الأغاني - ج22

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
512 /
271

الجزء الثاني و عشرون‏

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

1-أخبار خالد بن عبد اللّه‏

نسبه‏

/هو خالد بن عبد اللّه بن يزيد بن أسد بن كرز بن عامر بن عبد اللّه بن عبد شمس بن غمغمة بن جرير بن شقّ بن صعب-و شقّ بن صعب هذا هو الكاهن المشهور-بن يشكر بن رهم بن أقزل‏[1]-و هو سعد الصبح-بن زيد بن قسر ابن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن لحيان بن الغوث بن القرز، و يقال: الفرز بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

فأما غلبة بجيلة على هذا النسب في شهرته بها فإن بجيلة ليست برجل، إنما هي امرأة قد اختلف في نسبها، فقال ابن الكلبي: يقال لها بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، تزوجها أنمار بن إراش فولدت له الغوث و وداعة و صهيبة و جذيمة و أشهل و شهلاء و طريفا و الحارث و مالكا و فهما و شيبة. قال ابن الكلبي: و يقال: إن بجيلة امرأة حبشيّة كانت قد حضنت بني أنمار جميعا غير خثعم، فإنه انفرد، فصار قبيلة على حدته، و لم تحضنه بجيلة، و احتج من قال هذا القول بقول شاعرهم‏[2]:

و ما قربت بجيلة منك دوني # بشي‏ء غير ما دعيت بجيلة[3]

و ما للغوث عندك أن نسبنا # علينا في القرابة من فضيله‏[4]

و لكنّا و إيّاكم كثرنا # فصرنا في المحلّ على جديله‏

جديلة هاهنا موضع لا قبيلة، و هم أهل بيت شرف في بجيلة، لو لا ما يقال في عبد اللّه/بن أسد؛ فإن أصحاب المثالب ينفونه عن أبيه‏[5]، و يقولون فيه أقوالا أنا ذاكرها في موضعها من أخبار خالد المذمومة في هذا الموضع من كتابنا-إن شاء اللّه-و على ما قيل فيه أيضا؛ فقد كان له‏[6]و لابنه خالد سؤدد و شرف وجود.

[1]في بعض النسخ: «أفرك» و في آخر اختلاف في نسبة أفرك هذا عما هو وارد في هذا الأصل.

[2]شاعرهم: شاعر خثعم على ما يبدو.

[3] «ما» من قوله‏

«غير ما دعيت بجيلة»

مصدرية، أي أنت لا تمت إلى بجيلة بقربى غير مجرد الدعوى، فإنها ليست أمي و لا أمك

[4]الغوث: من أجداد خالد، راجع سلسلة النسب.

[5]في هج: «عن أمه» .

[6]ضمير له يعود على عبد اللّه من قوله: «لو لا ما يقال في عبد اللّه» .

272

جده كرز

و كان يقال لكرز كرز الأعنّة، و إياه عنى قيس بن الخطيم بقوله-لما خرج يطلب النصر على الخزرج-:

فإن تنزل بذي النّجدات كرز # تلاق لديه شربا غير نزر[1]

له سجلان سجل من صريح # و سجل رثيئة بعتيق خمر[2]

و يمنع من أراد و لا يعايا # مقاما في المحلة وسط قسر[3]

جده أسد بن كرز

و كان أسد بن كرز يدعى في الجاهلية ربّ بجيلة، و كان ممن حرّم الخمر في جاهليته تنزّها عنها، و له يقول القتّال السّحميّ:

فأبلغ ربّنا أسد بن كرز # بأنّ النأي لم يك عن تقالي‏

و له يقول القتّال يعتذر:

فأبلغ ربّنا أسد بن كرز # بأنّي قد ضللت و ما اهتديت‏

/و له يقول تأبّط شرّا:

وجدت ابن كرز تستهلّ يمينه # و يطلق أغلال الأسير المكبّل‏[4]

جده أسد و بنو سحمة

و كان قوم من سحمة عرضوا لجار لأسد بن كرز، فأطردوا إبلا له، فأوقع بهم أسد وقعة عظيمة في الجاهلية، و تتبعهم حتى عاذوا به، فقال القتّال فيه عدة قصائد يعتذر إليه لقومه، و يستقيله فعلهم‏[5]بجاره، و لم أذكرها هاهنا لطولها، و أنّ ذلك ليس من الغرض المطلوب في هذا الكتاب، و إنما نذكر هاهنا لمعا[6]و سائره مذكور في جمهرة أنساب العرب الذي جمعت فيه أنسابها و أخبارها، و سمّيته كتاب التعديل و الانتصاف. و لبني سحمة يقول أسد بن كرز/في هذه القصة، و كان شاعرا فاتكا مغوارا:

ألا أبلغا أبناء سحمة كلّها # بني خثعم عني و ذلّ لخثعم‏[7]

[1]شربا: جمع شارب، كسفر و ركب.

[2]سجلان: تثنية سجل، و هو الدلو العظيمة، صريح: لبن صريح، الرثيئة: اللبن المحلوب على حامض، فلعله يريد أنه كان يقدم هذا المشروب ممزوجا بالخمر، أو يريد أنه يقدم دلو الرثيئة مملوءا بالخمر لا بالرثيئة، و في هج. هد «وثيلة» بدل «رثيئة» و لا وجه له، و في بعض النسخ «ربيلة» و الربيلة: الخفض و النعمة، و التخريج على هذا المعنى مقبول.

[3]لا يعايا: من المعاياة بمعنى لا يضار، قسر: بطن من بجيلة، نائب فاعل «معايا» ضمير من أراد، مقاما: تمييز، و في هج «مقيم» بدل «مقاما» و عليه تكون كلمة «مقيم» نائب فاعل معايا، و في هد «مقيما» على الحالية من «أراد» نحوى البيت أن كرزا يمنع النزيل، فلا تلحقه مضارة ما دام نازلا وسط قسر.

[4]تستهل يمينه: تجود، مأخوذ من استهل المطر: بمعنى تدفق.

[5]يستقيله فعلهم: يطلب إليه إقالتهم من عقوبة ذنبهم.

[6]لمعا: جمع لمعة: بمعنى بلغة من العيش، شبه بها النتف من الأخبار.

[7]بني خثعم: بدل من أبناء سحمة، و في الأصل «فتى خثعم» بدل «بني خثعم» .

273

فما أنتم منّي و لا أنا منكم # فراش حريق العرفج المتضرّم‏[1]

فلست كمن تزري المقالة عرضه # دنيئا كعود الدوحة المترنّم‏[2]

و ما جار بيتي بالذليل فترتجى # ظلامته يوما و لا المتهضّم

و أقزل آبائي و قسر عمارتي # هما ردّياني عزّتي و تكرّمي

و أحمس يوما إن دعوت أجابني # عرانين منهم أهل أيد و أنعم‏[3]

/فمن جار مولى يدفع الضيم جاره # إذا ضاع جاري يا أميمة أو دمي‏[4]

و كيف يخاف الضيم من كان جاره # مع الشمس ما إن يستطاع بسلم‏

و هي قصيدة طويلة.

و لأسد أشعار كثيرة ذكرت هذه منها هاهنا لأن تعلم إعراقهم في العلم و الشعر، و سائرها يذكر في كتاب النسب مع أخبار شعراء القبائل، إن شاء اللّه تعالى.

إسلام جده أسد و ابنه يزيد

و أدرك أسد بن كرز الإسلام هو و ابنه يزيد بن أسد، فأسلما، فأما أسد فلا أعلمه روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و آله رواية كثيرة، بل ما روى شيئا.

و أما يزيد ابنه فروى عنه رواية يسيرة، و ذكر جرير بن عبد اللّه خبر إسلامه، حدّث بذلك عنه خالد بن يزيد عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللّه، قال:

أسلم أسد بن كرز، و معه رجل من ثقيف، فأهدى إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم قوسا، فقال له: يا أسد، من أين لك هذه النّبعة؟فقال: يا رسول اللّه تنبت بجبلنا بالسراة، فقال الثّقفيّ: يا رسول اللّه، الجبل لنا أم لهم؟فقال:

بل الجبل جبل قسر، به سمى أبوهم‏[5]قسر عبقر. فقال أسد: يا رسول اللّه، ادع لي. فقال: اللهم اجعل نصرك و نصر دينك في عقب أسد بن كرز. و ما أدري ما أقول في هذا الحديث، و أكره أن أكذّب‏[6]بما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، [7]و لكن ظاهر الأمر يوجب أنه‏[7]لو كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم دعا له بهذا الدعاء لم يكن ابنه مع معاوية بصفّين على عليّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه. و لا كان ابن ابنه خالد يلعنه، على/المنبر. و يتجاوز ذلك إلى ما ساء ذكره من شنيع أخباره-قبحه اللّه و لعنه-إلا أني أذكر الشي‏ء كما [1]العرفج: شجر يتخذ منه الوقود، كأنه يقول: بيني و بينكم فراش حريق العرفج المتضرم.

[2]المترنم: من الرنمة، و هي نبات دقيق، يقول: لست ممن تدنس أعراضهم قالة السوء، و ليس عرضي حقيرا كعود الشجرة الواهي الدقيق.

[3]عرانين: جمع عرنين: السيد الشريف، الأيد: القوة و البطش.

[4]دمي: الدم الذي أطلبه في ثأر و نحوه، و في الأصل كان المصراع الثاني من هذا البيت مع المصراع الأول من البيت التالي، و كان المصراع الثاني من البيت التالي مكانه، و هو خطأ.

[5]في الأصل بدل «أبوهم» «ابراهيم» و هو تحريف.

[6]في هج: «و أكره أن أكذب من روى عن... الخ» .

(7-7) تكملة من «هج» .

274

روي، و من قال على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و آله ما لم يقل فقد تبوّأ مقعده من النار. كما وعده عليه السلام.

منافرة بين جده جريد و قضاعة

و كان جرير بن عبد اللّه نافر[1]قضاعة، فبلغ ذلك أسد بن عبد اللّه، و كان بينه و بينه-أعني جريرا-تباعد، فأقبل في فوارس من قومه ناصرا لجرير و معاونا له و منجدا، فزعموا أن أسدا لما أقبل في أصحابه، فرآه جرير، و رأى أصحابه في السلاح ارتاع، و خافه، فقيل له: هذا أسد جاءك ناصرا لك، فقال جرير: ليت لي بكل بلد ابن عم عاقّا مثل أسد، فقال جعدة بن عبد اللّه الخزاعي يذكر ذلك من فعل أسد:

تدارك ركض المرء من آل عبقر # جريرا و قد رانت عليه حلائبه‏[2]

فنفّس و استرخى به العقد بعد ما # تغشّاه يوم لا توارى كواكبه‏[3]

/وقاك ابن كرز ذو الفعال بنفسه # و ما كنت وصّالا له إذ تحاربه

إلى أسد يأوي الذليل ببيته # و يلجأ إذ أعيت عليه مذاهبه

فتى لا يزال الدهر يحمل معظما # إذا المجتدى المسئول ضنّت رواجبه‏[4]

جده يزيد يروي حديثا

و أما يزيد بن أسد فقد ذكرت إسلامه و قدومه مع أبيه على النبي صلى اللّه عليه و سلم، و قد روي عنه أيضا حديثا ذكره هشيم بن بشر الواسطيّ عن سنان بن أبي الحكم قال:

سمعت خالد بن عبد اللّه القسريّ، و هو على المنبر يقول:

/حدثني أبي عن جدّي يزيد بن أسد، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: يا يزيد، أحبب للناس ما تحبّه لنفسك. و خرج يزيد بن أسد في أيام عمر بن الخطاب في بعوث المسلمين إلى الشام، فكان بها، و كان مطاعا في اليمن عظيم الشأن.

جده يزيد يخف لنصرة عثمان و خطبة جده يزيد في صفين‏

و لما كتب عثمان إلى معاوية حين حصر يستنجده بعث معاوية إليه بيزيد بن أسد في أربعة آلاف من أهل الشام، فوجد عثمان قد قتل. فانصرف إلى معاوية، و لم يحدث شيئا، و لما كان يوم صفّين قام في الناس فخطب [1]نافره: خاصمه و فاخره.

[2]الركض: العدو السريع، رانت عليه: غلبت عليه، و الضمير يعود على المرء لا على جرير، و المراد أنه غلب عليه لبن الرضاع، فتدارك ذا رحمه، على ما بينهما من شقاق.

[3]نفس: تنفس، و الفاعل ضمير جرير، توارى: أصله تتوارى، و كنى بقوله: لا توارى كواكبه عن طول الليل، و كنى بطويل الليل عن الهم و الأرق.

[4]الرواجب: أصول الأصابع، معظما: عظيما من الأعطية و الديات و نحوها، ضنت رواجبه: بخلت يده: و في الأصل المجدول بدل المسئول، و المثبت من هد، هج.

275

خطبة مذكورة، حرضهم فيها. فذكر من روى عنه خبره في ذلك الموضع أنه قام و عليه عمامة خزّ سوداء، و هو متّكئ على قائم سيفه، فقال بعد حمد اللّه تعالى و الصلاة على نبيه صلى اللّه عليه و سلم: و قد كان من قضاء اللّه جل و عز أن جمعنا و أهل ديننا في هذه الرقعة من الأرض، و اللّه يعلم أني كنت لذلك كارها، و لكنهم لم يبلعونا ريقنا، و لم يدعونا نرتاد لديننا و ننظر لمعادنا، حتى نزلوا في حريمنا و بيضتنا[1]. و قد علمنا أنّ بالقوم حلماء و طغاما. فلسنا نأمن طغامهم على ذرارينا و نسائنا، و قد كنا لا نحب أن نقاتل أهل ديننا، فأخرجونا حتى صارت الأمور إلى أن يصير غدا قتالنا حميّة، فإنا للّه و إنا إليه راجعون، و الحمد للّه رب العالمين، و الذي بعث محمدا بالحق لوددت أنّي متّ قبل هذا، و لكن اللّه تبارك و تعالى إذا أراد أمرا لم يستطع العباد ردّه، فنستعين باللّه العظيم، ثم انكفأ.

خمول أبيه عبد اللّه و خنوثته منذ نشأته‏

و لم تكن لعبد اللّه بن يزيد نباهة من ذكرت من آبائه، و أهل المثالب يقولون: إنه دعيّ، و كان مع عمرو بن سعيد الأشدق على شرطته أيام خلافة عبد الملك بن مروان، فلما قتل عمرو هرب حتى سألت اليمانية عبد الملك فيه لما أمّن الناس عام الجماعة، فأمّنه، و نشأ خالد بن عبد اللّه بالمدينة، و كان في حداثته يتخنّث، و يتتبع المغنين و المخنثين و يمشي بين عمر بن أبي ربيعة و بين النساء في رسائلهن إليه و في رسائله إليهن، و كان يقال له خالد الخرّيت‏[2]/فقال مصعب الزبيري: كل ما ذكره عمر بن أبي ربيعة في شعره، فقال: أرسلت الخرّيت أو قال:

أرسلت الجريّ‏[3]فإنما يعني خالدا القسريّ، و كان يترسل بينه و بين النساء.

يظلل بن أبي ربيعة و عشيقته‏

أخبرني بذلك الحرميّ و محمد بن مزيد و غيرهما، عن الزبير، عن عمه، و أخبرني عمي: قال: حدثني الكراني، عن العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، قال:

بينما عمر بن أبي ربيعة ذات يوم يمشي و معه خالد بن عبد اللّه القسري، و هو خالد الخزاعي الذي يذكره في شعره إذا هما بأسماء و هند اللتين كان عمر يشبّب بهما، و هما يتماشيان فقصداهما، و جلسا معهما مليّا، فأخذتهم السماء، و مطروا، فقام خالد و جاريتان المرأتين، فظلّلوا عليهم بمطرفة[4]و بردين له، حتى كفّ المطر، و تفرقوا، و في ذلك يقول عمر بن أبي ربيعة:

/

أ في رسم دار معك المترقرق # سفاها و ما استنطاق ما ليس ينطق؟

بحيث التقى جمع و مفضى محسّر # معالم قد كادت على الدهر تخلق‏[5]

ذكرت بها ما قد مضى من زماننا # و ذكرك رسم الدّار مما يشوّق‏

[1]البيضة: الحوزة و الحمى.

[2]الخريت: الدليل الماهر في أمر الدلالة.

[3]الجري: الرسول، أو الوكيل.

[4]المطرفة: رداء من خز مربع فيه أعلام.

[5]محسر: اسم مكان، و في هد «فنان» «بدل» «معالم» و بها يختل الوزن، نخلق: تبلى.

276

مقاما لنا عند العشاء و مجلسا # لنا لم يكدّره علينا معوّق

و ممشى فتاة بالكساء يكنّها # به تحت عين برقها يتألّق‏[1]

يبلّ أعالي الثوب قطر و تحته # شعاع بدا يعشي العيون و يشرق‏[2]

فأحسن شي‏ء بدء أول ليلة # و آخرها حزن إذا نتفرق‏

/الغناء في هذه الأبيات لمعبد خفيف ثقيل أول بالسبابة و الوسطى عن يحيى المكي؛ و ذكر الهشامي أنه منحول.

هو و ابن أبي عتيق يستنجزان ابن أبي ربيعة وعده‏

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أبو العباس المروزيّ، قال: حدثنا ابن عائشة قال:

حضر ابن أبي عتيق عمر بن أبي ربيعة يوما و هو ينشد قوله:

و من كان محروبا لإهراق دمعة # و هي غربها فليأتنا نبكه غدا[3]

نعنه على الإثكال إن كان ثاكلا # و إن كان محزونا و إن كان مقصدا[4]

قال: فلما أصبح ابن أبي عتيق أخذ معه خالدا الخرّيت، و قال: قم بنا إلى عمر، فمضيا إليه، فقال له ابن أبي عتيق: قد جئنا لموعدك، و أي موعد بيننا؟قال: قولك.

فليأتنا نبكه غدا.

قد جئناك لموعدك، و اللّه لا نبرح أو تبكي إن كنت صادقا في قولك، أو ننصرف على أنّك غير صادق، ثم مضى و تركه‏[5].

قال ابن عائشة: خالد الخريت هو خالد القسري.

يجمع بين ابن أبي ربيعة و معشوقاته‏

أخبرنا علي بن صالح بن الهيثم: قال: حدثنا أبو هفّان عن إسحاق، و أخبرنا محمد بن مزيد، عن حماد، عن أبيه، عن الحزاميّ و المثنى و محمد بن سلام، قالوا:

خرجت هند و الرّباب إلى متنزّه لهما بالعقيق في نسوة فجلستا هناك تتحدثنا مليّا، ثم أقبل إليهما خالد القسريّ، و هو يومئذ غلام مؤنث، يصحب المغنّين و المخنّثين، و يترسّل بين عمر بن أبي ربيعة و بين النساء. فجلس إليهما. فذكرتا عمر بن أبي ربيعة، /و تشوقتاه، فقالتا لخالد: يا خرّيت-و كان يعرف بذلك-لك عندنا حكمك إن [1]ممشى: معطوف على «مقاما و مجلسا» يكنها: يسترها، يريد أن الكساء يستر جسمها لا عينها الشبيهة بالبرق المتألق.

[2]سكن ياء (أعالي) لضرورة الشعر، يعشي العيون: يجعلها لا تبصر، و في هد:

«يغشي العيون»

.

[3]الغرب: مسيل الدمع من العيون، و في هد:

«و من كان محزونا لإهراق دمعة»

. نبكه-بفتح النون أو ضمها-بمعنى تبكي بدله أو نجعله يبكي، كلا الوجهين مقبول.

[4]المقصد: من أقصد فلان فلانا. طعنه فلم يخطئ مقاتله.

[5]كان السياق يقتضي «ثم مضيا و تركاه» .

