التفسير الكبير - ج8

- الفخر الرازي‏ المزيد...
358 /
185

الجزء الثامن‏

تتمة سورة آل عمران‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد و النبوّة، و صحة دين الإسلام، ثم قال لرسوله‏ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلََّهِ وَ مَنِ اِتَّبَعَنِ [آل عمران: 20]ثم ذكر من صفات المخالفين كفرهم باللّه، و قتلهم الأنبياء و الصالحين بغير حق، و ذكر شدة عنادهم و تمردهم في قوله‏ أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ [آل عمران: 23]ثم ذكر شدة غرورهم بقوله لَنْ تَمَسَّنَا اَلنََّارُ إِلاََّ أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ [آل عمران: 24]ثم ذكر وعيدهم بقوله فَكَيْفَ إِذََا جَمَعْنََاهُمْ لِيَوْمٍ لاََ رَيْبَ فِيهِ [آل عمران: 25]أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بدعاء و تمجيد يدل على مباينة طريقه و طريق أتباعه، لطريقة هؤلاء الكافرين المعاندين المعرضين، فقال معلماً نبيّه كيف يمجد و يعظم و يدعو و يطلب قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلف النحويون في قوله اَللََّهُمَّ فقال الخليل و سيبويه اَللََّهُمَّ معناه: يا اللّه، و الميم المشددة عوض من: يا، و قال الفرّاء: كان أصلها، يا اللّه أم بخير: فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء، و حذفوا الهمرة من: أم، فصار اَللََّهُمَّ و نظيره قول العرب: هلم، و الأصل: هل، فضم: أم إليها، حجة الأولين على فساد قول الفرّاء وجوه الأول: لو كان الأمر على ما قاله الفراء لما صحّ أن يقال: اللّهم افعل كذا إلا بحرف العطف، لأن التقدير: / يا اللّه أمنا و اغفر لنا، و لم نجد أحدا يذكر هذا الحرف العاطف و الثاني: و هو حجة الزجاج أنه لو كان الأمر كما قال، لجاز أن يتكلم به على أصله، فيقال (اللّه أم) كما يقال (و يلم) ثم يتكلم به على الأصل فيقال (ويل أمه) الثالث: لو كان الأمر على ما قاله الفراء لكان حرف النداء محذوفا، فكان يجوز أن يقال: يا اللّهم، فلما لم يكن هذا جائزاً علمنا فساد قول الفراء بل نقول: كان يجب أن يكون حرف النداء لازماً، كما يقال: يا اللّه اغفر لي، و أجاب الفراء عن هذه الوجوه، فقال: أما الأول فضعيف، لأن قوله (يا اللّه أم) معناه: يا اللّه اقصد، فلو قال: و اغفر لكان المعطوف مغايراً للمعطوف عليه فحينئذ يصير السؤال سؤالين أحدهما: قوله‏ فَآمَنََّا و الثاني: قوله فَاغْفِرْ لَنََا [البقرة: 286]أما إذا حذفنا العطف صار قوله: اغفر لنا تفسيراً لقوله: أمنا. فكان المطلوب في الحالين شيئاً واحداً فكان ذلك آكد، و نظائره كثيرة في القرآن، و أما الثاني فضعيف أيضاً، لأن أصله عندنا أن يقال: يا اللّه أمنا. و من الذي ينكر جواز التكلم بذلك، و أيضاً فلأن كثيراً من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة الفرع مقام الأصل، أ لا ترى أن مذهب الخليل و سيبويه أن قوله: ما أكرمه، معناه أي شي‏ء أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل‏

186

هذا الكلام الذي زعموا أنه الأصل في معرض التعجب فكذا هاهنا، و أما الثالث: فمن الذي سلم لكم أنه لا يجوز أن يقال: يا اللّهم و أنشد الفرّاء:

و أما عليك أن تقولي كلما # سبحت أو صليت يا اللّهما

و قول البصريين: إن هذا الشعر غير معروف، فحاصله تكذيب النقل، و لو فتحنا هذا الباب لم يبق شي‏ء من اللغة و النحو سليماً عن الطعن، و أما قوله: كان يلزم أن يكون ذكر حرف النداء لازماً فجوابه أنه قد يحذف حرف النداء كقوله‏ يُوسُفُ أَيُّهَا اَلصِّدِّيقُ أَفْتِنََا [يوسف: 46]فلا يبعد أن يختص هذا الاسم بإلزام هذا الحذف، ثم احتج الفراء على فساد قول البصريين من وجوه الأول: أنا لو جعلنا الميم قائماً مقام حرف النداء لكنا قد أخرنا النداء عن ذكر المنادى، و هذا غير جائز ألبتة، فإنه لا يقال ألبتة (اللّه يا) و على قولكم يكون الأمر كذلك الثاني: لو كان هذا الحرف قائماً مقام النداء لجاز مثله في سائر الأسماء، حتى يقال: زيدم و بكرم، كما يجوز أن يقال: يا زيد و يا بكر و الثالث: لو كان الميم بدلاً عن حرف النداء لما اجتمعا، لكنهما اجتمعا في الشعر الذي رويناه الرابع: لم نجد العرب يزيدون هذه الميم في الأسماء التامة لإفادة معنى بعض الحروف المباينة للكلمة الداخلة عليها، فكان المصير إليه في هذه اللفظة الواحدة حكماً على خلاف الاستقراء العام في اللغة و أنه غير جائز، فهذا جملة الكلام في هذا الموضع.

المسألة الثانية: مََالِكَ اَلْمُلْكِ في نصبه وجهان الأول: و هو قول سيبويه أنه منصوب على النداء، و كذلك قوله‏ قُلِ اَللََّهُمَّ فََاطِرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [الزمر: 46]و لا يجوز أن يكون نعتاً لقوله اَللََّهُمَّ لأن قولنا اَللََّهُمَّ مجموع الاسم و الحرف، و هذا المجموع لا يمكن وصفه و الثاني: و هو/قول المبرد و الزجاج أن مََالِكَ وصف للمنادى المفرد، لأن هذا الاسم و معه الميم بمنزلته و معه (يا) و لا يمتنع الصفة مع الميم، كما لا يمتنع مع الياء.

المسألة الثالثة:

روي أن النبي صلى اللّه عليه و سلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس و الروم، فقال المنافقون و اليهود:

هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس و الروم، و هم أعز و أمنع من ذلك،

و

روي أنه عليه الصلاة و السلام لما خط الخندق عام الأحزاب، و قطع لكل عشرة أربعين ذراعاً، و أخذوا يحفرون خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم فخبره، فأخذ المعول من سلمان فلما ضربها ضربة صدعها و برق منها برق أضاء ما بين لابتيها كأنه مصباح في جوف ليل مظلم، فكبّر و كبر المسلمون، و قال عليه الصلاة و السلام: «أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب» ثم ضرب الثانية، فقال: «أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم» ثم ضرب الثالثة فقال: «أضاءت لي منها قصور صنعاء و أخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا» فقال المنافقون: ألا تعجبون من نبيّكم يعدكم الباطل و يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة و مداين كسرى، و أنها تفتح لكم و أنتم تحفرون الخندق من الخوف لا تستطيعون أن تخرجوا فنزلت هذه الآية

و اللّه أعلم، و قال الحسن إن اللّه تعالى أمر نبيّه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس و الروم و يرد ذل العرب عليهما، و أمره بذلك دليل على أنه يستجيب له هذا الدعاء، و هكذا منازل الأنبياء عليهم الصلاة و السلام إذا أمروا بدعاء استجيب دعاءهم.

المسألة الرابعة: اَلْمُلْكِ هو القدرة، و المالك هو القادر، فقوله مََالِكَ اَلْمُلْكِ معناه القادر على القدرة، و المعنى إن قدرة الخلق على كل ما يقدرون عليه ليست بإقدار اللّه تعالى فهو الذي يقدر كل قادر على مقدوره،

187

و يملك كل مالك مملوكه، قال صاحب «الكشاف» مََالِكَ اَلْمُلْكِ أى يملك جنس الملك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، و اعلم أنه تعالى لما بيّن كونه مََالِكَ اَلْمُلْكِ على الإطلاق، فصل بعد ذلك و ذكر أنواعاً خمسة:

النوع الأول: قوله تعالى: تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشََاءُ و ذكروا فيه وجوهاً الأول: المراد منه: ملك النبوّة و الرسالة، كما قال تعالى: فَقَدْ آتَيْنََا آلَ إِبْرََاهِيمَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ آتَيْنََاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [النساء: 54]و النبوّة أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر عظيم على بواطن الخلق و الجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق و الأنبياء أمرهم نافذ في البواطن و الظواهر، فأما على البواطن فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم و شريعتهم، و أن يعتقد أنه هو الحق، و أما على الظواهر فلأنهم لو تمردوا و استكبروا لاستوجبوا القتل، و مما يؤكد هذا التأويل أن بعضهم كان يستبعد أن يجعل اللّه تعالى بشراً رسولاً فحكى اللّه عنهم قولهم‏ أَ بَعَثَ اَللََّهُ بَشَراً رَسُولاً [الإسراء: 94]و قال اللّه/تعالى: وَ لَوْ جَعَلْنََاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنََاهُ رَجُلاً [الأنعام: 9]و قوم آخرون جوزوا من اللّه تعالى أن يرسل رسولاً من البشر، إلا أنهم كانوا يقولون: إن محمداً فقير يتيم، فكيف يليق به هذا المنصب العظيم على ما حكى اللّه عنهم أنهم قالوا لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31]و أما اليهود فكانوا يقولون النبوّة كانت في آبائنا و أسلافنا، و أما قريش فهم ما كانوا أهل النبوّة و الكتاب فكيف يليق النبوّة بمحمد صلى اللّه عليه و سلم؟ و أما المنافقون فكانوا يحسدونه على النبوّة، على ما حكى اللّه ذلك عنهم في قوله‏ أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ عَلى‏ََ مََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 37].

و أيضاً فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَ تُحْشَرُونَ إِلى‏ََ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ اَلْمِهََادُ [آل عمران: 12]أن اليهود تكبروا على النبي صلى اللّه عليه و سلم بكثرة عددهم و سلاحهم و شدتهم، ثم إنه تعالى رد على جميع هؤلاء الطوائف بأن بيّن أنه سبحانه هو مالك الملك فيؤتي ملكه من يشاء، فقال تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشََاءُ .

فإن قيل: فإذا حملتم قوله تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ على إيتاء ملك النبوّة، وجب أن تحملوا قوله وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشََاءُ على أنه قد يعزل عن النبوّة من جعله نبياً، و معلوم أن ذلك لا يجوز.

قلنا: الجواب من وجهين الأول: أن اللّه تعالى إذا جعل النبوّة في نسل رجل، فإذا أخرجها اللّه من نسله، و شرّف بها إنساناً آخر من غير ذلك النسل، صح أن يقال إنه تعالى نزعها منهم، و اليهود كانوا معتقدين أن النبوّة لا بد و أن تكون في بني إسرائيل، فلما شرف اللّه تعالى محمداً صلى اللّه عليه و سلم بها، صح أن يقال: إنه ينزع ملك النبوّة من بني إسرائيل إلى العرب.

و الجواب الثاني: أن يكون المراد من قوله وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشََاءُ أي تحرمهم و لا تعطيهم هذا الملك لا على معنى أنه يسلبه ذلك بعد أن أعطاه، و نظيره قوله تعالى: اَللََّهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ [البقرة: 257]مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط، و قال اللّه تعالى مخبراً عن الكفار أنهم قالوا للأنبياء عليهم الصلاة و السلام‏ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنََا* [الأعراف: 88]و أولئك الأنبياء قالوا وَ مََا يَكُونُ لَنََا أَنْ نَعُودَ فِيهََا إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ [الأعراف: 89]مع أنهم ما كانوا فيها قط، فهذا جملة الكلام في تقرير قول من فسّر قوله تعالى: تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ بملك النبوة.

188

القول الثاني: أن يكون المراد من الملك، ما يسمى ملكاً في العرف، و هو عبارة عن مجموع أشياء أحدها:

تكثير المال و الجاه، أما تكثير المال فيدخل فيه ملك الصامت و الناطق و الدور و الضياع، و الحرث، و النسل، و أما تكثير الجاه فهو أن يكون مهيبا عند الناس، مقبول القول، مطاعا في الخلق و الثاني: أن يكون بحيث يجب على غيره أن يكون في طاعته، و تحت أمره و نهيه و الثالث: أن يكون بحيث لو نازعه في ملكه أحد، قدر على قهر ذلك المنازع، و على غلبته، و معلوم أن كل ذلك لا يحصل إلا من اللّه تعالى، أما تكثير المال فقد نرى جمعاً في غاية الكياسة لا يحصل لهم/مع الكد الشديد، و العناء العظيم قليل من المال، و نرى الأبله الغافل قد يحصل له من الأموال ما لا يعلم كميته، و أما الجاه فالأمر أظهر، فإنا رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال العظيمة لأجل الجاه، و كانوا كل يوم أكثر حقارة و مهانة في أعين الرعية، و قد يكون على العكس من ذلك و هو أن يكون الإنسان معظماً في العقائد مهيباً في القلوب، ينقاد له الصغير و الكبير، و يتواضع له القاصي و الداني، و أما القسم الثاني و هو كونه واجب الطاعة، فمعلوم أن هذا تشريف يشرف اللّه تعالى به بعض عباده، و أما القسم الثالث، و هو حصول النصرة و الظفر فمعلوم أن ذلك مما لا يحصل إلا من اللّه تعالى، فكم شاهدنا من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه، و عند هذا يظهر بالبرهان العقلي صحة ما ذكره اللّه تعالى من قوله تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ .

و اعلم أن للمعتزلة هاهنا بحثا قال الكعبي قوله تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشََاءُ ليس على سبيل المختارية، و لكن بالاستحقاق فيؤتيه من يقوم به، و لا ينزعه إلا ممن فسق عن أمر ربه و يدل عليه قوله‏ لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ [البقرة: 124]و قال في حق العبد الصالح‏ إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفََاهُ عَلَيْكُمْ وَ زََادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ وَ اَلْجِسْمِ [البقرة: 247]فجعله سبباً للملك، و قال الجبائي: هذا الحكم مختص بملوك العدل، فأما ملوك الظلم فلا يجوز أن يكون ملكهم بإيتاء اللّه، و كيف يصح أن يكون ذلك بإيتاء اللّه، و قد ألزمهم أن لا يتملكوه، و منعهم من ذلك فصح بما ذكرنا أن الملوك العادلين هم المختصون بأن اللّه تعالى آتاهم ذلك الملك، فأما الظالمون فلا، قالوا:

و نظير هذا ما قلناه في الرزق أنه لا يدخل تحته الحرام الذي زجره اللّه عن الانتفاع به، و أمره بأن يرده على مالكه فكذا هاهنا، قالوا: و أما النزع فبخلاف ذلك لأنه كما ينزع الملك من الملوك العادلين لمصلحة تقتضي ذلك فقد ينزع الملك عن الملوك الظالمين و نزع الملك يكون بوجوه: منها بالموت، و إزالة العقل، و إزالة القوى، و القدر و الحواس، و منها بورود الهلاك و التلف عن الأموال، و منها أن يأمر اللّه تعالى المحق بأن يسلب الملك الذي في يد المتغلب المبطل و يؤتيه القوة و النصرة، فإذا حاربه المحق و قهره و سلب ملكه جاز أن يضاف هذا السلب و النزع إليه تعالى، لأنه وقع عن أمره، و على هذا الوجه نزع اللّه تعالى ملك فارس على يد الرسول، هذا جملة كلام المعتزلة في هذا الباب.

و اعلم أن هذا الموضع مقام بحث مهم و ذلك لأن حصول الملك للظالم، إما أن يقال: إنه وقع لا عن فاعل و إنما حصل بفعل ذلك المتغلب، أو إنما حصل بالأسباب الربانية، و الأول: نفي للصانع و الثاني: باطل لأن كل أحد يريد تحصيل الملك و الدولة لنفسه، و لا يتيسر له ألبتة فلم يبق إلا أن يقال بأن ملك الظالمين إنما حصل بإيتاء اللّه تعالى، و هذا الكلام ظاهر و مما يؤكد ذلك أن الرجل قد يكون بحيث تهابه النفوس، و تميل إليه القلوب، و يكون النصر قرينا له و الظفر جليساً معه فأينما توجه حصل مقصوده، و قد يكون على الضد من ذلك، و من تأمل في كيفية أحوال الملوك/اضطر إلى العلم بأن ذلك ليس إلا بتقدير اللّه تعالى، و لذلك قال حكيم الشعراء:

189

لو كان بالحيل الغنى لوجدتني # بأجل أسباب السماء تعلقي

لكن من رزق الحجا حرم الغنى # ضدان مفترقان أي تفرق

و من الدليل على القضاء و كونه # بؤس اللبيب و طيب عيش الأحمق‏

و القول الثاني: أن قوله تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ محمول على جميع أنواع الملك فيدخل فيه ملك النبوّة، و ملك العلم، و ملك العقل، و الصحة و الأخلاق الحسنة، و ملك النفاذ و القدرة و ملك المحبة، و ملك الأموال، و ذلك لأن اللفظ عام فالتخصيص من غير دليل لا يجوز.

و أما قوله تعالى: وَ تُعِزُّ مَنْ تَشََاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشََاءُ فاعلم أن العزة قد تكون في الدين، و قد تكون في الدنيا، أما في الدين فأشرف أنواع العزة الإيمان قال اللّه تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8]إذا ثبت هذا فنقول: لما كان أعز الأشياء الموجبة للعزة هو الإيمان، و أذل الأشياء الموجبة للمذلة هو الكفر، فلو كان حصول الإيمان و الكفر بمجرد مشيئة العبد، لكان إعزاز العبد نفسه بالإيمان و إذلاله نفسه بالكفر أعظم من إعزاز اللّه عبده بكل ما أعزه به، و من إذلال اللّه عبده بكل ما أذله به و لو كان الأمر كذلك لكان حظ العبد من هذا الوصف أتم و أكمل من حظ اللّه تعالى منه، و معلوم أن ذلك باطل قطعاً، فعلمنا أن الإعزاز بالإيمان و الحق ليس إلا من اللّه، و الإذلال بالكفر و الباطل ليس إلا من اللّه، و هذا وجه قوي في المسألة، قال القاضي: الإعزاز المضاف إليه تعالى قد يكون في الدين، و قد يكون في الدنيا أما الذي في الدين فهو أن الثواب لا بد و أن يكون مشتملاً على التعظيم و المدح و الكرامة في الدنيا و الآخرة، و أيضاً فإنه تعالى يمدهم بمزيد الألطاف و يعليهم على الأعداء بحسب المصلحة، و أما ما يتعلق بالدنيا فبإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق و الصامت و تكثير الحرث و تكثير النتاج في الدواب، و إلقاء الهيبة في قلوب الخلق.

و اعلم أن كلامنا يأبى ذلك لأن كل ما يفعله اللّه تعالى من التعظيم في باب الثواب فهو حق واجب على اللّه تعالى و لو لم يفعله لا نعزل عن الإلهية و لخرج عن كونه إلها للخلق فهو تعالى بإعطاء هذه التعظيمات يحفظ إلهية نفسه عن الزوال فأما العبد، فلما خص نفسه بالإيمان الذي يوجب هذه التعظيمات فهو الذي أعز نفسه فكان إعزازه لنفسه أعظم من إعزاز اللّه تعالى إياه، فعلمنا أن هذا الكلام المذكور لازم على القوم.

أما قوله وَ تُذِلُّ مَنْ تَشََاءُ فقال الجبائي في «تفسيره» : إنه تعالى إنما يذل أعداءه في الدنيا و الآخرة و لا يذل أحدا من أوليائه و إن أفقرهم و أمرضهم و أحوجهم إلى غيرهم، لأنه تعالى إنما يفعل هذه الأشياء ليعزهم في الآخرة، إما بالثواب، و إما بالعوض فصار ذلك كالفصد و الحجامة فإنهما و إن كانا يؤلمان في الحال إلا أنهما لما كانا يستعقبان نفعاً عظيماً لا جرم لا يقال فيهما: إنهما تعذيب، /قال و إذا وصف الفقر بأنه ذل فعلى وجه المجاز كما سمى اللّه تعالى لين المؤمنين ذلا بقوله‏ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ [المائدة: 54].

إذا عرفت هذا فنقول: إذلال اللّه تعالى عبده المبطل إنما يكون بوجوه منها بالذم و اللعن و منها بأن يخذلهم بالحجة و النصرة، و منها بأن يجعلهم خولاً لأهل دينه، و يجعل مالهم غنيمة لهم و منها بالعقوبة لهم في الآخرة هذا جملة كلام المعتزلة، و مذهبنا أنه تعالى يعز البعض بالإيمان و المعرفة، و يذل البعض بالكفر و الضلالة، و أعظم أنواع الإعزاز و الإذلال هو هذا و الذي يدل عليه وجوه الأول: و هو أن عز الإسلام و ذل الكفر لا بد فيه من فاعل و ذلك‏

190

الفاعل إما أن يكون هو العبد أو اللّه تعالى و الأول باطل، لأن أحداً لا يختار الكفر لنفسه، بل إنما يريد الإيمان و المعرفة و الهداية فلما أراد العبد الإيمان و لم يحصل له بل حصل له الجهل، علمنا أن حصوله من اللّه تعالى لا من العبد الثاني: و هو أن الجهل الذي يحصل للعبد إما أن يكون بواسطة شبهة و إما أن يقال: يفعله العبد ابتداء، و الأول باطل إذ لو كان كل جهل إنما يحصل بجهل آخر يسبقه و يتقدمه لزم التسلسل و هو محال، فبقي أن يقال: تلك الجهات تنتهي إلى جهل يفعله العبد ابتداء من غير سبق موجب ألبتة لكنا نجد من أنفسنا أن العاقل لا يرضى لنفسه أن يصير على الجهل ابتداء من غير موجب فعلمنا أن ذلك بإذلال اللّه عبده و بخذلانه إياه الثالث: ما بينا أن الفعل لا بد فيه من الداعي و المرجح، و ذلك المرجح يكون من اللّه تعالى فإن كان في طرف الخير كان إعزازاً، و إن كان في طرف الجهل و الشر و الضلالة كان إذلالا، فثبت أن المعز و المذل هو اللّه تعالى.

أما قوله تعالى: بِيَدِكَ اَلْخَيْرُ .

