الأغاني - ج20

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
497 /
213

الجزء العشرون‏

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

1-نسب ابن الخياط و أخباره‏

نسبه و ولاؤه:

هو عبد اللّه بن محمد بن سالم بن يونس بن سالم. ذكر الزبير بن بكار أنه مولى لقريش، و ذكر غيره أنه مولى لهذيل.

أوصافه:

و هو شاعر ظريف، ماجن خليع، هجّاء خبيث، مخضرم من شعراء الدولة الأموية و العباسية. و كان منقطعا إلى آل الزبير بن العوام مدّاحا لهم، و قدم على المهديّ مع عبد اللّه بن مصعب فأوصله إليه، و توصل له إلى أن سمع شعره و أحسن صلته.

يمدح المهدي فيجيزه، ثم يمدحه فيضعف جائزته:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكّار قال: حدّثني يونس بن عبد اللّه بن سالم الخياط قال:

دخل أبي على المهدي فمدحه، فأمر له بخمسين ألف درهم، فقال يمدحه:

أخذت بكفّي كفّه أبتغي الغنى # و لم أدر أن الجود من كفه يعدى

فلا أنا[1]منه ما أفاد ذوو الغنى # أفدت و أعداني فأتلفت ما عندي‏

/قال: فبلغ المهديّ خبره، فأضعف جائزته، و أمر بحملها إليه إلى منزله.

قال الزبير بن بكّار: سرق ابن الخياط هذا المعنى من ابن هرمة.

كان من الهجائين:

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال: حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة، قال: حدّثني مصعب بن عبد اللّه قال:

سمعت أبي يقول:

لم يبرح هذه الثنيّة قطّ أحد يقذف أعراض الناس و يهجوهم، قلت: مثل من؟قال: /الحزين الكنانيّ، و الحكم بن عكرمة الدّؤليّ، و عبد اللّه بن يونس الخياط، و ابنه يونس، و أبو الشدائد.

عقوق ابنه يونس له:

أخبرني محمد بن مزيد قال: حدّثنا الزبير بن بكّار قال:

كان يونس بن الخياط عاقّا لأبيه، فقال أبوه فيه:

[1]كذا في جميع النسخ، و نرجح أنها «فما أنا منه» بدل «فلا أنا» لأن «لا» في مثل هذا الموطن يجب أن تتكرر.

214

يونس قلبي عليك يلتهف # و العين عبرى دموعها تكف

تلحفني كسوة العقوق فلا # برحت منها ما عشت تلتحف

أمرت بالخفض للجناح و بالر # فق فأمسى يعوقك الأنف

و تلك و اللّه من زبانية # إن سلّطوا في عذابهم عنفوا

فأجابه ابنه يونس، فقال:

أصبح شيخي يزري به الخرف # ما إن له حرمة و لا نصف

صفاتنا في العقوق واحدة # ما خلتنا في العقوق نختلف

لحفته سالفا[1]أباك فقد # أصبحت مني كذاك تلتحف‏

يهجو رجلا شيد دارا و كان يعرفه بالضعة:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدّثني طلحة بن عبد اللّه قال: حدّثني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود قال:

مرّ ابن الخياط بدار رجل كان يعرفه قبل ذلك بالضّعة و خساسة الحال، و قد شيّد بابها و طرمح‏[2]بناءها، فقال:

أطله فما طول البناء بنافع # إذا كان فرع الوالدين قصيرا

يهجو موسى بن طلحة فلا يكترث لهجائه فيناشده أن يكتم عليه:

أخبرني وكيع قال: أخبرني إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن صالح قال: أخبرني العامريّ قال:

/هجا ابن الخياط موسى بن طلحة بن بلال التيميّ، فقال:

عجب الناس للعجيب المحال # حاض موسى بن طلحة بن بلال

زعموه يحيض في كلّ شهر # و يرى صفرة لكل هلال‏

قال: فلقيه موسى، فقال: يا هذا، و أيّ شي‏ء عليك؟نعم حضت، و حملت، و ولدت و أرضعت. فقال له ابن الخياط: أنشدك اللّه ألا يسمع هذا منك أحد فيجترئ على شعري الناس، فلا يكون شيئا، و لن يبلغك عني ما تكره بعد هذا، فتكافّا.

شعره و قد رأى أبو عمران القاضي رأيا قوبل بالاستحسان:

أخبرني الحرميّ قال: حدّثني الزبير قال: حدّثني مصعب بن عثمان قال:

ما رأيت بريق صلع الأشراف في سوق الرقيق أكثر منها يوم رحب القتيلة[3]جارية إبراهيم بن أبي قتيلة، و كان يعشقها، و بيعت في دين عليه، فبلغت خمسمائة دينار فقال المغيرة بن عبد اللّه لابن أبي قتيلة: ويحك!اعتقها فتقوّم [1]ف: «سالما» .

[2]طرمح: طول.

[3]ف: «يوم أخرجت القتيلية» .

215

عليك، فتتزوّجها، ففعل. فرفع ذلك إلى أبي عمران-و هو القاضي يومئذ-فقال: أخطأ الّذي أشار عليه في الحكومة. أما نحن في الحكومة فقد عرفنا أن قد بلغت خمسمائة دينار، /فاذهبوا فقوّموها، فإن بلغت القيمة أكثر من هذا ألزمناه، و إلاّ فخذوا منه خمسمائة دينار، فاستحسن هذا الرأي، و ليس عليه الناس قبلنا، فقال ابن الخياط يذكر ذلك من أمر ابن قتيلة و ما كان من أمر جاريته:

يا معشر العشّاق من لم يكن # مثل القتيليّ فلا يعشق

لما رأى السّوام قد أحدقوا # و صيح في المغرب و المشرق

و اجتمع الناس على درّة # نظيرها في الخلق لم يخلق

و أبدت الأموال أعناقها # و طاحت العسرة للمملق

/قلّب فيه الرأي في نفسه # يدير ما يأتي و ما يتّقي

أعتقها و النفس في شدقها # للمعتق المنّ على المعتق

و قال للحاكم في أمرها # إن افترقنا فمتى نلتقي؟

و أخبرني بهذا الخبر وكيع قال: قال الزبير بن بكّار، و ذكر مثل ما ذكره الحرميّ، و زاد فيه:

فكان فيهم-يعني فيمن حضر-لابتياعها موسى بن جعفر بن محمد بن زيد بن عليّ، و القاسم بن إسحاق بن عبد اللّه بن جعفر، و غيرهم. قال: فرأيتهم قياما في الشمس يتزايدون فيها. و قال في خبره: ابن أبي قتيلة بالتاء.

يسأل سائل عنه ابنه يونس فيمضى به إليه فيستنشده شعره في العصبية:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكّار قال: حدّثني يونس بن عبد اللّه بن سالم الخياط قال:

كنت ذات عشية في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم وقت العصر في‏[1]أيام الحاج، فإذا أنا برجل جميل عليه مقطّعات خزّ، و إذا معه جماعة. فوقف إلى جنبي فصلّى ركعتين، ثم أقبل عليّ-و كان ذلك من أسباب الرزق-فقال: يا فتى، أ تعرف عبد اللّه ابن سالم الخياط؟فقلت: نعم. فلما صلينا قال: امض بنا إليه، فمضيت به‏[2]، فاستخرجت له أبي من منزله، فقال‏[3]الرجل: بلغني أنّك قلت شعرا في أمر العصبية، فقال له أبي: و من أنت بأبي أنت و أمي؟ فقال: أنا خزيم بن أبي الهيذام، فقال له أبي: نعم قد قلته، و أنشده:

اسقياني من صرف هذي المدام‏[4] # و دعاني و أقصرا من‏[5]ملامي

و اشربا حيث شئتما إن قيسا # قد علا عزّها فروع الأنام

/ليس و اللّه بالشام يمان # فيه روح و لا بغير الشآم‏

يطعم النوم حين تكتحل الأعين بالنوم عند وقت المنام [1]كذا في ب، جـ. و في س: «لي» ، تحريف.

[2]كذا في ب، س. و في جـ: «معه» .

[3]كذا في ب، س. و في جـ: «فقال له» .

[4]في س: «المداما» ، تحريف.

[5]في جـ: «عن» .

216

حذرا من سيوف ضرغامة عا # د على الهول باسل مقدام

من بني مرة الأطايب يكنى # عند دسر[1]الرماح‏[2]بالهيذام‏

ابنه يونس ينافسه ليحرمه جائزة:

قال: فأشرع الفتى يده إليه بشي‏ء و جزّاه خيرا. قال يونس: فبادرت فأخذت بيد المرّي و قلت له: لا تعجل فإني قد قلت شعرا أجود من شعره. قال أبي: ويلك يا يونس يا عاضّ بظر أمه!تحرمني؟فقلت: دع هذا عنك، فو اللّه لا تجوع امرأتي و تشبع امرأتك، فقلت ليونس: و من كانت امرأة أبيك يومئذ؟فقال: أمي، و جمعت و اللّه عقوقهما[3]. فقال لي المرّي/أنشد فأنشدته:

اسقياني يا صاحبيّ اسقياني # و دعاني من الملام دعاني

اسقياني هديتما من كميت # بننت عشر مشمولة اسقياني

فضّ عنها ختامها إذ سباها # واضح الخد من بني عدنان

نتحايا[4]بالكأس أربعة في الدّ # ور هذان ناعمان و ذان

ذا لهذا ريحانة مثل هذا # ك لهذا من طيّب الريحان

فنهضنا لموعد كان منا # إذ سمعنا تجاوب البكمان

فنعمنا حولين بهرا و عشنا # بين دفّ و مسمع و دنان

ثم هجنا للحرب إذ شبّت الحر # ب ففزنا فيها بسبق الرّهان

/إنّ قيسا في كلّ شرق و غرب # خارج سهمها على السّهمان

منع اللّه ضيمنا بأبي الهيـ # ذام حلّف السماح و الإحسان

و اليمانون يفخرون أ ما يد # رون أن النبيّ غير يمان‏

قال: فقال الفتى لأبي: قد وجب علينا من حقه مثل ما وجب علينا من حقك يا شيخ؛ و استظرف ما جرى بيني و بين أبي، و قسم الدنانير بيننا، و كانت خمسين دينارا.

ابنه يعصر حلقه فيعترف لمنقذه بأن عق أباه من قبله:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال: حدّثني الزبير قال:

مرّ رجل بيونس بن عبد اللّه بن الخياط-و هو يعصر حلق أبيه و كان عاقّا به-فقال له: ويلك أ تفعل هذا بأبيك؟ و خلّصه من يده، ثم أقبل على الأب يعزّيه و يسكّن منه، فقال له الأب: يا أخي لا تلمه، و اعلم أنه ابني حقّا. و اللّه لقد خنقت أبي في هذا الموضع الّذي خنقني فيه. فانصرف عنه الرجل و هو يضحك.

[1]دسر: طعن.

[2]كذا في جـ: و في ب، س: «الرياح» ، تحريف.

[3]كذا في ب، س. و في جـ: «عقوقهما معا» .

[4]في س، ب: «نتخايا» ، تحريف.

217

يشكو حاله إلى محمد بن سعيد فيأمر له بمعونة فيمدحه:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثني عليّ بن محمد بن سليمان النّوفليّ عن عمه عيسى قال:

شكا عبد اللّه بن يونس الخياط إلى محمد بن سعيد بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حاله و ضيقا قد ناله، فأمر له بدنانير و كسوة و تمر، فقال يمدحه:

يا بن سعيد يا عقيد الندى # يا بارع الفضل على المفضل

حللت في الذّروة من هاشم # و في يفاع من بني نوفل

فطاب في الفرعين هذا و ذا # ما اعتمّ من منصبك الأطول

قد قلت للدهر و قد نالني # بالناب و المخلب و الكلكل

/قد عذت من ضرّك مستعصما # بهاشميّ ماجد نوفلي

فقال لي أهلا و سهلا معا # فزت و لم يمنع و لم يبخل

الدهر شقّان فشقّ له # لين و شقّ خشن المنزل

و أخشن الشقّين عنّي نفي # و شقّه الألين ما عاش لي

فقل لهذا الدهر ما عاش لا # تبق و لا ترع و لا تأتلي‏

يأخذه و الى الحجاز بالصلاة فيحاول أن يعفيه منها:

أخبرني محمد بن مزيد قال: حدثنا الزبير بن بكار قال:

أخذ أبي-لما ولي الحجاز/عبد اللّه بن يونس الخيّاط-بأن يصلي الصلوات الخمس مع الجماعة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فجاءني هو و محمد بن الضحاك و جعفر بن الحسين اللّهبيّ، فوقف بين يديّ، ثم أنشدني:

قل للأمير يا كريم الجنس # يا خير من بالغور أو بالجلس‏[1]

و عدّتي لولدي و نفسي # شغلتني بالصلوات الخمس‏

فقلت له: ويلك!أ تريد أن أستعفيه لك من الصلاة؟و اللّه ما يعفيك، و إن ذلك ليبعثه على اللّجاج في أمرك، ثم يضرك عنده. فمضى و قال: نصبر إذن حتى يفرج اللّه تعالى.

شعره في صديق كان يدعوه ليشرب معه:

أخبرني محمد قال حدثنا الزبير بن بكّار قال حدثنا يونس بن الخياط قال:

كان لأبي صديق، و كان يدعوه ليشرب معه، فإذا سكر خلع عليه قميصه، فإذا[2]صحا من غد بعث إليه فأخذه منه فقال أبي فيه:

[1]الجلس: بلاد نجد، أو الغليظ من الأرض.

[2]في جـ: «و إذا» .

218

/

كأنّي قميصا مرتين إذا انتشى‏[1] # و ينزعه مني إذا كان صاحيا

فلي فرحة في سكره بقميصه # و روعاته‏[2]في الصحو حصّت‏[3]شواتيا[4]

فيا ليت حظي من سروري و روعتي # تكون كفافا لا عليّ و لا ليّا

ابنه يعقه، و ابن ابنه يعق أباه:

أخبرنا وكيع قال حدثنا محمد بن الحسن بن مسعود الزّرفيّ قال:

قال يونس بن عبد اللّه الخيّاط لأبيه، و كان عاقا به:

ما زال بي ما زال بي # طعن أبي في النسب

حتى تريّبت و حتـ # ى ساء ظني بأبي‏

قال: و نشأ ليونس ابن يقال له: دحيم، فكان أعق الناس به، فقال يونس فيه:

جلا دحيم عماية الرّيب # و الشكّ مني و الطعن في النسب‏[5]

ما زال بي الظّنّ و التشكّك حتـ # ى عقّني مثل ما عققت أبي‏

ابنه ينشد سعيد ابن عمرو نسيبا فيقر يعجزه عن مثله:

أخبرني الحرّمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكّار قال: حدّثني يونس بن الخيّاط قال:

أنشدت سعيد بن عمرو الزبيريّ:

لو فاح ريح حبيبة من حبّها # فاحت رياح حبيبتي من ريحي‏

قال: فقال لي سعيد بن عمرو: و اللّه إني لأقول النسيب، فلا أقدر على مثل هذا/فقلت له: و من أين تقدر على مثل هذا يا أبا عثمان؟لا تقدر[6]و اللّه على مثله حتى يسوء الثناء عليك.

يؤثر ابنه بالفريضة:

أخبرني الحرميّ قال: حدثنا الزّبير قال حدّثني يونس بن الخيّاط قال:

لما أعطى المهديّ المغيرة بن حبيب ألف فريضة يضعها حيث شاء جاءه أبي عبد اللّه ابن سالم، و قال له:

ألف تدور على يد لممدّح # ما سوق مادحه لديه بكاسد[7]

الظنّ مني لو فرضت لواحد # في الأعجمين خصصتني بالواحد[8]

[1]في س: «انتسى» ، تحريف.

[2]كذا في أ، ب، س. و في جـ: «روعته» .

[3]الحص: حلق الشعر.

[4]الشواة: جلدة الرأس.

[5]ب، س: «نسبي» .

[6]كذا في ب، س. و في جـ: «و لا و اللّه ما تقدر» .

[7]ف: «بكاسده» .

[8]ف: «بواحده» .

