الأغاني - ج23

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
185 /
5

الجزء الثالث و العشرون‏

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

1-أخبار نصيب الأصغر

نشأته:

نصيب مولى المهديّ؛ عبد نشأ باليمامة، و اشترى للمهديّ في حياة المنصور، فلما سمع شعره قال: و اللّه ما هو بدون نصيب مولى بني مروان، فأعتقه، و زوّجه أمة له يقال لها: جعفرة. و كناه أبا الحجناء، و أقطعه ضيعة بالسواد، و عمّر بعده.

يمدح الرشيد:

و هذه القصيدة يمدح بها هارون الرشيد، و هي من جيّد شعره و فيها يقول:

خليليّ إني ما يزال يشوقني # قطين الحمى و الظاعن المتحمّل

فأقسمت لا أنسى ليالي منعج # و لا مأسل إذ منزل الحي مأسل‏[1]

أ من أجل آيات و رسم كأنه # بقية وحي أو رداء مسلسل‏[2]

جرى الدمع من عينيك حتى كأنه # تحدّر درّ أو جمان مفصّل

فيا أيّها الزنجيّ مالك و الصّبا # أفق عن طلاب البيض إن كنت تعقل

فمثلك من أحبوشة الزّنج قطّعت # وسائل أسباب بها يتوسّل‏[3]

قصدنا أمير المؤمنين و دونه # مهامه موماة من الأرض مجهل

على أرحبيّات طوى السير فانطوت # شمائلها مما تحلّ و ترحل‏[4]

إلى ملك صلت الجبين كأنه # صفيحة مسنون جلا عنه صيقل‏[5]

/إذا انبلج البابان و الستر دونه # بدا مثل ما يبدو الأغرّ المحجّل

شريكان فينا منه عين بصيرة # كلوء و قلب حافظ ليس يغفل

/فما فات عينيه وعاه بقلبه # فآخر ما يرعى سواء و أوّل‏

[1]منعج: واد يدفع في بطن فلج، حدثت به واقعة من أيام العرب. مأسل: دارة من دارات العرب و ذكرت في شعر لبيد.

[2]مسلسل: ردي‏ء النسج كمهلهل. و في هج: كتاب مسلسل.

[3]أحبوشة: جماعة الناس ليسوا من قبيلة كالحباشة.

[4]أرحبيات: نجائب منسوبة إلى أرحب، فحل من فحولهم.

[5]صلت: واضح.

6

و ما نازعت فينا أمورك هفوة # و لا خطلة في الرأي و الرأي يخطل

إذا اشتبهت أعناقه بيّنت له # معارف في أعجازه و هو مقبل

لئن نال عبد اللّه قبل خلافة # لأنت من العهد الذي نلت أفضل

و ما زادك العهد الذي نلت بسطة # و لكن بتقوى اللّه أنت مسربل‏[1]

ورثت رسول اللّه عضوا و مفصلا # و ذا من رسول اللّه عضو و مفصل

إذا ما دهتنا من زمان ملمّة # فليس لنا إلا عليك المعوّل

على ثقة منا تحنّ قلوبنا # إليك كما كنّا أباك نؤمّل‏

و هي قصيدة طويلة، هذا مختار من جميعها.

يبذر في مال المهدي فيوثقه بالحديد:

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد. قال:

حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، قال: حدّثني أبي، قال:

وجّه المهديّ نصيبا الشاعر مولاه إلى اليمن في شراء إبل مهريّة، و وجّه معه رجلا من الشيعة، و كتب معه إلى عامله على اليمن بعشرين ألف دينار، قال: فمدّ أبو الحجناء يده في الدنانير ينفقها في الأكل و الشرب، و شراء الجواري و التزويج، فكتب الشيعيّ بخبره إلى المهديّ، فكتب المهديّ في حمله موثقا في الحديد.

يستشفع بشعره إلى المهدي:

فلمّا دخل على المهديّ أنشده شعره، و قال:

تأوّبني ثقل من الهمّ موجع # فأرّق عيني و الخليّون هجّع

هموم توالت لو أطاف يسيرها # بسلمى لظلّت شمّها تتصدّع

و لكنّها نيطت فناء بحملها # جهير المنايا حائن النفس مجزع‏[2]

و عادت بلاد اللّه ظلماء حندسا # فخلت دجى ظلمائها لا تقشّع‏

و هي قصيدة طويلة يقول فيها:

إليك أمير المؤمنين و لم أجد # سواك مجيرا منك يدنى و يمنع

تلمّست هل من شافع لي فلم أجد # سوى رحمة أعطاكها اللّه تشفع

لئن جلّت الأجرام مني و أفظعت # لعفوك عن جرمي أجلّ و أوسع

لئن لم تسعني يا ابن عمّ محمد # لما عجزت عني وسائل أربع‏

[1]في جميع النسخ: «عهد اللّه» و الصواب «عبد اللّه» .

[2]تراءى له الموت عيانا.

7

طبعت عليها صبغة ثم لم تزل # على صالح الأخلاق و الدين تطبع‏[1]

تغابيك عن ذي الذنب ترجو صلاحه # و أنت ترى ما كان يأتي و يصنع‏[2]

و عفوك عمّن لو تكون جريمة # لطارت به في الجوّ نكباء زعزع‏[3]

و أنّك لا تنفكّ تنعش عاثرا # و لم تعترضه حين يكبو و يخمع‏[4]

و حلمك عن ذي الجهل من بعد ما جرى # به عنق من طائش الجهل أشنع‏[5]

ففيهنّ لي إمّا شفعن منافع # و في الأربع الأولى إليهنّ أفزع

/مناصحتي بالفعل إن كنت نائيا # إذا كان دان منك بالقول يخدع

/و ثانية ظنّي بك الخير غائبا # و إن قلت عبد ظاهر الغشّ مسبع‏[6]

و ثالثة أني على ما هويته # و إن كثّر الأعداء فيّ و شنّعوا

و رابعة أنّي إليك يسوقني # ولائي فمولاك الذي لا يضيّع

و إني لمولاك الذي إن جفوته # أتى مستكينا راهبا يتضرّع

و إني لمولاك الضعيف فأعفني # فإني لعفو منك أهل و موضع‏

المهدي يقبل الشفاعة و يجيزه و يزوجه:

فقطع المهديّ عليه الإنشاد، ثم قال له: و من أعتقك يا ابن السوداء!فأومأ بيده إلى الهادي، و قال: الأمير موسى يا أمير المؤمنين، فقال المهديّ لموسى: أعتقته يا بنيّ؟قال: نعم يا أمير المؤمنين. فأمضى المهديّ ذلك و أمر بحديده، ففكّ عنه، و خلع عليه عدّة من الخلع الوشي و الخزّ و السواد و البياض، و وصله بألفي دينار، و أمر له بجارية يقال لها: جعفرة جميلة فائقة من روقة[7]الرقيق.

فقال له سالم قيّم الرقيق: لا أدفعها إليك أو تعطيني ألف درهم، فقال قصيدته:

أ أذن الحيّ فانصاعوا بترحال # فهاج بينهم شوقي و بلبالي‏[8]

و قام بها بين يدي المهديّ فلما قال:

ما زلت تبذل لي الأموال مجتهدا # حتى لأصبحت ذا أهل و ذا مال

زوّجتني يا ابن خير الناس جارية # ما كان أمثالها يهدى لأمثالي‏

[1]في م: «خلقة» بدل «صبغة» .

[2]في ف: «ذي اللب» بدل «الذنب» .

[3]في س، ب، «جزيته» : بدل «جريمة» .

[4]يخمع: يعرج في المشي، و هو كناية عن التعثر.

[5]العنق نوع من السير.

[6]مسبع: خبيث.

[7]روقة الرقيق: جمع رائقة، أي حسان الرقيق.

[8]في هج: قد آذن الحي. بدل «أ آذن الحي» .

8

زوّجتني بضّة بيضاء ناعمة # كأنّها درّة في كفّ لآل

/حتى توهّمت أن اللّه عجّلها # يا ابن الخلائف لي من خير أعمالي

فسألني سالم ألفا فقلت له # أنّى لي الألف يا قبّحت من سال!

(1 أراد: من سائل، كما قالوا: شاكي السلاح و شائك: [1]

هيهات ألفك إلا أن أجي‏ء بها # من فضل مولى لطيف المنّ مفضال‏

فأمر له المهديّ بألف دينار و لسالم بألف درهم.

قال ابن أبي سعد و حدّثني غير محمد بن عبد اللّه: أنه حبس باليمن مدة طويلة، ثم أشخص إلى المهديّ، فقال و هو في الحبس، و دخلت إليه ابنته حجناء، فلما رأت قيوده بكت، فقال:

بكاؤه حين رأى بنته:

لقد أصبحت حجناء تبكي لوالد # بدرّة عين قلّ عنه غناؤها

أ حجناء صبرا، كلّ نفس رهينة # بموت و مكتوب عليها بلاؤها

أ حجناء أسباب المنايا بمرصد # فإلاّ يعاجل غدوها فمساؤها

أ حجناء إن أفلت من السجن تلقني # حتوف منايا لا يردّ قضاؤها

أ حجناء إن أضحى أبوك و دلوه # تعرّت عرا منها و رثّ رشاؤها[2]

لقد كان يدلى في رجال كثيرة # فيمتح ملأى و هي صفر دلاؤها

أ حجناء إن يصبح أبوك و نفسه # قليل تمنّيها قصير عزاؤها[3]

لقد كان في دنيا تفيّأ ظلّها # عليه و مجلوب إليه بهاؤها

قال ابن أبي سعد: و لما دخل نصيب على المهديّ مقيّدا رفده ثمامة بن الوليد العبسيّ/عنده و استعطفه له، و سوّغ عذره عنده، و لم يزل يرقق به، حتى أمر بإطلاقه، و كان نصيب في متقدّم الأيام منقطعا إلى أخيه شيبة فقال فيه:

يمدح ثمامة العبسي:

أ ثمام إنك قد فككت ثماما # حلقا برين من النّصيب عظاما

حلقا توسّطها العمود فلزّها # لو لا ثمامة و الإله لداما[4]

اللّه أنقذني به من هوّة # تيهاء مهلكة تكون رجاما

[1]تكملة من هج.

[2]في م، أ، ف: «يصبح» بدل «أضحى» .

[3]في ف: «الضمير تمنيها طويل عناؤها» .

[4]لزها: ألصقها، و ليس من الأدب الجمع بين اللّه و ثمامة و تقديم ثمامة على اللّه.

9

فلأشكرنّك يا ثمامة ما جرت # فرق السحاب كنهورا و ركاما[1]

و لأشكرنّك يا ثمامة ما دعت # ورق الحمام على الغصون حماما

و خلفت شيبة في المقام و لا أرى # كمقام شيبة في الرجال مقاما

أغنى إذا التمس الرجال غناءه # في كلّ نازلة تكون غراما

و أعمّ منفعة و أكرم حائطا # تهدي إليه تحيّة و سلاما[2]

لا يبعدنّ ابن الوليد فإنه # قد نال من كل الأمور جساما

لو من سوى رهط النبيّ خليفة # يدعى لكان خليفة و إماما

يبكي شيبة أخا ثمامة:

قال ابن أبي سعد: و دخل نصيب على ثمامة بعد وفاة أخيه شيبة، و هو يفرّق خيله على الناس، فأمر له بفرس منها؛ فأبى أن يقبله؛ و بكى، ثم قال:

/

يا شيبة الخير إمّا كنت لي شجنا # آليت بعدك لا أبكى على شجن

أضحت جياد أبي القعقاع مقسمة # في الأقربين بلا منّ و لا ثمن‏[3]

ورّثتهم فتعزّوا عنك إذ ورثوا # و ما ورثتك غير الهم و الحزن‏

فجعل ثمامة و من عنده حاضر من أهله و إخوانه يبكون.

و شيبة بن الوليد هذا و أخوه من وجوه قواد المهديّ.

اليزيدي يهجو شيبة:

و في شيبة يقول أبو محمد اليزيديّ يهجوه، و كان عارضه في شي‏ء من النحو بحضرة المهديّ:

عش بجدّ فلن يضرّك نوك # إنما عيش من ترى بالجدود

عش بجدّ و كن هبنّقة القيـ # سيّ جهلا أو شيبة بن الوليد

أخبرنا بذلك محمد بن العباس اليزيديّ عن عمه عن أبيه.

يهجو من لا يجيزه:

أخبرني عمي قال: حدّثنا القاسم بن محمد الأنباريّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن بشر البجليّ عن النضر بن طاهر قال:

أتى نصيب مولى المهديّ عبد اللّه بن محمد بن الأشعث، و هو يتقلّد صنعاء للمهديّ، فمدحه، فلم يثبه، و استكساه بردا فلم يكسه، فقال يهجوه:

[1]كذا في ف، و في س، ب «فوق» بدل «فرق» . كنهورا: قطعا من السحاب، و في س، ب: «جهاما» بدل «ركاما» و هو سحاب لا يمطر، و ليس هذا مناسبا للمدح. و الركام: المتراكم المجتمع.

[2]في هج: «أكثر» بدل «أكرم» .

[3]كذا في ف. في س، ب: ابن قعقاع. بدل «أبي القعقاع» كذا في ف و في س، ب: «بلا حمد» . بدل «بلا من» .

10

سأكسوك من صنعاء ما قد كسوتني # مقطّعة تبقى على قدم الدهر[1]

إذا طويت كانت فضوحك طيّها # و إن نشرت زادتك خزيا على النّشر[2]

/أغرّك أن بيّضت بيت حمامة # و قلت: أنا شبعان منتفج الخصر[3]

لقد كنت في سلح سلحت مخافة الـ # حروريّة الشّارين داع إلى الضرّ[4]

و لكنه يأبى بك البهر كلّما # جريت مع الجاري و ضيق من الصدر[5]

مساجلة حول فرس:

/قال النضر: و كان النّصيب ملعونا، هجّاء، فأهدى للربيع بن عبد اللّه بن الربيع الحارثي فرسا فقبله، ثم ندم خوفا من ثقل الثواب، فجعل يعيب الفرس، و يذكر بطأه و عجزه، فبلغ ذلك النّصيب، فقال:

أعبت جوادنا و رغبت عنه # و ما فيه لعمرك من معاب

و ما بجوادنا عجز و لكن # أظنّك قد عجزت عن الثواب‏

فأجابه الربيع فقال:

رويدك لا تكن عجلا إلينا # أتاك بما يسوؤك من جواب

وجدت جوادكم فدما بطيئا # فما لكم لدينا من ثواب‏[6]

فلما كان بعد أيام رأى النّصيب الفرس تحت الربيع فقال له:

أخذت مشهّرا في كل أرض # فعجّل يا ربيع مشهرات‏[7]

يمانية تخيّرها يمان # منمنمة البيوت مقطّعات

/و جارية أضلّت والديها # مولّدة و بيضا وافيات

فعجّلها و أنفذها إلينا # و دعنا من بنات التّرّهات‏[8]

فأجابه الربيع فقال:

بعثت بمقرف حطم إلينا # بطي‏ء الحضر ثم تقول: هات‏[9]

[1]ب، س: «حرمتني» ، و المثبت من ف.

[2]كذا، في ف و معناها «الفضيحة» و في س، ب: «رضوحك» .

[3]منتفج: مرتفع، و البيت كله عن دعته و سمعته و اغتراره بحالته.

[4]الحرورية: طائفة من الخوارج في اليمن، كانت تتبع نجدة بن عويمر، و كان في البيت تامة، وداع حبر مبتدأ مقدر.

[5]البهر: تتابع النفس من شدة الجري و انقطاعه من الإعياء.

[6]كذا في ف و في س، ب:

«خريت مع الخاري»

. بدل‏

«جريت مع الجاري»

.

[6]الفدم: الغليظ الجافي الأحمق، و في س، ب: «قدما» ، الصحيف.

[7]كذا في ف و في س، ب: «أجدت» بدل «أخذت» .