فاعلم أن المراد من اليد هو القدرة، و المعنى بقدرتك الخير و الألف و اللام في الخير يوجبان العموم، فالمعنى بقدرتك تحصل كل البركات و الخيرات، و أيضا فقوله بِيَدِكَ اَلْخَيْرُ يفيد الحصر كأنه قال بيدك الخير لا بيد غيرك، كما أن قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ [الكافرين: 6]أي لكم دينكم أي لا لغيركم و ذلك الحصر ينافي حصول الخير بيد غيره، فثبت دلالة هذه الآية من هذين الوجهين على أن جميع الخيرات منه، و بتكوينه و تخليقه و إيجاده و إبداعه، إذا عرفت هذا فنقول: أفضل الخيرات هو الإيمان باللّه تعالى و معرفته، فوجب أن يكون الخير من تخليق اللّه تعالى لا من تخليق العبد، و هذا استدلال ظاهر و من الأصحاب من زاد في هذا التقدير فقال: كل فاعلين فعل أحدهما أشرف و أفضل من فعل الآخر كان ذلك الفاعل أشرف و أكمل من الآخر، و لا شك أن الإيمان أفضل من الخير، و من كل ما سوى الإيمان فلو كان الإيمان بخلق العبد لا بخلق اللّه لوجب كون العبد زائدا في الخيرية على اللّه تعالى، و في الفضيلة و الكمال، و ذلك كفر قبيح فدلت هذه الآية من هذين الوجهين على أن الإيمان بخلق اللّه تعالى.

فإن قيل: فهذه الآية حجة عليكم من وجه آخر لأنه تعالى لما قال: بِيَدِكَ اَلْخَيْرُ كان معناه أنه ليس بيدك إلا الخير، و هذا يقتضي أن لا يكون الكفر و المعصية واقعين بتخليق اللّه.

و الجواب: أن قوله بِيَدِكَ اَلْخَيْرُ يفيد أن بيده الخير لا بيد غيره، و هذا ينافي أن يكون بيد غيره و لكن لا ينافي أن يكون بيده الخير و بيده ما سوى الخير إلا أنه خص الخير بالذكر لأنه الأمر المنتفع به فوقع التنصيص عليه لهذا المعنى قال القاضي: كل خير حصل من جهة العباد فلو لا أنه تعالى أقدرهم عليه و هداهم إليه لما تمكنوا منه، فلهذا السبب كان مضافاً إلى اللّه تعالى إلا أن هذا ضعيف لأن على هذا التقدير يصير بعض الخير مضافاً إلى اللّه تعالى، و يصير أشرف الخيرات مضافاً إلى العبد، و ذلك على خلاف هذا النص.

أما قوله إِنَّكَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ فهذا كالتأكيد لما تقدم من كونه مالكاً لإيتاء الملك و نزعه و الإعزاز و الإذلال.

أما قوله تعالى: تُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهََارِ وَ تُولِجُ اَلنَّهََارَ فِي اَللَّيْلِ فيه وجهان الأول: أن يجعل الليل قصيراً و يجعل ذلك القدر الزائد داخلاً في النهار و تارة على العكس من ذلك و إنما فعل سبحانه و تعالى ذلك لأنه علق‏

191

قوام العالم و نظامه بذلك و الثاني: أن المراد هو أنه تعالى يأتي بالليل عقيب النهار، فيلبس الدنيا ظلمة بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوءه فكان المراد من إيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما عقيب الآخر، و الأول أقرب إلى اللفظ، لأنه إذا كان النهار طويلاً فجعل ما نقص منه زيادة في الليل كان ما نقص منه داخلاً في الليل.

و أما قوله وَ تُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع و حمزة و الكسائي اَلْمَيِّتِ بالتشديد، و الباقون بالتخفيف، و هما لغتان بمعنى واحد، قال المبرد: أجمع البصريون على أنهما سواء و أنشدوا:

إنما الميت ميت الأحياء

و هو مثل قوله: هين و هين، و لين و لين، و قد ذهب ذاهبون إلى أن الميت من قد مات، و الميت من لم يمت.

المسألة الثانية: ذكر المفسرون فيه وجوهاًأحدها: يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر، و الكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح عليه السلام و الثاني: يخرج الطيب من الخبيث و بالعكس و الثالث: يخرج الحيوان من النطفة، و الطير من البيضة و بالعكس و الرابع: يخرج السنبلة من الحبة و بالعكس، و النخلة من النواة و بالعكس، قال القفال رحمه اللّه: و الكلمة محتملة/للكل أما الكفر و الإيمان فقال تعالى: أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ [الأنعام: 122]يريد كان كافراً فهديناه فجعل الموت كفراً و الحياة إيمانا، و سمى إخراج النبات من الأرض إحياء، و جعل قبل ذلك ميتة فقال‏ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا* [الروم: 19]و قال: فَسُقْنََاهُ إِلى‏ََ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنََا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا [فاطر: 9]و قال: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً فَأَحْيََاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة: 28].

أما قوله وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشََاءُ بِغَيْرِ حِسََابٍ ففيه وجوه الأول: أنه يعطي من يشاء ما يشاء لا يحاسبه على ذلك أحد، إذ ليس فوقه ملك يحاسبه بل هو الملك يعطي من يشاء بغير حساب و الثاني: ترزق من تشاء غير مقدور و لا محدود، بل تبسطه له و توسعه عليه كما يقال: فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاؤه بالكثرة، و نظيره قولهم في تكثير مال الإنسان: عنده مال لا يحصى و الثالث: ترزق من تشاء بغير حساب، يعني على سبيل التفضل من غير استحقاق لأن من أعطى على قدر الاستحقاق فقد أعطى بحساب، و قال بعض من ذهب إلى هذا المعنى: إنك لا ترزق عبادك على مقادير أعمالهم و اللّه أعلم.

في قوله تعالى لاََ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكََافِرِينَ أَوْلِيََاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ في كيفية النظم وجهان الأول: أنه تعالى لما ذكر ما يجب أن يكون المؤمن عليه في تعظيم اللّه تعالى، ثم ذكر بعده ما يجب أن يكون المؤمن عليه في المعاملة مع الناس، لأن كمال الأمر ليس إلا في شيئين: التعظيم لأمر اللّه تعالى، و الشفقة على خلق اللّه قال: لاََ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكََافِرِينَ أَوْلِيََاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ الثاني: لما بيّن أنه تعالى مالك الدنيا و الآخرة بين أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده، و عند أوليائه دون أعدائه. ـ

192

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في سبب النزول وجوه الأول: جاء قوم من اليهود إلى قوم المسلمين ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر، و عبد الرحمن بن جبير، و سعيد بن خيثمة لأولئك النفر/من المسلمين: اجتنبوا هؤلاء اليهود، و احذروا أن يفتنوكم عن دينكم فنزلت هذه الآية و الثاني: قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة و غيره، و كانوا يتولون اليهود و المشركين و يخبرونهم بالأخبار و يرجون أن يكون لهم الظفر على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فنزلت هذه الآية الثالث: أنها نزلت في عبادة بن الصامت و كان له حلفاء من اليهود، ففي يوم الأحزاب قال يا نبي اللّه إن معي خمسمائة من اليهود و قد رأيت أن يخرجوا معي فنزلت هذه الآية.

فإن قيل: إنه تعالى قال: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللََّهِ فِي شَيْ‏ءٍ و هذه صفة الكافر.

قلنا: معنى الآية فليس من ولاية اللّه في شي‏ء، و هذا لا يوجب الكفر في تحريم موالاة الكافرين.

و اعلم أنه تعالى أنزل آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله تعالى: لاََ تَتَّخِذُوا بِطََانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران: 118]و قوله‏ لاََ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوََادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ [المجادلة: 22]و قوله لاََ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ أَوْلِيََاءَ و قوله‏ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيََاءَ [الممتحنة: 1] و قال: وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ [التوبة: 71].

و اعلم أن كون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون راضياً بكفره و يتولاه لأجله، و هذا ممنوع منه لأن كل من فعل ذلك كان مصوباً له في ذلك الدين، و تصويب الكفر كفر و الرضا بالكفر كفر، فيستحيل أن يبقى مؤمناً مع كونه بهذه الصفة.

فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللََّهِ فِي شَيْ‏ءٍ و هذا لا يوجب الكفر فلا يكون داخلاً تحت هذه الآية، لأنه تعالى قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا فلا بد و أن يكون خطاباً في شي‏ء يبقى المؤمن معه مؤمناو ثانيها: المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر، و ذلك غير ممنوع منه.

و القسم الثالث: و هو كالمتوسط بين القسمين الأولين هو أن موالاة الكفار بمعنى الركون إليهم و المعونة، و المظاهرة، و النصرة إما بسبب القرابة، أو بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه، لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجره إلى استحسان طريقته و الرضا بدينه، و ذلك يخرجه عن الإسلام فلا جرم هدد اللّه تعالى فيه فقال: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللََّهِ فِي شَيْ‏ءٍ .

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء بمعنى أن يتولوهم دون المؤمنين، فأما إذا تولوهم و تولوا المؤمنين معهم فذلك ليس بمنهي عنه، و أيضاً فقوله لاََ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكََافِرِينَ أَوْلِيََاءَ فيه زيادة مزية، لأن الرجل قد يوالي غيره و لا يتخذه موالياً فالنهي عن اتخاذه موالياً لا يوجب النهي عن أصل مولاته.

قلنا: هذان الاحتمالان و إن قاما في الآية إلا أن سائر الآيات الدالة على أنه لا تجوز موالاتهم دلّت على سقوط هذين الاحتمالين.

193

المسألة الثانية: إنما كسرت الذال من يتخذ لأنها مجزوم للنهي، و حركت لاجتماع الساكنين قال الزجاج: و لو رفع على الخبر لجاز، و يكون المعنى على الرفع أن من كان مؤمناً فلا ينبغي أن يتخذ الكافر ولياً.

و اعلم أن معنى النهي و معنى الخبر يتقاربان لأنه متى كانت صفة المؤمن أن لا يوالي الكافر كان لا محالة منهياً عن موالاة الكافر، و متى كان منهياً عن ذلك، كان لا محالة من شأنه و طريقته أن لا يفعل ذلك.

المسألة الثالثة: قوله مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ أي من غير المؤمنين كقوله‏ وَ اُدْعُوا شُهَدََاءَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ [البقرة: 23]أي من غير اللّه، و ذلك لأن لفظ دون مختص بالمكان، تقول: زيد جلس دون عمرو أي في مكان أسفل منه، ثم إن من كان مبايناً لغيره في المكان فهو مغاير له فجعل لفظ دون مستعملاً في معنى غير، ثم قال تعالى: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللََّهِ فِي شَيْ‏ءٍ و فيه حذف، و المعنى فليس من ولاية اللّه في شي‏ء يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ من ولاية اللّه تعالى رأساً، و هذا أمر معقول فإن موالاة الولي، و موالاة عدوه ضدان قال الشاعر:

تود عدوي ثم تزعم أنني # صديقك ليس النوك عنك بعازب‏

و يحتمل أن يكون المعنى: فليس من دين اللّه في شي‏ء و هذا أبلغ.

ثم قال تعالى: إِلاََّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقََاةً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ الكسائي: تقاة بالإمالة، و قرأ نافع و حمزة: بين التفخيم و الإمالة، و الباقون بالتفخيم، و قرأ يعقوب تقية و إنما جازت الإمالة لتؤذن أن الألف من الياء، و تقاة وزنها فعلة نحو تؤدة و تخمة، و من فخم فلأجل الحرف المستعلي و هو القاف.

المسألة الثانية: قال الواحدي: تقيته تقاة، و تقى، و تقية، و تقوى، فإذا قلت اتقيت كان مصدره الأتقياء، و إنما قال تتقوا ثم قال تقاة و لم يقل اتقاء اسم وضع موضع المصدر، كما يقال: جلس جلسة، و ركب ركبة، و قال اللّه تعالى: فَتَقَبَّلَهََا رَبُّهََا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَهََا نَبََاتاً حَسَناً [آل عمران: 37]و قال الشاعر:

و بعد عطائك المائة الرتاعا

فأجراه مجرى الإعطاء، قال: و يجوز أن يجعل تقاة هاهنا مثل رماة فيكون حالاً مؤكدة.

المسألة الثالثة:

قال الحسن أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول اللّه؟قال: نعم نعم نعم، فقال: أ فتشهد أنى رسول اللّه؟/قال: نعم، و كان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة، و محمد رسول قريش، فتركه و دعا الآخر فقال أتشهد أن محمداً رسول اللّه؟قال: نعم، قال: أ فتشهد أني رسول اللّه؟فقال: إني أصم ثلاثا، فقدمه و قتله فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه و صدقه فهنيئاً له، و أما الآخر فقبل رخصة اللّه فلا تبعة عليه.

و اعلم أن نظير هذه الآية قوله تعالى: إِلاََّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمََانِ [النحل: 106].

المسألة الرابعة: اعلم أن للتقية أحكاماً كثيرة و نحن نذكر بعضها.

الحكم الأول: أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار، و يخاف منهم على نفسه و ماله فيداريهم باللسان، و ذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة و الموالاة، و لكن بشرط

194

أن يضمر خلافه، و أن يعرض في كل ما يقول، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب.

الحكم الثاني للتقية: هو أنه لو أفصح بالإيمان و الحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل، و دليله ما ذكرناه في قصة مسيلمة.

الحكم الثالث للتقية: أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة و المعاداة، و قد تجوز أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل و الزنا و غصب الأموال و الشهادة بالزور و قذف المحصنات و اطلاع الكفار على عورات المسلمين، فذلك غير جائز ألبتة.

الحكم الرابع: ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين إلا أن مذهب الشافعي رضي اللّه عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين و المشركين حلت التقية محاماة على النفس.

الحكم الخامس: التقية جائزة لصون النفس، و هل هي جائزة لصون المال يحتمل أن يحكم فيها بالجواز،

لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»

و

لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد»

و لأن الحاجة إلى المال شديدة و الماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء، و جاز الاقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز هاهنا و اللّه أعلم.

الحكم السادس: قال مجاهد: هذا الحكم كان ثابتاً في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا، و روى عوف عن الحسن: أنه قال التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة، و هذا القول أولى، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان.

ثم قال تعالى: وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللََّهُ نَفْسَهُ و فيه قولان الأول: أن فيه محذوفاً، و التقدير: و يحذركم اللّه عقاب نفسه، و قال أبو مسلم المعنى وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللََّهُ نَفْسَهُ أن تعصوه فتستحقوا عقابه/و الفائدة في ذكر النفس أنه لو قال: و يحذركم اللّه فهذا لا يفيد أن الذي أريد التحذير منه هو عقاب يصدر من اللّه أو من غيره، فلما ذكر النفس زال هذا الاشتباه، و معلوم أن العقاب الصادر عنه يكون أعظم أنواع العقاب لكونه قادراً على ما لا نهاية له، و أنه لا قدرة لأحد على دفعه و منعه مما أراد.

و القول الثاني: أن النفس هاهنا تعود إلى اتخاذ الأولياء من الكفار، أي ينهاهم اللّه عن نفس هذا الفعل.

ثم قال: وَ إِلَى اَللََّهِ اَلْمَصِيرُ و المعنى: إن اللّه يحذركم عقابه عند مصيركم إلى اللّه.

اعلم أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهراً و باطناً و استثنى عنه التقية في الظاهر أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية، و ذلك لأن من أقدم عند التقية على إظهار الموالاة، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سبباً لحصول تلك الموالاة في الباطن، فلا جرم بيّن تعالى أنه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر، فيعلم العبد أنه لا بد أن يجازيه على كل ما عزم عليه في قلبه، و في الآية سؤالات:

195

السؤال الأول: هذه الآية جملة شرطية فقوله إِنْ تُخْفُوا مََا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ شرط و قوله يَعْلَمْهُ اَللََّهُ جزاء و لا شك أن الجزاء مترتب على الشرط متأخر عنه، فهذا يقتضي حدوث علم اللّه تعالى.

و الجواب: أن تعلق علم اللّه تعالى بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن، ثم أن هذه التبدل و التجدد إنما وقع في النسب و الإضافات و التعليقات لا في حقيقة العلم، و هذه المسألة لها غور عظيم و هي مذكورة في علم الكلام.

السؤال الثاني: محل البواعث و الضمائر هو القلب، فلم قال: إِنْ تُخْفُوا مََا فِي صُدُورِكُمْ و لم يقل إن تخفوا ما في قلوبكم؟.

الجواب: لأن القلب في الصدر، فجاز إقامة الصدر مقام القلب كما قال: يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ/اَلنََّاسِ [الناس: 5]و قال: فَإِنَّهََا لاََ تَعْمَى اَلْأَبْصََارُ وَ لََكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ [الحج: 46].

السؤال الثالث: إن كانت هذه الآية وعيداً على كل ما يخطر بالبال فهو تكليف ما لا يطاق.

الجواب: ذكرنا تفصيل هذه الكلام في آخر سورة البقرة في قوله‏ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ إِنْ تُبْدُوا مََا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحََاسِبْكُمْ بِهِ اَللََّهُ [البقرة: 284].

ثم قال تعالى: وَ يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ .

و اعلم أنه رفع على الاستئناف، و هو كقوله‏ قََاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ [التوبة: 14]جزم الأفاعيل، ثم قال:

وَ يَتُوبُ اَللََّهُ فرفع، و مثله قوله‏ فَإِنْ يَشَإِ اَللََّهُ يَخْتِمْ عَلى‏ََ قَلْبِكَ وَ يَمْحُ اَللََّهُ اَلْبََاطِلَ [الشورى: 24]رفعاً، و في قوله وَ يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ غاية التحذير لأنه إذا كان لا يخفي عليه شي‏ء فيهما فكيف يخفي عليه الضمير.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ إتماماً للتحذير، و ذلك لأنه لما بيّن أنه تعالى عالم بكل المعلومات كان عالماً بما في قلبه، و كان عالماً بمقادير استحقاقه من الثواب و العقاب، ثم بين أنه قادر على جميع المقدورات، فكان لا محالة قادراً على إيصال حق كل أحد إليه، فيكون في هذا تمام الوعد و الوعيد، و الترغيب و الترهيب.

في قوله تعالى يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ اعلم أن هذه الآية من باب الترغيب و الترهيب، و من تمام الكلام الذي تقدم.

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في العامل في قوله يَوْمَ وجوهاً الأول: قال ابن الأنباري: اليوم متعلق بالمصير و التقدير: و إلى اللّه المصير يوم تجد الثاني: العامل فيه قوله وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللََّهُ نَفْسَهُ في الآية السابقة، كأنه قال:

و يحذركم اللّه نفسه في ذلك اليوم الثالث: العامل فيه قوله/ وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ أي قدير في ذلك اليوم الذي تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، و خص هذا اليوم بالذكر، و إن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة اللّه‏

196

تعالى تفضيلاً له لعظم شأنه كقوله‏ مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ [الفاتحة: 4]الرابع: أن العامل فيه قوله تَوَدُّ و المعنى:

تود كل نفس كذا و كذا في ذلك اليوم الخامس: يجوز أن يكون منتصباً بمضمر، و التقدير: و اذكر يوم تجد كل نفس.

المسألة الثانية: اعلم أن العمل لا يبقى، و لا يمكن وجدانه يوم القيامة، فلا بد فيه من التأويل و هو من وجهين الأول: أنه يجد صحائف الأعمال، و هو قوله تعالى: إِنََّا كُنََّا نَسْتَنْسِخُ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29]و قال:

فَيُنَبِّئُهُمْ بِمََا عَمِلُوا أَحْصََاهُ اَللََّهُ وَ نَسُوهُ [المجادلة: 6]و الثاني: أنه يجد جزاء الأعمال و قوله تعالى: مُحْضَراً يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة، و يحتمل أن يكون المعنى: أن جزاء العمل يكون محضراً، كقوله‏ وَ وَجَدُوا مََا عَمِلُوا حََاضِراً [الكهف: 49]و على كلا الوجهين، فالترغيب و الترهيب حاصلان.

أما قوله: وَ مََا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهََا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال الواحدي: الأظهر أن يجعل مََا هاهنا بمنزلة الذي، و يكون عَمِلَتْ صلة لها، و يكون معطوفاً على مََا الأول، و لا يجوز أن تكون مََا شرطية، و إلا كان يلزم أن ينصب تَوَدُّ أو يخفضه، و لم يقرأه أحد إلا بالرفع، فكان هذا دليلاً على أن مََا هاهنا بمعنى الذي.

فإن قيل: فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد اللّه، ودت.

قلنا: لا كلام في صحته لكن الحمل على الابتداء و الخبر أوقع، لأنه حكاية حال الكافر في ذلك اليوم، و أكثر موافقة للقراءة المشهورة.

المسألة الثانية: الواو في قوله وَ مََا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ فيه قولان الأول: و هو قول أبي مسلم الأصفهاني:

الواو واو العطف، و التقدير: تجد ما عملت من خير و ما عملت من سوء، و أما قوله تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهََا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ففيه وجهان الأول: أنه صفة للسوء، و التقدير: و ما عملت من سوء الذي تود أن يبعد ما بينها و بينه و الثاني:

أن يكون حالاً، و التقدير: يوم تجد ما عملت من سوء محضراً حال ما تود بعده عنها.

و القول الثاني: أن الواو للاستئناف، و على هذا القول لا تكون الآية دليلاً على القطع بوعيد المذنبين، و موضع الكرم و اللطف هذا، و ذلك لأنه نص في جانب الثواب على كونه محضراً و أما في جانب العقاب فلم ينص على الحضور، بل ذكر أنهم يودون الفرار منه، و البعد عنه، و ذلك ينبه على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من جانب الوعيد.

المسألة الثالثة: الأمد، الغاية التي ينتهي إليها، و نظيره قوله تعالى: يََا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ اَلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِينُ [الزخرف: 38].

و اعلم أن المراد من هذا التمني معلوم، سواء حملنا لفظ الأمد على الزمان أو على المكان، إذ المقصود تمني بعده، ثم قال: وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللََّهُ نَفْسَهُ و هو لتأكيد الوعيد. ثم قال: وَ اَللََّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبََادِ و فيه وجوه الأول:

أنه رؤوف بهم حيث حذرهم من نفسه، و عرفهم كمال علمه و قدرته، و أنه يمهل و لا يهمل، و رغبهم في استيجاب رحمته، و حذرهم من استحقاق غضبه، قال الحسن: و من رأفته بهم أن حذرهم نفسه الثاني: أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة و التدارك و التلافي الثالث: أنه لما قال: وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللََّهُ نَفْسَهُ و هو للوعيد أتبعه بقوله وَ اَللََّهُ‏

197

رَؤُفٌ بِالْعِبََادِ و هو الموعد ليعلم العبد أن وعده و رحمته، غالب على وعيده و سخطه و الرابع: و هو أن لفظ العباد في القرآن مختص، قال تعالى: وَ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ اَلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان: 63]و قال تعالى:

عَيْناً يَشْرَبُ بِهََا عِبََادُ اَللََّهِ [الإنسان: 6]فكان المعنى أنه لما ذكر وعيد الكفار و الفساق ذكر وعد أهل الطاعة فقال: وَ اَللََّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبََادِ أي كما هو منتقم من الفساق، فهو رؤوف بالمطيعين و المحسنين.