219

قال: فقال له المغيرة: أيهما أحب إليك: أ أفرض لك أم لابنك يونس؟فقال له: أنا شيخ كبير، هامة اليوم أو غد، افرض لابني يونس، ففرض لي في خمسين دينارا، فلما خرجت الأعطية الثلاثة في زمن الرشيد على يدي بكار بن عبد اللّه قال لي خليفته و خليفة أيوب بن أبي سمير-و هما يعرضان أهل ديوان العطاء-: أنت من هذيل و نراك قد صرت من آل الزبير/فنردّك إلى فرائض هذيل خمسة دينارا. فقال لهما بكّار: إنما جعلتما لتتّبعا و لا تبتدعا، أمضياه، فأعطياني مائة و خمسين دينارا.

ابنه يهجو هشام بن عبد اللّه حين ولي القضاء ليغض منه:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدّثني محمد بن الحسن بن مسعود الزّرقيّ قال: حدثنا ابن أبي قباحة الزهريّ قال:

لما عزل ابن عمران-و هو عبد اللّه بن محمد بن عمران التيميّ-عن القضاء، و استعمل هشام بن عبد اللّه بن عكرمة المخزوميّ، جزع ابن عمران من ذلك، فقال بعض أصحابه ليونس بن عبد اللّه الخياط: اهج هشاما بما يغضّ منه، فقال:

/

كم تغنّى لي هشام # ذلك الجلف الطويل

بعد وهن و هو في المجـ # لس سكران يميل

هل إلى نار بسلع‏[1] # آخر الدهر[2]سبيل

قلت للنّدمان لما # دارت الراح الشمول

بأبي مال هشام # فكما مال فميلوا

قال: و شهرها في الناس، و بلغ ذلك هشاما: لعنه اللّه؛ إن كان لكاذبا فقال ابن أبي قباحة: فقلت لابن الخياط:

كذبت، أما و اللّه إنه لأمرّ من ذلك.

ابنه يطعن في نسبه بحضرة أبيه و أصحاب له:

أخبرنا وكيع قال: حدثنا محمد بن الحسن بن مسعود قال: قال يونس بن عبد اللّه بن الخياط:

جئت يوما إلى أبي و هو جالس و عنده أصحاب له؛ فوقفت عليهم لأغيظه، و قلت: أ لا أنشدكم شعرا قلته بالأمس؟قالوا: بلى، فأنشدتهم:

يا سائلي من أنا أو من يناسبني‏[3] # أنا الّذي ما له أصل و لا نسب

الكلب يختال فخرا حين يبصرني # و الكلب أكرم مني حين ينتسب

لو قال لي الناس طرّا أنت الأمنا # ما وهم الناس في ذاكم و لا كذبوا

قال: فوثب إليّ‏[4]ليضربني، و عدوت من بين يديه، فجعل يشتمني و أصحابه يضحكون.

[1]سلع: اسم جبل بالمدينة، و آخر بهذيل.

[2]س. و في جـ: «الليل» .

[3]في جـ: «أناسيه» .

[4]في جـ: «أبي» .

220

شعر ابنه و قد جلد في الشراب:

أخبرني وكيع قال: حدثنا محمد بن الحسن بن مسعود:

أن مالك بن أنس جلد يونس بن عبد اللّه بن سالم الخيّاط حدّا في الشراب. قال: و ولي ابن سعيد القضاء بالمدينة، فقال يونس فيه:

بكتني النّاس لأن # جلدت وسط الرحبه

و أنني أزني و قد # غنّيت في المجتسبه

أعزف فيهم بعصا[1] # مالك المقتضبة

فقلت لما أكثروا # عليّ فيم الجلبه؟

ذا ابن سعيد قد قضى # و حالنا مقتربه‏

لا بل له التفضيل فيما لم أنل و الغلبه

بحسن صوت مطرب # و زوجة مغتصبه‏

ابن الخياط يستزير الزبير ابن بكار في مرض موته ليجدد له عهدا:

أخبرني الحرميّ ابن أبي العلاء و وكيع، قال الحرميّ قال الزبير، و قال وكيع قال الزبير بن بكار:

أرسل إليّ ابن الخيّاط يقول: إني عليل‏[2]منذ كذا و كذا، و منزلي على طريقك إذا/صدرت إلى الثّنية[3]، و أنا أحب أن أجدّد بك عهدا، قال: فجعلته على طريقي، فوجدته على فرش مضرّبة[4]، و حوله وسائد، و هو مسجّى، فكشف ابنه الثوب عن وجهه، و قال له: فديتك، هذا أبو عبد اللّه. فقال له: أجلسني، فأجلسه و أسنده إلى صدره، فجعل يقول بنفس منقطع: بأبي أنت و أمي!أموت منذ بضع عشرة ليلة ما دخل/على قرشيّ غيرك و غير الزبير بن هشام و إبراهيم بن المنذر و محمد بن عبد اللّه البكريّ، و لا و اللّه ما أعلم أحدا أحبّ قريشا كحبي. قال زبير: و ذكر رجلا كان بيني و بينه خلاف فقال: لو كنت شابّا لفعلت بأمّه كذا و كذا، لا يكنى. ثم قال:

و اللّه لو عادت بني مصعب # حليلتي قلت لها: بيني

أو ولدي عن حبّهم قصّروا # ضغطتهم بالرّغم و الهون

أو نظرت عيني خلافا لهم # فقأتها عمدا بسكين‏

ثم أقبل على ابنه، فقال: يا بنيّ أقول لك في أبي عبد اللّه ما قال ابن هرمة لابنه في الحسن بن زيد:

اللّه جار عتيّ دعوة شفقا # من الزمان و شرّ الأقرب الوالي

من كل أحيد عنه لا يقرّبه # وسط النجيّ‏[5]و لا في المجلس الخالي‏

[1]في ب، س: «بعصا ابن مالك» ، و في ف: «أعرف» ، بالراء.

[2]في جـ: «إني أموت من كذا و كذا» .

[3]في جـ: «البنية» ، و هي الكعبة.

[4]مضربة: ذات طاقين بينهما قطن.

[5]النجي: المتناجون.

221

يموت في غد اليوم الّذي زاره فيه الزبير:

قال الزبير: حدّثني محمد بن عبد اللّه البكريّ:

أنه دخل إليه بعدي في اليوم الّذي مات فيه، قال: فقال لي: يا أبا عبد اللّه، أنا أجود بنفسي منذ كذا و كذا و لا تخرج، ما هكذا كانت نفس عبيد و لا لبيد و لا الحطيئة، ما هي إلاّ نفس كلب؛ قال: فخرجت فما أبعدت حتى سمعت الواعية[1]عليه.

صوت‏

بأبي مالك عنّي # مائل الطرف كليلا!

و أرى برّك نزرا # و تحفّيك قليلا

و تسمّيني عدوا # و أسميك خليلا

أ تعلّمت سلوّا # أم تبدلت بديلا؟

أحمد اللّه فما أغـ # نى الرّجا فيك فتيلا

الشعر لعلّي بن جبلة، و الغناء لزرزور غلام المارقي، خفيف رمل بالبنصر من روايتي الهشامي و عبد اللّه بن موسى. و فيه لعريب هزج، و فيه ثقيل أول من جيّد الغناء. ينسب إليها و إلى علّويه، و هو بغنائها أشبه منه بغناء علّويه.

[1]الواعية: الصراخ و الصوت. و في ب، س: «الناعية» .

222

2-أخبار عليّ بن جبلة

نسبه و لقبه:

هو عليّ بن جبلة بن عبد اللّه الأبناويّ‏[1]، و يكنى أبا الحسن، و يلقب بالعكوّك، من أبناء الشيعة الخراسانية من أهل بغداد، و بها نشأ، و ولد بالحربيّة[2]من الجانب الغربيّ. و كان ضريرا، فذكر عطاء الملط أنه كان أكمه، و هو الّذي يولد ضريرا، و زعم أهله أنه عمي بعد أن نشأ.

استنفد شعره في مدح أبي دلف و حميد الطوسي:

و هو شاعر مطبوع، عذب اللفظ جزله، لطيف العاني، مدّاح حسن التصرف. و استنفد شعره في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، و أبي غانم حميد بن عبد الحميد الطّوسيّ، و زاد في تفضيلهما و تفضيل أبي دلف خاصة حتى فضّل من أجله ربيعة على مضر، و جاوز/الحد في ذلك. فيقال: إن المأمون طلبه حتى ظفر به، فسلّ لسانه من قفاه، و يقال: بل هرب، و لم يزل متواريا منه حتى مات و لم يقدر عليه؛ و هذا هو الصحيح من القولين، و الآخر شاذ.

نشأته و تربيته:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار الثقفيّ قال: حدّثني الحسين بن عبد اللّه بن جبلة بن عليّ بن جبلة قال:

كان لجدّي أولاد، و كان عليّ أصغرهم، و كان الشيخ يرقّ عليه، فجدر، فذهبت إحدى عينه في الجدريّ، ثم نشأ فأسلم في الكتّاب، فحذق بعض ما يحذقه الصبيان، فحمل على دابّة و نثر عليه اللّوز، فوقعت على عينيه الصحيحة لوزة فذهبت، فقال الشيخ لولده: أنتم لكم أرزاق من السلطان، فإن أعنتموني على هذا الصبيّ، /و إلاّ صرفت بعض أرزاقكم إليه. فقلنا: و ما تريد؟قال: تختلفون به إلى مجالس الأدب‏

يقصد أبا دلف: و يمدحه فيتهم بانتحال القصيدة فيطلب أن يمتحن:

قال: فكنا نأتي به مجالس العلم و نتشاغل نحن بما يلعب به الصبيان، فما أتى عليه الحول حتى برع، و حتى كان العالم إذا رآه قال لمن حوله: أوسعوا للبغويّ‏[3]و كان ذكيا مطبوعا، فقال الشعر، و بلغه أنّ الناس يقصدون أبا دلف لجوده و ما كان يعطي الشعراء، فقصده-و كان يسمّى العكوّك-فامتدحه بقصيدته الّتي أولها:

ذاد ورد الغيّ عن صدره # و ارعوى و اللهو من وطره‏

يقول فيها في مدحه:

يا دواء الأرض أن فسدت # و مديل اليسر من عسره‏

[1]كذا في ف، و في ب، س: «الأنباريّ» .

[2]الحربية: محلة كبيرة ببغداد، تنسب إلى حرب بن عبد اللّه البلخي، أحد قواد المنصور.

[3]لعلّ المراد به المنسوب إلى بغشور: بفتح فسكون فضم، بلدة بين هراة و مرو الروز، و النسبة إليها بغوي. و يقال لها أيضا: بغ.

223

كلّ من في الأرض من عرب # بين باديه إلى حضره

مستعير منك مكرمة # يكتسيها يوم مفتخره

إنما الدنيا أبو دلف # بين مبداه و محتضره

فإذا ولّى أبو دلف # ولّت الدنيا على أثره‏

فلما وصل إلى أبي دلف-و عنده من الشعراء و هم لا يعرفونه-استرابوه بها، فقال له قائدة: إنهم قد اتهموك، و ظنوا أن الشعر لغيرك، فقال: أيها الأمير، إنّ المحنة تزيل هذا، قال: صدقت فامتحنوه.

القصيدة الّتي امتحن بها في وصف فرس أبي دلف:

فقالوا له: صف فرس الأمير، و قد أجّلناك ثلاثا، قال: فاجعلوا معي رجلا تثقون به يكتب ما أقول، فجعلوا معه رجلا، فقال هذه القصيدة في ليلته، و هي:

ريعت لمنشور على مفرقه # ذمّ لها عهد الصّبا حين انتسب

أهداب‏[1]شيب جدد في رأسه # مكروهة الجدّة أنضاء العقب‏[2]

أشرقن في أسود أزرين به # كان دجاه لهوى البيض سبب

و اعتقن أيام الغواني و الصّبا # عن ميّت مطلبه حيّ‏[3]الأدب

لم يزدجر مرعويا حين ارعوى # لكن يد لم تتصل بمطّلب

لم أر كالشيب وقارا يجتوى # و كالشّباب الغضّ ظلاّ يستلب

فنازل لم يبتهج بقربه # و ذاهب أبقى جوى حين ذهب

كان الشباب لمّة أزهى بها # و صاحبا حرّا عزيز المطحب

/إذ أنا أجري سادرا في غيه # لا أعتب الدهر إذا الدهر عتب

أبعد شأو اللهو في إجرائه # و أقصد الخود وراء المحتجب

و أذعر الرّبرب عن أطفاله # بأعوجيّ‏[4]دلفيّ المنتسب

تحسبه من مرح العزّ به # مستنفرا بروعة أو ملتهب

مرتهج‏[5]يرتجّ من أقطاره # كالماء جالت فيه ريح فاضطرب

تحسبه أقعد في استقباله # حتى إذا استدبرته قلت أكبّ‏

[1]كذا في أ. و في ب، جـ، س، مد: «أهدام» ، جمع هدم بكسر فسكون، و هو الثوب البالي، أو المرقع.

[2]العقب: جمع عقبة، و هي النوبة.

[3]ب، س: «حب» ، تحريف.

[4]أعوجي: منسوب إلى أعوج، فرس لبني هلال.

[5]مرتهج: يثير الغبار.

224

/

و هو على إرهاقه و طيّه # يقصر[1]عنه المحزمان‏[2]و اللّبب‏[3]

تقول فيه حنب‏[4]إذا انثنى # و هو كمتن القدح ما فيه حنب

يخطو على عوج تناهبن‏[5]الثرى # لم يتواكل عن شظى‏[6]و لا عصب

تحسبها ناتئة إذا خطت # كأنها واطئة على الرّكب

شتا و قاظ برهتية عندنا # لم يؤت من برّ[7]به و لا حدب

يصان عصري حرّه و قرّه # و تقصر الخور[8]عليه بالحلب‏[9]

حتى إذا تمّت له أعضاؤه # لم تنحبس واحدة على عتب‏[10]

رمنا به الصيد فرادينا[11]به # أوابد الوحش فأجدى و اكتسب

مجذّم‏[12]الجرى يبارى ظلّه # و يعرق الأحقب‏[13]في شوط الخبب‏[14]

إذا تظنينا[15]به صدقنا # و إن تظني فوته العير كذب

/لا يبلغ الجهد به راكبه # و يبلغ الريح به حيث طلب

ثم انقضى ذاك كأن لم يعنه # و كلّ بقيا فإلى يوم عطب

و خلف الدهر على أبنائه # بالقدح‏[16]فيهم و ارتجاع ما وهب

فحمّل الدهر ابن عيسى قاسما # ينهض به أبلج فرّاج الكرب

كرونق السيف انبلاجا بالندى # و كغراريه على أهل الرّيب

ما وسنت عين رأت طلعته # فاستيقظت بنوبة من النّوب

لو لا ابن عيسى القرم كنّا هملا # لم يؤتثل مجد و لم يرع حسب‏

[1]كذا في ب، س. و في أ، جـ: «يقصر» .

[2]المحزم: الحزام.

[3]اللبب: ما يشد في صدر الدابة ليمنع استئخار الرحل.

[4]كذا في أ، جـ، مد. و الحنب: احديداب في صلب الفرس. و في ب، س: «خبب» ، تحريف.

[5]في معظم النسخ: «تناهين» ، تحريف.

[6]الشظى: انشقاق العصب.

[7]كذا بالأصول، و لعلها تحريف: تر، بفتح فتشديد، بمعنى سرعة الركض، أو امتلاء الجسم، أو اعتدال الأعضاء.

[8]الخور: جمع خيرة، و هي الخيرة من الإبل.

[9]الحلب: اللبن.

[10]العتب: الظلع، و المشي على ثلاث قوائم من العقر.

[11]رادينا: طلبنا مسابقين، و أصل الرديان أن يرجم الفرس الأرض بحوافره.

[12]كذا في ب، س. و معناه مسرع. و في أ: «محتدم» .

[13]الأحقب: الحمار الوحش الّذي في بطنه أو خصره بياض.

[14]الخبب: نوع من العدو، و السرعة.

[15]تظنينا: أعملنا الظن.

