التفسير الكبير - ج10

- الفخر الرازي‏ المزيد...
185 /
5

الجزء العاشر

تتمة سورة النساء

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا تابا و أصلحا زال الأذى عنهما، و أخبر على الإطلاق أيضا أنه تواب رحيم، ذكر وقت التوبة و شرطها، و رغبهم في تعجيلها لئلا يأتيهم الموت و هم مصرون فلا تنفعهم التوبة، في قوله تعالى إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أما حقيقة التوبة فقد ذكرناها في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: فَتََابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ البقرة: 54]و احتج القاضي على أنه يجب على اللََّه عقلا قبول التوبة بهذه الآية من وجهين:

الأول: ان كلمة «على» للوجوب فقوله: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ لِلَّذِينَ يدل على أنه يجب على اللََّه عقلا قبولها.

الثاني: لو حملنا قوله: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ على مجرد القبول لم يبق بينه و بين قوله: فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ فرق لأن هذا أيضا إخبار عن الوقوع، أما إذا حملنا ذلك على وجوب القبول و هذا على الوقوع يظهر الفرق بين الآيتين و لا يلزم التكرار.

و اعلم أن القول بالوجوب على اللََّه باطل، و يدل عليه وجوه: الأول: أن لازمة الوجوب استحقاق الذم عند الترك، فهذه اللازمة اما أن تكون ممتنعة الثبوت في حق اللََّه تعالى، أو غير ممتنعة في حقه، و الأول باطل، لأن ترك ذلك الواجب لما كان مستلزما لهذا الذم، و هذا الذم محال الثبوت في حق اللََّه تعالى، وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حق اللََّه، و إذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلا كان الفعل واجب الثبوت، فحينئذ يكون اللََّه تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار/و ذلك باطل، و أما إن كان استحقاق الذم غير ممتنع الحصول في حق اللََّه تعالى، فكل ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال، فيلزم جواز أن يكون الإله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق الذم و ذلك محال لا يقوله عاقل، و لما بطل هذان القسمان ثبت أن القول بالوجوب على اللََّه تعالى باطل.

الحجة الثانية: أن قادرية العبد بالنسبة إلى فعل التوبة و تركها إما أن يكون على السوية، أو لا يكون على السوية، فإن كان على السوية لم يترجح فعل التوبة على تركها إلا لمرجح، ثم ذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصانع، و إن حدث عن العبد عاد التقسيم و إن حدث عن اللََّه فحينئذ العبد إنما أقدم على التوبة بمعونة اللََّه و تقويته، فتكون تلك التوبة إنعاما من اللََّه تعالى على عبده، و إنعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن ينعم عليه مرة أخرى، فثبت أن صدور التوبة عن العبد لا يوجب على اللََّه القبول، و أما إن كانت قادرية العبد لا تصلح للترك و الفعل فحينئذ يكون الجبر ألزم، و إذا كان كذلك كان القول بالوجوب أظهر بطلانا و فسادا.

6

الحجة الثالثة: التوبة عبارة عن الندم على ما مضى و العزم على الترك في المستقبل، و الندم و العزم من باب الكراهات و الإرادات، و الكراهة و الإرادة لا يحصلان باختيار العبد، و إلا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى و لزم التسلسل، و إذا كان كذلك كان حصول هذا الندم و هذا العزم بمحض تخليق اللََّه تعالى، و فعل اللََّه لا يوجب على اللََّه فعلا آخر، فثبت أن القول بالوجوب باطل.

الحجة الرابعة: أن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على اللََّه لصار فعل العبد مؤثرا في ذات اللََّه و في صفاته، و ذلك لا يقوله عاقل.

فأما الجواب عما احتجوا به فهو أنه تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين، فإذا وعد اللََّه بشي‏ء و كان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب، فبهذا التأويل صح اطلاق كلمة «على» و بهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ و بين قوله: فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ .

إن قيل: فلما أخبر عن قبول التوبة و كل ما أخبر اللََّه عن وقوعه كان واجب الوقوع، فيلزمكم أن لا يكون فاعلا مختارا.

قلنا: الاخبار عن الوقوع تبع للوقوع، و الوقوع تبع للإيقاع، و التبع لا يغير الأصل، فكان فاعلا مختارا في ذلك الإيقاع. أما أنتم تقولون بأن وقوع التوبة من حيث أنها هي تؤثر في وجوب القبول على اللََّه تعالى، و ذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق.

المسألة الثانية: أنه تعالى شرط قبول هذه التوبة بشرطين: أحدهما قوله: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ/اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ و فيه سؤالان: أحدهما: أن من عمل ذنبا و لم يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابا، لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة، فعلى هذا: الذين يعملون السوء بجهالة فلا حاجة بهم إلى التوبة، و السؤال الثاني: أن كلمة «إنما» للحصر، فظاهر هذه الآية يقتضي أن من أقدم على السوء مع العلم بكونه سوأ أن لا تكون توبته مقبولة، و ذلك بالإجماع باطل.

و الجواب عن السؤال الأول: أن اليهودي اختار اليهودية و هو لا يعلم كونها ذنبا مع أنه يستحق العقاب عليها.

و الجواب عن السؤال الثاني: أن من أتى بالمعصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله أخف ممن أتى بها مع العلم بكونها معصية، و إذا كان كذلك لا جرم خص القسم الأول بوجوب قبول التوبة وجوبا على سبيل الوعد و الكرم، و أما القسم الثاني فلما كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التأكيد في قبول التوبة، فتكون هذه الآية دالة من هذا الوجه على أن قبول التوبة غير واجب على اللََّه تعالى.

و إذا عرفت الجواب عن هذين السؤالين فلنذكر الوجوه التي ذكرها المفسرون في تفسير الجهالة.

الأول: قال المفسرون: كل من عصى اللََّه سمي جاهلا و سمي فعله جهالة، قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ [يوسف: 33]و قال حكاية عن يوسف عليه السلام أنه قال لإخوته: هَلْ عَلِمْتُمْ مََا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جََاهِلُونَ [يوسف: 89]و قال تعالى: يََا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ فَلاََ تَسْئَلْنِ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ [هود: 46]

7

و قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قََالُوا أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً قََالَ أَعُوذُ بِاللََّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ [البقرة: 67]و قد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل: يا جاهل لم فعلت كذا و كذا، و السبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب و العقاب لما أقدم على المعصية، فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له، فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلا، و على هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها الإنسان مع العلم بكونها معصية أو مع الجهل بذلك.

و الوجه الثاني: في تفسير الجهالة: أن يأتي الإنسان بالمعصية مع العلم بكونها معصية إلا أن يكون جاهلا بقدر عقابه، و قد علمنا أن الإنسان إذا أقدم على ما لا ينبغي مع العلم بأنه مما لا ينبغي إلا أنه لا يعلم مقدار ما يحصل في عاقبته من الآفات، فانه يصح أن يقال على سبيل المجاز: انه جاهل بفعله.

و الوجه الثالث: أن يكون المراد منه أن يأتي الإنسان بالمعصية مع أنه لا يعلم كونه معصية لكن بشرط أن يكون متمكنا من العلم بكونه معصية، فانه على هذا التقدير يستحق العقاب، و لهذا/المعنى أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب، و إن كان لا يعلم كون اليهودية معصية، إلا أنه لما كان متمكنا من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنبا و معصية، كفى ذلك في ثبوت استحقاق العقاب، و يخرج عما ذكرنا النائم و الساهي، فانه أتى بالقبيح و لكنه ما كان متمكنا من العلم بكونه قبيحا، و هذا القول راجح على غيره من حيث أن لفظ الجهالة في الوجهين الأولين محمول على المجاز، و في هذا الوجه على الحقيقة، إلا أن على هذا الوجه لا يدخل تحت الآية إلا من عمل القبيح و هو لا يعلم قبحه، أما المتعمد فانه لا يكون داخلا تحت الآية، و إنما يعرف حاله بطريق القياس و هو أنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة، فلأن تكون واجبة على العامد كان ذلك أولى، فهذا هو الكلام في الشرط الأول من شرائط التوبة، و أما الشرط الثاني فهو قوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ و قد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب حضور زمان الموت و معاينة أهواله، و إنما سمى تعالى هذه المدة قريبة لوجوه: أحدها: أن الأجل آت و كل ما هو آت قريب. و ثانيها: للتنبيه على أن مدة عمر الإنسان و إن طالت فهي قليلة قريبة فإنها محفوفة بطرفي الأزل و الأبد، فإذا قسمت مدة عمرك إلى ما على طرفيها صار كالعدم. و ثالثها: أن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، و ما هذا حاله فانه يوصف بالقرب.

فإن قيل: ما معنى «من» في قوله: مِنْ قَرِيبٍ .

الجواب: أنه لابتداء الغاية، أي يجعل مبتدأ توبته زمانا قريبا من المعصية لئلا يقع في زمرة المصرين، فأما من تاب بعد المعصية بزمان بعيد و قبل الموت بزمان بعيد فانه يكون خارجا عن المخصوصين بكرامة حتم قبول التوبة على اللََّه بقوله: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ و بقوله: فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ و من لم تقع توبته على هذا الوجه فانه يكفيه أن يكون من جملة الموعودين بكلمة «عسى» في قوله: عَسَى اَللََّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة:

102]و لا شك أن بين الدرجتين من التفاوت ما لا يخفى. و قيل: معناه التبعيض، أي يتوبون بعض زمان قريب، كأنه تعالى سمى ما بين وجود المعصية و بين حضور الموت زمانا قريبا، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة فهو تائب من قريب، و إلا فهو تائب من بعيد.

و اعلم أنه تعالى لما ذكر هذين الشرطين قال: فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ .

8

فان قيل: فما فائدة قوله: فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ بعد قوله: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ .

قلنا: فيه وجهان: الأول: أن قوله: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ إعلام بأنه يجب على اللََّه قبولها، وجوب الكرم و الفضل و الإحسان، لا وجوب الاستحقاق، و قوله: فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ /إخبار بأنه سيفعل ذلك.

و الثاني: أن قوله: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ يعني إنما الهداية إلى التوبة و الإرشاد إليها و الإعانة عليها على اللََّه تعالى في حق من أتى بالذنب على سبيل الجهالة ثم تاب عنها عن قريب و ترك الإصرار عليها و أتى بالاستغفار عنها. ثم قال: فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ يعني أن العبد الذي هذا شأنه إذا أتى بالتوبة قبلها اللََّه منه، فالمراد بالأول التوفيق على التوبة، و بالثاني قبول التوبة.

ثم قال: وَ كََانَ اَللََّهُ عَلِيماً حَكِيماً أي و كان اللََّه عليما بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة و الغضب و الجهالة عليه، حكيما بأن العبد لما كان من صفته ذلك، ثم إنه تاب عنها من قريب فإنه يجب في الكرم قبول توبته.

اعلم أنه تعالى لما ذكر شرائط التوبة المقبولة أردفها بشرح التوبة التي لا تكون مقبولة، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: الآية دالة على أن من حضره الموت و شاهد أهواله فان توبته غير مقبولة، و هذه المسألة مشتملة على بحثين:

البحث الأول: الذي يدل على أن توبة من وصفنا حاله غير مقبولة وجوه: الأول: هذه الآية و هي صريحة في المطلوب، الثاني: قوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمََانُهُمْ لَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا [غافر: 85]الثالث: قال في صفة فرعون: حَتََّى إِذََا أَدْرَكَهُ اَلْغَرَقُ قََالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرََائِيلَ وَ أَنَا مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ‏`آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ [يونس: 90، 91]فلم يقبل اللََّه توبته عند مشاهدة العذاب، و لو أنه أتى بذلك الايمان قبل تلك الساعة بلحظة لكان مقبولا، الرابع: قوله تعالى: حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قََالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ*`لَعَلِّي أَعْمَلُ صََالِحاً فِيمََا تَرَكْتُ كَلاََّ إِنَّهََا كَلِمَةٌ هُوَ قََائِلُهََا [المؤمنون: 99، 100]الخامس: قوله تعالى: وَ أَنْفِقُوا مِنْ مََا رَزَقْنََاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لاََ أَخَّرْتَنِي إِلى‏ََ/أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ مِنَ اَلصََّالِحِينَ‏`وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اَللََّهُ نَفْساً إِذََا جََاءَ أَجَلُهََا [المنافقون: 10، 11]فأخبر تعالى في هذه الآيات أن التوبة لا تقبل عند حضور الموت. السادس:

روى أبو أيوب عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم أن اللََّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر،

أي ما لم تتردد الروح في حلقه، و عن عطاء: و لو قبل موته بفواق الناقة. و عن الحسن: أن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض: و عزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده، فقال: و عزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر.

و اعلم أن قوله: حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ [النساء: 18]أي علامات نزول الموت و قربه، و هو كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذََا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ [البقرة: 180].

9

البحث الثاني: قال المحققون: قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة، بل المانع من قبول التوبة مشاهدة الأحوال التي عندها يحصل العلم باللََّه تعالى على سبيل الاضطرار، و إنما قلنا إن نفس القرب من الموت لا يمنع من قبول التوبة لوجوه: الأول: أن جماعة أماتهم اللََّه تعالى ثم أحياهم مثل قوم من بنى إسرائيل، و مثل أولاد أيوب عليه السلام، ثم إنه تعالى كلفهم بعد ذلك الأحياء، فدل هذا على أن مشاهدة الموت لا تخل بالتكليف.

الثاني: أن الشدائد التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشدائد الحاصلة عند القولنج، و مثل الشدائد التي تلقاها المرأة عند الطلق أو أزيد منها، فإذا لم تكن هذه الشدائد مانعة من بقاء التكليف فكذا القول في تلك الشدائد. الثالث: أن عند القرب من الموت إذا عظمت الآلام صار اضطرار العبد أشد و هو تعالى يقول: أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذََا دَعََاهُ [النمل: 62]فتزايد الآلام في ذلك الوقت بأن يكون سببا لقبول التوبة أولى من أين يكون سببا لعدم قبول التوبة، فثبت بهذه الوجوه أن نفس القرب من الموت و نفس تزايد الآلام و المشاق، لا يجوز أن يكون مانعا من قبول التوبة، و نقول: المانع من قبول التوبة أن الإنسان عند القرب من الموت إذا شاهد أحوالا و أهوالا صارت معرفته باللََّه ضرورية عند مشاهدته تلك الأهوال، و متى صارت معرفته باللََّه ضرورية سقط التكليف عنه، ألا ترى أن أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضرورية سقط التكليف عنهم و إن لم يكن هناك موت و لا عقاب، لأن توبتهم عند الحشر و الحساب و قبل دخول النار، لا تكون مقبولة.

و اعلم أن هاهنا بحثا عميقا أصوليا، و ذلك لأن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتا، و يشاهدون أيضا النار العظيمة و أصناف الأهوال، و كل ذلك لا يوجب أن يصير العلم باللََّه ضروريا، لأن العلم بأن حصول الحياة بعد أن كانت معدومة يحتاج إلى الفاعل علم نظري عند أكثر شيوخ المعتزلة، و بتقدير أن يقال: هذا العلم ضروري لكن العلم بأن الأحياء لا يصح من غير اللََّه لا شك أنه نظري، و أما العلم بأن فاعل تلك النيران العظيمة ليس إلا اللََّه، فهذا/أيضا استدلالي، فكيف يمكن ادعاء أن أهل الآخرة لأجل مشاهدة أهوالها يعرفون اللََّه بالضرورة ثم هب أن الأمر كذلك، فلم قلتم بأن العلم باللََّه إذا كان ضروريا منع من صحة التكليف. و ذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم، و أنه لا ينفعه طاعة العبد و لا يضره ذنبه، و إذا كان الأمر كذلك، فلم قالوا: بأن هذا يوجب زوال التكليف و أيضا: فهذا الذي يقوله هؤلاء المعتزلة من أن العلم باللََّه في دار التكليف يجب أن يكون نظريا، فإذا صار ضروريا سقط التكليف: كلام ضعيف، لأن من حصل في قلبه العلم باللََّه إن كان تجويز نقيضه قائما في قلبه، فهذا يكون ظنا لا علما، و إن لم يكن تجويز نقيضه قائما، امتنع أن يكون علم آخر أقوى منه و آكد منه، و على هذا التقدير لا يبقى ألبتة فرق بين العلم الضروري و بين العلم النظري فثبت أن هذه الأشياء التي تذكرها المعتزلة كلمات ضعيفة واهية، و أنه تعالى يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، فهو بفضله وعد بقبول التوبة في بعض الأوقات، و بعد له أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، و له أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردودا، و المردود مقبولا لاََ يُسْئَلُ عَمََّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: 23].

المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر قسمين، فقال في القسم الأول: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ [النساء: 17]و هذا مشعر بأن قبول توبتهم واجب، و قال في القسم الثاني: وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ فهذا جزم بأنه تعالى لا يقبل توبة هؤلاء فبقي بحكم التقسيم العقلي فيما بين هذين القسمين‏

10

قسم ثالث: و هم الذين لم يجزم اللََّه تعالى بقبول توبتهم، و لم يجزم برد توبتهم. فلما كان القسم الأول: هم الذين يعملون السوء بجهالة، و القسم الثاني: هم الذين لا يتوبون إلا عند مشاهدة البأس، وجب أن يكون القسم المتوسط بين هذين القسمين: هم الذين يعملون السوء على سبيل العمد، ثم يتوبون، فهؤلاء ما أخبر اللََّه عنهم أنه يقبل توبتهم، و ما أخبر عنهم أنه يرد توبتهم، بل تركهم في المشيئة، كما أنه تعالى ترك مغفرتهم في المشيئة حيث قال: وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* .

المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بين أن من تاب عند حضور علامات الموت و مقدماته لا تقبل توبته قال:

وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ و فيه وجهان: الأول: معناه الذين قرب موتهم، و المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الايمان لا يقبل عند القرب من الموت. الثاني: المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم.

المسألة الرابعة: تعلقت الوعيدية بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجهين: الأول: قالوا إنه تعالى قال:

وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قََالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ/وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفََّارٌ فعطف الذين يعملون السيئات على الذين يموتون و هم كفار، و المعطوف مغاير للمعطوف عليه، فثبت أن الطائفة الأولى ليسوا من الكفار، ثم إنه تعالى قال في حق الكل: أُولََئِكَ أَعْتَدْنََا لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً فهذا يقتضي شمول هذا الوعيد للكفار و الفساق. الثاني: أنه تعالى أخبر أنه لا توبة لهم عند المعاينة، فلو كان يغفر لهم مع ترك التوبة لم يكن لهذا الأعلام معنى.

و الجواب: أنا قد جمعنا جملة العمومات الوعيدية في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: بَلى‏ََ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحََاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ [البقرة: 81]و أجبنا عن تمسكهم بها و ذكرنا وجوها كثيرة من الأجوبة، و لا حاجة إلى إعادتها في كل واحد من هذه العمومات، ثم نقول الضمير يجب أن يعود إلى أقرب المذكورات، و أقرب المذكورات من قوله: أُولََئِكَ أَعْتَدْنََا لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً هو قوله: وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفََّارٌ فلم لا يجوز أن يكون قوله: أَعْتَدْنََا لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً عائدا إلى الكفار فقط، و تحقيق الكلام فيه أنه تعالى أخبر عن الذين لا يتوبون إلا عند الموت أن توبتهم غير مقبولة، ثم ذكر الكافرين بعد ذلك، فبين أن إيمانهم عند الموت غير مقبول، و لا شك أن الكافر أقبح فعلا و أخس درجة عند اللََّه من الفاسق، فلا بد و أن يخصه بمزيد إذلال و إهانة فجاز أن يكون قوله: أُولََئِكَ أَعْتَدْنََا لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً مختصا بالكافرين، بيانا لكونهم مختصين بسبب كفرهم بمزيد العقوبة و الإذلال.

أما الوجه الثاني: مما عولوا عليه: فهو أنه أخبر أنه لا توبة عند المعاينة، و إذا كان لا توبة حصل هناك تجويز العقاب و تجويز المغفرة، و هذا لا يخلو عن نوع تخويف و هو كقوله: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* [النساء: 48]على أن هذا تمسك بدليل الخطاب، و المعتزلة لا يقولون به و اللََّه أعلم.

المسألة الخامسة: أنه تعالى عطف على الذين يتوبون عند مشاهدة الموت، الكفار، و المعطوف مغاير للمعطوف عليه، فهذا يقتضي أن الفاسق من أهل الصلاة ليس بكافر، و يبطل به قول الخوارج: إن الفاسق كافر، و لا يمكن أن يقال: المراد منه المنافق لأن الصحيح أن المنافق كافر، قال تعالى: وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ [المنافقون: 1]و اللََّه أعلم. ـ

11

المسألة السادسة: أعتدنا: أي أعددنا و هيأنا، و نظيره قوله تعالى في صفة نار جهنم: أُعِدَّتْ لِلْكََافِرِينَ* [البقرة: 24]، احتج أصحابنا بهذه الآية على أن النار مخلوقة لأن العذاب الأليم ليس إلا نار جهنم و برده، و قوله: أَعْتَدْنََا إخبار عن الماضي، فهذا يدل على كون النار مخلوقة من هذا الوجه و اللََّه أعلم.

اعلم أنه تعالى بعد وصف التوبة عاد إلى أحكام النساء، و اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يؤذون النساء بأنواع كثيرة من الإيذاء، و يظلمونهن بضروب من الظلم، فاللََّه تعالى نهاهم عنها في هذه الآيات.

فالنوع الأول: قوله تعالى: لاََ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّسََاءَ كَرْهاً و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: كان الرجل في الجاهلية إذا مات و كانت له زوجة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه على المرأة و قال: ورثت امرأته كما ورثت ماله، فصار أحق بها من سائر الناس و من نفسها، فان شاء تزوجها بغير صداق، إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، و إن شاء زوجها من إنسان آخر و أخذ صداقها و لم يعطها منه شيئا، فأنزل اللََّه تعالى هذه الآية، و بين أن ذلك حرام و أن الرجل لا يرث امرأة الميت منه، فعلى هذا القول المراد بقوله: أَنْ تَرِثُوا اَلنِّسََاءَ عين النساء، و أنهن لا يورثن من الميت.

و القول الثاني: ان الوراثة تعود إلى المال، و ذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها من الأزواج حتى تموت فيرثها مالها، فقال تعالى: لا يحل لكم أن ترثوا أموالهن و هن كارهات.

المسألة الثانية: قرأ حمزة و الكسائي كرها بضم الكاف، و في التوبة أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [التوبة:

53]و في الأحقاف‏ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً [الأحقاف: 15]كل ذلك بالضم، و قرأ عاصم و ابن عامر في الأحقاف بالضم، و الباقي بالفتح، و قرأ نافع و ابن كثير و أبو عمرو بالفتح في جميع ذلك، قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، و قال الفراء: الكره بالفتح الإكراه، و بالضم المشقة، فما أكره/عليه فهو كره بالفتح، و ما كان من قبل نفسه فهو كره بالضم.