اعلم أنه تعالى لما دعا القوم إلى الإيمان به، و الإيمان برسله على سبيل التهديد و الوعيد، دعاهم إلى ذلك من طريق آخر و هو أن اليهود كانوا يقولون‏ نَحْنُ أَبْنََاءُ اَللََّهِ وَ أَحِبََّاؤُهُ [المائدة: 18]فنزلت هذه الآية، و

يروى أنه صلى اللّه عليه و سلم وقف على قريش و هم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام فقال: يا معشر قريش و اللّه لقد خالفتم ملة إبراهيم، فقالت قريش: إنما نعبد هذه حباً للّه تعالى ليقربونا إلى اللّه زلفى، فنزلت هذه الآية،

و

يروى أن النصارى قالوا: إنما نعظم المسيح حباً للّه، فنزلت هذه الآية،

و بالجملة فكل واحد من فرق العقلاء يدعي أنه يحب اللّه، و يطلب رضاه و طاعته فقال لرسوله صلى اللّه عليه و سلم: قل إن كنتم صادقين في ادعاء محبة اللّه تعالى فكونوا منقادين لأوامره محترزين عن مخالفته، و تقدير الكلام: أن من كان محباً للّه تعالى لا بد و أن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه، و إذا قامت الدلالة القاطعة على نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم وجبت متابعته، فإن لم تحصل هذه المتابعة دلّ ذلك على أن تلك المحبة ما حصلت.

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أما الكلام المستقصى في المحبة، فقد تقدم في تفسير قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ/آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلََّهِ [البقرة: 165]و المتكلمون مصرون على أن محبة اللّه تعالى عبارة عن محبة إعظامه و إجلاله، أو محبة طاعته، أو محبة ثوابه، قالوا: لأن المحبة من جنس الإرادة، و الإرادة لا تعلق لها إلا بالحوادث و إلا بالمنافع.

و اعلم أن هذا القول ضعيف، و ذلك لأنه لا يمكن أن يقال في كل شي‏ء إنه إنما كان محبوباً لأجل معنى آخر و إلا لزم التسلسل و الدور، فلا بد من الانتهاء إلى شي‏ء يكون محبوباً بالذات، كما أنا نعلم أن اللذة محبوبة لذاتها، فكذلك نعلم أن الكمال محبوب لذاته، و كذلك أنا إذا سمعنا أخبار رستم و إسفنديار في شجاعتهما مال القلب إليهما مع أنا نقطع بأنه لا فائدة لنا في ذلك الميل، بل ربما نعتقد أن تلك المحبة معصية لا يجوز لنا أن نصر عليها، فعلمنا أن الكمال محبوب لذاته، كما أن اللذة محبوبة لذاتها، و كمال الكمال للّه سبحانه و تعالى، فكان ذلك يقتضي كونه محبوباً لذاته من ذاته و من المقربين عنده الذين تجلى لهم أثر من آثار كماله و جلاله قال المتكلمون: و أما محبة اللّه تعالى للعبد فهي عبارة عن إرادته تعالى إيصال الخيرات و المنافع في الدين و الدنيا إليه.

المسألة الثانية: القوم كانوا يدعون أنهم كانوا محبين للّه تعالى، و كانوا يظهرون الرغبة في أن يحبهم اللّه تعالى، و الآية مشتملة على أن الإلزام من وجهين أحدهما: إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني، لأن المعجزات دلّت على أنه تعالى أوجب عليكم متابعتي الثاني: إن كنتم تحبون أن يحبكم اللّه فاتبعوني لأنكم إذا اتبعتموني فقد أطعتم اللّه، و اللّه تعالى يحب كل من أطاعه، و أيضاً فليس في متابعتي إلا أني دعوتكم إلى طاعة اللّه تعالى و تعظيمه و ترك تعظيم غيره، و من أحب اللّه كان راغباً فيه، لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب، و الإعراض بالكلية عن غير المحبوب.

198

المسألة الثالثة: خاض صاحب «الكشاف» في هذا المقام في الطعن في أولياء اللّه تعالى و كتب هاهنا ما لا يليق بالعاقل أن يكتب مثله في كتب الفحش فهب أنه اجترأ على الطعن في أولياء اللّه تعالى فكيف اجترأ على كتبه مثل ذلك الكلام الفاحش في تفسير كلام اللّه تعالى، نسأل اللّه العصمة و الهداية، ثم قال تعالى: وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ و المراد من محبة اللّه تعالى له إعطاؤه الثواب، و من غفران ذنبه إزالة العقاب، و هذا غاية ما يطلبه كل عاقل، ثم قال: وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني غفور في الدنيا يستر على العبد أنواع المعاصي رحيم في الآخرة بفضله و كرمه.

يروى أنه لما نزل قوله قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللََّهَ الآية قال عبد اللّه بن أبي: إن محمداً يجعل طاعته كطاعة اللّه، و يأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى، فنزلت هذه الآية،

و تحقيق الكلام أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته، ثم إن المنافق ألقى شبهة في الدين، و هي أن محمداً يدعي لنفسه مثل ما يقوله النصارى في عيسى، ذكر اللّه تعالى هذه الآية إزالة لتلك الشبهة، فقال: قُلْ أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ يعني إنما أوجب اللّه عليكم متابعتي لا كما تقول النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند اللّه، و لما كان مبلغ التكاليف عن اللّه هو الرسول لزم أن تكون طاعته واجبة فكان إيجاب المتابعة لهذا المعنى لا لأجل الشبهة التي ألقاها المنافق في الدين.

ثم قال تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْكََافِرِينَ يعني إن أعرضوا فإنه لا يحصل لهم محبة اللّه، لأنه تعالى إنما أوجب الثناء و المدح لمن أطاعه، و من كفر استوجب الذلة و الإهانة، و ذلك ضد المحبة و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن علو درجات الرسل و شرف مناصبهم فقال: إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفى‏ََ آدَمَ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن المخلوقات على قسمين: المكلف و غير المكلف و اتفقوا على أن المكلف أفضل من غير المكلف، و اتفقوا على أن أصناف المكلف أربعة: الملائكة، و الإنس و الجن، و الشياطين، أما الملائكة،

فقد روي في الأخبار أن اللّه تعالى خلقهم من الريح‏

و منهم من احتج بوجوه عقلية على صحة ذلك فالأول: أنهم لهذا السبب قدروا على الطيران على أسرع الوجوه و الثاني: لهذا السبب قدروا على حمل العرش، لأن الريح تقوم بحمل الأشياء الثالث: لهذا السبب سموا روحانيين، و جاء

في رواية أخرى أنهم خلقوا من النور،

و لهذا صفت و أخلصت للّه تعالى و الأولى أن يجمع بين القولين فنقول: أبدانهم من الريح و أرواحهم من النور فهؤلاء هم سكان عالم السموات، أما الشياطين فهم كفرة أما إبليس فكفره ظاهر لقوله تعالى: وَ كََانَ مِنَ اَلْكََافِرِينَ* [البقرة: 34]و أما سائر الشياطين فهم أيضاً كفرة بدليل قوله تعالى: وَ إِنَّ اَلشَّيََاطِينَ لَيُوحُونَ إِلى‏ََ أَوْلِيََائِهِمْ لِيُجََادِلُوكُمْ وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: 121]و من خواص الشياطين أنهم بأسرها أعداء للبشر قال تعالى: ـ فَفَسَقَ/عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ‏

199

أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيََاءَ مِنْ دُونِي وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف: 50]و قال: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيََاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ [الأنعام: 112]و من خواص الشياطين كونهم مخلوقين من النار قال اللّه تعالى حكاية عن إبليس خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* [الأعراف: 12]و قال: وَ اَلْجَانَّ خَلَقْنََاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نََارِ اَلسَّمُومِ [الحجر: 27]فأما الجن فمنهم كافر و منهم مؤمن، قال تعالى: وَ أَنََّا مِنَّا اَلْمُسْلِمُونَ وَ مِنَّا اَلْقََاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولََئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً [الجن: 14]و أما الإنس فلا شك أن لهم والداً هو والدهم الأول، و إلا لذهب إلى ما لا نهاية و القرآن دلّ على أن ذلك الأول هو آدم صلى اللّه عليه و سلم على ما قال تعالى في هذه السورة إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ََ عِنْدَ اَللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ قََالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: 59]و قال: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهََا زَوْجَهََا [النساء: 1].

إذا عرفت هذا فنقول: اتفق العلماء على أن البشر أفضل من الجن و الشياطين، و اختلفوا في أن البشر أفضل أم الملائكة، و قد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله تعالى: اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [الأعراف: 11]و القائلون بأن البشر أفضل تمسكوا بهذه الآية، و ذلك لأن الاصطفاء يدل على مزيد الكرامة و علو الدرجة، فلما بيّن تعالى أنه اصطفى آدم و أولاده من الأنبياء على كل العالمين وجب أن يكونوا أفضل من الملائكة لكونهم من العالمين.

فإن قيل: إن حملنا هذه الآية على تفضيل المذكورين فيها على كل العالمين أدى إلى التناقض لأن الجمع الكثير إذا وصفوا بأن كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الآخر و ذلك محال، و لو حملناه على كونه أفضل عالمي زمانه أو عالمي جنسه لم يلزم التناقض، فوجب حمله على هذا المعنى دفعاً للتناقض و أيضاً قال تعالى في صفة بني إسرائيل‏ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ [البقرة: 47]و لا يلزم كونهم أفضل من محمد صلى اللّه عليه و سلم بل قلنا المراد به عالمو زمان كل واحد منهم، و الجواب ظاهر في قوله: اصطفى آدم على العالمين، يتناول كل من يصح إطلاق لفظ العالم عليه فيندرج فيه الملك، غاية ما في هذا الباب أنه ترك العمل بعمومه في بعض الصور لدليل قام عليه، فلا يجوز أن نتركه في سائر الصور من غير دليل.

المسألة الثانية: اِصْطَفى‏ََ في اللغة اختار، فمعنى: اصطفاهم، أي جعلهم صفوة خلقه، تمثيلاً بما يشاهد من الشي‏ء الذي يصفى و ينقى من الكدورة، و يقال على ثلاثة أوجه: صفوة، و صفوة و صفوة، و نظير هذه الآية قوله لموسى‏ إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى اَلنََّاسِ بِرِسََالاََتِي [الأعراف: 144]و قال في إبراهيم و إسحاق و يعقوب‏ وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنََا لَمِنَ اَلْمُصْطَفَيْنَ اَلْأَخْيََارِ [ص: 47].

إذا عرفت هذا فنقول. في الآية قولان الأول: المعنى أن اللّه اصطفى دين آدم و دين نوح فيكون الاصطفاء راجعاً إلى دينهم و شرعهم و ملتهم، و يكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف و الثاني: أن يكون المعنى: إن اللّه اصطفاهم، أي صفاهم من الصفات الذميمة، و زينهم بالخصال/الحميدة، و هذا القول أولى لوجهين أحدهما: أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار و الثاني: أنه موافق لقوله تعالى: اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته [الأنعام: 124]و ذكر الحليمي في كتاب «المنهاج» أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام لا بد و أن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية، و القوى الروحانية، أما القوى الجسمانية، فهي إما مدركة، و إما محركة.

أما المدركة: فهي إما الحواس الظاهرة، و إما الحواس الباطنة، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة أحدها: القوة

200

الباصرة، و لقد كان الرسول صلى اللّه عليه و سلم مخصوصاً بكمال هذه الصفة و يدل عليه و وجهان الأول:

قوله صلى اللّه عليه و سلم: «زويت لي الأرض فأريت مشارقها و مغاربها»

و الثاني:

قوله صلى اللّه عليه و سلم: «أقيموا صفوفكم و تراصوا فإني أراكم من وراء ظهري»

و نظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم صلى اللّه عليه و سلم و هو قوله تعالى: وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [الأنعام: 75]ذكروا في تفسيره أنه تعالى قوّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى و الأسفل قال الحليمي رحمه اللّه: و هذا غير مستبعد لأن البصراء يتفاوتون فروي أن زرقاء اليمامة كانت تبصر الشي‏ء من مسيرة ثلاثة أيام، فلا يبعد أن يكون بصر النبي صلى اللّه عليه و سلم أقوى من بصرها و ثانيها: القوة السامعة، و كان صلى اللّه عليه و سلم أقوى النأي في هذه القوة، و يدل عليه وجهان أحدهما:

قوله صلى اللّه عليه و سلم: «أطت السماء و حق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا و فيه ملك ساجد للّه تعالى»

فسمع أطيط السماء و الثاني:

أنه سمع دوياً و ذكر أنه هوي صخرة قذفت في جهنم فلم تبلغ قعرها إلى الآن،

قال الحليمي: و لا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا، فإنهم زعموا أن فيثاغورث راض نفسه حتى سمع خفيف الفلك، و نظير هذه القوة لسليمان عليه السلام في قصة النمل‏ قََالَتْ نَمْلَةٌ يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ [النمل: 18]فاللّه تعالى أسمع سليمان كلام النمل و أوقفه على معناه و هذا داخل أيضاً في باب تقوية الفهم، و كان ذلك حاصلاً لمحمد صلى اللّه عليه و سلم حين تكلم مع الذئب و مع البعير ثالثها: تقوية قوة الشم، كما في حق يعقوب عليه السلام، فإن يوسف عليه السلام لما أمر بحمل قميصه إليه و إلقائه على وجهه، فلما فصلت العير قال يعقوب‏ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ [يوسف: 94]فأحس بها من مسيرة أيام و رابعها: تقوية قوة الذوق، كما في حق رسولنا صلى اللّه عليه و سلم حين‏

قال: «إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم»

و خامسها: تقوية القوة اللامسة كما في حق الخليل حيث جعل اللّه تعالى النار برداً و سلاماً عليه، فكيف يستبعد هذا و يشاهد مثله في السمندل و النعامة، و أما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ، قال تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسى‏ََ [الأعلى: 6]و منها قوة الذكاء

قال علي عليه السلام: «علمني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ألف باب من العلم و استنبطت من كل باب ألف باب»

فإذا كان حال الولي هكذا، فكيف حال النبي صلى اللّه عليه و سلم.

و أما القوى المحركة: فمثل عروج النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى المعراج، و عروج عيسى حياً/إلى السماء، و رفع إدريس و إلياس على ما وردت به الأخبار، و قال اللّه تعالى: قََالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتََابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: 40].

و أما القوى الروحانية العقلية: فلا بد و أن تكون في غاية الكمال، و نهاية الصفاء.

و اعلم أن تمام الكلام في هذا الباب أن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، و من لوازم تلك النفس الكمال في الذكاء، و الفطنة، و الحرية، و الاستعلاء، و الترفع عن الجسمانيات و الشهوات، فإذا كانت الروح في غاية الصفاء و الشرف، و كان البدن في غاية النقاء و الطهارة كانت هذه القوى المحركة و المدركة في غاية الكمال لأنها جارية مجرى أنوار فائضة من جوهر الروح واصلة إلى البدن، و متى كان الفاعل و القابل في غاية الكمال كانت الآثار في غاية القوة و الشرف و الصفاء.

إذا عرفت هذا فقوله إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفى‏ََ آدَمَ وَ نُوحاً معناه: إن اللّه تعالى اصطفى آدم إما من سكان العالم السفلي على قول من يقول: الملك أفضل من البشر، أو من سكان العالم العلوي على قول من يقول: البشر أشرف المخلوقات، ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم عليه السلام، هم شيث و أولاده، إلى إدريس، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم حصل من إبراهيم شعبتان: إسماعيل و إسحاق، فجعل إسماعيل مبدأ

201

لظهور الروح القدسية لمحمد صلى اللّه عليه و سلم، و جعل إسحاق مبدأ لشعبتين: يعقوب و عيصو، فوضع النبوّة في نسل يعقوب، و وضع الملك في نسل عيصو، و استمر ذلك إلى زمان محمد صلى اللّه عليه و سلم، فلما ظهر محمد صلى اللّه عليه و سلم نقل نور النبوّة و نور الملك إلى محمد صلى اللّه عليه و سلم، و بقيا أعني الدين و الملك لأتباعه إلى قيام القيامة، و من تأمل في هذا الباب وصل إلى أسرار عجيبة.

المسألة الثالثة: من الناس من قال. المراد بآل إبراهيم المؤمنون، كما في قوله‏ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ [غافر: 46]و الصحيح أن المراد بهم الأولاد، و هم المراد بقوله تعالى: إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً قََالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قََالَ لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ [البقرة: 124]و أما آل عمران فقد اختلفوا فيه، فمنهم من قال المراد عمران ولد موسى و هارون، و هو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فيكون المراد من آل عمران موسى و هارون و أتباعهما من الأنبياء، و منهم من قال: بل المراد: عمران بن ماثان والد مريم، و كان هو من نسل سليمان بن داود بن إيشا، و كانوا من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة و السلام، قالوا و بين العمرانين ألف و ثمانمائة سنة، و احتج من قال بهذا القول على صحته بأمور أحدها: أن المذكور عقيب قوله وَ آلَ عِمْرََانَ عَلَى اَلْعََالَمِينَ هو عمران بن ماثان جد عيسى عليه السلام من قبل الأم، فكان صرف الكلام إليه أولى و ثانيها: أن المقصود من الكلام أن النصارى كانوا يحتجون على إلهية عيس بالخوارق التي ظهرت على يديه، فاللّه تعالى يقول: إنما ظهرت على يده إكراماً من اللّه تعالى إياه بها، و ذلك لأنه/تعالى اصطفاه على العالمين و خصه بالكرامات العظيمة، فكان حمل هذا الكلام على عمران بن ماثان أولى في هذا المقام من حمله على عمران والد موسى و هارون و ثالثها: أن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى: وَ جَعَلْنََاهََا وَ اِبْنَهََا آيَةً لِلْعََالَمِينَ [الأنبياء: 91] و اعلم أن هذه الوجوه ليست دلائل قوية، بل هي أمور ظنية، و أصل الاحتمال قائم.

أما قوله تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُهََا مِنْ بَعْضٍ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: في نصب قوله ذُرِّيَّةً وجهان الأول: أنه بدل من آل إبراهيم و الثاني: أن يكون نصباً على الحال، أي اصطفاهم في حال كون بعضهم من بعض.

المسألة الثانية: في تأويل الآية وجوه الأول: ذرية بعضها من بعض في التوحيد و الإخلاص و الطاعة، و نظيره قوله تعالى: اَلْمُنََافِقُونَ وَ اَلْمُنََافِقََاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة: 67]و ذلك بسبب اشتراكهم في النفاق و الثاني:

ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم عليه السلام كانوا متولدين من آدم عليه السلام، و يكون المراد بالذرية من سوى آدم.

أما قوله تعالى: وَ اَللََّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فقال القفال: المعنى و اللّه سميع لأقوال العباد، عليم بضمائرهم و أفعالهم، و إنما يصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً و فعلاً، و نظيره قوله تعالى: اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته [الأنعام: 124]و قوله‏ إِنَّهُمْ كََانُوا يُسََارِعُونَ فِي اَلْخَيْرََاتِ وَ يَدْعُونَنََا رَغَباً وَ رَهَباً وَ كََانُوا لَنََا خََاشِعِينَ [الأنبياء: 90]و فيه وجه آخر: و هو أن اليهود كانوا يقولون: نحن من ولد إبراهيم و من آل عمران، فنحن أبناء اللّه و أحباؤه، و النصارى كانوا يقولون: المسيح ابن اللّه، و كان بعضهم عالماً بأن هذا الكلام باطل، إلا أنه لتطييب قلوب العوام بقي مصراً عليه، فاللّه تعالى كأنه يقول: و اللّه سميع لهذه الأقوال الباطلة منكم، عليم بأغراضكم الفاسدة من هذه الأقوال فيجازيكم عليها، فكان أول الآية بياناً لشرف الأنبياء و الرسل، و آخرها تهديداً لهؤلاء الكاذبين الذين يزعمون أنهم مستقرون على أديانهم.

202

و اعلم أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قصصاً كثيرة:

القصة الاولى واقعة حنة أم مريم عليهما السلام‏

في قوله تعالى إِذْ قََالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرََانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مََا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في موضع إِذْ من الإعراب أقوال الأول: قال أبو عبيدة: إنها زائدة لغواً، و المعنى: قالت امرأة عمران، و لا موضع لها من الإعراب، قال الزجاج: لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً، لأنه لا يجوز إلغاء حرف من كتاب اللّه تعالى، و لا يجوز حذف حرف من كتاب اللّه تعالى من غير ضرورة و الثاني: قال الأخفش و المبرد:

التقدير اذكر إِذْ قََالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرََانَ و مثله في كتاب اللّه تعالى كثير الثالث: قال الزجاج، التقدير: و اصطفى آل عمران على العالمين إذ قالت امرأة عمران، و طعن ابن الأنباري فيه و قال: إن اللّه تعالى قرن اصطفاء آل عمران باصطفاء آدم و نوح، و لما كان اصطفاؤه تعالى آدم و نوحاً قبل قول امرأة عمران استحال أن يقال: إن هذا الاصطفاء مقيد بذلك الوقت الذي قالت امرأة عمران هذا الكلام فيه و يمكن أن يجاب عنه بأن أثر اصطفاء كل واحد إنما ظهر عند وجوده، و ظهور طاعاته، فجاز أن يقال: إن اللّه اصطفى آدم عند وجوده، و نوحاً عند وجوده، و آل عمران عند ما قالت امرأة عمران هذا الكلام الرابع: قال بعضهم: هذا متعلق بما قبله، و التقدير: و اللّه سميع عليم إذا قالت امرأة /عمران هذا القول.

فإن قيل: إن اللّه سميع عليم قبل أن قالت المرأة هذا القول، فما معنى هذا التقييد؟ قلنا: إن سمعه تعالى لذلك الكلام مقيد بوجود ذلك الكلام و علمه تعالى بأنها تذكر ذلك مقيد بذكرها لذلك و التغير في العلم و السمع إنما يقع في النسب و المتعلقات.

المسألة الثانية: أن زكريا بن أذن، و عمران بن ماثان، كانا في عصر واحد، و امرأة عمران حنة بنت فاقوذ، و قد تزوج زكريا بابنته إيشاع أخت مريم، و كان يحيى و عيسى عليهما السلام ابني خالة، ثم في كيفية هذا النذر روايات:

الرواية الأولى: قال عكرمة. إنها كانت عاقراً لا تلد، و كانت تغبط النساء بالأولاد، ثم قالت: اللّهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته.

