التفسير الكبير - ج14

- الفخر الرازي‏ المزيد...
361 /
185

الجزء الرابع عشر

تتمة سورة الأنعام‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

في الآية مسائل:

المسألة الاولى: قرا ابن عامر وَ أَنَّ هََذََا بفتح الالف و سكون النون و قرا حمزة و الكسائي و ان بكسر الالف و تشديد النون اما قراءة ابن عامر فأصلها و انه هذا صراطي و الهاء ضمير الشان و الحديث و على هذا الشرط تخفف. قال الأعشى:

في فتية كسيوف الهند قد علموا # ان هالك كل من يحفى و ينتعل‏

اي قد علموا انه هالك و اما كسر أَنَّ فالتقدير أَتْلُ مََا حَرَّمَ [الانعام: 151]و اتل أَنَّ هََذََا صِرََاطِي بمعنى أقول و قيل على الاستئناف. و اما فتح ان فقال الفراء فتح أَنَّ من وقوع اتل عليها يعني و اتل عليكم أَنَّ هََذََا صِرََاطِي مُسْتَقِيماً قال: و ان شئت جعلتها خفضا و التقدير ذلكم وصاكم به و بان هذا صراطي. قال ابو علي: من فتح أَنَّ فقياس قوله سيبويه انه حملها على قوله: فَاتَّبِعُوهُ و التقدير لان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه كقوله: وَ إِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً [المؤمنون: 52]و قال سيبويه لان هذه أمتكم و قال في قوله: وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ فَلاََ تَدْعُوا مَعَ اَللََّهِ أَحَداً [الجن: 18]و المعنى و لان المساجد للّه.

المسألة الثانية: القراء اجمعوا على سكون الياء من صِرََاطِي غير ابن عامر فانه فتحها و قرا ابن كثير و ابن عامر سراطي بالسين و حمزة بين الصاد و الزاي و الباقون بالصاد صافية و كلها لغات قال صاحب «الكشاف» : قرا الأعمش و هذا صراطي و في مصحف عبد اللّه و هذا صراط ربكم و في مصحف ابي و هذا صراط ربك .

المسألة الثالثة: انه تعالى لما بين في الآيتين المتقدمين ما وصى به أجمل في آخره اجمالا يقتضي دخول ما تقدم فيه و دخول سائر الشريعة فيه فقال: وَ أَنَّ هََذََا صِرََاطِي مُسْتَقِيماً فدخل فيه كل ما بينه الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم من دين الإسلام و هو المنهج القويم و الصراط المستقيم فاتبعوا جملته و تفصيله و لا تعدلوا عنه فتقعوا في الضلالات. و

عن ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم انه خط خطا ثم قال: هذا سبيل الرشد ثم خط عن يمينه و عن شماله خطوطا ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا اليه؟ثم تلا هذه الآية: وَ أَنَّ هََذََا صِرََاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ

و عن ابن عباس هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شي‏ء من جميع الكتب من عمل بهن دخل الجنة و من تركهن دخل النار.

ثم قال: ذََلِكُمْ وَصََّاكُمْ بِهِ اي بالكتاب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ المعاصي و الضلالات.

186

المسألة الرابعة: هذه الآية تدل على ان كل ما كان حقا فهو واحد و لا يلزم منه ان يقال: ان كل ما كان واحدا فهو حق فإذا كان الحق واحدا كان كل ما سواه باطلا و ما سوى الحق أشياء كثيرة فيجب الحكم بان كل كثير باطل و لكن لا يلزم ان يكون كل باطل كثيرا بعين ما قررناه في القضية الاولى.

اعلم ان قوله: ثُمَّ آتَيْنََا فيه وجوه: /الاول: التقدير: ثم اني أخبركم بعد تعديد المحرمات و غيرها من الاحكام انا آتينا موسى الكتاب فذكرت كلمة «ثم» لتأخير الخبر عن الخبر لا لتأخير الواقعة و نظيره قوله تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنََاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنََاكُمْ ثُمَّ قُلْنََا لِلْمَلاََئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ [الأعراف: 11]و الثاني: ان التكاليف التسعة المذكورة في الآية المتقدمة التكليف لا يجوز اختلافها بحسب اختلاف الشرائع بل هي احكام واجبة الثبوت من أول زمان التكليف الى قيام القيامة. و اما الشرائع التي كانت التوبة مختصة بها فهي انما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة فتقدير الآية انه تعالى لما ذكرها قال: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديما و حديثا ثم بعد ذلك آتينا موسى الكتاب. الثالث: ان/فيه حذفا تقديره: ثم قل يا محمد انا آتينا موسى فتقديره: اتل ما اوحى إليك ثم اتل عليهم خبر ما آتينا موسى.

اما قوله: تَمََاماً عَلَى اَلَّذِي أَحْسَنَ ففيه وجوه: الاول: معناه تماما للكرامة و النعمة على الذي احسن.

اي على كل من كان محسنا صالحا و يدل عليه قراءة عبد اللّه على الذين أحسنوا و الثاني: المراد تماما للنعمة و الكرامة على العبد الذي احسن الطاعة بالتبليغ و في كل ما امر به و الثالث: تماما على الذي احسن موسى من العلم و الشرائع من احسن الشي‏ء إذا أجاد معرفته اي زيادة على علمه على وجه التتميم و قرا يحيى بن يعمر عَلَى اَلَّذِي أَحْسَنَ اي على الذي هو احسن بحذف المبتدا كقراءة من قرا مَثَلاً مََا بَعُوضَةً [البقرة: 26]بالرفع و تقدير الآية: على الذي هو احسن دينا و أرضاه او يقال المراد: آتينا موسى الكتاب تماما اي تاما كاملا على احسن ما تكون عليه الكتب اي على الوجه الذي هو احسن و هو معنى قول الكلبي:

أتم له الكتاب على أحسنه ثم بين تعالى ما في التوراة من النعم في الدين و هو تفصيل كل شي‏ء و المراد به ما يختص بالدين فدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى اللّه عليه و آله و سلم دينه و شرعه و سائر الادلة و الاحكام الا ما نسخ منها و لذلك قال: وَ هُدىً وَ رَحْمَةً و الهدى معروف و هو الدلالة و الرحمة هي النعمة لَعَلَّهُمْ بِلِقََاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ اي لكي يؤمنوا بلقاء ربهم و المراد به لقاء ما وعدهم اللّه به من ثواب و عقاب.

187

اعلم ان قوله: وَ هََذََا كِتََابٌ لا شك ان المراد هو القرآن و فائدة وصفه بانه مبارك انه ثابت لا يتطرق اليه النسخ كما في الكتابين او المراد انه كثير الخير و النفع.

ثم قال: فَاتَّبِعُوهُ و المراد ظاهر.

ثم قال: وَ اِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ اي لكي ترحموا. و فيه ثلاثة اقوال: قيل اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة و قيل: اتقوا لترحموا اي ليكون الغرض بالتقوى رحمة اللّه و قيل: اتقوا لترحموا جزاء على التقوى.

ثم قال تعالى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمََا أُنْزِلَ اَلْكِتََابُ عَلى‏ََ طََائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنََا و فيه وجوه:

الوجه الاول: قال الكسائي و الفراء و التقدير: أنزلناه لئلا تقولوا ثم حذف الجار و حرف النفي كقوله:

يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: 176]و قوله: رَوََاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ* [النحل: 15]اي لئلا.

و الوجه الثاني: و هو قول البصريين معناه: أنزلناه كراهة ان تقولوا و لا يجيزون إضمار «لا» فانه لا يجوز ان يقال: جئت ان أكرمك بمعني: ان لا أكرمك و قد ذكرنا تحقيق هذه المسألة في آخر سورة النساء.

و الوجه الثالث: قال الفراء: يجوز ان يكون «ان» متعلقة باتقوا و التأويل: و اتقوا ان تقولوا انما انزل الكتاب.

البحث الثاني: قوله: أَنْ تَقُولُوا خطاب لأهل مكة و المعنى: كراهة ان يقول اهل مكة انزل الكتاب و هو التوراة و الإنجيل على طائفتين من قبلنا و هم اليهود و النصارى وَ إِنْ كُنََّا «ان» هي المخففة من الثقيلة و اللام هي الفارقة بينها و بين النافية و الأصل و انه كنا عن دراستهم لغافلين و المراد بهذه الآيات اثبات الحجة عليهم بانزال القرآن على محمد كي لا يقولوا يوم القيامة ان التوراة و الإنجيلى انزلا على طائفتين من قبلنا و كنا غافلين عما فيهما فقطع اللّه عذرهم بانزال القرآن عليهم و قوله: وَ إِنْ كُنََّا عَنْ دِرََاسَتِهِمْ لَغََافِلِينَ اي لا نعلم ما هي لان كتابهم ما كان بلغتنا و معنى او تقولوا لو انا انزل علينا الكتاب لكنا اهدى منهم مفسر للاول في ان معناه لئلا يقولوا و يحتجوا بذلك‏}ثم بين تعالى قطع احتجاجهم بهذا و قال: فَقَدْ جََاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ و هو القرآن و ما جاء به الرسول وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ .

فان قيل: البينة و الهدى واحد فما الفائدة في التكرير؟ /قلنا: القرآن بينة فيما يعلم سمعا و هو هدى فيما يعلم سمعا و عقلا فلما اختلفت الفائدة صح هذا العطف و قد بينا ان معنى‏ رَحْمَةٌ اي انه نعمة في الدين.

ثم قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيََاتِ اَللََّهِ و المراد تعظيم كفر من كذب بآيات اللّه و صدف عنها اي منع عنها لان الاول ضلال و الثاني: منع عن الحق و إضلال.

ثم قال تعالى: سَنَجْزِي اَلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيََاتِنََا سُوءَ اَلْعَذََابِ و هو كقوله: اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ زِدْنََاهُمْ عَذََاباً فَوْقَ اَلْعَذََابِ [النحل: 88].

188

قرا حمزة و الكسائي: يأتيهم بالياء و في النحل مثله و الباقون تَأْتِيَهُمُ بالتاء.

و اعلم انه تعالى لما بين انه انما انزل الكتاب ازالة للعذر و ازاحة للعلة و بين انهم لا يؤمنون البتة و شرح أحوالا توجب الياس عن دخولهم في الايمان فقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ و نظير هذه الآية قوله في سورة البقرة: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمََامِ [الانعام: 158]و معنى ينظرون ينتظرون و هل استفهام معناه النفي و تقدير الآية: انهم لا يؤمنون بك الا إذا جاءهم احد هذه الأمور الثلاثة و هي مجي‏ء الملائكة او مجي‏ء الرب او مجي‏ء الآيات القاهرة من الرب.

فان قيل: قوله: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ هل يدل على جواز المجي‏ء و الغيبة على اللّه.

قلنا: الجواب عنه من وجوه: الاول: ان هذا حكاية عنهم و هم كانوا كفارا و اعتقاد الكافر ليس بحجة و الثاني: ان هذا مجاز. و نظيره قوله تعالى: فَأَتَى اَللََّهُ بُنْيََانَهُمْ [النحل: 26]و قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللََّهَ [الأحزاب: 57]و الثالث: قيام الدلائل القاطعة على ان المجي‏ء و الغيبة على اللّه تعالى محال و أقربها قول الخليل صلوات اللّه عليه في الرد على عبدة الكواكب‏ لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ [الانعام: 76].

فان قيل: قوله: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ لا يمكن حمله على اثبات اثر من آثار قدرته لان على هذا التقدير:

يصير هذا عين قوله: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ فوجب حمله على ان المراد منه إتيان الرب.

قلنا: الجواب المعتمد ان هذا حكاية مذهب الكفار فلا يكون حجة و قيل: ياتي ربك بالعذاب او ياتي بعض آيات ربك و هو المعجزات القاهرة.

ثم قال تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ و اجمعوا على ان المراد بهذه الآيات علامات القيامة

عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر امر الساعة إذا اشرف علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فقال: ما تتذاكرون؟قلنا: نتذاكر الساعة قال: «انها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات الدخان و دابة الأرض و خسفا بالمشرق و خسفا بالمغرب و خسفا بجزيرة العرب و الدجال و طلوع الشمس من مغربها و يأجوج و مأجوج و نزول عيسى و نار تخرج من عدن»

و قوله: لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ صفة لقوله:

نَفْساً و قوله: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمََانِهََا خَيْراً صفة ثانية معطوفة على الصفة الاولى و المعنى: ان اشراط الساعة إذا ظهرت ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع الايمان نفسا ما آمنت قبل ذلك و ما كسبت في إيمانها خيرا قبل ذلك.

ثم قال تعالى: قُلِ اِنْتَظِرُوا إِنََّا مُنْتَظِرُونَ وعيد و تهديد.

قرا حمزة و الكسائي فارقوا بالألف و الباقون فَرَّقُوا و معنى القراءتين عند التحقيق واحد لان الذي فرق دينه بمعنى انه أقر ببعض و أنكر بعضا فقد فارقه في الحقيقة و في الآية اقوال:

القول الاول: المراد سائر الملل. قال ابن عباس: يريد المشركين بعضهم يعبدون الملائكة و يزعمون انهم‏

189

بنات اللّه و بعضهم يعبدون الأصنام و يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه فهذا معنى فرقوا دينهم و كانوا شيعا اي فرقا و أحزابا في الضلالة. و قال مجاهد و قتادة: هم اليهود و النصارى و ذلك لان النصارى تفرقوا فرقا و كفر بعضهم بعضا و كذلك اليهود و هم اهل/كتاب واحد و اليهود تكفر النصارى.

و القول الثاني: ان المراد من الآية أخذوا ببعض و تركوا بعضا كما قال تعالى: أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِتََابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: 85]و قال ايضا: إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اَللََّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء: 150].

و القول الثالث: قال مجاهد: ان الذين فرقوا دينهم من هذه الامة هم اهل البدع و الشبهات و اعلم ان المراد من الآية الحث على ان تكون كلمة المسلمين واحدة و ان لا يتفرقوا في الدين و لا يبتدعوا البدع و قوله:

لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فيه قولان: الاول: أنت منهم بري‏ء و هم منك برآء و تأويله: انك بعيد عن أقوالهم و مذاهبهم و العقاب اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم و لا يتعداهم. و الثاني: لست من قتالهم في شي‏ء.

قال السدي: يقولون لم يؤمر بقتالهم فلما امر بقتالهم نسخ و هذا بعيد لان المعنى لست من قتالهم في هذا الوقت في شي‏ء فورد الأمر بالقتال في وقت آخر لا يوجب النسخ.

ثم قال: إِنَّمََا أَمْرُهُمْ إِلَى اَللََّهِ اي فيما يتصل بالإمهال و الانظار و الاستئصال و الإهلاك ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمََا كََانُوا يَفْعَلُونَ و المراد الوعيد.

في الآية مسائل:

المسألة الاولى: قال بعضهم: الحسنة قول لا اله الا اللّه و السيئة هي الشرك و هذا بعيد بل يجب ان يكون محمولا على العموم اما تمسكا باللفظ و اما لأجل انه حكم مرتب على وصف مناسب له فيقتضي كون الحكم معللا بذلك الوصف فوجب ان يعم لعموم العلة.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه اللّه: حذفت الهاء من عشر و الأمثال جمع مثل و المثل مذكر لأنه أريد عشر حسنات أمثالها ثم حذفت الحسنات و أقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها و حذف الموصوف كثير في الكلام و يقوي هذا قراءة من قرا عشر أمثالها بالرفع و التنوين.

المسألة الثالثة: مذهبنا ان الثواب تفضل من اللّه تعالى في الحقيقة و على هذا التقدير فلا اشكال في الآية اما المعتزلة فهم فرقوا بين الثواب و التفضل بان الثواب هو المنفعة المستحقة/و التفضيل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة ثم انهم على تقريع مذاهبهم اختلفوا. فقال بعضهم: هذه العشرة تفضل و الثواب غيرها و هو قول الجبائي قال: لأنه لو كان الواحد ثوابا و كانت التسعة تفضلا لزم ان يكون الثواب دون التفضل و ذلك لا يجوز لأنه لو جاز ان يكون التفضل مساويا للثواب في الكثرة و الشرف لم يبق في التكليف فائدة أصلا فيصير عبثا و قبيحا و لما بطل ذلك علمنا ان الثواب يجب ان يكون أعظم في القدر و في التعظيم من التفضل. و قال آخرون: لا يبعد ان يكون الواحد من هذه التسعة ثوابا و تكون التسعة الباقية تفضلا الا ان ذلك الواحد يكون أوفر و أعظم و أعلى شأنا من التسعة الباقية. ـ

190

المسألة الرابعة: قال بعضهم: التقدير بالعشرة ليس المراد منه التحديد بل أراد الأضعاف مطلقا كقول القائل لئن أسديت الي معروفا لأكافئنك بعشر أمثاله و في الوعيد يقال: لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشرا و لا يريد التحديد فكذا هاهنا. و الدليل على انه لا يمكن حمله على التحديد قوله تعالى: مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنََابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اَللََّهُ يُضََاعِفُ لِمَنْ يَشََاءُ [البقرة: 261].

ثم قال تعالى: وَ مَنْ جََاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاََ يُجْزى‏ََ إِلاََّ مِثْلَهََا اي الاجزاء يساويها و يوازيها.

روى ابو ذر ان النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «ان اللّه تعالى قال الحسنة عشر او أزيد و السيئة واحدة او عفو فالويل لمن غلب آحاده أعشاره»

و

قال صلى اللّه عليه و آله و سلّم: «يقول اللّه إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة و ان لم يعملها فان عملها فعشر أمثالها و ان هم بسيئة فلا تكتبوها و ان عملها فسيئة واحدة»

و قوله: وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ اي لا ينقص من ثواب طاعتهم و لا يزاد على عقاب سيئاتهم في الآية سؤالات:

السؤال الاول: كفر ساعة كيف يوجب عقاب الأبد على نهاية التغليظ.

جوابه: انه كان الكافر على عزم انه لو عاش ابدا لبقي على ذلك الاعتقاد ابدا فلما كان ذلك العزم مؤبدا عوقب بعقاب الأبد خلاف المسلم المذنب فانه يكون على عزم الإقلاع عن ذلك الذنب فلا جرم كانت عقوبته منقطعة.

السؤال الثاني: اعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلا عن صيام ستين يوما و هو في كفارة الظهار و تارة جعل بدلا عن صيام ايام قلائل و ذلك يدل على ان المساواة غير معتبرة.

جوابه: ان المساواة انما تحصل بوضع الشرع و حكمه.

السؤال الثالث: إذا أحدث في رأس انسان موضحتين: وجب فيه ارشان فان رفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ازدادت الجناية و قل العقاب فالمساواة غير معتبرة.