[16]بالقدح: بالإصابة ملجم. و أصل القدح: الصدع في العود، و الأكال في الشجر و الأسنان. ـ

225

و لم يقم في يوم بأس و ندى # و لا تلاقى سبب إلى سبب

تكاد تبدى الأرض ما تضمره # إذا تداعت خيله هلا وهب‏[1]

و يستهلّ أملا و خيفة # جانبها إذا استهلّ أو قطب

و هو و إن كان ابن فرعي وائل # فبمساعيه يوافي‏[2]في الحسب

و بعلاه و علا آبائه # تحوى غداة السبق أخطار القصب

يا زهرة الدنيا و يا باب الندى # و يا مجير الرّعب من يوم الرّهب

لولاك ما كان سدى‏[3]و لا ندى # و لا قريش عرفت و لا العرب

خذها إليك من ملي‏ء بالثنا # لكنه غير ملي‏ء بالنّشب

/فاثو في الأرض أو استفزز بها # أنت عليها الرأس و الناس الذنب‏

شهادة الشعراء بأنه صاحب مدح أبي دلف:

قال: فلما غدا عليه بالقصيدة و أنشده إياها استحسنها من حضر، و قالوا: نشهد أن قائل/هذه قائل تلك، فأعطاه ثلاثين ألف درهم. و قد قيل: إن أبا دلف أعطاه مائة ألف درهم، و لكن أراها في دفعات؛ لأنه قصده مرارا كثيرة، و مدحه بعدة قصائد.

المأمون يستنشد بعض جلسائه قصيدته في أبي دلف:

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال: حدّثني محمد بن موسى بن حماد قال: حدّثني أحمد بن أبي فنن قال:

قال عبد اللّه بن مالك:

قال المأمون يوما لبعض جلسائه: أقسم على من حضر ممن يحفظ قصيدة عليّ بن جبلة الأعمى في القاسم بن عيسى إلاّ أنشدنيها، فقال له بعض الجلساء: قد أقسم أمير المؤمنين، و لا بد من إبرار قسمه، و ما أحفظها، و لكنها مكتوبة عندي. قال: قم فجئني بها، فمضى و أتاه بها، فأنشده إياها و هي:

ذاد ورد الغيّ عن صدره # و ارعوى و اللّهو من وطره

و أبت إلاّ البكاء له # ضحكات الشيب في شعره

ندمي‏[4]أن الشباب مضى # لم أبلّغه مدى أشره

و انقضت أيامه سلما # لم أجد حولا على غيره

حسرت عني بشاشته # و ذوي المحمود من ثمره

و دم أهدرت من رشإ # لم يرد عقلا على هدره‏

[1]هلا وهب: اسمان لزجر الخيل.

[2]كذا في جـ. و في ب، س: «تراقي» ، تحريف.

[3]س: «سرى» .

[4]في جـ: «ندما» .

226

فأتت‏[1]دون الصّبا هنة # فليت فوقي‏[2]على وتره

جارتا ليس الشباب لمن # راح محنيّا على كبره

/ذهبت أشياء كنت لها # صارها[3]حلمي إلى صوره‏[4]

دع جدا قحطان أو مضر # في يمانيه و في مضره

و امتدح من وائل رجلا # عصر[5]الآفاق في عصره

المنايا في مناقبه # و العطايا في ذرا حجره

ملك تندى أنامله # كانبلاج النّوء من مطره

مستهلّ عن مواهبه # كابتسام الروض عن زهره

جبل عزّت مناكبه # أمنت عدنان في ثغره

إنما الدنيا أبو دلف # بين مبداه‏[6]و محتضره

فإذا ولّى أبو دلف # ولّت الدنيا على أثره

لست أدري ما أقول له # غير أن الأرض في خفره

يا دواء الأرض إن فسدت # و مديل اليسر من عسره

كلّ من في الأرض من عرب # بين باديه إلى حضره

مستعير منك مكرمة # يكتسيها يوم مفتخره‏

يقول فيها:

و زحوف في صواهله # كصياح‏[7]الحشر في أثره

/قدته و الموت مكتمن # في مذاكيه و مشتجره‏[8]

/فرمت جيلويه‏[9]منه يد # طوت المنشور من نظره

زرته و الخيل عابسة # تحمل البؤس على عقره‏[10]

خارجات تحت رايتها # كخروج الطير من وكره‏

[1]في أ: «فأتى» . و في ب، س، م: «فأنت» ، تحريف.

[2]الفوق: موضع الوتر من السهم.

[3]صار الشي‏ء صورا: أماله.

[4]الصور: الميل، و فعله كفرح.

[5]العصر: المنجاة.

[6]كذا في ب، س، جـ. في أ، م: «باديه» .

[7]في أ، م:

«كضياء الفجر في أمره»

، الأمر هنا: السطوع و الانتشار، من أمر، بكسر الميم: أي كثر و نما.

[8]في س، ب، جـ:

«مستجره كأنه بمعنى مشتعله»

.

[9]جيلويه، رجل من ذوي الشوكة كان بين و بين آل أبي دلف وقائع.

[10]العقر: جمع عقرة: كهمزة، و هو الراكب يعقر ركوبته من كثرة إتعابه لها.

227

و على النعمان عجت به # عوجة ذادته عن صدره

غمط النعمان صفوتها # فرددت الصفو في كدره

و لقرقور أدرت رحا # لم تكن‏[1]ترتد في فكره

قد تأنيت البقاء له # فأبى المحتوم من قدره

و طغى حتى رفعت له # خطة شنعاء من ذكره‏

قال: فغضب المأمون و اغتاظ، و قال: لست لأبي إن لم أقطع لسانه أو أسفك دمه.

أنشد أبا دلف مدحته بعد أن قتل قرقورا:

قال ابن أبي فنن: و هذه القصيدة قالها عليّ بن جبلة و قصد بها أبا دلف بعد قتله الصّعلوك المعروف بقرقور، و كان من أشد الناس بأسا و أعظمهم. فكان يقطع هو و غلمانه على القوافل و على القرى، و أبو دلف يجتهد في أمره فلا يقدر عليه. فبينا أبو دلف خرج ذات يوم يتصيد و قد أمعن في طلب الصيد وحده إذا بقرقور قد طلع عليه و هو راكب فرسا يشق الأرض بجريه، فأيقن أبو دلف بالهلاك، و خاف أن يولّي عنه فيهلك، فحمل عليه و صاح: يا فتيان!يمنة يمنة-يوهمه أن معه خيلا قد كمنها له-فخافه قرقور و عطف على يساره هاربا، و لحقه أبو دلف فوضع رمحه بين كتفيه فأخرجه من صدره، و نزل فاحتزّ رأسه، و حمله على رمحه حتى أدخله الكرج.

/قال: فحدّثني من رأى رمح قرقور و قد أدخل بين يديه يحمله أربعة نفر. فلما أنشده عليّ بن جبله هذه القصيدة استحسنها و سرّ بها و أمر له بمائة ألف درهم.

اتساع شهرة قصيدته فيه:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد الأزديّ قال: أخبرني إبراهيم بن خلف قال:

بينا أبو دلف يسير مع أخيه معقل-و هما إذا ذاك بالعراق-إذ مرّا بامرأتين تتماشيان، فقالت إحداهما لصاحبتها: هذا أبو دلف، قالت: و من أبو دلف؟قالت: الّذي يقول فيه الشاعر:

إنما الدنيا أبو دلف # بين باديه و محتضره

فإذا ولّى أبو دلف # ولّت الدنيا على أثره‏

قال: فاستعبر أبو دلف حتى جرى دمعه. قال له معقل: مالك يا أخي تبكي؟قال: لأني لم أقض حقّ عليّ بن جبلة.

قال: أ و لم تعطه مائة ألف درهم لهذه القصيدة؟قال: و اللّه يا أخي ما في قلبي حسرة تقارب حسرتي على أني لم أكن أعطيته مائة ألف دينار. و اللّه لو فعلت ذلك لما كنت قاضيا حقه.

شدة إعجاب أبي تمام ببيت من بائيته:

حدّثني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني عبد اللّه ابن محمد بن جرير قال:

أنشدت أبا تمام قصيدة عليّ بن جبلة البائية، فلما بلغت إلى قوله:

[1]كذا في ب، س. في جـ: «تكد» .

228

و ردّ البيض و البيض # إلى الأغماد و الحجب‏[1]

اهتز أبو تمام من فرقه‏[2]إلى قدمه، ثم قال: أحسن، و اللّه لوددت أن لي هذا/البيت بثلاث/قصائد من شعري يتخيرها[3]و ينتخبها[4]مكانه.

طلب أن ينشد المأمون مدحا فيه ثم يختار الإقالة فرارا من شروط للمأمون:

أخبرني عمي قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني أبو نزار الضبيّ الشاعر قال:

قال لي عليّ بن جبلة قلت لحميد بن عبد الحميد الطّوسي: يا أبا غانم، إني قد مدحت أمير المؤمنين بمدح لا يحسن مثله أحد من أهل الأرض، فاذكرني له. قال: فأنشدني، فأنشدته. قال: أشهد أنك صادق، ما يحسن أحد أن يقول هكذا. و أخذ المديح فأدخله إلى المأمون، فقال له: يا حميد، الجواب في هذا واضح، إن شاء عفونا عنه و جعلنا ذلك ثوابا لمديحه، و إن شاء جمعنا بين شعره فيك و في أبي دلف و بين شعره فينا، فإن كان الّذي قاله فيكما أجود ضربنا ظهره، و أطلنا حبسه، و إن كان الّذي قاله أجود أعطيناه لكل بيت ألف درهم، و إن شاء أقلناه فقلت له: يا سيدي و من أنا و من أبو دلف حتى يمدحنا بأجود من مديحك!فقال: ليس هذا الكلام من الجواب في شي‏ء، فاعرض ما قلت لك على الرجل. فقال: أفعل. قال عليّ بن جبلة: فقال لي حميد: ما ترى؟فقلت: الإقالة أحبّ إلي، فأخبر المأمون بذلك. فقال: هو أعلم، ثم قال لي حميد: يا أبا الحسن أيّ شي‏ء يعني من مدائحك لي و لأبي دلف؟فقلت: قولي فيك:

لو لا حميد لم يكن # حسب يعد و لا نسب

يا واحد العرب الّذي # عزّت بعزّته العرب‏

و قولي في أبي دلف:

/

إنما الدنيا أبو دلف # بين باديه و محتضره

فإذا ولّى أبو دلف # ولت الدنيا على أثره‏

قال: فأطرق حميد ثم قال: لقد انتقد عليك أمير المؤمنين فأجاد، و أمر لي بعشرة آلاف درهم و خلعة و فرس و خادم. و بلغ ذلك أبا دلف فأضعف لي العطية، و كان ذلك في ستر منهما، ما علم به أحد خوفا من المأمون حتى حدثتك به يا أبا نزار.

يمسك عن زيارة أبي دلف حياء لكثرة بره به:

أخبرني عليّ بن سليمان قال: حدّثني محمد بن يزيد، قال: حدّثني عليّ بن القاسم قال: قال لي عليّ بن جبلة:

[1]يكنى عن انتصاره الحاسم برد السيوف إلى أغمادها، و السبايا إلى حجبها.

[2]في أ، جـ، م: «قرنه» .

[3]في س: «يتخيلها» ، تحريف.

[4]في أ، جـ: «ينتحلها» .

229

زرت أبا دلف، فكنت لا أدخل إليه إلاّ تلقاني ببرّه و أفرط، فلما أكثر قعدت عنه حياء منه، فبعث إليّ بمعقل أخيه، فأتاني فقال لي: يقول لك الأمير: لم هجرتنا؟لعلك استبطأت بعض ما كان منّي، فإن كان الأمر كذلك فإني زائد فيما كنت أفعله حتى ترضى، فدعوت من كتب لي، و أمللت عليه هذه الأبيات، ثم دفعتها إلى معقل، و سألته أن يوصلها، و هي:

هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة # و هل يرتجى نيل الزيادة بالكفر

و لكنني لما أتيتك زائرا # فأفرطت في بري عجزت عن الشكر

فها أنا لا آتيك إلا مسلّما # أزورك في الشهرين يوما و في الشهر

فإن زدتني برّا تزايدت‏[1]جفوة # و لم تلقني طول الحياة إلى الحشر

قال: فلما سمعها معقل استحسنها جدا، و قال: جوّدت و اللّه، أما أن الأمير ليعجب/بمثل هذه الأبيات، فلما أوصلها إلى أبي دلف قال: للّه درّه!ما أشعره، و ما[2]أرقّ معانيه!ثم دعا بدواة، فكتب إليّ:

/

ألا ربّ ضيف طارق قد بسطته # و آنسته قبل الضيافة بالبشر

أتاني يرجّيني فما حال دونه # و دون القرى من نائلي عنده ستري

وجدت له فضلا عليّ بقصده # إليّ و برّا يستحق به شكري

فلم أعد أن أدنيته و ابتدأته # ببشر و إكرام و برّ على برّ

و زوّدته مالا قليل‏[3]بقاؤه # و زوّدني مدحا يدوم على الدهر

ثم وجّه بهذه الأبيات مع وصيف يحمل كيسا فيه ألف دينار، فذلك حيث قلت له:

إنما الدنيا أبو دلف # بين باديه و محتضره‏

يقصد عبد اللّه بن طاهر ليمدحه، فيرده لغلوه في مدح أبي دلف:

أخبرني عمي قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني أحمد بن القاسم قال: حدّثني نادر مولانا:

أن عليّ بن جبلة خرج إلى عبد اللّه بن طاهر و إلى خراسان، و قد امتدحه، فلما وصل إليه قال له: أ لست القائل:

إنما الدنيا أبو دلف # بين باديه و محتضره

فإذا ولّى أبو دلف # ولّت الدنيا على أثره‏

قال: بلى، قال: فما الّذي جاء بك إلينا، و عدل بك عن الدنيا الّتي زعمت؟/ارجع من حيث جئت، فارتحل، و مرّ بأبي دلف و أعلمه الخبر، فأعطاه حتى أرضاه. قال نادر: فرأيته عند مولاي القاسم بن يوسف، و قد سأله عن خبره فقال:

أبو دلف إن تلقه ماجدا # جوادا كريما راجح الحلم سيدا

[1]كذا في س. في أ، ب، جـ: «تزيدت» .

[2]في ب، س ب: «ما أشعره و أرق» . و في أ، جـ: «ما أشعره و أدق» .

[3]ف، مم، مو: «قليلا» بالنصب، و كلاهما صحيح.

230

أبو دلف الخيرات أنداهم يدا # و أبسط معروفا و أكرم محتدا

تراث أبيه عن أبيه و جدّه # و كلّ امرئ يجري على ما تعودا

و لست بشاك غيره لنقيصة # و لكنما الممدوح من كان أمجدا

يصف قصر حميد الطوسي و يمدحه:

قال مؤلف هذا الكتاب‏[1]: و الأبيات الّتي فيها الغناء المذكورة بذكرها أخبار أبي الحسن عليّ بن جبلة من قصيدة له مدح بها حميدا الطوسيّ، و وصف قصره على دجلة و قال فيها بعد الأبيات الّتي فيها الغناء:

ليس لي ذنب سوى أنّ # ي أسميك خليلا[2]

و أناديك عزيزا # و تناديني ذليلا

أنا أهواك و حاليـ # ك صروما و وصولا

ثق بودّ ليس يفنى # و بعهد لن يحولا

جعل اللّه حميدا # لبني الدنيا كفيلا

ملك لم يجعل اللّه # له فيهم عديلا

فأقاموا في ذراه # مطمئنين حلولا

لا ترى فيهم مقلاّ # يسأل المثرى فضولا

جاد بالأموال حتى # علّم الجود البخيلا

/و بني الفخر على الفخـ # ر بناء مستطيلا

صار للخائف أمنا # و على الجود دليلا

يرثي حميدا الطوسي:

و لما مات حميد الطوسيّ رثاه بقصيدته العينية المشهورة، و هي من نادر الشعر و بديعه، و في أولها غناء من الثقيل الأول، يقال: إنه لأبي العبيس، و يقال: إنه للقاسم ابن زرزور:

أ للدهر تبكي أم على الدهر تجزع؟ # و ما صاحب الأيام إلا مفجّع

و لو سهّلت عنك الأسا كان في الأسا # عزاء معزّ للبيب و مقنع

تعزّ بما عزّيت غيرك إنها # سهام المنايا حائمات و وقّع

أصبنا بيوم في حميد لو أنه # أصاب عروش الدهر ظلت تضعضع

و أدّبنا ما أدب الناس قبلنا # و لكنه لم يبق للصبر موضع‏

[1]ف: «قال الأصبهاني» .