النوع الثاني: من الأشياء التي نهى اللََّه عنها مما يتعلق بالنساء قوله تعالى: وَ لاََ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مََا آتَيْتُمُوهُنَّ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في محل وَ لاََ تَعْضُلُوهُنَّ قولان: الأول: انه نصب بالعطف على حرف «أن» تقديره:

و لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها و لا أن تعضلوهن في قراءة عبد اللََّه، و الثاني: أنه جزم بالنهي عطفا على ما تقدم تقديره، و لا ترثوا و لا تعضلوا.

المسألة الثانية: العضل: المنع، و منه الداء العضال، و قد تقدم الاستقصاء فيه في قوله: فَلاََ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوََاجَهُنَّ [البقرة: 232].

المسألة الثالثة: المخاطب في قوله: وَ لاََ تَعْضُلُوهُنَّ من هو؟ فيه أقوال: الأول: أن الرجل منهم قد

12

كان يكره زوجته و يريد مفارقتها، فكان يسي‏ء العشرة معها و يضيق عليها حتى تفتدي منه نفسها بمهرها، و هذا القول اختيار أكثر المفسرين، فكأنه تعالى قال: لا يحل لكم التزوج بهن بالإكراه، و كذلك لا يحل لكم بعد التزوج بهن العضل و الحبس لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. الثاني: أنه خطاب للوارث بأن يترك منعها من التزوج بمن شاءت و أرادت، كما كان يفعله أهل الجاهلية و قوله: لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مََا آتَيْتُمُوهُنَّ معناه أنهم كانوا يحبسون امرأة الميت و غرضهم أن تبذل المرأة ما أخذت من ميراث الميت، الثالث: أنه خطاب للأولياء و نهي لهم عن عضل المرأة، الرابع: أنه خطاب للأزواج. فإنهم في الجاهلية كانوا يطلقون المرأة و كانوا يعضلونهن عن التزوج و يضيقون الأمر عليهن لغرض أن يأخذوا منهن شيئا، الخامس: أنه عام في الكل.

أما قوله تعالى: إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: في الفاحشة المبينة قولان: الأول: أنها النشوز و شكاسة الخلق و إيذاء الزوج و أهله، و المعنى إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع، و يدل عليه قراءة أبي بن كعب: إلا أن يفحش عليكم.

و القول الثاني: أنها الزنا، و هو قول الحسن و أبي قلابة و السدي.

المسألة الثانية: قوله: إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ استثناء من ماذا؟ فيه وجوه: الأول: انه استثناء من أخذ الأموال، يعني لا يحل له أن يحبسها ضرارا حتى تفتدي منه إلا إذا زنت، و القائلون بهذا منهم من قال: بقي هذا الحكم و ما نسخ، و منهم من قال: انه منسوخ بآية الجلد. الثاني: أنه استثناء من الحبس و الإمساك الذي تقدم ذكره في قوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ [النساء: 15]و هو قول أبي مسلم/و زعم أنه غير منسوخ. الثالث: يمكن أن يكون ذلك استثناء من قوله: وَ لاََ تَعْضُلُوهُنَّ لأن العضل هو الحبس فدخل فيه الحبس في البيت، فالأولياء و الأزواج نهوا عن حبسهن في البيوت إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فعند ذلك يحل للأولياء و الأزواج حبسهن في البيوت.

المسألة الثالثة: قرأ نافع و أبو عمرو مُبَيِّنَةٍ بكسر الياء و آيات مبينات [النور: 34]بفتح الياء حيث كان، قال لأن في قوله: مبينات قصد إظهارها، و في قوله: بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ لم يقصد إظهارها، و قرأ ابن كثير و أبو بكر عن عاصم بالفتح فيهما، و الباقون بكسر الياء فيهما، أما من قرأ بالفتح فله وجهان: الأول: أن الفاحشة و الآيات لا فعل لهما في الحقيقة، إنما اللََّه تعالى هو الذي بينهما. و الثاني: ان الفاحشة تتبين، فان يشهد عليها أربعة صارت مبينة، و أما الآيات فان اللََّه تعالى بينها، و أما من قرأ بالكسر فوجهه أن الآيات إذا تبينت و ظهرت صارت أسبابا للبيان و إذا صارت أسبابا للبيان جاز إسناد البيان إليها، كما أن الأصنام لما كانت أسبابا للضلال حسن إسناد الإضلال إليها كقوله تعالى: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ [إبراهيم: 36].

النوع الثالث: من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء قوله تعالى: وَ عََاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ و كان القوم يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم: و عاشروهن بالمعروف، قال الزجاج: هو النصفة في المبيت و النفقة، و الإجمال في القول.

ثم قال تعالى: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ أي كرهتم عشرتهن بالمعروف و صحبتهن، و آثرتم فراقهن فَعَسى‏ََ أَنْ‏

13

تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللََّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً و الضمير في قوله فِيهِ إلى ماذا يعود؟فيه وجهان: الأول: المعنى أنكم إن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف فعسى أن يكون في صحبتهن الخير الكثير و من قال بهذا القول فتارة فسر الخير الكثير بولد يحصل فتنقلب الكراهة محبة، و النفرة رغبة و تارة بأنه لما كره صحبتها ثم إنه يحمل ذلك المكروه طلبا لثواب اللََّه، و أنفق عليها و أحسن إليها على خلاف الطبع، استحق الثواب الجزيل في العقبى و الثناء الجميل في الدنيا، الثاني: أن يكون المعنى إن كرهتموهن و رغبتم في مفارقتهن، فربما جعل اللََّه في تلك المفارقة لهن خيرا كثيرا، ذلك بأن تتخلص تلك المرأة من هذا الزوج و تجد زوجا خيرا منه، و نظيره قوله:

وَ إِنْ يَتَفَرَّقََا يُغْنِ اَللََّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ [النساء: 130]و هذا قول أبي بكر الأصم، قال القاضي: و هذا بعيد لأنه تعالى حث بما ذكر على سبيل الاستمرار على الصحبة، فكيف يريد بذلك المفارقة.

النوع الرابع: من التكاليف المتعلقة بالنساء.

في قوله تعالى وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدََالَ زَوْجٍ مَكََانَ زَوْجٍ وَ آتَيْتُمْ إِحْدََاهُنَّ قِنْطََاراً فَلاََ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً /فيه مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى في الآية الأولى لما أذن في مضارة الزوجات إذا أتين بفاحشة، بين في هذه الآية تحريم المضارة في غير حال الفاحشة فقال: وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدََالَ زَوْجٍ مَكََانَ زَوْجٍ

روي أن الرجل منهم إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجة نفسه بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج المرأة التي يريدها

قال تعالى: وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدََالَ زَوْجٍ مَكََانَ زَوْجٍ الآية و القنطار المال العظيم، و قد مر تفسيره في قوله تعالى: وَ اَلْقَنََاطِيرِ اَلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ اَلذَّهَبِ وَ اَلْفِضَّةِ [آل عمران: 14].

المسألة الثانية: قالوا: الآية تدل على جواز المغالاة في المهر،

روي أن عمر رضي اللََّه عنه قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم، فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب اللََّه يعطينا و أنت تمنع و تلت هذه الآية، فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر، و رجع عن كراهة المغالاة.

و عندي أن الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة لأن قوله: وَ آتَيْتُمْ إِحْدََاهُنَّ قِنْطََاراً لا يدل على جواز إيتاء القنطار كما أن قوله: لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا [الأنبياء: 22]لا يدل على حصول الآلهة، و الحاصل أنه لا يلزم من جعل الشي‏ء شرطا لشي‏ء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع، و

قال عليه الصلاة و السلام: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين»

و لم يلزم منه جواز القتل، و قد يقول الرجل: لو كان الإله جسما لكان محدثا، و هذا حق، و لا يلزم منه ان قولنا: الإله جسم حق.

المسألة الثالثة: هذه الآية يدخل فيها ما إذا آتاها مهرها و ما إذا لم يؤتها، و ذلك لأنه أوقع العقد على ذلك الصداق في حكم اللََّه، فلا فرق فيه بين ما إذا آتاها الصداق حسا، و بين ما إذا لم يؤتها.

المسألة الرابعة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر، قال و ذلك لأن اللََّه‏

14

تعالى منع الزوج من أن يأخذ منها شيئا من المهر، و هذا المنع مطلق ترك العمل/به قبل الخلوة، فوجب أن يبقى معمولا به بعد الخلوة قال: و لا يجوز أن يقال انه مخصوص بقوله تعالى: وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مََا فَرَضْتُمْ [البقرة: 237]و ذلك لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس‏

فقال علي و عمر: المراد من المسيس الخلوة،

و قال عبد اللََّه: هو الجماع، و إذا صار مختلفا فيه امتنع جعله مخصصا لعموم هذه الآية.

و الجواب: إن هذه الآية المذكورة هاهنا مختصة بما بعد الجماع بدليل قوله تعالى: وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى‏ََ بَعْضُكُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ و إفضاء بعضهم إلى البعض هو الجماع على قول أكثر المفسرين و سنقيم الدلائل على صحة ذلك.

المسألة الخامسة: اعلم أن سوء العشرة اما أن يكون من قبل الزوج، و إما أن يكون من قبل الزوجة، فان كان من قبل الزوج كره له أنه يأخذ شيئا من مهرها لأن قوله تعالى: وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدََالَ زَوْجٍ مَكََانَ زَوْجٍ وَ آتَيْتُمْ إِحْدََاهُنَّ قِنْطََاراً فَلاََ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً صريح في أن النشوز إذا كان من قبله فانه يكون منهيا عن أن يأخذ من مهرها شيئا، ثم ان وقعت المخالعة ملك الزوج بدل الخلع، كما ان البيع وقت النداء منهي عنه، ثم انه يفيد الملك، و إذا كان النشوز من قبل المرأة فههنا يحل أخذ بدل الخلع، لقوله تعالى: وَ لاََ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مََا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء: 19].

ثم قال تعالى: أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتََاناً وَ إِثْماً مُبِيناً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة، و أصله من بهت الرجل إذا تحير، فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمته، ثم جعل كل باطل يتحير من بطلانه بُهْتََاناً ، و منه

الحديث: «إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته» .

المسألة الثانية: في أنه لم انتصب قوله: بُهْتََاناً وجوه: الأول: قال الزجاج: البهتان هاهنا مصدر وضع موضع الحال، و المعنى: أ تأخذونه مباهتين و آثمين. الثاني: قال صاحب «الكشاف» : يحتمل أنه انتصب لأنه مفعول له و إن لم يكن غرضا في الحقيقة، كقولك: قعد عن القتال جبنا. الثالث: انتصب بنزع الخافض، أي ببهتان. الرابع: فيه إضمار تقديره: تصيبون به بهتانا و إثما.

المسألة الثالثة: في تسمية هذا الأخذ «بهتانا» وجوه: الأول: أنه تعالى فرض لها ذلك المهر فمن استرده كان كأنه يقول: ليس ذلك بفرض فيكون بهتانا. الثاني: أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها، و أن لا يأخذه منها، فإذا أخذه صار ذلك القول الأول بهتانا. الثالث: أنا ذكرنا أنه كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تخاف و تشتري نفسها منه/بذلك المهر، فلما كان هذا الأمر واقعا على هذا الوجه في الأغلب الأكثر، جعل كأن أحدهما هو الآخر. الرابع: أنه تعالى ذكر في الآية السابقة: وَ لاََ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مََا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ و الظاهر من حال المسلم أنه لا يخالف أمر اللََّه، فإذا أخذ منها شيئا أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مبينة، فإذا لم يكن الأمر كذلك في الحقيقة صح وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان، من حيث أنه يدل على إتيانها بالفاحشة مع أن الأمر ليس كذلك. و فيه تقرير آخر و هو أن أخذ المال‏

15

طعن في ذاتها و أخذ لمالها، فهو بهتان من وجه و ظلم من وجه آخر، فكان ذلك معصية عظيمة من أمهات الكبائر، الخامس: أن عقاب البهتان و الإثم المبين كان معلوما عندهم فقوله: أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتََاناً معناه أ تأخذون عقاب البهتان فهو كقوله: إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً [النساء: 10].

المسألة الرابعة: قوله: أَ تَأْخُذُونَهُ استفهام على معنى الإنكار و الإعظام، و المعنى أن الظاهر أنكم لا تفعلون مثل هذا الفعل مع ظهور قبحه في الشرع و العقل.

و اعلم أنه تعالى ذكر في علة هذا المنع أمورا: أحدهما: أن هذا الأخذ يتضمن نسبتها إلى الفاحشة المبينة، فكان ذلك بهتانا و البهتان من أمهات الكبائر. و ثانيها: أنه إثم مبين لأن هذا المال حقها فمن ضيق الأمر عليها ليتوسل بذلك التشديد و التضييق و هو ظلم، إلى أخذ المال و هو ظلم آخر، فلا شك أن التوسل بظلم إلى ظلم آخر يكون إثما مبينا. }و ثالثها: قوله تعالى: وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى‏ََ بَعْضُكُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: أصل أفضى من الفضاء الذي هو السعة يقال: فضا يفضو و فضاء إذا اتسع، قال الليث:

أفضى فلان إلى فلان، أي وصل اليه، و أصله أنه صار في فرجته و فضائه، و للمفسرين في الإفضاء في هذه الآية قولان: أحدهما: أن الإفضاء هاهنا كناية عن الجماع و هو قول ابن عباس و مجاهد و السدي و اختيار الزجاج و ابن قتيبة و مذهب الشافعي، لأن عنده الزوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر، و إن خلا بها.

و القول الثاني: في الإفضاء أن يخلو بها و إن لم يجامعها، قال الكلبي: الإفضاء أن يكون معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، و هذا القول اختيار الفراء و مذهب أبي حنيفة رضي اللََّه عنه. لأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.

و اعلم أن القول الأول أولى، و يدل عليه وجوه: الأول: أن الليث قال: أفضى فلان إلى فلانة/أي صار في فرجتها و فضائها، و معلوم أن هذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع، أما في غير وقت الجماع فهذا غير حاصل. الثاني: أنه تعالى ذكر هذا في معرض التعجب، فقال: وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى‏ََ بَعْضُكُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ و التعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سببا قويا في حصول الألفة و المحبة، و هو الجماع لا مجرد الخلوة، فوجب حمل الإفضاء عليه. الثالث: و هو أن الإفضاء إليها لا بد و أن يكون مفسرا بفعل منه ينتهي اليه، لأن كلمة «إلى» لانتهاء الغاية، و مجرد الخلوة ليس كذلك، لأن عند الخلوة المحضة لم يصل فعل من أفعال واحد منهما إلى الآخر، فامتنع تفسير قوله: أَفْضى‏ََ بَعْضُكُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ بمجرد الخلوة.

فان قيل: فإذا اضطجعا في لحاف واحد و تلامسا فقد حصل الإفضاء من بعضهم إلى بعض فوجب أن يكون ذلك كافيا. و أنتم لا تقولون به.

قلنا: القائل قائلان، قائل يقول: المهر لا يتقرر إلا بالجماع، و آخر: انه يتقرر بمجرد الخلوة و ليس في الأمة أحد يقول إنه يتقرر بالملامسة و المضاجعة، فكان هذا القول باطلا بالإجماع، فلم يبق في تفسير إفضاء بعضهم إلى بعض إلا أحد أمرين: إما الجماع، و إما الخلوة، و القول بالخلوة باطل لما بيناه، فبقي أن المراد بالإفضاء هو الجماع. الرابع: أن المهر قبل الخلوة ما كان متقررا، و الشرع قد علق تقرره على إفضاء البعض إلى البعض، و قد اشتبه الأمر في أن المراد بهذا الإفضاء، هو الخلوة أو الجماع، و إذا وقع الشك وجب بقاء ما كان‏

16

على ما كان، و هو عدم التقرير، فبهذه الوجوه ظهر ترجيح مذهب الشافعي و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قوله: وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى‏ََ بَعْضُكُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ كلمة تعجب، أي لأي وجه و لأي معنى تفعلون هذا؟فإنها بذلت نفسها لك و جعلت ذاتها لذتك و تمتعك، و حصلت الألفة التامة و المودة الكاملة بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئا بذله لها بطيبة نفسه؟إن هذا لا يليق ألبتة بمن له طبع سليم و ذوق مستقيم.

الوجه الرابع: من الوجوه التي جعلها اللََّه مانعا من استرداد المهر قوله: وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثََاقاً غَلِيظاً في تفسير هذا الميثاق الغليظ وجوه: الأول: قال السدي و عكرمة و الفراء: هو قولهم زوجتك هذه المرأة على ما أخذه اللََّه للنساء على الرجال، من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، و معلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فما سرحها بالإحسان، بل سرحها بالإساءة. الثاني: قال ابن عباس و مجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق، و تلك الكلمة كلمة تستحل بها فروج النساء،

قال صلّى اللََّه عليه و سلّم: «اتقوا اللََّه في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة اللََّه و استحللتم/فروجهن بكلمة اللََّه.

الثالث: قوله: وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثََاقاً غَلِيظاً أي أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقا غليظا، وصفه بالغلظة لقوته و عظمته، و قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد و الامتزاج.

النوع الخامس: من الأمور التي كلف اللََّه تعالى بها في هذه الآية من الأمور المتعلقة بالنساء.

فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن عباس و جمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهاهم اللََّه بهذه الآية عن ذلك الفعل.

المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي اللََّه عنه: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، و قال الشافعي رحمة اللََّه عليه: لا يحرم احتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال: إنه تعالى نهى الرجل أن ينكح منكوحة أبيه، و النكاح عبارة عن الوطء فكان هذا نهيا عن نكاح موطوءة أبيه، إنما قلنا: إن النكاح عبارة عن الوطء لوجوه: الأول:

قوله تعالى: فَلاََ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتََّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: 230]أضاف هذا النكاح إلى الزوج، و النكاح المضاف إلى الزوج هو الوطء لا العقد، لأن الإنسان لا يمكنه أن يتزوج بزوجة نفسه لأن تحصيل الحاصل محال، و لأنه لو كان المراد بالنكاح في هذه الآية هو العقد لوجب أن يحصل التحليل بمجرد العقد و حيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد، فتعين أن يكون هو الوطء لأنه لا قائل بالفرق، الثاني: قوله تعالى: وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتََامى‏ََ حَتََّى إِذََا بَلَغُوا اَلنِّكََاحَ [النساء: 6]و المراد من النكاح هاهنا الوطء لا العقد، لأن أهلية العقد كانت حاصلة أبدا. الثالث: قوله تعالى: اَلزََّانِي لاََ يَنْكِحُ إِلاََّ زََانِيَةً [النور:

3]فلو كان المراد هاهنا العقد لزم الكذب. الرابع:

قوله عليه الصلاة و السلام: «ناكح اليد ملعون»

و معلوم أن المراد ليس هو العقد بل هو الوطء. فثبت بهذه الوجوه أن النكاح عبارة عن الوطء، فلزم أن يكون قوله تعالى: ـ

17

وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ أي: و لا تنكحوا ما وطئهن آباؤكم، و هذا يدخل فيه المنكوحة و المزنية، لا يقال: كما أن لفظ النكاح ورد بمعنى الوطء فقد ورد/أيضا بمعنى العقد قال تعالى: وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامى‏ََ مِنْكُمْ [النور: 32] فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ [النساء: 3] إِذََا نَكَحْتُمُ اَلْمُؤْمِنََاتِ [الأحزاب:

49]و

قوله عليه الصلاة و السلام: «ولدت من نكاح و لم أولد من سفاح»

فلم كان حمل اللفظ على الوطء أولى من حمله على العقد؟ أجابوا عنه من ثلاثة أوجه: الأول: ما ذهب اليه الكرخي و هو أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، بدليل أن لفظ النكاح في أصل اللغة عبارة عن الضم، و معنى الضم حاصل في الوطء لا في العقد، فكان لفظ النكاح حقيقة في الوطء. ثم إن العقد سمي بهذا الاسم لأن العقد لما كان سببا له أطلق اسم المسبب على السبب، كما أن العقيقة اسم للشعر الذي يكون على رأس الصبي حال ما يولد، ثم تسمى الشاة التي تذبح عند حلق ذلك الشعر عقيقة فكذا هاهنا.

و اعلم أنه كان مذهب الكرخي أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار الواحد في حقيقته و مجازه معا، فلا جرم كان يقول: المستفاد من هذه الآية حكم الوطء، أما حكم العقد فانه غير مستفاد من هذه الآية، بل من طريق آخر و دليل آخر.

الوجه الثاني: أن من الناس من ذهب إلى أن اللفظ المشترك يجوز استعماله في مفهوميه معا فهذا القائل قال: دلت الآيات المذكورة على أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء و في العقد معا، فكان قوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ نهيا عن الوطء و عن العقد معا، حملا للفظ على كلا مفهوميه.

الوجه الثالث: في الاستدلال، و هو قول من يقول: اللفظ المشترك لا يجوز استعماله في مفهوميه معا، قالوا: ثبت بالدلائل المذكورة أن لفظ النكاح قد استعمل في القرآن في الوطء تارة و في العقد أخرى، و القول بالاشتراك و المجاز خلاف الأصل، و لا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما و هو معنى الضم حتى يندفع الاشتراك و المجاز، و إذا كان كذلك كان قوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ نهيا عن القدر المشترك بين هذين القسمين، و النهي عن القدر المشترك بين القسمين يكون نهيا عن كل واحد من القسمين لا محالة، فان النهي عن التزويج يكون نهيا عن العقد و عن الوطء معا، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا الاستدلال.

و الجواب عنه من وجوه: الأول: لا نسلم أن اسم النكاح يقع على الوطء، و الوجوه التي احتجوا بها على ذلك فهي معارضة بوجوه: أحدها:

قوله عليه الصلاة و السلام: «النكاح سنتي»

و لا شك أن الوطء من حيث كونه وطأ ليس سنة له، و إلا لزم أن يكون الوطء بالسفاح سنة له فلما ثبت أن النكاح سنة، و ثبت أن الوطء ليس سنة، ثبت أن النكاح ليس عبارة عن الوطء، كذلك التمسك‏

بقوله: «تناكحوا تكثروا»

و لو كان الوطء مسمى بالنكاح لكان هذا إذنا في مطلق الوطء/و كذلك التمسك بقوله تعالى: وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامى‏ََ مِنْكُمْ [النور: 32] و قوله: فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ [النساء: 3].

لا يقال: لما وقع التعارض بين هذه الدلائل فالترجيح معنا، و ذلك لأنا لو قلنا: الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دلائلنا، و متى وقع التعارض بين المجاز و التخصيص كان التزام التخصيص أولى.

18

لأنا نقول: أنتم تساعدون على أن لفظ النكاح مستعمل في العقد، فلو قلنا: إن النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات التي ذكرناها، و لزم القول بالمجاز في الآيات التي ذكر النكاح فيها بمعنى العقد، أما لو قلنا: أن النكاح فيها بمعنى الوطء فلا يلزمنا التخصيص، فقولكم يوجب المجاز و التخصيص معا، و قولنا يوجب المجاز فقط، فكان قولنا أولى.