277

جئتنا بعمر بن أبي ربيعة من غير أن يعلم أنا بعثنا بك إليه، فقال: أفعل فكيف تريان أن أقول له؟قالتا: تؤذنه‏[1]بنا، و تعلمه أنا خرجنا في سرّ منه، و مره أن يتنكر، و يلبس لبسة الأعراب، ليرانا في أحسن صورة، و نراه في أسوإ حال، فنمزح بذلك معه، فجاء خالد إلى عمر، فقال له: هل لك في هند و الرباب و صواحبات لهما قد خرجن إلى العقيق على حال حذر منك و كتمان لك أمرهما[2]؟قال: و اللّه إني إلى لقائهن لمشتاق، قال: فتنكر، و البس لبسة الأعراب، و هلمّ نمض إليهن، ففعل ذلك عمر، و لبس ثيابا جافية، و تعمّم عمّة الأعراب، و ركب قعودا له على رحل غير جيد، و صار إليهن، فوقف منهن قريبا، و سلّم، فعرفنه، فقلن: هلمّ إلينا يا أعرابيّ، فجاءهن، و أناخ قعوده، و جعل يحدثهن، و ينشدهن، فقلن له: يا أعرابي: ما أظرفك، و أحسن إنشادك!فما جاء بك إلى هذه الناحية؟قال:

جئت أنشد ضالّة لي، فقالت له هند: انزل إلينا، و احسر عمامتك عن وجهك، فقد عرفنا ضالّتك، و أنت الآن تقدّر أنّك قد احتلت علينا، و نحن و اللّه احتلنا عليك و بعثنا إليك بخالد/الخرّيت، حتى قال لك ما قال، فجئتنا على أسوإ حالاتك، و أقبح ملابسك، فضحك عمر، و نزل إليهن، فتحدّث معهن، حتى أمسوا، ثم إنهم تفرقوا، ففي ذلك يقول عمر بن أبي ربيعة:

صوت‏

أ لم تعرف الأطلال و المتربّعا # ببطن حليّات دوارس بلقعا[3]

إلى السّرح من وادي المغمّس بدّلت # معالمه و بلا و نكباء زعزعا[4]

/فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد ما # نكأن فؤادا كان قدما مفجّعا[5]

لهند و أتراب لهند إذ الهوى # جميع و إذ لم نخش أن يتصدّعا

في هذه الأبيات ثقيل أول لمعبد:

تبالهن بالعرفان لمّا رأينني # و قلن امرؤ باغ أكلّ و أوضعا[6]

و قرّبن أسباب الهوى لمتيّم # يقيس ذراعا كلّما قسن إصبعا

كان جده عبدا آبقا

أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، عن المدائني، و ذكر مثل ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى:

[1]تؤذنه: تعلمه.

[2]أمرهما: مفعول للمصدر «كتمان» .

[3]حليات: جمع حلية، و هي ما ابيض من يبس النصي، و هو نبت سبط من أجود المراعي، و في هج؛ «حليات» -بالحاء المعجمة- «دوارس بلقعا» حالان من الأطلال لا صفتان لحليات، و في هج: «أ لم تسأل» بدل «أ لم تعرف» .

[4]في هج: «السفح» بدل «السرح» ، المغمس: مكان. النكباء. الزعزع: الريح العاتية.

[5]نكأن فؤادا: من نكأ الجرح، قشرة قبل أن يبرأ، فدمي.

[6]تبالهن: تظاهرن بالبله، أكل: أرهق دابته، أوضع: أسرع بدابته حتى أنهكها، و المراد أنهن تظاهرن بعدم معرفته، و قلن؛ أعرابي أجهده السير، و أجهد راحلته.

278

أنّ كرز بن عامر جدّ خالد بن عبد اللّه عبد كان آبقا عن مواليه عبد القيس من هجر، و يقال: إن أصله من يهود تيماء، و كان أبق‏[1]، فظفرت به عبد شمس فكان فيهم عند غمغمة بن شقّ الكاهن، ثم وهبوه لقوم من بني طهيّة، فكان عندهم حتى أدرك، و هرب، فأخذته بنو أسد بن خزيمة، فكان فيهم، و تزوج مولاة لهم يقال لها زرنب، و يقال: إنها كانت بغيّا، فأصابها، فولدت له أسد بن كرز، سماه باسم أسد بن خزيمة لرقّة[2]كانت فيهم، ثم أعتقوه، ثم إن نفرا من أهل هجر مرّوا به، فعرفوه، فلما رجعوا إلى هجر أخذوا فداءه، و صاروا إلى مواليه فاشتروه و ابنه فلم يزل فيهم، حتى خرج معهم في تجارة إلى الطائف، فلما رأى دار بجيلة أعجبته، فاشترى نفسه و ابنه، فجاء، فنزل فيهم، فأقام مدة، ثم ادّعى‏[3]إليهم و عاونه على ذلك حيّ من أحمس يقال لهم: /بنو منبّه‏[4]، فنفاهم أبو عامر ذو الرقعة-سمّي بذلك لأن عينه أصيبت. فكان يغطيها بخرقة-و هو ابن عبد شمس بن جوين بن شقّ، فنزل كرز في بني سحمة هاربا من ذي الرّقعة، ثم وثب على ابن عم للقتّال بن مالك السّحميّ فقتله، و هرب إلى البحرين مع التجار، فأقام مدة، ثم مات، و نشأ ابنه يزيد بن أسد يدّعي في بجيلة، و لا تلحقه إلى أن مات، و نشأ ابنه عبد اللّه بن يزيد، ثم مضى إلى حبيب بن مسلمة الفهري، و كتب له، و كان كاتبا مفوّها، و ذلك في إمارة عثمان بن عفان.

ابوه خطيب الشيطان‏

فنال حظا و شرفا، و كان يقال له: خطيب الشيطان، و وسم‏[5]خيله: القسريّ، ثم تدسّس ليملك خيلا[6]في بلاد قسر، فمنعته بجيلة ذلك أشدّ المنع، فلم يقدر[7]عليه، حتى عظم أمره، و نشأ ابنه خالد، و مات هو، فكان خالد في مرتبته، ثم ولي العراق، و قال قيس بن القتال له في هذا المعنى:

و من سمّاك باسمك يا بن كرز؟ # و أين المولد المعروف تدري؟[8]

و قال بجير بن ربيعة السّحميّ:

نفته من الشّعبين قسر بعزّها # إلى دار عبد القيس نفى المزنّم‏[9]

[1]أبق يأبق-من باب ضرب و علم-هرب يهرب.

[2]كذا في النسخ، و لعل الصواب «لرفه كان فيهم» بدل «لرقة كانت فيهم» .

[3]ادعى: انتسب.

[4]في بعض النسخ «منبه» بدل «منية» و في بعضها «أمية» .

[5]وسم خيله القسرى: وضع عليها علامة قبيلة قسر، و يبدو أن القبائل كانت تسم الخيل بما يميز خيل كل قبيلة عن خيل سواها.

[6]في هد. هج: ليملك أرضا.

[7]لعلها «تقدر» أو «يقدروا» «بدل» «يقدر» و لا مانع أن تكون «يقدر» بالبناء للمجهول، و المراد-كما يبدو-أنه استطاع أن يمتلك الخيل أو الأرض على رغم منع بجيلة له من ذلك.

[8]في رواية:

«و أين المولد المعرف أنى؟»

.

[9]المزنم: الدعي في قوم ليس منهم.

279

بين أبيه و أبي موسى بن نصير

/قال أبو عبيدة: و كان بين عبد اللّه بن يزيد بن أسد بن كرز و بين أبي موسى بن نصير كلام عند عبد الملك بن مروان. فقال له عبد اللّه: إنما أنت عبد لعبد القيس، فقال: اسكت، /فقد عرفناك إن لم تعرف نفسك، فقال له عبد اللّه: أنا ابن أسد بن كرز، نحن الذين نضمن الشّهر[1]، و نطعم الدهر، فقال له: تلك قسر، و لست منهم، و إنّما أنت عبد آبق، قد كنت أراك تروم مثل ذلك، فلا تقدر عليه، ثم‏[2]نفاه جرير بن عبد اللّه إلى الشام، فأقام بها مدة، ثم مضى إلى حبيب، فقال له: دع ذكر البحرين لفرارك، أتراك منهم و أنت عبد، و أهلك من يهود تيماء فأسكتهما عبد الملك، و لم يسرّه ما قال عبد اللّه لأبي موسى بن نصير، لأنه كان على شرطة عمرو بن سعيد يوم قتله، فقال في ذلك أبو موسى بن نصير:

جاريت غير سئوم في مطاولة # يا بن الوشائط من أبناء ذي هجر[3]

لا من نزار و لا قحطان تعرفكم # سوى عبيد لعبد القيس أو مضر

تتوارث أسرته الكذب كابرا عن كابر

و قال أبو عبيدة: فأخبرني عبد اللّه بن عمر بن زيد الحكمي قال:

كان يزيد بن أسد يلقب خطيب الشيطان، و كان أكذب الناس في كل شي‏ء معروفا بذلك، ثم نشأ ابنه عبد اللّه فسلك منهاجه في الكذب، ثم نشأ خالد ففاق الجماعة إلا أن رئاسة و سخاء كانا فيه سترا ذلك من أمره.

قال عمر بن زيد: فإني لجالس على باب هشام بن عبد الملك إذ قدم إسماعيل بن عبد اللّه أخو خالد بخبر المغيرة بن سعد و خروجه بالكوفة، فجعل يأتي بأحاديث أنكرها، فقلت له: من أنت يا بن أخي؟قال إسماعيل بن عبد اللّه/بن يزيد القسريّ. فقلت: يا بن أخي. لقد أنكرت ما جرى حتى عرفت نسبك‏[4]. فجعل يضحك.

يطلب على المنبر أن يطعموه ماء

أخبرني اليزيديّ، عن سليمان بن أبي شيخ، عن محمد بن الحكم، و ذكره أبو عبيدة-و اللفظ له-قالا:

كان خالد بن عبد اللّه من أجبن الناس، فلما خرج عليه المغيرة عرف ذلك و هو على المنبر، فدهش و تحيّر، فقال: أطعموني ماء، فقال الكميت في ذلك، و مدح يوسف بن عمر:

[1]لعله يريد نضمن شهر السيوف عند الحرب، أو نضمن شهر اسم من نريد رفعته.

[2]كان سياق الكلام يقتضى أن يقول: ثم نفاك... الخ بكاف الخطاب، و لكن على الرواية التي بين أيدينا ينبغي أن نعيد ضمير نفاه إلى كلمة عبد من قوله: «أنت عبد آبق» و قد يكون في العبارة خرم.

[3]الوشائط: الدخلاء ينتمون إلى قوم ليسوا منهم.

[4]يريد أنه إذا عرف السبب بطل العجب، فهو من أسرة يجري الكذب في دمائها.

280

خرجت لهم تمشي البراح و لم تكن # كمن حصنه فيه الرّتاج المضبّب‏[1]

و ما خالد يستطعم الماء فاغرا # بعدلك و الداعي إلى الموت ينعب‏[2]

أولى كذبات ابن الكلبي‏

و قال ابن الكلبي: أول كذبة كذبتها في النسب أن خالد بن عبد اللّه سألني عن جدته أم كرز، و كانت أمة بغيّا لبني أسد يقال لها: زرنب. فقلت له: هي زينب بنت عرعرة بن جذيمة بن نصر بن قعين، فسرّ بذلك، و وصلني.

بنو أسد ينكرونه‏

:

قال: قال خالد ذات يوم لمحمد بن منظور الأسدي: يا أبا الصباح، قد ولدتمونا، فقال: ما أعرف فينا ولادة لكم، و إن هذا لكذب. فقيل له: لو أقررت للأمير بولادة ما ضرّك، قال: أ أفسد و أستنبط[3]ما ليس مني، و أقرّ بالكذب/على قومي؟فأمر خالد خداشا الكنديّ-و كان عامله-بضرب مولى لعبّاد بن إياس الأسديّ، فقتله، فرفع إلى خالد، فلم يقده، فوثب عبّاد على خداش فقتله، و قال:

لعمري لئن جارت قضية خالد # عن القصد ما جارت سيوف بني نصر

يتطاول على السماء

فأخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا أحمد بن الحارث، قال: حدثنا المدائني، عن سحيم بن حصين قال:

قتل خداش الكنديّ رجلا من بني أسد، و كان الكنديّ عاملا لخالد القسري، فطولب بالقود، و هو على دهلك/[4]، فقال: و اللّه لئن أقدت من عاملي لأقيدنّ من نفسي، و لئن أقدت من نفسي ليقيدن أمير المؤمنين من نفسه، و لئن أقاد أمير المؤمنين من نفسه، ليقيدنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من نفسه و لئن أقاد رسول اللّه من نفسه هاه هاه![5] يعرّض باللّه عز و جل، لعنة اللّه على خالد.

أمه نصرانية بظراء

أخبرني الحسن: قال: حدثنا الخراز، عن المدائني، عن عيسى بن يزيد و ابن جعدبة و أبي اليقظان، قالوا:

كانت أم خالد رومية نصرانية، فبنى لها كنيسة في ظهر قبلة المسجد الجامع بالكوفة، فكان إذا أراد المؤذن في المسجد أن يؤذن ضرب لها بالناقوس، و إذا قام الخطيب على المنبر رفع النصارى أصواتهم بقراءتهم.

أعشى همدان يفحش في هجائه‏

فقال أعشى همدان يهجوه، و يعيّره بأمه-و كان الناس بالكوفة إذا ذكروه في ذلك الوقت قالوا: ابن البظراء، [1]البراح: البين الواضح، فهو مفعول مطلق، أي تمشي المشي البراح. و الرتاج المضبب: غلق الباب المصنوع من الحديد، يريد أنه خرج لأعدائه سافرا، و لم يتحصن بحصن مغلق.

[2]العدل-بكسر العين-المعادل، يقول له؛ لم تكن كخالد حين استطعم الماء عند ما سمع بنبإ الإغارة عليه.

[3]في هد، هج «و أستليط من ليس مني» بدل «و أستنبط» و هي رواية أدق، و استلاطه: ادعى بنوته زورا.

[4]الدهلك: جزيرة بين اليمن و أرض الحبشة، أو واحد الدهالك: آكام سوداء معروفة بجزيرة العرب، و ليس كلا المعنيين مناسبا هنا، و رواية هد، هج، و هو على «المنبر» بدل «الدهلك» .

[5]هاه هاه: حكاية لضحك الضاحك.

281

فأنف من ذلك، فيقال: إنه ختن أمه و هي كارهة، فعيّره الأعشى بذلك حين يقوله-:

/

لعمرك ما أدري و إني لسائل # أ بظراء أم مختونة أمّ خالد

فإن كانت الموسى جرت فوق بظرها # فما ختنت إلا و مصّان قاعد[1]

يرى سوأة من حيث أطلع رأسه # تمرّ عليها مرهفات الحدائد

و قال أيضا فيه، يرميه باللّواط:

أ لم تر خالدا يختار ميما # و يترك في النّكاح مشقّ صاد[2]

و يبغض كلّ آنسة لعوب # و ينكح كلّ عبد مستقاد[3]

ألا لعن الإله بني كريز # فكرز من خنازير السواد[4]

يكره مضر، و يسب علي بن أبي طالب‏

قال المدائني في خبره: و أخبرني ابن شهاب بن عبد اللّه قال: قال لي خالد بن عبد اللّه القسري:

اكتب لي النسب فبدأت بنسب مضر فمكثت فيه أياما، ثم أتيته. فقال: ما صنعت؟فقلت: بدأت بنسب مضر و ما أتممته. فقال: اقطعه-قطعه اللّه مع أصولهم-و اكتب لي السيرة، فقلت له: فإنه يمرّ بي الشي‏ء من سير علي بن أبي طالب-صلوات اللّه عليه-فأذكره، فقال: لا، إلا أن تراه في قعر الجحيم‏[5]. لعن اللّه خالدا و من ولاه، و قبحهم، و صلوات اللّه على أمير المؤمنين‏[6]:

من مظاهر زندقته و انحرافه‏

و قال أبو عبيدة: حدثني أبو الهذيل العلاّف، قال:

صعد خالد القسري المنبر، فقال: إلى كم يغلب باطلنا حقّكم، أ ما آن لربكم أن يغضب لكم؟و كان زنديقا، أمه نصرانية، فكان يولّي النصارى و المجوس على المسلمين، و يأمرهم بامتهانهم و ضربهم، و كان أهل الذمة يشترون الجواري المسلمات و يطئونهن، فيطلق لهم ذلك، و لا يغيّر[7]عليهم.

[1]مصان: يقال للرجل: يا مصان، و للمرأة يا مصانة، مرادا بكل منهما أنه يمص بظر أمه، و على هذه الرواية يكون ثمة إقواء في البيت الثاني، و رواية هد:

«فما ختنت الا بمصان قاعد»

و هي رواية سليمة تضع عن البيت وزر الإقواء، و على كل فالمراد بالمصان هنا خالد نفسه بدليل قوله في البيت التالي‏

«يرى سوأة من حيث أطلع رأسه»

يريد الأعشى أن الحجام حين استأصل بظر أم خالد كان خالد يراقب عملية استئصال ذلك البظر الذي كان يمصه، و يرى السوأة التي أطلعت رأسه يوم ولادته.

[2]يكنى بالميم عن الاست، لأن حلقتها مستديرة، و بالصاد عن فرج المرأة لأن حلقته مستطيلة و في هج: «و يكره» بدل «و يترك» .

[3]مستقاد: تابع مقود، و في الأصل «مستفاد» و هو تصحيف، و المثبت من هج.

[4]كريز: تصغير كرز جد خالد، و السواد، اسم يطلق على العراق.

[5]يريد ألا يذكر شيئا عنه إلا أن يراه في قعر الجحيم، فيذكر ذلك.

[6]لعن اللّه... الخ من كلام أبي الفرج، و يبدو فيه تشيعه، و لعل لهذا التشيع أثرا في تلك الحملة الشعواء التي شنها على خالد بن عبد اللّه القسري.

[7]كذا بالأصل، و لعل أصل العبارة «و لا يغيره عليهم» أو «و لا يغار عليهن» .

282

و قال المدائني: كان خالد يقول: لو أمرني أمير المؤمنين نقضت الكعبة حجرا حجرا، و نقلتها إلى الشام.

قال: و دخل عليه فراس بن جعدة بن هبيرة و بين يديه نبق، فقال له، العن عليّ بن أبي طالب و لك بكل نبقة دينار ففعل فأعطاه بكل نبقة دينارا.

قال المدائني: و كان له عامل يقال له: خالد بن أميّ‏[1]. و كان يقول: و اللّه لخالد بن أميّ أفضل أمانة من علي ابن أبي طالب صلوات اللّه عليه.

و قال له‏[2]يوما: ايّما أعظم ركيتنا[3]أم زمزم؟فقال له: أيها الأمير: من يجعل الماء العذب النّقاخ‏[4]مثل الملح الأجاج؟و كان يسمي زمزم أم الجعلان‏[5].

بينه و بين الفرزدق‏

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدثنا أبو غسّان دماذ، عن أبي عبيدة، قال:

أتى الفرزدق خالد بن عبد اللّه القسري، يستحمله في ديات حملها، فقال له: إيه/يا فرزدق، كأني بك قد قلت: آتي الحائك بن الحائك، فأخدعه عن ماله إن أعطاني، أو أذمّه إن منعني. فأنا حائك ابن حائك. و لست أعطيك شيئا. فأذممني كيف شئت، فهجاه الفرزدق بأشعار كثيرة منها:

ليتني من بجيلة اللؤم حتى # يعزل العامل الذي بالعراق

فإذا عامل العراقين ولّي # عدت في أسرة الكرام العتاق‏[6]

قال: و إنما أراد خالد بقوله: الحائك بن الحائك تصحيح نسبه في اليمن، و الانتفاء من العبودية لأهل هجر.

يتطاول على الخليفة و ابنه فيعزله‏

و كان خالد شديد العصبية على مضر. و بلغ هشاما أنه قال: ما ابني يزيد بن خالد بدون مسلمة بن هشام، فكان ذلك سبب عزله إياه عن العراق.