[2]كذا في ب، حـ، س. في أ، م، ف: «جليلا» .

231

أ لم تر للأيام كيف تصرّمت‏[1] # به و به كانت تذاد و تدفع

و كيف التقى مثوى من الأرض ضيق # على جبل كانت به الأرض تمنع

و لما انقضت أيامه انقضت العلا # و أضحى به أنف الندى و هو أجدع

و راح عدوّ الدّين جذلان ينتحي # أمانيّ كانت في حشاه تقطع‏[2]

و كان حميد معقلا ركعت به # قواعد ما كانت على الضيم تركع

/و كنت أراه كالرزايا رزئتها # و لم أدر أن الخلق يبكيه أجمع

حمام رماه من مواضع أمنه # حمام كذاك الخطب بالخطب يقدع‏[3]

و ليس بغرو أن تصيب منية # حمى أختها أو أن يذلّ الممنّع

لقد أدركت فينا المنايا بثارها # و حلّت بخطب وهيه ليس يرقع

نعاء[4]حميد للسرايا إذا غدت # تذاد بأطراف الرماح و توزع

و للمرهق المكروب ضاقت بأمره # فلم يدر في حوماتها كيف يصنع؟

و للبيض خلّتها البعول و لم يدع # لها غيره داعى الصباح المفزّع

كأن حميدا لم يقد جيش عسكر # إلى عسكر أشياعه لا تروّع

و لم يبعث الخيل المغيرة بالضحا # مراحا و لم يرجع بها و هي ظلّع

رواجع يحملن النّهاب و لم تكن # كتائبه إلاّ على النهب ترجع

هوى جبل الدنيا المنيع و غيثها # المريع و حاميها الكميّ المشيع‏[5]

و سيف أمير المؤمنين و رمحه # و مفتاح باب الخطب و الخطب أفظع

فأقنعه من ملكه و رباعه # و نائله قفر من الأرض بلقع

على أيّ شجو تشتكي النفس بعده # إلى شجوه أو يذخر الدمع مدمع

أ لم تر أن الشمس‏[6]حال ضياؤها # عليه و أضحى لونها و هو أسفع

و أوحشت الدنيا و أودى بهاؤها # و أجدب مرعاها الّذي كان يمرع

و قد كانت الدنيا به مطمئنة # فقد جعلت أوتادها تتقلع

/بكى فقده روح الحياة كما بكى # نداه الندى و ابن السبيل المدفّع‏

[1]ف، مو: «تصرفت» .

[2]ينتهي هنا ما روت نسخة!من هذه القصيدة. و فيها بعد هذا البيت: و هي قصيدة طويلة. قد اعتمد عليها الطائيان في مراثيهما، فسلخاها. و لو لا كراهة الإطالة لذكرت ذلك.

[3]يقدع: يدفع.

[4]نعاء حميدا: انعه، و أظهر خبر وفاته.

[5]المشيع: الشجاع، كأنه يشيعه، أي يشجعه غيره، أو يشيعه قلبه

[6]كذا في ب، جـ، مد. و في س: «النفس» ، تحريف.

232

/

و فارقت البيض الخدور و أبرزت # عواطل حسرى بعده لا تقنّع

و أيقظ أجفانا و كان لها الكرى # و نامت عيون لم تكن قبل تهجع

و لكنه مقدار يوم ثوى به # لكل امرئ منه نهال و مشرع

و قد رأب اللّه الملا[1]بمحمد # و بالأصل ينمي فرعه المتفرع

أغرّ على أسيافه و رماحه # تقسّم أنفال الخميس و تجمع

حوى عن أبيه بذل راحته الندى # و طعن الكلى و الزاعبية[2]شرّع‏

و إنما ذكرت هذه القصيدة على طولها لجودتها و كثرة نادرتها، و قد أخذ البحتريّ أكثر معانيها فسلخه، و جعله في قصيدته اللتين رثى بهما أبا سعيد الثغري:

انظر إلى العلياء كيف تضام‏[3]

و:

بأي أسى تثنى الدموع الهوامل‏[4]

و قد أخذ الطائي أيضا بعض معانيها، و لو لا كراهة الإطالة لشرحت المواضع المأخوذة. و إذا تأمل ذلك منتقد بصير عرفه.

بلغ في مدح حميد الطوسي ما لم يبلغه في مدح غيره:

أخبرني عمي قال: حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني أبو وائلة قال: قال رجل لعليّ بن جبلة:

ما بلغت في مديح أحد ما بلغته في مديحك حميدا الطوسيّ. فقال: و كيف لا أفعل و أدنى ما وصل إليّ منه أني أهديت له قصيدة في يوم نيروز فسرّ بها، و أمر أن يحمل إليّ كلّ ما أهدى له، فحمل إليّ ما قيمته مائتا ألف درهم، و أهديت له/قصيدة في يوم عيد فبعث إليّ بمثل ذلك.

يصف جيشا ركب فيه حميد الطوسي و يمدحه:

قال أبو وائلة. و قد كان حميد ركب يوم عيد في جيش عظيم لم ير مثله، فقال عليّ بن جبلة يصف ذلك:

غدا بأمير المؤمنين و يمنه # أبو غانم غدو الندى‏[5]و السحائب

و ضاقت فجاج الأرض عن كل موكب # أحاط به مستعليا للمواكب

كأن سموّ النّقع و البيض‏[6]فوقهم # سماوة ليل قرّنت‏[7]بالكواكب‏

[1]مم، مو: «الثأي» ، و رأب الثأي: أصلح الفساد، و أصله من ثئي الخرز: إذا انخرم.

[2]الزاعبية: هي الرماح الّتي إذا هزت كانت كأن كعوبها يجري بعضها في بعض، أو المنسوبة إلى زاعب: بلد، أو رجل.

[3]ديوان البحتري 257، و عجزه

و مآتم الأحساب كيف تقام‏

[4]ديوانه 194، و عجزه

و ترجى زيال من جوى لا يزايل‏

[5]كذا في ب، س و في أ، جـ: «الردى» .

[6]في ف: «و البيض» بالنصب، و كلاهما صحيح.

[7]مو: «حليت بالكواكب» .

233

فكان لأهل العيد عيد بنسكهم # و كان حميد عيدهم بالمواهب

و لو لا حميد لم تبلّج عن الندى # يمين و لم يدرك غنى كسب كاسب

و لو ملك الدنيا لما كان سائل # و لا اعتام‏[1]فيها صاحب فضل صاحب

له ضحكة تستغرق المال بالندى # على عبسة تشجى‏[2]القنا بالترائب

ذهبت بأيام العلا فاردا بها # و صرّمت عن مسعاك شأو المطالب

و عدّلت ميل الأرض حتى تعدلت # فلم ينأ منها جانب فوق جانب

بلغت بأدنى الحزم أبعد قطرها # كأنك منها شاهد كلّ غائب‏

قصيدة أهداها إليه يوم نيروز:

قال: و الّتي أهداها له يوم النيروز قصيدته الّتي فيها:

حميد يا قاسم الدنيا بنائله # و سيفه بين أهل النّكث و الدّين

أنت الزمان الّذي يجري تصرّفه # على الأنام بتشديد و تليين

/لو لم تكن كانت الأيّام قد فنيت # و المكرمات و مات المجد مذ حين

/صوّرك اللّه من مجد و من كرم # و صوّر النّاس من ماء و من طين‏

نسخت من كتاب بخط محمد بن العباس اليزيديّ:

يدخل على أبي دلف فيستنشده:

قال أحمد بن إسماعيل الخصيب الكاتب: دخل عليّ بن جبلة يوما إلى أبي دلف فقال له: هات يا عليّ ما معك. فقال: إنه قليل. فقال هاته، فكم من قليل أجود من كثير فأنشده:

اللّه أجرى من الأرزاق أكثرها # على يديك فشكرا يا أبا دلف

أعطى أبو دلف و الريح عاصفة # حتى إذا وقفت أعطى و لم يقف‏

يستنشده أبو دلف فيتطير مما أنشده:

قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما كان بعد مدة دخل إليه، فقال له: هات ما معك فأنشده:

من ملك الموت إلى قاسم # رسالة في بطن قرطاس

يا فارس الفرسان يوم الوغى # مرني بمن شئت من الناس‏

قال: فأمر له بألفي درهم، و كان قد تطير من ابتدائه في هذا الشعر، فقال: ليست هذه من عطاياك أيها الأمير، فقال: بلغ بها هذا المقدار ارتياعنا من تحمّلك رسالة ملك الموت إلينا.

يهجو الهيثم بن عدي إجابة لطلب الخزيمي:

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن عليل العنزيّ قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه قال:

[1]اعتام: أخذ العيمة بالكسر. و هي في الأصل: خيار المال.

[2]أشجاه: أغصه.

234

حدّثني عليّ بن جبلة العكوّك المروزيّ قال:

جاءني أبو يعقوب الخزيميّ فقال لي: إن لي إليك حاجة. قلت: و ما هي؟قال: تهجو لي الهيثم بن عديّ.

فقلت: و مالك أنت لا تهجوه و أنت شاعر؟فقال: قد/فعلت، فما جاءني شي‏ء كما أريد. فقلت له: فقلت له:

كيف أهجو رجلا لم يتقدم إليّ منه إساءة، و لا له إليّ جرم يحفظني؟فقال: تقرضني، فإني مليّ بالقضاء، قلت:

نعم، فأمهلني اليوم فمضى، و غدوت عليه فأنشدته:

للهيثم بن عديّ نسبة جمعت # آباءه فأراحتنا من العدد

أعدد عديّا فلو مدّ البقاء له # ما عمّر الناس لم ينقص و لم يزد

نفسي نداء بني عبد المدان و قد # تلوه‏[1]للوجه و استعلوه بالعمد

حتى أزالوه كرها عن كريمتهم # و عرّفوه بدلّ أين أصل عدي؟

يا بن الخبيثة من أهجو فأفضحه # إذا هجوت و ما تنمى إلى أحد؟

هجاؤه الهيثم بن عدي مزق بينه و بين زوجه:

قال: و كان الهيثم قد تزوج إلى بني الحارث بن كعب، فركب محمد بن زياد بن عبيد اللّه بن عبد المدان الحارثيّ، أخو يحيى بن زياد، و معه جماعة من أصحابه الحارثيّين إلى الرشيد، فسألوه أن يفرّق بينهما. فقال الرشيد: أ ليس هو الّذي يقول فيه الشاعر:

إذا نسبت عديا في بني ثعل # فقدّم الدال قبل العين في النسب‏

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. قال فهذا الشعر من قاله؟قالوا: هو لرجل من أهل الكوفة من بني شيبان يقال له:

ذهل بن ثعلبة فأمر الرشيد داود بن يزيد أن يفرّق بينهما، فأخذوه فأدخلوه دارا و ضربوه بالعصيّ حتى طلقها.

يشخص إلى عبد اللّه بن طاهر و يمدحه:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمد بن الحسن بن الخصيب قال:

شخص عليّ بن جبلة إلى عبد اللّه بن طاهر والي خراسان-و قد مدحه فأجزل/صلته-و استأذنه في الرجوع، فسأله أن يقيم عنده، و كان برّه يتصل عنده، فلما طال مقامه اشتاق إلى أهله، فدخل إليه فأنشده:

ينشد عبد اللّه بن طاهر شعرا يطلب به أن يأذن له في الرحيل:

راعه الشيب إذ نزل # و كفاه من العذل

و انقضت مدة الصبا # فانقضى اللهو و الغزل

قد لعمري دملته # بخضاب فما اندمل‏

[1]تله للوجه: كبه له.

235

فابك للشيب إذ بدا # لا على الرّبع و الطلل

وصل اللّه للأمير # عرا الملك فاتصل

ملك عزمه الزما # ن و أفعاله الدول

كسرويّ بمجده # يضرب الضارب المثل

و إلى ظلّ عزّه‏[1] # يلجأ الخائف الوجل

كلّ خلق سوى الإما # م لإنعامه خول

ليته حين جاد لي # بالغنى جاد بالقفل‏

قال: فضحك و قال: أبيت إلاّ أن توحشنا. و أجزل صلته، و أذن له.

ينشد حميدا الطوسي شعرا في أول رمضان:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني أبو وائلة السدوسيّ قال:

دخل عليّ بن جبلة العكوّك على حميد الطوسيّ في أول يوم من شهر رمضان، فأنشده:

/

جعل اللّه مدخل الصوم فوزا # لحميد و متّعه في البقاء

فهو شهر الربيع للقرّاء # و فراق النّدمان و الصهباء

و أنا الضامن المليّ‏[2]لمن عا # قرها مفطرا بطول الظّماء

و كأني أرى النّدامى على الخسف # يرجّون صبحهم بالمساء

قد طوى بعضهم زيارة بعض # و استعاضوا مصاحفا بالغناء

يقول فيها:

بحميد و أين مثل حميد # فخرت طيّ‏ء على الأحياء

جوده أظهر السماحة في الأر # ض و أغنى المقوي عن الإقواء[3]

ملك يأمل العباد نداه # مثل ما يأملون قطر السماء

صاغه اللّه مطعم الناس في الأر # ض و صاغ السحاب للإسقاء

ينشد حميدا الطوسي شعرا ثاني شوال:

قال: فأمر له بخمسة آلاف درهم، و قال: استعن بهذه على نفقة صومك. ثم دخل إليه ثاني شوال، فأنشده:

علّلاني بصفو ما في الدّنن # و اتركا ما بقوله العاذلان‏

و اسبقا فاجع المنيّة بالعيش فكلّ على الجديدين فإني [1]ف: «إلى عز ظله» .

[2]مو، مم: «الكفيل» .

[3]المقوي: الفقير.

236

علّلاني بشربة تذهب # الهمّ و تنفي طوارق الأحزان

و انفثا[1]في مسامع سدّها الصو # م رقى الموصليّ أو دحمان

قد أتانا شوال فاقتبل العيـ # ش و أعدى‏[2]قسرا على رمضان

نعم عون الفتى على نوب الدهر # سماع القيان و العيدان

/و كئوس تجري بماء كروم # و مطيّ الكئوس أيدي القيان

من عقار تميت كلّ احتشام # و تسرّ النّدمان بالنّدمان

و كأنّ المزاج يقدح منها # شررا في سبائك العقيان

فاشرب الراح و اعص من لام فيها # إنها نعم عدة الفتيان

و اصحب الدهر بارتحال و حلّ # لا تخف ما يجرّه الحادثان

حسب مستظهر على الدهر ركنا # بحميد ردءا من الحدثان

ملك يقتني المكارم كنزا # و تراه من أكرم الفتيان

خلقت راحتاه للجود و ألبا # س و أمواله لشكر اللسان

ملّكته على العباد معدّ # و أقرّت له بنو قحطان

أريحيّ الندى جميل المحيّا # يده و السماح‏[3]معتقدان‏[4]

وجهه مشرق إلى معتفيه # و يداه بالغيث تنفجران

جعل الدهر بين يوميه قسمـ # ين بعرف جزل و حرّ طعان

فإذا سار بالخميس لحرب # كلّ عن نصّ جريه الخافقان

و إذا ما هززته لنوال # ضاق عن رحب صدر الأفقان

غيث جدب إذا أقام ربيع # يتغشى بالسّيب كلّ مكان

يا أبا غانم بقيت على الدهر # و خلّدت ما جرى العصران

ما نبالي إذا عدت المنايا # من أصابت بكلكل و جران

قد جعلنا إليك بعث المطايا # هربا من زماننا الخوّان

/و حملنا الحاجات فوق عتاق # ضامنات حوائج الرّكبان

ليس جود وراء جودك ينتا # ب و لا يعتفي لغيرك عاني‏

فأمر له بعشرة آلاف درهم، و قال: تلك كانت للصوم، فخفّفت و خففنا، و هذه للفطر، فقد زدتنا و زدناك.

[1]كذا في أ، جـ. و في ب، س: «ألقيا» ، تحريف.