الوجه الثاني: من الوجوه الدالة على أن النكاح ليس حقيقة في الوطء

قوله عليه الصلاة و السلام: «ولدت من نكاح و لم أولد من سفاح»

أثبت نفسه مولودا من النكاح و غير مولود من السفاح، و هذا يقتضي أن لا يكون السفاح نكاحا، و السفاح وطء، فهذا يقتضي أن لا يكون الوطء نكاحا.

الوجه الثالث: أنه من حلف في أولاد الزنا: أنهم ليسوا أولاد النكاح لم يحنث، و لو كان الوطء نكاحا لوجب أن يحنث، و هذا دليل ظاهر على أن الوطء ليس مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة. الثاني: سلمنا أن الوطء مسمى بالنكاح، لكن العقد أيضا مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكرتم أولى من حملها على ما ذكرنا؟ أما الوجه الأول: و هو الذي ذكره الكرخي فهو في غاية الركاكة، و بيانه من وجهين: الأول: أو الوطء مسبب العقد، فكما يحسن إطلاق اسم المسبب على السبب مجازا فكذلك يحسن اطلاق اسم السبب على المسبب مجازا. فكما يحتمل أن يقال: النكاح اسم للوطء ثم أطلق هذا الاسم على العقد لكونه سببا للوطء، فكذلك يحتمل أن يقال: النكاح اسم للعقد، ثم أطلق هذا الاسم على الوطء لكون الوطء مسببا له، فلم كان أحدهما أولى من الآخر؟بل الاحتمال الذي ذكرناه أولى، لأن استلزام السبب للمسبب أتم من استلزام المسبب للسبب المعين، فانه لا يمتنع أن يكون لحصول الحقيقة الواحدة أسباب كثيرة، كالملك فانه يحصل بالبيع و الهبة و الوصية و الإرث، و لا شك أن الملازمة شرط لجواز المجاز، فثبت أن القول بأن اسم النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء أولى من عكسه.

الوجه الثاني: أن النكاح لو كان حقيقة في الوطء مجازا في العقد، و قد ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته و مجازه معا، فحينئذ يلزم أن لا تكون الآية دالة/على حكم العقد، و هذا و إن كان قد التزمه الكرخي لكنه مدفوع بالدليل القاطع، و ذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية هو أنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، و أجمع المسلمون على أن سبب نزول الآية لا بد و أن يكون داخلا تحت الآية، بل اختلفوا في أن غيره هل يدخل تحت الآية أم لا؟و أما كون سبب النزول داخلا فيها فذاك مجمع عليه بين الأمة، فإذا ثبت بإجماع المفسرين، أن سبب نزول هذه الآية هو العقد لا الوطء، و ثبت بإجماع المسلمين أن سبب النزول لا بد و أن يكون مرادا، ثبت بالإجماع أن النهي عن العقد مراد من هذه الآية، فكان قول الكرخي واقعا على مضادة هذا الدليل القاطع، فكان فاسدا مردودا قطعا.

أما الوجه الثاني: مما ذكروه و هو أنا نحمل لفظ النكاح على مفهوميه، فنقول: هذا أيضا باطل، و قد بينا وجه بطلانه في أصول الفقه.

و أما الوجه الثالث: فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب، و هو أيضا ضعيف لأن الضم الحاصل في‏

19

الوطء عبارة عن تجاور الأجسام و تلاصقها، و الضم الحاصل في العقد ليس كذلك لأن الإيجاب و القبول أصوات غير باقية، فمعنى الضم و التلاقي و التجاور فيها محال، و إذا كان كذلك ثبت أنه ليس بين الوطء و بين العقد مفهوم مشترك حتى يقال: إن لفظ النكاح حقيقة فيه، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال: لفظ النكاح مشترك بين الوطء و بين العقد، و يقال: إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، و حينئذ يرجع الكلام إلى الوجهين الأولين، فهذا هو الكلام الملخص في هذا.

الوجه الثاني: في الجواب عن هذا الاستدلال أن نقول: سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء، و لكن لم قلتم:

إن قوله: مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ المراد منه المنكوحة، و الدليل عليه إجماعهم على أن لفظه «ما» حقيقة في غير العقلاء، فلو كان المراد منه هاهنا المنكوحة لزم هذا المجاز، و إنه خلاف الأصل، بل أهل العربية اتفقوا على أن «ما» مع بعدها في تقدير المصدر، فتقدير الآية: و لا تنكحوا نكاح آبائكم، و على هذا يكون المراد منه النهي عن أن تنكحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم، فان أنكحتهم كانت بغير ولي و لا شهود، و كانت موقتة، و كانت على سبيل القهر و الإلجاء، فاللََّه تعالى نهاهم بهذه الآية عن مثل هذه الأنكحة، و هذا الوجه منقول عن محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية.

الوجه الثالث: في الجواب عن هذا الاستدلال: سلمنا أن المراد من قوله: مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ المنكوحة، و التقدير: و لا تنكحوا من نكح آباؤكم و لكن قوله: من نكح آباؤكم ليس صريحا في العموم بدليل أنه يصح إدخال لفظي الكل و البعض عليه، فيقال: و لا تنكحوا كل ما نكح آباؤكم و لا تنكحوا بعض من نكح آباؤكم، و لو كان هذا صريحا في العموم لكان إدخال لفظ/الكل عليه تكريرا، و إدخال لفظ البعض عليه نقصا، و معلوم أنه ليس كذلك، فثبت أن قوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ لا يفيد العموم، و إذا لم يفد العموم لم يتناول محل النزاع.

لا يقال: لو لم يفد العموم لم يكن صرفه إلى بعض الأقسام أولى من صرفه إلى الباقي، فحينئذ يصير مجملا غير مفيد، و الأصل أن لا يكون كذلك.

لأنا نقول: لا نسلم أن بتقدير أن لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، و ذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزوله إنما هو التزوج بزوجات الآباء، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى، و بهذا التقدير لا يلزم كون الآية مجملة، و لا يلزم كونها متناولة لمحل النزاع.

الوجه الرابع: سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النزاع، لكن لم قلتم: إنه يفيد التحريم؟أليس أن كثيرا من أقسام النهي لا يفيد التحريم، بل يفيد التنزيه، فلم قلتم: إنه ليس الأمر كذلك؟أقصى ما في الباب أن يقال:

هذا على خلاف الأصل، و لكن يجب المصير إليه إذا دل الدليل، و سنذكر دلائل صحة هذا النكاح إن شاء اللََّه تعالى.

الوجه الخامس: أن ما ذكرتم هب أنه يدل على فساد هذا النكاح، إلا أن هاهنا ما يدل على صحة هذا النكاح و هو من وجوه:

الحجة الأولى: هذا النكاح منعقد فوجب أن يكون صحيحا، بيان أنه منعقد أنه عند أبي حنيفة رضي اللََّه‏

20

عنه منهي عنه بهذه الآية، و من مذهبه أن النهي عن الشي‏ء يدل على كونه في نفسه منعقدا و هذا هو أصل مذهبه في مسألة البيع الفاسد و صوم يوم النحر، فيلزم من مجموع هاتين المقدمتين أن يكون هذا النكاح منعقدا على أصل أبي حنيفة، و إذا ثبت القول بالانعقاد في هذه الصورة وجب القول بالصحة لأنه لا قائل بالفرق. فهذا وجه حسن من طريق الإلزام عليهم في صحة هذا النكاح.

الحجة الثانية: عموم قوله تعالى: وَ لاََ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكََاتِ حَتََّى يُؤْمِنَّ [البقرة: 221]نهى عن نكاح المشركات و مد النهي إلى غاية و هي إيمانهن، و الحكم الممدود إلى غاية ينتهي عند حصول تلك الغاية، فوجب أن ينتهي المنع من نكاحهن عند إيمانهن، و إذا انتهى المنع حصل الجواز، فهذا يقتضي جواز نكاحهن على الإطلاق، و لا شك أنه يدخل في هذا العموم مزنية الأب و غيرها، أقصى ما في الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في مواضع يبقى حجة في غير محل التخصيص. و كذلك نستدل بجميع العمومات الواردة في باب النكاح كقوله تعالى: وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامى‏ََ [النور: 32]و قوله: فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ [النساء:

3]و أيضا نتمسك بقوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ [النساء: 24]و ليس لأحد أن يقول: إن قوله:

مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ ضمير عائد إلى المذكور السابق، و من جملة المذكور السابق قوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ و ذلك لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، و أقرب المذكورات اليه هو من قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ [النساء: 23]فكان قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ عائدا اليه، و لا يدخل فيه قوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ و أيضا نتمسك بعمومات الأحاديث‏

كقوله عليه الصلاة و السلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه»

و

قوله: «زوجوا بناتكم الأكفاء»

فكل هذه العمومات يتناول: محل النزاع. و اعلم أنا بينا في أصول الفقه أن الترجيح بكثرة الأدلة جائز، و إذا كان كذلك فنقول بتقدير أن يثبت لهم أن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فلو حملنا الآية على العقد لم يلزمنا إلا مجاز واحد، و بتقدير أن نحمل تلك الآية على حرمة النكاح يلزمنا هذه التخصيصات الكثيرة فكان الترجيح من جانبنا بسبب كثرة الدلائل.

الحجة الثالثة: الحديث المشهور في المسألة و هو

قوله عليه الصلاة و السلام: «الحرام لا يحرم الحلال»

أقصى ما في الباب أن يقال: إن قطرة من الخمر إذا وقعت في كوز من الماء فههنا الحرام حرم الحلال، و إذا اختلطت المنكوحة بالاجنبيات و اشتبهت بهن، فههنا الحرام حرم الحلال، إلا أنا نقول: دخول التخصيص فيه في بعض الصور، و لا يمنع من الاستدلال به.

الحجة الرابعة: من جهة القياس أن نقول: المقتضى لجواز النكاح قائم، و الفارق بين محل الإجماع و بين محل النزاع ظاهر، فوجب القول بالجواز، أما المقتضى فهو أن يقيس نكاح هذه المرأة على نكاح سائر النسوان عند حصول الشرائط المتفق عليها، بجامع ما في النكاح من المصالح، و أما الفارق فهو أن هذه المحرمية إنما حكم الشرع بثبوتها، سعيا في إبقاء الوصلة الحاصلة بسبب النكاح و معلوم أن هذا لا يليق بالزنا.

بيان المقام الأول: من تزوج بامرأة، فلو لم يدخل على المرأة أب الرجل و ابنه. و لم تدخل على الرجل أم المرأة و بنتها، لبقيت المرأة كالمحبوسة في البيت، و لتعطل على الزوج و الزوجة أكثر المصالح و لو أذنا في هذا الدخول و لم نحكم بالمحرمية فربما امتد عين البعض إلى البعض و حصل الميل و الرغبة و عند حصول التزوج بأمها أو ابنتها تحصل النفرة الشديدة بينهن، لأن صدور الإيذاء عن الأقارب أقوى وقعا و أشد إيلاما و تأثيرا،

21

و عند حصول النفرة الشديدة يحصل التطليق و الفراق، أما إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع و انحبست الشهوة، فلا يحصل ذلك الضرر، فبقي النكاح بين الزوجين سليما عن هذه المفسدة، فثبت أن المقصود من حكم الشرع بهذه المحرمية، السعي في تقرير الاتصال الحاصل بين الزوجين، و إذا كان المقصود من شرع المحرمية إبقاء ذلك الاتصال، فمعلوم/أن الاتصال الحاصل عند النكاح مطلوب البقاء، فيتناسب حكم الشرع بإثبات هذه المحرمية، و أما الاتصال الحاصل عند الزنا فهو غير مطلوب البقاء، فلم يتناسب حكم الشرع بإثبات هذه المحرمية، و هذا وجه مقبول مناسب في الفرق بين البابين، و هذا هو من قول الامام الشافعي رضي اللََّه عنه عند مناظرته في هذه المسألة محمد بن الحسن حيث قال: وطء حمدت به، و وطء رجمت به، فكيف يشتبهان؟ و لنكتف بهذا القدر من الكلام في هذه المسألة.

و اعلم أن السبب في ذكر هذا الاستقصاء هاهنا أن أبا بكر الرازي طول في هذه المسألة في تصنيفه، و ما كان ذلك التطويل إلا تطويلا في الكلمات المختلطة و الوجوه الفاسدة الركيكة، ثم إنه لما آل الأمر إلى المكالمة مع الامام الشافعي أساء في الأدب و تعدى طوره، و خاض في السفاهة و تعامى عن تقرير دلائله و تغافل عن إيراد حججه، ثم انه بعد أن كتب الأوراق الكثيرة في الترهات التي لا نفع لمذهبه منها و لا مضرة على خصومه بسببها، أظهر القدح الشديد و التصلف العظيم في كثرة علوم أصحابه و قلة علوم من يخالفهم، و لو كان من أهل التحصيل لبكى على نفسه من تلك الكلمات التي حاول نصرة قوله بها، و لتعلم الدلائل ممن كان أهلا لمعرفتها، و من نظر في كتابنا و نظر في كتابه و أنصف علم أنا أخذنا منه خرزة، ثم جعلناها لؤلؤة من شدة التخليص و التقرير ثم أجبنا عنه بأجوبة مستقيمة على قوانين الأصول، منطبقة على قواعد الفقه، و نسأل اللََّه حسن الخاتمة و دوام التوفيق و النصرة.

المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في قوله: إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ وجوها: الأول: و هو أحسنها: ما ذكره السيد صاحب حل المقل فقال: هذا استثناء على طريق المعنى لأن قوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ قبل نزول آية التحريم فانه معفو عنه، الثاني: قال صاحب «الكشاف» : هذا كما استثنى «غير أن سيوفهم» من قوله: «و لا عيب فيهم» يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فانه لا يحل لكم غيره، و ذلك غير ممكن، و الغرض المبالغة في تحريمه و سد الطريق إلى إباحته، كما يقال: حتى يبيض القار، و حتى يلج الجمل في سم الخياط. الثالث: أن هذا استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل، و المعنى: لكن ما قد سلف فان اللََّه تجاوز عنه. و الرابع: «إلا» هاهنا بمعنى بعد، كقوله تعالى: لاََ يَذُوقُونَ فِيهَا اَلْمَوْتَ إِلاَّ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى‏ََ [الدخان: 56]أي بعد الموتة الأولى. الخامس: قال بعضهم: معناه إلا ما قد سلف فإنكم مقرون عليه، قالوا: إنه عليه الصلاة و السلام أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن. و إنما فعل ذلك ليكون إخراجهم عن هذه العادة الرديئة على سبيل التدريج، و قيل: إن هذا خطأ، لأنه عليه الصلاة و السلام ما أقر أحد على نكاح امرأة أبيه، /و إن كان في الجاهلية.

روى البراء: أن النبي صلّى اللََّه عليه و سلم بعث أبا بردة إلى رجل عرس بامرأة أبيه ليقتله و يأخذ ماله.

المسألة الرابعة: الضمير في قوله تعالى: إِنَّهُ إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان: الأول: أنه راجع إلى هذا النكاح قبل النهي، أعلم اللََّه تعالى أن هذا الذي حرمه عليهم كان لم يزل منكرا في قلوبهم ممقوتا عندهم،

22

و كانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه: مقتى، و ذلك لأن زوجة الأب تشبه الأم، و كان نكاح الأمهات من أقبح الأشياء عند العرب، فلما كان هذا النكاح يشبه ذلك، لا جرم كان مستقبحا عندهم، فبين اللََّه تعالى أن هذا النكاح أبدا كان ممقوتا و قبيحا، الثاني: أن هذا الضمير راجع إلى هذا النكاح بعد النهي، فبين اللََّه تعالى أنه كان فاحشة في الإسلام و مقتا عند اللََّه، و إنما قال: كََانَ لبيان أنه كان في حكم اللََّه و في علمه موصوفا بهذا الوصف.

المسألة الخامسة: أنه تعالى وصفه بأمور ثلاثة: أولها: أنه فاحشة، و إنما وصف هذا النكاح بأنه فاحشة لما بينا أن زوجة الأب تشبه الأم فكانت مباشرتها من أفحش الفواحش، و ثانيها: المقت: و هو عبارة عن بغض مقرون باستحقار، حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، و هو من اللََّه في حق العبد يدل على غاية الخزي و الخسار. و ثالثها: قوله: وَ سََاءَ سَبِيلاً قال الليث: «ساء» فعل لا زم و فاعله مضمر و «سبيلا» منصوب تفسيرا لذلك الفاعل، كما قال: وَ حَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً [النساء: 69]و اعلم أن مراتب القبح ثلاثة: القبح في العقول، و في الشرائع و في العادات، فقوله: إِنَّهُ كََانَ فََاحِشَةً إشارة إلى القبح العقلي، و قوله: وَ مَقْتاً إشارة إلى القبح الشرعي، و قوله: وَ سََاءَ سَبِيلاً إشارة إلى القبح في العرف و العادة، و متى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح و اللََّه أعلم.

النوع السادس: من التكاليف المتعلقة بالنساء المذكورة في هذه الآيات.

قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ وَ بَنََاتُكُمْ وَ أَخَوََاتُكُمْ وَ عَمََّاتُكُمْ وَ خََالاََتُكُمْ وَ بَنََاتُ اَلْأَخِ وَ بَنََاتُ اَلْأُخْتِ .

اعلم أنه تعالى نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النسوان: سبعة منهن من جهة النسب، و هن الأمهات و البنات و الأخوات و العمات و الخالات و بنات الأخ و بنات الأخت. و سبعة/أخرى لا من جهة النسب:

الأمهات من الرضاعة و الأخوات من الرضاعة و أمهات النساء و بنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء، و أزواج الأبناء و الآباء، إلا أن أزواج الأبناء مذكورة هاهنا، و أزواج الآباء مذكورة في الآية المتقدمة، و الجمع بين الأختين. و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: ذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة قال: لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات و البنات، و التحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان، و إنما يمكن إضافته إلى الأفعال، و ذلك الفعل غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات و البنات، أولى من

23

بعض، فصارت الآية مجملة من هذا الوجه.

و الجواب عنه من وجهين: الأول: أن تقديم قوله تعالى: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ [النساء: 22] يدل على أن المراد من قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ تحريم نكاحهن. الثاني: أن من المعلوم بالضرورة من دين محمد صلّى اللََّه عليه و سلم أن المراد منه تحريم نكاحهن، و الأصل فيه أن الحرمة و الاباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان، فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف، فإذا قيل: حرمت عليكم الميتة و الدم، فهم كل أحد أن المراد تحريم أكلهما، و إذا قيل: حرمت عليكم أمهاتكم و بناتكم و أخواتكم، فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن، و لما

قال عليه الصلاة و السلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى معان ثلاث»

فهم كل أحد أن المراد لا يحل إراقة دمه. و إذا كانت هذه الأمور معلومة بالضرورة كان إلقاء الشبهات فيها جاريا مجرى القدح في البديهيات و شبه السوفسطائية، فكانت في غاية الركاكة و اللََّه أعلم.

بلى عندي فيه بحث من وجوه أخرى: أحدها: أن قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ مذكور على ما لم يسم فاعله، فليس فيه تصريح بأن فاعل هذا التحريم هو اللََّه تعالى، و ما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر، و لا سبيل اليه إلا بالإجماع، فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا، بل لا بد معها من الإجماع على هذه المقدمة، و ثانيها: أن قوله:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ليس نصا في ثبوت التحريم على سبيل التأييد، فان القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المؤبد، و إلى المؤقت، كأنه تعالى تارة قال: حرمت عليكم أمهاتكم و بناتكم إلى الوقت الفلاني فقط، و أخرى:

حرمت عليكم أمهاتكم و بناتكم مؤبدا مخلدا، و إذا كان القدر المذكور في الآية صالحا لأن يجعل موردا للتقسيم بهذين القسمين، لم يكن نصا في التأييد، فاذن هذا التأييد لا يستفاد من ظاهر الآية، بل من دلالة منفصلة، و ثالثها: أن قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ خطاب مشافهة فيخصص بأولئك الحاضرين، فإثبات هذا التحريم في حق الكل إنما يستفاد من دليل منفصل، و رابعها: أن قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ إخبار عن ثبوت هذا /التحريم في الماضي، و ظاهر اللفظ غير متناول للحاضر و المستقبل/فلا يعرف ذلك إلا بدليل منفصل، و خامسها: أن ظاهر قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ يقتضي أنه قد حرم على كل أحد جميع أمهاتهم و جميع بناتهم، و معلوم أنه ليس كذلك، بل المقصود أنه تعالى قابل الجمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد، فهذا يقتضي أن اللََّه تعالى قد حرم على كل أحد أمه خاصة، و بنته خاصة، و هذا فيه نوع عدول عن الظاهر، و سادسها:

أن قوله: حُرِّمَتْ يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة لكان قوله: حُرِّمَتْ تحريما لما هو في نفسه حرام، فيكون ذلك إيجاد الموجود و هو محال، فثبت أن المراد من قوله: حُرِّمَتْ ليس تجديد التحريم حتى يلزم الأشكال المذكور، بل المراد الاخبار عن حصول التحريم، فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في إثبات المطلوب و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن حرمة الأمهات و البنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان، و لم يثبت حل نكاحهن في شي‏ء من الأديان الإلهية، بل ان زرادشت رسول المجوس قال بحله، إلا أن أكثر المسلمين اتفقوا على انه كان كذابا. أما نكاح الأخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحا في زمن آدم عليه السلام، و إنما حكم اللََّه باباحة ذلك على سبيل الضرورة، و رأيت بعض المشايخ أنكر ذلك، و قال: انه تعالى كان يبعث الحواري من الجنة ليزوج بهن أبناء آدم عليه السلام و هذا بعيد، لأنه إذا كان زوجات أبنائه و أزواج بناته من أهل‏

24

الجنة، فحينئذ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط، و ذلك بالإجماع باطل. و ذكر العلماء أن السبب لهذا التحريم: أن الوطء إذلال و إهانة، فان الإنسان يستحي من ذكره و لا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي، و أكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، و إذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه لأن إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الانعام، فوجب صونها عن هذا الإذلال، و البنت بمنزلة جزء من الإنسان و بعض منه،

قال عليه الصلاة و السلام: «فاطمة بضعة مني»

فيجب صونها عن هذا الإذلال، لأن المباشرة معها تجري مجرى الإذلال، و كذا القول في البقية و اللََّه أعلم. و لنشرع الآن في التفاصيل فنقول:

النوع الأول: من المحرمات: الأمهات، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه اللََّه: الأمهات جمع الأم و الأم في الأصل أمهة فأسقط الهاء في التوحيد قال الشاعر:

أمهتى خندف و الياس أبي‏

و قد تجمع الأم على أمات بغير هاء و أكثر ما يستعمل في الحيوان غير الآدمي قال الراعي:

/كانت نجائب منذر و محرق # أماتهن و طرقهن فحيلا

المسألة الثانية: كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات، بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك. ثم هاهنا بحث و هو أن لفظ الأم لا شك أنه حقيقة في الأم الأصلية، فإما في الجدات فإما ان يكون حقيقة أو مجازا، فإن كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصيلة و في الجدات، فاما أن يكون لفظا متواطئا أو مشتركا، فان كان لفظا متواطئا أعني أن يكون لفظ الأم موضوعا بإزاء قدر مشترك بين الأم الأصلية و بين سائر الجدات فعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ نصا في تحريم الأم الأصلية و في تحريم جميع الجدات، و أما إن كان لفظ الام مشتركا في الأم الأصلية و في الجدات، فهذا يتفرع على أن اللفظ المشترك بين أمرين هل يجوز استعماله فيهما معا أم لا؟فمن جوزه حمل اللفظ هاهنا على الكل، و حينئذ يكون تحريم الجدات منصوصا عليه، و من قال: لا يجوز، فالقائلون بذلك لهم طريقا في هذا الموضع: أحدهما: أن لفظ الأم لا شك أنه أريد به هاهنا الأم الأصلية، فتحريم نكاحها مستفاد من هذا الوجه، و أما تحريم نكاح الجدات فغير مستفاد من هذا النص، بل من الإجماع. و الثاني: أنه تعالى تكلم بهذه الآية مرتين، يريد في كل مرة مفهوما آخر، أما إذا قلنا: لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية، مجاز في الجدات، فقد ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد دفعة واحدة في حقيقته و مجازه معا، و حينئذ يرجع الطريقان اللذان ذكرناهما فيما إذا كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية، و في الجدات.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه اللََّه: إذا تزوج الرجل بأمه و دخل بها يلزمه الحد، و قال أبو حنيفة رحمه اللََّه لا يلزمه. حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح و عدمه بمثابة واحدة، فكان هذا الوطء زنا محضا فيلزمه الحد لقوله تعالى: اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وََاحِدٍ مِنْهُمََا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: 2]إنما قلنا: إن وجود هذا النكاح و عدمه بمثابة واحدة لأنه تعالى قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ و قد علم بالضرورة من دين محمد عليه الصلاة و السلام أن مراد اللََّه تعالى من هذه الآية: تحريم نكاحها و إذا ثبت هذا فنقول: الموجود ليس إلا صيغة الإيجاب و القبول، فلو حصل هذا الانعقاد، فإما أن يقال: إنه حصل في الحقيقة أو في حكم الشرع و الأول‏

25

باطل، لأن صيغة الإيجاب و القبول كلام و هو عرض لا يبقى، و القبول لا يوجد إلا بعد الإيجاب، و حصول الانعقاد بين الموجود و المعدوم محال. و الثاني: باطل، لأن الشرع بين في هذه الآية بطلان هذا العقد قطعا، و مع كون هذا العقد باطلا قطعا في حكم الشرع، كيف يمكن القول بأنه منعقد شرعا؟فثبت أن وجود هذا/العقد و عدمه بمثابة واحدة، و إذا ثبت ذلك فباقي التفريع و التقرير ما تقدم.