و جوابه: ان ذلك من تعبدات الشرع و تحكماته.

السؤال الرابع: انه يجب في مقابلة تفويت اكثر كل واحد من الأعضاء دية كاملة ثم إذا قتله و فوت كل الأعضاء وجبت دية واحدة و ذلك يمتنع القول من رعاية المماثلة.

جوابه: انه من باب تحكمات الشريعة. و اللّه اعلم.

اعلم انه تعالى لما علم رسوله انواع دلائل التوحيد و الرد على القائلين بالشركاء و الأنداد و الاضداد و بالغ في تقرير اثبات التوحيد و الرد على القائلين بالشركاء و الأنداد و الاضداد و بالغ في تقرير اثبات التوحيد و النافين للقضاء و القدر ورد على اهل الجاهلية في أباطيلهم امره ان يختم الكلام بقوله: إِنَّنِي هَدََانِي رَبِّي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ و ذلك يدل على ان الهداية لا تحصل الا باللّه و انتصب دينا لوجهين: أحدهما: على البدل من محل صراط لان معناه هداني ربي صراطا مستقيما كما قال: وَ يَهْدِيَكَ صِرََاطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 2] و الثاني: ان يكون التقدير الزموا دينا و قوله: فيما قال صاحب «الكشاف» القيم فيعل من قام كسيد من ساد و هو ابلغ من القائم و قرا اهل الكوفة قيما مكسورة القاف خفيفة الياء قال الزجاج: هو مصدر بمعنى القيام كالصغر

191

و الكبر و الحول و الشبع و التأويل دينا ذا قيم و وصف الدين بهذا الوصف على سبيل المبالغة و قوله: مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ حَنِيفاً فقوله: مِلَّةَ بدل من قوله: دِيناً قِيَماً و حنيفا منصوب على الحال من ابراهيم و المعنى هداني ربي و عرفني ملة ابراهيم حال كونها موصوفة بالحنيفية ثم قال في صفة ابراهيم: وَ مََا كََانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ و المقصود منه الرد على المشركين.

اعلم انه تعالى كما عرفه الذين المستقيم عرفه كيف يقوم به و يؤديه فقوله: قُلْ إِنَّ صَلاََتِي وَ نُسُكِي /وَ مَحْيََايَ وَ مَمََاتِي لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ يدل على انه يؤديه مع الإخلاص و أكده بقوله: لاََ شَرِيكَ لَهُ و هذا يدل على انه لا يكفي في العبادات ان يؤتى بها كيف كانت بل يجب ان يؤتى بها مع تمام الإخلاص و هذا من أقوى الدلائل على ان شرط صحة الصلاة ان يؤتى بها مقرونة بالإخلاص.

اما قوله: وَ نُسُكِي فقيل المراد بالنسك الذبيحة بعينها يقول: من فعل كذا فعليه نسك اي دم يهريقه و جمع بين الصلاة و الذبح كما في قوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ اِنْحَرْ [الكوثر: 2]و روى ثعلب عن ابن الاعرابي انه قال: النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة و قيل: للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام و صفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث و على هذا التأويل فالنسك كل ما تقربت به الى اللّه تعالى الا ان الغالب عليه في العرف الذبح و قوله: وَ مَحْيََايَ وَ مَمََاتِي اي حياتي و موتي لله.

و اعلم انه تعالى قال: إِنَّ صَلاََتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيََايَ وَ مَمََاتِي لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ فاثبت كون الكل للّه و المحيا و الممات ليسا للّه بمعنى انه يؤتى بهما لطاعة اللّه تعالى فان ذلك محال بل معنى كونهما للّه انهما حاصلان بخلق اللّه تعالى فكذلك ان يكون كون الصلاة و النسك للّه مفسرا بكونهما واقعين بخلق اللّه و ذلك من ادل الدلائل على ان طاعات العبد مخلوقة للّه تعالى. و قرا نافع مَحْيََايَ ساكنة الياء و نصبها في مماتي و اسكان الياء في محياي شاذ غير مستعمل لان فيه جمعا بين ساكنين لا يلتقيان على هذا الحد في نثر و لا نظم و منهم من قال: انه لغة لبعضهم و حاصل الكلام انه تعالى امر رسوله ان يبين ان صلاته و سائر عباداته و حياته و مماته كلها واقعة بخلق اللّه تعالى و تقديره و قضاءه و حكمه ثم نص على انه لا شريك له في الخلق و التقدير: ثم يقول و بذلك أمرت اي و بهذا التوحيد أمرت.

ثم يقول: وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُسْلِمِينَ اي المستسلمين لقضاء اللّه و قدره و معلوم انه ليس أولا لكل مسلم، فيجب ان يكون المراد كونه أولا لمسلمي زمانه.

اعلم انه تعالى لما امر محمدا صلى اللّه عليه و آله و سلّم بالتوحيد المحض و هو ان يقول: إِنَّ صَلاََتِي وَ نُسُكِي الى قوله:

لاََ شَرِيكَ لَهُ امره بان يذكر ما يجري مجرى الدليل على صحة هذا التوحيد و تقريره من وجهين: الاول: ان‏

192

اصناف المشركين اربعة لان عبدة الأصنام أشركوا باللّه و عبدة الكواكب أشركوا باللّه و القائلون: بيزدان و أهرمن و هم الذين قال اللّه في حقهم: وَ جَعَلُوا لِلََّهِ شُرَكََاءَ اَلْجِنَّ [الانعام: 100]أشركوا باللّه و القائلون: بان المسيح ابن اللّه و الملائكة بناته أشركوا ايضا باللّه فهؤلاء هم فرق المشركين و كلهم معترفون ان اللّه خالق الكل و ذلك لان عبدة الأصنام معترفون بان اللّه سبحانه هو الخالق للسموات و الأرض و لكل ما في العالم من الموجودات و هو الخالق للاصنام و الأوثان بأسرها. و اما عبدة الكواكب فهم معترفون بان اللّه خالقها و موجدها. و اما القائلون بيزدان و أهرمن فهم ايضا معترفون بان الشيطان محدث و ان محدثه هو اللّه سبحانه.

و اما القائلون بالمسيح و الملائكة فهم معترفون بان اللّه خالق الكل فثبت بما ذكرنا ان طوائف المشركين اطبقوا و اتفقوا على ان اللّه خالق هؤلاء الشركاء.

إذا عرفت هذا فاللّه سبحانه قال له يا محمد: قُلْ أَ غَيْرَ اَللََّهِ أَبْغِي رَبًّا مع ان هؤلاء الذين اتخذوا ربا غير اللّه تعالى أقروا بان اللّه خالق تلك الأشياء و هل يدخل في العقل جعل المربوب شريكا للرب و جعل العبد شريكا للمولى و جعل المخلوق شريكا للخالق؟و لما كان الأمر كذلك ثبت بهذا الدليل ان اتخاذ رب غير اللّه تعالى قول فاسد و دين باطل.

الوجه الثاني: في تقرير هذا الكلام ان الموجود اما واجب لذاته و اما ممكن لذاته و ثبت ان الواجب لذاته واحد فثبت ان ما سواه ممكن لذاته و ثبت ان الممكن لذاته لا يوجد الا بإيجاد الواجب لذاته و إذا كان الأمر كذلك كان تعالى ربا لكل شي‏ء.

و إذا ثبت هذا فنقول: صريح العقل يشهد بانه لا يجوز جعل المربوب شريكا للرب و جعل المخلوق شريكا للخالق فهذا هو المراد من قوله: قُلْ أَ غَيْرَ اَللََّهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ثم انه تعالى لما بين بهذا الدليل القاهر القاطع هذا التوحيد بين انه لا يرجع اليه من كفرهم و شركهم ذم و لا عقاب فقال: وَ لاََ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاََّ عَلَيْهََا و معناه ان اثم الجاني عليه لا على غيره وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ اي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم اخرى ثم بين تعالى ان رجوع هؤلاء المشركين الى موضع لا حاكم فيه و لا آمر الا اللّه تعالى فهو قوله: ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ .

اعلم ان في قوله: جَعَلَكُمْ خَلاََئِفَ اَلْأَرْضِ وجوها: أحدها: جعلكهم خلائف الأرض لان محمدا عليه الصلاة و السلام خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم. و ثانيها: جعلهم يخلف بعضهم بعضا. و ثالثها: انهم خلفاء اللّه في ارضه يملكونها و يتصرفون فيها.

ثم قال: وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجََاتٍ في الشرف و العقل و المال و الجاه و الرزق و اظهار هذا التفاوت ليس لأجل العجز و الجهل و البخل فانه تعالى متعال عن هذه الصفات و انما هو لأجل الابتلاء

193

و الامتحان و هو المراد من قوله: لِيَبْلُوَكُمْ فِي مََا آتََاكُمْ و قد ذكرنا ان حقيقة الابتلاء و الامتحان على اللّه محال الا ان المراد هو التكليف و هو عمل لو صدر من الواحد منا لكان ذلك شبيها بالابتلاء و الامتحان فسمى لهذا الاسم لأجل هذه المشابهة ثم ان هذا المكلف اما ان يكون مقصرا فيما كلف به و اما ان يكون موفرا فيه فان كان الاول كان نصيبه من التخويف و الترهيب و هو قوله: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ اَلْعِقََابِ و وصف العقاب بالسرعة لان ما هو آت قريب و ان كان الثاني و هو ان يكون موفرا في تلك الطاعات كان نصيبه من التشريف و الترغيب هو قوله: وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ اي يغفر الذنوب و يستر العيوب في الدنيا بستر فضله و كرمه و رحمته و في الآخرة بان يفيض عليه انواع نعمه و هذا الكلام بلغ في شرح الاعذار و الإنذار و الترغيب و الترهيب الى حيث لا يمكن الزيادة عليه و هذا آخر الكلام في تفسير سورة الانعام و الحمد للّه الملك العلام.

194

بسم اللّه الرحمن الرحيم

سورة الأعراف‏

مكية الا من آية: 163 الى غاية آية 170 فمدنية و آياتها 206 نزلت بعد ص

في قوله تعالى المص كتاب أنزل إليك‏ في الآية مسائل:

المسألة الاولى: قال ابن عباس المص انا اللّه افصل و عنه ايضا: انا اللّه اعلم و افصل: قال الواحدي:

و على هذا التفسير فهذه الحروف واقعة في موضع جمل و الجمل إذا كانت ابتداء و خيرا فقط لا موضع لها من الاعراب فقوله: انا اللّه اعلم لا موضع لها من الاعراب فقوله: «انا» مبتدا و خبره قوله: «اللّه» و قوله:

«اعلم» خبر بعد خبر و إذا كان المعنى المص انا اللّه اعلم كان اعرابها كاعراب الشي‏ء الذي هو تاويل لها، و قال السدي: المص على هجاء قولنا في اسماء اللّه تعالى انه المصور. قال القاضي: ليس هذا اللفظ على قولنا: انا اللّه افصل اولى من حمله على قوله: انا اللّه أصلح انا اللّه امتحن انا اللّه الملك لأنه ان كانت العبرة بحرف الصاد فهو/موجود في قولنا انا اللّه أصلح و ان كانت العبرة بحرف الميم فكما انه موجود في العلم فهو ايضا موجود في الملك و الامتحان فكان حمل قولنا: المص على ذلك المعنى بعينه محض التحكم و ايضا فان جاء تفسير الألفاظ بناء على ما فيها من الحروف من غير ان تكون تلك اللفظة موضوعة في اللغة لذلك المعنى انفتحت طريقة الباطنية في تفسير سائر ألفاظ القرآن بما يشاكل هذا الطريق. و اما قول بعضهم: انه من اسماء اللّه تعالى فابعد لأنه ليس جعله اسما للّه تعالى اولى من جعله اسما لبعض رسله من الملائكة او الأنبياء لان الاسم انما يصير اسما للمسمى بواسطة الوضع و الاصطلاح و ذلك مفقود هاهنا بل الحق ان قوله: المص اسم لقب لهذه السورة و اسماء الألقاب لا تفيد فائدة في المسميات، بل هي قائمة مقام الإشارات و للّه تعالى ان يسمي هذه السورة بقوله: المص كما ان الواحد منا إذا حدث له ولد فانه يسميه بمحمد.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: المص مبتدا}و قوله: كِتََابٌ خبره و قوله: أُنْزِلَ إِلَيْكَ صفة لذلك الخبر: اي السورة المسماة بقولنا: المص‏`كِتََابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ .

فان قيل: الدليل الذي دل على صحة نبوة محمد صلى اللّه عليه و آله و سلّم هو ان اللّه تعالى خصه بانزال هذا القرآن عليه فما لم‏

195

نعرف هذا المعنى لا يمكننا ان نعرف نبوته و ما لم نعرف نبوته لا يمكننا ان نحتج بقوله فلو أثبتنا كون هذه السورة نازلة عليه من عند اللّه بقوله: لزم الدور.

قلنا: نحن بمحض العقل نعلم ان هذه السورة كتاب انزل اليه من عند اللّه. و الدليل عليه انه عليه الصلاة و السلام ما تلمذ لأستاذ و لا تعلم من معلم و لا طالع كتابا و لم يخالط العلماء و الشعراء و اهل الاخبار و انقضى من عمره أربعون سنة و لم يتفق له شي‏ء من هذه الأحوال ثم بعد انقضاء الأربعين ظهر عليه هذا الكتاب العزيز المشتمل على علوم الأولين و الآخرين و صريح العقل يشهد بان هذا لا يكون الا بطريق الوحي من عند اللّه تعالى. فثبت بهذا الدليل العقلي ان المص كتاب انزل على محمد صلى اللّه عليه و آله و سلّم من عند ربه و إلهه.

المسألة الثانية: احتج القائلون بخلق القرآن بقوله: كِتََابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ قالوا انه تعالى وصفه بكونه منزلا و الإنزال يقتضي الانتقال من حال الى حال و ذلك لا يليق بالقديم فدل على انه محدث.

و جوابه: ان الموصوف بالإنزال و التنزيل على سبيل المجاز هو هذه الحروف و لا نزاع في كونها محدثه مخلوقة. و اللّه اعلم.

فان قيل: فهب ان المراد منه الحروف الا ان الحروف أعراض غير باقية بدليل انها متوالية/و كونها متوالية يشعر بعدم بقائها و إذا كان كذلك فالعرض الذي لا يبقى زمانين كيف يعقل وصفه بالنزول.

و الجواب: انه تعالى أحدث هذه الرقوم و النقوش في اللوح المحفوظ ثم ان الملك يطالع تلك النقوش و ينزل من السماء الى الأرض و يعلم محمدا تلك الحروف و الكلمات فكان المراد بكون تلك الحروف نازلة هو ان مبلغها نزل من السماء الى الأرض بها.

المسألة الثالثة: الذين اثبتوا للّه مكانا تمسكوا بهذه الآية فقالوا: ان كلمة «من» لابتداء الغاية و كلمة «الى» لانتهاء الغاية فقوله: أُنْزِلَ إِلَيْكَ يقتضي حصول مسافة مبدؤها هو اللّه تعالى و غايتها محمد و ذلك يدل على انه تعالى مختص بجهة فوق لان النزول هو الانتقال من فوق الى أسفل.

و جوابه: لما ثبت بالدلائل القاهرة ان المكان و الجهة على اللّه تعالى محال وجب حمله على التأويل الذي ذكرناه و هو ان الملك انتقل به من العلو الى أسفل.

ثم قال تعالى: فَلاََ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ و في تفسير الحرج قولان: الاول: الحرج الضيق و المعنى: لا يضيق صدرك بسبب ان يكذبوك في التبليغ. و الثاني: فَلاََ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ اي شك منه كقوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ [يونس: 94]و سمي الشك حرجا لان الشاك ضيق الصدر حرج الصدر كما ان المتيقن منشرح الصدر منفسح القلب.

ثم قال تعالى: لِتُنْذِرَ بِهِ هذه «اللام» بما ذا تتعلق؟فيه اقوال: الاول: قال الفراء: انه متعلق بقوله:

أُنْزِلَ إِلَيْكَ على التقديم و التأخير و التقدير: كتاب انزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه.

فان قيل: فما فائدة هذا التقديم و التأخير؟.

قلنا: لان الاقدام على الإنذار و التبليغ لا يتم و لا يكمل الا عند زوال الحرج عن الصدر فلهذا السبب‏

196

امره اللّه تعالى بازالة الحرج عن الصدر ثم امره بعد ذلك بالإنذار و التبليغ. الثاني: قال ابن الأنباري: اللام هاهنا بمعنى: كي. و التقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تنذر غيرك. الثالث: قال صاحب «النظم» : اللام هاهنا: بمعنى: ان. و التقدير: لا يضق صدرك و لا يضعف عن ان تنذر به و العرب تضع هذه اللام في موضع «ان» قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ [التوبة: 32]و في موضع أخر يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا [الصف: 8]و هما بمعنى واحد: و الرابع: تقدير الكلام: ان هذا الكتاب أنزله اللّه عليك و إذا علمت انه تنزيل اللّه تعالى فاعلم انه عناية اللّه معك و إذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج لان من كان اللّه حافظا له و ناصرا لم يخف أحدا و إذا زال الخوف/و الضيق عن القلب فاشتغل بالإنذار و التبليغ و التذكير اشتغال الرجال الابطال و لا تبال بأحد من اهل الزيغ و الضلال و الابطال.

ثم قال: وَ ذِكْرى‏ََ لِلْمُؤْمِنِينَ قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين: قال الزجاج: و هو اسم في موضع المصدر. قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة و في محل ذكرى من الاعراب وجوه قال الفراء: يجوز ان يكون في موضع نصب على معنى: لتنذر به و لتذكر و يجوز ان يكون رفعا بالرد على قوله: كِتََابٌ و التقدير:

كتاب حق و ذكرى و يجوز ايضا ان يكون التقدير و هو ذكرى و يجوز ان يكون خفضا لان معنى لِتُنْذِرَ بِهِ لان تنذر به فهو في موضع خفض لان المعنى للانذار و الذكرى.

فان قيل: لم قيد هذه الذكرى بالمؤمنين.

قلنا: هو نظير قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]و البحث العقلي فيه ان النفوس البشرية على قسمين: نفوس بليدة جاهلية بعيدة عن عالم الغيب غريقة في طلب اللذات الجسمانية و الشهوات الجسدانية و نفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة بالحوادث الروحانية فبعثة الأنبياء و الرسل في حق القسم الاول إنذار و تخويف فإنهم لما غرقوا في نوم الغفلة و رقدة الجهالة احتاجوا الى موقظ يوقظهم و الى منبه ينبههم.