يتطاول على مقام النبوة

قال: و خطب بمكة و قد أخذ بعض التابعين، فحبسه في دور آل الحضرمي، فأعظم الناس ذلك و أنكروه، فقال: قد بلغني ما أنكرتم من أخذي عدوّ أمير المؤمنين و من حاربه، و اللّه لو أمرني أمير المؤمنين أن أنقض هذه الكعبة حجرا حجرا لنقضتها، و اللّه لأمير المؤمنين أكرم على اللّه من أنبيائه عليهم السلام، و لعن اللّه تعالى خالدا و أخزاه.

[1]في بعض النسخ «خالد بن العي» و في بعضها «خالد بن آهي» .

[2]قال له: قال خالد الوالي لخالد عامله.

[3]الركية: البئر غير مطوية.

[4]النقاخ: الماء العذب الصافي البارد.

[5]الجعلان: جمع جعل-كزفر-و هو حيوان كالخنفساء يكثر في الأماكن الندية.

[6]رواية هد:

«عدت في أسرتي»

و هي أجود.

283

أخبرني أبو عبيدة الصّيرفيّ، قال: حدّثنا الفضل بن الحسن المصريّ، قال: حدّثني عمر بن شبّة، قال:

حدّثني عبيد اللّه بن حباب، قال: حدثني عطاء بن مسلم قال: قال خالد بن عبد اللّه، و ذكر النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقال:

/أيّما أكرم‏[1]عندكم على الرجل: رسوله في حاجته أو خليفته في أهله؟يعرّض بأنّ هشاما خير من النبي صلى اللّه عليه و سلم.

يوازن بين إبراهيم الخليل و الخليفة

قال أبو عبيدة: خطب خالد يوما، فقال: إن إبراهيم خليل اللّه استسقى ماء، فسقاه اللّه ملحا أجاجا، و إن أمير المؤمنين استسقى اللّه ماء، فسقاه اللّه عذبا نقاخا[2]، و كان الوليد حفر بئرا بين ثنيّة ذي طوى و ثنيّة الحجون، فكان خالد ينقل ماءها، فيوضع في حوض إلى جنب زمزم. ليرى الناس فضلها. قال: فغارت تلك البئر، فلا يدرى أين هي إلى اليوم؟

ينال من علي بن أبي طالب‏

أخبرني أبو الحسن الأسديّ: قال: حدثنا العباس بن ميمون طايع، عن ابن عائشة، قال:

كان خالد بن عبد اللّه زنديقا، و كانت أمه رومية نصرانية وهبها عبد الملك لأبيه. فرأى يوما عكرمة، مولى ابن عباس، و على رأسه عمامة سوداء، فقال: إنه بلغني أنّ هذا العبد يشبه عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه و سلامه، و إني لأرجو أن يسوّد اللّه وجهه كما سوّد وجه ذاك.

قال: حدثني من سمعه، و قد لعن عليّا-صلوات اللّه عليه و سلامه-فقال في ذكره: عليّ بن أبي طالب بن عم محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، و زوج ابنته فاطمة، و أبو الحسن و الحسين، هل كنّيت‏[3]. اللهم العن خالدا و اخزه، و جدّد على روحه العذاب.

اسماعيل بن خالد يسب بني أميّة في مجلس السفاح‏

و قال أبو عبيدة: ذكر إسماعيل بن خالد بن عبد اللّه القسريّ بني أمية عند أبي العباس/السفاح في دولة بني هاشم، فذمهم و سبهم، و قال له حمّاس‏[4]الشاعر مولى عثمان بن عفان: يا أمير المؤمنين: أ يسبّ بني عمك و عمّالهم و عماتك رجل اجتمع هو و الخرّيت في نسب؟إن بني أمية لحمك و دمك، فكلهم و لا تؤكّلهم‏[5]. فقال له:

صدقت. و أمسك إسماعيل فلم يحر جوابا.

[1]كأنه يعتقد أن الخليفة خليفة اللّه، و نسي أن الخليفة خليفة رسول اللّه، و عليه فلا مجال للمقارنة.

[2]النقاخ: الماء العذب الصافي البارد.

[3]استفهام انكاري: يريد به أنه عرف عليا بجميع أدوات التعريف، حتى لا تخطئه اللعنة.

[4]كذا بالأصل، و في بعض الأصول جماس-بالجيم المعجمة و تشديد الميم-و لعل هذا و ذاك محرفان عن الجماز الشاعر المعروف.

[5]يريد أن يقول له: تول أنت بيدك عقوبتهم، و لا تلك ذلك إلى غيرك، على حد قول الشاعر:

فإن كنت مأكولا فكن أنت اكلي # و إلا فأدركني و لما أمزق‏

و قد تمثل بهذا البيت الخليفة عثمان بن عفان في خطاب بعث به إلى علي بن أبي طالب، يستعديه فيه على الثائرين عليه.

284

سليمان يضربه مائة سوط

و قال ابن الكلبي: كان خالد بن عبد اللّه أميرا على مكة فأمر رأس الحجبة أن يفتح له الباب‏[1]و هو ينظر، فأبى فضربه مائة سوط. فخرج الشّيبيّ‏[2]إلى سليمان بن عبد/الملك يشكوه فصادف الفرزدق بالباب، فاسترفده‏[3].

فلما أذن للناس، و دخلا شكا الشيبيّ ما لحقه من خالد، و وثب الفرزدق، فأنشأ يقول:

سلوا خالدا لا أكرم اللّه خالدا # متى وليت قسر قريشا تدينها[4]

أقبل رسول اللّه أم ذاك بعده! # فتلك قريش قد أغثّ سمينها[5]

رجونا هداه لا هدى اللّه خالدا # فما أمّه بالأم يهدى جنينها

فحمي سليمان و أمر بقطع يد خالد، و كان يزيد بن المهلّب عنده، فما زال/يفدّيه‏[6]، و يقبّل يده، حتى أمر بضربه مائة سوط، و يعفى عن يمينه، فقال الفرزدق في ذلك:

لعمري لقد صبّت على ظهر خالد # شآبيب ما استهللن من سبل القطر[7]

أ يضرب في العصيان من كان طائعا # و يعصي أمير المؤمنين أخو قسر؟[8]

فنفسك لم فيما أتيت فإنما # جزيت جزاء بالمحدرجة السّمر[9]

و أنت ابن نصرانيّة طال بظرها # غذتك بأولاد الخنازير و الخمر

فلو لا يزيد بن المهلّب حلّقت # بكفك فتخاء إلى الفرخ في الوكر[10]

لعمري لقد صال ابن شيبة صولة # أرتك نجوم الليل ظاهرة تسري‏[11]

يحبس الفرزدق‏

فحقدها خالد على الفرزدق فلما ولّي، و حفر نهر العراق‏[12]بواسط قال فيه الفرزدق أبياتا يهجوه منها:

و أهلكت مال اللّه في غير حقّه # على النّهر المشئوم غير المبارك‏

[1]يريد برأس الحجبة رأس حجبة الكعبة، و بالباب باب الكعبة.

[2]الشيبي: نسبة إلى بني شيبة الذين كانوا يقومون بسدانة الكعبة.

[3]استرفده: استعان به.

[4]تدينها: تخضعها، و تذلها، و في هج: «تهينها» بدل «تدينها» .

[5]أغث سمينها: هزل ما كان سمينا من إبلها و شاتها.

[6]يفديه: يقول له: جعلني اللّه فداءك.

[7]الشآبيب: جميع شؤبوب، و هو الدفعة من المطر. السبل: المطر.

[8]يريد أن خالدا يضرب الطائعين، و يعصي هو. و في «المختار» :

«أ يضرب في الإسلام»

.

[9]المحدرجة السمر: السياط.

[10]الفتخاء: العقاب اللينة الجناحين، يريد: لو لا يزيد لقطعت يدك، فالتقطتها عقاب لينة الجناحين، و جعلت منها غذاء لفرخها في وكره.

[11]يريد أن هذه الصولة أرقتك، فجعلت تراقب النجوم في مساريها.

[12]في هد، هج: «و حفر نهار المبارك بالعراق» .

285

و تضرب أقواما صحاحا ظهورهم # و تترك حقّ اللّه في ظهر مالك‏[1]

/و قال، و يقال: إنها للمفرج بن المرقع‏[2].

كأنك بالمبارك بعد شهر # يخوض غماره نقع الكلاب‏[3]

كذبت خليفة الرحمن عنه # و كيف يرى الكذوب جزى الكذاب‏[4]

فأخذ خالد الفرزدق، فحبسه، و اعتل عليه بهجائه إياه في حفر المبارك، فقال الفرزدق في السجن:

أبلغ أمير المؤمنين رسالة # فعجّل هداك اللّه نزعك خالدا[5]

بنى بيعة فيها الصّليب لأمّه # و هدّم من بغض الإله المساجدا

فبعث هشام إلى خالد بن سويد[6]يأمره بإطلاق الفرزدق، فأطلقه، فقال الفرزدق يهجو خالدا القسريّ:

ألا لعن الرحمن ظهر مطية # أتتنا تخطّى من بعيد بخالد[7]

و كيف يؤمّ المسلمين و أمّه # تدين بأنّ اللّه ليس بواحد؟

ابن عيّاش يشتمه‏

أخبرنا الحسن، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، قال: حدثنا المدائني، قال:

شتم عبد اللّه بن عيّاش الهمذانيّ خالد بن عبد اللّه في أيام منصور بن جمهور، فسمعه رجل من لخم، فقدّمه إلى منصور و استعداه عليه، فقال له منصور: ما تريد؟ /فقال ابن عيّاش: أمرنا أيها الأمير برقية العقرب. و فيه‏[8]عجب، لخميّ يستنصر كلبيّا على همذانيّ لبجليّ دعيّ.

يدل على هشام‏

و قال المدائني/في خبره: كان خالد بن عبد اللّه قريبا من هشام بن عبد الملك مكينا عنده فأدلّ، و تمرّغ‏[9] عليه، حتى إنه التفت يوما إلى ابنه يزيد بن خالد عند هشام، فقال له: كيف بك يا بنيّ إذا احتاج إليك بنو أمير [1]تقدم هذان البيتان في «ترجمة الفرزدق» .

[2]في بعض النسخ: «المريع» .

[3]نقع الكلاب: جيف الكلاب المنقوعة في الماء، و في هج، هد: «بقع الكلاب» .

[4]في هد، هج «و سوف» «بدل» «و كيف» جزا: مقصور جزاء، الكذاب: الكذب.

[5]تقدم هذان البيتان أيضا في ترجمة الفرزدق.

[6]ابن سويد مفعول «بعث» و في «نسخة» : فبعث هشام إلى خالد رسولا» .

[7]تقدم البيتان أيضا في «ترجمة الفرزدق» ، و في هد، هج «من دمشق» بدل «من بعيد» . و في الكامل: «تهادي» بدل «تخطي» .

[8]في العبارة التواء، و نرجح أن قوله: «و فيه عجب» تحريف «و الرقية عجب» و يقصد بالعقرب خالدا، و بالرقية الأسجاع التالية، اللخمي هو الواشي، و الكلي هو منصور بن جمهور، و الهمذاني هو المتكلم، أي الذي شتم خالدا، و البجلي الدعي هو خالد، و الكلام مسوق مساق التهكم.

[9]تمرغ عليه: تلبث عنده، و أطال الترداد عليه.

286

المؤمنين؟قال: أواسيهم و لو في قميصي. فتبين الغضب في وجه هشام‏[1]، و احتملها.

يلقب هشاما بابن الحمقاء

قال المدائني: حدثني بذلك عبد الكريم مولى هشام: إنه كان واقفا على رأس هشام، فسمع هذا من‏[2]خالد، قال: و كان‏[3]إذا ذكر هشام قال له: ابن الحمقاء فسمعها رجل من أهل الشام، فقال لهشام: إن هذا البطر الأشر الكافر لنعمتك و نعمة أبيك و إخوتك يذكرك بأسوإ الذكر، فقال: ما ذا يقول؟لعله يقول: الأحول قال: لا و اللّه، و لكن ما لا تنشق به الشفتان قال: فلعله قال: ابن الحمقاء، فأمسك الشامي، فقال: قد بلغني كل ذلك عنه.

يستغل نفوذه فيتضاعف دخله‏

و اتخذ خالد ضياعا كثيرة حتى بلغت غلّته عشرة آلاف ألف درهم، فدخل عليه دهقان كان يأنس به فقال له:

إن الناس يحبون جسمك، و أنا أحبّ جسمك/و روحك، قد بلغت غلّة ابنك أكثر من عشرة آلاف ألف سوى غلّتك‏[4]، و إن الخلفاء لا يصبرون على هذا، فاحذر، فقال له خالد: إن أخي أسد بن عبد اللّه قد كلمني بمثل هذا، أ فأنت أمرته؟قال: نعم، قال: ويحك!دعه، فربّ يوم كان يطلب فيه الدرهم، فلا يجده.

كان بخيلا بطعامه‏

و قال المدائني في خبره: كان خالد بن عبد اللّه بخيلا على الطعام، فوفد إليه رجل له به حرمة، فأمر أن يكتب له بعشرة آلاف درهم‏[5]، و حضر الطعام، فأتي به، فأكل أكلا منكرا، فأغضبه، و قال للخازن: لا تعرض عليّ صكّة، فعرّفه الخازن ذلك، فقال له: ويحك!فما الحيلة؟قال: تشتري غدا كل ما يحتاج إليه في مطبخه، و تهب الطبّاخ دراهم، حتى لا يشتري شيئا، و تسأله إذا أكل خالد أن يقول له: إنك اليوم في ضيافة فلان، فاشترى كل ما أراد، حتى الحطب، فبلغ خمسمائة درهم، فأكل خال؛ فاستطاب ما صنع له. فقال له الطبّاخ: إنك كنت اليوم في ضيافة فلان، قال له: و كيف ذاك؟فأخبره، فاستحيا خالد و دعا بصكّه، فصيّره ثلاثين ألفا، و وقع فيه، و أمر الخازن بتسليمها إليه.

حيلة يحتالها تاجر عليه‏

قال: و كان لبعض التجار على رجل دين، فأراد استعداء خالد عليه، فلاذ الرجل ببواب خالد، و بره، فقال له: سأحتال لك في أمر هذا بحيلة، لا يدخله عليه أبدا، قال: فافعل، فلما جلس خالد للأكل أذن البواب للتاجر فدخل، و خالد يأكل سمكا، فجعل يأكل أكلا شنيعا كثيرا، فغاظ ذلك خالدا، فلمّا خرج قال/لبوابه: فيم أتاني هذا؟قال: يستعدي على فلان في دين يدعيه عليه. قال: و اللّه إني لأعلم أنه كاذب، فلا يدخلنّ عليّ. و تقدّم إلى صاحب الشرطة بقبض يده عن صاحبه‏[6].

[1]سبب الغضب أن السؤال يؤذن بحاجة بني أمية و زوال ملكهم.

[2]هذا: هذا الخبر، و نرجح أن «من» هنا تحريف عن، أي سمع رواية الشامي لهذه القصة.

[3]عبارة هج: «و كان إذا ذكر هشام قال: ما قال لكم ابن الحمقاء؟» .

[4]في هج: «قد بلغت غلتك أكثر من عشرة آلاف ألف سوى غلة ابنك» .

[5]في هج: «بعشرين ألف درهم» .

[6]في هد، هج «بأن يقبض يده عن خصمه» و لعل المراد أنه خلى بين التاجر و المدين، و منع الشرطة أن تحمي الثاني من الأول. ـ

287

و قال المدائني في خبره:

خبير بلغة الحمير

كان خالد يوما يخطب على المنبر. و كان لحنة، و كان له مؤدب يقال له: الحسين بن رهمة[1]الكلبيّ، و كان يجلس بإزائه، فإذا شك في شي‏ء أومأ إليه، و كان لخالد صديق من تغلب زنديق يقال له زمزم، فلما قام يخطب على المنبر قام إليه التغلبي في وسط خطبته، و قال: قد حضرتني مسألة، قال: ويحك!أما ترى الشيطان عينه في عيني، يعني حسينا، قال: لا بد و اللّه منها، قال: هاتها، قال: أخبرني، قلمسان‏[2]إذا ساف‏[3]، ثم رفع رأسه و كرف‏[4]أيّ شي‏ء يقول؟قال: أراه يقول: ما أطيبه يا رباه، قال: صدقت ما كان ليستشهد على هذا سوى ربه.

رأيه في حفظة القرآن‏

قال المدائني: و قال خالد يوما على المنبر: هذا كما قال اللّه عز و جل: أعوذ باللّه من/الشيطان الرجيم ثم أرتج عليه، فقال للتغلبي: قم فافتح عليّ يا أبا زمزم سورة كذا و كذا، فقال: خفّض عليك أيها الأمير، لا يهولنّك ذلك، فما رأيت قط عاقلا حفظ القرآن، و إنما يحفظه الحمقى من الرجال، قال: صدقت، يرحمك اللّه.

يهب المغنية للقصاص‏

و قال المدائنيّ: حدّثني أبو يعقوب الثقفيّ، قال:

قال خالد بن عبد اللّه للعريان: يا عريان، أعجزت عن الشّرط، حتى أولّي/غيرك!فإن الغناء قد فشا و ظهر قال: لم أعجز، و إن شئت فاعزلني، فقال له: خذ لي المغنّيات، فأحضره خمسا منهن أو ستّا، فأدخلهنّ إليه، فنظر إلى واحدة منهن بيضاء دعجاء؛ كأنّها أشربت ماء الذهب، فدعا لها بكرسيّ، فجلست. ثم قال لها: اين البربط[5] الذي كانت تضرب به؟فأحضر، ثم سوّته، فغنت:

إلى خالد حتّى أنخن بخالد # فنعم الفتى يرجى و نعم المؤمّل‏

فقال: اعدلي عن هذا إلى غيره، فغنّت:

أروح إلى القصّاص كل عشيّة # أرجّى ثواب اللّه في عدد الخطا

قال: و أقبل قاصّ المصر. فقال له خالد: أ كانت هذه تروح إليك؟قال: لا، و ما مثلها يروح إليّ، قال: خذ بيدها فهي لك، و مولاها بالباب، فسأل عنها فقيل: وهبها للقاصّ، فتحمّل‏[6]عليه بأشراف الكوفة، فلم يرددها، حتى اشتراها منه بمائتي دينار.

[1]في بعض النسخ: دهمة.

[2]كذا بالأصل، و الذي في هج و هد: أخبرني عن الحمار إذا ساف و كرف، ثم رفع رأسه، و كرف، أي شي‏ء يقول؟» و ليس بين أيدينا من المعاجم ما يفيد أن كلمة «قلمسان» تطلق على الحمار أو غيره.

[3]ساف: شم.

[4]كرف الحمار و غيره: شم بول الأتان، ثم رفع رأسه، و قلب جحفلته.

[5]البربط-كجعفر-العود، و هو لفظ معرب عن «بر» ، «بط» بمعنى صدر الإوز، لأن شكل العود يشبه شكل صدر الأوز.

[6]تحمل: توسل.

288

هشام يضيق به ذرعا فيقرعه‏

:

و قال المدائنيّ؛ قال خالد في خطبته: و اللّه ما إمارة العراق ممّا يشرفني، فبلغ ذلك هشاما، فغاظه جدّا، و كتب إليه:

بلغني يا بن النّصرانية أنك تقول: إن إمارة العراق ليست مما يشرفك، صدقت و اللّه، ما شي‏ء يشرفك، و كيف تشرف و أنت دعيّ إلى بجيلة القبيلة القليلة الذليلة، أما و اللّه إني لأظنّ أن أول ما يأتيك ضغن من قيس‏[1]، فيشد يديك إلى عنقك.