النوع الثاني: من المحرمات: البنات، و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو بدرجات، بإناث أو بذكور فهي بنتك، و أما بنت الابن و بنت البنت فهل تسمى بنتا حقيقة أو مجازا؟فالبحث فيه عين ما ذكرناه في الأمهات.

المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه اللََّه: البنت المخلوقة من ماء الزنا لا تحرم على الزاني. و قال أبو حنيفة: تحرم. حجة الشافعي أنها ليست بنتا له فوجب أن لا تحرم، إنما قلنا: إنها ليست بنتا لوجوه: الأول:

أن أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتا له بناء على الحقيقة، و هي كونها مخلوقة من مائة، أو بناء على حكم الشرع بثبوت هذا النسب، و الأول باطل على مذهبه طردا و عكسا، أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكرا و افتضها و حبسها في داره فأتت بولد، فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائه مع أن أبا حنيفة قال: لا يثبت نسبها إلا عند الاستلحاق، و لو كان السبب هو كون الولد متخلقا من مائه لما توقف في ثبوت هذا النسب بغير الاستلحاق، و أما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية و حصل هناك ولد، فأبو حنيفة أثبت النسب هنا مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه، فثبت أن القول بجعل التخليق من مائه سببا للنسب باطل طردا و عكسا على قول أبي حنيفة، و أما إذا قلنا: النسب إنما يثبت بحكم الشرع، فههنا أجمع المسلمون على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني، و لو انتسب إلى الزاني لوجب على القاضي منعه من ذلك الانتساب، فثبت أن انتسابها إليه غير ممكن، لا بناء على الحقيقة، و لا بناء على حكم الشرع.

الوجه الثاني: التمسك‏

بقوله عليه الصلاة و السلام: «الولد للفراش و للعاهر الحجر»

فقوله: الولد للفراش‏

يقتضي حصر النسب في الفراش.

الوجه الثالث: لو كانت بنتا له لأخذت الميراث لقوله تعالى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ* [النساء: 11] و لثبتت له ولاية الإجبار،

لقوله عليه السلام: «زوجوا بناتكم الأكفاء»

و لوجب عليه نفقتها و حضانتها، و لحلت الخلوة بها، فلما لم يثبت شي‏ء من ذلك علمنا انتفاء البنتية، و إذا ثبت أنها ليست بنتا له وجب أن يحل التزوج بها، لأن حرمة التزوج بها إما للبنتية، أو لأجل أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة، و هذا الحصر ثابت بالإجماع.

و البنتية باطلة كما ذكرنا، و حرمة المصاهرة بسبب الزنا أيضا باطلة كما تقدم شرح هذه المسألة، فثبت أنها غير محرمة على الزاني و اللََّه أعلم.

النوع الثالث: من المحرمات: الأخوات: و يدخل فيه الأخوات من الأب و الأم معا، /و الأخوات من الأب فقط، و الأخوات من الأم فقط.

النوع الرابع و الخامس: العمات و الخالات. قال الواحدي رحمه اللََّه: كل ذكر رجع نسبك اليه فأخته عمتك، و قد تكون العمة من جهة الأم و هي أخت أبي أمك، و كل أنثى رجع نسبك إليها بالولادة فأختها خالتك،

26

و قد تكون الخالة من جهة الأب و هي أخت أم أبيك.

النوع السادس و السابع: بنات الأخ و بنات الأخت: و القول في بنات الأخ و بنات الأخت كالقول في بنات الصلب. فهذه الأقسام السبعة محرمة في نص الكتاب بالأنساب و الأرحام. قال المفسرون: كل امرأة حرم اللََّه نكاحها للنسب و الرحم، فتحريمها مؤبد لا يحل بوجه من الوجوه، و أما اللواتي يحل نكاحهن ثم يصرن محرمات بسبب طارئ، فهن اللاتي ذكرن في باقي الآية.

النوع الثامن و التاسع:

قوله تعالى: وَ أُمَّهََاتُكُمُ اَللاََّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوََاتُكُمْ مِنَ اَلرَّضََاعَةِ .

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه اللََّه: المرضعات سماهن أمهات لأجل الحرمة، كما أنه تعالى سمى أزواج النبي عليه السلام أمهات المؤمنين في قوله: وَ أَزْوََاجُهُ أُمَّهََاتُهُمْ [الأحزاب: 6]لأجل الحرمة.

المسألة الثانية: أنه تعالى نص في هذه الآية على حرمة الأمهات و الأخوات من جهة الرضاعة إلا أن الحرمة غير مقصورة عليهن،

لأنه صلّى اللََّه عليه و سلم قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»

و إنما عرفنا أن الأمر كذلك بدلالة هذه الآيات، و ذلك لأنه تعالى لما سمى المرضعة أما، و المرضعة أختا، فقد نبه بذلك على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب، و ذلك لأنه تعالى حرم بسبب النسب سبعا: اثنتان منها هما المنتسبتان بطريق الولادة، و هما الأمهات و البنات، و خمس منها بطريق الأخوة، و هن الأخوات و العمات و الخالات و بنات الأخ و بنات الأخت، ثم أنه تعالى لما شرع بعد ذلك في أخوال الرضاع كالحال ذكر من هذين القسمين صورة واحدة تنبيها بها على الباقي، فذكر من قسم قرابة الولادة الأمهات، و من قسم قرابة الاخوة الأخوات، و نبه بذكر هذين المثالين من هذين القسمين على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب، ثم انه عليه السلام أكد هذا البيان بصريح

قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»

فصار صريح الحديث مطابقا لمفهوم الآية، و هذا/بيان لطيف.

المسألة الثالثة: أم الإنسان من الرضاع هي التي أرضعته، و كذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة، إما من جهة النسب أو من جهة الرضاع، و الحال في الأب كما في الأم، و إذا عرفت الأم و الأب فقد عرفت البنت أيضا بذلك الطريق، و أما الأخوات فثلاثة: الأولى أختك لأبيك و أمك، و هي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبن أبيك، سواء أرضعتها معك أو مع ولد قبلك أو بعدك، و الثانية أختك لأبيك دون أمك، و هي التي أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيك، و الثالثة أختك لأمك دون أبيك، و هي التي أرضعتها أمك بلبن رجل آخر، و إذا عرفت ذلك سهل عليك معرفة العمات و الخالات و بنات الأخ و بنات الأخت.

المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمة اللََّه عليه: الرضاع يحرم بشرط أن يكون خمس رضعات، و قال أبو حنيفة رضي اللََّه عنه: الرضعة الواحدة كافية، و قد مرت هذه المسألة في سورة البقرة، و احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية فقال: انه تعالى علق هذا الاسم يعني الأمومة و الاخوة بفعل الرضاع، فحيث حصل هذا الفعل وجب أن يترتب عليه الحكم، ثم سأل نفسه فقال: ان قوله تعالى: وَ أُمَّهََاتُكُمُ اَللاََّتِي أَرْضَعْنَكُمْ بمنزلة قول القائل:

و أمهاتكم اللاتي أعطينكم، و أمهاتكم اللاتي كسونكم، و هذا يقتضي تقدم حصول صفة الأمومة و الأختية على‏

27

فعل الرضاع، بل لو أنه تعالى قال: اللاتي أرضعنكم هن أمهاتكم لكان مقصودكم حاصلا.

و أجاب عنه بأن قال: الرضاع هو الذي يكسوها سمة الأمومة، فلما كان الاسم مستحقا بوجود الرضاع كان الحكم معلقا به، بخلاف قوله و أمهاتكم اللاتي كسونكم، لأن اسم الأمومة غير مستفاد من الكسوة، قال و يدل على أن ذلك مفهوم من هذه الآية ما روي أنه جاء رجل إلى ابن عمر رضي اللََّه عنهما فقال: قال ابن الزبير: لا بأس بالرضعة و لا بالرضعتين، فقال ابن عمر: قضاء اللََّه خير من قضاء ابن الزبير، قال اللََّه تعالى:

وَ أَخَوََاتُكُمْ مِنَ اَلرَّضََاعَةِ قال: فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ التحريم بالرضاع القليل.

و اعلم أن هذا الجواب ركيك جدا، أما قوله: ان اسم الأمومة إنما جاء من فعل الرضاع فنقول: و هل النزاع الا فيه، فإن عندي أن اسم الأمومة إنما جاء من الرضاع خمس مرات، و عندك إنما جاء من أصل الرضاع، و أنت إنما تمسكت بهذه الآية لا ثبات هذا الأصل، فإذا أثبت التمسك بهذه الآية على هذا الأصل كنت قد أثبت الدليل بالمدلول و إنه دور و ساقط، و أما التمسك بأن ابن عمر فهم من الآية حصول التحريم بمجرد فعل الرضاع، فهو معارض بما أن ابن الزبير ما فهمه/منه، و كان كل واحد منهما من فقهاء الصحابة و من العلماء بلسان العرب، فكيف جعل فهم أحدهما حجة و لم يجعل فهم الآخر حجة على قول خصمه. و لولا التعصب الشديد المعمي للقلب لما خفي ضعف هذه الكلمات، ثم ان أبا بكر الرازي أخذ يتمسك في إثبات مذهبه بالأحاديث و الأقيسة، و من تكلم في أحكام القرآن وجب أن لا يذكر إلا ما يستنبطه من الآية، فأما ما سوى ذلك فإنما يليق بكتب الفقه.

النوع العاشر: من المحرمات.

قوله تعالى: وَ أُمَّهََاتُ نِسََائِكُمْ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: يدخل في هذه الآية الأمهات الأصلية و جميع جداتها من قبل الأب و الأم كما بينا مثله في النسب.

المسألة الثانية: مذهب الأكثرين من الصحابة و التابعين أن من تزوج بامرأة حرمت عليه أمها سواء دخل بها أو لم يدخل، و زعم جمع من الصحابة أن‏

أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها، و هو قول علي

و زيد و ابن عمر و ابن الزبير و جابر، و أظهر الروايات عن ابن عباس، و حجتهم أنه تعالى ذكر حكمين و هو قوله: وَ أُمَّهََاتُ نِسََائِكُمْ وَ رَبََائِبُكُمُ اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ ثم ذكر شرطا و هو قوله: مِنْ نِسََائِكُمُ اَللاََّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبرا في الجملتين معا، و حجة القول الأول أن قوله تعالى: وَ أُمَّهََاتُ نِسََائِكُمْ جملة مستقلة بنفسها و لم يدل الدليل على عود ذلك الشرط اليه، فوجب القول ببقائه على عمومه، و إنما قلنا إن هذا الشرط غير عائد لوجوه: الأول: و هو أن الشرط لا بد من تعليقه بشي‏ء سبق ذكره فإذا علقناه بإحدى الجملتين لم يكن بنا حاجة إلى تعليقه بالجملة الثانية، فكان تعليقه بالجملة الثانية تركا للظاهر من غير دليل، و انه لا يجوز. الثاني: و هو أن عموم هذه الجملة معلوم، و عود الشرط اليه محتمل، لأنه يجوز أن يكون الشرط مختصا بالجملة الأخيرة فقط، و يجوز أن يكون عائدا إلى الجملتين معا، و القول بعود هذا الشرط إلى الجملتين ترك لظاهر العموم بمخصص مشكوك، و انه لا يجوز. الثالث: و هو أن هذا

28

الشرط لو عاد إلى الجملة الأولى، فاما أن يكون مقصورا عليها، و إما أن يكون متعلقا بها و بالجملة الثانية أيضا، و الأول باطل، لأن على هذا التقدير يلزم القول بتحريم الربائب مطلقا، و ذلك باطل بالإجماع، و الثاني باطل أيضا، لأن على هذا التقدير يصير نظم الآية هكذا/و أمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فيكون المراد بكلمة «من» هاهنا التمييز ثم يقول: و ربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فيكون المراد بكلمة «من» هاهنا ابتداء الغاية كما يقول: بنات الرسول من خديجة، فيلزم استعمال اللفظ الواحد المشترك في كلا مفهوميه و انه غير جائز، و يمكن أن يجاب عنه فيقال: إن كلمة «من» للاتصال كقوله تعالى:

وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ [التوبة: 71]و

قال عليه الصلاة و السلام: «ما أنا من دد و لا الدد مني»

و معنى مطلق الاتصال حاصل في النساء و الربائب معا.

الوجه الرابع: في الدلالة على ما قلناه: ما

روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى اللََّه عليه و سلم أنه قال: إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، و إذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فان شاء تزوج البنت،

و طعن محمد بن جرير الطبري في صحة هذا الحديث. و كان عبد اللََّه بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة إذا طلق بنتها قبل المسيس و هو يومئذ بالكوفة، فاتفق أن ذهب إلى المدينة فصادفهم مجمعين على خلاف فتواه، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل و قرع عليه الباب و أمره بالنزول عن تلك المرأة. و روى قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول و أراد أن يتزوج أمها فان طلقها قبل الدخول تزوج أمها، و إن ماتت لم يتزوج أمها، و اعلم أنه إنما فرق بين الموت و الطلاق في التحريم، لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شي‏ء من أحكام الدخول، ألا ترى أنه لا يجب عليها عدة، و أما الموت فلما كان في حكم الدخول في باب وجوب العدة، لا جرم جعله اللََّه سببا لهذا التحريم.

النوع الحادي عشر: من المحرمات.

قوله تعالى: وَ رَبََائِبُكُمُ اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسََائِكُمُ اَللاََّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ .

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الربائب: جمع ربيبة، و هي بنت امرأة الرجل من غيره، و معناها مربوبة، لأن/الرجل هو يربها يقال: ربيت فلانا أربه: و ربيته أربيه بمعنى واحد، و الحجور جمع حجر، و فيه لغتان قال ابن السكيت: حجر الإنسان و حجره بالفتح و الكسر، و المراد بقوله: فِي حُجُورِكُمْ أي في تربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان في تربيته، و السبب في هذه الاستعارة أن كل من ربي طفلا أجلسه في حجره، فصار الحجر عبارة عن التربية، كما يقال: فلان في حضانة فلان، و أصله من الحضن الذي هو الإبط، و قال أبو عبيدة: في حجوركم أي في بيوتكم.

المسألة الثانية:

روى مالك بن أوس بن الحدثان عن علي رضي اللََّه عنه أنه قال: الربيبة إذا لم تكن في حجر الزوج و كانت في بلد آخر، ثم فارق الأم بعد الدخول فإنه يجوز له أن يتزوج الربيبة، و نقل أنه رضوان اللََّه

29

عليه احتج على ذلك بأنه تعالى قال: وَ رَبََائِبُكُمُ اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ

شرط في كونها ربيبة له، كونها في حجره، فإذا لم تكن في تربيته و لا في حجره فقد فات الشرط، فوجب أن لا تثبت الحرمة، و هذا استدلال حسن. و أما سائر العلماء فإنهم قالوا: إذا دخل بالمرأة حرمت عليه ابنتها سواء كانت في تربيته أو لم تكن، و الدليل عليه قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، و هذا يقتضي أن المقتضى لحصول الجناح هو مجرد الدخول. و أما الجواب عن حجة القول الأول فهو أن الأعم الأغلب أن بنت زوجة الإنسان تكون في تربيته، فهذا الكلام على الأعم، لا أن هذا القيد شرط في حصول هذا التحريم.

المسألة الثالثة: تمسك أبو بكر الرازي في إثبات أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة بقوله تعالى: وَ رَبََائِبُكُمُ اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسََائِكُمُ اَللاََّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ قال: لأن الدخول بها اسم لمطلق الوطء سواء كان الوطء نكاحا أو سفاحا، فدل هذا على أن الزنا بالأم يوجب تحريم البنت، و هذا الاستدلال في نهاية الضعف، و ذلك لأن هذه الآية مختصة بالمنكوحة لدليلين: الأول: أن هذه الآية إنما تناولت امرأة كانت من نسائه قبل دخوله بها و المزني بها ليست كذلك، فيمتنع دخولها في الآية بيان الأول من وجهين: الأول: أن قوله: مِنْ نِسََائِكُمُ اَللاََّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ يقتضي أن كونها من نسائه يكون متقدما على دخوله بها، و الثاني: أنه تعالى قسم نساءهم إلى من تكون مدخولا بها، و إلى من لا تكون كذلك، بدليل قوله: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ و إذا كان نساؤهم منقسمة إلى هذين القسمين علمنا أن كون المرأة من نسائه أمر مغاير للدخول بها، و أما بيان أن المزنية ليست كذلك، فذلك لأن في النكاح صارت المرأة بحكم العقد من نسائه سواء دخل بها أو لم يدخل بها، أما في الزنا فانه لم يحصل قبل الدخول بها حالة أخرى تقتضي صيرورتها من نسائه، فثبت بهذا أن المزنية غير داخلة /في هذه الآية. الثاني: لو أوصى لنساء فلان، لا تدخل هذه الزانية فيهن، و كذلك لو حلف على نساء بني فلان، لا يحصل الحنث و البر بهذه الزانية، فثبت ضعف هذا الاستدلال و اللََّه أعلم.

النوع الثاني عشر: من المحرمات.

قوله تعالى: وَ حَلاََئِلُ أَبْنََائِكُمُ اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاََبِكُمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الشافعي رحمه اللََّه: لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه، و قال أبو حنيفة رضي اللََّه عنه: إنه يجوز، احتج الشافعي فقال: جارية الابن حليلة، و حليلة الابن محرمة على الأب، أما المقدمة الأولى فبيانها بالبحث عن الحليلة فنقول: الحليلة فعلية فتكون بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول، ففيه وجهان:

أحدهما: أن يكون مأخوذا من الحل الذي هو الاباحة، فالحليلة تكون بمعنى المحلة أي المحللة، و لا شك أن الجارية كذلك فوجب كونها حليلة له. الثاني: أن يكون ذلك مأخوذا من الحلول، فالحليلة عبارة عن شي‏ء يكون محل الحلول، و لا شك أن الجارية موضع حلول السيد، فكانت حليلة له، أما إذا قلنا: الحليلة بمعنى الفاعل ففيه وجهان أيضا: الأول: أنها لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر كأنهما يحلان في ثوب واحد و في لحاف واحد و في منزل واحد و لا شك أن الجارية كذلك. الثاني: أن كل واحد منهما كأنه حال في قلب صاحبه و في روحه لشدة ما بينهما من المحبة و الالفة، فثبت بمجموع ما ذكرناه أن جارية الابن حليلة، و أما المقدمة الثانية و هي أن حليلة الابن محرمة على الأب لقوله تعالى: وَ حَلاََئِلُ أَبْنََائِكُمُ اَلَّذِينَ لا يقال: إن أهل اللغة

30

يقولون: حليلة الرجل زوجته لأنا نقول: إنا قد بينا بهذه الوجوه الأربعة من الاشتقاقات الظاهرة أن لفظ الحليلة يتناول الجارية، فالنقل الذي ذكرتموه لا يلتفت اليه. فكيف و هو شهادة على النفي؟فانا لا ننكر أن لفظ الحليلة يتناول الزوجة، و لكنا نفسره بمعنى يتناول الزوجة و الجارية، فقول من يقول: إنه ليس كذلك شهادة على النفي و لا يلتفت إليه.

المسألة الثانية: قوله: اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاََبِكُمْ احترازا عن المتبني، و كان المتبني في صدر الإسلام بمنزلة الابن، و لا يحرم على الإنسان حليلة من ادعاه ابنا إذا لم يكن من صلبه، نكح الرسول صلّى اللََّه عليه و سلّم زينب بنت جحش الأسدية و هي بنت أميمة بنت عبد المطلب، و كانت زينب ابنة عمة النبي صلّى اللََّه عليه و سلم، بعد أن كانت زوجة زيد بن حارثة، فقال المشركون: إنه تزوج امرأة ابنه فأنزل اللََّه تعالى: وَ مََا جَعَلَ أَدْعِيََاءَكُمْ أَبْنََاءَكُمْ [الأحزاب: 4] و قال: لِكَيْ لاََ يَكُونَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوََاجِ أَدْعِيََائِهِمْ [الأحزاب: 37].