[2]أعدي: نصر و أعان.

[3]كذا في أ، جـ، مد. و في س: «السماء» .

[4]معتقدان: معقودان.

237

«احب» جارية و أحبته على قبح وجهه:

أخبرني عمي قال: حدثنا أحمد بن الطيب السّرخسيّ قال: حدثنا ابن أخي عليّ بن جبلة العكوّك-قال أحمد:

و كان عليّ جارنا بالربض‏[1]هو و أهله، و كان أعمى و به وضح. و كان يهوى جارية أديبة ظريفة شاعرة و كانت تحبّه هي أيضا على قبح وجهه و ما به من الوضح، حدّثني بذلك عمرو بن بحر الجاحظ.

قال عمرو: و حدّثني العكوّك أن هذه الجارية زارته يوما و أمكنته من نفسها حتى افتضّها. قال، و ذلك عنيت في قولي:

و دم أهدرت من رشإ # لم يرد عقلا على هدره‏

و هي القصيدة الّتي مدح بها أبا دلف، يعني بالدم: دم البضع‏[2].

يستأذن على حميد الطوسي فيمتنع، ثم يأذن له فيمدحه:

قال: ثم قصدت حميدا بقصيدتي الّتي مدحته بها، فلما استؤذن لي عليه أبي أن يأذن لي، و قال: قولوا له: أيّ شي‏ء أبقيت لي بعد قولك في أبي دلف:

إنما الدنيا أبو دلف # بين مبداه و محتضره

/فإذا ولّى أبو دلف # ولت الدنيا على أثره‏

فقلت للحاجب: قل للّه: الّذي قلت فيك أحسن من هذا، فإن وصّلتني سمعته، فأمر بإيصالي، فأنشدت قولي فيه:

/

إنما الدنيا حميد # و أياديه الجسام

فإذا ولّى حميد # فعلى الدنيا السّلام‏

فأمر بمائتي دينار، فنثرتها في حجر عشيقتي، ثم جئته بقصيدتي الّتي أقول فيها:

دجلة تسقي و أبو غانم # يطعم من تسقي من الناس‏

فأمر لي بمائتي دينار.

شعره حين غضبت عليه الجارية الّتي أحبها:

حدّثني عمي قال: حدّثني أحمد بن الطيب قال: حدّثني ابن أخي عليّ بن جبلة أيضا: أن عمه عليّا كان يهوى جارية، و هي هذه القينة، و كانت له مساعدة، ثم غضبت عليه، و أعرضت عنه، فقال فيها:

تسي‏ء و لا تستنكر السوء إنها # تدلّ بما تتلوه عندي و تعرف

فمن أين ما استعطفتها لم ترقّ لي # و من أين ما جربت صبري يضعف‏

ينشد لنفسه أقبح ما قيل في ترك الضيافة:

أخبرني حبيب بن نصر قال: حدثنا عمر بن شبة قال:

تذاكرنا يوما أقبح ما هجي به الناس في ترك الضيافة و إضاعة الضيف، فأنشدنا عليّ بن جبلة لنفسه:

[1]هو ربض حرب. و يعرف بالحربية، محلة ببغداد.

[2]البضع: الفرج.

238

أقاموا الدّيدبان على يقاع # و قالوا لا تنم للدّيدبان

فإن آنست شخصا من بعيد # فصفّق بالبنان على البنان

تراهم خشية الأضياف خرسا # و يأتون الصلاة بلا أذان‏

يمدح حميدا الطوسي فيعطيه ألف دينار كان أمر بالتصدّق بها:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أبي قال: حدّثني وهب بن سعيد المروزيّ، كاتب حميد الطوسيّ، قال:

جئت حميدا في أول يوم من شهر رمضان، فدفع إليّ كيسا فيه ألف دينار، /و قال: تصدّقوا بهذه. و جاءه ابنه أصرم فسلّم عليه و دعا له، ثم قال له: خادمك عليّ بن جبلة بالباب، فقال: و ما أصنع به؟جئتني به يا بني تقابلني بوجهه في أول يوم من هذا الشهر. فقال: إنه يجيد فيك القول. قال: فأنشدني بيتا مما تستجيد له: فأنشده قوله:

حيدي حياد[1]فإنّ غزوة جيشه # ضمنت لجائلة السباع عيالها

فقال: أحسن. ائذنوا له، فدخل فسلّم، ثم أنشده قوله:

إن أبا غانم حميدا # غيث على المعتفين هامي

صوّره اللّه سيف حتف # و باب رزق على الأنام

يا مانع الأرض بالعوالي # و النّعم الجمة العظام

ليس من السّوء في معاذ # من لم يكن منك في ذمام

و ما تعمّدت فيك وصفا # إلا تقدّمته أمامي

فقد تناهت بك المعالي # و انقطعت مدة الكلام

أجدّ شهرا و أبل شهرا # و اسلم على الدهر ألف عام‏

/قال: فالتفت إليّ حميد، و قال: أعطه ذلك الألف الدينار حتى يخرج للصدقة غيره.

يستشفع بحميد الطوسي إلى أبي دلف و كان غضب عليه:

حدّثني عمي قال: حدّثني يعقوب بن إسرائيل قال: حدّثني أبو سهيل عن سالم مولى حميد الطّوسيّ قال:

جاء عليّ بن جبلة إلى حميد الطوسيّ مستشفعا به إلى أبي دلف-و قد كان غضب عليه و جفاه-فركب معه إلى أبي دلف شافعا، و سأله في أمره، فأجابه و اتصل الحديث/بينهما و عليّ بن جبلة محجوب، فأقبل على رجل إلى جانبه و قال: اكتب ما أقول لك، فكتب:

لا تتركنّي بباب الدار مطّرحا # فالحر ليس عن الأحرار يحتجب

هبنا بلا شافع جئنا و لا سبب # أ لست أنت إلى معروفك السبب؟

[1]حيدي حياد: أمر بالحيدودة و الروغان، يقولونه في الحرب خطابا للخيل المغيرة، ألا تلزم جانبا واحدا، حتى لا يجد هارب مهربا، و لا متحصن ملجأ. و نظيره: فيحي فياح، أي انتشري و تفرّقي هنا و هناك.

239

قال: فأمر بإيصاله إليه، و رضي عنه و وصله.

يخشاه المخزومي أن ينشد شعرا في حضرته:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدّثني أحمد بن مروان قال: حدّثني أبو سعيد المخزوميّ قال:

دخلت على حميد الطوسيّ، فأنشدته قصيدة مدحته بها و بين يديه رجل ضرير، فجعل لا يمرّ ببيت إلا قال:

أحسن قاتله اللّه!أحسن ويحه!أحسن للّه أبوه!أحسن أيها الأمير. فأمر لي حميد ببدرة، فلما خرجت قام إليّ البوابون، فقلت: كم أنتم؟عرّفوني أولا من هذا المكفوف الّذي رأيته بين يدي الأمير؟فقالوا: عليّ بن جبلة العكوّك فارفضضت عرقا. و لو علمت أنه عليّ بن جبلة لما جسرت على الإنشاد بين يديه.

لا يأذن له المأمون في مدحه إلاّ بشرط، فيختار الإقالة:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال:

كلّم حميد الطوسيّ المأمون في أن يدخل عليه عليّ بن جبلة، فيسمع منه مديحا مدحه به، فقال: و أيّ شي‏ء يقوله فيّ بعد قوله في أبي دلف:

إنما الدنيا أبو دلف # بين مغزاه و محتضره

فإذا ولّى أبو دلف # ولّت الدنيا على أثره‏

/و بعد قوله فيك:

يا واحد العرب الّذي # عزّت بعزته العرب‏

أحسن أحواله أن يقول فيّ مثل ما قاله في أبي دلف، فيجعلني نظيرا له. هذا إن قدر على ذلك و لم يقصر عنه، فخيّروه بين أن أسمع منه، فإن كان مدحه إياي أفضل من مدحه أبا دلف وصلته، و إلا ضربت عنقه أو قطعت لسانه، و بين أن أقيله و أعفيه من هذا و ذا. فخيّروه بذلك، فاختار الإقالة.

يمدح حميد الطوسي بخير من مدحه أبا دلف:

ثم مدح حميدا الطوسيّ، فقال له:

و ما عساك أن تقول فيّ بعد ما قلته في أبي دلف، فقال: قد قلت فيك خيرا من ذلك. قال: هات، فأنشده:

دجلة تسقي و أبو غانم # يطعم من تسقي من النّاس

النّاس جسم و إمام الهدى # رأس و أنت العين في الراس‏

فقال له حميد: قد أجدت، و لكن ليس هذا مثل ذلك، و وصله.

يرثي حميدا الطوسي:

قال أحمد بن عبيد، ثم مات حميد الطوسي، فرثاه عليّ بن جبلة، فلقيته، فقلت له: أنشدني مرثيتك حميدا، فأنشدني:

240

نعاء[1]حميدا للسرايا إذا غدت # تذاد بأطراف الرماح و توزع‏

حتى أتى على آخرها.

لا يبلغ شأو الخريمي في رثاه أبي الهيذام:

فقلت له: ما ذهب على النحو الّذي نحوته يا أبا الحسن، و قد قاربته و ما بلغته. فقال: و ما هو؟فقلت: أردت قول الخريمي‏[2]في مرثيته أبا الهيذام:

/

و أعددته ذخرا لكل ملمة # و سهم المنايا بالذخائر مولع‏

/فقال: صدقت و اللّه، أما و اللّه لقد نحوته و أنا لا أطمع في اللّحاق به، لا و اللّه و لا امرؤ القيس لو طلبه و أراده ما كان يطمع أن يقاربه في هذه القصيدة.

هربه من المأمون و قد طلبه لتفضيله أبا دلف عليه و على آله:

أخبرني عمي قال: حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني ابن أبي حرب الزعفرانيّ، قال:

لما بلغ المأمون قول عليّ بن جبلة لأبي دلف:

كلّ من في الأرض من عرب # بين باديه إلى حضره

مستعير منك مكرمة # يكتسيها يوم مفتخره‏

غضب من ذلك، و قال: اطلبوه حيث كان، فطلب فلم يقدر عليه، و ذلك أنه كان بالجبل، فلما اتصل به الخبر هرب إلى الجزيرة، و قد كانوا كتبوا إلى الآفاق في طلبه، فهرب من الجزيرة أيضا، و توسط الشام فظفروا به، فأخذوه، و حملوه إلى المأمون، فلما صار إليه قال له: يا بن اللّخناء[3]، أنت القائل للقاسم بن عيسى:

كلّ من في الأرض من عرب # بين باديه إلى حضره

مستعير منك مكرمة # يكتسيها يوم مفتخره‏

جعلتنا ممن يستعير المكارم منه!فقال له: يا أمير المؤمنين، أنتم أهل بيت لا يقاس بكم أحد، لأن اللّه جل و عزّ فضلكم على خلقه، و اختاركم لنفسه. و إنما عنيت بقولي في القاسم أشكال القاسم و أقرانه، فقال: و اللّه ما استثنيت أحدا عن الكلّ، سلّوا لسانه من قفاه.

أمر المأمون أن يسل لسانه لكفره في شعره:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن موسى قال: و حدّثني أحمد بن أبي فنن: أن المأمون لما أدخل عليه عليّ بن جبلة قال له: إني لست أستحلّ دمك لتفضيلك/أبا دلف على العرب كلّها و إدخالك في ذلك قريشا- و هم آل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و عترته-و لكني أستحلّه بقولك في شعرك و كفرك حيث تقول القول الّذي أشركت فيه:

أنت الّذي تنزل الأيام منزلها # و تنقل الدهر من حال إلى حال

و ما مددت مدى طرف إلى أحد # إلا قضيت بأرزاق و آجال‏

[1]نعاء حميدا: انعه: و أظهر خبر موته.

[2]في ب، س: «الخزيمي» ، تحريف.

[3]اللخناء: الّتي لم تختن.

241

كذبت يا ماصّ بظر أمه، ما يقدر على ذلك أحد إلا اللّه-عز و جل-الملك الواحد القهار. سلّوا لسانه من قفاه.

صوت‏

لا بد من سكرة على طرب # لعل روحا يدال من كرب‏

-و يروى:

لعل روحا يديل من كرب‏

-و هو أصوب:

فعاطنيها صهباء صافية # تضحك من لؤلؤ على ذهب

خليفة اللّه أنت منتخب # لخير أمّ من هاشم و أب

أكرم بأصلين أنت فرعهما # من الإمام المنصور في النسب‏

الشعر للتيميّ، و الغناء لسليم بن سلاّم، خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو، و فيها لنظم العمياء خفيف رمل بالبنصر عن الهشاميّ.

242

3-أخبار التيميّ و نسبه‏

اسمه و ولاؤه و صفته:

هو عبد اللّه بن أيوب، و يكنى أبا محمد مولى بني تميم ثم مولى بني سليم. ذكر ذلك ابن النطاح، و كان له أخ يقال له أبو التّيحان، و كلاهما كان شاعرا، و هما من أهل الكوفة، و هما من شعراء الدولة العباسية. أحد الخلعاء المجّان الوصّافين للخمر، و كان صديقا لإبراهيم الموصليّ و ابنه إسحاق، و نديما لهما، ثم اتصل بالبرامكة و مدحهم، و اتصل بيزيد بن مزيد فلم يزل منقطعا إليه حتى مات يزيد.

أكثر شعره في وصف الخمر:

و استنفد شعره أو أكثره في وصفه الخمر، و هو الّذي يقول:

شربت من الخمر يوم الخميس # بالكاس و الطاس و القنقل‏[1]

فما زالت الكأس تغتالنا # و تذهب بالأول الأول

إلى أن توافت صلاة العشا[2] # و نحن من السكر لم نعقل

فمن كان يعرف حق الخميس # و حقّ المدام فلا يجهل

و ما إن جرت بيننا مزحة # تهيج مراء على السلسل‏

و هو القائل:

و لن أنتهي عن طيّب الراح أو يرى # بوادي عظامي في ضريحي لاحد

أضعت شبابي في الشراب تلذّذا # و كنت امرأ غرّ الشباب أكابد[3]

رواية أخرى في ولائه:

أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ قال: حدّثني أبو العيناء عن محمد بن عمر، قال:

/أبو محمد التيميّ اسمه عبد اللّه بن أيوب مولى بني تميم.

يرثي ابنا له يقال له: حبان:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار عن محمد بن داود بن الجراح قال: قال دعبل:

كان للتيميّ أبي محمد ابن يقال له حبّان، و مات هو حديث السن، فجزع عليه، و قال يرثيه:

[1]القنقل: المكيال الضخم.

[2]ف، مو: «العشاء» بإثبات الهمزة، و كلاهما صحيح.

[3]ف: «عند الشراب» ، و في أ، م: «عمري الشراب» .

243
صوت‏

أودى بجبّان ما لم يترك الناسا # فامنح فؤادك من أحبابك‏[1]الياسا

لما رمته المنايا إذ قصدن له # أصبن مني سواد القلب و الراسا

و إذ يقول لي العوّاد إذ حضروا # لا تأس أبشر أبا حبان لا تاسى‏[2]

فبت أرعى نجوم الليل مكتئبا # إخال سنّته‏[3]في الليل قرطاسا

غنى في الأول و الرابع من هذه الأبيات حكم الوادي، و لحنه رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. و أول هذه القصيدة:

يا دير هند لقد أصبحت لي أنسا # و ما عهدتك لي يا دير مئناسا

و هي مشهورة من شعره.

يجيز بيتا لإسحاق عجز عن إتمامه:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: قلت:

وصف الصدّ لمن أهوى فصدّ

/ثم أجبلت‏[4]، فمكثت عدة ليال لا يستوى لي تمامه. فدخل عليّ التيميّ فرآني مفكرا، فقال لي: ما قصتك؟فأخبرته، فقال:

و بدا يمزح بالهجر فجدّ

ثم أتممتها. فقلت:

ما له يعدل عني وجهه # و هو لا يعدله عندي أحد؟

و خرجت إلى مدح الفضل بن الربيع، فقلت:

/

قد أرادوا غرّة الفضل و هل # تطلب الغرّة في خيس الأسد

ملك ندفع ما نخشى به # و به يصلح منّا ما فسد

يفعل الناس إذا ما وعدوا # و إذا ما فعل الفضل وعد

-لإسحاق في هذا الشعر صنعة، و نسبتها:

صوت‏

وصف الصدّ لمن نهوى فصد # و بدا يمزح بالهجر فجد

[1]ف: في «أحبابك» .