هشام ينكل به تنكيلا

و قال المدائني: حدثني شبيب بن شيبة عن خالد بن صفوان بن الأهتم/قال: لم تزل أفعال خالد به‏[2]، حتى عزله هشام، و عذّبه، و قتل ابنه يزيد بن خالد، فرأيت في رجله شريطا قد شدّ به، و الصبيان يجرونه، فدخلت إلى هشام يوما، فحدثته، و أطلت، فتنفس. ثم قال: يا خالد، ربّ خالد كان أحبّ إليّ قربا، و ألذّ عندي حديثا منك، قال: يعني خالدا القسري، فانتهزتها، و رجوت أن أشفع له فتكون لي عند خالد يد، فقلت: يا أمير المؤمنين، فما يمنعك من استئناف الصنيعة عنده؟فقد أدّبته بما فرط منه، فقال: هيهات، إن خالدا أوجف‏[3]فأعجف، و أدلّ‏[4] فأملّ، و أفرط في الإساءة فأفرطنا في المكافأة، فحلم الأديم‏[5]، و نغل الجرح‏[6]، و بلغ السيل الزّبى‏[7]و الحزام الطّبيين‏[8]، فلم يبق فيه مستصلح، و لا للصنيعة عنده موضع، عد إلى حديثك.

عود إلى تخنثه و دورانه في فلك عمر بن أبي ربيعة

فأمّا أخباره في تخنثه و إرسال عمر بن أبي ربيعة إياه إلى النساء، فأخبرني به عليّ بن صالح بن الهيثم عن أبي هفّان، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، عن عثمان بن إبراهيم الحاطبي، و أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال:

حدثني الزبير بن بكر، قال: /حدثني محمد بن الحارث بن سعد السعيدي، عن إبراهيم بن قدامة الحاطبيّ، عن أبيه، و اللفظ لعلي بن صالح في خبره، قالا[9]: قال الحاطبي:

أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنين، فانتظرته في مجلس قومه، حتى إذا تفرق القوم دنوت منه، و معى صاحب لي، فقال لي صاحبي: هل لك في أن/تريغه‏[10]عن الغزل، فنظر هل بقي منه شي‏ء عنده؟فقلت [1]ضغن: حاقد عليك من قيس الذين لا تفتأ تنال منهم.

[2]متعلق الجار و المجرور محذوف، تقديره «عالقة» أو مزرية به، أو نحو ذلك.

[3]لعله يريد بقوله: «أوجف فأعجف» أسرع في الإساءة، و تمادى فيها، فأصاب منزلته عندنا بالهزال و العجف.

[4]أدل فأمل، أكثر من الإدلال، فسبب لنا السامة و الإملال.

[5]الأديم: الجلد، حلم: كثر دوده، حتى تثقب و فسد.

[6]نغل الجرح: تعفن، و فسد.

[7]الزبى: جمع زبية، و هي الربوة لا يصل اليها الماء، فإذا وصل إليها كان ذلك نذيرا بخطر السيل، و جملة «بلغ السيل الزبى» مثل يضرب عند تفاقم الخطر، و بلوغه مداه.

[8]الطبي-بضم الطاء و كسرها-حلمة ثدي الناقة و نحوها، و جملة «جاوز الحزام الطبيين: كسابقتها تضرب مثلا في تفاقم الأمر، و بها تمثل عثمان بن عفان في خطابه إلى علي بن أبي طالب، حينما استعداه على الثائرين عليه» .

[9]ضمير «قالا» لعلي بن صالح و الحرمي بن أبي العلاء.

[10]تريغه: من أراغه عن الأمر و عليه: طلبه منه.

289

له: دونك. فقال: يا أبا الخطاب أحسن و اللّه ريسان العذرى-قاتله اللّه-قال: و فيم أحسن؟قلت: حيث يقول:

لو جزّ بالسيف رأسي في مودّتها # لمال لا شك يهوي نحوها رأسي‏

فقال: نعم أحسن، فقلت: يا أبا الخطاب، و أحسن و اللّه تحيّة بن جنادة العذريّ، قال: في ما ذا؟قلت: حيث يقول:

سرت لعينيك سلمى بعد مغفاها # فبتّ مستوهنا من بعد مسراها

فقلت: أهلا و سهلا من هداك لنا # إن كنت تمثالها أو كنت إيّاها

و في رواية الزبير خاصة:

تأتي الرياح من نحو أرضكم # حتى أقول: دنت منّا بريّاها

و قد تراخت بها عنّا نوّى قذف # هيهات مصبحها من بعد ممساها[1]

من حبّها أتمنّى أن يلاقيني # من نحو بلدتها ناع فينعاها

كيما أقول: فراق لا لقاء له # و تضمر اليأس نفسي ثم تسلاها

/و لو تموت لراعتني و قلت لها: # يا بؤس للدهر ليت الدهر أبقاها

و يروى.

... لراعتني منيّتها # و قلت يا بؤس ليت الدهر أبقاها

فضحك عمر ثم قال: يا ويحه أحسن و اللّه، لقد هيجتما عليّ ما كان ساكنا مني فلأحدّثنكما حديثا حلوا: بينا أنا أوّل أعوامي جالس إذا بخالد الخريت قال: مررت بأربع نسوة قبيل‏[2]، يردن ناحية كذا و كذا من مكة، لم أر مثلهن قط، فيهن هند، فهل لك أن تأتيهن متنكرا فتسمع من حديثهن، و لا يعلمن؟فقلت: و كيف لي بأن يخفى ذلك؟قال: تلبس لبسة الأعراب، ثم تقعد على قعود، كأنك تنشد ضالة، فلا يشعرن حتى تهجم عليهن، قال:

فجلست على قعود. ثم أتيتهنّ فسلّمت عليهن، فآنسنني، و سألنني أن أنشدهن، فأنشدتهن لكثيّر و جميل و غيرهما، و قلن: يا أعرابي، ما أملحك، لو نزلت، فتحدثت معنا يومنا هذا، فإذا أمسيت انصرفت، فأنخت قعودي، و جلست معهن، فحدثتهن، و أنشدتهن، فدنت هند، فمدّت يدها، فجذبت عمامتي، فألقتها عن رأسي، ثم قالت: تاللّه لظننت أنك خدعتنا، نحن و اللّه خدعناك، أرسلنا إليك خالدا الخرّيت في إتياننا بك على أقبح هيئتك، و نحن على أحسن هيئتنا. ثم أخذن بنا في الحديث، فقالت إحداهن: يا سيدي لو رأيتني‏[3]منذ أيام، و أصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي/في جيبي، فنظرت إلى حرى، فرأيته مل‏ء العسّ و القسّ‏[4]فصحت: يا عمراه!فصحت‏[5]: لبيك [1]قذف: بعيدة تتقاذف بمن تصيبه، مصبح و ممسى: مصدران ميميان، أو اسما مكان أو زمان من أصبح و أمسى، و في هد، هج

«هيهات مصبحها عنا و ممساها»

.

[2]قبيل: متشابهات.

[3]في هد «لقد رأيتني» بضم التاء.

[4]العس: القدح الكبير، أما القس فلا مكان له هنا، و نرجح أنهما تحريف «العين و النفس» .

[5]تاء «صحت» الأولى ضمير المرأة المتحدثة، و تاء «صحت» الثانية ضمير ابن أبي ربيعة.

290

لبيك، و لم أزل معهن في أحسن وقت إلى أن أمسينا، فتفرقنا، عن أنعم عيش، فذلك حين أقول:

أ لم تعرف الأطلال و المتربّعا # ببطن حليّات دوارس بلقعا[1]

و ذكر الأبيات.

انقضت أخبار خالد لعنة اللّه عليه أبدا.

صوت‏

أ نائل ما رؤيا زعمت رأيتها # لنا عجب لو أنّ رؤياك تصدق

أ نائل ما للعيش بعدك لذة # و لا مشرب نلقاه إلا مرنّق‏[2]

/أ نائل إنّي و الذي أنا عبده # لقد جعلت نفسي من البين تشفق

لعمرك إن البين منك يشوقني # و بعض بعاد البين و النأي أشوق‏

الشعر لصخر بن الجعد الخضريّ.

أخبرنا بذلك محمد بن مزيد، عن الزبير بن بكار أن عمه أنشده هذه القصيدة لصخر بن الجعد الخضري، و أنا أذكرها بعقب أخبار صخر. و من الناس من يروي هذه الأبيات لجميل، و لم يأت ذلك من وجه يصحّ، و الزبير أعلم بأشعار الحجازيين.

و الغناء لعريب خفيف ثقيل عن الهشامي، و فيه لابن المكي ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.

[1]مضى هذا البيت و ما بعده في حديث سابق، كما مضى الحديث كله في هذه الترجمة نفسها مع اختلاف في الرواية.

[2]مشرب مرنق: مشوب غير صاف.

291

2-أخبار صخر بن الجعد و نسبه‏

نسبه‏

صخر بن الجعد الخضريّ، و الخضر ولد مالك بن طريف بن محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، و صخر أحد بني جحاش بن سلمة بن ثعلبة بن مالك بن طريف، قال: و سمّي ولد مالك بن طريف الخضر لسوادهم، و كان مالك شديد الأدمة[1]. و خرج ولده إليه فقيل لهم الخضر، و العرب تسمي الأسود الأخضر.

ابن ميادة يترفع عن مهاجاته‏

و هو شاعر فصيح من مخضرمي الدولتين الأموية و العباسية، و قد كان يعرض لابن ميادة لمّا انقضى ما بينه و بين حكم‏[2]الخضريّ من المهاجاة، و رام أن يهاجيه، فترفّع ابن ميّادة عنه.

أخبرني بخبره عليّ بن سليمان الأخفش، عن هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، عن الزبير بن بكار مجموعا، و أخبرني بأخبار له متفرقة الحرميّ بن أبي العلاء، عن الزبير بن بكار.

و حدثني بها غيرهما من غير رواية الزبير، فذكرت كلّ شي‏ء من ذلك مفردا، و نسبته إلى راويه.

قصته مع محبوبته كأس‏

قال الزبير فيما رواه هارون عنه:

حدثني من أثق به عن عبد الرحمن بن الأحول بن الجون قال:

كان صخر بن الجعد مغرما بكأس بنت بجير بن جندب، و كان يشبب بها، فلقيه أخوها وقّاص، و كان شجاعا، فقال له: يا صخر، إنك تشبب‏[3]بابنة عمك، و شهرتها، و لعمري ما بها عنك مذهب؛ و لا لنا عنك مرغب، فإن كانت لك فيها حاجة فهلم أزوّجكها، و إن لم تكن لك فيها حاجة فلا أعلمن ما عرضت لها/بذكر، و لا أسمعنّه منك. فأقسم باللّه لئن فعلت ذلك ليخالطنّك سيفي، فقال له: بل و اللّه إن لي لأشدّ الحاجة إليها، فوعده موعدا و خرج صخر لموعده، حتى نزل بأبيات القوم، فنزل منزل الضيف، فقام وقّاص فذبح، و جمع أصحابه.

و أبطأ صخر عنهم، فلما رأى ذلك وقّاص بعث إليه: أن هلمّ لحاجتك، فأبطأ[4]، و رجع الرسول فقال مثل قوله‏[5]، [1]الأدمة: السواد.

[2]في هج «الحكم» بدل «حكم» .

[3]في بعض النسخ: إنك نسبت «بدل» إنك تشبب، و هذه الرواية أنسب.

[4]ضمير «أبطأ» يصح أن يكون عائدا على صخر، و على الرسول.

[5]في العبارة التواء فلم يتقدم مرجع لضمير «قوله» .

292

فغضب. و عمد إلى رجل من الحيّ ليس يعدل بصخر، يقال له حصن، و هو مغضب لما صنع، فحمد اللّه و أثنى عليه، و زوّجه كأس، و افترق القوم، و مروا بصخر، فأعلموه تزويج كأس بحصن، فرحل عنهم من تحت الليل، و اندفع يهجوها بالأبيات التي قذفها فيها فيما قذفها، و ذلك قوله حين يقول:

و أنكحها حصنا ليطمس حملها # و قد حملت من قبل حصن و جرّت‏

أي زادت على تسعة أشهر، قال: و ترافع القوم إلى المدينة، و أميرها يومئذ طارق مولى عثمان، قال: فتنازعوا إليه.

و معهم يومئذ رجل يقال له حزم، و كان من أشد الناس على صخر شرّا. قال: و فيه يقول صخر:

/

كفى حزنا لو يعلم النّاس أنّني # أدافع كأسا عند أبواب طارق‏[1]

أ تنسين أياما لنا بسويقة # و أيامنا بالجزع جزع الخلائق

ليالي لا نخشى انصداعا من الهوى # و أيام حزم عندنا غير لائق‏[2]

/إذا قلت لا تفشي حديثي تعجرفت # زيادا لودّ هاهنا غير صادق‏[3]

قال: فأقاموا عليه البيّنة بقذف كأس، فضرب الحدّ، و عاد إلى قومه، و أسف على ما فاته من تزويج كأس، فطفق يقول فيها الشعر.

مطولته في كأس‏

قال الزبير: فأنشدني عمّي و غيره لصخر قوله:

لقد عاود النفس الشقيّة عيدها # نعم إنّه قد عاد نحسا سعودها[4]

و عاوده من حبّ كأس ضمانة # على النأي كانت هيضة تستقيدها[5]

و أنى ترجّيها و أصبح وصلها # ضعيفا و أمست همّه لا يكيدها[6]

و قد مرّ عصر و هي لا تستزيدني # لما استودعت عندي و لا أستزيدها

فما زلت حتى زلّت النعل زلّة # برجلك في زوراء و عث صعودها[7]

ألا قل لكأس إن عرضت لبيتها # فأين بكا عيني و أين قصيدها؟

[1]يريد بالمدافعة المقاضاة، و تنوين «كأسا» ليس ضرورة، فهو مؤنث ثلاثي ساكن الوسط يجوز تنوينه و منعه من الصرف.

[2]يريد حزما عدوه الذي تقدمت الإشارة اليه، و «حزم» مرفوع على الابتداء، و أيام مضافة إلى الجملة بعدها.

[3]تعجرفت: تكبرت، زيادا: مفعول لأجله، أي تكبرت لتزيد ودا بيننا غير صادق، و في هد، هج: «ديارا» بدل «زيادا» و لا معنى له.

[4]العيد هنا: ما يعتاد الإنسان.

[5]الضمانة: العلة، الهيضة: المرض بعض المرض، فاعل «تستقيدها» ضمير كأس، يريد أن كأسا تأخذ القود منه، و تثأر لنفسها بما أصابته به من علة بعد علة.

[6]أمست همه لا يكيدها، أي أمست كأس و ليس من همه أن يضمر لها كيدا.

[7]زوراء: أرض بعيدة، و عث صعودها: من و عث الطريق و عثا: تعسر سلوكه، يريد أنه كان مع كأس على وفاق، حتى زلت به النعل زلة لا إقالة منها.

293

لعل البكا يا كأس إن نفع البكا # يقرّب دنيانا لنا فيعيدها

و كانت تناهت لوعة الودّ بيننا # فقد أصبحت يبسا و أذبل عودها[1]

/و يروى: و قد ذاء عودها يقال: ذبل و ذأى و ذوى بمعنى واحد.

ليالي ذات الرمس لا زال هيجها # جنوبا و لا زالت سحاب تجودها[2]

و عيش لنا في الدهر إذ كان قلبه # يطيب لديه بخل كأس و جودها[3]

تذكّرت كأسا إذ سمعت حمامة # بكت في ذرا نخل طوال جريدها

دعت ساق حرّ فاستجبت لصوتها # مولّهة لم يبق إلا شريدها[4]

فيا نفس صبرا كلّ أسباب واصل # ستنمي لها أسباب هجر تبيدها

قال أبو الحسن الأخفش:

ستنمي لها أسباب صرم تبيدها أجود.

و ليل بدت للعين نار كأنها # سنا كوكب للمستبين خمودها[5]

فقلت: عساها نار كأس و علّها # تشكّى فأمضي نحوها و أعودها[6]

فتسمع قولي قبل حتف يصيدني # تسرّ به أو قبل حتف يصيدها

كأن لم نكن يا كأس إلفى مودة # إذ الناس و الأيام ترعى عهودها

من شعره في تجواله‏

أخبرني عبد اللّه بن مالك النحوي، قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال:

لما ضرب صخر بن الجعد الحدّ لكأس، و صارت إلى زوجها ندم على ما فرط منه، /و استحيا من الناس للحدّ الذي ضربه، فلحق بالشام، فطالت غيبته بها، ثم عاد فمرّ بنخل كان لأهله و لأهل كأس، فباعوه، و انتقلوا إلى الشام، فمر بها صخر و رأى المبتاعين لها يصرمونها[7]، فبكى عند ذلك بكاء شديدا، و أنشأ يقول:

[1]في هد، هج «زرعة» بدل «لوعة» و المعنى يستقيم على روايتها.

[2]ليالي مضاف إلى الجملة بعدها، ذات الرمس: مكان. الهيج: الريح، يقول: إن زرعة الود كانت تناهت بينهما ليالي كانت تهب الريح فيها جنوبا، و كانت السحاب تمطر فيها، و السحاب يذكر و يؤنث.

[3]عيش: معطوف على «ذات الرمس» .

[4]ساق حر: ذكر القماري، و في رواية «فاستحثت» و في الأصل «فاستحث» و في هد: «فاستجبت» و هذا هو الذي نرجحه، يريد أن الحمامة دعت القمري فاستجبت أنا لندائها حال كونها مولهة... الخ.

[5]و ليل و اورب، و رابط جملة الخبر محذوف، تقديره بدت العين نار فيه. و في هج «لا تستبين» بدل «للمستبين» أي أنها نار لا ترى العين لها خمودا، بل هي متقدة دائما.

[6]رفع «أمضى و أعود» لضرورة الشعر، فالقياس النصب.

[7]صرم النخلة: جذها.

294

مررت على خيمات كأس فأسبلت # مدامع عيني و الرياح تميلها

/و في دارهم قوم سواهم فأسبلت # دموع من الأجفان فاض مسيلها

كذاك الليالي ليس فيها بسالم # صديق و لا يبقى عليها خليلها

و قال و هو بالشام:

ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا # عن العهد أم أمسى على حاله نجد؟

و عهدي بنجد منذ عشرين حجّة # و نحن بدنيا ثمّ لم نلقها بعد

به الخوصة الدهماء تحت ظلالها # رياض بها الحوذان و النّفل الجعد[1]

قال: و مرّ على غدير كانت كأس تشرب منه و يحضره أهلها و يجتمعون عليه، فوقف طويلا عليه يبكي و كان يقال لذلك الغدير جنان فقال صخر:

بليت كما يبلى الرّداء و لا أرى # جنانا و لا أكناف ذروة تخلق‏[2]

ألوّى حيازيمي بهنّ صبابة # كما تتلوّى الحيّة المتشرّق‏[3]

تموت كأس فيرثيها

أخبرني عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن حبيب، قال: قال السّعيديّ‏[4]: حدثني سبرة مولى يزيد بن العوّام، قال:

/كان صخر بن الجعد المحاربي خدنا لعوّام بن عقبة، و كان عوّام يهوى امرأة من قومه، يقال لها: سوداء، فماتت، فرثاها، فلما سمع صخر بن الجعد المرثية، قال: وددت أن أعيش حتى تموت كأس، فأرثيها، فماتت كأس، فقال:

على أمّ داود السلام و رحمة # من اللّه يجري كلّ يوم بشيرها

غداة غدا الغادون عنها و غودرت # بلمّاعة القيعان يستنّ مورها[5]

و غيّبت عنها يوم ذاك و ليتني # شهدت فيحوى منكبيّ سريرها[6]

و يروى: فيعلو منكبي.

[1]الخوص: ورق النخل و المقل و النار جبل و ما شاكلها، الحوذان: نبات عشبي، النفل: نبت طيب الرائحة أصفر الزهر، و في الأصل «بقل» و هو تصحيف.

[2]جنان، و ذروة: مكانان.

[3]الحيزوم: الصدر أو وسطه، الحية المتشرق: التي تحاول الدف‏ء عند شروق الشمس.

[4]في هج: «السعدي» بدل «السعيدي» .

[5]لمّاعة القيعان: فلاة يلمع السراب أو البرق في زمانها، يستن: يسرع، المور: الغبار تطير به الرياح كل مطار.

[6]يكنى بقوله: يحوي منكبي سريرها» عن احتضانها أو حملها إلى القبر، و يؤيد المعنى الثاني رواية «فيعلو» التي أشار اليها المؤلف، و هي أجود.

