم البحر و البوصيّ مركبه # إلى حضوضى فبئس المركب التمسا

/أبلغ لديك أبا حفص مغلغلة # عبد الإله إذا ما غار أو جلسا

أنّي أكرّ على الأولى إذا فزعوا # يوما و أحبس تحت الرّاية الفرسا

أغشى الهياج و تغشاني مضاعفة # من الحديد إذا ما بعضهم خنسا[6]

[1]هذه الترجمة جاءت بالجزء الحادي و العشرين و موضعها هنا كما جاءت في ف و غيرها من النسخ المخطوطة الموثوق بها.

[2]في «المؤتلف و المختلف» للآمدي ط. الحلبي/133: حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة الثقفي.

[3]قال الحازمي: حضوضى: جزيرة في البحر، و في «معجم ياقوت» : حضوضى: جبل في الغرب، كانت العرب في الجاهلية تنفي إليه خلعاءها.

[4]الحرسي: واحد حرس السلطان.

[5]البوصي: ضرب من السفن (فارسي معرب) .

[6]خنس: تأخر و تخلف.

6

أحب الشموس الأنصارية فشكاه زوجها لعمر

هذه رواية ابن الأعرابيّ عن المفضّل، قال ابن الأعرابيّ: و حدّثني ابن دأب بسبب نفي عمر إيّاه، فذكر أنّ أبا محجن هوي امرأة من الأنصار يقال لها شموس، فحاول النّظر إليها بكلّ حيلة، فلم يقدر عليها، فآجر نفسه من عامل يعمل في حائط[1]إلى جانب منزلها، فأشرف من كوّة[2]في البستان، فرآها فأنشأ يقول:

و لقد نظرت إلى الشّموس و دونها # حرج من الرّحمن غير قليل

قد كنت أحسبني كأغنى واحد # ورد المدينة عن زراعة فول‏

رجع إلى حديث فراره من ابن جهراء

فاستعدى زوجها عليه عمر بن الخطّاب، فنفاه إلى حضوضى، و بعث معه رجلا يقال له ابن جهراء قد كان أبو بكر رضي اللّه عنه يستعين به، قال له عمر: لا تدع أبا محجن يخرج معه سيفا، فعمد أبو محجن إلى سيفه فجعل نصله في غرارة و جعل جفنة في غرارة أخرى، فيهما دقيق له.

فلما انتهى به إلى السّاحل و قرب البوصيّ اشترى أبو محجن شاة و قال لابن جهراء: هلمّ نتغدّ و وثب إلى الغرارة كأنّه يخرج منها فأخذ السيف، فلما رآه ابن جهراء و السيف في يده خرج يعدو حتى ركب بعيره راجعا إلى عمر، فأخبره الخبر.

قاتل العجم يوم أرماث بعد أن أطلقته امرأة بن أبي وقاص‏

و أقبل أبو محجن إلى سعد بن أبي وقّاص و هو يقاتل العجم يوم القادسيّة، و بلغ عمر خبره، فكتب إلى سعد بحبسه، فحبسه، فلما كان يوم أرماث‏[3]؛ و التحم القتال سأل أبو محجن امرأة سعد أن تعطيه فرس سعد و تحلّ قيده ليقاتل المشركين، فإن استشهد فلا تبعة عليه، و إن سلم عاد حتى يضع رجله في القيد، فأعطته الفرس، و خلّت سبيله، و عاهدها على الوفاء، فقاتل فأبلى بلاء حسنا إلى الليل، ثم عاد إلى حبسه.

حدّثني بهذا الحديث عمّي عن الخرّاز، عن المدائنيّ، عن إبراهيم بن حكيم، عن عاصم بن عروة:

أنّ عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه غرّب رجلا من ثقيف و هو أبو محجن، و كان يدمن الخمر و أمر ابن جهراء النّصريّ و رجلا آخر أن يحملاه في البحر، و ذكر الخبر مثل الّذي قبله، و زاد فيه: و قال أبو محجن أيضا:

[1]الحائط: البستان.

[2]الكوة: الخرق.

[3]ف: يوم «قس الناطف» ، و في «معجم البلدان» 1-211: أرماث كأنه جمع رمث: اسم نبت بالبادية، كان أول يوم من أيام القادسية يسمونه يوم أرماث، و ذلك في أيام عمر بن الخطاب و إمارة سعد بن أبي وقاص، قال ياقوت: و لا أدري أ هو موضع أم أرادوا النبت المذكور.

قال عمرو بن شأس الأسدي:

عشية أرماث و نحن نذودهم # ذياد العوافي عن مشاربها عكلا

و فيه 4-97: قس الناطف: موضع قريب من الكوفة على شاطئ الفرات الشرقي كانت به وقعة بين الفرس و المسلمين في سنة 13 هـ في خلافة عمر بن الخطاب، و أمير المسلمين أبو عبيد بن مسعود بن عمرو، و يعرف هذا اليوم بيوم الجسر.

7
صوت‏

صاحبا سوء صحبتهما # صاحباني يوم أرتحل

و يقولان: ارتحل معنا # فأنادي‏[1]: إنّني ثمل

إنّني باكرت مترعة # مزّة راووقها خضل‏[2]

/الغناء في البيتين الأخيرين لنشو خفيف رمل و أوله:

و يقولان اصطبح معنا

قال الأصبهانيّ: و هذه القصة كانت لأبي محجن في يوم من أيّام حرب القادسية يقال له: يوم أرماث، و كانت أيّامها المشهورة يوم أغواث و يوم أرماث و يوم الكتائب و خبرها يطول جدّا؛ و ليس في كلّها كان لأبي محجن خبر، و إنما ذكرنا هاهنا خبره، فذكرنا منها ما كان اتّصاله بخبر أبي محجن.

حدّثنا بذلك محمد بن جرير الطّبريّ، قال: كتب إليّ السّريّ بن يحيى؛ يذكر عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن طلحة و زياد و ابن مخراق، عن رجل من طيئ قال:

لمّا كان يوم الكتائب اقتتل المسلمون و الفرس منذ أصبحوا إلى أن انتصف النّهار، فلما غابت‏[3]الشّمس تزاحف الناس فاقتتلوا حتى انتصف اللّيل؛ و هذه اللّيلة الّتي كان في صبيحتها يوم أرماث، و قد كان المسلمون يوم أغواث أشرفوا على الظّفر و قتلوا عامّة أعلام الفرس، و جالت خيلهم في القلب، فلو لا أنّ رجلهم‏[4]ثبتوا حتى كرّت الخيل لكان رئيسهم قد أخذ؛ لأنه كان ينزل عن فرسه؛ و يجلس على سريره، و يأمر النّاس بالقتال؛ قالوا: فلمّا انتصف اللّيل تحاجز الناس، و بات المسلمون ينتمون منذ لدن أمسوا.

و سمع ذلك سعد فاستلقى لينام، و قال لبعض من عنده: إن تمّ الناس على الانتماء فلا توقظني فإنهم أقوياء على عدوّهم؛ و إن سكتوا و سكت العدو فلا تنبّهني فإنهم على السواء؛ و إن سمعت العدوّ ينتمون و هؤلاء سكوت فأنبهني فإن انتماء العدوّ من السّوء.

/قالوا: و لما اشتدّ القتال في تلك الليلة، و كان أبو محجن قد حبسه سعد بكتاب عمر، و قيّده فهو في القصر، صعد أبو محجن إلى سعد يستعفيه و يستقيله، فزبره‏[5]و ردّه، فنزل فأتى سلمى بنت أبي حفصة فقال:

يا بنت آل أبي حفصة، هل لك إليّ خير؟قالت: و ما ذاك؟قال: تخلّين عنّي و تعيرينني البلقاء، فللّه عليّ إن سلّمني اللّه أن أرجع إلى حضرتك حتى تضعي رجليّ في قيدي. فقالت: و ما أنا و ذاك؟فرجع يرسف في قيوده و يقول:

كفى حزنا أن تردي‏[6]الخيل بالقنا # و أترك مشدودا عليّ وثاقيا

[1]في: ما، مج، س: «و أقول» .

[2]الراووق: الباطية أو الكأس، و الخضل: المبتلّ النديّ.

[3]ف: «فلما قامت الشمس» .

[4]الرجل: جمع الراجل و هو الماشي على رجليه.

[5]زبره عن كذا: منعه و نهاه.

[6]في ما، مج، المختار: «ترتدي» . و ردي الفرس: رجم الأرض بحوافره في سيره و عدوه.

8

إذا قمت عنّاني الحديد و غلّقت # مصاريع من دوني تصمّ المناديا

و قد كنت ذا مال كثير و إخوة # فقد تركوني واحدا لا أخاليا

و قد شفّ جسمي أنّني كلّ شارق # أعالج كبلا مصمتا قد برانيا[1]

فللّه درّي يوم أترك موثقا # و تذهل عنّي أسرتي و رجاليا

حبيسا عن الحرب العوان و قد بدت # و إعمال غيري يوم ذاك العواليا

و للّه عهد لا أخيس بعهده # لئن فرجت ألاّ أزور الحوانيا[2]

فقالت له سلمى: إني قد استخرت اللّه و رضيت بعهدك، فأطلقته و قالت: أمّا الفرس فلا أعيرها، و رجعت إلى بيتها، فاقتادها أبو محجن و أخرجها من باب القصر الّذي يلي الخندق، فركبها ثم دبّ عليها، حتى إذا كان بحيال الميمنة، و أضاء النّهار، و تصافّ النّاس، كبّر، ثم حمل على ميسرة القوم فلعب برمحه و سلاحه/بين الصّفّين، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فبدر[3]أمام الناس، فحمل على القوم فلعب بين الصّفّين برمحه و سلاحه، و كان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا؛ فعجب الناس منه و هم لا يعرفونه و لم يروه بالأمس، فقال بعض القوم: هذا من أوائل أصحاب هشام بن عتبة أو هشام بنفسه. و قال قوم: إن كان الخضر يشهد الحروب فهو صاحب البلقاء. و قال آخرون: لو لا أنّ الملائكة لا تباشر القتال ظاهرا لقلنا هذا ملاك بيننا؛ و جعل سعد يقول-و هو مشرف ينظر إليه-: الطّعن طعن أبي محجن، و الضّبر ضبر البلقاء[4]. و لو لا محبس أبي محجن لقلت: هذا أبو محجن و هذه البلقاء، فلم يزل يقاتل حتى انتصف الليل، فتحاجز أهل العسكرين و أقبل أبو محجن حتى دخل القصر، و وضع عن نفسه و دابّته، و أعاد رجليه في القيد، و أنشأ يقول:

لقد علمت ثقيف غير فخر # بأنّا نحن أكرمهم سيوفا

و أكثرهم دروعا سابغات # و أصبرهم إذا كرهوا الوقوفا

و أنّا رفدهم في كلّ يوم # فإن جحدوا فسل بهم عريفا[5]

و ليلة قادس لم يشعروا بي # و لم أكره بمخرجي الزّحوفا

فإن أحبس فقد عرفوا بلائي # و إن أطلق أجرّعهم حتوفا[6]

فقالت له سلمى: يا أبا محجن؛ في أيّ شي‏ء حبسك هذا الرّجل؟فقال: أما و اللّه ما حبسني بحرام أكلته و لا [1]الشارق: الشمس حين تشرق، و الكبل: القيد.

[2]لا أخيس بالعهد: لا أنقضه. و الحواني: الخمارات.

[3]في تاريخ الطبري 3-548 ط. المعارف: «فندر أمام الناس» ، أي تقدم.

[4]الضبر: جمع القوائم و الوثب.

[5]في تاريخ الطبري 3-549 ط. المعارف:

و أنا وفدهم في كل يوم # فإن عميوا فسل بهم عريفا

[6]في تاريخ الطبري 3-549 ط. المعارف:

فإن أحبس فذلكم بلائي # و إن أترك أذيقهم الحتوفا

9

شربته، و لكني كنت صاحب شراب في الجاهلية و أنا/امرؤ شاعر يدبّ الشّعر على لساني فينفثه‏[1]أحيانا، فحبسني لأني قلت:

إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة # تروّي عظامي بعد موتي عروقها

و لا تدفننّي في الفلاة فإنني # أخاف إذا ما متّ ألاّ أذوقها[2]

ليروى بخمر الحصّ‏[3]لحمي فإنّني # أسير لها من بعد ما قد أسوقها

سعد بن أبي وقاص يعلم خبر إطلاقه و صدق قتاله فيفرج عنه‏

قال: و كانت سلمى قد رأت في المسلمين جولة، و سعد بن أبي وقّاص في القصر لعلّة كانت به، لم يقدر معها على حضور الحرب، و كانت قبله عند المثنّى بن حارثة الشّيبانيّ!فلما قتل خلف عليها سعد، فلما رأت شدّة البأس صاحت: وا مثنّياه و لا مثنّى لي اليوم، فلطمها سعد، فقالت: أفّ لك، أجبنا و غيرة؟و كانت مغاضبة لسعد عشيّة أرماث و ليلة الهدأة و ليلة السّواد، حتى إذا أصبحت أتته و صالحته، و أخبرته خبر أبي محجن، فدعا به و أطلقه و قال: اذهب فلست مؤاخذك بشي‏ء تقوله حتى تفعله، قال: لا جرم، و اللّه إني لا أجبت لساني إلى صفة قبيح أبدا.

خرج مع سعد بن أبي وقاص لحرب الأعاجم‏

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، و حبيب بن نصر المهلبيّ، قالا: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا محمد بن حاتم، قال: حدّثنا محمد بن حازم، قال: حدّثنا عمرو بن المهاجر، عن إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، و أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن دينار مولى بني هاشم، عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل، و روايته أتمّ، قالوا:

كان أبو محجن الثّقفيّ فيمن خرج مع سعد بن أبي وقّاص لحرب الأعاجم/فكان سعد يؤتى به شاربا فيتهدّده فيقول له: لست تاركها إلا للّه عزّ و جلّ؛ فأمّا لقولك فلا. قالوا: فأتي به يوم القادسيّة و قد شرب الخمر؛ فأمر به إلى القيد، و كانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى النّاس؛ فاستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فلما التقى الناس قال أبو محجن:

كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا # و أترك مشدودا عليّ وثاقيا

يقسم على ألا يشرب الخمر بعد أن عفا عنه سعد

و ذكر الأبيات و سائر خبره مثل ما ذكره محمد بن جرير، و زاد فيه: فجاءت زبراء امرأة سعد-هكذا قال:

و الصّحيح أنها سلمى-فأخبرت سعدا بخبره؛ فقال سعد: أما و اللّه لا أضرب اليوم رجلا أبلى اللّه المسلمين على يده [1]في تاريخ الطبري 4-124 ط. الحسينية: «يبعثه على شفتي أحيانا فيساء لذلك ثنائي، و لذلك حبسني» .

[2]أذوقها مرفوعة باعتبار «أن» مخففة من الثقيلة، و اسمها ضمير الشأن أو ضمير متكلم محذوف و جملة أذوقها خبر، و انظر «خزانة الأدب» 3-550 ط. بولاق.

[3]الحص «بالضم» في اللغة الورس، و هو موضع بنواحي حمص ينسب إليه الخمر، و أورد ياقوت في 2-74، الأبيات الثلاثة، و جاء البيت الأخير برواية:

و يروى بخمر الحص لحدي فإنني # أسير لها من بعد ما قد أسوقها

و هذه روايته أيضا في «تاريخ الطبري» 3-549 ط. المعارف.

10

ما أبلاهم، فخلّى سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ كان الحدّ يقام عليّ و أطّهّر منها، فأما إذ بهرجتني‏[1] فلا و اللّه لا أشربها أبدا. و قال ابن الأعرابيّ في خبره: و قال أبو محجن في ذلك:

إن كانت الخمر قد عزّت و قد منعت # و حال من دونها الإسلام و الحرج

فقد أباكرها صرفا و أمزجها # ريّا و أطرب أحيانا و أمتزج

و قد تقوم على رأسي منعمة # خود إذا رفعت في صوتها غنج‏[2]

ترفّع الصّوت أحيانا و تخفضه # كما يطنّ ذباب الرّوضة الهزج‏

يرد على امرأة ظنت أنه فر من المعركة

أخبرني الجوهريّ و المهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة و قال:

لمّا انصرف أبو محجن ليعود إلى محبسه رأته امرأة فظنّته منهزما؛ فأنشأت تعيّره بفراره:

/

من فارس كره الطّعان يعيرني # رمحا إذا نزلوا بمن الصّفّر

فقال لها أبو محجن:

إن الكرام على الجياد مبيتهم # فدعي الرّماح لأهلها و تعطّري‏

يرثي أبا عبيد بن مسعود بعد أن قتله فيل الأعداء

و ذكر السّريّ، عن شعيب، عن سيف في خبره، و وافقته رواية ابن الأعرابي عن المفضّل:

أنّ النّاس لمّا التقوا مع العجم يوم قس النّاطف، كان مع الأعجام فيل يكرّ عليهم، فلا تقوم له الخيل؛ فقال أبو عبيد بن مسعود: هل له مقتل؟فقيل له: نعم؛ خرطومه إلا أنّه لا يفلت منه من ضربه؛ قال: فأنا أهب نفسي للّه، و كمن له حتى إذا أقبل وثب إليه فضرب خرطومه بالسّيف؛ فرمى به، ثم شدّ عليه الفيل فقتله، ثم استدار فطحن الأعاجم و انهزموا، فقال أبو محجن الثّقفيّ يرثي أبا عبيد:

أنّى تسدّت‏[3]نحونا أمّ يوسف # و من دون مسراها فياف مجاهل

إلى فتية بالطّفّ نيلت‏[4]سراتهم # و غودر أفراس لهم و رواحل

و أضحى أبو جبر خلاء بيوته # و قد كان يغشاها الضّعاف الأرامل

و أضحى بنو عمرو لدى الجسر منهم # إلى جانب الأبيات جود و نائل

و ما لمت نفسي فيهم غير أنّها # لها أجل لم يأتها و هو عاجل

و ما رمت حتى خرّقوا بسلاحهم # إهابي و جادت بالدّماء الأباجل‏[5]

[1]بهرجتني: أهدرتني بإسقاط الحد عني (اللسان) .

[2]الخود: المرأة الشابة. و الغنج: الدلال. و في س، ف: «فيها إذا رفعت في صوتها غنج» .

[3]تسدت نحونا: جازت.

[4]ف: «حلت سراتهم» .

[5]رمت: فارقت و برحت. و الإهاب: الجلد. و الأباجل: جمع أبجل و هو عرق غليظ في الرجل أو في اليد بإزاء الأكحل.