203

و الرواية الثانية: قال محمد بن إسحاق: إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد حتى شاخت، و كانت يوماً في ظل شجرة فرأت طائراً يطعم فرخاً له فتحركت نفسها للولد، فدعت ربها أن يهب لها ولداً فحملت بمريم، و هلك عمران، فلما عرفت جعلته للّه محرراً، أي خادما للمسجد، قال الحسن البصري: إنها إنما فعلت ذلك بإلهام من اللّه و لولاه ما فعلت كما رأى إبراهيم ذبح ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر من اللّه و إن لم يكن عن وحي، و كما ألهم اللّه أم موسى فقذفته في اليم و ليس بوحي.

المسألة الثالثة: المحرر الذي يجعل حراً خالصاً، يقال: حررت العبد إذا خلصته عن الرق، و حررت الكتاب إذا أصلحته، و خلصته فلم تبق فيه شيئاً من وجوه الغلط، و رجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه تعلق، و الطين الحر الخالص عن الرمل و الحجارة و الحمأة و العيوب أما التفسير فقيل مخلصاً للعبادة عن الشعبي، و قيل:

خادماً للبيعة، و قيل: عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة اللّه، و قيل: خادماً لمن يدرس الكتاب، و يعلم في البيع، و المعنى أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفاً على طاعة اللّه، قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة و لا سبي، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا، و ذلك لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع، و يجعلونهم محررين لخدمة المسجد و طاعة اللّه تعالى، و قيل: كان المحرر يجعل في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير بين المقام و الذهاب، فإن أبى المقام و أراد أن يذهب ذهب، و إن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار، و لم يكن نبي إلا و من نسله محرر في بيت المقدس.

المسألة الرابعة: هذا التحرير لم يكن جائزاً إلا في الغلمان أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك لما يصيبها من الحيض و الأذى، ثم إن حنة نذرت مطلقاً إما لأنها بنت الأمر على التقدير، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الذكر.

المسألة الخامسة: في انتصاب قوله مُحَرَّراً وجهان الأول: أنه نصب على الحال من مََا و تقديره:

نذرت لك الذي في بطني محرراً و الثاني: و هو قول ابن قتيبة أن المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً.

ثم قال اللّه تعالى حاكياً عنها: فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ التقبل: أخذ الشي‏ء على الرضا، قال الواحدي: و أصله من المقابلة لأنه يقبل بالجزاء، و هذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا اللّه تعالى و الإخلاص في عبادته، ثم قالت إِنَّكَ أَنْتَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ و المعنى: أنك أنت السميع لتضرعي و دعائي و ندائي، العليم بما في ضميري و قلبي و نيتي.

و اعلم أن هذا النوع من النذر كان في شرع بني إسرائيل و غير موجود في شرعنا، و الشرائع لا يمتنع اختلافها في مثل هذه الأحكام.

قال تعالى: فَلَمََّا وَضَعَتْهََا و اعلم أن هذا الضمير إما أن يكون عائداً إلى الأنثى التي كانت في بطنها و كان عالماً بأنها كانت أنثى أو يقال: إنها عادت إلى النفس و النسمة أو يقال: عادت إلى المنذورة.

ثم قال تعالى: قََالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهََا أُنْثى‏ََ و اعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها، و كان الغالب على ظنها أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها، و كانت العادة عندهم أن الذي‏

204

يحرر و يفرغ لخدمة المسجد و طاعة اللّه هو الذكر دون الأنثى فقالت رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهََا أُنْثى‏ََ خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتمد به و معتذرة من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك لان على سبيل الإعلام للّه تعالى، تعالى اللّه عن أن يحتاج إلى إعلامها، بل ذكرت ذلك على سبيل الاعتذار.

ثم قال اللّه تعالى: وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا وَضَعَتْ قرأ أبو بكر عن عاصم و ابن عامر وَضَعَتْ برفع التاء على تقدير أنها حكاية كلامها، و الفائدة في هذا الكلام أنها لما قالت إِنِّي وَضَعْتُهََا أُنْثى‏ََ خافت أن يظن بها أنها تخبر اللّه تعالى، فأزالت الشبهة بقولها وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا وَضَعَتْ و ثبت أنها إنما قالت ذلك للاعتذار لا للاعلام، و الباقون بالجزم على أنه كلام اللّه، و على هذه القراءة يكون المعنى أنه تعالى قال: و اللّه أعلم بما وضعت تعظيماً لولدها، و تجهيلاً لها بقدر ذلك الولد، و معناه: و اللّه أعلم بالشي‏ء الذي وضعت و بما علق به من عظائم الأمور، و أن يجعله و ولده آية للعالمين، و هي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تحسرت، و في قراءة ابن عباس وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا وَضَعَتْ على خطاب اللّه لها، أي: أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب و اللّه هو العالم بما فيه من العجائب و الآيات.

ثم قال تعالى حكاية عنها وَ لَيْسَ اَلذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ََ و فيه قولان الأول: أن مرادها تفضيل الولد الذكر على الأنثى، و سبب هذا التفضيل من وجوه أحدها: أن شرعهم أنه لا يجوز تحرير الذكور دون الإناث و الثاني: أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة، و لا يصح/ذلك في الأنثى لمكان الحيض و سائر عوارض النسوان و الثالث: الذكر يصلح لقوته و شدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة و الرابع: أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة و الاختلاط بالناس و ليس كذلك الأنثى و الخامس: أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المعنى.

و القول الثاني: أن المقصود من هذا الكلام ترجيح هذه الأنثى على الذكر، كأنها قالت الذكر مطلوبي و هذه الأنثى موهوبة اللّه تعالى، و ليس الذكر الذي يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة للّه، و هذا الكلام يدل على أن تلك المرأة كانت مستغرقة في معرفة جلال اللّه عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه.

ثم حكى تعالى عنها كلاماً ثانياً و هو قولها وَ إِنِّي سَمَّيْتُهََا مَرْيَمَ و فيه أبحاث:

البحث الأولى: أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم، فلذلك تولت الأم تسميتها، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء.

البحث الثاني: أن مريم في لغتهم: العابدة، فأرادت بهذه التسمية أن تطلب من اللّه تعالى أن يعصمها من آفات الدين و الدنيا، و الذي يؤكد هذا قولها بعد ذلك وَ إِنِّي أُعِيذُهََا بِكَ وَ ذُرِّيَّتَهََا مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ .

البحث الثالث: أن قوله وَ إِنِّي سَمَّيْتُهََا مَرْيَمَ معناه: و إني سميتها بهذا اللفظ أي جعلت هذا اللفظ اسماً لها، و هذا يدل على أن الاسم و المسمى و التسمية أمور ثلاثة متغايرة.

ثم حكى اللّه تعالى عنها كلاماً ثالثاً و هو قولها وَ إِنِّي أُعِيذُهََا بِكَ وَ ذُرِّيَّتَهََا مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ و ذلك لأنه لما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلاً خادماً للمسجد تضرعت إلى اللّه تعالى في أن يحفظها من الشيطان‏

205

الرجيم، و أن يجعلها من الصالحات القانتات، و تفسير الشيطان الرجيم قد تقدم في أول الكتاب.

و لما حكى اللّه تعالى عن حنة هذه الكلمات قال: فَتَقَبَّلَهََا رَبُّهََا بِقَبُولٍ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: إنما قال فَتَقَبَّلَهََا رَبُّهََا بِقَبُولٍ حَسَنٍ و لم يقل: فتقبلها ربها بتقبل لأن القبول و التقبل متقاربان قال تعالى: وَ اَللََّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبََاتاً [نوح: 17]أي إنباتاً، و القبول مصدر قولهم: قبل فلان الشي‏ء قبولاً إذا رضيه، قال سيبويه: خمسة مصادر جاءت على فعول: قبول و طهور و وضوء و وقود و ولوغ، إلا أن الأكثر في الوقود إذا كان مصدرا الضم، و أجاز الفراء و الزجاج: قبولا بالضم، و روى ثعلب عن ابن الأعرابي يقال: قبلته قبولا و قبولا، و في الآية وجه آخر و هو أن ما كان من باب التفعل فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل كالتصبر و التجلد و نحوهما فإنهما يفيدان الجد في إظهار الصبر و الجلادة، فكذا هاهنا التقبل يفيد المبالغة في إظهار القبول.

فإن قيل: فلم لم يقل: فتقبلها ربها بتقبل حسن حتى صارت المبالغة أكمل؟ و الجواب: أن لفظ التقبل و إن أفاد ما ذكرنا إلا أنه يفيد نوع تكلف على خلاف الطبع، أما القبول فإنه يفيد معنى القبول على وفق الطبع فذكر التقبل ليفيد الجد و المبالغة، ثم ذكر القبول ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبع، بل على وفق الطبع، و هذه الوجوه و إن كانت ممتنعة في حق اللّه تعالى، إلا أنها تدل من حيث الاستعارة على حصول العناية العظيمة في تربيتها، و هذا الوجه مناسب معقول.

المسألة الثانية: ذكر المفسرون في تفسير ذلك القبول الحسن وجوها:

الوجه الأول: أنه تعالى عصمها و عصم ولدها عيسى عليه السلام من مس الشيطان‏

روى أبو هريرة أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «ما من مولود يولد إلا و الشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إلا مريم و ابنها»

ثم قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم وَ إِنِّي أُعِيذُهََا بِكَ وَ ذُرِّيَّتَهََا مِنَ اَلشَّيْطََانِ طعن القاضي في هذا الخبر و قال: إنه خبر واحد على خلاف الدليل فوجب رده، و إنما قلنا: إنه على خلاف الدليل لوجوه أحدها: أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير و الشر و الصبي و ليس كذلك و الثاني: أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين و إفساد أحوالهم و الثالث: لم خص بهذا الاستثناء مريم و عيسى عليهما السلام دون سائر الأنبياء عليهم السلام الرابع: أن ذلك النخس لو وجد بقي أثره، و لو بقي أثره لدام الصراخ و البكاء، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلانه، و اعلم أن هذه الوجوه محتملة، و بأمثالها لا يجوز دفع الخبر و اللّه أعلم.

الوجه الثاني: في تفسير أن اللّه تعالى تقبلها بقبول حسن، ما

روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة و حملتها إلى المسجد و وضعتها عند الأحبار أبناء هارون، و هم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، و قالت:

خذوا هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم، و كانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل و أحبارهم و ملوكهم فقال لهم زكريا: أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا و كانوا سبعة و عشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون الوحي بها على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات، ففي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق الماء و ترسب أقلامهم فأخذها زكريا.

206

الوجه الثالث: روى القفال عن الحسن أنه قال: إن مريم تكلمت في صباها كما تكلم المسيح و لم تلتقم ثدياً قط، و إن رزقها كان يأتيها من الجنة.

الوجه الرابع: في تفسير القبول الحسن أن المعتاد في تلك الشريعة أن التحرير لا يجوز إلا في حق الغلام حين يصير عاقلاً قادراً على خدمة المسجد، و هاهنا لما علم اللّه تعالى تضرع تلك المرأة/قبل تلك الجارية حال صغرها و عدم قدرتها على خدمة المسجد، فهذا كله هو الوجوه المذكورة في تفسير القبول الحسن.

ثم قال اللّه تعالى: وَ أَنْبَتَهََا نَبََاتاً حَسَناً قال ابن الأنباري: التقدير أنبتها فنبتت هي نباتاً حسناً ثم منهم من صرف هذا النبات الحسن إلى ما يتعلق بالدنيا، و منهم من صرفه إلى ما يتعلق بالدين، أما الأول فقالوا: المعنى أنها كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام واحد، و أما في الدين فلأنها نبتت في الصلاح و السداد و العفة و الطاعة.

ثم قال اللّه تعالى: وَ كَفَّلَهََا زَكَرِيََّا و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: يقال: كفل يكفل كفالة و كفلاً فهو كافل، و هو الذي ينفق على إنسان و يهتم بإصلاح مصالحه، و

في الحديث «أنا و كافل اليتيم كهاتين»

و قال اللّه تعالى: أَكْفِلْنِيهََا .

المسألة الثانية: قرأ عاصم و حمزة و الكسائي (و كفلها) بالتشديد، ثم اختلفوا في زكريا فقرأ عاصم بالمد، و قرأ حمزة و الكسائي بالقصر على معنى ضمها اللّه تعالى إلى زكريا، فمن قرأ (زكرياء) بالمد أظهر النصب و من قرأ بالقصر كان في محل النصب و الباقون قرءوا بالمد و الرفع على معنى ضمها زكرياء إلى نفسه، و هو الاختيار، لأن هذا مناسب لقوله تعالى: أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ و عليه الأكثر، و عن ابن كثير في رواية كَفَّلَهََا بكسر الفاء، و أما القصر و المد في زكريا فهما لغتان، كالهيجاء و الهيجا، و قرأ مجاهد فَتَقَبَّلَهََا رَبُّهََا ، ... وَ أَنْبَتَهََا ، ... وَ كَفَّلَهََا على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، و نصب رَبُّهََا كأنها كانت تدعو اللّه فقالت: اقبلها يا ربها، و أنبتها يا ربها، و اجعل زكريا كافلاً لها.

المسألة الثالثة: اختلفوا في كفالة زكريا عليه السلام إياها متى كانت، فقال الأكثرون: كان ذلك حال طفوليتها، و به جاءت الروايات، و قال بعضهم: بل إنما كفلها بعد أن فطمت، و احتجوا عليه بوجهين الأول: أنه تعالى قال: وَ أَنْبَتَهََا نَبََاتاً حَسَناً ثم قال: وَ كَفَّلَهََا زَكَرِيََّا و هذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النبات الحسن و الثاني: أنه تعالى قال: وَ كَفَّلَهََا زَكَرِيََّا كُلَّمََا دَخَلَ عَلَيْهََا زَكَرِيَّا اَلْمِحْرََابَ وَجَدَ عِنْدَهََا رِزْقاً قََالَ يََا مَرْيَمُ أَنََّى لَكِ هََذََا قََالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ و هذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع وقت تلك الكفالة، و أصحاب القول الأول أجابوا بأن الواو لا توجب الترتيب، فلعل الإنبات الحسن و كفالة زكرياء حصلا معاً.

و أما الحجة الثانية: فلعل دخوله عليها و سؤاله منها هذا السؤال إنما وقع في آخر زمان الكفالة.

ثم قال اللّه: كُلَّمََا دَخَلَ عَلَيْهََا زَكَرِيَّا اَلْمِحْرََابَ وَجَدَ عِنْدَهََا رِزْقاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اَلْمِحْرََابَ الموضع العالي الشريف، قال عمر بن أبي ربيعة:

ربة محراب إذا جئتها # لم أدن حتى أرتقي سلما

207

و احتج الأصمعي على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى: إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرََابَ [ص: 21]و التسور لا يكون إلا من علو، و قيل: المحراب أشرف المجالس و أرفعها، يروى أنها لما صارت شابة بنى زكريا عليه السلام لها غرفة في المسجد، و جعل بابها في وسطه لا يصعد إليه إلا بسلم، و كان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا على صحة القول بكرامة الأولياء بهذه الآية، و وجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن زكرياء كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم: أنى لك هذا؟قالت هو من عند اللّه، فحصول ذلك الرزق عندها إما أن يكون خارقاً للعادة، أو لا يكون، فإن قلنا: إنه غير خارق للعادة فهو باطل من خمسة أوجه الأول: أن على هذا التقدير لا يكون حصول ذلك الرزق عند مريم دليلاً على علو شأنها و شرف درجتها و امتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصية و معلوم أن المراد من الآية هذا المعنى و الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية هُنََالِكَ دَعََا زَكَرِيََّا رَبَّهُ قََالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً و القرآن دل على أنه كان آيساً من الولد بسبب شيخوخته و شيخوخة زوجته، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد فيستقيم قوله هُنََالِكَ دَعََا زَكَرِيََّا رَبَّهُ أما لو كان الذي شاهده في حق مريم لم يكن خارقاً للعادة لم تكن مشاهدة ذلك سبباً لطمعه في انخراق العادة بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر الثالث: أن التنكر في قوله وَجَدَ عِنْدَهََا رِزْقاً يدل على تعظيم حال ذلك الرزق، كأنه قيل: رزقاً. أي رزق غريب عجيب، و ذلك إنما يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية لو كان خارقاً للعادة الرابع: هو أنه تعالى قال: وَ جَعَلْنََاهََا وَ اِبْنَهََا آيَةً لِلْعََالَمِينَ [الأنبياء: 91]و لو لا أنه ظهر عليهما من الخوارق، و إلا لم يصح ذلك.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: المراد من ذلك هو أن اللّه تعالى خلق لها ولداً من غير ذكر؟ قلنا: ليس هذا بآية، بل يحتاج تصحيحه إلى آية، فكيف نحمل الآية على ذلك، بل المراد من الآية ما يدل على صدقها و طهارتها، و ذلك لا يكون إلا بظهور خوارق العادات على يدها كما ظهرت على يد ولدها عيسى عليه السلام الخامس: ما تواترت الروايات به أن زكريا عليه السلام كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، و فاكهة الصيف في الشتاء، فثبت أن الذي ظهر في حق مريم عليها السلام كان فعلاً خارقاً للعادة، فنقول: إما أن يقال: إنه كان معجزة لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك، و الأول باطل لأن النبي الموجود في ذلك الزمان هو زكريا عليه السلام، و لو كان ذلك معجزة له لكان هو عالماً بحاله و شأنه، فكان يجب أن لا يشتبه أمره عليه و أن لا يقول لمريم أَنََّى لَكِ هََذََا و أيضاً فقوله تعالى: هُنََالِكَ دَعََا زَكَرِيََّا رَبَّهُ مشعر بأنه لما سألها عن أمر تلك الأشياء ثم إنها ذكرت له أن ذلك من عند اللّه فهنالك طمع في انخراق العادة في حصول الولد من /المرأة العقيمة الشيخة العاقر و ذلك يدل على أنه ما وقف على تلك الأحوال إلا بأخبار مريم، و متى كان الأمر كذلك ثبت أن تلك الخوارق ما كانت معجزة لزكريا عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال: إنها كانت كرامة لعيسى عليه السلام، أو كانت كرامة لمريم عليها السلام، و على التقديرين فالمقصود حاصل، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية على وقوع كرامات الأولياء.

اعترض أبو علي الجبائي و قال: لم لا يجوز أن يقال إن تلك الخوارق كانت من معجزات زكريا عليه السلام، و بيانه من وجهين الأول: أن زكريا عليه السلام دعا لها على الإجمال أن يوصل اللّه إليها رزقاً، و أنه ربما

208

كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند اللّه تعالى، فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها أَنََّى لَكِ هََذََا قََالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ فعند ذلك يعلم أن اللّه تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة و الثاني: يحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً إلا أنه كان يأتيها من السماء، و كان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها، فقالت هو من عند اللّه لا من عند غيره.

المقام الثاني: أنا لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شي‏ء من خوارق العادات، بل معنى الآية أن اللّه تعالى كان قد سبب لها رزقاً على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات، فكان زكريا عليه السلام إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من وجه لا ينبغي، فكان يسألها عن كيفية الحال، هذا مجموع ما قاله الجبائي في «تفسيره» و هو في غاية الضعف، لأنه لو كان ذلك معجزاً لزكريا عليه السلام كان مأذوناً له من عند اللّه تعالى في طلب ذلك، و متى كان مأذوناً في ذلك الطلب كان عالماً قطعاً بأنه يحصل، و إذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال، و لم يبق أيضاً لقوله هُنََالِكَ دَعََا زَكَرِيََّا رَبَّهُ فائدة، و هذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني.

و أما سؤاله الثالث ففي غاية الركالة لأن هذا التقدير لا يبقى فيه وجه اختصاص لمريم بمثل هذه الواقعة، و أيضاً فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا ينبغي فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة فعلمنا سقوط هذه الأسئلة و باللّه التوفيق.

أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء، و دليل النبوّة لا يوجد مع غير الأنبياء، كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على العلم لا جرم لا يوجد في حق غير العالم.

و الجواب من وجوه الأول: و هو أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدعي، فإن ادعى صاحبه النبوّة فذاك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبياً، و إن ادعى الولاية فذلك يدل على كونه ولياً و الثاني: قال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهارها، و الأولياء مأمورون/بإخفائها و الثالث: و هو أن النبي يدعي المعجز و يقطع به، و الولي لا يمكنه أن يقطع به و الرابع: أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، و الكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة، فهذا جملة الكلام في هذا الباب و باللّه التوفيق.

ثم قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام: إِنَّ اَللََّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشََاءُ بِغَيْرِ حِسََابٍ فهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم، و أن يكون من كلام اللّه سبحانه و تعالى، و قوله بِغَيْرِ حِسََابٍ أي بغير تقدير لكثرته، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها، و هذا كقوله‏ وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاََ يَحْتَسِبُ [الطلاق: 3] و هاهنا آخر الكلام في قصة حنة.

القصة الثانية واقعة زكريا عليه السلام‏

في قوله تعالى هُنََالِكَ دَعََا زَكَرِيََّا رَبَّهُ و في الآية مسائل:

209

المسألة الأولى: اعلم أن قولنا: ثم، و هناك، و هنالك، يستعمل في المكان، و لفظة: عند، و حين يستعملان في الزمان، قال تعالى: فَغُلِبُوا هُنََالِكَ وَ اِنْقَلَبُوا صََاغِرِينَ [الأعراف: 119]و هو إشارة إلى المكان الذي كانوا فيه، و قال تعالى: إِذََا أُلْقُوا مِنْهََا مَكََاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنََالِكَ ثُبُوراً [الفرقان: 13]أي في ذلك المكان الضيق، ثم قد يستعمل لفظة هُنََالِكَ في الزمان أيضاً، قال تعالى: هُنََالِكَ اَلْوَلاََيَةُ لِلََّهِ اَلْحَقِّ [الكهف: 44] فهذا إشارة إلى الحال و الزمان.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله هُنََالِكَ دَعََا زَكَرِيََّا رَبَّهُ إن حملناه على المكان فهو جائز، أي في ذلك المكان الذي كان قاعداً فيه عند مريم عليها السلام، و شاهد تلك الكرامات دعا ربه، و إن حملناه على الزمان فهو أيضاً جائز، يعني في ذلك الوقت دعا ربه.

المسألة الثانية: اعلم أن قوله هُنََالِكَ دَعََا يقتضي أنه دعا بهذا الدعاء عند أمر عرفه في ذلك الوقت له تعلق بهذا الدعاء، و قد اختلفوا فيه، و الجمهور الأعظم من العلماء المحققين و المفسرين قالوا: هو أن زكريا عليه السلام رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء، و من فاكهة الشتاء في الصيف، فلما رأى خوارق العادات عندها، طمع في أن يخرقها اللّه تعالى في حقه أيضاً فيرزقه الولد/من الزوجة الشيخة العاقر.