295

نزت كبدي لما أتاني نعيّها # فقلت: أدان صدعها فمطيرها؟[1]

أمير المؤمنين يسأل عن قائل شعره‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدثني الزبير، قال: حدثني خالد بن الوضاح قال:

قال عبد الأعلى بن عبيد بن محمد بن صفوان الجمحيّ لعبد اللّه بن مصعب: سألني أمير المؤمنين اليوم في موكبه: من الذي يقول:

ألا يا كأس قد أفنيت شعري # فلست بقائل إلا رجيعا؟[2]

و لم أدر لمن الشعر؟فقال عبد اللّه بن مصعب: هو لصخر الخضريّ، و أنشد باقي الأبيات، و هي:

/

ترجّى أن تلاقي آل كاس # كما يرجو أخو السّنة الربيعا[3]

فلست بنائم إلا بحزن # و لا مستيقظا إلا مروعا

فإنّك لو نظرت إذا التقينا # إلى كبدي رأيت بها صدوعا

من شعره حينما ندم على عدم زواجها

قال ابن حبيب في رواية عبد اللّه بن مالك: لما زوّجت كأس جزع صخر بن الجعد لما فرط منه و ندم و أسف، و قال في ذلك:

هنيئا لكأس قطعها الحبل بعد ما # عقدنا لكأس موثقا لا نخونها

و إشماتها الأعداء لمّا تألّبوا # حواليّ و اشتدّت عليّ ضغونها

/فإن حراما أن أخونك ما دعا # بيليل قمريّ الحمام و جونها[4]

و قد أيقنت نفسي لقد حيل دونها # و دونك لو يأتي بيأس يقينها[5]

و لكن أبت لا تستفيق و لا ترى # عزاء و لا مجلود صبر يعينها[6]

لو انّا إذ الدّنيا لنا مطمئنة # دحا ظلّها ثم ارجحنّت غصونها[7]

[1]في رواية «برت» بدل «نزت» و في أخرى «أدام» بدل «أدان» و هي أجود، مطيرها: اسم فاعل من أطار، و النعي-بالتشديد-كالنعي- بالتخفيف.

[2]في الأصل‏

«فلست بنائل بالا رجيعا»

و هو تحريف‏

«فلست بقائل الا رجيعا»

و يعني ذلك قوله أفنيت شعري.

[3]السنة هنا: الجدب و المحل.

[4]يليل-بياءين مثناتين-اسم موضع، الجون: جمع جوناء، و هي الناقة السوداء، و المعنى: لن أخونك ما ناح الحمام، أو أرزمت الإبل بهذا المكان، و في النسخ اضطراب كثير في هذا البيت.

[5]لو هنا للتمني لا شرطية: يتمنى لو أن يقينه بالحيلولة بينه و بينها أراح قلبه باليأس منها و سلوة حبها.

[6]مجلود: من جلده على الأمر: أكرهه عليه، و إضافة «مجلود» إلى «صبر» من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي الصبر الذي أكره نفسي عليه.

[7]دحا الظل: استرخى و امتد، ارجحنت: تمايلت. ـ

296

لهونا و لكنا بغرّة عيشنا # عجبنا لدنيانا فكدنا نعينها[1]

/و كنا إذا نحن التقينا و ما نرى # لعينين إلا من حجاب يصونها[2]

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا # و أوساطها حتى تملّ فنونها[3]

تراه كأس في النوم‏

قال ابن حبيب: أرسلت كأس بعد أن زوّجت إلى صخر بن الجعد تخبره أنها رأته فيما يرى النائم: كأنه يلبسها خمارا، و أنّ ذلك جدّد لها شوقا إليه و صبابة، فقال صخر:

أ نائل ما رؤيا زعمت رأيتها # لنا عجب لو أنّ رؤياك تصدق

أ نائل لو لا الودّ ما كان بيننا # نضا مثل ما ينضو الخضاب فيخلق‏[4]

يشتري نسيئة ثم يهرب من البائع‏

أخبرنا حبيب بن نصر، قال: حدثنا عبد اللّه بن شبيب، قال: حدثني محمد بن عبد اللّه البكري، قال:

قدم صخر بن الجعد الخضريّ المدينة، فأتى تاجرا من تجارها، يقال له سيّار فابتاع منه برّا و عطرا، و قال:

تأتينا غدوة فأقضيك، و ركب من تحت ليلته، فخرج إلى البادية، فلما أصبح سيّار سأل عنه؛ فعرف خبره، فركب في جماعة من أصحابه في طلبه، حتى أتوا بئر مطّلب، و هي على سبعة أميال من المدينة، و قد جهدوا من الحرّ، فنزلوا عليها، فأكلوا تمرا كان معهم، و أراحوا دوابّهم و سقوها، حتى إذا برد النهار انصرفوا راجعين، و بلغ الخبر صخر بن الجعد، فقال:

أهون عليّ بسيّار و صفوته # إذا جعلت صرارا دون سيّار[5]

/إنّ القضاء سيأتي دونه زمن # فاطو الصّحيفة و احفظها من العار[6]

يسائل الناس هل أحسستم جلبا # محاربيّا أتى من نحو أظفار[7]

و ما جلبت إليهم غير راحلة # و غير رحل و سيف جفنة عار

[1]لهونا: خبر لوانا في البيت السابق، عجبنا لدنيانا: أنكرناها: يقول: ليتنا نعمنا بالحياة، و هي مواتية، و لكننا تنكرنا لها، فكدنا نعينها على إساءتها لنا.

[2]جواب إذا في البيت التالي، و يريد بقوله:

«و ما نرى...

الخ» أنهما كانا مستترين عن العيون، فلا تقع عليهما إلا من وراء حجاب.

[3]في هد، هج:

«حتى ترق فنونها»

.

[4]بيننا: فراقنا، نضا: نصل، يخلق: يبلى، يقول: إن الفراق يؤثر في الود، و لكن و دنا متين، و لو لا متانته ما و هي أثر الفراق، كما يبلى الخضاب و ينصل.

[5]صرار: موضع قرب المدينة، يقول: ما ذا عساه يفعل هو و عترته إذا تجاوزت المدينة، و كان بيني و بينه هذا الموضع.

[6]يريد بالقضاء قضاء الدين، و بالعار فشل سيار في إدراكه.

[7]فاعل يسائل ضمير سيار، الجلب: ما جلب من متاع و شاء و إبل و نحو ذلك، محاربيا: منسوبا إلى محارب: يعني نفسه، أظفار:

طائفة من الكواكب، و قوله:

«أتى من نحو أظفار»

كلام مسوق مساق التهكم، و في الأصل «احثثتم» بدل «أحسستمو» و هو تحريف، و المثبت من هد، هج.

297

و ما أريت لهم إلا لأدفعهم # عني و يخرجني نقضي و إمراري‏[1]

حتى استغاثوا بأروى بئر مطّلب # و قد تحرّق منهم كلّ تمّار[2]

و قال أوّلهم نصحا لآخرهم: # ألا ارجعوا و اتركوا الأعراب في النار

جاريته تخدعه‏

أخبرني عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن حبيب، قال: حدثنا ابن الأعرابي، قال:

كان الجعد المحاربيّ أبو صخر بن الجعد قد عمّر حتى خرف، و كان يكنى أبا الصّموت؛ و كانت له وليدة[3] يقال لها سمحاء، فقالت له يوما: يا أبا الصّموت، زعم بنوك أنك إن متّ قتلوني، قال: و لم؟قالت: مالي إليهم ذنب غير حبّي لك، فأعتقها على أن تكون معه، فمكثت يسيرا، ثم قالت له: يا أبا الصّموت، هذا عرابة من أهل المعدن يخطبني، قال: أين هذا مما قلت لي؟قالت: إنّه ذو مال، و إنما أردت ماله لك، /قال: فأتني‏[4]به، فأتته فزوّجه إياها، فولدت له أولادا، و قوّته بما كانت تصيبه من الجعد، و كانت/تأتي الجعد في أيّام، فتخضب رأسه، ثم قطعته، فأنشأ الجعد يقول:

أمسى عرابة ذا مال و ذا ولد # من مال جعد و جعد غير محمود

تظل تنشقه الكافور متكئا # على السرير و تعطيني على العود

من قوله لامرأته‏

قال و الجعد هو القائل لامرأته:

تعالجني أمّ الصّموت كأنما # تداوي حصانا أوهن العظم كاسره‏[5]

فلا تعجبي أمّ الصّموت فإنّه # لكل جواد معثر هو عاثره

و قد كنت أصطاد الظباء موطّئا # و أضرب رأس القرن و الرمح شاجره‏[6]

فأصبحت مثل العشّ طارت فراخه # و غودر في رأس الهشيمة سائره‏[7]

اولاده يرثونه حيّا

فلما كبر حمله بنوه، فأتوا به مكة، و قالوا له: تعبّد هاهنا، ثم اقتسموا المال، و تركوا له منه ما يصلحه، فقال:

[1]ضمير «لهم» يعود على الناس، الإمرار: فتل الحبل و نحوه، النقض: ضد الفتل، و يريد بالنقض و الإمرار: المراوغة و الخداع، يريد أنني كنت أظهر نفسي للناس، ثم أغير الطرق، لأضلل المقتفين أثرى، و في هد:

«و ما أريتهمو»

بدل‏

«و ما أريت لهم»

.

[2]الأروى: إناث الوعول، و بئر مطلب: المكان الذي نزل فيه سيار و رفقته، و الكلام مسوق مساق التهكم، أي أنهم نزلوا بئر مطلب، و أكلوا فيه التمر، و جعلوا يسألون الوعول عنه، و قد تحرق من الغيظ كل آكل تمر منهم.

[3]وليدة: جارية.

[4] «فأتتني» كذا بالأصل، و القياس «فأتيني» بإثبات ياء المؤنثة.

[5]الهاء من كاسره تعود على الحصان لا على العظم.

[6]موطئا: منحدرا، شاجره: داخل فيه مشتبك به.

[7]الهشيمة: الشجرة البالية، سائرة: باقية.

298

ألا أبلغ بني جعد رسولا # و إن حالت جبال الغور دوني

فلم أر معشرا تركوا أباهم # من الآفاق حيث تركتموني

فإني و الرّوافض حول جمع # و محطمهنّ من حصبا الحجون‏[1]

/لو أني ذو مدافعة و حولي # كما قد كنت أحيانا كموني‏[2]

إذا لمنعتكم مالي و نفسي # بنصل السّيف أو لقتلتموني‏

يعيا و عبده حاضر البديهة

و أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه بن عثمان البكريّ، عن عروة بن زيد[3]الخضري، عن أبيه، قال:

كنت في ركب فيهم صخر بن الجعد، و درن مولى الخضريين معنا، و نحن نريد خيبر، فنزلنا منزلا تعشّينا فيه، فهيّجنا إبل صخر، فلما ركبنا ساق بنا و اندفع يرجز[4]، و يقول:

لقد بعثت حاديا قراصفا[5]

فردّده قطعا من الليل لا ينفده‏[6]، و لا يقول غيره، ثم قال لنا: إني نسيت عقالا، فرجع يطلبه في المتعشّى، و نزل درن يسوق بالقوم، فارتجز درن ببيت صخر، و قال:

لقد بعثت حاديا قراصفا # من منزل رحلت عنه آنفا

يسوق خوصا رجّفا حواجفا # مثل القسيّ تقذف المقاذفا[7]

/حتى ترى الربّاعي العتارفا # من شدة السير يزجّى واجفا[8]

[1]في هد، هج «الرواقص» بدل «الروافض» و يريد بها الإبل التي تحمل الحجيج، و الواو: واو القسم، جمع: علم على المزدلفة، محطمهن: من الحطم بمعنى الازدحام، الحجون: جبل بمعلاة مكة، يقسم بجموع الحجيج المزدحمة في المزدلفة و في حصباء الحجون، و تتمة الكلام في البيتين التاليين.

[2]الحول: القوة، كموني: بدل من التاء في «كنت» و المراد كمونه لعدوه، كي يأخذه على غرة: يقسم أنه لو بقيت له قوته و حيله في مداورة أعدائه ما استطاع أبناؤه أن يؤذوه في نفسه و ماله، و لو هلك في سبيل الدفاع عنهما.

[3]في هج: «عن محمد بن يزيد» بدل «عن عروة بن زيد» .

[4]يرجز: ينشد شعرا من الرجز.

[5]قراصفا: مسرعا.

[6]في بعض النسخ: «شطرا من الليل» بدل «قطعا من الليل» . ضمير ينفده يعود على البيت‏

«لقد بعثت حاديا قراصفا»

و هو من مشطور الرجز، و يريد بقوله «لا ينفده» : لا يجعله ينفذ: و ينتهي لكثرة ترداده.

[7]خوصا: جمع خوصاء، و هي الناقة و نحوها غارت عينها، رجفا: مهتزة، و في هد، هج «حراجفا» بدل «حواجفا» و ليس لكليهما من المعنى ما يناسب المقام، فلعلها محرفة عن «خرانف» بمعنى الإبل الغزيرة، أو «خذارف» بمعنى القطيع من الإبل.

[8]الرباعي: من ربعت الإبل: سرحت في المرعى، العتارف: لعله من العترفة، و هي في الجمل بمعنى الشدة و القوة، و الذي في المعاجم «عتريف» و «عتروف» يزجى: يساق، واجفا: مسرعا، يقول: و هذا الرجز من التفاهة بحيث لا يستحق أن يغضب من أجله صخر على غلامه.

299

قال: فأدركه صخر، و هو في ذلك، فقال له: يا بن الخبيثة أ تجترئ على أن تنفذ بيتا أعياني؟فقاتله، فضربه، حتى نزلنا، ففرقنا بينهما.

صوت‏

إذا سرّها أمر و فيه مساءتي # قضيت لها فيما تحبّ على نفسي‏[1]

و ما مرّ يوم أرتجي منه راحة # فأذكره إلا بكيت على أمسي‏

الشعر لأبي حفص الشّطرنجيّ، و الغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.

[1]في هد، هج «تريد» بدل «تحب» .

300

3-أخبار أبي حفص الشطرنجي و نسبه‏

نشأته‏

أبو حفص: عمر بن عبد العزيز، مولى بني العباس، و كان أبوه من موالي المنصور فيما يقال، و كان اسمه اسما أعجميّا، فلما نشأ أبو حفص و تأدب، غيّره و سمّاه عبد العزيز.

أخبرني/بذلك عمّي، عن أحمد بن الطّيب، عن جماعة من موالي المهدي.

و نشأ أبو حفص في دار المهديّ و مع أولاد مواليه، و كان كأحدهم، و تأدّب، و كان لاعبا بالشّطرنج مشغوفا به، فلقّب به لغلبته عليه.

انقطاعه إلى علية بنت المهدي‏

فلما مات المهدي انقطع إلى علية، و خرج معها لما زوجت، و عاد معها لما عادت إلى القصر، و كان يقول لها الأشعار فيما تريده من الأمور بينها و بين إخوتها و بني أخيها من الخلفاء، فتنتحل‏[1]بعض ذلك، و تترك بعضه، و مما ينسب إليها من شعره و لها فيه غناء، و قد ذكرنا ذلك في أغانيها و أخبارها:

تحبّب فإن الحبّ داعية الحب‏

و هو صوت مشهور لها.

يخلعون عليه أحب الأوصاف‏

حدثني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثني أحمد بن الطيب السّرخسي قال: حدثني الكنديّ، عن محمد ابن الجهم البرمكيّ، قال:

رأيت أبا حفص الشّطرنجيّ الشاعر، فرأيت منه إنسانا يلهيك حضوره عن كل غائب و تسليك مجالسته عن هموم المصائب، قربه عرس، و حديثه أنس، جدّه لعب، و لعبه/جد، ديّن ماجد[2]، إن لبسته على ظاهره لبست موموقا لا تملّه، و إن تتبّعته لتستبطن خبرته وقفت على مروّة[3]لا تطير الفواحش بجنباتها، و كان فيما علمته أقل ما فيه الشعر، و هو الذي يقول:

[1]تنتحله: تنسبه إلى نفسها.

[2]في هد، هج «دين ماجن» .

[3]في هد، هج «مروة» كما أثبتناها، و في الأصل كتبت هكذا «مرواة» مضبوطة بكسر الميم و سكون الراء، و لم نجد لها معنى، و «مروة» : تخفيف «مروءة» .

301
صوت‏

تحبّب فإن الحبّ داعية الحبّ # و كم من بعيد الدار مستوجب القرب‏[1]

إذا لم يكن في الحب عتب و لا رضا # فأين حلاوات الرسائل و الكتب؟

تفكّر فإن حدّثت أنّ أخا هوى # نجا سالما فارج النّجاة من الكرب‏[2]

و أطيب أيام الهوى يومك الذي # تروّع بالتّحريش فيه و بالعتب‏[3]

قال: و في هذه الأبيات غناء لعليّة بنت المهديّ، و كانت تأمره أن يقول الشعر في المعاني التي تريدها، فيقولها، و تغني فيها.

قال: و أنشدني لأبي حفص أيضا.

صوت‏

عرّضن للذي تحبّ بحبّ # ثم دعه يروضه إبليس

فلعلّ الزّمان يدنيك منه # إن هذا الهوى جليل نفيس

/صابر الحبّ لا يصرّفك فيه # من حبيب تجهّم و عبوس‏[4]

و أقلّ اللّجاج و اصبر على الجهـ # د فإن الهوى نعيم و بوس‏

في هذه الأبيات للمسدود هزج ذكره لي جحظة و غيره عنه.

و أما قوله:

تحبّب فإن الحبّ داعية الحبّ‏

فقد مضت نسبته في أخبار عليّة.

مساجلة بينه و بين الرشيد على لسان ماردة

أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، و أخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني أبو العباس الكاتب قال:

كان الرشيد يحبّ ماردة جاريته، و كان خلّفها بالرّقّة، فلما قدم إلى المدينة السلام اشتاقها، فكتب إليها:

[1]في هج:

«فإن القرب داعية الحب»

.

[2]هكذا ورد في هد، و في الأصل: فارج النجاة من الحب.

[3]التحريش: الحك و الدلك يمشط و نحوه، و قد استعير هنا لما يحدث بين المحبين من تجن و دلال و ملاحاة.

[4]في هج: «لا يغرنك» بدل «لا يصرفك» ، و في المختار: «تجشم» بدل «تجهم» و يريد الشاعر بهذا البيت ما أراده بشار بقوله:

لا يؤنسنك من مخدرة # قول تغلظه و إن جرحا

عسر النساء إلى مياسرة # و الصعب يمكن بعد ما جمحا

302
صوت‏

سلام على النازح المغترب # تحية صبّ به مكتئب

غزال مراتعه بالبليخ # إلى دير زكّي فقصر الخشب

/أيا من أعان على نفسه # بتخليفه طائعا من أحب‏[1]

سأستر و السّتر من شيمتي # هوى من أحبّ بمن لا أحب‏[2]

/فلما ورد كتابه عليها أمرت أبا حفص الشّطرنجيّ صاحب عليّة، فأجاب الرشيد عنها بهذه الأبيات، فقال:

أتاني كتابك يا سيدي # و فيه العجائب كلّ العجب

أ تزعم أنّك لي عاشق # و أنك بي مستهام و صبّ

فلو كان هذا كذا لم تكن # لتتركني نهزة للكرب

و أنت ببغداد ترعى بها # نبات اللّذاذة مع من تحبّ

فيا من جفاني و لم أجفه # و يا من شجاني بما في الكتب

كتابك قد زادني صبوة # و أسعر قلبي بحرّ اللّهب

فهبني نعم قد كتمت الهوى # فكيف بكتمان دمع سرب

و لو لا اتقاؤك يا سيدي # لوافتك بي النّاجيات النّجب‏[3]

فلما قرأ الرشيد كتابها أنفذ من وقته خادما على البريد، حتى حدرها[4]إلى بغداد في الفرات، و أمر المغنين جميعا، فغنّوا في شعره.