11

/

و حتى رأيت مهرتي مزوئرة # من النّبل‏[1]يدمى نحرها و الشّواكل

و ما رحت حتى كنت آخر رائح‏[2] # و صرّع حولي الصّالحون الأماثل

مررت على الأنصار وسط رحالهم # فقلت: ألا هل منكم اليوم قافل؟

و قرّبت روّاحا و كورا و نمرقا # و غودر في ألّيس‏[3]بكر و وائل

ألا لعن اللّه الذين يسرّهم # رداي و ما يدرون ما اللّه فاعل‏

يقسم في شعر له بأنه لا يشرب الخمر أبدا

قال الأخفش في روايته، عن الأحول، عن ابن الأعرابيّ، عن المفضّل: قال أبو محجن في تركه الخمر:

رأيت الخمر صالحة و فيها # مناقب تهلك الرّجل الحليما

فلا و اللّه أشربها حياتي # و لا أسقي بها أبدا نديما

معاوية و ابن أبي محجن‏

أخبرني عمّي قال: حدّثنا محمد بن سعد الكرانيّ قال: حدّثنا العمريّ، عن لقيط، عن الهيثم بن عديّ.

و أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه، و أخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة قالوا:

دخل ابن أبي محجن على معاوية، فقال له: أ ليس أبوك الّذي يقول:

إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة[4] # تروّي عظامي بعد موتي عروقها

و لا تدفننّي بالفلاة فإنّني # أخاف إذا ما متّ ألاّ أذوقها

/فقال ابن أبي محجن: لو شئت لذكرت ما هو أحسن من هذا من شعره؛ قال: و ما ذاك؟قال: قوله:

لا تسألي الناس عن مالي و كثرته # و سائلي الناس ما فعلي و ما خلقي‏[5]

أعطي السّنان غداة الرّوع حصّته # و عامل الرّمح أرويه من العلق‏[6]

و أطعن الطعنة النّجلاء عن عرض # و أحفظ السرّ فيه ضربة العنق

عفّ المطالب عمّا لست نائله # -و إن ظلمت-شديد الحقد و الحنق‏

[1]كذا في «معجم البلدان» . و مزوئرة: معرضة و منحرفة. و الشواكل جمع شاكلة و هي الخاصرة. و في س: «لدى الفيل» بدل «من النبل» و في ف: «أرى الفيل» .

[2]ف: «أول رائح» .

[3]أليس: الموضع الّذي كانت فيه الوقعة بين المسلمين و الفرس في أول أرض العراق من ناحية البادية. و في ف، ما، مج: «و غودر في الأبيات» .

[4]في «الشعر و الشعراء» ، و «خزانة الأدب» : «إلى جنب كرمة» .

[5]في «الشعر و الشعراء» :

لا تسأل الناس: ما مالي و كثرته # و سائل القوم: ما حزمي و ما خلقي‏

[6]عامل الرمح: ما يلي السنان، و العلق: الدم.

12

و قد أجود و ما لي بذي فنع # و قد أكرّ وراء المحجر البرق‏[1]

و القوم أعلم أني من سراتهم # إذا سما بصر الرّعديدة الشّفق‏[2]

قد يعسر المرء حينا و هو ذو كرم # و قد يثوب‏[3]سوام العاجز الحمق

سيكثر المال يوما بعد قلّته # و يكتسي العود بعد اليبس بالورق‏

فقال معاوية: لئن كنا أسأنا لك القول لنحسننّ لك الصّفد[4]، ثم أجزل جائزته و قال: إذا ولدت النّساء فلتلد مثلك!.

عمر بن الخطاب يحده و جماعة من أصحابه في شربهم الخمر

أخبرني الحسن بن عليّ و عيسى بن الحسين الورّاق، قالا: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثني صالح بن عبد الرّحمن الهاشميّ، عن العمريّ، عن العتبيّ، قال: أتي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بجماعة فيهم أبو محجن الثقفيّ و قد شربوا الخمر، فقال: أ شربتم الخمر بعد أن حرّمها اللّه و رسوله، فقالوا: ما حرّمها اللّه و لا رسوله؛ إن اللّه تعالى يقول: / لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جُنََاحٌ فِيمََا طَعِمُوا إِذََا مَا اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ [5]؛ فقال عمر لأصحابه: ما ترون فيهم؟فاختلفوا فيهم فبعث إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فشاوره؛ فقال عليّ: إن كانت هذه الآية كما يقولون فينبغي أن يستحلّوا الميتة و الدّم و لحم الخنزير؛ فسكتوا، فقال عمر لعليّ: ما ترى فيهم؟قال: أرى إن كانوا شربوها مستحلّين لها أن يقتلوا، و إن كانوا شربوها و هم يؤمنون أنها حرام أن يحدّوا، فسألهم؛ فقالوا: و اللّه ما شككنا في أنها حرام، و لكنا قدّرنا أن لنا نجاة فيما قلناه، فجعل يحدّهم رجلا رجلا، و هم يخرجون حتى انتهى إلى أبي محجن، فلما جلده أنشأ يقول:

أ لم تر أنّ الدهر يعثر بالفتى # و لا يستطيع المرء صرف المقادر

صبرت‏[6]فلم أجزع و لم أك كائعا # لحادث دهر في الحكومة جائر

و إني لذو صبر و قد مات إخوتي # و لست عن الصهباء يوما بصابر

رماها أمير المؤمنين بحتفها # فخلاّنها يبكون حول المعاصر

فلما سمع عمر قوله:

و لست عن الصّهباء يوما بصابر

قال: قد أبديت ما في نفسك و لأزيدنّك عقوبة لإصرارك على شرب الخمر؛ فقال له عليّ عليه السّلام:

ما ذلك لك، و ما يجوز أن تعاقب رجلا قال: لأفعلنّ و هو لم يفعل، و قد قال اللّه في سورة الشعراء: وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مََا لاََ يَفْعَلُونَ [1]في ما، ف: «و قد أكر وراء المحجر الفرق» . و الفنع: الكثرة، و المحجر: المغطى المستور. و البرق: الدهش المتحير حتى لا يطرف.

[2]في الشعر و الشعراء-388 ط. الحلبي، و الخزانة 3-555:

«إذا تطيش يد الرعديدة الفرق»

. و الرعديدة: الجبان يرعد عند القتال.

[3]يثوب: يجتمع. و في شرح شواهد المغني-38:

«و قد يثوب الغنى للحاجز الحمق»

.

[4]الصفد: العطاء.

[5]سورة المائدة، الآية: 93.

[6]في ف، ما: «ضربت» بدل «صبرت» . و الكائع: الجبان الهياب.

13

[1]، فقال عمر: قد استثنى اللّه منهم قوما فقال: إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ* [2]. فقال عليّ عليه السّلام: أ فهؤلاء عندك منهم و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لا يشرب العبد الخمر حين يشربها و هو مؤمن» .

قبره في أذربيجان نبتت عليه كرمة

أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس، قال: حدّثنا العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، قال:

أخبرني من مرّ بقبر أبي محجن الثقفيّ في نواحي أذربيجان-أو قال في نواحي جرجان-فرأيت قبره و قد نبتت عليه ثلاثة أصول كرم قد طالت و أثمرت و هي معروشة، و على قبره مكتوب: هذا قبر أبي محجن الثقفيّ، فوقفت طويلا أتعجّب مما اتّفق له حتى صار كأمنيّة بلغها حيث يقول:

إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة # تروّي عظامي بعد موتي عروقها

صوت‏

ألا يا لقومي لا أرى النّجم طالعا # و لا الشّمس إلاّ حاجبي بيميني

معزّبتي خلف القفا بعمودها # فجلّ نكيري أن أقول ذريني

أمين على أسرارهنّ و قد أرى # أكون على الأسرار غير أمين

فللموت خير من حداج موطّأ # مع الظّعن لا يأتي المحلّ لحين‏

عروضه من الطّويل؛ و المعزّية: امرأة تكون مع الشّيخ الخرف تكلؤه. و قوله:

أمين على أسرارهنّ...

أي أنّ النّساء صرن يتحدّثن بين يديّ بأسرارهنّ، و يفعلن ما كنّ قبل ذلك يرهبنني فيه؛ لأني لا أضرّهن.

و الحداج و الحدج: مركب من مراكب النّساء.

الشّعر لزهير بن جناب الكلبيّ، و الغناء لأهل مكة، و لحنه من خفيف الثّقيل الأول بالوسطى عن الهشاميّ و حبش، و فيه لحنين ثاني ثقيل بالوسطى.

[1]سورة الشعراء، الآية: 226.

[2]سورة الشعراء، الآية: 227.

14

2-أخبار زهير بن جناب و نسبه‏[1]

نسبه‏

زهير بن جناب بن هبل بن عبد اللّه بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللاّت بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب‏[2]بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.

شاعر جاهليّ، و هو أحد المعمّرين، و كان سيّد بني كلب و قائدهم في حروبهم؛ و كان شجاعا مظفّرا ميمون النّقيبة في غزواته، و هو أحد من ملّ عمره فشرب الخمر صرفا حتى قتلته.

و لم يوجد شاعر في الجاهليّة و الإسلام ولد من الشّعراء أكثر ممّن ولد زهير، و سأذكر أسماءهم و شيئا من شعرهم بعقب ذكر خبره إن شاء اللّه تعالى.

سبب غزوة غطفان‏

قال ابن الأعرابيّ: كان سبب غزوة زهير بن جناب غطفان أنّ بني بغيض حين خرجوا من تهامة ساروا بأجمعهم، فتعرّضت لهم صداء و هي قبيلة من مذحج؛ فقاتلوهم و بنو بغيض سائرون بأهليهم و نسائهم و أموالهم، فقاتلوا عن حريمهم فظهروا على صداء فأوجعوا فيهم و نكئوا[3]؛ و عزّت بنو بغيض بذلك و أثرت و أصابت غنائم؛ فلمّا رأوا ذلك قالوا: أما و اللّه لنتّخذنّ حرما مثل حرم مكة لا يقتل صيده، و لا يعضد شجره، و لا يهاج عائذه‏[4]، فوليت ذلك بنو مرّة بن عوف.

ثمّ كان القائم على أمر الحرم و بناء حائطه رياح بن ظالم، ففعلوا ذلك و هم/على ماء لهم يقال له بسّ‏[5].

و بلغ فعلهم و ما أجمعوا عليه زهير بن جناب و هو يومئذ سيّد بني كلب؛ فقال: و اللّه لا يكون ذلك أبدا و أنا حيّ، و لا أخلّي غطفان تتّخذ حرما أبدا.

قتل فارسهم الأسير و ردّ نساءهم و قال شعرا في ذلك.

فنادى في قومه فاجتمعوا إليه فقام فيهم، فذكر حال غطفان و ما بلغه عنها؛ و أنّ أكرم مأثرة يعتقدها هو و قومه أن يمنعوهم من ذلك و يحولوا بينهم و بينه، فأجابوه، و استمدّ بني القين من جشم‏[6]فأبوا أن يغزوا معه، فسار في [1]جاءت هذه الترجمة في الجزء الحادي و العشرين، و موضعها هنا وفقا لما جاء في ف و غيرها من المخطوطات الموثوقة.

[2]ف: «وبرة بن ثعلبة» .

[3]ما: «و نكوا» . و نكأ العدوّ: جرحه و قتله.

[4]لا يهاج عائذه: لا يفزع من يلجأ إليه و يعتصم به.

[5]في «معجم ياقوت» 1-622، بسّ: «ماء لغطفان» .

[6]استمد بني القين من جشم: طلب منهم المدد.

15

قومه حتى غزا غطفان؛ فقاتلهم فظفر بهم زهير و أصاب حاجته فيهم، و أخذ فارسا منهم أسيرا في حرمهم الّذي بنوه، فقال لبعض أصحابه: اضرب رقبته، فقال: إنّه بسل‏[1]، فقال زهير: و أبيك ما بسل عليّ بحرام.

ثم قام إليه فضرب عنقه و عطّل ذلك الحرم؛ ثم منّ على غطفان و ردّ النّساء و استاق الأموال؛ و قال زهير في ذلك:

و لم تصبر لنا غطفان لمّا # تلاقينا و أحرزت النّساء

فلو لا الفضل منّا ما رجعتم # إلى عذراء شيمتها الحياء

و كم غادرتم بطلا كميّا[2] # لدى الهيجاء كان له غناء

فدونكم ديونا فاطلبوها # و أوتارا و دونكم اللّقاء

فإنّا حيث لا نخفي عليكم # ليوث حين يحتضر اللّواء[3]

فخلّى بعدها غطفان بسّا # و ما غطفان و الأرض الفضاء!

/فقد أضحى لحيّ بني جناب # فضاء الأرض و الماء الرّواء[4]

و يصدق طعننا في كلّ يوم # و عند الطّعن يختبر اللّقاء

نفينا نخوة الأعداء عنّا # بأرماح أسنّتها ظماء

و لو لا صبرنا يوم التقينا # لقينا مثل ما لقيت صداء

غداة تعرّضوا لبني بغيض # و صدق الطّعن للنّوكى‏[5]شفاء

و قد هربت حذار الموت قين # على آثار من ذهب العفاء

و قد كنّا رجونا أن يمدّوا # فأخلفنا من إخوتنا الرّجاء

و ألهى القين عن نصر الموالي # حلاب النّيب و المرعى الضّراء[6]

طعنه ابن زيّابة و ظن أنه مات فحمل إلى قومه و عوفي‏

و قال أبو عمرو الشّيباني: كان أبرهة حين طلع نجدا أتاه زهير بن جناب، فأكرمه أبرهة و فضّله على من أتاه من العرب، ثم أمّره على ابني وائل: تغلب و بكر، فوليهم حتى‏[7]أصابتهم سنة شديدة، فاشتدّ عليهم ما يطلب منهم زهير، فأقام بهم زهير في الجدب، و منعهم من النّجعة حتى يؤدّوا ما عليهم، فكادت مواشيهم تهلك. فلما رأى ذلك ابن زيّابة-أحد بني تيم اللّه بن ثعلبة، و كان رجلا فاتكا-بيّت زهيرا[8]و كان نائما في قبّة له من أدم، فدخل فألفى زهيرا نائما، و كان رجلا عظيم البطن، فاعتمد التّيميّ بالسّيف على بطن زهير حتى أخرجه من ظهره مارقا بين [1]بسل: حرام.

[2]في ف: «و كم غادرت من بطل كمي» .

[3]يحتضر: يحضر. و في «مختار الأغاني» :

«... حين يهتصر اللواء»

أي حين يسقط.

[4]الماء الرواء: العذب أو الكثير.

[5]النوكى جمع أنوك، و هو الأحمق أو العاجز الجاهل.

[6]في مج:

«و ألهى القين عن محض الموالي»

. و في ف: «جلاب النبت» بدل «حلاب النيب» . و الضراء: الشجر الملتف.

[7]في ف: «حين أصابتهم» .

[8]بيت فلانا: أوقع به ليلا دون أن يعلم. ـ

16

الصّفاق، و سلمت أعفاج بطنه‏[1]، و ظنّ التّيميّ أنّه/قد قتله، و علم زهير أنه قد سلم، فتخوّف أن يتحرّك فيجهز عليه، فسكت. و انصرف ابن زيّابة إلى قومه، فقال لهم: قد-و اللّه-قتلت زهيرا و كفيتكموه، فسرّهم ذلك. و لمّا علم زهير أنه لم يقدم عليه إلا عن ملأ من قومه بكر و تغلب-و إنما مع زهير نفر من قومه بمنزلة الشّرط-أمر زهير قومه فغيّبوه بين عمودين في ثياب ثم أتوا القوم فقالوا لهم: إنكم قد فعلتم بصاحبنا ما فعلتم، فأذنوا لنا في دفنه، ففعلوا.

شعر ابن زيابة في نبوّ سيفه عنه‏

فحملوا زهيرا ملفوفا في عمودين و الثّياب عليه، حتى إذا بعدوا عن القوم أخرجوه فلفّفوه في ثيابه، ثم حفروا حفيرة و عمّقوا، و دفنوا فيها العمودين، ثم ساروا و معهم زهير، فلمّا بلغ زهير أرض قومه جمع لبكر و تغلب الجموع، و بلغهم أنّ زهيرا حيّ، فقال ابن زيّابة:

طعنة ما طعنت في غبش‏[2]اللّيـ # ل زهيرا و قد توافى الخصوم

حين تجبي له المواسم بكر # أين بكر، و أين منها الحلوم!

خانني السيف إذ طعنت زهيرا # و هو سيف مضلّل مشئوم‏[3]

غزا بكرا و تغلب و شعره في ذلك‏

قال: و جمع زهير بني كلب و من تجمّع له من شذّاذ العرب و القبائل‏[4]، و من أطاعه من أهل اليمن، فغزا بكرا و تغلب ابني وائل، و هم على ماء يقال له الحبيّ‏[5]، و قد كانوا نذروا[6]به، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم انهزمت بكر و أسلمت بني تغلب، فقاتلت شيئا من قتال ثم انهزمت، و أسر كليب و مهلهل/ابنا ربيعة، و استيقت الأموال، و قتلت كلب في تغلب قتلى كثيرة، و أسروا جماعة من فرسانهم و وجوههم، و قال زهير بن جناب في ذلك:

تبّا لتغلب أن تساق نساؤهم # سوق الإماء إلى المواسم عطّلا[7]

لحقت أوائل خيلنا سرعانهم‏[8] # حتى أسرن على الحبيّ مهلهلا

إنّا-مهلهل-ما تطيش رماحنا # أيام تنقف‏[9]في يديك الحنظلا

ولّت حماتك هاربين من الوغى # و بقيت في حلق الحديد مكبّلا

فلئن قهرت لقد أسرتك عنوة # و لئن قتلت لقد تكون مؤمّلا[10]

[1]الصفاق: الجلد الباطن تحت الجلد الظاهر. و الأعفاج: جمع عفج، و هي معي الإنسان.

[2]في المختار: «في غلس الصبح» . و في الشعر و الشعراء-339 ط. الحلبي: «غبس الليل» ، و كلها بمعنى الظلمة.

[3]في «الشعر و الشعراء» -339:

«خانني الرمح... # و هو رمح... »

.

[4]ف، المختار: «من شذاذ القبائل» .

[5]في ما: «الجبيّ» . و في المختار: «الحنيّ» و كلاهما «تصحيف» ، و حبيّ: موضع بتهامة.

[6]نذروا به: علموا به فحذروه و استعدوا له.

[7]ف، ما: «إذ تساق» . و عطل: بدون حلي.

[8]سرعان الخيل: أوائلها.

[9]ف، المختار: «ينبت في يديك» . و تنقف الحنظل: تشقّه.

[10]س، ف: «مرملا» ، و المرمل: الملطخ بالدم.

17

و قال أيضا يعيّر بني تغلب بهذه الواقعة في قصيدة أوّلها:

حيّ دارا تغيّرت بالجناب # أقفرت من كواعب أتراب‏

يقول فيها:

أين أين الفرار من حذر المو # ت و إذ يتّقون بالأسلاب!