و القول الثاني: و هو قول المعتزلة الذين ينكرون كرامات الأولياء، و إرهاصات الأنبياء قالوا: إن زكريا عليه السلام لما رأى آثار الصلاح و العفاف و التقوى مجتمعة في حق مريم عليها السلام اشتهى الولد و تمناه فدعا عند ذلك، و اعلم أن القول الأول أولى، و ذلك لأن حصول الزهد و العفاف و السيرة المرضية لا يدل على انخراق العادات، فرؤية ذلك لا يحمل الإنسان على طلب ما يخرق العادة، و أما رؤية ما يخرق العادة قد يطمعه في أن يطلب أيضاً فعلاً خارقاً للعادة و معلوم أن حدوث الولد من الشيخ الهرم، و الزوجة العاقر من خوارق العادات، فكان حمل الكلام على هذا الوجه أولى.

فإن قيل: إن قلتم إن زكريا عليه السلام ما كان يعلم قدرة اللّه تعالى على خرق العادات إلا عند ما شاهد تلك الكرامات عند مريم عليها السلام كان في هذا نسبة الشك في قدرة اللّه تعالى إلى زكريا عليه السلام.

فإن قلنا: إنه كان عالماً بقدرة اللّه على ذلك لمن تكن مشاهدة تلك الأشياء سبباً لزيادة علمه بقدرة اللّه تعالى، فلم يكن لمشاهدة تلك الكرامات أثر في ذلك، فلا يبقى لقوله هنالك أثر.

و الجواب: أنه كان قبل ذلك عالماً بالجواز، فأما أنه هل يقع أم لا فلم يكن عالماً به، فلما شاهد علم أنه إذا وقع كرامة لولي، فبأن يجوز وقوع معجزة لنبي كان أولى، فلا جرم قوي طمعه عند مشاهدة تلك الكرامات.

المسألة الثالثة: إن دعاء الأنبياء و الرسل عليهم الصلاة و السلام لا يكون إلا بعد الإذن، لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة، فحينئذ تصير دعوته مردودة، و ذلك نقصان في منصب الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، هكذا قاله المتكلمون، و عندي فيه بحث، و ذلك لأنه تعالى لما أذن في الدعاء مطلقاً، و بين أنه تارة يجيب و أخرى لا يجيب، فللرسول أن يدعو كلما شاء و أراد مما لا يكون معصية، ثم إنه تعالى تارة يجيب و أخرى لا يجيب، و ذلك لا يكون نقصاناً بمنصب الأنبياء عليهم الصلاة و السلام لأنهم على باب رحمة اللّه تعالى سائلون فإن أجابهم فبفضله و إحسانه و إن لم يجبهم فمن المخلوق حتى يكون له منصب على باب الخالق.

210

أما قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام: هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ففيه مسائل:

المسألة الأولى: أما الكلام في لفظة (لدن) فسيأتي في سورة الكهف و الفائدة في ذكره هاهنا أن حصول الولد في العرف و العادة له أسباب مخصوصة فلما طلب الولد مع فقدان تلك الأسباب كان المعنى: أريد منك إلهي أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة و أن تحدث هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسط شي‏ء من هذه الأسباب.

المسألة الثانية: لذرية النسل، و هو لفظ يقع على الواحد، و الجمع، و الذكر و الأنثى، و المراد منه هاهنا: ولد واحد، و هو مثل قوله‏ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [مريم: 5]قال الفراء: و أنث طَيِّبَةً لتأنيث الذرية في الظاهر، فالتأنيث و التذكير تارة يجي‏ء على اللفظ، و تارة على المعنى، و هذا إنما نقوله في أسماء الأجناس، أما في أسماء الأعلام فلا، لأنه لا يجوز أن يقال جاءت طلحة، لأن أسماء الأعلام لا تفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان ذلك الشخص مذكراً لم يجز فيها إلا التذكير.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: إِنَّكَ سَمِيعُ اَلدُّعََاءِ ليس المراد منه أن يسمع صوت الدعاء فذلك معلوم، بل المراد منه أن يجيب دعاءه و لا يخيب رجاءه، و هو كقول المصلين: سمع اللّه لمن حمده، يريدون قبل حمد من حمد من المؤمنين، و هذا متأكد بما قال تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام في سورة مريم‏ وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعََائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم: 4]

في قوله تعالى فَنََادَتْهُ اَلْمَلاََئِكَةُ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي: فناداه الملائكة، على التذكير و الإمالة، و الباقون على التأنيث على اللفظ، و قيل: من ذكر فلأن الفعل قبل الاسم، و من أنث فلأن الفعل للملائكة، و قرأ ابن عامر المحراب بالإمالة، و الباقون بالتفخيم، و في قراءة ابن مسعود: فناداه جبريل.

المسألة الثانية: ظاهر اللفظ يدل على أن النداء كان من الملائكة، و لا شك أن هذا في التشريف أعظم، فإن دل دليل منفصل أن المنادي كان جبريل عليه السلام فقط صرنا إليه. و حملنا هذا اللفظ على التأويل، فإنه يقال:

فلان يأكل الأطعمة الطيبة، و يلبس الثياب النفيسة، أي يأكل من هذا الجنس، و يلبس من هذا الجنس، مع أن المعلوم أنه لم يأكل جميع الأطعمة، و لم يلبس جميع الأثواب، فكذا هاهنا، و مثله في القرآن‏ اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ اَلنََّاسُ [آل عمران: 173]و هم نعيم بن مسعود/إن الناس: يعني أبا سفيان، قال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيساً جاز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه، فلما كان جبريل رئيس الملائكة، و قلما يبعث إلا و معه جمع صح ذلك.

أما قوله وَ هُوَ قََائِمٌ يُصَلِّي فِي اَلْمِحْرََابِ فهو يدل على أن الصلاة كانت مشروعة في دينهم، و المحراب قد ذكرنا معناه.

211

أما قوله أَنَّ اَللََّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ََ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: أما البشارة فقد فسرناها في قوله تعالى: وَ بَشِّرِ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ [البقرة: 25]و في قوله يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ََ وجهان الأول: أنه تعالى كان قد عرف زكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى و له ذرية عالية، فإذا قيل: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان ذلك بشارة له بيحيى عليه السلام و الثاني: أن اللّه يبشرك بولد اسمه يحيى.

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر و حمزة (إن) بكسر الهمزة، و الباقون بفتحها، أما الكسر فعلى إرادة القول، أو لأن النداء نوع من القول، و أما الفتح فتقديره: فنادته الملائكة بأن اللّه يبشرك.

المسألة الثالثة: قرأ حمزة و الكسائي يبشرك بفتح الياء و سكون الباء و ضم الشين، و قرأ الباقون يُبَشِّرُكَ و قرئ أيضاً يبشرك قال أبو زيد يقال: بشر يبشر بشراً، و بشر يبشر تبشيراً، و أبشر يبشر ثلاث لغات.

المسألة الرابعة: قرأ حمزة و الكسائي يحيى بالإمالة لأجل الياء و الباقون بالتفخيم، و أما أنه لم سمى يحيى فقد ذكرناه في سورة مريم، و اعلم أنه تعالى ذكر من صفات يحيى ثلاثة أنواع:

الصفة الأولى: قوله مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اَللََّهِ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال الواحدي قوله مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اَللََّهِ نصب على الحال لأنه نكرة، و يحيى معرفة.

المسألة الثانية: في المراد بِكَلِمَةٍ مِنَ اَللََّهِ قولان الأول: و هو قول أبي عبيدة: أنها كتاب من اللّه، و استشهد بقولهم: أنشد فلان كلمة، و المراد به القصيدة الطويلة.

و القول الثاني: و هو اختيار الجمهور: أن المراد من قوله بِكَلِمَةٍ مِنَ اَللََّهِ هو عيسى عليه السلام، قال السدي: لقيت أم عيسى أم يحيى عليهما السلام، و هذه حامل بيحيى و تلك بعيسى، فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟فقالت مريم: و أنا أيضاً حبلى، قالت امرأة زكريا فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اَللََّهِ و قال ابن عباس: إن يحيى كان أكبر سناً من عيسى بستة أشهر، و كان يحيى أول من آمن و صدق بأنه كلمة اللّه و روحه، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى عليهما السلام، فإن قيل: لم سمي عيسى كلمة في هذه الآية، و في قوله‏ إِنَّمَا اَلْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اَللََّهِ وَ كَلِمَتُهُ [النساء: 171]قلنا: فيه وجوه الأول: أنه خلق بكلمة اللّه، و هو قوله‏ كُنْ* /من غير واسطة الأب، فلما كان تكوينه بمحض قول اللّه‏ كُنْ* و بمحض تكوينه و تخليقه من غير واسطة الأب و البذر، لا جرم سمى: كلمة، كما يسمى المخلوق خلقاً، و المقدور قدرة، و المرجو رجاء، و المشتهي شهوة، و هذا باب مشهور في اللغة و الثاني: أنه تكلم في الطفولية، و آتاه اللّه الكتاب في زمان الطفولية، فكان في كونه متكلماً بالغاً مبلغاً عظيماً، فسمي كلمة بهذا التأويل و هو مثل ما يقال: فلان جود و إقبال إذا كان كاملاً فيهما و الثالث: أن الكلمة كما أنها تفيد المعاني و الحقائق، كذلك عيسى كان يرشد إلى الحقائق و الأسرار الإلهية، فسمى: كلمة، بهذا التأويل، و هو مثل تسميته روحاً من حيث إن اللّه تعالى أحيا به من الضلالة كما يحيا الإنسان بالروح، و قد سمى اللّه القرآن روحاً فقال: وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا

212

إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا [الشورى: 52]و الرابع: أنه قد وردت البشارة به في كتب الأنبياء الذين كانوا قبله، فلما جاء قيل: هذا هو تلك الكلمة، فسمى كلمة بهذا التأويل قالوا: و وجه المجاز فيه أن من أخبر عن حدوث أمر فإذا حدث ذلك الأمر قال: قد جاء قولي و جاء كلامي، أي ما كنت أقول و أتكلم به، و نظيره قوله تعالى:

وَ كَذََلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحََابُ اَلنََّارِ [غافر: 6]و قال: وَ لََكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ اَلْعَذََابِ عَلَى اَلْكََافِرِينَ [الزمر: 71]الخامس: أن الإنسان قد يسمى بفضل اللّه و لطف اللّه، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه العلم: كلمة اللّه، و روح اللّه، و اعلم أن كلمة اللّه هي كلامه، و كلامه على قول أهل السنة صفة قديمة قائمة بذاته، و على قول المعتزلة أصوات يخلقها اللّه تعالى في جسم مخصوص دالة بالوضع على معان مخصوصة، و العلم الضروري حاصل بأن الصفة القديمة أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال: أنها هي ذات عيسى عليه السلام، و لما كان ذلك باطلاً في بداهة العقول لم يبق إلا التأويل.

الصفة الثانية: ليحيى عليه السلام قوله وَ سَيِّداً و المفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال ابن عباس:

السيد الحليم، و قال الجبائي: إنه كان سيداً للمؤمنين، رئيساً لهم في الدين، أعني في العلم و الحلم و العبادة و الورع، و قال مجاهد: الكريم على اللّه، و قال ابن المسيب: الفقيه العالم، و قال عكرمة الذي لا يغلبه الغضب، قال القاضي: السيد هو المتقدم المرجوع إليه، فلما كان سيداً في الدين كان مرجوعاً إليه في الدين و قدوة في الدين، فيدخل فيه جميع الصفات المذكورة من العلم و الحلم و الكرم و العفة و الزهد و الورع.

الصفة الثالثة: قوله وَ حَصُوراً و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في تفسير الحصور و الحصر في اللغة الحبس، يقال حصره يحصره حصراً و حصر الرجل: أي اعتقل بطنه، و الحصور الذي يكتم السر و يحبسه، و الحصور الضيق البخيل، و أما المفسرون: فلهم قولان أحدهما: أنه كان عاجزا عن إتيان النساء، ثم منهم من قال كان ذلك لصغر الآلة، و منهم من قال: كان ذلك لتعذر الإنزال، و منهم من قال: كان ذلك لعدم القدرة، /فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول، كأنه قال محصور عنهن، أي محبوس، و مثله ركوب بمعنى مركوب و حلوب بمعنى محلوب، و هذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان و ذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز، و لأن على هذا التقدير لا يستحق به ثواباً و لا تعظيماً.

و القول الثاني: و هو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة و الزهد، و ذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس و منعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل و كذا الشروب، و الظلوم، و الغشوم، و المنع إنما يحصل أن لو كان المقتضي قائماً، فلو لا أن القدرة و الداعية كانتا موجودتين، و إلا لما كان حاصراً لنفسه فضلاً عن أن يكون حصوراً، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر و الدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة و الداعية و القدرة، و على هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل و ذلك لأنه تعالى مدحه بترك النكاح، و ذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة، و إذا ثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل، وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص و المعقول، أما النص فقوله تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللََّهُ فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ [الأنعام: 90]و أما المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان و النسخ على خلاف الأصل.

213

الصفة الرابعة: قوله وَ نَبِيًّا و اعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين أحدهما: قدرته على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين و الثاني: ضبط مصالحهم فيما يرجع إلى التأديب و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و أما الحصور فهو إشارة إلى الزهد التام فلما اجتمعا حصلت النبوة بعد ذلك، لأنه ليس بعدهما إلا النبوة.

الصفة الخامسة: قوله مِنَ اَلصََّالِحِينَ و فيه ثلاثة أوجه الأول: معناه أنه من أولاد الصالحين و الثاني: أنه خير كما يقال في الرجل الخير (إنه من الصالحين) و الثالث: أن صلاحه كان أتم من صلاح سائر الأنبياء، بدليل

قوله عليه الصلاة و السلام: «ما من نبي إلا و قد عصى، أو هم بمعصية غير يحيى فإنه لم يعص و لم يهم» .

فإن قيل: لما كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح فلما وصفه بالنبوة فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح؟ قلنا: أليس أن سليمان عليه السلام بعد حصول النبوة قال: وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبََادِكَ اَلصََّالِحِينَ [النمل: 19]و تحقيق القول فيه: أن للأنبياء قدراً من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة، فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر، و كل من كان أكثر نصيباً منه كان أعلى قدراً و اللّه أعلم.

قوله تعالى: قََالَ رَبِّ أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ في الآية سؤالات:

السؤال الأول: قوله رَبِّ خطاب مع اللّه أو مع الملائكة، لأنه جائز أن يكون خطاباً مع اللّه، لأن الآية المتقدمة دلت على أن الذين نادوه هم الملائكة، و هذا الكلام لا بد أن يكون خطاباً مع ذلك المنادي لا مع غيره، و لا جائز أن يكون خطاباً مع الملك، لأنه لا يجوز للإنسان أن يقول للملك: يا رب.

و الجواب: للمفسرين فيه قولان الأول: أن الملائكة لما نادوه بذلك و بشروه به تعجب زكريا عليه السلام و رجع في إزالة ذلك التعجب إلى اللّه تعالى و الثاني: أنه خطاب مع الملائكة و الرب إشارة إلى المربي، و يجوز وصف المخلوق به، فإنه يقال: فلان يربيني و يحسن إلي.

السؤال الثاني: لما كان زكريا عليه السلام هو الذي سأل الولد، ثم أجابه اللّه تعالى إليه فلم تعجب منه و لم استبعده؟ الجواب: لم يكن هذا الكلام لأجل أنه كان شاكاً في قدرة اللّه تعالى على ذلك و الدليل عليه وجهان الأول: أن كل أحد يعلم أن خلق الولد من النطفة إنما كان على سبيل العادة لأنه لو كان لا نطفة إلا من خلق، و لا خلق إلا من نطفة، لزم التسلسل و لزم حدوث الحوادث في الأزل و هو محال، فعلمنا أنه لا بد من الانتهاء إلى مخلوق خلقه اللّه تعالى لا من نطفة أو من نطفة خلقها اللّه تعالى لا من إنسان.

و الوجه الثاني: أن زكريا عليه السلام طلب ذلك من اللّه تعالى، فلو كان ذلك محالاً ممتنعاً لما طلبه من اللّه تعالى، فثبت بهذين الوجهين أن قوله أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ ليس للاستبعاد، بل ذكر العلماء فيه وجوهاً الأول: أنه قوله أَنََّى معناه: من أين. و يحتمل أن يكون معناه: كيف تعطي ولداً على القسم الأول أم على القسم الثاني، و ذلك لأن حدوث الولد يحتمل وجهين أحدهما: أن يعيد اللّه شبابه ثم يعطيه الولد مع‏

214

شيخوخته، فقوله أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ معناه: كيف تعطي الولد على القسم الأول أم على القسم الثاني؟فقيل له كذلك، أي على هذا الحال و اللّه يفعل ما يشاء، و هذا القول ذكره الحسن و الأصم و الثاني: أن من كان آيساً من الشي‏ء مستبعداً لحصوله و وقوعه إذا اتفق أن حصل له ذلك المقصود فربما صار كالمدهوش من شدة الفرح فيقول: كيف حصل هذا، و من أين وقع هذا كمن يرى إنساناً وهبه أموالاً عظيمة، يقول كيف وهبت هذه الأموال، و من أين سمحت نفسك بهبتها؟فكذا هاهنا لما كان زكريا عليه السلام مستبعدا لذلك، ثم اتفق إجابة اللّه تعالى إليه، صار من عظم فرحه و سروره قال ذلك الكلام الثالث: أن الملائكة لما بشّروه بيحيى لم يعلم أنه يرزق الولد من جهة أنثى أو من صلبه، فذكر هذا الكلام لذلك الاحتمال الرابع: أن العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شي‏ء فطلبه من السيد، ثم إن/السيد يعده بأنه سيعطيه بعد ذلك، فالتذ السائل بسماع ذلك الكلام، فربما أعاد السؤال ليعيد ذلك الجواب فحينئذ يلتذ بسماع تلك الإجابة مرة أخرى، فالسبب في إعادة زكريا هذا الكلام يحتمل أن يكون من هذا الباب الخامس: نقل سفيان بن عيينة أنه قال: كان دعاؤه قبل البشارة بستين سنة حتى كان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة فلما سمع البشارة زمان الشيخوخة لا جرم استبعد ذلك على مجرى العادة لا شكا في قدرة اللّه تعالى فقال ما قال السادس: نقل عن السدي أن زكريا عليه السلام جاءه الشيطان عند سماع البشارة فقال إن هذا الصوت من الشيطان، و قد سخر منك فاشتبه الأمر على زكريا عليه السلام فقال:

رَبِّ أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ و كان مقصوده من هذا الكلام أن يريه اللّه تعالى آية تدل على أن ذلك الكلام من الوحي و الملائكة لا من إلقاء الشيطان قال القاضي: لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشيطان عند الوحي على الأنبياء عليهم الصلاة و السلام إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كل الشرائع و يمكن أن يقال: لما قامت المعجزات على صدق الوحي في كل ما يتعلق بالدين لا جرم حصل الوثوق هناك بأن الوحي من اللّه تعالى بواسطة الملائكة و لا مدخل للشيطان فيه، أما ما يتعلق بمصالح الدنيا و بالولد فربما لم يتأكد ذلك المعجز فلا جرم بقي احتمال كون ذلك من الشيطان فلا جرم رجع إلى اللّه تعالى في أن يزيل عن خاطره ذلك الاحتمال.

أما قوله تعالى: وَ قَدْ بَلَغَنِيَ اَلْكِبَرُ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الكبر مصدر كبر الرجل يكبر إذا أسن، قال ابن عباس: كان يوم بشر بالولد ابن عشرين و مائة سنة و كانت امرأته بنت تسعين و ثمان.

المسألة الثانية: قال أهل المعاني: كل شي‏ء صادفته و بلغته فقد صادفك و بلغك، و كلما جاز أن يقول:

بلغت الكبر جاز أن يقول بلغني الكبر يدل عليه قول العرب: لقيت الحائط، و تلقاني الحائط.

فإن قيل: يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد، قلنا: هذا لا يجوز، و الفرق بين الموضعين أن الكبر كالشي‏ء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه، و الإنسان أيضاً يأتيه بمرور السنين عليه، أما البلد فليس كالطالب للإنسان الذاهب، فظهر الفرق.

أما قوله وَ اِمْرَأَتِي عََاقِرٌ .

اعلم أن العاقر من النساء التي لا تلد، يقال: عقر يعقر عقراً، و يقال أيضاً عقر الرجل، و عقر بالحركات الثلاثة في القاف إذا لم يحمل له، و رمل عاقر: لا ينبت شيئاً، و اعلم أن زكريا عليه السلام ذكر كبر نفسه مع‏

215

كون زوجته عاقراً لتأكيد حال الاستبعاد.

أما قوله قََالَ كَذََلِكَ اَللََّهُ يَفْعَلُ مََا يَشََاءُ ففيه بحثان الأول: أن قوله قََالَ عائد إلى مذكور/سابق، و هو الرب المذكور في قوله قََالَ رَبِّ أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ و قد ذكرنا أن ذلك يحتمل أن يكون هو اللّه تعالى، و أن يكون هو جبريل.

البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف» كَذََلِكَ اَللََّهُ مبتدأ و خبر أي على نحو هذه الصفة اللّه، و يفعل ما يشاء بيان له، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادة.

في قوله تعالى قََالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قََالَ آيَتُكَ أَلاََّ تُكَلِّمَ اَلنََّاسَ ثَلاََثَةَ أَيََّامٍ و اعلم أن زكريا عليه السلام لفرط سروره بما بشّر به وثقته بكرم ربه، و إنعامه عليه أحب أن يجعل له علامة تدل على حصول العلوق، و ذلك لأن العلوق لا يظهر في أول الأمر فقال: رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً فقال اللّه تعالى: آيَتُكَ أَلاََّ تُكَلِّمَ اَلنََّاسَ ثَلاََثَةَ أَيََّامٍ إِلاََّ رَمْزاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكره هاهنا ثلاثة أيام، و ذكر في سورة مريم ثلاثة ليالي فدل مجموع الآيتين على أن تلك الآية كانت حاصلة في الأيام الثلاثة مع لياليها.

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير هذه الآية وجوهاًأحدها: أنه تعالى حبس لسانه ثلاثة أيام فلم يقدر أن يكلم الناس إلا رمزاً، و فيه فائدتان إحداهما: أن يكون ذلك آية على علوق الولد و الثانية: أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا، و أقدره على الذكر و التسبيح و التهليل، ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر اللّه تعالى، و بالطاعة و الشكر على تلك النعمة الجسيمة و على هذا التقدير يصير الشي‏ء الواحد علامة على المقصود، و أداء لشكر تلك النعمة، فيكون جامعاً لكل المقاصد.