و اما في حق القسم الثاني فتذكير و تنبيه و ذلك لان هذه النفوس بمقتضى جواهرها الاصلية مستعدة للانجذاب الى عالم القدس و الاتصال بالحضرة الصمدية الا انه ربما غشيها غواش من عالم الجسم فيعرض لها نوع ذهول و غفلة فإذا سمعت دعوة الأنبياء و اتصل بها أنوار أرواح رسل اللّه تعالى تذكرت مركزها و أبصرت منشاها و اشتاقت الى ما حصل هنالك من الروح و الراحة و الريحان فثبت انه تعالى انما انزل هذا الكتاب على رسوله ليكون انذارا في حق طائفة و ذكرى في حق طائفة اخرى. و اللّه اعلم.

اعلم ان امر الرسالة انما يتم بالمرسل و هو اللّه سبحانه و تعالى و المرسل و هو الرسول و المرسل اليه و هو الامة فلما امر في الآية الاولى الرسول بالتبليغ و الإنذار مع قلب قوي و عزم/صحيح امر المرسل اليه و هم الامة بمتابعة الرسول فقال: اِتَّبِعُوا مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ و في الآية مسائل:

المسألة الاولى: قال الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب اللّه و سنة رسوله.

و اعلم ان قوله: اِتَّبِعُوا مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يتناول القرآن و السنة.

197

فان قيل: لما ذا قال: أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ و انما انزل على الرسول.

قلنا: انه منزل على الكل بمعنى انه خطاب للكل.

إذا عرفت هذا فنقول: هذه الآية تدل على ان تخصيص عموم القرآن بالقياس لا يجوز لان عموم القرآن منزل من عند اللّه تعالى. و اللّه تعالى أوجب متابعته فوجب العمل بعموم القرآن و لما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس و الا لزم التناقض.

فان قالوا: لما ورد الأمر بالقياس في القرآن و هو قوله: فَاعْتَبِرُوا [الحشر: 2]كان العمل بالقياس عملا بما انزل اللّه.

قلنا: هب انه كذلك الا انا نقول: الآية الدالة على وجوب العمل بالقياس انما تدل على الحكم المثبت بالقياس لا ابتداء بل بواسطة ذلك القياس. و اما عموم القرآن فانه يدل على ثبوت ذلك الحكم ابتداء لا بواسطة و لما وقع التعارض كان الذي دل عليه ما أنزله اللّه ابتداء اولى بالرعاية من الحكم الذي دل عليه ما أنزله اللّه بواسطة شي‏ء آخر فكان الترجيح من جانبنا. و اللّه اعلم.

المسألة الثانية: قوله تعالى: وَ لاََ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ قالوا معناه و لا تتولوا من دونه اولياء من شياطين الجن و الانس فيحملوكم على عبادة الأوثان و الأهواء و البدع. و لقائل ان يقول: الآية تدل على ان المتبوع اما ان يكون هو الشي‏ء الذي أنزله اللّه تعالى او غيره.

اما الاول: فهو الذي امر اللّه باتباعه.

و اما الثاني: فهو الذي نهى اللّه عن اتباعه فكان المعنى ان كل ما يغاير الحكم الذي أنزله اللّه تعالى فانه لا يجوز اتباعه.

إذا ثبت هذا فنقول: ان نفاة القياس تمسكوا به في نفي القياس فقالوا الآية تدل على انه لا يجوز متابعة غير ما انزل اللّه تعالى و العمل بالقياس متابعة لغير ما أنزله اللّه تعالى فوجب ان لا يجوز.

فان قالوا: لما دل قوله: فَاعْتَبِرُوا على العمل بالقياس كان العمل بالقياس عملا بما أنزله اللّه تعالى أجيب عنه بان العمل بالقياس لو كان عملا بما أنزله اللّه تعالى لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافرا لقوله تعالى:

وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْكََافِرُونَ [المائدة: 44]و حيث أجمعت الامة على عدم التكفير علمنا ان العمل بحكم القياس ليس عملا بما أنزله اللّه تعالى: و حينئذ يتم الدليل.

و أجاب عنه مثبتو القياس: بان كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة و الإجماع دليل قاطع و ما ذكرتموه تمسك بظاهر العموم و هو دليل مظنون و القاطع اولى من المظنون.

و أجاب: الأولون بأنكم أثبتم ان الإجماع حجة بعموم قوله: وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ [النساء:

115]و عموم قوله: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة: 143]و عموم قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ [آل عمران: 110]و بعموم‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «لا تجتمع امتي على الضلالة»

و على هذا فاثبات كون الإجماع حجة فرع عن التمسك بالعمومات و الفرع لا يكون أقوى من الأصل. ـ

198

فأجاب مثبتو القياس: بان الآيات و الأحاديث و الإجماع لما تعاضدت في اثبات القياس قويت القوة و حصل الترجيح. و اللّه اعلم.

المسألة الثالثة: الحشوية الذين ينكرون النظر العقلي و البراهين العقلية تمسكوا بهذه الآية و هو بعيد لان العلم بكون القرآن حجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فلو جعلنا القرآن طاعنا في صحة الدلائل العقلية لزم التناقض و هو باطل.

المسألة الرابعة: قرا ابن عامر قليلا ما يتذكرون بالياء تارة و التاء اخرى و قرا حمزة و الكسائي و حفص عن عاصم بالتاء و تخفيف الذال و الباقون بالتاء و تشديد الذال. قال الواحدي رحمه اللّه: تَذَكَّرُونَ أصله تتذكرون فأدغم تاء تفعل في الذال لان التاء مهموسة و الذال مجهورة و المجهور أزيد صوتا من المهموس فحسن ادغام الأنقص في الأزيد و ما موصولة بالفعل و هي معه بمنزلة المصدر فالمعنى: قليلا تذكركم و اما قراءة ابن عامر يتذكرون بياء و تاء فوجهها ان هذا خطاب للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم اي قليلا ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب و اما قراءة حمزة و الكسائي و حفص خفيفة الذال شديدة الكاف فقد حذفوا التاء التي ادغمها الأولون و ذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة و اللّه اعلم. قال صاحب «الكشاف» : و قرا مالك بن دينار و لا تبتغوا من الابتغاء من قوله تعالى: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاََمِ دِيناً [آل عمران: 85].

قوله تعالى وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا فَجََاءَهََا بَأْسُنََا بَيََاتاً اعلم انه تعالى لما امر الرسول عليه الصلاة و السلام بالإنذار و التبليغ و امر القوم بالقبول و المتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة و الاعراض عنها من الوعيد و في الآية مسائل:

المسألة الاولى: قال الزجاج: موضع كَمْ رفع بالابتداء و خبره أَهْلَكْنََاهََا قال: و هو احسن من ان يكون في موضع نصب لان قولك زيد ضربته أجود من قولك زيدا ضربته و النصب جيد عربي ايضا كقوله تعالى: إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49].

المسألة الثانية: قيل: في الآية محذوف و التقدير: و كم من اهل قرية و يدل عليه وجوه: أحدها: قوله:

فَجََاءَهََا بَأْسُنََا و البأس لا يليق الا بالأهل. و ثانيها: قوله: أَوْ هُمْ قََائِلُونَ فعاد الضمير الى اهل القرية.

و ثالثها: ان الزجر و التحذير لا يقع للمكلفين الا باهلاكهم. و رابعها: ان معنى البيات و القائلة لا يصح الا فيهم.

فان قيل: فلما ذا قال أهلكناها؟أجابوا بانه تعالى رد الكلام على اللفظ دون المعنى كقوله تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ [الطلاق: 8]فرده على اللفظ ثم قال: أَعَدَّ اَللََّهُ لَهُمْ [الطلاق: 10]فرده على المعنى دون اللفظ و لهذا السبب قال الزجاج: و لو قال فجاءهم بأسنا لكان صوابا و قال بعضهم: لا محذوف في الآية و المراد إهلاك نفس القرية لان في اهلاكها بهدم او خسف او غيرهما إهلاك من فيها و لان على هذا التقدير يكون قوله: فَجََاءَهََا بَأْسُنََا محمولا على ظاهره و لا حاجة فيه الى التأويل.

المسألة الثالثة: لقائل ان يقول: قوله: وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا فَجََاءَهََا بَأْسُنََا يقتضي ان يكون الإهلاك متقدما على مجي‏ء البأس‏

199

و ليس الأمر كذلك فانّ مجي‏ء البأس مقدم على الإهلاك و العلماء أجابوا عن هذا السؤال من وجوه: الاول: المراد بقوله: أَهْلَكْنََاهََا اي حكمنا بهلاكها فجاءها بأسنا. و ثانيها: كم من قرية أردنا اهلاكها فجاءها بأسنا كقوله تعالى: إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: 6] و ثالثها: انه لو قال و كم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا لم يكن السؤال واردا فكذا هاهنا لأنه تعالى عبر عن ذلك الإهلاك بلفظ البأس. فان قالوا: السؤال باق لان الفاء في قوله: فَجََاءَهََا بَأْسُنََا فاء التعقيب و هو يوجب المغايرة.

فنقول: الفاء قد تجي‏ء بمعنى التفسير

كقوله عليه الصلاة و السلام: «لا يقبل اللّه صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه و يديه»

فالفاء في قوله فيغسل للتفسير لان غسل الوجه و اليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعة فكذلك هاهنا البأس جار مجرى التفسير لذلك الإهلاك لان الإهلاك قد يكون بالموت المعتاد و قد يكون بتسليط البأس و البلاء عليهم فكان ذكر البأس تفسيرا لذلك الإهلاك. الرابع: قال الفراء: لا يبعد ان يقال البأس و الهلاك يقعان معا كما يقال: اعطيتني فأحسنت و ما كان الإحسان بعد الإعطاء/و لا قبله و انما وقعا معا فكذا هاهنا و قوله: بَيََاتاً قال الفراء يقال: بات الرجل يبيت بيتا و ربما قالوا بياتا قالوا: و سمي البيت لأنه يبات فيه. قال صاحب «الكشاف» : قوله: بَيََاتاً مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين و قوله:

أَوْ هُمْ قََائِلُونَ فيه بحثان:

البحث الاول: انه حال معطوفة على قوله: بَيََاتاً كأنه قيل: فجاءها بأسنا بائتين او قائلين. قال الفراء:

و فيه و او مضمرة و المعنى: أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا او و هم قائلون الا انهم استثقلوا الجمع بين حرفي العطف و لو قيل: كان صوابا و قال الزجاج: انه ليس بصواب لان و او الحال قريبة من و او العطف فالجمع بينهما يوجب الجمع بين المثلين و انه لا يجوز و لو قلت: جاءني زيد راجلا و هو فارس لم يحتج فيه الى و او العطف.

البحث الثاني: كلمة «او» دخلت هاهنا بمعنى انهم جاءهم بأسنا مرة ليلا و مرة نهارا و في القيلولة قولان:

قال الليث: القيلولة نومة نصف النهار. و قال الازهري: القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر و ان لم يكن مع ذلك نوم و الدليل عليه: ان الجنة لا نوم فيها و اللّه تعالى يقول: أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلاً [الفرقان: 24]و معنى الآية انهم جاءهم بأسنا و هم غير متوقعين له اما ليلا و هم نائمون او نهارا و هم قائلون و المقصود: انهم جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من غير تقدم امارة تدلهم على نزول ذلك العذاب فكأنه قيل: للكفار لا تغتروا بأسباب الأمن و الراحة و الفراغ فان عذاب اللّه إذا وقع وقع دفعة من غير سبق امارة فلا تغتروا بأحوالكم.

ثم قال تعالى: فَمََا كََانَ دَعْوََاهُمْ إلى آخر الآية قال اهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الادعاء و مقام الدعاء. حكى سيبويه: اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين و دعوى المسلمين. قال ابن عباس: فما كان تضرعهم إذ جاءهم بأسنا الا ان قالوا انا كنا ظالمين فأقروا على أنفسهم بالشرك. قال ابن الأنباري: فما كان قولهم إذ جاءهم بأسنا الا الاعتراف بالظلم و الإقرار بالإساءة و قوله: إِلاََّ أَنْ قََالُوا الاختيار عند النحويين ان يكون موضع (ان) رفعا بكان و يكون قوله: دَعْوََاهُمْ نصبا كقوله: فَمََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ إِلاََّ أَنْ قََالُوا* [النمل: 56]و قوله:

فَكََانَ عََاقِبَتَهُمََا أَنَّهُمََا فِي اَلنََّارِ [الحشر: 17]و قوله: مََا كََانَ حُجَّتَهُمْ إِلاََّ أَنْ [الجاثية: 25]قال و يجوز ان‏

200

يكون ايضا على الضد من هذا بان يكون الدعوى رفعا و أَنْ قََالُوا نصبا كقوله تعالى: لَيْسَ اَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا [البقرة: 177]على قراءة من رفع البر و الأصل في هذا الباب انه إذا حصل بعد كلمة كان معرفتان فأنت بالخيار في رفع أيهما شئت و في نصب الاخر كقولك كان زيد أخاك و ان شئت كان زيدا أخوك. قال الزجاج:

الا ان الاختيار إذا جعلنا قوله: دَعْوََاهُمْ في موضع/رفع ان يقول: (فما كانت دعواهم) فلما قال: كََانَ دل على ان الدعوى في موضع نصب و يمكن ان يجاب عنه بانه يجوز تذكير الدعوى و ان كانت رفعا فتقول:

كان دعواه باطلا و باطلة و اللّه اعلم.

في الآية مسائل:

المسألة الاولى: في تقرير وجه النظم وجهان:

الوجه الاول: انه تعالى لما امر الرسل في الآية المتقدمة بالتبليغ و امر الامة بالقبول و المتابعة و ذكر التهديد على ترك القبول و المتابعة بذكر نزول العذاب في الدنيا اتبعه بنوع آخر من التهديد و هو انه تعالى يسال الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة.

الوجه الثاني: انه تعالى لما قال: فَمََا كََانَ دَعْوََاهُمْ إِذْ جََاءَهُمْ بَأْسُنََا إِلاََّ أَنْ قََالُوا إِنََّا كُنََّا ظََالِمِينَ [الأعراف: 5]اتبعه بانه لا يقع يوم القيامة الاقتصار على ما يكون منهم من الاعتراف بل ينضاف اليه انه تعالى يسال الكل عن كيفية أعمالهم و بين ان هذا السؤال لا يختص باهل العقاب بل هو عام في اهل العقاب و اهل الثواب.

المسألة الثانية: اَلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ هم الامة و المرسلون هم الرسل فبين تعالى انه يسال هذين الفريقين و نظير هذه الآية قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏`عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92].

و لقائل ان يقول: المقصود من السؤال ان يخبر المسؤول عن كيفية اعماله فلما اخبر اللّه عنهم في الآية المتقدمة انهم يقرون بأنهم كانوا ظالمين فما الفائدة في ذكر هذا السؤال بعده؟و ايضا قال تعالى بعد هذه الآية:

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ فإذا كان يقصه عليهم بعلم فما معنى هذا السؤال.

و الجواب: انهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم و التقصير و المقصود منه التقريع و التوبيخ.

فان قيل: فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بانه لم يصدر عنهم تقصير البتة؟ قلنا: لأنهم إذا اثبتوا انه لم يصدر عنهم تقصير البتة التحق التقصير بكلية بالأمة فيتضاعف/إكرام اللّه في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير و يتضاعف اسباب الخزي و الاهانة في حق الكفار لما ثبت ان كل التقصير كان منهم.

ثم قال تعالى: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ و المراد انه تعالى يكرر و يبين للقوم ما أعلنوه و اسروه من أعمالهم و ان يقص الوجوه التي لأجلها اقدموا على تلك الأعمال ثم بين تعالى انه انما يصح منه ان يقص‏

201

تلك الأحوال عليهم لأنه ما كان غائبا عن أحوالهم بل كان عالما بها و ما خرج عن علمه شي‏ء منها و ذلك يدل على ان الإلهية لا تكمل الا إذا كان الإله عالما بجميع الجزئيات حتى يمكنه ان يميز المطيع عن المعاصي و المحسن عن المسي‏ء فظهر ان كل من أنكر كونه تعالى عالما بالجزئيات امتنع منه الاعتراف بكونه تعالى آمرا ناهيا مثيبا معاقبا و لهذا السبب فانه تعالى أينما ذكر احوال البعث و القيامة بين كونه عالما بجميع المعلومات.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ يدل على انه تعالى عالم بالعلم و ان قوله من يقول:

انه لا علم للّه قوله باطل.

فان قيل: كيف الجمع بين قوله: فَلَنَسْئَلَنَّ اَلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ اَلْمُرْسَلِينَ و بين قوله:

فَيَوْمَئِذٍ لاََ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاََ جَانٌّ [الرحمن: 39]و قوله: وَ لاََ يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ اَلْمُجْرِمُونَ [القصص: 78].

قلنا فيه وجوه: أحدها: ان القوم لا يسألون عن الأعمال لان الكتب مشتملة عليها و لكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم الى الأعمال و عن الصوارف التي صرفتم عنها. و ثانيها: ان السؤال قد يكون لأجل الاسترشاد و الاستفادة و قد يكون لأجل التوبيخ و الاهانة كقول القائم الم أعطك و قوله تعالى: أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يََا بَنِي آدَمَ [يس: 60]قال الشاعر:

ا لستم خير من ركب المطايا

إذا عرفت هذا فنقول: انه تعالى لا يسال أحدا لأجل الاستفادة و الاسترشاد و يسألهم لأجل توبيخ الكفار و اهانتهم و نظيره قوله تعالى: وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ يَتَسََاءَلُونَ* [الصافات: 27]ثم قال: فَلاََ أَنْسََابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لاََ يَتَسََاءَلُونَ [المؤمنون: 101]فان الآية الاولى تدل على ان المسألة الحاصلة بينهم انما كانت على سبيل ان بعضهم يلوم بعضا و الدليل عليه قول: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ يَتَلاََوَمُونَ [القلم: 30] و قوله: فَلاََ أَنْسََابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لاََ يَتَسََاءَلُونَ معناه انه لا يسال بعضهم بعضا على سبيل الشفقة و اللطف لان النسب يوجب الميل و الرحمة و الإكرام.

و الوجه الثالث: في الجواب: ان يوم القيامة يوم طويل و مواقفها كثيرة فأخبر عن بعض الأوقات بحصول السؤال و عن بعضها بعدم السؤال.

المسألة الرابعة: الآية تدل على انه تعالى يحاسب كل عباده لأنهم لا يخرجون عن ان يكونوا رسلا او مرسلا إليهم و يبطل قول من يزعم انه لا حساب على الأنبياء و الكفار.

المسألة الخامسة: الآية تدل على كونه تعالى متعاليا عن المكان و الجهة لأنه تعالى قال: وَ مََا كُنََّا غََائِبِينَ و لو كان تعالى على العرش لكان غائبا عنا.