إذ أسرنا مهلهلا و أخاه # و ابن عمرو في القدّ و ابن شهاب

و سبينا من تغلب كلّ بيضا # ء رقود الضّحى برود الرّضاب

يوم يدعو مهلهل بالبكر # ها أهذي حفيظة الأحساب‏[1]!

ويحكم ويحكم أبيح حماكم # يا بني تغلب أ ما من ضراب!

و هم هاربون في كلّ فجّ # كشريد النّعام فوق الرّوابي

/و استدارت رحى المنايا عليهم # بليوث من عامر و جناب

طحنتهم أرحاؤها[2]بطحون # ذات ظفر حديدة الأنياب

فهم بين هارب ليس يألو # و قتيل معفّر في التّراب

فضل العزّ عزّنا حين نسمو # مثل فضل السّماء فوق السّحاب‏

وفد مع أخيه حارثة على أحد ملوك غسان‏

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدّثنا عمّي، عن ابن الكلبيّ، عن أبيه، قال:

وفد زهير بن جناب و أخوه حارثة على بعض ملوك غسّان، فلما دخلا عليه‏[3]حدّثاه و أنشداه، فأعجب بهما و نادمهما، فقال يوما لهما: إن أمّي عليلة شديدة العلّة، و قد أعياني دواؤها، فهل تعرفان لها دواء؟فقال حارثة:

كميرة حارّة-و كانت فيه لوثة-فقال الملك: أيّ شي‏ء قلت؟فقال له زهير: كميئة حارّة تطعمها، فوثب الملك -و قد فهم الأولى و الآخرة-يريهما أنه يأمر بإصلاح الكمأة لها، و حلم عن مقالة حارثة. و قال حارثة لزهير: يا زهير اقلب ما شئت ينقلب، فأرسلها مثلا.

ذهب عقله آخر عمره فكان يخرج فيرده أحد ولده‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أحمد بن الغيث الباهليّ عن أبيه، قال:

كان من حديث زهير بن جناب الكلبيّ أنّه كان قد بلغ عمرا طويلا حتى ذهب عقله، و كان يخرج تائها لا يدري أين يذهب، فتلحقه المرأة من أهله و الصّبيّ، فتردّه و تقول له: إني أخاف عليك الذّئب أن يأكلك، فأين تذهب؟ فذهب يوما من أيّامه، و لحقته ابنة له فردّته، فرجع معها و هو يهدج كأنه رأل‏[4]، و راحت عليهم سماء في الصيف /فعلتهم منها بغشة[5]ثم أردفها غيث، فنظر و سمع له الشّيخ زجلا منكرا. فقال: ما هذا يا بنيّة؟فقالت: عارض [1]في «المختار» : «ويحكم في حفيظة الأحساب» . و في ف: «أين حامي حفيظة الأحساب» .

[2]في «المختار» : «رحاؤها» ، و الطحون: الحرب.

[3]ف: «دخلا إليه» .

[4]الرأل: ولد النعام.

[5]البغشة: المطرة الضعيفة.

18

هائل إن أصابنا دون أهلنا هلكنا، فقال: انعتيه لي، فقالت: أراه منبطحا مسلنطحا[1]، قد ضاق ذرعا و ركب ردعا[2]، ذا هيدب‏[3]يطير، و هماهم‏[4]و زفير، ينهض نهض الطير الكسير، عليه مثل شباريق‏[5]السّاج، في ظلمة اللّيل الدّاج، يتضاحك مثل شعل النيران، تهرب منه الطير، و توائل‏[6]منه الحشرة. قال: أي بنية، وائلي منه إلى عصر[7]قبل أن لا عين و لا أثر.

كان يدعى الكاهن لصحة رأيه‏

أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني أحمد بن عبيد، عن ابن الكلبيّ، عن أبيه، عن مشيخة من الكلبيّين قالوا:

عاش زهير بن جناب بن هبل بن عبد اللّه خمسين و مائتي سنة أوقع فيها مائتي وقعة في العرب، و لم تجتمع قضاعة إلا عليه و على حنّ بن زيد العذريّ، و لم يكن في اليمن أشجع و لا أخطب و لا أوجه عند الملوك من زهير.

و كان يدعى الكاهن، لصحّة رأيه.

عمّر حتى ملّ عمره، و شعره في ذلك‏

قال هشام: ذكر حمّاد الرّاوية أنّ زهيرا عاش أربعمائة و خمسين سنة، قال: /و قال الشّرقيّ بن القطاميّ:

عاش زهير أربعمائة سنة، فرأته ابنة له فقالت لابن ابنها: خذ بيد جدّك، فقال له: من أنت؟فقال: فلان بن فلان بن فلانة، فأنشأ يقول:

أ بنيّ إن أهلك فقد # أورثتكم مجدا بنيّة

و تركتكم أبناء سا # دات زنادكم و ريّه‏[8]

و لكلّ ما نال الفتى # قد نلته إلا التّحيّة[9]

و الموت خير للفتى # فليهلكن و به بقيّه

من أن يرى الشّيخ البجا # ل و قد تهادى بالعشيّه‏[10]

و لقد شهدت النّار للأسـ # لاف توقد في طميّه‏[11]

[1]ف: «أراه مسطحا مسلنطحا متبطحا» . و المسلنطح: الواقع على وجهه.

[2]ركب ردعا: سقط و كأنه وقع على عنقه.

[3]الهيدب: السحاب الداني.

[4]الهماهم: جمع همهمة، و هي ترديد الزفير.

[5]الشباريق: القطع.

[6]توائل منه: تطلب النجاة.

[7]عصر-بكسر أوله و سكون ثانيه-و رواه بعضهم بالتحريك، و الأول أشهر و أكثر: هو كل ما يتحصن به.

[8]في أمالي المرتضى 1: 240: «و تركتكم أرباب سادات» . زنادكم ورية: كني بذلك عن بلوغ مأربهم.

[9]التحية: الملك أو البقاء.

[10]البجال: الّذي يبجله قومه. و في الشعر و الشعراء:

«من أن يرى الشيخ الكبير»

.

[11]في معجم ياقوت: طمية: جبل في طريق مكة، و روى البيت فيه:

و لقد شهدت النار بالأنفار توقد في طميّه‏

19

و لقد رحلت البازل الـ # كوماء ليس لها وليّه‏[1]

و خطبت خطبة ماجد[2] # غير الضّعيف و لا العييّه

و لقد غدوت بمشرف الـ # قطرين لم يغمز شظيّه‏[3]

فأصبت من بقر الجنا # ب ضحى و من حمر القفيّه‏[4]

/قال ابن الكلبيّ: و قال زهير في كبره أيضا:

ألا يا لقومي لا أرى النّجم طالعا # و لا الشّمس إلا حاجبي بيميني

معزّبتي عند القفا بعمودها # فأقصى نكيري أن أقول ذريني‏[5]

أمين على أسرارهنّ و قد أرى‏[6] # أكون على الأسرار غير أمين

فللموت خير من حداج موطّأ # على الظّعن لا يأتي المحلّ لحين‏

قال: و قال زهير أيضا في كبره:

إن تنسني الأيام إلا جلالة # أمت حين لا تأسى عليّ العوائد

فيأذى بي الأدنى و يشمت بي العدا # و يأمن كيدي الكاشحون الأباعد

قال: و قال زهير أيضا:

لقد عمّرت حتى لا أبالي # أ حتفي في صباحي أم مسائي

و حقّ لمن أتت مائتان عاما # عليه أن يملّ من الثّواء

شهدت الموقدين على خزازى # و بالسّلاّن جمعا ذا زهاء[7]

و نادمت الملوك من آل عمرو # و بعدهم بني ماء السماء

خالفه ابن أخيه عبد اللّه بن عليم فشرب الخمر

قال ابن الكلبيّ: و كان زهير إذا قال: ألا إن الحيّ ظاعن، ظعنت قضاعة؛ و إذا قال: ألا إن الحيّ مقيم، نزلوا و أقاموا. فلمّا أن أسنّ نصب ابن أخيه عبد اللّه بن عليم للرّئاسة في كلب، و طمع أن يكون كعمّه و تجتمع قضاعة كلّها عليه، فقال/زهير يوما: ألا إنّ الحيّ ظاعن، فقال عبد اللّه: ألا إنّ الحيّ مقيم، فقال زهير: ألا إنّ الحيّ مقيم، فقال عبد اللّه: ألا إنّ الحيّ ظاعن، فقال زهير: من هذا المخالف عليّ منذ اليوم؟فقالوا: ابن أخيك عبد اللّه بن عليم، فقال: أعدى الناس للمرء ابن أخيه إلاّ أنّه لا يدع قاتل عمّه أو يقتله. ثم أنشأ يقول:

[1]البازل: الناقة انشق نابها بدخولها في السنة التاسعة، و الكوماء: الضخمة السنام. و الولية: كل ما ولى ظهر البعير من كساء أو غيره.

[2]في أمالي المرتضى:

«و خطبت خطبة حازم»

.

[3]مشرف القطرين: مرتفع الجانبين. و غمزت الدابة: مالت من رجلها أي ظلعت، و الشظية: عظم الساق.

[4]القفية: الناحية.

[5]المعزّبة: امرأة الرجل، و القفا: موضع.

[6]في أمالي المرتضى:

«أمينا على سر النساء و ربما»

.

[7]في معجم البلدان: خزازى: جبل. و في ف: حوازى (تحريف) . و السلان: الأودية. و كانت عندهما وقائع. و قوم ذو زهاء: ذو عدد كثير. و في المعمرين-27:

«شهدت المحضأين على خزاز»

.

20

و كيف بمن لا أستطيع فراقه # و من هو إن لم تجمع الدّار آلف!

أمير شقاق إن أقم لا يقم معي # و يرحل، و إن أرحل يقم و يخالف‏[1]

ثم شرب الخمر صرفا حتّى مات.

قال: و ممّن شرب الخمر صرفا حتى مات عمرو بن كلثوم التّغلبيّ، و أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنّة.

قال هشام‏[2]: عاش هبل بن عبد اللّه جدّ زهير بن جناب ستّمائة سنة و سبعين، و هو القائل:

يا ربّ يوم قد غني فيه هبل # له نوال و درور و جذل‏[3]

كأنّه في العزّ عوف أو حجل‏

قال: عوف و حجل: قبيلتان من كلب.

كان نازلا مع الجلاح بن عوف فأنذرته أخته فخالفه الجلاح فرحل هو و قال شعرا

و قال أبو عمرو الشّيباني: كان الجلاح بن عوف السّحميّ قد وطّأ لزهير بن جناب و أنزله معه، فلم يزل في جناحه حتى كثر ماله و ولده، و كانت أخت زهير متزوّجة في بني القين بن جسر، فجاء رسولها إلى زهير و معه برد فيه صرار رمل و شوكة قتاد، /فقال زهير لأصحابه: أتتكم شوكة شديدة، و عدد كثير فاحتملوا، فقال له الجلاح:

أ نحتمل لقول امرأة!و اللّه لا نفعل، فقال زهير:

أما الجلاح فإنّني فارقته # لا عن قلّى و لقد تشطّ بنا النّوى

فلئن ظعنت لأصبحنّ مخيّما[4] # و لئن أقمت لأظعننّ على هوى‏

قال: فأقام الجلاح، و ظعن زهير، و صبّحهم الجيش فقتل عامّة قوم الجلاح و ذهبوا بماله.

قال: و اسم الجلاح عامر بن عوف بن بكر بن عوف بن عامر بن عوف بن عذرة.

اجتمع مع عشيرته فقصده الجيش فهزمهم و قتل رئيسا منهم‏

و مضى زهير لوجهه حتى اجتمع مع عشيرته من بني جناب، و بلغ الجيش خبره فقصدوه، فحاربهم و ثبت لهم فهزمهم و قتل رئيسا منهم، فانصرفوا عنه خائبين، فقال زهير:

أ من آل سلمى ذا الخيال المؤرّق # و قد يمق‏[5]الطيف الغريب المشوّق

و أنّي اهتدت سلمى لوجه محلّنا # و ما دونها من مهمه الأرض يخفق

فلم تر إلا هاجعا عند حرّة # على ظهرها كور عتيق و نمرق‏[6]

و لمّا رأتني و الطّليح تبسّمت # كما انهلّ أعلى عارض يتألّق

فحيّيت عنّا زوّدينا تحيّة # لعلّ بها العاني من الكبل يطلق‏

[1]ف:

«أمين شقاء... »

.

[2]ف: «هاشم» .

[3]الدرور: الكثرة. و الجذل: الفرح. و في ف: «و دروه» ، و هو التلألؤ.

[4]مخيما: مقيما.

[5]يمق: يحب.

[6]الكور: الرحل. و النمرق: الوسادة الصغيرة.

21

فردّت سلاما ثم ولت بحاجة # و نحن لعمري يا ابنة الخير أشوق‏[1]

/فيا طيب ما ريّا[2]و يا حسن منظر # لهوت به لو أنّ رؤياك تصدق

و يوم أثالى قد عرفت رسومها # فعجنا إليها و الدّموع ترقرق

و كادت تبين القول لمّا سألتها # و تخبرني لو كانت الدار تنطق

فيا دار سلمى هجت للعين عبرة # فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق‏[3]

و قال زهير في هذه القصيدة يذكر خلاف الجلاح عليه:

أيا قومنا إن تقبلوا الحقّ فانتهوا # و إلا فأنياب من الحرب تحرق‏[4]

فجاءوا إلى رجراجة مكفهرّة # يكاد المدير نحوها الطّرف يصعق‏[5]

سيوف و أرماح بأيدي أعزّة # و موضونة ممّا أفاد محرّق‏[6]

فما برحوا حتى تركنا رئيسهم # و قد مار فيه المضرحيّ المذلّق‏[7]

و كائن ترى من ماجد و ابن ماجد # له طعنة نجلاء للوجه يشهق‏

و قال زهير في ذلك أيضا:

سائل أميمة عنّي هل وفيت لها # أم هل منعت من المخزاة جيرانا

لا يمنع الضّيف إلا ماجد بطل # إنّ الكريم كريم أينما كانا[8]

لمّا أبى جيرتي إلا مصمّمة # تكسو الوجوه من المخزاة ألوانا

/ملنا عليهم بورد لا كفاء له # يفلقن بالبيض تحت النّقع أبدانا

إذا ارجحنّوا علونا هامهم قدما # كأنّما نختلي بالهام خطبانا[9]

كم من كريم هوى للوجه منعفرا # قد اكتسى ثوبه في النّقع ألوانا

و من عميد تناهى بعد عثرته # تبدو ندامته للقوم خزيانا

كل أولاده شعراء و هذه نماذج من شعرهم‏

و أمّا الشعراء من ولد زهير:

فمنهم مصاد بن أسعد بن جنادة بن صهبان بن امرئ القيس بن زهير بن جناب، و هو القائل:

[1]في ر:

«... ثم ولت لحاجة... »

.

[2]في ف:

«فيا طيب مثوانا»

.

[3]في ف: «يتدفق» . و جاء في ف: «قال مؤلف هذا الكتاب: أخذ ذو الرمة هذا البيت كله فقال:

أدارا بحزوى هجت للعين عبرة # فماء الهوى يرفض أو يترقرق‏

[4]تحرق: تحتك شدة و غيظا فيسمع لها صوت.

[5]كتيبة رجراجة: تموج من كثرتها. و في ف: «يكاد المرنّى» بدل «يكاد المدير» .

[6]الموضونة: الدرع المنسوجة أو المقاربة النسج.

[7]المضرحى: النسر، و المذلّق: المحدد الطرف. و في ر:

«و قد حار فيه المضرحيّ»

.

[8]ف: «حيثما كانا» .

[9]ارجحنوا: مالوا و وقعوا. نختلي: نقطع. الخطبان: نبت، أو الخضر من ورق السمر.

22

تمنّيت أن تلقى لقاح ابن محرز # و قبلك شامتها العيون النّواظر

ممنّحة في الأقربين مناخة # و للضّيف فيها و الصّديق معاقر[1]

فهلاّ بني عيناء عاينت جمعهم # بحالة[2]إذا سدّت عليك المصادر

-و منهم حريث بن عامر بن الحارث بن امرئ القيس بن زهير بن جناب، و هو القائل:

أرى قومي بني قطن أرادوا # بألاّ يتركوا بيديّ مالا

فإن لم أجزهم غيظا بغيظ # و أوردهم على عجل شلالا[3]

فليت التّغلبيّة لم تلدني # و لا أغنت بما ولدت قبالا[4]

-و منهم الحزنبل بن سلامة بن زهير بن أسعد بن صهبان بن امرئ القيس بن زهير بن جناب، و هو القائل:

/

عبثت بمنخرق القميص كأنّه # وضح الهلال على الخمور معذل

يا سلم ويحك و الخليل معاتب # أزمعت أن تصلي سواي و تبخلي

لمّا رأيت بعارضيّ و لمّتي # غير المشيب على الشباب المبدل‏[5]

صرّمت حبل فتى يهشّ إلى النّدى # لو تطلبين نداه لم يتعلّل

إنا لنصبر عند معترك الوغى # و نبذ مكرمة الكريم المفضل‏[6]

-و منهم غرير بن أبي جابر بن زهير بن جناب، و هو القائل:

أبلغ أبا عمرو و أنـ # ت عليّ ذو النّعم الجزيله

أنّا منعنا أن تذلّ # بلادكم و بنو جديله

و طرقتهم ليلا أخـ # بّرهم بهم و معي وصيله‏[7]

فصدقتهم خبري فطا # روا في بلادهم الطّويله‏

-و منهم عرفجة بن جنادة بن أبيّ بن النّعمان‏[8]بن زهير بن جناب، و هو القائل:

عفا أبرق العزّاف من أمّ جابر # فمنعرج الوادي عفا فحفير

فروض ثوير عن يمين رويّة # كأن لم تربّعه أوانس حور[9]

رقاق الثّنايا و الوجوه، كأنها # ظباء الفلا[10]في لحظهن فتور

[1]س:

«ممنحة في الأمر بين مباحة»

. و في ف:

«ممنحة في الأقربين مباحة»

.

[2]حالة: موضع. و في ر: «بحالك» .

[3]شلالا: متفرقين.

[4]ف:

«و لا غنيت ... »

. و قبالا، أي بما يقبل.

[5]س، ر:

«غير الشباب على المشيب المبدل»

.

[6]ف: «الأفضل» .

[7]وصيلة: رفقة أو سيف.

[8]س، ف: «بن أبي النعمان» .

[9]أبرق العزاف، و ثوير، و روية: مياه في بلاد العرب. و حفير: موضع بين مكة و المدينة.

[10]ف: «ظباء الملا» .