ثم اعلم أن تلك الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه أحدها: أن قدرته على التكلم بالتسبيح و الذكر، و عجزه عن التكلم بأمور الدنيا من أعظم المعجزات و ثانيها: أن حصول ذلك المعجز في تلك الأيام المقدورة مع سلامة البنية و اعتدال المزاج من جملة المعجزات و ثالثها: أن إخباره بأنه متى حصلت هذه الحالة فقد حصل الولد، ثم إن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضاً من المعجزات.

القول الثاني في تفسير هذه الآية: و هو قول أبي مسلم: أن المعنى أن زكريا عليه السلام لما طلب من اللّه تعالى آية تدله على حصول العلوق، قال آيتك أن لا تكلم، أي تصير مأموراً بأن/لا تتكلم ثلاثة أيام بلياليها مع الخلق، أي تكون مشتغلاً بالذكر و التسبيح و التهليل معرضاً عن الخلق و الدنيا شاكراً للّه تعالى على إعطاء مثل هذه الموهبة، فإن كانت لك حاجة دل عليها بالرمز فإذا أمرت بهذه الطاعة فاعلم أنه قد حصل المطلوب، و هذا القول عندي حسن معقول، و أبو مسلم حسن الكلام في التفسير كثير الغوص على الدقائق، و اللطائف.

القول الثالث: روي عن قتادة أنه عليه الصلاة و السلام عوقب بذلك من حيث سأل الآية بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه و صير بحيث لا يقدر على الكلام.

216

أما قوله إِلاََّ رَمْزاً ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: أصل الرمز الحركة، يقال: ارتمز إذا تحرك، و منه قيل للبحر: الراموز، ثم اختلفوا في المراد بالرمز هاهنا على أقوال أحدها: أنه عبارة عن الإشارة كيف كانت باليد، أو الرأس، أو الحاجب، أو العين، أو الشفة و الثاني: أنه عبارة عن تحريك الشفتين باللفظ من غير نطق و صوت قالوا: و حمل الرمز على هذا المعنى أولى، لأن الإشارة بالشفتين يمكن وقوعها بحيث تكون حركات الشفتين وقت الرمز مطابقة لحركاتهما عند النطق فيكون الاستدلال بتلك الحركات على المعاني الذهنية أسهل و الثالث: و هو أنه كان يمكنه أن يتكلم بالكلام الخفي، و أما رفع الصوت بالكلام فكان ممنوعاً منه.

فإن قيل: الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه؟.

قلنا: لما أدى ما هو المقصود من الكلام سمي كلاماً، و يجوز أيضاً أن يكون استثناءً منقطعاً فأما إن حملنا الرمز على الكلام الخفي فإن الإشكال زائل.

المسألة الثانية: قرأ يحيى بن وثاب إِلاََّ رَمْزاً بضمتين جمع رموز، كرسول و رسل، و قرئ رَمْزاً بفتح الراء و الميم جمع رامز، كخادم و خدم، و هو حال منه و من الناس، و معنى إِلاََّ رَمْزاً إلا مترامزين، كما يتكلم الناس مع الأخرس بالإشارة و يكلمهم.

ثم قال اللّه تعالى: وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً و فيه قولان أحدهما: أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا إِلاََّ رَمْزاً فأما في الذكر و التسبيح، فقد كان لسانه جيداً، و كان ذلك من المعجزات الباهرة و الثاني:

إن المراد منه الذكر بالقلب و ذلك لأن المستغرقين في بحار معرفة اللّه تعالى عادتهم في الأول أن يواظبوا على الذكر اللساني مدة فإذا امتلأ القلب من نور ذكر اللّه سكت اللسان و بقي الذكر في القلب، و لذلك قالوا: من عرف اللّه كل لسانه، فكأن زكريا عليه السلام أمر بالسكوت و استحضار معاني الذكر و المعرفة و استدامتها.

وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِبْكََارِ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: (العشي) من حين نزول الشمس إلى أن تغيب، قال الشاعر:

فلا الظل من برد الضحى تستطيعه # و لا الفي‏ء من برد العشى تذوق‏

و الفي‏ء إنما يكون من حين زوال الشمس إلى أن يتناهى غروبها، و أما الإبكار فهو مصدر بكر يبكر إذا خرج للأمر في أول النهار، و مثله بكر و ابتكر و بكر، و منه الباكورة لأول الثمرة، هذا هو أصل اللغة، ثم سمي ما بين طلوع الفجر إلى الضحى: إبكاراً، كما سمي إصباحاً، و قرأ بعضهم (و الأبكار) بفتح الهمزة، جمع بكر كسحر و أسحار، و يقال: أتيته بكراً بفتحتين.

المسألة الثانية: في قوله وَ سَبِّحْ قولان أحدهما: المراد منه: وصل لأن الصلاة تسمى تسبيحاً قال اللّه تعالى: فَسُبْحََانَ اَللََّهِ حِينَ تُمْسُونَ و أيضاً الصلاة مشتملة على التسبيح، فجاز تسمية الصلاة بالتسبيح، و هاهنا الدليل دل على وقوع هذا المحتمل و هو من وجهين الأول: أنا لو حملناه على التسبيح و التهليل لم يبق بين هذه الآية و بين ما قبلها و هو قوله وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ فرق، و حينئذ يبطل لأن عطف الشي‏ء على نفسه غير جائز و الثاني:

217

و هو أنه شديد الموافقة لقوله تعالى: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ طَرَفَيِ اَلنَّهََارِ و ثانيهما: أن قوله وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ محمول على الذكر باللسان.

القصة الثالثة وصفه طهارة مريم صلوات اللّه عليها

في قوله تعالى وَ إِذْ قََالَتِ اَلْمَلاََئِكَةُ يََا مَرْيَمُ إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفََاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اِصْطَفََاكِ عَلى‏ََ نِسََاءِ اَلْعََالَمِينَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: عامل الإعراب هاهنا في إِذْ هو ما ذكرناه في قوله‏ إِذْ قََالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرََانَ [آل عمران: 35]من قوله‏ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ ثم عطف عليه إِذْ قََالَتِ اَلْمَلاََئِكَةُ و قيل: تقديره و اذكر إذ قالت الملائكة.

المسألة الثانية: قالوا المراد بالملائكة هاهنا جبريل وحده، و هذا كقوله‏ يُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [النحل: 2]يعني جبريل، و هذا و إن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه، لأن/سورة مريم دلت على أن المتكلم مع مريم عليها السلام هو جبريل عليه السلام، و هو قوله‏ فَأَرْسَلْنََا إِلَيْهََا رُوحَنََا فَتَمَثَّلَ لَهََا بَشَراً سَوِيًّا [مريم: 17].

المسألة الثالثة: اعلم أن مريم عليها السلام ما كانت من الأنبياء لقوله تعالى: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ إِلاََّ رِجََالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‏ََ [يوسف: 109]و إذا كان كذلك كان إرسال جبريل عليه السلام إليها إما أن يكون كرامة لها، و هو مذهب من يجوز كرامات الأولياء، أو إرهاصاً لعيسى عليه السلام، و ذلك جائز عندنا، و عند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكرياء عليه السلام، و هو قول جمهور المعتزلة، و من الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع و الإلهام و الإلقاء في القلب، كما كان في حق أم موسى عليه السلام في قوله‏ وَ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ أُمِّ مُوسى‏ََ [القصص: 7].

المسألة الرابعة: اعلم أن المذكور في هذه الآية أولاً: هو الاصطفاء، و ثانياً: التطهير، و ثالثاً: الاصطفاء على نساء العالمين، و لا يجوز أن يكون الاصطفاء أولاً من الاصطفاء الثاني، لما أن التصريح بالتكرير غير لائق، فلا بد من صرف الاصطفاء الأول إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة في أول عمرها، و الاصطفاء الثاني إلى ما اتفق لها في آخر عمرها.

النوع الأول من الاصطفاء: فهو أمور أحدها: أنه تعالى قبل تحريرها مع أنها كانت أنثى و لم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث و ثانيها: قال الحسن: إن أمها لما وضعتها ما غذتها طرفة عين، بل ألقتها إلى زكريا، و كان رزقها يأتيها من الجنة و ثالثها: أنه تعالى فرغها لعبادته، و خصها في هذا المعنى بأنواع اللطف و الهداية و العصمة و رابعها: أنه كفاها أمر معيشتها، فكان يأتيها رزقها من عند اللّه تعالى على ما قال اللّه تعالى:

218

أَنََّى لَكِ هََذََا قََالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ و خامسها: أنه تعالى أسمعها كلام الملائكة شفاها، و لم يتفق ذلك لأنثى غيرها، فهذا هو المراد من الاصطفاء الأول، و أما التطهير ففيه وجوه أحدها: أنه تعالى طهرها عن الكفر و المعصية، فهو كقوله تعالى في أزواج النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: 33]و ثانيها: أنه تعالى طهرها عن مسيس الرجال و ثالثها: طهرها عن الحيض، قالوا: كانت مريم لا تحيض و رابعها: و طهرك من الأفعال الذميمة، و العادات القبيحة و خامسها: و طهرك عن مقالة اليهود و تهمتهم و كذبهم.

و أما الاصطفاء الثاني: فالمراد أنه تعالى وهب لها عيسى عليه السلام من غير أب، و انطق عيسى حال انفصاله منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن التهمة، و جعلها و ابنها آية للعالمين، فهذا هو المراد من هذه الألفاظ الثلاثة.

المسألة الخامسة:

روي أنه عليه الصلاة و السلام قال: «حسبك من نساء العالمين أربع: مريم و آسية امرأة فرعون، و خديجة، و فاطمة عليهن السلام»

فقيل هذا الحديث دل على أن هؤلاء الأربع أفضل من النساء، و هذه الآي دلت على أن مريم عليها السلام أفضل من الكل، و قول من/قال المراد إنها مصطفاة على عالمي زمانها، فهذا ترك الظاهر.

ثم قال تعالى: يََا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اُسْجُدِي و قد تقدم تفسير القنوت في سورة البقرة في قوله تعالى:

وَ قُومُوا لِلََّهِ قََانِتِينَ [البقرة: 238]و بالجملة فلما بيّن تعالى أنها مخصوصة بمزيد المواهب و العطايا من اللّه أوجب عليها مزيد الطاعات، شكراً لتلك النعم السنية، و في الآية سؤالات:

السؤال الأول: لم قدم ذكر السجود على ذكر الركوع؟.

و الجواب من وجوه الأول: أن الواو تفيد الاشتراك و لا تفيد الترتيب الثاني: أن غاية قرب العبد من اللّه أن يكون ساجداً

قال عليه الصلاة و السلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد»

فلما كان السجود مختصاً بهذا النوع من الرتبة و الفضيلة لا جرم قدمه على سائر الطاعات.

ثم قال: وَ اِرْكَعِي مَعَ اَلرََّاكِعِينَ و هو إشارة إلى الأمر بالصلاة، فكأنه تعالى يأمرها بالمواظبة على السجود في أكثر الأوقات، و أما الصلاة فإنها تأتي بها في أوقاتها المعينة لها و الثالث: قال ابن الأنباري: قوله تعالى: اُقْنُتِي أمر بالعبادة على العموم، ثم قال بعد ذلك اُسْجُدِي وَ اِرْكَعِي يعني استعملي السجود في وقته اللائق به، و استعملي الركوع في وقته اللائق به، و ليس المراد أن يجمع بينهما، ثم يقدم السجود على الركوع و اللّه أعلم الرابع: أن الصلاة تسمى سجوداً كما قيل في قوله‏ وَ أَدْبََارَ اَلسُّجُودِ [ق: 40]و

في الحديث «إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين»

و أيضاً المسجد سمي باسم مشتق من السجود و المراد منه موضع الصلاة، و أيضاً أشرف أجزاء الصلاة السجود و تسمية الشي‏ء باسم أشرف أجزائه نوع مشهور في المجاز.

إذا ثبت هذا فنقول قوله يََا مَرْيَمُ اُقْنُتِي معناه: يا مريم قومي، و قوله وَ اُسْجُدِي أي صلي فكان المراد من هذا السجود الصلاة، ثم قال: وَ اِرْكَعِي مَعَ اَلرََّاكِعِينَ إما أن يكون أمراً لها بالصلاة بالجماعة فيكون قوله وَ اُسْجُدِي أمراً بالصلاة حال الانفراد، و قوله وَ اِرْكَعِي مَعَ اَلرََّاكِعِينَ أمراً بالصلاة في الجماعة، أو يكون المراد من الركوع التواضع و يكون قوله وَ اُسْجُدِي أمراً ظاهراً بالصلاة، و قوله وَ اِرْكَعِي مَعَ اَلرََّاكِعِينَ

219

أمراً بالخضوع و الخشوع بالقلب.

الوجه الخامس في الجواب: لعلّه كان السجود في ذلك الدين متقدماً على الركوع.

السؤال الثاني: اما المراد من قوله وَ اِرْكَعِي مَعَ اَلرََّاكِعِينَ .

و الجواب: قيل معناه: افعلي كفعلهم، و قيل المراد به الصلاة في الجماعة كانت مأمورة بأن تصلي في بيت المقدس مع المجاورين فيه، و إن كانت لا تختلط بهم.

السؤال الثالث: لم لم يقل و اركعي مع الراكعات؟ و الجواب لأن الاقتداء بالرجال حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء.

و اعلم أن المفسرين قالوا: لما ذكرت الملائكة هذه الكلمات مع مريم عليها السلام شفاها، /قامت مريم في الصلاة حتى ورمت قدماها و سال الدم و القيح من قدميها.

قوله تعالى ذََلِكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ذََلِكَ إشارة إلى ما تقدم، و المعنى أن الذي مضى ذكره من حديث حنة و زكريا و يحيى و عيسى ابن مريم، إنما هو من إخبار الغيب فلا يمكنك أن تعلمه إلا بالوحي.

فإن قيل: لم نفيت هذه المشاهدة، و انتفاؤها معلوم بغير شبهة، و ترك نفي استماع هذه الأشياء من حفاظها و هو موهوم؟.

قلنا: كان معلوماً عندهم علماً يقينياً أنه ليس من أهل السماع و القراءة، و كانوا منكرين للوحي، فلم يبق إلا المشاهدة، و هي و إن كانت في غاية الاستبعاد إلا أنها نفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع و لا قراءة، و نظيره‏ وَ مََا كُنْتَ بِجََانِبِ اَلْغَرْبِيِّ [القصص: 44]، وَ مََا كُنْتَ بِجََانِبِ اَلطُّورِ [القصص: 46] وَ مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ [يوسف: 102]و مََا كُنْتَ تَعْلَمُهََا أَنْتَ وَ لاََ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هََذََا [هود: 49].

المسألة الثانية: الأنباء: الإخبار عما غاب عنك، و أما الإيحاء فقد ورد الكتاب به على معان مختلفة، يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرهما، و بهذا التفسير يعد الإلهام وحيا كقوله تعالى: وَ أَوْحى‏ََ رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ [النحل: 68]و قال في الشياطين‏ لَيُوحُونَ إِلى‏ََ أَوْلِيََائِهِمْ [الأنعام: 121]و قال: فَأَوْحى‏ََ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا [مريم: 11]فلما كان اللّه سبحانه ألقى هذه الأشياء إلى الرسول صلى اللّه عليه و سلم بواسطة جبريل عليه السلام بحيث يخفى ذلك على غيره سماه وحياً.

أما قوله تعالى: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاََمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في تلك الأقلام وجوهاً الأول: المراد بالأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة و سائر كتب اللّه تعالى، و كان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس جري الماء فالحق معه، فلما فعلوا ذلك صار قلم زكريا كذلك فسلموا الأمر له و هذا قول الأكثرين و الثاني: أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري جرت عصا زكريا على

220

ضد جرية الماء فغلبهم، هذا قول الربيع و الثالث: قال أبو مسلم: معنى يلقون أقلامهم مما كانت الأمم تفعله من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم فمن خرج له السهم سلم له الأمر، و قد قال اللّه تعالى: فَسََاهَمَ/فَكََانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ [الصافات: 141]و هو شبيه بأمر القداح التي تتقاسم بها العرب لحم الجزور، و إنما سميت هذه السهام أقلاماً لأنها تقلم و تبرى، و كل ما قطعت منه شيئاً بعد شي‏ء فقد قلمته، و لهذا السبب يسمى ما يكتب به قلماً.

قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء و إن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق، إلا أن العرف أوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به، فوجب حمل لفظ القلم عليه.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون أقلامهم في شي‏ء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، و إما ليس فيه دلالة على كيفية ذلك الإلقاء، إلا أنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له، ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا عليه السلام، فلا جرم صار هو أولى بكفالتها و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: اختلفوا في السبب الذي لأجله رغبوا في كفالتها حتى أدتهم تلك الرغبة إلى المنازعة، فقال بعضهم: إن عمران أباها كان رئيساً لهم و مقدماً عليهم، فلأجل حق أبيها رغبوا في كفالتها، و قال بعضهم: إن أمها حررتها لعبادة اللّه تعالى و لخدمة بيت اللّه تعالى، و لأجل ذلك حرصوا على التكفل بها، و قال آخرون: بل لأن في الكتب الإلهية كان بيان أمرها و أمر عيسى عليه السلام حاصلاً فتقربوا لهذا السبب حتى اختصموا.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن أولئك المختصمين من كانوا؟فمنهم من قال: كانوا هم خدمة البيت، و منهم من قال: بل العلماء و الأحبار و كتاب الوحي، و لا شبهة في أنهم كانوا من الخواص و أهل الفضل في الدين و الرغبة في الطريق.

أما قوله: أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ففيه حذف و التقدير: يلقون أقلامهم لينظروا أيهم يكفل مريم و إنما حسن لكونه معلوماً.

أما قوله وَ مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ فالمعنى و ما كنت هناك إذ يتقارعون على التكفل بها و إذ يختصمون بسببها فيحتمل أن يكون المراد بهذا الاختصام ما كان قبل الإقراع، و يحتمل أن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الإقراع، و بالجملة فالمقصود من الآية شدة رغبتهم في التكفل بشأنها، و القيام بإصلاح مهماتها، و ما ذاك إلا لدعاء أمها حيث قالت‏ فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ [آل عمران: 35]و قالت‏ إِنِّي أُعِيذُهََا بِكَ وَ ذُرِّيَّتَهََا مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ [آل عمران: 36].

اعلم أنه تعالى لما شرح حال مريم عليها السلام، في أول أمرها و في آخر أمرها و شرح كيفية ولادتها لعيسى عليه السلام، فقال: إِذْ قََالَتِ اَلْمَلاََئِكَةُ و فيه مسألتان:

221

المسألة الأولى: اختلفوا في العامل في إِذْ قيل: العامل فيه. و ما كنت لديهم إذ قالت الملائكة، و قيل:

يختصمون إذ قالت الملائكة، و قيل: إنه معطوف على إِذْ الأولى في قوله‏ إِذْ قََالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرََانَ و قيل التقدير:

إن ما وصفته من أمور زكريا، و هبة اللّه له يحيى كان إذ قالت الملائكة يا مريم إن اللّه يبشرك، و أما أبو عبيدة: فإنه يجري في هذا الباب على مذهب له معروف، و هو أن (إذ) صلة في الكلام و زيادة، و اعلم أن القولين الأولين فيهما بعض الضعف و ذلك لأن مريم حال ما كانوا يلقون الأقلام و حال ما كانوا يختصمون ما بلغت الجد الذي تبشر فيه بعيسى عليه السلام، إلا قول الحسن: فإنه يقول إنها كانت عاقلة في حال الصغر، فإن ذلك كان من كراماتها، فإن صح ذلك جاز في تلك الحال أن يرد عليها البشرى من الملائكة، و إلا فلا بد من تأخر هذه البشرى إلى حين العقل، و منهم من تكلف الجواب، فقال: يحتمل أن يقال الاختصام و البشرى وقعا في زمان واسع، كما تقول لقيته في سنة كذا، و هذا الجواب بعيد و الأصوب هو الوجه الثالث، و الرابع، أما قول أبي عبيدة: فقد عرفت ضعفه، و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: ظاهر قوله إِذْ قََالَتِ اَلْمَلاََئِكَةُ يفيد الجمع إلا أن المشهور أن ذلك المنادي كان جبريل عليه السلام، و قد قررناه فيما تقدم، و أما البشارة فقد ذكرنا تفسيرها في سورة البقرة في قوله‏ وَ بَشِّرِ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ [البقرة: 25].

و أما قوله تعالى: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ فقد ذكرنا تفسير الكلمة من وجوه و أليقها بهذا الموضع وجهان الأول: أن كل علوق و إن كان مخلوقاً بواسطة الكلمة و هي قوله‏ كُنْ* إلا أن ما هو السبب المتعارف كان مفقوداً في حق عيسى عليه السلام و هو الأب، فلا جرم كان إضافة حدوثه إلى الكلمة أكل و أتم فجعل بهذا التأويل كأنه نفس الكلمة كما أن من غلب عليه الجود و الكرم و الإقبال يقال فيه على سبيل المبالغة إنه نفس الجود، و محض الكرم، و صريح الإقبال، فكذا هاهنا.

و الوجه الثاني: أن السلطان العادل قد يوصف بأنه ظل اللّه في أرضه، و بأنه نور اللّه لما/أنه سبب لظهور ظل العدل، و نور الإحسان، فكذلك كان عيسى عليه السلام سبباً لظهور كلام اللّه عزّ و جلّ بسبب كثرة بياناته و إزالة الشبهات و التحريفات عنه فلا يبعد أن يسمى بكلمة اللّه تعالى على هذا التأويل.

فإن قيل: و لم قلتم إن حدوث الشخص من غير نطفة الأب ممكن قلنا: أما على أصول المسلمين فالأمر فيه ظاهر و يدل عليه وجهان الأول: أن تركيب الأجسام و تأليفها على وجه يحصل فيها الحياة و الفهم، و النطق أمر ممكن، و ثبت أنه تعالى قادر على الممكنات بأسرها، و كان سبحانه و تعالى قادراً على إيجاد الشخص، لا من نطفة الأب، و إذا ثبت الإمكان، ثم إن المعجز قام على صدق النبي، فوجب أن يكون صادقاً، ثم أخبر عن وقوع ذلك الممكن، و الصادق إذا أخبر عن وقوع الممكن وجب القطع بكونه كذلك، فثبت صحة ما ذكرناه الثاني: ما ذكره اللّه تعالى في قوله‏ إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ََ عِنْدَ اَللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: 59]فلما لم يبعد تخليق آدم من غير أب فلأن لا يبعد تخليق عيسى من غير آب كان أولى و هذه حجة ظاهرة، و أما على أصول الفلاسفة فالأمر في تجويزه ظاهر و يدل عليه وجوه الأول: أن الفلاسفة اتفقوا على أنه لا يمتنع حدوث الإنسان على سبيل التوالد من غير تولد قالوا:

لأن بدن الإنسان إنما استعد لقبول النفس الناطقة التي تدبر بواسطة حصول المزاج المخصوص في ذلك البدن، و ذلك المزاج إنما جعل لامتزاج العناصر الأربعة على قدر معين في مدة معينة، فحصول أجزاء العناصر على ذلك القدر الذي يناسب بدن الإنسان غير ممتنع و امتزاجها غير ممتنع، فامتزاجها يكون عند حدوث الكيفية المزاجية

222

واجباً، و عند حدوث الكيفية المزاجية يكون تعلق النفس بذلك البدن واجباً، فثبت أن حدوث الإنسان على سبيل التولد معقول ممكن، و إذا كان الأمر كذلك فحدوث الإنسان لا عن الأب أولى بالجواز و الإمكان.