قال الأصبهاني: فممّن غنّى فيه إبراهيم الموصلي؛ غنى فيه لحنين، أحدهما ما خوريّ، و الآخر ثاني ثقيل عن الهشامي. و غنى يحيى بن سعد[5]بن بكر بن صغير العين فيه رملا. و لابن جامع فيه رمل بالبنصر، و لفليح بن العوراء ثاني ثقيل بالوسطى، و للمعلي خفيف رمل بالوسطى، و لحسين بن محرز هزج بالوسطى، و لأبي زكار الأعمى هزج بالبنصر، هذه الحكايات كلها عن الهشامي، و قال: كان المختار من هذه الألحان كلها عند الرشيد الذي اشتهاه منها و ارتضاه لحن سليم.

يصلح بين الرشيد و عليّة بأبياته‏

أخبرني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب، قال:

حدثني محمد بن يزيد النحوي، قال: حدثني جماعة من كتّاب السلطان:

[1]من في المصراع الثاني مفعول تخليف، و يريد بإعانتها على نفسها أنها تسببت في هجر الخليفة إياها.

[2]يريد أنه سيتظاهر بحب من لا يحب ليستر حبها هي في نفسه على حد قول الشاعر:

أصافح من لاقيت في البيت غيرها # و كل هوى نفسي لمن لا أصافح‏

[3]الناجيات النجب: الإبل الأصيلة السريعة.

[4]حدر الشي‏ء: دحرجه من علو إلى أسفل، و المراد هنا أنه استقدمها من الرقة.

[5]في هد، هج: «يحيى بن صفر» .

303

أن الرشيد غضب على عليّة بنت المهدي، فأمرت أبا حفص الشّطرنجيّ شاعرها أن يقول شعرا يعتذر فيه عنها إلى الرشيد، و يسأله الرضا عنها، فيستعطفه لها فقال:

صوت‏

لو كان يمنع حسن العقل صاحبه # من أن يكون له ذنب إلى أحد

كانت عليّة أبرا الناس كلّهم # من أن تكافا بسوء آخر الابد[1]

ما لي إذا غبت لم أذكر بواحدة # و إن سقمت فطال السّقم لم أعد[2]

ما أعجب الشي‏ء ترجوه فتحرمه # قد كنت أحسب أنّي قد ملأت يدي‏[3]

فأتاها بالأبيات، فاستحسنتها، و غنت فيها، و ألقت الغناء على جماعة من جواري الرشيد، فغنّينه إيّاه في أول مجلس جلس فيه معهن، فطرب طربا شديدا، و سألهن عن القصة، فأخبرنه بها، فبعث إليها، فحضرت، فقبّل رأسها، و اعتذرت، فقبل عذرها، و سألها إعادة الصوت، فأعادته عليه، فبكى، و قال: لا جرم أني لا أغضب أبدا عليك ما عشت.

بيتان في دنانير بمائتي دينار

حدثني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثنا الحسين بن يحيى، عن عمرو بن بانة، قال:

دخل أبو حفص الشّطرنجيّ على يحيى بن خالد، و عنده ابن جامع، و هو يلقي على/دنانير صوتا أمره يحيى بإلقائه عليها، و قال لأبي حفص: قل في دنانير بيتين يغنيّ فيهما ابن جامع، و لك بكل بيت مائة دينار[4]إن جاءت كما أريد، فقال أبو حفص:

صوت‏

أشبهك المسك و أشبهته # قائمة في لونه قاعدة

لا شكّ إذ لونكما واحد # أنكما من طينة واحدة

قال: فأمر له يحيى بمائة دينار، و غنى فيهما ابن جامع.

قال الأصبهاني: لحن ابن جامع في هذين البيتين هزج.

صديق حميم لأسرة الخليفة

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال:

كان أبو حفص الشّطرنجيّ ينادم أبا عيسى بن الرشيد، و يقول له الشعر، فينتحله، و يفعل مثل ذلك بأخيه [1]أبرا: كذا في هد، و هج و المختار من البراءة، و في النسخ: أربي. تكافا: من المكافأة و بالتخفيف أيضا.

[2]هذا البيت منقول من هد و المختار و ساقط من الأصل، و قولها: «بواحدة» تعني بواحدة من الذكريات.

[3]تريد بمل‏ء اليد الثقة بمودة الرشيد.

[4]في هج: «و لك بكل بيت ديناران» .

304

صالح و أخته، و كذلك بعليّة عمتهم، و كان بنو الرشيد جميعا يزورونه و يأنسون به، فمرض، فعادوه جميعا سوى أبي عيسى فكتب إليه:

يعاتب ابن الرشيد لأنه لم يعده في مرضه‏

إخاء أبي عيسى إخاء ابن ضرّة # و ودّي ودّ لابن أمّ و والد[1]

أ لم يأته أنّ التأدّب نسبة # تلاصق أهواء الرجال الأباعد

فما باله مستعذبا من جفائنا # موارد لم تعذب لنا من موارد

أقمت ثلاثا حلف حمى مضرّة # فلم أره في أهل ودّي و عائدي

سلام هي الدنيا قروض و إنما # أخوك مديم الوصل عند الشدائد

بيتان ليسا له‏

حدثني جعفر بن الحسين، قال: حدثني ميمون بن هارون، قال: حدثنا أبي عن أبي حفص الشّطرنجيّ: قال:

قال لي الرشيد يوما: يا حبيبي، لقد أحسنت ما شئت في بيتين قلتهما، قلت: ما هما يا سيدي؟فمن شرفهما استحسانك لهما، فقال: قولك:

صوت‏

لم ألق ذا شجن يبوح بحبّه # إلا حسبتك ذلك المحبوبا

حذرا عليك و إنني بك واثق # ألاّ ينال سواي منك نصيبا

فقلت: يا أمير المؤمنين، ليسا لي، هما للعباس بن الأحنف، فقال: صدقك و اللّه أعجب إليّ، و أحسن منهما بيتاك حيث تقول:

إذا سرّها أمر و فيه مساءتي # قضيت لها فيما تريد على نفسي

و ما مرّ يوم أرتجي فيه راحة # فأذكره إلا بكيت على أمسي‏

في البيتين الأولين اللذين للعباس بن الأحنف ثقيل لإبراهيم الموصلي، و فيهما لابن جامع رمل عن الهشامي، الروايتان جميعا لعبد الرحمن، و في أبيات أبي حفص الأخيرة لحن من كتاب إبراهيم غير مجنّس.

ينعي نفسه قبل أن يموت‏

أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثني الحسين بن يحيى، قال: حدثني عبد اللّه بن الفضل، قال:

دخلت على أبي حفص الشّطرنجي شاعر عليّة بنت المهديّ أعوده في علّته التي مات فيها، قال: فجلست عنده فأنشدني لنفسه:

[1]في هج:

«و ودي له ود ابن أم و والد»

، و كلتا الروايتين سليمتان.

305
صوت‏

نعى لك ظلّ الشّباب المشيب # و نادتك باسم سواك الخطوب‏[1]

فكن مستعدّا لداعي الفناء # فإن الذي هو آت قريب

/ألسنا نرى شهوات النفو # س تفنى و تبقى عليها الذنوب

و قبلك داوى المريض الطبيب # فعاش المريض و مات الطبيب

يخاف على نفسه من يتوب # فكيف ترى حال من لا يتوب؟

غنى في الأول و الثاني إبراهيم هزجا.

انقضت أخباره.

صوت‏

أبى ليلي أن يذهب # و نيط الطرف بالكوكب

و نجم دونه النّسرا # ن بين الدّلو و العقرب‏[2]

و هذا الصّبح لا يأتي # و لا يدنو و لا يقرب‏

الشعر لأميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف، و الغناء لإسحاق هزج بالوسطى.

تسرق لحن إسحاق و هو سكران‏

أخبرنا محمد بن يحيى و محمد بن جعفر النحوي، قالا: حدثنا محمد بن حماد، قال:

التقيت مع دمن جارية إسحاق بن إبراهيم الموصلي يوما، فقلت لها: أسمعيني شيئا أخذته من إسحاق، فقالت: و اللّه ما أحد من جواريه أخذ منه صوتا قط[3]و لا ألقى علينا شيئا قط[3]و إنما كان يأمر من أخذ منه من الرجال مثل مخارق و علّويه و وجه القرعة الخزاعيّ و جواري الحارث بن بُسخُنَّر أن يلقوا علينا ما يختارون‏[4]من أغانيهم، و أما عنه فما أخذت شيئا قط إلا ليلة، فإنه انصرف من عند المعتصم، و هو سكران، فقال للخادم القيّم على حرمه: جئني بدمن، فجاءني الخادم، فدعاني، فخرجت معه، فإذا هو في البيت الذي ينام فيه، و هو يصنع في هذا الشعر:

أبى ليلي أن يذهب # و نيط الطّرف بالكوكب‏

و هو يتزايد فيه، و يقومه، حتى استوى له، ثم قام إلى عود مصلح معلّق كان يكون في بيت منامه، فأخذه، فغنى الصوت، حتى صحّ له، و استقام عليه، و أخذته عنه، فلما/فرغ منه قال: أين دمن؟فقلت: هو ذا[5]أنا [1]يريد بمناداة الخطوب إياه باسم سواه أن موت لداته نذير موته.

[2]النسران: مجموعتان من النجوم تقعان في النصف الشمالي من القبة السماوية، و الدلو و العقرب: برجان من بروج السماء.

(3-3) ما بين القوسين تكملة من هد.

[4]في هد، هج «ما يختاره» .

[5]كذا في النسخ، و القياس «هي ذي أنا» بدل «هو ذا أنا» و ربما صح أن يكون: هو ضمير الشان.

306

هاهنا، فارتاع، و قال: مذ كم أنت هاهنا؟قلت: مذ بدأت بالصوت و قد أخذته بغير حمدك، فقال: خذي العود، فغنيه، فأخذته، فغنيته، حتى فرغت منه، و هو يكاد أن يتميّز غيظا، ثم قال: قد بقي عليك فيه شي‏ء كثير، و أنا أصلحه لك، فقلت: أنا مستغنية عن إصلاحك، فأصلحه لنفسك، فاضطجع في فراشه و نام، و انصرفت، فمكث أياما إذا رآني قطّب‏[1]وجهه.

و هذا الشعر تقوله أميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف ترثي به من قتل في حروب الفجار[2]من قريش.

[1]في هد، هج: «قطب في وجهي» بدل «قطب وجهه» و ظاهر أن سبب هذا التقطيب أخذها اللحن عنه دون أن يشعر.

[2]الفجار-بكسر الفاء-جمع فجوة، و إنما سميت بذلك لأنها كانت في الأشهر الحرم، و لأن قيسا لما انهزمت فيها قالت: «قد فجرنا» .

307

4-ذكر الخبر في حروب الفجار و حروب عكاظ و نسب أميمة بنت عبد شمس‏

نسب أميمة

أميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف، و أمها تفخر[1]بنت عبيد بن رواس بن كلاب، و كانت عند حارثة بن الأوقص‏[2]بن مرة بن هلال بن فالح بن ذكوان السلمى، فولدت له أمية بن حارثة.

و كانت هذه الحرب بين قريش و قيس عيلان في أربعة أعوام متواليات، و لم يكن لقريش في أولها مدخل، ثم التحقت بها.

فأما الفجار الأول فكانت الحرب فيه ثلاثة أيام، و لم تسمّ باسم لشهرتها[3].

و أما الفجار الثاني فإنه كان أعظمهما؛ لأنهم استحلوا/فيه الحرم، و كانت أيامه يوم نخلة، و هو الذي لم يشهده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم منها، و شهد سائرها، و كان الرؤساء فيه حرب بن أمية في القلب، و عبد اللّه بن جدعان، و هشام بن المغيرة في المجنبتين ثم يوم شمطة[4]، ثم يوم العبلاء، ثم يوم عكاظ، ثم يوم الحرة.

الشرارة الأولى في حرب الفجار

قال أبو عبيدة: كان أول أمر الفجار أنّ بدر بن معشر الغفاري أحد بني غفار بن مالك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة كان رجلا منيعا مستطيلا بمنعته على من ورد عكاظ، فاتخذ مجلسا بسوق عكاظ، و قعد فيه و جعل يبذخ‏[5]على الناس و يقول:

نحن بنو مدركة بن خندف # من يطعنوا في عينه لا يطرف‏[6]

/و من يكونوا قومه يغطرف # كأنهم لجّة بحر مسدف‏[7]

و بدر بن معشر باسط رجليه يقول: أنا أعزّ العرب، فمن زعم أنه أعزّ مني فليضرب هذه‏[8]بالسيف، فهو أعز مني، [1]في هد، هج: «هجر» بدل «تفخر» .

[2]في هج: «الأرقم» بدل «الأرقص» .

[3]في الأصل «تشهر بها» و هو تحريف «لشهرتها» و المثبت من هج.

[4]في هد: «سبطة» ، و في هج «سخطة» بدل «شمطة» .

[5]يبذخ: يفخر، و يغالي في فخره، و في ب «يبرح» و في هد «يبزخ» و كلاهما تحريف.

[6]لا يطرف: من طرف البصر: تحرك جفناه.

[7]يغطرف: من الغطرفة بمعنى التيه و الخيلاء، مسدف: من الإسداف بمعنى الظلام، و ذلك كناية عن كثرة الامواج.

[8]هذه: إشارة إلى رجليه، و العرب كثيرا ما تعيد الضمير على المثنى مفردا في مثل يدين و عينين و رجلين.

308

فوثب رجل من بني نصر بن معاوية، يقال له الأحمر[1]بن مازن بن أوس بن النابغة، فضربه بالسيف على ركبته، فأندرها[2]، ثم قال: خذها إليك أيها المخندف، و هو ماسك‏[3]سيفه، و قام أيضا رجل من هوازن، فقال:

أنا ابن همدان ذوي التّغطرف # بحر بحور زاخر لم ينزف‏[4]

نحن ضربنا ركبة المخندف # إذ مدّها في أشهر المعرّف‏[5]

و في هذه الضربة أشعار لقيس كثيرة لا معنى لذكرها.

اليوم الثاني من أيام الفجار الأول‏

ثم كان اليوم الثاني من أيام الفجار الأول، و كان السبب في ذلك أن شبابا من قريش و بني كنانة كانوا ذوي غرام، فرأوا امرأة من بني عامر جميلة و سيمة، و هي جالسة بسوق عكاظ في درع و هي فضل‏[6]عليها برقع لها، و قد اكتنفها شباب من العرب، و هي تحدثهم، فجاء الشباب من بني كنانة و قريش، فأطافوا بها، و سألوها أن تسفر، فأبت، فقام أحدهم، فجلس خلفها، و حل طرف ردائها[7]، و شدّه إلى فوق/حجزتها[8]بشوكة، و هي لا تعلم، فلما قامت انكشف درعها عن دبرها، فضحكوا، و قالوا: منعتنا النظر إلى وجهك، وجدت لنا بالنظر إلى دبرك، فنادت: يا آل عامر!فثاروا، و حملوا السلاح، و حملته كنانة، و اقتتلوا قتالا شديدا، و وقعت بينهم دماء، فتوسط حرب بن أمية، و احتمل دماء القوم، و أرضى بني عامر من مثلة[9]صاحبتهم.

اليوم الثالث من أيام الفجار الأول‏

ثم كان اليوم الثالث من الفجار الأول، و كان سببه أنّه كان لرجل من بني جشم بن بكر بن هوازن دين على رجل من بني كنانة فلواه‏[10]به، و طال اقتضاؤه إياه، فلم يعطه شيئا، فلما أعياه، وافاه الجشمي في سوق عكاظ بقرد، ثم جعل ينادي: من يبيعني مثل هذا الرّبّاح‏[11]بما لي على فلان بن فلان الكناني؟من يعطيني مثل هذا بما لي على فلان بن فلان الكناني؟رافعا صوته بذلك، فلما طال نداؤه بذلك و تعبيره به كنانة مرّ به رجل منهم، فضرب القرد بسيفه، فقتله، فهتف به الجشميّ: يا آل هوازن، و هتف الكنانيّ: يا آل كنانة، فتجمع الحيان فاقتتلوا، حتى تحاجزوا، و لم يكن بينهم قتلى، ثم كفوا، و قالوا: أ في ربّاح تريقون دماءكم، و تقتلون أنفسكم؟و حمل ابن جدعان ذلك في ماله بين الفريقين.

[1]في بعض النسخ: «الأحيمر» بالتصغير بدل الأحمر.

[2]أندرها: أسقطها، و فصلها.

[3]كذا في النسخ، و المسموع ممسك سيفه، أو ماسك بسيفه.

[4]الشعر من الرجز-و في هد، هج‏

«أنا أبو الدهقان ذو التغطرف»

و لا يستقيم الوزن، و التغطرف: التيه و الخيلاء، لم ينزف: لم ينضب ماؤه.

[5]في أشهر المعرف: في أشهر الوقوف بعرفات.

[6]فضل: يقال: امرأة فضل-بضمتين-أي مختالة تسبل من فضل ردائها.

[7]في هد، هج: «طرف درعها» .

[8]الحجزة: معقد تكة السراويل، و في هج: «فوق عجزها» بدل «فوق حجزتها» .

[9]من مثلة صاحبتهم: من تنكيلهم و تمثيلهم بها.

[10]لواه: ماطله.

[11]الرباح: الذكر من القرود.

309

اليوم الأول من أيام الفجار الثاني‏

قال: ثم كان يوم الفجار الثاني، و أول يوم حروبه يوم نخلة، و بينه و بين مبعث النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ست /و عشرون سنة، و شهد النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ذلك اليوم مع قومه، و له أربع عشرة سنة، و كان يناول عمومته النّبل، هذا قول أبي عبيدة. و قال غيره: بل شهدها، و هو ابن ثمان و عشرين سنة.

قال أبو عبيدة: كان الذي هاج هذه الحرب يوم الفجار الآخر، أن البراض بن قيس بن رافع، أحد بني ضمرة ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة كان سكّيرا فاسقا، خلعه/قومه، و تبرءوا منه فشرب في بني الدّيل، فخلعوه، فأتى مكة، و أتى قريشا، فنزل على حرب بن أمية، فحالفه فأحسن حرب جواره، و شرب بمكة، حتى همّ حرب أن يخلعه، فقال لحرب: إنه لم يبق أحد، ممن يعرفني إلاّ خلعني سواك، و إنك إن خلعتني لم ينظر إليّ أحد بعدك، فدعني على حلفك، و أنا خارج عنك، فتركه. و خرج، فلحق بالنعمان بن المنذر بالحيرة.

من يجيز لطيمة النعمان‏

و كان النعمان يبعث إلى سوق عكاظ في وقتها بلطيمة[1]يجيزها له سيّد مضر، فتباع، و يشترى له بثمنها الأدم و الحرير و الوكاء و الحذاء و البرود من العصب‏[2]و الوشي و المسيّر[3]و العدني‏[4]، و كانت سوق عكاظ في أول ذي القعدة، فلا تزال قائمة يباع فيها و يشترى إلى حضور الحج، و كان قيامها فيما بين النخلة[5]و الطائف عشرة أميال، و بها نخل و أموال لثقيف، فجهز النعمان لطيمة له، و قال: من يجيزها فقال البرّاض: أنا أجيزها على بني كنانة، فقال النعمان: إنما أريد رجلا يجيزها على أهل نجد، فقال عروة الرحال‏[6]بن عتبة بن جعفر بن كلاب، و هو يومئذ رجل من هوازن: أنا أجيزها-أبيت اللعن-فقال له البراض: من‏[7]بني كنانة تجيزها يا عرورة؟قال: نعم، و على الناس جميعا أ فكلب خليع يجيزها[8]!.

قال: ثم شخص بها، و شخص البرّاض، و عروة يرى مكانه، لا يخشاه على ما صنع، حتى إذا كان بين ظهري غطفان إلى جانب فدك، بأرض يقال لها أوارة قريب من/الوادي الذي يقال له تيمن نام عروة في ظلّ شجرة، و وجد البرّاض غفلته، فقتله و هرب في عضاريط[9]الركاب، فاستاق الركاب، و قال البراض في ذلك:

و داهية يهال الناس منها # شددت لها بني بكر ضلوعي‏[10]

[1]اللطيمة: عير تحمل المسك و البز و غيرهما للتجارة.