23

-و منهم المسيّب بن رفل‏[1]بن حارثة بن جناب بن قيس بن امرئ القيس بن أبي جابر بن زهير بن جناب، و هو القائل:

/

قتلنا يزيد بن المهلّب بعد ما # تمنّيتم أن يغلب الحقّ باطله

و ما كان منكم في العراق منافق # عن الدّين إلا من قضاعة قاتله

تجلّله قحل بأبيض صارم # حسام جلا عن شفرتيه صياقله‏[2]

يعني بالفحل ابن عيّاش بن شمر بن أبي شراحيل بن غرير بن أبي جابر بن زهير بن جناب، و هو الّذي قتل يزيد بن المهلّب.

و من بني زهير شعراء كثير، ذكرت منهم الفحول دون غيرهم.

صوت‏

تدّعى الشوق إن نأت # و تجنّى إذا دنت

سرّني لو صبرت عنـ # ها فتجزى بما جنت

إنّ سلمى لو اتّقت # ربّها فيّ أنجزت

زرعت في الحشا الهوى # و سقته حتى نبت‏[3]

الشّعر لمسلم بن الوليد، و الغناء لعريب خفيف ثقيل. و قيل: إنه لأبي العبيس بن حمدون. و ذكر الهشاميّ أن لإسحاق في: إنّ سلمى... و ما بعده لحنا من الثّقيل الأول بالبنصر.

[1]ف: «المسيب بن زفر» و جاء في ذلك «المسيب بن الرفل الزهيري من ولد زهير بن جناب» .

[2]ف، س: «تجلله فحل» .

[3]الأبيات في شرح الديوان-308 ط. دار المعارف. و بعد البيت الأول:

و اعتدنا و أخلفت # فأساءت و أحسنت‏

24

3-نسب مسلم بن الوليد و أخباره‏[1]

نسبه‏

و هو مسلم بن الوليد، أبوه الوليد مولى الأنصار ثم مولى أبي أمامة أسعد بن زرارة الخزرجيّ.

كان يلقب صريع الغواني‏

يلقّب صريع الغواني، شاعر متقدم من شعراء الدّولة العبّاسيّة، منشؤه و مولده الكوفة.

و هو-فيما زعموا-أوّل من قال الشّعر المعروف بالبديع، هو لقّب هذا الجنس البديع و اللّطيف‏[2]. و تبعه فيه جماعة، و أشهرهم فيه أبو تمّام الطائيّ فإنه جعل شعره كلّه مذهبا واحدا فيه. و مسلم كان متقنّنا متصرّفا في شعره.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: قال أبو العباس محمد بن يزيد:

كان مسلم شاعرا حسن النّمط، جيّد القول في الشراب‏[3]، و كثير من الرّواة يقرنه بأبي نواس في هذا المعنى.

و هو أوّل من عقد هذه المعاني الظّريفة و استخرجها.

اتهم بأنه أول من أفسد الشعر

حدّثنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: سمعت أبي، يقول: أول من أفسد الشّعر مسلم بن الوليد، جاء بهذا الّذي سمّاه النّاس البديع، ثم جاء الطّائيّ بعده فتفنّن فيه‏[4].

كان منقطعا إلى يزيد بن يزيد

أخبرني إبراهيم بن أيّوب عن عبد اللّه بن مسلم الدّينوريّ، قال:

كان مسلم بن الوليد و أخوه سليمان منقطعين إلى يزيد بن مزيد و محمد بن منصور بن زياد، ثم الفضل بن سهل بعد ذلك. و قلّد الفضل مسلما المظالم بجرجان فمات بها.

/أخبرني عليّ بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال:

كان السبب في قول مسلم:

تدّعي الشوق إن نأت # و تجنّي إذا دنت‏

[1]سقطت هذه الترجمة من طبعة بولاق، و موضعها هنا كما جاءت في نسخة ف و غيرها من النسخ الخطية الموثوقة.

[2]في مي: «فجنس البديع، و تبعه... » و في مج: «و هو لقب الجنس البديع و تبعه... » .

[3]في مي، مج: «جيد الغزل في الشراب» .

[4]في ما: «فجن فيه فتحير الناس» . و في ف: «ثم جاء الطائي بعده فتحير الناس فيه» .

25

غازل جارية منزلها في مهب الشمال من منزله، و لم يكن يهواها

أنّه علق جارية ذات ذكر و شرف‏[1]، و كان منزلها في مهبّ الشّمال من منزله، و في ذلك يقول:

صوت‏

أحبّ الرّيح ما هبّت شمالا # و أحسدها إذا هبت جنوبا

أهابك أن أبوح بذات نفسي # و أفرق إن سألتك أن أخيبا

و أهجر صاحبي حبّ التّجنّي # عليه إذا تجنّيت الذّنوبا[2]

كأني حين أغضي عن سواكم # أخاف لكم على عيني رقيبا

غنّى عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعي في هذه الأبيات هزجا بالبنصر عن الهشاميّ.

كان يحب جاريته محبة شديدة

قال: و كانت له جارية يرسلها إليها و يبثّها سرّه، و تعود إليه بأخبارها و رسائلها؛ فطال ذلك بينهما؛ حتى أحبّتها الجارية الّتي علقها مسلم و مالت إليها، و كلتاهما في نهاية الحسن و الكمال.

و كان مسلم يحبّ جاريته هذه محبّة شديدة، و لم يكن يهوى تلك، إنما كان يريد الغزل و المجون و المراسلة، و أن يشيع له حديث‏[3]بهواها، و كان يرى ذلك من/الملاحة و الظّرف و الأدب، فلما رأى مودّة تلك لجاريته هجر جاريته مظهرا لذلك، و قطعها عن الذّهاب إلى تلك، و ذلك قوله:

و أهجر صاحبي حبّ التّجنّي # عليه إذا تجنّيت الذّنوبا

و راسلها مع غير جاريته الأولى، و ذلك قوله:

تدّعى الشوق إن نأت # و تجنّى إذا دنت

واعدتنا و أخلفت # ثم ساءت فأحسنت‏[4]

سرّني لو صبرت عنـ # ها فتجزى بما جنت

[5]إنّ سلمى لو اتّقت # ربّها فيّ أنجزت

زرعت في الحشا الهوى # و سقته حتى نبت‏[5]

أخبرني الحسين بن يحيى و محمد بن يزيد، قالا: حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه، قال:

لقي مسلم بن الوليد أبا نواس فقال له: ما أعرف لك بيتا إلا فيه سقط، قال: فما تحفظ من ذلك؟قال: قل أنت ما شئت حتى أريك سقطه فيه، فأنشده:

[1]في ما: «ذات خطر و شرف» .

[2]في الديوان-274 ط. المعارف: «إن تجنبت» .

[3]في مي: «و أن يسمع له حديث... » الخ.

[4]في ما، و الديوان-308، و «المختار» : «فأساءت و أحسنت» .

(5-5) التكلمة من مي و الديوان-308.

26

ذكر الصّبوح سحيرة[1]فارتاحا # و أملّه ديك الصّباح صياحا

فقال له مسلم: فلم أملّه و هو الّذي أذكره و به ارتاح؟فقال أبو نواس: فأنشدني شيئا من شعرك ليس فيه خلل، فأنشده مسلم:

/

عاصى الشّباب فراح غير مفنّد[2] # و أقام بين عزيمة و تجلّد

فقال له أبو نواس: قد جعلته رائحا مقيما في حال واحدة و بيت واحد. فتشاغبا و تسابّا ساعة، و كلا البيتين صحيح المعنى.

ذكر أمام المأمون و عرضت أبيات من شعره أعجبته‏

أخبرني جعفر بن قدامة قال: قال لي محمد بن عبد اللّه بن مسلم: حدّثني أبي، قال:

اجتمع أصحاب المأمون عنده يوما، فأفاضوا في ذكر الشّعر و الشّعراء، فقال له بعضهم: أين أنت يا أمير المؤمنين عن مسلم بن الوليد؟قال: حيث يقول ما ذا؟قال: حيث يقول و قد رثى رجلا:

أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه # فطيب تراب القبر دلّ على القبر

و حيث مدح رجلا بالشّجاعة فقال:

يجود بالنّفس إذ ضنّ‏[3]الجواد بها # و الجود بالنّفس أقصى غاية الجود

و هجا رجلا بقبح الوجه و الأخلاق فقال:

قبحت مناظره فحين خبرته # حسنت مناظره لقبح المخبر

و تغازل فقال:

هوّى يجدّ و حبيب يلعب # أنت لقى بينهما معذّب‏

فقال المأمون: هذا أشعر من خضتم اليوم في ذكره.

الرشيد ينبه يزيد بن مزيد إلى ما قاله فيه مسلم من مدح‏

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ و الحسن بن عليّ الخفّاف، قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال:

حدّثني قعنب بن المحرز، و ابن النّطّاح، عن القحذميّ، قال:

/قال يزيد بن مزيد: أرسل إليّ الرّشيد يوما في وقت لا يرسل فيه إلى مثلي فأتيته لابسا سلاحي، مستعدّا لأمر إن أراده، فلما رآني ضحك إليّ ثم قال: يا يزيد خبّرني من الّذي يقول فيك:

تراه في الأمن في درع مضاعفة # لا يأمن الدّهر أن يدعى على عجل‏[4]

صافي العيان طموح العين همّته # فكّ العناة و أسر الفاتك الخطل‏

[1]في ما، ف: «بسحرة» .

[2]في مي، مج:

«ذكر الصبوح فراح غير مفند»

. و التفنيد: اللوم. و البيت في الديوان-230 من قصيدة طويلة.

[3]في مي، و العقد، و ديوان المعاني: «إن ضن الجواد» . و في الديوان-164:

«إذ أنت الضنين بها»

. و في تاريخ بغداد:

«إذ ضن البخيل بها»

.

[4]في الشعر و الشعراء 2: 811، و الأغاني 5: 41:

«أن يأتي على عجل»

. و في شرح سقط الزن 68:

«أن يؤتى على عجل»

. ـ

27

للّه من هاشم في أرضه جبل # و أنت و ابنك ركنا[1]ذلك الجبل‏

فقلت: لا أعرفه يا أمير المؤمنين. قال: سوأة لك من سيّد قوم يمدح بمثل هذا الشّعر و لا تعرف قائله، و قد بلغ أمير المؤمنين فرواه و وصل قائله، و هو مسلم بن الوليد. فانصرفت فدعوت به و وصلته و ولّيته.

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ، و الحسن بن عليّ الخفّاف، قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال:

حدّثني أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن سليمان الحنفيّ ذو الهدمين، قال: حدّثني أبي، قال:

دخل يزيد بن مزيد على الرّشيد فقال له: يا يزيد، من الّذي يقول فيك:

لا يعبق الطّيب خدّيه و مفرقه # و لا يمسّح عينيه من الكحل

قد عوّد الطّير عادات وثقن بها # فهنّ يتبعنه‏[2]في كلّ مرتحل‏

يزيد بن مزيد يسمع مدحه فيه و يأمر له بجائزة

فقال: لا أعرف قائله يا أمير المؤمنين. فقال له هارون: أ يقال فيك مثل هذا/الشّعر و لا تعرف قائله!فخرج من عنده خجلا، فلما صار إلى منزله دعا حاجبه فقال له: من بالباب من الشّعراء؟قال: مسلم بن الوليد، فقال:

و كيف حجبته عنّي فلم تعلمني بمكانه؟قال: أخبرته أنّك مضيق‏[3]، و أنّه ليس في يديك شي‏ء تعطيه إياه، و سألته الإمساك و المقام أياما إلى أن تتّسع. قال: فأنكر ذلك عليه و قال: أدخله إليّ. فأدخله إليه، فأنشده قوله:

أجررت حبل خليع في الصّبا غزل # و شمّرت همم العذّال في عذلي‏[4]

ردّ البكاء على العين الطّموح هوّى # مفرّق بين توديع و مرتحل‏[5]

أ ما كفى البين أن أرمى بأسهمه # حتى رماني بلحظ الأعين النّجل!

مما جنت لي-و إن كانت منّى صدقت- # صبابة خلس التّسليم بالمقل‏[6]

فقال له: قد أمرنا لك بخمسين ألف درهم، فاقبضها و اعذر. فخرج الحاجب فقال لمسلم: قد أمرني أن أرهن ضيعة من ضياعه على مائة ألف درهم، خمسون ألفا لك و خمسون ألفا لنفقته. و أعطاه إيّاها، و كتب صاحب الخبر بذلك إلى الرّشيد، فأمر ليزيد بمائتي ألف درهم و قال: اقض الخمسين الّتي أخذها الشّاعر و زده مثلها. و خذ مائة ألف لنفقتك. فافتكّ ضيعته، و أعطى مسلما خمسين ألفا أخرى.

يزوره صديق من الكوفة فيبيع خفيه ليقدم له طعاما

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن عبيد الكوفيّ، و عليّ بن الحسن كلاهما، قال: أخبرني عليّ بن عمرو، قال:

/حدّثني مسلم بن الوليد المعروف بصريع الغوائي قال: كنت يوما جالسا في دكان خيّاط بإزاء منزلي، إذ [1]في المختار من شعر بشار-30:

«و أنت و ابناك ركنا ذلك الجبل»

.

[2]في مي: «فهن يصحبنه» .

[3]أضاق الرجل فهو مضيق: ضاق عليه معاشه.

[4]في الديوان-1: «في العذل» .

[5]في المختار: «و محتمل» . و في الديوان ط. المعارف:

«هاج البكاء... و محتمل»

.

[6]في الديوان-3:

«مما جنى لي»

.

28

رأيت طارقا ببابي، فقمت إليه فإذا هو صديق لي من أهل الكوفة قد قدم من قمّ، فسررت به، و كأنّ إنسانا لطم وجهي، لأنّه لم يكن عندي درهم واحد أنفقه عليه، فقمت فسلّمت عليه، و أدخلته منزلي، و أخذت خفّين كانا لي أتجمّل بهما، فدفعتهما إلى جاريتي، و كتبت معهما رقعة إلى بعض معارفي في السّوق، أسأله أن يبيع الخفّين و يشتري لي لحما و خبزا بشي‏ء سمّيته. فمضت الجارية و عادت إليّ و قد اشترى لها ما قد حدّدته له، و قد باع الخفّين‏[1]بتسعة دراهم، فكأنّها إنما جاءت بخفّين جديدين. فقعدت أنا و ضيفي نطبخ، و سألت جارا لي أن يسقينا قارورة نبيذ، فوجّه بها إليّ، و أمرت الجارية بأن تغلق باب الدّار مخافة طارق يجي‏ء فيشركنا فيما نحن فيه، ليبقى لي و له ما نأكله إلى أن ينصرف.

يصل إليه رسول يزيد بن مزيد و يدفع إليه عشرة آلاف درهم‏

فإنّا لجالسان نطبخ حتى طرق الباب طارق، فقلت لجاريتي: انظري من هذا. فنظرت من شقّ الباب فإذا رجل عليه سواد و شاشيّة و منطقة و معه شاكريّ، فخبّرتني بموضعه فأنكرت أمره‏[2]، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: لست بصاحب دعارة، و لا للسّلطان عليّ سبيل. ففتحت الباب و خرجت إليه، فنزل عن دابّته و قال: أ أنت مسلم بن الوليد؟قلت: نعم. فقال: كيف لي بمعرفتك؟قلت: الّذي دلّك على منزلي يصحّح لك معرفتي. فقال لغلامه:

امض إلى الخيّاط فسله عنه. فمضى فسأله عنّي فقال: نعم هو مسلم بن الوليد. فأخرج إليّ كتابا من خفّه، و قال:

هذا كتاب الأمير يزيد بن مزيد إليّ، يأمرني ألاّ أفضّه إلا عند لقائك، فإذا فيه: إذا لقيت مسلم بن الوليد فادفع إليه /هذه العشرة آلاف درهم، الّتي أنفذتها تكون له في منزله، و ادفع ثلاثة آلاف درهم نفقة ليتحمّل بها إلينا. فأخذت الثّلاثة و العشرة، و دخلت إلى منزلي و الرّجل معي، فأكلنا ذلك الطعام، و ازددت فيه و في الشّراب، و اشتريت فاكهة، و اتّسعت و وهبت لضيفي من الدّراهم ما يهدي به هديّة لعياله.

يذهب إلى يزيد و ينشده قصيدة في مدحه‏

و أخذت في الجهاز، ثم ما زلت معه حتى صرنا إلى الرّقّة إلى باب يزيد، فدخل الرّجل و إذا هو أحد حجّابه، فوجده في الحمّام، فخرج إليّ فجلس معي قليلا، ثم خبّر الحاجب بأنّه قد خرج من الحمّام، فأدخلني إليه، و إذا هو على كرسيّ جالس، و على رأسه و صيفة بيدها غلاف مرآة، و بيده هو مرآة، و مشط يسرّح لحيته، فقال لي:

يا مسلم، ما الّذي بطّأ بك عنّا؟فقلت: أيّها الأمير، قلّة ذات اليد. قال: فأنشدني. فأنشدته قصيدتي الّتي مدحته فيها:

أجررت حبل خليع في الصّبا غزل # و شمّرت همم العذّال في عذلي‏

فلما صرت إلى قولي:

لا يعبق الطّيب خدّيه و مفرقه # و لا يمسّح عينيه من الكحل‏[3]

[1]في ف و المختار: «الخف» .

[2]في ما: «أمري» . و الشاشية: العمامة. و المنطقة: الحزام ينتطق به. و الشاكري: الأجير.

[3]في الأغاني 5/44، و ابن خلكان 2/284: «كفيه و مفرقه» . و جاء في شرح الديوان-13: «لا يعبق الطيب خديه و مفرقه أي لا يلصق بهما. و لا يمسح عينيه من الكحل أي لا يتكحل... يطعن بذلك على بني عمه الذين كانوا أقبلوا إلى أبيهم ليلا متعطرين، و أقبل هو إليه في السلاح» .

29

يقص عليه سبب دعوته له‏

وضع المرآة في غلافها، و قال للجارية: انصرفي، فقد حرّم علينا مسلم الطّيب. فلما فرغت من القصيدة قال لي: يا مسلم، أ تدري ما الّذي حداني إلى أن وجهت إليك؟فقلت: لا و اللّه ما أدري. قال: كنت عند الرّشيد منذ ليال أغمّز[1]رجليه، إذ قال لي: يا يزيد، من القائل فيك:

/

سلّ الخليفة سيفا من بني مطر # يمضي فيخترم الأجساد و الهاما[2]

كالدّهر لا ينثني عمّا[3]يهمّ به # قد أوسع الناس إنعاما و إرغاما

فقلت: لا و اللّه ما أدري. فقال لي الرّشيد: يا سبحان اللّه!أنت مقيم على أعرابيّتك، يقال فيك مثل هذا الشّعر و لا تدري من قائله!فسألت عن قائله، فأخبرت أنّك أنت هو، فقم حتى أدخلك على أمير المؤمنين.