[8]الترهات: الأباطيل و مفردها ترهة.

[9]كذا في ف و المقرف ما أمه عربية لا أبوه، و في س، ب: «بمقرب» بدل «بمقرب» . حطم: متكسر، و الحطم داء في قوائم الدابة.

و الحضر: شدة عدو الفرس.

11

فقال النّصيب:

في سبيل اللّه أودى فرسي # ثم علّلت بأبيات هزج

كنت أرجو من ربيع فرجا # فإذا ما عنده لي من فرج‏

بيض الدراهم بدل بيض الغواني:

قال: ثم خرج الرّبيع إلى مكة، و قد كان وعد النّصيب جارية، فلم يعطه، و أمر ابنه أن يدفع إليه ألفي درهم ففعل، فقال النّصيب:

ألا أبلغا عنّي الربيع رسالة # ربيع بني عبد المدان الأكارم

أ عزّت عليك البيض لما أرغتها # فرغت إلى إعداد بيض الدراهم‏[1]

أ لم تر أني غير مستطرف الغنى # حديث و أنّي من ذؤابة هاشم؟[2]

و أنك لم تهبط من الأرض تلعة # و لا نجوة إلا بعهدي و خاتمي‏

قال: ثم قدم الربيع فأهدى إلى دفافة بن عبد العزيز العبسيّ طبق تمر، فقال فيه دفافة:

شعر حول طبق تمر:

بعثت بتمر في طبيق كأنما # بعثت بياقوت توقّد كالجمر

فلو أن ما تهدي سنيّا قبلته # و لكنما أهديت مثلك في القدر

كأنّ الذي أهديت من بعد شقّة # إلينا من الملقى على ضفّة الجسر

فأجابه الربيع فقال:

سل الناس إما كنت لا بدّ طالبا # إليهم بألا يحملوك على القدر

فإنك إن تحمل على القدر لا تنل # يد الدهر من برّ فتيلا و لا بحر

/لقد كنت منّي في غدير و روضة # و في عسل جمّ و ما شئت من خمر[3]

و ما كنت منّانا و لكن كفرتني # و أظهرت لي ذمّا فأظهرت من عذري‏[4]

لعمري لقد أعطيت ما لست أهله # و لا أهل ما يلقى على ضفّة الجسر

فبلغت أبياتهما نصيبا، فشمت بالربيع، و قال فيه هذه القصيدة:

رضيتكما حرصا و منعا و لم يكن # يهيجكما إلا الحقير من الأمر

متى يجتمع يوما حريص و مانع # فليس إلى حمد سبيل و لا أجر

[1]أرغتها: طلبتها، رغت: ملت وحدت.

[2]كذا في ف، م، أ، و في س: ب: «مستطرق» بدل «مستطرف» .

[3]كذا في ف و في س، ب: «تمر» بدل «حمر» .

[4]كذا في ف، و في س، ب: «زمنا» بدل «ذما» .

12

أ حار بن كعب إنّ عبسا تغلغلت # إلى السير من نجران في طلب التّمر

فكيف ترى عبسا و عبس حريصة # إذا طمعت في التّمر من ذلك العبر[1]

لقد كنتما في التّمر للّه أنتما # شبيهين بالملقى على ضفّة الجسر

يرتجل مطولة في مدح الفضل بن الربيع:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد النحويّ، قال:

حدّثت من غير وجه:

/أنّ النّصيب دخل على الفصل بن يحيى بن خالد مسلّما، فوجد عنده جماعة من الشعراء قد امتدحوه، فهم ينشدونه، و يأمر لهم بالجوائز، و لم يكن امتدحه، و لا أعدّ له شيئا. فلما فرغوا-و كان يروى‏[2]قولا في نفسه- استأذن في الإنشاد، ثم أنشد قصيدته التي أولها قوله:

يمدح الفضل بن يحيى:

طرقتك ميّة و المزار شطيب # و تثيبك الهجران و هي قريب‏[3]

للّه مية خلّة لو أنّها # تجزي الوداد بودّها و تثيب

و كأنّ ميّة حين أتلع جيدها # رشا أغنّ من الظباء ربيب

نصفان ما تحت المؤزّر عاتك # دعص أغرّ و فوق ذاك قضيب‏[4]

ما للمنازل لا تكاد تجيب # أني يجيبك جندل و جبوب‏[5]

جادتك من سبل الثريا ديمة # ريّا و من نوء السّماك ذنوب‏[6]

فلقد عهدت بك الحلال بغبطة # و الدهر غضّ و الجناب خصيب

إذ للشباب عليّ من ورق الصّبا # ظلّ و إذ غصن الشباب رطيب

طرب الفؤاد و لات حين تطرّب # إن الموكّل بالصّبا لطروب

و تقول ميّة ما لمثلك و الصّبا # و اللون أسود حالك غربيب؟

شاب الغراب و ما أراك تشيب # و طلابك البيض الحسان عجيب

أ علاقة أسبابهنّ و إنّما # أفنان رأسك فلفل و زبيب‏[7]

[1]العبر من الشي‏ء: الكثير.

[2]كذا في النسخ و لعلها: يزور قولا في نفسه، أي يعده و يهيئه.

[3]كذا في ف، و في س، ب، هج: «و تنئك بالهجران» و في «المهذب» : «و نأنك بالهجران» .

[4]العاتك: الخالص من الألوان المحمر من الطيب.

[5]جبوب: وجه الأرض الصلب.

[6]كذا في ف و في س، ب: «ريان من» بدل «ريامن» . و في س، ب: «السماء» بدل: «السماك» .

[7]الأسباب: جمع سبب، و المراد: كيف تهيم بذرات الشعور المرسلة و أنت جعد الشعر!.

13

/

لا تهزئي مني فربّت عائب # ما لا يعيب الناس و هو معيب

و لقد يصاحبني الكرام و طالما # يسمو إليّ السيّد المحجوب

و أجرّ من حلل الملوك طرائفا # منها عليّ عصائب و سبيب‏[1]

و أسالب الحسناء فضل إزارها # فأصورها و إزارها مسلوب‏[2]

و أقول منقوح البديّ كأنّه # برد تنافسه التّجار قشيب‏[3]

/يقول فيها في مدح الفضل:

و البرمكيّ إذا تقارب سنّه # أو باعدته السنّ فهو نجيب‏[4]

خرق العطاء إذا استهلّ عطاؤه # لا متبع منّا و لا محسوب

يا آل برمك ما رأينا مثلكم # ما منكم إلا أغرّ وهوب

و إذا بدا الفضل بن يحيى هبته # لجلاله إنّ الجليل مهيب‏[5]

قاد الجياد إلى العدا و كأنها # رجل الجراد تسوقهنّ جنوب

قبّا تبارى في الأعنّة شزّبا # تدع الحزون كأنهنّ سهوب‏[6]

من كل مضطرب العنان كأنه # ذئب يبادره الفريسة ذيب

تهوي بكلّ مغاور عاداته # صدق اللقاء فما له تكذيب

/حتى صبحن الطالبيّ بعارض # فيه المنايا تغتدي و تئوب

خاف ابن عبد اللّه ما خوّفته # فجفاك ثم أتاك و هو منيب

و لقد رآك الموت إلا أنّه # بالظنّ يخطئ مرة و يصيب

فرمى إليك بنفسه فنجا بها # أجل إليه ينتهى مكتوب

فكسوته ثوب الأمان و إنّه # لا حبله واه و لا مقضوب‏[7]

شمنا إليك مخيلة لا خلّبا # في الشّيم إذ بعض البروق خلوب

إنّا على ثقة و ظنّ صادق # ممّا نؤمّله فليس نخيب‏

يجيزه الفضل فيشكره شعرا:

قال: فاستحسنها الفضل، و أمر له بثلاثين ألف درهم، فقبضها، و وثب قائما، و هو يقول:

[1]سبيب: جمع سببية و هي شقة رقيقة من الثياب من أي نوع كان، و قيل من الكتان خاصة.

[2]أصورها: أميلها.

[3]البدي: البديهة. و منقوح الكلام، أي مهذبة و محرره. و في هج: مقترح الكلام.

[4]كذا في ف و في س، ب: «و إن» بدل «إذا» .

[5]كذا في ف و في س، ب: «هيبة» . بدل «هبته» و في ب، س، «الجلال» بدل «الجليل» .

[6]قبا: ضوامر، مفرده أقب أو قباء، شزبا: خشنة يابسة، جمع شازب.

[7]في ف و هج: فكسوته ثوب الأمان بذمة: لا حبلها واه...

14

إني سأمتدح الفضل الذي حنيت # منّا عليه قلوب البرّ و الضّلع

جاد الربيع الذي كنا نؤمّله # فكلنا بربيع الفضل مرتبع

كانت تطول بنا في الأرض نجعتنا # فاليوم عند أبي العباس ننتجع

إن ضاق مذهبنا أو حلّ ساحتنا # ضنك و أزم فعند الفضل متّسع‏[1]

ما سلّم اللّه نفس الفضل من تلف # فما أبالي أقام الناس أم رجعوا

إن يمنعوا ما حوت منا أكفّهم # فلن يضرّ أبا الحجناء ما منعوا

أو حلّئونا و ذادوا عن حياضهم # يوم الشروع ففي غدرانك الشّرع‏[2]

يا ممسكا بعرا الدنيا إذا خشيت # منها الزلازل و الأمر الذي يقع

/قد ضرّستك الليالي و هي خالية # و أحكمتك النهى و الأزلم الجذع‏[3]

فغادرا منك حزنا عن معاسرة # سهل الجناب يسيرا حين يتّبع‏[4]

لم يفتلتك نقيرا عن مخادعة # دهي الرجال و للسؤال تنخدع‏[5]

فأنت مصطلح بالملك تحمله # كما أبوك بثقل الملك مضطلع‏[6]

يمدح زبيده في موسم الحج:

قال ابن أبي سعد: لما حجّت أم جعفر زبيدة لقيها النّصيب، فترجّل عن فرسه و أنشأ يقول:

سيستبشر البيت الحرام و زمزم # بأمّ وليّ العهد زين المواسم

/و يعلم من وافى المحصّب أنها # ستحمل ثقل الغرم عن كل غارم‏[7]

بنو هاشم زين البرية كلّها # و أمّ وليّ العهد زين لهاشم

سليلة أملاك تفرّعت الذّرى # كرام لأبناء الملوك الأكارم

فو اللّه ما ندري: أفضل حديثها # عليهم به تسمو أم المتقادم

يظنّ الذي أعطته منها رغيبة # يقصّ عليه الناس أحلام نائم‏

فأمرت له بعشرة آلاف درهم و فرس، فأعطيه بلا سرج؛ فتلقّاها لما رحلت و قال:

[1]أزم: شدة: من أزم العام يأزم: اشتد قحطه.

[2]حلئونا: منعونا الشرب.

[3]الأزلم الجذع: معناهما الدهر الكثير البلايا الذي لا يهرم.

[4]في ب، س: «عن معشرة» .

[5]دهى الرجال: مصدر دهى كالدهاء، و هو جودة الرأي و البصر بالأمر.

[6]كذا في ف و في ب، س: «المسك» بدل «الملك» .

[7]المحصب: موضع رمي الجمار بمنى.

15

لا بد للفرس من سرج و لجام:

لقد سادت زبيدة كلّ حيّ # و ميت ما خلا الملك الهماما

تقى و سماحة و خلوص مجد # إذا الأنساب أخلصت الكراما

/إذا نزلت منازلها قريش # نزلت الأنف منها و السّناما

بلغت من المفاخر كلّ فخر # و جاوزت الكلام فلا كلاما

و أعطيت اللّهى لكنّ طرفي # يريد السّرج منكم و اللّجاما

فأمرت له بسرج و لجام.

الحجناء ابنته تنشد المهدي:

قال ابن أبي سعد: خرج المهدي يتنزه بعيسى باذ[1]، و قدم النّصيب، و معه ابنته حجناء، فدخل على المهديّ، و هي معه، فأنشدته قولها فيه:

ربّ عيش و لذة و نعيم # و بهاء بمشرق الميدان

بسط اللّه فيه أبهى بساط # من بهار و زاهر الحوذان‏[2]

ثم من ناضر من العشب الأخـ # ضر يزهو شقائق النّعمان‏[3]

مدّه اللّه بالتّحاسين حتى # قصرت دون طوله العينان‏[4]

حقّقت حافتاه حيث تناهى # بخيام في العين كالظّلمان

زيّنوا وسطها بطارمة مثـ # ل الثريّا يحفّها النّسران‏[5]

ثم حشو الخيام بيض كأمثا # ل المها في صرائم الكثبان‏[6]

/يتجاوبن في غناء شجيّ # أسعداني يا نخلتي حلوان‏[7]

فبقصر السلام من سلّم اللّ # ه و أبقى خليفة الرحمن‏

[1]عيسى باذ: محلة كانت بشرق بغداد و معنى باذ عمارة: فكأن معناها عمارة عيسى هو عيسى بن المهدي.

[2]بهار: نبت طيب الرائحة. الحوذان: بقلة من بقول الرياض لها نور أصفر طيب الرائحة أيضا.

[3]كذا في ف، و في س، ب: «يزهى» .

[4]التحاسين: جمع تحسين: هو ما وضع للزينة.

[5]الطارمة: بيت من خشب كالقبة، معرب.

[6]صرائم الكثبان: جمع صريمة، و هي قطعة من الرمل.

[7]كذا في ف، و في س، ب: «بتجارين» بدل «يتجاوبن» ، و نخلتا حلوان: يطلق هذا الاسم على جملة، قرى و المراد هنا حلوان العراق، و هي في آخر السواد مما يلي بغداد شرقا. و هذا الشطر أول قصيدة لمطيع بن إياس الليثي من أهل فلسطين قال:

أسعداني يا نخلتي حلوان # و أبكياني من ريب هذا الزمان

و اعلما أن ريبة لم يزل يفر # ق بين الآلاف و الجيران‏

16

و لديه الغزلان بل هنّ أبهى # عنده من شوادن الغزلان‏[1]

يا له منظرا و يوم سرور # شهدت لذّتيه كلّ حصان‏

فأمر لها المهديّ بعشرة آلاف درهم، و له بمثلها؛

الحجناء تمدح العباسة بنت المهدي:

قال: ثم دخلت الحجناء على العبّاسة بنت المهدي، فأنشدتها تقول:

أتيناك يا عباسة الخير و الحيا # و قد عجفت أدم المهاري و كلّت‏[2]

و ما تركت منا السّنون بقية # سوى رمّة منا من الجهد رمّت

فقال لنا من ينصح الرأي نفسه # و قد ولّت الأموال عنا فقلّت

عليك ابنة المهديّ عوذي ببابها # فإن محلّ الخير في حيث حلّت‏

فأمرت لها بثلاثة آلاف درهم و كسوة و طيب، فقالت:

/

أغنيتني يا ابنة المهديّ أيّ غنى # بأعجرين كثير فيهما الورق‏

-أي: اغنيتني على عقب ما أغناني أخوك. بأعجرين: بكيسين-:

من ضرب تسع و تسعين محكّكة # مثل المصابيح في الظّلماء تأتلق

/أما الحسود فقد أمسى تغيّظه # غمّا و كاد برجع الرّيق يختنق

و ذو الصداقة مسرور بنا فرح # بادي البشارة ضاح وجهه شرق‏[3]

يمدح إسحاق بن الصباح:

و قال ابن أبي سعد:

كان إسحاق بن الصباح الأشعثي صديقا للنصيب، و قدم قدمة من الحجاز، فدخل على إسحاق؛ و هو يهب لجماعة وردوا عليه برّا و تمرا، فيحملونه على إبلهم و يمضون، فوهب لنصيب جارية حسناء يقال لها: مسرورة، فأردفها خلفه، و مضى و هو يقول:

إذا احتقبوا برّا فأنت حقيبتي # من البشريّات الثقال الحقائب‏[4]

ظفرت بها من أشعثيّ مهذّب # أغرّ طويل الباع جمّ المواهب

فدى لك يا إسحاق كلّ مبخّل # ضجور إذا عضّت شداد النوائب

إذا ما بخيل القوم غيّب ماله # فمالك عدّ حاضر غير غائب‏[5]

[1]كذا في ف، و في س، ب: «شوارد» بدل «شوادن» .