[2]كذا في النسخ، و لعل «العصب» تحريف «القصب» بالقاف لا بالعين، و هو ثياب رقيقة منسوجة من الكتان.

[3]المسير: ثوب به خطوط من القز و الحرير و نحو ذلك.

[4]العدني، لعله نوع من عروض التجارة ينسب إلى عدن.

[5]في هد، هج: «نخلة» بدون أداة التعريف.

[6]في هج: «عروة الرجال» بالجيم لا بالحاء.

[7]في هد، هج: «و على بني كنانة تجيزها يا عروة؟» .

[8]يقصد بالكلب البراض نفسه.

[9]العضاريط: جمع عضروط، و هو الخادم أو الأجير.

[10]بني بكر: منادى، ضلوعي: مفعول «شددت» ، و قد يصح اعتبار بني بكر مفعول «شددت» و عليه تكون «ضلوعي» بدلا من بني بكر، بمعنى أنصاري و أعواني.

310

هتكت بها بيوت بني كلاب # و أرضعت الموالي بالضروع‏[1]

جمعت لها يديّ بنصل سيف # أفل فخرّ كالجذع الصّريع‏[2]

و قال أيضا في ذلك:

نقمت على المرء الكلابيّ فخره # و كنت قديما لا أقرّ فخارا

علوت بحدّ السيف مفرق رأسه # فأسمع أهل الواديين خوارا

قال: و أمّ عروة الرحّال نفيرة بنت أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة، فقال لبيد بن ربيعة يحض على الطلب بدمه:

فأبلغ إن عرضت بني نمير # و أخوال القتيل بني هلال

بأنّ الوافد الرحّال أضحى # مقيما عند تيمن ذي الظّلال‏[3]

قال أبو عبيدة: فحدثني أبو عمرو بن العلاء، قال: لقي البرّاض بشر بن أبي خازم، فقال له: هذه القلائص لك على أن تأتي حرب بن أمية و عبد اللّه بن جدعان و هشاما و الوليد ابني المغيرة، فتخبرهم أن البرّاض قتل عروة، فإني أخاف أن يسبق الخبر إلى/قيس أن يكتموه. حتى يقتلوا به رجلا من قومك عظيما. فقال/له: و ما يؤمنك أن تكون أنت ذلك القتيل؟قال: إنّ هوازن لا ترضى أن تقتل بسيدها رجلا خليعا طريدا من بني ضمرة، قال: و مرّ بهما الحليس بن يزيد أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، و هو يومئذ سيد الأحابيش من بني كنانة.

و الأحابيش‏[4]من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، و هو نفاثة بن الدّيل، و بنو لحيان من خزاعة، و القارة، و هو أثيع ابن الهون بن خزيمة، و عضل‏[5]بن دمس بن محلّم بن عائذ[6]بن أثيع بن الهون كانوا تحالفوا على سائر بني بكر بن عبد مناة، فقال لهم‏[7]الحليس: ما لي أراكم نجيّا[8]؟فأخبروه الخبر، ثم ارتحلوا، و كتموا الخبر على اتفاق منهم.

وفاء ابن جدعان‏

قال: و كانت العرب إذا قدمت عكاظ دفعت أسلحتها إلى ابن جدعان، حتى يفرغوا من أسواقهم و حجهم ثم يردّها عليهم إذا ظعنوا، و كان سيدا حكيما مثريا من المال. فجاءه القوم، فأخبروه خبر البرّاض و قتله عروة، و أخبروا حرب بن أمية و هشاما و الوليد ابني المغيرة، فجاء حرب إلى عبد اللّه بن جدعان، فقال له: احتبس‏[9]قبلك [1]في ب: الرضوع، تحريف «الضروع» ، كما في هج، له، و المراد أنني بهذه الداهية أوهنت بني كلاب، و أرضعت قومي لبان المجد و الفخار من ضروعها.

[2]لها: للداهية، و في نسخة «له» أي لعروة القتيل، أفل: به فلول من كثرة الصراع.

[3]يريد بقوله: «مقيما» أنه دفين هناك.

[4]ليس قوله و الأحابيش عطفا على ما قبله، بل هو كلام مستأنف، و سموا بذلك لأنهم تحالفوا على أن يكونوا يدا على من سواهم ما أقام حبيش، و هو جبل معروف.

[5]في هد، هج: «و عقيل بن دلس» بدل «و عضل بن دمس» .

[6]في هد: «محلم بن عائدة» بدل «محلم بن عائذ» .

[7]كان السياق يقتضي أن يقول «لهما» بدل «لهم» لأن الحليس إنما يخاطب البراض و بشر بن أبي خازم فلعله أنزل الاثنين منزلة الجمع.

[8]نجيا: فعيلا من النجوى: بمعنى متناجين، أي مختلين في حديث سري.

[9]إنما طلب ذلك إليه حتى لا تطالب هوازن بدم عروة.

311

سلاح هوازن، فقال له ابن جدعان: أبا الغدر تأمرني يا حرب؟و اللّه لو أعلم أنه لا يبقى منها سيف إلا ضربت به، و لا رمح إلا طعنت به ما أمسكت منها شيئا[1]، و لكن لكم/مائة درع، و مائة رمح، و مائة سيف في مالي تستعينون بها، ثم صاح ابن جدعان في الناس: من كان له قبلي سلاح فليأت، و ليأخذه، فأخذ الناس أسلحتهم.

يخدعون هوازن فلا تجدي الخديعة

و بعث ابن جدعان و حرب بن أميّة و هشام و الوليد إلى أبي براء[2]: إنه قد كان بعد خروجنا حرب، و قد خفنا تفاقم الأمر، فلا تنكروا خروجنا، و ساروا راجعين إلى مكة، فلما كان آخر النهار بلغ أبا براء قتل البراض عروة، فقال: خدعني حرب و ابن جدعان، و ركب فيمن حضر عكاظ من هوازن في أثر القوم، فأدركوهم بنخلة، فاقتتلوا حتى دخلت قريش الحرم، و جنّ عليهم الليل، فكفّوا، و نادى الأدرم بن شعيب، أحد بني عامر بن ربيعة بن صعصعة: يا معشر قريش، ميعاد ما بيننا هذه الليلة[3]من العام المقبل بعكاظ، و كان يومئذ رؤساء قريش حرب بن أميّة في القلب، و ابن جدعان في إحدى المجنبتين، و هشام بن المغيرة في الأخرى، و كان رؤساء قيس عامر بن مالك، ملاعب الأسنّة على بني عامر، و كدّام بن عمير على فهم و عدوان، و مسعود بن سهم على ثقيف، و سبيع بن ربيعة النصري‏[4]على بني نصر بن معاوية، و الصّمّة بن الحارث، و هو أبو دريد بن الصمة على بني جشم، و كانت الراية مع حرب بن أميّة، و هي راية قصيّ التي يقال لها العقاب.

شعر خداش بن زهير في هذه الحرب‏

فقال في ذلك خداش بن زهير:

يا شدّة ما شددنا غير كاذبة # على سخينة لو لا الليل و الحرم‏[5]

/إذ يتّقينا هشام بالوليد و لو # أنّا ثقفنا هشاما شالت الخدم‏[6]

بين الأراك و بين المرج تبطحهم # زرق الأسنّة في أطرافها السّهم‏[7]

فإن سمعتم بجيش سالك سرفا # و بطن مرّ فأخفوا الجرس و اكتتموا[8]

[1]نقول: و هذا مثل من أمثلة الوفاء العربي، يغطي على ما ينسب إلى السموأل بن عادياء اليهودي.

[2]يبدو من سياق الحديث أن أبا براء هذا كان صاحب رأي في هوازن.

[3]في هد، هج: «هذه الليالي» .

[4]في هد: «النضري» بالضاد المعجمة.

[5]الشدة: يريد بها الهجوم، ما شددنا: ما شددناها: سخينة: لقب يطلق على قريش، و هو في الأصل طعام كانت تتخذه، فأطلق عليها، يريد أننا هجمنا على قريش هجمة صادقة، فلم ينقذها من أيدينا إلا هجوم الليل و اعتصامها بالحرم.

[6]هشام: هو هشام بن المغيرة، و الوليد: هو أخوه، و يريد بذلك أن الدائرة كانت على قريش، حتى كان أحدهم يتقي الموت بأخيه ليقتل بدله، ثقفه: أدركه، شالت: ارتفعت، الخدم: جمع خدمة، و هي الحلقة المحكمة، و جملة

«شالت الخدم»

كناية عن الهزيمة، يقال: فض اللّه خدمتهم: فرق جمعهم.

[7]السهم-بضم السين و الهاء-الحرارة الغالبة، يريد أننا كنا نبطحهم بطعن الأسنة الزرقاء الحامية الاطراف بين هذين المكانين.

[8]سرف، و بطن مر: مكانان، يريد أنهم ينبغي عليهم حينما يسمعون بجيشهم أن يختفوا عن العيون، و يكفوا عن الهمس، حتى لا يعرف مكانهم.

312

عبد الملك يستنشد شعر خداش‏

و زعموا أن عبد الملك بن مروان استنشد رجلا من قيس هذه الكلمة، فجعل يحيد[1]عن قوله: «سخينة» ، فقال عبد الملك: إنا قوم لم يزل يعجبنا السّخن، فهات، فلما فرغ قال: يا أخا قيس، ما أرى صاحبك زاد على التمني و الاستنشاء[2].

البراض يقدم باللطيمة

قال: و قدم البرّاض باللطيمة مكّة، و كان يأكلها، /و كان عامر بن يزيد بن الملوّح بن يعمر الكنانيّ نازلا في أخواله من بني نمير بن عامر، و كان ناكحا فيهم، فهمت بنو كلاب بقتله، فمنعته بنو نمير، ثم شخصوا به حتى نزل في قومه، و استغوت‏[3]كنانة بني أسد و بني نمير[4]و استغاثوا بهم، فلم تغثهم، و لم يشهد الفجار أحد من هذين الحيّين.

اليوم الثاني من الفجار الثاني‏

ثم كان اليوم الثاني من الفجار الثاني؛ و هو يوم شمطة، فتجمعت كنانة و قريش بأسرها و بنو عبد مناة، و الأحابيش، و أعطت قريش رءوس القبائل أسلحة تامة[5]و أعطى عبد اللّه بن جدعان خاصة من ماله مائة رجل من كنانة أسلحة تامة[5]و أداة، و جمعت هوازن، و خرجت، فلم تخرج معهم كلاب و لا كعب، و لا شهد هذان البطنان من أيام الفجار إلا يوم نخلة مع أبي براء عامر بن مالك، و كان القوم جميعا متساندين، على كل قبيلة سيّدهم.

قوّاد قريش و من معهم‏

فكان على بني هاشم و بني المطلب و لفّهم‏[6]الزبير بن عبد المطلب، و معهم النبي صلّى اللّه عليه و سلم، إلا أن بني المطلب-و إن كانوا مع بني هاشم-كان يرأسهم الزبير بن عبد المطلب بن هاشم و رجل منهم، و هو عبد يزيد ابن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، و أم الزّبير الشّفّاء بنت هاشم بن عبد مناف، و كان على بني عبد شمس و لفّها حرب بن أمية و معه أخواه أبو سفين‏[7]و سفيان، و معهم بنو نوفل بن عبد مناف، يرأسهم بعد حرب مطعم بن عديّ ابن نوفل، و كان على بني عبد الدار و لفّها خويلد بن أسد و عثمان بن الحويرث، و كان على بني زهرة و لفّها مخرمة ابن نوفل بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة و أخوه صفوان، و كان على بني تيم بن مرة و لفّها عبد اللّه بن جدعان، و على بني مخزوم هشام بن المغيرة، و على بني سهم العاصي بن وائل، و على بني جمح و لفّها أميّة بن خلف، و على بني عديّ زيد بن عمرو بن نفيل، و الخطاب بن نفيل عمّه، و على بني عامر بن لؤي عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ أبو [1]ظاهر أن القيسي كان يحيد عن قوله «سخينة» لأنها لقب على قريش، و الخليفة من قريش.

[2]استنشاء: طلب إنشاء الشي‏ء، و عبارة عبد الملك لا تخلو من غموض، فالشعر صريح في هزيمة قريش، و انتصار أعدائهم عليهم، فما معنى قوله: ما أرى صاحبك زاد على التمني و الاستنشاء، لعله أراد بذلك التمني قول خداش:

«و لو أنا ثقفنا هشاما شالت النعم»

. و معروف أن «لو» حرف امتناع لامتناع.

[3]استغوت كنانة بني أسد: جروهم إلى الحرب، و في ب «استغوث» بالثاء المثلثة، و هو تصحيف.

[4]في هد: «و بني تميم» .

(5-5) تكملة من هد.

[6]اللف: الجماعة و الأخلاط من الناس.

[7]في بعض النسخ: «أبو سفيان» .

313

سهل ابن عمرو، و على بني الحارث بن فهر عبد اللّه بن الجرّاح أبو أبي عبيدة عامر/بن عبيد اللّه بن الجراح، و على بني بكر بلعاء بن قيس، و مات في تلك الأيام، و كان جثّامة بن قيس أخوه مكانه، و على الأحابيش الحليس بن يزيد.

قواد هوازن و من معهم‏

و كانت هوازن متساندين كذلك، و كان عطية بن عفيف النّصريّ على بني نصر بن معاوية، و قيل: بل كان عليهم أبو أسماء بن الضّريبة، و كان الخنيسق الجشمي على بني جشم و سعد ابني بكر، و كان وهب بن معتب على ثقيف، و معه أخوه مسعود، و كان على بني عامر بن ربيعة و حلفائهم من بني جسر بن محارب سلمة ابن إسماعيل‏[1]: أحد بني البكّاء، و معه خالد بن هوذة: أحد بني الحارث بن ربيعة، و على بني هلال بن عامر بن صعصعة ربيعة بن أبي ظبيان بن ربيعة بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر.

هوازن تسبق قريشا و ترجح كفتها

قال: فسبقت هوازن قريشا، فنزلت شمطة من عكاظ، و ظنوا أن كنانة لم توافهم‏[2]، و أقبلت قريش، فنزلت من دون المسيل، و جعل حرب بني كنانة في بطن الوادي، و قال لهم: لا تبرحوا مكانكم، و لو أبيحت‏[3]قريش، فكانت هوازن من وراء المسيل.

قال أبو عبيدة: فحدثني أبو عمرو بن العلاء: قال:

كان ابن جدعان في إحدى المجنبتين، و في الأخرى هشام بن المغيرة، و حرب في القلب، و كانت الدائرة في أول النهار لكنانة، فلما كان آخر النّهار تداعت‏[4]هوازن، و صبروا و استحرّ[5]القتل في قريش، فلما رأى ذلك بنو الحارث بن كنانة/-و هم في بطن الوادي-/مالوا إلى قريش، و تركوا مكانهم، فلما استحرّ القتل بهم قال أبو مساحق بلعاء بن قيس لقومه: ألحقوا برخم-و هو جبل-ففعلوا، و انهزم الناس.

الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم يحضر هذه الحرب‏

و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لا يصير في فئة إلا انهزم من يحاذيها[6]، فقال حرب بن أمية و عبد اللّه بن جدعان: أ لا ترون إلى هذا الغلام ما يحمل على فئة إلا انهزمت؟

خداش يسجل المعركة بشعره‏

و في ذلك يقول خداش بن زهير في كلمة له:

فأبلغ أن عرضت بنا هشاما # و عبد اللّه أبلغ و الوليدا

أولئك إن يكن في الناس خير # فإن لديهم حسبا و جودا

[1]في هد، هج: «سلمة بن يعلي» .

[2]في هد، هج: «لن توافيهم» بدل «لم توافهم» ، و في نسخة أخرى: «ظنوا أن كنانة توافيهم و كلها معان محتملة.

[3]و لو أبيحت: و لو دارت الدائرة عليها.

[4]تداعت: دعا بعضها بعضا.

[5]استحر: صار حارا شديدا.

[6]في هج: «من يحاربها» بالراء لا بالذال، و كلاهما سديد. ـ

314

هم خير المعاشر من قريش # و أوراها إذا قدحت زنودا

بأنّا يوم شمطة قد أقمنا # عمود المجد إنّ له عمودا

جلبنا الخيل ساهمة إليهم # عوابس يدّرعن النقع قودا[1]

فبتنا نعقد السّيما و باتوا # و قلنا: صبّحوا الأنس الحديدا[2]

فجاءوا عارضا بردا و جئنا # كما أضرمت في الغاب الوقودا[3]

و نادوا: يا لعمرو لا تفرّوا # فقلنا: لا فرار و لا صدودا

/قوله: نعقد السّيما أي العلامات:

فعاركنا الكماة و عاركونا # عراك النّمر عاركت الأسودا[4]

فولّوا نضرب الهامات منهم # بما انتهكوا المحارم و الحدودا

تركنا بطن شمطة من علاء # كأنّ خلالها معزا[5]شريدا

و لم أر مثلهم هزموا و فلّوا # و لا كذيادنا عنقا مذودا[6]

قوله: يا لعمرو، يعني عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

اليوم الثالث يوم العبلاء

ثم كان اليوم الثالث من أيام الفجار، و هو يوم العبلاء، فجمع القوم بعضهم لبعض، و التقوا على قرن الحول بالعبلاء-و هو موضع قريب من عكاظ-و رؤساؤهم يومئذ على ما كانوا عليه يوم شمطة، و كذلك من كان على المجنبتين، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت كنانة، فقال خداش بن زهير في ذلك:

خداش يستمر في التسجيل بشعره‏

أ لم يبلغك بالعبلاء أنّا # ضربنا خندقا حتى استقادوا[7]

نبنّي بالمنازل عزّ قيس # و ودّوا لو تسيخ بنا البلاد[8]

و قال أيضا:

أ لم يبلغك ما لاقت قريش # و حيّ بني كنانة إذ أثيروا

[1]ساهمة: ضامرة، يدر عن النقع: يلبسن الغبار درعا، قودا: جمع أقود، و هو السلس القياد، أو الطويل العنق و الظهر.

[2]صبحوا القوم الحديد: اسقوهم في الصباح الحديد بدل اللبن أو الخمر.

[3]العارض: السحاب، البرد: ذو البرد-بفتح الراء-و هو ما يسقط متجمدا من السماء على شكل حبيبات صغيرة.

[4]النمر: ككتف: ضرب من السباع، و الجمع أنمر و أنمار و نمر و نمر و نمار، و أكثر كلام العرب نمر كقفل جمع نمر.

[5]معز-بفتح العين أو سكونها، أو معزى-بكسر الميم و سكون العين-كما في بعض النسخ، كل هذا بمعنى واحد.

[6]فلوا: ضعفوا و انهزموا، و في رواية: «قلوا» بالقاف المثناة، و المعنى متقارب، ذياد: مصدر ذاد: دفع و صد، العنف: الجماعة من الناس، يقول: لم أر مثلهم في الشجاعة انهزموا، و لم أر مثل صدنا لجموعهم و تغلبنا عليهم.

[7]استقادوا: انقادوا، و خضعوا.

[8]نبني: مضعف «بني» بالتخفيف، تسيخ بنا البلاد: تنخسف.