يدخل على الرشيد و يمدحه فيأمر له بجائزة

ثم قام فدخل على الرّشيد، فما علمت حتى خرج عليّ الإذن فأذن لي، فدخلت على الرّشيد، فأنشدته ما لي فيه من الشّعر، فأمر لي بمائتي ألف درهم، فلما انصرفت إلى يزيد أمر لي بمائة و تسعين ألفا، و قال: لا يجوز لي أن أعطيك مثل ما أعطاك أمير المؤمنين. و أقطعني إقطاعات تبلغ غلّتها مائتي ألف درهم.

يهجو يزيد فيدعوه الرشيد و يحذره‏

قال مسلم: ثم أفضت بي الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبني فهجوته، فشكاني إلى الرّشيد، فدعاني و قال:

أ تبيعني عرض يزيد؟فقلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال لي: بكم؟فقلت: برغيف خبز. فغضب حتى خفته على نفسي، و قال: قد كنت على أن أشتريه منك بمال جسيم، و لست أفعل و لا كرامة، فقد علمت إحسانه إليك، و أنا نفيّ من أبي، و و اللّه ثمّ و اللّه لئن بلغني أنّك هجوته لأنزعنّ لسانك من بين فكّيك، فأمسكت عنه بعد ذلك، و ما ذكرته بخير و لا شرّ.

البيدق يصله بيزيد بن مزيد و يسمعه شعره فيأمر له بجائزة

أخبرني الحسن بن علي، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه اليعقوبيّ، قال:

/حدّثني البيدق‏[4]الرّاوية-و كان من أهل نصيبين-قال: دخلت دار يزيد بن مزيد يوما و فيها الخلق، و إذا فتى شابّ جالس في أفناء النّاس، و لم يكن يزيد عرفه بعد، و إذا هو مسلم بن الوليد، فقال لي: ما في نفسي أن أقول شعرا أبدا، فقلت: و لم؟قال: لأنّي قد مدحت هذا الرّجل بشعر ما مدح بمثله قطّ، و لست أجد من يوصّله، فقلت له: أنشدني بعضه، فأنشدني منه:

موف على مهج في يوم ذي رهج # كأنّه أجل يسعى إلى أمل‏

[1]الغمز: الكبس باليد و الجس.

[2]في الديوان-63:

«فيخترق الأجساد... »

. و في ديوان المعاني:

«فيخترق الأحشاء... »

.

[3]في الديوان-62:

«لا ينثني عمن يهم به»

.

[4]في مي: «البيزق» .

30

يقري السّيوف نفوس النّاكثين به # و يجعل الرّوس تيجان القنا الذّبل

لا يعبق الطّيب خدّيه و مفرقه # و لا يمسّح عينيه من الكحل

إذا انتضى سيفه كانت مسالكه # مسالك الموت في الأجسام و القلل‏[1]

و إن خلت بحديث النّفس فكرته # عاش الرّجاء و مات الخوف من وجل‏[2]

كاللّيث إن هجته فالموت راحته # لا يستريح إلى الأيّام و الدّول

للّه من هاشم في أرضه جبل # و أنت و ابنك ركنا ذلك الجبل

صدّقت ظنّي و صدّقت الظّنون به # و حطّ جودك عقد الرّحل عن جملي‏[3]

قال: فأخذت منها بيتين، ثم قلت له: أنشدني أيضا ما لك فيه، فأنشدني قصيدة أخرى ابتداؤها:

/

طيف الخيال حمدنا منك إلماما # داويت سقما و قد هيّجت أسقاما

يقول فيها:

كالدّهر لا ينثني عمّا يهمّ به # قد أوسع النّاس إنعاما و إرغاما

قال: فأنشدت هذه الأبيات يزيد بن مزيد، فأمر له بخمسمائة درهم. ثم ذكرته بالرّقّة فقلت له: هذا الشّاعر الّذي قد مدحك فأحسن، تقتصر به على خمسمائة درهم!فبعث إليه بخمسمائة درهم أخرى، قال: فقال لي مسلم:

جاءتني و قد رهنت طيلساني على رءوس الإخوان‏[4]، فوقعت منّي أحسن موقع.

تضمخ يزيد بالطيب ثم غسله لئلا يكذب قول مسلم‏

أخبرني محمد بن عمران، قال: حدّثنا العنزيّ، عن محمد بن بدر العجليّ، عن إبراهيم بن سالم، عن أبي فرعون مولى يزيد بن مزيد قال:

ركب يزيد يوما إلى الرّشيد فتغلّف بغالية[5]، ثم لم يلبث أن عاد فدعا بطست فغسل الغالية، و قال: كرهت أن أكذّب قول مسلم بن الوليد:

لا يعبق الطّيب خدّيه و مفرقه # و لا يمسّح عينيه من الكحل‏

يشير على يزيد بن مزيد بإحراق كتاب وصله‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة، قال:

كان مسلم بن الوليد جالسا بين يدي يزيد بن مزيد فأتاه كتاب فيه مهمّ له، فقرأه سرّا و وضعه، ثم أعاد قراءته و وضعه، ثم أراد القيام، فقال له مسلم بن الوليد:

[1]في الديوان-14: «في الأبدان و القلل» .

[2]في الديوان-24: «حيي الرجاء» ، و في المستجاد-101:

«... بحديث النفس نظرته»

. و جاء في الشرح: «إذا خلت بحديث النفس فكرته فإنه يفكر في بذل العطايا للناس فيموت خوفهم للفقر عند ذلك» .

[3]في ف: «و حل جودك» ، و المثبت من ما، مج، و الديوان-23، و جاء في الشرح: «صدّقت ظني و ظن من علم إقبالي إليك، و أغنيتني عن السفر فلا أحتاج إلى أن أسافر بعدها أبدا» .

[4]ف: «على رءوس لإخواني» .

[5]تغلف بغالية: تطيب بالطيب.

31

الحزم تحريقه إن كنت ذا حذر[1] # و إنّما الحزم سوء الظّنّ بالنّاس

لقد أتاك و قد أدّى أمانته # فاجعل صيانته في بطن أرماس‏

/قال: فضحك يزيد و قال: صدقت لعمري. و خرّق الكتاب، و أمر بإحراقه.

انقطع إلى محمد بن يزيد بعد موت أبيه ثم هجره‏

حدّثني عمّي و جحظة، قالا: حدّثنا عليّ بن الحسين بن عبد الأعلى، قال: حدّثني أبو محلّم، و حدّثني عمّي، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة، قال:

كان مسلم بن الوليد صديقا ليزيد بن مزيد و مدّاحا له، فلما مات انقطع إلى ابنه محمد بن يزيد، و مدحه كما مدح أباه، فلم يصنع إليه خيرا، و لم يرضه ما فعله به، فهجره و انقطع عنه، فكتب إليه يستحفيه‏[2]و يلومه على انقطاعه عنه، و يذكّره حقوق أبيه عليه، فكتب إليه مسلم:

لبست عزاء عن لقاء محمد # و أعرضت عنه منصفا و ودودا

و قلت لنفس قادها الشّوق نحوه # فعوّضها حبّ اللّقاء صدودا

هبيه امرأ قد كان أصفاك ودّه # فمات و إلاّ فاحسبيه يزيدا

لعمري لقد ولّى فلم ألق بعده # وفاء لذي عهد يعدّ حميدا

مات يزيد ببرذعة فرثاه مسلم‏

أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني أحمد بن محمد بن أبي سعد، قال:

أهديت إلى يزيد بن مزيد جارية و هو يأكل، فلما رفع الطّعام من بين يديه وطئها فلم ينزل عنها، إلا ميّتا، و هو ببرذعة[3]، فدفن في مقابر برذعة، و كان مسلم معه في صحابته فقال يرثيه:

/

قبر ببرذعة استسرّ ضريحه # خطرا تقاصر دونه الأخطار

أبقى الزّمان على ربيعة بعده # حزنا كعمر الدّهر ليس يعار

سلكت بك العرب السّبيل إلى العلا # حتى إذا بلغوا المدى بك حاروا

و يروى:

حتى إذا سبق الرّدى بك حاروا[4]

-هكذا أنشده الأخفش-:

نفضت بك الأحلاس نفض إقامة # و استرجعت روّادها الأمصار

فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة # أثنى عليها السّهل و الأوعار

[1]في الديوان-324، و عيون الأخبار: «تخريقه» .

[2]استحفاء: استخبره. و في مي، ما: «يستجفيه» .

[3]برذعة: بلد في أقصى أذربيجان.

[4]في مي، مج:

«حتى إذا بلغوا المداخل جاروا»

. و في ف:

«حتى إذا بلغوا المدى بك جاروا»

.

32

قصة راويته الّذي أرسله إلى داود بن يزيد المهلبي‏

نسخت من كتاب جدّي يحيى بن محمد بن ثوابة: حدّثني الحسن بن سعيد، عن أبيه، قال:

كان داود بن يزيد بن حاتم المهلّبيّ يجلس للشّعراء في السّنة مجلسا واحدا فيقصدونه لذلك اليوم و ينشدونه، فوجّه إليه مسلم بن الوليد راويته بشعره الّذي يقول فيه:

جعلته حيث ترتاب الرّياح به # و تحسد الطّير فيه أضبع البيد[1]

فقدم عليه يوم جلوسه للشّعراء، و لحقه بعقب خروجهم عنه، فتقدّم إلى الحاجب و حسر لثامه عن وجهه ثم قال له: استأذن لي على الأمير. قال: و من أنت؟قال: شاعر. قال: قد انصرم وقتك، و انصرف الشّعراء، و هو على القيام. فقال له: ويحك/قد وفدت على الأمير بشعر ما قالت العرب مثله. قال: و كان مع الحاجب أدب يفهم به ما يسمع، فقال: هات حتى أسمع، فإن كان الأمر كما ذكرت أوصلتك إليه. فأنشده بعض القصيدة، فسمع شيئا يقصر الوصف عنه، فدخل على داود فقال له: قد قدم على الأمير شاعر بشعر ما قيل فيه مثله، فقال: أدخل قائله.

فأدخله، فلمّا مثل بين يديه سلّم و قال: قدمت على الأمير-أعزّه اللّه-بمدح يسمعه فيعلم به تقدّمي على غيري ممّن امتدحه. فقال: هات. فلما افتتح القصيدة و قال:

لا تدع بي الشّوق إني غير معمود # نهى النّهى عن هوى البيض الرّعاديد[2]

استوى جالسا و أطرق، حتى أتى الرّجل على آخر الشّعر، ثم رفع رأسه إليه ثم قال: أ هذا شعرك؟قال: نعم أعزّ اللّه الأمير، قال: في كم قلته يا فتى؟قال: في أربعة أشهر، أبقاك اللّه، قال: لو قلته في ثمانية أشهر لكنت محسنا، و قد اتّهمتك لجودة شعرك و خمول ذكرك، فإن كنت قائل هذا الشّعر فقد أنظرتك أربعة أشهر في مثله، و أمرت بالإجراء عليك، فإن جئتنا بمثل هذا الشّعر وهبت لك مائة ألف درهم و إلا حرمتك. فقال: أو الإقالة، أعزّ اللّه الأمير. قال: أقلتك، قال: الشّعر لمسلم بن الوليد، و أنا راويته و الوافد عليك بشعره. فقال: [3]أنا ابن حاتم‏[3]، إنّك لمّا افتتحت شعره فقلت:

لا تدع بي الشّوق إنّي غير معمود

سمعت كلام مسلم يناديني فأجبت نداءه و استويت جالسا. ثم قال: يا غلام، أعطه عشرة آلاف درهم، و احمل السّاعة إلى مسلم مائة ألف درهم.

أنشد الفضل بن سهل شعرا فولاه البريد بجرجان‏

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني مسعود بن عيسى العبديّ، قال: أخبرني موسى بن عبد اللّه التّميميّ، قال:

دخل مسلم بن الوليد الأنصاريّ على الفضل بن سهل لينشده شعرا، فقال له: أيّها الكهل، إنّي أجلّك عن الشّعر فسل حاجتك، قال: بل تستتمّ اليد عندي بأن تسمع، فأنشده:

[1]في مي، مج: «أسبع» بدل: «أضبع» .

[2]في الديوان-151:

«نهى النهي عن هوى الهيف الرعاديد»

.

(3-3) التكملة من ما، ساقطة من مي، مج.

33

دموعها من حذار البين تنسكب # و قلبها مغرم من حرّها يجب

جدّ الرّحيل به عنها ففارقها # لبينه اللّهو و اللّذّات و الطّرب

يهوى المسير إلى مرو و يحزنه # فراقها فهو ذو نفسين يرتقب‏

فقال له الفضل: إني لأجلّك عن الشعر، قال: فأغنني بما أحببت من عملك؛ فولاّه البريد بجرجان.

قال بيتا من الشعر أخذ معناه من التوراة

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني الحسين بن أبي السّريّ.

و أخبرني بهذه الأخبار محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد الورّاق، عن الحسين بن أبي السّريّ قال: قيل لمسلم بن الوليد: أيّ شعرك أحبّ إليك؟قال: إن في شعري لبيتا أخذت معناه من التّوراة، و هو قولي:

دلّت على عيبها الدّنيا و صدّقها # ما استرجع الدّهر ممّا كان أعطاني‏

قذف في البحر بدفتر فيه شعره فقلّ شعره‏

قال الحسين: و حدّثني جماعة من أهل جرجان أنّ راوية مسلم جاء إليه بعد أن تاب ليعرض عليه شعره، فتغافله مسلم، ثم أخذ منه الدّفتر الّذي في يده، فقذف به في البحر، فلهذا قلّ شعره، فليس في أيدي النّاس منه إلا ما كان بالعراق، و ما كان في أيدي الممدوحين من مدائحهم.

كان يكره لقب صريع الغواني‏

قال الحسين: و حدّثني الحسين بن دعبل، قال: قال أبي لمسلم: ما معنى ذلك:

لا تدع بي الشّوق إنّي غير معمود

قال: لا تدعني صريع الغواني فلست كذلك؛ و كان يلقّب هذا اللّقب و كان له كارها.

عتب عليه عيسى بن داود ثم رضي عنه‏

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال: عتب عيسى بن داود[1] على مسلم بن الوليد فهجره، و كان إليه محسنا، فكتب إليه مسلم:

شكرتك للنّعمى فلمّا رميتني # بصدّك تأديبا شكرتك في الهجر

فعندي للتّأديب شكر و للنّدى # و إن شئت كان العفو أدعى‏[2]إلى الشّكر

إذا ما اتّقاك‏[3]المستليم بعذره # فعفوك خير من ملام على عذر

قال: فرضي عنه و عاد له إلى حاله.

[1]كذا في مي، مج. و في ف: «عيسى برد أبيرود» . و في ما: «عيسى بن يزد أبيرود»

[2]في ما و الديوان-319: «أدنى» ، و المثبت من ف، مي، مج.

[3]في ما: و الديوان-319: «إذا ما التقاك» .

34

كان بخيلا

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن الأشعث، قال: حدّثني دعبل بن عليّ، قال:

كان مسلم بن الوليد من أبخل الناس، فرأيته يوما و قد استقبل الرّضا عن غلام له بعد موجدة، فقال له: قد رضيت عنك و أمرت لك بدرهم.

يذمه دعبل عند الفضل بن سهل فيهجوه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عمرو بن سعيد قال:

خرج دعبل إلى خراسان لمّا بلغه حظوة مسلم بن الوليد عند الفضل بن سهل. فصار إلى مرو، و كتب إلى الفضل بن سهل:

لا تعبأن بابن الوليد فإنه # يرميك بعد ثلاثة بملال

إنّ الملول و إن تقادم عهده # كانت مودّته كفي‏ء ظلال‏

قال: فدفع الفضل إلى مسلم الرّقعة و قال له: انظر يا أبا الوليد إلى رقعة دعبل فيك، فلمّا قرأها قال له: هل عرفت لقب دعبل و هو غلام أمرد و هو يفسق به؟قال: لا، قال: كان يلقّب بميّاس، ثم كتب إليه:

ميّاس قل لي: أين أنت من الورى # لا أنت معلوم‏[1]و لا مجهول!

أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونه # و المدح عنك كما علمت جليل

فاذهب فأنت طليق عرضك إنّه # عرض عززت به و أنت ذليل‏

ما جرى بينه و بين دعبل بسبب جارية

أخبرني محمد بن الحسين الكنديّ الكوفيّ مؤدّبي، قال: حدّثني أزهر بن محمد، قال:

حدّثني الحسين بن دعبل، قال: سمعت أبي يقول: بينا أنا جالس بباب الكرخ إذ مرّت بي جارية لم أر أحسن منها وجها و لا قدّا تتثنّى في مشيها و تنظر في أعطافها، فقلت متعرّضا لها:

دموع عيني بها انبساط # و نوم عيني به انقباض‏

/فأجابتني بسرعة فقالت:

و ذا قليل لمن دهته # بلحظها الأعين المراض‏

فأدهشتني و عجبت منها فقلت:

فهل لمولاي عطف قلب # و للّذي في الحشا انقراض‏

فأجابتني غير متوقّفة فقالت:

إن كنت تهوى الوداد منا # فالودّ في ديننا قراض‏

[1]في ف، مي، مج: معقول.

35

قال: فما دخل أذني كلام قطّ أحلى من كلامها، و لا رأيت أنضر وجها منها، فعدلت بها عن ذلك الشعر[1] و قلت:

أ ترى الزّمان يسرّنا بتلاق # و يضمّ مشتاقا إلى مشتاق‏

فأجابتني بسرعة فقالت:

ما للزّمان و للتّحكّم بيننا # أنت الزّمان فسرّنا بتلاق‏

قال: فمضيت أمامها أؤمّ بها دار مسلم بن الوليد و هي تتبعني، فصرت إلى منزله، فصادفته على عسرة، فدفع إليّ منديلا و قال: اذهب فبعه، و خذ لنا ما نحتاج إليه و عد؛ فمضيت مسرعا. فلما رجعت وجدت مسلما قد خلا بها في سرداب، فلما أحسّ بي وثب إليّ و قال: عرّفك اللّه يا أبا عليّ جميل ما فعلت، و لقّاك ثوابه، و جعله أحسن حسنة لك، فغاظني قوله و طنزه‏[2]، و جعلت أفكّر أيّ شي‏ء أعمل به، فقال: بحياتي يا أبا عليّ أخبرني من الّذي يقول:

بتّ في درعها و بات رفيقي # جنب القلب طاهر الأطراف‏

/فقلت:

من له في حر امّه ألف قرن # قد أنافت على علوّ مناف!

و جعلت أشتمه و أثب‏[3]عليه، فقال لي: يا أحمق، منزلي دخلت، و منديلي بعت، و دراهمي أنفقت، على من تحرد أنت؟و أيّ شي‏ء سبب حردك يا قوّاد؟فقلت له: مهما كذبت عليّ فيه من شي‏ء فما كذبت في الحمق و القيادة.