[2]ف:

«لا بأس أبشر أبا حيان لا باسا»

.

[3]سنته: وجهه، أو جبهته.

[4]كذا في جـ، أي صعب على القول و في ب، س: «أحلت» .

244

ما له يعدل عني وجهه # و هو لا يعدله عندي أحد؟

الشعر و الغناء لإسحاق، خفيف رمل بالبنصر، و له فيه أيضا ثقيل أول، و فيه لزكريا بن يحيى بن معاذ هزج بالبنصر عن الهشامي و غيره. قال الهشاميّ: و قيل إن الهزج لإسحاق، و خفيف الرمل لزكريا.

اشترك هو و إسحاق في البيتين السابقين:

أخبرني جحظة عن علي بن يحيى المنجم عن إسحاق قال:

اشتركت أنا و أبو محمد التيميّ في هذا الشعر:

/

وصف الصد لمن نهوى فصد

و ذكر البيتين.

يطلب الرشيد إنشاء مرثيته في يزيد بن مزيد:

أخبرني عمي قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن طهمان قال: حدّثني محمد الراوية الّذي يقال له البيذق و كان يقرأ شعر المحدثين على الرشيد-قال:

قال لي الرشيد يوما: أنشدني مرثية مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة التي يقول فيها:

كأن الشمس يوم أصيب معن # من الإظلام ملبسة جلالا

هو الجبل الّذي كانت معدّ # تهدّ من العدوّ به الجبالا

أقمنا باليمامة بعد معن # مقاما لا نريد به زيالا

و قلنا أين نذهب بعد معن # و قد ذهب النوال فلا نوالا

قال: فأنشدته إياها، ثم قال لي، أنشدني قصيدة أبي موسى التيميّ في مرثية يزيد ابن مزيد، فهي و اللّه أحب إليّ من هذه، فأنشدته:

أحقّ أنه أودى يزيد # تبيّن أيها الناعي المشيد

أ تدري من نعيت و كيف فاهت # به شفتاك، كان بك الصعيد

أحامي المجد و الإسلام أودى # فما للأرض ويحك لا تميد!

تأمل هل ترى الإسلام مالت # دعائمه و هل شاب الوليد!

و هل شيمت سيوف بني نزار # و هل وضعت عن الخيل اللّبود!

و هل تسقي البلاد عشار[1]مزن # بدرّتها و هل يخضرّ عود!

/أ ما هدت لمصرعه نزار # بلى و تقوّض المجد المشيد

و حلّ ضريحه إذ حلّ فيه # طريف المجد و الحسب التليد

أما و اللّه ما تنفك عيني # عليك بدمعها أبدا تجود

[1]العشار في الأصل: النوق الحديثات النتاج، جمع عشراء.

245

فإن تجمد دموع لئيم قوم # فليس لدمع ذي حسب جمود

أبعد يزيد تختزن البواكي # دموعا أو تصان لها خدود؟

/لتبكك قبة الإسلام لما # وهت أطنابها و وهي العمود

و يبكك شاعر لم يبق دهر # له نشبا و قد كسد القصيد

فمن يدعو الإمام لكل خطب # ينوب و كلّ معضلة تئود؟

و من يحمي الخميس إذا تعايا # بحيلة نفسه البطل النجيد؟

فإن يهلك يزيد فكلّ حيّ # فريس للمنية أو طريد

أ لم تعجب له أن المنايا # فتكن به و هنّ له جنود؟

قصدن له و هنّ يحدن عنه # إذا ما الحرب شبّ لها وقود

لقد عزّى ربيعة أن يوما # عليها مثل يومك لا يعود

قال: فبكى هارون الرشيد بكاء اتسع فيه حتى لو كانت بين يديه سكرّجة[1]لملأها من دموعه.

يجيز شعرا للأمين:

أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنا محمد بن عمر قال:

خرج كوثر خادم محمد الأمين ليرى الحرب، فأصابته رجمة في وجهه، فجلس يبكي، فوجّه محمد من جاءه به، و جعل يمسح الدم عن وجهه، و قال:

ضربوا قرة عيني # و من أجلي ضربوه

أخذ اللّه لقلبي # من أناس أحرقوه‏

/قال: و أراد زيادة في الأبيات فلم يواته، فقال للفضل بن الربيع: من هاهنا من الشعراء، فقال:

الساعة رأيت عبد اللّه بن أيوب التيميّ، فقال: عليّ به. فلما أدخل أنشده محمد هذين البيتين، و قال: أجزهما، فقال:

ما لمن أهوى شبيه # فبه الدنيا تتيه

وصله حلو و لكن # هجره مرّ كريه

من رأى الناس له الفضـ # ل عليهم حسدوه

مثل ما قد حسد القا # ئم بالملك أخوه‏

فقال محمد: أحسنت، هذا و اللّه خير مما أردنا، بحياتي عليك يا عباسي‏[2]إلاّ نظرت، فإن جاء على الظّهر ملأت أحمال ظهره دراهم، و إن كان جاء في زورق ملأته. فأوقرت له ثلاثة أبغل دراهم.

[1]السكرجة: الصحفة يوضع فيها الأكل.

[2]ب، س: «يا عباس» ، و المراد بالعباسيّ هنا الفضل بن الربيع

246

يلجأ إلى الفضل بن سهل ليوصله إلى المأمون، فيمدحه، و يعفو المأمون عنه:

قال محمد بن يحيى: فحدّثني الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثني محمد بن إدريس قال:

لما قتل محمد الأمين خرج إلى أبو محمد التيميّ إلى المأمون و امتدحه، فلم يأذن له، فصار إلى الفضل بن سهل و لجأ إليه و امتدحه، فأوصله إلى المأمون. فلما سلّم عليه قال له المأمون: إيه يا تيميّ.

مثل ما قد حسد القا # ئم بالملك أخوه‏

فقال التيميّ: بل أنا الّذي أقول يا أمير المؤمنين:

نصر المأمون عبد اللـ # ه لما ظلموه

نقضوا العهد الّذي كا # نوا قديما أكّدوه

لم يعامله أخوه # بالذي أوصى أبوه‏

ثم أنشده قصيدة له امتدحه بها أولها:

//

جزعت ابن تيم أن أتاك مشيب # و بان الشباب‏[1]و الشباب حبيب‏

قال: فلما أنشده إياها و فرغ منها قال: قد وهبتك للّه-عز و جل-و لأخي العباسيّ-يعني الفضل بن سهل- و أمرت لك بعشرة آلاف درهم.

ينشد الأمين أبياتا فيأمر له بمائتي ألف درهم:

أخبرني محمد بن يحيى قال: حدّثني عون بن محمد الكنديّ قال: حدّثني عبّاد[2]ابن محمد الكاتب عن أبي محمد التيميّ الشاعر قال:

أنشدت الأمين محمدا أول ما ولى الخلافة قولي:

لا بدّ من سكرة على طرب # لعل روحا يديل من كرب‏

الأبيات المذكورة في الغناء. قال، فأمر لي بمائتي ألف درهم، صالحوني منها على مائة ألف درهم.

يدخل على الأمين فيتمنى أن يكون له مثل مدح أنشده إياه، فيمدحه بقصيدة:

و أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدّثني محمد[3]بن يحيى المنجّم قال: و حدّثني حسين ابن الضحاك قال: قال لي أبو محمد التّيميّ:

دخلت على محمد الأمين أوّل ما ولي الخلافة، فقال: يا تيميّ، وددت أنه قيل فيّ مثل قول طريح بن إسماعيل في الوليد بن يزيد:

طوبى لفرعيك من هنا و هنا # طوبى لأعراقك الّتي تشج‏[4]

[1]ف، مو، مم: «و بان شباب» .

[2]ف مم، : «غسان بن محمد» .

[3]ف، مو: «على بن يحيى» .

[4]تشج: تمتد و تشتبك.

247

فإني و اللّه أحق بذلك منه، فقلت: أنا أقول ذلك يا أمير المؤمنين، ثم دخلت إليه من غد فأنشدته قصيدتي:

/

لا بد من سكرة على طرب # لعل روحا يديل من كرب‏

حتى انتهيت إلى قولي:

أكرم بفرعين يجريان به # إلى الإمام المنصور في النسب‏

فتبسّم، ثم قال لي: يا تيمي قد أحسنت، و لكنه كما قيل: مرعى و لا كالسّعدان، ثم التفت إلى الفضل بن الربيع فقال: بحياتي أو قر له زورقه مالا. فقال: نعم يا سيدي. فلما خرجت طالبت الفضل بذلك، فقال: أنت مجنون؟من أين لنا ما يملأ زورقك؟ثم صالحني على مائة ألف درهم.

يمدح الفضل بن يحيى فيأمر له بخمسة آلاف درهم:

أخبرني وكيع قال: حدّثني ابن إسحاق قال: حدّثني أبي قال:

كنت على باب الفضل بن يحيى، فأتاني التيميّ الشاعر بقصيدة في قرطاس، و سألني أن أوصلها إلى الفضل، فنظرت فيها ثم خرقت القرطاس، فغضب أبو محمد و قال لي: أ ما كفاك أن استخففت بحاجتي؟منعتني أن أدفعها إلى غيرك. فقلت له: أنا خير لك من القرطاس، ثم دخلت إلى الفضل، فلما تحدثنا قلت له: معي هدية و صاحبها بالباب؛ و أنشدته، فقال: كيف حفظتها؟قلت: الساعة دفعها إليّ على الباب، فحفظتها. فقال: دع ذا الآن. فقلت له: فأدخله، فأدخل، فسأله عن القصة فأخبره. فقال: أنشدني شيئا من شعرك ففعل، و جعلت أردد أبياته، و جعلت أشيّعها بالاستحسان، ثم خرج التيميّ فقلت: خذ في حاجة الرجل، فقال: أمّا إذا عنيت به فقد أمرت له بخمسة آلاف درهم. فقلت له: أمّا إذ أقللتها فعجّلها، فأمر بها فأحضرت. فقلت له: أ ليس لإعناتك إياي ثمن؟قال: نعم.

قلت فهاته. قال: لا أبلغ بك في الإعنات ما بلغت بالشاعر في المديح. فقلت: فهات ما شئت، فأمر بثلاثة آلاف درهم، فضممتها إلى الخمسة الآلاف، /و وجّهت بها إليه.

يسكر هو و أخوه و ابن عم له، و ينظم في ذلك شعرا بعد انصرافهم:

و ذكر أحمد بن طاهر عن أبي هفّان عن إسحاق قال: كان التيمي و أخوه أبو التّيّحان و ابن عم له يقال له:

قبيصة يشرون في حانة حتى سكروا و انصرفوا من غد، فقال التيميّ يذكر ذلك و يتشوق مثله:

صوت‏

هل إلى سكرة بناحية الحـ # يرة شنعاء يا قبيص سبيل

و أبو التّيحان في كفّه القر # عة و الرأس فوقه إكليل

و عرار كأنه بيذق الشّطر # نج يفتن فيه قال و قيل‏[1]

الشعر للتيمي و الغناء لمحمد بن الأشعث، رمل بالوسطى.

يشتري ضيعة بجائزة له من الأمين:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا أبو العيناء عن أبي العالية، قال:

[1]ستأتي هذه الأبيات مخالفة في روايتها هنا بعض الخلاف.

248

أمر محمد الأمين لعبد اللّه بن أيوب بجائزة عشرة آلاف دينار ثوابا عن بعض مدائحه، فاشترى بها ضيعة بالبصرة، و قال بعد ابتياعه إياها:

إني اشتريت بما وهبت ليه # أرضا أمون بها قرابتيه

فبحسن وجهك حين أسأل قل # يا بن الربيع احمل إليه ميه‏

فغنّى بها الأمين، فقال للفضل: بحياتي يا عباسي، احمل إليه مائة ألف، فدعا به فأعطاه خمسين ألفا، و قال له: الخمسون الأخر لك عليّ إذا اتسعت أيدينا.

يعشق جارية، و يسأل ثمنها فيعطيه المأمون إياه فيشتريها:

أخبرني الحسن، قال: حدّثني أبو العيناء، عن أبي العالية قال:

عشق التيميّ جارية لبعض النخاسين، فشكا وجده بها إلى أبي عيسى بن الرشيد، فقال أبو عيسى للمأمون: يا أمير المؤمنين، إن التيميّ يجد بجارية لبعض النخاسين، و قد كتب إليّ بيتين يسألني فيهما ثمنها، فقال: و ما هما؟ فقال:

/

يا أبا عيسى إليك المشتكى # و أخو الصبر إذا عيل شكا

ليس لي صبر على فقدانها # و أعاف المشرب المشتركا

قال: فأمر له بثلاثين ألف درهم فاشتراها بها[1].

يمدح الفضل بن الربيع يوم عيد فيعطيه عشرة آلاف درهم:

أخبرني الحسن قال: حدّثني أبو العيناء عن أبي العالية قال: دخل التيميّ إلى الفضل بن الربيع في يوم عيد فأنشده:

ألا إنما آل الربيع ربيع # و غيث حيا للمرملين مريع

إذا ما بدا آل الربيع رأيتهم # لهم درج فوق العباد رفيع‏

فأمر له بعشرة آلاف درهم.

يمدح الفضل بن يحيى بثلاثة أبيات فيعطيه ثلاثة آلاف درهم:

أخبرني عيسى بن الحسن قال: حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: حدثنا الزبير بن بكار قال:

مدح أبو محمد التيميّ بن يحيى بثلاثة أبيات و دفعها إلى إسحاق الموصليّ، فعرضها على الفضل بن يحيى، فأمر له بثلاثة آلاف درهم، و الأبيات:

لعمرك ما الأشراف في كل بلدة # و إن عظموا للفضل إلاّ صنائع

ترى عظماء الناس للفضل خشّعا # إذا ما بدا و الفضل للّه خاشع

تواضع لمّا زاده اللّه رفعة # و كلّ جليل عنده متواضع‏

[1]هذا الخبر ساقط من ب، س و قد أثبتناه عن ف، مم، مو.

249

يسمع كتابا للحجاج إلى قتيبة بن مسلم فينظم شعرا يضمنه معناه:

أخبرني جحظة قال: حدّثني عليّ بن يحيى المنجم قال: حدّثني إسحاق الموصليّ عن محمد بن سلام قال:

كتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم: إني قد نظرت في سنّي، فإذا أنا ابن ثلاث و خمسين سنة، و أنا و أنت لدة عام. و إن امرأ قد سار إلى منهل خمسين سنة لقريب أن يرده، و السّلام.

/فسمع هذا أبو محمد التيمي منّي فقال:

إذا ذهب القرن الّذي أنت فيهم # و خلّفت في قرن فأنت غريب

و إن امرأ قد سار خمسين حجة # إلى منهل من ورده لقريب‏

يجيزه المأمون على مدح له في الأمين يذكر فيه الخمر:

حدّثني عمي قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر، قال: حدّثني أبو دعامة عليّ بن يزيد قال: حدّثني التيميّ أبو محمد قال:

دخلت على الحسن بن سهل، فأنشدته مديحا في المأمون و مديحا فيه، و عنده طاهر بن الحسين، فقال له طاهر: هذا و اللّه أيها الأمير الّذي يقول في محمد المخلوع:

لا بدّ من سكرة على طرب # لعل روحا يديل‏[1]من كرب

/خليفة اللّه خير منتخب # لخير أم من هاشم و أب

خلافة اللّه قد توارثها # آباؤه في سوالف الكتب

فهي له دونكم مورّثة # عن خاتم الأنبياء في الحقب

يا بن الذّرا من ذوائب الشرف الـ # أقدم أنتم دعائم العرب‏

فقال الحسن: عرّض و اللّه ابن اللخناء بأمير المؤمنين، و اللّه لأعلمنّه. و قام إلى المأمون فأخبره، فقال المأمون: و ما عليه في ذلك، رجل أمّل رجلا فمدحه، و اللّه لقد أحسن بنا، و أساء إليه إذ لم يتقرب إليه إلاّ بشرب الخمر، ثم دعاني فخلع عليّ و حملني، و أمر لي بخمسة آلاف درهم.

ينشد أول شعر عرف به و وصل به إلى الخليفة:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أبو الشّبل البرجمي عن أبيه قال: قال لي أبو محمد التيميّ:

/أول شعر عرفت به فشاع فيه ذكرى و وصلت به إلى الخليفة قولي:

صوت‏

طاف طيف في المنام # بمحبّ مستهام

زورة أبقت سقاما # و شفت بعض السّقام‏

[1]ف، مم، مو: «يدال» . ـ

250

لم يكن ما كان فيها # من حرام بحرام

لم تكن إلا فواقا # و هي في ليل التّمام‏

الغناء لإسحاق فقال: فصنع فيها إسحاق لحنا و غنى به الرشيد، فسأله عن قائل الشعر، فقال له: صديق لي شاعر ظريف، يعرف بالتيميّ، فطلبت و أمرت بالحضور، فسألت عن السبب الّذي دعيت له فعرفته، فأتممت الشعر و جعلته قصيدة مدحت بها هارون. و دخلت إليه فأنشدته إياها، فأمر له بثلاثين ألف درهم، و صرت في جملة من يدخل إليه بنوبة و أمر أن يدوّن شعري.

يجتاز بإسحاق الموصلي فيدعوه إلى طعام و شراب:

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق قال: حدّثني عمي طيّاب بن إبراهيم الموصليّ قال: حدّثني أبو محمد التّيميّ الشاعر قال:

اجتزت يوما بأخيك إسحاق فقال: ادخل حتى أطعمك طعاما صرفا، و أسقيك شرابا صرفا و أغنيك غناء صرفا، فدخلت إليه، فأطعمني لحما مكبّبا، و شواء حارّا و باردا مبرّزا، و أسقاني شرابا عتيقا صرفا، و غنّاني وحده مرتجلا:

و لو أن أنفاسي أصابت بحرّها # حديدا إذا كاد الحديد يذوب

و لو أن عيني أطلقت من وكائها[1] # لما كان في عام الجدوب جدوب

/و لو أن سلمى تطلع الشمس دونها # و أمسي وراء الشمس حين تغيب

لحدثت نفسي أن تريع‏[2]بها النوى # و قلت لقلبي إنها لقريب‏

فلم تزل تلك حالي حتى حملت من بيته سكران‏[3].

يستأذن عمرو بن مسعدة في الإنشاد فيجعل الإذن لإسحاق الموصلي فيأذن:

أخبرني جحظة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال:

دخلت يوما على عمرو بن مسعدة، فإذا أبو محمد التّيميّ واقف بين يديه يستأذنه في الإنشاد، فقال: ذاك إلى أبي محمد-يعنيني-و كان على التّيمي عاتبا، فكره أن يمنعه لعلمه بما بيننا من المودة، فقلت له: أنشد إذ جعل الأمر إليّ، فأرجو أن يجعل أمر الجائزة أيضا إليّ. /فتبسم عمرو، و أنشده التيميّ:

يا أبا الفضل كيف تغفل‏[4]عني # أم تخلّى عند الشدائد منّي؟

أنسيت الإخاء و العهد و الودّ # حديثا ما كان ذلك ظني

أنا من قد بلوت في سالف الـ # دهر مضت شرّتي و لم تفن سني‏

[1]الوكاء في الأصل: رباط القربة و غيرها.

[2]تريع: ترجع.

[3]في أ، ب، جـ: «سكرا» .

[4]في ب، س: «تعقل» ، تحريف.

251

فاصطنعني لما ينوب به الد # هر فإني أجوز في كل فن

أنا ليث على عدوّك سلم لك # في الحرب فابتذلني و صلني‏[1]

أنا سيف يوم الوغى و سنان # و مجنّ إن لم تثق بمجن

أنا طبّ في الرأي في موضع الرأ # ى معين على الخصيم المعنّ‏[2]

و أمين على الودائع و السرّ # إذا ما هويت أن تأتمني‏

/قال: فأقبل عليّ عمرو و هو يضحك، و قال: أتعلّم هذا الغناء منك أم كان يعلمه‏[3]قديما؟فقلت له: لم يكذب، أعزك اللّه. فقال: أ في هذا وحده أو في الجميع؟فقلت: أما في هذا فأنا أحقّ كذبة، و اللّه أعلم بالباقي. ثم أنشده:

و إذا ما أردت حجّا فرحّا # ل دليل إن نام كلّ ضفن‏[4]

فقال له: إذا عزمنا على الحج امتحناك في هذا، فإني أراك تصلح له، ثم أنشده:

و لبيب على مقال أبي العبـ # اس إني أرى به مسّ جنّ‏

فقال: ما أراه أبعد، فقال:

و هو الناصح الشفيق و لكن # خاف هيج الزمان‏[5]فازورّ عني

و ظريف عند المزاح خفيف # في الملاهي و في الصبا متثن

كيف باعدت أو جفوت صديقا # لا ملولا، لالا[6]و لا متجن

صرت بعد الإكرام و الأنس أرضى # منك بالترّهات ما لم تهنّي

لم تخنّي و لم أخنك و لا و اللـ # ه ربي لا خنت من لم يخنى

إن أكن تبت أو هجرت الملاهي # و سلافا يجنها بطن دنّ

فحديثي كالدر فصّل باليا # قوت يجري في جيد ظبي أغنّ‏

فأمر له بخمسة آلاف درهم، فقال له: هذا شي‏ء تطوعت به، فأين موضع حكمي؟فقال: مثلها، فانصرف بعشرة آلاف درهم.

يمر بخمار بالحيرة و قد أسن، فينشد شعرا في شربه عنده:

أخبرني عمي قال: حدّثني محمد بن الحسن بن مسعود قال: حدّثني عليّ بن عمرو قال: /مرّ التيمي بالحيرة على خمّار كان يألفه، و قد أسن التيمي و أرعش، و ترك النبيذ. فقال له الخمار: ويحك!أبلغ بك الأمر إلى ما أرى؟ [1]كذا في ب، س، جـ. و في أ، مم، ف، مم: «و صني» .

[2]في هامش ف تعليق على هذا البيت نصه «يرمز لرجل يتدخل فيما لا يعنيه و يعرض نفسه في كل شي‏ء» .

[3]كذا في ب، س. و في أ، جـ: «تعلمه» .

[4]الضفن: الأحمق في عظم خلق.

[5]ف، مم، مو: «المرار» .

[6]ف: «كلا» بدل «لالا» .

252

فقال: نعم و اللّه، لو لا ذلك لأكثرت عندك. ثم أنشأ يقول:

صوت‏

هل إلى سكرة بناحية الحـ # يرة يوما قبل الممات سبيل؟

و أبو التّيّحان في كفه القر # عة و الرأس فوقه الإكليل

/و عرار كأنه يبذق الشّط # رنج يفتن فيه قال و قيل‏[1]

في هذه الأبيات لمحمد بن الأشعث رمل بالوسطى عن الهشامي:

يهوى غلاما و يشغل الغلام عنه بهوى جارية فينظم في هذا شعرا:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل قال:

كان أبو محمد التيميّ يهوى غلاما، و كان الغلام يهوى جارية من جواري القيان، فكان بها مشغولا عنه، و كانت القينة تهوى الغلام أيضا فلا تفارقه، فقال التيميّ:

ويلي على أغيد ممكور[2] # و ساحر ليس بمسحور

تؤثره الحور علينا كما # نؤثره نحن على الحور

علّق من علّق فيه هوى‏[3] # منتظم الألفة مغمور

و كل من تهواه في أمره # مقلّب صفقة مقمور

يمدح الأمين فيأمر بمل‏ء زورقه دراهم:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن أبي سعد قال: حدّثني أحمد بن محمد الفارسيّ قال: حدثنا غسان بن عبد اللّه عن أبي محمد التيميّ قال:

/لما أنشدت الأمين قولي فيه:

خليفة اللّه خير منتخب # لخير أم من هاشم و أب

أكرم بعرقين يجريان به # إلى الامام المنصور في النسب‏

طرب، ثم قال للفضل بن الربيع: بحياتي أوقر له زورقه دراهم، فقال: نعم يا سيدي: فلما خرجنا طالبته بذلك، فقال: أ مجنون أنت؟من أين لنا ما يملأ زورقك؟ثم صالحني على مائة ألف درهم، فقبضتها.

يقول شعرا ينهى فيه عن الخضوع لغير اللّه:

أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه المدنيّ قال: حدّثني عبد اللّه بن أحمد التيميّ ابن أخت‏[4]أبي محمد التيميّ الشاعر، قال: أنشدني خالي‏[4]لنفسه قوله:

[1]المثبت هنا رواية البيت كما وردت في الصفحة: 52 من هذا الجزء. و كانت روايته هنا.

و عذار كأنه بيرق الشط # مرنح يفتن فيه قال و قيل‏

[2]الممكور: الحسن امتلاء الساقين.

[3]ف، مو، مم:

«علق من علقه في هوى»

.

[4]ف، مم: «ابن أخي بدل «ابن أخت» . ، . و عمي بدل «خالي» .

253

لا تخضعنّ‏[1]

لمخلوق على طمع # فإن ذاك مضرّ منك بالدّين

و ارغب إلى اللّه مما في خزائنه # فإنما هو بين الكاف و النون

أما ترى كلّ من ترجو و تأمله‏[2] # من الخلائق مسكين ابن مسكين‏[3]

صوت‏

أ لم تر أنني أفنيت عمري # بمطلبها و مطلبها عسير؟

فلما لم أجد سببا إليها # يقرّبني و أعيتني الأمور

حججت و قلت قد حجّت جنان # فيجمعني و إياها المسير

الشعر لأبي نواس، و الغناء للزّبير بن دحمان، رمل بالوسطى من رواية أحمد بن المكي و بذل، و غنّاني محمد بن إبراهيم قريض الجرحى-رحمه اللّه-فيه لحنا من خفيف الثقيل، فسألته عن صانعه فلم يعرف.

[1]ف، مم، مو: «لا تضرعن» .

[2]ف: «تسأله» .

[3]ورد في ب، مو، بضع صفحات من أخبار رؤبة بن العجاج و هي مقحمة و تعتبر تكرارا لما ورد في الترجمة المستقلة لرؤبة.

254

4-أخبار أبي نواس و جنان خاصة إذ كانت أخباره قد أفردت خاصة

صفات جنان و صدق أبي نواس في حبها:

كانت جنان هذه جارية آل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثّقفيّ المحدّث الّذي كان ابن مناذر يصحب ابنه عبد المجيد، و رثاه بعد وفاته، و قد مضت أخبارهما.

و كانت حلوة جميلة المنظر أديبة، و يقال: إن أبا نواس لم يصدق في حبّه امرأة غيرها.

حجت جنان فحج معها أبو نواس:

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثني إسحاق بن محمد عن أبي هفّان عن أصحاب أبي نوّاس قالوا:

كانت جنان جارية حسناء أديبة عاقلة ظريفة، تعرف الأخبار، و تروي الأشعار قال اليؤيؤ: خاصة، و كانت لبعض الثقفيّين بالبصرة، فرآها أبو نواس فاستحلاها، و قال فيها أشعارا كثيرة، فقلت له يوما: إنّ جنان قد عزمت على الحج، فكان هذا سبب حجّة، و قال: أما و اللّه-لا يفوتني المسير معها و الحجّ عامي هذا إن أقامت على عزيمتها، فظننته عابثا مازحا، فسبقها و اللّه إلى الخروج بعد أن علم أنها خارجة، و ما كان نوى الحجّ، و لا أحدث عزمه له إلاّ خروجها، و قال و قد حج و عاد:

أ لم تر أنني أفنيت عمري # بمطلبها و مطلبها عسير؟

فلما لم أجد سببا إليها # يقرّبني و أعيتني الأمور

حججت و قلت قد حجّت جنان # فيجمعني و إياها المسير

قال اليؤيؤ: فحدّثني من شهده لما حجّ مع جنان و قد أحرم، فلما جنه الليل جعل يلبي بشعر و يحدو و يطرّب، فغنّى به كل من سمعه، و هو قوله:

/

إلهنا ما أعدلك! # مليك كلّ من ملك

لبّيك قد لبّيت لك # لبّيك إنّ الحمد لك

و الملك لا شريك لك # و الليل لما أن حلك

و السابحات في الفلك # على مجاري المنسلك

ما خاب عبد أمّلك # أنت له حيث سلك

لولاك يا ربّ هلك # كلّ نبيّ و ملك

و كلّ من أهلّ لك # سبّح أو لبّى فلك‏

255

يا مخطئا ما أغفلك! # عجّل و بادر أجلك

و اختم بخير عملك # لبيك إن الملك لك

و الحمد و النعمة لك # و العزّ لا شريك لك‏

«من شعرة فيها»

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال:

كانت جنان الّتي يذكرها أبو نواس جارية لآل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفيّ، و فيها يقول:

جفن عيني قد كاد يـ # سقط من طول ما اختلج

و فؤادي من حرّ حبـ # ك و الهجر قد نضج

خبّريني فدتك نفـ # سي و أهلي: متى الفرج؟

كان ميعادنا خرو # ج زياد[1]فقد خرج

أنت من قتل عائذ # بك في أضيق الحرج‏

تشهد عرسا فيراها فيرتجل فيها شعرا:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثني إسحاق بن محمد النخعيّ قال: حدّثني الجمّاز قال ابن عمّار:

و حدّثني به قليب بن عيسى قال:

كانت جنان قد شهدت عرسا في جوار أبي نواس، فانصرفت منه و هو جالس معنا، فرآها فأنشدنا بديها قوله:

شهدت جلوة العروس جنان # فاستمالت بحسنها النظارة

حسبوها العروس حين رأوها # فإليها دون العروس الإشارة

قال أهل العروس حين رأوها # ما دهانا بها سواك عمارة

قال: و عمارة زوج عبد الرحمن الثقفيّ، و هي مولاة جنان.

تغضب من كلام له فيرسل معتذرا فلا تحسن الرد فينظم شعرا:

أخبرني محمد بن يحيى بن الصّوليّ و محمد بن خلف قالا: حدثنا يزيد بن محمد المهلبيّ عن محمد بن عمر قال:

غضبت جنان من كلام كلمها به أبو نواس، فأرسل يعتذر إليها، فقالت للرسول: قل له: لا برح الهجران ربعك، و لا بلغت أملك من أحبّتك، فرجع إليه، فسأله عن جوابها، فلم يخبره فقال:

فديتك فيم عتبك من كلام # نطقت به على وجه جميل؟

و قولك للرسول عليك غيري # فليس إلى التواصل من سبيل‏

[1]هو زياد بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي (أخبار أبي نواس: 184) .

256

فقد جاء الرسول له انكسار # و حال ما عليها من قبول

و لو ردّت جنان مردّ خير # تبين ذاك في وجه الرسول‏

يعاتبها حتى يستميلها:

/قال أبو خالد يزيد بن محمد: و كان أبو نواس صادقا في محبّة جنان من بين من كان ينسب به من النساء و يداعبه، و رأيت أصحابنا جميعا يصحّحون ذاك عنه، و كان/لها محبّا، و لم تكن تحبّه، فمما عاتبها به حتى استمالها بصحّة حبه لها فصارت تحبه بعد نبوّها عنه قوله:

جنان إن جدت يا مناي بما # آمل لم تقطر السماء دما

و إن تمادي-و لا تماديت في # منعك-أصبح بقفرة رمما[1]

علقت من لو أتى على أنفس الماضين و الغابرين ما ندما

لو نظرت عينه إلى حجر # ولّد فيه فتورها سقما

يسأل امرأة عنها فتخبره أنها رحمته فيقول في ذلك شعرا:

أخبرني محمد بن جعفر النحويّ صهر المبرّد قال: حدّثني محمد بن القاسم عن أبي هفّان عن الجمّاز، و أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ قال: حدّثني عون بن محمد قال: حدّثني الجمّاز قال:

كنت عند أبي نواس جالسا إذ مرّت بنا امرأة ممن يداخل الثقفيين، فسألها عن جنان و ألحف‏[2]في المسألة و استقصى، فأخبرته خبرها و قالت‏[3]: قد سمعتها تقول لصاحبة لها من غير أن تعلم أني أسمع: ويحك!قد آذاني هذا الفتى، و أبرمني، و أحرج صدري، و ضيّق عليّ الطرق بحدة نظره و تهتّكه؛ فقد لهج قلبي بذكره و الفكر فيه من كثرة فعله لذلك حتى رحمته، ثم التفت فأمسكت عن الكلام؛ فسرّ أبو نواس بذلك، فلما قامت المرأة أنشأ يقول:

يا ذا الّذي عن جنان ظلّ يخبرنا # باللّه قل و أعد يا طيّب الخبر

قال اشتكتك و قالت ما ابتليت به # أراه من حيثما أقبلت في أثري

/و يعمل الطرف نحوي إن مررت به # حتى ليخجلني من حدّة النظر

و إن وقفت له كيما يكلّمني # في الموضع الخلو لم ينطق من الحصر

ما زال يفعل بي هذا و يدمنه # حتى لقد صار من همّي و من وطري‏

يمر به القاضي و هو يكلم امرأة فينصحه فيقول في ذلك شعرا:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ و أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قالا:

قال ابن عائشة: و أخبرني الحسن بن عليّ و ابن عمّار عن الغلابيّ عن ابن عائشة: قال ابن عمّار: و حدّثت به عن الجمّاز، و ذكره لي محمد بن داود الجرّاح عن إسحاق النخعيّ عن أحمد بن عمير:

[1]الرمم: جمع رمة، و هي العظام البالية.

[2]كذا في مد. و في س: «ألحقها» ، تحريف.

[3]في بعض النسخ: «قال» ، و هو تحريف.

257

أنّ محمد بن حفص بن عمر التميميّ-و هو أبو ابن عائشة-انصرف من المسجد و هو يتولّى القضاء، فرأى أبا نواس قد خلا بامرأة يكلّمها. و قال أحمد بن عمير في خبره: و كانت المرأة قد جاءته برسالة جنان جارية عمارة امرأة عبد الوهاب بن عبد المجيد، فمرّ به عمر بن عثمان التيميّ و هو قاضي البصرة-هكذا ذكر أحمد بن عمير وحده- و ذكر الباقون جميعا أنه محمد بن حفص.

قال الجمّاز: و كانت عليه ثياب بياض، و على رأسه قلنسوة مضرّبة[1]فقال له: اتّق اللّه، قال: إنها حرمتي، قال: فصنها عن هذا الموضع. و انصرف عنه، فكتب إليه أبو نواس:

صوت‏

إنّ الّتي أبصرتها # بكرا[2]أكلّمها رسول

/أدّت إليّ رسالة # كادت لها نفسي تسيل

/من ساحر العينين # يجذب خصره ردف ثقيل

متقلّد قوس‏[3]الصّبا # يرمي و ليس له رسيل‏[4]

فلو أن أذنك بيننا # حتى تسمّع‏[5]ما تقول

لرأيت ما استقبحت من # أمري هو الأمر الجميل‏

في هذه الأبيات لجنان من الرمل و خفيفه، كلاهما لأبي العبيس بن حمدون.

قال بن عمير: ثم وجّه بها فألقيت في الرّقاع بين يدي القاضي فلما رآها ضحك و قال إن كانت رسولا فلا بأس.

قال ابن عائشة في خبره: فجاءني برقعة فيها هذه الأبيات، و قال لي: ادفعها إلى أبيك، فأوصلتها إليه، و وضعتها بين يديه، فلما قرأها ضحك، و قال: قل له: إني لا أتعرّض للشعراء.

من شعره يسأل عنها و هي في حكمان:

حدّثني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال:

كان أبو عثمان أخا مولى جنان، و كان مولاها أبو ميّة زوج عمارة و هي مولاتها، و كانت له بحكمان‏[6]ضيعة كان ينزلها هو و ابن عمّ له يقال له: أبو ميّة، فقال أبو نواس فيه قوله:

[1]مضربة، من ضرب النجاد المضربة: أي خاطها.

[2]بكرا، أي لأول مرة.

[3]في م، أ: «سيف» .

[4]الرسيل: الموافق لك في النضال.

[5]مد: «لتسمع» تحريف.

[6]حكمان: ضيعة بالبصرة لبني عبد الوهاب الثقفيين موالى جنان، سميت بالحكم بن العاص الثقفي. و هذا اصطلاح لأهل البصرة، إذا سموا ضيعة باسم زادوا عليه ألفا و نونا، حتى سموا عبد اللان في قرية سميت بعبد اللّه. و حكمان بالتحريك فيما يقول ياقوت، و كسلمان فيما يقول صاحب «القاموس» .

258

أسأل القادمين من حكمان # كيف خلّفتما[1]أبا عثمان

/و أبا ميّة المهذّب و الما # جد و المرتجى لريب الزمان؟

فيقولان لي: جنان كما سرّك # في حالها فسل عن جنان

ما لهم لا يبارك اللّه فيهم # كيف لم يغن عندهم كتماني؟

لم يكن يعشق و لا كانت جنان موضع عشق و لكنه العبث:

فأخبرني ابن عمار قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عبد الملك بن مروان الكاتب قالا:

كنت جالسا بسرّ من رأى في شارع أبي أحمد، فأنشدني قول أبي نواس:

أسأل المقبلين من حكمان # كيف خلّفتما أبا عثمان؟

و إلى جانبي شيخ جالس فضحك، فقلت له: لقد ضحكت من أمر، فقال: أجل، أنا أبو عثمان الّذي قال أبو نواس فيه هذا الشعر، و أبو ميّة ابن عمي، و جنان جارية أخي، و لم تكن في موضع عشق، و لا كان مذهب أبي نواس النساء، و لكنه عبث خرج منه.

سبقه النابغة الجعدي إلى التكنية في شعره بغير اسم صاحبته:

أخبرني عليّ بن سليمان قال: قال لي أبو العباس محمد بن يزيد:

قال النابغة الجعديّ:

أكني بغير اسمها و قد # علم اللّه خفيّات كلّ مكتتم‏

و هو سبق الناس إلى هذا المعنى، و أخذوه جميعا منه، و أحسن من أخذه أبو نواس حيث يقول:

أسأل المقبلين من حكمان # كيف خلّفتما أبا عثمان؟

فيقولان لي جنان كما سرّ # ك في حالها فسل عن جنان

ما لهم لا يبارك اللّه فيهم # كيف لم يغن عندهم كتماني‏[2]!

شعره و قد حضرت مأتما في البصرة:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: أنشدني أحمد بن محمد بن صدقة الأنباريّ لأبي نواس يذكر مأتما بالبصرة، و حضرته جنان:

/

يا منسي المأتم أشجانه # لمّا أتاهم في المعزّينا

سرت‏[3]قناع الوشي عن صورة # ألبسها اللّه التّحاسينا

[1]في ب، س: «خفتما» ، تحريف.

[2]في ب، س: «كتمان» ، تحريف.

[3]سرت: ألقت، من سرى المتاع: ألقاه على ظهر دابته.

259

فاستفتنتهنّ بتمثالها # فهنّ للتكليف يبكينا

حقّ لذاك الوجه أن يزدهي # عن حزنه من كان محزونا

شعره و قد أشرف عليها فرآها تلطم في مأتم:

أخبرني عمّي قال: حدّثني إسحاق بن محمد النخعيّ، قال: حدّثنا عبد الملك بن عمر ابن أبان النخعيّ، و كان صديقا لأبي نواس:

أنّ أبا نواس أشرف من دار على منزل عبد الوهاب الثقفيّ، و قد مات بعض أهله و عندهم مأتم، و جنان واقفة مع النساء تلطم وجهها و في يدها خضاب، فقال:

يا قمرا أبرزه مأتم # يندب شجوا بين أتراب

يبكي فيذري‏[1]الدّرّ من عينه # و يلطم الورد بعناب

لا تبك ميتا حلّ في حفرة # و ابك قتيلا لك بالباب

أبرزه المأتم لي كارها # برغم دايات و حجّاب

لا زال موتا دأب أحبابه # و لا تزل رؤيته دابي‏

استحسان ابن عيينة لشعره ذاك:

فحدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدّثني محمد بن القاسم، حدّثني محمد ابن عائشة قال:

قال لي سفيان بن عيينة: لقد أحسن بصريّكم هذا أبو نواس حيث يقول-و شدّد الواو و فتح النون:

/

يا قمرا أبصرت في مأتم # يندب شجوا بين أتراب

يبكي فيذري الدّرّ من عينه # و يلطم الورد بعنّاب‏

قال: و جعل يعجب من قوله:

و يلطم الورد بعنّاب‏

.

ابن أبي عيينة ينشد بيتا من شعره ذاك و يكرر إعجابه ببراعته:

و أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمد بن محمد قال: حدّثني حسين ابن الضّحّاك قال:

أنشد ابن عيينة قول أبي نواس:

يبكي فيذري الدّرّ من طرفه # و يلطم الورد بعنّاب‏

فعجبت منه، و قال: آمنت بالذي خلقه.

روي أن شعره ذاك كان في غير جنان:

و قد قيل: إنّ أبا نواس قال هذا الشعر في غير جنان.

[1]فيذري: فينثر.

260

أخبرني بذلك الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني بعض الصيارف بالكرخ، و سماه، قال:

كان حارس درب عون‏[1]يقال له: المبارك، و كان يلبس ثيابا نظيفة سريّة، و يركب حمارا، فيطوف عليه السوق بالليل و يكريه بالنهار، فإذا رآه من لا يعرفه ظنّ أنه من بعض التجار، و كان يصل إليه في كل شهر من السّوق ما يسعه و يفضل عنه، و كانت له بنت من أجمل النساء، فمات مبارك و حضره الناس، فلما أخرجت جنازته خرجت بنته هذه حاسرة بين يديه، فقال أبو نواس فيها:

يا قمرا أبرزه مأتم # يندب شجوا بين أتراب‏

و ذكر الأبيات كلّها.

طلبت قطع صلته بها أياما ففعل:

أخبرني محمد بن جعفر قال: حدّثني أحمد بن القاسم عن أبي هفّان عن الجمّاز و اليؤيؤ/و أصحاب أبي نواس أنّ جنان وجّهت إليه: قد شهرتني، فاقطع زيارتك عنّي أياما لينقطع بعض القالة، ففعل، و كتب إليها:

/

إنّا اهتجرنا[2]للناس إذ فطنوا # و بيننا حين نلتقي حسن

ندافع الأمر و هو مقتبل‏[3] # فشبّ حتى عليه قد مرنوا

فليس يقذي عينا معاينة # له و ما إن تمجّه أذن

ويح ثقيف ما ذا يضرّهم # أن كان لي في ديارهم سكن‏[4]

أريب ما بيننا الحديث فإن # زدنا فزيدوا و ما لذا ثمن‏

يكتب إليها من بغداد شعرا:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني ابن أبي سعد قال: بلغني أنّ أبا نواس كتب إلى جنان من بغداد:

كفى حزنا ألاّ أرى وجه حيلة # أزور بها الأحباب في حكمان

و أقسم لو لا أن تنال معاشر # جنانا بما لا أشتهي لجنان

لأصبحت منها داني الدار لاصقا # و لكنّ ما أخشى-فديت-عداني

فوا حزنا حزنا يؤدّي إلى الردى # فأصبح مأثورا بكلّ لسان

أراني انقضت أيام وصلي منكم # و آذن فيكم بالوداع زماني‏

[1]ب، س: «عول» .

[2]اهتجرنا: تقاطعنا.

[3]مقتبل: في مبتدئه.

[4]السكن: كل ما يسكن إليه.

261

شعره و قد شتمته و تنقصته حين ذكر عشقه لها:

أخبرني الحسن قال: حدّثنا ابن مهرويه عن يحيى بن محمد عن الخريميّ قال:

بلغ أبا نواس أنّ امرأة ذكرت لجنان عشقه لها، فشتمته جنان و تنقصته و ذكرته أقبح الذّكر، فقال:

/

وا بأبي من إذا ذكرت له # و طول وجدي به تنقّصني

لو سألوه عن وجه حجّته # في سبّه لي لقال: يعشقني

نعم إلى الحشر و التّناد نعم # أعشقه أو ألفّ في كفني

أصيح‏[1]جهرا لا أستسرّ به # عنّفني فيه من يعنفني:

يا معشر الناس فاسمعوه وعوا: # أنّ جنانا صديقة الحسن‏

شعره إليها و قد رآها في المنام بعد أن هجرته:

فبلغها ذلك، فهجرته، و أطالت هجره، فرآها ليلة في منامه و أنها قد صالحته، فكتب إليها:

إذا التقى في النوم طيفانا # عاد لنا الوصل كما كانا

يا قرّة العين فما بالنا # نشقى و يلتذّ خيالانا

لو شئت إذ أحسنت لي في الكرى # أتممت إحسانك يقظانا

يا عاشقين اصطلحا في الكرى # و أصبحا: غضبى و غضبانا

كذلك الأحلام غدّارة # و ربّما تصدق أحيانا

الغناء في هذه الأبيات لابن جامع، ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.

يهجرها حين جبهته بما يكره، و يراها في المنام تصالحه، فينظم شعرا:

و قال الخريمي: و رآها يوما في ديار ثقيف فجبهته بما كره، فغضب و هجرها مدة، فأرسلت إليه رسولا تصالحه فرده، و لم يصالحها، و رآها في النوم تطلب صلحه، فقال:

دسّت له طيفها كيما تصالحه # في النوم حين تابّى الصلح يقظانا

فلم يجد عند طيفي طيفها فرجا # و لا رثى لتشكّيه و لا لانا

حسبت أنّ خيالي لا يكون لما # أكون من أجله غضبان غضبانا

/جنان لا تسأليني الصلح سرعة ذا # فلم يكن هيّنا منك الّذي كانا

من شعره فيها:

و أنشدني عليّ بن سليمان الأخفش لأبي نواس في جنان:

أ ما يفنى حديثك عن جنان # و لا تبقي على هذا اللسان!

[1]في س: «أصبح» ، تحريف.

262

أ كلّ الدهر قلت لها و قالت # فكم هذا أ ما هذا بفان!

جعلت الناس كلّهم سواء # إذا حدّثت عنها في البيان

عدوّك كالصديق و ذا كهذا # سواء، و الأباعد كالأداني

إذا حدّثت عن شأن توالت # عجائبه أتيتهم بشان

فلو موّهت عنها باسم أخرى # علمنا إذ كنيت من أنت عان؟

شعره و قد بيعت و سافر بها مولاها:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني يحيى بن محمد السّلميّ قال: حدّثني أبو عكرمة الضبيّ:

أنّ رجلا قدم البصرة فاشترى جنان من مواليها، و رحل بها، فقال أبو نواس في ذلك:

أمّا الديار فقلّما لبثوا بها # بين استياق‏[1]العيس و الرّكبان

وضعوا سياط السّوق‏[2]في أعناقها # حتى اطّلعن‏[3]بهم على الأوطان‏

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال: حدّثني محمد بن سعد الكرانيّ قال: حدّثني أبو عثمان الأشنانداني قال: كتب أبو نواس إلى جنان:

أكثري‏[4]المحو في كتابك و # امحيه إذا ما محوته باللسان

/و أمرى‏[5]بالمحاء بين ثنايا # ك العذاب المفلّجات الحسان

إنني كلما مررت بسطر # فيه محو لطعته‏[6]بلساني

تلك تقبيلة لكم من بعيد # أهديت لي و ما برحت مكاني‏

صوت‏

تجنّي علينا آل مكتوبة الذّنبا # و كانوا لنا سلما فأضحوا لنا حربا

يقولون عزّ القلب بعد ذهابه # فقلت ألا طوباي لو أن لي قلبا

عروضه من الطويل. الشعر لابن أبي عيينة، و الغناء لسليمان أخي جحظة، رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة.

[1]في م، أ: «استباق» .

[2]في س، ب: «الشوق» ، تحريف.

[3]اطلعن: طلعن.

[4]في س، ب: «أكثر» ، تحريف.

[5]و في ب، س: «و امررى» ، و هو خطأ صرفي.

[6]لطعته: لحسته.