المسألة الثالثة: ظاهر قوله: وَ حَلاََئِلُ أَبْنََائِكُمُ اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاََبِكُمْ لا يتناول حلائل الأبناء من الرضاعة، فلما قال في آخر الآية: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ لزم من ظاهر الآيتين حل التزوج بأزواج الأبناء من الرضاع، إلا

أنه عليه السلام قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»

فاقتضى هذا تحريم التزوج بحليلة الابن من الرضاع لأن قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ يتناول الرضاع و غير الرضاع، فكان‏

قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»

أخص منه، فخصصوا عموم القرآن بخبر الواحد و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: اتفقوا على أن حرمة التزوج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد كما أن حرمة التزوج بحليلة الأب تحصل بنفس العقد، و ذلك لأن عموم الآية يتناول حليلة الابن، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن. أما ما روي ابن عباس سئل عن قوله: وَ حَلاََئِلُ أَبْنََائِكُمُ اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاََبِكُمْ أنه تعالى لم يبين أن هذا الحكم مخصوص بما إذا دخل الابن بها. أو غير مخصوص بذلك، فقال ابن عباس: أبهموا ما أبهمه اللََّه، فليس مراده من هذا الإبهام كونها مجملة مشتبهة، بل المراد من هذا الإبهام التأييد. ألا ترى أنه قال في السبعة المحرمة من جهة النسب: انها من المبهمات، أي من اللواتي ثبت حرمتهن على سبيل التأبيد، فكذا هاهنا و اللََّه أعلم.

المسألة الخامسة: اتفقوا على أن هذه الآية تقتضي تحريم حليلة ولد الولد على الجد، و هذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه من صلب الجد، و فيه دلالة على أن ولد الولد منسوب إلى الجد بالولادة.

النوع الثالث عشر: من المحرمات.

قوله تعالى: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ غَفُوراً رَحِيماً في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ في محل الرفع، لأن التقدير: حرمت عليكم أمهاتكم و بناتكم و الجمع بين الأختين.

المسألة الثانية: الجمع بين الأختين يقع على ثلاثة أوجه: إما أن ينكحهما معا، أو يملكهما معا، أو ينكح إحداهما و يملك الأخرى، أما الجمع بين الأختين في النكاح. فذلك يقع على وجهين: أحدهما: أن يعقد عليهما جميعا، فالحكم هاهنا: إما الجمع، أو التعيين، أو التخيير، أو الابطال، أما الجمع فباطل بحكم هذه الآية هكذا قالوا، إلا أنه مشكل على أصل أبي حنيفة رضي اللََّه عنه، لأن/الحرمة لا تقتضي الابطال على قول‏

31

أبي حنيفة، ألا ترى أن الجمع بين الطلقات حرام على قوله، ثم انه يقع، و كذا النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين لم يمنع من انعقاد هذا العقد، و كذا القول في جميع المبايعات الفاسدة، فثبت أن الاستدلال بالنهي على الفساد لا يستقيم على قوله.

فان قالوا: و هذا يلزمكم أيضا لأن الطلاق في زمان الحيض و في طهر جامعها فيه منهي عنه، ثم إنه يقع.

قلنا: بين الصورتين فرق دقيق لطيف ذكرناه في الخلافيات، فمن أراده فليطلب ذلك الكتاب فثبت أن الجمع باطل. و أما أن التعيين أيضا باطل، فلأن الترجيح من غير مرجح باطل، و أما أن التخيير أيضا باطل، فلأن القول بالتخيير يقتضي حصول العقد و بقاءه إلى أوان التعيين. و قد بينا بطلانه، فلم يبق إلا القول بفساد العقدين جميعا.

الصورة الثانية: من صور الجمع: و هي أن يتزوج إحداهما، ثم يتزوج الأخرى بعدها، فههنا يحكم ببطلان نكاح الثانية، لأن الدفع أسهل من الرفع، و أما الجمع بين الأختين بملك اليمين، أو بأن ينكح إحداهما و يشتري الأخرى، فقد اختلفت الصحابة فيه،

فقال علي و عمرو و ابن مسعود و زيد بن ثابت و ابن عمر: لا يجوز الجمع بينهما:

و الباقون جوزوا ذلك. أما الأولون فقد احتجوا على قولهم بأن ظاهر الآية يقتضي تحريم الجمع بين الأختين مطلقا، فوجب أن يحرم الجمع بينهما على جميع الوجوه و عن عثمان أنه قال: أحلتهما آية و حرمتهما آية، و التحليل أولى، فالآية الموجبة للتحليل هي قوله: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ [النساء: 24]و قوله: إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ* [المؤمنون: 6].

و الجواب عنه من وجهين: الأول: أن هذه الآيات دالة على تحريم الجمع أيضا، لأن المسلمين أجمعوا على أنه لا يجوز الجمع بين الأختين في حل الوطء، فنقول: لو جاز الجمع بينهما في الملك لجاز الجمع بينهما في الوطء لقوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ*`إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ* [المعارج:

29، 30]، لكنه لا يجوز الجمع بينهما في الملك، فثبت أن هذه الآية بأن تكون دالة على تحريم الجمع بينهما في الملك، أولى من أن تكون دالة على الجواز.

الوجه الثاني: إن سلمنا دلالتها على جواز الجمع، لكن نقول: الترجيح لجانب الحرمة، و يدل عليه وجوه: الأول:

قوله عليه الصلاة و السلام: «ما اجتمع الحرام و الحلال إلا و غلب الحرام الحلال»

الثاني: أنه لا شك أن الاحتياط في جانب الترك فيجب، لقوله عليه الصلاة و السلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» الثالث:

أن مبنى الابضاع في الأصل على الحرمة، بدليل أنه إذا استوت الأمارات في حصول العقد مع شرائطه و في عدمه وجب القول بالحرمة، و لأن النكاح مشتمل على/المنافع العظيمة، فلو كان خاليا عن جهة الإذلال و الضرر، لوجب أن يكون مشروعا في حق الأمهات لأن إيصال النفع إليهن مندوب لقوله تعالى: وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً* [البقرة: 83]و لما كان ذلك محرما علمنا اشتماله على وجه الإذلال و المضارة، و إذا كان كذلك كان الأصل فيه هو الحرمة، و الحل إنما ثبت بالعارض، و إذا ثبت هذا ظهر أن الرجحان لجانب الحرمة، فهذا هو تقرير مذهب علي رضي اللََّه عنه في هذا الباب. أما إذا أخذنا بالمذهب المشهور بين الفقهاء، و هو أنه يجوز الجمع بين أمتين أختين في ملك اليمين، فإذا وطئ إحداهما حرمت الثانية، و لا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج.

32

المسألة الثالثة: قال الشافعي رضي اللََّه عنه: نكاح الأخت في عدة الأخت البائن جائز، و قال أبو حنيفة رحمة اللََّه عليه: لا يجوز. حجة الشافعي: أنه لم يوجد الجمع فوجب أن لا يحصل المنع، إنما قلنا: إنه لم يوجد الجمع لأن نكاح المطلقة زائل، بدليل أنه لا يجوز له وطؤها، و لو وطئها يلزمه الحد، و إنما قلنا: انه لما لم يوجد الجمع وجب أن لا يحصل المنع، لقوله تعالى بعد تقرير المحرمات: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ [النساء: 24]و لا شبهة في انتفاء جميع تلك الموانع، إلا كونه جمعا بين أختين، فإذا ثبت بالدليل أن الجمع منتف وجب القول بالجواز.

فإن قيل: النكاح باق من بعض الوجوه بدليل وجوب العدة و لزوم النفقة عليها.

قلنا: النكاح له حقيقة واحدة، و الحقيقة الواحدة يمتنع كونها موجودة معدومة معا، بل لو انقسمت هذه الحقيقة إلى نصفين حتى يكون أحدهما موجودا و الآخر معدوما صح ذلك، أما إذا كانت الحقيقة الواحدة غير قابلة للتنصيف كان هذا القول فاسدا. و أما وجوب العدة و لزوم النفقة، فاعلم أنه ان حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها، و هذا لا ينتج أنه حصلت القدرة على حبسها للنكاح، لأن استثناء عين التالي لا ينتج، فبالجملة: فاثبات حق الحبس بعد زوال النكاح بطريق آخر معقول في الجملة، فاما القول ببقاء النكاح حال القول بعدمه، فذلك مما لا يقبله العقل، و تخريج أحكام الشرع على وفق العقول، أولى من حملها على ما يعرف بطلانها في بداهة العقول، و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمة اللََّه عليه: إذا أسلم الكافر و تحته أختان اختار. أيتهما شاء و فارق الأخرى. و قال أبو حنيفة رضي اللََّه عنه: ان كان قد تزوج بهما دفعة واحدة فرق بينه و بينهما، و ان كان قد تزوج بإحداهما أولا و بالأخرى ثانيا، اختار الأولى و فارق الثانية، و احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بقوله: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ قال: هذا خطاب عام/فيتناول المؤمن و الكافر، و إذا ثبت أنه تناول الكافر وجب أن يكون النكاح فاسدا، لأن النهي يدل على الفساد، فيقال له: انك بنيت هذا الاستدلال على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع و على أن النهي يدل على الفساد، و أبو حنيفة لا يقول بواحد من هذين الأصلين، فان قال: فهما صحيحان على قولكم: فكان هذا الاستدلال لازما عليكم فنقول: قولنا: الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لا نعني به في أحكام الدنيا، فانه ما دام كافرا لا يمكن تكليفه بفروع الإسلام، و إذا أسلم سقط عنه كل ما مضى بالإجماع، بل المراد منه أحكام الآخرة، و هو أن الكافر يعاقب بترك فروع الإسلام كما يعاقب على ترك الإسلام، إذا عرفت هذا فنقول: أجمعنا على أنه لو تزوج الكافر بغير ولي و لا شهود، أو تزوج بها على سبيل القهر، فبعد الإسلام يقر ذلك النكاح في حقه، فثبت أن الخطاب بفروع الشرائع لا يظهر أثره في الأحكام الدنيوية في حق الكافر، و حجة الشافعي: أن فيروز الديلمي أسلم على ثمان نسوة،

فقال عليه الصلاة و السلام: «اختر أربعا و فارق سائرهن»

خيره بينهن، و ذلك ينافي ما ذكرتم من الترتيب و اللََّه أعلم.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ فيه الأشكال المشهور: و هو أن تقدير الآية حرمت عليكم أمهاتكم و كذا و كذا الا ما قد سلف، و هذا يقتضي استثناء الماضي من المستقبل، و إنه لا يجوز، و جوابه بالوجوه المذكورة في قوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ و المعنى أن ما مضى مغفور بدليل قوله: إِنَّ اَللََّهَ كََانَ غَفُوراً رَحِيماً ؟

33

النوع الرابع: عشر من المحرمات.

قوله تعالى: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ كِتََابَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ .

فيه مسائل:

المسألة الأولى: الإحصان في اللغة المنع، و كذلك الحصانة، يقال: مدينة حصينة و درع حصينة، أي مانعة صاحبها من الجراحة. قال تعالى: وَ عَلَّمْنََاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [الأنبياء: 80] معناه لتمنعكم و تحرزكم، و الحصن الموضع الحصين لمنعه من يريده بالسوء، و الحصان بالكسر الفرس /الفحل، لمنعه صاحبه من الهلاك، و الحصان بالفتح المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد، قال تعالى:

وَ مَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرََانَ اَلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهََا [التحريم: 12].

و اعلم أن لفظ الإحصان جاء في القرآن على وجوه: أحدها: الحرية كما في قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنََاتِ [النور: 4]يعني الحرائر، ألا ترى أنه لو قذف غير حر لم يجلد ثمانين، و كذلك قوله: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مََا عَلَى اَلْمُحْصَنََاتِ مِنَ اَلْعَذََابِ يعني الحرائر، و كذلك قوله: مُحْصَنََاتٍ غَيْرَ مُسََافِحََاتٍ [النساء:

25]و قوله: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ و قوله: وَ اَلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهََا [الأنبياء: 91]أي أعفته، و ثالثها الإسلام: من ذلك قوله: فَإِذََا أُحْصِنَّ قيل في تفسيره: إذا أسلمن، و رابعها: كون المرأة ذات زوج يقال:

امرأة محصنة إذا كانت ذات زوج، و قوله: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ يعني ذوات الأزواج، و الدليل على أن المراد ذلك أنه تعالى عطف المحصنات على المجرمات، فلا بد و أن يكون الإحصان سببا للحرمة، و معلوم أن الحرية و العفاف و الإسلام لا تأثير له في ذلك، فوجب أن يكون المراد منه المزوجة، لأن كون المرأة ذات زوج له تأثير في كونها محرمة على الغير.

و اعلم أن الوجوه الأربعة مشتركة في المعنى الأصلي اللغوي، و هو المنع، و ذلك لأنا ذكرنا أن الإحصان عبارة عن المنع، فالحرية سبب لتحصين الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه، و العفة أيضا مانعة للإنسان عن الشروع فيما لا ينبغي، و كذلك الإسلام مانع من كثير مما تدعو إليه النفس و الشهوة، و الزوج أيضا مانع للزوجة من كثير من الأمور، و الزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا، و لذلك‏

قال عليه الصلاة و السلام: «من تزوج فقد حصن ثلثي دينه»

فثبت أن المرجع بكل هذه الوجوه إلى ذلك المعنى اللغوي و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قال الواحدي: اختلف القراء في اَلْمُحْصَنََاتُ فقرءوا بكسر الصاد و فتحها في جميع القرآن إلا التي في هذه الآية فإنهم أجمعوا على الفتح فيها، فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن يعني: أسلمن و اخترن العفاف، و تزوجن و أحصن أنفسهن بسبب هذه الأمور. و من قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن، يعني أحصنهن أزواجهن و اللََّه أعلم.

34

المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمة اللََّه عليه: الثيب الذمي إذا زنى يرجم، و قال أبو حنيفة رضي اللََّه عنه:

لا يرجم. حجة الشافعي أنه حصل الزنا مع الإحصان و ذلك علة لإباحة الدم، فوجب أن يثبت إباحة الدم، و إذا ثبت ذلك وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم. أما قولنا: حصل الزنا مع الإحصان، فهذا يعتمد اثبات قيدين:

أحدهما: حصول الزنا و لا شك فيه. الثاني: /حصول الإحصان و هو حاصل، لأن قوله تعالى: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ يدل على أن المراد من المحصنة: المزوجة، و هذه المرأة مزوجة فهي محصنة، فثبت أنه حصل الزنا مع الإحصان، و إنما قلنا: ان الزنا مع الإحصان علة لإباحة الدم‏

لقوله عليه الصلاة و السلام: «لا يحل دم امرئ مسلم الا لا حدى معان ثلاثة»

و منها

قوله: «و زنا بعد إحصان»

جعل الزنا بعد الإحصان علة لإباحة الدم في حق المسلم، و المسلم محل لهذا الحكم، أما العلة فهي مجرد الزنا بعد الإحصان، بدليل أن لام التعليل إنما دخل عليه. أقصى ما في الباب أنه حكم في حق المسلم، أن الزنا بعد الإحصان علة لإباحة الدم، إلا أن كونه مسلما محل الحكم، و خصوص محل الحكم لا يمنع من التعدية إلى غير ذلك المحل، و الا لبطل القياس بالكلية. و أما العلة فهي ما دخل عليه لا م التعليل، و هي ماهية الزنا بعد الإحصان، و هذه الماهية لما حصلت في حق الثيب الذمي، وجب أن يحصل في حقه إباحة الدم، فثبت أنه مباح الدم. ثم هاهنا طريقان: ان شئنا اكتفينا بهذا القدر، فانا ندعي كونه مباح الدم و الخصم لا يقول به، فصار محجوجا، أو نقول: لما ثبت أنه مباح الدم وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم لأنه لا قائل بالفرق.

فان قيل: ما ذكرتم إن دل على أن الذمي محصن، فههنا ما يدل على أنه غير محصن، و هو

قوله عليه الصلاة و السلام: «من أشرك باللََّه فليس بمحصن» .

قلنا: ثبت بالدليل الذي ذكرناه أن الذمي محصن، و ثبت بهذا الخبر الذي ذكرتم أنه ليس بمحصن، فنقول: إنه محصن بمعنى أنه ذات زوج، و غير محصن بمعنى أنه لا يحد قاذفه، و قوله: من أشرك باللََّه فليس بمحصن يجب حمله على أنه لا يحد قاذفه، لا على أنه لا يحد على الزنا، لأنه وصفه بوصف الشرك و ذلك جناية، و المذكور عقيب الجناية لا بد و أن يكون أمرا يصلح أن يكون عقوبة، و قولنا: انه لا يحد قاذفه يصلح أن يكون عقوبة، أما قولنا: لا يحد على الزنا، لا يصلح أن يكون عقوبة له، فكان المراد من قوله: من أشرك باللََّه فليس بمحصن ما ذكرناه و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: في قوله: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ قولان: أحدهما: المراد منها ذوات الأزواج، و على هذا التقدير ففي قوله: إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ وجهان: الأول: أن المرأة إذا كانت ذات زوج حرمت على غير زوجها، إلا إذا صارت ملكا لإنسان فإنها تحل للمالك، الثاني: أن المراد بملك اليمين هاهنا ملك النكاح، و المعنى أن ذوات الأزواج حرام عليكم إلا إذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع البينونة بينهن و بين أزواجهن، و المقصود من هذا الكلام الزجر عن الزنا و المنع من وطئهن إلا بنكاح جديد، أو بملك يمين إن كانت المرأة مملوكة، و عبر عن/ذلك بملك اليمين لأن ملك اليمين حاصل في النكاح و في الملك.

القول الثاني: أن المراد هاهنا بالمحصنات الحرائر، و الدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنََاتِ اَلْمُؤْمِنََاتِ فَمِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ [النساء: 25]ذكر هاهنا المحصنات ثم قال بعده: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنََاتِ كان المراد بالمحصنات هاهنا ما هو المراد هناك، ـ

35

ثم المراد من المحصنات هناك الحرائر، فكذا هاهنا. و على هذا التقدير ففي قوله: إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ وجهان: الأول: المراد منه إلا العدد الذي جعله اللََّه ملكا لكم و هو الأربع، فصار التقدير: حرمت عليكم الحرائر إلا العدد الذي جعله اللََّه ملكا لكم و هو الأربع، الثاني: الحرائر محرمات عليكم إلا ما أثبت اللََّه لكم ملكا عليهن، و ذلك عند حضور الولي و الشهود و سائر الشرائط المعتبرة في الشريعة، فهذا الأول في تفسير قوله: إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ هو المختار، و يدل عليه قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ*`إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ* [المعارج: 29، 30]، جعل ملك اليمين عبارة عن ثبوت الملك فيها، فوجب أن يكون هاهنا مفسرا بذلك، لأن تفسير كلام اللََّه تعالى بكلام اللََّه أقرب الطرق إلى الصدق و الصواب و اللََّه أعلم.

المسألة الخامسة: اتفقوا على أنه إذا سبى أحد الزوجين قبل الآخر و أخرج إلى دار الإسلام وقعت الفرقة.

أما إذا سبيا معا فقال الشافعي رضي اللََّه عنه: هاهنا تزول الزوجية، و يحل للمالك أن يستبرئها بوضع الحمل إن كانت حاملا من زوجها، أو بالحيض. و قال أبو حنيفة رحمة اللََّه عليه: لا تزول. حجة الشافعي رضي اللََّه عنه أن قوله: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ يقتضي تحريم ذات الأزواج ثم قوله: إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ يقتضي أن عند طريان الملك ترفع الحرمة و يحصل الحل، قال أبو بكر الرازي: لو حصلت الفرقة بمجرد طريان الملك لوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة و اتهابها و إرثها، و معلوم أنه ليس كذلك، فيقال له: كأنك ما سمعت أن العام بعد التخصيص حجة في الباقي، و أيضا: فالحاصل عند السبي إحداث الملك فيها، و عند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص فكان الأول أقوى، فظهر الفرق.

المسألة السادسة: مذهب علي و عمر و عبد الرحمن بن عوف أن الأمة المنكوحة إذا بيعت لا يقع عليها الطلاق، و عليه إجماع الفقهاء اليوم، و قال أبي بن كعب و ابن مسعود و ابن عباس و جابر و أنس: إنها إذا بيعت طلقت. حجة الجمهور: أن عائشة لما اشترت بريرة و أعتقتها خيرها النبي صلّى اللََّه عليه و سلم و كانت مزوجة، و لو وقع الطلاق بالبيع لما كان لذلك التخيير فائدة. و منهم من‏

روى في قصة بريرة أنه عليه الصلاة و السلام قال: «بيع الأمة طلاقها»

و حجة أبي كعب/و ابن مسعود عموم الاستثناء في قوله: إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ و حاصل الجواب عنه يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد و اللََّه أعلم. ثم إنه تعالى ختم ذكر المحرمات بقوله: كِتََابَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ و فيه وجهان: الأول: أنه مصدر مؤكد من غير لفظ الفعل فان قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ يدل على معنى الكتبة فالتقدير: كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من اللََّه، و مجي‏ء المصدر من غير لفظ الفعل كثير نظيره‏ وَ تَرَى اَلْجِبََالَ تَحْسَبُهََا جََامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحََابِ صُنْعَ اَللََّهِ [النمل: 88]الثاني: قال الزجاج: و يجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر، و يكون «عليكم» مفسرا له فيكون المعنى: الزموا كتاب اللََّه.

ثم قال: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي و حفص عن عاصم وَ أُحِلَّ لَكُمْ على ما لم يسم فاعله عطفا على قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ و الباقون بفتح الألف و الحاء عطفا على كِتََابَ اَللََّهِ يعني كتب اللََّه عليكم تحريم هذه الأشياء و أحل لكم ما وراءها.

المسألة الثاني: اعلم أن ظاهر قوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ يقتضي حل كل من سوى الأصناف المذكورة.

36

إلا أنه دل الدليل على تحريم أصناف أخر سوى هؤلاء المذكورين و نحن نذكرها.

الصنف الأول: لا يجمع بين المرأة و بين عمتها و خالتها،

قال النبي صلى اللََّه عليه و سلم: «لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها»

و هذا خبر مشهور مستفيض، و ربما قيل: إنه بلغ مبلغ التواتر، و زعم الخوارج أن هذا خبر واحد، و تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز، و احتجوا عليه بوجوه: الأول: أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة، و خبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة، فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن، فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى و إنه لا يجوز. الثاني: من جملة الأحاديث المشهورة خبر معاذ، و إنه يمنع من تقديم خبر الواحد على عموم القرآن من وجهين لأنه قال: بم تحكم؟قال بكتاب اللََّه، قال: فان لم تجد قال: بسنة رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، فقدم التمسك بكتاب اللََّه على التمسك بالسنة، و هذا يمنع من تقديم السنة على الكتاب، و أيضا فانه قال: فان لم تجد قال: بسنة رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، علق جواز التمسك بالسنة على عدم الكتاب بكلمة «إن» و هي للاشتراط، و المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط. الثالث: أن من الأحاديث المشهورة

قوله عليه الصلاة و السلام: «إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللََّه فان وافقه فاقبلوه و إلا فردوه»

فهذا الخبر نقتضي أن لا يقبل خبر الواحد/إلا عند موافقه الكتاب، فإذا كان خبر العمة و الخالة مخالفا لظاهر الكتاب وجب رده. الرابع: أن قوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ مع قوله عليه السلام: لا تنكح المرأة على عمتها لا يخلو الحال فيهما من ثلاثة أوجه: إما أن يقال: الآية نزلت بعد الخبر، فحينئذ تكون الآية ناسخة للخبر لأنه ثبت أن العام إذا ورد بعد الخاص كان العام ناسخا للخاص، و إما أن يقال: الخبر ورد بعد الكتاب، فهذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد و إنه لا يجوز، و إما أن يقال: وردا معا، و هذا أيضا باطل لأن على هذا التقدير تكون الآية وحدها مشتبهة، و يكون موضع الحجة مجموع الآية مع الخبر، و لا يجوز للرسول المعصوم أن يسعى في تشهير الشبهة و لا يسعى في تشهير الحجة، فكان يجب على الرسول صلى اللََّه عليه و سلم أن لا يسمع أحدا هذه الآية إلا مع هذا الخبر، و أن يوجب إيجابا ظاهرا على جميع الأمة أن لا يبلغوا هذه الآية أحد إلا مع هذا الخبر، و لو كان كذلك لزم أن يكون اشتهار هذا الخبر مساويا لاشتهار هذه الآية، و لما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم.