هجاؤه ثلاثة كانوا يصلونه أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه و العنزيّ، عن محمد بن عبد اللّه العبديّ، قال:

هجا مسلم بن الوليد سعيد بن سلم و يزيد بن مزيد و خزيمة بن خازم فقال:

ديونك لا يقضى الزّمان غريمها # و بخلك بخل الباهليّ سعيد

سعيد بن سلم أبخل‏[4]النّاس كلّهم # و ما قومه من بخله ببعيد

يزيد له فضل و لكنّ مزيدا # تدارك فينا بخله بيزيد[5]

خزيمة لا عيب له‏[6]غير أنه # لمطبخه قفل و باب حديد

هجاؤه سعيد بن سلم أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة، قال: حدّثنا الأصمعيّ، قال:

قال لي سعيد بن سلم: قدمت عليّ امرأة من باهلة من اليمامة، فمدحتني بأبيات، ما تمّ سروي بها حتى [1]في ما: «الوجه» .

[2]طنزه: سخريته و تهكمه.

[3]ف: «و أبث عليه» .

[4]في الديوان-271:

«سعيد بن سلم ألأم الناس كلهم»

.

[5]في الديوان-271:

«تدارك أقصى مجده بيزيد»

.

[6]في الديوان-271:

«خزيمة لا بأس به غير أنه»

.

36

نغّصنيها مسلم بن الوليد بهجاء بلغني أنّه هجاني به، فقلت: ما الأبيات الّتي مدحت بها؟فأنشدني:

/

قتيبة قيس ساد قيسا و سلمها # فلما تولّى ساد قيسا سعيدها

و سيّد قيس سيّد النّاس كلّها # و إن مات من رغم و ذلّ حسودها

هم رفعوا كفّيك بالمجد و العلا # و من يرفع الأبناء إلا جدودها

إذا مدّ للعليا سعيد يمينه # ثنت كفّه عنها أكفّا تريدها

قال الأصمعيّ: فقلت له: فبأيّ شي‏ء نغّصها عليك مسلم؟فضحك و قال: كلّفتني شططا، ثم أنشد:

و أحببت من حبّها[1]الباخلين # حتى و مقت ابن سلم سعيدا

إذا سيل عرفا كسا وجهه # ثيابا من النّقع صفرا و سودا[2]

يغار[3]على المال فعل الجوا # د و تأبى خلائقه أن يجودا

يهجو بعض الكتاب لأنه لم يعجبه شعره‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا الكرانيّ، قال: حدّثني النّوشجانيّ الخليل بن أسد، قال: حدّثني عليّ بن عمرو، قال:

وقف بعض الكتّاب على مسلم بن الوليد و هو ينشد شعرا له في محفل، فأطال ثم انصرف، و قال لرجل كان معه: ما أدري أيّ شي‏ء أعجب الخليفة و الخاصّة من شعر هذا؟فو اللّه ما سمعت منه طائلا، فقال مسلم: ردّوا عليّ الرّجل، فردّ إليه، فأقبل عليه ثم قال:

أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونه # و المدح عنك كما علمت جليل

فاذهب فأنت طليق عرضك إنه # عرض عززت به و أنت ذليل‏

كان أستاذا لدعبل ثم تخاصما و لم يلتقيا

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد الورّاق، قال: حدّثني الحسين بن أبي السّريّ، قال:

كان مسلم بن الوليد أستاذ دعبل و عنه أخذ، و من بحره استقى. و حدّثني دعبل أنّه كان لا يزال يقول الشّعر فيعرضه على مسلم، فيقول له: إيّاك أن يكون أوّل ما يظهر لك ساقطا فتعرف به، ثم لو قلت كلّ شي‏ء جيّدا كان الأوّل أشهر عنك، و كنت أبدا لا تزال تعيّر به، حتّى قلت:

أين الشّباب و أيّة سلكا

فلما سمع هذه قال لي: أظهر الآن شعرك كيف شئت.

قال الحسن: و حدّثني أبو تمّام الطّائيّ قال:

[1]في ما: «من أجلها» .

[2]في الديوان-270:

«ثيابا من اللؤم حمرا و سودا»

.

[3]في ف: «أغار» . و في الديوان-270: «يغير» . ـ

37

ما زال دعبل متعصّبا لمسلم، مائلا إليه، معترفا بأستاذيّته حتى ورد عليه جرجان، فجفاه مسلم، و هجره دعبل، فكتب إليه:

أبا مخلد كنّا عقيدي مودّة # هوانا و قلبانا جميعا معا معا

أحوطك بالغيب الّذي أنت حائطي # و أجزع إشفاقا بأن تتوجّعا[1]

فصيّرتني بعد انتكاثك‏[2]متهما # لنفسي عليها أرهب الخلق أجمعا

غششت الهوى حتى تداعت أصوله # بنا و ابتذلت الوصل حتى تقطّعا

و أنزلت من بين الجوانح و الحشا # ذخيرة ودّ طال ما قد تمنّعا

فلا تلحينّي ليس لي فيك مطمع # تخرّقت حتى لم أجد لك مرقعا

فهبك يميني استأكلت فقطعتها # و جشّمت قلبي صبره فتشجّعا[3]

/قال: ثم تهاجرا بعد ذلك، فما التقيا حتى ماتا.

محمد بن أبي أمية يمزح معه‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا أحمد بن أبي طاهر، قال: أخبرني أحمد بن أبي أميّة، قال: لقي أخي محمد بن أبي أميّة مسلم بن الوليد و هو يتثنّى‏[4]، و رواته مع بعض أصحابه‏[5]، فسلّم عليه، ثم قال له: قد حضرني شي‏ء.

فقال: هاته، قال: على أنه مزاح و لا تغضب، قال: هاته و لو كان شتما، فأنشدته:

من رأى فيما خلا رجلا # تيهه أربى على جدته

يتمشّى راجلا و له # شاكريّ في قلنسيته‏

فسكت عنه مسلم و لم يجبه، و ضحك ابن أبي أميّة و افترقا.

لقي محمد بن أبي أمية بعد موت برذونه فردّ عليه مزاحه‏

قال: و كان لمحمد برذون يركبه فنفق، فلقيه مسلم و هو راجل، فقال: ما فعل برذونك؟قال: نفق، قال:

فنجازيك إذا على ما أسلفتناه، ثم أنشده:

قل لابن ميّ لا تكن جازعا # لن يرجع البرذون باللّيث‏[6]

طامن أحشاءك فقدانه‏[7] # و كنت فيه عالي الصّوت‏

[1]المختار:

«من أن يتوجعا»

. و في ف:

«أحوطك بالغيب الّذي لست حائطي»

.

[2]المختار:

«بعد انتهابك»

.

[3]المختار:

«صبوة فتجشعا»

بدل:

«صبره فتجشعا»

.

[4]في ما: «يمشي» .

[5]في مي: «و طويلته مع بعض أصحابه» .

[6]في الديوان-282:

«ليس على البرذون من فوت»

. و البرذون: ضرب من الدواب يخالف الخيل العراب، عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء.

[7]في الديوان-282:

«طأطأ من تيهك فقدانه»

.

38

و كنت لا تنزل عن ظهره # و لو من الحشّ‏[1]إلى البيت

ما مات من سقم و لكنّه‏[2] # مات من الشّوق إلى الموت‏

أبو تمام يحفظ شعره و شعر أبي نواس‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: حدّثني أحمد بن سعيد الحريريّ أنّ أبا تمّام حلف ألاّ يصلّي حتى يحفظ شعر مسلم و أبي نواس، فمكث/شهرين كذلك حتى حفظ شعرهما. قال: و دخلت عليه فرأيت شعرهما بين يديه، فقلت له: ما هذا؟فقال: اللاّت و العزّى و أنا أعبدهما من دون اللّه.

اجتمع مع أبي نواس فتناشدا شعرهما

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني سمعان بن عبد الصّمد، قال: حدّثني دعبل بن عليّ، قال:

كان أبو نواس يسألني أن أجمع بينه و بين مسلم بن الوليد؛ و كان مسلم يسألني أن أجمع بينه و بين أبي نواس، و كان أبو نواس إذا حضر تخلّف مسلم، و إذا حضر مسلم تخلّف أبو نواس، إلى أن اجتمعا، فأنشده أبو نواس:

أ جارة بيتينا أبوك غيور # و ميسور ما يرجى لديك عسير

و أنشده مسلم:

للّه من هاشم في أرضه جبل # و أنت و ابنك ركنا ذلك الجبل‏

فقلت لأبي نواس: كيف رأيت مسلما؟فقال: هو أشعر النّاس بعدي. و سألت مسلما و قلت: كيف رأيت أبا نواس؟فقال: هو أشعر الناس و أنا بعده.

أمر له ذو الرئاستين بمال عظيم بعد أن أنشده شعرا شكا فيه حاله‏

أخبرني الحسن، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني إبراهيم بن عبد الخالق الأنصاريّ من ولد النّعمان بن بشير، قال: حدّثني مسلم بن الوليد، قال:

وجّه إليّ ذو الرّئاستين، فحملت إليه، فقال: أنشدني قولك:

بالغمر من زينب أطلال # مرّت بها بعدك أحوال‏

فأنشدته إيّاها حتّى انتهيت إلى قولي:

و قائل ليست له همّة # كلاّ و لكن ليس لي مال

و همّة المقتر أمنيّة # همّ مع الدّهر[3]و أشغال

/لا جدة أنهض عزمي بها[4] # و الناس سؤّال و بخّال‏

[1]الحش: البستان.

[2]في الديوان-282:

«ما مات من حتف و لكنه»

.

[3]الديوان-121:

«عون على الدهر»

.

[4]في الديوان-150:

«لا حدة تنهض في عزمها»

.

39

فاقعد مع الدّهر إلى دولة # ترفع فيها حالك الحال‏[1]

قال: فلمّا أنشدته هذا البيت قال: هذه و اللّه الدّولة الّتي ترفع حالك‏[2]. و أمر لي بمال عظيم و قلّدني-أو قال قبّلني-جوز جرجان‏[3].

هجا معن بن زائدة و يزيد بن مزيد فهدده الرشيد

حدّثني جحظة، قال: حدّثني ميمون بن هارون، قال:

كان مسلم بن الوليد قد انحرف عن معن بن زائدة بعد مدحه إياه، لشي‏ء أوحشه منه، فسأله يزيد بن مزيد أن يهبه له، فوعده و لم يفعل، فتركه يزيد خوفا منه، فهجاه هجاء كثيرا، حتى حلف له الرشيد إن عاود هجاءه قطع لسانه، فمن ذلك قوله فيه:

يا معن إنّك لم تزل في خزية # حتى لففت أباك في الأكفان

فاشكر بلاء الموت عندك إنّه # أودى بلؤم الحيّ من شيبان‏

قال: و هجا أيضا يزيد بن مزيد بعد مدحه إياه فقال:

أ يزيد يا مغرور ألأم من مشى # ترجو الفلاح و أنت نطفة[4]مزيد

إن كنت تنكر منطقي فاصرخ به # يوم العروبة[5]عند باب المسجد

في من يزيد فإن أصبت بمزيد # فلسا فهاك على مخاطرة يدي‏

/هكذا روى جحظة في هذا الخبر، و الشّعران جميعا في يزيد بن مزيد، فالأوّل منهما أوّله:

أ يزيد إنّك لم تزل في خزية

و هكذا هو في شعر مسلم. و لم يلق مسلم معن بن زائدة، و لا له فيه مدح و لا هجاء.

رثاؤه يزيد بن مزيد

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثنا محمد بن عبد اللّه بن جشم، قال:

كان يزيد بن مزيد قد سأل مسلم بن الوليد عما يكفيه و يكفي عياله، فأخبره فجعله جراية له، ثم قال: ليس هذا مما تحاسب به بدلا من جائزة أو ثواب مديح. فكان يبعث به إليه في كلّ سنة، فلمّا مات يزيد رثاه مسلم فقال:

أ حقّا أنّه أودى يزيد # تبيّن أيّها النّاعي المشيد!

أ تدري من نعيت و كيف دارت # به شفتاك دار بها الصّعيد[6]

[1]في الديوان-150:

«فاصبر مع الدهر... # تحمل فيها... »

.

[2]في مي، مج: «الّتي ترفع حالك الخال» . و في المختار: «هذه الدولة الّتي يرفع فيها حالك» .

[3]ما: «حوز» . و لعلها جوزحانان أو جوزجان، و هما واحد. اسم لكورة واسعة من كور بلخ بخراسان. و قبّله: جعله يلتزم العمل.

[4]في ف: «خلفة» .

[5]يوم العروبة: يوم الجمعة، و هو من أسمائها القديمة.

[6]في الديوان-147:

تأمل من نعيت و كيف فاهت # به شفتاك كان بها الصعيد

40

أحامي المجد و الإسلام أودى # فما للأرض ويحك لا تميد!

تأمّل هل ترى الإسلام مالت # دعائمه و هل شاب الوليد

و هل شيمت سيوف بني نزار # و هل وضعت عن الخيل اللّبود

و هل تسقي البلاد عشار[1]مزن # بدرّتها و هل يخضرّ عود

أ ما هدّت لمصرعه نزار # بلى و تقوّض المجد المشيد

و حلّ ضريحه إذ حلّ فيه # طريف المجد و الحسب التّليد

/أما و اللّه ما تنفكّ عيني # عليك بدمعها أبدا تجود

و إن تجمد دموع لئيم قوم # فليس لدمع ذي حسب جمود

أبعد يزيد تختزن البواكي # دموعا أو تصان لها خدود

لتبكك قبّة الإسلام لمّا # وهت أطنابها و وهى العمود

و يبكك شاعر لم يبق دهر # له نشبا و قد كسد القصيد

فإن يهلك يزيد فكلّ حيّ # فريس للمنيّة أو طريد

هكذا في الخبر، و القصيدة للتّيميّ.

مدح الفضل بن سهل‏

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ، قال: حدّثنا الهشاميّ، قال: حدّثني عبد اللّه بن عمرو، قال: حدّثني موسى بن عبد اللّه التّميميّ، قال: دخل مسلم بن الوليد على الفضل بن سهل، فأنشده قوله فيه:

لو نطق الناس أو أنبوا بعلمهم # و نبّهت عن معالي دهرك الكتب‏[2]

لم يبلغوا منك أدنى ما تمت به # إذا تفاخرت الأملاك و انتسبوا

فأمر له عن كلّ بيت من هذه القصيدة بألف درهم.

رثاؤه الفضل بن سهل‏

ثم قتل الفضل فقال يرثيه:

ذهلت فلم أنقع غليلا بعبرة # و أكبرت أن ألقى بيومك ناعيا

فلمّا بدا لي أنّه لاعج الأسى # و أن ليس إلا الدّمع للحزن شافيا

أقمت لك الأنواح ترتدّ بينها # مآتم تندبن‏[3]النّدى و المعاليا

و ما كان منعى الفضل منعاة واحد[4] # و لكنّ منعى الفضل كان مناعيا

/أ للبأس أم للجود أم لمقاوم # من الملك يزحمن الجبال الرّواسيا!

[1]في ما، و الوفيات: ثقال مزن. و عشار معدول عن عشرة عشرة، يقال: جاءوا عشار أي جاءوا عشرة عشرة.

[2]في الديوان-304:

«... أو أثنوا بعلمهم»

. و في المختار:

«و نبأت عن معالي دهرك»

.

[3]ف:

«تبدين الندى و المعاليا»

.

[4]و في ف و الديوان-346:

«منعى و حادة»

. و في ما و المختار:

«منعى و جادة»

.

41

عفت بعدك الأيّام لا بل تبدّلت # و كنّ كأعياد فعدن مباكيا

فلم أر إلاّ قبل يومك ضاحكا # و لم أر إلا بعد يومك باكيا

عابه العباس بن الأحنف في مجلس فهجاه‏

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ، قال: حدّثنا محمد بن عجلان، قال: حدّثنا يعقوب بن السّكّيت، قال:

أخبرني محمد بن المهنّأ، قال:

كان العبّاس بن الأحنف مع إخوان له على شراب، فذكروا مسلم بن الوليد، فقال بعضهم: صريع الغواني، فقال العبّاس: ذاك ينبغي أن يسمّى صريع الغيلان لا صريع الغواني، و بلغ ذلك مسلما فقال يهجوه:

بنو حنيفة لا يرضى الدّعيّ بهم # فاترك حنيفة و اطلب غيرها نسبا

فاذهب فأنت طليق الحلم‏[1]مرتهن # بسورة الجهل ما لم أملك الغضبا

اذهب إلى عرب ترضى بنسبتهم # إني أرى لك خلقا يشبه العربا

منّيت منّي و قد جدّ الجراء[2]بنا # بغاية منعتك الفوت و الطّلبا

ينصرف عن هجاء خزيمة بن خازم و يتمسك بهجاء سعيد بن سلم‏

أخبرني محمد بن يزيد، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، عن جدّه، قال: قلت لمسلم بن الوليد:

ويحك!أما استحييت من النّاس حين تهجو خزيمة بن خازم، و لا استحييت منا و نحن إخوانك، و قد علمت أنّا نتولاّه و هو من تعرف فضلا و جودا؟فضحك، و قال لي: يا أبا إسحاق، لغيرك الجهل، أ ما تعلم أنّ الهجاء آخذ بضبع الشّاعر و أجدّى عليه من المديح المضرع؟و ما ظلمت مع ذلك منهم أحدا، /ما مضى فلا سبيل إلى ردّه، و لكن قد وهبت لك عرض خزيمة بعد هذا. قال: ثم أنشدني قوله في سعيد بن سلم:

ديونك لا يقضى الزّمان غريمها # و بخلك بخل الباهليّ سعيد

سعيد بن سلم أبخل الناس كلّهم # و ما قومه من بخله ببعيد

فقلت له: و سعيد بن سلم صديقي أيضا، فهبه لي، فقال: إن أقبلت على ما يعنيك، و إلا رجعت فيما وهبت لك من خزيمة، فأمسكت عنه راضيا بالكفاف.

مدح محمد بن يزيد بن مزيد ثم انصرف عنه‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني عبد اللّه بن محمد بن موسى بن عمر بن حمزة بن بزيع، قال: حدّثني عبد اللّه بن الحسن اللّهبيّ، قال:

كان مسلم بن الوليد مدّاحا ليزيد بن مزيد، و كان يؤثره و يقدّمه و يجزل صلته، فلما مات وفد على ابنه محمد، فمدحه و عزّاه عن أبيه، و أقام ببابه أيّاما فلم ير منه ما يحبّ، فانصرف عنه و قال فيه:

لبست عزاء عن لقاء محمد # و أعرضت عنه منصفا و ودودا

[1]في الديوان-259:

«فاقعد فأنت طليق العفو مرتهن»

.

[2]في الديوان-259:

«و قد هاج الرهان»

. و الجراء: الفتوة.