فان قالوا: نحمله على انه تعالى ما كان غائبا عنهم بالعلم و الاحاطة.

قلنا: هذا تاويل و الأصل في الكلام حمله على الحقيقة.

فان قالوا: فأنتم لما قلتم انه تعالى غير مختص بشي‏ء من الاحياز و الجهات فقد قلتم ايضا بكونه غائبا.

قلنا: هذا باطل لان الغائب هو الذي يعقل ان يحضر بعد غيبة و ذلك مشروط بكونه مختصا بمكان‏

202

وجهة فاما الذي لا يكون مختصا بمكان وجهة و كان ذلك محالا في حقه امتنع وصفه بالغيبة و الحضور فظهر الفرق و اللّه اعلم.

قوله تعالى وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ اعلم انه تعالى لما بين في الآية الاولى ان من جملة احوال القيامة السؤال و الحساب بين في هذه الآية ان من جملة احوال القيامة ايضا وزن الأعمال و في الآية مسائل:

المسألة الاولى: اَلْوَزْنُ مبتدا و يَوْمَئِذٍ ظرف له و اَلْحَقُّ خبر المبتدا و يجوز ان يكون يَوْمَئِذٍ الخبر و اَلْحَقُّ صفة للوزن اي و الوزن الحق اي العدل يوم يسال اللّه الأمم و الرسل.

المسألة الثانية: في تفسير وزن الأعمال قولان: الاول: في الخبر انه تعالى ينصب ميزانا له لسان و كفتان يوم القيامة يوزن به اعمال العباد خيرها و شرها ثم قال ابن عباس: اما المؤمن فيؤتى بعمله في احسن صورة فتوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته فذلك قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ الناجون قال و هذا كما قال في سورة الأنبياء: وَ نَضَعُ/اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ فَلاََ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً [الأنبياء: 47]و اما كيفية وزن الأعمال على هذا القول ففيه وجوه: أحدهما: ان اعمال المؤمن تتصور بصورة حسنة و اعمال الكافر بصورة قبيحة فتوزن تلك الصورة: كما ذكره ابن عباس. و الثاني: ان الوزن يعود الى الصحف التي تكون فيها اعمال العباد مكتوبة و

سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم عما يوزن يوم القيامة فقال: «الصحف»

و هذا القول مذهب عامة المفسرين في هذه الآية و عن عبد اللّه بن سلام ان ميزان رب العالمين ينصب بين الجن و الانس يستقبل به العرش احدى كفتي الميزان على الجنة و الاخرى على جهنم و لو وضعت السماوات و الأرض في إحداهما لوسعتهن و جبريل آخذ بعموده ينظر الى لسانه و

عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم: «يؤتى برجل يوم القيامة الى الميزان و يؤتى له بتسعة و تسعين سجلا كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه و ذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالانملة فيه شهادة ان لا اله الا اللّه و ان محمدا عبده و رسوله يوضع في الاخرى فترجح»

و

عن الحسن: بينما الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم ذات يوم واضع رأسه في حجر عائشة رضى اللّه عنها قد اغفى فسالت الدموع من عينها فقال: «ما اصابك ما ابكاك؟» فقالت: ذكرت حشر الناس و هل يذكر احد أحدا فقال لها: «يحشرون حفاة عراة غرلا» لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: 37]لا يذكر احد أحدا عند الصحف و عند وزن الحسنات و السيئات،

و عن عبيد بن عمير يؤتى بالرجل العظيم الأكول الشروب فلا يكون له وزن بعوضة.

و القول الثاني: و هو قول مجاهد و الضحاك و الأعمش ان المراد من الميزان العدل و القضاء و كثير من المتأخرين ذهبوا الى هذا القول و قالوا حمل لفظ الوزن على هذا المعنى سائغ في اللغة و الدليل عليه فوجب المصير اليه. و اما بيان ان حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة فلان العدل في الأخذ و الإعطاء لا يظهر الا بالكيل و الوزن في الدنيا فلم يبعد جعل الوزن كناية عن العدل و مما يقوي ذلك ان الرجل إذا لم يكن له قدرة و لا قيمة عند غيره يقال: ان فلانا لا يقيم لفلان وزنا قال تعالى: فَلاََ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَزْناً

203

[الكهف: 105]و يقال ايضا فلان استخف بفلان، و يقال هذا الكلام في وزن هذا و في وزانه اي يعادله و يساويه مع انه ليس هناك وزن في الحقيقة قال الشاعر:

قد كنت قبل لقائكم ذا قوة # عندي لكل مخاصم ميزانه‏

أراد عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه فجعل الوزن مثلا للعدل.

إذا ثبت هذا فنقول: وجب ان يكون المراد من هذه الآية هذا المعنى فقط و الدليل عليه ان/الميزان انما يراد ليتوصل به الى معرفة مقدار الشي‏ء و مقادير الثواب و العقاب لا يمكن إظهارها بالميزان لان اعمال العباد أعراض و هي قد فنيت و عدمت و وزن المعدوم محال و ايضا فبتقدير بقائها كان وزنها محالا و اما قولهم الموزون صحائف الأعمال او صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال. فنقول: المكلف يوم القيامة اما ان يكون مقرا بانه تعالى عادل حكيم او لا يكون مقرا بذلك فان كان مقرا بذلك فحينئذ كفاه حكم اللّه تعالى بمقادير الثواب و العقاب في علمه بانه عدل و صواب و ان لم يكن مقرا بذلك لم يعرف من رجحان كفة الحسنات على كفة السيئات او بالعكس حصول الرجحان لاحتمال انه تعالى اظهر ذلك الرجحان لا على سبيل العدل و الإنصاف فثبت ان هذا الوزن لا فائدة فيه البتة أجاب الأولون و قالوا ان جميع المكلفين يعلمون يوم القيامة انه تعالى منزه عن الظلم و الجور و الفائدة في وضع ذلك الميزان ان يظهر ذلك الرجحان لأهل القيامة فان كان ظهور الرجحان في طرف الحسنات ازداد فرحه و سروره بسبب ظهور فضله و كمال درجته لأهل القيامة و ان كان بالضد فيزداد غمه و حزنه و خوفه و فضيحته في موقف القيامة ثم اختلفوا في كيفية ذلك الرجحان فبعضهم قال يظهر هناك نور في رجحان الحسنات و ظلمة في رجحان السيئات و آخرون قالوا بل بظهور رجحان في الكفة.

المسألة الثالثة: الأظهر اثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد و الدليل عليه قوله: وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ [الأنبياء: 47]و قال في هذه الآية: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ و على هذا فلا يبعد ان يكون لأفعال القلوب ميزان و لأفعال الجوارح ميزان و لما يتعلق بالقول ميزان آخر. قال الزجاج: انما جمع اللّه الموازين هاهنا فقال: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ و لم يقل ميزانه لوجهين: الاول: ان العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد فيقولون: خرج فلان الى مكة على البغال. و الثاني: ان المراد من الموازين هاهنا جمع موزون لا جمع ميزان و أراد بالموازين الأعمال الموزونة و لقائل ان يقول هذان الوجهان يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ و ذلك انما يصار اليه عند تعذر حمل الكلام على ظاهره و لا مانع هاهنا منه فوجب اجراء اللفظ على حقيقته فكما لم يمتنع اثبات ميزان له لسان و كفتان فكذلك لا يمتنع اثبات موازين بهذه الصفة فما الموجب لترك الظاهر و المصير الى التأويل.

و اما قوله تعالى: وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمََا كََانُوا بِآيََاتِنََا يَظْلِمُونَ .

اعلم ان هذه الآية فيها مسائل:

المسألة الاولى: انها تدل على ان اهل القيامة فريقان منهم من يزيد حسناته على سيئاته و منهم من يزيد سيئاته على حسناته فاما القسم الثالث: و هو الذي تكون حسناته و سيئاته متعادلة متساوية/فانه غير موجود.

المسألة الثانية: قال اكثر المفسرين المراد من قوله: وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ الكافر و الدليل عليه القرآن و الخبر و الأثر. اما القرآن فقوله تعالى: فَأُولََئِكَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمََا كََانُوا بِآيََاتِنََا يَظْلِمُونَ و لا معنى‏

204

لكون الإنسان ظالما بآيات اللّه الا كونه كافرا بها منكرا لها فدل هذا على ان المراد من هذه الآية اهل الكفر و اما الخبر فما

روي انه إذا خفت حسنات المؤمن اخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم من حجرته بطاقة كالانملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بابي أنت و امي ما احسن وجهك و احسن خلقك فمن أنت؟فيقول: «انا نبيك محمد و هذه صلاتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما تكون إليها» و هذا الخبر رواه الواحدي في «البسيط»

و اما

جمهور العلماء فرووا هاهنا الخبر الذي ذكرناه من انه تعالى يلقي في كفة الحسنات الكتاب المشتمل على شهادة ان لا اله الا اللّه و ان محمدا رسول اللّه.

قال القاضي: يجب ان يحمل هذا على انه اتى بالشهادتين بحقهما من العبادات لأنه لو لم يعتبر ذلك لكان من اتى بالشهادتين يعلم ان المعاصي لا تضره و ذلك إغراء بمعصية اللّه تعالى.

و لقائل ان يقول: العقل يدل على صحة ما دل عليه هذا الخبر و ذلك ان العمل كلما كان. اشرف و أعلى درجة وجب ان يكون اكثر ثوابا و معلوم ان معرفة اللّه تعالى و محبته أعلى شأنا و أعظم درجة من سائر الأعمال فوجب ان يكون اوفى ثوابا و أعلى درجة من سائر الأعمال. و اما الأثر فلان ابن عباس و اكثر المفسرين حملوا هذه الآية على اهل الكفر.

و إذا ثبت هذا الأصل فنقول: ان المرجئة الذين يقولون المعصية لا تضر مع الايمان تمسكوا بهذه الآية و قالوا انه تعالى حصر اهل موقف القيامة في قسمين: أحدهما: الذين رجحت كفة حسناتهم و حكم عليهم بالفلاح. و الثاني: الذين رجحت كفة سيئاتهم و حكم عليهم بأنهم اهل الكفر الذين كانوا يظلمون بآيات اللّه و ذلك يدل على ان المؤمن لا يعاقب البتة. و نحن نقول في الجواب: أقصى ما في الباب انه تعالى لم يذكر هذا القسم الثالث في هذه الآية الا انه تعالى ذكره في سائر الآيات فقال: وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* [النساء:

116]و المنطوق راجح على المفهوم فوجب المصير الى إثباته و ايضا فقال تعالى في هذا القسم: فَأُولََئِكَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ و نحن نسلم ان هذا لا يليق الا بالكافر و اما العاصي المؤمن فانه يعذب أياما ثم يعفى عنه و يتخلص الى رحمة اللّه تعالى فهو في الحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة اللّه ابد الآباد من غير زوال و انقطاع. و اللّه اعلم.

في الآية مسائل:

المسألة الاولى: اعلم انه تعالى لما امر الخلق بمتابعة الأنبياء عليهم السلام و بقبول دعوتهم ثم خوفهم بعذاب الدنيا و هو قوله: وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا [الأعراف: 4]ثم خوفهم بعذاب الآخرة من وجهين:

أحدهما: السؤال و هو قوله: فَلَنَسْئَلَنَّ اَلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [الأعراف: 6]و الثاني: بوزن الأعمال و هو قوله: وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ [الأعراف: 8]رغبهم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام في هذه الآية بطريق آخر و هو انه كثرت نعم اللّه عليهم و كثرة النعم توجب الطاعة فقال: وَ لَقَدْ مَكَّنََّاكُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ جَعَلْنََا لَكُمْ فِيهََا مَعََايِشَ فقوله: مَكَّنََّاكُمْ فِي اَلْأَرْضِ اي جعلنا لكم فيها مكانا و قرارا و مكناكم فيها و اقدرناكم على التصرف فيها و جعلنا لكم فيها معايش و المراد من المعايش: وجوه المنافع و هي على قسمين منها ما يحصل بخلق اللّه تعالى ابتداء مثل خلق السماء و غيرها و منها ما يحصل بالاكتساب و كلاهما في الحقيقة انما حصل‏

205

بفضل اللّه و اقداره و تمكينه فيكون الكل انعاما من اللّه تعالى و كثرة الانعام لا شك انها توجب الطاعة و الانقياد ثم بين تعالى انه مع هذا الإفضال و الانعام عالم بأنهم لا يقومون بشكره كما ينبغي فقال قَلِيلاً مََا تَشْكُرُونَ و هذا يدل على انهم قد يشكرون و الأمر كذلك و ذلك لان الإقرار بوجود الصانع كالامر الضروري اللازم لجبلة عقل كل عاقل و نعم اللّه على الإنسان كثيرة فلا انسان الا و يشكر اللّه تعالى في بعض الأوقات على نعمه انما التفاوت في ان بعضهم قد يكون كثير الشكر و بعضهم يكون قليل الشكر و بعضهم يكون قليل الشكر.

المسألة الثانية: روى خارجة عن نافع انه همز معائش قال الزجاج: جميع النحويين البصريين يزعمون ان همز معائش خطا و ذكروا انه انما يجوز جعل الياء همزة إذا كانت زائدة نحو صحيفة و صحائف فاما معايش فمن العيش و الياء اصلية و قراءة نافع لا اعرف لها وجها الا ان لفظة هذه الياء التي هي من نفس الكلمة اسكن في معيشة فصارت هذه الكلمة مشابهة لقولنا صحيفة فجعل قوله: مَعََايِشَ شبيها لقولنا صحائف فكما ادخلوا الهمزة في قولنا: -صحائف-فكذا في قولنا معائش على سبيل التشبيهة الا ان الفرق ما ذكرناه ان الياء في-معيشة اصلية و في-صحفيفة زائدة.

و في الآية مسائل:

المسألة الاولى: اعلم انه تعالى رغب الأمم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام بالتخويف أولا ثم بالترغيب ثانيا على ما بيناه و الترغيب انما كان لأجل التنبيه على كثرة نعم اللّه تعالى على الخلق فبدا في شرح تلك النعم بقوله: وَ لَقَدْ مَكَّنََّاكُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ جَعَلْنََا لَكُمْ فِيهََا مَعََايِشَ [الأعراف: 10]ثم اتبعه بذكر انه خلق أبانا آدم و جعله مسجودا للملائكة و الانعام على الأب يجري مجرى الانعام على الابن فهذا هو وجه النظم في هذه الآيات و نظيره انه تعالى قال في أول سورة البقرة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً فَأَحْيََاكُمْ [البقرة:

28]فمنع تعالى من المعصية بقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ و علل ذلك المنع بكثرة نعمه على الخلق و هو انهم في الأرض مسجودا للملائكة و المقصود من الكل تقرير ان مع هذه النعم العظيمة لا يليق بهم التمرد و الجحود فكذا في هذه السورة ذكر تعالى عين هذا المعنى بغير هذا الترتيب فهذا بيان وجه النظم على احسن الوجوه:

المسألة الثانية: اعلم انه تعالى ذكر قصة آدم عليه السلام مع قصة إبليس في القرآن في سبعة مواضع:

أولها: في سورة البقرة و ثانيها: في هذه السورة و ثالثها: في سورة الحجر و رابعها: في سورة بني اسرائيل و خامسها: في سورة الكهف و سادسها: في سورة طه و سابعها: في سورة ص.

إذا عرفت هذا فنقول: في هذه الآية سؤال و هو ان قوله تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنََاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنََاكُمْ يفيد ان المخاطب بهذا الخطاب نحن.

ثم قال بعده: ثُمَّ قُلْنََا لِلْمَلاََئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ و كلمة (ثم) تفيد التراخي فظاهر الآية يقتضي ان امر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا و تصويرنا و معلوم انه ليس الأمر كذلك فلهذا السبب اختلف الناس في‏

206

تفسير هذه الآية على اربعة اقوال: الاول: ان قوله: وَ لَقَدْ خَلَقْنََاكُمْ اي/خلقنا أباكم آدم و صورناكم اي صورنا آدم ثُمَّ قُلْنََا لِلْمَلاََئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ و هو قول الحسن و يوسف النحوي و هو المختار و ذلك لان امر الملائكة بالسجود لآدم تأخر عن خلق آدم و تصويره و لم يتأخر عن خلقنا و تصويرنا أقصى ما في الباب ان يقال: كيف يحسن جعل خلقنا و تصويرنا كناية عن خلق آدم و تصويره؟فنقول: ان آدم عليه السلام اصل البشر فوجب ان تحسن هذه الكناية نظيره قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنََا مِيثََاقَكُمْ وَ رَفَعْنََا فَوْقَكُمُ اَلطُّورَ* [البقرة: 63]اي ميثاق اسلافكم من بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام و يقال: قتلت بنو اسد فلانا و انما قتله أحدهم

قال عليه السلام ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل و انما قتله أحدهم‏

و قال تعالى مخاطبا لليهود في زمان محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم‏ وَ إِذْ أَنْجَيْنََاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [الأعراف: 141] وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً [البقرة: 72]و المراد من جميع هذه الخطابات أسلافهم فكذا هاهنا الثاني: ان يكون المراد من قوله: خَلَقْنََاكُمْ آدم ثُمَّ صَوَّرْنََاكُمْ اي صورنا ذرية آدم عليه السلام في ظهره ثم بعد ذلك قلنا للملائكة اسجدوا لآدم و هذا قول مجاهد فذكر انه تعالى خلق آدم أولا ثم اخرج أولاده من ظهره في صورة الذر ثم بعد ذلك امر الملائكة بالسجود لآدم.

الوجه الثالث: خلقناكم ثم صورناكم ثم انا نخبركم انا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فهذا العطف يفيد ترتيب خبر على خبر و لا يفيد ترتيب المخبر على المخبر.

و الوجه الرابع: ان الخلق في اللغة عبارة عن التقدير كما قررناه في هذا الكتاب و تقدير اللّه عبارة عن علمه بالأشياء و مشيئة لتخصيص كل شي‏ء بمقداره المعين فقوله: خَلَقْنََاكُمْ اشارة الى حكم اللّه و تقديره لإحداث البشر في هذا العالم و قوله صَوَّرْنََاكُمْ اشارة الى انه تعالى اثبت في اللوح المحفوظ صورة كل شي‏ء كائن محدث الى قيام الساعة على ما جاء في الخبر انه تعالى قال: اكتب ما هو كائن الى يوم القيامة فخلق اللّه عبارة عن حكمه و مشيئته و التصوير عبارة عن اثبات صور الأشياء في اللوح المحفوظ ثم بعد هذين الأمرين أحدث اللّه تعالى آدم و امر الملائكة بالسجود له و هذا التأويل عندي اقرب من سائر الوجوه المسألة الثالثة: ذكرنا في سورة البقرة ان هذه السجدة فيها ثلاثة اقوال: أحدها: ان المراد منها مجرد التعظيم لا نفس السجدة و ثانيها: ان المراد هو السجدة الا ان المسجود له هو اللّه تعالى فآدم كان كالقبلة و ثالثها: ان المسجود له هو آدم و ايضا ذكرنا ان الناس اختلفوا في ان الملائكة الذين أمرهم اللّه تعالى بالسجود لآدم هل هم ملائكة السموات و العرش او المراد ملائكة الأرض ففيه خلاف و هذه المباحث قد سبق ذكرها في سورة البقرة.

المسألة الرابعة: ظاهر الآية يدل على انه تعالى استثنى إبليس من الملائكة فوجب كونه منهم و قد استقصينا ايضا هذه المسألة في سورة البقرة و كان الحسن يقول: إبليس لم يكن من الملائكة لأنه خلق من نار و الملائكة من نور و الملائكة لا يستكبرون عن عبادته و لا يستحسرون و لا يعصون و ليس كذلك إبليس فقد عصى و استكبر و الملائكة ليسوا من الجن و إبليس من الجن و الملائكة رسل اللّه و إبليس ليس كذلك و إبليس أول خليفة الجن و أبوهم كما ان آدم صلى اللّه عليه و آله و سلم أول خليفة الانس و أبوهم قال الحسن: و لما كان إبليس

207

مأمورا مع الملائكة استثناه اللّه تعالى، و كان اسم إبليس شيئا آخر، فلما عصى اللّه تعالى سماه بذلك و كان مؤمنا عابدا في السماء حتى عصى ربه فأهبط الى الأرض.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم ان هذه الآية تدل على انه تعالى لما امر الملائكة بالسجود فإن ذلك الأمر قد تناول إبليس، و ظاهر هذا يدل على ان إبليس كان من الملائكة، الا ان الدلائل التي ذكرناها تدل على ان الأمر ليس كذلك و اما الاستثناء فقد أجبنا عنه في سورة البقرة.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يقتضي انه تعالى، طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود، و ليس الأمر كذلك فإن المقصود طلب ما منعه من السجود، و لهذا الأشكال حصل في الآية قولان:

القول الأول: و هو المشهور ان كلمة (لا) صلة زائدة، و التقدير: ما منعك ان تسجد؟و له نظائر في القرآن كقوله: لاََ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ [القيامة: 1]معناه: اقسم. و قوله: وَ حَرََامٌ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا أَنَّهُمْ لاََ يَرْجِعُونَ [الأنبياء: 95]اي يرجعون. و قوله: لِئَلاََّ يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ [الحديد: 29]. اي ليعلم اهل الكتاب و هذا قول الكسائي، و الفراء، و الزجاج، و الأكثرين.

و القول الثاني: ان كلمة (لا) هاهنا مفيدة و ليست لغوا و هذا هو الصحيح، لأن الحكم/بأن كلمة من كتاب اللّه لغو لا فائدة فيها مشكل صعب، و على هذا القول ففي تأويل الآية و جهان: الأول: ان يكون التقدير: اي شي‏ء منعك عن ترك السجود؟و يكون هذا الاستفهام على سبيل الإنكار و معناه: انه ما منعك عن ترك السجود؟كقول القائل لمن ضربه ظلما: ما الذي منعك من ضربي، ا دينك، أم عقلك، أم حياؤك؟!و المعنى:

انه لم يوجد احد هذه الأمور، و ما امتنعت من ضربي. الثاني: قال القاضي: ذكر اللّه المنع و أراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك اللّه الى ان لا تسجد؟لأن مخالفة امر اللّه تعالى حالة عظيمة يتعجب منها و يسأل عن الداعي إليها.

المسألة الثالثة: احتج العلماء بهذه الآية على ان صيغة الأمر تفيد الوجوب، فقالوا: انه تعالى ذم إبليس بهذه الآية على ترك ما امر به و لو لم يفد الأمر الوجوب لما كان مجرد ترك المأمور به موجبا للذم فإن قالوا: هب ان هذه الآية تدل على ان ذلك الأمر كان يفيد الوجوب، فلعل تلك الصيغة في ذلك الأمر كانت تفيد الوجوب فلم قلتم ان جميع الصيغ يجب ان تكون كذلك؟ قلنا: قوله تعالى: مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ يفيد تعليل ذلك الذم بمجرد ترك الأمر، لأن قوله:

إِذْ أَمَرْتُكَ مذكور في معرض التعليل، و المذكور في قوله: إِذْ أَمَرْتُكَ هو الأمر من حيث انه امر لا كونه امرا مخصوصا في صورة مخصوصة، و إذا كان كذلك، وجب ان يكون ترك الأمر من حيث انه امر موجبا للذم، و ذلك يفيد ان كل امر فإنه يقتضي الوجوب و هو المطلوب.

المسألة الرابعة: احتج من زعم ان الأمر يفيد الفور بهذه الآية قال: انه تعالى ذم إبليس على ترك السجود

208

في الحال و لو كان الأمر لا يفيد الفور لما استوجب هذا الذم بترك السجود في الحال.

المسألة الخامسة: اعلم ان قوله تعالى: مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ طلب الداعي الذي دعاه الى ترك السجود فحكى تعالى عن إبليس ذكر ذلك الداعي و هو انه قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ و معناه: ان إبليس قال انما لم اسجد لآدم لأني خير منه و من كان خيرا من غيره فانه لا يجوز امر ذلك الأكمل بالسجود لذلك الأدون!ثم بين المقدمة الاولى و هو قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ بأن قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ و النار أفضل من الطين و المخلوق من الأفضل أفضل فوجب كون إبليس خيرا من آدم. اما بيان ان النار أفضل من الطين فلان النار مشرق علوي لطيف خفيف/حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها و الطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن مجاورة السموات و ايضا فالنار مناسبة للحرارة الغريزية و هي مادة الحياة و اما الارضية و البرد و اليبس فهما مناسبان الموت و الحياة اشرف من الموت و ايضا فنضج الثمار متعلق بالحرارة و ايضا فسن النمو من النبات لما كان وقت كمال الحرارة كان غاية كمال الحيوان حاصلا في هذين الوقتين و اما وقت الشيخوخة فهو وقت البرد و اليبس المناسب للارضية لا جرم كان هذا الوقت اردا اوقات عمر الإنسان فأما بيان ان المخلوق من الأفضل أفضل فظاهر لان شرف الأصول يوجب شرف الفروع. و اما بيان ان الأشراف لا يجوز ان يؤمر بخدمة الأدون فلانة قد تقرر في العقول ان من امر أبا حنيفة و الشافعي و سائر أكابر الفقهاء بخدمة فقيه نازل الدرجة كان ذلك قبيحا في العقول فهذا هو تقرير لشبهة إبليس.

فنقول: هذه الشبهة مركبة من مقدمات ثلاثة. أولها: ان النار أفضل من التراب فهذا قد تكلمنا فيه في سورة البقرة. و اما المقدمة الثانية: و هي ان من كانت مادته أفضل فصورته أفضل فهذا هو محل النزاع و البحث لأنه لما كانت الفضيلة عطية من اللّه ابتداء لم يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة ا لا ترى انه يخرج الكافر من المؤمن و المؤمن من الكافر و النور من الظلمة و الظلمة من النور و ذلك يدل على ان الفضيلة لا تحصل الا بفضل اللّه تعالى لا بسبب فضيلة الأصل و الجوهر و ايضا التكليف انما يتناول الحي بعد انتهائه الى حد كمال العقل فالمعتبر بما انتهى اليه لا بما خلق منه و ايضا فالفضل انما يكون بالأعمال و ما يتصل بها لا بسبب المادة الا ترى ان الحبشي المؤمن مفضل على القرشي الكافر.

المسألة السادسة: احتج من قال انه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس بأنه لو كان تخصيص عموم النص بالقياس جائزا لما استوجب إبليس هذا الذم الشديد و التوبيخ العظيم و لما حصل ذلك دل على ان تخصيص عموم النص بالقياس لا يجوز و بيان الملازمة ان قوله تعالى للملائكة: اُسْجُدُوا لِآدَمَ [الأعراف:

11]خطاب عام يتناول جميع الملائكة ثم ان إبليس اخرج نفسه من هذا العموم بالقياس و هو انه مخلوق من النار و النار اشرف من الطين و من كان أصله اشرف فهو اشرف فيلزم كون إبليس اشرف من آدم عليه السلام و من كان اشرف من غيره فانه لا يجوز ان يؤمر بخدمة الأدون الأدنى. و الدليل عليه ان هذا الحكم ثابت في جميع النظائر و لا معنى للقياس الا ذلك فثبت ان إبليس ما عمل في هذه الواقعة شيئا الا انه خصص عموم قوله تعالى/للملائكة: اُسْجُدُوا لِآدَمَ بهذا القياس فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا لوجب ان لا يستحق إبليس الذم على هذا العمل و حيث استحق الذم الشديد عليه علمنا ان تخصيص النص بالقياس لا

209

يجوز و ايضا ففي الآية دلالة على صحة هذه المسألة من وجه آخر و ذلك لان إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى: فَاهْبِطْ مِنْهََا فَمََا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهََا [الأعراف: 13]فوصف تعالى إبليس بكونه متكبرا بعد ان حكى عنه ذلك القياس الذي يوجب تخصيص النص و هذا يقتضي ان من حاول تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على اللّه و لما دلت هذه الآية على ان تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على اللّه و دلت هذه الآية على ان التكبر على اللّه يوجب العقاب الشديد و الإخراج من زمرة الأولياء و الإدخال في زمرة الملعونين ثبت ان تخصيص النص بالقياس لا يجوز و هذا هو المراد مما نقله الواحدي في «البسيط» عن ابن عباس انه قال:

كانت الطاعة اولى بإبليس من القياس فعصى ربه و قاس و أول من قاس إبليس فكفر بقياسه فمن قاس الدين بشي‏ء من رأيه قرنه اللّه مع إبليس. هذا جملة الألفاظ التي نقلها الواحدي في «البسيط» عن ابن عباس.

فان قيل: القياس الذي يبطل النص بالكلية باطل.

اما القياس الذي يخصص النص في بعض الصور فلم قلتم انه باطل؟و تقريره انه لو قبح امر من كان مخلوقا من النار بالسجود لمن كان مخلوقا من الأرض لكان قبح امر من كان مخلوقا من النور المحض بالسجود لمن كان مخلوقا من الأرض اولى و أقوى لان النور اشرف من النار و هذا القياس يقتضي ان يقبح امر احد من الملائكة بالسجود لآدم فهذا القياس يقتضي رفع مدلول النص بالكلية و انه باطل.

و اما القياس الذي يقتضي تخصيص مدلول النص العام لم قلتم: انه باطل؟فهذا سؤال حسن أوردته على هذه الطريقة و ما رأيت أحدا ذكر هذا السؤال و يمكن ان يجاب عنه فيقال: ان كونه اشرف من غيره يقتضي قبح امر من لا يرضى ان يلجأ الى خدمة الأدنى الأدون اما لو رضي ذلك الشريف بتلك الخدمة لم يقبح لأنه لا اعتراض عليه في انه يسقط حق نفسه اما الملائكة فقد رضوا بذلك فلا بأس به و اما إبليس فانه لم يرض بإسقاط هذا الحق فوجب ان يقبح امره بذلك السجود فهذا قياس مناسب و انه يوجب تخصيص النص و لا يوجب رفعه بالكلية و لا إبطاله فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا لما استوجب الذم العظيم فلما استوجب استحقاق هذا الذم العظيم في حقه علمنا ان ذلك انما كان لأجل ان تخصيص النص بالقياس غير جائز و اللّه اعلم.

المسألة السابعة: قوله تعالى: مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ لا شك ان قائل هذا القول هو اللّه لان قوله: إِذْ أَمَرْتُكَ لا يليق الا باللّه سبحانه.

و اما قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ فلا شك ان قائل هذا القول هو إبليس.

و اما قوله: قََالَ فَاهْبِطْ مِنْهََا فلا شك ان قائل هذا القول هو اللّه تعالى و مثل هذه المناظرة بين اللّه سبحانه و بين إبليس مذكور في سورة ص على سبيل الاستقصاء إذا ثبت هذا فنقول: انه لم يتفق لاحد من أكابر الأنبياء عليهم السلام مكالمة مع اللّه مثل ما اتفق لإبليس و قد عظم اللّه تشريف موسى بأن كلمة حيث قال: وَ لَمََّا جََاءَ مُوسى‏ََ لِمِيقََاتِنََا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: 143] و قال: وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسى‏ََ تَكْلِيماً [النساء: 164]فان كانت هذه المكالمة تفيد الشرف العظيم فكيف حصلت‏

210

على أعظم الوجوه لإبليس؟و ان لم توجب الشرف العظيم فكيف ذكره اللّه تعالى في معرض التشريف الكامل لموسى عليه السلام؟ و الجواب: ان بعض العلماء قال: انه تعالى قال لإبليس على لسان من يؤدي اليه من الملائكة ما منعك من السجود؟و لم يسلم انه تعالى تكلم مع إبليس بلا واسطة. قالوا: لأنه ثبت ان غير الأنبياء لا يخاطبهم اللّه تعالى الا بواسطة و منهم من قال: انه تعالى تكلم مع إبليس بلا واسطة و لكن على وجه الاهانة بدليل انه تعالى قال له: فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ اَلصََّاغِرِينَ و تكلم مع موسى و مع سائر الأنبياء عليهم السلام على سبيل الإكرام الا ترى انه تعالى قال لموسى: وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ طه: 13 و قال له: وَ اِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: 41] و هذا نهاية الإكرام.

المسألة الثامنة: قوله تعالى: فَاهْبِطْ مِنْهََا قال ابن عباس: يريد من الجنة و كانوا في جنة عدن و فيها خلق آدم. و قال بعض المعتزلة: انه انما امر بالهبوط من السماء و قد استقصينا الكلام في هذه المسألة في سورة البقرة. فَمََا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهََا اي في السماء. قال ابن عباس: يريد ان اهل السموات ملائكة متواضعون خاشعون فاخرج انك من الصاغرين و الصغار الذلة. قال الزجاج: ان إبليس طلب التكبر فابتلاه اللّه تعالى بالذلة و الصغار تنبيها على صحة ما

قاله النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «من تواضع للّه رفعه اللّه و من تكبر وضعه اللّه»

و قال بعضهم: لما اظهر الاستكبار البس الصغار. و اللّه اعلم.

قوله تعالى قََالَ أَنْظِرْنِي إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ إلى قوله صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ في الآية مسائل:

المسألة الاولى: قوله تعالى: قََالَ أَنْظِرْنِي إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ يدل على انه طلب الانظار من اللّه تعالى الى وقت البعث و هو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين و مقصوده انه لا يذوق الموت فلم يعطه اللّه تعالى ذلك بل قال انك من المنظرين‏}ثم هاهنا قولان: الاول: انه تعالى انظره الى النفخة الاولى لأنه تعالى قال في آية اخرى: فَإِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ*`إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ* [الحجر: 37 38]و المراد منه اليوم الذي يموت فيه الأحياء كلهم و قال آخرون: لم يوقت اللّه له أجلا بل قال: إِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ و قوله في الاخرى: إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ* المراد منه الوقت المعلوم في علم اللّه تعالى. قالوا: و الدليل على صحة هذا القول ان إبليس كان مكلفا و المكلف لا يجوز ان يعلم ان اللّه تعالى أخر اجله الى الوقت الفلاني لان ذلك المكلف يعلم انه متى تاب قبلت توبته فإذا علم ان وقت موته هو الوقت الفلاني اقدم على المعصية بقلب فارغ فإذا قرب وقت اجله تاب عن تلك المعاصي فثبت ان تعريف وقت الموت بعينه يجري مجرى الإغراء بالقبيح و ذلك غير جائز على اللّه تعالى.

و أجاب الأولون: بأن تعريف اللّه عز و جل كونه من المنظرين الى يوم القيامة لا يقتضي اغراءه بالقبيح لأنه‏

211

تعالى كان يعلم منه انه يموت على أقبح انواع الكفر و الفسق سواء اعلمه بوقت موته او لم يعلمه بذلك فلم يكن ذلك الأعلام موجبا اغراءه بالقبيح و مثاله انه تعالى عرف أنبياءه انهم يموتون على الطهارة و العصمة و لم يكن ذلك موجبا اغراءهم بالقبيح لأجل انه تعالى علم منهم سواء عرفهم تلك الحالة او لم يعرفهم هذه الحالة انهم يموتون على الطهارة و العصمة فلما كان/لا يتفاوت حالهم بسبب هذا التعريف لا جرم ما كان ذلك التعريف إغراء بالقبيح فكذا هاهنا و اللّه اعلم.

المسألة الثانية: قول إبليس: فَبِمََا أَغْوَيْتَنِي يدل على انه أضاف إغواءه الى اللّه تعالى و قوله في آية اخرى: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 82]يدل على انه أضاف إغواء العباد الى نفسه. فالأول: يدل على كونه على مذهب الجبر. و الثاني: يدل على كونه على مذهب القدر و هذا يدل على انه كان متحيرا في هذه المسألة او يقال: انه كان يعتقد ان الإغواء لا يحصل الا بالمغوي فجعل نفسه مغويا لغيره من الغاوين ثم زعم ان المغوي له هو اللّه تعالى قطعا للتسلسل و اختلف الناس في تفسيره هذه الكلمة اما أصحابنا فقالوا:

الإغواء إيقاع الغي في القلب و الغي هو الاعتقاد الباطل و ذلك يدل على انه كان يعتقد ان الحق و الباطل انما يقع في القلب من اللّه تعالى. اما المعتزلة فلهم هاهنا مقامان: أحدهما: ان يفسروا الغي بما ذكرناه. و الثاني: ان يذكروا في تفسيره وجها آخر.

اما الوجه الاول: فلهم فيه اعذار. الاول: ان قالوا هذا قول إبليس فهب ان إبليس اعتقد ان خالق الغي و الجهل و الكفر هو اللّه تعالى الا ان قوله ليس بحجة. الثاني: قالوا: ان اللّه تعالى لما امر بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر غيه و كفره فجاز ان يضيف ذلك الغي الى اللّه تعالى بهذا المعنى و قد يقول القائل: لا تحملني على ضربك اي لا تفعل ما أضربك عنده. الثالث: قََالَ فَبِمََا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ و المعنى: انك بما لعنتني بسبب آدم فأنا لأجل هذه العداوة القي الوساوس في قلوبهم. الرابع: رَبِّ بِمََا أَغْوَيْتَنِي [الحجر: 39]اي خيبتني من جنتك عقوبة على عملي لأقعدن لهم الوجه الثاني: في تفسير الإغواء-الإهلاك-و منه قوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: 59]اي هلاكا و ويلا و منه ايضا قولهم: غوى الفصيل يغوي غوى إذا اكثر من اللبن حتى يفسد جوفه و يشارف الهلاك و العطب و فسروا قوله: إِنْ كََانَ اَللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود: 34]ان كان اللّه يريد ان يهلككم بعنادكم الحق فهذه جملة الوجوه المذكورة.

و اعلم انا لا نبالغ في بيان ان المراد من الإغواء في هذه الآية الإضلال لان حاصله يرجع الى قول إبليس و انه ليس بحجة الا انا نقيم البرهان اليقيني على ان المغوي لإبليس هو اللّه تعالى و ذلك لان الغاوي لا بد له من مغو كما ان المتحرك لا بد له من محرك و الساكن لا بد له من مسكن و المهتدي لا بد له من هاد. فلما كان إبليس غاويا فلا بد له من مغوي و المغوي له اما ان يكون نفسه او مخلوقا آخر او اللّه تعالى و الاول:

باطل لان العاقل لا يختار الغواية مع/العلم بكونها غواية. و الثاني: باطل و الا لزم اما التسلسل و اما الدور.

و الثالث: هو المقصود. و اللّه اعلم.

المسألة الثالثة: الباء في قوله: فَبِمََا أَغْوَيْتَنِي فيه وجوه: الاول: انه باء القسم اي باغوائك اياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم اي بقدرتك علي و نفاذ سلطانك في لأقعدن لهم على الطريق المستقيم الذي يسلكونه‏

212

الى الجنة بأن أزين لهم الباطل و ما يكسبهم المآثم و لما كانت (الباء) باء القسم كانت (اللام) جواب القسم (و ما) بتأويل المصدر و اغويتني صلتها. و الثاني أن قوله: فَبِمََا أَغْوَيْتَنِي اي فبسبب اغوائك اياي لأقعدن لهم و المراد انك لما اغويتني فانا ايضا أسعى في إغوائهم الثالث: قال بعضهم: (ما) في قوله: فَبِمََا أَغْوَيْتَنِي للاستفهام كأنه قيل: بأي شي‏ء اغويتني ثم ابتدا و قال: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ و فيه اشكال و هو ان اثبات الالف إذا ادخل حرف الجر على «ما» الاستفهامية قليل.

المسألة الرابعة: قوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ لا خلاف بين النحويين ان «على» محذوف و التقدير: لأقعدن لهم على صراطك المستقيم. قال الزجاج. مثاله قولك ضرب زيد الظهر و البطن و المعنى على الظهر و البطن و إلقاء كلمة «على» جائز لان الصراط ظرف في المعنى: فاحتمل ما يحتمله لليوم و الليلة في قولك آتيك غدا و في غد.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ فيه ابحاث.

البحث الاول: المراد منه انه يواظب على الإفساد مواظبة لا يفتر عنها و لهذا المعنى ذكر القعود لان من أراد ان يبالغ في تكميل امر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود و مواظبته على الإفساد هي مواظبة على الوسوسة حتى لا يفتر عنها.

و البحث الثاني: ان هذه الآية تدل على انه كان عالما بالدين الحق و المنهج الصحيح لأنه قال: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ و صراط اللّه المستقيم هو دينه الحق.

البحث الثالث: الآية تدل على ان إبليس كان عالما بأن الذي هو عليه من المذهب و الاعتقاد هو محض الغواية و الضلال لأنه لو لم يكن كذلك لما قال: فَبِمََا أَغْوَيْتَنِي و ايضا كان عالما بالدين الحق و لو لا ذلك لما قال: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ .

و إذا ثبت هذا فكيف يمكن: ان يرضى إبليس بذلك المذهب مع علمه بكونه ضلالاً و غواية و بكونه مضادا للدين الحق و منافيا للصراط المستقيم فان المرء انما يعتقد الفاسد إذا غلب على ظنه كونه حقا فأما مع العلم بأنه باطل و ضلال و غواية يستحيل ان يختاره و يرضى به و يعتقده.

و اعلم ان من الناس من قال ان كفر إبليس كفر عناد لا كفر جهل لأنه متى علم ان مذهبه ضلال و غواية فقد علم ان ضده هو الحق فكان إنكاره إنكارا بمحض اللسان فكان ذلك كفر عناد و منهم من قال لا بل كفره كفر جهل و قوله: فَبِمََا أَغْوَيْتَنِي و قوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ يريد به في زعم الخصم و في اعتقاده. و اللّه اعلم.

المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بهذه الآية في بيان انه لا يجب على اللّه رعاية مصالح العبد في دينه و لا في دنياه و تقريره ان إبليس استمهل الزمان الطويل فأمهله اللّه تعالى ثم بين انه انما استمهله لإغواء الخلق و اضلالهم و إلقاء الوساوس في قلوبهم و كان تعالى عالما بأن اكثر الخلق يطيعونه و يقبلون و سوسته كما قال تعالى: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاََّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ [سبأ: 20]فثبت بهذا ان انظار إبليس و امهاله هذه المدة الطويلة يقتضي حصول المفاسد العظيمة و الكفر الكبير فلو كان تعالى مراعيا لمصالح العباد

213

لامتنع ان يمهله و ان يمكنه من هذه المفاسد فحيث انظره و امهله علمنا انه لا يجب عليه شي‏ء من رعاية المصالح أصلا و مما يقوي ذلك انه تعالى بعث الأنبياء دعاة الى الخلق و علم من حال إبليس انه لا يدعو الا الى الكفر و الضلال ثم انه تعالى أمات الأنبياء الذين هم الدعاة للخلق و أبقى إبليس و سائر الشياطين الذين هم الدعاة للخلق الى الكفر و الباطل و من كان يريد مصالح العباد امتنع منه ان يفعل ذلك. قالت المعتزلة: اختلف شيوخنا في هذه المسألة: فقال الجبائي: انه لا يختلف الحال بسبب وجوده و عدمه و لا يضل بقوله احد الا من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل ايضا و الدليل عليه قوله تعالى: مََا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفََاتِنِينَ*`إِلاََّ مَنْ هُوَ صََالِ اَلْجَحِيمِ [الصافات: 162 163]و لأنه لو ضل به احد لكان بقاؤه مفسدة: و قال ابو هاشم يجوز ان يضل به قوم و يكون خلقه جاريا مجرى خلق زيادة الشهوة فان هذه الزيادة من الشهوة لا توجب فعل القبيح الا ان الامتناع منها يصير أشق و لأجل تلك الزيادة من المشقة تحصل الزيادة في الثواب فكذا هاهنا بسبب إبقاء إبليس يصير الامتناع من القبائح أشد و أشق و لكنه لا ينتهي الى حد الإلجاء و الإكراه.

و الجواب: اما قول ابي علي فضعيف و ذلك لان الشيطان لا بد و ان يزين القبائح في قلب الكافر و يحسنها اليه و يذكره ما في القبائح من انواع اللذات و الطيبات و من المعلوم ان حال الإنسان مع حصول هذا التذكير و التزيين لا يكون مساويا لحاله عند عدم هذا التذكير و هذا التزيين و الدليل عليه العرف فان الإنسان إذا حصل له جلساء يرغبونه في امر من الأمور و يحسنونه في عينه و يسهلون طريق الوصول اليه و يواظبون على دعوته اليه فانه لا يكون حاله في/الاقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التذكير و التزيين و التزيين و العلم به ضروري و اما قول ابي هاشم فضعيف ايضا لأنه إذا صار حصول هذا التذكير و التزيين حاصلا للمرء على الاقدام على ذلك القبيح كان ذلك سعيا في القائه في المفسدة و ما ذكره من خلق الزيادة في الشهوة فهو حجة اخرى لنا في ان اللّه تعالى لا يراعي المصلحة فكيف يمكنه ان يحتج به؟و الذي يقرره غاية التقرير: ان لسبب حصول تلك الزيادة في الشهوة يقع في الكفر و عقاب الأبد و لو احترز عن تلك الشهوة فغايته انه يزداد ثوابه من اللّه تعالى بسبب زيادة تلك المشقة و حصول هذه الزيادة من الثواب شي‏ء لا حاجة اليه البتة اما دفع العقاب المؤبد فإليه أعظم الحاجات فلو كان اله العالم مراعيا لمصالح العباد لاستحال ان يهمل الأهم الأكمل الأعظم لطلب الزيادة التي لا حاجة إليها و لا ضرورة فثبت فساد هذه المذاهب و انه لا يجب على اللّه تعالى شي‏ء أصلا. و اللّه اعلم بالصواب.

اما قوله تعالى: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ وَ لاََ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شََاكِرِينَ ففيه مسائل:

المسألة الاولى: في ذكر هذه الجهات الأربع قولان:

القول الاول: ان كل واحد منها مختص بنوع من الآفة في الدين. و القائلون بهذا القول ذكروا وجوها:

أحدها: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يعني أشككهم في صحة البعث و القيامة وَ مِنْ خَلْفِهِمْ القي إليهم ان الدنيا قديمة ازلية. و ثانيها: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ و المعنى افترهم عن الرغبة في سعادات الآخرة وَ مِنْ خَلْفِهِمْ يعني اقوي رغبتهم في لذات الدنيا و طيباتها و أحسنها في أعينهم و على هذين الوجهين فالمراد من قوله: بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الآخرة لأنهم يردون عليها و يصلون إليها فهي بين أيديهم و إذا كانت الآخرة بين أيديهم

214

كانت الدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها. و ثالثها: و هو قول الحاكم و السدي مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يعني الدنيا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ الآخرة و انما فسرنا بَيْنِ أَيْدِيهِمْ بالدنيا لأنها بين يدي الإنسان يسعى فيها و يشاهدها و اما الآخرة فهي تأتي بعد ذلك و رابعها: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ في تكذيب الأنبياء و الرسل الذين يكونون حاضرين وَ مِنْ خَلْفِهِمْ في تكذيب من تقدم من الأنبياء و الرسل.

و اما قوله: وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ ففيه وجوه: أحدها: عَنْ أَيْمََانِهِمْ في الكفر و البدعة وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ في انواع المعاصي و ثانيها: عَنْ أَيْمََانِهِمْ في الصرف عن الحق وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ في الترغيب في الباطل و ثالثها: عَنْ أَيْمََانِهِمْ يعني افترهم عن الحسنات/و الشمائل عن السيئات قول حسن لان قال ابن الأنباري: و قول من قال الايمان كناية عن الحسنات/و الشمائل عن السيئات قول حسن لان العرب تقول: اجعلني في يمينك و لا تجعلني في شمالك يريد اجعلني من المقدمين عندك و لا تجعلني من المؤخرين و روى ابو عبيد عن الأصمعي انه يقال: هو عندنا باليمين اي بمنزلة حسنة و إذا خبثت منزلته قال:

أنت عندي بالشمال فهذا تلخيص ما ذكره المفسرون في تفسير هذه الجهات الأربع اما حكماء الإسلام فقد ذكروا فيها وجوها أخرى أولها: و هو الأقوى الأشرف ان في البدن قوى أربعا هي الموجبة لقوات السعادات الروحانية فإحداها: القوة الخالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات و صورها و هي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ و صور المحسوسات انما ترد عليها من مقدمها و اليه الإشارة بقوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ .

و القوة الثانية: القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالاحكام المناسبة للمحسوسات و هي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ و إليها الإشارة بقوله: وَ مِنْ خَلْفِهِمْ .

و القوة الثالثة: الشهوة و هي موضوعة في الكبد و هي من يمين البدن.

و القوة الرابعة: الغضب و هو موضوع في البطن الأيسر من القلب فهذه القوى الأربع هي التي تتولد عنها احوال توجب زوال السعادات الروحانية و الشياطين الخارجة ما لم تستعن بشي‏ء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة فهذا هو السبب في تعيين هذه الجهات الأربع و هو وجه حقيقي شريف و ثانيها: ان قوله: لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ المراد منه الشبهات المبنية على التشبيه اما في الذات و الصفات مثل شبه المجسمة و اما الأفعال: مثل شبه المعتزلة في التعديل و التخويف و التحسين و التقبيح وَ مِنْ خَلْفِهِمْ المراد منه الشبهات الناشئة عن التعطيل و انما جعلنا قوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ لشبهات التشبيه لان الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات و أحوالها فهي حاضرة بين يديه فيعتقد ان الغائب يجب ان يكون مساويا لهذا الشاهد و انما جعلنا قوله: وَ مِنْ خَلْفِهِمْ كناية عن التعطيل لان التشبيه عين التعطيل فلما جعلنا قوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ كناية عن التشبيه وجب ان نجعل قوله: وَ مِنْ خَلْفِهِمْ كناية عن التعطيل و اما قوله وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ فالمراد منه الترغيب في ترك المأمورات وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ الترغيب في فعل المنهيات و ثالثها: نقل عن شقيق رحمه اللّه انه قال: ما من صباح الا و ياتيني الشيطان من الجهات الأربع من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي اما من بين يدي فيقول: لا تخف فان اللّه غفور رحيم فاقرأ وَ إِنِّي لَغَفََّارٌ لِمَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً [طه: 82]و اما من خلفي: فيخوفني من وقوع اولادي في الفقر فاقرأ وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ رِزْقُهََا [هود: 6]و اما من قبل يميني فياتيني من قبل الثناء فاقرأ وَ اَلْعََاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ* [القصص:

215

و اما من قبل شمالي: فياتيني من قبل الشهوات فاقرأ وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مََا يَشْتَهُونَ [سبا: 54] و القول الثاني: في هذه الآية انه تعالى حكى عن الشيطان ذكر هذه الوجوه الاربعة و الغرض منه انه يبالغ في إلقاء الوسوسة و لا يقصر في وجه من الوجوه الممكنة البته و تقدير الآية: ثم لاتينهم من جميع الجهات الممكنة بجميع الاعتبارات الممكنة و

عن رسول الله صلى اللّه عليه و آله و سلم انه قال: «ان الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام فقال له: تدع دين آبائك فعصاه فاسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له: تدع ديارك و تتغارب فعصاه و هاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: تقاتل فتقتل و يقسم مالك و تنكح امرأتك فعصاه فقاتل»

و هذا الخبر يدل على ان الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة الا و يلقيها في القلب.

فان قيل: فلم لم يذكر مع الجهات الأربع من فوقهم و من تحتهم.

قلنا: اما في التحقيق فقد ذكرنا ان القوى التي يتولد منها ما يوجب تفويت السعادات الروحانية فهي موضوعة في هذه الجوانب الاربعة من البدن و اما في الظاهر:

فيروى ان الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا الهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع فأوحى اللّه تعالى إليهم انه بقي للإنسان جهتان: الفوق و التحت فإذا رفع يديه الى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع او وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة

و اللّه اعلم.

المسألة الثانية: انه قال: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ فذكر هاتين الجهتين بكلمة (من) ثم قال: وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ فذكر هاتين الجهتين بكلمة (عن) و لا بد في هذا الفرق من فائدة فنقول: إذا قال القائل جلس عن يمينه معناه انه جلس متجافيا عن صاحب اليمين غير ملتصق به قال تعالى: عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ قَعِيدٌ [ق: 17]فبين انه حضر على هاتين الجهتين ملكان و لم يحضر في القدام و الخلف ملكان و الشيطان يتباعد عن الملك فلهذا المعنى خص اليمين و الشمال بكلمة (عن) لأجل انها تفيد البعد و المباينة و ايضا فقد ذكرنا ان المراد من قوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ الخيال و الوهم و الضرر الناشئ منهما هو حصول العقائد الباطلة و ذلك هو حصول الكفر و قوله: وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ الشهوة و الغضب و الضرر الناشي منهما هو حصول الأعمال الشهوانية و الغضبية و ذلك هو المعصية و لا شك ان الضرر الحاصل من الكفر لازم لان عقابه دائم اما الضرر الحاصل من المعصية فسهل لأنه عقابه منقطع فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة (عن) تنبيها على ان هذين القسمين في اللزوم و الاتصال دون القسم الاول و اللّه اعلم بمراده.

المسألة الثالثة: قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على بطلان ما يقال: انه يدخل في بدن ابن آدم و يخالطه لأنه لو امكنه ذلك لكان بان يذكره في باب المبالغة أحق.

ثم قال تعالى حكاية عن إبليس انه قال: وَ لاََ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شََاكِرِينَ و فيه سؤال: و هو ان هذا من باب الغيب فكيف عرف إبليس ذلك فلهذا السبب اختلف العلماء فيه فقال بعضهم كان قد رآه في اللوح المحفوظ فقال له على سبيل القطع و اليقين و قال آخرون: انه قاله على سبيل الظن لأنه كان عازما على المبالغة في تزيين الشهوات و تحسين الطيبات و علم انها أشياء يرغب فيها غلب على ظنه انهم يقبلون قوله فيها على سبيل الأكثر

216

و الأغلب و يؤكد هذا القول بقوله تعالي: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاََّ فَرِيقاً [سبا: 20] و العجب ان إبليس قال للحق سبحانه و تعالى: وَ لاََ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شََاكِرِينَ فقال الحق ما يطابق ذلك‏ وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبََادِيَ اَلشَّكُورُ [سبا: 13]و فيه وجه آخر و هو انه حصل للنفس تسع عشرة قوة و كلها تدعو النفس الى اللذات الجسمانية و الطيبات الشهوانية فخمسة منها هي الحواس الظاهرة و خمسة اخرى هي الحواس الباطنة و اثنان الشهوة و الغضب و سبعة هي القوى الكامنة و هي الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة و الغاذية و النامية و المولدة فمجموعها تسعة عشر و هي بأسرها تدعو النفس الى عالم الجسم و ترغبها في طلب اللذات البدنية و اما العقل فهو قوة واحدة و هي التي تدعو النفس الى عبادة اللّه تعالى و طلب السعادات الروحانية و لا شك ان استيلاء تسع عشرة قوة أكمل من استيلاء القوة الواحدة لا سيما و تلك القوى التسعة عشر تكون في أول الخلقة قوية و يكون العقل ضعيفا جدا و هي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلما كان الأمر كذلك لزم القطع بان اكثر الخلق يكونون طالبين لهذه اللذات الجسمانية معرضين عن معرفة الحق و محبته فلهذا السبب قال: وَ لاََ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شََاكِرِينَ و اللّه اعلم.