الوجه الخامس: أن بتقدير أن تثبت صحة هذا الخبر قطعا، إلا أن التمسك بالآية راجح على التمسك بالخبر. و بيانه من وجهين: الأول: أن قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ نص صريح في التحليل كما أن قوله:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ نص صريح في التحريم. و أما

قوله: «لا تنكح المرأة على عمتها»

فليس نصا صريحا لأن ظاهره إخبار، و حمل الاخبار على النهي مجاز، ثم بهذا التقدير فدلالة لفظ النهي على التحريم أضعف من دلالة لفظ الإحلال على معنى الاباحة. الثاني: أن قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ صريح في تحليل كل ما سوى المذكورات، و قوله: «لا تنكح المرأة على عمتها» ليس صريحا في العموم، بل احتماله للمعهود السابق أظهر.

الوجه السادس: أنه تعالى استقصى في هذه الآية شرح أصناف المحرمات فعد منها خمسة عشر صنفا، ثم بعد هذا التفصيل التام و الاستقصاء الشديد قال: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ فلو لم يثبت الحل في كل من سوى هذه الأصناف المذكورة لصار هذا الاستقصاء عبثا لغوا، و ذلك لا يليق بكلام أحكم الحاكمين، فهذا تقرير وجوه السؤال في هذا الباب.

37

و الجواب على وجوه: الأول: ما ذكره الحسن و أبو بكر الأصم، و هو أن قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ لا يقتضي إثبات الحل على سبيل التأبيد، و هذا الوجه عندي هو الأصح في هذا الباب، و الدليل عليه أن قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ إخبار عن إحلال كل ما سوى المذكورات و ليس فيه بيان أن إحلال كل ما سوى المذكورات وقع على التأبيد أم لا، و الدليل على أنه لا يفيد التأبيد: أنه يصح تقسيم هذا المفهوم إلى المؤبد و إلى غير المؤبد، فيقال تارة: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ/ذََلِكُمْ أبدا، و أخرى وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ إلى الوقت الفلاني، و لو كان قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ صريحا في التأبيد لما كان هذا التقسيم ممكنا، و لأن قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ لا يفيد إلا إحلال من سوى المذكورات و صريح العقل يشهد بأن الإحلال أعم من الإحلال المؤبد و من الإحلال المؤقت، إذا ثبت هذا فنقول: قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ لا يفيد إلا حل من عدا المذكورات في ذلك الوقت، فأما ثبوت حلهم في سائر الأوقات فاللفظ ساكت عنه بالنفي و الإثبات، و قد كان حل من سوى المذكورات ثابتا في ذلك الوقت، و طريان حرمة بعضهم بعد ذلك لا يكون تخصيصا لذلك النص و لا نسخا له، فهذا وجه حسن معقول مقرر. و بهذا الطريق نقول أيضا: إن قوله:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ [النساء: 23]ليس نصا في تأبيد هذا التحريم، و إن ذلك التأبيد إنما عرفناه بالتواتر من دين محمد صلى اللََّه عليه و سلم، لا من هذا اللفظ، فهذا هو الجواب المعتمد في هذا الموضع.

الوجه الثاني: انا لا نسلم أن حرمة الجمع بين المرأة و بين عمتها و خالتها غير مذكورة في الآية و بيانه من وجهين: الأول: أنه تعالى حرم الجمع بين الأختين، و كونهما أختين يناسب هذه الحرمة لأن الأختية قرابة قريبة، و القرابة القريبة تناسب مزيد الوصلة و الشفقة و الكرامة، و كون إحداهما ضرة الأخرى يوجب الوحشة العظيمة و النفرة الشديدة، و بين الحالتين منافرة عظيمة، فثبت أن كونها أختا لها يناسب حرمة الجمع بينهما في النكاح، و قد ثبت في أصول الفقه ان ذكر الحكم مع الوصف المناسب له، يدل بحسب اللفظ على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف فثبت أن قوله: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ [النساء: 23]يدل على كون القرابة القريبة مانعة من الجمع في النكاح، و هذا المعنى حاصل بين المرأة و عمتها أو خالتها، فكان الحكم المذكور في الأختين مذكورا في العمة و الخالة من طريق الدلالة، بل هاهنا أولى، و ذلك لأن العمة و الخالة يشبهان الأم لبنت الأخ و لبنت الأخت، و هما يشبهان الولد للعمة و الخالة، و اقتضاء مثل هذه القرابة لترك المضارة أقوى من اقتضاء قرابة الأختية لمنع المضارة، فكان قوله: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ مانعا من العمة و الخالة بطريق الأولى. الثاني: أنه نص على حرمة التزوج بأمهات النساء فقال: وَ أُمَّهََاتُ نِسََائِكُمْ [النساء: 23]و لفظ الأم قد ينطلق على العمة و الخالة، أما على العمة فلأنه تعالى قال مخبرا عن أولاد يعقوب عليه السلام: نَعْبُدُ إِلََهَكَ وَ إِلََهَ آبََائِكَ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْمََاعِيلَ [البقرة: 133]فأطلق لفظ الأب على إسماعيل مع أنه كان عما، و إذا كان العم أبا لزم أن تكون العمة أما، و أما إطلاق لفظ الأم على الخالة فيدل عليه قوله تعالى: وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى اَلْعَرْشِ [يوسف: 100]و المراد أبوه و خالته، فإن أمه كانت متوفاة في ذلك الوقت، فثبت بما/ذكرنا أن لفظ الأم قد ينطلق على العمة و الخالة، فكان قوله: وَ أُمَّهََاتُ نِسََائِكُمْ متناولا للعمة و الخالة من بعض الوجوه.

و إذا عرفت هذا فنقول: قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ المراد ما وراء هؤلاء المذكورات سواء كن‏

38

مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية، أو بدلالة خفية، و إذا كان كذلك لم تكن العمة و الخالة خارجة عن المذكورات.

الوجه الثالث: في الجواب عن شبهة الخوارج أن نقول: قوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ عام، و

قوله: «لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها»

خاص، و الخاص مقدم على العام، ثم هاهنا طريقان: تارة نقول: هذا الخبر بلغ في الشهرة مبلغ التواتر، و تخصيص عموم القرآن بخبر المتواتر جائز، و عندي هذا الوجه كالمكابرة، لأن هذا الخبر و إن كان في غاية الشهرة في زماننا هذا لكنه لما انتهى في الأصل إلى رواية الآحاد لم يخرج عن أن يكون من باب الآحاد. و تارة نقول: تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد جائز، و تقريره مذكور في الأصول، فهذا جملة الكلام في هذا الباب، و المعتمد في الجواب عندنا الوجه الأول.

الصنف الثاني: من التخصيصات الداخلة في هذا العموم: أن المطلقة ثلاثا لا تحل، إلا أن هذا التخصيص ثبت بقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهََا فَلاََ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتََّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: 230].

الصنف الثالث: تحريم نكاح المعتدة، و دليله قوله تعالى: وَ اَلْمُطَلَّقََاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاََثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: 228].

الصنف الرابع: من كان في نكاحه حرة لم يجز له أن يتزوج بالأمة، و هذا بالاتفاق. و عند الشافعي:

القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة، و دليل هذا التخصيص قوله: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنََاتِ اَلْمُؤْمِنََاتِ فَمِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ [النساء: 25]و سيأتي بيان دلالة هذه الآية على هذا المطلوب.

الصنف الخامس: يحرم عليه التزوج بالخامسة، و دليله قوله تعالى: مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ [النساء: 3].

الصنف السادس: الملاعنة: و دليله‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» .

قوله تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ .

فيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: أَنْ تَبْتَغُوا في محله قولان: الأول: أنه رفع على البدل من «ما» و التقدير:

و أحل لكم ما وراء ذلكم و أحل لكم أن تبتغوا، على قراءة من قرأ (و أحل) بضم الألف.. و من قرأ بالفتح كان محل «أن تبتغوا» نصبا. الثاني: أن يكون محله على القراءتين النصب بنزع الخافض كأنه قيل: لأن تبتغوا، و المعنى: و أحل لكم ما وراء ذلكم لا رادة أن تبتغوا بأموالكم و قوله: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ أي في حال كونكم محصنين غير مسافحين، و قوله: مُحْصِنِينَ أي متعففين عن الزنا، و قوله: غَيْرَ مُسََافِحِينَ أي غير زانين، و هو تكرير للتأكيد. قال الليث: السفاح و المسافحة الفجور، و أصله في اللغة من السفح و هو الصب يقال: دموع سوافح و مسفوحة، قال تعالى: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [الانعام: 145]و فلان سفاح للدماء أي سفاك، و سمي الزاني سفاحا لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة.

فان قيل: أين مفعول تبتغوا؟

39

قلنا: التقدير: و أحل لكم ما وراء ذلكم لا رادة أن تبتغوهن، أي تبتغوا ما وراء ذلكم، فحذف ذكره لدلالة ما قبله عليه و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي اللََّه عنه: لا مهر أقل من عشرة دراهم، و قال الشافعي رضي اللََّه عنه:

يجوز بالقليل و الكثير و لا تقدير فيه. احتج أبو حنيفة بهذه الآية، و ذلك لأنه تعالى قيد التحليل بقيد، و هو الابتغاء بأموالهم، و الدرهم و الدرهمان لا يسمى أموالا، فوجب أن لا يصح جعلها مهرا.

فان قيل: و من عنده عشرة دراهم لا يقال عنده أموال، مع أنكم تجوزون كونها مهرا.

قلنا: ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا تكون العشرة كافية، إلا أنا تركنا العمل بظاهر الآية في هذه الصورة لدلالة الإجماع على جوازه، فتمسك في الأقل من العشرة بظاهر الآية.

و اعلم أن هذا الاستدلال ضعيف، لأن الآية دالة على أن الابتغاء بالأموال جائز، و ليس فيها دلالة على أن الابتغاء بغير الأموال لا يجوز، إلا على سبيل المفهوم، و أنتم لا تقولون به. ثم نقول: الذي يدل على أنه لا تقدير في المهر وجوه:

الحجة الأولى: التمسك بهذه الآية، و ذلك لأن قوله: بِأَمْوََالِكُمْ مقابلة الجمع بالجمع، فيقتضي توزع الفرد على الفرد، فهذا يقتضي أن يتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالا، و القليل و الكثير في هذه الحقيقة و في هذا الاسم سواء، فيلزم من هذه الآية جواز ابتغاء النكاح بأي شي‏ء يسمى مالا من غير تقدير.

الحجة الثانية: التمسك بقوله تعالى: وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مََا فَرَضْتُمْ [البقرة: 237]دلت الآية على سقوط النصف عن المذكور، و هذا يقتضي أنه لو وقع العقد في أول الأمر بدرهم أن لا يجب عليه إلا نصف درهم، و أنتم لا تقولون به.

الحجة الثالثة: الأحاديث: منها ما

روي أن امرأة جي‏ء بها إلى النبي صلى اللََّه عليه و سلم و قد تزوج بها رجل على نعلين، فقال عليه الصلاة و السلام: «رضيت من نفسك بنعلين» فقالت: نعم فأجازه النبي صلى اللََّه عليه و سلم،

و الظاهر أن قيمة النعلين تكون أقل من عشرة دراهم، فان مثل هذا الرجل و المرأة اللذين لا يكون تزوجهما إلا على النعلين يكونان في غاية الفقر، و نعل هذا الإنسان يكون قليل القيمة جدا. و منها ما

روي عن جابر عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق أو طعام فقد استحل»

و منها ما

روي في قصة الواهبة أنه عليه الصلاة و السلام قال لمن أراد التزوج بها: «التمس و لو خاتما من حديد»

و ذلك لا يساوي عشرة دراهم.

المسألة الثالثة: قال أبو حنيفة رضي اللََّه عنه: لو تزوج بها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهرا و لها مهر مثلها، ثم قال: إذا تزوج امرأة على خدمته سنة، فان كان حرا لها مهر مثلها، و إن كان عبدا فلها خدمة سنة. و قال الشافعي رحمة اللََّه عليه: يجوز جعل ذلك مهرا، احتج أبو حنيفة على قوله بوجوه: الأول: هذه الآية و ذلك أنه تعالى شرط في حصول الحل أن يكون الابتغاء بالمال، و المال اسم للأعيان لا للمنافع، الثاني: قال تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء: 4]و ذلك صفة الأعيان.

أجاب الشافعي عن الأول بأن الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز، و ليس فيه بيان أن الابتغاء بغير المال جائز أم لا، و عن الثاني: أن لفظ الإيتاء كما يتناول الأعيان يتناول المنافع الملتزمة، و عن الثالث: أنه خرج‏

40

الخطاب على الأعم الأغلب، ثم احتج الشافعي رضي اللََّه عنه على جواز جعل المنفعة صداقا لوجوه:

الحجة الأولى: قوله تعالى في قصة شعيب: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هََاتَيْنِ عَلى‏ََ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمََانِيَ حِجَجٍ [القصص: 27]جعل الصداق تلك المنافع و الأصل في شرع من تقدمنا البقاء إلى أن يطرأ الناسخ.

الحجة الثانية: ان التي و هبت نفسها،

لما لم يجد الرجل الذي أراد أن يتزوج بها شيئا، قال عليه الصلاة و السلام: «هل معك شي‏ء من القرآن قال نعم سورة كذا، قال زوجتكها بما معك من/القرآن»

و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: قال أبو بكر الرازي: دلت الآية على أن عتق الأمة لا يكون صداقا لها، لأن الآية تقتضي كون البضع مالا، و ما

روي أنه عليه السلام أعتق صفية و جعل عتقها صداقها،

فذاك من خواص الرسول عليه السلام.

المسألة الخامسة: قوله: مُحْصِنِينَ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد أنهم يصيرون محصنين بسبب عقد النكاح، و الثاني: أن يكون الإحصان شرطا في الإحلال المذكور في قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ و الأول أولى، لأن على هذا التقدير تبقى الآية عامة معلومة المعنى، و على هذا التقدير الثاني تكون الآية مجملة، لأن الإحصان المذكور فيه غير مبين، و المعلق على المجمل يكون مجملا، و حمل الآية على وجه يكون معلوما أولى من حملها على وجه يكون مجملا.

قوله تعالى: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً .

فيه مسائل:

المسألة الأولى: الاستمتاع في اللغة الانتفاع، و كل ما انتفع به فهو متاع، يقال: استمتع الرجل بولده، و يقال فيمن مات في زمان شبابه: لم يتمتع بشبابه. قال تعالى: رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنََا بِبَعْضٍ [الأنعام: 128] و قال: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبََاتِكُمْ فِي حَيََاتِكُمُ اَلدُّنْيََا وَ اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهََا [الأحقاف: 20]يعني تعجلتم الانتفاع بها، و قال:

فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاََقِكُمْ [التوبة: 69]يعني بحظكم و نصيبكم من الدنيا. و في قوله: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ وجهان: الأول: فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو عقد عليهن، فآتوهن أجورهن عليه، ثم أسقط الراجع إلى «ما» لعدم الالتباس كقوله: إِنَّ ذََلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ [الشورى: 43]فأسقط منه. و الثاني: أن يكون «ما» في قوله: مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ بمعنى النساء و «من» في قوله: مِنْهُنَّ للتبعيض، و الضمير في قوله:

بِهِ راجع إلى لفظ مََا لأنه واحد في اللفظ، و في قوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ إلى معنى «ما» لأنه جمع في المعنى، و قوله: أُجُورَهُنَّ أي مهورهن، قال تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً إلى قوله: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء: 25]و هي المهور، و كذا قوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ هاهنا، و قال تعالى في آية أخرى: لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذََا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الممتحنة: 10]و إنما سمي المهر أجرا لأنه بدل المنافع، و ليس ببدل من الأعيان، كما سمي بدل منافع الدار و الدابة أجرا و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قال الشافعي: الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر. و قال أبو حنيفة تقرره. و احتج الشافعي على قوله بهذه الآية لأن قوله: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مشعر بأن وجوب إيتائهن مهورهن

41

كان لأجل الاستمتاع بهن، و لو كانت الخلوة الصحيحة مقررة للمهر كان الظاهر أن الخلوة الصحيحة تتقدم الاستمتاع بهن، فكان المهر يتقرر قبل الاستمتاع، و تقرره قبل الاستمتاع يمنع من تعلق ذلك التقرر بالاستمتاع، و الآية دالة على أن تقرر المهر يتعلق بالاستمتاع، فثبت أن الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر.

المسألة الثالثة: في هذه الآية قولان: أحدهما: و هو قول أكثر علماء الأمة أن قوله: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ المراد منه ابتغاء النساء بالأموال على طريق النكاح، و قوله: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فان استمتع بالدخول بها آتاها المهر بالتمام، و إن استمتع بعقد النكاح آتاها نصف المهر.

و القول الثاني: أن المراد بهذه الآية حكم المتعة، و هي عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين فيجامعها، و اتفقوا على أنها كانت مباحة في ابتداء الإسلام،

روي أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم لما قدم مكة في عمرته تزين نساء مكة، فشكا أصحاب الرسول صلى اللََّه عليه و سلم طول العزوبة فقال: استمتعوا من هذه النساء،

و اختلفوا في أنها هل نسخت أم لا؟فذهب السواد الأعظم من الأمة إلى أنها صارت منسوخة، و قال السواد منهم: إنها بقيت مباحة كما كانت و هذا القول مروي عن ابن عباس و عمران بن الحصين، أما ابن عباس فعنه ثلاث روايات: احداها:

القول بالإباحة المطلقة، قال عمارة: سألت ابن عباس عن المتعة: أ سفاح هي أم نكاح؟قال: لا سفاح و لا نكاح، قلت: فما هي؟قال: هي متعة كما قال تعالى، قلت: هل لها عدة؟قال نعم عدتها حيضة، قلت: هل يتوارثان؟قال لا.

و الرواية الثانية عنه: أن الناس لما ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس في المتعة قال ابن عباس: قاتلهم اللََّه إني ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق، لكني قلت: إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة و الدم و لحم الخنزير له.

و الرواية الثالثة: أنه أقر بأنها صارت منسوخة. روى عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قال صارت هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: 1]و روي أيضا أنه قال عند موته: اللهم إني أتوب إليك من قولي في المتعة و الصرف و أما عمران بن الحصين فانه قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللََّه تعالى و لم ينزل بعدها آية تنسخها/و أمرنا بها رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و تمتعنا بها، و مات و لم ينهنا عنه، ثم قال رجل برأيه ما شاء. و أما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللََّه عنه، فالشيعة يروون عنه إباحة المتعة، و

روى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي بن أبي طالب رضي اللََّه عنه أنه قال: لولا أن عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى إلا شقي،

و

روى محمد بن على المشهور بمحمد بن الحنفية أن عليا رضي اللََّه عنه مر بابن عباس و هو يفتي بجواز المتعة، فقال أمير المؤمنين:

انه صلى اللََّه عليه و سلم نهى عنها و عن لحوم الحمر الأهلية،

فهذا ما يتعلق بالروايات. و احتج الجمهور على حرمة المتعة بوجوه: الأول: أن الوطء لا يحل إلا في الزوجة أو المملوكة لقوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ‏`إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ* [المعارج: 29، 30]، و هذه المرأة لا شك أنها ليست مملوكة، و ليست أيضا زوجة، و يدل عليه وجوه: أحدها: لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما لقوله تعالى:

وَ لَكُمْ نِصْفُ مََا تَرَكَ أَزْوََاجُكُمْ [النساء: 12]و بالاتفاق لا توارث بينهما، و ثانيها: و لثبت النسب،

لقوله عليه الصلاة و السلام: «الولد للفراش»

و بالاتفاق لا يثبت، و ثالثها: و لوجبت العدة عليها، لقوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ‏

42

يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوََاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً [البقرة: 234]و اعلم أن هذه الحجة كلام حسن مقرر.

الحجة الثانية: ما روي عن عمر رضي اللََّه عنه أنه قال في خطبته: متعتان كانتا على عهد رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أنا أنهي عنهما و أعاقب عليهما، ذكر هذا الكلام في مجمع الصحابة و ما أنكر عليه أحد، فالحال هاهنا لا يخلو إما أن يقال: انهم كانوا عالمين بحرمة المتعة فسكتوا، أو كانوا عالمين بأنها مباحة و لكنهم سكتوا على سبيل المداهنة، أو ما عرفوا إباحتها و لا حرمتها. فسكتوا لكونهم متوقفين في ذلك، و الأول هو المطلوب، و الثاني يوجب تكفير عمر، و تكفير الصحابة لأن من علم أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم حكم باباحة المتعة، ثم قال: إنها محرمة محظورة من غير نسخ لها فهو كافر باللََّه، و من صدقه عليه مع علمه بكونه مخطئا كافرا، كان كافرا أيضا. و هذا يقتضي تكفير الأمة و هو على ضد قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: 110].

و القسم الثالث: و هو أنهم ما كانوا عالمين بكون المتعة مباحة أو محظورة فلهذا سكتوا، فهذا أيضا باطل، لأن المتعة بتقدير كونها مباحة تكون كالنكاح، و احتياج الناس إلى معرفة الحال في كل واحد منهما عام في حق الكل، و مثل هذا يمنع أن يبقى مخفيا، بل يجب أن يشتهر العلم به، فكما أن الكل كانوا عارفين بأن النكاح مباح، و أن إباحته غير منسوخة، وجب أن يكون الحال في المتعة كذلك، و لما بطل هذان القسمان ثبت أن الصحابة إنما سكتوا عن الإنكار على عمر رضي اللََّه عنه لأنهم كانوا عالمين بأن المتعة صارت منسوخة في الإسلام.

فان قيل: ما ذكرتم يبطل بما أنه روي أن عمر قال: لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته، و لا شك أن الرجم غير جائز، مع أن الصحابة ما أنكروا عليه حين ذكر ذلك، فدل هذا على أنهم كانوا يسكتون عن الإنكار على الباطل.

قلنا: لعله كان يذكر ذلك على سبيل التهديد و الزجر و السياسة، و مثل هذه السياسات جائزة للإمام عند المصلحة، ألا ترى‏

أنه عليه الصلاة و السلام قال: «من منع منا الزكاة فانا آخذوها منه و شطر ماله»

ثم أن أخذ شطر المال من مانع الزكاة غير جائز، لكنه قال النبي صلى اللََّه عليه و سلم ذلك للمبالغة في الزجر، فكذا هاهنا و اللََّه أعلم.

الحجة الثالثة على أن المتعة محرمة: ما

روى مالك عن الزهري عن عبد اللََّه و الحسن ابني محمد ابن علي عن أبيهما عن علي: أن الرسول صلى اللََّه عليه و سلم نهى عن متعة النساء و عن أكل لحوم الحمر الإنسية.

و

روى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: غدوت على رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فإذا هو قائم بين الركن و المقام مسند ظهره إلى الكعبة يقول:

«يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا و إن اللََّه قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شي‏ء فليخل سبيلها و لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا»

و

روي عنه صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «متعة النساء حرام»

و هذه الأخبار الثلاثة ذكرها الواحدي في البسيط، و ظاهر أن النكاح لا يسمى استمتاعا، لأنا بينا أن الاستمتاع هو التلذذ، و مجرد النكاح ليس كذلك، أما القائلون باباحة المتعة فقد احتجوا بوجوه.

الحجة الأولى: التمسك بهذه الآية أعني قوله تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ و في الاستدلال بهذه الآية طريقان:

43

الطريق الأول: أن نقول: نكاح المتعة داخل في هذه الآية، و ذلك لأن قوله: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ يتناول من ابتغى بماله الاستمتاع بالمرأة على سبيل التأبيد، و من ابتغى بماله على سبيل التأقيت، و إذا كان كل واحد من القسمين داخلا فيه كان قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ يقتضي حل القسمين، و ذلك يقتضي حل المتعة.

الطريق الثاني: أن نقول: هذه الآية مقصورة على بيان نكاح المتعة، و بيانه من وجوه: الأول: ما روي أن أبي بن كعب كان يقرأ (فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن) و هذا أيضا هو قراءة ابن عباس، و الأمة ما أنكروا عليهما في هذه القراءة، فكان ذلك إجماعا من الأمة على صحة هذه القراءة، و تقريره ما ذكرتموه في أن عمر رضي اللََّه عنه لما منع من المتعة و الصحابة/ما أنكروا عليه كان ذلك إجماعا على صحة ما ذكرنا، و كذا هاهنا، و إذا ثبت بالإجماع صحة هذه القراءة ثبت المطلوب. الثاني: أن المذكور في الآية إنما هو مجرد الابتغاء بالمال، ثم انه تعالى أمر بايتائهن أجورهن بعد الاستمتاع بهن، و ذلك يدل على أن مجرد الابتغاء بالمال يجوز الوطء، و مجرد الابتغاء بالمال لا يكون إلا في نكاح المتعة، فأما في النكاح المطلق فهناك الحل إنما يحصل بالعقد، و مع الولي و الشهود، و مجرد الابتغاء بالمال لا يفيد الحل، فدل هذا على أن هذه الآية مخصوصة بالمتعة. الثالث: أن في هذه الآية أوجب إيتاء الأجور بمجرد الاستمتاع، و الاستمتاع عبارة عن التلذذ و الانتفاع، فأما في النكاح فايتاء الأجور لا يجب على الاستمتاع ألبتة، بل على النكاح، ألا ترى أن بمجرد النكاح يلزم نصف المهر، فظاهر أن النكاح لا يسمى استمتاعا، لأنا بينا أن الاستمتاع هو التلذذ. و مجرد النكاح ليس كذلك. الرابع: أنا لو حملنا هذه الآية على حكم النكاح لزم تكرار بيان حكم النكاح في السورة الواحدة، لأنه تعالى قال في أول هذه السورة: فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ [النساء:

3]ثم قال: وَ آتُوا اَلنِّسََاءَ صَدُقََاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء: 4]أما لو حملنا هذه الآية على بيان نكاح المتعة كان هذا حكما جديدا، فكان حمل الآية عليه أولى و اللََّه أعلم.

الحجة الثانية على جواز نكاح المتعة: أن الأمة مجمعة على أن نكاح المتعة كان جائزا في الإسلام، و لا خلاف بين أحد من الأمة فيه، إنما الخلاف في طريان الناسخ، فنقول: لو كان الناسخ موجودا لكان ذلك الناسخ إما أن يكون معلوما بالتواتر، أو بالآحاد، فان كان معلوما بالتواتر، كان علي بن أبي طالب و عبد اللََّه بن عباس و عمران بن الحصين منكرين لما عرف ثبوته بالتواتر من دين محمد صلى اللََّه عليه و سلم، و ذلك يوجب تكفيرهم، و هو باطل قطعا، و إن كان ثابتا بالآحاد فهذا أيضا باطل، لأنه لما كان ثبوت إباحة المتعة معلوما بالإجماع و التواتر، كان ثبوته معلوما قطعا، فلو نسخناه بخبر الواحد لزم جعل المظنون رافعا للمقطوع و إنه باطل. قالوا: و مما يدل أيضا على بطلان القول بهذا النسخ أن أكثر الروايات أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم نهى عن المتعة و عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، و أكثر الروايات أنه عليه الصلاة و السلام أباح المتعة في حجة الوداع و في يوم الفتح، و هذان اليومان متأخران عن يوم خيبر، و ذلك يدل على فساد ما

روي أنه عليه السلام نسخ المتعة يوم خيبر،

لأن الناسخ يمتنع تقدمه على المنسوخ، و قول من يقول: انه حصل التحليل مرارا و النسخ مرارا ضعيف، لم يقل به أحد من المعتبرين، إلا الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات.

الحجة الثالثة: ما

روي أن عمر رضي اللََّه عنه قال على المنبر: متعتان كانتا مشروعتين في عهد/رسول‏

44

اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، و أنا أنهي عنهما: متعة الحج، و متعة النكاح،

و هذا منه تنصيص على أن متعة النكاح كانت موجودة في عهد الرسول صلى اللََّه عليه و سلم، و قوله: و أنا أنهي عنهما يدل على أن الرسول صلى اللََّه عليه و سلم ما نسخه، و إنما عمر هو الذي نسخه. و إذا ثبت هذا فنقول: هذا الكلام يدل على أن حل المتعة كان ثابتا في عهد الرسول صلى اللََّه عليه و سلم، و أنه عليه السلام ما نسخه، و أنه ليس ناسخ الا نسخ عمر، و إذا ثبت هذا وجب أن لا يصير منسوخا لأن ما كان ثابتا في زمن الرسول صلى اللََّه عليه و سلم و ما نسخه الرسول، يمتنع أن يصير منسوخا بنسخ عمر، و هذا هو الحجة التي احتج بها عمران بن الحصين حيث قال: ان اللََّه أنزل في المتعة آية و ما نسخها بآية أخرى، و أمرنا رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم بالمتعة و ما نهانا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء، يريد أن عمر نهى عنها، فهذا جملة وجوه القائلين بجواز المتعة.

و الجواب عن الوجه الأول أن نقول: هذه الآية مشتملة على أن المراد منها نكاح المتعة و بيانه من ثلاثة أوجه: الأول: أنه تعالى ذكر المحرمات بالنكاح أولا في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ ثم قال في آخر الآية:

وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ فكان المراد بهذا التحليل ما هو المراد هناك بهذا التحريم، لكن المراد هناك بالتحريم هو النكاح، فالمراد بالتحليل هاهنا أيضا يجب أن يكون هو النكاح. الثاني: أنه قال: مُحْصِنِينَ و الإحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح. و الثالث: قوله: غَيْرَ مُسََافِحِينَ سمي الزنا سفاحا لأنه لا مقصود فيه إلا سفح الماء، و لا يطلب فيه الولد و سائر مصالح النكاح، و المتعة لا يراد منها إلا سفح الماء فكان سفاحا، هذا ما قاله أبو بكر الرازي. أما الذي ذكره في الوجه الأول: فكأنه تعالى ذكر أصناف من يحرم على الإنسان وطؤهن، ثم قال: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ أي و أحل لكم وطء ما وراء هذه الأصناف، فأي فساد في هذا الكلام؟و أما قوله ثانيا: الإحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح فلم يذكر عليه دليلا، و أما قوله ثالثا: الزنا إنما سمي سفاحا، لأنه لا يراد منه إلا سفح الماء، و المتعة ليست كذلك، فان المقصود منها سفح الماء بطريق مشروع مأذون فيه من قبل اللََّه، فان قلتم: المتعة محرمة، فنقول: هذا أول البحث، فلم قلتم: إن الأمر كذلك، فظهر أن الكلام رخو، و الذي يجب أن يعتمد عليه في هذا الباب أن نقول: إنا لا ننكر أن المتعة كانت مباحة، إنما الذي نقوله: إنها صارت منسوخة، و على هذا التقدير فلو كانت هذه الآية دالة على أنها مشروعة لم يكن ذلك قادحا في غرضنا، و هذا هو الجواب أيضا عن تمسكهم بقراءة أبي و ابن عباس، فان تلك القراءة بتقدير ثبوتها لا تدل إلا على أن المتعة كانت مشروعة، و نحن لا ننازع فيه، إنما الذي نقوله: إن النسخ طرأ عليه، و ما ذكرتم من الدلائل/لا يدفع قولنا، و قولهم: الناسخ إما أن يكون متواترا أو آحادا.

قلنا: لعل بعضهم سمعه ثم نسيه، ثم إن عمر رضي اللََّه عنه لما ذكر ذلك في الجمع العظيم تذكروه و عرفوا صدقه فيه فسلموا الأمر له.

قوله: إن عمر أضاف النهي عن المتعة إلى نفسه.

قلنا: قد بينا أنه لو كان مراده أن المتعة كانت مباحة في شرع محمد صلى اللََّه عليه و سلم و أنا أنهي عنه لزم تكفيره و تكفير كل من لم يحاربه و ينازعه، و يفضي ذلك إلى تكفير أمير المؤمنين حيث لم يحاربه و لم يرد ذلك القول عليه، و كل ذلك باطل، فلم يبق إلا أن يقال: كان مراده أن المتعة كانت مباحة في زمن الرسول صلى اللََّه عليه و سلم، و أنا أنهي عنها لما ثبت عندي أنه صلى اللََّه عليه و سلم نسخها، و على هذا التقدير يصير هذا الكلام حجة لنا في مطلوبنا و اللََّه أعلم.

ثم قال تعالى: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً و المعنى أن إيتاءهن أجورهن و مهورهن فريضة لازمة و واجبة،

45

و ذكر صاحب «الكشاف» في قوله: فَرِيضَةً ثلاثة أوجه: أحدها: أنه حال من الأجور بمعنى مفروضة.

و ثانيها: أنها وضعت موضع إيتاء، لأن الإيتاء مفروض. و ثالثها: أنه مصدر مؤكد، أي فرض ذلك فريضة.

ثم قال تعالى: وَ لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ فِيمََا تَرََاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيماً حَكِيماً .

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان حكم النكاح قالوا: المراد أنه إذا كان المهر مقدرا بمقدار معين، فلا حرج في أن تحط عنه شيئا من المهر أو تبرئه عنه بالكلية، فعلى هذا: المراد من التراضي الحط من المهر أو الإبراء عنه، و هو كقوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء: 4]و قوله: إِلاََّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا اَلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ اَلنِّكََاحِ [البقرة: 237]و قال الزجاج معناه: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها، أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول.

و أما الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان المتعة قالوا: المراد من هذه الآية أنه إذا انقضى أجل المتعة لم يبق للرجل على المرأة سبيل ألبتة، فان قال لها: زيديني في الأيام و أزيدك/في الأجرة كانت المرأة بالخيار، ان شاءت فعلت، و ان شاءت لم تفعل، فهذا هو المراد من قوله: وَ لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ فِيمََا تَرََاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ أي من بعد المقدار المذكور أولا من الأجر و الأجل.

المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي اللََّه عنه: إلحاق الزيادة في الصداق جائز، و هي ثابتة ان دخل بها أو مات عنها، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة، و كان لها نصف المسمى في العقد. و قال الشافعي رحمة اللََّه عليه: الزيادة بمنزلة الهبة، فان أقبضها ملكته بالقبض، و ان لم يقبضها بطلت. احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقوله: لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ فِيمََا تَرََاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ يتناول ما وقع التراضي به في طرفي الزيادة و النقصان، فكان هذا بعمومه يدل على جواز إلحاق الزيادة بالصداق، قال: بل هذه الآية بالزيادة أخص منها بالنقصان؛ لأنه تعالى علقه بتراضيهما، و البراءة و الحط لا يحتاج إلى رضا الزوج، و الزيادة لا تصح إلا بقبوله، فإذا علق ذلك بتراضيهما جميعا دل على أن المراد هو الزيادة.

و الجواب: لم لا يجوز أن تكون الزيادة عبارة عما ذكره الزجاج؟و هو أنه إذا طلقها قبل الدخول، فان شاءت المرأة أبرأته عن النصف، و ان شاء الزوج سلم إليها كل المهر، و بهذا التقدير يكون قد زادها عما وجب عليه تسليمه إليها، و أيضا عندنا أنه لا جناح في تلك الزيادة إلا أنها تكون هبة. و الدليل القاطع على بطلان هذه الزيادة أن هذه الزيادة لو التحقت بالأصل لكان إما مع بقاء العقد الأول، أو بعد زوال العقد، و الأول باطل، لأن العقد لما انعقد على القدر الأول، فلو انعقد مرة أخرى على القدر الثاني، لكان ذلك تكوينا لذلك العقد بعد ثبوته، و ذلك يقتضي تحصيل الحاصل و هو محال. و الثاني باطل لانعقاد الإجماع على أن عند إلحاق الزيادة لا يرتفع العقد الأول، فثبت فساد ما قالوه و اللََّه أعلم. ثم إنه تعالى لما ذكر في هذه الآية أنواعا كثيرة من التكاليف و التحريم و الإحلال، بين أنه عليم بجميع المعلومات لا يخفى عليه منها خافية أصلا، و حكيم لا يشرع الأحكام إلا على وفق الحكمة، و ذلك يوجب التسليم لأوامره و الانقياد لأحكامه و اللََّه أعلم.

النوع السابع: من التكاليف المذكورة في هذه السورة قوله تعالى:

46

اعلم أنه تعالى لما بين من يحل و من لا يحل: بين فيمن يحل أنه متى يحل، و على أي وجه يحل فقال:

وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ الكسائي المحصنات بكسر الصاد، و كذلك محصنات غير مسافحات و كذلك فعليهن نصف ما على المحصنات كلها بكسر الصاد، و الباقون بالفتح، فالفتح معناه ذوات الأزواج، و الكسر معناه العفائف و الحرائر و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: الطول: الفضل، و منه التطول و هو التفضل، و قال تعالى: ذِي اَلطَّوْلِ [غافر: 3] و يقال: تطاول لهذا الشي‏ء أي تناوله، كما يقال: يد فلان مبسوطة و أصل هذه الكلمة من الطول الذي هو خلاف القصر؛ لأنه إذا كان طويلا ففيه كمال و زيادة، كما أنه إذا كان قصيرا ففيه قصور و نقصان، و سمي الغنى أيضا طولا، لأنه ينال به من المرادات مالا ينال عند الفقر، كما أن بالطول ينال ما لا ينال بالقصر.

إذا عرفت هذا فنقول: الطول القدرة، و انتصابه على أنه مفعول «يستطع» و «أن ينكح» في موضع النصب على أنه مفعول القدرة.

فإن قيل: الاستطاعة هي القدرة، و الطول أيضا هو القدرة، فيصير تقدير الآية: و من لم يقدر/منكم على القدرة على نكاح المحصنات، فما فائدة هذا التكرير في ذكر القدرة؟ قلنا: الأمر كما ذكرت، و الأولى أن يقال: المعنى فمن لم يستطع منكم استطاعة بالنكاح المحصنات، و على هذا الوجه يزول الإشكال، فهذا ما يتعلق باللغة.

أما ما قاله المفسرون فوجوه: الأول: و من لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة. الثاني: أن يفسر النكاح بالوطء، و المعنى: و من لم يستطع منكم طولا وطء الحرائر فلينكح أمة، و على هذا التقدير فكل من ليس تحته حرة فإنه يجوز له التزوج بالأمة. و هذا التفسير لائق بمذهب أبي حنيفة، فإن مذهبه أنه إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة، سواء قدر على التزوج بالحرة أو لم يقدر. و الثالث: الاكتفاء بالحرة، فله أن يتزوج بالأمة سواء كان تحته حرة أو لم يكن، كل هذه الوجوه إنما حصلت، لأن لفظ الاستطاعة محتمل لكل هذه الوجوه.

المسألة الثالثة: المراد بالمحصنات في قوله: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنََاتِ هو الحرائر، و يدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح المحصنات نكاح الإماء، فلا بد و أن يكون المراد من

47

المحصنات من يكون كالضد للإماء، و الوجه في تسمية الحرائر بالمحصنات على قراءة من قرأ بفتح الصاد:

أنهن أحصن بحريتهن عن الأحوال التي تقدم عليها الإماء، فان الظاهر أن الأمة تكون خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة، و الحرة مصونة محصنة من هذه النقصانات، و اما على قراءة من قرأ بكسر الصاد، فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهن.

المسألة الرابعة: مذهب الشافعي رضي اللََّه عنه: أن اللََّه تعالى شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة، اثنان منها في الناكح، و الثالث في المنكوحة، أما اللذان في الناكح. فأحدهما: أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق، و هو معنى قوله: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنََاتِ اَلْمُؤْمِنََاتِ فعدم استطاعة الطول عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة.

فان قيل: الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة يقدر على التزوج بالحرة الفقيرة، فمن أين هذا التفاوت؟ قلنا: كانت العادة في الإماء تخفيف مهورهن و نفقتهن لاشتغالهن بخدمة السادات، و على هذا التقدير يظهر هذا التفاوت.

و أما الشرط الثاني: فهو المذكور في آخر الآية و هو قوله: ذََلِكَ لِمَنْ خَشِيَ اَلْعَنَتَ مِنْكُمْ [النساء: 25] أي بلغ الشدة في العزوبة.

و أما الشرط الثالث: المعتبر في المنكوحة، فأن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة، فان الأمة/إذا كانت كافرة كانت ناقصة من وجهين: الرق و الكفر، و لا شك أن الولد تابع للأم في الحرية و الرق، و حينئذ يعلق الولد رقيقا على ملك الكافر، فيحصل فيه نقصان الرق و نقصان كونه ملكا للكافر، فهذه الشرائط الثلاثة معتبرة عند الشافعي في جواز نكاح الأمة.

و أما أبو حنيفة رضي اللََّه عنه فيقول: إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة، أما إذا لم يكن تحته حرة جاز له ذلك، سواء قدر على نكاح الحرة أو لم يقدر، و احتج الشافعي على قوله بهذه الآية و تقريره من وجهين:

الأول: أنه تعالى ذكر عدم القدرة على طول الحرة، ثم ذكر عقيبه التزوج بالأمة، و ذلك الوصف يناسب هذا الحكم لأن الإنسان قد يحتاج إلى الجماع، فإذا لم يقدر على جماع الحرة بسبب كثرة مؤنتها و مهرها، وجب أن يؤذن له في نكاح الأمة، إذا ثبت هذا فنقول: الحكم إذا كان مذكورا عقيب وصف يناسبه، فذلك الاقتران في الذكر يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، إذا ثبت هذا فنقول: لو كان نكاح الأمة جائزا بدون القدرة على طول الحرة و مع القدرة عليه لم يكن لعدم هذه القدرة أثر في هذا الحكم ألبتة، لكنا بينا دلالة الآية على أن له أثرا في هذا الحكم، فثبت أنه لا يجوز التزوج بالأمة مع القدرة على طول الحرة. الثاني: أن نتمسك بالآية على سبيل المفهوم، و هو أن تخصيص الشي‏ء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، و الدليل عليه أن القائل إذا قال: الميت اليهودي لا يبصر شيئا، فان كل أحد يضحك من هذا الكلام و يقول: إذا كان غير اليهودي أيضا لا يبصر فما فائدة التقييد بكونه يهوديا، فلما رأينا أن أهل العرف يستقبحون هذا الكلام و يعللون ذلك الاستقباح بهذه العلة، علمنا اتفاق أرباب اللسان على أن التقييد بالصفة يقتضي نفي الحكم في غير محل القيد.

قال أبو بكر الرازي: تخصيص هذه الحالة بذكر الاباحة فيها لا يدل على حظر ما عداه، كقوله تعالى: وَ لاََ

48

تَقْتُلُوا أَوْلاََدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاََقٍ [الإسراء: 31]و لا دلالة فيه على إباحة القتل عند زوال هذه الحالة، و قوله: لاََ تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا أَضْعََافاً مُضََاعَفَةً [آل عمران: 130]لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه الحالة، فيقال له:

ظاهر اللفظ يقتضي ذلك، إلا أن ترك العمل به بدليل منفصل، كما أن عندك ظاهر الأمر للوجوب، و قد يترك العمل به في صور كثيرة لدليل منفصل، و السؤال الجيد على التمسك بالآية ما ذكرناه، حيث قلنا: لم لا يجوز أن يكون المراد من النكاح الوطء، و التقدير: و من لم يستطع منكم وطء الحرة، و ذلك عند من لا يكون تحته حرة، فإنه يجوز له نكاح الأمة، و على هذا التقدير تنقلب الآية حجة لأبي حنيفة.

و جوابه أن أكثر المفسرين فسروا الطول بالغنى، و عدم الغنى تأثيره في عدم القدرة على العقد، لا في عدم القدرة على الوطء. و احتج أبو بكر الرازي على صحة قوله بالعمومات، كقوله تعالى: / فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ [النساء: 3]و قوله: وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامى‏ََ مِنْكُمْ و قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ و قوله:

وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ [المائدة: 5]و هو متناول للإماء الكتابيات. و المراد من هذا الإحصان العفة.

و الجواب: ان آيتنا خاصة، و الخاص مقدم على العام، و لأنه دخلها التخصيص فيا إذا كان تحته حرة، و إنما خصت صونا للولد، عن الارقاق، و هو قائم في محل النزاع.

المسألة الخامسة: ظاهر قوله: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنََاتِ اَلْمُؤْمِنََاتِ يقتضي كون الايمان معتبرا في الحرة، فعلى هذا: لو قدر على حرة كتابية و لم يقدر على طول حرة مسلمة فإنه يجوز له أن يتزوج الأمة، و أكثر العلماء أن ذكر الايمان في الحرائر ندب و استحباب، لأنه لا فرق بين الحرة الكتابية و بين المؤمنة في كثرة المؤنة و قلتها.

المسألة السادسة: من الناس من قال: انه لا يجوز التزوج بالكتابيات ألبتة، و احتجوا بهذه الآيات، فقالوا: انه تعالى بين أن عند العجز عن نكاح الحرة المسلمة يتعين له نكاح الأمة المسلمة، و لو كان التزوج بالحرة الكتابية جائزا، لكان عند العجز عن الحرة المسلمة لم تكن الأمة المسلمة متعينة، و ذلك ينفي دلالة الآية. ثم أكدوا هذه الدلالة بقوله تعالى: وَ لاََ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكََاتِ حَتََّى يُؤْمِنَّ [البقرة: 221]و قد بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير هذه الآية أن الكتابية مشركة.