42

و قلت لنفس قادها الشّوق نحوه # فعوّضها منه اللّقاء صدودا[1]

هبيه امرأ قد كان أصفاك ودّه # و مات و إلا فاحسبيه يزيدا

لعمري لقد ولّى فلم ألق بعده # وفاء لذي عهد يعدّ حميدا

مدح الفضل بن يحيى فأجزل له العطاء و وهبه جارية أعجبته بعد أن قال فيها شعرا

أخبرني حبيب بن نصر، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود، قال:

/دخل مسلم بن الوليد يوما على الفضل بن يحيى، و قد كان أتاه خبر مسيره، فجلس للشّعراء فمدحوه و أثابهم، و نظر في حوائج النّاس فقضاها، و تفرّق النّاس عنه، و جلس للشّرب، و مسلم غير حاضر لذلك، و إنّما بلغه حين انقضى المجلس، فجاءه فأدخل إليه فاستأذن في الإنشاد، فأذن له، فأنشده قوله فيه:

أتتك المطايا تهتدي بمطيّة # عليها فتى كالنّصل مؤنسه النّصل‏

يقول فيها:

وردت‏[2]رواق الفضل آمل فضله # فحطّ الثّناء الجزل نائله الجزل

فتى ترتعي الآمال مزنة جوده‏[3] # إذا كان مرعاها الأمانيّ و المطل‏

تساقط يمناه النّدى و شماله الرّدى و عيون القول منطقه الفصل

ألحّ على الأيام يفري خطوبها # على منهج ألفى أباه به قبل

أناف به العلياء يحيى و خالد # فليس له مثل و لا لهما مثل

فروع أصابت مغرسا متمكّنا # و أصلا فطابت حيث وجّهها الأصل‏[4]

بكفّ أبي العبّاس يستمطر الغنى # و تستنزل النّعمى و يسترعف النّصل‏

قال: فطرب الفضل طربا شديدا، و أمر بأن تعدّ الأبيات، فعدّت فكانت ثمانين بيتا فأمر له بثمانين ألف درهم، و قال: لو لا أنّها أكثر ما وصل به الشّعراء لزدتك، و لكنّه شأو لا يمكنني أن أتجاوزه-يعني أنّ الرشيد رسمه لمروان بن أبي/حفصة-و أمره بالجلوس معه و المقام عنده لمنادمته، فأقام عنده، و شرب معه، و كان على رأس الفضل وصيفة تسقيه كأنها لؤلؤة، فلمح الفضل مسلما ينظر إليها، فقال: قد-و حياتي يا أبا الوليد-أعجبتك، فقل فيها أبياتا حتى أهبها لك، فقال:

إن كنت تسقين غير الرّاح فاسقيني # كأسا ألذّ بها من فيك تشفيني

عيناك راحي، و ريحاني حديثك لي، # و لون خدّيك لون الورد يكفيني

إذا نهاني عن شرب الطّلا حرج # فخمر عينيك يغنيني و يجزيني‏

[1]في الديوان-310:

«فعوضها حب اللقاء صدودا»

.

[2]في الديوان-263:

«وردن رواق الفضل فضل ابن جعفر»

.

[3]في ما: «فضله» . و في المختار:

«الأماني و البطل»

.

[4]في ما: «فطالت» . و في الديوان-264:

فروع تلقتها المغارس فاعتلى # بها عاطفا أعناقها قصده الأصل‏

43

لو لا علامات شيب لو أتت وعظت # لقد صحوت و لكن سوف تأتيني

أرضي الشّباب فإن أهلك فعن قدر # و إن بقيت فإن الشّيب يشقيني‏[1]

فقال له: خذها بورك لك فيها. و أمر بتوجيهها مع بعض خدمها إليه.

ماتت زوجته فجزع عليها و تنسك‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أحمد بن إبراهيم، قال:

كانت لمسلم بن الوليد زوجة من أهله، كانت تكفيه أمره و تسرّه فيما تليه له‏[2]منه، فماتت فجزع عليها جزعا شديدا، و تنسّك مدّة طويلة، و عزم على ملازمة ذلك، فأقسم عليه بعض إخوانه ذات يوم أن يزوره ففعل، فأكلوا و قدّموا الشّراب، فامتنع منه مسلم و أباه، و أنشأ يقول:

بكاء و كأس، كيف يتّفقان؟[3] # سبيلاهما في القلب مختلفان

دعاني و إفراط البكاء فإنّني # أرى اليوم فيه غير ما تريان

غدت و الثّرى أولى بها من وليّها # إلى منزل ناء لعينك دان

/فلا حزن حتى تذرف العين ماءها # و تعترف الأحشاء للخفقان

و كيف بدفع اليأس للوجد بعدها # و سهماهما[4]في القلب يعتلجان!

هاجاه ابن قنبر فأمسك عنه بعد أن بسط لسانه فيه‏

أخبرني حبيب بن نصر، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني عليّ بن الصّبّاح، قال: حدّثني مالك بن إبراهيم، قال:

كان مسلم بن الوليد يهاجي الحكم بن قنبر المازنيّ، فغلب عليه ابن قنبر مدة و أخرسه، ثم أثاب مسلم بعد أن انخزل و أفحم، فهتك ابن قنبر حتى كفّ عن مناقضته، فكان يهرب منه، فإذا لقيه مسلم قبض عليه و هجاه و أنشده ما قاله فيه فيمسك عن إجابته؛ ثم جاءه ابن قنبر إلى منزله و اعتذر إليه ممّا سلف، و تحمّل عليه بأهله و سأله الإمساك، فوعده بذلك، فقال فيه:

حلم ابن قنبر حين أقصر جهله # هل كان يحلم شاعر عن شاعر؟

ما أنت بالحكم الّذي سمّيته # غالتك حلمك هفوة من قاهر

لو لا اعتذارك لارتمى بك زاخر # مرح العباب يفوت طرف النّاظر

لا ترتعن لحمى لسانك بعدها # إنّي أخاف عليك شفرة جازر

و استغنم العفو الّذي أوتيته # لا تأمننّ عقوبة من قادر

[1]في الديوان-344:

«... فإن الشيب يسليني»

.

[2]المختار: «و تستره عن الناس بمالها» .

[3]المختار: «يجتمعان» .

[4]في ف، ما: «و همّاهما» .

44

مسلم و ابن قنبر يتهاجيان في مسجد الرصافة

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه أبو بكر العبديّ، قال:

رأيت مسلم بن الوليد و ابن قنبر في مسجد الرّصافة في يوم جمعة، و كل واحد منهما بإزاء صاحبه، و كانا يتهاجيان، فبدأ مسلم فقال:

أنا النّار في أحجارها مستكنّة # فإن كنت ممن يقدح النّار فاقدح‏

/فأجابه ابن قنبر فقال:

قد كنت تهوي و ما قوسي بموترة # فكيف ظنّك بي و القوس في الوتر

قال: فوثب إليه مسلم و تواخزا[1]و تواثبا، و حجز الناس بينهما فتفرّقا.

لامه رجل من الأنصار على انخزاله أمام ابن قنبر فعاد إلى هجائه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن عبيد الكوفيّ، قال: حدّثني عليّ بن عمروس الأنصاريّ، قال:

جاء رجل من الأنصار ثم من الخزرج إلى مسلم بن الوليد فقال له: ويلك ما لنا و لك، قد فضحتنا و أخزيتنا، تعرّضت لابن قنبر فهاجيته، حتى إذا أمكنته من أعراضنا انخزلت عنه و أرعيته لحومنا، فلا أنت سكتّ و وسعك ما وسع غيرك، و لا أنت لمّا انتصرت انتصفت. فقال له مسلم: فما أصنع؟فأنا أصبر عليه، فإن كفّ و إلا تحمّلت عليه بإخوانه، فإن كفّ و إلا وكلته إلى بغيه، و لنا شيخ يصوم الدهر و يقوم الليل، فإن أقام على ما هو عليه سألته أن يسهر له ليلة يدعو اللّه عليه فيها فإنها تهلكه، فقال له الأنصاريّ: سخنت عينك!أ و بهذا تنتصف ممن هجاك؟ثم قال له:

قد لاذ من خوف ابن قنبر مسلم # بدعاء والده مع الأسحار

و رأيت شرّ وعيده أن يشتكي # ما قد عراه إلى أخ أو جار

ثكلتك أمّك قد هتكت حريمنا # و فضحت أسرتنا بني النجار

عمّمت خزرجنا و معشر أوسنا # خزيا جنيت به على الأنصار

فعليك من مولّى و ناصر أسرة # و عشيرة غضب الإله الباري‏

قال: فكاد مسلم أن يموت غمّا و بكاء و قال له: أنت شرّ عليّ من ابن قنبر. ثم أثاب و حمي، فهتك ابن قنبر و مزّقه حتى تركه، و تحمّل عليه بابنه و أهله حتى أعفاه من المهاجاة.

رجع الحديث عما وقع بينه و بين ابن قنبر

و نسخت هذا الخبر من كتاب جدّي يحيى بن محمد بن ثوابة بخطه، قال:

حدّثني الحسن بن سعيد، قال: حدّثني منصور بن جمهور قال:

[1]تواخزا: طعن كل منهم صاحبه طعنة غير نافذة.

45

لما هجا ابن قنبر مسلم بن الوليد أمسك عنه مسلم بعد أن أشلى‏[1]عليه لسانه قال: فجاءه عمّ له فقال له:

يا هذا الرجل، إنك عند الناس فوق ابن قنبر في عمود الشعر، و قد بعث‏[2]عليك لسانه ثم أمسكت عنه، فإما أن قارعته أو سالمته. فقال له مسلم: إن لنا شيخا و له مسجد يتهجّد فيه، و له بين ذلك دعوات يدعو بهنّ، و نحن نسأله أن يجعله من بعض دعواته، فإنا نكفاه، فأطرق الرجل ساعة ثم قال:

غلب ابن قنبر و اللئيم مغلّب # لما اتّقيت هجاءه بدعاء

ما زال يقذف بالهجاء و لذعه # حتى اتّقوه بدعوة الآباء!

قال: فقال له مسلم: و اللّه ما كان ابن قنبر يبلغ مني هذا كلّه، فأمسك لسانك عني، و تعرّف خبره بعد هذا.

قال: فبعث-و اللّه-عليه من لسان مسلم ما أسكته. هكذا جاء في الأخبار.

و قد حدّثني بخبر مناقضته ابن قنبر جماعة ذكروا قصائدهما جميعا، فوجدت في الشعر الفضل لابن قنبر عليه، لأن له عدة قصائد لا نقائض لها، يذكر فيها تعريده‏[3]عن الجواب، و قصائد يذكر فيها أنّ مسلما فخر على قريش و على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و رماه بأشياء تبيح دمه، فكفّ مسلم عن مناقضته خوفا منها، و جحد أشياء كان قالها فيه.

فمن أخبرني بذلك هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال:

حدّثني عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن الوليد مولى الأنصار، و كان عالما بشعر مسلم بن الوليد و أخباره، قال:

سبب المهاجاة بينه و بين ابن قنبر

كان سبب المهاجاة بين مسلم بن الوليد و الحكم بن قنبر أنّ الطّرمّاح بن حكيم قد كان هجا بني تميم بقصيدته الّتي يقول فيها:

لا عزّ نصر امرئ أضحى له فرس # على تميم يريد النصر من أحد

إذا دعا بشعار الأزد نفّرهم # كما ينفّر صوت الليث بالنّقد

لو حان ورد تميم ثم قيل لهم: # حوض الرسول عليه الأزد، لم ترد

أو أنزل اللّه وحيا أن يعذّبها # إن لم تعد لقتال الأزد، لم تعد

و هي قصيدة طويلة، و كان الفرزدق أجاب الطّرماح عنها، ثم إن ابن قنبر المازنيّ قال بعد خبر طويل يرد على الطّرمّاح:

يا عاويا هاج ليثا بالعواء له # شئن البراثن ورد اللون ذا لبد[4]

أيّ الموارد هابت جمّ غمرته # بنو تميم على حال فلم ترد

أ لم ترد يوم قندابيل معلمة # بالخيل تضبر نحو الأزد كالأسد[5]

[1]أشلى لسانه: أطلقه.

[2]في مي: «بعثت» .

[3]تعريده: هربه.

[4]في مي: «ذا اللبد» .

[5]قندابيل: مدينة بالسند. و في ف: «قتل أبيك» بدل: «قندابيل» و ضبرت الفرس: جمعت قوائمها و وثبت.

46

بفتية لم تنازعها فتطبعها[1] # بلؤمها طيّى‏ء ثديا و لم تلد

خاضت إلى الأزد بحرا ذا غوارب من # سمر طوال و بحرا من قنا قصد[2]

فأوردتها مناياها بمرهفة # ملس المضارب لم تفلل و لم تكد

و هي قصيدة طويلة. و قد كان الطّرمّاح قال أيضا:

تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا # و لو سلكت طرق المكارم ضلّت

أرى الليل يجلوه النهار و لا أرى # عظام المخازي عن تميم تجلّت‏

/و قد كان الفرزدق أيضا أجابه عنها، و قال ابن قنبر[3]ينقضها:

لعمرك ما ضلّت تميم و لا جرت # على إثر أشياخ عن المجد ضلّت

و لا جبنت بل أقدمت يوم كسّرت # لها الأزد أغماد السّيوف و سلّت

بغائط قندابيل و الموت خائض # عليها بآجال لها قد أظلّت‏[4]

فما برحت تسقى كئوس حمامها # إذا نهلت كرّوا عليها فعلّت

إلى أن أبادتهم تميم و أكذبت # أمانيّ للشّيطان عنها اضمحلّت

و حان فراق منهم كلّ خدلة # مفارقة بعلا به قد تملّت‏

و هي أيضا طويلة قال: فبلغ مسلم بن الوليد هجاء ابن قنبر للأزد و طيّى و ردّه على الطّرمّاح بعد موته.

فغضب من ذلك. و قال: ما المعنى في مناقضة رجل ميّت و إثارة الشّرّ بذكر القبائل، لا سيّما و قد أجابه الفرزدق عن قوله؟فأبى ابن قنبر إلا تماديا في مناقضته، فقال مسلم قصيدته الّتي أولها:

آيات أطلال برامة درّس # هجن الصّبابة إذ ذكرت‏[5]معرّسي

أوحت إلى درر الدّموع فأسبلت # و استفهمتها غير أن لم تنبس‏

يقول فيها يصف الخمر:

صفراء من حلب الكروم كسوتها # بيضاء من حلب الغيوم البجّس‏[6]

طارت‏[7]و لاوذها الحباب فحاكها # فكأن حليتها جنيّ النّرجس‏

/و يقول فيها يصف السّيوف:

و تفارق الأغماد تبدو تارة # حمرا و تخفى تارة في الأرؤس

حرب يكون وقودها أبناءها # لقحت على عقر و لمّا تنفس‏

[1]في ما، مهذب الأغاني: «قتطعنها» .

[2]القصد: القطع جمع قصدة.

[3]في ما: «و قال الفرزدق يجيبه» .

[4]في ف:

«... و الموت جائل... # عليها بآجال لهم قد أظلت»

.

[5]في ما:

«و الهوى بمعرّسي»

. و في الديوان-130:

«و استثرن معرّسي»

.

[6]في الديوان-131:

«من صوب الغيوم البجّس»

.

[7]في الديوان-132: «مزجت» . و في مي:

«طارت و لاذ بها الحباب فحاطها»

.

47

من هارب ركب النّجاء و مقعص # جثمت منيّته على المتنفّس

غصبته أطراف الأسنّة نفسه # فثوى فريسة ولّغ أو نهّس

إن كنت نازلة اليفاع فنكّبي # دار الرّباب و خزرجي أو أوّسي

و تجنّبي الجعراء[1]إنّ سيوفهم # حدث و إن قناتهم لم تضرس

هل طيّى‏ء الأجبال شاكرة امرئ # ذاد القوافي عن حماها مردس‏[2]

أحمي-أبا نفر-عظام حفيرة # درست و باقي غرسها لم يدرس

كافأت نعمتها بضعف بلائها # ثم انفردت بمنصب لم يدنس‏[3]

و إذا افتخرت عددت سعي مآثر # قصرت على الإغضاء طرف الأشوس

رفعت بنو النّجّار حلفي فيهم‏[4] # ثم انفردت فأفسحوا عن مجلسي

فاعقل لسانك عن شتائم قومنا[5] # لا يعلقنّك خادر من مأنس

أخلفت فخرك‏[6]من أبيك و جئتني # بأب جديد بعد طول تلمّس

أخذت عليه المحكمات طريقها # فغدا يهاجي أعظما في مرمس‏[7]

/قال: فلم يجبه ابن قنبر عن هذه بشي‏ء، ثم التقيا فتعاتبا، و اعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال مسلم يهجوه:

حلم ابن قنبر حين قصّر شعره # هل كان يحلم شاعر عن شاعر

يهجو قريشا و يفخر بالأنصار

و قد مضت هذه الأبيات متقدّما. قال: و مكث ابن قنبر حينا لا يجيبه عن هذا و لا عن غيره بشي‏ء طلبا للكفاف، ثم هجا مسلم قريشا و فخر بالأنصار فقال:

قل لمن تاه إذ بنا عزّ جهلا # ليس بالتّيه يفخر الأحرار

فتناهوا و أقصروا فلقد جا # رت عن القصد فيكم الأنصار[8]

أيّكم حاط ذا جوار بعزّ # قبل أن تحتويه منّا الدّار

أو رجا أن يفوت قوما بوتر # لم تزل تمتطيهم الأوتار

لم يكن ذاك فيكم فدعوا الفخر بما لا يسوغ فيه افتخار

و نزارا ففاخروا تفضلوهم # و دعوا من له عبيدا نزار

[1]في مي، مج: «الحمراء» . و في الديوان-136: «الخفراء» .

[2]في الديوان-137: «الأقعس» بدل «مردس» . و المردس: الآلة الّتي تسوى و تكسر.

[3]في ما: «لم ينجس» .

[4]في الديوان-136: «بيتي فيهم... ثم انتميت» .

[5]في الديوان-139: «عرضنا» .

[6]في الديوان-139: «أخلقت فخرك» . و في ف، ما: «نجرك» .

[7]في ما: «مدرس» . و في الديوان-140: «فغدا يناقض أعظما في أرمس» .

