التفسير الكبير - ج9

- الفخر الرازي‏ المزيد...
532 /
363

الجزء التاسع‏

تتمة سورة آل عمران‏

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا اعلم أن من الناس من قال: إنه تعالى لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين و في أمر الجهاد، أتبع ذلك بما يدخل في الأمر و النهي و الترغيب و التحذير فقال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا و على هذا التقدير تكون هذه الآية ابتداء كلام و لا تعلق لها بما قبلها، و قال القفال رحمه اللّه: يحتمل أن يكون ذلك متصلاً بما تقدم من جهة أن المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا، فلعل ذلك يصير داعيا للمسلمين إلى الاقدام على الربا حتى يجمعوا المال و ينفقوه على العسكر فيتمكنون من الانتقام منهم، فلا جرم نهاهم اللّه عن ذلك و في قوله: أَضْعََافاً مُضََاعَفَةً مسألتان:

المسألة الأولى: كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل، فإذا جاء الأجل و لم يكن المديون واجداً لذلك المال قال زد في المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك، ثم إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله: أَضْعََافاً مُضََاعَفَةً .

المسألة الثانية: انتصب أَضْعََافاً على الحال.

ثم قال تعالى: وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .

اعلم أن اتقاء اللّه في هذا النهي واجب، و أن الفلاح يتوقف عليه، فلو أكل و لم يتق زال الفلاح/و هذا تنصيص على أن الربا من الكبائر لا من الصغائر و تفسير قوله: لَعَلَّكُمْ تقدم في سورة البقرة في قوله:

اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21]و تمام الكلام في الربا أيضاً مر في سورة البقرة.

ثم قال: وَ اِتَّقُوا اَلنََّارَ اَلَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكََافِرِينَ و فيه سؤالات: الأول: أن النار التي أعدت للكافرين تكون بقدر كفرهم و ذلك أزيد مما يستحقه المسلم بفسقه، فكيف قال: وَ اِتَّقُوا اَلنََّارَ اَلَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكََافِرِينَ .

و الجواب: تقدير الآية: اتقوا أن تجحدوا تحريم الربا فتصيروا كافرين.

السؤال الثاني: ظاهر قوله: أُعِدَّتْ لِلْكََافِرِينَ يقتضي أنها ما أعدت إلا للكافرين، و هذا يقتضي القطع بأن أحداً من المؤمنين لا يدخل النار و هو على خلاف سائر الآيات.

و الجواب من وجوه: الأول: أنه لا يبعد أن يكون في النار دركات أعد بعضها للكفار و بعضها للفساق فقوله: اَلنََّارَ اَلَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكََافِرِينَ إشارة الى تلك الدركات المخصوصة التي أعدها اللّه للكافرين، و هذا لا

364

يمنع ثبوت دركات أخرى في النار أعدها اللّه لغير الكافرين. الثاني: أن كون النار معدة للكافرين، لا يمنع دخول المؤمنين فيها لأنه لما كان أكثر أهل النار هم الكفار فلأجل الغلبة لا يبعد أن يقال: إنها معدة لهم، كما أن الرجل يقول لدابة ركبها لحاجة من الحوائج، إنما أعددت هذه الدابة للقاء المشركين، فيكون صادقا في ذلك و إن كان هو قدر ركبها في تلك الساعة لغرض آخر فكذا هاهنا.

الوجه الثالث: في الجواب: أن القرآن كالسورة الواحدة فهذه الآية دلت على أن النار معدة للكافرين و سائر الآيات دالة أيضا على أنها معدة لمن سرق و قتل و زنى و قذف، و مثاله قوله تعالى: كُلَّمََا أُلْقِيَ فِيهََا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهََا أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك: 8]و ليس لجميع الكفار يقال ذلك، و أيضا قال تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيهََا هُمْ وَ اَلْغََاوُونَ [الشعرا: 94]الى قوله: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ [الشعرا: 98]و ليس هذا صفة جميعهم و لكن لما كانت هذه الشرائط مذكورة في سائر السور، كانت كالمذكورة هاهنا، فكذا فيما ذكرناه و اللّه أعلم.

الوجه الرابع: أن قوله: أُعِدَّتْ لِلْكََافِرِينَ إثبات كونها معدة لهم و لا يدل على الحصر كما أن قوله في الجنة أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133]لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان و المجانين و الحور العين.

الوجه الخامس: أن المقصود من وصف النار بأنها أعدت للكافرين تعظيم الزجر، و ذلك لأن المؤمنين الذين خوطبوا باتقاء المعاصي إذا علموا بأنهم متى فارقوا التقوى أدخلوا النار المعدة للكافرين، و قد تقرر في عقولهم عظم عقوبة الكفار، كان انزجارهم عن المعاصي أتم، /و هذا بمنزلة أن يخوف الوالد ولده بأنك إن عصيتني أدخلتك دار السباع، و لا يدل ذلك على أن تلك الدار لا يدخلها غيرهم فكذا هاهنا.

السؤال الثالث: هل تدل الآية على أن النار مخلوقة الآن أم لا؟ الجواب: نعم لأن قوله: أُعِدَّتْ إخبار عن الماضي فلا بد أن يكون قد دخل ذلك الشي‏ء في الوجود.

ثم قال تعالى: وَ أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ و لما ذكر الوعيد ذكر الوعد بعده على ما هو العادة المستمرة في القرآن، و قال محمد بن إسحاق بن يسار هذه الآية معاتبة للذين عصوا الرسول صلى اللّه عليه و سلم حين أمرهم بما أمرهم يوم أحد، و قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن حصول الرحمة موقوف على طاعة اللّه و طاعة الرسول صلى اللّه عليه و سلم، و هذا عام فيدل الظاهر على أن من عصى اللّه و رسوله في شي‏ء من الأشياء أنه ليس أهلا للرحمة و ذلك يدل على قول أصحاب الوعيد.

فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع و ابن عامر سََارِعُوا بغير واو، و كذلك هو في مصاحف أهل المدينة و الشام، و الباقون بالواو، و كذلك هو في مصاحف مكة و العراق و مصحف عثمان، فمن قرأ بالواو عطفها على ما قبلها و التقدير أطيعوا اللّه و الرسول و سارعوا، و من ترك الواو فلأنه جعل قوله: سََارِعُوا و قوله: أَطِيعُوا اَللََّهَ [آل عمران: 132]كالشي‏ء الواحد، و لقرب كل واحد منها من الآخر في المعنى أسقط العاطف.

المسألة الثانية: روي عن الكسائي الإمالة في سََارِعُوا و أُولََئِكَ يُسََارِعُونَ [المؤمنون: 61]

365

و نُسََارِعُ [المؤمنون: 56]و ذلك جائز لمكان الراء المكسورة، و يمنع كما المفتوحة الإمالة، كذلك المكسورة يميلها.

المسألة الثالثة: قالوا في الكلام حذف و المعنى: و سارعوا الى ما يوجب مغفرة من ربكم و لا شك أن الموجب للمغفرة ليس إلا فعل المأمورات و ترك المنهيات، فكان هذا أمرا بالمسارعة الى فعل المأمورات و ترك المنهيات، و تمسك كثير من الأصوليين بهذه الآية في أن ظاهر الأمر يوجب الفور و يمنع من التراخي و وجهه ظاهر، و للمفسرين فيه كلمات: إحداها: قال ابن عباس: هو الإسلام/أقول وجهه ظاهر، لأنه ذكر المغفرة على سبيل التنكير، و المراد منه المغفرة العظيمة المتناهية في العظيم و ذلك هو المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام.

الثاني:

روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال: هو أداء الفرائض،

و وجهه أن اللفظ مطلق فيجب أن يعم الكل. و الثالث: أنه الإخلاص و هو قول عثمان بن عفان رضي اللّه عنه و وجهه أن المقصود من جميع العبادات الإخلاص، كما قال: وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا اَللََّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ [البينة: 5]الرابع: قال أبو العالية: هو الهجرة. و الخامس: أنه الجهاد و هو قول الضحاك و محمد بن إسحاق، قال: لأن من قوله: وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ [آل عمران: 121]الى تمام ستين آية نزل في يوم أحد فكان كل هذه الأوامر و النواهي مختصة بما يتعلق بباب الجهاد. السادس: قال سعيد بن جبير: إنها التكبيرة الأولى. و السابع: قال عثمان: إنها الصلوات الخمس. و الثامن: قال عكرمة: إنها جميع الطاعات. لأن اللفظ عام فيتناول الكل. و التاسع: قال الأصم: سارعوا، أي بادروا الى التوبة من الربا و الذنوب، و الوجه فيه أنه تعالى نهى أولا عن الربا، ثم قال:

وَ سََارِعُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فهذا يدل على أن المراد منه المسارعة في ترك ما تقدم النهي عنه، و الأولى ما تقدم من وجوب حمله على أداء الواجبات و التوبة عن جميع المحظورات، لأن اللفظ عام فلا وجه في تخصيصه، ثم إنه تعالى بين أنه كما تجب المسارعة إلى المغفرة فكذلك تجب المسارعة إلى الجنة، و إنما فصل بينهما لأن الغفران معناه إزالة العقاب، و الجنة معناها إيصال الثواب، فجميع بينهما للإشعار بأنه لا بد للمكلف من تحصيل الأمرين، فأما وصف الجنة بأن عرضها السموات فمعلوم أن ذلك ليس بحقيقة لأن نفس السموات لا تكون عرضا للجنة، فالمراد كعرض السموات و الأرض و هاهنا سؤالات.

السؤال الأول: ما معنى أن عرضها مثل عرض السموات و الأرض و فيه وجوه: الأول: أن المراد لو جعلت السموات و الأرضون طبقا طبقا بحيث يكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة، و هذا غاية في السعة لا يعلمها إلا اللّه. و الثاني:

أن الجنة التي يكون عرضها مثل عرض السموات و الأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكا، فلا بد و أن تكون الجنة المملوكة لكل واحد مقدارها هذا. الثالث: قال أبو مسلم: و فيه وجه آخر و هو أن الجنة لو عرضت بالسموات و الأرض على سبيل البيع لكانتا ثمنا للجنة، تقول إذا بعت الشي‏ء بالشي‏ء الآخر عرضته عليه و عارضته به، فصار العرض يوضع موضع المساواة بين الشيئين في القدر، و كذا أيضا معنى القيمة لأنها مأخوذة من مقاومة الشي‏ء بالشي‏ء حتى يكون كل واحد منهما/مثلا للآخر. الرابع: المقصود المبالغة في وصف سعة الجنة و ذلك لأنه لا شي‏ء عندنا أعرض منهما و نظيره قوله: خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ* [هود: 107]فإن أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات و الأرض، فخوطبنا على وفق ما عرفناه، فكذا هاهنا.

السؤال الثاني: لم خص العرض بالذكر.

366

و الجواب فيه وجهان: الأول: أنه لما كان العرض ذلك فالظاهر أن الطول يكون أعظم و نظيره قوله:

بَطََائِنُهََا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [الرحمن: 54]و إنما ذكر البطائن لأن من المعلوم أنها تكون أقل حالا من الظهارة، فإذا كانت البطانة هكذا فكيف الظهارة؟فكذا هاهنا إذا كان العرض هكذا فكيف الطول و الثاني: قال القفال: ليس المراد بالعرض هاهنا ما هو خلاف الطول، بل هو عبارة عن السعة كما تقول العرب: بلاد عريضة، و يقال هذه دعوى عريضة، أي واسعة عظيمة، و الأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق، و ما ضاق عرضه دق، فجعل العرض كناية عن السعة.

السؤال الثالث: أنتم تقولون: الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟ و الجواب من وجهين: الأول: أن المراد من قولنا إنها فوق السموات و تحت العرش،

قال عليه السلام: في صفة الفردوس «سقفها عرش الرحمن»

و

روي أن رسول هرقل سأل النبي صلى اللّه عليه و سلم و قال: إنك تدعو الى جنة عرضها السموات و الأرض أعدت للمتقين فأين النار؟فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: سبحان اللّه فأين الليل إذا جاء النهار.

و المعنى و اللّه أعلم أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم و الليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو و النار في جهة السفل، و سئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟فقال: و أي أرض و سماء تسع الجنة، قيل فأين هي؟قال: فوق السموات السبع تحت العرش.

و الوجه الثاني: أن الذين يقولون الجنة و النار غير مخلوقتين الآن، بل اللّه تعالى يخلقهما بعد قيام القيامة، فعلى هذا التقدير لا يبعد أن تكون الجنة مخلوقة في مكان السموات و النار في مكان الأرض و اللّه أعلم.

أما قوله: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ فظاهره يدل على أن الجنة و النار مخلوقتان الآن و قد سبق تقرير ذلك.

اعلم أنه تعالى لما بين أن الجنة معدة للمتقين ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من اكتساب الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات.

فالصفة الأولى: قوله: اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي اَلسَّرََّاءِ وَ اَلضَّرََّاءِ و فيه وجوه: الأول: أن المعنى أنهم في حال الرخاء و اليسر و القدرة و العسر لا يتركون الإنفاق، و بالجملة فالسراء هو الغنى، و الضراء هو الفقر. يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة، و عن عائشة رضي اللّه عنها أنها تصدقت بحبة عنب، و الثاني: أن المعنى أنهم سواء كانوا في سرور أو في حزن أو في عسر أو في يسر فإنهم لا يدعون الإحسان إلى الناس، الثالث:

المعنى أن ذلك الإحسان و الإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان على خلاف طبعهم فإنهم لا يتركونه، و إنما افتتح اللّه بذكر الإنفاق لأنه طاعة شاقة و لأنه كان في ذلك الوقت أشرف الطاعات لأجل الحاجة اليه في مجاهدة العدو و مواساة فقراء المسلمين.

الصفة الثانية: قوله تعالى: وَ اَلْكََاظِمِينَ اَلْغَيْظَ و فيه مسألتان.

المسألة الأولى: يقال: كظم غيظه إذا سكت عليه و لم يظهره لا بقول و لا بفعل قال المبرد: تأويله أنه كتم على امتلائه منه، يقال: كظمت السقاء إذا ملأته و سددت عليه، و يقال: فلان لا يكظم على جرته إذا كان لا

367

يحتمل شيئا، و كل ما سددت من مجرى ماء أو باب أو طريق فهو كظم، و الذي يسد به يقال له الكظامة و السدادة، و يقال للقناة التي تجري في بطن الأرض كظامة، لا لامتلائها بالماء كامتلاء القرب المكظومة، و يقال:

أخذ فلان بكظم فلان إذا أخذ بمجرى نفسه، لأنه موضع الامتلاء بالنفس، و كظم البعير كظم البعير كظوماً إذا أمسك على ما في جوفه و لم يجتر، و معنى قوله: وَ اَلْكََاظِمِينَ اَلْغَيْظَ الذين يكفون غيظهم عن الإمضاء و يردون غيظهم في أجوافهم، و هذا الوصف من أقسام الصبر و الحلم و هو كقوله: وَ إِذََا مََا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى: 37].

المسألة الثانية:

قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «من كظم غيظا و هو يقدر على إنفاذه ملأ اللّه قلبه أمنا و إيمانا»

و

قال عليه السلام لأصحابه «تصدقوا» فتصدقوا بالذهب و الفضة و الطعام، و أتاه الرجل بقشور التمر فتصدق به، و جاءه آخر فقال و اللّه ما عندي ما أتصدق به، و لكن أتصدق بعرضي فلا أعاقب أحدا بما يقوله في حديثه، فوفد إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من قوم ذلك الرجل وفد، فقال عليه السلام: «لقد تصدق منكم رجل بصدقة و لقد قبلها اللّه منه تصدق بعرضه»

و

قال عليه السلام: «من كظم غيظا و هو يستطيع أن ينفذه زوجه اللّه من الحور العين حيث يشاء»

و

قال عليه السلام: «ما من جرعتين أحب إلى اللّه من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر و حسن/عزاء و من جرعة غيظ كظمها»

و

قال عليه السلام «ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب» .

الصفة الثالثة: قوله تعالى: وَ اَلْعََافِينَ عَنِ اَلنََّاسِ قال القفال رحمه اللّه: يحتمل أن يكون هذا راجعا الى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا، فنهي المؤمنون عن ذلك و ندبوا الى العفو عن المعسرين. قال تعالى عقيب قصة الربا و التداين‏ وَ إِنْ كََانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى‏ََ مَيْسَرَةٍ وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: 280]و يحتمل أن يكون كما قال في الدية: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ [البقرة: 178]الى قوله: وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: 280]و يحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حين مثلوا بحمزة و

قال: «لأمثلن بهم»

فندب إلى كظم هذا الغيظ و الصبر عليه و الكف عن فعل ما ذكر أنه يفعله من المثلة، فكان تركه فعل ذلك عفوا، قال تعالى في هذه القصة وَ إِنْ عََاقَبْتُمْ فَعََاقِبُوا بِمِثْلِ مََا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصََّابِرِينَ [النحل:

126]

قال صلى اللّه عليه و سلم: «لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه و يعفو عمن ظلمه و يعطي من حرمه»

و

روي عن عيسى بن مريم صلوات اللّه عليه: ليس الإحسان أن تحسن الى من أحسن إليك ذلك مكافأة انما الإحسان أن تحسن الى من أساء إليك.

أما قوله تعالى: وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ فاعلم أنه يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن و يدخل تحته هؤلاء المذكورون، و أن تكون للعهد فيكون إشارة الى هؤلاء.

و اعلم أن الإحسان إلى الغير إما أن يكون بإيصال النفع اليه أو بدفع الضرر عنه. أما إيصال النفع اليه فهو المراد بقوله: اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي اَلسَّرََّاءِ وَ اَلضَّرََّاءِ و يدخل فيه إنفاق العلم، و ذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين و هداية الضالين، و يدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات و العبادات و أما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا و هو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة أخرى، و هو المراد بكظم الغيظ، و إما في الآخرة و هو أن يبرئ ذمته عن التبعات و المطالبات في الآخرة، و هو المراد بقوله تعالى: وَ اَلْعََافِينَ عَنِ اَلنََّاسِ فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير، و لما كانت هذه الأمور الثلاثة مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ذكر ثوابها فقال: وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ فإن محبة اللّه للعبد أعم درجات الثواب.

في قوله تعالى وَ اَلَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ

368

و اعلم أن وجه النظم من وجهين: الأول: أنه تعالى لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين بين أن المتقين قسمان: أحدهما: الذين أقبلوا على الطاعات و العبادات، و هم الذين وصفهم اللّه بالإنفاق في السراء و الضراء، و كظم الغيظ، و العفو عن الناس. و ثانيهما: الذين أذنبوا ثم تابوا و هو المراد بقوله: وَ اَلَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً و بين تعالى أن هذه الفرقة كالفرقة الأولى في كونها متقية، و ذلك لأن المذنب إذا تاب عن الذنب صار حاله كحال من لم يذنب قط في استحقاق المنزلة و الكرامة عند اللّه.

و الوجه الثاني: أنه تعالى ندب في الآية الأولى إلى الإحسان إلى الغير، و ندب في هذه الآية إلى الإحسان إلى النفس، فإن المذنب العاصي إذا تاب كانت تلك التوبة إحساناً منه إلى نفسه، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى:

روى ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في رجلين، أنصاري و ثقفي، و الرسول صلى اللّه عليه و سلم كان قد آخى بينهما، و كانا لا يفترقان في أحوالهما، فخرج الثقفي مع الرسول صلى اللّه عليه و سلم بالقرعة في السفر، و خلف الأنصاري على أهله ليتعاهدهم، فكان يفعل ذلك ثم قام إلى امرأته ليقبلها فوضعت كفها على وجهها، فندم الرجل، فلما وافى الثقفي مع الرسول صلى اللّه عليه و سلم لم ير الأنصاري، و كان قد هام في الجبال للتوبة، فلما عرف الرسول صلى اللّه عليه و سلم سكت حتى نزلت هذه الآية.

و قال ابن مسعود: قال المؤمنون للنبي صلى اللّه عليه و سلم: كانت بنو إسرائيل أكرم على اللّه منا، فكان أحدهم إذا أذنب ذنباً أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره: اجدع أنفك، افعل كذا، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية و بين أنهم أكرم على اللّه منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار.

المسألة الثانية: الفاحشة هاهنا نعت محذوف و التقدير: فعلوا فعلة فاحشة، و ذكروا في الفرق بين الفاحشة و بين ظلم النفس وجوها: الأول: قال صاحب «الكشاف» : الفاحشة ما يكون فعله/كاملا في القبح، و ظلم النفس: هو أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به. و الثاني: أن الفاحشة هي الكبيرة، و ظلم النفس. هي الصغيرة، و الصغيرة يجب الاستغفار منها، بدليل أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان مأموراً بالاستغفار و هو قوله: وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ* [محمد: 19]و ما كان استغفاره دالا على الصغائر بل على ترك الأفضل. الثالث: الفاحشة: هي الزنا، و ظلم النفس: هي القبلة و اللمسة و النظرة، و هذا على قول من حمل الآية على السبب الذي رويناه، و لأنه تعالى سمى الزنا فاحشة، فقال تعالى: وَ لاََ تَقْرَبُوا اَلزِّنى‏ََ إِنَّهُ كََانَ فََاحِشَةً [الإسراء: 32].

أما قوله: ذَكَرُوا اَللََّهَ ففيه و جهان: أحدهما: أن المعنى ذكروا و عيد اللّه أو عقابه أو جلاله الموجب للخشية و الحياء منه، فيكون من باب حذف المضاف، و الذكر هاهنا هو الذي ضد النسيان و هذا معنى قول الضحاك، و مقاتل، و الواقدي، فإن الضحاك قال: ذكروا العرض الأكبر على اللّه، و مقاتل، و الواقدي قال:

تفكروا أن اللّه سائلهم، و ذلك لأنه قال بعد هذه الآية فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ و هذا يدل على أن الاستغفار كالأثر، و النتيجة لذلك الذكر، و معلوم أن الذكر الذي يوجب الاستغفار ليس إلا ذكر عقاب اللّه، و نهيه و وعيده، و نظير هذه الآية قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذََا مَسَّهُمْ طََائِفٌ مِنَ اَلشَّيْطََانِ تَذَكَّرُوا فَإِذََا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: 201]

369

و القول الثاني: أن المراد بهذا الذكر ذكر اللّه بالثناء و التعظيم و الإجلال، و ذلك لأن من أراد أن يسأل اللّه مسألة، فالواجب أن يقدم على تلك المسألة الثناء على اللّه، فهنا لما كان المراد الاستغفار من الذنوب قدموا عليه الثناء على اللّه تعالى، ثم اشتغلوا بالاستغفار عن الذنوب.

ثم قال: فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ و المراد منه الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، و هو الندم على فعل ما مضى مع العز على ترك مثله في المستقبل، فهذا هو حقيقة التوبة، فأما الاستغفار باللسان، فذاك لا أثر له في إزالة الذنب، بل يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة، و لإظهار كونه منقطعاً إلى اللّه تعالى، و قوله:

لِذُنُوبِهِمْ أي لأجل ذنوبهم.

ثم قال: وَ مَنْ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلاَّ اَللََّهُ و المقصود منه أن لا يطلب العبد المغفرة إلا منه، و ذلك لأنه تعالى هو القادر على عقاب العبد في الدنيا و الآخرة، فكان هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه، فصح أنه لا يجوز طلب الاستغفار إلا منه.

ثم قال: وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ََ مََا فَعَلُوا و اعلم أن قوله: وَ مَنْ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلاَّ اَللََّهُ جملة معترضة بين المعطوف و المعطوف عليه، و التقدير: فاستغفروا لذنوبهم و لم يصروا على ما فعلوا.

و قوله: وَ هُمْ يَعْلَمُونَ فيه وجهان: الأول: أنه حال من فعل الإصرار، و التقدير: و لم يصروا/على ما فعلوا من الذنوب حال ما كانوا عالمين بكونها محظورة محرمة لأنه قد يعذر من لا يعلم حرمة الفعل، أما العالم بحرمته فإنه لا يعذر في فعله ألبتة. الثاني: أن يكون المراد منه العقل و التمييز و التمكين من الاحتراز من الفواحش فيجري مجرى‏

قوله صلى اللّه عليه و سلم: «رفع القلم عن ثلاث» .

ثم قال: أُولََئِكَ جَزََاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ جَنََّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ و المعنى أن المطلوب أمران: الأول: الأمن من العقاب و إليه الإشارة بقوله: مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ و الثاني: إيصال الثواب اليه و هو المراد بقوله: جَنََّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا ثم بين تعالى أن الذي يحصل لهم من ذلك و هو الغفران و الجنات يكون أجراً لعملهم و جزاء عليه بقوله: وَ نِعْمَ أَجْرُ اَلْعََامِلِينَ قال القاضي: و هذا يبطل قول من قال إن الثواب تفضل من اللّه و ليس بجزاء على عملهم.

اعلم أن اللّه تعالى لما وعد على الطاعة و التوبة من المعصية الغفران و الجنات، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة و على التوبة من المعصية و هو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين و العاصين فقال: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي: أصل الخلو في اللغة الانفراد و المكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه و يستعمل أيضا في الزمان بمعنى المضي لأن ما مضى انفرد عن الوجود و خلا عنه، و كذا الأمم الخالية، و أما السنة فهي الطريقة المستقيمة و المثال المتبع، و في اشتقاق هذه اللفظة وجوه: الأول: أنها فعلة من سن الماء يسنه إذا والى صبه، و السن الصب للماء، و العرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب فإنه لتوالي أجزاء الماء فيه على نهج واحد يكون كالشي‏ء الواحد، و السنة فعلة بمعنى مفعول، و ثانيها: أن تكون من سننت‏

370

النصل و السنان أسنه سنا فهو مسنون إذا حددته على المسن، فالفعل المنسوب إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم سمي سنة على معنى أنه مسنون، و ثالثها: أن يكون من قولهم: سن الإبل إذا أحسن الرعي، و الفعل الذي داوم عليه النبي صلى اللّه عليه و سلم سمي سنة بمعنى أنه عليه الصلاة و السلام أحسن رعايته و إدامته.

المسألة الثانية: المراد من الآية: قد انقضت من قبلكم سنن اللّه تعالى في الأمم السالفة، و اختلفوا/في ذلك، فالأكثرون من المفسرين على أن المراد سنن الهلاك و الاستئصال بدليل قوله تعالى: فَانْظُروا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ و ذلك لأنهم خالفوا الأنبياء و الرسل للحرص على الدنيا و طلب لذاتها، ثم انقرضوا و لم يبق من دنياهم أثر و بقي اللعن في الدنيا و العقاب في الآخرة عليهم، فرغب اللّه تعالى أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم الى الإيمان باللّه و رسله و الإعراض عن الرياسة في الدنيا و طلب الجاه، و قال مجاهد: بل المراد سنن اللّه تعالى في الكافرين و المؤمنين؛ فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن و لا مع الكافر، و لكن المؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا و الثواب الجزيل في العقبى، و الكافر بقي عليه اللعنة في الدنيا و العقاب في العقبى ثم إنه تعالى قال: فَانْظُروا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، و أيضاً يقال الغرض منه زجر الكفار عن كفرهم و ذلك إنما يعرف بتأمل أحوال المكذبين و المعاندين، و نظير هذه الآية قوله تعالى: وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنََا لِعِبََادِنَا اَلْمُرْسَلِينَ*`إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ*`وَ إِنَّ جُنْدَنََا لَهُمُ اَلْغََالِبُونَ [الصافات: 171-173]و قوله: وَ اَلْعََاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ* [الأعراف: 128، القصص: 83]و قوله: أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهََا عِبََادِيَ اَلصََّالِحُونَ [الأنبياء: 105].

المسألة الثالثة: ليس المراد بقوله فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُروا الأمر بذلك لا محالة، بل المقصود تعرف أحوالهم، فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلاً، و لا يمتنع أن يقال أيضاً: إن لمشاهدة آثار المتقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر:

إن آثارنا تدل علينا # فانظروا بعدنا إلى الآثار

ثم قال تعالى: هََذََا بَيََانٌ لِلنََّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ و يعني بقوله: هََذََا ما تقدم من أمره و نهيه و وعده و وعيده و ذكره لأنواع البينات و الآيات، و لا بد من الفرق بين البيان و بين الهدى و بين الموعظة، لأن العطف يقتضي المغايرة فنقول فيه وجهان: الأول: أن البيان هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت الشبهة حاصلة، فالفرق أن البيان عام في أي معنى كان، و أما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي. و أما الموعظة فهي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين، فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان: أحدهما: الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين و هو الهدى. الثاني: الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين و هو الموعظة.

الوجه الثاني: أن البيان هو الدلالة، و أما الهدى فهو الدلالة بشرط كونها مفضية إلى الاهتداء، و قد تقدم هذا البحث في تفسير قوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]في سورة البقرة.

المسألة الرابعة: في تخصيص هذا البيان و الهدى و الموعظة للمتقين وجهان: أحدهما: أنهم/هم المنتفعون به، فكانت هذه الأشياء في حق غير المتقين كالمعدومة و نظيره قوله تعالى: إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشََاهََا [النازعات: 45] إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ [يس: 11] إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ [فاطر: 28]و قد تقدم تقريره في تفسير قوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الثاني: أن قوله: هََذََا بَيََانٌ لِلنََّاسِ

371

كلام عام ثم قوله: وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ مخصوص بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية، و لا شك أن هذا المعنى لا يحصل إلا في حق المتقين و اللّه أعلم بالصواب.

اعلم أن الذي قدمه من قوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ [آل عمران: 137]و قوله: هََذََا بَيََانٌ لِلنََّاسِ [آل عمران: 138]كالمقدمة لقوله: وَ لاََ تَهِنُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا كأنه قال إذا بحثتم عن أحوال القرون الماضية علمتم أن أهل الباطل و إن اتفقت لهم الصولة، لكن كان مآل الأمر إلى الضعف و الفتور، و صارت دولة أهل الحق عالية، و صولة أهل الباطل مندرسة، فلا ينبغي أن تصير صولة الكفار عليكم يوم أحد سبباً لضعف قلبكم و لجبنكم و عجزكم، بل يجب أن يقوى قلبكم فإن الاستعلاء سيحصل لكم و القوة و الدولة راجعة إليكم.

ثم نقول قوله: وَ لاََ تَهِنُوا أي لا تضعفوا عن الجهاد، و الوهن الضعف قال تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام‏ إِنِّي وَهَنَ اَلْعَظْمُ مِنِّي [مريم: 4]و قوله: وَ لاََ تَحْزَنُوا أي على من قتل منكم أو جرح و قوله: وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ فيه وجوه: الأول: أن حالكم أعلى من حالهم في القتل لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، و هو كقوله تعالى: أَ وَ لَمََّا أَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهََا قُلْتُمْ أَنََّى هََذََا [آل عمران: 165] أو لأن قتالكم للّه و قتالهم للشيطان، أو لأن قتالهم للدين الباطل و قتالكم للدين الحق، و كل ذلك يوجب كونكم أعلى حالاً منهم. الثاني: أن يكون المراد و أنتم الأعلون بالحجة و التمسك بالدين و العاقبة الحميدة. الثالث: أن يكون المعنى و أنتم الأعلون من حيث إنكم في العاقبة تظفرون بهم و تستولون عليهم و هذا شديد المناسبة لما قبله، لأن القوم انكسرت قلوبهم بسبب ذلك الوهن فهم كانوا محتاجين الى ما يفيدهم قوة في القلب، و فرحاً في النفس، فبشرهم اللّه تعالى بذلك، فأما قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ففيه وجوه: الأول: و أنتم الأعلون ان بقيتم على إيمانكم، و المقصود بيان أن اللّه تعالى إنما تكفل بإعلاء درجتهم لأجل تمسكهم بدين الإسلام. الثاني:

و أنتم الأعلون فكونوا مصدقين لهذه البشارة إن كنتم مصدقين بما يعدكم اللّه و يبشركم به من الغلبة. و الثالث:

التقدير: و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، فإن اللّه تعالى وعد بنصرة هذا الدين، فإن كنتم من المؤمنين علمتم أن هذه الواقعة لا تبقى بحالها، و أن الدولة تصير للمسلمين و الاستيلاء على العدو يحصل لهم.

في قوله تعالى إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ و اعلم أن هذا من تمام قوله: وَ لاََ تَهِنُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ [آل عمران: 139]فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم و اجتهادهم في جهاد العدو، و ذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك، فإذا كانوا مع باطلهم، و سوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة و التمسك بالحق أولى، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر عن عاصم قَرْحٌ بضم القاف و كذلك قوله: مِنْ بَعْدِ مََا أَصََابَهُمُ اَلْقَرْحُ [آل عمران: 172]و الباقون بفتح القاف فيهما و اختلفوا على وجوه: فالأول: معناهما واحد،

372

و هما لغتان: كالجهد و الجهد، و الوجد و الوجد، و الضعف و الضعف. و الثاني: أن الفتح لغة تهامة و الحجاز و الضم لغة نجد. و الثالث: أنه بالفتح مصدر و بالضم اسم. و الرابع: و هو قول الفراء أنه بالفتح الجراحة بعينها و بالضم ألم الجراحة. و الخامس: قال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع قرحة.

المسألة الثانية: في الآية قولان: أحدهما: إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسهم يوم بدر، و هو كقوله تعالى: أَ وَ لَمََّا أَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهََا قُلْتُمْ أَنََّى هََذََا [آل عمران: 165]و الثاني: أن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجرح و القتل، لأنه قتل منهم نيف و عشرون رجلا، و قتل صاحب لوائهم و الجراحات كثرت فيهم و عقر عامة خيلهم بالنبل، و قد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار.

فإن قيل كيف قال: قَرْحٌ مِثْلُهُ و ما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟ قلنا: يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة القتلى.

ثم قال تعالى: وَ تِلْكَ اَلْأَيََّامُ نُدََاوِلُهََا بَيْنَ اَلنََّاسِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: تِلْكَ مبتدأ و اَلْأَيََّامُ صفة و نُدََاوِلُهََا خبره و يجوز أن يقال: تلك الأيام مبتدأ و خبر كما تقول: هي الأيام تبلي كل جديد، فقوله: تِلْكَ اَلْأَيََّامُ إشارة إلى جميع أيام الوقائع العجيبة، فبين أنها دول تكون على الرجل حينا و له حينا و الحرب سجال.

المسألة الثانية: قال القفال: المداولة نقل الشي‏ء من واحد إلى آخر، يقال: تداولته الأيدي إذا تناقلته و منه قوله تعالى: كَيْ لاََ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ اَلْأَغْنِيََاءِ مِنْكُمْ [الحشر: 7]أي تتداولونها و لا تجعلون للفقراء منها نصيباً، و يقال: الدنيا دول، أي تنتقل من قوم الى آخرين، ثم عنهم إلى غيرهم، و يقال: دال له الدهر بكذا إذا انتقل اليه، و المعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها و لا مضارها، فيوم يحصل فيه السرور له و الغم لعدوه، و يوم آخر بالعكس من ذلك، و لا يبقى شي‏ء من أحوالها و لا يستقر أثر من آثارها.

و اعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن اللّه تعالى تارة ينصر المؤمنين و أخرى ينصر الكافرين و ذلك لأن نصرة اللّه منصب شريف و إعزاز عظيم، فلا يليق بالكافر، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار و أخرى على المؤمنين و الفائدة فيه من وجوه: الأول: أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات و أزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطرارى بأن الايمان حق و ما سواه باطل، و لو كان كذلك لبطل التكليف و الثواب و العقاب فلهذا المعنى تارة يسلط اللّه المحنة على أهل الايمان، و أخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية و المكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ثوابه عند اللّه. و الثاني: أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي، فيكون عند اللّه تشديد المحنة عليه في الدنيا أدباً له و أما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من اللّه عليه. و الثالث: و هو أن لذات الدنيا و آلامها غير باقية و أحوالها غير مستمرة، و إنما تحصل السعادات المستمرة في دار الآخرة، و لذلك فإنه تعالى يميت بعد الإحياء، و يسقم بعد الصحة، فإذا حسن ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء بالضراء، و القدرة بالعجز، و روي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد ثم قال: أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب، فقال عمر:

هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و هذا أبو بكر، و ها أنا عمر، فقال أبو سفيان: يوم بيوم و الأيام دول و الحرب سجال، فقال عمر رضي اللّه عنه لا سواء، قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار، فقال: إن كان كما تزعمون، فقد خبنا إذن و خسرنا.

373

وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا ففيه مسائل.

المسألة الأولى: اللام في قوله: وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ متعلق بفعل مضمر، إما بعده أو قبله، أما الإضمار بعده فعلى تقدير و ليعلم اللّه الذين آمنوا فعلنا هذه المداولة، و أما الإضمار قبله فعلى تقدير و تلك الأيام نداولها بين الناس لأمور، منها ليعلم اللّه الذين آمنوا، و منها ليتخذ منكم شهداء، و منها ليمحص اللّه الذين آمنوا، و منها ليمحق الكافرين، فكل ذلك كالسبب و العلة في تلك المداولة.

المسألة الثانية: الواو في قوله: وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا نظائره كثيرة في القرآن، قال تعالى: وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ [الأنعام: 75]و قال تعالى: وَ لِتَصْغى‏ََ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 113]و التقدير:

و تلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت و كيت و ليعلم اللّه، و إنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى، و ليعرفهم أن تلك الواقعة و أن شأنهم فيها، فيه من وجوه المصالح ما لو عرفوه لسرهم.

المسألة الثالثة: ظاهر قوله تعالى: وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مشعر بأنه تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم، و معلوم أن ذلك محال على اللّه تعالى، و نظير هذه الآية في الإشكال قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمََّا يَعْلَمِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ اَلصََّابِرِينَ [آل عمران: 142]و قوله: وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ [العنكبوت: 3]و قوله: لِنَعْلَمَ أَيُّ اَلْحِزْبَيْنِ أَحْصى‏ََ لِمََا لَبِثُوا أَمَداً [الكهف: 12]و قوله: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتََّى نَعْلَمَ اَلْمُجََاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ اَلصََّابِرِينَ [محمد: 31]و قوله: إِلاََّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ اَلرَّسُولَ [البقرة: 143]و قوله: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً* [هود: 7، الملك: 2]و قد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن اللّه تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها، فقال: كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالماً بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها.

أجاب المتكلمون عنه بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها، فثبت أن التغيير في العلم محال إلا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم و القدرة على المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان و المراد معلومه، و هذه قدرة فلان و المراد مقدوره، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم، فالمراد تجدد المعلوم.

إذا عرفت هذا، فنقول في هذه الآية وجوه: أحدها: ليظهر الإخلاص من النفاق و المؤمن من الكافر.

و الثاني: ليعلم أولياء اللّه، فأضاف الى نفسه تفخيما. و ثالثها: ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز، لأن الحكم بالامتياز لا يحصل إلا بعد العلم. و رابعها: ليعلم ذلك واقعاً منهم كما كان يعلم أنه سيقع، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد.

المسألة الرابعة: العلم قد يكون بحيث يكتفي فيه بمفعول واحد، كما يقال: علمت زيداً، أي علمت ذاته و عرفته، و قد يفتقر إلى مفعولين، كما يقال: علمت زيداً كريما، و المراد منه في هذه الآية هذا القسم الثاني، إلا أن المفعول الثاني محذوف و التقدير: و ليعلم اللّه الذين آمنوا متميزين بالإيمان من غيرهم، أي الحكمة في هذه المداولة أن يصير الذين آمنوا متميزين عمن يدعي الإيمان بسبب صبرهم و ثباتهم على الإسلام، و يحتمل أن يكون العلم هاهنا من القسم الأول، بمعنى معرفة الذات، و المعنى و ليعلم اللّه الذين آمنوا لما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم، أي ليعرفهم بأعيانهم إلا أن سبب حدوث هذا العلم، و هو ظهور الصبر حذف هاهنا.

374

أما قوله: وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدََاءَ فالمراد منه ذكر الحكمة الثانية في تلك المداولة، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: الأول: يتخذ منكم شهداء على الناس بما صدر منهم من الذنوب و المعاصي، فإن كونهم شهداء على الناس منصب عال و درجة عالية. و الثاني: المراد منه و ليكرم قوماً بالشهادة، و ذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر، و كانوا يتمنون لقاء العدو و أن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو و يلتمسون فيه الشهادة، و أيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169]و قال: وَ جِي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ اَلشُّهَدََاءِ [الزمر:

69]و قال: فَأُولََئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدََاءِ وَ اَلصََّالِحِينَ [النساء: 69] فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة، و إذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بإرادة اللّه تعالى فقالوا: منصب الشهادة على ما ذكرتم، فإن كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه، و إن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة، فإذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوباً للّه تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوباً للّه تعالى، و أيضاً فقوله: وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدََاءَ تنصيص على أن ما به حصلت تلك الشهادة هو من اللّه تعالى، و ذلك يدل على أن فعل العبد خلق اللّه تعالى.

المسألة الثالثة: الشهداء جمع شهيد كالكرماء و الظرفاء، و المقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيداً، و في تعليل هذا الاسم وجوه: الأول: قال النضر بن شميل: الشهداء أحياء لقوله: بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169]فأرواحهم حية و قد حضرت دار السلام، و أرواح غيرهم لا تشهدها، الثاني: قال ابن الأنباري: لأن اللّه تعالى و ملائكته شهدوا له بالجنة، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول، الثالث: سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء و الصديقين، كما قال تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ/عَلَى اَلنََّاسِ [البقرة:

143]الرابع: سموا شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله:

أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نََاراً [نوح: 25]فكذا هاهنا يجب أن يقال: هؤلاء الذين قتلوا في سبيل اللّه، كما ماتوا دخلوا الجنة.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلظََّالِمِينَ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: أي المشركين، لقوله تعالى:

إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]و هو اعتراض بين بعض التعليل و بعض، و فيه وجوه: الأول: و اللّه لا يحب من لا يكون ثابتاً على الإيمان صابراً على الجهاد. الثاني: فيه إشارة إلى أنه تعالى إنما يؤيد الكافرين على المؤمنين لما ذكر من الفوائد، لا لأنه يحبهم.

ثم قال: وَ لِيُمَحِّصَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا أي ليطهرهم من ذنوبهم و يزيلها عنهم، و المحص في اللغة التنقية، و المحق في اللغة النقصان، و قال المفضل: هو أن يذهب الشي‏ء كله حتى لا يرى منه شي‏ء، و منه قوله تعالى: يَمْحَقُ اَللََّهُ اَلرِّبََا [البقرة: 276]أي يستأصله. قال الزجاج: معنى الآية أن اللّه تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين و الكافرين، فان حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين، و إن كانت الغلبة للمؤمنين على هؤلاء الكافرين كان المراد محق آثار الكافرين و محوهم، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين، لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم، و هذه‏

375

مقابلة لطيفة في المعنى. و الأقرب أن المراد بالكافرين هاهنا طائفة مخصوصة منهم و هم الذين حاربوا الرسول صلى اللّه عليه و سلم يوم أحد، و إنما قلنا ذلك لعلمنا بأنه تعالى لم يمحق كل الكفار، بل كثير منهم بقي على كفره و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى الوجوه التي هي الموجبات و المؤثرات في مداولة الأيام ذكر في هذه الآية ما هو السبب الأصلي لذلك، فقال أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ بدون تحمل المشاق و في الآية مسائل:

ـالمسألة الأولى: أم: منقطعة، و تفسير كونها منقطعة تقدم في سورة البقرة. قال أبو مسلم: في أَمْ حَسِبْتُمْ إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت، و تلخيصه: لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة و لم يقع منكم الجهاد، و هو كقوله: الم*`أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ [العنكبوت: 1، 2] و افتتح الكلام بذكر أَمْ التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة بين ضربين يشك في أحدهما لا بعينه، يقولون:

أ زيداً ضربت أم عمراً، مع تيقن وقوع الضرب بأحدهما، قال: و عادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً، فلما قال: وَ لاََ تَهِنُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا [آل عمران: 139]كأنه قال: أ فتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة و صبر، و إنما استبعد هذا لأن اللّه تعالى أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة، و أوجب الصبر على تحمل متاعبها، و بين وجوه المصالح فيها في الدين و في الدنيا، فلما كان كذلك، فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة و الجنة مع إهمال هذه الطاعة.

المسألة الثانية: قال الزجاج: إذا قيل فعل فلان، فجوابه أنه لم يفعل، و إذا قيل قد فعل فلان، فجوابه لما يفعل. لأنه لما أكد في جانب الثبوت بقد، لا جرم أكد في جانب النفي بكلمة لَمََّا .

المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم، و المراد وقوعه على نفي المعلوم، و التقدير:

أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يصدر الجهاد عنكم، و تقريره أن العلم متعلق بالمعلوم، كما هو عليه، فلما حصلت هذه المطابقة لا جرم. حسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر، و تمام الكلام فيه قد تقدم.

أما قوله: وَ يَعْلَمَ اَلصََّابِرِينَ فاعلم أنه قرأ الحسن وَ يَعْلَمَ اَلصََّابِرِينَ بالجزم عطفاً على وَ لَمََّا يَعْلَمِ اَللََّهُ و أما النصب فبإضمار أن، و هذه الواو تسمى واو الصرف، كقولك: لا تأكل السمك و تشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما، و كذا هاهنا المراد أن دخول الجنة و ترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان، و قرأ أبو عمرو وَ يَعْلَمَ بالرفع على تقدير أن الواو للحال. كأنه قيل: و لما تجاهدوا و أنتم صابرون.

و اعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة، فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر، و ذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا، و السعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى اللّه و امتلائه من حب اللّه، و هذان الأمران مما لا يجتمعان، فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما، و أيضاً حب اللّه و حب الآخرة لا يتم بالدعوى، فليس كل من أقر بدين اللّه كان صادقا، و لكن الفصل فيه تسليط/المكروهات و المحبوبات، فإن الحب هو الذي لا ينقص‏

376

بالجفاء و لا يزداد بالوفاء، فإن بقي الحب عند تسليط أسباب البلاء ظهر أن ذلك الحب كان حقيقياً، فلهذه الحكمة قال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم اللّه بالجهاد و تشديد المحنة و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ فيه مسائل:

المسألة الأولى:

قال ابن عباس و مجاهد و الضحاك: لما نزل النبي صلى اللّه عليه و سلم بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل، و أن لا ينتقلوا عن ذلك سواء كان الأمر لهم أو عليهم، فلما و قفوا و حملوا على الكفار و هزموهم و قتل علي طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، و الزبير و المقداد شدا على المشركين ثم حمل الرسول مع أصحابه فهزموا أبا سفيان، ثم إن بعض القوم لما أن رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة و كان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم و فرق جمعهم و كثر القتل في المسملين، و رمى عبد اللّه بن قميئة الحارثي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بحجر فكسر رباعيته و شج وجهه، و أقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير و هو صاحب الراية يوم بدر و يوم أحد حتى قتله ابن قميئة، فظن أنه قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال قد قتلت محمدا، و صرخ صارح ألا إن محمداً قد قتل، و كان الصارخ الشيطان، ففشا في الناس خبر قتله، فهنالك قال بعض المسلمين: ليت عبد اللّه بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. و قال قوم من المنافقين: لو كان نبياً لما قتل، ارجعوا الى إخوانكم و الى دينكم، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك:

يا قوم إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت و ما تصنعون بالحياة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟قاتلوا على ما قاتل عليه و موتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، ثم سل سيفه فقاتل حتى قتل رحمه اللّه تعالى، و مر بعض المهاجرين بأنصاري يتشحط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل، فقال: إن/كان قد قتل فقد بلغ، قاتلوا على دينكم، و لما شج ذلك الكافر وجه الرسول صلى اللّه عليه و سلم و كسر رباعيته، احتمله طلحة بن عبيد اللّه، و دافع عنه أبو بكر و علي رضي اللّه عنهم و نفر آخرون معهم، ثم إن الرسول صلى اللّه عليه و سلم جعل ينادي و يقول: الى عباد اللّه حتى انحازت اليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم، فقالوا يا رسول اللّه فديناك بآبائنا و أمهاتنا، أتانا خبر قتلك فاستولى الرعب على قلوبنا فولينا مدبرين،

و معنى الآية وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ فسيخلو كما خلوا، و كما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة و إلزام الحجة، لا وجودهم بين أظهر قومهم أبدا.