الوجه الثاني: و هو أنا نشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد، كتولد الفأر عن المدر، و الحيات عن الشعر، و العقارب عن الباذروج، و إذا كان كذلك فتولد الولد لا عن الأب أولى أن لا يكون ممتنعاً.

الوجه الثالث: و هو أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث الكثيرة ليس أن تصور المنافي يوجب حصول كيفية الغضب، و يوجب حصول السخونة الشديدة في البدن أليس اللوح الطويل إذا كان موضوعاً على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه و لو جعل كالقنطرة على وهدة لم يقدر على المشي عليه، بل كلما مشى عليه يسقط و ما ذاك إلا أن تصور السقوط يوجب حصول السقوط، و قد ذكروا في «كتب الفلسفة» أمثلة كثيرة لهذا الباب، و جعلوها كالأصل في بيان جواز المعجزات و الكرامات، فما المانع من أن يقال إنه لما تخيلت صورته عليه السلام كفى ذلك في علوق الولد في رحمها. و إذا كان كل هذه الوجوه ممكناً محتملاً كان القول /بحدوث عيسى عليه السلام من غير واسطة الأب قولاً غير ممتنع، و لو أنك طالبت جميع الأولين و الآخرين من أرباب الطبائع و الطب و الفلسفة على إقامة حجة إقناعية في امتناع حدوث الولد من غير الأب لم يجدوا إليه سبيلاً إلا الرجوع إلا استقراء العرف و العادة، و قد اتفق علماء الفلاسفة على أن مثل هذا الاستقراء لا يفيد الظن القوي فضلاً عن العلم، فعلمنا أن ذلك أمر ممكن فلما أخبر العباد عن وقوعه وجب الجزم به و القطع بصحته.

أما قوله تعالى: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ فلفظة (من) ليست للتبعيض هاهنا إذ لو كان كذلك لكان اللّه تعالى متجزئاً متبعضاً متحملاً للاجتماع و الافتراق و كل من كان كذلك فهو محدث و تعالى اللّه عنه، بل المراد من كلمة (من) هاهنا ابتداء الغاية و ذلك لأن في حق عيسى عليه السلام لما لم تكن واسطة الأب موجودة صار تأثير كلمة اللّه تعالى في تكوينه و تخليقه أكمل و أظهر فكان كونه كلمة اَللََّهَ مبدأ لظهوره و لحدوثه أكمل فكان المعنى لفظ ما ذكرناه لا ما يتوهمه النصارى و الحلولية.

و أما قوله تعالى: اِسْمُهُ اَلْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ ففيه سؤالات:

السؤال الأول: المسيح: هل هو اسم مشتق، أو موضوع؟.

و الجواب: فيه قولان الأول: قال أبو عبيدة و الليث: أصله بالعبرانية مشيحا، فعربته العرب و غيروا لفظه، و عيسى: أصله يشوع كما قالوا في موسى: أصله موشى، أو ميشا بالعبرانية، و على هذا القول لا يكون له اشتقاق.

و القول الثاني: أنه مشتق و عليه الأكثرون، ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال ابن عباس: إنما سمي عيسى عليه السلام مسيحاً، لأنه ما كان يمسح بيده ذا عاهة، إلا برى‏ء من مرضه الثاني: قال أحمد بن يحيى: سمي مسيحاً لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها، و منه مساحة أقسام الأرض، و على هذا المعنى يجوز أن يقال: لعيسى مسيح بالتشديد على المبالغة كما يقال للرجل فسيق و شريب الثالث: أنه كان مسيحاً، لأنه كان يمسح رأس اليتامى للّه تعالى، فعلى هذه الأقوال: هو فعيل بمعنى: فاعل، كرحيم بمعنى: راحم الرابع: أنه مسح من الأوزار و الآثام و الخامس: سمي مسيحاً لأنه ما كان في قدمه خمص، فكان ممسوح القدمين و السادس: سمي مسيحاً لأنه كان ممسوحاً بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء، و لا يمسح به غيرهم، ثم قالوا: و هذا الدهن يجوز أن يكون اللّه تعالى‏

223

جعله علامة حتى تعرف الملائكة أن كل من مسح به وقت الولادة فإنه يكون نبياًالسابع: سمي مسيحاً لأنه مسحه جبريل صلى اللّه عليه و سلم بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صوناً له عن مس الشيطان الثامن: سمي مسيحاً لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، و على هذه الأقوال يكون المسيح، بمعنى: الممسوح، فعيل بمعنى: مفعول. قال أبو عمرو بن العلاء المسيح: الملك. و قال النخعي: المسيح الصديق و اللّه أعلم. و لعلّهما قالا ذلك من جهة كونه مدحاً/لا لدلالة اللغة عليه، و أما المسيح الدجال فإنما سمي مسيحاً لأحد وجهين أحدهما: لأنه ممسوح أحد العينين و الثاني:

أنه يمسح الأرض أي: يقطعها في المدة القليلة، قالوا: و لهذا قيل له: دجال لضربه في الأرض، و قطعه أكثر نواحيها، يقال: قد دجل الدجال إذا فعل ذلك، و قيل: سمي دجالاً من قوله: دجل الرجل إذا موه و لبس.

السؤال الثاني: المسيح كان كاللقب له، و عيسى كالاسم فلم قدم اللقب على الاسم؟.

الجواب: أن المسيح كاللقب الذي يفيد كونه شريفاً رفيع الدرجة، مثل الصديق و الفاروق فذكره اللّه تعالى أولاً بلقبه ليفيد علو درجته، ثم ذكره باسمه الخاص.

السؤال الثالث: لم قال عيسى ابن مريم و الخطاب مع مريم؟.

الجواب: لأن الأنبياء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فلما نسبه اللّه تعالى إلى الأم دون الأب، كان ذلك إعلاماً لها بأنه محدث بغير الأب، فكان ذلك سبباً لزيادة فضله و علو درجته.

السؤال الرابع: الضمير في قوله: اسمه عائد إلى الكلمة و هي مؤنثة فلم ذكر الضمير؟.

الجواب: لأن المسمى بها مذكر.

السؤال الخامس: لم قال اسمه المسيح عيسى ابن مريم؟و الاسم ليس إلا عيسى، و أما المسيح فهو لقب، و أما ابن مريم فهو صفة.

الجواب: الاسم علامة المسمى و معرف له، فكأنه قيل: الذي يعرف به هو مجموع هذه الثلاثة.

أما قوله تعالى: وَجِيهاً فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: معنى الوجيه: ذو الجاه و الشرف و القدر، يقال: وجه الرجل، يوجه وجاهة هو وجيه، إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس و السلطان، و قال بعض أهل اللغة: الوجيه: هو الكريم، لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه فجعل الوجه استعارة عن الكرم و الكمال.

و اعلم أن اللّه تعالى وصف موسى صلى اللّه عليه و سلم بأنه كان وجيهاً قال اللّه تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ََ فَبَرَّأَهُ اَللََّهُ مِمََّا قََالُوا وَ كََانَ عِنْدَ اَللََّهِ وَجِيهاً [الأحزاب: 69]ثم للمفسرين أقوال: الأول: قال الحسن:

كان وجيهاً في الدنيا بسبب النبوة، و في الآخرة بسبب علو المنزلة عند اللّه تعالى و الثاني: أنه وجيه عند اللّه تعالى، و أما عيسى عليه السلام، فهو وجيه في الدنيا بسبب أنه يستجاب دعاؤه و يحيي الموتى و يبرئ الأكمه و الأبرص بسبب دعائه، و وجيه في الآخرة بسبب أنه يجعله شفيع أمته المحقين و يقبل شفاعتهم فيهم كما يقبل شفاعة أكابر الأنبياء عليهم السلام و الثالث: أنه وجهه في الدنيا بسبب أنه كان مبرأ من العيوب التي وصفه اليهود بها، و وجيه في الآخرة بسبب كثرة ثوابه و علو درجته عند اللّه تعالى.

224

فإن قيل: كيف كان وجيهاً في الدنيا و اليهود عاملوه بما عاملوه، قلنا: قد ذكرنا أنه تعالى سمى موسى عليه السلام بالوجيه مع أن اليهود طعنوا فيه، و آذوه إلى أن برأه اللّه تعالى مما قالوا، و ذلك لم يقدح في وجاهة موسى عليه السلام، فكذا هاهنا.

المسألة الثانية: قال الزجاج وَجِيهاً منصوب على الحال، المعنى: أن اللّه يبشرك بهذا الولد وجيهاً في الدنيا و الآخرة، و الفراء يسمي هذا قطعاً كأنه قال: عيسى ابن مريم الوجيه فقطع منه التعريف.

أما قوله وَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ ففيه وجوه أحدها: أنه تعالى جعل ذلك كالمدح العظيم للملائكة فألحقه بمثل منزلتهم و درجتهم بواسطة هذه الصفة و ثانيها: أن هذا الوصف كالتنبيه على أنه عليه السلام سيرفع إلى السماء و تصاحبه الملائكة و ثالثها: أنه ليس كل وجيه في الآخرة يكون مقرباً لأن أهل الجنة على منازل و درجات، و لذلك قال تعالى: وَ كُنْتُمْ أَزْوََاجاً ثَلاََثَةً إلى قوله‏ وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ*`أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ [الواقعة: 7 -11].

أما قوله تعالى: وَ يُكَلِّمُ اَلنََّاسَ فِي اَلْمَهْدِ وَ كَهْلاً ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الواو للعطف على قوله وَجِيهاً و التقدير كأنه قال: وجيهاً و مكلماً للناس و هذا عندي ضعيف، لأن عطف الجملة الفعلية على الاسمية غير جائز إلا للضرورة، أو الفائدة و الأولى أن يقال تقدير الآية إِنَّ اَللََّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ اَلْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ الوجيه في الدنيا و الآخرة المعدود من المقربين، و هذا المجموع جملة واحدة، ثم قال: وَ يُكَلِّمُ اَلنََّاسَ فقوله وَ يُكَلِّمُ اَلنََّاسَ عطف على قوله إِنَّ اَللََّهَ يُبَشِّرُكِ .

المسألة الثانية: في المهد قولان أحدهما: أنه حجر أمه و الثاني: هو هذا الشي‏ء المعروف الذي هو مضجع الصبي وقت الرضاع، و كيف كان المراد منه: فإنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد، و لا يختلف هذا المقصود سواء كان في حجر أمه أو كان في المهد.

المسألة الثالثة: قوله وَ كَهْلاً عطف على الظرف من قوله فِي اَلْمَهْدِ كأنه قيل: يكلم الناس صغيراً و كهلاً و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: ما الكهل؟.

الجواب: الكهل في اللغة ما اجتمع قوته و كمل شبابه، و هو مأخوذ من قول العرب اكتهل النبات إذا قوي و تم قال الأعشى:

يضاحك الشمس منها كوكب شرق # مؤزر بحميم النبت مكتهل‏

أراد بالمكتهل المتناهي في الحسن و الكمال.

السؤال الثاني: أن تكلمه حال كونه في المهد من المعجزات، فأما تكلمه حال الكهولة فليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟.

و الجواب: من وجوه الأول: أن المراد منه بيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة و التغير على الإله تعالى محال، و المراد منه الرد على وفد نجران في قولهم: إن عيسى كان إلهاً و الثاني: المراد منه أن‏

225

يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي و النبوة و الثالث: قال أبو مسلم: معناه أنه يكلم حال كونه في المهد، و حال كونه كهلاً على حد واحد و صفة واحدة و ذلك لا شك أنه غاية في المعجز الرابع: قال الأصم: المراد منه أنه يبلغ حال الكهولة.

السؤال الثالث: نقل أن عمر عيسى عليه السلام إلى أن رفع كان ثلاثاً و ثلاثين سنة و ستة أشهر، و على هذا التقدير: فهو ما بلغ الكهولة.

و الجواب: من وجهين الأول: بينا أن الكهل في أصل اللغة عبارة عن الكامل التام، و أكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين و الأربعين، فصح وصفه بكونه كهلاً في هذا الوقت و الثاني: هو قول الحسين بن الفضل البجلي: أن المراد بقوله وَ كَهْلاً أن يكون كهلاً بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان، و يكلم الناس، و يقتل الدجال، قال الحسين بن الفضل: و في هذه الآية نص في أنه عليه الصلاة و السلام سينزل إلى الأرض.

المسألة الرابعة: أنكرت النصارى كلام المسيح عليه السلام في المهد، و احتجوا على صحة قولهم بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور و أغربها، و لا شك أن هذه الواقعة لو وقعت لوجب أن يكون وقوعها في حضور الجمع العظيم الذي يحصل القطع و اليقين بقولهم، لأن تخصيص مثل هذا المعجز بالواحد و الإثنين لا يجوز، و متى حدثت الواقعة العجيبة جداً عند حضور الجمع العظيم فلا بد و أن تتوفر الدواعي على النقل فيصير ذلك بالغاً حد التواتر، و إخفاء ما يكون بالغاً إلى حد التواتر ممتنع، و أيضاً فلو كان ذلك لكان ذلك الإخفاء هاهنا ممتنعاً لأن النصارى بالغوا في إفراط محبته إلى حيث قالوا إنه كان إلهاً، و من كان كذلك يمتنع أن يسعى في إخفاء مناقبه و فضائله بل ربما يجعل الواحد ألفاً فثبت أن لو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى، و لما أطبقوا على إنكارها علمنا أنه ما كان موجوداً ألبتة.

أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة، و قالوا: إن كلام عيسى عليه السلام في المهد إنما كان للدلالة على براءة حال مريم عليها السلام من الفاحشة، و كان الحاضرون جمعاً قليلين، فالسامعون لذلك الكلام، كان جمعاً قليلاً، و لا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء، و بتقدير: أن يذكروا ذلك إلا أن اليهود كانوا يكذبونهم في ذلك و ينسبونهم إلى البهت، فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة فلأجل هذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً مخفياً إلى أن أخبر اللّه سبحانه و تعالى محمداً صلى اللّه عليه و سلم بذلك، و أيضاً فليس كل النصارى ينكرون ذلك، فإنه نقل عن جعفر بن أبي طالب: لما قرأ على النجاشي/سورة مريم، قال النجاشي: لا تفاوت بين واقعة عيسى، و بين المذكور في هذا الكلام بذرة.

ثم قال تعالى: وَ مِنَ اَلصََّالِحِينَ .

فإن قيل: كون عيسى كلمة من اللّه تعالى، و كونه وَجِيهاً فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ و كونه من المقربين عند اللّه تعالى، و كونه مكلماً للناس في المهد، و في الكهولة كل واحد من هذه الصفات أعظم و أشرف من كونه صالحاً فلم ختم اللّه تعالى أوصاف عيسى بقوله وَ مِنَ اَلصََّالِحِينَ ؟.

قلنا: إنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحاً لأنه لا يكون كذلك إلا و يكون في جميع الأفعال و التروك مواظباً على النهج الأصلح، و الطريق الأكمل، و معلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدنيا و الدين في‏

226

أفعال القلوب، و في أفعال الجوارح، فلما ذكر اللّه تعالى بعض التفاصيل أردفه بهذا الكلام الذي يدل على أرفع الدرجات.

في قوله تعالى قََالَتْ رَبِّ أَنََّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ إلى قوله تعالى كُنْ فَيَكُونُ قال المفسرون: إنها إنما قالت ذلك لأن التبشير به يقتضي التعجب مما وقع على خلاف العادة و قد قررنا مثله في قصة زكريا عليه السلام، و قوله إِذََا قَضى‏ََ أَمْراً فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ تقدم تفسيره في سورة البقرة.

أما قوله تعالى: وَ يُعَلِّمُهُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ نافع، و عاصم وَ يُعَلِّمُهُ بالياء و الباقون بالنون، أما الياء فعطف على قوله يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ و قال المبرد عطف على يبشرك بكلمة، و كذا و كذا وَ يُعَلِّمُهُ اَلْكِتََابَ و من قرأ بالنون قال تقدير الآية أنها:

قالت رب أنى يكون لي ولد فقال لها اللّه كَذََلِكِ اَللََّهُ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ إِذََا قَضى‏ََ أَمْراً فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فهذا و إن كان إخباراً على وجه المغايبة، فقال (و نعلمه لأن معنى قوله كَذََلِكِ اَللََّهُ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ معناه: كذلك نحن نخلق ما نشاء و نعلمه الكتاب و الحكمة و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: في هذه الآية أمور أربعة معطوف بعضها على بعض بواو العطف، و الأقرب عندي أن يقال:

المراد من الكتاب تعليم الخط و الكتابة، ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم و تهذيب الأخلاق لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته و الخير لأجل العمل به و مجموعهما هو المسمى بالحكمة، ثم بعد أن صار عالماً بالخط و الكتابة، و محيطاً بالعلوم العقلية و الشرعية، يعلمه التوراة، و إنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط و الحكمة، لأن التوراة كتاب إلهي، و فيه أسرار عظيمة، و الإنسان ما لم يتعلم العلوم الكثيرة لا يمكنه أن يخوض في البحث على أسرار الكتب الإلهية، ثم قال في المرتبة الرابعة و الإنجيل، و إنما أخر ذكر الإنجيل عن ذكر التوراة لأن من تعلم الخط، ثم تعلم علوم الحق، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي أنزله اللّه تعالى على من قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته في العلم فإذا أنزل اللّه تعالى عليه بعد ذلك كتاباً آخر و أوقفه على أسراره فذلك هو الغاية القصوى، و المرتبة العليا في العلم، و الفهم و الإحاطة بالأسرار العقلية و الشرعية، و الاطلاع على الحكم العلوية و السفلية، فهذا ما عندي في ترتيب هذه الألفاظ الأربعة.

ثم قال تعالى: وَ رَسُولاً إِلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ و فيه مسائل: ـ

227

المسألة الأولى: في هذه الآية وجوه الأول: تقدير الآية: و نعلمه الكتاب و الحكمة و التوراة و الإنجيل و نبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل، قائلاً أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ و الحذف حسن إذا لم يفض إلى الاشتباه الثاني: قال الزجاج: الاختيار عندي أن تقديره: و يكلم الناس رسولاً، و إنما أضمرنا ذلك لقوله أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ و المعنى:

و يكلمهم رسولا بأني قد جئتكم، الثالث: قال الأخفش: إن شئت جعلت الواو زائدة، و التقدير: و يعلمه الكتاب و الحكمة و التوراة، و الإنجيل رسولاً إلى بني إسرائيل، قائلاً: أني قد جئتكم بآية.

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أنه صلى اللّه عليه و سلم كان رسولاً إلى كل بني إسرائيل بخلاف قول بعض اليهود إنه كان مبعوثاً إلى قوم مخصوصين منهم.

المسألة الثالثة: المراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه تعالى عدد هاهنا أنواعاً من الآيات، و هي إحياء الموتى، و إبراء الأكمه و الأبرص، و الإخبار عن المغيبات فكان المراد من قوله قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ الجنس لا الفرد.

ثم قال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اَللََّهِ .

اعلم أنه تعالى حكى هاهنا خمسة أنواع من معجزات عيسى عليه السلام:

النوع الأول ما ذكره هاهنا في هذه الآية و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة أَنِّي بفتح الهمزة، و قرأ نافع بكسر الهمزة فمن فتح أَنِّي فقد جعلها بدلاً من آية كأنه قال: و جئتكم بأني أخلق لكم من الطين، و من كسر فله وجهان أحدهما: الاستئناف و قطع الكلام مما قبله و الثاني: أنه فسر الآية بقوله أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ و يجوز أن يفسر الجملة المتقدمة بما يكون على وجه الابتداء قال اللّه تعالى: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ* [الفتح: 29]ثم فسّر الموعود بقوله‏ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ* و قال: إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ََ عِنْدَ اَللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: 59]ثم فسّر المثل بقوله. خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ [آل عمران: 59]و هذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كقراءة من فتح أَنِّي على جعله بدلاً من آية.

المسألة الثانية: أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ أي أقدر و أصور و قد بينا في تفسير قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة: 21]إن الخلق هو التقدير و لا بأس بأن نذكره هاهنا أيضاً فنقول الذي يدل عليه القرآن و الشعر و الاستشهاد، أما القرآن فآيات أحدها: قوله تعالى: فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ [المؤمنون: 14] أي المقدرين، و ذلك لأنه ثبت أن العبد لا يكون خالقاً بمعنى التكوين و الإبداع فوجب تفسير كونه خالقاً بالتقدير و التسوية و ثانيها: أن لفظ الخلق يطلق على الكذب قال تعالى في سورة الشعراء إِنْ هََذََا إِلاََّ خُلُقُ اَلْأَوَّلِينَ [الشعراء: 137]و في العنكبوت‏ وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً [العنكبوت: 17]و في سورة ص‏ إِنْ هََذََا إِلاَّ اِخْتِلاََقٌ [ص: 7]و الكاذب إنما سمي خالقاً لأنه يقدر الكذب في خاطره و يصوره و ثالثها: هذه الآية التي نحن في تفسيرها و هي قوله أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ أي أصور و أقدر و قال تعالى في المائدة وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ [المائدة: 110]و كل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير و التقدير و رابعها: قوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة: 29]و قوله‏ خَلَقَ إشارة إلى الماضي، فلو حملنا قوله‏ خَلَقَ على الإيجاد

228

و الإبداع، لكان المعنى: أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي، و ذلك باطل بالاتفاق، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام و هو أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض، و أما الشعر فقوله:

و لأنت تفري ما خلقت و بعض # القوم يخلق ثم لا يفري‏

و قوله:

و لا يعطي بأيدي الخالقين و لا # أيدي الخوالق إلا جيد الأدم‏

و أما الاستشهاد: فهو أنه يقال: خلق النعل إذا قدرها و سواها بالقياس و الخلاق المقدار من الخير، و فلان خليق بكذا، أي له هذا المقدار من الاستحقاق، و الصخرة الخلقاء الملساء، لأن الملاسة استواء، و في الخشونة اختلاف، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير و التسوية.

إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في لفظ اَلْخََالِقُ قال أبو عبد اللّه البصري: إنه لا يجوز إطلاقه على اللّه في الحقيقة، لأن التقدير و التسوية عبارة عن الظن و الحسبان و ذلك على اللّه محال، و قال أصحابنا: الخالق، ليس إلا اللّه، و احتجوا عليه بقوله تعالى: اَللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ* [الرعد: 16]و منهم من احتج بقوله‏ هَلْ مِنْ خََالِقٍ غَيْرُ اَللََّهِ يَرْزُقُكُمْ [فاطر: 3]و هذا ضعيف، لأنه تعالى قال: هَلْ مِنْ خََالِقٍ غَيْرُ اَللََّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ [فاطر: 3]فالمعنى هل من خالق غير اللّه موصوف بوصف كونه رازقاً من السماء و لا يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه، ليس إلا اللّه، صدق قولنا أنه لا خالق إلا اللّه.

و أجابوا عن كلام أبي عبد اللّه بأن التقدير و التسوية عبارة عن العلم و الظن لكن الظن و إن كان محالاً في حق اللّه تعالى فالعلم ثابت.

إذا عرفت هذا فنقول: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ معناه: أصور و أقدر و قوله كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ فالهيئة الصورة المهيئة من قولهم هيأت الشي‏ء إذا قدرته و قوله فَأَنْفُخُ فِيهِ أي في ذلك الطين المصور و قوله فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اَللََّهِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع فيكون طائراً بالألف على الواحد، و الباقون طَيْراً على الجمع، و كذلك في المائدة و الطير اسم الجنس يقع على الواحد و على الجمع.

يروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة، و أظهر المعجزات أخذوا يتعنتون عليه و طالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً و صوره، ثم نفخ فيه، فإذا هو يطير بين السماء و الأرض، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً، ثم اختلف الناس فقال قوم: إنه لم يخلق غير الخفاش، و كانت قراءة نافع عليه. و قال آخرون: إنه خلق أنواعاً من الطير و كانت قراءة الباقين عليه.

المسألة الثانية: قال بعض المتكلمين: الآية تدل على أن الروح جسم رقيق كالريح، و لذلك وصفها بالفتح، ثم هاهنا بحث، و هو أنه هل يجوز أن يقال: إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية، بحيث متى نفخ في شي‏ء كان نفخه فيه موجباً لصيرورة ذلك الشي‏ء حياً، أو يقال: ليس الأمر كذلك بل اللّه تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات، و هذا الثاني هو الحق لقوله‏

229

تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ [الملك: 2]و حكي عن إبراهيم عليه السلام إنه قال في مناظرته مع الملك رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ [البقرة: 258]فلو حصل لغيره، هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال.

المسألة الثالثة: القرآن دلّ على أنه عليه الصلاة و السلام إنما تولد من نفخ جبريل عليه السلام في مريم و جبريل صلى اللّه عليه و سلم روح محض و روحاني محض فلا جرم كانت نفخة عيسى/عليه السلام للحياة و الروح.

المسألة الرابعة: قوله بِإِذْنِ اَللََّهِ معناه بتكوين اللّه تعالى و تخليقه لقوله تعالى: وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ [آل عمران: 154]أى إلا بأن يوجد اللّه الموت، و إنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة، و تنبيهاً على إني أعمل هذا التصوير، فأما خلق الحياة فهو من اللّه تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل.

و اما النوع الثاني و الثالث و الرابع من المعجزات فهو قوله: وَ أُبْرِئُ اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ بِإِذْنِ اَللََّهِ .

ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي ولد أعمى، و قال الخليل و غيره هو الذي عمي بعد أن كان بصيراً، و عن مجاهد هو الذي لا يبصر بالليل، و يقال: إنه لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب «التفسير» ، و

روي أنه عليه الصلاة و السلام ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه، و من لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، و ما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده،

قال الكلبي: كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا قيوم و أحيا عاذر، و كان صديقاً له، و دعا سام بن نوح من قبره، فخرج حياً، و مرّ على ابن ميت لعجوز فدعا اللّه، فنزل عن سريره حياً، و رجع إلى أهله و ولد له، و قوله بِإِذْنِ اَللََّهِ رفع لتوهم من اعتقد فيه الإلهية.

و أما النوع الخامس من المعجزات إخباره عن الغيوب فهو قوله تعالى حكاية عنه وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمََا تَأْكُلُونَ وَ مََا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في هذه الآية قولان أحدهما: أنه عليه الصلاة و السلام كان من أول مرة يخبر عن الغيوب، روى السدي: أنه كان يلعب مع الصبيان، ثم يخبرهم بأفعال آبائهم و أمهاتهم، و كان يخبر الصبي بأن أمك قد خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله و يبكي إلى أن يأخذ ذلك الشي‏ء ثم قالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، و جمعوهم في بيت، فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم، /فقالوا له، ليسوا في البيت، فقال: فمن في هذا البيت، قالوا: خنازير قال عيسى عليه السلام كذلك يكونون فإذا هم خنازير.

و القول الثاني: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر وقت نزول المائدة، و ذلك لأن القوم نهوا عن الادخار، فكانوا يخزنون و يدخرون، فكان عيسى عليه السلام يخبرهم بذلك.

المسألة الثانية: الإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة، و ذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخير لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال يتقدم ثم يستعينون عند ذلك بآلة و يتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب، ثم‏

230

يعترفون بأنهم يغلطون كثيراً، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة، و لا تقدم مسألة لا يكون إلا بالوحي من اللّه تعالى.

ثم إنه عليه السلام ختم كلامه بقوله إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ و المعنى إن في هذه الخمسة لمعجزة قاهرة قوية دالة على صدق المدعي لكل من آمن بدلائل المعجزة في الحمل على الصدق، بلى من أنكر دلالة أصل المعجز على صدق المدعي، و هم البراهمة، فإنه لا يكفيه ظهور هذه الآيات، أما من آمن بدلالة المعجز على الصدق لا يبقى له في هذه المعجزات كلام ألبتة.

اعلم أنه عليه السلام لما بيّن بهذه المعجزات الباهرة كونه رسولاً من عند اللّه تعالى، بيّن بعد ذلك أنه بما ذا أرسل و هو أمران أحدهما: قوله وَ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ اَلتَّوْرََاةِ .

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قد ذكرنا في قوله وَ رَسُولاً إِلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ [آل عمران: 49]أن تقديره و أبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل قائلاً أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ فقوله وَ مُصَدِّقاً معطوف عليه و التقدير: /و أبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل قائلاً أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ ، و إني بعثت مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ اَلتَّوْرََاةِ و إنما حسن حذف هذه الألفاظ لدلالة الكلام عليها.

المسألة الثانية: إنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لجميع الأنبياء عليهم السلام، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة، فكل من حصل له المعجز، وجب الاعتراف بنبوته، فلهذا قلنا: بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقاً لموسى بالتوراة، و لعلّ من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم تقرير التوراة و إزالة شبهات المنكرين و تحريفات الجاهلين.

و أما المقصود الثاني: من بعثة عيسى عليه السلام قوله وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ اَلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ .

و فيه سؤال: و هو أنه يقال: هذه الآية الأخيرة مناقضة لما قبلها لأن هذه الآية الأخيرة صريحة في أنه جاء ليحل بعض الذي كان محرماً عليه في التوراة، و هذا يقتضي أن يكون حكمه بخلاف حكم التوراة، و هذا يناقض قوله وَ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ اَلتَّوْرََاةِ .

و الجواب: إنه لا تناقض بين الكلام، و ذلك لأن التصديق بالتوراة لا معنى له إلا اعتقاد أن كل ما فيها فهو حق و صواب، و إذا لم يكن الثاني مذكوراً في التوراة لم يكن حكم عيسى بتحليل ما كان محرماً فيها، مناقضاً لكونه مصدقاً بالتوراة، و أيضاً إذا كانت البشارة بعيسى عليه السلام موجودة في التوراة لم يكن مجي‏ء عيسى عليه السلام و شرعه مناقضاً للتوراة، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه عليه السلام ما غير شيئاً من أحكام التوراة، قال‏

231

وهب بن منبه: إن عيسى عليه السلام كان على شريعة موسى عليه السلام كان يقرر السبت و يستقبل بيت المقدس، ثم إنه فسّر قوله وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ اَلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ بأمرين أحدهما: إن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة و نسبوها إلى موسى، فجاء عيسى عليه السلام و رفعها و أبطلها و أعاد الأمر إلى ما كان في زمن موسى عليه السلام و الثاني: أن اللّه تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات كما قال اللّه تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا حَرَّمْنََا عَلَيْهِمْ طَيِّبََاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: 160]ثم بقي ذلك التحريم مستمراً على اليهود فجاء عيسى عليه السلام و رفع تلك التشديدات عنهم، و قال آخرون: إن عيسى عليه السلام رفع كثيراً من أحكام التوراة، و لم يكن ذلك قادحاً في كونه مصدقاً بالتوراة على ما بيناه و رفع السبت و وضع الأحد قائماً مقامه و كان محقاً في كل ما عمل لما بينا أن الناسخ و المنسوخ كلاهما حق و صدق.

ثم قال: وَ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ و إنما أعاده لأن إخراج الإنسان عن المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر فأعاد ذكر المعجزات ليصير كلامه ناجعا في قلوبهم و مؤثراً في طباعهم، ثم خوفهم فقال: فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى اللّه تعالى فبيّن أنه إذا لزمكم أن تتقوا اللّه لزمكم أن تطيعوني فيما آمركم به عن ربي، }ثم إنه ختم كلامه بقوله إِنَّ اَللََّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ /و مقصوده إظهار الخضوع و الاعتراف بالعبودية لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولون: إنه إليه و ابن إله لأن إقراره للّه بالعبودية يمنع ما تدعيه جهال النصارى عليه، ثم قال: فَاعْبُدُوهُ و المعنى: أنه تعالى لما كان رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه، ثم أكد ذلك بقوله هََذََا صِرََاطٌ مُسْتَقِيمٌ .

اعلم أنه تعالى لما حكى بشارة مريم بولد مثل عيسى و استقصى في بيان صفاته و شرح معجزاته و ترك هاهنا قصة ولادته، و قد ذكرها في سورة مريم على الاستقصاء، شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات، و أظهر لهم تلك الدلائل فهم بما ذا عاملوه فقال تعالى: فَلَمََّا أَحَسَّ عِيسى‏ََ مِنْهُمُ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: الإحساس عبارة عن وجدان الشي‏ء بالحاسة و هاهنا وجهان أحدهما: أن يجري اللفظ على ظاهره، و هو أنهم تكلموا بالكفر، فأحس ذلك بإذنه و الثاني: أن نحمله على التأويل، و هو أن المراد أنه عرف منهم إصرارهم على الكفر، و عزمهم على قتله، و لما كان ذلك العلم علما لا شبهة فيه، مثل العلم الحاصل من الحواس، لا جرم عبر عن ذلك العلم الإحساس.

المسألة الثانية: اختلفوا في السبب الذي به ظهر كفرهم على وجوه الأول: قال السدي: أنه تعالى لما بعثه رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم و دعاهم إلى دين اللّه فتمردوا و عصوا فخافهم و اختفى عنهم، و كان أمر عيسى عليه السلام في قومه كأمر محمد صلى اللّه عليه و سلم و هو بمكة فكان مستضعفاً، و كان يختفي من بني إسرائيل كما اختفى النبي صلى اللّه عليه و سلم في‏

232

الغار، و في منازل من آمن به لما أرادوا قتله، ثم إنه عليه الصلاة و السلام خرج مع أمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه/نزل في قرية على رجل فأحسن ذلك الرجل ضيافته و كان في تلك المدينة ملك جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً، فسأله عيسى عن السبب فقال: ملك هذه المدينة رجل جبار و من عادته أنه جعل على كل رجل منا يوماً يطعمه و يسقيه هو و جنوده، و هذا اليوم نوبتي و الأمر متعذر علي، فلما سمعت مريم عليها السلام ذلك، قالت: يا بني ادع اللّه ليكفي ذلك، فقال: يا أماه إن فعلت ذلك كان شر، فقالت: قد أحسن و أكرم و لا بد من إكرامه فقال عيسى عليه السلام: إذا قرب مجي‏ء الملك فاملأ قدورك و خوابيك ماء ثم أعلمني، فلما فعل ذلك دعا اللّه تعالى فتحول ما في القدور طبيخاً، و ما في الخوابي خمراً، فلما جاءه الملك أكل و شرب و سأله من أين هذا الخمر؟فتعلل الرجل في الجواب فلم يزل الملك يطالبه بذلك حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا اللّه حتى جعل الماء خمراً إذا دعا أن يحيي اللّه تعالى ولدي لا بد و أن يجاب، و كان ابنه قد مات قبل ذلك بأيام، فدعا عيسى عليه السلام و طلب منه ذلك، فقال عيسى: لا نفعل، فإنه إن عاش كان شرًّا، فقال: ما أبالي ما كان إذا رأيته، و إن أحييته تركتك على ما تفعل، فدعا اللّه عيسى، فعاش الغلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح و اقتتلوا، و صار أمر عيسى عليه السلام مشهوراً في الخلق، و قصد اليهود قتله، و أظهروا الطعن فيه و الكفر به.

و القول الثاني: إن اليهود كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشر به في التوراة، و أنه ينسخ دينهم، فكانوا من أول الأمر طاعنين فيه، طالبين قتله، فلما أظهر الدعوة اشتد غضبهم، و أخذوا في إيذائه و إيحاشه و طلبوا قتله.

و القول الثالث: أن عيسى عليه السلام ظن من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان أنهم لا يؤمنون به و أن دعوته لا تنجح فيهم فأحب أن يمتحنهم ليتحقق ما ظنه بهم فقال لهم مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ فما أجابه إلا الحواريون، فعند ذلك أحس بأن من سوى الحواريين كافرون مصرون على إنكار دينه و طلب قتله.

أما قوله تعالى: قََالَ مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: في الآية أقوال الأول: أن عيسى عليه السلام لما دعا بني إسرائيل إلى الدين، و تمردوا عليه فر منهم و أخذ يسيح في الأرض فمر بجماعة من صيادي السمك، و كان فيهم شمعون و يعقوب و يوحنا ابنا زيدي و هم من جملة الحواريين الاثنى عشر فقال عيسى عليه السلام: الآن تصيد السمك، فإن تبعتني صرت بحيث تصيد الناس لحياة الأبد، فطلبوا منه المعجزة، و كان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق منه، و استعانوا بأهل سفينة أخرى، و ملئوا السفينتين، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام.

و القول الثاني: أن قوله مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ إنما كان في آخر أمره حين اجتمع اليهود عليه طلباً لقتله، ثم هاهنا احتمالات الأول: أن اليهود لما طلبوه للقتل و كان هو في الهرب عنهم قال لأولئك الاثنى عشر من الحواريين:

أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟.

فأجابه إلى ذلك بعضهم و فيما تذكره النصارى في إنجيلهم: أن اليهود لما أخذوا عيسى سل شمعون سيفه فضرب به عبدا كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه، فقال له عيسى: حسبك ثم أخذ أذن العبد فردها إلى موضعها، فصارت كما كانت، و الحاصل أن الغرض من طلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه.

233

و الاحتمال الثاني: أنه دعاهم إلى القتال مع القوم لقوله تعالى في سورة أخرى‏ فَآمَنَتْ طََائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ وَ كَفَرَتْ طََائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلى‏ََ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظََاهِرِينَ [الصف: 14].

المسألة الثانية: قوله إِلَى اَللََّهِ فيه وجوه الأول: التقدير: من أنصاري حال ذهابي إلى اللّه أو حال التجائي إلى اللّه و الثاني: التقدير: من أنصاري إلى أن أبين أمر اللّه تعالى، و إلى أن أظهر دينه و يكون إلى هاهنا غاية كأنه أراد من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي، و يظهر أمر اللّه تعالى الثالث: قال الأكثرون من أهل اللغة إلى هاهنا بمعنى مع قال تعالى: وَ لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَهُمْ إِلى‏ََ أَمْوََالِكُمْ [النساء: 2]أي معها، و

قال صلى اللّه عليه و سلم: «الذود إلى الذود إبل»

أي مع الذود.

قال الزجاج: كلمة إِلَى ليست بمعنى مع فإنك لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن تقول: ذهب زيد مع عمرو لأن (إلى) تفيد الغاية و (مع) تفيد ضم الشي‏ء إلى الشي‏ء، بل المراد من قولنا أن (إلى) هاهنا بمعنى (مع) هو أنه يفيد فائدتها من حيث أن المراد من يضيف نصرته إلى نصرة اللّه إياي و كذلك المراد من قوله‏ وَ لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَهُمْ إِلى‏ََ أَمْوََالِكُمْ [النساء: 2]أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، و كذلك‏

قوله عليه السلام: «الذود إلى الذود إبل»

معناه: الذود مضموماً إلى الذود إبل و الرابع: أن يكون المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى اللّه و وسيلة إليه، و

في الحديث أنه صلى اللّه عليه و سلم كان يقول إذا ضحى «اللّهم منك و إليك»

أي تقرباً إليك، و يقول الرجل لغيره عند دعائه إياته (إلى) أي انضم إلى، فكذا هاهنا المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى اللّه تعالى الخامس:

أن يكون (إلى) بمعنى اللام كأنه قال: من أنصاري للّه نظيره قوله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكََائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ قُلِ اَللََّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ [يونس: 35]و السادس: تقدير الآية: من أنصاري في سبيل اللّه. و (إلى) بمعنى (في) جائز، و هذا قول الحسن.

أما قوله تعالى: قََالَ اَلْحَوََارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصََارُ اَللََّهِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في لفظ (الحواري) وجوهاً الأول: أن الحواري اسم موضوع/لخاصة الرجل، و خالصته، و منه يقال للدقيق حواري، لأنه هو الخالص منه، و

قال صلى اللّه عليه و سلم للزبير: «إنه ابن عمتي، و حواري من أمتي»

و الحواريات من النساء النفيات الألوان و الجلود، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا و أخلصوا في التصديق بهم و في نصرتهم.

القول الثاني: الحواري أصله من الحور، و هو شدة البياض، و منه قيل للدقيق حواري، و منه الأحور، و الحور نقاء بياض العين، و حورت الثياب: بيضتها، و على هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم؟ فقال سعيد بن جبير: لبياض ثيابهم، و قيل كانوا قصارين، يبيضون الثياب، و قيل لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق و ريبة فسموا بذلك مدحاً لهم، و إشارة إلى نقاء قلوبهم، كالثوب الأبيض، و هذا كما يقال فلان نقي الجيب، طاهر الذيل، إذا كان بعيداً عن الأفعال الذميمة، و فلان دنس الثياب: إذا كان مقدماً على ما لا ينبغي.

القول الثالث: قال الضحاك: مر عيسى عليه السلام بقوم من الذين كانوا يغسلون الثياب، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا، و الذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري، و هو القصار فعربت هذه اللفظة فصارت حواري، و قال

234

مقاتل بن سليمان: الحواريون: هم القصارون، و إذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف الاستعمال دليلاً على خواص الرجل و بطانته.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن هؤلاء الحواريين من كانوا؟.

فالقول الأول: إنه عليه السلام مرّ بهم و هم يصطادون السمك فقال لهم «تعالوا نصطاد الناس» قالوا: من أنت؟قال: «أنا عيسى ابن مريم، عبد اللّه و رسوله» فطلبوا منه المعجز على ما قال فلما أظهر المعجز آمنوا به، فهم الحواريون.

القول الثاني: قالوا: سلمته أمه إلى صباغ، فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه و أراد الصباغ أن يغيب لبعض مهماته، فقال له: هاهنا ثياب مختلفة، و قد علمت على كل واحد علامة معينة، فأصبغها بتلك الألوان، بحيث يتم المقصود عند رجوعي، ثم غاب فطبخ عيسى عليه السلام جباً واحداً، و جعل الجميع فيه و قال: «كوني بإذن اللّه كما أريد» فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت علي الثياب، قال: «قم فانظر» فكان يخرج ثوباً أحمر، و ثوباً أخضر، و ثوباً أصفر كما كان يريد، إلى أن أخرج الجميع على الألوان التي أرادها، فتعجب الحاضرون منه، و آمنوا به فهم الحواريون.

القول الثالث: كانوا الحواريون اثنى عشر رجلاً اتبعوا عيسى عليه السلام، و كانوا إذا قالوا: يا روح اللّه جعنا، فيضرب بيده إلى الأرض، فيخرج لكل واحد رغيفان، و إذا عطشوا قالوا يا روح اللّه: عطشنا، فيضرب بيده إلى الأرض، فيخرج الماء فيشربون، فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا، و إذا شئنا سقيتنا، و قد آمنا بك فقال:

«أفضل منكم من يعمل بيده، و يأكل من/كسبه» فصاروا يغسلون الثياب بالكراء، فسموا حواريين.

القول الرابع: أنهم كانوا ملوكاً قالوا و ذلك أن واحداً من الملوك صنع طعاماً، و جمع الناس عليه، و كان عيسى عليه السلام على قصعة منها، فكانت القصعة لا تنقص، فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك، فقال: تعرفونه، قالوا:

نعم، فذهبوا بعيسى عليه السلام، قال: من أنت؟قال: أنا عيسى ابن مريم، قال فإني أترك ملكي و أتبعك فتبعه ذلك الملك مع أقاربه، فأولئك هم الحواريون قال القفال: و يجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك، و بعضهم من صيادي السمك، و بعضهم من القصارين، و الكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام، و أعوانه، و المخلصين في محبته، و طاعته، و خدمته.

المسألة الثالثة: المراد من قوله نَحْنُ أَنْصََارُ اَللََّهِ أي نحن أنصار دين اللّه و أنصار أنبيائه، لأن نصرة اللّه تعالى في الحقيقة محال، فالمراد منه ما ذكرناه.

أما قوله آمَنََّا بِاللََّهِ فهذا يجري مجرى ذكر العلة، و المعنى يجب علينا أن نكون من أنصار اللّه، لأجل أنا آمنا باللّه، فإن الإيمان باللّه يوجب نصرة دين اللّه، و الذب عن أوليائه، و المحاربة مع أعدائه.

ثم قالوا: وَ اِشْهَدْ بِأَنََّا مُسْلِمُونَ و ذلك لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم، إشهاد للّه تعالى أيضاً، ثم فيه قولان الأول: المراد و اشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك، و الذب عنك، مستسلمون لأمر اللّه تعالى فيه الثاني: أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام، و أنه دين كل الأنبياء صلوات اللّه عليهم.

و اعلم أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إيمانهم، و على إسلامهم تضرعوا إلى اللّه تعالى، و قالوا: