التفسير الكبير - ج12

- الفخر الرازي‏ المزيد...
544 /
365

الجزء الثاني عشر

تتمة سورة المائدة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

قوله تعالى: إِنََّا أَنْزَلْنَا اَلتَّوْرََاةَ فِيهََا هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا اَلنَّبِيُّونَ اَلَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هََادُوا وَ اَلرَّبََّانِيُّونَ وَ اَلْأَحْبََارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتََابِ اَللََّهِ وَ كََانُوا عَلَيْهِ شُهَدََاءَ .

اعلم أن هذا تنبيه من اللََّه تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم، و ترغيب لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم و الأنبياء المبعوثين إليهم، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف و المعطوف عليه، فوجب حصول الفرق بين الهدى و النور، فالهدى محمول على بيان الأحكام و الشرائع و التكاليف، و النور بيان للتوحيد و النبوة و المعاد.

قال الزجاج فِيهََا هُدىً أي بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي صلى اللََّه عليه و سلم وَ نُورٌ بيان أن أمر النبي صلى اللََّه عليه و سلم حق.

المسألة الثانية: احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لا زم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا بهذه الآية، و تقريره أنه تعالى قال: إن في التوراة هدى و نورا. و المراد كونه هدى و نورا في أصول الشرع و فروعه، و لو كان منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه هدى و نور، و لا يمكن أن يحمل الهدى و النور على ما يتعلق بأصول الدين فقط، لأنه ذكر الهدى و النور، و لو كان المراد منهما معا هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار، و أيضا أن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم، فلا بدّ و أن تكون الأحكام الشرعية داخلة في الآية، لأنا و إن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها.

المسألة الثالثة: قوله يَحْكُمُ بِهَا اَلنَّبِيُّونَ اَلَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هََادُوا يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى، و ذلك أن اللََّه تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة حتى يحدوا حدودها و يقوموا بفرائضها و يحلوا حلالها و يحرموا حرامها.

فإن قيل: كل نبي لا بدّ و أن يكون مسلما، فما الفائدة في قوله اَلنَّبِيُّونَ اَلَّذِينَ أَسْلَمُوا .

قلنا فيه وجوه: الأول: المراد بقوله أَسْلَمُوا أي انقادوا لحكم التوراة، فإن من الأنبياء من لم تكن شريعته شريعة التوراة، و الذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام. الثاني: قال الحسن و الزهري و عكرمة و قتادة و السدي: يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين‏

366

أسلموا هو محمد عليه الصلاة و السلام، و ذلك لأنه صلى اللََّه عليه و سلم حكم على اليهوديين بالرجم، و كان هذا حكم التوراة، و إنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له، كقوله تعالى: إِنَّ إِبْرََاهِيمَ كََانَ أُمَّةً [النحل: 120]و قوله‏ أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ [النساء: 54]و ذلك لأنه كان قد اجتمع فيه من خصال الخير ما كان حاصلا لأكثر الأنبياء. الثالث: قال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود و النصارى لأن بعضهم كانوا يقولون: الأنبياء كلهم يهود أو نصارى، فقال تعالى: يَحْكُمُ بِهَا اَلنَّبِيُّونَ اَلَّذِينَ أَسْلَمُوا يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية و النصرانية، بل كانوا مسلمين للََّه منقادين لتكاليفه. الرابع: المراد بقوله اَلنَّبِيُّونَ اَلَّذِينَ أَسْلَمُوا يعني الذين كان مقصودهم من الحكم بالتوراة الإيمان و الإسلام و إظهار أحكام اللََّه تعالى و الانقياد لتكاليفه، و الغرض منه التنبيه على قبح طريقة هؤلاء اليهود المتأخرين، فإن غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة و استتباع العوام.

المسألة الرابعة: قوله لِلَّذِينَ هََادُوا فيه وجهان: الأول: المعنى أن النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا، أي لأجلهم و فيما بينهم، و الثاني: يجوز أن يكون المعنى على التقديم و التأخير على معنى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى و نور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا.

المسألة الخامسة: أما الربانيون فقد تقدم تفسيره، و أما الأحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء، و اختلف أهل اللغة في واحده، قال الفرّاء: إنما هو «حبر» بكسر الحاء، يقال ذلك للعالم و إنما سمي بهذا الاسم لمكان الحبر الذي يكتب به، و ذلك أنه يكون صاحب كتب، و كان أبو عبيدة يقول: حبر بفتح الحاء. قال الليث: هو حبر و حبر بكسر الحاء و فتحها. و قال الأصمعي: لا أدري أهو الحبر أو الحبر، و أما اشتقاقه فقال قوم: أصله من التحبير و هو التحسين، و

في الحديث «يخرج رجل من النار ذهب حبره و سبره»

أي جماله و بهاؤه، و المحبر للشي‏ء المزين، و لما كان العلم أكمل أقسام الفضيلة و الجمال و المنقبة لا جرم سمي العالم به. و قال آخرون:

اشتقاقه من/الحبر الذي يكتب به، و هو قول الفرّاء و الكسائي و أبي عبيدة، و اللََّه أعلم.

المسألة السادسة: دلّت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون و الربانيون و الأحبار، و هذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالا من الأحبار، فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين، و الأحبار كآحاد العلماء.

ثم قال: بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتََابِ اَللََّهِ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: حفظ كتاب اللََّه على وجهين: الأول: أن يحفظ فلا ينسى. الثاني: أن يحفظ فلا يضيع، و قد أخذ اللََّه على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين: أحدهما: أن يحفظوه في صدورهم و يدرسوه بألسنتهم، و الثاني: أن لا يضيعوا أحكامه و لا يهملوا شرائعه.

المسألة الثانية: الباء في قوله بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتََابِ اَللََّهِ فيه وجهان: الأول: أن يكون صلة الأحبار على معنى العلماء بما استحفظوا. الثاني: أن يكون المعنى يحكمون بما استحفظوا، و هو قول الزجاج.

ثم قال تعالى: وَ كََانُوا عَلَيْهِ شُهَدََاءَ أي هؤلاء النبيون و الربانيون و الأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق و صدق و من عند اللََّه، فلا جرم كانوا يمضون أحكام التوراة و يحفظونها عن التحريف و التغيير.

ثم قال تعالى: فَلاََ تَخْشَوُا اَلنََّاسَ وَ اِخْشَوْنِ و اعلم أنه تعالى لما قرر أن النبيين و الربانيين و الأحبار كانوا قائمين بإمضاء أحكام التوراة من غير مبالاة،

367

خاطب اليهود الذين كانوا في عصر رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، و منعهم من التحريف و التغيير.

و اعلم أن إقدام القوم على التحريف لا بدّ و أن يكون لخوف و رهبة، أو لطمع و رغبة، و لما كان الخوف أقوى تأثيرا من الطمع قدم تعالى ذكره فقال: فَلاََ تَخْشَوُا اَلنََّاسَ وَ اِخْشَوْنِ و المعنى إياكم و أن تحرفوا كتابي للخوف من الناس و الملوك و الأشراف، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم و تستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف اللََّه تعالى عنهم، فلا تكونوا خائفين من الناس، بل/كونوا خائفين مني و من عقابي.

و لما ذكر أمر الرهبة اتبعه بأمر الرغبة، فقال وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً أي كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف و الرهبة، فكذلك أنهاكم عن التغيير و التبديل لأجل الطمع في المال و الجاه و أخذ الرشوة فإن كل متاع الدنيا قليل، و الرشوة التي تأخذونها منهم في غاية القلة، و الرشوة لكونها سحتا تكون قليلة البركة و البقاء و المنفعة، فكذلك المال الذي تكتسبونه قليل من قليل، ثم أنتم تضيعون بسببه الدين و الثواب المؤبد، و السعادات التي لا نهاية لها.

و يحتمل أيضا أن يكون إقدامهم على التحريف و التبديل لمجموع الأمرين، للخوف من الرؤساء و لأخذ الرشوة من العامة، و لما منعهم اللََّه من الأمرين و نبّه على ما في كل واحد منهما من الدناءة و السقوط كان ذلك برهانا قاطعا في المنع من التحريف و التبديل.

ثم إنه أتبع هذا البرهان الباهر بالوعيد الشديد فقال: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْكََافِرُونَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: المقصود من هذا الكلام تهديد اليهود في إقدامهم على تحريف حكم اللََّه تعالى في حد الزاني المحصن، يعني أنهم لما أنكروا حكم اللََّه المنصوص عليه في التوراة و قالوا: إنه غير واجب، فهم كافرون على الإطلاق، لا يستحقون اسم الإيمان لا بموسى و التوراة و لا بمحمد و القرآن.

المسألة الثانية: قالت الخوارج: كل من عصى اللََّه فهو كافر. و قال جمهور الأئمة: ليس الأمر كذلك، أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية و قالوا: إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل اللََّه فهو كافر، و كل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل اللََّه، فوجب أن يكون كافرا.

و ذكر المتكلمون و المفسرون أجوبة عن هذه الشبهة: الأول: أن هذه الآية نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم، و هذا ضعيف لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، و منهم من حاول دفع هذا السؤال فقال:

المراد و من لم يحكم من هؤلاء الذين سبق ذكرهم بما أنزل اللََّه فأولئك هم الكافرون، و هذا أيضا ضعيف لأن قوله وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ كلام أدخل فيه كلمة (من) في معرض الشرط، فيكون للعموم. و قول من يقول: المراد و من لم يحكم بما أنزل اللََّه من الذين سبق ذكرهم فهو زيادة في النص و ذلك غير جائز. الثاني:

قال عطاء: هو كفر دون/كفر. و قال طاوس: ليس بكفر ينقل عن الملة كمن يكفر باللََّه و اليوم الآخر، فكأنهم حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين، و هو أيضا ضعيف، لأن لفظ الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين. و الثالث: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى: و من لم يحكم بما أنزل اللََّه فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار، و يشبه من أجل ذلك الكافرين، و هذا ضعيف أيضا لأنه عدول عن الظاهر. و الرابع: قال‏

368

عبد العزيز بن يحيى الكناني: قوله بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ* صيغة عموم، فقوله وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ معناه من أتى بضد حكم اللََّه تعالى في كل ما أنزل اللََّه فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْكََافِرُونَ ، و هذا حق لأن الكافر هو الذي أتى بضد حكم اللََّه تعالى في كل ما أنزل اللََّه، أما الفاسق فإنه لم يأت بضد حكم اللََّه إلا في القليل، و هو العمل، أما في الاعتقاد و الإقرار فهو موافق، و هذا أيضا ضعيف لأنه لو كانت هذه الآية وعيدا مخصوصا بمن خالف حكم اللََّه تعالى في كل ما أنزل اللََّه تعالى لم يتناول هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفتهم حكم اللََّه في الرجم، و أجمع المفسرون على أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم اللََّه تعالى في واقعة الرجم، فيدل على سقوط هذا الجواب، و الخامس: قال عكرمة: قوله وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ إنما يتناول من أنكر بقلبه و جحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم اللََّه و أقر بلسانه كونه حكم اللََّه، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل اللََّه تعالى، و لكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، و هذا هو الجواب الصحيح و اللََّه أعلم.

ثم قال تعالى: وَ كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ فِيهََا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ اَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ اَلْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ اَلْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ اَلسِّنَّ بِالسِّنِّ وَ اَلْجُرُوحَ قِصََاصٌ .

و المعنى أنه تعالى بيّن في التوراة أن حكم الزاني المحصن هو الرجم، و اليهود غيروه و بدلوه، و بيّن في هذه الآية أيضا أنه تعالى بيّن في التوراة أن النفس بالنفس، و هؤلاء اليهود غيروا هذا الحكم أيضا، ففضلوا بني النضير على بني قريظة، و خصصوا إيجاب القود ببني قريظة دون بني النضير، فهذا هو وجه النظم من الآية، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ الكسائي: العين و الأنف و الأذن و السن و الجروح كلها بالرفع، و فيه/وجوه:

أحدها: العطف على محل أَنَّ اَلنَّفْسَ لأن المعنى: و كتبنا عليهم فيها النفس بالنفس لأن معنى كتبنا قلنا، و ثانيها: أن الكتابة تقع على مثل هذه الجمل تقول: كتبت (الحمد للََّه) و قرأت (سورة أنزلناها) و ثالثها: أنها ترتفع على الاستئناف، و تقديره: أن النفس مقتولة بالنفس و العين مفقوءة بالعين، و نظيره قوله تعالى في هذه السورة إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََادُوا وَ اَلنَّصََارى‏ََ وَ اَلصََّابِئِينَ [البقرة: 62]و قرأ ابن كثير و ابن عامر و أبو عمرو بنصب الكل سوى اَلْجُرُوحَ فإنه بالرفع، فالعين و الأنف و الأذن نصب عطفا على النفس، ثم اَلْجُرُوحَ مبتدأ، و قِصََاصٌ خبره، و قرأ نافع و عاصم و حمزة كلها بالنصب عطفا لبعض ذلك على بعض، و خبر الجميع قصاص، و قرأ نافع اَلْأُذُنَ بسكون الذال حيث وقع، و الباقون بالضم مثقلة، و هما لغتان.

المسألة الثانية: قال ابن عباس: يريد و فرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، يريد من قتل نفسا بغير قود قيد منه، و لم يجعل اللََّه له دية في نفس و لا جرح، إنما هو العفو أو القصاص. و عن ابن عباس: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت هذه الآية، و أما الأطراف فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة، و إذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضا في‏

369

الأطراف، و لما ذكر اللََّه تعالى بعض الأعضاء عمم الحكم في كلها فقال وَ اَلْجُرُوحَ قِصََاصٌ و هو كل ما يمكن أن يقتص منه، مثل الشفتين و الذكر و الأنثيين و الأنف و القدمين و اليدين و غيرها، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رض في لحم، أو كسر في عظم، أو جراحة في بطن يخاف منه التلف ففيه أرش و حكومة.

و اعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا كان شرعا في التوراة، فمن قال: شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ بالتفصيل قال: هذه الآية حجة في شرعنا، و من أنكر ذلك قال: إنها ليست بحجة علينا.

المسألة الثالثة: قِصََاصٌ هاهنا مصدر يراد به المفعول، أي و الجروح متقاصة بعضها ببعض ثم قال تعالى: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفََّارَةٌ لَهُ الضمير في قوله لَهُ يحتمل أن يكون عائدا إلى العافي أو إلى المعفو عنه، أما الأول فالتقدير أن المجروح أو ولي المقتول إذا عفا كان ذلك كفارة له، أي للعافي و يتأكد هذا بقوله تعالى في آية القصاص الثالث: في سورة البقرة وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ََ [البقرة: 237]/و يقرب منه‏

قوله صلى اللََّه عليه و سلم: «أ يعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس»

و

روى عبادة بن الصامت أن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم قال: «من تصدق من جسده بشي‏ء كفر اللََّه تعالى عنه بقدره من ذنوبه»

و هذا قول أكثر المفسرين.

و القول الثاني: أن الضمير في قوله فَهُوَ كَفََّارَةٌ لَهُ عائد إلى القاتل و الجارح، يعني أن المجنى عليه إذا عفا عن الجاني صار ذلك العفو كفارة للجاني، يعني لا يؤاخذه اللََّه تعالى بعد ذلك العفو، و أما المجنى عليه الذي عفا فأجره على اللََّه تعالى.

ثم قال تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ و فيه سؤال، و هو أنه تعالى قال أولا:

فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْكََافِرُونَ [المائدة: 44]و ثانيا: هُمُ اَلظََّالِمُونَ و الكفر أعظم من الظلم، فلما ذكر أعظم التهديدات أولا، فأي فائدة في ذكر الأخف بعده؟ و جوابه: أن الكفر من حيث أنه إنكار لنعمة المولى و جحود لها فهو كفر، و من حيث إنه يقتضي إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس، ففي الآية الأولى ذكر اللََّه ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق سبحانه، و في هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه.

قفيته: مثل عقبته إذا اتبعته، ثم يقال: عقبته بفلان و قفيته به، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء.

فإن قيل: فأين المفعول الأول في الآية؟ قلنا: هو محذوف، و الظرف و هو قوله عَلى‏ََ آثََارِهِمْ كالساد مسده، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، و الضمير في آثََارِهِمْ للنبيين في قوله يَحْكُمُ بِهَا اَلنَّبِيُّونَ اَلَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هََادُوا [المائدة: 44] و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: أنه تعالى وصف عيسى ابن مريم بكونه مصدقا لما بين يديه من التوراة، / و إنما يكون

370

كذلك إذا كان عمله على شريعة التوراة، و معلوم أنه لم يكن كذلك، فإن شريعة عيسى عليه السلام كانت مغايرة لشريعة موسى عليه السلام، فلذلك قال في آخر هذه الآية وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ اَلْإِنْجِيلِ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فِيهِ [المائدة: 47]فكيف طريق الجمع بين هذين الأمرين؟ و الجواب: معنى كون عيسى مصدقا للتوراة أنه أقر بأنه كتاب منزّل من عند اللََّه، و أنه كان حقا واجب العمل به قبل ورود النسخ.

السؤال الثاني: لم كرر قوله مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ و الجواب: ليس فيه تكرار لأن في الأول: أن المسيح يصدق التوراة، و في الثاني: الإنجيل يصدق التوراة.

السؤال الثالث: أنه تعالى وصف الإنجيل بصفات خمسة فقال: فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ وَ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلتَّوْرََاةِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ و فيه مباحثات ثلاثة: أحدها: ما الفرق بين هذه الصفات الخمسة: و ثانيها: لم ذكر الهدى مرتين؟و ثالثها: لم خصصه بكونه موعظة للمتقين؟ و الجواب على الأول: أن الإنجيل هدى بمعنى أنه اشتمل على الدلائل الدالة على التوحيد و التنزيه، و براءة اللََّه تعالى عن الصاحبة و الولد و المثل و الضد، و على النبوّة و على المعاد، فهذا هو المراد بكونه هدى، و أما كونه نورا، فالمراد به كونه بيانا للأحكام الشرعية و لتفاصيل التكاليف، و أما كونه مصدقا لما بين يديه، فيمكن حمله على كونه مبشرا بمبعث محمد صلى اللََّه عليه و سلم، و بمقدمه و أما كونه هدى مرة أخرى فلأن اشتماله على البشارة بمجي‏ء محمد صلى اللََّه عليه و سلم سبب لاهتداء الناس إلى نبوّة محمد صلى اللََّه عليه و سلم، و لما كان أشد وجوه المنازعة بين المسلمين و بين اليهود و النصارى في ذلك لا جرم أعاده اللََّه تعالى مرة أخرى تنبيها على أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوّة محمد صلى اللََّه عليه و سلم، فكان هدى في هذه المسألة التي هي أشد المسائل احتياجا إلى البيان و التقرير، و أما كونه موعظة فلاشتمال الإنجيل على النصائح و المواعظ و الزواجر البليغة المتأكدة و إنما خصها بالمتقين لأنهم هم الذين ينتفعون بها، كما في قوله‏ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2].

السؤال الرابع: قوله في صفة الإنجيل وَ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ عطف على ما ذا؟ الجواب: أنه عطف على محل فِيهِ هُدىً و محله النصب على الحال، و التقدير: و آتيناه الإنجيل حال كونه هدى و نورا و مصدقا لما بين يديه.

ثم قال تعالى: وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ اَلْإِنْجِيلِ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فِيهِ قرأ حمزة وَ لْيَحْكُمْ بكسر اللام و فتح /الميم، جعل اللام متعلقة بقوله وَ آتَيْنََاهُ اَلْإِنْجِيلَ [المائدة: 46]لأن إيتاء الإنجيل إنزال ذلك عليه، فكان المعنى آتيناه الإنجيل ليحكم، و أما الباقون فقرءوا بجزم اللام و الميم على سبيل الأمر، و فيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير: و قلنا ليحكم أهل الإنجيل، فيكون هذا إخبارا عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل، ثم حذف القول لأن ما قبله من قوله وَ كَتَبْنََا و قَفَّيْنََا يدل عليه، و حذف القول كثير كقوله تعالى: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ‏`سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23]أي يقولون سلام عليكم، و الثاني:

أن يكون قوله وَ لْيَحْكُمْ ابتداء أمر للنصارى بالحكم في الإنجيل.

371

فإن قيل: كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن؟ قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن المراد ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللََّه فيه من الدلائل الدالة على نبوّة محمد صلى اللََّه عليه و سلم، و هو قول الأصم، و الثاني: و ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللََّه فيه، مما لم يصر منسوخا بالقرآن، و الثالث: المراد من قوله وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ اَلْإِنْجِيلِ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فِيهِ زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل و تغييره مثل ما فعله اليهود من إخفاء أحكام التوراة، فالمعنى بقوله وَ لْيَحْكُمْ أي و ليقر أهل الإنجيل بما أنزل اللََّه فيه على الوجه الذي أنزله اللََّه فيه من غير تحريف و لا تبديل.

ثم قال تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ و اختلف المفسرون، فمنهم من جعل هذه الثلاثة، أعني قوله (الكافرون الظالمون الفاسقون) صفات لموصوف واحد. قال القفال: و ليس في إفراد كل واحد من هذه الثلاثة بلفظ ما يوجب القدح في المعنى، بل هو كما يقال: من أطاع اللََّه فهو المؤمن، من أطاع اللََّه فهو البر، من أطاع اللََّه فهو المتقي، لأن كل ذلك صفات مختلفة حاصلة لموصوف واحد. و قال آخرون: الأول: في الجاحد، و الثاني و الثالث: في المقر التارك. و قال الأصم: الأول و الثاني: في اليهود، و الثالث: في النصارى.

ثم قال تعالى: وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْكِتََابِ و هذا خطاب مع محمد صلى اللََّه عليه و سلم، فقوله وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ أي القرآن، و قوله مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْكِتََابِ أي كل كتاب نزل من السماء سوى القرآن.

و قوله وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فيه مسائل:

المسألة الأولى: في المهيمن قولان: الأول: قال الخليل و أبو عبيدة: يقال قد هيمن الرجل يهيمن إذا كان رقيبا على الشي‏ء و شاهدا عليه حافظا. قال حسّان:

إن الكتاب مهيمن لنبينا # و الحق يعرفه ذوو الألباب‏

و الثاني: قالوا: الأصل في قولنا: آمن يؤمن فهو مؤمن، أأمن يؤأمن فهو مؤامن بهمزتين، ثم قلبت الأولى هاء كما في: هرقت و أرقت، و هياك و إياك، و قلبت الثانية ياء فصار مهيمنا فلهذا قال المفسرون وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ أي أمينا على الكتب التي قبله.

المسألة الثانية: إنما كان القرآن مهيمنا على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخا ألبتة، و لا يتطرق إليه التبديل و التحريف على ما قال تعالى: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ [الحجر: 9]و إذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة و الإنجيل و الزبور حق صدق باقية أبدا، فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبدا. ـ

372

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قرئ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ بفتح الميم لأنه مشهود عليه من عند اللََّه تعالى بأن يصونه عن التحريف و التبديل لما قررنا من الآيات، و لقوله‏ لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: 42]و المهيمن عليه هو اللََّه تعالى.

ثم قال تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ يعني فاحكم بين اليهود بالقرآن و الوحي الذي نزّله اللََّه تعالى عليك.

وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَهُمْ عَمََّا جََاءَكَ مِنَ اَلْحَقِّ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: وَ لاََ تَتَّبِعْ يريد و لا تنحرف، و لذلك عداه بعن، كأنه قيل: و لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم.

المسألة الثانية:

روي أن جماعة من اليهود قالوا: تعالوا نذهب إلى محمد صلى اللََّه عليه و سلم لعلنا نفتنه عن دينه، ثم دخلوا عليه و قالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود و أشرافهم، و إنا إن اتبعناك اتبعك كل اليهود، و إن بيننا و بين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك، فاقض لنا و نحن نؤمن بك، فأنزل اللََّه تعالى هذه الآية.

المسألة الثالثة: تمسك من طعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية و قال: لولا جواز المعصية عليهم و إلا لما قال: وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَهُمْ عَمََّا جََاءَكَ مِنَ اَلْحَقِّ .

و الجواب: أن ذلك مقدور له و لكن لا يفعله لمكان النهي. و قيل: الخطاب له و المراد غيره ثم قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنََا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهََاجاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لفظ (الشرعة) في اشتقاقه وجهان: الأول: معنى شرع بين و أوضح. قال ابن السكيت:

لفظ الشرع مصدر: شرعت الإهاب، إذا شققته و سلخته. الثاني: شرع مأخوذ من الشروع في الشي‏ء و هو الدخول فيه، و الشريعة في كلام العرب المشرعة التي يشرعها الناس فيشربون منها، فالشريعة فعيلة بمعنى الفعولة، و هي الأشياء التي أوجب اللََّه تعالى على المكلفين أن يشرعوا فيها، و أما المنهاج فهو الطريق الواضح، يقال: نهجت لك الطريق و أنهجت لغتان.

المسألة الثانية: احتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لا يلزمنا، لأن قوله لِكُلٍّ جَعَلْنََا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهََاجاً يدل على أنه يجب أن يكون كل رسول مستقلا بشريعة خاصة، و ذلك ينفي كون أمة أحد الرسل مكلفة بشريعة الرسول الآخر.

المسألة الثالثة: وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء و الرسل، و آيات دالة على حصول التباين فيها.

أما النوع الأول: فقوله‏ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً [الشورى: 13]إلى قوله‏ أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13]و قال‏ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللََّهُ فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ [الأنعام: 90].

و أما النوع الثاني: فهو هذه الآية، و طريق الجمع أن نقول: النوع الأول من الآيات مصروف إلى ما يتعلق‏

373

بأصول الدين، و النوع الثاني مصروف إلى ما يتعلق بفروع الدين.

المسألة الرابعة: الخطاب في قوله لِكُلٍّ جَعَلْنََا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهََاجاً خطاب للأمم الثلاث: أمة موسى، و أمة عيسى، و أمة محمد عليهم السلام، بدليل أن ذكر هؤلاء الثلاثة قد تقدم في قوله‏ إِنََّا أَنْزَلْنَا اَلتَّوْرََاةَ فِيهََا هُدىً وَ نُورٌ [المائدة: 44]ثم قال وَ قَفَّيْنََا عَلى‏ََ آثََارِهِمْ بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ [المائدة: 46]ثم قال وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ [المائدة: 48].

ثم قال: لِكُلٍّ جَعَلْنََا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهََاجاً يعني شرائع مختلفة: للتوراة شريعة، و للإنجيل شريعة، و للقرآن شريعة.

المسألة الخامسة: قال بعضهم: الشرعة و المنهاج عبارتان عن معنى واحد، و التكرير للتأكيد/و المراد بهما الدين. و قال آخرون: بينهما فرق، فالشرعة عبارة عن مطلق الشريعة، و الطريقة عبارة عن مكارم الشريعة، و هي المراد بالمنهاج، فالشريعة أول، و الطريقة آخر. و قال المبرّد: الشريعة ابتداء الطريقة، و الطريقة المنهاج المستمر، و هذا تقرير ما قلناه. و اللََّه أعلم بأسرار كلامه.

ثم قال تعالى: وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً أي جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوي أمة واحدة، أي دين واحد لا اختلاف فيه. قال الأصحاب: هذا يدل على أن الكل بمشيئة اللََّه تعالى و المعتزلة حملوه على مشيئة الإلجاء.

ثم قال تعالى: وَ لََكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مََا آتََاكُمْ من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها منقادين للََّه خاضعين لتكاليف اللََّه، أم تتبعون الشبه و تقصرون في العمل.

فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرََاتِ أي فابتدروها و سابقوا نحوها.

إِلَى اَللََّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات.

فَيُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم و مبطلكم، و موفيكم و مقصركم في العمل، و المراد أن الأمر سيؤول إلى ما يزول معه الشكوك و يحصل مع اليقين، و ذلك عند مجازاة المحسن بإحسانه و المسي‏ء بإساءته.

ثم قال تعالى: وَ أَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَهُمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: فإن قيل: قوله وَ أَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ معطوف على ما ذا؟ قلنا: على الكتاب في قوله وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ [المائدة: 48]كأنه قيل: و أنزلنا إليك أن احكم /و (أن) وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، و يجوز أن يكون معطوفا على قوله بِالْحَقِّ [المائدة: 48] أي أنزلنا بالحق و بأن احكم، و قوله وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَهُمْ قد ذكرنا أن اليهود اجتمعوا و أرادوا إيقاعه في تحريف دينه فعصمه اللََّه تعالى عن ذلك.

374

المسألة الثانية: قالوا: هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله‏ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: 42].

المسألة الثالثة: أعيد ذكر الأمر بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى إما للتأكيد، و إما لأنهما حكمان أمر بهما جميعا، لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصن، ثم احتكموا في قتيل كان فيهم.

ثم قال تعالى: وَ اِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكَ .

قال ابن عباس: يريد به يردوك إلى أهوائهم، فإن كل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن، و منه قوله وَ إِنْ كََادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الإسراء: 73]و الفتنة هاهنا في كلامهم التي تميل عن الحق و تلقى في الباطل و

كان صلى اللََّه عليه و سلم يقول: «أعوذ بك من فتنة المحيا»

قال هو أن يعدل عن الطريق. قال أهل العلم: هذه الآية تدل على أن الخطأ و النسيان جائزان على الرسول، لأن اللََّه تعالى قال: وَ اِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكَ و التعمد في مثل هذا غير جائز على الرسول، فلم يبق إلا الخطأ و النسيان.

ثم قال تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا أي فإن لم يقبلوا حكمك فَاعْلَمْ أَنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: المراد يبتليهم بجزاء بعض ذنوبهم في الدنيا، و هو أن يسلطك عليهم، و يعذبهم في الدنيا بالقتل و الجلاء، و إنما خصّ اللََّه تعالى بعض الذنوب لأن القوم جوزوا في الدنيا ببعض ذنوبهم، و كان مجازاتهم بالبعض كافيا في إهلاكهم و التدمير عليهم، و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: دلّت الآية على أن الكل بإرادة اللََّه تعالى، لأنه لا يريد أن يصيبهم ببعض ذنوبهم إلا و قد أراد ذنوبهم، و ذلك يدل على أنه تعالى مريد للخير و الشر.

ثم قال تعالى: وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ لَفََاسِقُونَ لمتمردون في الكفر معتدون فيه، يعني أن التولي عن حكم اللََّه تعالى من التمرد العظيم و الاعتداء في الكفر.

ثم قال تعالى: أَ فَحُكْمَ اَلْجََاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ /و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر تبغون بالتاء على الخطاب، و الباقون بالياء على المغايبة، و قرأ السلمي أَ فَحُكْمَ اَلْجََاهِلِيَّةِ برفع الحكم على الابتداء، و إيقاع يَبْغُونَ خبرا و إسقاط الراجع عنه لظهوره، و قرأ قتادة أ بحكم الجاهلية و المراد أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به حكام الجاهلية، فأرادوا بشهيتهم أن يكون محمد خاتم النبيّين حكما كأولئك الحكام.

المسألة الثانية: في الآية وجهان: الأول: قال مقاتل: كانت بين قريظة و النضير دماء قبل أن يبعث اللََّه محمدا عليه الصلاة و السلام، فلما بعث تحاكموا إليه، فقالت بنو قريظة: بنو النضير إخواننا، أبونا واحد، و ديننا واحد، و كتابنا واحد، فإن قتل بنو النضير منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر، و إن قتلنا منهم واحدا أخذوا منا مائة و أربعين وسقا من تمر، و أروش جراحاتنا على النصف من أروش جراحاتهم، فاقض بيننا

375

و بينهم، فقال عليه السلام: فإني أحكم أن دم القرظي وفاء من دم النضري، و دم النضري وفاء من دم القرظي، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم و لا عقل، و لا جراحة، فغضب بنو النضير و قالوا: لا نرضى بحكمك فإنك عدو لنا، فأنزل اللََّه تعالى هذه الآية أَ فَحُكْمَ اَلْجََاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ يعني حكمهم الأول. و قيل: إنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه، و إذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به، فمنعهم اللََّه تعالى منه بهذه الآية، الثاني: أن المراد بهذه الآية أن يكون تعييرا لليهود بأنهم أهل كتاب و علم مع أنهم يبغون حكم الجاهلية التي هي محض الجهل و صريح الهوى.

ثم قال تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللََّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ اللام في قوله لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ للبيان كاللام في هَيْتَ لَكَ [يوسف: 23]أي هذا الخطاب و هذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم هم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من اللََّه حكما، و لا أحسن منه بيانا.

اعلم أنه تمّ الكلام عند قوله أَوْلِيََاءَ ثم ابتدا فقال بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ و

روي أن عبادة بن الصامت جاء إلى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فتبرأ عنده من موالاة اليهود، فقال عبد اللََّه بن/أبي: لكني لا أتبرأ منهم لأني أخاف الدوائر، فنزلت هذه الآية،

و معنى لا تتخذوهم أولياء: أي لا تعتمدوا على الاستنصار بهم، و لا تتوددوا إليهم.

ثم قال: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ قال ابن عباس: يريد كأنه مثلهم، و هذا تغليظ من اللََّه و تشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين، و نظيره قوله‏ وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة: 249].

ثم قال: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي اللََّه عنه: إن لي كاتبا نصرانيا، فقال: مالك قاتلك اللََّه، ألا اتخذت حنيفا، أما سمعت قول اللََّه تعالى:

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ أَوْلِيََاءَ قلت: له دينه و لي كتابته، فقال: لا أكرمهم إذا أهانهم اللََّه، و لا أعزهم إذا أذلهم اللََّه، و لا أدنيهم إذا أبعدهم اللََّه، قلت: لا يتم أمر البصرة إلا به، فقال: مات النصراني و السلام، يعني هب أنه قد مات فما تصنع بعده، فما تعمله بعد موته فاعمله الآن و استغن عنه بغيره.

ثم قال تعالى: فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسََارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى‏ََ أَنْ تُصِيبَنََا دََائِرَةٌ .

و اعلم أن المراد بقوله اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ المنافقون: مثل عبد اللََّه بن أبي و أصحابه، و قوله يُسََارِعُونَ فِيهِمْ أي يسارعون في مودة اليهود و نصارى نجران، لأنهم كانوا أهل ثروة و كانوا يعينونهم على مهماتهم و يقرضونهم، و يقول المنافقون: إنما نخالطهم لأنا نخشى أن تصيبنا دائرة. قال الواحدي رحمه اللََّه:

الدائرة من دوائر الدهر كالدولة، و هي التي تدور من قوم إلى قوم، و الدائرة هي التي تخشى، كالهزيمة

376

و الحوادث المخوفة، فالدوائر تدور، و الدوائل تدول. قال الزجاج: أي نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد صلى اللََّه عليه و سلم فيدور الأمر كما كان قبل ذلك.

ثم قال تعالى: فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى‏ََ مََا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نََادِمِينَ .

قال المفسرون (عسى) من اللََّه واجب، لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به و رجائها له، و المعنى: فعسى اللََّه أن يأتي بالفتح لرسول اللََّه على أعدائه و إظهار/المسلمين على أعدائهم، أو أمر من عنده يقطع أصل اليهود أو يخرجهم عن بلادهم فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم، و ذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر الرسول و يقولون: لا نظن أنه يتم له أمره، و الأظهر أن تصير الدولة و الغلبة لأعدائه. و قيل: أو أمر من عنده، يعني أن يؤمر النبي صلى اللََّه عليه و سلم بإظهار أسرار المنافقين و قتلهم فيندموا على فعالهم.

فإن قيل: شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين، و قوله فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ليس كذلك، لأن الإتيان بالفتح داخل في قوله أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ .

قلنا: قوله أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ معناه أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل ألبتة، كبني النضير الذين طرح اللََّه في قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من غير محاربة و لا عسكر ثم قال تعالى:

فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير و نافع و ابن عامر يقول بغير واو، و كذلك هي في مصاحف أهل الحجاز و الشام، و الباقون بالواو، و كذلك هي في مصاحف أهل العراق. قال الواحدي رحمه اللََّه: و حذف الواو هاهنا كإثباتها، و ذلك لأن في الجملة المعطوفة ذكرا من المعطوف عليها، فإن الموصوف بقوله يُسََارِعُونَ فِيهِمْ [المائدة: 52]هم الذين قال فيهم المؤمنون أَ هََؤُلاََءِ اَلَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ فلما حصل في كل واحدة من الجملتين ذكر من الأخرى حسن العطف بالواو و بغير الواو، و نظيره قوله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سََادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم أغنى ذلك عن ذكر الواو، ثم قال: وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف: 22]فأدخل/الواو، فدل ذلك على أن حذف الواو، و ذكرها جائز. و قال صاحب «الكشاف» حذف الواو على تقدير أنه جواب قائل يقول: فما ذا يقول المؤمنون حينئذ؟فقيل: يقول الذين آمنوا أ هؤلاء الذين أقسموا. و اختلفوا في قراءة هذه الآية من وجه آخر، فقرأ أبو عمرو و يقول الذين آمنوا نصبا على معنى: و عسى أن يقول الذين آمنوا، و أما من رفع فإنه جعل الواو لعطف جملة على جملة، و يدل على قراءة الرفع قراءة من حذف الواو.

المسألة الثانية: الفائدة في أن المؤمنين يقولون هذا القول هو أنهم يتعجبون من حال المنافقين عند ما أظهروا الميل إلى موالاة اليهود و النصارى، و قالوا: إنهم يقسمون باللََّه جهد أيمانهم أنهم معنا و من أنصارنا، فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا محبين للاختلاط بهم و الاعتضاد بهم؟

377

المسألة الثالثة: قوله حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين، و يحتمل أن يكون من كلام اللََّه تعالى، و المعنى ذهب ما أظهروه من الإيمان، و بطل كل خير عملوه لأجل أنهم الآن أظهروا موالاة اليهود و النصارى، فأصبحوا خاسرين في الدنيا و الآخرة، فإنه لما بطلت أعمالهم بقيت عليهم المشقة في الإتيان بتلك الأعمال، و لم يحصل لهم شي‏ء من ثمراتها و منافعها، بل استحقوا اللعن في الدنيا و العقاب في الآخرة.

في قوله تعالى يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر و نافع‏ يَرْتَدِدْ بدالين، و الباقون بدال واحدة مشددة، و الأول: لإظهار التضعيف، و الثاني: للإدغام. قال الزجاج: إظهار الدالين هو الأصل لأن الثاني من المضاعف إذا سكن ظهر التضعيف، نحو قوله‏ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ [آل عمران: 140]و يجوز في اللغة: إن يمسكم.

المسألة الثانية: روى صاحب «الكشاف» أنه كان أهل الردة إحدى عشرة فرقة: ثلاث في عهد رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم:

بنو مدلج: و رئيسهم ذو الحمار، و هو الأسود العنسي، و كان كاهنا ادعى النبوّة في اليمن و استولى على بلادها، و أخرج عمال رسول اللََّه، فكتب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم إلى معاذ بن جبل و سادات اليمن، فأهلكه اللََّه على يد فيروز الديلمي بيته فقتله، و أخبر رسول اللََّه بقتله ليلة قتل، فسر المسلمون، و قبض رسول اللََّه من الغد و أتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.

و

بنو حنيفة قوم مسيلمة، ادعى النبوّة و كتب إلى رسول اللََّه: من مسيلمة رسول اللََّه إلى محمد رسول اللََّه أما بعد فإن الأرض نصفها لي و نصفها لك، فأجابه الرسول: من محمد رسول اللََّه إلى مسيلمة الكذاب: أما بعد فإن الأرض للََّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين، فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين، و قتل على يدي وحشي قاتل حمزة، و كان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية و شر الناس في الإسلام، أراد في جاهليتي و في إسلامي.

و بنو أسد قوم طليحة بن خويلد: ادعى النبوّة، فبعث إليه رسول اللََّه خالدا، فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم و حسن إسلامه.

و سبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن، و غطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، و بنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، و بنو يربوع قوم مالك بن نويرة، و بعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر التي ادعت النبوّة و زوجت نفسها من مسيلمة الكذاب، و كندة و قوم الأشعث بن قيس، و بنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد، و كفى اللََّه أمرهم على يد أبي بكر. و فرقة واحدة في عهد عمر: غسان قوم جبلة بن الأيهم، و ذلك أن جبلة أسلم على يد عمر، و كان يطوف ذات يوم جارا رداءه، فوطئ رجل طرف ردائه فغضب فلطمه، فتظلّم إلى عمر فقضى له بالقصاص عليه، إلا أن يعفو عنه، فقال: أنا أشتريها بألف، فأبى الرجل، فلم يزل يزيد

378

في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف، فأبى الرجل إلا القصاص، فاستنظر عمر فأنظره عمر فهرب إلى الروم و ارتد.

المسألة الثالثة: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا من يتول منكم الكفار فيرتد عن دينه فليعلم أن اللََّه تعالى يأتي بأقوام آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه. و قال الحسن رحمه اللََّه: علم اللََّه أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيّهم، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم و يحبونه، و على هذا التقدير تكون هذه الآية إخبارا عن الغيب، و قد وقع المخبر على وفقه فيكون معجزا.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن أولئك القوم من هم؟

فقال علي بن أبي طالب و الحسن و قتادة و الضحاك و ابن جريح: هم أبو بكر و أصحابه لأنهم هم الذين قاتلوا أهل الردة.

و قالت عائشة رضي اللََّه عنها: مات رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و ارتدت العرب، و اشتهر النفاق، و نزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها. و قال السدي: نزلت الآية في الأنصار لأنهم هم الذين نصروا الرسول و أعانوه على إظهار الدين. و قال مجاهد: نزلت في أهل اليمن. و

روي مرفوعا أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم لما نزلت هذه الآية أشار إلى أبي موسى الأشعري و قال: هم قوم هذا.

و قال آخرون: هم الفرس لأنه‏

روي أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم لما سئل عن هذه الآية ضرب بيده/على عاتق سلمان و قال: هذا و ذووه، ثم قال: «لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس» .

و قال قوم: إنها نزلت في علي عليه السلام، و يدل عليه وجهان: الأول:

أنه عليه السلام لما دفع الراية إلى علي عليه السلام يوم خيبر قال: «لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب اللََّه و رسوله و يحبه اللََّه و رسوله» ،

و هذا هو الصفة المذكورة في الآية.

و الوجه الثاني: أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ [المائدة: 55]و هذه الآية في حق علي، فكان الأولى جعل ما قبلها أيضا في حقه، فهذه جملة الأقوال في هذه الآية و لنا في هذه الآية مقامات:

المقام الأول: أن هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية من الروافض، و تقرير مذهبهم أن الذين أقروا بخلافة أبي بكر و إمامته كلهم كفروا و صاروا مرتدين، لأنهم أنكروا النص الجلي على إمامة علي عليه السلام فنقول: «لو كان كذلك لجاء اللََّه تعالى بقوم يحاربهم و يقهرهم و يردهم إلى الدين الحق» بدليل قوله مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ إلى آخر الآية و كلمة (من) في معرض الشرط للعموم، فهي تدل على أن كل من صار مرتدا عن دين الإسلام فإن اللََّه يأتي بقوم يقهرهم و يردهم و يبطل شوكتهم، فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة لوجب بحكم الآية أن يأتي اللََّه بقوم يقهرهم و يبطل مذهبهم، و لما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن الروافض هم المقهورون الممنوعون عن إظهار مقالاتهم الباطلة أبدا منذ كانوا علمنا فساد مقالتهم و مذهبهم، و هذا كلام ظاهر لمن أنصف.

المقام الثاني: أنا ندعي أن هذه الآية يجب أن يقال: إنها نزلت في حق أبي بكر رضي اللََّه عنه و الدليل عليه وجهان: الأول: أن هذه الآية مختصة بمحاربة المرتدين، و أبو بكر هو الذي تولى محاربة المرتدين على ما شرحنا، و لا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه السلام لأنه لم يتفق له محاربة المرتدين، و لأنه تعالى قال‏

379

فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ و هذا للاستقبال لا للحال، فوجب أن يكون هؤلاء القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب.

فإن قيل: هذا لا زم عليكم لأن أبا بكر رضي اللََّه عنه كان موجودا في ذلك الوقت.

قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أن القوم الذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردة ما كانوا موجودين في الحال، و الثاني: أن معنى الآية أن اللََّه تعالى قال: فسوف يأتي اللََّه بقوم قادرين متمكنين من هذا الحراب، و أبو بكر و إن كان موجودا في ذلك الوقت إلا أنه ما كان مستقلا في ذلك الوقت/بالحراب و الأمر و النهي، فزال السؤال، فثبت أنه لا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه الصلاة و السلام، و لا يمكن أيضا أن يكون المراد هو علي عليه السلام، لأن عليا لم يتفق له قتال مع أهل الردة، فكيف تحمل هذه الآية عليه.

فإن قالوا: بل كان قتاله مع أهل الردة لأن كل من نازعه في الإمامة كان مرتدا.

قلنا: هذا باطل من وجهين: الأول: أن اسم المرتد إنما يتناول من كان تاركا للشرائع الإسلامية، و القوم الذين نازعوا عليا ما كانوا كذلك في الظاهر، و ما كان أحد يقول: إنه إنما يحاربهم لأجل أنهم خرجوا عن الإسلام، و علي عليه السلام لم يسمهم ألبتة بالمرتدين، فهذا الذي يقوله هؤلاء الروافض لعنهم اللََّه بهت على جميع المسلمين و على علي أيضا. الثاني: أنه لو كان كل من نازعه في الإمامة كان مرتدا لزم في أبي بكر و في قومه أن يكونوا مرتدين، و لو كان كذلك لوجب بحكم ظاهر الآية أن يأتي اللََّه بقوم يقهرونهم و يردونهم إلى الدين الصحيح، و لما لم يوجد ذلك ألبتة علمنا أن منازعة علي في الإمامة لا تكون ردة، و إذا لم تكن ردة لم يمكن حمل الآية على علي، لأنها نازلة فيمن يحارب المرتدين، و لا يمكن أيضا أن يقال: إنها نازلة في أهل اليمن أو في أهل فارس، لأنه لم يتفق لهم محاربة مع المرتدين، و بتقدير أن يقال: اتفقت لهم هذه المحاربة و لكنهم كانوا رعية و أتباعا و أذنابا، و كان الرئيس المطاع الأمر في تلك الواقعة هو أبو بكر، و معلوم أن حمل الآية على من كان أصلا في هذه العبادة و رئيسا مطاعا فيها أولى من حملها على الرعية و الأتباع و الأذناب، فظهر بما ذكرنا من الدليل الظاهر أن هذه الآية مختصة بأبي بكر.

و الوجه الثاني في بيان أن هذه الآية مختصة بأبي بكر: هو أنا نقول: هب أن عليا كان قد حارب المرتدين، و لكن محاربة أبي بكر مع المرتدين كانت أعلى حالا و أكثر موقعا في الإسلام من محاربة علي مع من خالفه في الإمامة، و ذلك لأنه علم بالتواتر أنه صلى اللََّه عليه و سلم لما توفي اضطربت الأعراب و تمردوا، و أن أبا بكر هو الذي قهر مسيلمة و طليحة، و هو الذي حارب الطوائف السبعة المرتدين، و هو الذي حارب مانعي الزكاة، و لما فعل ذلك استقر الإسلام و عظمت شوكته و انبسطت دولته. أما لما انتهي الأمر إلى علي عليه السلام فكان الإسلام قد انبسط في الشرق و الغرب، و صار ملوك الدنيا مقهورين، و صار الإسلام مستوليا على جميع الأديان و الملل، فثبت أن محاربة أبي بكر رضي اللََّه عنه أعظم تأثيرا في نصرة الإسلام و تقويته من محاربة علي عليه السلام، و معلوم أن المقصود من هذه الآية تعظيم قوم يسعون في تقوية الدين و نصرة الإسلام، و لما كان أبو بكر هو المتولي لذلك وجب أن يكون هو المراد بالآية.

المقام الثالث في هذه الآية: و هو أنا ندعي دلالة هذه الآية على صحة إمامة أبي بكر، و ذلك لأنه لما ثبت

380

بما ذكرنا أن هذه الآية مختصة به فنقول: إنه تعالى وصف الذين أرادهم بهذه الآية بصفات: أولها: أنه يحبهم و يحبونه.

فلما ثبت أن المراد بهذه الآية هو أبو بكر ثبت أن قوله يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ وصف لأبي بكر، و من وصفه اللََّه تعالى بذلك يمتنع أن يكون ظالما، و ذلك يدل على أنه كان محقا في إمامته، و ثانيها: قوله أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ و هو صفة أبي بكر أيضا الدليل الذي ذكرناه، و يؤكده ما

روي في الخبر المستفيض أنه عليه الصلاة و السلام قال: «ارحم أمتي بأمتي أبو بكر»

فكان موصوفا بالرحمة و الشفقة على المؤمنين و بالشدة مع الكفار، ألا ترى أن في أول الأمر حين كان الرسول صلى اللََّه عليه و سلم في مكة و كان في غاية الضعف كيف كان يذب عن الرسول عليه الصلاة و السلام، و كيف كان يلازمه و يخدمه، و ما كان يبالي بأحد من جبابرة الكفار و شياطينهم، و في آخر الأمر أعني وقت خلافته كيف لم يلتفت إلى قول أحد، و أصر على أنه لا بدّ من المحاربة مع مانعي الزكاة حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده، حتى جاء أكابر الصحابة و تضرعوا إليه و منعوه من الذهاب، ثم لما بلغ بعث العسكر إليهم انهزموا و جعل اللََّه تعالى ذلك مبدأ لدولة الإسلام، فكان قوله أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ لا يليق إلا به، و ثالثها: قوله يُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ يَخََافُونَ لَوْمَةَ لاََئِمٍ فهذا مشترك فيه بين أبي بكر و علي، إلا أن حظ أبي بكر فيه أتم و أكمل، و ذلك لأن مجاهدة أبي بكر مع الكفار كانت في أول البعث، و هناك الإسلام كان في غاية الضعف، و الكفر كان في غاية القوة، و كان يجاهد الكفار بمقدار قدرته، و يذب عن رسول اللََّه بغاية وسعه، و أما علي عليه السلام فإنه إنما شرع في الجهاد يوم بدر و أحد، و في ذلك الوقت كان الإسلام قويا و كانت العساكر مجتمعة، فثبت أن جهاد أبي بكر كان أكمل من جهاد علي من وجهين: الأول: أنه كان متقدما عليه في الزمان، فكان أفضل لقوله تعالى: لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قََاتَلَ [الحديد: 10]و الثاني: أن جهاد أبي بكر كان في وقت ضعف الرسول صلى اللََّه عليه و سلم، و جهاد علي كان في وقت القوة، و رابعها: قوله ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ و هذا لائق بأبي بكر لأنه متأكد بقوله تعالى: وَ لاََ يَأْتَلِ أُولُوا اَلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ اَلسَّعَةِ [النور: 22]و قد بينا أن هذه الآية في أبي بكر، و مما يدل على أن جميع هذه الصفات لأبي بكر أنا بينا بالدليل أن هذه الآية لا بدّ و أن تكون في أبي بكر، و متى كان الأمر كذلك كانت هذه الصفات لا بدّ و أن تكون لأبي بكر، و إذا ثبت هذا وجب القطع بصحة إمامته، إذ لو كانت إمامته باطلة لما كانت هذه الصفات لائقة به.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه كان موصوفا بهذه الصفات حال حياة الرسول صلى اللََّه عليه و سلم، ثم بعد وفاته لما شرع في الإمامة زالت هذه الصفات و بطلت.

قلنا: هذا باطل قطعا لأنه تعالى قال: فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ فأثبت كونهم موصوفين بهذه الصفة حال إتيان اللََّه بهم في المستقبل، و ذلك يدل على شهادة اللََّه له بكونه موصوفا بهذه الصفات حال محاربته مع أهل الردة، و ذلك هو حال إمامته، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على صحة إمامته، أما قول الروافض لعنهم اللََّه: إن هذه الآية في حق علي رضي اللََّه عنه بدليل‏

أنه صلى اللََّه عليه و سلم قال يوم خيبر: «لأعطيين الراية غدا رجلا يحب اللََّه و رسوله و يحبه اللََّه و رسوله»

و كان ذلك هو علي عليه السلام، فنقول: هذا الخبر من باب الآحاد، و عندهم لا يجوز التمسك به في العمل، فكيف يجوز التمسك به في العلم، و أيضا إن إثبات هذه الصفة

381

لعلي لا يوجب انتفاءها عن أبي بكر، و بتقدير أن يدل على ذلك لكنه لا يدل على انتفاء ذلك المجموع عن أبي بكر، و من جملة تلك الصفات كونه كرارا غير فرار، فلما انتفى ذلك عن أبي بكر لم يحصل مجموع تلك الصفات له، فكفى هذا في العمل بدليل الخطاب، فأما انتفاء جميع تلك الصفات فلا دلالة في اللفظ عليه، فهو تعالى إنما أثبت هذه الصفة المذكورة في هذه الآية حال اشتغاله بمحاربة المرتدين بعد ذلك فهب أن تلك الصفة ما كانت حاصلة في ذلك الوقت، فلم يمنع ذلك من حصولها في الزمان المستقبل، و لأن ما ذكرناه تمسك بظاهر القرآن، و ما ذكروه تمسك بالخبر المذكور المنقول بالآحاد، و لأنه معارض بالأحاديث الدالة على كون أبي بكر محبا للََّه و لرسوله. و كون اللََّه محبا له و راضيا عنه. قال تعالى في حق أبي بكر وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ََ [الليل: 21] و

قال عليه الصلاة و السلام: «إن اللََّه يتجلى للناس عامة و يتجلى لأبي بكر خاصة»

و

قال: «ما صب اللََّه شيئا في صدري إلا و صبه في صدر أبي بكر»

و كل ذلك يدل على أنه كان يحب اللََّه و رسوله و يحبه اللََّه و رسوله.

و أما الوجه الثاني: و هو قولهم: الآية التي بعد هذه الآية دالة على إمامة علي فوجب أن تكون هذه الآية نازلة في علي، فجوابنا: أنا لا نسلم دلالة الآية التي بعد هذه الآية على إمامة علي و سنذكر الكلام فيه إن شاء اللََّه تعالى، فهذا ما في هذا الموضع من البحث و اللََّه أعلم.

أما قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ فتحقيق الكلام في المحبة ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلََّهِ [البقرة: 165]فلا فائدة في الإعادة. و فيه دقيقة و هي أنه تعالى قدم محبته لهم على محبتهم له، و هذا حق لأنه لولا أن اللََّه أحبهم و إلا لما وفقهم حتى صاروا محبين له.

ثم قال تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ و هو كقوله‏ أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ/بَيْنَهُمْ [الفتح: 29]قال صاحب «الكشاف» أذلة جمع ذليل، و أما ذلول فجمعه ذلل، و ليس المراد بكونهم أذلة هو أنهم مهانون، بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق و لين الجانب، فإن من كان ذليلا عند إنسان فإنه ألبتة لا يظهر شيئا من التكبر و الترفع، بل لا يظهر إلا الرفق و اللين فكذا هاهنا، فقوله أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ أي يظهرون الغلظة و الترفع على الكافرين. و قيل: يعازونهم أي يغالبونهم من قولهم: عزه يعزه إذا غلبه، كأنهم مشددون عليهم بالقهر و الغلبة.

فإن قيل: هلا قيل: أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين.

قلنا: فيه وجهان: أحدهما: أن يضمن الذل معنى الرحمة و الشفقة، كأنه قيل: راحمين عليهم مشفقين عليهم على وجه التذلل و التواضع، و الثاني: أنه تعالى ذكر كلمة عَلَى حتى يدل على علو منصبهم و فضلهم و شرفهم، فيفيد أن كونهم أذلة ليس لأجل كونهم ذليلين في أنفسهم، بل ذاك التذلل إنما كان لأجل أنهم أرادوا أن يضموا إلى علو منصبهم فضيلة التواضع. و قرئ (أذلة و أعزة) بالنصب على الحال.

ثم قال تعالى: يُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أي لنصرة دين اللََّه وَ لاََ يَخََافُونَ لَوْمَةَ لاََئِمٍ و فيه وجهان:

الأول: أن تكون هذه الواو للحال، فإن المنافقين كانوا يراقبون الكفار و يخافون لومهم، فبيّن اللََّه تعالى في هذه الآية أن من كان قويا في الدين فإنه لا يخاف في نصرة دين اللََّه بيده و لسانه لومة لائم. الثاني: أن تكون هذه الواو للعطف، و المعنى أن من شأنهم أن يجاهدوا في سبيل اللََّه لا لغرض آخر، و من شأنهم أنهم صلاب في‏

382

نصرة الدين لا يبالون بلومة اللائمين، و اللومة المرة الواحدة من اللوم، و التنكير فيها و في اللائم مبالغة، كأنه قيل: لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللائمين.

ثم قال تعالى: ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ فقوله ذََلِكَ إشارة إلى ما تقدم ذكره من وصف القوم بالمحبة و الذلة و العزة و المجاهدة و انتفاء خوف اللومة الواحدة، فبيّن تعالى أن كل ذلك بفضله إحسانه، و ذلك صريح في أن طاعات العباد مخلوقة للََّه تعالى، و المعتزلة يحملون اللفظ على فعل الألطاف، و هو بعيد لأن فعل.

الألطاف عام في حق الكل، فلا بدّ في التخصيص من فائدة زائدة.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ فالواسع إشارة إلى كمال القدرة، و العليم إشارة إلى كمال العلم، و لما أخبر اللََّه تعالى أنه سيجي‏ء بأقوام هذا شأنهم و صفتهم أكد ذلك بأنه كامل القدرة فلا يعجز عن هذا الموعود، كامل العلم فيمتنع دخول الخلف في أخباره و مواعيده.

وجه النظم أنه تعالى لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار أمر في هذه الآية بموالاة من يجب موالاته و قال: إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أي المؤمنون الموصوفون بالصفات المذكورة، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في قوله وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا قولان: الأول: أن المراد عامة المؤمنين، و ذلك لأن عبادة بن الصامت لما تبرأ من اليهود و قال: أنا بري‏ء إلى اللََّه من حلف قريظة و النضير، و أتولى اللََّه و رسوله نزلت هذه الآية على وفق قوله. و

روي أيضا أن عبد اللََّه بن سلام قال: يا رسول اللََّه إن قومنا قد هجرونا و أقسموا أن لا يجالسونا، و لا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقال: رضينا باللََّه و رسوله و بالمؤمنين أولياء،

فعلى هذا: الآية عامة في حق كل المؤمنين، فكل من كان مؤمنا فهو ولي كل المؤمنين، و نظيره قوله تعالى: وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ [التوبة: 71]و على هذا فقوله اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ صفة لكل المؤمنين، و المراد بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين لأنهم كانوا يدعون الإيمان إلا أنهم ما كانوا مداومين على الصلوات و الزكوات، قال تعالى: في صفة صلاتهم وَ لاََ يَأْتُونَ اَلصَّلاََةَ إِلاََّ وَ هُمْ كُسََالى‏ََ [التوبة: 54]و قال: يُرََاؤُنَ اَلنََّاسَ وَ لاََ يَذْكُرُونَ اَللََّهَ إِلاََّ قَلِيلاً [النساء: 142]و قال في صفة زكاتهم‏ أَشِحَّةً عَلَى اَلْخَيْرِ [الأحزاب: 19]و أما قوله وَ هُمْ رََاكِعُونَ ففيه على هذا القول وجوه: الأول: قال أبو مسلم: المراد من الركوع الخضوع، يعني أنهم يصلون و يزكون و هم منقادون خاضعون لجميع أوامر اللََّه و نواهيه و الثاني: أن يكون المراد: من شأنهم إقامة الصلاة، و خص الركوع بالذكر تشريفا له كما في قوله‏ وَ اِرْكَعُوا مَعَ اَلرََّاكِعِينَ [البقرة: 43]و الثالث: قال بعضهم: إن أصحابه كانوا عند نزول هذه الآية مختلفون في هذه الصفات، منهم من قد أتم الصلاة، و منهم من دفع المال إلى الفقير، و منهم من كان بعد في الصلاة و كان راكعا، فلما كانوا مختلفين في هذه الصفات لا جرم ذكر اللََّه تعالى كل هذه الصفات.

القول الثاني: أن المراد من هذه الآية شخص معين، و على هذا ففيه أقوال: الأول: روى عكرمة أن هذه‏

383

الآية نزلت في أبي بكر رضي اللََّه عنه. و الثاني:

روى عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام.

و

روي أن عبد اللََّه بن سلام قال: لما نزلت هذه الآية قلت يا رسول اللََّه أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه على محتاج و هو راكع، فنحن نتولاه.

و

روي عن أبي ذر رضي اللََّه عنه أنه قال: صليت مع رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم يوما صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء و قال: اللّهم اشهد أني سألت في مسجد الرسول صلى اللََّه عليه و سلم فما أعطاني أحد شيئا، و علي عليه السلام كان راكعا، فأومأ إليه بخنصره اليمنى و كان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي صلى اللََّه عليه و سلم، فقال: «اللّهم إن أخي موسى سألك» فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي إلى قوله‏ وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه: 25-32]فأنزلت قرآنا ناطقا سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُمََا سُلْطََاناً [القصص: 35]اللّهم و أنا محمد نبيك و صفيك فاشرح لي صدري و يسر لي أمري و اجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به ظهري. قال أبو ذر: فو اللََّه ما أتم رسول اللََّه هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ إلى آخرها،

فهذا مجموع ما يتعلق بالروايات في هذه المسألة.

المسألة الثانية: قالت الشيعة: هذه الآية دالة على أن الإمام بعد رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم هو علي بن أبي طالب، و تقريره أن نقول: هذه الآية دالة على أن المراد بهذه الآية إمام، و متى كان الأمر كذلك وجب أن يكون ذلك الإمام هو علي بن أبي طالب.

بيان المقام الأول: أن الولي في اللغة قد جاء بمعنى الناصر و المحب، كما في قوله‏ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ [التوبة: 71]و جاء بمعنى المتصرف.

قال عليه الصلاة و السلام: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها»

فنقول: هاهنا وجهان: الأول: أن لفظ الولي جاء بهذين المعنيين و لم يعين اللََّه مراده، و لا منافاة بين المعنيين، فوجب حمله عليهما، فوجب دلالة الآية على أن المؤمنين المذكورين في الآية متصرفون في الأمة. الثاني: أن نقول: الولي في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر، فوجب أن يكون بمعنى التصرف، و إنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر، لأن الولاية المذكورة في هذه الآية غير عامة في كل المؤمنين، بدليل أنه تعالى ذكر بكلمة إِنَّمََا و كلمة إِنَّمََا للحصر، كقوله‏ إِنَّمَا اَللََّهُ إِلََهٌ وََاحِدٌ [النساء: 171]و الولاية بمعنى النصرة عامة لقوله تعالى: وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ و هذا يوجب القطع بأن الولاية المذكورة في هذه الآية ليست بمعنى النصرة، و إذا لم تكن بمعنى النصرة كانت بمعنى التصرف، لأنه ليس للولي معنى/سوى هذين، فصار تقدير الآية: إنما المتصرف فيكم أيها المؤمنون هو اللََّه و رسوله و المؤمنون الموصوفون بالصفة الفلانية، و هذا يقتضي أن المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية متصرفون في جميع الأمة، و لا معنى للإمام إلا الإنسان الذي يكون متصرفا في كل الأمة، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن الشخص المذكور فيها يجب أن يكون إمام الأمة.

أما بيان المقام الثاني: و هو أنه لما ثبت ما ذكرنا وجب أن يكون ذلك الإنسان هو علي بن أبي طالب، و بيانه من وجوه: الأول: أن كل من أثبت بهذه الآية إمامة شخص قال: إن ذلك الشخص هو علي، و قد ثبت بما قدمنا دلالة هذه الآية على إمامة شخص، فوجب أن يكون ذلك الشخص هو علي، ضرورة أنه لا قائل بالفرق. الثاني: تظاهرت الروايات على أن هذه الآية نزلت في حق علي، و لا يمكن المصير إلى قول من يقول:

إنها نزلت في أبي بكر رضي اللََّه عنه؛ لأنها لو نزلت في حقه لدلت على إمامته، و أجمعت الأمة على أن هذه‏

384

الآية لا تدل على إمامته، فبطل هذا القول، و الثالث: أن قوله وَ هُمْ رََاكِعُونَ لا يجوز جعله عطفا على ما تقدم، لأن الصلاة قد تقدمت، و الصلاة مشتملة على الركوع، فكانت إعادة ذكر الركوع تكرارا، فوجب جعله حالا أي يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين، و أجمعوا على أن إيتاء الزكاة حال الركوع لم يكن إلا في حق علي، فكانت الآية مخصوصة به و دالة على إمامته من الوجه الذي قررناه، و هذا حاصل استدلال القوم بهذه الآية على إمامة علي عليه السلام.

و الجواب: أما حمل لفظ الولي على الناصر و على المتصرف معا فغير جائز، لما ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز حمل اللفظ المشترك على مفهوميه معا.

أما الوجه الثاني: فنقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من لفظ الولي في هذه الآية الناصر و المحب، و نحن نقيم الدلالة على أن حمل لفظ الولي على هذا المعنى أولى من حمله على معنى المتصرف. ثم نجيب عما قالوه فنقول: الذي يدل على أن حمله على الناصر أولى وجوه: الأول: أن اللائق بما قبل هذه الآية و بما بعدها ليس إلا هذا المعنى، أما ما قبل هذه الآية فلأنه تعالى قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ أَوْلِيََاءَ [المائدة: 51]و ليس المراد لا تتخذوا اليهود و النصارى أئمة متصرفين في أرواحكم و أموالكم لأن بطلان هذا كالمعلوم بالضرورة، بل المراد لا تتخذوا اليهود و النصارى أحبابا و أنصارا، و لا تخالطوهم و لا تعاضدوهم، ثم لما بالغ في النهي عن ذلك قال: إنما وليكم اللََّه و رسوله و المؤمنون الموصوفون، و الظاهر أن الولاية المأمور بها هاهنا هي المنهي عنها فيما قبل، و لما كانت الولاية المنهي عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النصرة كانت/الولاية المأمور بها هي الولاية بمعنى النصرة، و أما ما بعد هذه الآية فهي قوله يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ اَلْكُفََّارَ أَوْلِيََاءَ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: 57]فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود و النصارى و الكفار أولياء، و لا شك أن الولاية المنهي عنها هي الولاية بمعنى النصرة، فكذلك الولاية في قوله إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ يجب أن تكون هي بمعنى النصرة، و كل من أنصف و ترك التعصب و تأمل في مقدمة الآية و في مؤخرها قطع بأن الولي في قوله إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ ليس إلا بمعنى الناصر و المحب، و لا يمكن أن يكون بمعنى الإمام، لأن ذلك يكون إلقاء كلام أجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد، و ذلك يكون في غاية الركاكة و السقوط، و يجب تنزيه كلام اللََّه تعالى عنه.

الحجة الثانية: أنا لو حملنا الولاية على التصرف و الإمامة لما كان المؤمنون المذكورون في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية، لأن علي بن أبي طالب كرّم اللََّه وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول، و الآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنين موصوفين بالولاية في الحال، أما لو حملنا الولاية على المحبة و النصرة كانت الولاية حاصلة في الحال، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف، و الذي يؤكد ما قلناه أنه تعالى منع المؤمنين من اتخاذ اليهود و النصارى أولياء، ثم أمرهم بموالاة هؤلاء المؤمنين، فلا بدّ و أن تكون موالاة هؤلاء المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون النفي و الإثبات متواردين على شي‏ء واحد، و لما كانت الولاية بمعنى التصرف غير حاصلة في الحال امتنع حمل الآية عليها.

الحجة الثالثة: أنه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع و هي قوله‏

385

وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ و حمل ألفاظ الجمع و إن جاز على الواحد على سبيل التعظيم لكنه مجاز لا حقيقة، و الأصل حمل الكلام على الحقيقة الحجة الرابعة: أنا قد بينا بالبرهان البين أن الآية المتقدمة و هي قوله يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [المائدة: 54]إلى آخر الآية من أقوى الدلائل على صحة إمامة أبي بكر، فلو دلّت هذه الآية على صحة إمامة علي بعد الرسول لزم التناقض بين الآيتين، و ذلك باطل، فوجب القطع بأن هذه الآية لا دلالة فيها على أن عليا هو الإمام بعد الرسول.

الحجة الخامسة: أن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لاحتج بها في محفل من المحافل، و ليس للقوم أن يقولوا: إنه/تركه للتقية فإنهم ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير، و خبر المباهلة، و جميع فضائله و مناقبه، و لم يتمسك ألبتة بهذه الآية في إثبات إمامته، و ذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء الروافض لعنهم اللََّه.

الحجة السادسة: هب أنها دالة على إمامة علي، لكنا توافقنا على أنها عند نزولها ما دلّت على حصول الإمامة في الحال، لأن عليا ما كان نافذ التصرف في الأمة حال حياة الرسول عليه الصلاة و السلام، فلم يبق إلا أن تحمل الآية على أنها تدل على أن عليا سيصير إماما بعد ذلك، و متى قالوا ذلك فنحن نقول بموجبه و نحمله على إمامته بعد أبي بكر و عمر و عثمان، إذ ليس في الآية ما يدل على تعيين الوقت، فإن قالوا: الأمة في هذه الآية على قولين: منهم من قال: إنها لا تدل على إمامة علي، و منهم من قال: إنها تدل على إمامته، و كل من قال بذلك قال: إنها تدل على إمامته بعد الرسول من غير فصل، فالقول بدلالة الآية على إمامة علي لا على هذا الوجه، قول ثالث، و هو باطل لأنا نجيب عنه فنقول: و من الذي أخبركم أنه ما كان أحد في الأمة قال هذا القول، فإن من المحتمل، بل من الظاهر أنه منذ استدل مستدل بهذه الآية على إمامة علي، فإن السائل يورد على ذلك الاستدلال هذا السؤال، فكان ذكر هذا الاحتمال و هذا السؤال مقرونا بذكر هذا الاستدلال.

الحجة السابعة: أن قوله: إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ لا شك أنه خطاب مع الأمة، و هم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو اللََّه و رسوله، و إنما ذكر اللََّه تعالى هذا الكلام تطييبا لقلوب المؤمنين و تعريفا لهم بأنه لا حاجة بهم إلى اتخاذ الأحباب و الأنصار من الكفار، و ذلك لأن من كان اللََّه و رسوله ناصرا له و معينا له فأي حاجة به إلى طلب النصرة و المحبة من اليهود و النصارى و إذا كان كذلك كان المراد بقوله إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ هو الولاية بمعنى النصرة و المحبة، و لا شك أن لفظ الولي مذكور مرة واحدة، فلما أريد به هاهنا معنى النصرة امتنع أن يراد به معنى التصرف لما ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا.

الحجة الثامنة: أنه تعالى مدح المؤمنين في الآية المتقدمة بقوله يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ [المائدة: 54]فإذا حملنا قوله إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ على معنى المحبة و النصرة كان قوله إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ يفيد فائدة قوله يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ و قوله يُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ [المائدة: 54]يفيد فائدة قوله يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ/اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ [المائدة: 55]فكانت هذه الآية مطابقة لما قبلها مؤكدة لمعناها فكان ذلك أولى، فثبت بهذه الوجوه أن الولاية

386

المذكورة في هذه الآية يجب أن تكون بمعنى النصرة لا بمعنى التصرف.

أما الوجه الذي عولوا عليه و هو أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة، و الولاية بمعنى النصرة عامة، فجوابه من وجهين:

الأول: لا نسلم أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة، و لا نسلم أن كلمة (إنما) للحصر، و الدليل عليه قوله‏ إِنَّمََا مَثَلُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كَمََاءٍ أَنْزَلْنََاهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ [يونس: 24]و لا شك أن الحياة الدنيا لها أمثال أخرى سوى هذا المثل، و قال‏ إِنَّمَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ* [محمد: 36]و لا شك أن اللعب و اللهو قد يحصل في غيرها. الثاني: لا نسلم أن الولاية بمعنى النصرة عامة في كل المؤمنين، و بيانه أنه تعالى قسم المؤمنين قسمين:

أحدهما: الذين جعلهم موليا عليهم و هم المخاطبون بقوله إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ و الثاني: الأولياء، و هم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون، فإذا فسرنا الولاية هاهنا بمعنى النصرة كان المعنى أنه تعالى جعل أحد القسمين أنصارا للقسم الثاني. و نصرة القسم الثاني غير حاصلة لجميع المؤمنين، و لو كان كذلك لزم في القسم الذي هم المنصورون أن يكونوا ناصرين لأنفسهم، و ذلك محال، فثبت أن نصرة أحد قسمي الأمة غير ثابتة لكل الأمة، بل مخصوصة بالقسم الثاني من الأمة، فلم يلزم من كون الولاية المذكورة في هذه الآية خاصة أن لا تكون بمعنى النصرة، و هذا جواب حسن دقيق لا بدّ من التأمل فيه.

و أما استدلالهم بأن هذه الآية نزلت في حق علي فهو ممنوع، فقد بينا أن أكثر المفسرين زعموا أنه في حق الأمة، و المراد أن اللََّه تعالى أمر المسلم أن لا يتخذ الحبيب و الناصر إلا من المسلمين، و منهم من يقول: إنها نزلت في حق أبي بكر.

و أما استدلالهم بأن الآية مختصة بمن أدى الزكاة في الركوع حال كونه في الركوع، و ذلك هو علي بن أبي طالب فنقول: هذا أيضا ضعيف من وجوه: الأول: أن الزكاة اسم للواجب لا للمندوب بدليل قوله تعالى‏ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ* [البقرة: 43]فلو أنه أدى الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجب عن أول أوقات الوجوب، و ذلك عند أكثر العلماء معصية، و أنه لا يجوز إسناده إلى علي عليه السلام، و حمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل لما بينا أن قوله‏ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ* ظاهره يدل على أن كل ما كان زكاة فهو واجب.

الثاني: و هو أن اللائق بعلي عليه السلام أن يكون مستغرق القلب بذكر اللََّه حال ما يكون في الصلاة، و الظاهر أن من كان كذلك فإنه لا يتفرغ لاستماع كلام الغير و لفهمه، و لهذا قال تعالى: اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللََّهَ قِيََاماً وَ قُعُوداً /وَ عَلى‏ََ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [آل عمران: 191]و من كان قلبه مستغرقا في الفكر كيف يتفرغ لاستماع كلام الغير. الثالث: أن دفع الخاتم في الصلاة للفقير عمل كثير، و اللائق بحال علي عليه السلام أن لا يفعل ذلك. الرابع: أن المشهور أنه عليه السلام كان فقيرا و لم يكن له مال تجب الزكاة فيه، و لذلك فإنهم يقولون: إنه لما أعطى ثلاثة أقراص نزل فيه سورة هَلْ أَتى‏ََ [الإنسان: 1]و ذلك لا يمكن إلا إذا كان فقيرا، فأما من كان له مال تجب فيه الزكاة يمتنع أن يستحق المدح العظيم المذكور في تلك السورة على إعطاء ثلاثة أقراص، و إذا لم يكن له مال تجب فيه الزكاة امتنع حمل قوله وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ عليه.

الوجه الخامس: هب أن المراد بهذه الآية هو علي بن أبي طالب لكنه لا يتم الاستدلال بالآية إلا إذا تم أن المراد بالولي هو المتصرف لا الناصر و المحب، و قد سبق الكلام فيه. ـ

387

المسألة الثالثة: اعلم أن الذين يقولون: المراد من قوله وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ هو أنهم يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين احتجوا بالآية على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة، فإنه دفع الزكاة إلى السائل و هو في الصلاة، و لا شك أنه نوى إيتاء الزكاة و هو في الصلاة، فدل ذلك على أن هذه الأعمال لا تقطع الصلاة، و بقي في الآية سؤالان.

السؤال الأول: المذكور في الآية هو اللََّه تعالى و رسوله و المؤمنون، فلم لم يقل: إنما أولياؤكم؟ و الجواب: أصل الكلام إنما وليكم اللََّه، فجعلت الولاية للََّه على طريق الأصالة، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول اللََّه و المؤمنين على سبيل التبع، و لو قيل: إنما أولياؤكم اللََّه و رسوله و الذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل و تبع، و في قراءة عبد اللََّه: إنما مولاكم اللََّه.

السؤال الثاني: اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ ما محله؟ الجواب: الرفع على البدل من اَلَّذِينَ آمَنُوا أو يقال: التقدير: هم الذين يقيمون، أو النصب على المدح، و الغرض من ذكره تمييز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان و يكون منافقا؛ لأن ذلك الإخلاص إنما يعرف بكونه مواظبا على الصلاة في حال الركوع، أي في حال الخضوع و الخشوع و الإخبات للََّه تعالى.

فيه مسألتان:

المسألة الأولى: الحزب في اللغة أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه، و هم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبهم، و للمفسرين عبارات. قال الحسن: جند اللََّه، و قال أبو روق: أولياء اللََّه و قال أبو العالية: شيعة اللََّه، و قال بعضهم: أنصار اللََّه. و قال الأخفش: حزب اللََّه الذين يدينون بدينه و يطيعونه فينصرهم.

المسألة الثانية: قوله فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ جملة واقعة موقع خبر المبتدأ، و العائد غير مذكور لكونه معلوما، و التقدير فهو غالب لكونه من جند اللََّه و أنصاره.

اعلم أنه تعالى نهى في الآية المتقدمة عن اتخاذ اليهود و النصارى أولياء و ساق الكلام في تقريره، ثم ذكر هاهنا النهي العام عن موالاة جميع الكفار و هو هذه الآية، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو و الكسائي الكفار بالجر عطفا على قوله مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ و من الكفار، و الباقون بالنصب عطفا على قوله اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا بتقدير: و لا الكفار.

المسألة الثانية: قيل: كان رفاعة بن زيد و سويد بن الحرث أظهرا الإيمان ثم نافقا، و كان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل اللََّه تعالى فيهم هذه الآية.

المسألة الثالثة: هذه الآية تقتضي امتياز أهل الكتاب عن الكفار لأن العطف يقتضي المغايرة، و قوله‏ لَمْ‏

388

يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ [البينة: 1]صريح في كونهم كفارا، و طريق التوفيق بينهما أن كفر المشركين أعظم و أغلظ، فنحن لهذا السبب نخصصهم باسم الكفر. و اللََّه أعلم المسألة الرابعة: معنى تلاعبهم بالدين و استهزائهم إظهارهم ذلك باللسان مع الإصرار على الكفر في القلب، و نظيره قوله تعالى في سورة البقرة وَ إِذََا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََالُوا آمَنََّا وَ إِذََا خَلَوْا إِلى‏ََ شَيََاطِينِهِمْ قََالُوا إِنََّا مَعَكُمْ إِنَّمََا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: 14]و المعنى أن القوم لما اتخذوا دينكم هزوا و سخرية فلا تتخذوهم أولياء و أنصارا و أحبابا، فإن ذلك الأمر الخارج عن العقل و المروءة.

لما حكى في الآية الأولى عنهم أنهم اتخذوا دين المسلمين هزوا و لعبا ذكر هاهنا بعض ما يتخذونه من هذا الدين هزوا و لعبا فقال: وَ إِذََا نََادَيْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ اِتَّخَذُوهََا هُزُواً وَ لَعِباً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الضمير في قوله اِتَّخَذُوهََا للصلاة أو المناداة.

قيل: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن بالمدينة يقول: أشهد أن محمدا رسول اللََّه يقول:

احرق الكاذب، فدخلت خادمته بنار ذات ليلة فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت و احترق هو و أهله.

و قيل: كان منادي رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم ينادي للصلاة و قام المسلمون إليها، فقالت اليهود: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا على طريق الاستهزاء، فنزلت الآية.

و قيل: كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس عنها.

و قيل: قالوا يا محمد لقد أبدعت شيئا لم يسمع فيما مضى، فإن كنت نبيا فقد خالفت فيما أحدثت جميع الأنبياء، فمن أين لك صياح كصياح العير، فأنزل اللََّه هذه الآية.

المسألة الثانية: قالوا: دلّت الآية على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.

المسألة الثالثة: قوله هُزُواً وَ لَعِباً أمران، و ذلك لأنهم عند إقامة الصلاة يقولون: هذه الأعمال التي أتينا بها استهزاء بالمسلمين و سخرية منهم، فإنهم يظنون أنا على دينهم مع أنا لسنا كذلك. و لما اعتقدوا أنه ليس فيها فائدة و منفعة في الدين و الدنيا قالوا إنها لعب.

ثم قال تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاََ يَعْقِلُونَ أي لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم و خدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزوا و لعبا، بل هو أحسن أعمال العباد و أشرف أفعالهم، و لذلك قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة، و أنفع السكنات الصيام.

في قوله تعالى قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنََّا إِلاََّ أَنْ آمَنََّا بِاللََّهِ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْنََا وَ مََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ اعلم أن وجه النظم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزوا و لعبا قال لهم: ما الذي تنقمون من هذا الدين، و ما الذي تجدون فيه مما يوجب اتخاذه هزوا و لعبا و في الآية مسائل:

389

المسألة الأولى: قرأ الحسن هَلْ تَنْقِمُونَ بفتح القاف، و الفصيح كسرها. يقال: نقمت الشي‏ء و نقمته بكسر القاف و فتحها إذا أنكرته، و للمفسرين عبارات: هل تنقمون منا: هل تعيبون هل تنكرون، هل تكرهون.

قال بعضهم: سمي العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل. و قال آخرون: الكراهة التي يتبعها سخط من الكاره تسمى نقمة، لأنها تتبعها النقمة التي هي العذاب فعلى القول الأول لفظ النقمة موضوع أولا للمكروه، ثم سمي العذاب نقمة لكونه مكروها، و على القول الثاني لفظ النقمة موضوع للعذاب، ثم سمي المنكر و المكروه نقمة لأنه يتبعه العذاب.

المسألة الثانية: معنى الآية أنه يقول لأهل الكتاب: لم اتخذتم هذا الدين هزوا و لعبا، ثم قال على سبيل التعجب: هل تجدون في هذا الدين إلا الإيمان باللََّه و الإيمان بما أنزل على محمد صلى اللََّه عليه و سلم، و الإيمان بجميع الأنبياء الذين كانوا قبل محمد!يعني أن هذا ليس مما ينقم، أما الإيمان باللََّه فهو رأس جميع الطاعات، و أما الإيمان بمحمد و بجميع الأنبياء فهو الحق و الصدق؛ لأنه إذا كان الطريق إلى تصديق بعض الأنبياء في ادعاء الرسالة و النبوّة هو المعجز، ثم رأينا أن المعجز حصل على يد محمد عليه الصلاة و السلام وجب الإقرار بكونه رسولا، فأما الإقرار بالبعض و إنكار البعض فذلك كلام متناقض، و مذهب باطل، فثبت أن الذي نحن عليه هو الدين الحق و الطريق المستقيم، فلم تنقموه علينا!

قال ابن عباس: إن نفرا من اليهود أتوا رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: أومن باللََّه و ما أنزل علينا و ما أنزل على إبراهيم و إسماعيل إلى قوله و نحن له مسلمون، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته و قالوا: و اللََّه ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا و الآخرة منكم و لا دينا شرا من دينكم، فأنزل اللََّه تعالى هذه الآية و ما بعدها.

و أما قوله وَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فََاسِقُونَ فالقراءة العامة أَنْ بفتح الألف، و قرأ نعيم بن ميسرة إن بالكسر، و في الآية سؤالات:

السؤال الأول: كيف ينقم اليهود على المسلمين مع كون أكثر اليهود فاسقين؟ و الجواب من وجوه: الأول: قوله وَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فََاسِقُونَ تخصيص لهم بالفسق، فيدل على سبيل التعريض أنهم لم يتبعوهم على فسقهم، فكان المعنى: و ما تنقمون منا إلا أن آمنا. و ما فسقنا مثلكم، الثاني:

لما ذكر تعالى ما ينقم اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل و ليس ذلك مما ينقم ذكر في مقابله/فسقهم، و هو مما ينقم، و مثل هذا حسن في الازدواج. يقول القائل: هل تنقم مني إلا أني عفيف و أنك فاجر، و أني غني و أنت فقير، فيحسن ذلك لإتمام المعنى على سبيل المقابلة. و الثالث: أن يكون الواو بمعنى (مع) أي و ما تنقمون منا إلا الإيمان باللََّه مع أن أكثركم فاسقون، فإن أحد الخصمين إذا كان موصوفا بالصفات الذميمة و اكتسب الثاني شيئا كثيرا من الصفات الحميدة كان اكتسابه للصفات الحميدة مع كون خصمه مكتسبا للصفات الذميمة أشد تأثيرا في وقوع البغض و الحسد في قلب الخصم. و الرابع: أن يكون على تقدير حذف المضاف، أي و اعتقاد أنكم فاسقون. الخامس: أن يكون التقدير: و ما تنقمون منا إلا بأن آمنا باللََّه و بأن أكثركم فاسقون، يعني بسبب فسقكم نقمتم الإيمان علينا. السادس: يجوز أن يكون تعليلا معطوفا على تعليل محذوف كأنه قيل:

و ما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم، و لأجل أن أكثركم فاسقون.

390

السؤال الثاني: اليهود كلهم فساق و كفار، فلم خص الأكثر بوصف الفسق؟ و الجواب من وجهين: الأول: يعني أن أكثركم إنما يقولون ما يقولون، و يفعلون ما يفعلون طلبا للرياسة و الجاه و أخذ الرشوة و التقرب إلى الملوك، فأنتم في دينكم فساق لا عدول، فإن الكافر و المبتدع قد يكون عدل دينه، و قد يكون فاسق دينه، و معلوم أن كلهم ما كانوا كذلك فلذلك خصّ أكثرهم بهذا الحكم، و الثاني: ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك‏

في قوله تعالى قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ إلى قوله تعالى وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ فيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله مِنْ ذََلِكَ إشارة إلى المنقم، و لا بدّ من حذف المضاف، و تقديره: بشر من أهل ذلك؛ لأنه قال: مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ و لا يقال الملعون شر من ذلك الدين، بل يقال: إنه شر ممن له ذلك الدين.

فإن قيل: فهذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوما عليهم بالشر، و معلوم أنه ليس كذلك.

قلنا: إنما خرج الكلام على حسب قولهم و اعتقادهم، فإنهم حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر، فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك و لكن لعنة اللََّه و غضبه و مسخ الصور شر من ذلك.

المسألة الثانية: مَثُوبَةً نصب على التمييز، و وزنها مفعلة كقولك: مقولة و مجوزة، و هو بمعنى المصدر، و قد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول و الميسور.

فإن قيل: المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف جاءت في الإساءة؟ قلنا: هذا على طريقة قوله‏ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ* [آل عمران: 21]و قول الشاعر:

تحية بينهم ضرب وجيع‏

المسألة الثالثة: (من) في قوله مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ يحتمل وجهين: الأول: أنه في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، فإنه لما قال: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكَ فكأن قائلا قال: من ذلك؟فقيل: هو من لعنه اللََّه و نظيره قوله تعالى: قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكُمُ اَلنََّارُ [الحج: 72]كأنه قال: هو النار. الثاني: يجوز أن يكون في موضع خفض بدلا من (شر) و المعنى أنبئكم بمن لعنه اللََّه.

المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى ذكر من صفاتهم أنواعا: أولها: أنه تعالى لعنهم، و ثانيها: أنه غضب عليهم، و ثالثها: أنه جعل منهم القردة و الخنازير و عبد الطاغوت. قال أهل التفسير: عنى بالقردة أصحاب السبت، و بالخنازير كفار مائدة عيسى. و روي أيضا أن المسخين كانا في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة، و مشايخهم مسخوا خنازير.

المسألة الخامسة: ذكر صاحب «الكشاف» في قوله وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ أنواعا من القراآت: أحدها: قرأ أبي: و عبدوا الطاغوت، و ثانيها: قرأ ابن مسعود: و من عبدوا، و ثالثها: و عابد الطاغوت عطفا على القردة،

391

و رابعها: و عابدي، و خامسها: و عباد، و سادسها: و عبد، و سابعها: و عبد، بوزن حطم، و ثامنها: و عبيد، و تاسعها: و عبد بضمتين جميع عبيد، و عاشرها: و عبدة بوزن كفرة، و الحادي عشر: و عبد، و أصله عبدة، فحذفت التاء للإضافة، أو هو كخدم في جمع خادم، و الثاني عشر: عبد، و الثالث عشر: عباد، و الرابع عشر:

و أعبد، و الخامس عشر: و عبد الطاغوت على البناء للمفعول، و حذف الراجع، بمعنى و عبد الطاغوت فيهم أو بينهم، و السادس عشر: و عبد الطاغوت، بمعنى صار الطاغوت معبودا من دون اللََّه تعالى، كقولك: أمر إذا صار أميرا، و السابع عشر: قرأ حمزة: عبد الطاغوت بفتح العين و ضم الباء و نصب الدال و جر الطاغوت، /و عابوا هذه القراءة على حمزة و لحنوه و نسبوه إلى ما لا يجوز ذكره، و قال قوم: إنها ليست بلحن و لا خطأ، و ذكروا فيها وجوها: الأول: أن العبد هو العبد إلا أنهم ضموا الباء للمبالغة، كقولهم: رجل حذر و فطن للبليغ في الحذر و الفطنة، فتأويل عبد الطاغوت أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان، و هذا أحسن الوجوه. الثاني: أن العبد، و العبد لغتان كقولهم: سبع و سبع. و الثالث: أن العبد جمعه عباد، و العباد جمعه عبد، كثمار و ثمر. ثم استثقلوا ضمتين متواليتين فأبدلت الأولى بالفتحة. الرابع: يحتمل أنه أراد أعبد الطاغوت، فيكون مثل فلس و أفلس، ثم حذفت الهمزة و نقلت حركتها إلى العين. الخامس: يحتمل أنه أراد: و عبدة الطاغوت، كما قري‏ء، ثم حذف الهاء و ضم الباء لئلا يشتبه بالفعل.

المسألة السادسة: قوله وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ قال الفرّاء: تأويله و جعل منهم القردة من عبد الطاغوت، فعلى هذا: الموصول محذوف.

المسألة السابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء اللََّه. قالوا: لأن تقدير الآية و جعل اللََّه منهم من عبد الطاغوت، و إنما يعقل معنى هذا الجعل إذا كان هو الذي جعل فيهم تلك العبادة، إذ لو كان جعل تلك العبادة منهم لكان اللََّه تعالى ما جعلهم عبدة الطاغوت، بل كانوا هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك، و ذلك على خلاف الآية. قالت المعتزلة: معناه أنه تعالى حكم عليهم بذلك و وصفهم به كقوله‏ وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً [الزخرف: 19]و الكلام فيه قد تقدم مرارا.

المسألة الثامنة: قيل: الطاغوت العجل، و قيل: الطاغوت الأحبار، و كل من أطاع أحدا في معصية اللََّه فقد عبده.

ثم قال تعالى: أُولََئِكَ شَرٌّ مَكََاناً أي أولئك الملعونون الممسوخون شر مكانا من المؤمنين، و في لفظ المكان وجهان: الأول: قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: لأن مكانهم سقر، و لا مكان أشد شرا منه. و الثاني:

أنه أضيف الشر في اللفظ إلى المكان و هو في الحقيقة لأهله، و هو من باب الكناية كقولهم: فلان طويل النجاد كثير الرماد، و يرجع حاصله إلى الإشارة إلى الشي‏ء بذكر لوازمه و توابعه.

ثم قال: وَ أَضَلُّ عَنْ سَوََاءِ اَلسَّبِيلِ أي عن قصد السبيل و الدين الحق. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية عبر المسلمون أهل الكتاب و قالوا: يا إخوان القردة و الخنازير، فافتضحوا و نكسوا رؤوسهم.

392

في قوله تعالى وَ إِذََا جََاؤُكُمْ قََالُوا آمَنََّا وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ فيه مسائل:

المسألة الأولى: قالوا: نزلت هذه الآية في ناس من اليهود كانوا يدخلون على الرسول عليه الصلاة و السلام و يظهرون له الإيمان نفاقا، فأخبره اللََّه عزّ و جلّ بشأنهم و أنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا لم يتعلق بقلبهم شي‏ء من دلائلك و تقريراتك و نصائحك و تذكيراتك.

المسألة الثانية: الباء في قوله دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ ... خَرَجُوا بِهِ يفيد بقاء الكفر معهم حالتي الدخول و الخروج من غير نقصان و لا تغيير فيه ألبتة، كما تقول: دخل زيد بثوبه و خرج به، أي بقي ثوبه حال الخروج كما كان حال الدخول.

المسألة الثالثة: ذكر عند الدخول كلمة «قد» فقال وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ و ذكر عند الخروج كلمة هُمْ فقال: وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ قالوا: الفائدة في ذكر كلمة «قد» تقريب الماضي من الحال، و الفائدة في ذكر كلمة «هم» التأكيد في إضافة الكفر إليهم، و نفى أن يكون من النبي صلى اللََّه عليه و سلم في ذلك فعل، أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفرا، فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إنه تعالى أضاف الكفر إليهم حالتي الدخول و الخروج على سبيل الذم، و بالغ في تقرير تلك الاضافة بقوله وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ فدل هذا على أنه من العبد لا من اللََّه.

و الجواب: المعارضة بالعلم و الداعي.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا كََانُوا يَكْتُمُونَ و الغرض منه المبالغة فيما في قلوبهم من الجد و الاجتهاد في المكر بالمسلمين و الكيد بهم و البغض و العداوة لهم ثم قال تعالى:

المسارعة في الشي‏ء الشروع فيه بسرعة. قيل: الإثم الكذب، و العدوان الظلم. و قيل: الإثم ما يختص بهم، و العدوان ما يتعداهم إلى غيرهم، و أما أكل السحت فهو أخذ الرشوة، و قد تقدم الاستقصاء في تفسير السحت، و في الآية فوائد:

الفائدة الأولى: أنه تعالى قال: وَ تَرى‏ََ كَثِيراً مِنْهُمْ و السبب أن كلهم ما كان يفعل ذلك، بل كان بعضهم يستحيي فيترك.

الفائدة الثانية: أن لفظ المسارعة إنما يستعمل في أكثر الأمر في الخير. قال تعالى: يُسََارِعُونَ فِي اَلْخَيْرََاتِ* [آل عمران: 114]و قال تعالى: نُسََارِعُ لَهُمْ فِي اَلْخَيْرََاتِ [المؤمنون: 56]فكان اللائق بهذا الموضع لفظ العجلة، إلا أنه تعالى ذكر لفظ المسارعة لفائدة، و هي أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات كأنهم محقون فيه.

الفائدة الثالثة: لفظ الإثم يتناول جميع المعاصي و المنهيات، فلما ذكر اللََّه تعالى بعده العدوان و أكل السحت دلّ هذا على أن هذين النوعين أعظم أنواع المعصية و الإثم ثم قال تعالى: ـ

393

معنى لَوْ لاََ هاهنا التحضيض و التوبيخ، و هو بمعنى هلا، و الكلام في تفسير الربانيين و الأحبار قد تقدم. قال الحسن: الربانيون علماء أهل الإنجيل، و الأحبار علماء أهل التوراة. و قال غيره: كله في اليهود لأنه متصل بذكرهم، و المعنى أن اللََّه تعالى استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم و عوامهم عن المعاصي، و ذلك يدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه، لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد، بل نقول: إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى لأنه تعالى قال في المقدمين على الإثم و العدوان و أكل السحت لَبِئْسَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [المائدة: 62]و قال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر لَبِئْسَ مََا كََانُوا يَصْنَعُونَ و الصنع أقوى من العمل لأن العمل/إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ، و ذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا، و الأمر في الحقيقة كذلك لأن المعصية مرض الروح، و علاجه العلم باللََّه و بصفاته و بأحكامه، فإذا حصل هذا العلم و ما زالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال، فكما أن هناك يحصل العلم بأن المرض صعب شديد لا يكاد يزول، فكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دلّ على أن مرض القلب في غاية القوة و الشدة، و عن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن، و عن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها و اللََّه أعلم.

قوله تعالى: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا .

اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في هذا الموضع إشكال و هو أن اللََّه تعالى حكى عن اليهود أنهم قالوا ذلك، و لا شك في أن اللََّه تعالى صادق في كل ما أخبر عنه، و نرى اليهود مطبقين متفقين على أنا لا نقول ذلك و لا نعتقده ألبتة، و أيضا المذهب الذي يحكى عن العقلاء لا بدّ و أن يكون معلوم البطلان بضرورة العقل، و القول بأن يد اللََّه مغلولة قول باطل ببديهة العقل، لأن قولنا (اللََّه) اسم لموجود قديم، و قادر على خلق العالم و إيجاده و تكوينه، و هذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة و قدرته مقيدة و قاصرة، و إلا فكيف يمكنه مع القدرة الناقصة حفظ العالم و تدبيره.

إذا ثبت هذا فنقول: حصل الأشكال الشديد في كيفية تصحيح هذا النقل و هذه الرواية فنقول: عندنا فيه وجوه: الأول: لعلّ القوم إنما قالوا هذا على سبيل الإلزام، فإنهم لما سمعوا قوله تعالى: مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً* [البقرة: 245]قالوا: لو احتاج إلى القرض لكان فقيرا عاجزا، فلما حكموا بأن الإله الذي يستقرض شيئا من عباده فقير مغلول اليدين، لا جرم حكى اللََّه عنهم هذا الكلام الثاني: لعلّ القوم لما رأوا أصحاب الرسول صلى اللََّه عليه و سلم في غاية الشدة و الفقر و الحاجة قالوا على/سبيل السخرية و الاستهزاء: إن إله محمد فقير

394

مغلول اليد، فلما قالوا ذلك حكى اللََّه عنهم هذا الكلام الثالث: قال المفسرون: اليهود كانوا أكثر الناس مالا و ثروة، فلما بعث اللََّه محمدا و كذبوا به ضيق اللََّه عليهم المعيشة فعند ذلك قالت اليهود: يد اللََّه مغلولة، أي مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل، و الجاهل إذا وقع في البلاء و الشدة و المحنة يقول مثل هذه الألفاظ. الرابع: لعلّه كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة، و هو أنه تعالى موجب لذاته، و أن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد و سنن واحد، و أنه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه التي عليها تقع، فعبروا عن عدم الاقتدار على التغيير و التبديل بغل اليد. الخامس: قال بعضهم: المراد هو قول اليهود: إن اللََّه لا يعذبنا إلا بقدر الأيام التي عبدنا العجل فيها، إلا أنهم عبروا عن كونه تعالى غير معذب لهم إلا في هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة، و استوجبوا اللعن بسبب فساد العبارة و عدم رعاية الأدب، و هذا قول الحسن فثبت أن هذه الحكاية صحيحة على كل هذه الوجوه و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: غل اليد و بسطها مجاز مشهور عن البخل و الجود، و منه قوله تعالى: وَ لاََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ََ عُنُقِكَ وَ لاََ تَبْسُطْهََا كُلَّ اَلْبَسْطِ [الإسراء: 29]قالوا: و السبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لدفع المال و لإنفاقه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب، و أسندوا الجود و البخل إلى اليد و البنان و الكف و الأنامل. فقيل للجواد: فياض الكف مبسوط اليد، و بسط البنان تره الأنامل. و يقال للبخيل: كز الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل.

فإن قيل: فلما كان قوله يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ المراد منه البخل وجب أن يكون قوله غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ المراد منه أيضا البخل لتصح المطابقة، و البخل من الصفات المذمومة التي نهى اللََّه تعالى عنها، فكيف يجوز أن يدعو عليهم بذلك؟ قلنا: قوله يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ عبارة عن عدم المكنة من البذل و الإعطاء، ثم إن عدم المكنة من الإعطاء تارة يكون لأجل البخل و تارة يكون لأجل الفقر، و تارة يكون لأجل العجز، فكذلك قوله غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ دعاء عليهم بعدم القدرة و المكنة؛ سواء حصل ذلك بسبب العجز أو الفقر أو البخل، و على هذا التقدير فإنه يزول الأشكال.

المسألة الثالثة: قوله غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا فيه وجهان: الأول: أنه دعاء عليهم، و المعنى أنه تعالى يعلمنا أن ندعو عليهم بهذا الدعاء كما علمنا الاستثناء في قوله‏ لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ [الفتح: 27]و كما علمنا الدعاء على المنافقين في قوله‏ فَزََادَهُمُ اَللََّهُ مَرَضاً [البقرة: 10]و على أبي لهب في قوله‏ تَبَّتْ يَدََا أَبِي لَهَبٍ [المسد: 1]الثاني: أنه إخبار. قال الحسن: غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة، أي شدت إلى/أعناقهم جزاء لهم على هذا القول.

فإن قيل: فإذا كان هذا الغل إنما حكم به جزاء لهم على هذا القول، فكان ينبغي أن يقال: فغلت أيديهم.

قلنا: حذف العطف و إن كان مضمرا إلا أنه حذف لفائدة، و هي أنه لما حذف كان قوله غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ كالكلام المبتدأ به، و كون الكلام مبتدأ به يزيده قوة و وثاقة؛ لأن الابتداء بالشي‏ء يدل على شدة الاهتمام به و قوة الاعتناء بتقريره، و نظير هذا الموضع في حذف فاء التعقيب قوله تعالى: وَ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ‏

395

أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قََالُوا أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً [البقرة: 67]و لم يقل: فقالوا أ تتخذنا هزوا. و أما قوله وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية و في الآخرة بالنار.

ثم قال تعالى: بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ .

و اعلم أن الكلام في هذه الآية من المهمات، فإن الآيات الكثيرة من القرآن ناطقة بإثبات اليد، فتارة المذكور هو اليد من غير بيان العدد. قال تعالى: يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: 10]و تارة بإثبات اليدين للََّه تعالى: منها هذه الآية، و منها قوله تعالى لإبليس الملعون‏ مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] و تارة بإثبات الأيدي. قال تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا خَلَقْنََا لَهُمْ مِمََّا عَمِلَتْ أَيْدِينََا أَنْعََاماً [يس: 71].

إذا عرفت هذا فنقول اختلفت الأمة في تفسير يد اللََّه تعالى، فقالت المجسمة: إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد، و احتجوا عليه بقوله تعالى: أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهََا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهََا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهََا أَمْ لَهُمْ آذََانٌ يَسْمَعُونَ بِهََا [الأعراف: 195]وجه الاستدلال أنه تعالى قدح في إلهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شي‏ء من هذه الأعضاء، فلو لم تحصل للََّه هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إلها، و لما بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له قالوا و أيضا اسم اليد موضوع لهذا العضو، فحمله على شي‏ء آخر ترك للغة، و إنه لا يجوز.

و اعلم أن الكلام في إبطال هذا القول مبني على أنه تعالى ليس بجسم، و الدليل عليه أن الجسم لا ينفك عن الحركة و السكون، و هما محدثان، و ما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، و لأن كل جسم فهو متناه في المقدار، و كل ما كان متناهيا في المقدار فهو محدث، و لأن كل جسم فهو مؤلف من الأجزاء، و كل ما كان كذلك كان قابلا للتركيب و الانحلال، و كل ما كان كذلك افتقر إلى ما يركّبه و يؤلّفه، و كل ما كان كذلك فهو محدث، فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع كونه تعالى جسما، فيمتنع أن تكون يده عضوا جسمانيا.

و أما جمهور الموحدين فلهم في لفظ اليد قولان: الأول: قول من يقول: القرآن لما دلّ/على إثبات اليد للََّه تعالى آمنا به، و العقل لما دل على أنه يمتنع أن تكون يد اللََّه عبارة عن جسم مخصوص و عضو مركب من الأجزاء و الأبعاض آمنا به، فأما أن اليد ما هي و ما حقيقتها فقد فوضنا معرفتها إلى اللََّه تعالى، و هذا هو طريقة السلف.

و أما المتكلمون فقالوا: اليد تذكر في اللغة على وجوه: أحدها: الجارحة و هو معلوم، و ثانيها: النعمة، تقول: لفلان عندي يد أشكره عليها، و ثالثها: القوة قال تعالى‏ أُولِي اَلْأَيْدِي وَ اَلْأَبْصََارِ [ص: 45]فسروه بذوي القوى و العقول، و حكى سيبويه أنهم قالوا: لا يد لك بهذا، و المعنى سلب كمال القدرة و رابعها:

الملك، يقال: هذه الضيعة في يد فلان، أي في ملكه. قال تعالى: اَلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ اَلنِّكََاحِ [البقرة: 237] أي يملك ذلك، و خامسها: شدة العناية و الاختصاص. قال تعالى: لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75]و المراد تخصيص آدم عليه السلام بهذا التشريف، فإنه تعالى هو الخالق لجميع المخلوقات. و يقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمن له شيئا.

إذا عرفت هذا فنقول: اليد في حق اللََّه يمتنع أن تكون بمعنى الجارحة، و أما سائر المعاني فكلها حاصلة.

396

و هاهنا قول آخر، و هو أن أبا الحسن الأشعري رحمه اللََّه زعم في بعض أقواله أن اليد صفة قائمة بذات اللََّه تعالى، و هي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء و قال: و الذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه علة لكرامة آدم و اصطفائه، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لامتنع كونه علة للاصطفاء، لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات، فلا بدّ من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق و التكوين على سبيل الاصطفاء، و أكثر العلماء زعموا أن اليد في حق اللََّه تعالى عبارة عن القدرة و عن النعمة.

فإن قيل: إن فسرتم اليد في حق اللََّه تعالى بالقدرة فهذا مشكل؛ لأن قدرة اللََّه تعالى واحدة و نص القرآن ناطق بإثبات اليدين تارة، و بإثبات الأيدي أخرى، و إن فسرتموها بالنعمة فنص القرآن ناطق بإثبات اليدين، و نعم اللََّه غير محدودة كما قال تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا [إبراهيم: 34][النحل: 18].

و الجواب: إن اخترنا تفسير اليد بالقدرة كان الجواب عن الأشكال المذكور أن القوم جعلوا قولهم يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ كناية عن البخل، فأجيبوا على وفق كلامهم، فقيل بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ أي ليس الأمر على ما وصفتموه به من البخل، بل هو جواد على سبيل الكمال. فإن من أعطى بيده أعطى على أكمل الوجوه، و أما إن اخترنا تفسير اليد بالنعمة كان الجواب عن الأشكال المذكور من وجهين: الأول: أنه نسبة بحسب الجنس، ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع لا نهاية لها، فقيل: نعمتاه نعمة الدين و نعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر و نعمة الباطن، أو نعمة النفع و نعمة/الدفع، أو نعمة الشدة و نعمة الرخاء. الثاني: أن المراد بالنسبة المبالغة في وصف النعمة، ألا ترى أن قولهم (لبيك) معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة، و كذلك (سعديك) معناه مساعدة بعد مساعدة، و ليس المراد منه طاعتين و لا مساعدتين. فكذلك الآية: المعنى فيها أن النعمة متظاهرة متتابعة ليست كما ادعى من أنها مقبوضة ممتنعة.

ثم قال تعالى: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشََاءُ أي يرزق و يخلق كيف يشاء، إن شاء قتر، و إن شاء وسع. و قال‏ وَ لَوْ بَسَطَ اَللََّهُ اَلرِّزْقَ لِعِبََادِهِ لَبَغَوْا فِي اَلْأَرْضِ وَ لََكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مََا يَشََاءُ [الشورى: 27]و قال‏ يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَقْدِرُ* [الرعد: 26]و قال‏ قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ إلى قوله‏ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشََاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشََاءُ بِيَدِكَ اَلْخَيْرُ [آل عمران: 26].

و اعلم أن هذه الآية رد على المعتزلة، و ذلك لأنهم قالوا: يجب على اللََّه تعالى إعطاء الثواب للمطيع، و يجب عليه أن لا يعاقبه، و يجب عليه أن لا يدخل العاصي الجنة، و يجب عليه عند بعضهم أن يعاقبه، فهذا المنع و الحجر و القيد يجري مجرى الغل، فهم في الحقيقة قائلون بأن يد اللََّه مغلولة و أما أهل السنة فهم القائلون بأن الملك ملكه، و ليس لأحد عليه استحقاق، و لا لأحد عليه اعتراض كما قال‏ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً إِنْ أَرََادَ أَنْ يُهْلِكَ اَلْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً [المائدة: 17]فقوله سبحانه: بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشََاءُ لا يستقيم إلا على المذهب و المقالة، و الحمد للََّه على الدين القويم و الصراط المستقيم.

ثم قال تعالى: وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيََاناً وَ كُفْراً و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: المراد بالكثير علماء اليهود، يعني ازدادوا عند نزول ما أنزل إليك من ربك من القرآن‏

397

و الحجج شدة في الكفر و غلوا في الإنكار، كما يقال: ما زادتك موعظتي إلا شرا. و قيل: إقامتهم على الكفر زيادة منهم في الكفر.

المسألة الثانية: قال أصحابنا: دلّت الآية على أنه تعالى لا يراعي مصالح الدين و الدنيا لأنه تعالى لما علم أنهم يزدادون عند إنزال تلك الآيات كفرا و ضلالا، فلو كانت أفعاله معللة برعاية المصالح للعباد لامتنع عليه إنزال تلك الآيات، فلما أنزلها علمنا أنه تعالى لا يراعي مصالح العباد، و نظيره قوله‏ فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: 125].

فإن قالوا: علم اللََّه تعالى من حالهم أنهم سواء أنزلها أو لم ينزلها فإنهم يأتون بتلك الزيادة من الكفر، فلهذا حسن منه تعالى إنزالها.

قلنا: فعلى هذا التقدير لم يكن ذلك الازدياد لأجل إنزال تلك الآيات، و هذا يقتضي أن/تكون إضافة ازدياد اكفر إلى إنزال تلك الآيات باطلا، و ذلك تكذيب لنص القرآن.

ثم قال تعالى: وَ أَلْقَيْنََا بَيْنَهُمُ اَلْعَدََاوَةَ وَ اَلْبَغْضََاءَ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ .

و اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بيّن أنهم إنما ينكرون نبوته بعد ظهور الدلائل على صحتها لأجل الحسد و لأجل حب الجاه و التبع و المال و السيادة.

ثم إنه تعالى بيّن أنهم لما رجحوا الدنيا على الآخرة لا جرم أن اللََّه تعالى كما حرمهم سعادة الدين، فكذلك حرمهم سعادة الدنيا، لأن كل فريق منهم بقي مصرا على مذهبه و مقالته، يبالغ في نصرته و يطعن في كل ما سواه من المذاهب و المقالات تعظيما لنفسه و ترويجا لمذهبه، فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم و طوائفهم، و انتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضا، و يغزو بعضهم بعضا، و في قوله وَ أَلْقَيْنََا بَيْنَهُمُ اَلْعَدََاوَةَ وَ اَلْبَغْضََاءَ قولان: الأول: المراد منه ما بين اليهود و النصارى من العداوة لأنه جرى ذكرهم في قوله لاََ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ [المائدة: 51]و هو قول الحسن و مجاهد. الثاني: أن المراد وقوع العداوة بين فرق اليهود، فإن بعضهم جبرية، و بعضهم قدرية، و بعضهم موحدة، و بعضهم مشبهة، و كذلك بين فرق النصارى: كالملكانية و النسطورية و اليعقوبية.

فإن قيل: فهذا المعنى حاصل بتمامه بين فرق المسلمين، فكيف يمكن جعله عيبا على اليهود و النصارى؟ قلنا: هذه البدع إنما حدثت بعد عصر الصحابة و التابعين، أما في ذلك الزمان فلم يك شي‏ء من ذلك حاصلا، فلا جرم حسن من الرسول و من أصحابه جعل ذلك عيبا على اليهود و النصارى.

ثم قال تعالى: كُلَّمََا أَوْقَدُوا نََاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اَللََّهُ .

و هذا شرح نوع آخر من أنواع المحن عن اليهود، و هو أنهم كلما هموا بأمر من الأمور رجعوا خائبين خاسرين مقهورين ملعونين كما قال تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ أَيْنَ مََا ثُقِفُوا [آل عمران: 112]قال قتادة: لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس.

ثم قال تعالى: وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسََاداً أي ليس يحصل في أمرهم قوة من العزة و المنعة، إلا أنهم‏

398

يسعون في الأرض فسادا، و ذلك بأن يخدعوا ضعيفا، و يستخرجوا نوعا من المكر و الكيد على سبيل الخفية.

و قيل: إنهم لما خالفوا حكم التوراة سلّط عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلّط عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلّط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلّط عليهم المسلمين.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْمُفْسِدِينَ و ذلك يدل على أن الساعي في الأرض بالفساد ممقوت عند اللََّه تعالى ثم قال تعالى:

و اعلم أنه تعالى لما بالغ في ذمهم و في تهجين طريقتهم بين أنهم لو آمنوا و اتقوا لوجدوا سعادات الآخرة و الدنيا، أما سعادات الآخرة فهي محصورة في نوعين: أحدهما: رفع العقاب، و الثاني: إيصال الثواب، أما رفع العقاب فهو المراد بقوله لَكَفَّرْنََا عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ و أما إيصال الثواب فهو المراد بقوله وَ لَأَدْخَلْنََاهُمْ جَنََّاتِ اَلنَّعِيمِ .

فإن قيل: الإيمان وحده سبب مستقل باقتضاء تكفير السيئات و إعطاء الحسنات، فلم ضم إليه شرط التقوى؟ قلنا: المراد كونه آتيا بالإيمان لغرض التقوى و الطاعة، لا لغرض آخر من الأغراض العاجلة مثل ما يفعله المنافقون ثم قال تعالى:

في قوله تعالى وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقََامُوا اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ و اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الآخرة، بيّن في هذه الآية أيضا أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الدنيا و وجدوا طيباتها و خيراتها، و في إقامة التوراة و الإنجيل ثلاثة أوجه: أحدها:

أن يعملوا بما فيها من الوفاء بعهود اللََّه فيها، و من الإقرار باشتمالها على الدلائل الدالة على بعثة محمد صلى اللََّه عليه و سلم، و ثانيها: إقامة التوراة إقامة أحكامها و حدودها كما يقال: أقام الصلاة إذا قام بحقوقها، و لا يقال لمن لم يوف بشرائطها: أنه أقامها. و ثالثها: أقاموها نصب أعينهم لئلا يزلوا في شي‏ء من حدودها، و هذه الوجوه كلها حسنة لكن الأول أحسن.

و أما قوله تعالى: وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ففيه قولان: الأول: أنه القرآن، و الثاني: أنه كتب سائر الأنبياء:

مثل كتاب شعياء و مثل كتاب حيقوق، و كتاب دانيال، فإن هذه الكتب مملوءة من البشارة بمبعث محمد عليه الصلاة و السلام.

و أما قوله تعالى: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ فاعلم أن اليهود لما أصروا على تكذيب محمد عليه الصلاة و السلام أصابهم القحط و الشدة، و بلغوا إلى حيث قالوا: يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ فاللََّه تعالى بيّن أنهم لو تركوا ذلك الكفر لا نقلب الأمر و حصل الخصب و السعة، و في قوله لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وجوه:

الأول: أن المراد منه المبالغة في شرح السعة و الخصب، لا أن هناك فوقا و تحتا، و المعنى لأكلوا أكلا متصلا

399

كثيرا، و هو كما تقول: فلان في الخير من فرقه إلى قدمه، تريد تكاثف الخير و كثرته عنده. الثاني: أن الأكل من فوق نزول القطر، و من تحت الأرجل حصول النبات، كما قال تعالى في سورة الأعراف‏ وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرى‏ََ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنََا عَلَيْهِمْ بَرَكََاتٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ [الأعراف: 96]الثالث: الأكل من فوق كثرة الأشجار المثمرة، و من تحت الأرجل الزروع المغلة، و الرابع: المراد أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار، فيجتنون ما تهدل من رؤوس الشجر، و يلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم، و الخامس: يشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على اليهود من بني قريظة و بني النضير من قطع نخيلهم و إفساد زروعهم و إجلائهم عن أوطانهم.

ثم قال تعالى: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ معنى الاقتصاد في اللغة الاعتدال في العمل من غير غلو و لا تقصير، و أصله القصد، و ذلك لأن من عرف مطلوبه فإنه يكون قاصدا له على الطريق المستقيم من غير انحراف و لا اضطراب، أما من لم يعرف موضع مقصوده فإنه يكون متحيرا، تارة يذهب يمينا و أخرى يسارا، فلهذا السبب جعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض، ثم في هذه الأمة المقتصدة قولان: أحدهما: أن المراد منها الذين آمنوا من أهل الكتاب: كعبد اللََّه بن سلام من اليهود، و النجاشي من النصارى، فهم على القصد من دينهم، و على المنهج المستقيم منه، و لم يميلوا إلى طرفي الإفراط و التفريط. و الثاني: المراد منها الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولا في دينهم، و لا يكون فيهم عناد شديد و لا غلظة كاملة، كما قال‏ وَ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطََارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: 75].

ثم قال تعالى: وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ سََاءَ مََا يَعْمَلُونَ و فيه معنى التعجب كأنه قيل: و كثير منهم ما أسوأ عملهم، و المراد: منهم الأجلاف المذمومون المبغضون الذين لا يؤثر فيهم الدليل و لا/ينجع فيهم القول.

قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أمر الرسول بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين و كثرة الفاسقين و لا يخشى مكروههم فقال بَلِّغْ أي و اصبر على تبليغ ما أنزلته إليك من كشف أسرارهم و فضائح أفعالهم، فإن اللََّه يعصمك من كيدهم و يصونك من مكرهم. و

روى الحسن عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم قال: «إن اللََّه بعثني برسالته فضقت بها ذرعا و عرفت أن الناس يكذبوني و اليهود و النصارى و قريش يخوفوني، فلما أنزل اللََّه هذه الآية زال الخوف بالكلية»

و

روي أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم كان أيام إقامته بمكة يجاهر ببعض القرآن و يخفي بعضه إشفاقا على نفسه من تسرع المشركين إليه و إلى أصحابه، فلما أعز اللََّه الإسلام و أيده بالمؤمنين قال له: يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ

أي لا تراقبن أحدا، و لا تترك شيئا مما أنزل إليك خوفا من أن ينالك مكروه.

ثم قال تعالى: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ و فيه مسائل؛ المسألة الأولى: قرأ نافع‏ رِسََالاََتِهِ في هذه الآية و في الأنعام حيث يجعل رسالاته [الأنعام: 124] على الجمع، و في الأعراف‏ بِرِسََالاََتِي [الأعراف: 144]على الواحد، و قرأ حفص عن عاصم على الضد، ففي المائدة و الأنعام على الواحد، و في الأعراف على الجمع، و قرأ ابن كثير في الجميع على الواحد، و قرأ ابن‏

400

عامر و أبو بكر عن عاصم كله على الجمع.

حجة من جمع أن الرسل يبعثون بضروب من الرسالات و أحكام مختلفة في الشريعة، و كل آية أنزلها اللََّه تعالى على رسوله صلى اللََّه عليه و سلم فهي رسالة، فحسن لفظ الجمع، و أما من أفرد فقال: القرآن كله رسالة واحدة، و أيضا فإن لفظ الواحد قد يدل على الكثرة و إن لم يجمع كقوله‏ وَ اُدْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان: 14]فوقع الاسم الواحد على الجمع، و كذا هاهنا لفظ الرسالة و إن كان واحدا إلا أن المراد هو الجمع.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إن قوله وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ معناه فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته، فأي فائدة في هذا الكلام؟ أجاب جمهور المفسرين بأن المراد: أنك إن لم تبلغ واحدا منها كنت كمن لم يبلغ شيئا منها، /و هذا الجواب عندي ضعيف، لأن من أتى بالبعض و ترك البعض لو قيل: إنه ترك الكل لكان كذبا و لو قيل أيضا: إن مقدار الجرم في ترك البعض مثل مقدار الجرم في ترك الكل فهو أيضا محال ممتنع، فسقط هذا الجواب.

و الأصح عندي أن يقال: إن هذا خرج على قانون قوله:

أنا أبو النجم و شعري شعري‏

و معناه أن شعري قد بلغ في الكمال و الفصاحة إلى حيث متى قيل فيه: إنه شعري فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يمكن أن يزاد عليها، فهذا الكلام يفيد المبالغة التامة من هذا الوجه، فكذا هاهنا: فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته، يعني أنه لا يمكن أن يوصف ترك التبليغ بتهديد أعظم من أنه ترك التبليغ، فكان ذلك تنبيها على غاية التهديد و الوعيد و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوها: الأول: أنها نزلت في قصة الرجم و القصاص على ما تقدم في قصة اليهود. الثاني: نزلت في عيب اليهود و استهزائهم بالدين و النبي سكت عنهم، فنزلت هذه الآية. الثالث: لما نزلت آية التخيير، و هو قوله‏ يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ* [الأحزاب: 28]فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدنيا فنزلت. الرابع: نزلت في أمر زيد و زينب بنت جحش. قالت عائشة رضي اللََّه عنها: من زعم أن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم كتم شيئا من الوحي فقد أعظم الفرية على اللََّه، و اللََّه تعالى يقول: يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ و لو كتم رسول اللََّه شيئا من الوحي لكتم قوله‏ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللََّهُ مُبْدِيهِ [الأحزاب: 37] الخامس: نزلت في الجهاد، فإن المنافقين كانوا يكرهونه، فكان يمسك أحيانا عن حثهم على الجهاد.

السادس: لما نزل قوله تعالى: وَ لاََ تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ فَيَسُبُّوا اَللََّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: 108]سكت الرسول عن عيب آلهتهم فنزلت هذه الآية و قال بَلِّغْ يعني معايب آلهتهم و لا تخفها عنهم، و اللََّه يعصمك منهم. السابع: نزلت في حقوق المسلمين، و ذلك لأنه‏

قال في حجة الوداع لما بين الشرائع و المناسك (هل بلغت) قالوا نعم، قال عليه الصلاة و السلام: «اللّهم فاشهد»

الثامن:

روي أنه صلى اللََّه عليه و سلم نزل تحت شجرة في بعض أسفاره و علق سيفه عليها، فأتاه أعرابي و هو نائم فأخذ سيفه و اخترطه و قال: يا محمد من يمنعك مني؟فقال «اللََّه» فرعدت يد الأعرابي و سقط السيف من يده و ضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل اللََّه هذه الآية

و بين أنه يعصمه من الناس. التاسع: كان يهاب قريشا و اليهود و النصارى، فأزال اللََّه عن قلبه‏

401

تلك الهيبة بهذه الآية. العاشر: نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام، و

لما نزلت هذه الآية أخذ بيده و قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه» فلقيه عمر/رضي اللََّه عنه فقال:

هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة، و هو قول ابن عباس و البراء بن عازب و محمد بن علي.

و اعلم أن هذه الروايات و إن كثرت إلا أن الأولى حمله على أنه تعالى آمنه من مكر اليهود و النصارى، و أمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم، و ذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير و ما بعدها بكثير لما كان كلاما مع اليهود و النصارى امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبية عما قبلها و ما بعدها.

المسألة الرابعة: في قوله وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ سؤال، و هو أنه كيف يجمع بين ذلك و بين ما

روي أنه عليه الصلاة و السلام شج وجهه يوم أحد و كسرت رباعيته؟

و الجواب من وجهين: أحدهما: أن المراد يعصمه من القتل، و فيه التنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة و السلام!و ثانيها: أنها نزلت بعد يوم أحد.

و اعلم أن المراد من اَلنََّاسِ هاهنا الكفار، بدليل قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكََافِرِينَ .

و معناه أنه تعالى لا يمكنهم مما يريدون. و

عن أنس رضي اللََّه عنه: كان رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم يحرسه سعد و حذيفة حتى نزلت هذه الآية، فأخرج رأسه من قبة أدم و قال: «انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني اللََّه من الناس» .

و اعلم أنه تعالى لما أمره بالتبليغ سواء طاب للسامع أو ثقل عليه أمر بأن يقول لأهل الكتاب هذا الكلام و إن كان مما يشق عليهم جدا فقال قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ من اليهود و النصارى لَسْتُمْ/عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ من الدين و لا في أيديكم شي‏ء من الحق و الصواب، كما تقول: هذا ليس بشي‏ء إذا أردت تحقيره و تصغير شأنه.

و قوله حَتََّى تُقِيمُوا اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيََاناً وَ كُفْراً .

و هذا مذكور فيما قبل، و التكرير للتأكيد.

ثم قال تعالى: فَلاََ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْكََافِرِينَ و فيه وجهان: الأول: لا تأسف عليهم بسبب زيادة طغيانهم و كفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك و لا إلى المؤمنين. الثاني: لا تتأسف بسبب نزول اللعن و العذاب عليهم، فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك،

روى ابن عباس أنه جاء جماعة من اليهود و قالوا:

يا محمد أ لست تقر أن التوراة حق من اللََّه تعالى؟قال بلى، قالوا: فإنا مؤمنون بها و لا نؤمن بغيرها، فنزلت هذه الآية.

402

قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة، و بقي هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: ظاهر الاعراب يقتضي أن يقال: و الصابئين، و هكذا قرأ أبي بن كعب و ابن مسعود و ابن كثير، و للنحويين في علة القراءة المشهورة وجوه: الأول: و هو مذهب الخليل و سيبويه ارتفع الصابئون بالابتداء على نيّة التأخير، كأنه قيل: إن الذين آمنوا و الذين هادوا و النصارى من آمن باللََّه و اليوم الآخر و عمل صالحا فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون، و الصابئون كذلك، فحذف خبره، و الفائدة في عدم عطفهم على من قبلهم هو أن الصابئين أشد الفرق المذكورين في هذه الآية ضلالا، فكأنه قيل: كل هؤلاء الفرق إن آمنوا بالعمل الصالح قبل اللََّه توبتهم و أزال ذنبهم، حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضا كذلك.

الوجه الثاني: و هو قول الفرّاء أن كلمة (إن) ضعيفة في العمل هاهنا، و بيانه من وجوه: الأول: أن كلمة (إن) إنما تعمل لكونها مشابهة للفعل، و معلوم أن المشابهة بين الفعل و بين/الحرف ضعيفة. الثاني: أنها و إن كانت تعمل لكن إنما تعمل في الاسم فقط، أما الخبر فإنه بقي مرفوعا بكونه خبر المبتدأ، و ليس لهذا الحرف في رفع الخبر تأثير، و هذا مذهب الكوفيين، و قد بيناه بالدليل في سورة البقرة في تفسير قوله‏ إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ [البقرة: 6]الثالث: أنها إنما يظهر أثرها في بعض الأسماء، أما الأسماء التي لا يتغير حالها عند اختلاف العوامل فلا يظهر أثر هذا الحرف فيها، و الأمر هاهنا كذلك، لأن الاسم هاهنا هو قوله اَلَّذِينَ و هذه الكلمة لا يظهر فيها أثر الرفع و النصب و الخفض.

إذا ثبت هذا فنقول: إنه إذا كان اسم إِنَّ بحيث لا يظهر فيه أثر الإعراب، فالذي يعطف عليه يجوز النصب على إعمال هذا الحرف، و الرفع على إسقاط عمله، فلا يجوز أن يقال: إن زيدا و عمرو قائمان لأن زيدا ظهر فيه أثر الإعراب، لكن إنما يجوز أن يقال: إن هؤلاء و إخوتك يكرموننا، و إن هذا نفسه شجاع، و إن قطام و هند عندنا، و السبب في جواز ذلك أن كلمة (إن) كانت في الأصل ضعيفة العمل، و إذا صارت بحيث لا يظهر لها أثر في اسمها صارت في غاية الضعف، فجاز الرفع بمقتضى الحكم الثابت قبل دخول هذا الحرف عليه، و هو كونه مبتدأ، فهذا تقرير قول الفرّاء، و هو مذهب حسن و أولى من مذهب البصريين، لأن الذي قالوه يقتضي أن كلام اللََّه على الترتيب الذي ورد عليه ليس بصحيح، و إنما تحصل الصحة عند تفكيك هذا النظم، و أما على قول الفرّاء فلا حاجة إليه، فكان ذلك أولى.

المسألة الثانية: قال بعض النحويين: لا شك أن كلمة «إن» من العوامل الداخلة على المبتدأ و الخبر، و كون المبتدأ مبتدأ و الخبر خبرا وصف حقيقي ثابت حال دخول هذا الحرف و قبله، و كونه مبتدأ يقتضي الرفع.

إذا ثبت هذا فنقول: المعطوف على اسم «إن» يجوز انتصابه بناء على إعمال هذا الحرف، و يجوز ارتفاعه أيضا لكونه في الحقيقة مبتدأ محدثا عنه و مخبرا عنه.

طعن صاحب «الكشاف» فيه و قال: إنما يجوز ارتفاعه على العطف على محل (إن و اسمها) بعد ذكر

403

الخبر، تقول: إن زيدا منطلق و عمرا و عمرو بالنصب على اللفظ، و الرفع على موضع (إن) و اسمها، لأن الخبر قد تقدم، و أما قبل ذلك الخبر فهو غير جائز، لأنا لو رفعناه على محل (إن و اسمها) لكان العامل في خبرهما هو المبتدأ، و لو كان كذلك لكان العامل في خبرهما هو الابتداء، لأن الابتداء هو المؤثر في المبتدأ و الخبر معا، و حينئذ يلزم في الخبر المتأخر أن يكون مرفوعا بحرف (إن) و بمعنى الابتداء فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان، و أنه محال.

و اعلم أن هذا الكلام ضعيف، و بيانه من وجوه: الأول: أن هذه الأشياء التي تسميها النحويون: رافعة و ناصبة ليس معناها أنها كذلك لذواتها أو لأعيانها، فإن هذا لا يقوله عاقل، بل المراد أنها معرفات بحسب الوضع و الاصطلاح لهذه الحركات، و اجتماع المعرفات الكثيرة على الشي‏ء الواحد غير محال، أ لا ترى أن جميع أجزاء المحدثات دالة على وجود اللََّه تعالى.

و الوجه الثاني: في ضعف هذا الجواب أنه بناه على أن كلمة (إن) مؤثرة في نصب الاسم و رفع الخبر، و الكوفيون ينكرون ذلك و يقولون: لا تأثير لهذا الحرف في رفع الخبر ألبتة، و قد أحكمنا هذه المسألة في سورة البقرة.

و الوجه الثالث: و هو أن الأشياء الكثيرة إذا عطف بعضها على البعض فالخبر الواحد لا يكون خبرا عنها، لأن الخبر عن الشي‏ء عبارة عن تعريف حاله و بيان صفته، و من المحال أن يكون حال الشي‏ء و صفته عين حال الآخر و صفته، لامتناع قيام الصفة الواحدة بالذوات المختلفة.

و إذا ثبت هذا ظهر أن الخبر و إن كان في اللفظ واحدا إلا أنه في التقدير متعدد، و هو لا محالة موجود بحسب التقدير و النيّة، و إذا حصل التعدد في الحقيقة لم يمتنع كون البعض مرتفعا بالحرف و البعض بالابتداء، و بهذا التقدير لم يلزم اجتماع الرافعين على مرفوع واحد. و الذي يحقق ذلك أنه سلم أن بعد ذكر الاسم و خبره جاز الرفع و النصب في المعطوف عليه، و لا شك أن هذا المعطوف إنما جاز ذلك فيه لأنا نضمر له خبرا، و حكمنا بأن ذلك الخبر المضمر مرتفع بالابتداء.

و إذا ثبت هذا فنقول: إن قبل ذكر الخبر إذا عطفنا اسما على اسم حكم صريح العقل أنه لا بدّ من الحكم بتقدير الخبر، و ذلك إنما يحصل بإضمار الأخبار الكثيرة، و على هذا التقدير يسقط ما ذكر من الالتزام و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بيّن أن أهل الكتاب ليسوا على شي‏ء ما لم يؤمنوا، بين أن هذا الحكم عام في الكل، و أنه لا يحصل لأحد فضيلة و لا منقبة إلا إذا آمن باللََّه و اليوم الآخر و عمل صالحا، و ذلك لأن الإنسان له قوتان: القوة النظرية، و القوة العملية، أما كمال القوة النظرية فليس إلا بأن يعرف الحق، و أما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير، و أعظم المعارف شرفا معرفة أشرف الموجودات و هو اللََّه سبحانه و تعالى، و كمال معرفته إنما يحصل بكونه قادرا على الحشر و النشر؛ فلا جرم كان أفضل المعارف هو الإيمان باللََّه و اليوم الآخر، و أفضل الخيرات في الأعمال أمران: المواظبة على الأعمال المشعرة بتعظيم المعبود، و السعي في إيصال النفع إلى الخلق/كما

قال عليه الصلاة و السلام: «التعظيم لأمر اللََّه و الشفقة على خلق اللََّه»

ثم بيّن تعالى‏

404

أن كل من أتى بهذا الإيمان و بهذا العمل فإنه يرد القيامة من غير خوف و لا حزن. و الفائدة في ذكرهما أن الخوف يتعلق بالمستقبل، و الحزن بالماضي، فقال فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بسبب ما يشاهدون من أهوال القيامة وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ بسبب ما فاتهم من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أمورا أعظم و أشرف و أطيب مما كانت لهم حاصلة في الدنيا، و من كان كذلك فإنه لا يحزن بسبب طيبات الدنيا.

فإن قيل: كيف يمكن خلو المكلف الذي لا يكون معصوما عن أهوال القيامة؟ و الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى شرط ذلك بالعمل الصالح، و لا يكون آتيا بالعمل الصالح إلا إذا كان تاركا لجميع المعاصي، و الثاني: أنه إن حصل خوف فذلك عارض قليل لا يعتد به.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: أنه تعالى شرط عدم الخوف و عدم الحزن بالإيمان و العمل الصالح، و المشروط بشي‏ء عدم عند عدم الشرط، فلزم أن من لم يأت مع الإيمان بالعمل الصالح فإنه يحصل له الخوف و الحزن، و ذلك يمنع من العفو عن صاحب الكبيرة.

و الجواب: أن صاحب الكبيرة لا يقطع بأن اللََّه يعفو عنه لا محالة، فكان الخوف و الحزن حاصلا قبل إظهار العفو.

المسألة الخامسة: أنه تعالى قال في أول الآية إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا ثم قال في آخر الآية مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ و في هذا التكرير فائدتان، الأولى: أن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، فالفائدة في هذا التكرير إخراجهم عن وعد عدم الخوف و عدم الحزن.

الفائدة الثانية: أنه تعالى أطلق لفظ الإيمان، و الإيمان يدخل تحته أقسام، و أشرفها الإيمان باللََّه و اليوم الآخر، فكانت الفائدة في الإعادة التنبيه على أن هذين القسمين أشرف أقسام الإيمان، و قد ذكرنا وجوها كثيرة في قوله‏ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا* و كلها صالحة لهذا الموضع.

المسألة السادسة: الراجع إلى اسم (إن) محذوف، و التقدير: من آمن منهم، إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوما، و اللََّه أعلم.

اعلم أن المقصود بيان عتو بني إسرائيل و شدة تمردهم عن الوفاء بعهد اللََّه، و هو متعلق بما افتتح اللََّه به السورة، و هو قوله‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: 1]فقال لَقَدْ أَخَذْنََا مِيثََاقَ بَنِي إِسْرََائِيلَ يعني خلقنا الدلائل و خلقنا العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال، و أرسلنا إليهم رسلا بتعريف الشرائع و الأحكام. و قوله كُلَّمََا جََاءَهُمْ رَسُولٌ بِمََا لاََ تَهْوى‏ََ أَنْفُسُهُمْ جملة شرطية وقعت صفة لقوله رُسُلاً و الراجع محذوف، و التقدير:

كلما جاءهم رسول منهم بما لا تهوى أنفسهم، أي بما يخالف أهواءهم و ما يضاد شهواتهم من مشاق التكليف.

و هاهنا سؤالات:

الأول: أين جواب الشرط؟ فإن قوله فَرِيقاً كَذَّبُوا وَ فَرِيقاً يَقْتُلُونَ لا يصلح أن يكون جوابا لهذا الشرط، ـ

405

لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين.

و الجواب: أن جواب الشرط محذوف، و إنما جاز حذفه لأن الكلام المذكور دليل عليه، و التقدير: كلما جاءهم رسول ناصبوه، ثم إنه قيل: فكيف ناصبوه؟فقيل: فريقا كذبوا و فريقا يقتلون. و قوله: الرسول الواحد لا يكون فريقين. فنقول: إن قوله كُلَّمََا جََاءَهُمْ رَسُولٌ يدل على كثرة الرسل، فلا جرم جعلهم فريقين.

السؤال الثاني: لم ذكر أحد الفعلين ماضيا، و الآخر مضارعا؟ و الجواب: أنه تعالى بيّن أنهم كيف كانوا يكذبون عيسى و موسى في كل مقام، و كيف كانوا يتمردون على أوامره و تكاليفه، و أنه عليه السلام إنما توفى في التيه على قول بعضهم لشؤم تمردهم عن قبول قوله في مقاتلة الجبارين.

و أما القتل فهو ما اتفق لهم في حق زكريا و يحيى عليهما السلام، و كانوا قد قصدوا أيضا قتل عيسى و إن كان اللََّه منعهم عن مرادهم و هم يزعمون أنهم قتلوه، فذكر التكذيب بلفظ الماضي هنا إشارة إلى معاملتهم مع موسى عليه السلام؛ لأنه قد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، و ذكر القتل بلفظ المضارع إشارة إلى معاملتهم مع زكريا و يحيى و عيسى عليهم السلام لكون ذلك الزمان قريبا فكان كالحاضر.

السؤال الثالث: ما الفائدة في تقديم المفعول في قوله تعالى: فَرِيقاً كَذَّبُوا وَ فَرِيقاً يَقْتُلُونَ .

و الجواب: قد عرفت أن التقديم إنما يكون لشدة العناية، فالتكذيب و القتل و إن كانا منكرين إلا أن تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة و السلام و قتلهم أقبح، فكان التقديم لهذه الفائدة.

ثم قال تعالى: وَ حَسِبُوا أَلاََّ تَكُونَ فِتْنَةٌ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي و أبو عمرو أن لا تكون فتنة برفع نون (تكون) و الباقون بالنصب، و ذكر الواحدي لهذا تقريرا حسنا فقال: الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشي‏ء و استقراره نحو:

العلم و التيقن و التبين، فما كان مثل هذا يقع بعده (أن) الثقيلة و لم يقع بعده (أن) الخفيفة الناصبة للفعل، و ذلك لأن الثقيلة تدل على ثبات الشي‏ء و استقراره، فإذا كان العلم يدل على الاستقرار و الثبات و (أن) الثقيلة تفيد هذا المعنى حصلت بينهما موافقة و مجانسة، و مثاله من القرآن قوله تعالى: وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْحَقُّ اَلْمُبِينُ [النور:

25] أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ هُوَ يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبََادِهِ [التوبة: 104] أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللََّهَ يَرى‏ََ [العلق: 14]و الباء زائدة.

و الضرب الثاني: فعل يدل على خلاف الثبات و الاستقرار، نحو: أطمع و أخاف و أرجو، فهذا لا يستعمل فيه إلا الخفيفة الناصبة للفعل. قال تعالى: وَ اَلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي [الشعراء: 82] تَخََافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ اَلنََّاسُ [الأنفال: 26] فَخَشِينََا أَنْ يُرْهِقَهُمََا [الكهف: 80].

و الضرب الثالث: فعل يحذو مرة إلى هذا القبيل و مرة أخرى إلى ذلك القبيل نحو: حسب و أخواتها، فتارة تستعمل بمعنى أطمع و أرجو فيما لا يكون ثابتا و مستقرا، و تارة بمعنى العلم فيما يكون مستقرا.

406

إذا عرفت هذا فنقول: يمكن إجراء الحسبان هاهنا بحيث يفيد الثبات و الاستقرار، لأن القوم كانوا جازمين بأنهم لا يقعون بسبب ذلك التكذيب و القتل في الفتنة و العذاب، و يمكن إجراؤه بحيث لا يفيد هذا الثبات من حيث إنهم كانوا يكذبون و يقتلون بسبب حفظ الجاه و التبع، فكانوا بقلوبهم عارفين بأن ذلك خطأ و معصية، و إذا كان اللفظ محتملا لكل واحد من هذين المعنيين لا جرم ظهر الوجه في صحة كل واحدة من هاتين القراءتين، فمن رفع قوله أن لا تكون كان المعنى: أنه لا تكون، ثم خففت المشددة و جعلت (لا) عوضا من حذف الضمير، فلو قلت: علمت أن يقول، بالرفع لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضا من حذف الضمير: نحو السين و سوف و قد، كقوله‏ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ [المزمل: 20]و وجه النصب ظاهر.

ثم قال الواحدي: و كلا الوجهين قد جاء به القرآن، فمثل قراءة من نصب و أوقع بعده الخفيفة/قوله‏ أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ أَنْ يَسْبِقُونََا [العنكبوت: 4] أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ اِجْتَرَحُوا اَلسَّيِّئََاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ [الجاثية:

21] الم*`أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [العنكبوت: 1، 2]و مثل قراءة من رفع‏ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنََّا لاََ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوََاهُمْ [الزخرف: 80] أَ يَحْسَبُونَ أَنَّمََا نُمِدُّهُمْ بِهِ [المؤمنون: 55] أَ يَحْسَبُ اَلْإِنْسََانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ [القيامة: 3]فهذه مخففة من الثقيلة لأن الناصبة للفعل لا يقع بعدها (لن) و مثل المذهبين في الظن قوله‏ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ [القيامة: 25] إِنْ ظَنََّا أَنْ يُقِيمََا [البقرة: 230]و من الرفع قوله: وَ أَنََّا ظَنَنََّا أَنْ لَنْ تَقُولَ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ [الجن: 5] وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمََا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اَللََّهُ أَحَداً [الجن: 7]فإن هاهنا الخفيفة من الشديدة كقوله‏ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ [المزمل: 20]لأن (أن) الناصبة للفعل لا تجتمع مع لن، لأن (لن) تفيد التأكيد، و (أن) الناصبة تفيد عدم الثبات كما قررناه.

المسألة الثانية: أن باب حسب من الأفعال التي لا بدّ لها من مفعولين، إلا أن قوله أَلاََّ تَكُونَ فِتْنَةٌ جملة قامت مقام مفعولي حسب لأن معناه: و حسبوا الفتنة غير نازلة بهم.

المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في (الفتنة) وجوها، و هي محصورة في عذاب الدنيا و عذاب الآخرة، ثم عذاب الدنيا أقسام: منها القحط، و منها الوباء، و منها القتل، و منها العداوة، و منها البغضاء فيما بينهم، و منها الأدبار و النحوسة، و كل ذلك قد وقع بهم، و كل واحد من المفسرين حمل الفتنة على واحد من هذه الوجوه.

و اعلم أن حسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين: الأول: أنهم كانوا يعتقدون أن النسخ ممتنع على شرع موسى عليه السلام، و كانوا يعتقدون أن الواجب عليهم في كل رسول جاء بشرع آخر أنه يجب عليهم تكذيبه و قتله، و الثاني: أنهم و إن اعتقدوا في أنفسهم كونهم مخطئين في ذلك التكذيب و القتل إلا أنهم كانوا يقولون:

نحن أبناء اللََّه و أحباؤه، و كانوا يعتقدون أن نبوّة أسلافهم و آبائهم تدفع عنهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل و التكذيب.

ثم قال تعالى: فَعَمُوا وَ صَمُّوا ثُمَّ تََابَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَ اَللََّهُ بَصِيرٌ بِمََا يَعْمَلُونَ فيه مسائل:

407

المسألة الأولى: الآية دالة على أن عماهم و صممهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين.

و اختلف المفسرون في المراد بهاتين المرتين على وجوه: الأول: المراد أنهم عموا و صموا في زمان زكريا و يحيى و عيسى عليهم السلام، ثم تاب اللََّه على بعضهم حيث وفق بعضهم للإيمان به، ثم عموا و صموا كثير منهم في زمان محمد عليه الصلاة و السلام بأن أنكروا نبوّته و رسالته، و إنما قال كَثِيرٌ مِنْهُمْ لأن أكثر اليهود و إن أصروا على الكفر بمحمد عليه الصلاة و السلام إلا أن/جمعا منهم آمنوا به: مثل عبد اللََّه بن سلام و أصحابه. الثاني: عموا و صموا حين عبدوا العجل، ثم تابوا عنه فتاب اللََّه عليهم، ثم عموا و صموا كثير منهم بالتعنت، و هو طلبهم رؤية اللََّه جهرة و نزول الملائكة: الثالث: قال القفال رحمه اللََّه تعالى: ذكر اللََّه تعالى في سورة بني إسرائيل ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال‏ وَ قَضَيْنََا إِلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ فِي اَلْكِتََابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي اَلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً*`فَإِذََا جََاءَ وَعْدُ أُولاََهُمََا بَعَثْنََا عَلَيْكُمْ عِبََاداً لَنََا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجََاسُوا خِلاََلَ اَلدِّيََارِ وَ كََانَ وَعْداً مَفْعُولاً*`ثُمَّ رَدَدْنََا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْنََاكُمْ بِأَمْوََالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْنََاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً [الإسراء: 4-6]فهذا في معنى فَعَمُوا وَ صَمُّوا ثم قال‏ فَإِذََا جََاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَ لِيَدْخُلُوا اَلْمَسْجِدَ كَمََا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ لِيُتَبِّرُوا مََا عَلَوْا تَتْبِيراً [الإسراء: 7]فهذا في معنى قوله ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ الرابع: أن قوله فَعَمُوا وَ صَمُّوا إنما كان برسول أرسل إليهم مثل داود و سليمان و غيرهما فآمنوا به فتاب اللََّه عليهم، ثم وقعت فترة فعموا و صموا مرة أخرى.

المسألة الثانية: قري‏ء. عموا و صموا بالضم على تقدير: عماهم اللََّه و صمهم اللََّه، أي رماهم و ضربهم بالعمى و الصمم، كما تقول: نزكته إذا ضربته بالنزك، و هو رمح قصير، و ركبته إذا ضربته بركبتك.

المسألة الثالثة: في قوله ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وجوه: الأول: على مذهب من يقول من العرب «أكلوني البراغيث» و الثاني: أن يكون كَثِيرٌ مِنْهُمْ بدلا عن الضمير في قوله ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا و الإبدال كثير في القرآن قال تعالى: اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ [السجدة: 7]و قال: وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطََاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: 97]و هذا الإبدال هاهنا في غاية الحسن، لأنه لو قال: عموا و صموا لأوهم ذلك أن كلهم صاروا كذلك، فلما قال كَثِيرٌ مِنْهُمْ دل على أن ذلك حاصل للأكثر لا للكل. الثالث: أن قوله كَثِيرٌ مِنْهُمْ خبر مبتدأ محذوف، و التقدير: هم كثير منهم.

المسألة الرابعة: لا شك أن المراد بهذا العمى و الصمم الجهل و الكفر، فنقول: إن فاعل هذا الجهل هو اللََّه تعالى أو العبد، و الأول: يبطل قوله المعتزلة، و الثاني: باطل لأن الإنسان لا يختار ألبتة تحصيل الجهل و الكفر لنفسه.

فإن قالوا: إنما اختاروا ذلك لأنهم ظنوا أنه علم.

قلنا: حاصل هذا أنهم إنما اختاروا هذا الجهل لسبق جهل آخر، إلا أن الجهالات لا تتسلسل بل لا بدّ من انتهائها إلى الجهل الأول، و لا يجوز أن يكون فاعله هو العبد لما ذكرناه، فوجب أن يكون فاعله هو اللََّه تعالى.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ بَصِيرٌ بِمََا يَعْمَلُونَ أي من قتل الأنبياء و تكذيب الرسل، و المقصود منه التهديد.

408

قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَ قََالَ اَلْمَسِيحُ يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اُعْبُدُوا اَللََّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ .

اعلم أنه تعالى لما استقصى الكلام مع اليهود شرع هاهنا في الكلام مع النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا: إن اللََّه هو المسيح ابن مريم، و هذا هو قول اليعقوبية لأنهم يقولون: إن مريم ولدت إلها، و لعلّ معنى هذا المذهب أنهم يقولون: إن اللََّه تعالى حل في ذات عيسى و اتحد بذات عيسى، ثم حكى تعالى عن المسيح أنه قال. و هذا تنبيه على ما هو الحجة القاطعة على فساد قول النصارى، و ذلك لأنه عليه الصلاة و السلام لم يفرق بين نفسه و بين غيره في أن دلائل الحدوث ظاهرة عليه.

ثم قال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللََّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اَللََّهُ عَلَيْهِ اَلْجَنَّةَ وَ مَأْوََاهُ اَلنََّارُ وَ مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ أَنْصََارٍ و معناه ظاهر. و احتج أصحابنا على أن عقاب الفساق لا يكون مخلدا، قالوا: و ذلك لأنه تعالى جعل أعظم أنواع الوعيد و التهديد في حق المشركين هو أن اللََّه حرم عليهم الجنة و جعل مأواهم النار، و أنه ليس لهم ناصر ينصرهم و لا شافع يشفع لهم، فلو كان حال الفساق من المؤمنين كذلك لما بقي لتهديد المشركين على شركهم بهذا الوعيد فائدة.

ثم قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ ثََالِثُ ثَلاََثَةٍ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: ثَلاََثَةٍ كسرت بالإضافة، و لا يجوز نصبها لأن معناه: واحد ثلاثة. أما إذا قلت: رابع ثلاثة فههنا يجوز الجر و النصب، لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه فيهم.

المسألة الثانية: في تفسير قول النصارى ثََالِثُ ثَلاََثَةٍ طريقان: الأول: قول بعض المفسرين، و هو أنهم أرادوا بذلك أن اللََّه و مريم و عيسى آلهة ثلاثة، و الذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح‏ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ [المائدة: 116]فقوله ثََالِثُ ثَلاََثَةٍ أي أحد ثلاثة آلهة، أو واحد من ثلاثة آلهة، و الدليل على أن المراد ذلك قوله تعالى في الرد عليهم وَ مََا مِنْ إِلََهٍ إِلاََّ إِلََهٌ وََاحِدٌ و على هذا التقدير ففي الآية إضمار، إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم، قال الواحدي و لا يكفر من يقول: إن اللََّه ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة، فإنه ما من شيئين إلا و اللََّه ثالثهما بالعلم، لقوله تعالى: مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ََ ثَلاََثَةٍ إِلاََّ هُوَ رََابِعُهُمْ وَ لاََ خَمْسَةٍ إِلاََّ هُوَ سََادِسُهُمْ [المجادلة: 7].

و الطريق الثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: جوهر واحد، ثلاثة أقانيم أب، و ابن،

409

و روح القدس، و هذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص و الشعاع و الحرارة، و عنوا بالأب الذات، و بالابن الكلمة، و بالروح الحياة، و أثبتوا الذات و الكلمة و الحياة، و قالوا: إن الكلمة التي هي كلام اللََّه اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر، و اختلاط الماء باللبن، و زعموا أن الأب إله، و الابن إله، و الروح إله، و الكل إله واحد.

و اعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل، فإن الثلاثة لا تكون واحدا، و الواحد، لا يكون ثلاثة، و لا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادا و أظهر بطلانا من مقالة النصارى.

ثم قال تعالى: وَ مََا مِنْ إِلََهٍ إِلاََّ إِلََهٌ وََاحِدٌ في (من) قولان: أحدهما: أنها صلة زائدة و التقدير: و ما إله إلا إله واحد، و الثاني: أنها تفيد معنى الاستغراق، و التقدير: و ما في الوجود من هذه الحقيقة إلا فرد واحد.

ثم قال تعالى: وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمََّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ قال الزجاج: معناه:

ليمسن الذين أقاموا على هذا الدين؛ لأن كثيرا منهم تابوا عن النصرانية. ثم قال تعالى:

قال الفرّاء: هذا أمر في لفظ الاستفهام كقوله‏ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91]في آية تحريم الخمر.

ثم قال تعالى: مَا اَلْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله جاء بآيات من اللََّه كما أتوا بأمثالها، فإن كان اللََّه أبرأ الأكمه و الأبرص و أحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا و جعلها حية تسعى و فلق البحر على يد موسى، و إن كان خلقه من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر و لا أنثى وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ و في تفسير ذلك وجوه: أحدها: أنها صدقت بآيات ربها و بكل ما أخبر عنه ولدها. قال تعالى في صفتها وَ صَدَّقَتْ بِكَلِمََاتِ رَبِّهََا وَ كُتُبِهِ [التحريم: 12] و ثانيها: أنه تعالى قال: فَأَرْسَلْنََا إِلَيْهََا رُوحَنََا فَتَمَثَّلَ لَهََا بَشَراً سَوِيًّا [مريم: 17]فلما كلمها جبريل و صدقته وقع عليها اسم الصديقة، و ثالثها: أن المراد بكونها صديقة غاية بعدها عن المعاصي و شدة جدها و اجتهادها في إقامة مراسم العبودية، فإن الكامل في هذه الصفة يسمى صديقا قال تعالى: فَأُولََئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ [النساء: 69].

ثم قال تعالى: كََانََا يَأْكُلاََنِ اَلطَّعََامَ .

و اعلم أن المقصود من ذلك: الاستدلال على فساد قول النصارى، و بيانه من وجوه: الأول: أن كل من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن، و كل من كان كذلك كان مخلوقا لا إلها، و الثاني: أنهما كانا محتاجين، لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة، و الإله هو الذي يكون غنيا عن جميع الأشياء، فكيف يعقل أن يكون إلها. الثالث: قال بعضهم: إن قوله كََانََا يَأْكُلاََنِ اَلطَّعََامَ كناية عن الحدث لأن من أكل الطعام فإنه لا بدّ

410

و أن يحدث، و هذا عندي ضعيف من وجوه: الأول: أنه ليس كل من أكل أحدث، فإن أهل الجنة يأكلون و لا يحدثون. الثاني: أن الأكل عبارة عن الحاجة إلى الطعام، و هذه الحاجة من أقوى الدلائل على أنه ليس بإله، فأي حاجة بنا إلى جعله كناية عن شي‏ء آخر. الثالث: أن الإله هو القادر على الخلق و الإيجاد، فلو كان إلها لقدر على دفع ألم الجوع عن نفسه بغير الطعام و الشراب، فلما لم يقدر على دفع الضرر عن نفسه كيف يعقل أن يكون إلها للعالمين، و بالجملة ففساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل.

ثم قال تعالى: اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ اَلْآيََاتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنََّى يُؤْفَكُونَ يقال: أفكه يأفكه إفكا إذا صرفه، و الإفك الكذب لأنه صرف عن الحق، و كل مصروف عن الشي‏ء مأفوك عنه، و قد/أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر، و معنى قوله أَنََّى يُؤْفَكُونَ أنى يصرفون عن الحق، قال أصحابنا: الآية دلت على أنهم مصروفون عن تأمل الحق، و الإنسان يمتنع أن يصرف نفسه عن الحق و الصدق إلى الباطل و الجهل و الكذب، لأن العاقل لا يختار لنفسه ذلك، فعلمنا أن اللََّه سبحانه و تعالى هو الذي صرفهم عن ذلك. ثم قال تعالى:

و هذا دليل آخر على فساد قول النصارى، و هو يحتمل أنواعا من الحجة: الأول: أن اليهود كانوا يعادونه و يقصدونه بالسوء، فما قدر على الإضرار بهم، و كان أنصاره و صحابته يحبونه فما قدر على إيصال نفع من منافع الدنيا إليهم، و العاجز عن الإضرار و النفع كيف يعقل أن يكون إلها. الثاني: أن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه و مزقوا أضلاعه، و لما عطش و طلب الماء منهم صبوا الخل في منخريه، و من كان في الضعف هكذا كيف يعقل أن يكون إلها. الثالث: أن إله العالم يجب أن يكون غنيا عن كل ما سواه، و يكون كل ما سواه محتاجا إليه، فلو كان عيسى كذلك لامتنع كونه مشغولا بعبادة اللََّه تعالى، لأن الإله لا يعبد شيئا، إنما العبد هو الذي يعبد الإله، و لما عرف بالتواتر كونه كان مواظبا على الطاعات و العبادات علمنا أنه إنما كان يفعلها لكونه محتاجا في تحصيل المنافع و دفع المضار إلى غيره، و من كان كذلك كيف يقدر على إيصال المنافع إلى العباد و دفع المضار عنهم، و إذا كان كذلك كان عبدا كسائر العبيد، و هذا هو عين الدليل الذي حكاه اللََّه تعالى عن إبراهيم عليه السلام حيث قال لأبيه‏ لِمَ تَعْبُدُ مََا لاََ يَسْمَعُ وَ لاََ يُبْصِرُ وَ لاََ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [مريم: 42].

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ و المراد منه التهديد يعني سميع بكفرهم عليم بضمائرهم.

قوله تعالى: قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لاََ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ اَلْحَقِّ .

اعلم أنه تعالى لما تكلم أولا: على أباطيل اليهود، ثم تكلم ثانيا: على أباطيل النصارى و أقام الدليل القاهر على بطلانها و فسادها، فعند ذلك خاطب مجموع الفريقين بهذا الخطاب فقال يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لاََ تَغْلُوا فِي‏

411

دِينِكُمْ غَيْرَ اَلْحَقِّ ـو الغلو نقيض التقصير. و معناه الخروج عن الحد، و ذلك لأن الحق بين طرفي الإفراط و التفريط، و دين اللََّه بين الغلو و التقصير. و قوله غَيْرَ اَلْحَقِّ صفة المصدر، أي/لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق، أي غلوا باطلا، لأن الغلو في الدين نوعان: غلو حق، و هو أن يبالغ في تقريره و تأكيده، و غلو باطل و هو أن يتكلف في تقرير الشبه و إخفاء الدلائل، و ذلك الغلو هو أن اليهود لعنهم اللََّه نسبوه إلى الزنا. و إلى أنه كذاب، و النصارى ادعوا فيه الإلهية.

ثم قال تعالى: وَ لاََ تَتَّبِعُوا أَهْوََاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَوََاءِ اَلسَّبِيلِ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: الأهواء هاهنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة. قال الشعبي: ما ذكر اللََّه لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه. قال: وَ لاََ تَتَّبِعِ اَلْهَوى‏ََ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ [ص: 26] وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ فَتَرْدى‏ََ [طه: 16] وَ مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ [النجم: 3] أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ [الجاثية: 23]قال أبو عبيدة:

لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر. لا يقال: فلان يهوى الخير، إنما يقال: يريد الخير و يحبه. و قال بعضهم: الهوى إله يعبد من دون اللََّه. و قيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار، و أنشد في ذم الهوى:

إن الهوى لهو الهوان بعينه # فإذا هويت فقد لقيت هوانا

و قال رجل لا بن عباس: الحمد للََّه الذي جعل هواي على هواك، فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة.

المسألة الثانية: أنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال، فبين أنهم كانوا ضالين من قبل ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى أنهم الآن ضالون كما كانوا، و لا نجد حالة أقرب إلى البعد من اللََّه و القرب من عقاب اللََّه تعالى من هذه الحالة. نعوذ باللََّه منها، و يحتمل أن يكون المراد:

أنهم ضلوا و أضلوا، ثم ضلوا بسبب اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق، و يحتمل أن يكون المراد بالضلال الأول الضلال عن الدين، و بالضلال الثاني الضلال عن طريق الجنة.

و اعلم أنه تعالى لما خاطب أهل الكتاب بهذا الخطاب وصف أسلافهم فقال تعالى:

لُعِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ لِسََانِ دََاوُدَ وَ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ .

قال أكثر المفسرين: يعني أصحاب السبت، و أصحاب المائدة. أما أصحاب السبت فهو أن قوم داود، و هم أهل «ايلة» لما اعتدوا في السبت بأخذ الحيتان على ما ذكر اللََّه تعالى هذه القصة في سورة الأعراف قال داود: اللّهم العنهم و اجعلهم آية فمسخوا قردة، و أما أصحاب المائدة فإنهم لما أكلوا من المائدة و لم يؤمنوا قال عيسى: اللّهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير، و كانوا/خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة و لا صبي. قال بعض العلماء: إن اليهود كانوا يفتخرون بأنا من أولاد الأنبياء، فذكر اللََّه تعالى هذه الآية لتدل على‏

412

أنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء. و قيل: أن داود و عيسى عليهما السلام بشرا بمحمد صلى اللََّه عليه و سلم، و لعنا من يكذبه، و هو قول الأصم.

ثم قال تعالى: ذََلِكَ بِمََا عَصَوْا وَ كََانُوا يَعْتَدُونَ و المعنى أن ذلك اللعن كان بسبب أنهم يعصون و يبالغون في ذلك العصيان.

ثم أنه تعالى فسّر المعصية و الاعتداء بقوله كََانُوا لاََ يَتَنََاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ و للتناهي هاهنا معنيان: أحدهما: و هو الذي عليه الجمهور أنه تفاعل من النهي، أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضا،

روى ابن مسعود عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «من رضي عمل قوم فهو منهم و من كثر سواد قوم فهو منهم» .

و المعنى الثاني في التناهي: أنه بمعنى الانتهاء. يقال: انتهى عن الأمر، و تناهى عنه إذا كف عنه.

ثم قال تعالى: لَبِئْسَ مََا كََانُوا يَفْعَلُونَ اللام في لَبِئْسَ لام القسم، كأنه قال: أقسم لبئس ما كانوا يفعلون، و هو ارتكاب المعاصي و العدوان، و ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

فإن قيل: الانتهاء عن الشي‏ء بعد أن صار مفعولا غير ممكن فلم ذمهم عليه؟ قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن يكون المراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه الثاني: لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله و أحضروا آلاته و أدواته. الثالث: لا يتناهون عن الإصرار على منكر فعلوه.

ثم قال تعالى: تَرى‏ََ كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا .

اعلم أنه تعالى لما وصف أسلافهم بما تقدم وصف الحاضرين منهم بأنهم يتولون الكفار و عبدة الأوثان، و المراد منهم كعب بن الأشرف و أصحابه حين استجاشوا المشركين على الرسول صلى اللََّه عليه و سلم، و ذكرنا ذلك في قوله تعالى: وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هََؤُلاََءِ أَهْدى‏ََ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً [النساء: 51].

ثم قال تعالى: لَبِئْسَ مََا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في دار الآخرة.

و قوله تعالى: أَنْ سَخِطَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي اَلْعَذََابِ هُمْ خََالِدُونَ محل أَنْ رفع كما تقول: بئس رجلا زيد، و رفعه كرفع زيد، و في زيد وجهان: الأول: أن يكون مبتدأ، و يكون (بئس) و ما عملت فيه خبره، و الثاني:

أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قال: بئس رجلا قتل: ما هو؟فقال: زيد، أي هو زيد.

413

ثم قال تعالى: وَ لَوْ كََانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلنَّبِيِّ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيََاءَ وَ لََكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فََاسِقُونَ و المعنى: لو كانوا يؤمنون باللََّه و النبي و هو موسى و ما أنزل إليه في التوراة كما يدعون ما اتخذوا المشركين أولياء، لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة و في شرع موسى عليه السلام، فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى عليه السلام، بل مرادهم الرياسة و الجاه فيسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه، فلهذا وصفهم اللََّه تعالى بالفسق فقال وَ لََكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فََاسِقُونَ و فيه وجه آخر ذكره القفال، و هو أن يكون المعنى:

و لو كان هؤلاء المتولون من المشركين يؤمنون باللََّه و بمحمد صلى اللََّه عليه و سلم ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياء، و هذا الوجه حسن ليس في الكلام ما يدفعه.

قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ اَلنََّاسِ عَدََاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ قََالُوا إِنََّا نَصََارى‏ََ .

اعلم أنه تعالى لما ذكر من أحوال أهل الكتاب من اليهود و النصارى ما ذكره ذكر في هذه الآية أن اليهود في غاية العداوة مع المسلمين، و لذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة، بل نبّه على أنهم أشد في العداوة من المشركين من جهة أنه قدم ذكرهم على ذكر المشركين. و لعمري أنهم كذلك. و

عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله»

و ذكر اللََّه تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود و أقرب إلى المسلمين منهم.

و هاهنا مسألتان:

الأولى: قال ابن عباس و سعيد بن جبير و عطاء و السدي: المراد به النجاشي و قومه الذين قدموا من الحبشة على الرسول صلى اللََّه عليه و سلم و آمنوا به، و لم يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين. و قال آخرون:

مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، فإن قدروا على القتل فذاك، و إلا فبغصب المال أو بالسرقة أو بنوع من المكر و الكيد و الحيلة، و أما النصارى فليس مذهبهم ذاك بل الإيذاء في دينهم حرام، فهذا هو وجه التفاوت:

المسألة الثانية: المقصود من بيان هذا التفاوت تخفيف أمر اليهود على الرسول صلى اللََّه عليه و سلم، و اللام في قوله لَتَجِدَنَّ لام القسم، و التقدير: قسما إنك تجد اليهود و المشركين أشد الناس عداوة مع المؤمنين، و قد شرحت لك أن هذا التمرد و المعصية عادة قديمة لهم، ففرغ خاطرك عنهم و لا تبال بمكرهم و كيدهم.

ثم ذكر تعالى سبب هذا التفاوت فقال ذََلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْبََاناً وَ أَنَّهُمْ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ و في الآية مسألتان:

الأولى: علة هذا التفاوت أن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد على الدنيا و الدليل عليه قوله تعالى:

414

وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ اَلنََّاسِ عَلى‏ََ حَيََاةٍ وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا [البقرة: 96]فقرنهم في الحرص بالمشركين المنكرين للمعاد، و الحرص معدن الأخلاق الذميمة لأن من كان حريصا على الدنيا طرح دينه في طلب الدنيا و أقدم على كل محظور و منكر بطلب الدنيا، فلا جرم تشتد عداوته مع كل من نال مالا أو جاها، و أما النصارى فإنهم في أكثر الأمر معرضون عن الدنيا مقبلون على العبادة و ترك طلب الرياسة و التكبر و الترفع، و كل من كان كذلك فإنه لا يحسد الناس و لا يؤذيهم و لا يخاصمهم، بل يكون لين العريكة في طلب الحق سهل الانقياد له، فهذا هو الفرق بين هذين الفريقين في هذا الباب، و هو المراد بقوله تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْبََاناً وَ أَنَّهُمْ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ .

و هاهنا دقيقة نافعة في طلب الدين و هو أن كفر النصارى أغلظ من كفر اليهود لأن النصارى ينازعون في الإلهيات و في النبوات، و اليهود لا ينازعون إلا في النبوات، و لا شك في أن الأول أغلظ، ثم إن النصارى مع غلظ كفرهم لما لم يشتد حرصهم على طلب الدنيا بل كان في قلبهم شي‏ء من الميل إلى الآخرة شرّفهم اللََّه بقوله وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ قََالُوا إِنََّا نَصََارى‏ََ و أما اليهود مع أن كفرهم أخف في جنب كفر النصارى طردهم و خصهم اللََّه بمزيد اللعن و ما ذاك إلا بسبب حرصهم على الدنيا، و ذلك ينبهك على صحة

قوله صلى اللََّه عليه و سلم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» .

المسألة الثانية: القس و القسيس اسم لرئيس النصارى، و الجمع القسيسون. و قال عروة بن الزبير: صنعت النصارى الإنجيل و أدخلت فيه ما ليس منه و بقي واحد من علمائهم على الحق و الدين، و كان اسمه قسيسا، فمن كان على هديه و دينه فهو قسيس. قال قطرب: القس و القسيس العالم بلغة الروم، و هذا مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين، و أما الرهبان فهو جمع راهب كركبان و راكب، و فرسان و فارس، و قال بعضهم: الرهبان واحد، و جمعه رهابين كقربان و قرابين، و أصله من الرهبة بمعنى المخافة.

فإن قيل: كيف مدحهم اللََّه تعالى بذلك مع قوله‏ وَ رَهْبََانِيَّةً اِبْتَدَعُوهََا [الحديد: 27]و

قوله عليه الصلاة و السلام: «لا رهبانية في الإسلام» .

قلنا: إن ذلك صار ممدوحا في مقابلة طريقة اليهود في القساوة و الغلظة، و لا يلزم من هذا القدر كونه ممدوحا على الإطلاق.

ثم قال تعالى: وَ إِذََا سَمِعُوا مََا أُنْزِلَ إِلَى اَلرَّسُولِ تَرى‏ََ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ الضمير في/قوله سَمِعُوا يرجع إلى القسيسين و الرهبان الذين آمنوا منهم و مََا أُنْزِلَ يعني القرآن إلى الرسول يعني محمدا عليه الصلاة و السلام قال ابن عباس: يريد النجاشي و أصحابه، و ذلك لأن جعفر الطيار قرأ عليهم سورة مريم، فأخذ النجاشي تبنة من الأرض و قال: و اللََّه ما زاد على ما قال اللََّه في الإنجيل مثل هذا، و ما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة، و أما قوله تَرى‏ََ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ ففيه وجهان: الأول: المراد أن أعينهم تمتلئ من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلئ الإناء و غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه. الثاني: أن يكون المراد