المسألة السابعة: الآية دالة على التحذير من نكاح الإماء، و أنه لا يجوز الاقدام عليه إلا عند الضرورة، و السبب فيه وجوه: الأول: أن الولد يتبع الأم في الرق و الحرية، فإذا كانت الأم رقيقة علق الولد رقيقا، و ذلك يوجب النقص في حق ذلك الإنسان و في حق ولده. و الثاني: أن الأمة قد تكون تعودت الخروج و البروز و المخالطة بالرجال و صارت في غاية الوقاحة، و ربما تعودت الفجور، و كل ذلك ضرر على الأزواج. الثالث:

أن حق المولى عليها أعظم من حق الزوج، فمثل هذه الزوجة لا تخلص للزوج كخلوص الحرة، فربما احتاج الزوج إليها جدا و لا يجد إليها سبيلا لأن السيد يمنعها و يحبسها. الرابع: أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول: بيع الأمة طلاقها، تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى، و على قول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى الثاني بها و بولدها، و ذلك من أعظم المضار. الخامس: أن مهرها ملك لمولاها، فهي لا تقدر على هبة

49

مهرها من زوجها، و لا على إبرائه عنه، بخلاف الحرة، فلهذه الوجوه ما أذن اللََّه في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة و اللََّه أعلم.

قوله تعالى: فَمِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ مِنْ فَتَيََاتِكُمُ اَلْمُؤْمِنََاتِ فيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: فَمِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ أي فليتزوج مما ملكت أيمانكم. قال ابن عباس:

يريد جارية أختك، فان الإنسان لا يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه.

المسألة الثانية: الفتيات: المملوكة جمع فتاة، و العبد فتى، و

عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم: «لا يقولن أحدكم عبدي و لكن ليقل فتاي و فتاتي»

و يقال للجارية الحديثة: فتاة، و للغلام فتى، و الأمة تسمى فتاة، عجوزا كانت أو شابة، لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير.

المسألة الثالثة: قوله: مِنْ فَتَيََاتِكُمُ اَلْمُؤْمِنََاتِ يدل على تقييد نكاح الأمة بما إذا كانت مؤمنة فلا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، سواء كان الزوج حرا أو عبدا، و هذا قول مجاهد و سعيد و الحسن، و قول مالك و الشافعي، و قال أبو حنيفة: يجوز التزوج بالأمة الكتابية.

حجة الشافعي رضي اللََّه عنه: أن قوله: مِنْ فَتَيََاتِكُمُ اَلْمُؤْمِنََاتِ تقييد لجواز نكاح الأمة بكونها مؤمنة، و ذلك ينفي جواز نكاح غير المؤمنة من الوجهين اللذين ذكرناهما في مسألة طول الحرة، و أيضا قال تعالى:

وَ لاََ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكََاتِ حَتََّى يُؤْمِنَّ [البقرة: 221].

حجة أبي حنيفة رضي اللََّه عنه من وجوه: النص و القياس: أما النص فالعمومات التي ذكرنا تمسكه بها في طول الحرة، و آكدها قوله: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: 5]و أما القياس فهو أنا أجمعنا على أن الكتابية الحرة مباحة، و الكتابية المملوكة أيضا مباحة، فكذلك إذا تزوج بالكتابية المملوكة وجب أنه يجوز.

و الجواب عن العمومات: أن دلائلنا خاصة فتكون مقدمة على العمومات، و عن القياس: أن الشافعي قال: إذا تزوج بالحرة الكتابية فهناك نقص واحد، أما إذا تزوج بالأمة الكتابية فهناك نوعان من النقص: الرق و الكفر، فظهر الفرق.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِإِيمََانِكُمْ قال الزجاج: معناه اعملوا على الظاهر في الايمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور، و اللََّه يتولى السرائر و الحقائق.

ثم قال تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ و فيه وجهان: الأول: كلكم أولاد آدم فلا تداخلنكم أنفة من تزوج الإماء عند الضرورة. و الثاني: ان المعنى: كلكم مشتركون في الايمان، و الايمان أعظم الفضائل، فإذا حصل الاشتراك في أعظم الفضائل كان التفاوت فيما وراءه غير ملتفت اليه، و نظيره قوله تعالى: وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ [التوبة: 71]و قوله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ [الحجرات: 13]قال الزجاج: فهذا الثاني أولى لتقدم ذكر المؤمنات، أو لأن الشرف بشرف الإسلام أولى منه بسائر الصفات، و هو يقوي قول الشافعي رضي اللََّه عنه: ان الايمان شرط لجواز/نكاح الأمة.

و اعلم أن الحكمة في ذكر هذه الكلمة أن العرب كانوا يفتخرون بالأنساب، فاعلم في ذكر هذه الكلمة أن‏

50

اللََّه لا ينظر و لا يلتفت إليه.

روي عن الرسول صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، و الفخر بالأحساب، و الاستسقاء بالأنواء، و لا يدعها الناس في الإسلام»

و كان أهل الجاهلية يضعون من ابن الهجين، فذكر تعالى هذه الكلمة زجرا لهم عن أخلاق أهل الجاهلية.

ثم أنه تعالى شرح كيفية هذا النكاح فقال: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل، و يدل عليه القرآن و القياس. أما القرآن فهو هذه الآية فإن قوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح، و إن لم يكن النكاح واجبا. و هو

كقوله عليه الصلاة و السلام: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم و وزن معلوم إلى أجل معلوم»

فالسلم ليس بواجب، و لكنه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط، كذلك النكاح و إن لم يكن واجبا، لكنه إذا أراد أن يتزوج أمة، وجب أن لا يتزوجها إلا بإذن سيدها. و أما القياس: فهو أن الأمة ملك للسيد، و بعد التزوج يبطل عليه أكثر منافعها، فوجب أن لا يجوز ذلك إلا بإذنه. و اعلم أن لفظ القرآن مقتصر على الأمة، و أما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث‏

عن جابر قال: قال رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم: «إذا تزوج العبد بغير إذن السيد فهو عاهر» .

المسألة الثانية: قال الشافعي رضي اللََّه عنه: المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلا بإذن الولي. و قال أبو حنيفة رضي اللََّه عنه: يصح، احتج الشافعي بهذه الآية، و تقريره أن الضمير في قوله: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ عائد إلى الإماء، و الأمة ذات موصوفة بصفة الرق، و صفة الرق صفة زائلة، و الإشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة لا يتناول الإشارة إلى تلك الصفة، ألا ترى أنه لو حلف لا يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخا ثم تكلم معه يحنث في يمينه، فثبت أن الإشارة إلى الذات الموصوفة بصفة عرضية زائلة، باقية بعد زوال تلك الصفة العرضية، و إذا ثبت هذا فنقول: قوله: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ إشارة إلى الإماء، فهذه الإشارة وجب أن تكون باقية حال زوال الرق عنهن، و حصول صفة الحرية لهن، و إذا كان كذلك فالحرة البالغة العاقلة في هذه الصورة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها، و إذا ثبت ذلك في هذه الصورة وجب ثبوت هذا الحكم في سائر الصور؛ ضرورة أنه لا قائل بالفرق. احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على فساد قول الشافعي/في هذه المسألة فقال: مذهبه أنه لا عبارة للمرأة في عقد النكاح، فعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تزوج أمتها، بل مذهبه أن توكل غيرها بتزوج أمتها. قال: و هذه الآية تبطل ذلك، لأن ظاهر هذه الآية يدل على الاكتفاء بحصول إذن أهلها، فمن قال لا يكفي ذلك كان تاركا لظاهر الآية.

و الجواب من وجوه: الأول: أن المراد بالإذن الرضا. و عندنا أن رضا المولى لا بد منه، فأما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه، و ثانيها: أن أهلهن عبارة عمن يقدر على نكاحهن، و ذلك إما المولى أن كان رجلا، أو ولي مولاها إن كان مولاها امرأة. و ثالثها: هب أن الأهل عبارة عن المولى، لكنه عام يتناول الذكور و الإناث، و الدلائل الدالة على أن المرأة لا تنكح نفسها خاصة

قال عليه الصلاة و السلام: «العاهر هي التي تنكح نفسها»

فثبت بهذا الحديث أنه عبارة لها في نكاح نفسها، فوجب أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكتها، ضرورة أنه لا قائل بالفرق و اللََّه أعلم.

51

ثم قال تعالى: وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في تفسير الآية قولان: الأول: ان المراد من الأجور: المهور، و على هذا التقدير فالآية تدل على وجوب مهرها إذا نكحها، سمي لها المهر أو لم يسم، لأنه تعالى لم يفرق بين من سمى، و بين من لم يسم في إيجاب المهر، و يدل على أنه قد أراد مهر المثل قوله تعالى: بِالْمَعْرُوفِ و هذا إنما يطلق فيما كان مبنيا على الاجتهاد و غالب الظن في المعتاد و المتعارف كقوله تعالى: وَ عَلَى اَلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 33]الثاني: قال القاضي: أن المراد من أجورهن النفقة عليهن، قال هذا القائل: و هذا أولى من الأول، لأن المهر مقدر، و لا معنى لاشتراط المعروف فيه، فكأنه تعالى بين أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها و كفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه و بينها على العادة، ثم قال القاضي: اللفظ و ان كان يحتمل ما ذكرناه فأكثر المفسرين يحملونه على المهر، و حملوا قوله: بِالْمَعْرُوفِ على إيصال المهر إليها على العادة الجميلة عند المطالبة من غير مطل و تأخير.

المسألة الثانية: نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن بعض أصحاب مالك أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها، و ان المولى إذا آجرها للخدمة كان المولى هو المستحق للأجر دونها و هؤلاء احتجوا في المهر بهذه الآية، و هو قوله: وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ و أما الجمهور فإنهم احتجوا على ان مهرها لمولاها بالنص و القياس، أما النص فقوله تعالى: ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لاََ يَقْدِرُ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ [النحل: 75]و هذا ينفي كون المملوك مالكا لشي‏ء أصلا، و أما القياس فهو أن المهر وجب عوضا عن منافع البضع، و تلك المنافع مملوكة للسيد، و هو الذي أباحها للزوج بقيد النكاح، فوجب أن/يكون هو المستحق لبدلها.

و الجواب عن تمسكهم بالآية من وجوه: الأول: أنا إذا حملنا لفظ الأجور في الآية على النفقة زال السؤال بالكلية. الثاني: أنه تعالى إنما أضاف إيتاء المهور إليهن لأنه ثمن بضعهن و ليس في قوله: وَ آتُوهُنَّ ما يوجب كون المهر ملكا لهن، و

لكنه عليه الصلاة و السلام قال: «العبد و ما في يده لمولاه»

فيصير ذلك المهر ملكا للمولى بهذه الطريق و اللََّه أعلم.

ثم قال تعالى: مُحْصَنََاتٍ غَيْرَ مُسََافِحََاتٍ وَ لاََ مُتَّخِذََاتِ أَخْدََانٍ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال ابن عباس: محصنات أي عفائف، و هو حال من قوله: فَانْكِحُوهُنَّ باذن أهلهن، فظاهر هذا يوجب حرمة نكاح الزواني من الإماء، و اختلف الناس في أن نكاح الزواني هل يجوز أم لا؟و سنذكره في قوله: اَلزََّانِي لاََ يَنْكِحُ إِلاََّ زََانِيَةً [النور: 3]و الأكثرون على أنه يجوز فتكون هذه الآية محمولة على الندب و الاستحباب و قوله: غَيْرَ مُسََافِحََاتٍ أي غير زوان وَ لاََ مُتَّخِذََاتِ أَخْدََانٍ جمع خدن، كالاتراب جمع ترب، و الخدن الذي يخادنك و هو الذي يكون معك في كل أمر ظاهر و باطن. قال أكثر المفسرين: المسافحة هي التي تؤاجر نفسها مع أي رجل أرادها، و التي تتخذ الخدن فهي التي تتخذ خدنا معينا، و كان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين، و ما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبرا عندهم لا جرم أن اللََّه سبحانه أفرد كل واحد من هذين القسمين بالذكر، و نص على حرمتها معا، و نظيره أيضا قوله تعالى: قُلْ إِنَّمََا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوََاحِشَ مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ [الأعراف: 33].

52

المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية أحد ما يستدل به من لا يجعل الايمان في نكاح الفتيات شرطا، لأنه لو كان ذلك شرطا لكان كونهن محصنات عفيفات أيضا شرطا، و هذا ليس بشرط.

و جوابه: أن هذا معطوف لا على ذكر الفتيات المؤمنات، بل على قوله: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ و لا شك أن كل ذلك واجب، فعلمنا أنه لا يلزم من عدم الوجوب في هذا، عدم الوجوب فيما قبله و اللََّه أعلم.

ثم قال تعالى: فَإِذََا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفََاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مََا عَلَى اَلْمُحْصَنََاتِ مِنَ اَلْعَذََابِ . و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر عن عاصم أُحْصِنَّ بالفتح في الألف، و الباقون بضم الألف، فمن فتح فمعناه: أسلمن، هكذا قاله عمر و ابن مسعود و الشعبي و النخعي و السدي، و من/ضم الألف فمعناه: أنهن أحصن بالأزواج. هكذا قاله ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن و مجاهد. و منهم من طعن في الوجه الأول فقال: أنه تعالى وصف الإماء بالإيمان في قوله: فَتَيََاتِكُمُ اَلْمُؤْمِنََاتِ و من البعيد أن يقال فتياتكم المؤمنات، ثم يقال: فإذا آمن، فإن حالهن كذا و كذا، و يمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى ذكر حكمين: الأول:

حال نكاح الإماء، فاعتبر الإيمان فيه بقوله: مِنْ فَتَيََاتِكُمُ اَلْمُؤْمِنََاتِ و الثاني: حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة، فذكر حال إيمانهن أيضا في هذا الحكم، و هو قوله: فَإِذََا أُحْصِنَّ .

المسألة الثانية: في الآية إشكال قوي، و هو أن المحصنات في قوله: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مََا عَلَى اَلْمُحْصَنََاتِ إما أن يكون المراد منه الحرائر المتزوجات، أو المراد منه الحرائر الأبكار. و السبب في إطلاق اسم المحصنات عليهن حريتهن. و الأول مشكل، لأن الواجب على الحرائر المتزوجات في الزنا: الرجم، فهذا يقتضي أن يجب في زنا الإماء نصف الرجم، و معلوم أن ذلك باطل. و الثاني: و هو أن يكون المراد: الحرائر الأبكار، فنصف ما عليهن هو خمسون جلدة، و هذا القدر واجب في زنا الأمة سواء كانت محصنة أو لم تكن، فحينئذ يكون هذا الحكم معلقا بمجرد صدور الزنا عنهن، و ظاهر الآية يقتضي كونه معلقا بمجموع الأمرين:

الإحصان و الزنا، لأن قوله: فَإِذََا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفََاحِشَةٍ شرط بعد شرط، فيقتضي كون الحكم مشروطا بهما نصا، فهذا إشكال قوي في الآية.

و الجواب: أنا نختار القسم الثاني، و قوله: فَإِذََا أُحْصِنَّ ليس المراد منه جعل هذا الإحصان شرطا لأن يجب في زناها خمسون جلدة، بل المعنى أن حد الزنا يغلظ عند التزوج، فهذه إذا زنت و قد تزوجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليه، فبأن يكون قبل التزوج هذا القدر أيضا أولى، و هذا مما يجري مجرى المفهوم بالنص، لأن عند حصول ما يغلظ الحد، لما وجب تخفيف الحد لمكان الرق، فبأن يجب هذا القدر عند مالا يوجد ذلك المغلظ كان أولى و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: الخوارج اتفقوا على انكار الرجم، و احتجوا بهذه الآية، و هو أنه تعالى أوجب على الأمة نصف ما على الحرة المحصنة، فلو وجب على الحرة المحصنة الرجم، لزم أن يكون الواجب على الأمة نصف الرجم و ذلك باطل، فثبت أن الواجب على الحرة المتزوجة ليس إلا الجلد، و الجواب عنه ما ذكرناه في المسألة المتقدمة، و تمام الكلام فيه مذكور في سورة النور في تفسير قوله: اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وََاحِدٍ مِنْهُمََا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: 2]. ـ

53

المسألة الرابعة: اعلم أن الفقهاء صيروا هذه الآية أصلا في نقصان حكم العبد عن حكم الحر/في غير الحد، و إن كان في الأمور ما لا يجب ذلك فيه و اللََّه أعلم.

ثم قال تعالى: ذََلِكَ لِمَنْ خَشِيَ اَلْعَنَتَ مِنْكُمْ و لم يختلفوا في أن ذلك راجع إلى نكاح الإماء فكأنه قال: فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات لمن خشي العنت منكم، و العنت هو الضرر الشديد الشاق قال تعالى فيما رخص فيه من مخالطة اليتامى: وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ اَلْمُفْسِدَ مِنَ اَلْمُصْلِحِ وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [البقرة: 220]أي لشدد الأمر عليكم فألزمكم تمييز طعامكم من طعامهم فلحقكم بذلك ضرر شديد و قال:

وَدُّوا مََا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ اَلْبَغْضََاءُ مِنْ أَفْوََاهِهِمْ [آل عمران: 118]، أي أحبوا أن تقعوا في الضرر الشديد.

و للمفسرين فيه قولان: أحدهما: أن الشبق الشديد و الغلمة العظيمة ربما تحمل على الزنا فيقع في الحد في الدنيا و في العذاب العظيم في الآخرة، فهذا هو العنت. و الثاني: أن الشبق الشديد و الغلمة العظيمة قد تؤدي بالإنسان إلى الأمراض الشديدة، أما في حق النساء فقد تؤدي إلى اختناق الرحم، و أما في حق الرجال فقد تؤدي إلى أوجاع الوركين و الظهر. و أكثر العلماء على الوجه الأول لأنه هو اللائق ببيان القرآن.

ثم قال تعالى: وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: المراد أن نكاح الإماء بعد رعاية شرائطه الثلاثة أعني عدم القدرة على التزوج بالحرة، و وجود العنت، و كون الأمة مؤمنة: الأولى تركه لما بينا من المفاسد الحاصلة في هذا النكاح.

المسألة الثانية: مذهب أبي حنيفة رضي اللََّه عنه أن الاشتغال بالنكاح أفضل من الاشتغال بالنوافل، فان كان مذهبهم أن الاشتغال بالنكاح مطلقا أفضل من الاشتغال بالنوافل، سواء كان النكاح نكاح الحرة أو نكاح الأمة، فهذه الآية نص صريح في بطلان قولهم، و إن قالوا: إنا لا نرجح نكاح الأمة على النافلة، فحينئذ يسقط هذا الاستدلال، إلا أن هذا التفصيل ما رأيته في شي‏ء من كتبهم و اللََّه أعلم.

ثم انه تعالى ختم الآية بقوله: وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ و هذا كالمؤكد لما ذكره من أن الأولى ترك هذا النكاح، يعني أنه و ان حصل ما يقتضي المنع من هذا الكلام إلا أنه تعالى أباحه لكم لاحتياجكم اليه، فكان ذلك من باب المغفرة و الرحمة و اللََّه أعلم.

في قوله تعالى يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فيه مسائل:

المسألة الأولى: اللام في قوله: لِيُبَيِّنَ لَكُمْ فيه وجهان: الأول: قالوا: إنه قد تقام اللام مقام «أن» في أردت و أمرت، فيقال: أردت أن تذهب، و أردت لتذهب، و أمرتك أن تقوم، و أمرتك لتقوم، قال تعالى:

يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ [الصف: 8]يعني يريدون أن يطفؤا، و قال: وَ أُمِرْنََا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ [الأنعام: 71].

و الوجه الثاني: أن نقول: إن في الآية إضمارا، و التقدير: يريد اللََّه إنزال هذه الآيات ليبين لكم دينكم‏

54

و شرعكم، و كذا القول في سائر الآيات التي ذكروها، فقوله: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ يعني يريدون كيدهم و عنادهم ليطفؤا، و أمرنا بما أمرنا لنسلم.

المسألة الثانية: قال بعض المفسرين: قوله: يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ .

معناهما شي‏ء واحد، و التكرير لأجل التأكيد و هذا ضعيف، و الحق أن المراد من قوله: لِيُبَيِّنَ لَكُمْ هو أنه تعالى بين لنا هذه التكاليف، و ميز فيها الحلال من الحرام و الحسن من القبيح.

ثم قال: وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ و فيه قولان: أحدهما: أن هذا دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا و تحليله لنا من النساء في الآيات المتقدمة، فقد كان الحكم أيضا كذلك في جميع الشرائع و الملل، و الثاني: أنه ليس المراد ذلك، بل المراد أنه تعالى يهديكم سنن الذين من قبلكم في بيان مالكم فيه من المصلحة كما بينه لهم، فان الشرائع و التكاليف و إن كانت مختلفة في نفسها، إلا أنها متفقة في باب المصالح، و فيه قول ثالث: و هو أن المعنى: أنه يهديكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق لتجتنبوا الباطل و تتبعوا الحق.

ثم قال تعالى: وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ قال القاضي: معناه أنه تعالى كما أراد منا نفس الطاعة، فلا جرم بينها و أزال الشبهة عنها، كذلك وقع التقصير و التفريط منا، فيريد أن يتوب علينا، لأن المكلف قد يطيع فيستحق الثواب، و قد يعصي فيحتاج إلى التلافي بالتوبة.

و اعلم أن في الآية إشكالا: و هو أن الحق إما أن يكون ما يقول أهل السنة من أن فعل العبد مخلوق للََّه تعالى، و إما أن يكون الحق ما تقوله المعتزلة من أن فعل العبد ليس مخلوقا للََّه تعالى، و الآية مشكلة على كلا القولين. أما على القول الأول: فلأن على هذا القول كل ما يريده اللََّه تعالى فانه يحصل، فإذا أراد أن يتوب علينا وجب أن يحصل التوبة لكلنا، و معلوم أنه ليس كذلك، و أما على القول الثاني: فهو تعالى يريد منا أن نتوب باختيارنا و فعلنا، و قوله: وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ظاهره مشعر بأنه تعالى هو الذي يخلق التوبة فينا و يحصل لنا هذه التوبة، فهذه الآية مشكلة على كلا القولين.

و الجواب أن نقول: إن قوله: وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ صريح في أنه تعالى هو الذي يفعل التوبة فينا. و العقل أيضا مؤكد له، لأن التوبة عبارة عن الندم في الماضي، و العزم على عدم العود في المستقبل، و الندم و العزم من باب الإرادات، و الارادة لا يمكن إرادتها، و إلا لزم التسلسل، فاذن الارادة يمتنع أن تكون فعل الإنسان، فعلمنا أن هذا الندم و هذا العزم لا يحصلان إلا بتخليق اللََّه تعالى، فصار هذا البرهان العقلي دالا على صحة ما أشعر به ظاهر القرآن و هو أنه تعالى هو الذي يتوب علينا فأما قوله: لو تاب علينا لحصلت هذه التوبة، فنقول: قوله:

وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ خطاب مع الأمة، و قد تاب عليهم في نكاح الأمهات و البنات و سائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات، و حصلت هذه التوبة لهم فزال الأشكال و اللََّه أعلم.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي عليم بأحوالكم، حكيم في كل ما يفعله بكم و يحكم عليكم.

فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قيل: المجوس كانوا يحلون الأخوات و بنات الاخوة و الأخوات، فلما حرمهن اللََّه تعالى‏