المسألة الثانية: قال أبو علي: الرسول جاء على ضربين: أحدهما: يراد به المرسل، و الآخر الرسالة، و هاهنا المراد به المرسل بدليل قوله: إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ* [البقرة: 252]و قوله: يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ [المائدة: 67]و فعول قد يراد به المفعول، كالركوب و الحلوب لما يركب و يحلب و الرسول بمعنى الرسالة كقوله:

لقد كذب الواشون ما فهت عندهم # بسر و لا أرسلتهم برسول‏

أي برسالة، قال: و من هذا قوله تعالى: إِنََّا رَسُولاََ رَبِّكَ [طه: 47]و نذكره في موضعه إن شاء اللّه‏

377

تعالى ثم قال: أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: حرف الاستفهام دخل على الشرط و هو في الحقيقة داخل على الجزاء، و المعنى أ تنقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قتل، و نظيره قوله: هل زيد قائم، فأنت إنما تستخبر عن قيامه، إلا أنك أدخلت هل على الاسم و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: إنه تعالى بيّن في آيات كثيرة أنه عليه السلام لا يقتل قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30]و قال: وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ [المائدة: 67]و قال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ* [الصف: 9]فليس لقائل أن يقول: لما علم أنه لا يقتل فلم قال أَوْ قُتِلَ ؟فإن الجواب عنه من وجوه:

الأول: أن صدق القضية الشرطية لا يقتضي صدق جزأيها، فإنك تقول: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين، فالشرطية صادقة و جزاءاها كاذبان، و قال تعالى: لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا [الأنبياء: 22] فهذا حق مع أنه ليس فيهما آلهة، و ليس فيهما فساد، فكذا هاهنا. و الثاني: أن هذا ورد على سبيل الإلزام، فإن موسى عليه السلام مات و لم ترجع أمته عن ذلك، و النصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قتل و هم لا يرجعون عن دينه، فكذا هاهنا، و الثالث: أن الموت لا يوجب رجوع الأمة عن دينه، فكذا القتل وجب أن لا يوجب الرجوع عن دينه، لأنه فارق بين الأمرين، فلما رجع الى هذا المعنى كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في صحة الدين و هموا بالارتداد.

المسألة الثالثة: قوله: اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ أي صرتم كفارا بعد إيمانكم، يقال لكل من عاد الى ما كان عليه رجع وراءه و انقلب على عقبه و نكص على عقبيه، و ذلك أن المنافقين قالوا لضعفة المسلمين: إن كان محمد قتل فالحقوا بدينكم، فقال بعض الأنصار: إن كان محمد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد. و حاصل الكلام أنه تعالى بين أنه قلته لا يوجب ضعفا في دينه بدليلين: الأول: بالقياس على موت سائر الأنبياء و قتلهم، و الثاني: أن الحاجة الى الرسول لتبليغ الدين و بعد ذلك فلا حاجة اليه، فلم يلزم من قتله فساد الدين و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: ليس لقائل أن يقول: إن قوله: أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ شك و هو على اللّه تعالى لا يجوز، فإنا نقول: المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين و وجوب الارتداد.

ثم قال تعالى: وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ََ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللََّهَ شَيْئاً و الغرض منه تأكيد الوعيد، لأن كل عاقل يعلم أن اللّه تعالى لا يضره كفر الكافرين، بل المراد أنه لا يضر إلا نفسه، و هذا كما إذا قال الرجل لولده عند العتاب: إن هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء و الأرض، و يريد به أنه يعود ضرره عليه فكذا هاهنا، ثم أتبع الوعيد بالوعد فقال: وَ سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ فالمراد أنه لما وقعت الشبهة في قلوب بعضهم بسبب تلك الهزيمة و لم تقع الشبهة في قلوب العلماء الأقوياء من المؤمنين، فهم شكروا اللّه على ثباتهم على الإيمان و شدة تمسكهم به، فلا جرم مدحهم اللّه تعالى بقوله: وَ سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ و

روى محمد بن جرير الطبري عن علي رضي اللّه عنه أنه قال: المراد بقوله: وَ سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ أبو بكر و أصحابه،

و

روي عنه أنه قال أبو بكر من الشاكرين و هو من أحباء اللّه‏

و اللّه أعلم بالصواب.

قوله تعالى وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ

378

فيه مسائل:

المسألة الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبله وجوه: الأول: أن المنافقين أرجفوا أن محمداً صلى اللّه عليه و سلم قد قتل، فاللّه تعالى يقول: إنه لا تموت نفس إلا بإذن اللّه و قضائه و قدره، /فكان قتله مثل موته في أنه لا يحصل إلا في الوقت المقدر المعين، فكما أنه لو مات في داره لم يدل ذلك على فساد دينه، فكذا إذا قتل وجب أن لا يؤثر ذلك في فساد دينه، و المقصود منه إبطال قول المنافقين لضعفة المسلمين أنه لما قتل محمد فارجعوا الى ما كنتم عليه من الأديان. الثاني: أن يكون المراد تحريض المسلمين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يدفع القدر، و أن أحداً لا يموت قبل الأجل و إذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشي‏ء، فلا فائدة في الجبن و الخوف.

و الثالث: أن يكون المراد حفظ اللّه للرسول صلى اللّه عليه و سلم و تخليصه من تلك المعركة المخوفة، فإن تلك الواقعة ما بقي سبب من أسباب الهلاك إلا و قد حصل فيها، و لكن لما كان اللّه تعالى حافظاً و ناصراً ما ضره شي‏ء من ذلك و فيه تنبيه على أن أصحابه قصروا في الذب عنه. و الرابع: و ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن اللّه، فليس في إرجاف من أرجف بموت النبي صلى اللّه عليه و سلم ما يحقق ذلك فيه أو يعين في تقوية الكفر، بل يبقيه اللّه إلى أن يظهر على الدين كله.

الخامس: أن المقصود منه الجواب عما قاله المنافقون، فإن الصحابة لما رجعوا و قد قتل منهم من قتل قالوا: لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتلوا، فأخبر اللّه تعالى أن الموت و القتل كلاهما لا يكونان إلا بإذن اللّه و حضور الأجل و اللّه أعلم بالصواب.

المسألة الثانية: اختلفوا في تفسير الإذن على أقوال: الأول: أن يكون الإذن هو الأمر و هو قول أبي مسلم، و المعنى أن اللّه تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر. الثاني: أن المراد من هذا الإذن ما هو المراد بقوله: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40]و المراد من هذا الأمر إنما هو التكوين و التخليق و الإيجاد، لأنه لا يقدر على الموت و الحياة أحد إلا اللّه تعالى، فإذن المراد: أن نفساً لن تموت إلا بما أماتها اللّه تعالى. الثالث: أن يكون الإذن هو التخلية و الإطلاق و ترك المنع بالقهر و الإجبار، و به فسر قوله تعالى: وَ مََا هُمْ بِضََارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ [البقرة: 102]أي بتخليته فإنه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر، فيكون المعنى: ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن اللّه بتخلي اللّه بين القاتل و المقتول، و لكنه تعالى يحفظ نبيه و يجعل من بين يديه و من خلفه رصداً ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به، و لا يخلي بين أحد و بين قتله حتى ينتهي إلى الأجل الذي كتبه اللّه له، فلا تنكسروا بعد ذلك في غزواتكم بأن يرجف مرجف أن محمداً قد قتل. الرابع: أن يكون الإذن بمعنى العلم و معناه أن نفسا لن تموت إلا في الوقت الذي علم اللّه موتها فيه، و إذا جاء ذلك الوقت لزم الموت، كما قال‏ فَإِذََا جََاءَ أَجَلُهُمْ لاََ يَسْتَأْخِرُونَ سََاعَةً وَ لاََ يَسْتَقْدِمُونَ* [النحل: 61]الخامس: قال ابن عباس: الإذن هو قضاء اللّه و قدره، فإنه لا يحدث شي‏ء إلا بمشيئته و إرادته فيجعل ذلك على سبيل التمثيل، كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن اللّه.

المسألة الثالثة: قال الأخفش و الزجاج: اللام في وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ معناها النفي، و التقدير و ما كانت نفس لتموت الا بإذن اللّه.

المسألة الرابعة: دلت الآية على أن المقتول ميت بأجله، و أن تغيير الآجال ممتنع.

و قوله تعالى: كِتََاباً مُؤَجَّلاً فيه مسائل:

379

المسألة الأولى: قوله: كِتََاباً مُؤَجَّلاً منصوب بفعل دل عليه ما قبله فإن قوله: وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ قام مقام أن يقال: كتب اللّه، فالتقدير كتب اللّه كتابا مؤجلا و نظيره قوله: كِتََابَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ [النساء: 24]لأن في قوله‏ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ [النساء: 23]دلالة على أنه كتب هذا التحريم عليكم و مثله: صُنْعَ اَللََّهِ [النمل: 88]، و وَعَدَ اَللََّهُ* [الزمر: 20]، و فِطْرَتَ اَللََّهِ [الروم: 30]، و صِبْغَةَ اَللََّهِ [البقرة: 138].

المسألة الثانية: المراد بالكتاب المؤجل الكتاب المشتمل على الآجال، و يقال: إنه هو اللوح المحفوظ، كما

ورد في الأحاديث أنه تعالى قال للقلم «اكتب فكتب ما هو كائن الى يوم القيامة» .

و اعلم أن جميع الحوادث لا بد أن تكون معلومة للّه تعالى، و جميع حوادث هذا العالم من الخلق و الرزق و الأجل و السعادة و الشقاوة لا بد و أن تكون مكتوبة في اللوح المحفوظ، فلو وقعت بخلاف علم اللّه لانقلب علمه جهلاً، و لا نقلب ذلك الكتاب كذباً، و كل ذلك محال، و إذا كان الأمر كذلك ثبت أن الكل بقضاء اللّه و قدره.

و قد ذكر بعض العلماء هذا المعنى في تفسير هذه الآية و أكده بحديث الصادق المصدوق، و بالحديث المشهور من‏

قوله عليه السلام «فحج آدم موسى»

قال القاضي: أما الأجل و الرزق فهما مضافان الى اللّه، و أما الكفر و الفسق و الإيمان و الطاعة فكل ذلك مضاف الى العبد، فإذا كتب تعالى ذلك فإنما يكتب بعلمه من اختيار العبد، و ذلك لا يخرج العبد من أن يكون هو المذموم أو الممدوح.

و اعلم أنه ما كان من حق القاضي أن يتغافل عن موضع الإشكال، و ذلك لأنا نقول: إذا علم اللّه من العبد الكفر و كتب في اللوح المحفوظ منه الكفر، فلو أتى بالإيمان لكان ذلك جمعا بين المتناقضين، لأن العلم بالكفر و الخبر الصدق عن الكفر مع عدم الكفر جمع بين النقيضين و هو محال، و إذا كان موضع الإلزام هو هذا فأنى ينفعه الفرار من ذلك الى الكلمات الأجنبية عن هذا الإلزام.

و أما قوله تعالى: وَ مَنْ يُرِدْ ثَوََابَ اَلدُّنْيََا نُؤْتِهِ مِنْهََا وَ مَنْ يُرِدْ ثَوََابَ اَلْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهََا وَ سَنَجْزِي اَلشََّاكِرِينَ .

فاعلم أن الذين حضروا يوم أحد كانوا فريقين، منهم من يريد الدنيا، و منهم من يريد الآخرة/كما ذكره اللّه تعالى فيما بعد من هذه السورة، فالذين حضروا القتال للدنيا، هم الذين حضروا لطلب الغنائم و الذكر و الثناء، و هؤلاء لا بد و أن ينهزموا، و الذين حضروا للدين، فلا بد و أن لا ينهزموا ثم أخبر اللّه تعالى في هذه الآية أن من طلب الدنيا لا بد و أن يصل الى بعض مقصوده و من طلب الآخرة فكذلك، و تقريره‏

قوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات» الى آخر الحديث.

و اعلم أن هذه الآية و إن وردت في الجهاد خاصة، لكنها عامة في جميع الأعمال، و ذلك لأن المؤثر في جلب الثواب، و العقاب المقصود و الدواعي لا ظواهر الأعمال، فإن من وضع الجبهة على الأرض في صلاة الظهر و الشمس قدامه، فإن قصد بذلك السجود عبادة اللّه تعالى كان ذلك من أعظم دعائم الإسلام، و إن قصد به عبادة الشمس كان ذلك من أعظم دعائم الكفر. و

روى أبو هريرة عنه عليه السلام أن اللّه تعالى يقول يوم القيامة لمقاتل في سبيل اللّه «في ما ذا قتلت فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول تعالى: كذبت بل أردت أن يقال فلان محارب و قد قيل ذلك» ثم إن اللّه تعالى يأمر به الى النار.

380

و اعلم أنه تعالى من تمام تأديبه قال للمنهزمين يوم أحد: إن لكم بالأنبياء المتقدمين و أتباعهم أسوة حسنة، فلما كانت طريقة أتباع الأنبياء المتقدمين الصبر على الجهاد و ترك الفرار، فكيف يليق بكم هذا الفرار و الانهزام، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير «و كائن» على وزن كاعن ممدوداً مهموزاً مخففا، و قرأ الباقون «كأين» مشدوداً بوزن كعين و هي لغة قريش، و من اللغة الأولى قول جرير:

و كائن بالأباطح من صديق # يراني لو أصيب هو المصاب‏

و أنشد المفضل:

و كائن ترى في الحي من ذي قرابة.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير و نافع و أبو عمرو قتل معه و الباقون قََاتَلَ مَعَهُ فعلى القراءة الأولى يكون المعنى أن كثيرا من الأنبياء قتلوا و الذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم، بل استمروا/على جهاد عدوهم و نصرة دينهم، فكان ينبغي أن يكون حالكم يا أمة محمد هكذا. قال القفال رحمه اللّه: و الوقف على هذا التأويل على قوله: (قتل) و قوله: (مَعَهُ رِبِّيُّونَ) حال بمعنى قتل حال ما كان معه ربيون، أو يكون على معنى التقديم و التأخير، أي و كأين من نبي معه ربيون كثير قتل فما وهن الربيون على كثرتهم، و فيه وجه آخر، و هو أن يكون المعنى و كأين من نبي قتل ممن كان معه و على دينه ربيون كثير فما ضعف الباقون و لا استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا على جهاد عدوهم، فقد كان ينبغي أن يكون حالكم كذلك، و حجة هذه القراءة أن المقصود من هذه الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء لتقتدي هذه الأمة بهم، و قد قال تعالى: أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ [آل عمران: 144]فيجب أن يكون المذكور قتل سائر الأنبياء لا قتالهم، و من قرأ قََاتَلَ مَعَهُ فالمعنى: و كم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا، لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل اللّه و طاعته و إقامة دينه و نصرة رسوله، فكذلك كان ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد. و حجة هذه القراءة أن المراد من هذه الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي صلى اللّه عليه و سلم في القتال، فوجب أن يكون المذكور هو القتال. و أيضاً روي عن سعيد بن جبير أنه قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال.

المسألة الثالثة: قال الواحدي رحمه اللّه: أجمعوا على أن معنى «كأين» كم، و تأويلها التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم، و نظيره قوله: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا [الحج: 45] وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهََا [الحج: 48]و الكافي في «كأين» كاف التشبيه دخلت على «أي» التي هي للاستفهام كما دخلت على «ذا» من «كذا» و «أن» من كأن، و لا معنى للتشبيه فيه كما لا معنى للتشبيه في كذا، تقول: لي عليه كذا و كذا: معناه لي عليه عدد ما، فلا معنى للتشبيه، إلا أنها زيادة لازمة لا يجوز حذفها، و اعلم أنه لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة، و كذا استعمال هذه الكلمة فصارت كلمة واحدة موضوعة للتكثير.

المسألة الرابعة: قال صاحب «الكشاف» : الربيون الربانيون، و قرئ بالحركات الثلاث و الفتح على القياس، و الضم و الكسر من تغييرات النسب. و حكى الواحدي عن الفراء أنه قال: الربيون: الأولون، و قال الزجاج: هم الجماعات الكثيرة، الواحد ربي، قال ابن قتيبة: أصله من الربة و هي الجماعة، يقال: ربي كأنه نسب الى الربة. و قال الأخفش: الربيون الذين يعبدون الرب، و طعن فيه ثعلب، و قال: كان يجب أن يقال:

ربي ليكون منسوبا الى الرب، و أجاب من نصر الأخفش و قال: العرب إذا نسبت شيئاً الى شي‏ء غيرت حركته، كما يقال: بصري في النسب الى البصرة، /و دهري في النسبة الى الدهر، و قال ابن زيد: الربانيون الأئمة

381

و الولاة، و الربيون الرعية، و هم المنتسبون الى الرب.

و اعلم أنه تعالى مدح هؤلاء الربيون نوعين: أولا بصفات النفي، و ثانيا بصفات الإثبات، أما المدح بصفات النفي فهو قوله تعالى: فَمََا وَهَنُوا لِمََا أَصََابَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ مََا ضَعُفُوا وَ مَا اِسْتَكََانُوا و لا بد من الفرق بين هذه الأمور الثلاثة، قال صاحب «الكشاف» : ما وهنوا عند قتل النبي و ما ضعفوا عن الجهاد بعده و ما استكانوا للعدو، و هذا تعريض بما أصابهم من الوهن و الانكسار، عند الإرجاف بقتل رسولهم، و بضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين، و استكانتهم للكفار حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد اللّه بن أبي، و طلب الأمان من أبي سفيان، و يحتمل أيضا أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم، و يفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم، و تقع الشكوك و الشبهات في قلوبهم، و الاستكانة هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم، و فيه وجه ثالث و هو أن الوهن ضعف يلحق القلب. و الضعف المطلق هو اختلال القوة و القدرة بالجسم، و الاستكانة هي إظهار ذلك العجز و ذلك الضعف، و كل هذه الوجوه حسنة محتملة، قال الواحدي: الاستكانة الخضوع، و هو أن يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلصََّابِرِينَ و المعنى أن من صبر على تحمل الشدائد في طريق اللّه و لم يظهر الجزع و العجز و الهلع فإن اللّه يحبه، و محبة اللّه تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه و إعزازه و تعظيمه، و الحكم له بالثواب و الجنة، و ذلك نهاية المطلوب.

ثم إنه تعالى أتبع ذلك بأن مدحهم بصفات الثبوت فقال:

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قوله: وَ ثَبِّتْ أَقْدََامَنََا يدل على أن فعل العبد خلق اللّه تعالى، و المعتزلة يحملونه على فعل الألطاف.

المسألة الثانية: بين تعالى أنهم كانوا مستعدين عند ذلك التصبر و التجلد بالدعاء و التضرع بطلب/الأمداد و الإعانة من اللّه، و الغرض منه أن يقتدي بهم في هذه الطريقة أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم، فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه ذل، و من اعتصم باللّه فاز بالمطلوب، قال القاضي: إنما قدموا قولهم: رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا ذُنُوبَنََا وَ إِسْرََافَنََا فِي أَمْرِنََا لأنه تعالى لما ضمن النصرة للمؤمنين، فإذا لم تحصل النصرة و ظهر أمارات استيلاء العدو، دل ذلك ظاهراً على صدور ذنب و تقصير من المؤمنين؛ فلهذا المعنى يجب عليهم تقديم التوبة و الاستغفار على طلب النصرة، فبين تعالى أنهم بدءوا بالتوبة عن كل المعاصي و هو المراد بقوله: رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا ذُنُوبَنََا فدخل فيه كل الذنوب، سواء كانت من الصغائر أو من الكبائر، ثم إنهم خصوا الذنوب العظيمة الكبيرة منها بالذكر بعد ذلك لعظمها و عظم عقابها و هو المراد من قوله: وَ إِسْرََافَنََا فِي أَمْرِنََا لأن الإسراف في كل شي‏ء هو الإفراط فيه، قال تعالى: يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ [الزمر: 53]و قال: فَلاََ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ [الإسراء:

33]و قال: كُلُوا وَ اِشْرَبُوا وَ لاََ تُسْرِفُوا [الأعراف: 31]و يقال: فلان مسرف إذا كان مكثرا في النفقة و غيرها، ثم إنهم لما فرغوا من ذلك سألوا ربهم أن يثبت أقدامهم، و ذلك بإزالة الخوف عن قلوبهم، و إزالة الخواطر

382

الفاسدة عن صدورهم، ثم سألوا بعد ذلك أن ينصرهم على القوم الكافرين، لأن هذه النصرة لا بد فيها من أمور زائدة على ثبات أقدامهم، و هو كالرعب الذي يلقيه في قلوبهم، و احداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم، مثل هبوب رياح تثير الغبار في وجوههم، و مثل جريان سيل في موضع وقوفهم، ثم قال القاضي:

و هذا تأديب من اللّه تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب و المحن سواء كان في الجهاد أو غيره.

و اعلم أنه تعالى لما شرح طريقة الربيين في الصبر، و طريقتهم في الدعاء ذكر أيضا ما ضمن لهم في مقابلة ذلك في الدنيا و الآخرة فقال: فَآتََاهُمُ اَللََّهُ ثَوََابَ اَلدُّنْيََا وَ حُسْنَ ثَوََابِ اَلْآخِرَةِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: فَآتََاهُمُ اَللََّهُ يقتضي أنه تعالى أعطاهم الأمرين، أما ثواب الدنيا فهو النصرة و الغنيمة و قهر العدو و الثناء الجميل، و انشراح الصدر بنور الإيمان و زوال ظلمات الشبهات و كفارة المعاصي و السيئات، و أما ثواب الآخرة فلا شك أنه هو الجنة و ما فيها من المنافع و اللذات و أنواع السرور و التعظيم، و ذلك غير حاصل في الحال، فيكون المراد أنه تعالى حكم لهم بحصولها في الآخرة، فأقام حكم اللّه بذلك مقام نفس الحصول، كما أن الكذب في وعد اللّه و الظلم في عدله محال، أو يحمل قوله: فَآتََاهُمُ على أنه سيؤتيهم على قياس قوله: أَتى‏ََ أَمْرُ اَللََّهِ [النحل: 1]أي سيأتي أمر اللّه. قال/القاضي: و لا يمتنع أن تكون هذه الآية مختصة بالشهداء، و قد أخبر اللّه تعالى عن بعضهم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فيكون حال هؤلاء الربيين أيضاً كذلك، فإنه تعالى في حال إنزال هذه الآية كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة في جنان السماء.

المسألة الثانية: خص تعالى ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على جلالة ثوابهم، و ذلك لأن ثواب الآخرة كله في غاية الحسن، فما خصه اللّه بأنه حسن من هذا الجنس فانظر كيف يكون حسنه، و لم يصف ثواب الدنيا بذلك لقلتها و امتزاجها بالمضار و كونها، منقطعة زائلة، قال القفال رحمه اللّه: يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله: وَ قُولُوا لِلنََّاسِ حُسْناً [البقرة: 83]أي حسنا، و الغرض منه المبالغة كأن تلك الأشياء الحسنة لكونها عظيمة في الحسن صارت نفس الحسن، كما يقال: فلان جود و كرم، إذا كان في غاية الجود و الكرم و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: قال فيما تقدم: وَ مَنْ يُرِدْ ثَوََابَ اَلدُّنْيََا نُؤْتِهِ مِنْهََا وَ مَنْ يُرِدْ ثَوََابَ اَلْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهََا [آل عمران: 145]فذكر لفظة (من) الدالة على التبعيض فقال في الآية: فَآتََاهُمُ اَللََّهُ ثَوََابَ اَلدُّنْيََا وَ حُسْنَ ثَوََابِ اَلْآخِرَةِ و لم يذكر كلمة (من) و الفرق: أن الذين يريدون ثواب الآخرة إنما اشتغلوا بالعبودية لطلب الثواب، فكانت مرتبتهم في العبودية نازلة، و أما المذكورون في هذه الآية فإنهم لم يذكروا في أنفسهم إلا الذنب و القصور، و هو المراد من قوله: اِغْفِرْ لَنََا ذُنُوبَنََا وَ إِسْرََافَنََا فِي أَمْرِنََا [آل عمران: 147]و لم يروا التدبير و النصرة و الإعانة إلا من ربهم، و هو المراد بقوله: وَ ثَبِّتْ أَقْدََامَنََا وَ اُنْصُرْنََا عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْكََافِرِينَ [آل عمران:

147]فكان مقام هؤلاء في العبودية في غاية الكمال، فلا جرم أولئك فازوا ببعض الثواب، و هؤلاء فازوا بالكل، و أيضاً أولئك أرادوا الثواب، و هؤلاء ما أرادوا الثواب. و إنما أرادوا خدمة مولاهم فلا جرم أولئك حرموا و هؤلاء أعطوا، ليعلم أن كل من أقبل على خدمة اللّه أقبل على خدمته كل ما سوى اللّه.

ثم قال: وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ و فيه دقيقة لطيفة و هي أن هؤلاء اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا:

رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا ذُنُوبَنََا وَ إِسْرََافَنََا فِي أَمْرِنََا فلما اعترفوا بذلك سماهم اللّه محسنين، كأن اللّه تعالى يقول لهم:

383

إذا اعترفت بإساءتك و عجزك فأنا أصفك بالإحسان و أجعلك حبيبا لنفسي، حتى تعلم أنه لا سبيل للعبد الى الوصول الى حضرة اللّه إلا بإظهار الذلة و المسكنة و العجز و أيضاً إنهم لما أرادوا الإقدام على الجهاد طلبوا تثبيت أقدامهم في دينه و نصرتهم على العدو من اللّه تعالى، فعند ذلك سماهم بالمحسنين، و هذا يدل على أن العبد لا يمكنه الإتيان بالفعل الحسن، إلا إذا أعطاه اللّه ذلك الفعل/الحسن و أعانه عليه، ثم إنه تعالى قال:

هَلْ جَزََاءُ اَلْإِحْسََانِ إِلاَّ اَلْإِحْسََانُ [الرحمن: 60]و قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنى‏ََ وَ زِيََادَةٌ [يونس: 26] و كل ذلك يدل على أنه سبحانه هو الذي يعطي الفعل الحسن للعبد، ثم إنه يثيبه عليه ليعلم العبد أن الكل من اللّه و بإعانة اللّه.

و اعلم أن هذه الآية من تمام الكلام الأول، و ذلك لأن الكفار لما أرجفوا أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قد قتل، و دعا المنافقون بعض ضعفة المسلمين الى الكفر، منع اللّه المسلمين بهذه الآية عن الالتفات الى كلام أولئك المنافقين فقال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا اَلَّذِينَ كَفَرُوا و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قيل: إِنْ تُطِيعُوا اَلَّذِينَ كَفَرُوا المراد أبو سفيان، فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم، قال السدي: المراد أبو سفيان لأنه كان شجرة الفتن، و قال آخرون: المراد عبد اللّه بن أبي و أتباعه من المنافقين، و هم الذين ألقوا الشبهات في قلوب الضعفة و قالوا لو كان محمد رسول اللّه ما وقعت له هذه الواقعة، و إنما هو رجل كسائر الناس، يوماً له و يوماً عليه، فارجعوا الى دينكم الذي كنتم فيه، و قال آخرون: المراد اليهود لأنه كان بالمدينة قوم من اليهود، و كانوا يلقون الشبهة في قلوب المسلمين، و لا سيما عند وقوع هذه الواقعة، و الأقرب أنه يتناول كل الكفار، لأن اللفظ عام و خصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ.

المسألة الثانية: قوله: إِنْ تُطِيعُوا اَلَّذِينَ كَفَرُوا لا يمكن حمله على طاعتهم في كل ما يقولونه بل لا بد من التخصيص فقيل: إن تطيعوهم فيما أمروكم به يوم أحد من ترك الإسلام، و قيل: إن تطيعوهم في كل ما يأمرونكم من الضلال، و قيل في المشورة، و قيل في ترك المحاربة و هو قولهم: لَوْ كََانُوا عِنْدَنََا مََا مََاتُوا وَ مََا قُتِلُوا [آل عمران: 156].

ثم قال: يَرُدُّوكُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ يعني يردوكم الى الكفر بعد الإيمان، لأن قبول قولهم في الدعوة الى الكفر كفر.

ثم قال: فَتَنْقَلِبُوا خََاسِرِينَ .

و اعلم أن اللفظ لما كان عاما وجب أن يدخل فيه خسران الدنيا و الآخرة، أما خسران الدنيا فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد للعدو و التذلل له و إظهار الحاجة اليه، و أما خسران الآخرة فالحرمان عن الثواب المؤبد و الوقوع في العقاب المخلد.

ثم قال تعالى: بَلِ اَللََّهُ مَوْلاََكُمْ وَ هُوَ خَيْرُ اَلنََّاصِرِينَ و المعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم‏

384

و يعينوكم على مطالبكم و هذا جهل، لأنهم عاجزون متحيرون، و العاقل يطلب النصرة من اللّه تعالى، لأنه هو الذي ينصركم على العدو و يدفع عنكم كيده، ثم بين أنه خير الناصرين، و لو لم يكن المراد بقوله: مَوْلاََكُمْ وَ هُوَ خَيْرُ اَلنََّاصِرِينَ النصرة، لم يصح أن يتبعه بهذا القول، و إنما كان تعالى خير الناصرين لوجوه: الأول: أنه تعالى هو القادر على نصرتك في كل ما تريد، و العالم الذي لا يخفى عليه دعاؤك و تضرعك، و الكريم الذي لا يبخل في جوده، و نصرة العبيد بعضهم لبعض بخلاف ذلك في كل هذه الوجوه، و الثاني: أنه ينصرك في الدنيا و الآخرة، و غيره ليس كذلك، و الثالث: أنه ينصرك قبل سؤالك و معرفتك بالحاجة، كما قال: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ [الأنبياء: 42]و غيره ليس كذلك.

و اعلم أن قوله: وَ هُوَ خَيْرُ اَلنََّاصِرِينَ ظاهره يقتضي أن يكون من جنس سائر الناصرين و هو منزه عن ذلك، لكنه ورد الكلام على حسب تعارفهم كقوله: وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: 27].

في قوله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ اعلم أن هذه الآية من تمام ما تقدم ذكره، فإنه تعالى ذكر وجوها كثيرة في الترغيب في الجهاد و عدم المبالاة بالكفار، و من جملتها ما ذكر في هذه الآية أنه تعالى يلقي الخوف في قلوب الكفار، و لا شك أن ذلك مما يوجب استيلاء المسلمين عليهم، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد، أو هو عام في جميع الأوقات؟قال كثير من المفسرين: إنه مختص بهذا اليوم، و ذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما/وردت في هذه الواقعة، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في كيفية إلقاء الرعب في قلوب المشركين في هذا اليوم وجهين: الأول: أن الكفار لما استولوا على المسلمين و هزموهم أوقع اللّه الرعب في قلوبهم، فتركوهم و فروا منهم من غير سبب، حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل، و قال: أين ابن أبي كبشة، و أين ابن أبي قحافة، و أين ابن الخطاب، فأجابه عمر، و دارت بينهما كلمات، و ما تجاسر أبو سفيان على النزول من الجبل و الذهاب إليهم، و الثاني: أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة، فلما كانوا في بعض الطريق قالوا: ما صنعنا شيئاً، قتلنا الأكثرين منهم، ثم تركناهم و نحن قاهرون، ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية، فلما عزموا على ذلك ألقى اللّه الرعب في قلوبهم.

و القول الثاني: أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد، بل هو عام. قال القفال رحمه اللّه: كأنه قيل إنه و إن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أن اللّه تعالى سيلقي الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار، و يظهر دينكم على سائر الأديان. و قد فعل اللّه ذلك حتى صار دين الإسلام قاهراً لجميع الأديان و الملل، و نظير هذه الآية

قوله عليه السلام «نصرت بالرعب مسيرة شهر» .

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر و الكسائي اَلرُّعْبَ بضم العين، و الباقون بتخفيفها في كل القرآن، قال الواحدي: هما لغتان، يقال: رعبته رعبا و رعبا و هو مرعوب، و يجوز أن يكون الرعب مصدرا، و الرعب اسم منه.

المسألة الثالثة: الرعب: الخوف الذي يحصل في القلب، و أصل الرعب المل‏ء، يقال سيل راعب إذا ملأ الأودية و الأنهار، و إنما سمي الفزع رعبا لأنه يملأ القلب خوفا.

385

المسألة الرابعة: ظاهر قوله: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ يقتضي وقوع الرعب في جميع الكفار، فذهب بعض العلماء إلى إجراء هذا العموم على ظاهره، لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا و في قلبه ضرب من الرعب من المسلمين، إما في الحرب، و إما عند المحاجة.

و قوله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ لا يقتضي وقوع جميع أنواع الرعب في قلوب الكفار، إنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة في قلوبهم من بعض الوجوه، و ذهب جمع من المفسرين إلى أنه مخصوص بأولئك الكفار.

أما قوله: بِمََا أَشْرَكُوا بِاللََّهِ فاعلم أن (ما) مصدرية، و المعنى: بسبب إشراكهم باللّه.

و اعلم أن تقدير هذا بالوجه المعقول هو أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار كما قال:

أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذََا دَعََاهُ [النحل: 62]و من اعتقد أن للّه شريكا لم يحصل له الاضطرار، لأنه يقول:

إن كان هذا المعبود لا ينصرني، فذاك الآخر ينصرني، و إن لم يحصل في قلبه الاضطرار لم تحصل الاجابة و لا النصرة، و إذا لم يحصل ذلك وجب أن يحصل الرعب و الخوف في قلبه، فثبت أن الإشراك باللّه يوجب الرعب.

أما قوله: مََا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطََاناً ففيه مسائل:

المسألة الأولى: السلطان هاهنا هو الحجة و البرهان، و في اشتقاقه وجوه: الأول: قال الزجاج: إنه من السليط و هو الذي يضاء به السراج، و قيل للأمراء سلاطين لأنهم الذين بهم يتوصل الناس إلى تحصيل الحقوق.

الثاني: أن السلطان في اللغة هو الحجة، و إنما قيل للأمير سلطان، لأن معناه أنه ذو الحجة. الثالث: قال الليث: السلطان القدرة، لأن أصل بنائه من التسليط و على هذا سلطان الملك: قوته و قدرته، و يسمى البرهان سلطاناً لقوته على دفع الباطل. الرابع: قال ابن دريد: سلطان كل شي‏ء حدته، و هو مأخوذ من اللسان السليط، و السلاطة بمعنى الحدة.

المسألة الثانية: قوله: مََا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطََاناً يوهم أن فيه سلطانا إلا أن اللّه تعالى ما أنزله و ما أظهره، إلا أن الجواب عنه أنه لو كان لأنزل اللّه به سلطانا، فلما لم ينزل به سلطاناً وجب عدمه، و حاصل الكلام فيه ما يقوله المتكلمون: أن هذا مما لا دليل عليه فلم يجز إثباته، و منهم من يبالغ فيقول: لا دليل عليه فيجب نفيه، و منهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع، فقال: لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات اليه، و يكفي في دفع هذه الحاجة إثبات الصانع الواحد، فما زاد عليه لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته.

المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على فساد التقليد، و ذلك لأن الآية دالة على أن الشرك لا دليل عليه، فوجب أن يكون القول به باطلا، و هذا إنما يصح إذا كان القول بإثبات ما لا دليل على ثبوته يكون باطلا، فيلزم فساد القول بالتقليد.

ثم قال تعالى: وَ مَأْوََاهُمُ اَلنََّارُ .

و اعلم أنه تعالى بين أن أحوال هؤلاء المشركين في الدنيا هو وقوع الخوف في قلوبهم، و بين أحوالهم في الآخرة، و هي أن مأواهم و مسكنهم النار.

ثم قال: وَ بِئْسَ مَثْوَى اَلظََّالِمِينَ المثوى: المكان الذي يكون مقر الإنسان و مأواه، من قولهم: ثوى يثوي ثويا، و جمع المثوى مثاوي.

386

اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها من وجوه: الأول: أنه لما رجع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه إلى المدينة و قد أصابهم ما أصابهم بأحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا و قد وعدنا اللّه النصر!فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. الثاني: قال بعضهم كان النبي صلى اللّه عليه و سلم رأى في المنام أنه يذبح كبشاً فصدق اللّه رؤياه بقتل طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين يوم أحد، و قتل بعده تسعة نفر على اللواء فذاك قوله: وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اَللََّهُ وَعْدَهُ يريد تصديق رؤيا الرسول صلى اللّه عليه و سلم. الثالث: يجوز أن يكون هذا الوعد ما ذكره في قوله تعالى: بَلى‏ََ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هََذََا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ [آل عمران: 125]إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط الصبر و التقوى.

و الرابع: يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله: وَ لَيَنْصُرَنَّ اَللََّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج: 40]إلا أن هذا أيضاً مشروط بشرط. و الخامس: يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ [آل عمران:

151] و السادس: قيل: الوعد هو

ان النبي صلى اللّه عليه و سلم قال للرماة: «لا تبرحوا من هذا المكان، فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان»

السابع: قال أبو مسلم: لما وعدهم اللّه في الآية المتقدمة إلقاء الرعب في قلوبهم أكد ذلك بأن ذكرهم ما أنجزهم من الوعد بالنصر في واقعة أحد، فإنه لما وعدهم بالنصرة بشرط أن يتقوا و يصبروا فحين أتوا بذلك الشرط لا جرم، وفى اللّه تعالى بالمشروط و أعطاهم النصرة، فلما تركوا الشرط لا جرم فاتهم المشروط.

في قوله تعالى وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اَللََّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ إذا عرفت وجه النظم ففي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه اللّه: الصدق يتعدى إلى مفعولين، تقول: صدقته الوعد و الوعيد.

المسألة الثانية: قد ذكرنا في قصة أحد أن النبي صلى اللّه عليه و سلم جعل أحدا خلف ظهره/و استقبل المدينة و أقام الرماة عند الجبل، و أمرهم أن يثبتوا هناك و لا يبرحوا، سواء كانت النصرة للمسلمين أو عليهم، فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون نبلهم و الباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا، و المسلمون على آثارهم يحسونهم، قال الليث: الحس: القتل الذريع، تحسونهم: أي تقتلونهم قتلا كثيرا، قال أبو عبيد، و الزجاج، و ابن قتيبة:

الحس: الاستئصال بالقتل، يقال: جراد محسوس. إذا قتله البرد. و سنة حسوس: إذا أتت على كل شي‏ء، و معنى تَحُسُّونَهُمْ أي تستأصلونهم قتلا، قال أصحاب الاشتقاق: «حسه» إذا قتله لأنه أبطل حسه بالقتل، كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، و رأسه، إذا أصاب رأسه، و قوله: بِإِذْنِهِ أي بعلمه، و معنى الكلام أنه تعالى لما وعدكم النصر بشرط التقوى و الصبر على الطاعة فما دمتم وافين بهذا الشرط أنجز وعده و نصركم على أعدائكم، فلما تركتم الشرط و عصيتم أمر ربكم لا جرم زالت تلك النصرة.

أما قوله تعالى: حَتََّى إِذََا فَشِلْتُمْ وَ تَنََازَعْتُمْ فِي اَلْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مََا أَرََاكُمْ مََا تُحِبُّونَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول ظاهر قوله: حَتََّى إِذََا فَشِلْتُمْ بمنزلة الشرط، و لا بد له من الجواب فأين جوابه؟

387

و اعلم أن للعلماء هاهنا طريقين: الأول: أن هذا ليس بشرط، بل المعنى، و لقد صدقكم اللّه وعده حتى إذا فشلتم، أي قد نصركم إلى أن كان منكم الفشل و التنازع، لأنه تعالى كان إنما وعدهم بالنصرة بشرط التقوى و الصبر على الطاعة، فلما فشلوا و عصوا انتهى النصر، و على هذا القول تكون كلمة حَتََّى غاية بمعنى «إلى» فيكون معنى قوله: حَتََّى إِذََا إلى أن، أو إلى حين.

الطريق الثاني: أن يساعد على أن قوله: حَتََّى إِذََا فَشِلْتُمْ شرط، و على هذا القول اختلفوا في الجواب على وجوه: الأول: و هو قول البصريين أن جوابه محذوف، و التقدير: حتى إذا فشلتم و تنازعتم في الأمر و عصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منعكم اللّه نصره، و إنما حسن حذف هذا الجواب لدلالة قوله: وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اَللََّهُ وَعْدَهُ عليه، و نظائره في القرآن كثيرة، قال تعالى: فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي اَلْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي اَلسَّمََاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ [الأنعام: 35]و التقدير: فافعل، ثم أسقط هذا الجواب لدلالة هذا الكلام عليه، و قال: أَمَّنْ هُوَ قََانِتٌ آنََاءَ اَللَّيْلِ [الزمر: 9]و التقدير: أم من هو قانت كمن لا يكون كذلك؟ الوجه الثاني: و هو مذهب الكوفيين و اختيار الفراء أن جوابه هو قوله: وَ عَصَيْتُمْ و الواو زائدة كما قال: فَلَمََّا أَسْلَمََا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ*`وَ نََادَيْنََاهُ [الصافات: 103-104]و المعنى ناديناه، كذا هاهنا، الفشل و التنازع صار موجباً للعصيان، فكان التقدير حتى إذا فشلتم و تنازعتم في الأمر عصيتم، فالواو زائدة، و بعض/من نصر هذا القول زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب حَتََّى إِذََا بدليل قوله تعالى: حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا [الزمر: 1[الزمر: 71]و التقدير: أم من هو قانت كمن لا يكون كذلك؟ الوجه الثاني: و هو مذهب الكوفيين و اختيار الفراء أن جوابه هو قوله: وَ عَصَيْتُمْ و الواو زائدة كما قال: فَلَمََّا أَسْلَمََا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ*`وَ نََادَيْنََاهُ [الصافات: 103-104]و المعنى ناديناه، كذا هاهنا، الفشل و التنازع صار موجبا للعصيان، فكان التقدير حتى إذا فشلتم و تنازعتم في الأمر عصيتم، فالواو زائدة، و بعض/من نصر هذا القول زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب «حتى إذا» بدليل قوله تعالى: حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا [الزمر: 71]و التقدير حتى إذا جاؤها فتحت لهم أبوابها.

فان قيل: إن فشلتم و تنازعتم معصية، فلو جعلنا الفشل و التنازع علة للمعصية لزم كون الشي‏ء علة لنفسه و ذلك فاسد.

قلنا: المراد من العصيان هاهنا خروجهم عن ذلك المكان، و لا شك أن الفشل و التنازع هو الذي أوجب خروجهم عن ذلك المكان، فلم يلزم تعليل الشي‏ء بنفسه.

و اعلم أن البصريين إنما لم يقبلوا هذا الجواب لأن مذهبهم أنه لا يجوز جعل الواو زائدة.

الوجه الثالث في الجواب: أن يقال تقدير الآية: حتى إذا فشلتم و تنازعتم في الأمر و عصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، صرتم فريقين، منكم من يريد الدنيا، و منكم من يريد الآخرة.

فالجواب: هو قوله: صرتم فريقين، إلا أنه أسقط لأن قوله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيََا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ يفيد فائدته و يؤدي معناه، لأن كلمة «من» للتبعيض فهي تفيد هذا الانقسام، و هذا احتمال خطر ببالي.

الوجه الرابع: قال أبو مسلم: جواب قوله: حَتََّى إِذََا فَشِلْتُمْ هو قوله: صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ و التقدير حتى إذا فشلتم و كذا و كذا صرفكم عنهم ليبتليكم و كلمة «ثم» هاهنا كالساقطة و هذا الوجه في غاية البعد. و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر أمورا ثلاثة: أولها: الفشل و هو الضعيف، و قيل الفشل هو الجبن، و هذا باطل بدليل قوله تعالى: وَ لاََ تَنََازَعُوا فَتَفْشَلُوا [الأنفال: 46]أي فتضعفوا، لأنه لا يليق به أن يكون المعنى فتجبنوا. ثانيها: التنازع في الأمر و فيه بحثان.

البحث الأول: المراد من التنازع أنه عليه الصلاة و السلام أمر الرماة بأن لا يبرحوا عن مكانهم ألبتة، ـ

388

و جعل أميرهم عبد اللّه بن جبير؛ فلما ظهر المشركون أقبل الرماة عليهم بالرمي الكثير حتى انهزم المشركون، ثم إن الرماة رأوا نساء المشركين صعدن الجبل و كشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخيلهن، فقالوا الغنيمة الغنيمة، فقال عبد اللّه: عهد الرسول إلينا أن لا نبرح عن هذا المكان فأبوا عليه و ذهبوا الى طلب الغنيمة، و بقي عبد اللّه مع طائفة قليلة دون العشرة الى أن قتلهم المشركون فهذا هو التنازع.

البحث الثاني: قوله: فِي اَلْأَمْرِ فيه و جهان: الأول: أن الأمر هاهنا بمعنى الشأن و القصة، أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن. و الثاني: أنه الأمر الذي يضاده النهي. و المعنى: و تنازعتم فيما أمركم/الرسول به من ملازمة ذلك المكان. و ثالثها: و عصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، و المراد عصيتم بترك ملازمة ذلك المكان.

بقي في هذه الآية سؤالات: الأول: لم قدم ذكر الفشل على ذكر التنازع و المعصية؟ و الجواب: أن القوم لما رأوا هزيمة الكفار و طمعوا في الغنيمة فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعا في الغنيمة، ثمّ تنازعوا بطريق القول في أنا: هل نذهب لطلب الغنيمة أم لا؟ثم اشتغلوا بطلب الغنيمة.

السؤال الثاني: لما كانت المعصية بمفارقة تلك المواضع خاصة بالبعض فلم جاء هذا العتاب باللفظ العام؟ و الجواب: هذا اللفظ و إن كان عاماً إلا أنه جاء المخصص بعده، و هو قوله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيََا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ .

السؤال الثالث: ما الفائدة في قوله: مِنْ بَعْدِ مََا أَرََاكُمْ مََا تُحِبُّونَ .

و الجواب عنه: أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية، لأنهم لما شاهدوا أن اللّه تعالى أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم اللّه ذلك الإكرام و أذاقهم وبال أمرهم.

ثم قال تعالى: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ و قد اختلف قول أصحابنا و قول المعتزلة في تفسير هذه الآية، و ذلك لأن صرفهم عن الكفار معصية، فكيف أضافه الى نفسه؟أما أصحابنا فهذا الأشكال غير وارد عليهم، لأن مذهبهم أن الخير و الشر بإرادة اللّه و تخليقه، فعلى هذا قالوا معنى هذا الصرف أن اللّه تعالى رد المسلمين عن الكفار، و ألقى الهزيمة عليهم و سلط الكفار عليهم، و هذا قول جمهور المفسرين. قالت المعتزلة: هذا التأويل غير جائز و يدل عليه القرآن و العقل، أما القرآن فهو قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعََانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطََانُ بِبَعْضِ مََا كَسَبُوا [آل عمران: 155]فأضاف ما كان منهم الى فعل الشيطان، فكيف يضيفه بعد هذا الى نفسه؟و أما المعقول فهو أنه تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف، و لو كان ذلك بفعل اللّه لم يجز معاتبة القوم عليه، كما لا يجوز معاتبتهم على طولهم و قصرهم و صحتهم و مرضهم، ثم عند هذا ذكروا وجوها من التأويل: الأول: قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين، بعضهم فارقوا المكان أولا لطلب الغنائم، و بعضهم بقوا هناك، ثم هؤلاء الذين بقوا أحاط بهم العدو، فلو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلا، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع الى موضع يتحرزون فيه عن العدو، ألا ترى أن النبي/صلى اللّه عليه و سلم ذهب الى الجبل في جماعة من أصحابه و تحصنوا به و لم يكونوا عصاة بذلك، فلما كان ذلك الانصراف جائزا أضافه الى نفسه بمعنى أنه كان بأمره و إذنه، ثم قال: لِيَبْتَلِيَكُمْ و المراد أنه تعالى لما صرفهم الى ذلك المكان و تحصنوا به أمرهم هناك بالجهاد و الذب عن بقية المسلمين، و لا شك أن‏

389

الاقدام على الجهاد بعد الانهزام، و بعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقربائهم و أحبائهم هو من أعظم أنواع الابتلاء.

فإن قيل: فعلى هذا التأويل هؤلاء الذين صرفهم اللّه عن الكفار ما كانوا مذنبين، فلم قال: وَ لَقَدْ عَفََا عَنْكُمْ .

قلنا: الآية مشتملة على ذكر من كان معذورا في الانصراف و من لم يكن، و هم الذين بدءوا بالهزيمة فمضوا و عصوا فقوله: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ راجع الى المعذورين، لأن الآية لما اشتملت على قسمين و على حكمين رجع كل حكم الى القسم الذي يليق به، و نظيره قوله تعالى: ثََانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمََا فِي اَلْغََارِ إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التوبة: 40]و المراد الذي قال له: لاََ تَحْزَنْ و هو أبو بكر، لأنه كان خائفاً قبل هذا القول، فلما سمع هذا سكن، ثم قال: وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهََا [التوبة: 40] و عنى بذلك الرسول دون أبي بكر، لأنه كان قد جرى ذكرهما جميعا، فهذا جملة ما ذكره الجبائي في هذا المقام.

و الوجه الثاني: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، و هو أن المراد من قوله: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أنه تعالى أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة منه على عصيانهم و فشلهم، ثم قال: لِيَبْتَلِيَكُمْ أي ليجعل ذلك الصرف محنة عليكم لتتوبوا الى اللّه و ترجعوا إليه و تستغفروه فيما خالفتم فيه أمره و ملتم فيه إلى الغنيمة، ثم أعلمهم أنه تعالى قد عفا عنهم.

و الوجه الثالث: قال الكعبي: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم لِيَبْتَلِيَكُمْ بكثرة الإنعام عليكم و التخفيف عنكم، فهذا ما قيل في هذا الموضع و اللّه أعلم.

ثم قال: وَ لَقَدْ عَفََا عَنْكُمْ فظاهره يقتضي تقدم ذنب منهم. قال القاضي: إن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بأنه عفا عنهم من غير توبة، و إن كان من باب الكبائر، فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو و المغفرة.

و اعلم أن الذنب لا شك أنه كان كبيرة، لأنهم خالفوا صريح نص الرسول، و صارت تلك المخالفة سبباً لانهزام المسلمين، و قتل جمع عظيم من أكابرهم، و معلوم أن كل ذلك من باب الكبائر و أيضا: ظاهر قوله تعالى: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ [الأنفال: 16]يدل على كونه كبيرة، و قول من قال: إنه خاص/في بدر ضعيف، لأن اللفظ عام، و لا تفاوت في المقصود، فكان التخصيص ممتنعا، ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أنه تعالى عفا عنهم من غير توبة، لأن التوبة غير مذكورة، فصار هذا دليلا على أنه تعالى قد يعفو عن أصحاب الكبائر، و أما دليل المعتزلة في المنع عن ذلك، فقد تقدم الجواب عنه في سورة البقرة.

ثم قال: وَ اَللََّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ و هو راجع إلى ما تقدم من ذكر نعمه سبحانه و تعالى بالنصر أولا، ثم بالعفو عن المذنبين ثانياً. و هذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن، لأنا بيّنا أن هذا الذنب كان من الكبائر، ثم إنه تعالى سماهم المؤمنين، فهذا يقتضي أن صاحب الكبيرة مؤمن بخلاف ما تقوله المعتزلة، و اللّه أعلم.

في قوله تعالى إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاََ تَلْوُونَ عَلى‏ََ أَحَدٍ

390

فيه قولان:

أحدهما: أنه متعلق بما قبله، و على هذا التقدير ففيه وجوه: أحدها: كأنه قال و عفا عنكم إذ تصعدون، لأن عفوه عنهم لا بد و أن يتعلق بأمر اقترفوه، و ذلك الأمر هو ما بينه بقوله: إِذْ تُصْعِدُونَ و المراد به ما صدر عنهم من مفارقة ذلك المكان و الأخذ في الوادي كالمنهزمين لا يلوون على أحد و ثانيها: التقدير: ثم صرفكم عنهم إذ تصعدون. و ثالثها: التقدير: ليبتليكم إذ تصعدون.

و القول الثاني: أنه ابتداء كلام لا تعلق له بما قبله، و التقدير: أذكر إذ تصعدون و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : قرأ الحسن إذ تصعدون في الجبل ، و قرأ أبي إذ تصعدون في الواد و قرأ أبو حيوة إذ تصعدون بفتح التاء و تشديد العين، من تصعد في السلم.

المسألة الثانية: الإصعاد: الذهاب في الأرض و الإبعاد فيه، يقال صعد في الجبل، و أصعد في/الأرض، و يقال أصعدنا من مكة إلى المدينة، قال أبو معاذ النحوي: كل شي‏ء له أسفل و أعلى مثل الوادي و النهر و الأزقة، فإنك تقول: صعد فلان يصعد في الوادي إذا أخذ من أسفله الى أعلاه، و أما ما ارتفع كالسلم فإنه يقال صعدت.

المسألة الثالثة: و لا تلوون على أحد: أي لا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب، و أصله أن المعرج على الشي‏ء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته، فإذا مضى و لم يعرج قيل لم يلوه، ثم استعمل اللي في ترك التعريج على الشي‏ء و ترك الالتفات الى الشي‏ء، يقال: فلان لا يلوي على شي‏ء، أي لا يعطف عليه و لا يبالي به.

ثم قال تعالى: وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ كان يقول: «الى عباد اللّه أنا رسول اللّه من كر فله الجنة» فيحتمل أن يكون المراد أنه عليه الصلاة و السلام كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده، و لا يتفرقوا، و يحتمل أن يكون المراد أنه كان يدعوهم إلى المحاربة مع العدو.

ثم قال: فِي أُخْرََاكُمْ أي آخركم، يقال: جئت في آخر الناس و أخراهم، كما يقال: في أولهم و أولاهم، و يقال: جاء فلان في أخريات الناس، أي آخرهم، و المعنى أنه عليه الصلاة و السلام كان يدعوهم و هو واقف في آخرهم، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه.

ثم قال: فَأَثََابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير، و يجوز أيضاً استعماله في الشر، لأنه مأخوذ من قولهم: ثاب إليه عقله، أي رجع إليه، قال تعالى: وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثََابَةً لِلنََّاسِ [البقرة: 125] و المرأة تسمى ثيباً لأن الواطئ عائد إليها، و أصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيراً أو شرًّا، إلا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير، فإن حملنا لفظ الثواب هاهنا على أصل اللغة استقام الكلام، و إن حملناه على مقتضى العرف كان ذلك وارداً على سبيل التهكم، كما يقال: تحيتك الضرب، و عتابك السيف، أي جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ* [التوبة: 34].

391

المسألة الثانية: الباء في قوله: غَمًّا بِغَمٍّ يحتمل أن تكون بمعنى المعارضة، كما يقال: هذا بهذا أي هذا عوض عن ذاك، و يحتمل أن تكون بمعنى «مع» و التقدير: أثابهم غماً مع غم، أما على التقدير الأول ففيه وجوه: الأول: و هو قول الزجاج أنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب أن عصيتم أمره، فاللّه تعالى أذاقكم هذا الغم، و هو الغم الذي حصل لهم بسبب الانهزام و قتل الأحباب، و المعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم.

الثاني: قال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم/بدر للمشركين، و المقصود منه أن لا يبقى في قلبكم التفات إلى الدنيا، فلا تفرحوا بإقبالها و لا تحزنوا بإدبارها، و هو المعنى بقوله: لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ في واقعة أحد وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ [الحديد: 23]في واقعة بدر، طعن القاضي في هذا الوجه و قال: إن غمهم يوم أحد إنما كان من جهة استيلاء الكفار، و ذلك كفر و معصية، فكيف يضيفه اللّه إلى نفسه؟ و يمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يعلم اللّه تعالى أن في تسليط الكفار على المسلمين نوع مصلحة، و هو أن لا يفرحوا بإقبال الدنيا و لا يحزنوا بإدبارها، فلا يبقى في قلوبهم اشتغال بغير اللّه. الثالث: يجوز أن يكون الضمير في قوله فَأَثََابَكُمْ يعود للرسول، و المعنى أن الصحابة لما رأوا أن النبي صلى اللّه عليه و سلم شج وجهه و كسرت رباعيته و قتل عمه، اغتموا لأجله، و الرسول عليه السلام لما رأى أنهم عصوا ربهم لطلب الغنيمة ثم بقوا محرومين من الغنيمة، و قتل أقاربهم اغتم لأجلهم، فكان المراد من قوله فَأَثََابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ هو هذا، أما على التقدير الثاني و هو أن تكون الباء في قوله: غَمًّا بِغَمٍّ بمعنى «مع» أي غما مع غم، أو غما على غم، فهذا جائز لأن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض، تقول: ما زلت به حتى فعل، و ما زلت معه حتى فعل، و تقول: نزلت ببني فلان، و على بني فلان.

و اعلم أن الغموم هناك كانت كثيرة: فأحدها: غمهم بما نالهم من العدو في الأنفس و الأموال. و ثانيها:

غمهم بما لحق سائر المؤمنين من ذلك، و ثالثها: غمهم بما وصل إلى الرسول من الشجة و كسر الرباعية، و رابعها: ما أرجف به من قتل الرسول صلى اللّه عليه و سلم، و خامسها: بما وقع منهم من المعصية و ما يخافون من عقابها، و سادسها: غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم، و ذلك لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة و العود إلى المحاربة بعد الانهزام، و ذلك من أشق الأشياء، لأن الإنسان بعد صيرورته منهزما يصير ضعيف القلب جباناً، فإذا أمر بالمعاودة، فإن فعل خاف القتل، و إن لم يفعل خاف الكفر أو عقاب الآخرة، و هذا الغم لا شك أنه أعظم الغموم و الأحزان، و إذا عرفت هذه الجملة فكل واحد من المفسرين فسر هذه الآية بواحد من هذه الوجوه و نحن نعدها:

الوجه الأول: أن الغم الأول ما أصابهم عند الفشل و التنازع، و الغم الثاني ما حصل عند الهزيمة.

الوجه الثاني: أن الغم الأول ما حصل بسبب فوت الغنائم، و الغم الثاني ما حصل بسبب أن أبا سفيان و خالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم و قتلوا منهم جمعاً عظيماً.

الوجه الثالث: أن الغم الأول ما كان عند توجه أبي سفيان و خالد بن الوليد عليهم بالقتل و الغم الثاني هو أن المشركين لما رجعوا خاف الباقون من المسلمين من أنهم لو رجعوا لقتلوا/الكل فصار هذا الغم بحيث أذهلهم عن الغم الأول.

و الوجه الرابع: أن الغم الأول ما وصل إليهم بسبب أنفسهم و أموالهم، و الغم الثاني ما وصل إليهم بسبب الإرجاف بقتل النبي صلى اللّه عليه و سلم، و في الآية قول ثالث اختاره القفال رحمه اللّه تعالى قال: و عندنا أن اللّه تعالى ما أراد

392

بقوله: غَمًّا بِغَمٍّ اثنين، و إنما أراد مواصلة الغموم و طولها، أي إن اللّه عاقبكم بغموم كثيرة، مثل قتل إخوانكم و أقاربكم، و نزول المشركين من فوق الجبل عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم، و مثل إقدامكم على المعصية، فكأنه تعالى قال: أثابكم هذه الغموم المتعاقبة ليصير ذلك زاجرا لكم عن الاقدام على المعصية و الاشتغال بما يخالف أمر اللّه تعالى.

المسألة الثالثة: معنى أن اللّه أثابهم غماً بغم: أنه خلق الغم فيهم، و أما المعتزلة فهذا لا يليق بأصولهم، فذكروا في علة هذه الإضافة وجوها: الأول: قال الكعبي: إن المنافقين لما أرجفوا أن محمداً عليه الصلاة و السلام قد قتل و لم يبين اللّه تعالى كذب ذلك القائل، صار كأنه تعالى هو الذي فعل ذلك الغم، و هذا كالرجل الذي يبلغه الخبر الذي يغمه و يكون معه من يعلم أن ذلك الخبر كذب، فإذا لم يكشفه له سريعا و تركه يتفكر فيه ثم أعلمه فإنه يقول له: لقد غممتني و أطلت حزني و هو لم يفعل شيئاً من ذلك، بل سكت و كف عن إعلامه، فكذا هاهنا. الثاني: أن الغم و إن كان من فعل البعد فسببه فعل اللّه تعالى، لأن اللّه طبع العباد طبعا يغتمون بالمصائب التي تنالهم و هم لا يحمدون على ذلك و لا يذمون. الثالث: أنه لا يبعد أن يخلق اللّه تعالى الغم في قلب بعض المكلفين لرعاية بعض المصالح.

ثم قال تعالى: لِكَيْلاََ تَحْزَنُوا إلى آخر الآية و فيه وجهان: الأول: أنها متصلة بقوله: وَ لَقَدْ عَفََا عَنْكُمْ [آل عمران:

152]كأنه قال: و لقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا، لأن في عفوه تعالى ما يزيل كل غم و حزن، و الثاني: أن اللام متصلة بقوله: فَأَثََابَكُمْ ثم على هذا القول ذكروا وجوها: الأول: قال الزجاج: المعنى أثابكم غم الهزيمة من غمكم النبي صلى اللّه عليه و سلم بسبب مخالفته، ليكون غمكم بأن خالفتموه فقط، لا بأن فاتتكم الغنيمة و أصابتكم الهزيمة، و ذلك لأن الغم الحاصل بسبب الإقدام على المعصية ينسي الغم الحاصل بسبب مصائب الدنيا. الثاني: قال الحسن: جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلتموهم مغمومين يوم بدر، لأجل أن يسهل أمر الدنيا في أعينكم فلا تحزنوا بفواتها و لا تفرحوا بإقبالها، و هذان الوجهان مفرعان على قولنا الباء في قوله: غَمًّا بِغَمٍّ للمجازاة، أما إذا قلنا إنها بمعنى «مع» فالمعنى أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان و امتثلنا أمر الرسول لوقعنا في غم فوات الغنيمة، فاعلموا أنكم/لما خالفتم أمر الرسول و طلبتم الغنيمة وقعتم في هذه الغموم العظيمة التي كل واحد منها أعظم من ذلك الغم أضعافا مضاعفة، و العاقل إذا تعارض عنده الضرران، وجب أن يخص أعظمهما بالدفع، فصارت إثابة الغم على الغم مانعاً لكم من أن تحزنوا بسبب فوات الغنيمة، و زاجراً لكم عن ذلك، ثم كما زجرهم عن تلك المعصية بهذا الزجر الحاصل في الدنيا، زجرهم عنها بسبب الزواجر الموجودة في الغنيمة فقال: وَ اَللََّهُ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ أي هو عالم بجميع أعمالكم و قصودكم و دواعيكم، قادر على مجازاتها، إن خيراً فخير و إن شرا فشر، و ذلك من أعظم الزواجر للعبد عن الاقدام على المعصية و اللّه أعلم.

393

في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لما وعد نصر المؤمنين على الكافرين، و هذا النصر لا بد و أن يكون مسبوقا بإزالة الخوف عن المؤمنين، بين في هذه الآية أنه تعالى أزال الخوف عنهم/ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى ينجز وعده في نصر المؤمنين. الثاني: أنه تعالى بين أنه نصر المؤمنين أولا، فلما عصى بعضهم سلط الخوف عليهم، ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلب من كان صادقا في إيمانه مستقرا على دينه بحيث غلب النعاس عليه.

و اعلم أن الذين كانوا مع الرسول صلى اللّه عليه و سلم يوم أحد فريقان: أحدهما: الذين كانوا جازمين بأن محمداً عليه الصلاة و السلام نبي حق من عند اللّه و أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، و كانوا قد سمعوا من النبي صلى اللّه عليه و سلم أن اللّه تعالى ينصر هذا الدين و يظهره على سائر الأديان، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال، فلا جرم كانوا آمنين، و بلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم النعاس، فإن النوم لا يجي‏ء مع الخوف، فمجي‏ء النوم يدل على زوال الخوف بالكلية، فقال هاهنا في قصة أحد في هؤلاء ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اَلْغَمِّ أَمَنَةً نُعََاساً و قال في قصة بدر إِذْ يُغَشِّيكُمُ اَلنُّعََاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال: 11]ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس، و في قصة بدر قدم النعاس على الأمنة، و أما الطائفة الثانية و هم المنافقون الذين كانوا شاكين في نبوته عليه الصلاة و السلام، و ما حضروا إلا لطلب الغنيمة، فهؤلاء اشتد جزعهم و عظم خوفهم، ثم إنه تعالى وصف حال كل واحدة من هاتين الطائفتين، فقال في صفة المؤمنين: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اَلْغَمِّ أَمَنَةً نُعََاساً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي: «الأمنة» مصدر كالأمن، و مثله من المصادر: العظمة و الغلبة، و قال الجبائي: يقال: أمن فلان يأمن أمناً و أماناً.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قري‏ء (أمنة) بسكون الميم، لأنها المرة من الأمن.

المسألة الثالثة: في قوله تعالى: نُعََاساً وجهان: أحدهما: أن يكون بدلا من أمنة، و الثاني: أن يكون مفعولا، و على هذا التقدير ففي قوله: أَمَنَةً وجوه: أحدها: أن تكون حالا منه مقدمة عليه، كقولك: رأيت راكباً رجلا، و ثانيها: أن يكون مفعولا له بمعنى نعستم أمنة، و ثالثها: أن يكون حالا من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة.

ثم قال تعالى: يَغْشى‏ََ طََائِفَةً مِنْكُمْ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قد ذكرنا أن هذه الطائفة هم المؤمنون الذين كانوا على البصيرة في إيمانهم قال أبو طلحة، غشينا النعاس و نحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه. ثم يسقط فيأخذه، و عن الزبير قال: كنت مع النبي صلى اللّه عليه و سلم حين اشتد الخوف، فأرسل اللّه علينا النوم، و إني لأسمع قول معتب بن قشير و النعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شي‏ء ما قتلنا/هاهنا. و قال عبد الرحمن بن عوف: ألقى النوم علينا يوم أحد، و عن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، و النعاس في الصلاة من الشيطان، و ذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق باللّه و الفراغ عن الدنيا، و لا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن اللّه.

و اعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد: أحدها: أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي صلى اللّه عليه و سلم، و لا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيماناً مع إيمانهم، و متى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو و وثوقهم بأن اللّه منجز وعده، و ثانيها: أن الأرق و السهر

394

يوجبان الضعف و الكلال، و النوم يفيد عود القوة و النشاط و اشتداد القوة و القدرة، و ثالثها: أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى اللّه النوم على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم، فيشتد الخوف و الجبن في قلوبهم، و رابعها: أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ اللّه و عصمته معهم، و ذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم و يورثهم مزيد الوثوق بوعد اللّه تعالى، و من الناس من قال: ذكر النعاس في هذا الموضع كناية عن غاية الأمن، و هذا ضعيف لأن صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا عند قيام الدليل المعارض، فكيف يجوز ترك حقيقة اللفظ مع اشتمالها على هذه الفوائد و الحكم.

المسألة الثانية: قرأ حمزة و الكسائي‏ تَغْشى‏ََ بالتاء رداً إلى الأمنة، و الباقون بالياء رداً، إلى النعاس، و هو اختيار أبي حاتم و خلف و أبي عبيد.

و اعلم أن الأمنة و النعاس كل واحد منهما يدل على الآخر، فلا جرم يحسن رد الكناية إلى أيهما شئت، كقوله تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ اَلزَّقُّومِ*`طَعََامُ اَلْأَثِيمِ*`كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي اَلْبُطُونِ [الدخان: 43-45]و تغلي، إذا عرفت جوازهما فنقول: مما يقوي القراءة بالتاء أن الأصل الأمنة، و النعاس بدل، ورد الكناية إلى الأصل أحسن، و أيضاً الأمنة هي المقصود، و إذا حصلت الأمنة حصل النعاس لأنها سببه، فان الخائف لا يكاد ينعس، و أما من قرأ بالياء فحجته أن النعاس هو الغاشي، فإن العرب يقولون غشينا النعاس، و قلما يقولون غشيني من النعاس أمنة، و أيضاً فإن النعاس مذكور بالغشيان في قوله: إِذْ يُغَشِّيكُمُ اَلنُّعََاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال: 11] و أيضاً: النعاس يلي الفعل، و هو أقرب في اللفظ إلى ذكر الغشيان من الأمنة فالتذكير أولى.

ثم قال تعالى: وَ طََائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ و فيه مسألتان.

المسألة الأولى: هؤلاء هم المنافقون عبد اللّه بن أبي و معتب بن قشير و أصحابهما، كان همهم/خلاص أنفسهم، يقال: همني الشي‏ء أي كان من همي و قصدي، قال أبو مسلم: من عادة العرب أن يقولوا لمن خاف، قد أهمته نفسه، فهؤلاء المنافقون لشدة خوفهم من القتل طار النوم عنهم، و قيل المؤمنون، كان همهم النبي صلى اللّه عليه و سلم و إخوانهم من المؤمنين، و المنافقون كان همهم أنفسهم و تحقيق القول فيه: أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشي‏ء و استغراقه فيه، صار غافلا عما سواه، فلما كان أحب الأشياء إلى الإنسان نفسه، فعند الخوف على النفس يصير ذاهلا عن كل ما سواها، فهذا هو المراد من قوله: أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ و ذلك لأن أسباب الخوف و هي قصد الأعداء كانت حاصلة و الدافع لذلك و هو الوثوق بوعد اللّه و وعد رسوله ما كان معتبراً عندهم، لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم، فلا جرم عظم الخوف في قلوبهم.

المسألة الثانية: «طائفة» رفع بالابتداء و خبره «يظنون» و قيل خبره «أهمتهم أنفسهم» ثم إنه تعالى وصف هذه الطائفة بأنواع من الصفات.

الصفة الأولى: من صفاتهم قوله تعالى: يَظُنُّونَ بِاللََّهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ ظَنَّ اَلْجََاهِلِيَّةِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في هذا الظن احتمالان: أحدهما: و هو الأظهر: هو أن ذلك الظن أنهم كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد محقا في دعواه لما سلط الكفار عليه و هذا ظن فاسد، أما على قول أهل السنة و الجماعة، فلأنه سبحانه يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، فان النبوة خلعة من اللّه سبحانه يشرف عبده بها، و ليس يجب في العقل أن المولى إذا شرف عبده بخلعة أن يشرفه بخلعة أخرى، بل له الأمر و النهي كيف

395

شاء بحكم الإلهية، و أما على قول من يعتبر المصالح في أفعال اللّه و أحكامه، فلا يبعد أن يكون للّه تعالى في التخلية بين الكافر و المسلم، بحيث يقهر الكافر المسلم، حكم خفية و ألطاف مرعية، فإن الدنيا دار الامتحان و الابتلاء، و وجوه المصالح مستورة عن العقول، فربما كانت المصلحة في التخلية بين الكافر و المؤمن حتى يقهر الكافر المؤمن، و ربما كانت المصلحة في تسليط الفقر و الزمانة على المؤمنين. قال القفال: لو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال هذه المعاني لوجب أن يضطر الناس إلى معرفة المحق بالجبر، و ذلك ينافي التكليف و استحقاق الثواب و العقاب، بل الإنسان إنما يعرف كونه محقاً بما معه من الدلائل و البينات، فأما القهر فقد يكون من المبطل للمحق، و من المحق للمبطل، و هذه جملة كافية في بيان أنه لا يجوز الاستدلال بالدولة و الشوكة و وفور القوة على أن صاحبها على الحق. الثاني: أن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون إله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، و ينكرون النبوة و البعث، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي صلى اللّه عليه و سلم في أن اللّه يقويهم و ينصرهم.

المسألة الثانية: غَيْرَ اَلْحَقِّ في حكم المصدر، و معناه: يظنون باللّه غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به و ظَنَّ اَلْجََاهِلِيَّةِ بدل منه، و الفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق: أديان كثيرة، و أقبحها مقالات أهل الجاهلية، فذكر أولا أنهم يظنون باللّه غير الظن الحق، ثم بين أنهم اختاروا من أقسام الأديان التي غير حقة أركها و أكثرها بطلانا، و هو ظن أهل الجاهلية، كما يقال: فلان دينه ليس بحق، دينه دين الملاحدة.

المسألة الثالثة: في قوله: ظَنَّ اَلْجََاهِلِيَّةِ قولان: أحدهما: أنه كقولك: حاتم الجود، و عمر العدل، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية، و الثاني: المراد ظن أهل الجاهلية.

الصفة الثانية: من الصفات التي ذكرها اللّه تعالى لهؤلاء المنافقين قوله تعالى: يَقُولُونَ هَلْ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ .

و اعلم أن قوله هَلْ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ حكاية للشبهة التي تمسك أهل النفاق بها، و هو يحتمل وجوها: الأول: أن عبد اللّه بن أبي لما شاوره النبي صلى اللّه عليه و سلم في هذه الواقعة أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، ثم إن الصحابة ألحوا على النبي صلى اللّه عليه و سلم في أن يخرج إليهم، فغضب عبد اللّه بن أبي من ذلك، فقال عصاني و أطاع الولدان، ثم لما كثر القتل في بني الخزرج و رجع عبد اللّه بن أبي قيل له: قتل بنو الخزرج، فقال: هل لنا من الأمر من شي‏ء، يعني أن محمداً لم يقبل قولي حين أمرته بأن يسكن في المدينة و لا يخرج منها، و نظيره ما حكاه اللّه عنهم أنهم قالوا: لَوْ أَطََاعُونََا مََا قُتِلُوا [آل عمران: 168]و المعنى: هل لنا من أمر يطاع و هو استفهام على سبيل الإنكار.

الوجه الثاني في التأويل: أن من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لعدوه قالوا: عليه الأمر، فقوله: هَلْ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ أي هل لنا من الشي‏ء الذي كان يعدنا به محمد، و هو النصرة و القوة شي‏ء و هذا استفهام على سبيل الإنكار، و كان غرضهم منه الاستدلال بذلك على أن محمداً صلى اللّه عليه و سلم كان كاذباً في ادعاء النصرة و العصمة من اللّه تعالى لأمته، و هذا استفهام على سبيل الإنكار. الثالث: أن يكون التقدير: أ نطمع أن تكون لنا الغلبة على هؤلاء، و الغرض منه تصبير المسلمين في التشديد في الجهاد و الحرب مع الكفار، ثم إن اللّه سبحانه أجاب عن هذه الشبهة بقوله: قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو (كله) برفع اللام، و الباقون بالنصب، أما وجه الرفع فهو أن قوله: (كله)

396

مبتدأ و قوله: (للّه) خبره، ثم صارت هذه الجملة خبراً لإن، و أما النصب فلأن لفظة «كل» للتأكيد، فكانت كلفظة أجمع، و لو قيل: إن الأمر أجمع، لم يكن إلا النصب، فكذا إذا قال «كله» .

المسألة الثانية: الوجه في تقرير هذا الجواب ما بينا: أنا إذا قلنا بمذهب أهل السنة لم يكن على اللّه اعتراض في شي‏ء من أفعاله في الإماتة و الإحياء، و الفقر و الإغناء و السراء و الضراء، و إن قلنا بمذهب القائلين برعاية المصالح، فوجوه المصالح مخفية لا يعلمها إلا اللّه تعالى، فربما كانت المصلحة في إيصال السرور و اللذة، و ربما كانت في تسليط الأحزان و الآلام، فقد اندفعت شبهة المنافقين من هذا الوجه.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع المحدثات بقضاء اللّه و قدره، و ذلك لأن المنافقين قالوا: إن محمدا لو قبل منا رأينا و نصحنا، لما وقع في هذه المحنة، فأجاب اللّه عنه بأن الأمر كله للّه، و هذا الجواب: إنما ينتظم لو كانت أفعال العباد بقضاء اللّه و قدره و مشيئته إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب دافعا لشبهة المنافقين، فثبت أن هذه الآية دالة على ما ذكرنا. و أيضا فظاهر هذه الآية مطابق للبرهان العقلي، و ذلك لأن الموجود، إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، و الممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء الى الواجب لذاته، فثبت أن كل ما سوى اللّه تعالى مستند إلى إيجاده و تكوينه، و هذه القاعدة لا اختصاص لها بمحدث دون محدث، أو ممكن دون ممكن، فتدخل فيه أفعال العباد و حركاتهم و سكناتهم، و ذلك هو المراد بقوله: قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ و هذا كلام في غاية الظهور لمن وفقه اللّه للإنصاف.

ثم إنه تعالى قال: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مََا لاََ يُبْدُونَ لَكَ إلى آخر الآية .

و اعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: هَلْ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ، و هذا الكلام محتمل، فلعل قائله كان من المؤمنين المحقين، و كان غرضه منه إظهار الشفقة، و أنه متى يكون الفرج؟و من أين تحصل النصرة؟و لعله كان من المنافقين، و إنما قاله طعنا في نبوة محمد صلى اللّه عليه و سلم و في الإسلام فبين تعالى في هذه الآية أن غرض هؤلاء من هذا الكلام هذا القسم الثاني، و الفائدة في هذا التنبيه أن يكون النبي صلى اللّه عليه و سلم متحرزا عن مكرهم و كيدهم.

النوع الثالث: من الأشياء التي حكى اللّه عن المنافقين، قولهم: لو كان لنا من الأمر شي‏ء ما قلنا هاهنا.

و فيه إشكال، و هو أن لقائل أن يقول: ما الفرق بين هذا الكلام و بين ما تقدم من قوله: هَلْ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ و يمكن أن يجاب عنه من وجهين: الأول: أنه تعالى لما حكى عنهم قولهم: هَلْ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فأجاب عنه بقوله: اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ و احتج المنافقون على الطعن في هذا الجواب بقولهم: لو كان لنا من الأمر شي‏ء لما خرجنا من المدينة و ما قتلنا هاهنا، فهذا يدل على أنه ليس الأمر كما قلتم من أن الأمر كله للّه، و هذا هو بعينه المناظرة الدائرة بين أهل السنة و أهل الاعتزال/فان السني يقول: الأمر كله في الطاعة و المعصية و الإيمان و الكفر بيد اللّه، فيقول المعتزلي: ليس الأمر كذلك، فإن الإنسان مختار مستقل بالفعل، إن شاء آمن، و إن شاء كفر، فعلى هذا الوجه لا يكون هذا الكلام شبهة مستقلة بنفسها، بل يكون الغرض منه الطعن فيما جعله اللّه تعالى جوابا عن الشبهة الأولى.

و الوجه الثاني: أن يكون المراد من قوله: هَلْ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ هو أنه هل لنا من النصرة التي وعدنا بها محمد شي‏ء، و يكون المراد من قوله: لَوْ كََانَ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ مََا قُتِلْنََا هََاهُنََا هو ما كان يقوله عبد اللّه بن أبي من أن محمدا لو أطاعني و ما خرج من المدينة ما قتلنا هاهنا.

و اعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه:

397

الوجه الأول من الجواب: قوله: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ اَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقَتْلُ إِلى‏ََ مَضََاجِعِهِمْ و المعنى أن الحذر لا يدفع القدر، و التدبير لا يقاوم التقدير، فالذين قدر اللّه عليهم القتل لا بد و أن يقتلوا على جميع التقديرات، لأن اللّه تعالى لما أخبر أنه يقتل، فلو لم يقتل لانقلب علمه جهلاً؛ و قد بينا أيضا أنه ممكن فلا بد من انتهائه الى إيجاد اللّه تعالى، فلو لم يوجد لانقلبت قدرته عجزاً، و كل ذلك محال، و مما يدل على تحقيق الوجوب كما قررنا قوله: اَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقَتْلُ و هذا الكلمة تفيد الوجوب، فإن هذه الكلمة في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ [البقرة: 183] كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ [البقرة: 178]تفيد وجوب الفعل، و هاهنا لا يمكن حملها على وجوب الفعل، فوجب حملها على وجوب الوجود و هذا كلام في غاية الظهور لمن أيده اللّه بالتوفيق. ثم نقول للمفسرين: فيه قولان: الأول: لو جلستم في بيوتكم لخرج منكم من كتب اللّه عليهم القتل إلى مضاجعهم و مصارعهم حتى يوجد ما علم اللّه أنه يوجد، و الثاني: كأنه قيل للمنافقين لو جلستم في بيوتكم و تخلفتم عن الجهاد لخرج المؤمنون الذين كتب عليهم قتال الكفار الى مضاجعهم، و لم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم.

الوجه الثاني في الجواب عن تلك الشبهة: قوله: وَ لِيَبْتَلِيَ اَللََّهُ مََا فِي صُدُورِكُمْ و ذلك لأن القوم زعموا أن الخروج إلى تلك المقاتلة كان مفسدة، و لو كان الأمر إليهم، لما خرجوا إليها، فقال تعالى: بل هذه المقاتلة مشتملة على نوعين من المصلحة: أن يتميز الموافق من المنافق، و في المثل المشهور: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين، و معنى الابتلاء في حق اللّه تعالى قد مر تفسيره مراراً كثيرة.

فإن قيل: لم ذكر الابتلاء و قد سبق ذكره في قوله: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ [آل عمران: 152].

قلنا: لما طال الكلام أعاد ذكره، و قيل الابتلاء الأول هزيمة المؤمنين، و الثاني سائر الأحوال.

و الوجه الثالث في الجواب: قوله: وَ لِيُمَحِّصَ مََا فِي قُلُوبِكُمْ و فيه وجهان: أحدهما: أن هذه/الواقعة تمحص قلوبكم عن الوساوس و الشبهات، و الثاني: أنها تصير كفارة لذنوبكم فتمحصكم عن تبعات المعاصي و السيئات، و ذكر في الابتلاء الصدور، و في التمحيص القلوب، و فيه بحث ثم قال: وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِذََاتِ اَلصُّدُورِ .

و اعلم أن ذات الصدور هي الأشياء الموجودة في الصدور، و هي الأسرار و الضمائر، و هي ذات الصدور، لأنها حالة فيها مصاحبة لها، و صاحب الشي‏ء ذوه و صاحبته ذاته، و إنما ذكر ذلك ليدل به على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يخفي عليه ما في الصدور، أو غير ذلك، لأنه عالم بجميع المعلومات و إنما ابتلاهم إما لمحض الإلهية، أو للاستصلاح.

و اعلم أن المراد أن القوم الذين تولوا يوم أحد عند التقاء الجمعين و فارقوا المكان و انهزموا قد عفا اللّه عنهم، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفت الأخبار فيمن ثبت ذلك اليوم و فيمن، فذكر محمد بن إسحاق أن ثلث‏

398

الناس كانوا مجروحين، و ثلثهم انهزموا، و ثلثهم ثبتوا، و اختلفوا في المنهزمين، فقيل: إن بعضهم ورد المدينة و أخبر أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قتل، و هو سعد بن عثمان، ثم ورد بعده رجال دخلوا على نسائهم، و جعل النساء يقلن: عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم تفرون!و كن يحثين التراب في وجوههم و يقلن: هاك المغزل أغزل به، و منهم قال: إن المسلمين لم يعدوا الجبل.

قال القفال: و الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفرا منهم تولوا و أبعدوا، فمنهم من دخل المدينة، و منهم من ذهب الى سائر الجوانب، و أما الأكثرون فإنهم نزلوا عند الجبل و اجتمعوا هناك. و من المنهزمين عمر، إلا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين و لم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي صلى اللّه عليه و سلم، و منهم أيضا عثمان انهزم مع رجلين من الأنصار يقال لهما سعد و عقبة، انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيدا ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام، فقال لهم النبي صلى اللّه عليه و سلم «لقد ذهبتم فيها عريضة» و قالت فاطمة لعلي: ما فعل عثمان؟فنقصه، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «يا علي أعياني أزواج الأخوات/أن يتحابوا» و أما الذين ثبتوا مع الرسول صلى اللّه عليه و سلم فكانوا أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، و سبعة من الأنصار، فمن المهاجرين أبو بكر، و علي و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي و قاص و طلحة بن عبيد اللّه و أبو عبيدة بن الجراح و الزبير بن العوام، و من الأنصار الخباب بن المنذر و أبو دجانة و عاصم بن ثابت و الحرث بن الصمة و سهل بن حنيف و أسيد بن حضير و سعد بن معاذ، و ذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي و طلحة و الزبير، و خمسة من الأنصار: أبو دجانة و الحرث بن الصمة و خباب بن المنذر و عاصم بن ثابت و سهل بن حنيف، ثم لم يقتل منهم أحد. و روى ابن عيينة أنه أصيب مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم نحو من ثلاثين كلهم يجي‏ء و يجثو بين يديه و يقول: وجهي لوجهك الفداء، و نفسي لنفسك الفداء، و عليك السلام غير مودع.

المسألة الثانية: قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعََانِ هذا خطاب للمؤمنين خاصة يعني الذين انهزموا يوم أحد إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطََانُ أي حملهم على الزلة. و أزل و استزل بمعنى واحد، قال تعالى: فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطََانُ عَنْهََا [البقرة: 36]و قال ابن قتيبة: استزلهم طلب زلتهم، كما يقال استعجلته أي طلبت عجلته، و استعملته طلبت عمله.

المسألة الثالثة: قال الكعبي: الآية تدل على أن المعاصي لا تنسب إلى اللّه، فإنه تعالى نسبها في هذه الآية إلى الشيطان و هو كقوله تعالى عن موسى: هََذََا مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطََانِ [القصص: 15]و كقوله يوسف. مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ اَلشَّيْطََانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف: 100]و كقول صاحب موسى: وَ مََا أَنْسََانِيهُ إِلاَّ اَلشَّيْطََانُ [الكهف: 63].

المسألة الرابعة: أنه تعالى لم يبين أن الشيطان في أي شي‏ء استزلهم، و ذلك لأن مع العفو لا حاجة إلى تعيين المعصية، لكن العلماء جوزوا أن يكون المراد بذلك تحولهم عن ذلك الموضع، بأن يكون رغبتهم في الغنيمة، و أن يكون فشلهم في الجهاد و عدولهم عن الإخلاص، و أي ذلك كان، فقد صح أن اللّه تعالى عفا عنهم. و روي أن عثمان عوتب في هزيمته يوم أحد، فقال إن ذلك و إن كان خطأ لكن اللّه عفا عنه، و قرأ هذه الآية.

أما قوله تعالى: بِبَعْضِ مََا كَسَبُوا ففيه وجهان: أحدهما: أن الباء للإلصاق كقولك: كتبت بالقلم، و قطعت بالسكين، و المعنى أنه كان قد صدرت عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم، و على هذا التقدير ففيه وجوه، الأول: قال الزجاج: إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة و لا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، و إنما ذكرهم الشيطان ذنوبا كانت لهم، فكرهوا لقاء اللّه إلا على حال‏

399

يرضونها، و إلا بعد الإخلاص في التوبة، فهذا/خاطر خطر ببالهم و كانوا مخطئين فيه. الثاني: أنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة ذلك المكان أزلهم الشيطان بشؤم هذه المعصية و أوقعهم في الهزيمة، لأن الذنب يجر الى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة. و يكون لطفا فيها. الثالث: لما أذنبوا بسبب الفشل و منازعة بعضهم مع بعض وقعوا في ذلك الذنب.

و الوجه الثاني: أن يكون المعنى: استزلهم الشيطان في بعض ما كسبوا، لا في كل ما كسبوا، و المراد منه بيان أنهم ما كفروا و ما تركوا دينهم، بل هذه زلة وقعت لهم في بعض أعمالهم.

ثم قال تعالى: وَ لَقَدْ عَفَا اَللََّهُ عَنْهُمْ .

و اعلم أن هذه الآية دلت على أن تلك الزلة ما كانت بسبب الكفر، فإن العفو عن الكفر لا يجوز لقوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* [النساء: 48]ثم قالت المعتزلة: ذلك الذنب إن كان من الصغائر جاز العفو عنه من غير توبة، و إن كان من الكبائر لم يجز إلا مع التوبة، فههنا لا بد من تقدم التوبة منهم، و إن كان ذلك غير مذكور في الآية، قال القاضي: و الأقرب أن ذلك الذنب كان من الصغائر و يدل عليه و جهان: الأول: أنه لا يكاد في الكبائر يقال إنها زلة، إنما يقال ذلك في الصغائر. الثاني: أن القوم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق إلى ثباتهم في ذلك المكان حاجة، فلا جرم انتقلوا عنه و تحولوا لطلب الغنيمة، و مثل هذا لا يبعد أن يكون من باب الصغائر لأن للاجتهاد في مثله مدخلا، و أما على قول أصحابنا فالعفو عن الصغائر و الكبائر جائز، فلا حاجة الى هذه التكلفات.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ أي غفور لمن تاب و أناب، حليم لا يعجل بالعقوبة. و قد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ذلك الذنب كان من الكبائر، لأنه لو كان من الصغائر لوجب على قول المعتزلة أن يعفو عنه، و لو كان العفو عنه واجبا لما حسن التمدح به، لأن من يظلم إنسانا فإنه لا يحسن أن يتمدح بأنه عفا عنه و غفر له، فلما ذكر هذا التمدح علمنا أن ذلك الذنب كان من الكبائر، و لما عفا عنه علمنا أن العفو عن الكبائر واقع و اللّه أعلم.

في قوله تعالى يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله لَوْ كََانُوا عِنْدَنََا مََا مََاتُوا وَ مََا قُتِلُوا اعلم أن المنافقين كانوا يعيرون المؤمنين في الجهاد مع الكفار بقولهم: لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتلوا، ثم إنه لما ظهر عن بعض المؤمنين فتور و فشل في الجهاد حتى وقع يوم أحد ما وقع و عفا اللّه بفضله عنهم، ذكر في هذه الآية ما يدل على النهي عن أن يقول أحد من المؤمنين مثل مقالتهم فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لمن يريد الخروج إلى الجهاد لو لم تخرجوا لما متم و ما قتلتم فإن اللّه هو المحيي و المميت، فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد، و من قدر له الموت لم يبق و إن لم يجاهد، و هو المراد من قوله: وَ اَللََّهُ يُحْيِي وَ يُمِيتُ و أيضا الذي قتل في الجهاد، لو أنه ما خرج إلى الجهاد لكان يموت لا محالة، فإذا كان لا بد من‏

400

الموت فلأن يقتل في الجهاد حتى يستوجب الثواب العظيم، كان ذلك خيرا له من أن يموت من غير فائدة، و هو المراد من قوله: وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اَللََّهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمََّا يَجْمَعُونَ فهذا هو المقصود من الكلام، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في المراد بقوله: كَالَّذِينَ كَفَرُوا فقال بعضهم: هو على إطلاقه، فيدخل فيه كل كافر يقول مثل هذا القول سواء كان منافقا أو لم يكن، و قال آخرون: إنه مخصوص بالمنافقين لأن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مختصة بشرح أحوالهم، و قال آخرون: هذا مختص بعبد اللّه بن أبي بن سلول، و معتب بن قشير، و سائر أصحابه، و على هذين القولين فالآية تدل على أن الايمان ليس عبارة عن الإقرار باللسان، كما تقول الكرامية إذا لو كان كذلك لكان المنافق مؤمنا، و لو كان مؤمنا لما سماه اللّه كافرا.

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : قوله: وَ قََالُوا لِإِخْوََانِهِمْ أي لأجل إخراجهم كقوله: وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كََانَ خَيْراً مََا سَبَقُونََا إِلَيْهِ [الأحقاف: 11]و أقول: تقرير هذا الوجه أنهم/لما قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتلوا، فهذا يدل على أن أولئك الإخوان كانوا ميتين و مقتولين عند هذا القول، فوجب أن يكون المراد من قوله: وَ قََالُوا لِإِخْوََانِهِمْ هو أنهم قالوا ذلك لأجل إخوانهم، و لا يكون المراد هو أنهم ذكروا هذا القول مع إخوانهم.

المسألة الثالثة: قوله: (إخوانهم) يحتمل أن يكون المراد منه الأخوة في النسب و إن كانوا مسلمين، كقوله تعالى: وَ إِلى‏ََ عََادٍ أَخََاهُمْ هُوداً* [الأعراف: 65] وَ إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً* [الأعراف: 73]فإن الأخوة في هذه الآيات أخوة النسب لا أخوة الدين، فلعل أولئك المقتولين من المسلمين كانوا من أقارب المنافقين، فالمنافقون ذكروا هذا الكلام، و يحتمل أن يكون المراد من هذه الأخوة المشاكلة في الدين، و اتفق الى أن صار بعض المنافقين مقتولا في بعض الغزوات فالذين بقوا من المنافقين قالوا ذلك.

المسألة الرابعة: المنافقون كانوا يظنون أن الخارج منهم لسفر بعيد، و هو المراد بقوله: إِذََا ضَرَبُوا فِي اَلْأَرْضِ و الخارج إلى الغزو، و هو المراد بقوله: أَوْ كََانُوا غُزًّى إذا نالهم موت أو قتل فذلك إنما نالهم بسبب السفر و الغزو، و جعلوا ذلك سببا لتنفير الناس عن الجهاد، و ذلك لأن في الطباع محبة الحياة و كراهية الموت و القتل، فإذا قيل للمرء: إن تحرزت من السفر و الجهاد فأنت سليم طيب العيش، و إن تقحمت أحدهما وصلت الى الموت أو القتل، فالغالب أنه ينفر طبعه عن ذلك و يرغب في ملازمة البيت، و كان ذلك من مكايد المنافقين في تنفير المؤمنين عن الجهاد.

فإن قيل: فلما ذا ذكر بعض الضرب في الأرض الغزو و هو داخل فيه؟ قلنا: لأن الضرب في الأرض يراد به الإبعاد في السفر، لا ما يقرب منه، و في الغزو لا فرق بين بعيده و قريبه، إذ الخارج من المدينة إلى جبل أحد لا يوصف بأنه ضارب في الأرض مع قرب المسافة و إن كان غازيا، فهذا فائدة إفراد الغزو عن الضرب في الأرض.

المسألة الخامسة: في الآية إشكال و هو أن قوله: وَ قََالُوا لِإِخْوََانِهِمْ يدل على الماضي، و قوله: إِذََا ضَرَبُوا يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما؟بل لو قال: و قالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض، أي حين ضربوا لم يكن فيه إشكال.

و الجواب عنه من وجوه: الأول: أن قوله: قََالُوا تقديره: يقولون فكأنه قيل: لا تكونوا كالذين كفروا

401

و يقولون لإخوانهم كذا و كذا، و إنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لفائدتين: أحدهما: أن الشي‏ء الذي يكون لازم الحصول في المستقبل فقد يعبر عنه بأنه حدث أو هو حادث قال تعالى: أَتى‏ََ أَمْرُ اَللََّهِ [النحل: 1]و قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ [الزمر: 30]فهنا لو وقع التعبير عنه بلفظ المستقل لم يكن فيه مبالغة أما لما وقع التعبير عنه بلفظ الماضي، دل ذلك على أن جدهم و اجتهادهم في تقرير الشبهة قد بلغ/الغاية، و صار بسبب ذلك الجد هذا المستقبل كالكائن الواقع.

الفائدة الثانية: إنه تعالى لما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل ذلك على أنه ليس المقصود الإخبار عن صدور هذا الكلام، بل المقصود الإخبار عن جدهم و اجتهادهم في تقرير هذه الشبهة، فهذا هو الجواب المعتمد عندي و اللّه أعلم.

الوجه الثاني في الجواب: أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية، و المعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتلوا، فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد و أن يقول: قالوا، فهذا هو المراد بقولنا: خرج هذا الكلام على سبيل حكاية الحال الماضية.

الوجه الثالث: قال قطرب: كلمة «إذا» و إذا، يجوز إقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى، و أقول: هذا الذي قاله قطرب كلام حسن، و ذلك لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول منقول عن قائل مجهول، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم، كان ذلك أولى، أقصى ما في الباب أن يقال «إذ» حقيقة في المستقبل، و لكن لم لا يحوز استعماله في الماضي على سبيل المجاز لما بينه و بين كلمة «إذ» من المشابهة الشديدة؟و كثيرا أرى النحويين يتحيرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول فرحوا به، و أنا شديد التعجب منهم، فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلا على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلا على صحته كان أولى.

المسألة السادسة: غُزًّى جمع غاز، كالقول و الركع و السجد، جمع قائل و راكع و ساجد، و مثله من الناقص «عفا» و يجوز أيضا: غزاة، مثل قضاة و رماة في جمع القاضي و الرامي، و معنى الغزو في كلام العرب قصد العدو، و المغزى المقصد.

المسألة السابعة: قال الواحدي: في الآية محذوف يدل عليه الكلام، و التقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزاة فقتلوا، لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتلوا، فقوله: مََا مََاتُوا وَ مََا قُتِلُوا يدل على موتهم و قتلهم.

ثم قال تعالى: لِيَجْعَلَ اَللََّهُ ذََلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ و فيه وجهان: الأول: أن التقدير أنهم قالوا ذلك الكلام ليجعل اللّه ذلك الكلام حسرة في قلوبهم، مثل ما يقال: ربيته ليؤذيني و نصرته ليقهرني و مثله قوله تعالى:

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [القصص: 8]إذا عرفت هذا فنقول: ذكروا في بيان أن ذلك القول كيف استعقب حصول الحسرة في قلوبهم وجوها: الأول: أن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام ازدادت الحسرة في قلوبهم، لأن أحدهم يعتقد أنه لو بالغ في منعه عن ذلك السفر و عن ذلك الغزو لبقي، فذلك الشخص إنما مات أو قتل بسبب أن هذا الإنسان قصر في/منعه، فيعتقد السامع لهذا الكلام أنه هو الذي تسبب إلى موت ذلك الشخص العزيز عليه أو قتله، و متى اعتقد في نفسه ذلك فلا شك أنه تزداد حسرته و تلهفه، أما المسلم المعتقد في أن الحياة و الموت لا يكون إلا بتقدير اللّه و قضائه، لم يحصل ألبتة في قلبه شي‏ء من هذا

402

النوع من الحسرة، فثبت أن تلك الشبهة التي ذكرها المنافقون لا تفيدهم إلا زيادة الحسرة.

الوجه الثاني: أن المنافقين إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الغزو و الجهاد و تخلفوا عنه، فإذا اشتغل المسلمون بالجهاد و الغزو، و وصلوا بسببه إلى الغنائم العظيمة و الاستيلاء على الأعداء و الفوز بالأماني، بقي ذلك المتخلف عند ذلك في الخيبة و الحسرة.

الوجه الثالث: أن هذه الحسرة إنما تحصل يوم القيامة في قلوب المنافقين إذا رأوا تخصيص اللّه المجاهدين بمزيد الكرامات و إعلاء الدرجات، و تخصيص هؤلاء المنافقين بمزيد الخزي و اللعن و العقاب.

الوجه الرابع: أن المنافقين إذا أوردوا هذه الشبهة على ضعفة المسلمين و وجدوا منهم قبولا لها، فرحوا بذلك، من حيث إنه راج كيدهم و مكرهم على أولئك الضعفة، فاللّه تعالى يقول: إنه سيصير ذلك حسرة في قلوبهم إذا علموا أنهم كانوا على الباطل في تقرير هذه الشبهة.

الوجه الخامس: أن جدهم و اجتهادهم في تكثير الشبهات و إلقاء الضلالات يعمي قلوبهم فيقعون عند ذلك في الحيرة و الخيبة و ضيق الصدر، و هو المراد بالحسرة، كقوله: وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [الأنعام: 125].

الوجه السادس: أنهم متى ألقوا هذه الشبهة على أقوياء المسلمين لم يلتفتوا إليهم فيضيع سعيهم و يبطل كيدهم فتحصل الحسرة في قلوبهم.

و القول الثاني في تفسير الآية: أن اللام في قوله: لِيَجْعَلَ اَللََّهُ متعلقة بما دل عليه النهي، و التقدير: لا تكونوا مثلهم حتى يجعل اللّه انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، لأن مخالفتهم فيما يقولون و يعتقدون و مضادتهم مما يغيظهم.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ يُحْيِي وَ يُمِيتُ و فيه وجهان: الأول: أن المقصود منه بيان الجواب عن هذه الشبهة، و تقريره أن المحيي و المميت هو اللّه، و لا تأثير لشي‏ء آخر في الحياة و الموت، و أن علم اللّه لا يتغير، و أن حكمه لا ينقلب، و أن قضاءه لا يتبدل، فكيف ينفع الجلوس في البيت من الموت؟ فإن قيل: إن كان القول بأن قضاء اللّه لا يتبدل يمنع من كون الجد و الاجتهاد مفيدا في الحذر عن القتل و الموت، فكذا القول بأن قضاء اللّه لا يتبدل وجب أن يمنع من كون العمل مفيدا في/الاحتراز عن عقاب الآخرة، و هذا يمنع من لزوم التكليف، و المقصود من هذه الآيات تقرير الأمر بالجهاد و التكليف، و إذا كان الجواب يفضي بالآخرة إلى سقوط التكليف كان هذا الكلام يفضي ثبوته الى نفيه فيكون باطلا.

الجواب: أن حسن التكليف عندنا غير معلل بعلة و رعاية مصلحة، بل عندنا أنه يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد.

و الوجه الثاني: في تأويل الآية: أنه ليس الغرض من هذا الكلام الجواب عن تلك الشبهة بل المقصود أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن أن يقولوا مثل قول المنافقين، قال: وَ اَللََّهُ يُحْيِي وَ يُمِيتُ يريد: يحيي قلوب أوليائه و أهل طاعته بالنور و الفرقان، و يميت قلوب أعدائه من المنافقين.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: المقصود منه الترغيب و الترهيب فيما تقدم ذكره من طريقة المؤمنين و طريقة المنافقين.

403

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير و حمزة و الكسائي يعملون كناية عن الغائبين، و التقدير لِيَجْعَلَ اَللََّهُ ذََلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَ اَللََّهُ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ و الباقون بالتاء على الخطاب ليكون وفقاً لما قبله في قوله: لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا و لما بعده في قوله: وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَوْ مُتُّمْ .

ثم قال تعالى: وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اَللََّهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مما تجمعون .

و اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن شبهة المنافقين، و تقريره أن هذا الموت لا بد واقع و لا محيص للإنسان من أن يقتل أو يموت، فإذا وقع هذا الموت أو القتل في سبيل اللّه و في طلب رضوانه، فهو خير من أن يجعل ذلك في طلب الدنيا و لذاتها التي لا ينتفع الإنسان بها بعد الموت ألبتة، و هذا جواب في غاية الحسن و القوة، و ذلك لأن الإنسان إذا توجه الى الجهاد أعرض قلبه عن الدنيا و أقبل على الآخرة، فإذا مات فكأنه تخلص عن العدو و وصل الى المحبوب، و إذا جلس في بيته خائفا من الموت حريصا على جمع الدنيا، فإذا مات فكأنه حجب عن المعشوق و ألقي في دار الغربة، و لا شك في كمال سعادة الأول، و كمال شقاوة الثاني.

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع و حمزة و الكسائي (متم) بكسر الميم، و الباقون بضم الميم، و الأولون أخذوه من: مات يمات مت، مثل هاب يهاب هبت، و خاف يخاف خفت، و روى المبرد هذه اللغة فان صح فقد صحت هذه القراءة، و أما قراءة الجمهور فهو مأخوذ من، مات يموت مت: مثل قال يقول قلت.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه اللّه: اللام في قوله: وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ لام القسم، بتقدير اللّه لئن قتلتم في سبيل اللّه، و اللام في قوله: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اَللََّهِ وَ رَحْمَةٌ جواب القسم، و دال على أن ما هو داخل عليه جزاء، و الأصوب عندي أن يقال: هذه اللام للتأكيد، فيكون المعنى إن وجب أن تموتوا و تقتلوا في سفركم و غزوكم، فكذلك يجب أن تفوزوا بالمغفرة أيضا، فلما ذا تحترزون عنه كأنه قيل: إن الموت و القتل غير لازم الحصول، ثم بتقدير أن يكون لازماً فإنه يستعقب لزوم المغفرة، فكيف يليق بالعاقل أن يحترز عنه؟ المسألة الثالثة: قرأ حفص عن عاصم (يجمعون) بالياء على سبيل الغيبة، و الباقون بالتاء على وجه الخطاب، أما وجه الغيبة فالمعنى أن مغفرة اللّه خير مما يجمعه هؤلاء المنافقون من الحطام الفاني، و أما وجه الخطاب فالمعنى أنه تعالى كأنه يخاطب المؤمنين فيقول لهم مغفرة اللّه خير لكم من الأموال التي تجمعونها في الدنيا.

المسألة الرابعة: إنما قلنا: إن رحمة اللّه و مغفرته خير من نعيم الدنيا لوجوه: أحدها: أن من يطلب المال فهو في نعب من ذلك الطلب في الحال، و لعله لا ينتفع به غدا لأنه يموت قبل الغد و أما طلب الرحمة و المغفرة فإنه لا بد و أن ينتفع به لأن اللّه لا يخلف وعده، و قد قال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: 7] و ثانيها: هب أنه بقي إلى الغد لكن لعل ذلك المال لا يبقى إلى الغد، فكم من إنسان أصبح أميرا و أمسى أسيرا، و خيرات الآخرة لا تزول لقوله: وَ اَلْبََاقِيََاتُ اَلصََّالِحََاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ* [الكهف: 46]و لقوله: مََا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ بََاقٍ [النحل: 96]و ثالثها: بتقدير أن يبقى إلى الغد و يبقى المال إلى الغد، لكن لعله يحدث حادث يمنعك عن الانتفاع به مثل مرض و ألم و غيرهما، و منافع الآخرة ليست كذلك. و رابعها: بتقدير أنه في الغد يمكنك الانتفاع بذلك المال، و لكن لذات الدنيا مشوبة بالآلام و منافعها مخلوطة بالمضار، و ذلك مما لا يخفى، و أما منافع الآخرة فليست كذلك. و خامسها: هب أن تلك المنافع تحصل في الغد خالصة عن الشوائب‏

404

و لكنها لا تدوم و لا تستمر، بل تنقطع و تفنى، و كلما كانت اللذة أقوى و أكمل، كان التأسف و التحسر عند فواتها أشد و أعظم، و منافع الآخرة مصونة عن الانقطاع و الزوال. و سادسها: أن منافع الدنيا حسية و منافع الآخرة عقلية، و الحسية خسيسة، و العقلية شريفة، أ ترى ان انتفاع الحمار بلذة بطنه و فرجه يساوي ابتهاج الملائكة المقربين عند إشراقها بالأنوار الإلهية، فهذه المعاقد الستة تنبهك على ما لا نهاية لها من الوجوه الدالة على صحة قوله سبحانه و تعالى: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اَللََّهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمََّا يَجْمَعُونَ .

فإن قيل: كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما تجمعون، و لا خير فيما تجمعون أصلا.

قلنا: إن الذي تجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيراً، و أيضا هذا وارد على حسب قولهم و معتقدهم أن تلك الأموال خيرات، فقيل: المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات.

ثم قال: وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اَللََّهِ تُحْشَرُونَ .

و اعلم أنه سبحانه و تعالى رغب المجاهدين في الآية الأولى بالحشر الى مغفرة اللّه، و في هذه الآية زاد في إعلاء الدرجات فرغبهم هاهنا بالحشر الى اللّه،

يروى أن عيسى بن مريم صلوات اللّه عليه و سلامه مر بأقوام نحفت أبدانهم و اصفرت وجوههم، و رأى عليهم آثار العبادة، فقال ماذا تطلبون؟فقالوا: نخشى عذاب اللّه، فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه، ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم، فقالوا:

نطلب الجنة و الرحمة، فقال: هو أكرم من أن يمنحكم رحمته ثم مر بقوم ثالث و رأى آثار العبودية عليهم أكثر، فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا، و نحن عبيده لا لرغبة و لا لرهبة، فقال: أنتم العبيد المخلصون و المتعبدون المحقون،

فانظر في ترتيب هذه الآيات فإنه قال في الآية الأولى: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اَللََّهِ و هو إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه، ثم قال وَ رَحْمَةٌ و هو إشارة الى من يعبده لطلب ثوابه، ثم قال في خاتمة الآية: لَإِلَى اَللََّهِ تُحْشَرُونَ و هو إشارة الى من يعبد اللّه لمجرد الربوبية و العبودية، و هذا أعلى المقامات و أبعد النهايات في العبودية في علو الدرجة، ألا ترى أنه لما شرف الملائكة قال: وَ مَنْ عِنْدَهُ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبََادَتِهِ [الأنبياء:

19]و قال للمقربين من أهل الثواب: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: 55]فبين أن هؤلاء الذين بذلوا أنفسهم و أبدانهم في طاعته و مجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه، و استئناسهم بكرمه، و تمتعهم بشروق نور ربوبيته، و هذا مقام فيه إطناب، و المستبصر يرشده القدر الذي أوردناه.

و لنرجع إلى التفسير: كأنه قيل إن تركتم الجهاد و احترزتم عن القتل و الموت بقيتم أياماً قليلة في الدنيا مع تلك اللذات الخسيسة، ثم تتركونها لا محالة، فتكون لذاتها لغيركم و تبعاتها عليكم، أما لو أعرضتم عن لذات الدنيا و طيباتها، و بذلتم النفس و المال للمولى يكون حشركم إلى اللّه، و وقوفكم على عتبة رحمة اللّه، و تلذذكم بذكر اللّه، فشتان ما بين هاتين الدرجتين و المنزلتين.

و اعلم أن في قوله: لَإِلَى اَللََّهِ تُحْشَرُونَ دقائق: أحدها: أنه لم يقل: تحشرون إلى اللّه بل قال: لَإِلَى اَللََّهِ تُحْشَرُونَ ، و هذا يفيد الحصر، معناه إلى اللّه يحشر العالمون لا إلى غيره، و هذا يدل على أنه لا حاكم في ذلك اليوم و لا ضار و لا نافع إلا هو، قال تعالى: لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ [غافر: 16]و قال تعالى:

وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلََّهِ [الإنفطار: 19]و ثانيها: أنه ذكر من أسماء اللّه هذا الاسم، و هذا الاسم أعظم الأسماء و هو دال/على كمال الرحمة و كمال القهر، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد، و لدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد. و ثالثها: إدخال لام التأكيد في اسم اللّه حيث قال: لَإِلَى اَللََّهِ و هذا ينبهك على أن‏

405

الإلهية تقتضي هذا الحشر و النشر، كما قال: إِنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ أَكََادُ أُخْفِيهََا لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا تَسْعى‏ََ [طه:

15]و رابعها: أن قوله: تُحْشَرُونَ فعل ما لم يسم فاعله، مع أن فاعل ذلك الحشر هو اللّه، و إنما لم يقع التصريح به لأنه تعالى هو العظيم الكبير الذي، شهدت العقول بأنه هو اللّه الذي يبدئ و يعيد، و منه الإنشاء و الإعادة، فترك التصريح في مثل هذا الموضع أدل على العظيمة، و نظيره قوله تعالى: وَ قِيلَ يََا أَرْضُ اِبْلَعِي مََاءَكِ [هود: 44]و خامسها: أنه أضاف حشرهم إلى غيرهم، و ذلك ينبه العقل على أن جميع الخلق مضطرون في قبضة القدرة و نفاذ المشيئة، فهم سواء كانوا أحياء أم أمواتا لا يخرجون عن قهر الربوبية و كبرياء الإلهية.

و سادسها: أن قوله: تُحْشَرُونَ خطاب مع الكل، فهو يدل على أن جميع العالمين يحشرون و يوقفون في عرصة القيامة و بساط العدل، فيجتمع المظلوم مع الظالم، و المقتول مع القاتل، و الحق سبحانه و تعالى يحكم بين عبيده بالعدل المبرأ عن الجور، كما قال: وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ [الأنبياء: 47]فمن تأمل في قوله تعالى: لَإِلَى اَللََّهِ تُحْشَرُونَ و ساعده التوفيق علم أن هذه الفوائد التي ذكرناها كالقطرة من بحار الأسرار المودعة في هذه الآية، و تمسك القاضي بهذه الآية على أن المقتول ليس بميت، قال: لأن قوله:

وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ يقتضي عطف المقتول على الميت، و عطف الشي‏ء على نفسه ممتنع.

و اعلم أن القوم لما انهزموا عن النبي صلى اللّه عليه و سلم يوم أحد ثم عادوا لم يخاطبهم الرسول صلى اللّه عليه و سلم بالتغليط و التشديد، و إنما خاطبهم بالكلام اللين، ثم إنه سبحانه و تعالى لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم و معادهم، و كان من جملة ذلك أن عفا عنهم، زاد/في الفضل و الإحسان بأن مدح الرسول صلى اللّه عليه و سلم على عفوه عنهم، و تركه التغليظ عليهم فقال: فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ لِنْتَ لَهُمْ و من أنصف علم أن هذا ترتيب حسن في الكلام. و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن لينه صلى اللّه عليه و سلم مع القوم عبارة عن حسن خلقه مع القوم قال تعالى: وَ اِخْفِضْ جَنََاحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 215]و قال: خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجََاهِلِينَ ، و قال:

وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ََ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4]و قال: لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مََا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128]و

قال عليه الصلاة و السلام: «لا حلم أحب إلى اللّه تعالى من حلم إمام و رفقه و لا جهل أبغض الى اللّه من جهل إمام و خرقه»

فلما كان عليه الصلاة و السلام إمام العالمين، وجب أن يكون أكثرهم حلما و أحسنهم خلقاً. و

روي أن امرأة عثمان دخلت عليه صلى اللّه عليه و سلم، و كان النبي و علي يغسلان السلاح، فقالت: ما فعل ابن عفان؟أما و اللّه لا تجدونه إمام القوم، فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الزمان اليوم، فقال عليه الصلاة و السلام «مه» و روي أنه قال حينئذ: أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا، و لما دخل عليه عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال: «لقد ذهبتم فيها عريضة» و روي عن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن اللّه إلينا كل الإحسان، كنا مشركين، فلو جاءنا رسول اللّه بهذا الدين جملة، و بالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا، فما كنا ندخل في الإسلام، و لكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها و عرفنا حلاوة الايمان، قبلنا ما وراءها كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم الدين و كملت الشريعة.

و

روي أنه عليه الصلاة و السلام قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة و لا يستدبرها»

و اعلم أن سر الأمر في حسن الخلق‏

406

أمران: اعتبار حال القائل، و اعتبار حال الفاعل، أما اعتبار حال القائل فلأن جواهر النفوس مختلفة بالماهية، كما

قال عليه الصلاة و السلام: «الأرواح جنود مجندة» و قال: «الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة»

و كما أنها في جانب النقصان تنتهي إلى غاية البلادة و المهانة و النذالة، و استيلاء الشهوة و الغضب عليها و استيلاء حب المال و اللذات، فكذلك في جانب الكمال قد تنتهي إلى غاية القوة و الجلالة، أما في القوة النظرية فيكون كما وصفه اللّه تعالى بقوله: نُورٌ عَلى‏ََ نُورٍ [النور: 35]و قوله: وَ عَلَّمَكَ مََا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كََانَ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء: 113]و أما في القوة العملية، فكما وصفه اللّه بقوله: وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ََ خُلُقٍ عَظِيمٍ كأنها من جنس أرواح الملائكة، فلا تنقاد للشهوة و لا تميل لدواعي الغضب، و لا تتأثر من حب المال و الجاه، فإن من تأثر عن شي‏ء كان المتأثر أضعف من المؤثر، فالنفس إذا مالت إلى هذه المحسوسات/كانت روحانياتها أضعف من الجسمانيات، و إذا لم تمل إليها و لم تلتفت إليها كانت روحانياتها مستعلية على الجسمانيات، و هذه الخواص نظرية، و كانت نفسه المقدسة في غاية الجلالة و الكمال في هذه الخصال. و أما اعتبار حال الفاعل

فقوله عليه الصلاة و السلام: «من عرف سر اللّه في القدر هانت عليه المصائب»

فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب لم يغضب، و إذا حصل له محبوب لم يأنس به، لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحداً من هذا العالم في طلب شي‏ء من لذاتها و طيباتها، و لا يغضب على أحد بسبب فوت شي‏ء من مطالبها، و متى كان الإنسان كذلك كان حسن الخلق، طيب العشرة مع الخلق، و لما كان صلوات اللّه و سلامه عليه أكمل البشر في هذه الصفات الموجبة لحسن الخلق، لا جرم كان أكمل الخلق في حسن الخلق.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا في مسألة القضاء و القدر بقوله: فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ لِنْتَ لَهُمْ وجه الاستدلال أنه تعالى بين أن حسن خلقه مع الخلق، إنما كان بسبب رحمة اللّه تعالى، فنقول: رحمة اللّه عند المعتزلة عامة في حق المكلفين، فكل ما فعله مع محمد عليه الصلاة و السلام من الهداية و الدعوة و البيان و الإرشاد، فقد فعل مثل ذلك مع إبليس و فرعون و هامان و أبي جهل و أبى لهب، فإذا كان على هذا القول كل ما فعله اللّه تعالى مع المكلفين في هذا الباب مشتركا فيه بين أصفى الأصفياء، و بين أشقى الأشقياء لم يكن اختصاص بعضهم بحسن الخلق و كمال الطريقة مستفاداً من رحمة اللّه، فكان على هذا القول تعليل حسن خلق الرسول عليه الصلاة و السلام برحمة اللّه باطلا، و لما كان هذا باطلا علمنا أن جميع أفعال العباد بقضاء اللّه و بقدره، و المعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف و هذا في غاية البعد، لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف، فقد فعله في حق المكلفين، و الذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف، فذاك في الحقيقة إنما اكتسبه من نفسه لا من اللّه، لأنه متى فعل الطاعة استحق ذلك المزيد من اللطف، و وجب إيصاله اليه، و متى لم يفعل امتنع إيصاله، فكان ذلك للعبد من نفسه لا من اللّه.

المسألة الثالثة: ذهب الأكثرون الى أن (ما) في قوله: فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ صلة زائدة و مثله في القرآن كثير، كقوله: عَمََّا قَلِيلٍ و جُنْدٌ مََا هُنََالِكَ [ص: 11] فَبِمََا نَقْضِهِمْ* [النساء: 155، المائدة: 13] مِمََّا خَطِيئََاتِهِمْ [نوح: 25]قالوا: و العرب قد تزيد في الكلام للتأكيد على ما يستغنى عنه، قال تعالى: فَلَمََّا أَنْ جََاءَ اَلْبَشِيرُ [يوسف: 96]أراد فلما جاء، فأكد بأن، و قال المحققون: دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام أحكم الحاكمين غير جائر، و هاهنا يجوز أن تكون (ما) استفهاما للتعجب تقديره: فبأي رحمة من اللّه لنت لهم، و ذلك لأن جنايتهم لما كانت عظيمة/ثم إنه ما أظهر ألبتة، تغليظا في القول، و لا خشونة في الكلام،

407

علموا أن هذا لا يتأتى الا بتأييد رباني و تسديد إلهي، فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد و التسديد، فقيل: فبأي رحمة من اللّه لنت لهم، و هذا هو الأصوب عندي.

المسألة الرابعة: اعلم أن هذه الآية دلت على أن رحمة اللّه هي المؤثرة في صيرورة محمد عليه الصلاة و السلام رحيماً بالأمة، فإذا تأملت حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أنه لا رحمة إلا للّه سبحانه، و الذي يقرر ذلك وجوه: أحدها: أنه لو لا أن اللّه ألقى في قلب عبده داعية الخير و الرحمة و اللطف لم يفعل شيئاً من ذلك، و إذا ألقى في قلبه هذه الداعية فعل هذه الأفعال لا محالة، و على هذا التقدير فلا رحمة إلا للّه: و ثانيها: أن كل رحيم سوى اللّه تعالى فإنه يستفيد برحمته عوضا، إما هربا من العقاب، أو طلبا للثواب، أو طلبا للذكر الجميل، فإذا فرضنا صورة خالية عن هذه الأمور كان السبب هو الرقة الجنسية، فإن من رأى حيوانا في الألم رق قلبه، و تألم بسبب مشاهدته إياه في الألم، فيخلصه عن ذلك الألم دفعا لتلك الرقة عن قلبه، فلو لم يوجد شي‏ء من هذه الأعراض لم يرحم ألبتة، أما الحق سبحانه و تعالى فهو الذي يرحم لا لغرض من الأغراض، فلا رحمة إلا للّه، و ثالثها: أن كل من رحم غيره فإنه إنما يرحمه بأن يعطيه مالا، أو يبعد عنه سببا من أسباب المكروه و البلاء، إلا أن المرحوم لا ينتفع بذلك المال معه سلامة الأعضاء، و هي ليس إلا من اللّه تعالى، فلا رحمة في الحقيقة إلا للّه، و أما في الظاهر فكل من أعانه اللّه على الرحمة سمي رحيما،

قال عليه السلام: «الراحمون يرحمهم الرحمن»

و قال في صفة محمد عليه السلام: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128] ثم قال تعالى: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ .

و اعلم أن كمال رحمة اللّه في حق محمد صلى اللّه عليه و سلم أنه عرفه مفاسد الفظاظة و الغلظة و فيه مسائل.

المسألة الأولى: قال الواحدي: رحمه اللّه تعالى: الفظ، الغليظ الجانب السي‏ء الخلق، يقال: فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ، و أصله فظظ، كقوله: حذر من حذرت، و فرق من فرقت، إلا أن ما كان من المضاعف على هذا الوزن يدغم نحن رجل صب، و أصله صبب، و أما «الفض» بالضاد فهو تفريق الشي‏ء، و انفض القوم تفرقوا، قال تعالى: وَ إِذََا رَأَوْا تِجََارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا [الجمعة: 11]و منه: فضضت الكتاب، و منه يقال: لا يفضض اللّه فاك.

فإن قيل: ما الفرق بين الفظ و بين غليظ القلب؟ قلنا: الفظ الذي يكون سي‏ء الخلق، و غليظ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن شي‏ء، فقد/لا يكون الإنسان سي‏ء الخلق و لا يؤذي أحدا و لكنه لا يرق لهم و لا يرحمهم، فظهر الفرق من هذا الوجه.

المسألة الثانية: إن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف اللّه الى الخلق، و هذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم اليه و سكنت نفوسهم لديه، و هذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما كريما، يتجاوز عن ذنبهم، و يعفو عن إساءتهم، و يخصهم بوجوه البر و المكرمة و الشفقة، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق، و كما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب، بل يكون كثير الميل الى إعانة الضعفاء، كثير القيام بإعانة الفقراء، كثير التجاوز عن سيئاتهم، كثير الصفح عن زلاتهم، فلهذا المعنى قال: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ و لو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة و الرسالة. و حمل القفال رحمه اللّه هذه الآية على واقعة أحد قال: فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ لِنْتَ لَهُمْ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ و شافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لا نفضوا من حولك، هيبة منك و حياء بسبب ما

408

كان منهم من الانهزام، فكان ذلك مما لا يطمع العدو فيك و فيهم.

المسألة الثالثة: اللين و الرفق إنما يجوز إذا لم يفض الى إهمال حق من حقوق اللّه، فأما إذا أدى الى ذلك لم يجز، قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ جََاهِدِ اَلْكُفََّارَ وَ اَلْمُنََافِقِينَ وَ اُغْلُظْ عَلَيْهِمْ* [التوبة: 73]و قال للمؤمنين في إقامة حد الزنا: وَ لاََ تَأْخُذْكُمْ بِهِمََا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اَللََّهِ [النور: 2].

و هاهنا دقيقة أخرى: و هي أنه تعالى منعه من الغلظة في هذه الآية، و أمره بالغلظة في قوله: وَ اُغْلُظْ عَلَيْهِمْ* فههنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين، و هناك أمره بالغلظة مع الكافرين، فهو كقوله: أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ [المائدة: 54]و قوله: أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29]و تحقيق القول فيه أن طرفي الإفراط و التفريط مذمومان، و الفضيلة في الوسط، فورود الأمر بالتغليظ تارة، و أخرى بالنهي عنه، إنما كان لأجل أن يتباعد عن الإفراط و التفريط، فيبقى على الوسط الذي هو الصراط المستقيم، فلهذا السر مدح اللّه الوسط فقال: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة: 143].

ثم قال تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ و اعلم أنه تعالى أمره في هذه الآية بثلاثة أشياء: أولها: بالعفو عنهم و فيه مسائل.

المسألة الأولى: أن كمال حال العبد ليس إلا في أن يتخلق بأخلاق اللّه تعالى،

قال عليه السلام: «تخلقوا بأخلاق اللّه»

ثم إنه تعالى لما عفا عنهم في الآية المتقدمة أمر الرسول أيضاً أن يعفو عنهم ليحصل للرسول عليه السلام فضيلة التخلق بأخلاق اللّه.

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : (فاعف عنهم) فيما يتعلق بحقك (و استغفر لهم) فيما يتعلق بحق اللّه تعالى.

المسألة الثالثة: ظاهر الأمر للوجوب، و الفاء في قوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ يدل على التعقيب، فهذا يدل على أنه تعالى أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال، و هذا يدل على كمال الرحمة الإلهية حيث عفا هو عنهم، ثم أوجب على رسوله أن يعفو في الحال عنهم.

و اعلم أن قوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ إيجاب للعفو على الرسول عليه السلام، و لما آل الأمر إلى الأمة لم يوجبه عليهم، بل ندبهم إليه فقال تعالى: وَ اَلْعََافِينَ عَنِ اَلنََّاسِ [آل عمران: 134]ليعلم أن حسنات الأبرار سيئات المقربين. و ثانيها: قوله تعالى: وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في هذه الآية دلالة قوية على أنه تعالى يعفو عن أصحاب الكبائر، و ذلك لأن الانهزام في وقت المحاربة كبيرة لقوله تعالى: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلى قوله: فَقَدْ بََاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللََّهِ [الأنفال:

16]فثبت أن انهزام أهل أحد كان من الكبائر، ثم إنه تعالى نص في الآية المتقدمة على أنه عفا عنهم و أمر رسوله صلى اللّه عليه و سلم في هذه الآية بالعفو عنهم، ثم أمره بالاستغفار لهم، و ذلك من أدل الدلائل على ما ذكرنا.

المسألة الثانية: قوله تعالى: وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أمر له بالاستغفار لأصحاب الكبائر، و إذا أمره بطلب المغفرة لا يجوز أن لا يجيبه إليه، لأن ذلك لا يليق بالكريم، فدلت هذه الآية على أنه تعالى يشفع محمداً صلى اللّه عليه و سلم في الدنيا في حق أصحاب الكبائر، فبأن يشفعه في حقهم في القيامة كان أولى.

المسألة الثالثة: أنه سبحانه و تعالى عفا عنهم أولا بقوله: وَ لَقَدْ عَفَا اَللََّهُ عَنْهُمْ [آل عمران: 155]ثم أمر

409

محمداً صلى اللّه عليه و سلم في هذه الآية بالاستغفار لهم و لأجلهم، كأنه قيل له: يا محمد استغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، و اعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، و هذا يدل على كمال رحمة اللّه لهذه الأمة، و ثالثها: قوله تعالى: وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: يقال: شاورهم مشاورة و شواراً و مشورة، و القوم شورى، و هي مصدر سمي القوم بها كقوله: وَ إِذْ هُمْ نَجْوى‏ََ [الإسراء: 47]قيل: المشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أشوره إذا أخذته من موضعه و استخرجته، و قيل مأخوذة من قولهم: شرت الدابة شوراً إذا عرضتها، و المكان الذي يعرض فيه الدواب يسمى مشواراً، كأنه بالعرض يعلم خيره و شره، فكذلك بالمشاورة يعلم خير الأمور و شرها.

المسألة الثانية: الفائدة في أنه تعالى أمر الرسول بمشاورتهم وجوه: الأول: أن مشاورة الرسول صلى اللّه عليه و سلم إياهم توجب علو شأنهم و رفعة درجتهم، و ذلك يقتضي شدة محبتهم له و خلوصهم في طاعته، و لو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة بهم فيحصل سوء الخلق و الفظاظة. الثاني: أنه عليه السلام و إن كان أكمل الناس عقلا إلا أن علوم الخلق متناهية، فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله، لا سيما فيما يفعل من أمور الدنيا

فإنه عليه السلام قال: «أنتم أعرف بأمور دنياكم و أنا أعرف بأمور دينكم»

و لهذا السبب‏

قال عليه السلام: «ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم»

الثالث: قال الحسن و سفيان بن عيينة إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة و يصير سنة في أمته. الرابع: أنه عليه السلام شاورهم في واقعة أحد فأشاروا عليه بالخروج، و كان ميله إلى أن يخرج، فلما خرج وقع ما وقع، فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب مشاورتهم بقية أثر. فأمره اللّه تعالى بعد تلك الواقعة بأن يشاورهم ليدل على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة. الخامس: و شاورهم في الأمر، لا لتستفيد منهم رأياً و علما، لكن لكي تعلم مقادير عقولهم و أفهامهم و مقادير حبهم لك و إخلاصهم في طاعتك فحينئذ يتميز عندك الفاضل من المفضول فبين لهم على قدر منازلهم. السادس: و شاورهم في الأمر لا لأنك محتاج إليهم، و لكن لأجل أنك إذا شاورتهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في تلك الواقعة، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها، و تطابق الأرواح الطاهرة على الشي‏ء الواحد مما يعين على حصوله، و هذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات. و هو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد. السابع: لما أمر اللّه محمدا عليه السلام بمشاورتهم ذل ذلك على أن لهم عند اللّه قدراً و قيمة، فهذا يفيد أن لهم قدرا عند اللّه و قدرا عند الرسول و قدرا عند الخلق. الثامن: الملك العظيم لا يشاور في المهمات العظيمة إلا خواصه و المقربين عنده، فهؤلاء لما أذنبوا عفا اللّه عنهم، فربما خطر ببالهم أن اللّه تعالى و إن عفا عنا بفضله إلا أنه ما بقيت لنا تلك الدرجة العظيمة، فبين اللّه تعالى أن تلك الدرجة ما انتقصت بعد التوبة، بل أنا أزيد فيها، و ذلك أن قبل هذه الواقعة ما أمرت رسولي بمشاورتكم، و بعد هذه الواقعة أمرته بمشاورتكم، لتعلموا أنكم الآن أعظم حالا مما كنتم قبل ذلك، و السبب فيه أنكم قبل هذه الواقعة كنتم تعولون على أعمالكم و طاعتكم، و الآن تعولون على فضلي و عفوي، فيجب أن تصير درجتكم و منزلتكم الآن أعظم مما كان قبل ذلك، لتعلموا أن عفوي أعظم من عملكم و كرمي أكثر من طاعتكم. و الوجوه الثلاثة الأول مذكورة، و البقية مما خطر ببالي عند هذا الموضع و اللّه أعلم بمراده و أسرار كتابه.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند اللّه لم يجز للرسول أن يشاور فيه الأمة، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي و القياس، فأما ما لا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء أم لا؟قال‏

410

الكلبي و كثير من العلماء: هذا الأمر مخصوص بالمشاورة في الحروب و حجته أن الألف و اللام في لفظ «الأمر» ليسا للاستغراق، لما بين أن الذي نزل فيه الوحي لا تجوز المشاورة فيه، فوجب حمل الألف و اللام هاهنا على المعهود السابق، و المعهود السابق في هذه الآية إنما هو ما يتعلق بالحرب و لقاء العدو، فكان قوله: وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ مختصا بذلك، ثم قال القائلون بهذا القول: قد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي صلى اللّه عليه و سلم بالنزول على الماء فقبل منه، فأشار عليه السعدان: سعد بن معاذ و سعد بن عبادة، يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا، فقبل منهما و خرق الصحيفة، و منهم من قال: اللفظ عام خص عنه ما نزل فيه وحي فتبقى حجته في الباقي، و التحقيق في القول أنه تعالى أمر أولي الأبصار بالاعتبار فقال: فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ [الحشر: 2]و كان عليه السلام سيد أولي الأبصار، و مدح المستنبطين فقال: لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83]و كان أكثر الناس عقلا و ذكاء، و هذا يدل على أنه كان مأمورا بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه الوحي، و الاجتهاد يتقوى بالمناظرة و المباحثة فلهذا كان مأمورا بالمشاورة. و قد شاورهم يوم بدر في الأسارى و كان من أمور الدين، و الدليل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس أن النص كان لعامة الملائكة في سجود آدم، ثم إن إبليس خص نفسه بالقياس و هو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* [الأعراف:

12]فصار ملعونا، فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا لما استحق اللعن بهذا السبب.

المسألة الرابعة: ظاهر الأمر للوجوب فقوله: وَ شََاوِرْهُمْ يقتضي الوجوب، و حمل الشافعي رحمه اللّه ذلك على الندب فقال هذا

كقوله عليه الصلاة و السلام: «البكر تستأمر في نفسها»

و لو أكرهها الأب على النكاح جاز، لكن الأولى ذلك تطييبا لنفسها فكذا هاهنا.

المسألة الخامسة: روى الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال: الذي أمر النبي صلى اللّه عليه و سلم بمشاورته في هذه الآية أبو بكر و عمر رضي اللّه عنهما، و عندي فيه إشكال، لأن الذين أمر اللّه رسوله بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أمره بأن يعفو عنهم و يستغفر لهم و هم المنهزمون، فهب أن عمر كان من المنهزمين فدخل تحت الآية، إلا أن أبا بكر ما كان منهم فكيف يدخل تحت هذه الآية و اللّه أعلم.

ثم قال: فَإِذََا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: المعنى أنه إذا حصل الرأي المتأكد بالمشورة فلا يجب أن يقع الاعتماد عليه/بل يجب أن يكون الاعتماد على إعانة اللّه و تسديده و عصمته، و المقصود أن لا يكون للعبد اعتماد على شي‏ء إلا على اللّه في جميع الأمور.

المسألة الثانية: دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه، كما يقوله بعض الجهال، و إلا لكان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، بل التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة، و لكن لا يعول بقلبه عليها، بل يعول على عصمة الحق.

المسألة الثالثة: حكي عن جابر بن زيد أنه قرأ فَإِذََا عَزَمْتَ بضم التاء، كأن اللّه تعالى قال للرسول إذا عزمت أنا فتوكل، و هذا ضعيف من وجهين: الأول: وصف اللّه بالعزم غير جائز، و يمكن أن يقال: هذا العزم بمعنى الإيجاب و الإلزام، و المعنى و شاورهم في الأمر، فإذا عزمت لك على شي‏ء و أرشدتك إليه. فتوكل علي، و لا تشاور بعد ذلك أحدا. و الثاني: أن القراءة التي لم يقرأ بها أحد من الصحابة لا يجوز إلحاقها بالقرآن و اللّه أعلم.

411

ثم قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ و الغرض منه ترغيب المكلفين في الرجوع الى اللّه تعالى و الإعراض عن كل ما سوى اللّه.

في قوله تعالى إِنْ يَنْصُرْكُمُ اَللََّهُ فَلاََ غََالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا اَلَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ قال ابن عباس: إن ينصركم اللّه كما نصركم يوم بدر فلا يغلبكم أحد، و إن يخذلكم كما خذلكم يوم أحد لم ينصركم أحد. و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قيل المقصود من الآية الترغيب في الطاعة، و التحذير عن المعصية، و ذلك لأنه تعالى بين فيما تقدم أن من اتقى معاصي اللّه تعالى نصره اللّه، و هو قوله: بَلى‏ََ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هََذََا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاََفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ [آل عمران: 125]ثم بين في هذه الآية أن من نصره اللّه فلا غالب له، فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين، أن من اتقى اللّه فقد فاز بسعادة الدنيا و الآخرة فإنه يفوز بسعادة لا شقاوة معها و بعز لا ذل معه، و يصير غالبا لا يغلبه أحد، و أما من أتى بالمعصية فإن اللّه يخذله، و من خذله اللّه فقد وقع في شقاوة لا سعادة معها، و ذل لا عز معه.

المسألة الثانية: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الإيمان لا يحصل إلا بإعانة اللّه، و الكفر لا يحصل إلا بخذلانه، و الوجه فيه ظاهر لأنها دالة على أن الأمر كله للّه.

المسألة الثالثة: قرأ عبيد بن عمير وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ من أخذله إذا جعله مخذولا.

المسألة الرابعة: قوله: مِنْ بَعْدِهِ فيه وجهان: الأول: يعني من بعد خذلانه، و الثاني: أنه مثل قولك:

ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان.

ثم قال: وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ يعني لما ثبت أن الأمر كله بيد اللّه، و أنه لا راد لقضائه و لا دافع لحكمه، وجب أن لا يتوكل المؤمن إلا عليه، و قوله: وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ يفيد الحصر، أي على اللّه فليتوكل المؤمنون لا على غيره.

في قوله تعالى وَ مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ اعلم أنه تعالى لما بالغ في الحث على الجهاد أتبعه بذكر أحكام الجهاد. و من جملتها المنع من الغلول، فذكر هذه الآية في هذا المعنى و فيها مسائل:

المسألة الأولى: الغلول هو الخيانة، و أصله أخذ الشي‏ء في الخفية، يقال أغل الجازر و السالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم على طريق الخيانة، و الغل الحقد الكامن في الصدر. و الغلالة الثوب الذي يلبس تحت الثياب، و الغلل الماء الذي يجري في أصول الشجرة لأنه مستتر بالأشجار و تغلل الشي‏ء إذا تخلل و خفي، و

قال عليه الصلاة و السلام: «من بعثناه على عمل فغل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه» و قال: «هدايا الولاة غلول» و قال: «ليس على المستعير غير المغل ضمان» و قال: «لا إغلال و لا إسلال»

و أيضا يقال: أغله إذا وجده غالا، كقولك: أبخلته و أفحمته. أي وجدته كذلك.

412

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير و عاصم و أبو عمرو (يغل) بفتح الياء و ضم الغين، أي ما كان للنبي أن يخون، و قرأ الباقون من السبعة «يغل» بضم الياء و فتح الغين، أي ما كان للنبي أن يخان.

و اختلفوا في أسباب النزول، فبعضها يوافق القراءة الأولى. و بعضها يوافق القراءة الثانية.

أما النوع الأول: ففيه روايات: الأولى:

أنه عليه الصلاة و السلام غنم في بعض الغزوات و جمع الغنائم، و تأخرت القسمة لبعض الموانع، فجاء قوم و قالوا: أ لا تقسم غنائمنا؟فقال عليه الصلاة و السلام: «لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عنكم منه درهما أ تحسبون أني أغلكم مغنمكم» فأنزل اللّه هذه الآية.

الثاني: أن هذه الآية نزلت في أداء الوحي، كان عليه الصلاة و السلام يقرأ القرآن و فيه عيب دينهم و سب آلهتهم، فسألوه أن يترك ذلك فنزلت هذه الآية. الثالث: روى عكرمة و سعيد بن جبير: أن الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الجهال لعل النبي صلى اللّه عليه و سلم أخذها فنزلت هذه الآية. الرابع: روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما من طريق آخر أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي عليه الصلاة و السلام من الغنائم بشي‏ء زائد فنزلت هذه الآية. الخامس:

روي أنه عليه الصلاة و السلام بعث طلائع فغنموا غنائم فقسمها و لم يقسم للطلائع فنزلت هذه الآية.

السادس:

قال الكلبي و مقاتل: نزلت هذه الآية حين ترك الرماة المركز يوم أحد طلبا للغنيمة و قالوا:

نخشى أن يقول النبي صلى اللّه عليه و سلم: من أخذ شيئا فهو له و أن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر، فقال عليه الصلاة و السلام: «ظننتم أنا نغل فلا نقسم لكم» فنزلت هذه الآية.

و اعلم أن على الرواية الأولى المراد من الآية النهي عن أن يكتم الرسول شيئا من الغنيمة عن أصحابه لنفسه، و على الروايات الثلاثة يكون المقصود نهيه عن الغلول، بأن يعطي للبعض دون البعض.

و أما ما يوافق القراءة الثانية: فروي أن النبي صلى اللّه عليه و سلم لما وقعت غنائم هوازن في يده يوم حنين، غل رجل بمخيط فنزلت هذه الآية. و اعلم أن النبي صلى اللّه عليه و سلم عظم أمر الغلول و جعله من الكبائر،

عن ثوبان عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «من فارق روحه جسده و هو برى‏ء من ثلاث دخل الجنة الكبر و الغلول و الدين»

و

عن عبد اللّه بن عمرو: أن رجلا كان على ثقل النبي صلى اللّه عليه و سلم، يقال له: كركرة فمات، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: هو في النار، فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء و عباءة قد غلهما،

و

قال عليه الصلاة و السلام: «أدوا الخيط و المخيط فانه عار و نار و شنار يوم القيامة»

و

روى رويفع بن ثابت الأنصاري عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «لا يحل لأحد يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يركب دابة من في‏ء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها و لا يحل لامرئ يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يلبس ثوبا حتى إذا أخلقه رده»

و

روي أنه صلى اللّه عليه و سلم جعل سلمان على الغنيمة فجاءه رجل و قال يا سلمان/كان في ثوبي خرق فأخذت خيطا من هذا المتاع فخطته به، فهل علي جناح؟فقال سلمان: كل شي‏ء بقدره فسل الرجل الخيط من ثوبه ثم ألقاه في المتاع،

و

روي أن رجلا جاء النبي صلى اللّه عليه و سلم بشراك أو شراكين من المغنم، فقال أصبت هذا يوم خيبر، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم «شراك أو شراكان من نار» و رمي رجل بسهم في خيبر، فقال القوم لما مات: هنيئا له الشهادة فقال عليه الصلاة و السلام: «كلا و الذي نفس محمد بيده إن الشملة التي أخذها من الغنائم قبل قسمتها لتلتهب عليه نارا»

و اعلم أنه يستثنى عن هذا النهي حالتان.

الحالة الأولى: أخذ الطعام و أخذ علف الدابة بقدر الحاجة، قال عبد اللّه بن أبي أوفى: أصبنا طعاما يوم حنين، فكان الرجل يأتي فيأخذ منه قدر الكفاية ثم ينصرف، و عن سلمان أنه أصاب يوم المدائن أرغفة وجبنا و سكينا، فجعل يقطع من الجبن و يقول: كلوا على اسم اللّه.