[2]أدم: جمع أدماء، أي لونها مشرب بياضا أو سوادا.

[3]كذا في ف و في س، ب: «لنا» بدل «بنا» .

[4]كذا في ف، و في س، ب: «الشرفيات» بدل «البشريات» .

[5]كذا في ف، و في س، ب: «المال» بدل «النوم» فمالك عد: أي كثير.

17

إذا اكتسب القوم الثّراء فإنّما # ترى الحمد غنما من كريم المكاسب‏

و قال فيه أيضا:

فتى من بني الصّبّاح يهتزّ للنّدى # كما اهتزّ مسنون الغرار عتيق

فتى لا يذمّ الضيف و الجار رفده # و لا يجتويه صاحب و رفيق‏[1]

أغر لأبناء السبيل موارد # إلى بيته تهديهم و طريق

/و إن عدّ أنساب الملوك وجدته # إلى نسب يعلوهم و يفوق

فما في بني الصّبّاح إن بعد المدى # على الناس إلا سابق و عريق

و إني لمن شاحنتم لمشاحن # و إني لمن صادقتم لصديق‏

قال: و كان النّصيب إذا قدم على المهديّ استهداه القوّاد منه، و سألوه أن يأمره بزيارتهم، فكان فيمن استزاره خزيمة بن خازم، فوصله و حمله، و قال فيه:

يمدح خزيمة بن خازم:

وجدتك يا خزيمة أريحيّا # بما تحوي و ذا حسب صميم

تميم كان خير بني معدّ # و أنت اليوم خير بني تميم

سوى رهط النبيّ و هم أديم # و أنت قددت من ذاك الأديم‏

و قال فيه أيضا:

يا أفضل الناس عودا عند معجمه # إذا تفاضل يوما معجم العود

إني لواحد شعر قد عرفت به # و ذا خزيمة أضحى واحد الجود

إن يعطك اليوم معروفا يعدك غدا # فأنت في نائل منه و موعود[2]

و قد رأينا تميما غير مكرهة # ألقت إليك جميعا بالمقاليد

فأنت أكرمها نفسا و أفضلها # إنّ الصناديد أبناء الصناديد

شعره في جعد:

/قال: و كان في غزاة سمالو[3]مع المهديّ. فوقف به فرسه، و مرّ به جعد مولى عبد اللّه بن هشام بن عمرو، و بين يديه فرس يجنب‏[4]فقال له: قد ترى قيام فرسي تحتي، فاردد إليّ جنيبك حتى يتروّح فرسي ساعة، فسكت، و لم يجبه فقال فيه:

[1]يجتويه: يكرهه.

[2]كذا في ف و في س، ب: «على ثمة» بدل «يعدك غدا» .

[3]سمالو: من ثغور الشأم قرب المصيصة و طرسوس، و أصلها بالصاد. و لما أنزل أهلها ببغداد سموا موضعهم بالسين.

[4]فرس يجنب: يقاد إلى آخر.

18

/

أنادي بأعلى الصوت جعدا و قد يرى # مكاني و لكن لا يجيب و يسمع

و لم يرني أهلا لحسن إجابة # و لا سوئها إني إلى اللّه أرجع

فلو أنّني جازيت جعدا بفعله # لقد لاح لي فيه من الشعر موضع

و لكنّني جافيت عنه لغيره # بحسن الذي يأتي إليّ و يصنع

رأيتك لم تحفظ قرابة بيننا # و ما زالت القربى لدى الناس تنفع‏

لا يريد شريكا:

قال: و سأل عبيد اللّه بن يحيى بن سليمان مركبا، فأعطاه إياه، و جعل معه شريكا له فيه، فقال:

لقد مدحت عبيدا إذ طمعت به # و قد تملّقته لو ينفع الملق

فعاد يسأل ما أصبحت سائله # فكلّنا سائل في الحرص متّفق

أ حين سار مديحي فيكم طرقا # و حيث غنّت به الركبان و الرّفق

قطعت حبل رجاء كنت آمله # فيما لديك فأضحى و هو منحذق‏[1]

قد كان أورق عودي من أبيك فقد # لحيت عودي فجفّ العود و الورق

من نازع الكلب عرقا يرتجى شبعا # كمصطل بحريق و هو يحترق‏[2]

الفضل بن يحيى يستقل ما أعطاه إياه:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزبير بن بكّار قال: كتب إليّ أبو محمد إسحاق بن أبي إبراهيم يقول:

أنشدت الفضل بن يحيى قول أبي الحجناء نصيب:

عند الملوك مضرّة و منافع # و أرى البرامك لا تضرّ و تنفع

/إن العروق إذا استسرّ بها الثّرى # أشر النبات بها و طاب المزرع‏[3]

فإذا نكرت من امرئ أعراقه # و قديمه فانظر إلى ما يصنع‏

قال: فأعجبه الشعر، فقال: يا أبا محمد، كأني و اللّه لم أسمع هذا القول إلا الساعة، و ما له عندي عيب إلا أنّي لم أكافئه عليه. قال: قلت: و كيف ذلك أصلحك اللّه، و قد وهبت له ثلاثين ألف درهم!فقال: لا و اللّه ما ثلاثون ألف دينار بمكافئة له، فكيف ثلاثون ألف درهم! [1]منحذق: منقطع.

[2]عرقا: عظما و في س، ب: «عرفا» و ما أثبتناه من ف.

[3]أشر النبات: ازدهر.

19

جود الفضل جعل الناس كلهم شعراء:

أخبرني أحمد بن عبد اللّه بن عمار قال: أخبرني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال:

كان أبي يستملح قول نصيب و قد رأى كثرة الشعراء على باب الفضل بن يحيى. فلما دخل الناس إليه قال له:

ما لقينا من جود فضل بن يحيى # ترك الناس كلهم شعراء

و يقول: ما في الدنيا أحسن من هذا المعنى، و على أنه قد أخذ منهم مالا جليلا و لكن قلما سمعت بطبقته مثله.

صوت‏

طاف الخيال و لات حين تطرّب # أن زار طيف موهنا من زينب‏[1]

طرقت فنفّرت الكرى عن نائم # كانت و سادته ذراع الأرحبي‏[2]

/فبكى الشباب و عهده و زمانه # بعد المشيب و ما بكاء الأشيب!

عروضه من الكامل، الشعر لأبي شراعة القيسي، و الغناء لدعامة البصريّ خفيف رمل بالبنصر من كتاب الهشاميّ.

[1]في س، ب: «المطرب» بدل «تطرب» .

[2]الأرحبي: الجمل المنسوب إلى أرحب، و هي قبيلة من همدان.

20

2-أخبار أبي شراعة و نسبه‏

اسمه و نسبه:

هو-فيما كتب به إلينا ابنه أبو الفيّاض سوّار بن أبي شراعة من أخباره و نسبه-أحمد بن محمد بن شراعة بن ثعلبة بن محمد بن عمير بن أبي نعيم بن خالد بن عبدة بن مالك بن مرة بن عبّاد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل:

شاعر بصريّ من شعراء الدولة العباسية جيّد الشعر جزله، ليس برقيق الطبع، و لا سهل اللّفظ، و هو كالبدويّ الشعر في مذهبه، و كان فصيحا يتعاطى الرسائل و الخطب مع شعره، و كانت به لوثة و هوج.

أمه و أبوه:

و أمه من بني تميم من بني العنبر، و ابنه أبو الفيّاض سوّار بن أبي شراعة أحد الشعراء الرواة، قدم علينا بمدينة السّلام بعد سنة ثلاثمائة، فكتب عنه أصحابنا قطعا[1]من الأخبار و اللّغة، و فاتني فلم ألقه، و كتب إليّ و إلى أبي -رحمه اللّه-بإجازة أخباره على يدي بعض إخواننا، فكانت أخبار أبيه من ذلك.

يهب نعله فتدمى إصبعه:

فمنها ما حكاه عنه أنه كان جوادا لا يليق‏[2]شيئا، و لا يسأل ما يقدر عليه إلا سمح به، و أنه وقف عليه سائل يوما فرمى إليه بنعله و انصرف حافيا، فعثر فدميت إصبعه فقال في ذلك:

ألا لا أبالى في العلا ما أصابني # و إن نقبت نعلاي أو حفيت رجلي‏[3]

فلم تر عيني قطّ أحسن منظرا # من النكب يدمى في المواساة و البذل‏[4]

و لست أبالي من تأوّب منزلي # إذا بقيت عندي السراويل أو نعلي‏[5]

أخوه يقول إنه مجنون فينشد شعرا:

قال: و بلغه أن أخاه يقول: إن أخي مجنون، قد أفقرنا و نفسه، فقال:

أ أنبز مجنونا إذا جدت بالذي # ملكت و إن دافعت عنه فعاقل‏

[1]كذا في ف و في س، ب: «قطعات الأخبار» .

[2]لا يليق: لا يمسك.

[3]في هج: «ما لقيته» لإ بدل «ما أصابني» . و نقبت نعلاي: رقت أو ثقبت.

[4]من النكب يدمى: و هو صدم الحجارة الرّجل، و في هج: «من الرجل تدمى» .

[5]تأوب منزلي: زارني ليلا.

21

فداموا على الزّور الذي قرفوا به # و دمت على الإعطاء ما جاء سائل‏[1]

أبيت و تأبى لي رجال أشحّة # على المجد تنميهم تميم و وائل‏[2]

قال: و قال أيضا في ذلك:

أ إن كنت في الفتيان آلوت سيدا # كثير شحوب اللون مختلف العصب‏[3]

فما لك من مولاك إلا حفاظه # و ما المرء إلا باللسان و بالقلب

هما الأصغران الذائدان عن الفتى # مكارهه و الصاحبان على الخطب

فإلاّ أطق سعي الكرام فأنني # أفكّ عن العاني و أصبر في الحرب‏

قصة لحن:

أخبرني عمي قال: أخبرني ميمون بن هارون قال: حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال:

كان عندي أبو شراعة بالبصرة، و أنا أتولاّها، و كان عندي عمير المغني المدني، و كان عمير بن مرة غطفانيا، و كان يغنّي صوتا يجيده، و اختاره عليه و هو:

أ تحسب ذات الخال راجية ربّا # و قد صدعت قلبا يجنّ بها حبّا

/فاقترحه أبو شراعة على عمير، فقال: أعطني دراهم، حتى أقبل اقتراحك، فقال له أبو شراعة: أخذ المغني من الشاعر يدلّ على ضعف الشاعر، و لكني أعرضك لأبي إسحاق، فغنّاه إياه ثلاث مرات و قد شرب عليه ثلاثة أرطال، و قال:

عدوت إلى المريّ عدوة فاتك # معنّ خليع للعواذل و العذر[4]

/فقال لشي‏ء ما أرى قلت: حاجة # مغلغلة بين المخنّق و النّحر[5]

فلما لواني يستثيب زجرته # و قلت: اغترف إنّا كلانا على بحر[6]

أ ليس أبو إسحاق فيه غنى لنا # فيجدي على قيس و أجدي على بكر

فغنّى بذات الخال حتى استخفّني # و كاد أديم الأرض من تحتنا يجري‏

ابن المدبر يعطيه عشرة آلاف درهم:

حدّثني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثني محمد بن يزيد المبرد قال:

كان أبو شراعة صديقا لابن المدبّر أيام تقلّده البصرة، و كان لا يفارقه في سائر أحواله، و لا يمنعه حاجة يسأله [1]قرفوا به: وصموا.

[2]رجال أشحة. جمع شحيح، أي بخيل، و في ف: «أعزة» .

[3]كذا في ف، و في س، ب: «لئن» و هو تحريف.

[4]كذا في ف و في س، ب: «غدوت غدوة» . بدل «عدوت» و في س، ب: مغن، بدل «معن» و معنى معن: مبالغ في العناء و التجشم.

[5]مغلغلة: داخلة ممعنة، المخنق: موضع الخناق.

[6]في ف: «يستثيب» أي يسألني أن أثيبه.

22

إياها، و لا يشفع لأحد إلا شفّعه، فلما عزل إبراهيم بن المدبر شيّعه الناس، و شيّعه أبو شراعة، فجعل يردّ الناس، حتى لم يبق غيره، فقال له: يا أبا شراعة غاية كل مودّع الفراق، فانصرف راشدا مكلوءا من غير قلى و اللّه و لا ملل، و أمر له بعشرة آلاف درهم، فعانقه أبو شراعة، و بكى؛ فأطال، ثم أنشأ يقول:

يا أبا إسحاق سر في دعة # و امض مصحوبا فما منك خلف

ليت شعري أيّ أرض أجدبت # فأغيثت بك من جهد العجف!

نزل الرّحم من اللّه بهم # و حرمناك لذنب قد سلف

إنما أنت ربيع باكر # حيثما صرّفه اللّه انصرف‏

خلاف حول هلال رمضان:

قال أبو الفياض سوّار بن أبي شراعة:

دخل أبي على إبراهيم بن المدبر و عنده منجّم، فماراه‏[1]إبراهيم بن المدبّر في رؤية/الهلال لشهر رمضان؛ فحكم المنجّم بأنه يرى، و حلف إبراهيم بعتق غلمانه أنّه لا يرى، فرئي في تلك الليلة. فأعتق غلمانه، فلما أصبح دخل الناس يهنئونه بالشهر، فأنشده أبو شراعة يقول:

أيها المكثر التّجنّي على الما # ل إذا ما خلا من السّؤّال

أفتنا في الذين أعتقت بالأمـ # س مواليك أم موالي الهلال؟

لم يكن وكدك الهلال و لكن # تنألّى لصالح الأعمال

إنما لذتاك في المال شتّى # صونك العرض و ابتذال المال‏[2]

ما نبالي إذا بقيت سليما # من تولّت به صروف اللّيالي‏

لا يدعي فيغضب:

قال أبو الفيّاض: و كان أبو شراعة صديق السّدري، فدعا يوما إخوانه، و أغفل أبا شراعة. فمرّ به الرياشيّ.

فقال: يا أبا شراعة، أ لست عند السّدري معنا؟فقال: لم يدعنا. و مرّ به جماعة من إخوانه، فسألوه عن مثل ذلك، و مرّ به عيسى بن أبي حرب الصّفار-و كان ممن دعي-فجلس و حلف ألا يبرح حتى يأتيه السّدري، فيعتذر إليه، و يدعوه، فقال أبو شراعة:

/

أير حمار في حرام شعري # و خصيناه في حر امّ قدري

إن أنا لم أشفعهما بوفر # لو كنت ذا و فر دعاني السّدري

أو كان من همّ هشام أمري # أو راح إبراهيم يطري ذكري‏

[1]س، ب: «فما رآه» تحريف، ماراه: بمعنى عارضه.

[2]في هج: «في الدد» بدل «في المآل» .

23

و ابن الرياشي الضعيف الأسر # يخاف إن أردف ألاّ يجري‏[1]

/و أنت يا عيسى سقاك المسرى‏[2] # نعم صديق عسرة و يسر

لا يستعين بإخوته في بناء داره:

قال أبو الفيّاض: سقطت دارنا بالبصرة، فعوتب أبي على بنائها، و قيل له: استعن بإخوانك إن عجزت عنه فقال:

تلوم ابنة البكريّ حين أئوبها # هزيلا و بعض الآئبين سمين

و قالت: لحاك اللّه تستحسن العرا # عن الدار إنّ النائبات فنون

و حولك إخوان كرام لهم غنى # فقلت لإخواني: الكرام عيون

ذريني أمت قبل احتلال محلّة # لها في وجوه السائلين غضون

سأفدي بمالي ماء وجهي إنني # بما فيه من ماء الحياء ضنين‏[3]

في ليالي شهر رمضان:

قال سوّار بن أبي شراعة: كان إخوان أبي يجتمعون عند الحسين بن أيوب بن جعفر بن سليمان في ليالي شهر رمضان، فيهم الرياشي و الجمّاز، فقال أبي في ذلك:

لو كنت من شيعة الجمّاز أقعدني # مقاعدا قربهنّ الريف و الشّرف

لكنّني كنت للعباس متّبعا # و ليس في مركب العباس مرتدف‏[4]

قد بقيت من ليالي الشهر واحدة # فعاودوا مالح البقّال و انصرفوا[5]

طلاقه ليلة عرس:

قال: و تزوّج نديم لأبي شراعة يقال له بيّان‏[6]امرأة، فاتفق عرسه في ليلة طلّق فيها أبو شراعة امرأته، فعوتب في ذلك، و قيل: بات بيّان عروسا، و بتّ عزبا، فقال في ذلك:

/

رأت عرس بيّان فهبّت تلومني # رويدك لوما فالمطلّق أحوط

رويدك حتى يرجع البرّ أهله # و يرحم ربّ العرس من حيث يغبط

إذا قال للطحّان عند حسابه # أعد نظرا إني أظنك تغلط

[1]في نسخة: «أو أردف» بدل «إن أردف» .

[2]كذا في ف: و معناه الذي يجري السحاب ليلا و هو اللّه، و في س، ب: «المثري. و قد يكون المراد بالمسري. السحاب نفسه، فمن أسمائه سارية، و يلاحظ في قوله: «نعم صديق» أنه لم يجر على المقياس في فاعل نعم و بئس.

[3]كذا في ف و في س، ب: «ماء الحياة» بدل «ماء الحياء» .

[4]كذا في ف و في س، ب: «موكب» بدل «مركب» . و في هـ، هج: «تبعة» بتشديد الباء.

[5]كذا في ف و هج و ربما كان اسمه «المنهال» .

[6]في ف: «تبان» بدل «بيان» .

24

فما راعه إلا دعاء وليدة # هلمّ إلى السّواق إن كنت تنشط

هنالك يدعو أمّه فيسبّها # و يلتبس الأجر العقوق فيحبط[1]

فيا ذا العلا إني لفضلك شاكر # أبيت وحيدا كلما شئت أضرط

يشمت في بيان:

قال: ثم بلغه عن بيّان هذا أنه عجز عن امرأته، و لم يصل إليها، و لقي منها شرّا، فقال في ذلك:

رمى الدهر في صحبي و فرّق جلاّسي # و باعدهم عني بظعن و إعراس

فكلّهم يبغي غلافا لأيره # و أقعدني عن ذاك فقري و إفلاسي

فشكرا لربّي خان بيّان أيره # و أسعى بأيري في الظّلام على الناس

[2]يمسحه بالكف حتى يقيمه # و هل ينفع الكفّان من ثقل الراس‏

أولادنا أكبادنا:

و قال أبو الفياض سوّار:

نظر إليّ أبي يوما و قد سألت عمّي حاجة فردّني، فبكى، ثم قال:

حبّي لإغناء سوّار يجشّمني # خوض الدّجى و اعتساف المهمة البيد

/كي لا تهون على الأعمام حاجته # و لا يعلّل عنها بالمواعيد

و لا يوليهم إن جاء يسألها # أكتاف معرضة في العيس مردود[3]

/إذا بكى قال منهم ذو الحفاظ له # لقد بليت بخلق غير محمود

يحبذ النبيذ:

قال: و تمارى أبو شراعة و رجل من أهل بغداد في النبيذ، فجعل البغداديّ يذمّ نبيذ التمر و الدّبس‏[4]، فقال أبو شراعة:

إذا انتخبت حبّه و دبه # ثم أجدت ضربه و مرسه‏[5]

ثم أطلت في الإناء حبسه # شربت منه البابليّ نفسه‏

دراهمه تغني عن سؤال بخيلين:

قال: و أعوز أبا شراعة يومئذ النبيذ، فطلب من نديمين كانا له، فاعتلّ أحدهما بحلاوة نبيذه، و الآخر [1]و يلتبس الأجر: لعله و يلتمس الأجر.

[2]تكملة من هد، و هج.

[3]كذا في ف و المراد جعل يكثر أن يولي عرضه، في هج: «أكتاف مغرورق العينين مردود» . كذا في ب و في س، ب: «العيش» . بدل «العيس» .

[4]الدبس: عسل التمر.

[5]انتخبت حبّة و دبة: وزيره. ضربه و مرسه: خروجه من الماء و دعكه باليد. ـ

25

بحموضته، فاشترى من نباذ يقال له: أبو مظلومة دستيجة[1]بدرهمين، و كتب إليهما:

سيغني عن حلاوة دبس يحيى # و يغني عن حموض أبي أميّه

أبو مظلومة الشيخ المولّي # إذا اتّزنت يداه درهميّه‏

أخبرني عليّ بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال:

كان أبو شراعة قبيح الوجه جدّا، فنظر يوما في المرآة، فأطال، ثم قال: الحمد للّه الذي لا يحمد على الشرّ غيره.

يؤثر النبيذ على امرأته:

قال سوّار بن أبي شراعة: حلف أبي ألا يشرب نبيذا بطلاق امرأة كانت عنده، فهجره حولين، ثم حنث، فشرب، و طلّق امرأته و أنشأ يقول:

فمن كان لم يسمع عجيبا فإنني # عجيب الحديث يا أميم و صادقه

و قد كان لي أنسان يا أمّ مالك # و كلّ إذا فتّشتني أنا عاشقه

/عزيزة و الكأس التي من يحلّها # تخادعه عن عقله فتصادقه‏[2]

تحاربتا عندي فعطّلت دنّها # و أكوابها و الدهر جمّ بوائقه‏[3]

و مرمتها حولين ثم أزلّني # حديث النّدامى و النشيد أوافقه

فلمّا شربت الكأس بانت بأختها # فبان الغزال المستحبّ خلائقه

فما أطيب الكأس التي اعتضت منكم # و لكنّها ليست بريم أعانقه‏

في مجلس الحسن بن رجاء:

قال أبو الفيّاض: قال أبي: قصدت الحسن بن رجاء بالأهواز، فصادفت ببابه دعبل بن عليّ الخزاعيّ و جماعة من الشعراء، و قد اعتلّ عليهم بدين لزمه و مصادرة[4]فكتب إليه:

المال و العقل شي‏ء يستعان به # على المقام بأبواب السلاطين

و أنت تعلم أني منهما عطل # إذا تأملتني يا بن الدّهاقين

هل تعلم اليوم بالأهواز من رجل # سواك يصلح للدّنيا و للدّين‏

قال: فوعدنا وعدا قرّبه، ثم تدافع، فكتب إليه:

آذنت جبّتي بأمر قبيح # من فراق للطيلسان الفسيح‏[5]

[1]دستيجة: إناء من زجاج.

[2]في هد، هج «و تسارقه» بدل «فتصادقه» .

[3]بوائقه: جمع بائقة بمعنى مصيبة.

[4]مصادرة: مطالبة.

[5]في م، أ: «اللبيح» ، و في هد. هج: «المليح» .

26

فكأني بمن يزيد على الجبّة في ظلّ دار سهل بن نوح /

أنت روح الأهواز يا بن رجاء # أيّ شي‏ء يعيش إلاّ بروح‏

فأذن لي و للجماعة، و قضى حوائجنا.

يخدع أبناء سعيد بناقة عجفاء:

قال أبو الفيّاض و حدّثني أبي قال:

حججت، فأتيت دار سعيد بن سلم، فنحرت فيها ناقة، و قلت:

/

وردت دار سعيد و هي خالية # و كان أبيض مطعاما ذرى الإبل

فارتحت فيها أصيلا عند ذكرته # و صحبتي بمنى لا هون في شغل

فابتعت من إبل الجمّال دهشرة # موسومة لم تكن بالحقّة العطل‏[1]

نحرتها عن سعيد ثم قلت لهم: # زوروا الحطيم فإني غير مرتحل‏

قال: و بلغت الأبيات و فعلي ولده، فأحسنوا المكافأة، و أجزلوا الصّلة؛ قال: فقال له صديق له: و أنت أيضا قد استجدت لهم النّحيرة!فضحك، ثم قال: أغرّك وصفي لها؟أشهد اللّه أني ما بلغت بها دار سعيد إلا بين عمودين.

هو خير ممن تعوله أمه:

و قال أبو الفياض:

كان أبو أمامة محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن سلم‏[2]-و أمه سعدى بنت عمرو بن سعيد بن سلم-صديقا لأبي شراعة، و كانت أمّه سعدى تعوله، فكان أبو شراعة لا يزال يعبث به، و بلغه أن أبا أمامة يقول:

إنّما معاش أبي شراعة من السلطان و رفده، و لو لا ذاك لكان فقيرا؛ فقال فيه:

عيّرتني نائل السلطان أطلبه # يا ضلّ رأيك بين الخرق و النّزق‏[3]

لو لا امتنان من السلطان تجهله # أصبحت بالسّود في مقعوعس خلق‏[4]

-السّود: موضع تنزله باهلة بالبادية[5]-:

رثّ الرّدا بين أهدام مرقّعة # يبيت فيها بليل الجائع الفرق‏

[1]دهشرة: ناقة كبيرة، و في ب، أ، م: «دوسرة» و هي بمعناها. الحقة: الساقة التي دخلت في السنة الرابعة. و العطل: هي التي لا سمة هنا و لا قلائد.

[2]في «معجم ياقوت» : «سالم» . بدل «سلم» .

[3]كذا في ف و ياقوت، و في س، ب: «الحذق» بدل «الخرق» .

[4]مقعوعس خلق: بال قديم.

[5]في «معجم ياقوت» : السود: قرية باليمامة، و لا يناسب ذلك ما هنا.

27

/

لا شي‏ء أثبت بالإنسان معرفة # من التي حزمت جنبيه بالخرق‏[1]

فأين دارك منها و هي مؤمنة # باللّه معروفة الإسلام و الشّفق!

و أين رزقك إلا من يدي مرة # ما بتّ من مالها إلا على سرق!

تبيت و الهرّ ممدودا عيونكما # إلى تطعّمها مخضرّة الحدق

ما بين رزقيكما إن قاس ذو فطن # فرق سوى أنه يأتيك في طبق

شاركه في صيده للفأر تأكله # كما تشاركه في الوجه و الخلق‏

أبو أمامة يفجعه في برمة طفشيل:

قال أبو الفيّاض: وزارة أبو أمامة يوما فوجد عنده طفشيلا فأكله كلّه، فقال أبو شراعة يمازحه:

عين جودي لبرمة الطفشيل # و استهلّي فالصبر غير جميل‏[2]

فجعتني بها يد لم تدع للذّ # رّ في صحن قدرها من مقيل

كان و اللّه لحمها من فصيل # راتع يرتعي كريم البقول‏[3]

فخلطنا بلحمه عدس الشّا # م إلى حمّص لنا مبلول

فأتتنا كأنها روضة بالحز # ن تدعو الجيران للتّطفيل

ثم أكفأت فوقها جفنة الحيّ # و علّقت صحفتي في زبيل‏[4]

فمنى اللّه لي بفظّ غليظ # ما أراه يقرّ بالتّنزيل

/فانتحى دائبا يدبّل منها # قلت: إن الثريد للتّدبيل‏[5]

فتغنّى صوتا ليوضح عندي # حيّ أمّ العلاء قبل الرّحيل‏

نبيذ شبب بالماء:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثني سوّار بن أبي شراعة قال:

كتب أبي إلى سعيد بن موسى بن سعيد بن مسلم بن قتيبة يستهديه نبيذا، فكتب إليه سعيد: إذا سألتني -جعلني اللّه فداءك-حاجة فاشطط، و احتكم فيها حكم الصّبيّ على أهله، فإن ذلك يسرني، و أسارع إلى إجابتك فيه. و أمر له بما التمس من النبيذ، فمزجه صاحب شرابه، و بعث به إليه. فكتب إليه أبو شراعة: أستنسئ‏[6]اللّه [1]كذا في ف و في بعض النسخ:

«خرمت جنبيه بالحرق»

.

[2]الطفشيل: نوع من المرق. و في المعابهم أنه كسميدع.

[3]كذا في ف و في س، ب: «رائع» .

[4]زبيل: قفة أو جراب.

[5]كذا في ف، و معناه يكبر اللقمة للفم. و في س، ب: يذبل للتذييل.

[6]أستنسئ: أسأل اللّه أن يطيل أجلك.

28

أجلك، و أستعيذه من الآفات لك، و أستعينه على شكر ما وهب من النّعمة فيك، إنه لذلك وليّ، و به مليّ. أتلقى غلامك المليح قدّه، السعيد بملكك جدّه بكتاب قرأته غير مستكره اللفظ، و لا مزور عن القصد، ينطق بحكمتك، و يبين عن فضلك، فو اللّه ما أوضح لي خفيّا، و لا رادني بك علما، و إذا أنت تسأل فيه أن تهب، و تحبّ أن تحمد، و لا غرو[1]أن تفعل ذلك، و من كثب أخذته، لا عن كلالة و غير كلالة ورثته، موسى أبوك، و سعيد جدّك، و عمرو عمك، و لك دار الصّلة، و دار الضيافة، و صاحب البغلة الشّهباء[2]و حصين بن الحمام و عروة بن الورد، ففي أيّ غلوات‏[3]المجد يطمع قرينك أن يستولى على المدى، و الأمد دونك. و كتابك إليّ أن أتحكّم عليك تحكّم الصبي على أهله، فلشدّ ما جررت إليّ معروفك، و دللت على الأنس بك، و حاشى للمحكوم له و المحكوم عليه في ذات الحسب العتيق، و المنظر الأنيق الذي يسرّ القلب، و يلائم الرّوح، و يطرد الهمّ:

تدبّ خلال شئون الفتى # دبيب دبى النّملة المنتعش‏[4]

إذا فتحت فقمت ريحها # و إن سيل خمّارها قال: خش‏

/-خش: كلمة فارسية تفسيرها: طيّب-.

فإن كنت رعيت لها عهدا، و حفظت لها عندك يدا، فانظر ربّ الحانوت فامطله دينه، و اقطع السبب بينك و بينه، فقد أساء صحبتها، و أفسد بالماء حسّها، و سلّط عليها عدوّها، و اعلم بأن أباك المتمثّل بقوله:

يرى درجات المجد لا يستطيعها # فيقعد وسط القوم لا يتكلم‏

و قد بسطت قدرتك لسانك، و أكثرت لك الحمد، فدونك نهزة البديهة منه:

و بادر بمعروف إذا كنت قادرا # زوال افتقار أو غنى عنك يعقب‏[5]

و قد بعثت إليك بقرابة[6]مع الرسول، و أنشأت في أثرها أقول:

إليك ابن موسى الجود أعملت ناقتي # مجلّلة يضفو عليها جلالها[7]

كتوم الوحي لا تشتكي ألم السّرى # سواء عليها موتها و اعتلالها

إذا شربت أبصرت ما جوف بطنها # و إن ظمئت لم يبد منها هزالها

و إن حملت حملا تكلّفت حملها # و إن حطّ عنها لم أقل كيف حالها؟[8]

بعثنا بها تسمو العيون وراءها # إليك و ما يخشى عليها كلالها

/و غنّى مغنّينا بصوت فشافني # متى راجع من أم عمرو خيالها

[1]لا غرر: لا عجب.

[2]الشهبة: بياض يخالطه سواد.

[3]غارات: جمع غارة: أي قدر رمية سهم أبعد ما يندر عليه.

[4]دبى النملة: أصغر النمل و الجراد.

[5]في ف: «منك» بدل «عنك» .

[6]ما يقرب من قدرك، و في بعض النسخ «بقرافة» ، أي رجاحة.

[7]مجللة: لابسة جلها و هو ما تلبسه الدابة لتصان به.

[8]كذا في ف و في س، ب: «لم أبل» بدل «لم أقل» .

29

أحبّ لكم قيس بن عيلان كلّها # و يعجبني فرسانها و رجالها

و ما لي لا أهوى بقاء قبيلة # أبوك لها بدر و أنت هلالها

/قال: فبعث إليه برسوله الذي حمل إليه النبيذ، و استملحه في شعره، و بصاحب شرابه، و كل ما كان في خزانته من الشّراب و بثلاثمائة دينار.

مساجلة حول جارية:

أخبرني الأخفش عن المبرّد و سوّار بن أبي شراعة جميعا:

أن أبا الفيّاض سوار بن أبي شراعة كان يهوى قينة بالبصرة يقال لها: مليحة، فدعيت ذات يوم إلى مجلس لم يكن حاضره، و حضر أبو عليّ البصير ذلك المجلس، فجمّشها بعض من حضر، فلم تلتفت إليه، و عرف أبو عليّ ذلك فكتب إلى أبي الفيّاض:

لك عندي بشارة فاستمعها # و أجبني عنها أبا الفيّاض

كنت في مجلس مليحة فيه # و هي سقم الصّحاح برء المراض

و قديما عهدتني لست في حقّ # ك و الذبّ عنك ذا إغماض

فتغفّلتها تغفّل خصم # و تأملتها تأمّل قاض

و رمتها العيون من كلّ أفق # و تشاكوا بالوحي و الإيماض

من كهول و سادة سمحاء # باللّها باخلين بالأعراض‏[1]

و صفات القيان أولها الغد # ر عليه في وصلهنّ التّراضي

فتشوّفت ذاك منها و أعدد # ت نكيري و سورتي و امتعاضي

فحمت جانب المزاح و عمّتـ # هم جميعا بالصّدّ و الإعراض

و كفاني وفاؤها لك حتّى # آذن الليل جمعهم بار فضاض‏

فأجابه أبو الفيّاض:

ليت شعري ما ذا دعاك إلى أن # هجت شوقي و زدت في إمراضي؟

ذكّرتني بشراك داء قديما # من سقام عليّ لا شك قاضي

/إن تكن أحسنت مليحة في وصـ # لي و عاصت رياضة الرّوّاض

و أقامت على الوفاء و لم تر # ع لوحي منهم و لا إيماض

فعلى صحّة الوفاء تعاقد # نا و صون النّفوس و الأعراض

و علينا من العفاف ثياب # هنّ أبهى من حاليات الرياض‏

[1]اللها: العطايا.

30

ليس حظّي منها سوى النظر الختـ # ل و إني به لجذلان راض‏[1]

لحظات يقعن في ساحة القلـ # ب وقوع السهام في الأغراض

و ابتسام كالبرق أو هو أخفى # بين ستري تحرّز و انقباض

لا أخاف انتقاضها آخر الدهـ # ر بغدر و لا تخاف انتقاضي

فأبن لي أ لست تحمد ذا الـ # ودّ وقاك الردى أبو الفياض؟

يهجو بني سدس:

قال أبو الفيّاض: اتصل بأبي شراعة أن أبا ناظرة السّدوسي يغتابه، و كان مع آل أبي/سفيان بن ثور فقال يهجوهم:

لعن الإله بني سدوس كلّهم # و رمى بمنجوف و ريّة قاف‏[2]

قد سبّني عضروطهم فسببتهم # ذنب الدّني‏ء يناط بالأشراف‏[3]

لا يخرج من شتيمة إلى وليمة:

قال أبو الفيّاض: و كان بين بعض بني عمنا و بين أبي شراعة وحشة، ثم صالحوه، و دعوه إلى طعامهم، فأبى، و قال: أمثلي يخرج من صوم إلى طعم، و من شتيمة إلى وليمة: و ما لي و لكم مثل إلا قول المتلمّس:

/

فإن تقبلوا بالودّ نقبل بمثله # و إلا فإنا نحن آبى و أشمس‏[4]

و قال فيهم:

بني سوّار إن رثّت ثيابي # و كلّ عن العشيرة فضل مالي‏[5]

فمطّرح و متروك كلامي # و تجفوني الأقارب و الموالي

أ لم أك من سراة بني نعيم # أحلّ البيت ذا العمد الطّوال

و حولي كلّ أصيد تغلبيّ # أبيّ الضيم مشترك النوال

إذا حضر الغداء فغير مغن # و يغني حين تشتجر العوالي‏[6]

و أبقوني فلست بمستكين # لصاحب ثروة أخرى الليالي

و لا بممسّح المثرين كيما # أمسّح من طعامهم سبالي‏[7]

[1]كذا في ف و في س، ب: «ليست» .

[2]منجوف: منهم عريض قاف. اسم جبل محيط بالدنيا فيما يزعمون؛ و المراد داهية نكراء.

[3]عضروطهم: لئيمهم.

[4]كذا في ف و في م، أ: «أشوس» ؛ و في س، ب: «أشرس» بدل «أشمس» .

[5]في ف: «بني سران» بدل «بني سوار» .

[6]في ف «عند مشتجر» و في سائر الأصول: حين تستجري، و في «مهذب الأغاني» : حين تشتجر.

[7]السبل: جمع سبلة، و هي الدائرة وسط الشفة العليا. أو طرف الشارب.

31

أنا ابن العنبرية أزّرتني # إزار المكرمات إزار خالي‏[1]

فإن يكن الغنى مجدا فإني # سأدعو اللّه بالرزق الحلال‏

صوت‏

إذا أبصرتك العين من بعد غاية # و أوقعت شكّا فيك أثبتك القلب

و لو أن ركبا يمّموك لقادهم # نسيمك حتى يستدلّ بك الركب‏

الشعر لعبد اللّه بن محمد بن البوّاب، و الغناء لأحمد بن صدقة الطّنبوري، رمل مطلق في مجرى البنصر رواية الهشامي.

[1]في م، أ: «ورثتني» بدل «أزرتني» .

32

3-أخبار ابن البواب‏

اسمه و نشأته:

هو عبد اللّه بن محمد بن عتاب بن إسحاق، من أهل بخارى وجّه‏[1]بجدّه و جماعة معه رهينة إلى الحجاج بن يوسف، فنزلوا عنده بواسط، فأقطعهم سكّة بها، فاختطّوها و نزلوها طول أيام بني أمية، ثم انقطعوا من الدولة العباسية إلى الربيع، فخدموه.

و كان عبد اللّه بن محمد هذا يخلف الفضل بن الربيع على حجبة الخلفاء، و كان أبوه محمد بن عتاب يخلف الربيع في أيام أبي جعفر، و كان معه فرآه أبو جعفر مع أبيه، فسأله عنه فأخبره، فكساه قباء خزّ، و كساه تحته قباء كتّان مرقوع القبّ، و قال له: هذا يخفى تحت ذاك.

ذكر لي ذلك أحمد بن القاسم بن يوسف عن محمد بن عبد اللّه بن محمد البواب عن أبيه.

و كان عبد اللّه صالح الشعر قليله، و رواية لأخبار الخلفاء عالما بأمورهم، روى عنه أبو زيد عمر بن شبّة و نظراؤه، و قد مضت/في هذا الكتاب و تأتي أخبار من روايته.

يمدح المأمون بعد أن نال منه:

قال أحمد بن القاسم اليوسفيّ: حدّثني محمد[2]بن عبد اللّه البواب قال: حدّثني أبي قال:

حجبت موسى و هارون خليفة للفضل بن الربيع.

و خدم‏[3]محمدا الأمين فأغناه و أعطاه، و مدحه، و نال من المأمون و عرّض به، فأخبرني إسماعيل بن يوسف قال: حدّثني عبد اللّه بن أحمد الباهليّ قال: حدّثني الحسين بن الضحّاك قال:

لما أتي المأمون بشعر ابن البواب الذي يقول فيه:

صوت‏

أ يبخل فرد الحسن فرد صفاته # عليّ و قد أفردته بهوى فرد!

رأى اللّه عبد اللّه خير عباده # فملّكه و اللّه أعلم بالعبد

ألا إنما المأمون للناس عصمة # مميّزة بين الضّلالة و الرّشد

-لعلويه في هذه الأبيات رمل بالوسطى-:

[1]في س، ب: «واجه» .

[2]في س، ب: «عبد اللّه بن محمد» .

[3]في س، ب: «خلف موسى الأمين» .

33

قال: فقال المأمون: أ ليس هو القائل:

أ عينيّ جودا و ابكيا لي محمّدا # و لا تدخرا دمعا عليه و أسعدا[1]

فلا فرح المأمون بالملك بعده # و لا زال في الدّنيا طريدا مشرّدا!

هيهات، و واحدة بواحدة!و لم يصله بشي‏ء.

نزاع بينه و بين إسحاق:

هكذا روى عن الحسين‏[2]بن الضحاك. و قد روى أن هذين الشعرين جميعا للحسين، و أن قول المأمون هذا بعينه فيه.

و قال أحمد بن القاسم حدّثني جزء بن قطن. و أخبرني بهذا الخبر الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق، قالا جميعا: وقع بين إسحاق و بين ابن البواب شرّ فقال ابن البواب شعرا ذميما رديئا، و نسبه إلى إسحاق و أشاعه ليعيّره به و هو:

إنما أنت يا عنان سراج # زيته الظّرف و الفتيلة عقل

قاده للشقاء مني فؤادي # رجل حبّ لكم و للحبّ رجل‏[3]

هضم اليوم حبّكم كلّ حبّ # في فؤادي فصار حبّك فجل

أنت ريحانة و راح و لكن # كلّ أنثى سواك خلّ و بقل‏[4]

/و قال حماد في خبره و بلغ ذلك أبي فقال له:

الشعر قد أعيا عليك فخلّه # و حذ العصا و اقعد على الأبواب‏

فجاء ابن البواب إلى إبراهيم جدّي فشكا أبي إليه فقال له: ما لك و له يا بنيّ؟فقال له أبي: تعرّض لي فأجبته، و إن كفّ لم أرجع إلى مساءته. فتتاركا.

يهوى جارية اسمها عبادة:

قال أحمد بن القاسم: أخبرني محمد بن الحسن بن الفضل قال: أخبرني: إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحيم قال:

كان بالكرخ نخّاس يكنى أبا عمير، و كان له جوار قيان لهنّ ظرف و أدب، و كان عبد اللّه بن محمد البواب يألف جارية منهنّ يقال لها: عبّادة، و يكثر غشيان منزل أبي عمير من أجلها، فضاق ضيقة شديدة، فانقطع عن ذلك، و كره أن يقصّر عما كان يستعمله من برّهم فتعلم بضيقته، ثم نازعته نفسه إلى لقائها و زيارتها، و صعب عليه الصبر عنها، فأتاه فأصاب في منزله جماعة ممن كان يألف جواريه، فرحّب به أبو عمير و الجارية و القوم جميعا، و استبطئوا [1]في هج: «و لا تحزنا» بدل «و لا تدخرا» .

[2]كذا في ف و في س، ب: الحسن بدل «الحسين» .

[3]في س، ب: «رجل فتى» .

[4]في: هج «و روح» بدل «و راح» .

34

زيارته، و عاتبوه على تأخره عنهم، فجعل يجمجم في عذره، و لا يصرّح، فأقام عندهم، فلما أخذ فيه النبيذ أنشأ يقول:

/

لو تشكّى أبو عمير قليلا # لأتيناه من طريق العياده

فقضينا من العيادة حقّا # و نظرنا في مقلتي عبّاده‏

فقال له أبو عمير: مالي و لك يا أخي؟انظر في مقلتي عبّادة متى شئت غير ممنوع، و دعني أنا في عافية، لا تتمنّ لي المرض لتعودني.

شعره في صديق مدمن:

و قال أحمد بن القاسم:

كان عبد اللّه بن إسماعيل بن عليّ بن ريطة يألف ابن البواب و يعاشره، فشرب عنده يوما حتى سكر و نام، فلما أفاق في السّحر أراد الانصراف، فحلف عليه و احتبسه، و كان عبد اللّه يهوى جارية له من جواري عمرو بن بانة، فبعث إلى عمرو بن بانة فدعاه/و سأله إحضار الجارية، فأحضرها، و انتبه عبد اللّه بن إسماعيل من نومه، و هو يتململ خمارا. فلما رآها نشط، و جلس فشرب، و تمّموا يومهم، فقال عبد اللّه بن محمد بن البواب في ذلك:

و كريم المجد محض أبوه # فهو الصفو اللّباب النّضار

هاشميّ لقروم إذا ما # أظلمت أوجه قوم أناروا

رمت القهوة بالنوم وهنا # عينه فالجفن فيه انكسار

فهو من طرف يفدّيك طورا # و يعاطيك اللواتي أداروا

ساعة ثم انثنى حين دبّت # و مشت فيه السّلاف العقار

و أبت عيني اغتماضا فلمّا # حان من أخرى النجوم انحدار

قلت: عبد اللّه حاذرت أمرا # ليس يغني خائفيه الحذار

فاستوى كالهندوائيّ لمّا # أن رأى أن ليس يغني الفرار

قلت: خذها مثل مصباح ليل # طيّرت في حافيته الشّرار

أقبلت قطرا نطافا و لما # يتعب العاصر منها اعتصار[1]

هي كالياقوت حمراء شيبت # و علا الحمرة منها اصفرار[2]

كالدنانير جرى في ذراها # فضة فالحسن منها قصار[3]

تنطق الخرس و بالصمت ترمي # معشرا نطقا إذا ما أحاروا

[1]كذا في ف و في س، ب: «فيها» بدل «منها» .

[2]كذا في ف و في س، ب: «شبت» بدل «شيبت» .

[3]قصار: غاية و نهاية.

35

يمدح المأمون:

قال أحمد: و حدّثني يعقوب بن العباس الهاشميّ أبو إسماعيل النقيب قال:

لما طال سخط المأمون على ابن البواب قال قصيدة يمدحه بها، و دسّ من غنّاه‏[1]/في بعضها، لما وجد منه نشاطا. فسأل من قائلها؟فأخبر به فرضي عنه، و ردّه إلى رسمه من الخدمة، و أنشدني أبو إسماعيل القصيدة، و هي قوله:

هل للمحبّ معين # إذ شطّ عنه القرين!

فليس يبكي لشجو الـ # حزين إلاّ الحزين

يا ظاعنا غاب عنّا # غداة بان القطين

أبكى العيون و كانت # به تقرّ العيون

يا أيها المأمون الـ # مبارك الميمون‏[2]

/لقد صفت بك دنيا # للمسلمين و دين

عليك نور جلال # و نور ملك مبين

القول منك فعال # و الظنّ منك يقين

ما من يديك شمال # كلتا يديك يمين

كأنما أنت في الجو # د و التّقى هارون

من نال من كل فضل # ما ناله المأمون!

تألّف الناس منه # فضل و جود و لين

كالبدر يبدو عليه # سكينة و سكون

فالرزق من راحتيه # مقسّم مضمون

و كل خصلة فضل # كانت، فمنه تكون‏

/و الأبيات التي فيها الغناء المذكور آنفا أربعة أبيات، أنشدنيها الأخفش و هي قوله:

أفق أيها القلب المعذّب كم تصبو # فلا النأي عن سلماك يسلي و لا القرب

أقول غداة استخبرت ممّ علتي # من الحبّ كرب ليس يشبهه كرب

إذا أبصرتك العين من بعد غاية # فأدخلت شكا فيك أثبتك القلب

و لو أن ركبا يمموك لقادهم # نسيمك حتى يستدلّ بك الركب‏

[1]في س، ب: «من غنائه» .