315

/

دهمناهم بأرعن مكفهرّ # فظلّ لنا بعقوتهم زئير[1]

نقوم مارن الخطّيّ فيهم # يجي‏ء على أسنّتنا الجزير[2]

اليوم الرابع يوم عكاظ

ثم كان اليوم الرابع من أيامهم، يوم عكاظ، فالتقوا في هذه المواضع على رأس الحول، و قد جمع بعضهم لبعض، و احتشدوا، و الرؤساء بحالهم، و حمل عبد اللّه بن جدعان يومئذ ألف رجل من بني كنانة على ألف بعير. و خشيت قريش أن يجري عليها مثل ما جرى يوم العبلاء، فقيّد حرب و سفيان‏[3]و أبو سفيان بنو أمية[4]بن عبد شمس أنفسهم، و قالوا: لا نبرح حتى نموت مكاننا، و على أبي سفيان يومئذ درعان قد ظاهر بينهما[5]، و زعم أبو عمرو بن العلاء أنّ أبا سفيان/بن أمية خاصة قيّد نفسه، فسمّي هؤلاء الثلاثة يومئذ: العنابس-و هي الأسود واحدها عنبسة- فاقتتل الناس قتالا شديدا، و ثبت الفريقان، حتى همّت بنو بكر بن عبد مناة و سائر بطون كنانة بالهرب، و كانت بنو مخزوم تلي كنانة، فحافظت حفاظا شديدا، و كان أشدّهم يومئذ بنوا المغيرة، فإنهم صبروا، و أبلوا بلاء حسنا، فلما رأت ذلك بنو عبد مناة من كنانة تذامروا[6]فرجعوا و حمل بلعاء بن قيس و هو يقول:

/

إنّ عكاظ مأوانا فخلّوه # و ذا المجاز بعد أن تحلوه‏[7]

مبارزة يهزم فيها رئيس الأحابيش‏

و خرج الحليس بن يزيد[8]: أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة-و هو رئيس الأحابيش يومئذ-فدعا إلى المبارزة فبرز إليه الحدثان بن سعد النصري، فطعنه الحدثان، فدق عضده و تحاجزا.

الدائرة تدور على قيس‏

و اقتتل القوم قتالا شديدا، و حملت قريش و كنانة على قيس من كل وجه‏[9]، فانهزمت قيس كلها إلا بني نصر فإنهم صبروا، ثم هربت بنو نصر و ثبت بنو دهمان، فلم يغنوا شيئا، فانهزموا، و كان عليهم سبيع بن أبي ربيعة-أحد بني دهمان، فعقل نفسه و نادى: يا آل هوازن، يا آل هوازن، يا آل نصر!فلم يعرج عليه أحد، و أجفلوا منهزمين، فكرّ بنو أمية خاصة في بني دهمان و معهم الخنيسق و قشعة الجشميّان، فقاتلوا فلم يغنوا شيئا، فانهزموا.

[1]أرعن. يقال: جيش أرعن: عظيم جرار، العقوة: المكان المنفسح أمام المحلة.

[2]مارن الخطى: الرماح اللدنة، الجزير: فعيل بمعنى مفعول من الجزر، و في رواية «الخرير» بالخاء: يعني خرير الدم المنبثق من أثر الطعنة.

[3]ضبطنا سفيان بضمة واحدة على اعتبار أنه مأخوذ من السفي، فتكون نونه زائدة، و يصح اعتباره مأخوذا عن «السفون» فتكون نونه أصلية، و حينئذ لا يمتنع صرفه.

[4]بنو أمية: نعت للأعلام الثلاثة السابقة.

[5]ظاهر بينهما: جعل كلا منهما مقوية للأخرى.

[6]تذامروا: حض بعضهم بعضا على القتال.

[7]البيت من المنسرح، و هاء القافية في المصراعين ساكنة، و عكاظ و ذو المجاز: مكانان مشهوران في الجاهلية، و بكل منهما كانت تقام سوق للشعر و للتجارة.

[8]في هد: «الحليس بن زيد» .

[9]ف: «من كل جانب» .

316

من المستجير بخباء سبيعة

و كان مسعود بن معتّب الثقفيّ قد ضرب على امرأته سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف خباء، و قال لها: من دخله من قريش فهو آمن، فجعلت توصل في خبائها؛ ليتسع‏[1]، فقال لها: لا يتجاوزني‏[2]خباؤك فإني لا أمضي لك إلا من أحاط به الخباء، فأحفظها[3]فقالت: أما و اللّه إني لأظن أنك ستودّ أن لو زدت في توسعته‏[4]، فلما انهزمت قيس دخلوا خباءها مستجيرين بها فأجار لها حرب بن أمية جيرانها، /و قال لها: يا عمة، من تمسّك بأطناب خبائك، أو دار حوله فهو آمن، فنادت بذلك، فاستدارت قيس بخبائها، حتى كثروا جدا، فلم يبق أحد لا نجاة[5]عنده إلا دار بخبائها فقيل لذلك الموضع: مدار قيس، و كان يضرب به المثل، فتغضب قيس منه، و كان زوجها مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس-و هو من ثقيف-قد أخرج معه يومئذ بنيه من سبيعة، و هم عروة و لوحة[6]، و نويرة، و الأسود، فكانوا يدورون-و هم غلمان-في قيس يأخذون بأيديهم إلى خباء أمهم، ليجيروهم، فيسودوا، بذلك أمرتهم أمهم أن يفعلوا.

رواية أخرى لخبر خباء سبيعة

فأخبرني الحرمي و الطوسي: قالا: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني محمد بن الحسن، عن المحرز بن جعفر و غيره:

أنّ كنانة و قيسا لما توافوا من العام المقبل من مقتل عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب ضرب مسعود الثقفيّ على امرأته سبيعة بنت عبد شمس أمّ بنيه خباء، فرآها تبكي حين تدانى الناس، فقال لها: ما يبكيك؟فقالت: لما[7] يصاب غدا من قومي، فقال لها: من دخل خباءك فهو آمن، فجعلت توصل فيه القطعة بعد القطعة و الخرقة و الشي‏ء ليتسع، فخرج وهب بن معتب حتى وقف عليها، و قال لها: لا يبقى طنب من أطناب هذا البيت إلا ربطت به رجلا من بني كنانة، [8]فلما صفّ القوم بعضهم لبعض خرجت سبيعة[8]فنادت بأعلى صوتها: إن وهبا يأتلي و يحلف ألاّ يبقى طنب من أطناب هذا البيت إلا ربط به رجلا من كنانة، فالجدّ الجدّ، فلما/هزمت قيس لجأ نفر منهم إلى خباء سبيعة بنت عبد شمس، فأجارهم حرب بن أميّة.

قيس تلجأ إلى خباء سبيعة فيجيرهم حرب بن أميّة

أخبرني هاشم بن محمد قال: حدثنا أبو غسّان دماذ، عن أبي عبيدة، قال:

لما هزمت قيس لجأت إلى خباء سبيعة، حتى أخرجوها منه، فخرجت، فنادت: من تعلّق بطنب من أطناب [1]إنما فعلت ذلك على اعتبار أن الدائرة تدور على قومها من قريش، فيتسع الخباء لأكبر عدد ممكن.

[2]في هد، هج: «لا تتجاوزي خباءك» .

[3]أحفظها: أغضبها، و أوغر صدرها.

[4]تريد بعبارتها هذه أن الدائرة ستدور على قومه هو، لا على قومها هي. فيلوذ بهذا الخباء المنهزمون من رجاله، و حينئذ يود لو اتسع لأكبر عدد ممكن، و هذا هو ما حدث في نهاية الموقعة.

[5]في هد، هج: «فلم يبق أحد أراد نجاة عنده إلا دار بخبائها» .

[6]في هد، هج: «الأوحد» .

[7]كان القياس أن يقول: «لمن يصاب غدا من قومي» و لكن هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا، فلعلها اعتبرت أن الاصابة تقع على المحاربين و الخيول و الإبل و نحوها، و معلوم أن «ما» تقع على العاقل مع غيره.

(8-8) التكملة من هد، و يبدو أن نداءها كان موجها إلى قومها من قريش، لا إلى قوم بعلها من قيس.

317

بيتي فهو آمن في ذمتي، فداروا بخبائها، حتى صاروا حلقة، فأمضى ذلك كلّه حرب بن أمية لعمّته، فكان يضرب في الجاهلية بمدار قيس المثل، و يعيّرون بمدارهم يومئذ بخباء سبيعة بنت عبد شمس، قال:

شاعران يسجلان الموقعة

و قال ضرار بن الخطاب الفهري قوله:

أ لم تسأل الناس عن شأننا # و لم يثبت الأمر كالخابر

غداة عكاظ إذ استكملت # هوازن في كفّها الحاضر[1]

و جاءت سليم تهزّ القنا # على كل سلهبة ضامر[2]

و جئنا إليهم على المضمرات # بأرعن ذي لجب زاخر[3]

فلما التقينا أذقناهم # طعانا بسمر القنا العائر[4]

ففرّت سليم و لم يصبروا # و طارت شعاعا بنو عامر[5]

و فرت ثقيف إلى لاتها # بمنقلب الخائب الخاسر[6]

و قاتلت العنس شطر النها # ر ثم تولّت مع الصادر[7]

/على أن دهمانها حافظت # أخيرا لدى دارة الدائر

و قال خداش بن زهير:

أتتنا قريش حافلين بجمعهم # عليهم من الرحمن واق و ناصر

فلما دنونا للقباب و أهلها # أتيح لنا ريب مع الليل ناجر[8]

أتيحت لنا بكر و حول لوائها # كتائب يخشاها العزيز المكاثر

جثت دونهم بكر فلم تستطعهم # كأنهم بالمشرفيّة سامر

و ما برحت خيل تثور و تدّعى # و يلحق منهم أولون و آخر

لدن غدوة حتى أتى و انجلى لنا # عماية يوم شرّه متظاهر[9]

و ما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت # هوازن و ارفضّت سليم و عامر

[1]كفها: لعله من الكف بمعنى ضم الشي‏ء بعضه إلى بعض، و المراد ضم جيوشها، و في بعض النسخ «لفظها» و لا معنى له.

[2]السلهبة من الخيل: العظيم الطويل العظام.

[3]بأرعن: بجيش أرعن: عظيم جرار.

[4]في هد، هج: «بصم القنا» : بالقنا المصمت، العائر: الذي يصيب العين بالعور.

[5]الشعاع: المتفرق المنتشر.

[6]إلى لاتها: إلى صنمها «اللات» الذي تعبده.

[7]العنس: إحدى القبائل المحاربة، و في هد، هج: «العير» .

[8]ناجر: شديد الحرارة، و في هد:

«أتيح لنا ريب من الدهر ناجر»

و في هج:

«أتيح له عتب مع الليل فاخر»

.

[9]شره متظاهر: هجومه قوي، و في هد، هج بدل المصراع الأول‏

«لدن غدوه حتى أتى الليل و انجلت»

.

318

و كانت قريش يفلق الصخر حدّها # إذا أوهن الناس الجدود العواثر

اليوم الخامس يوم حريرة

ثم كان اليوم الخامس، و هو يوم الحريرة[1]، و هي حرّة إلى جانب عكاظ، و الرؤساء بحالهم إلا بلعاء بن قيس؛ فإنه قد مات فصار أخوه مكانه على عشيرته، فاقتتلوا، فانهزمت كنانة و قتل يومئذ أبو سفيان‏[2]بن أميّة و ثمانية رهط من بني كنانة، قتلهم عثمان بن أسد من بني عمرو بن عامر[3]بن ربيعة، و قتل و رقاء بن الحارث: أحد بني عمرو بن عامر من بني كنانة[3]و خمسة نفر.

خداش يسجل هذه الموقعة

و قال خداش بن زهير، في ذلك:

لقد بلوكم فأبلوكم بلاءهم # يوم الحريرة ضربا غير تكذيب

إن توعدوني فإني لابن عمّكم # و قد أصابوكم منه بشؤبوب‏[4]

و إن ورقاء قد أردى أبا كنف # و ابني إياس و عمرا و ابن أيّوب

/و إن عثمان قد أردى ثمانية # منكم و أنتم على خبر و تجريب‏

خداش يفقد أباه فيسجل ذلك الشويعر الليثي‏

ثم كان الرجل منهم بعد ذلك يلقى الرجل، و الرجلان يلقيان الرجلين، فيقتل بعضهم بعضا. فلقي ابن محمية ابن عبد اللّه الدّبليّ زهير بن ربيعة أبا خداش، فقال زهير: إني حرام جئت معتمرا، فقال له: ما تلقى‏[5]طوال الدهر إلا قلت: أنا معتمر، ثم قتله، فقال الشويعر الليثي، و اسمه ربيعة بن علس‏[6]:

تركنا ثاويا يزقو صداه # زهيرا بالعوالي و الصّفاح‏[7]

أتيح له ابن محمية بن عبد # فأعجله التسؤم بالبطاح‏[8]

صلح لا يتم‏

ثم تداعوا إلى الصلح على أن يدي‏[9]من عليه فضل في القتلى، الفضل إلى أهله، فأبى ذلك وهب بن معتّب، [1]الحريرة: تصغير حرة-بفتح الحاء و تشديد الراء مع فتحها-و هي الأرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت.

[2]هو غير أبي سفيان أبي معاوية، فالقتيل عمه.

(3-3) التكملة من هد.

[4]الشؤبوب: الدفعة من المطر، و المراد هنا شؤبوب من الدماء.

[5]هذه رواية هد، هج، و الذي في ب: «ما تبقى» .

[6]في ب «عبس» .

[7]يزقو: يصوت، الصدى: طائر تزعم العرب أنه يخرج من رأس القتيل، فما يزال يقول: «اسقوني» حتى يؤخذ بثأره، الصفاح:

السيوف.

[8]التسوم: الإغارة، أو سوق الخيل المسومة.

[9]في رواية «يؤدي» بدل «يدي» ، و على الرواية الأولى يكون المراد بالفضل المال المتبقي، و على الرواية الثانية يكون المراد بالفضل القتلى الزائدين.

319

و خالف قومه، و اندسّ إلى هوازن، حتى أغارت/على بني كنانة، فكان منهم بنو عمرو بن عامر بن ربيعة، عليهم سلمة بن سعدى‏[1]البكائي، و بنو هلال عليهم ربيعة بن أبي ظبيان الهلالي، و بنو نصر بن معاوية، عليهم مالك بن عوف، و هو يومئذ أمرد، فأغاروا على بني ليث‏[2]بن بكر بصحراء الغميم، فكانت‏[3]لبني ليث أول النهار، فقتلوا عبيد بن عوف البكائي، قتله بنو مدلج و سبيع بن المؤمل الجسري حليف بني عامر، ثم كانت على بني ليث آخر النهار، فانهزموا، و استحرّ[4]القتل في بني الملوّح بن يعمر بن ليث، و أصابوا نعما و نساء حينئذ، فكان‏[5]ممن قتل في حروب الفجار من قريش العوّام بن خويلد، قتله مرّة بن معتّب، و قتل حزام بن خويلد، و أحيحة بن أبي أحيحة، و معمر ابن حبيب الجمحي، و جرح حرب بن أمية، و قتل من قيس الصّمّة أبو دريد بن الصمّة، قتله جعفر بن الأحنف‏[6].

صلح يتم برهائن‏

ثم تراضوا بأن يعدّوا القتلى، فيدوا من فضل، فكان الفضل لقيس على قريش و كنانة، فاجتمعت القبائل على الصلح، و تعاقدوا ألا يعرض‏[7]بعضهم لبعض، فرهن حرب بن أميّة ابنه أبا سفيان بن حرب، و رهن الحارث بن كلدة العبديّ‏[8]ابنه النضر، و رهن سفيان بن عوف أحد بني الحارث بن عبد مناة ابنه الحارث، /حتى وديت‏[9] الفضول، و يقال: إن عتبة بن ربيعة تقدم يومئذ، فقال: يا معشر قريش، هلمّوا إلى صلة الأرحام و الصلح، قالوا:

و ما صلحكم هنا، فإنّا موتورون‏[10]؟فقال: على أن ندي قتلاكم، و نتصدق عليكم بقتلانا فرضوا بذلك، و ساد[11] عتبة مذ يومئذ، قال: فلما رأت هوازن رهائن قريش بأيديهم رغبوا في العفو، فأطلقوهم.

النبي يشهد الفجار

قال أبو عبيدة: و لم يشهد الفجار من بني هاشم غير الزبير بن عبد المطلب، و شهد النبي صلّى اللّه عليه و سلم و آله سائر الأيام إلا يوم نخلة، و كان يناول عمّه و أهله النّبل، قال: و شهدها صلى اللّه عليه و سلم و هو ابن عشرين سنة، و طعن النبي صلّى اللّه عليه و سلم و آله أبا براء ملاعب الأسنة، و سئل صلّى اللّه عليه و آله عن مشهده يومئذ، فقال: ما سرني أني لم أشهده، إنهم تعدّوا على قومي، عرضوا عليهم أن يدفعوا إليهم البرّاض صاحبهم، فأبوا.

[1]في هد، هج: «بني سعلى» .

[2]في هد، هج: «ليث بن كعب بن بكر» .

[3]فكانت، أي الغلبة،

[4]استحر القتل: أشتد.

[5]في الأصل: فكان من قتل، و قد صوبناها بزيادة حرف الجر «من» و لعلها: فكان من قتلى حروب الفجار... الخ.

[6]في هد، هج: «حفص بن الأحنف» .

[7]في بعض النسخ: «فتعاقدوا على أن يرهن بعضهم لبعض» و هي أنسب لما يرد بعد.

[8]في هج: «العبدري» -نسبة إلى عبد الدار-بدل «العبدي» و النضر المشار اليه هنا هو أخو قتيلة الذي قتله صلى اللّه عليه و سلم في بدر، فرثته أخته بالأبيات القافية المعروفة.

[9]في هد، هج: «حتى أديت» و قد سبق نظير هذا.

[10]في هج أورد العبارة كما يلي: «و ما صلحكم؟هؤلاء أصحابنا موتورون» .

[11]في الأصل «و سار عتبة يومئذ على أن أقبل» و لا معنى له، و المثبت من «ف» .

320

كشف حساب القتلى‏

قال: و كان الفضل عشرين قتيلا من هوازن، فوادهم حرب بن أمية فيما تروي قريش، و بنو كنانة تزعم أن القتلى الفاضلين قتلاهم، و أنهم هم ودوهم.

هل شهد أعمام النبي هذه الموقعة

و زعم قوم من قريش أن أبا طالب و حمزة و العباس بني عبد/المطلب-عليهما[1]السلام-شهدوا هذه الحروب، و لم يردّ ذلك‏[2]أهل العلم بأخبار العرب.

سبيعة تجير بعلها

قال أبو عبيدة: و لما انهزمت قيس خرج مسعود بن معتّب لا يعرّج على شي‏ء حتى أتى سبيعة بنت عبد شمس زوجته، فجعل أنفه بين ثدييها، و قال: أنا باللّه‏[3]/و بك، فقالت: كلا، زعمت أنك ستملأ بيتي من أسرى قومي، اجلس فأنت آمن.

عود إلى الصوت و بقيته‏

و قالت أميمة بنت عبد شمس ترثي ابن أخيها أبا سفيان بن أمية و من قتل من قومها، و الأبيات التي فيها الغناء منها:

أبي ليلك لا يذهب # و نيط الطّرف بالكوكب‏[4]

و نجم دونه الأهوا # ل بين الدّلو و العقرب

و هذا الصبح لا يأتي # و لا يدنو و لا يقرب

بعقر عشيرة منّا # كرام الخيم و المنصب‏[5]

أحال عليهم دهر # حديد النّاب و المخلب

فحلّ بهم و قد أمنوا # و لم يقصر و لم يشطب‏[6]

و ما عنه إذا ما حلّ # من منجّى و لا مهرب

ألا يا عين فابكيهم # بدمع منك مستغرب‏[7]

فإن أبك فهم عزّي # و هم ركني و هم منكب‏

[1]ضمير عليهما يعود على حمزة و العباس، أما أبو طالب فقد استثناه المؤلف فيما يبدو.

[2]في هد، هج: «و لم يرو ذلك أهل العلم» بدل «و لم يرد» .

[3]متعلق الجار و المجرور محذوف، تقديره لائذ أو معتصم، أو مستجير و نحو ذلك.

[4]تقدم هذا البيت و البيتان التاليان له.

[5]في هد، هج:

«كرام الخيم و المذهب»

الخيم: الخصال و الطباع.

[6]يشطب: من شطب عن الشي‏ء بمعنى عدل عنه.

[7]مستغرب: غزير.