[8]في الديوان-315: «الأبصار» بدل «الأنصار» . ـ

48

فبنا عزّ منكم الذّلّ و الدّ # هر عليكم بريبة كرّار

حاذروا دولة الزّمان عليكم # إنّه بين أهله أطوار

فتردّوا و نحن للحالة الأو # لي و للأوحد[1]الأذلّ الصّغار

فاخرتنا لمّا بسطنا لها الفـ # خر قريش و فخرها مستعار

ذكرت عزّها و ما كان فيها # قبل أن يستجيرنا مستجار

إنّما كان عزّها في جبال # ترتقيها كما ترقّى الوبار[2]

/أيّها الفاخرون بالعزّ، و الـ # عزّ لقوم سواهم و الفخار

أخبرونا من الأعزّ أ المنـ # صور حتى اعتلى أم الأنصار؟

فلنا العزّ قبل عزّ قريش # و قريش تلك الدّهور تجار

ابن قنبر يجيبه‏

قال: فانبرى له ابن قنبر يجيبه فقال:

ألا أمثل أمير المؤمنين بمسلم # و أفلق به الأحشاء من كل مجرم

و لا ترجعن عن قتله باستتابة # فما هو عن شتم النّبي بمحرم‏[3]

و لا عن مساواة له و لقومه # قريش بأصداء لعاد و جرهم

و يفخر بالأنصار جهلا على الّذي # بنصرته فازوا بحظّ و مغنم

و سمّوا به الأنصار لا عزّ قائل # أراد قريشا بالمقال المذمّم

و منهم رسول اللّه أزكى من انتمى # إلى نسب زاك و مجد مقدّم

و ما كانت الأنصار قبل اعتصامها # بنصر قريش في المحلّ المعظّم

و لا بالألى يعلون أقدار قومهم # صداء و خولان و لخم و سلهم

و لكنّهم باللّه عاذوا و نصرهم # قريشا و من يستعصم اللّه يعصم

فعزّوا و قد كانوا و فطيون‏[4]فيهم # من الذلّ في باب من العز مبهم

يسومهم الفطيون ما لا يسامه # كريم و من لا ينكر الظّلم يظلم

و إنّ قريشا بالمآثر فضّلت # على الخلق طرّا من فصيح و أعجم

فما بال هذا العلج ضلّ ضلاله # يمدّ إليهم كفّ أجذم أعسم‏[5]

يسامي قريشا مسلم و هم هم # بمولى يمانيّ و بيت مهدّم

/إذا قام فيه غيرهم لم يكن له # مقام به من لؤم مبنى و مدعم‏

[1]في ف: و «للأدحر» .

[2]في ف:

«إنما كان غيرها»

. و الوبار: جمع وبر؛ و هو حيوان من ذوات الحافر في حجم الأرنب.

[3]في ف: «بمحجم» .

[4]الفطيون: ملك تملك بيثرب. و قال ابن الكلبي: الفطيون اسمه عامر بن عامر بن ثعلبة (الاشتقاق لابن دريد) .

[5]الأعسم، من عسم الكف و هو يبس مفصل الرسغ حتى يعوج.

49

جعاسيس‏[1]أشباه القرود لو أنّهم # يباعون ما ابتيعوا جميعا بدرهم

و ما مسلم من هؤلاء و لا ألى # و لكنّه من نسل علج ملكّم

تولّى زمانا غيرهم ثمّت ادّعى # إليهم فلم يكرم و لم يتكرّم‏[2]

فإن يك منهم فالنّضير و لفّهم‏[3] # مواليه لا من يدّعي بالتّزعّم

و إن تدعه الأنصار مولى أسمهم # بقافية تستكره الجلد بالدّم

عقابا لهم في إفكهم و ادّعائهم # لأقلف منقوش الذراع موشّم

فلا تدّعوه و انتفوا[4]منه تسلموا # بنفيكموه من مقام و مأثم

و إلا فغضّوا الطّرف و انتظروا الرّدى # إذا اختلفت فيكم صوارد أسهمي

و لم تجدوا منها مجنّا يجنّكم # إذا ذلعت من كلّ فجّ و معلم

و أنتم بنو أذناب من أنتم له # و لستم بأبناء السّنام المقدّم

و لا ببني الرأس الرفيع محلّه # فيسمو بكم مولّى مسام و ينتمي

فكيف رضيتم أن يسامى نبيّكم # ببيتكم الرّثّ القصير المهدّم

سأحطم من سامى النبيّ تطاولا # عليه و أكوي منتماه بميسم

أ يعدل بيت يثربيّ بكعبة[5] # ثوتها قريش في المكان المحرّم

/قريش خيار اللّه و اللّه خصّهم # بذلك فاقعس أيّها العلج و ارغم

و من يدّعي منه الولاء مؤخّر # إذا قيل للجاري إلى المجد أقدم‏

قال: و كان مسلم قال هذه القصيدة في قريش و كتمها، فوقعت إلى ابن قنبر، و أجابه عنها، و استعلى عليه و هتكه، و أغرى به السّلطان، فلم يكن عند مسلم في هذا جواب أكثر من الانتفاء منها، و نسبتها إلى ابن قنبر، و الادّعاء عليه أنّه ألصقها به و نسبها إليه، ليعرّضه للسّلطان، و خافه فقال ينتفي من هذه القصيدة و يهجو تميما:

قصيدته في هجاء تميم‏

دعوت أمير المؤمنين و لم تكن # هناك، و لكن من يخف يتجسّم

و إنّك إذ تدعو الخليفة ناصرا # لكالمترقّي في السماء بسلّم

كذاك الصّدى تدعو من حيث لا ترى # و إن تتوهّمه تمت في التّوهّم

هجوت قريشا عامدا و نحلتني # رويدك يظهر ما تقول فيعلم

إذا كان مثلي في قبيلي فإنّه # على ابني لؤيّ قصرة غير متهم‏

[1]الجعاسيس: جمع جعسوس، و هو القصير. و في مي: «جعاميس» . و الجعسوس: الرجيع. يقال: رمى بجعاميس بطنه.

[2]في ما: «و لما يكرم» .

[3]في مي، مج: «و لفه» .

[4]في مي، مج «و ابعدوا» .

[5]في ف، مي، مج:

«أ تعدل بيتا يثربيا بكعبة»

.

50

سيكشفك التّعديل عمّا قرفتني # به فتأخّر عارفا أو تقدّم‏[1]

فإنّ قريشا لا تغيّر ودّها[2] # و لا يستمال عهدها بالتّزعّم

مضى سلف منهم و صلّى بعقبهم # لنا سلف في الأوّل المتقدّم

جروا فجرينا سابقين بسبقهم # كما اتّبعت كفّ نواشر معصم

و إنّ الّذي يسعى ليقطع بيننا # كملتمس اليربوع في جحر أرقم

أضلّك قدع الآبدات طريقها # فأصبحت من عميائها في تهيّم‏[3]

/و خانتك عند الجري-لمّا اتّبعتها- # تميم فحاولت العلا بالتقحّم

فأصبحت ترميني بسهمي و تتّقى # يدي بيدي، أصليت نارك فاضرم‏

ابن قنبر يهجوه‏

قال: ثم هجاه ابن قنبر بقصيدة أوّلها:

قل لعبد النّضير مسلم الوغد الـ # دّنيّ اللئيم شيخ‏[4]النّصاب

اخس يا كلب إذ نبحت فإنّي # لست ممن يجيب نبح الكلاب

أ فأرضى و منصبي منصب العزّ # و بيتي في ذروة الأحساب

أن أحطّ الرّفيع من سمك بيتي # بمهاجاة أوشب الأوشاب

من إذا سيل: من أبوه؟بدا منه # حياء يحميه رجع‏[5]الجواب

و إذا قيل حين يقبل: من # أنت و من تعتزيه في الأنساب

قلت: هاجي ابن قنبر، فتسر # بلت بذكري فخرا لدى النّسّاب‏

ابن قنبر يتابع هجاءه‏

و هي قصيدة طويلة، فلم يجبه مسلم عنها بشي‏ء، فقال فيه ابن قنبر أيضا:

لست أنفيك إن سواي نفاكا # عن أبيك الّذي له منتماكا

و لما ذا أنفيك يا بن وليد # من أب إن ذكرته أخزاكا

و لو أنّي طلبت ألأم منه # لم أجده إن لم تكن أنت ذاكا

لو سواه أباك كان جعلنا # ه إن‏[6]الناس طاوعونا أباكا

حاك دهرا بغير حذق‏[7]لبرد # و تحوك الأشعار أنت كذاكا

[1]قرفتني: اتهمتني. و التعديل: تزكية الشهود.

[2]في ما، و الديوان-339:

«لا يغادر ودّها»

.

[3]في الديوان-339:

«أضلك قرع الآبدات... »

، و القدع: المجاوزة. و تهيمه الهوى تهيما: حمله على الهيام.

[4]في مي: «سنخ» . و السّنخ: الأصل.

[5]في مي: «ردّ الجواب» .

[6]في ما: «إذا الناس» .

[7]و في ف:

«حاك دهرا بغير جدّ لبرد»

.

51

/و هي طويلة، فلم يجبه مسلم عنها بشي‏ء، فقال ابن قنبر أيضا يهجوه:

فخر العبد عبد قنّ‏[1]اليهود # بضعيف من فخره مردود

فاخر الغرّ من قريش بإخوا # ن خنازير[من‏]يثرب و القرود

يتولّى بني النّضير و يدعو # بهم الفخر من مكان بعيد

و بني الأوس و الخزرج أهل الذّ # لّ في سالف الزّمان التّليد

إذ رضوا بافتضاض‏[2]فطيون منهم # كلّ بكر ريّا الرّوادف رود

و بنو عمّها شهود لما يف # عل فطيون قبّحوا من شهود

خلف باب الفطيون و البغل منهم‏[3] # لا بذي غيرة و لا بنجيد

فإذا ما قضى اليهوديّ منها # نحبه‏[4]قنّعوا بخزي جديد

قال: فلما أفحش في هذه القصيدة و في عدّة قصائد قالها، و مسلم لا يجيبه، مشى إليه قوم من مشيخة الأنصار، و استعانوا بمشيخة من قرّاء تميم و ذوي العلم و الفضل منهم، فمشوا معهم إليه فقالوا له: أ لا تستحي من أن تهجو من لا يجيبك؟أنت بدأت الرّجل فأجابك، ثم عدت فكفّ، و تجاوزت ذلك إلى ذكر أعراض الأنصار الّتي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يحميها و يذبّ عنها و يصونها، لغير حال أحلّت لك ذلك منهم، فما زالوا يعظونه و يقولون له كل قول حتى أمسك عن المناقضة لمسلم، فانقطعت.

صوت‏

ثلاثة تشرق الدّنيا ببهجتهم # شمس الضحى و أبو إسحاق و القمر

يحكي أفاعيله‏[5]في كلّ نائبة # الغيث و الليث و الصّمصامة الذّكر

الشّعر لمحمد بن وهيب، و الغناء لعلّويه ثقيل أول بالوسطى، و فيه لإبراهيم بن المهديّ ثقيل أول آخر عن الهشاميّ.

[1]في ف:

«فخر العبد، علج قن اليهود»

. و في مي:

«فخر العلج، علج قن اليهود»

.

[2]افتض الجارية: أزال بكارتها.

[3]البعل: المرأة. و في ما، مي:

«و الفعل فيهم»

.

[4]في ما: «وطرا» .

[5]في مي: «فعائله» .

52

4-أخبار محمد بن وهيب‏[1]

شعراء الدولة العباسية

محمد بن وهيب الحميريّ صليبة شاعر من أهل بغداد من شعراء الدولة العباسية، و أصله من البصرة[2]، و له أشعار كثيرة يذكرها فيها و يتشوّقها، و يصف إيطانه إياها و منشأه بها.

مدح الحسن بن رجاء ثم المأمون فأكرمه‏

[3]و كان يستمنح الناس بشعره، و يتكسّب بالمديح، ثم توسّل إلى الحسن بن سهل بالحسن بن رجاء بن أبي الضّحاك و مدحه، فأوصله إليه و سمع شعره فأعجب به و اقتطعه إليه، و أوصله إلى المأمون حتى مدحه و شفع له فأسنى جائزته، ثم لم يزل منقطعا إليه حتى مات. و كان يتشيّع، و له مراث في أهل البيت.

منزلته‏

هو متوسط من شعراء طبقته، و في شعره أشياء نادرة فاضلة، و أشياء متكلفة[3].

المعتصم يسمع مديحه و يجيزه دون غيره‏

أخبرنا محمد بن خلف وكيع، قال: زعم أبو محلّم، و أخبرني عمّي، عن عليّ بن الحسين بن عبد الأعلى، عن أبي محلّم، قال:

اجتمع الشعراء على باب المعتصم فبعث إليهم محمد بن عبد الملك الزّيات أنّ أمير المؤمنين يقول لكم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل/قول النمريّ في الرشيد:

خليفة اللّه إن الجود أودية # أحلّك اللّه منها حيث تجتمع

من لم يكن بأمين اللّه معتصما # فليس بالصلوات الخمس ينتفع

إن أخلف القطر لم تخلف مخايله‏[4] # أو ضاق أمر ذكرناه فيتّسع‏

/فليدخل و إلا فلينصرف، فقام محمد بن وهيب فقال: فينا من يقول مثله، قال: و أيّ شي‏ء قلت؟فقال:

ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم # شمس الضّحى و أبو إسحاق و القمر

[1]موضع هذه الترجمة هنا كما جاءت في ف و المخطوطات الموثوقة بعد ترجمة مسلم بن الوليد، و جاءت في طبعة بولاق بعد ترجمة عبد اللّه بن العباس الربيعي.

[2]في المختار: «من شعراء البصرة» .

(3-3) التكملة من ف.

[4]المخايل من السحب: المنذرة بالمطر. و يقال: ظهرت في فلان مخايل النجابة: دلائلها و مظنتها.

53

تحكي‏[1]أفاعيله في كل نائبة # الغيث و الليث و الصّمصامة الذّكر

فأمر بإدخاله و أحسن جائزته.

رجع الحديث عن صلته بالحسن بن رجاء

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن محمد بن مروان بن موسى قال:

حدّثني محمد بن وهيب الشاعر قال:

لما تولّى الحسن بن رجاء بن أبي الضّحاك الجبل قلت فيه شعرا و أنشدته أصحابنا دعبل بن عليّ و أبا سعد المخزوميّ، و أبا تمام الطائيّ، فاستحسنوا الشعر و قالوا: هذا لعمري من الأشعار الّتي تلقى بها الملوك، فخرجت إلى الجبل فلما صرت إلى همذان أخبره الحاجب بمكاني فأذن لي فأنشدته الشعر فاستحسن منه قولي:

أجارتنا إنّ التّعفّف بالياس # و صبرا على استدرار دنيا بإبساس‏[2]

حريّان ألاّ يقذفا بمذلة # كريما و ألاّ يحوجاه إلى الناس

أجارتنا إنّ القداح كواذب # و أكثر أسباب النّجاح مع الياس‏

فأمر حاجبه بإضافتي فأقمت بحضرته كلما دخلت إليه لم أنصرف إلا بحملان أو خلعة أو جائزة حتى انصرم الصّيف فقال لي: يا محمد إن الشتاء عندنا علج‏[3]فأعدّ يوما للوداع. فقلت: خدمة الأمير أحبّ إليّ، فلما كاد الشتاء أن يشتدّ قال لي: هذا أوان‏[4]الوداع، فأنشدني الثلاثة الأبيات فقد فهمت الشعر كله، فلما أنشدته:

/

أجارتنا إن القداح كواذب # و أكثر أسباب النّجاح مع الياس‏

قال: صدقت، ثم قال: عدّوا أبيات القصيدة فأعطوه لكل بيت ألف درهم، فعدّت فكانت اثنين و سبعين بيتا، فأمر لي باثنين و سبعين ألف درهم، و كان فيما أنشدته في مقامي و استحسنه قولي:

صوت‏

دماء المحبّين لا تعقل‏[5] # أ ما في الهوى حكم يعدل!

تعبّدني حور الغانيات # و دان الشباب له الأخطل‏[6]

و نظرة عين تعلّلتها # غرارا كما ينظر الأحول

مقسّمة بين وجه الحبيب # و طرف الرقيب متى يغفل‏

[1]انظر ص 73.

[2]الإبساس: التصويت للناقة بلطف لتسكن و تدرّ.

[3]في مي: «صعب» . و العلج: الشديد.

[4]مي: «يوم الوداع» .

[5]لا تعقل: لا تدفع ديتها.

[6]الأخطل: السريع الخفيف أو الأحمق.

54

[1]في هذه الأبيات هزج طنبوريّ سمعته من جحظة فذكر أنه يراه للمسدود و لم يحقّق صانعه.

قال الأصبهانيّ: و هذه الأبيات له في المطّلب بن عبد اللّه بن مالك الخزاعيّ.

قال محمد بن وهيب: و أهدي إلى الحسن بن رجاء غلام فأعجب به فكتبت إليه:

ليهنك الزائر الجديد # جرى به الطائر السعيد

جاء مشوق إلى مشوق # فذا ودود و ذا ودود

يوم نعيم و يوم لهو # خصصت فيه بما تريد

إلف مشوق أتاه ألف # فمستفاد و مستفيد[1]

/حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار بهذا الحديث، عن يعقوب بن إسرائيل قرقارة، عن محمد بن محمد بن مروان‏[2]بن موسى، عن محمد بن وهيب، فذكر مثل الّذي قبله و زاد فيه، فلم يزل يستعيدني:

/

أجارتنا إن القداح كواذب # و أكثر أسباب النّجاح مع الياس‏

و أنا أعيده عليه، فانصرفت من عنده بأكثر مما كنت أؤمل.

دخل على أبي دلف فأعظمه لإعجابه بشعره‏

حدّثني عليّ بن صالح بن الهيثم الأنباريّ الكاتب، قال: حدّثني أبو هفّان، قال: حدّثني خالي، قال:

كنت عند أبي دلف القاسم بن عيسى، فدخل عليه محمد بن وهيب الشاعر فأعظمه جدّا، فلما انصرف قال له أخوه معقل: يا أخي، قد فعلت بهذا ما لم يستحقّه، ما هو في بيت من الشّرف، و لا في كمال من الأدب، و لا بموضع من السلطان، فقال: بلى يا أخي، إنه لحقيق بذلك، أو لا يستحقه و هو القائل:

صوت‏

يدلّ على أنني عاشق # من الدمع مستشهد ناطق

ولي مالك أنا عبد له # مقرّ بأني له وامق

إذا ما سموت إلى وصله # تعرّض لي دونه عائق

و حاربني فيه ريب الزّمان # كأنّ الزّمان له عاشق‏

في هذه الأبيات رمل طنبوريّ أظنّه لجحظة.

هنأ المطلب بن عبد اللّه بعد عودته من الحج فوصله بصلة كبيرة

حدّثني عمّي، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، قال:

/لما قدم المطّلب بن عبد اللّه بن مالك من الحج لقيه محمد بن وهيب مستقبلا مع من تلقّاه، و دخل إليه مهنئا بالسّلامة بعد استقراره، و عاد إليه في الثالثة[3]فأنشده قصيدة طويلة مدحه بها، يقول فيها:

(1-1) التكملة من ف، مي.

[2]ف: «محمد بن محمد بن هارون» .

[3]ب: «في الثانية» .