[2]كذا بالأصول و التشعيث هنا يقتضي أن يكون البيت هكذا:

يا أيها المأمون # مبارك ميمون‏

. ـ

36

فقال الأخفش مثل هذا البيت الأخير قول الشاعر:

و استودعت نشرها الديار[1]فما # تزداد طيبا إلا على القدم‏

يخشى العين على ساقيه:

أخبرني الحسن بن يحيى عن حماد بن إسحاق: قال:

رأيت محمد بن عبد اللّه البواب و قد جاء إلى أبي مسلّما فاحتبسه، و رأيته و هو شيخ كبير، و كان ضخما طويلا عظيم الساقين كأنهما دنّان، و كان يشدّ في ساقيه خرزا أسود لئلا تصيبهما العين.

يملق فيغنيه أبو دلف:

و قال محمد بن القاسم: أملق عبد اللّه بن محمد البواب حين جفاه الخليفة، و علت سنّه عن‏[2]الخدمة، فرحل إلى أبي دلف القاسم بن عيسى، و مدحه بقصيدة، فوهب له ثلاثين ألف درهم، و عاد بها إلى بغداد، فما نفدت حتى مات و هي قوله:

طرقتك صائدة القلوب رباب # و نأت فليس لها إليك مآب

و تصرّمت منها العهود و غلّقت # من دون نيل طلابها الأبواب

/فلأصدفنّ عن الهوى و طلابه # فالحبّ فيه بليّة و عذاب

و أخصّ بالمدح المهذّب سيّدا # نفحاته للمجتدين رغاب‏[3]

و إلى أبي دلف رحلت مطيّتي # قد شفّها الإرقال و الإتعاب‏[4]

تعلو بنا قلل الجبال و دونها # مما هوت أهويّة و شعاب‏[5]

فإذا حللت لدى الأمير بأرضه # نلت المنى و تقضّت الآراب

ملك تأثّل عن أبيه و جدّه # مجدا يقصّر دونه الطّلاب

/و إذا وزنت قديم ذي حسب به # خضعت لفضل قديمه الأحساب

قوم علوا أملاك كلّ قبيلة # فالناس كلّهم لهم أذناب‏[6]

ضربت عليه المكرمات قبابها # فعلا العمود و طالت الأطناب

عقم النساء بمثله و تعطّلت # من أن تضمّن مثله الأصلاب‏

[1]في ف: «الرياض» بدل «الديار» .

[2]في س، ب: «من» ، بدل «عن» .

[3]رغاب: جمع رغيبة، بمعنى واسعة.

[4]الإرقال: الإسراع.

[5]أهوية: هوة.

[6]كذا في ف، و في س، ب: له بدل «لهم» .

37
صوت‏

صغير هواك عذّبني # فكيف به إذا احتنكا

و أنت جمعت من قلبي # هوى قد كان مشتركا

و حبس هواك يقتلني # و قتلي لا يحلّ لكا[1]

أ ما ترثي لمكتئب # إذا ضحك الخليّ بكى‏

الشعر لمحمّد بن عبد الملك الزيات و الغناء لأبي حشيشة رمل بالوسطى عن الهشاميّ.

[1]في س، ب: «و حسن رضاك» .

38

4-أخبار محمد بن عبد الملك الزيات و نسبه‏

اسمه و نسبه:

هو محمد بن عبد الملك الزيات بن أبان بن أبي حمزة الزيات، و أصله من جبّل‏[1]و يكنى أبا جعفر. و كان أبوه تاجرا من تجار الكرخ المياسير، فكان يحثّه على التجارة و ملازمتها، فيأبى إلا الكتابة و طلبها، و قصد المعالي، حتى بلغ منها أن وزر ثلاث دفعات، و هو أوّل من تولى ذلك و تمّ له.

أخبرني الأخفش عليّ بن سليمان قال: حدّثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال:

كان جدّي موسرا من تجار الكرخ، و كان يريد من أبي أن يتعلّق بالتجارة، و يتشاغل بها، فيمتنع من ذلك و يلزم الأدب و طلبه، و يخالط[2]الكتاب، و يلازم الدّواوين، فقال له ذات يوم: و اللّه ما أرى ما أنت ملازمه ينفعك؛ و ليضرّنّك؛ لأنك تدع عاجل المنفعة، و ما أنت فيه مكفيّ، و لك و لأبيك فيه مال و جاه، و تطلب الآجل الذي لا تدري كيف تكون فيه. فقال: و اللّه لتعلمنّ أيّنا ينتفع بما هو فيه؛ أ أنا أم أنت؟ثم شخص إلى الحسن بن سهل بفم الصّلح‏[3]، فامتدحه بقصيدته التي أولها:

كأنها حين تناءى خطوها # أخنس موشيّ الشّوى يرعى القلل‏[4]

فأعطاه عشرة آلاف درهم، فعاد بها إلى أبيه، فقال له أبوه: لا ألومك بعدها. على ما أنت فيه.

دخوله على الحسن بن سهل:

أخبرني جحظة و الصّوليّ، قالا: حدّثنا ميمون بن هارون: قال:

لما مدح محمد بن عبد الملك الحسن بن سهل، و وصله بعشرة آلاف درهم مثل بين يديه و قال له:

لم أمتدحك رجاء المال أطلبه # لكن لتلبسني التّحجيل و الغررا

و ليس ذلك إلا أنّني رجل # لا أطلب الورد حتى أعرف الصّدرا

و كان محمد بن عبد الملك شاعرا مجيدا، لا يقاس به أحد من الكتاب، و إن كان إبراهيم بن العباس مثله في ذلك، فإن إبراهيم مقلّ و صاحب قصار و مقطّعات، و كان محمد شاعرا يطيل فيجيد، و يأتي بالقصار فيجيد، و كان بليغا حسن اللفظ إذا تكلّم و إذا كتب.

[1]جبل: قرية مقابلة لقرية دسكرة غربي بغداد.

[2]في س، ب: «يخاطب» . بدل «يخالط» .

[3]فم الصلح: موضع على نهر الصلح و هو نهر كبير فوق واسط، بينها و بين جبل عليه عدة قرى. و الصلح كانت دار الحسن بن سهل.

[4]أخنس: ثور وحشي، و موشي الشوي: ملون الأطراف.

39

ينصف خصمه من نفسه:

فحدّثني/عمي رحمه اللّه قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال:

جلس أبي يوما للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا، فقال له: أ لك حاجة؟قال: نعم تدنيني إليك؛ فإني مظلوم. فأدناه، فقال: إني مظلوم، و قد أعوزني الإنصاف، قال: و من ظلمك؟قال: أنت، و لست أصل إليك؛ فأذكر حاجتي؟قال: و من يحجبك عني و قد ترى مجلسي مبذولا؟قال: يحجبني عنك هيبتي لك و طول لسانك؛ و فصاحتك، و اطراد حجتك، قال: ففيم ظلمتك؟قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصبا بغير ثمن، فإذا وجب عليها خراج أدّيته باسمي لئلا يثبت لك اسم‏[1]بملكها، فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلّتها، و أنا أؤدي خراجها، و هذا مما لم يسمع في الظلم مثله، فقال محمد: هذا قول تحتاج عليه إلى بيّنة و شهود و أشياء، فقال له الرجل: أ يؤمنني الوزير من غضبه، حتى أجيب؟قال: قد أمّنتك، /قال: البينة هم الشهود، و إذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شي‏ء، فما معنى قولك: بيّنة و شهود و أشياء، أيش هذه الأشياء إلاّ العيّ و الحصر و التغطرس؟[2] فضحك، و قال: صدقت، و البلاء موكّل بالمنطق، و إني لأرى فيك مصطنعا، ثم وقّع له بردّ ضيعته و بأن يطلق له كرّ حنطة[3]و كر شعير و مائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته، و صيّره من أصحابه، و اصطنعه.

يهدد إبراهيم بن المهدي:

أخبرني الصّوليّ: قال: حدّثني أحمد بن محمد الطالقانيّ‏[4]قال: حدّثني عبيد اللّه بن محمد بن عبد الملك قال:

لمّا وثب إبراهيم بن المهديّ على الخلافة، اقترض من مياسير التّجّار مالا، فأخذ من جدّي عبد الملك عشرة آلاف درهم‏[5]، و قال له: أنا أردّها إذا جاءني مال، و لم يتم أمره فاستخفى، ثم ظهر و رضي عنه المأمون، فطالبه الناس بأموالهم، فقال: إنما أخذتها للمسلمين، و أردت قضاءها من فيئهم، و الأمر الآن إلى غيري، فعمل أبي محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب فيها المأمون، و مضى بها إلى إبراهيم بن المهديّ، فأقرأه‏[6]إياها و قال: و اللّه لئن لم تعطني المال الذي اقترضته من أبي لأوصلنّ هذه القصيدة إلى المأمون، فخاف أن يقرأها المأمون، فيتدبّر ما قاله، فيوقع به، فقال له: خذ مني بعض المال، و نجّم عليّ بضعه، ففعل أبي ذلك بعد أن حلّفه إبراهيم بأوكد الأيمان ألاّ يظهر القصيدة في حياة المأمون، فوفّى له أبي بذلك، و وفّى إبراهيم بأداء المال كله.

و القصيدة قوله:

/

أ لم تر أن الشي‏ء للشي‏ء علّة # تكون له كالنار تقدح بالزّند

[1]كذا في ف و «الديوان» و في س، ب: «اسم في ملكها» .

[2]التغطرس: التعامي عن الشي‏ء.

[3]كر حنطة: أربعون أردبا.

[4]الطالقاني نسبة إلى طالقان، و هي بلدتان إحداهما بخراسان بين مرو الروز و بلخ، و الأخرى بين قزوين و أبهر، و ضبطها ياقوت بفتح اللام.

[5]في ف: «دينار» .

[6]في س، ب: «فأقرأها» إياه.

40

كذلك جرّبت الأمور و إنما # يدلّك ما قد كان قبل على البعد

و ظنّي بإبراهيم أنّ مكانه # سيبعث يوما مثل أيامه النّكد[1]

رأيت حسينا حين صار محمد # بغير أمان في يديه و لا عقد[2]

فلو كان أمضى السيف فيه بضربة # فصيّره بالقاع منعفر الخدّ

إذا لم تكن للجند فيه بقية # فقد كان ما خبّرت من خبر الجند

هم قتلوه بعد أن قتلوا له # ثلاثين ألفا من كهول و من مرد

و ما نصروه عن يد سلفت له # و لا قتلوه يوم ذلك عن حقد

/و لكنه الغدر الصّراح و خفة الـ # حلوم و بعد الرأي عن سنن القصد

فذلك يوم كان للناس عبرة # سيبقى بقاء الوحي في الحجر الصّلد[3]

و ما يوم إبراهيم إن طال عمره # بأبعد في المكروه من يومه عندي

تذكّر أمير المؤمنين مقامه # و أيمانه في الهزل منه و في الجدّ

أما و الذي أمسيت عبدا خليفة # له شرّ أيمان الخليفة و العبد

إذا هزّ أعواد المنابر باسته # تغنّى بليلى أو بميّة أو هند

فو اللّه ما من توبة نزعت به # إليك و لا ميل إليك و لا ودّ

/و لكنّ إخلاص الضمير مقرّب # إلى اللّه زلفى لا تخيب و لا تكدي

أتاك بها طوعا إليك بأنفه # على رغمه و استأثر اللّه بالحمد

فلا تتركن للناس موضع شبهة # فإنك مجزيّ بحسب الذي تسدي

فقد غلطوا للناس في نصب مثله # و من ليس للمنصور بابن و لا المهدي‏[4]

فكيف بمن قد بايع الناس و التقت # ببيعته الركبان غورا إلى نجد

و من سكّ تسليم الخلافة سمعه # ينادى به بين السّماطين من بعد

و أي امرئ سمّى بها قطّ نفسه # ففارقها حتى يغيّب في اللّحد

و تزعم هذي النابتيّة أنّه # إمام لها فيما تسرّ و ما تبدي‏[5]

يقولون سنّيّ و أيّة سنّة # تقوم بجون اللون صعل القفا جعد[6]

[1]النكد: المشئومة، جمع أنكد.

[2]لعله يقصد بالحسين: والد طاهر بن الحسين الذي قتل الأمين.

[3]الوحي: الكتابة.

[4]في س، ب: «بالمنصور» .

[5]النابتية: أو النوابت-طائفة من الحشوية أحدثوا بدعا غريبة في الإسلام.

[6]كذا في ف و «الديوان» . و صعل القفا: كناية عن لؤم الحسب. و جعد: بخيل.

41

و قد جعلوا رخص الطعام بعهده # زعيما له باليمن و الكوكب السّعد

إذا ما رأوا يوما غلاء رأيتهم # يحنّون تحنانا إلى ذلك العهد

و إقباله في العيد يوجف حوله # و جيف الجياد و اصطفاق القنا الجرد[1]

و رجّالة يمشون بالبيض قبله # و قد تبعوه بالقضيب و بالبرد

/فإن قلت قد رام الخلافة غيره # فلم يؤت فيما كان حاول من جدّ

فلم أجزه إذ خيّب اللّه سعيه # على خطإ إذ كان منه و لا عمد[2]

و لم أرض بعد العفو حتّى رفعته # و للعمّ أولى بالتّعهّد و الرّفد[3]

فليس سواء خارجيّ رمى به # إليك سفاه الرأي و الرأي قد يردى

تعاوت له من كل أوب عصابة # متى يوردوا لا يصدروه عن الورد[4]

و من هو في بيت الخلافة تلتقي # به و بك الآباء في ذروة المجد

فمولاك مولاه و جندك جنده # و هل يجمع القين الحسامين في غمد؟

و قد رابني من أهل بيتك أنّني # رأيت لهم وجدا به أيّما وجد

يقولون لا تبعد من ابن ملمّة # صبور عليها النفس ذي مرّة جلد

فدانا و هانت نفسه دون ملكنا # عليه لذي الحال التي قلّ من يفدي‏[5]

على حين أعطى الناس صفق‏[6]أكفّهم # عليّ بن موسى بالولاية و العهد

/فما كان فينا من أبى الضّيم غيره # كريم كفى ما في القبول و في الرّدّ

و جرّد إبراهيم للموت نفسه # و أبدى سلاحا فوق ذي ميعة نهد[7]

و أبلى و من يبلغ من الأمر جهده # فليس بمذموم و إن كان لم يجد

فهذي أمور قد يخاف ذوو النهى # مغبّتها و اللّه يهديك للرشد

يزري بيحيى بن خاقان:

أخبرني الصوليّ، قال: حدّثني عبد اللّه بن الحسين القطربليّ، عن جعفر بن محمد بن خلف قال:

قال لي المعلّى بن أيوب: كيف كان محلّ يحيى بن خاقان عند محمد بن عبد الملك و مقداره؟فقلت له:

[1]يوجف حوله: يسرع، و في ف و «الديوان» «اصطكاك» : بدل «اصطفاق» و هما بمعنى واحد، و هو اهتزاز و تحرك.

[2]كذا في ف و في س، ب و «الديوان» : «على عمد» .

[3]في هج، هد «و لم أر» بدل «و لم أرض» و في «الديوان» هج: «رفدته» بدل «رفعته» .

[4]كذا في ف و «الديوان» و معناه اجتمعوا و في س، ب «تعادت» بدل «تعاوت» .

[5]في «الديوان» : «عليه على الحين الذي قل من يفدي» .

[6]ف: «صفو» .

[7]ذو ميعة: أول جري الفرس و نشاطه. نهد: جسيم مشرف.

42

سمعت محمدا يذكره، فقال: هو مهزول الألفاظ، عليل المعاني سخيف العقل، ضعيف العقدة[1]، واهي العزم مأفون الرأي.

لا يلبس القباء:

قال عبد اللّه:

و لما تولى محمد بن عبد الملك الوزارة، اشترط ألاّ يلبس القباء، و أن يلبس الدّرّاعة[2]و يتقلّد عليها سيفا بحمائل، فأجيب إلى ذلك.

من لا يرحم لا يرحم:

أخبرني الصوليّ، قال: حدّثني أبو ذكوان، قال: حدّثني طمّاس، قال ميمون بن هارون:

كان محمد بن عبد الملك، يقول: الرّحمة خور في الطبيعة، و ضعف في المنّة، ما رحمت شيئا قط. فكانوا يطعنون عليه في دينه بهذا القول، فلما وضع في الثّقل‏[3]و الحديد قال: ارحموني، فقالوا له: و هل رحمت شيئا قطّ فترحم!هذه شهادتك على نفسك و حكمك عليها.

أخبرني الصوليّ: قال: حدّثني أبو ذكوان، قال: حدّثني طماس، قال:

جاء أبو دنقش الحاجب إلى محمد بن عبد الملك برسالة من المعتصم ليحضر، فدخل ليلبس ثيابه، و رأى ابن دنقش الحاجب غلمانا لهم روقة[4]فقال: و هو يظنّ أنه لا يسمع:

و على اللواط فلا تلومن كاتبا # إن اللّواط سجيّة الكتّاب‏

فقال محمد له:

و كما اللواط سجية الكتّاب # فكذا الحلاق سجيّة الحجّاب‏[5]

لا اعتذار مع القصاص:

فاستحيا ابن دنقش، و اعتذر إليه، فقال له: إنما يقع العذر لو لم يقع الاقتصاص فأما و قد كافأتك فلا.

يرثي سكرانة:

أخبرني الصوليّ، قال: حدّثني محمد بن موسى، قال:

أنشدني الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك أبياتا، يرثي بها سكرانة أمّ ابنه عمر، و جعل الحسن يتعجب من جودتها، و يقول:

[1]العقدة: الولاية.

[2]الدراعة: ثوب كالجبة مشقوق المقدم يعمل من الصوف خاصة.

[3]في هج، هد «في النثور و الحديد» بدل «في الثقل و الحديد» .

[4]غلمان لهم روقة: حسان، جمع رائق.

[5]الحلاق: داء الأبنة.

43

يقول لي الخلاّن لو زرت قبرها # فقلت: و هل غير الفؤاد لها قبر

على حين لم أحدث فأجهل قدرها # و لم أبلغ السنّ التي معها الصبر

اعتذاره إلى عبد اللّه بن طاهر:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدّثني عبد الرحمن بن سعيد الأزرقيّ، قال: استبطأ عبد اللّه بن طاهر محمد بن عبد الملك في بعض أموره، و اتّهمه بعدوله عن شي‏ء أراده إلى سواه، فكتب إليه محمد بن عبد الملك يعتذر من ذلك، و كتب في آخر كتابه يقول:

أ تزعم أنني أهوى خليلا # سواك على التّداني و البعاد

جحدت إذا موالاتي عليّا # و قلت بأنني مولى زياد

واحدة بواحدة:

قرأت في بعض الكتب:

كان عبد اللّه بن الحسن الأصبهانيّ يخلف عمرو بن مسعدة على ديوان الرسائل، فكتب إلى خالد بن يزيد بن مزيد: إن المعتصم أمير المؤمنين ينفخ منك/في غير فحم، و يخاطب امرأ غير ذي فهم، فقال محمد بن عبد الملك: هذا كلام ساقط سخيف؛ جعل أمير المؤمنين ينفخ بالزّق كأنه حدّاد، و أبطل الكتاب ثم كتب /محمد بن عبد الملك إلى عبد اللّه بن طاهر: و أنت تجري أمرك على الأربح فالأربح، و الأرجح فالأرجح، لا تسعى‏[1]بنقصان، و لا تميل برجحان، فقال عبد اللّه الأصبهانيّ: الحمد للّه، قد أظهر من سخافة اللفظ ما دل على رجوعه إلى صناعته من التجارة بذكره ربح السّلع، و رجحان الميزان، و نقصان الكيل، و الخسران من رأس المال.

فضحك المعتصم، و قال: ما أسرع ما انتصف الأصبهانيّ من محمد، و حقدها عليه ابن الزيات، حتى نكبه.

أ دعاء له أم عليه:

أخبرني الأخفش عن المبرّد قال:

نظر رجل كان يعادى يونس النحوي إليه و هو يهادى‏[2]بين اثنين من الكبر، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، أبلغت ما أرى؟فعلم يونس أنه قال له ذلك شامتا، فقال: هذا الذي كنت أرجو فلا بلغته، فأخذه محمد بن عبد الملك الزيّات: فجعله في شعر فقال:

و عائب عابني بشيب # لم يعد لمّا ألمّ وقته

فقلت إذ عابني بشيبي: # يا عائب الشيب لا بلغته‏

منديل تحت عمامة:

و ذكر أبو مروان الخزاعيّ‏[3]أن أبا دهمان المغنّي سرق من محمد بن عبد الملك منديلا دبقيّا[4]فجعله تحت عمامته، و بلغ محمدا، فقال فيه:

[1]في م، أ، تشعر بدل «تسعى» .

[2]في هج «يتهادى» بدل «يهادى» .

[3]ف: «الخرائطي» .

[4]دبقيا: نسبة إلى دبيق كأمير، قرية كانت بين الفرما و تنيس من أعمال مصر مشهورة بالثياب الدبقية، و هي ثياب دقيقة تكور عمائم،

44

و نديم سارق خاتلني # و هو عندي غير مذموم الخلق

ضاعف الكور على هامته # و طوى منديلنا طيّ الخرق

يا أبا دهمان لو جاملتنا # لكفيناك مئونات السّرق‏

ترجوه فتحرمه:

أخبرنا أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني، قال:

كنت عند أبي الحسين بن أبي البغل لما انصرف عن بغداد بعد إشخاصه إليها للوزارة و بطلان ما نذره من ذلك و رجوعه، فجعل يحدّثنا بخبره، ثم قال: للّه درّ محمد بن عبد الملك الزيات حيث‏[1]يقول:

ما أعجب الشي‏ء ترجوه فتحرمه # قد كنت أحسب أنّي قد ملأت يدي

ما لي إذا غبت لم أذكر بصالحة # و إن مرضت فطال السّقم لم أعد[2]

يتبادلان المدح:

أخبرني الصوليّ، قال: حدّثني عون بن محمد الكنديّ، قال: حدّثني عبد اللّه بن العباس بن الفضل بن الربيع، قال:

وصفني محمد بن عبد الملك للمعتصم، و قال: ما له نظير في ملاحة الشعر و الغناء و العلم بأمور الملوك، فلقيته فشكرته، و قلت: جعلت فداءك!أتصف شعري و أنت أشعر الناس؟أ لست القائل:

أ لم تعجب لمكتئب حزين # خدين صبابة و حليف صبر

يقول-إذا سألت به-: بخير # و كيف يكون مهجور بخير؟

قال: و أين هذا، من قولك؟

يقول لي كيف أصبـ # حت كيف يصبح مثلي‏

ماء و لا كصدّاء[3]، و مرعى و لا كالسّعدان‏[4].

لا ينتصف من ساقط أحمق:

أخبرني الصوليّ، قال: حدّثني عون بن محمد: قال: لقي الكنجيّ‏[5]محمد بن عبد الملك فسلّم عليه فلم يجبه، فقال الكنجيّ:

و قد ترقم بأسلاك الذهب.

[1]في م، أ: «حين» بدل «حيث» .

[2]في هد، هج «بواحدة» بدل «بصالحة» .

[3]صداء: ركية ما عندهم أعذب منها.

[4]السعدان: نبت من أفضل ما يرعى.

[5]ب، س: «الكتنبجي» .

45

/

هذا و أنت ابن زيات تصغّرنا # فكيف لو كنت يا هذا ابن عطّار؟

فبلغ ذلك محمدا، فقال: كيف ينتصف من ساقط أحمق، وضعه رفعه، و عقابه ثوابه.

أضيع ميتة:

أخبرني الصوليّ، قال: أخبرني عبد اللّه بن محمد الأزديّ، قال: حدّثني يعقوب بن التّمار، قال:

قال محمد بن عبد الملك لبعض أصحابه: ما أخّرك عنا؟قال: موت أخي، قال: بأيّ علة؟قال: عضّت إصبعه فأرة، فضربته الحمرة[1]، فقال محمد: ما يرد القيامة شهيد أخسّ سببا، و لا أنذل‏[2]قاتلا، و لا أضيع ميتة، و لا أظرف قتلة من أخيك.

خمسون بيتا في بيت:

أخبرني عمي عن أبي العيناء، قال:

كان محمد بن عبد الملك يعادي أحمد بن أبي دواد، و يهجوه، فكان أحمد يجمع الشعراء، و يحرّضهم على هجائه و يصلهم، ثم قال فيه أحمد بيتين، كانا أجود ما هجي به، و هما:

أحسن من خمسين بيتا سدى # جمعك إيّاهنّ في بيت

ما أحوج الناس إلى مطرة # تذهب عنهم وضر الزيت‏[3]

و كان ابن أبي دواد يقول: ليس أحد من العرب إلا و هو يقدر على قول الشعر، طبعا ركّب فيهم، قلّ قوله أو كثر.

أبو تمام يمدحه:

أخبرنا الصوليّ، قال: حدّثنا محمد بن موسى عن الحسن بن وهب، قال:

أنشد أبو تمام محمد بن عبد الملك قصيدته التي يقول فيها:

لهان علينا أن نقول و تفعلا[4]

فأثابه عليها و وقّع عليه:

رأيتك سهل البيع سمحا و إنما # يغالى إذا ما ضنّ بالشي‏ء بائعه

فأما الذي هانت بضائع بيعه # فيوشك أن تبقى عليه بضائعه‏

[1]الحمرة: ورم من جنس الطواعين ينشأ عن اتساخ جرح.

[2]كذا في ف، م، أ، و في س، ب: «أنزل» بدل «أنذل» .

[3]رواية البغدادي في «الخزانة» :

أحسن من تسعين بيتا سدى # جمعك معناهن في بيت

ما أحوج الملك إلى مطرة # تغسل عنه وضر الزيت‏

[4]عجزه:

و نذكر بعض الفضل منك فتفضلا

ـ

46

هو الماء إن أجممته طاب ورده # و يفسد منه أن تباح شرائعه‏

فأجابه أبو تمام و قال:

أبا جعفر إن كنت أصبحت شاعرا # أسامح في بيعي له من أبايعه

فقد كنت قبلي شاعرا تاجرا به # تساهل من عادت عليك منافعه

فصرت وزيرا و الوزارة مكرع # يغصّ به بعد اللذاذة كارعه

و كم من وزير قد رأينا مسلّطا # فعاد و قد سدّت عليه مطالعه

و للّه قوس لا تطيش سهامها # و للّه سيف لا تفلّ مقاطعه‏

راشد الكاتب يطلب منه هدية:

حدّثني الصّوليّ، قال: حدّثني محمد بن يحيى بن عباد، قال: حدّثني أبي، قال:

حجّ محمد بن عبد الملك في آخر أيام المأمون، فلما قدم كتب إليه راشد الكاتب قوله:

لا تنس عهدي و لا مودّتيه # و اشتق إلى طلعتي و رؤيتيه

/[1]إن غبت عنا فلم تغب كثرة الـ # ذكر فلا تغفلن هديتيه

التّمر و النقل و المساويك و القسـ # ب و خير النعال حسن شيه‏[1]

فإن تجاوزت ما أقول إلى العصـ # ب فذاك المأمول منك ليه‏[2]

فأجابه محمد بن عبد الملك:

إنك منّي بحيث يطّرد النا # ظر من تحت ماء دمعتيه‏[3]

و لا و من زادني تودّده # على صحابي بفضل غيبتيه

ما أحسن الترك و الخلاف لما # تريد مني و ما تقول ليه

/يا بأبي أنت ما نسيتك في # يوم دعائي و لا هديّتيه

ناجيت بالذكر و الدّعاء لك الـ # لّه لدى البيت رافعا يديه

حتى إذا ما ظننت بالملك القـ # ادر أن قد أجاب دعوتيه

قمت إلى موضع النعال و قد # أقمت عشرين صاحبا معيه

و قلت لي صاحب أريد له # نعلا و لو من جلود راحتيه

فانقطع القول عند واحدة # قال الذي اختار يا بشارتيه‏

(1-1) التكملة من هد، هج.

[2]العصب: ضرب من البرود.

[3]كذا بالنسخ و في «الديوان» نقلا عن «طبقات الشعراء» و لابن المعترض «يطرف» .

47

فقلت عندي لك البشارة # و الشّكر و قلاّ في جنب حاجتيه

ثم تخيّرت بعد ذاك من العصـ # ب اليماني بفضل خبرتيه

موشيّة لم أزل ببائعها # أرغب حتى زها عليّ بيه

/يرفع في سومه و أرغبه # حتى التقى زهده و رغبتيه

و قد أتاك الذي أمرت به # فاعذر بكثر الإنعام قلّتيه‏

المعتصم يأخذ برذونه فيقول في ذلك شعرا:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد المبرّد، قال:

كان لمحمد بن عبد الملك برذون أشهب لم ير مثله فراهة و حسنا، فسعى به محمد بن خالد حيلويه إلى المعتصم، و وصف له فراهته‏[1]، فبعث المعتصم إليه فأخذه منه، فقال محمد بن عبد الملك يرثيه:

كيف العزاء و قد مضى لسبيله # عنا فودّعنا الأحمّ الأشهب![2]

دبّ الوشاة فأبعدوك و ربّما # بعد الفتى و هو الأحبّ الأقرب

للّه يوم نأيت عنّي ظاعنا # و سلبت قربك أيّ علق أسلب

نفس مفرقة أقام فريقها # و مضى لطيّته فريق يجنب

فالآن إذ كملت أداتك كلّها # و دعا العيون إليك لون معجب

و اختير من سرّ الحدائد خيرها # لك خالصا و من الحليّ الأغرب

و غدوت طنّان اللّجام كأنما # في كل عضو منك صنج يضرب

و كأنّ سرجك إذ علاك غمامة # و كأنما تحت الغمامة كوكب

و رأى عليّ بك الصديق جلالة # و غدا العدوّ و صدره يتلهّب

أنساك لا زالت إذا منسيّة # نفسي و لا زالت يميني تنكب‏[3]

/أضمرت منك اليأس حين رأيتني # و قوى حبالي من قواك تقضّب

و رجعت حين رجعت منك بحسرة # للّه ما فعل الأصمّ الأشيب‏[4]

ناظر له ناظر:

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان-رضوان اللّه عليه-قال: حدّثني محمد بن ناصح رحمة اللّه عليه، قال:

[1]فراهته: حسنه و نشاطه.

[2]الأحم الأشهب: الأسود.

[3]كذا في ف و «الديوان» . و في سائر النسخ «منيته» و في هج‏

«بمثلك تنكب»

.

[4]كذا في ف و «الديوان» و في سائر النسخ:

الأحم الأشيب‏

، و المراد به ذم محمد بن خالد.

48

لحقت غلاّت أهل البتّ‏[1]آفة في أيام محمد بن عبد الملك من جراد و عطش، فتظلّم‏[2]إليه جماعة منهم، فوجّه ببعض أصحابه ناظرا في أمرهم، و كان في بصره ضعف، فكتب إليه محمد بن عليّ البتّي:

أتيت أمرا يا أبا جعفر # لم يأته برّ و لا فاجر

/أغثت أهل البتّ إذ أهلكوا # بناظر ليس له ناظر

فبلغه، فضحك و ردّ الناظر و وقّع لهم بما سألوا بغير نظر.

مساجلة بينه و بين علي بن جبلة:

أخبرني الصوليّ رضي اللّه عنه قال: حدّثني محمد بن يحيى بن أبي عبّاد عن أبيه رضي اللّه عنهما قال:

قال عليّ بن جبلة يهجو محمد بن عبد الملك الزيات، و كان قد قصد أبا دلف القاسم بن عيسى في بعض أمره:

يا بائع الزيت عرّج غير مرموق # لتشغلنّ عن الأرطال و السوق

من رام شتمك لم ينزع إلى كذب # في منتماك و أبداه بتحقيق

أبوك عبد و للأمّ التي فلقت # عن أمّ رأسك هنّ غير محلوق

/إن أنت عدّدت أصلا لا تسبّ به # يوما فأمّك مني ذات تطليق

و لن تطيق بحول أن تزيل شجا # أثبتّه منك في مستنزل الرّيق

اللّه أنشاك من نوك و من كذب # لا تعطفنّ إلى لؤم لمخلوق

ما ذا يقول امرؤ غشّاك مدحته # إلا ابن زانية أو فرخ زنديق؟

فأجابه محمد:

اشمخ بأنفك يا ذا السيّئ الأدب # ما شئت و اضرب قذال الأرض بالذنب

و ارفع بصوتك تدعو من بذي عدن # و من بقالي قلا بالويل و الحرب‏[3]

ما أنت إلا امرؤ أعطى بلاغته # فضل العذار و لم يربع على أدب‏[4]

فاجمح لعلّك يوما أن تعضّ على # لجم دلاصيّة تثنيك من كثب‏[5]

إنّي اعتذرت فما أحسنت تسمع من # عذري و من قبل ما أحسنت في الطّلب

صبرا أبا دلف في كل قافية # كالقدر وقفا على الجارات بالعقب‏[6]

[1]البت: قرية من أعمال بغداد قريبة من راذان.

[2]كذا في ف و في سائر النسخ «تكلم» .

[3]قالي قلا: مدينة بأرمينية من نواحي خلاط، بلد أبي علي القالي صاحب «الأمالي» .

[4]يربع: يقف.

[5]لجم دلاصية: ملساء براقة.

[6]العقب: جمع عقبة: أي شي‏ء من المرق يرده مستعير القدر.

49

يا ربّ إن كان ما أنشأت من عرب # شروى أبي دلف فاسخط على العرب‏[1]

إنّ التعصّب أبدى منك داهية # كانت تحجّب دون الوهم بالحجب‏

فأجابه علي بن جبلة:

نبّهت عن سنة عينيك فاصطبر # و اسحب بذيلك هل تقفو على أثر؟[2]

/إن يرحض اللّه عني عار مطّلبي # إليك رفدا ألا فانجد به وغر[3]

إني و دعواك أن تأتي بمكرمة # كمنبض القوس عن سهم بلا وتر

فاردد جفونك حسرى عن أبي دلف # و لا ملامة أن تعشى عن القمر

لا يسخطنّ امرؤ إن ذلّ من حسب # فاللّه أنزله في محكم السّور

لم آت سوءا و لم أسخط على أحد # إلاّ على طلبي في مجتدى عسر[4]

أقصر أبا جعفر عن سطوة جمحت # إن لم تقصّر بها مالت إلى القصر

فأجابه محمد بن عبد الملك:

يا أيّها العائبي و لم ير لي # عيبا أ ما تنتهي فتزدجر!

هل لك وتر لديّ تطلبه # فأنت صلد ما فيك معتصر

/فالحمد و المجد و الثناء لنا # و للحسود التّراب و الحجر

و هي طويلة يقول فيها:

تعيش فينا و لا تلائمنا # كما تعيش الحمير و البقر

تغلي علينا الأشعار منك و ما # عندك نفع يرجّى و لا ضرر

فارس ذا الفارس:

أخبرني عمي-رحمه اللّه-قال: حدّثني عمر بن نصر الكاتب، قال: حدّثني عمي عليّ بن الحسن بن عبد الأعلى، قال محمد:

اجتاز بديع غلام عمير المأمونيّ بمحمد بن عبد الملك الزيات، و كان أحسن خلق اللّه وجها، و كان محمّد يحبّه و يجنّ به جنونا فقال:

راح علينا راكبا طرفه # أغيد مثل الرشأ الآنس

/قد لبس القرطق و استمسكت # كفّاه من ذي برق يابس‏[5]

[1]شروى: مثل، و في هج «من أنشأنا» بدل «ما أنشأت» .

[2]كذا في ف، و في س، ب: «نقفو» ، و معنى تقفو: تمحو.

[3]في س، ب: «مطلبتي» بدل «مطلبي» .

[4]اجتذاه: سأله حاجة، و المراد هنا سؤال صعب النوال.

[5]القرطق: القباء.

50

و قلّد السيف على غنجه # كأنه في وقعة الدّاحس

أقول لمّا أن بدا مقبلا # يا ليتني فارس ذا الفارس‏[1]

سماء تعوقني عن سماء:

أخبرني الأخفش، قال: حدّثني محمد بن يزيد قال:

دامت الأمطار بسرّ من رأى، فتأخّر الحسن بن وهب عن محمد بن عبد الملك الزيات، و هو يومئذ وزير، و الحسن يكتب له، فاستبطأه‏[2]محمد بن عبد الملك، فكتب إليه الحسن يقول:

أوجب العذر في تراخي اللقاء # ما توالى من هذه الأنواء

لست أدري ما ذا أقول و أشكو # من سماء تعوقني عن سماء

غير أني أدعو على تلك بالثّكـ # ل و أدعو لهذه بالبقاء

فلام الإله أهديه غضّا # لك مني يا سيّد الوزراء

مساجلة بينه و بين الحسن بن وهب:

أخبرني الصّوليّ، قال: حدّثنا محمد بن موسى، قال:

اعتلّ الحسن بن وهب، فتأخّر عن محمد بن عبد الملك أياما كثيرة، فلم يأته رسوله، و لا تعرّف خبره، فكتب إليه الحسن قوله:

أيّ هذا الوزير أيّدك اللّ # ه و أبقاك لي بقاء طويلا

أ جميلا تراه يا أكرم النا # س لكيما أراه أيضا جميلا

إنني قد أقمت عشرا عليلا # ما ترى مرسلا إليّ رسولا[3]

/إن يكن موجب التعمّد في الصّ # حّة منّا عليّ منك طويلا[4]

فهو أولى يا سيد الناس برّا # و افتقادا لمن يكون عليلا

فلما ذا تركتني عرضة الظّنّ # من الحاسدين جيلا فجيلا؟

أ لذنب فما علمت سوى الشكـ # ر قرينا لنيّتي و دخيلا؟

أم ملال، فما علمتك للصا # حب مثلي على الزمان ملولا؟

قد أتى اللّه بالشفاء فما أعـ # رف مما أنكرت إلا قليلا

و أكلت الدّرّاج و هو غذاء # أفلت علّتي عليه أفولا[5]

[1]في م، أ: «راكب» بدل «فارس» .

[2]ب، س: «فاستبطأ» .

[3]في هج: «شهرا» بدل «عشرا» .

[4]في م: «التعهد» بدل «التعمد» .

[5]الدراج: كرمان طائر من طير العراق أرقط، و في هج «الدجاج» بدل «الدراج» .

51

بعد ما كنت قد حملت من العلّ # ة عبثا على الطّباع ثقيلا

/و لعلّي قدمت قبلك آتيـ # ك غدا إن وجدت فيه سبيلا

فأجابه محمد بن عبد الملك:

دفع اللّه عنك نائبة الدّهـ # ر و حاشاك أن تكون عليلا

أشهد اللّه ما علمت و ما ذا # ك من العذر جائزا مقبولا

و لعمري أن لو علمت فلازمت # ك حولا لكان عندي قليلا

إنني أرتجي و إن لم يكن ما # كان مما نقمت إلا جليلا

أن أكون الذي إذا أضمر الإخـ # لاص لم يلتمس عليه كفيلا

ثم لا يبذل المودّة حتى # يجعل الجهد دونها مبذولا

فإذا قال كان ما قال إذ كا # ن بعيدا من طبعه أن يقولا

/فاجعلن لي إلى التعلّق بالعذ # ر سبيلا إن لم أجد لي سبيلا

فقديما ما جاد بالصفح و العف # و و ما سامح الخليل الخليلا

مساجلة أخرى بينهما:

قال: و كتب محمد بن عبد الملك إلى الحسن بن وهب و قد تأخّر عنه:

قالوا جفاك فلا عهد و لا خبر # ما ذا تراه دهاه قلت: أيلول‏[1]

شهر تجذّ حبال الوصل فيه فما # عقد من الوصل إلا و هو محلول‏

قال: و كان محمد قد ندبه لأن يخرج في أمر مهمّ فأجابه الحسن فقال:

إني بحول امرئ أعليت رتبته # فحظّه منك تعظيم و تبجيل

و أنت عدّته في نيل همّته # و أنت في كلّ ما يهواه مأمول

ما غالني عنك أيلول بلذّته # و طيبه و لنعم الشهر أيلول

الليل لا قصر فيه و لا طول # و الجو صاف و ظهر الكأس مرحول

و العود مستنطق عن كلّ معجبة # يضحي بها كلّ قلب و هو متبول‏[2]

لكن توقّع و شك البين عن بلد # تحلّه فوكاء العين محلول

مالي إذا شمّرت بي عنك مبتكرا # دهم البغال أو الهوج المراسيل‏[3]

إلا رعاياتك اللاّتي يعود بها # حدّ الحوادث عنّي و هو مفلول‏

[1]أيلول: شهر رومي يقابله «سبتمبر» من شهور الفرنجة.

[2]في هج: «في كل» بدل «عن كل» .

[3]المراسيل: جمع مرسال، و الهوج: جمع هوجاء، و المراد: الناقة المسرعة سهلة السير.

52

قال: و كان الحسن بن وهب يساير محمدا على مسنّاة[1]، فعدل عن المسنّاة لئلا/يضيق لمحمد الطريق، فظنّ محمد أنه أشفق على نفسه من المسنّاة، فعدل عنها، و لم يساعده على طريقه، و ظنّ بنفسه أن يصيبها ما يصيبه، فقال له محمد:

قد رأيناك إذ تركت المسنّا # ة و حاذيتني يسار الطريق

و لعمري ما ذاك منك و قد جدّ # بك الجدّ من فعال الشّفيق‏

ثم ساجلة ثالثة بينهما:

فقال له الحسن:

إن يكن خوفي الحتوف أراني # أن تراني مشبّها بالعقوق

فلقد جارت الظنون على المشـ # فق و الظّنّ مولع بالشفيق

/غرّر السيد الأجلّ و قد سا # ر على الحرف من يمين الطريق‏[2]

فأخذت الشّمال بقيا على السى # د إذ هالني سلوك المضيق

إنّ عندي مودّة لك حازت # ما حوى عاشق من المعشوق

طود عزّ خصصت منه ببرّ # صار قدري به مع العيّوق‏[3]

و بنفسي و إخوتي و أبي # البرّ و عمّي و أسرتي و صديقي

من إذا ما روّعت أمّن روعي # و إذا ما شرقت سوّغ ريقي‏

يمدح نفسه:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش و الصوليّ، قالا: حدّثنا المبرّد، قال:

استسقى الحسن بن وهب من محمد بن عبد الملك نبيذا ببلد الروم، و هو مع المعتصم فسقاه و كتب إليه:

لم تلق مثلي صاحبا # أبدى يدا و أعمّ جودا

/يسقي النديم بقفرة # لم يسق فيها الماء عودا

صفراء صافية كأنّ # بكأسها درّا نضيدا

و أجود حين أجود لا # حصرا بذاك و لا بليدا

و إذا استقلّ بشكرها # أوجبت بالشّكر المزيدا

خذها إليك كأنّما # كسيت زجاجتها عقودا

و اجعل عليك بأن تقو # م بشكرها أبدا عهودا

[1]مسناة: سد يعترض به الوادي.

[2]في س، ب: «عذر» بدل «غرر» و «الخوف» بدل «الحرف» .

[3]العيوق: نجم أحمر مضي‏ء في طرف المجرة الأيمن يتلو الثريا لا يتقدمها.

53

يوم سرور لا يكمل:

أخبرني‏[1]الصوليّ، قال: حدّثني أحمد بن محمد الأنصاريّ، قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك، قال:

دعا محمد بن عبد الملك قبل وزارته الحسن بن وهب في آخر أيام المأمون، فجاءه و دخلا حمّاما له، و أقاما على لهوهما، ثم طلب الحسن بن وهب لعمل احتيج فيه إليه، فمضى، و بطل يومهم‏[2]، فكتب الحسن إليه:

سقيا لنضر الوجه بسّامه # مهذّب الأخلاق قمقامه‏[3]

تكسبه شكرا على أنها # مطبقة السّنّ للوّامه‏[4]

زرناه في يوم علا قدره # من سائر الأيام في عامه

أسعده اللّه و أحظى به # و جاده الغيث بإرهامه‏[5]

فكان مسرورا بنا باذلا # لرحله الرحب و حمّامه

نخدمه و هو لنا خادم # بفضله من دون خدّامه

/ثم سقانا قهوة لم يدع # أطيب منها بقرى شامه

صهباء دلّت على دنّها # و حدّثت عن ضعف إسلامه‏[6]

فأجابه محمد بن عبد الملك رحمه اللّه تعالى:

و زائر لذّ لنا يومه # لو ساعد الدهر بإتمامه

ما ذا لقينا من دواوينه # و خطّه فيها بأقلامه؟

أسرّ ما كنّا فمن مازح # أو شارب قد عبّ في جامه

فارقنا فالنّفس مطروفة # بواكف الدّمع و سجّامه

و عاد بالمدح لنا منعما # به إلى سالف إنعامه

ليت-و أنّي لي بها منية- # لو كنت فيه بعض قوّامه

يشكر ما نال على أنه # لا يشكر الحرّ لحمّامه

أمسحه فيه و أدنو له # من خلفه طورا و قدّامه

جعلت نفسي جنّة للصّبا # و بعت إسلامي بإسلامه‏

[1]من أول هذا الخبر حتى آخر الترجمة ساقط من نسختي ب، س، و مه، و التكملة من. هج و هد.

[2]في هج «و بطل يومهما» بدل «و بطل يومهم» .

[3]القمقام-و يضم-السيد.

[4]فاعل تكسبه ضمير الأخلاق، و إطباق السن: كناية عن الصمت.

[5]الإرهام: الغيث.

[6]ذلك كناية عن عتقها.

54

فصار ما يشرب حلاله # و صرت مأخوذا بآثامه‏

وضعه في حديد ثقيل:

أخبرني الحسن بن القاسم الكاتب، قال: سمعت القاسم بن ثابت يحدّث عن أبيه، قال: قال أحمد الأحول:

لما قبض على محمد بن عبد الملك الزيات تلطّفت في الوصول إليه، فرأيته في حديد ثقيل، فقلت له: أعزز عليّ ما أرى، فقال:

سل ديار الحي ما غيّرها # و محاها و محا منظرها؟

/و هي اللاتي إذا ما انقلبت # صيّرت معروفها منكرها[1]

إنما الدنيا كظلّ زائل # نحمد اللّه كذا قدّرها

في هذه الأبيات رمل طنبوري لا أدري لمن هو؟ و مما يغنّى فيه من شعر محمد بن عبد الملك الزيات:

صوت‏

ظالمي ما علمته # معتد لا عدمته

مطمعي بالوصال مم # تنع حين رمته

مرصد بالخلاف و الـ # منع من حيث سمته‏[2]

هاجر إن وصلته # صابر إن صرمته

كم و كم قد طويت ما # بي و كم قد كتمته

ربّ همّ طويت فيـ # ك و غيظ كظمته‏[3]

و حياة سئمتها # و الهوى ما سئمته

رمت شيئا هويته # ليس لي ما حرمته

قال إذ صرّح البكا # ء بما قد سترته‏[4]

لو بكى طول دهره # بدم ما رحمته‏

الغناء لأبي العبيس بن حمدون خفيف ثقيل بالبنصر.

صوت‏

إذا أحببت لم أسل # و إن واصلت لم أقطع‏

[1]في هد

«و هي الدنيا»

بدل‏

«و هي اللاتي»

.

[2]أرصد له شيئا: أعده له.

[3]في هج‏

«طويت عنك»

بدل‏

«طويت فيك»

.

[4]في هج «كتمته» بدل «سترته» .