اعلم ان إبليس لما وعد بالإفساد الذي ذكره خاطبه اللّه تعالى بما يدل على الزجر و الإهانة فقال: اُخْرُجْ مِنْهََا من الجنة او من السماء مَذْؤُماً قال الليث: ذامت الرجل فهو مذءوم اي محقور و الذام الاحتقار و قال الفراء: ذامته إذا عبته يقولون في المثل لا تعدم الحسناء ذاما و قال ابن/الأنباري المذءوم المذموم قال ابن قتيبة مذؤما مذموما بأبلغ الذم قال امية:

و قال لإبليس رب العباد # ان اخرج دحيرا لعينا ذؤما

و قوله: مَدْحُوراً الدحر في اللغة الطرد و التبعيد يقال دحره دحرا إذا طرده و بعده و منه قوله تعالى: وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جََانِبٍ‏`دُحُوراً [الصافات: 8 9]و قال امية:

و باذنه سجدوا لآدم كلهم # الا لعينا خاطئا مدحورا

و قوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ اللام فيه لام القسم و جوابه قوله: لَأَمْلَأَنَّ قال صاحب «الكشاف» روى عصمة عن عاصم: لَمَنْ تَبِعَكَ بكسر اللام بمعنى لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ هذا الوعيد و هو قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ و قيل: ان لأملأن في محل الابتداء و لَمَنْ تَبِعَكَ خبره قال أبو بكر الأنباري الكناية في قوله:

لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ عائد على ولد آدم لأنه حين قال: وَ لَقَدْ خَلَقْنََاكُمْ [الأعراف: 11]كان مخاطبا لولد آدم فرجعت الكناية إليهم قال القاضي: دلت هذه الآية على ان التابع و المتبوع معنيان في ان جهنم تملا منها ثم ان الكافر تبعه فكذلك الفاسق تبعه فيجب القطع بدخول الفاسق النار و جوابه ان المذكور في الآية انه تعالى يملأ جهنم ممن تبعه و ليس في الآية ان كل من تبعه فانه يدخل جهنم فسقط هذا الاستدلال و نقول هذه الآية تدل على ان جميع اصحاب البدع و الضلالات يدخلون جهنم لان كلهم متابعون لإبليس و اللّه اعلم.

اعلم ان هذه الآية مشتملة على مسائل: أحدها: ان قوله: اُسْكُنْ امر تعبد او امر اباحة و اطلاق من‏

217

حيث انه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكيف و ثانيها: ان زوج آدم و حواء و يجب ان نذكر انه تعالى كيف خلق حواء و ثالثها: ان تلك الجنة كانت جنة الخلد او جنة من جنان السماء او جنة من جنان الأرض و رابعها: ان قوله: فَكُلاََ امر اباحة لا امر تكليف و خامسها: ان قوله: وَ لاََ تَقْرَبََا نهي تنزيه او نهي تحريم. و سادسها: أن قوله: هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ المراد شجره واحده بالشخص أو النوع. و سابعها: أن تلك الشجرة اي شجرة كانت و ثامنها: ان ذلك الذنب/كان صغيرا او كبيرا و تاسعها: انه ما المراد من قوله:

فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ و هل يلزم من كونه ظالما بهذا القربان الدخول تحت قوله تعالي: أَلاََ لَعْنَةُ اَللََّهِ عَلَى اَلظََّالِمِينَ [هود: 18]و عاشرها: أن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم عليه السلام او بعدها فهذه المسائل العشرة قد سبق تفصيلها و تقريرها في سورة البقرة فلا نعيدها و الذي بقي علينا من هذه الآية حرف واحد و هو انه تعال قال في سورة البقرة: وَ كُلاََ مِنْهََا رَغَداً [البقرة: 35]بالواو و قال هاهنا: فَكُلاََ بالفاء فما السبب فيه، و جوابه من وجهين: الاول: ان الواو تفيد الجمع المطلق و الفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو و لا منافاة بين النوع و الجنس ففي سورة البقرة ذكر الجنس و في سورة الأعراف ذكر النوع.

في قوله تعالى فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطََانُ لِيُبْدِيَ لَهُمََا يقال: وسوس إذا تكلم كلاما خفيا يكرره و به سمي صوت الحلي وسواسا و هو فعل غير متعد كقولنا:

و لو لوت المرأة و قولنا: وعوع الذئب و رجل موسوس بكسر الواو و لا يقال موسوس بالفتح و لكن موسوس له و موسوس إليه و هو الذي يلقي إليه الوسوسة، و معنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله و وسوس إليه ألقاها إليه، و هاهنا سؤالات:

السؤال الاول: كيف وسوس إليه و آدم كان في الجنة و إبليس اخرج منها.

و الجواب: قال الحسن: كان يوسوس من الأرض إلى السماء و إلى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها اللّه تعالى له و قال ابو مسلم الاصفهاني: بل كان آدم و إبليس في الجنة لان هذه الجنة فتلك القصة الركيكة مشهورة و قال آخرون: ان آدم و حواء ربما قربا من باب الجنة، و كان إبليس واقفا من خارج الجنة على بابها فيقرب فيقرب أحدهما من الاخر و تحصل الوسوسة هناك.

السؤال الثاني: ان آدم عليه السلام كان يعرف ما بينه و بين إبليس من العداوة فكيف قبل قوله و الجواب: لا يعبد ان يقال ان إبليس لقي آدم مرارا كثيرة و رغبة في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل‏

218

المواظبة و المداومة على هذا التمويه اثر كلامه في آدم عليه السلام.

السؤال الثالث: لم قال: فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطََانُ و الجواب: معنى وسوس له اي فعل الوسوسة لأجله و اللّه اعلم اما قوله تعالى: لِيُبْدِيَ لَهُمََا في هذا اللام قولان: أحدهما: انه لام العاقبة كما في قوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [القصص: 8]و ذلك لان الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهور عورتهما و لم يعلم انهما ان اكلا من الشجرة بدت عوراتهما و انما كان قصده ان يحملها على المعصية فقط الثاني: لا يبعد ايضا ان يقال: انه لام الغرض ثم فيه و جهان: أحدهما: ان يجعل بدو العورة كناية عن سقوط الحرمة و زوال الجاه و المعني: ان غرضه من إلقاء تلك الوسوسة الى آدم زوال حرمته و ذهاب منصبه و الثاني: لعله رأى في اللوح المحفوظ او سمع من بعض الملائكة انه إذا أكل من الشجرة بدت عورته و ذلك يدل على نهاية الضرر و سقوط الحرمة فكان يوسوس اليه لحصول هذا الغرض و قوله: مََا وُورِيَ عَنْهُمََا مِنْ سَوْآتِهِمََا فيه مباحث:

البحث الاول: ما وري مأخوذ من المواراة يقال: : و أريته اي سترته قال تعالى: يُوََارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة: 31]و

قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم لعلي لما أخبره بوفاة أبيه: «اذهب فواره» .

البحث الثاني: السوأة فرج الرجل و المرأة و ذلك لان ظهوره يسوء الإنسان قال ابن عباس رضي اللّه عنهما كأنهما قد البسا ثوبا يستر عورتهما فلما عصيا زال عنهما ذلك الثوب فذلك قوله تعالى: فَلَمََّا ذََاقَا اَلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمََا سَوْآتُهُمََا .

البحث الثالث: دلت هذه الآية على ان كشف العورة من المنكرات و انه لم يزل مستهجنا/في الطباع مستقبحا في العقول و قوله: مََا نَهََاكُمََا رَبُّكُمََا عَنْ هََذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونََا مِنَ اَلْخََالِدِينَ يمكن ان يكون هذا الكلام ذكره إبليس بحيث خاطب به آدم و حواء و يمكن ايضا ان يكون وسوسة أوقعها في قلوبهما و الأمران و مرويان الا ان الأغلب انه كان ذلك على سبيل المخاطبة بدليل قوله تعالى: وَ قََاسَمَهُمََا إِنِّي لَكُمََا لَمِنَ اَلنََّاصِحِينَ و معنى الكلام ان إبليس قال لهما في الوسوسة الا ان تكون ملكين و اراده به ان تكونا بمنزلة الملائكة ان أكلتما منها او تكونا من الخالدين ان أكلتما فرغبهما بان أوهمهما ان من أكلها صار كذلك و انه تعالى انما نهاهما عنها لكي لا يكونا بمنزلة الملائكة و لا يخلدا و في الآية سؤالات:

السؤال الاول: كيف أطمع إبليس آدم في ان يكون ملكا عند الاكل من الشجرة مع انه شاهد الملائكة متواضعين ساجدين له معترفين بفضله و الجواب من وجوه الأول: ان هذا المعنى احد ما يدل على ان الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض اما الملائكة السموات و سكان العرش و الكرسي و الملائكة المقربون فما سجدوا البتة لآدم و لو كانوا سجدوا له لكان هذا التطميع فاسدا مختلا و ثانيها: نقل الواحدي عن بعضهم انه قال: ان آدم علم ان الملائكة لا يموتون الى يوم القيامة و لم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه إبليس ان يصير مثل الملك في البقاء و أقول: هذا الجواب ضعيف لان على هذا التقدير المطلوب من الملائكة هو الخلود و حينئذ لا يبقى فرق بين قوله: أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ و بين قوله: أَوْ تَكُونََا مِنَ اَلْخََالِدِينَ .

219

و الوجه الثاني: قال الواحدي: كان ابن عباس يقرا مَلَكَيْنِ و يقول: ما طمعا في ان يكونا ملكين لكنهما استشرفا الى ان يكونا ملكين و انما أتاهما الملعون من جهة الملك و يدل على هذا قوله: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ََ شَجَرَةِ اَلْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لاََ يَبْلى‏ََ [طه: 120]و أقول هذا الجواب ايضا ضعيف و بيانه من وجهين: الاول: هب انه حصل الجواب على هذه القراءة: فهل يقول ابن عباس ان تلك القراءة المشهورة باطلة او لا يقول ذلك؟ و الاول باطل لان تلك القراءة قراءة متواترة فكيف يمكن الطعن فيها و اما الثاني: فعلى هذا التقدير الأشكال باق لان على تلك القراءة يكون بالتطميع قد وقع في ان يصير بواسطة ذلك الاكل من جملة الملائكة و حينئذ يعود السؤال.

و الوجه الثاني: انه تعالى جعل سجود الملائكة و الخلق له في ان يسكن الجنة و ان يأكل منها رغدا كيف شاء و أراد و لا مزيد في الملك على هذه الدرجة.

السؤال الثاني: هل تدل هذه الآية على ان درجة الملائكة أكمل و أفضل من درجة النبوة.

و الجواب من وجوه: الاول: انا إذا قلنا ان هذه الواقعة كانت قبل النبوة لم يدل على ذلك/و لان آدم حين طلب الوصول الى درجة الملائكة ما كان من الأنبياء و على هذا التقدير فزال الاستدلال و الثاني: ان بتقدير «ان» تكون هذه الواقعة وقعت في زمان النبوة فلعل آدم عليه السلام رغب في ان يصير من الملائكة في القدرة و القوة و الشدّة او في خلقة اللذات بان يصير جوهرا نورانيا و في ان يصير من سكان العرش و الكرسي و على هذا التقدير يسقط الاستدلال.

السؤال الثالث: نقل ان عمرو بن عبيد قال للحسن في قوله: إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونََا مِنَ اَلْخََالِدِينَ و في قوله: وَ قََاسَمَهُمََا قال عمرو قلت للحسن: فهل صدقاه في ذلك فقال الحسن معاذ اللّه لو صدقاه لكانا من الكافرين و وجه السؤال: انه كيف يلزم هذا التكفير بتقدير ان يصدقا إبليس في ذلك القول و الجواب: ذكروا في تقرير ذلك التكفير انه عليه السلام لو صدق إبليس في الخلود لكان ذلك يوجب انكار البعث و القيامة و انه كفر و لقائل ان يقول: لا نسلم انه يلزم من ذلك التصديق حصول الكفر؟و بيانه من وجهين: الاول: ان لفظ الخلود محمول على طول المكث لا على الدوام و على هذا الوجه يندفع ما ذكروه.

الوجه الثاني: هب ان الخلود مفسر بالدوام الا انا نسلم ان اعتقاد الدوام يوجب الكفر و تقريره ان العلم بانه تعالى هل يميت هذا المكلف او لا يميته علم لا يحصل الا من دليل السمع فلعله تعالى ما بين في وقت آدم عليه السلام انه يميت الخلق و لما لم يوجد ذلك الدليل السمعي كان آدم عليه السلام يجوز دوام البقاء فلهذا السبب رغب فيه و على هذا التقدير: فالتكفير غير لازم.

السؤال الرابع: ثبت بما سبق ان آدم و حواء لو صدقا إبليس فيما قال لم يلزم تكفيرهما فهل يقولون انهما صدقاه فيه قطعا؟و ان لم يحصل القطع فهل يقولون انهما ظنا ان الأمر كما قال؟او ينكرون هذا الظن ايضا و الجواب: ان المحققين أنكروا حصول هذا التصديق قطعا و ظنّا بل الصواب انما اقدما على الاكل لغلبة الشهوة لا انهما صدقاه علما او ظنا كما نجد أنفسنا عند الشهوة نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه و ان لم نعتقد ان الأمر كما قال.

220

السؤال الخامس: قوله: إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونََا مِنَ اَلْخََالِدِينَ هذا الترغيب و التطميع وقع في مجموع الأمرين او في أحدهما.

و الجواب: قال بعضهم: الترغيب كان في مجموع الأمرين لأنه ادخل في الترغيب و قيل: بل هو على ظاهره على طريقة التخيير.

ثم قال تعالى: وَ قََاسَمَهُمََا إِنِّي لَكُمََا لَمِنَ اَلنََّاصِحِينَ اي و اقسم لهما اني لكما لمن الناصحين.

فان قيل: المقاسمة ان تقسم لصاحبك و يقسم لك تقول: قاسمت فلانا اي حالفته و تقاسما تحالفا و منه قوله تعالى: تَقََاسَمُوا بِاللََّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ [النمل: 49].

قلنا: فيه وجوه: الاول: التقدير انه قال: اقسم لكما اني لكما لمن الناصحين و قالا له: أ تقسم باللّه انك لمن الناصحين؟فجعل ذلك مقاسمة بينهم و الثاني: اقسم لهما بالنصيحة و اقسما له بقبولها الثالث: انه اخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم.

إذا عرفت هذا فنقول: قال قتادة: حلف لهما باللّه حتى خدعهما و قد يخدع المؤمن باللّه و قوله: إِنِّي لَكُمََا لَمِنَ اَلنََّاصِحِينَ اي قال إبليس: اني خلقت قبلكما و انا اعلم أحوالا كثيرة من المصالح و المفاسد لا تعرفانها فامتثلا قولي ارشد كما.

ثم قال تعالى: فَدَلاََّهُمََا بِغُرُورٍ و ذكر ابو منصور الازهري لهذه الكلمة اصلين: أحدهما: اصل الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه فيقال: دلاه إذا أطمعه الثاني: فَدَلاََّهُمََا بِغُرُورٍ اي اجراهما إبليس على أكل الشجرة بغرور و الأصل فيه دللهما من الدل و الدالة و هي الجراة.

إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: فَدَلاََّهُمََا بِغُرُورٍ اي غرهما باليمين و كان آدم يظن ان أحدا لا يحلف باللّه كاذبا و عن ابن عمر رضي اللّه عنه: انه كان إذا رأى من عبده طاعة و حسن صلاة اعتقه فكان عبيده يفعلون ذلك طلبا للعتق فقيل له: انهم يخدعونك فقال: من خدعنا باللّه انخدعنا له.

ثم قال تعالى: فَلَمََّا ذََاقَا اَلشَّجَرَةَ و ذلك يدل على انهما تناولا اليسير قصدا الى معرفة طعمه و لو لا انه تعالى ذكر في آية اخرى انهما اكلا منها لكان ما في هذه الآية لا يدل على الاكل لان الذائق قد يكون ذائقا من دون أكل.

ثم قال تعالى: بَدَتْ لَهُمََا سَوْآتُهُمََا اي ظهرت عوراتهما و زال النور عنهما وَ طَفِقََا يَخْصِفََانِ قال الزجاج: معنى طفق: أخذ في الفعل يَخْصِفََانِ اي يجعلان ورقة على ورقة و منه قيل للذي يرقع النعل خصاف و فيه دليل على ان كشف العورة قبيح من لدن آدم الا ترى انهما كيف بادرا الى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة وَ نََادََاهُمََا رَبُّهُمََا قال عطاء: بلغني: ان اللّه ناداهما أ فرارا مني يا آدم قال بل حياء منك يا رب ما ظننت ان أحدا يقسم باسمك كاذبا ثم ناداه ربه اما خلقتك بيدي اما نفخت فيك من روحي اما أسجدت لك ملائكتي اما اسكنتك في جنتي في جواري! ـ

221

ثم قال: وَ أَقُلْ لَكُمََا إِنَّ اَلشَّيْطََانَ لَكُمََا عَدُوٌّ مُبِينٌ قال ابن عباس: بين العداوة حيث ابي السجود و قال: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: 16].

اعلم ان هذه الآية مفسرة في سورة البقرة و قد ذكرنا هناك ان هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم من آدم عليه السلام الا انا نقول: هذا الذنب انما صدر عنه قبل النبوة و على هذا التقدير فالسؤال زائل.

اعلم ان هذا الذي تقدم ذكره هو آدم و حواء و إبليس و إذا كان كذلك فقوله: اِهْبِطُوا يجب ان يتناول هؤلاء الثلاثة بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يعني العداوة ثابتة بين الجن و الانس لا تزول البتة}و قوله: فِيهََا تَحْيَوْنَ الكناية عائدة الى الأرض في قوله: وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ و المراد في الأرض تعيشون و فيها تموتون و منها تخرجون الى البعث و القيامة. قرا حمزة و الكسائي تخرجون بفتح التاء و ضم الراء و كذلك في الروم و الزخرف و الجاثية و قرا ابن عامر هاهنا و في الزخرف بفتح التاء و في الروم و الجاثية بضم التاء و الباقون جميع ذلك بضم التاء.

في نظم الآية وجهان:

الوجه الاول: انه تعالى لما بين انه امر آدم و حواء بالهبوط الى الأرض و جعل الأرض لهما مستقرا بين بعده انه تعالى انزل كل ما يحتاجون اليه في الدين و الدنيا و من جملتها اللباس الذي يحتاج اليه في الدين و الدنيا.

الوجه الثاني: انه تعالى لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة انه كان يخصف الورق عليها اتبعه بأن بين انه خلق اللباس للخلق ليستروا بها عورتهم و نبه به على المنة العظيمة على الخلق بسبب انه أقدرهم على التستر.

فإن قيل: ما معنى إنزال اللباس؟ قلنا: انه تعالى انزل المطر و بالمطر تتكون الأشياء التي منها يحصل اللباس فصار كأنه تعالى انزل اللباس و تحقيق القول ان الأشياء التي تحدث في الأرض لما كانت معلقة بالأمور النازلة من السماء صار كأنه تعالى أنزلها من السماء. و منه قوله تعالى: وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْأَنْعََامِ ثَمََانِيَةَ أَزْوََاجٍ [الزمر: 6]و قوله: وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: 25] و اما قوله: وَ رِيشاً ففيه بحثان:

البحث الاول: الريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه و زينته اي أنزلنا عليكم لباسين‏

222

لباسا يواري سوآتكم و لباسا يزينكم لان الزينة غرض صحيح كما قال: لِتَرْكَبُوهََا وَ زِينَةً [النحل: 8] و قال: وَ لَكُمْ فِيهََا جَمََالٌ [النحل: 6].

البحث الثاني: روي عن عاصم رواية غير مشهورة و رياشا و هو مروي ايضا عن عثمان رضي الله عنه و الباقون وَ رِيشاً و اختلفوا في الفرق بين الريش و الرياش فقيل: رياش جمع ريش و كذياب و ذيب و قداح و قدح و شعاب و شعب و قيل: هما واحد كلباس و لبس و جلال و جل روى ثعلب عن ابن الاعرابي قال:

كل شي‏ء يعيش به الإنسان من متاع او مال او مأكول فهو ريش و رياش و قال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب و الأثاث و الريش قد يطلق على سائر الأموال و قوله تعالى: وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ فيه بحثان:

البحث الاول: قرا نافع و ابن عامر و الكسائي و لباس بالنصب عطفا على قوله: لِبََاساً و العامل فيه أَنْزَلْنََا و على هذا التقدير فقوله: ذََلِكَ مبتدا و قوله: خَيْرٌ خبره و الباقون بالرفع و على هذا التقدير فقوله:

وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ مبتدا و قوله: ذََلِكَ صفة او بدل او عطف بيان و قوله: خَيْرٌ خبر لقوله: وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ و معنى قولنا صفة ان قوله: ذََلِكَ أشير به الى اللباس كأنه قيل و لباس التقوى المشار اليه خير.

البحث الثاني: اختلفوا في تفسير قوله: وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ و الضابط فيه ان منهم من حمله على/نفس الملبوس و منهم من حمله على غيره.

اما القول الاول: ففيه وجوه: أحدها: ان المراد ان اللباس الذي أنزله اللّه تعالى ليواري سوآتكم هو لباس التقوى و على هذا التقدير فلباس التقوي هو اللباس الاول و انما اعادة اللّه لأجل ان يخبر عنه بأنه خير لان جماعة من اهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري و خلع الثياب في الطواف بالبيت فجرى هذا في التكرير مجرى قول القائل: قد عرفتك الصدق في أبواب البر و الصدق خير لك من غيره فيعيد ذكر الصدق ليخبر عنه بهذا المعنى. و ثانيها: ان المراد من لباس التقوى ما يلبس من الدورع و الجوشن و المغافر و غيرها مما يتقي به في الحروب و ثالثها: المراد من لباس التقوى الملبوسات المعدة لأجل اقامة الصلوات و القول الثاني: ان يحمل قوله: وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ على المجازات ثم اختلفوا فقال قتادة و السدي و ابن جريح: لباس التقوى الايمان. و قال ابن عباس: و لباس التقوى العمل الصالح و قيل هو السمت الحسن و قيل هو العفاف و التوحيد لان المؤمن لا تبدو عورته و ان كان عاريا من الثياب و الفاجر لا تزال عورته مكشوفة و ان كان كاسيا و قال معبد هو الحياء. و قيل هو ما يظهر على الإنسان من السكينة و الإخبات و العمل الصالح و انما حملنا لفظ اللباس على هذه المجازات لان اللباس الذي يفيد التقوى ليس الا هذه الأشياء اما قوله:

ذََلِكَ خَيْرٌ قال ابو علي الفارسي: معنى الآية و لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به و اقرب له الى اللّه تعالى مما خلق من اللباس و الرياش الذي يتجمل به. قال: و أضيف اللباس الى التقوى كما أضيف الى الجوع في قوله: فَأَذََاقَهَا اَللََّهُ لِبََاسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ [النحل: 112]و قوله: ذََلِكَ مِنْ آيََاتِ اَللََّهِ معناه من آيات اللّه الدالة على فضلة و رحمته على عباده يعني إنزال عليهم لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فيعرفون عظيم النعمة فيه.

223

في قوله تعالى يََا بَنِي آدَمَ لاََ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطََانُ كَمََا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ اعلم ان المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام حصول العبرة لمن يسمعها فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم و بين فيها شدة عداوة الشيطان لآدم و أولاده اتبعها بأن حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان فقال: يََا بَنِي آدَمَ لاََ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطََانُ كَمََا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ و ذلك لان الشيطان لما بلغ اثر كيده و لطف وسوسة و شدة اهتمامه الى ان قدر على إلقاء آدم في الزلة الموجبة لإخراجه من الجنة فبأن يقدر على أمثال هذه المضار في حق بنى آدم اولى فبهذا الطريق حذر تعالى بني آدم بالاحتراز عن وسوسة الشيطان فقال: لاََ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطََانُ فيترتب عليه ان لا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم فترتب عليه خروجهما منها و اصل الفتون عرض الذهب على النار و تخليصه من الغش ثم اتى في القرآن بمعنى المحنة و هاهنا بحثان:

البحث الاول: قال الكعبي: هذه الآية حجة على من نسب خروج آدم و حواء و سائر وجوه المعاصي الى الشيطان و ذلك يدل على انه تعالى بري‏ء منها. فيقال له لم قلتم ان كون هذا العمل منسوبا الى الشيطان يمنع من كونه منسوبا الى اللّه تعالى؟و لم لا يجوز ان يقال انه تعالى لما خلق القدرة و الداعية الموجبتين لذلك العمل كان منسوبا الى اللّه تعالى؟و لما اجرى عادته بأنه يخلق تلك الداعية بعد تزيين الشيطان و تحسينه تلك الأعمال عند ذلك الكافر كان منسوبا الى الشيطان.

البحث الثاني: ظاهر الآية يدل على انه تعالى انما اخرج آدم و حواء من الجنة عقوبة لهما على تلك الزلة و ظاهر قوله: إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30]يدل على انه تعالى خلقهما لخلافة الأرض و انزلهما من الجنة الى الأرض لهذا المقصود فكيف الجمع بين الوجهين؟ و جواب: انه ربما قيل حصل لمجموع الأمرين و اللّه اعلم.

ثم قال: يَنْزِعُ عَنْهُمََا لِبََاسَهُمََا لِيُرِيَهُمََا سَوْآتِهِمََا و فيه مباحث:

البحث الاول يَنْزِعُ عَنْهُمََا لِبََاسَهُمََا حال اي أخرجهما نازعا لباسهما و أضاف نزع اللباس الى الشيطان و ان لم يتول ذلك لأنه كان بسبب منه فأسند اليه كما تقول أنت فعلت هذا؟لمن حصل منه ذلك الفعل بسبب و ان لم يباشره و كذلك لما كان نزع لباسهما بوسوسة الشيطان و غروره أسند اليه.

البحث الثاني: اللام في قوله: لِيُرِيَهُمََا لام العاقبة كما ذكرنا في قوله: لِيُبْدِيَ لَهُمََا [الأعراف: 20]قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: يرى آدم سوأة حواء و ترى حواء سوأة آدم.

البحث الثالث: اختلفوا في اللباس الذي نزع منهما فقال بعضهم انه النور و بعضهم التقى و بعضهم اللباس الذي هو ثياب الجنة و هذا القول اقرب لان اطلاق اللباس يقتضيه و المقصود/من هذا الكلام تأكيد التحذير لبني آدم لأنه لما بلغ تأثير وسوسة الشيطان في حق آدم مع جلالة قدره الى هذا الحد فكيف يكون حال آحاد الخلق؟ ثم أكد تعالى هذا التحذير بقوله: إِنَّهُ يَرََاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاََ تَرَوْنَهُمْ و فيه مباحث:

البحث الاول: إِنَّهُ يَرََاكُمْ يعني إبليس هُوَ وَ قَبِيلُهُ أعاد الكناية ليحسن العطف كقوله: اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ* [الأعراف: 19].

البحث الثاني: قال ابو عبيدة عن ابي زيد: «القبيل» الجماعة يكونون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى‏

224

و جمعه قبل. و القبلية: بنو أب واحد. و قال ابن قتيبة قبيلة أصحابه و جنده و قال الليث: هُوَ وَ قَبِيلُهُ اي هو و من كان من نسله.

البحث الثالث: قال أصحابنا: انهم يرون الانس لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكا و الانس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الانس و قالت المعتزلة: الوجه في ان الانس لا يرون الجن رقة أجسام الجن و لطافتها. و الوجه في رؤية الجن الانس كثافة أجسام الانس و الوجه في ان يرى بعض الجن بعضا ان اللّه تعالى يقوي شعاع ابصار الجن و يزيد فيه و لو زاد اللّه في قوة. أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضا و لو انه تعالى كثف أجسامهم و بقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم فعلى هذا كون الانس مبصرا للجن موقوف عند المعتزلة اما على زيادة كثافة أجسام الجن او على زيادة قوة ابصار الانس.

البحث الرابع: قوله تعالى: مِنْ حَيْثُ لاََ تَرَوْنَهُمْ يدل على ان الانس لا يرون الجن لان قوله: مِنْ حَيْثُ لاََ تَرَوْنَهُمْ يتناول اوقات الاستقبال من غير تخصيص قال بعض العلماء و لو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاءوا و أرادوا لوجب ان ترتفع الثقة عن معرفة الناس فلعل هذا الذي أشاهده و احكم عليه بأنه ولدي او زوجتي جنى صور نفسه بصورة ولدي او زوجتي و على هذا التقدير فيرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص و ايضا فلو كانوا قادرين على تخبيط الناس و ازالة العقل عنهم مع انه تعالى بين العداوة الشديدة بينهم و بين الانس فلم لا يفعلون ذلك في حق اكثر البشر؟و في حق العلماء و الأفاضل و الزهاد لان هذه العداوة بينهم و بين العلماء و الزهاد اكثر و أقوى و لما لم يوجد شي‏ء من ذلك ثبت انه لا قدرة لهم على البشر بوجه من الوجوه. و يتأكد هذا بقوله: مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلاََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [ابراهيم:

22]قال مجاهد: قال إبليس أعطينا اربع خصال: نرى و لا نرى و نخرج من تحت الثرى و يعود شيخنا فتى.

ثم قال تعالى: إِنََّا جَعَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ أَوْلِيََاءَ لِلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ فقد احتج أصحابنا بهذا النص على/انه تعالى هو الذي سلط الشيطان الرجيم عليهم حتى أضلهم و أغواهم قال الزجاج: و يتأكد هذا النص بقوله تعالى: أَنََّا أَرْسَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ عَلَى اَلْكََافِرِينَ [مريم: 83]قال القاضي: معنى قوله: جَعَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ أَوْلِيََاءَ لِلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ هو انا حكمنا بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن قال و معنى قوله: أَرْسَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ عَلَى اَلْكََافِرِينَ هو انا خلينا بينهم و بينهم كما يقال فيمن يربط الكلب في داره و لا يمنعه من التوثب على الداخل انه أرسل عليه كلبه.

و الجواب: ان القائل إذا قال: ان فلانا جعل هذا الثوب ابيض او اسود لم يفهم منه انه حكم به بل يفهم منه انه حصل السواد او البياض فيه فكذلك هاهنا وجب حمل الجعل على التأثير و التحصيل لا على مجرد الحكم و ايضا فهب انه تعالى حكم بذلك لكن مخالفة حكم اللّه تعالى توجب كونه كاذبا و هو محال فالمضي الى المحال محال فكون العبد قادرا على خلاف ذلك وجب ان يكون محالا. و اما قوله ان قوله تعالى: أَنََّا أَرْسَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ عَلَى اَلْكََافِرِينَ اي خلينا بينهم و بين الكافرين فهو ضعيف ايضا الا ترى ان اهل السوق يؤذي بعضهم بعضا و يشتم بعضهم بعضا ثم ان زيدا و عمرا إذا لم يمنع بعضهم عن البعض لا يقال انه أرسل بعضهم على البعض بل لفظ الإرسال انما يصدق إذا كان تسليط بعضهم على البعض بسبب من جهته فكذا هاهنا. و اللّه اعلم.

225

في قوله تعالى وَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً قََالُوا وَجَدْنََا عَلَيْهََا آبََاءَنََا وَ اَللََّهُ أَمَرَنََا بِهََا قُلْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَأْمُرُ بِالْفَحْشََاءِ اعلم ان في الناس من حمل الفحشاء على ما كانوا يحرمونه من البحيرة و السائبة و غيرهما و فيهم من حمله على انهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال و النساء و الاولى ان يحكم بالتعميم و الفحشاء عبارة من كل معصية كبيرة فيدخل فيه جميع الكبائر و اعلم انه ليس المراد منه ان القوم كانوا يسلمون كون تلك الأفعال فواحش ثم كانوا يزعمون ان اللّه أمرهم بها فإن ذلك لا يقوله عاقل بل المراد ان تلك الأشياء كانت في أنفسها فواحش و القوم كانوا يعتقدون انها طاعات و ان الله أمرهم بها ثم انه تعالى حكى عنهم انهم كانوا يحتجون على اقدامهم على تلك الفواحش بأمرين/أحدهما: انا وجدنا عليها آباءنا. و الثاني: ان اللّه أمرنا بها.

اما الحجة الاولى: فما ذكر اللّه عنها جوابا لأنها اشارة الى محض التقليد و قد تقرر في عقل كل احد انه طريقة فاسدة لان التقليد حاصل في الأديان المتناقضة فلو كان التقليد طريقا حقا للزم الحكم بكون كل واحد من المتناقضين حقا و معلوم انه باطل و لما كان فساد هذا الطريق ظاهرا جليا لكل احد لم يذكر اللّه تعالى الجواب عنه.

و اما الحجة الثانية: و هي قولهم: وَ اَللََّهُ أَمَرَنََا بِهََا فقد أجاب عنه بقوله تعالى: قُلْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَأْمُرُ بِالْفَحْشََاءِ و المعنى انه ثبت على لسان الأنبياء و الرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة فكيف يمكن القول بأن اللّه تعالى أمرنا بها؟و أقول للمعتزلة ان يحتجوا بهذه الآية على ان الشي‏ء انما يقبح لوجه عائد اليه ثم انه تعالى نهى عنه لكونه مشتملا على ذلك الوجه لان قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَأْمُرُ بِالْفَحْشََاءِ اشارة الى انه لما كان ذلك موصوفا في نفسه بكونه من الفحشاء امتنع ان يأمر اللّه به و هذا يقتضي ان يكون كونه في نفسه من الفحشاء مغايرا لتعلق الأمر و النهي به و ذلك يفيد المطلوب.

و جوابه: يحتمل انه لما ثبت بالاستقراء انه تعالى لا يأمر الا بما يكون مصلحة للعباد و لا ينهى الا عما يكون مفسدة لهم فقد صح هذا التعليل لهذا المعنى. و اللّه اعلم.

ثم قال تعالى: أَ تَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ و فيه بحثان:

البحث الاول: المراد منه ان يقال: انكم تقولون ان اللّه أمركم بهذه الأفعال المخصوصة فعلمكم بأن اللّه أمركم بها حصل لأنكم سمعتم كلام اللّه تعالى ابتداء من غير واسطة او عرفتم ذلك بطريق الوحي الى الأنبياء؟ اما الاول: فمعلوم الفساد بالضرورة.

و اما الثاني: فباطل على قولكم لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء على الإطلاق لان هذه المناظرة وقعت مع كفار قريش و هم كانوا ينكرون اصل النبوة و إذا كان الأمر كذلك فلا طريق لهم الى تحصيل العلم بأحكام اللّه تعالى فكان قولهم ان اللّه أمرنا بها قولا على اللّه تعالى بما لا يكون معلوما و انه باطل.

البحث الثاني: نفاة القياس قالوا: الحكم المثبت بالقياس مظنون و غير معلوم و ما لا يكون معلوما لم‏

226

يجز القول به لقوله تعالى في معرض الذم و السخرية: أَ تَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ و جواب مثبتي القياس عن أمثال هذه الدلالة قد ذكرناه مرارا. و اللّه اعلم.

في قوله تعالى قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ اعلم انه تعالى لما بين امر الأمر بالفحشاء بين تعالى انه يأمر بالقسط و العدل و فيه مسائل:

المسألة الاولى: قوله: أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ يدل على ان الشي‏ء يكون في نفسه قسطا لوجوه عائدة اليه في ذاته ثم انه تعالى يأمر به لكونه كذلك في نفسه و ذلك يدل ايضا على ان الحسن انما يحسن لوجوه عائدة اليه و جوابه ما سبق ذكره.

المسألة الثانية: قال عطاء و السدي بِالْقِسْطِ بالعدل و بما ظهر في المعقول كونه حسنا صوابا. و قال ابن عباس: هو قول لا اله الا اللّه و الدليل عليه قوله: شَهِدَ اَللََّهُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ أُولُوا اَلْعِلْمِ قََائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران: 18]و ذلك القسط ليس الا شهادة ان لا اله الا اللّه فثبت ان القسط ليس الا قول لا اله الا اللّه.

إذا عرفت هذا فنقول: انه تعالى امر في هذه الآية بثلاثة أشياء: أولها: انه امر بالقسط و هو قول: لا اله الا اللّه و هو يشتمل على معرفة اللّه تعالى بذاته و أفعاله و أحكامه ثم على معرفة انه واحد لا شريك له. و ثانيها:

انه امر بالصلاة و هو قوله: وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ و فيه مباحث:

البحث الاول: انه لقائل ان يقول: أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ خبر و قوله: وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ امر و عطف الأمر على الخبر لا يجوز. و جوابه التقدير: قل امر ربي بالقسط. و قل: اقيموا وجوهكم عند كل مسجد و ادعوه مخلصين له الدين.

البحث الثاني: في الآية قولان: أحدهما: المراد بقوله: أَقِيمُوا هو استقبال القبلة. و الثاني: ان المراد هو الإخلاص و السبب في ذكر هذين القولين ان اقامة الوجه في العبادة قد/تكون باستقبال القبلة و قد تكون بالإخلاص في تلك العبادة و الأقرب هو الاول لان الإخلاص مذكور من بعد و لو حملناه على معنى الإخلاص صار كأنه قال: و أخلصوا عند كل مسجد و ادعوه مخلصين له الدين و ذلك لا يستقيم.

فإن قيل: يستقيم ذلك إذا علقت الإخلاص بالدعاء فقط.

قلنا: لما أمكن رجوعه إليهما جميعا لم يجز قصره على أحدهما خصوصا مع قوله: مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ فإنه يعم كل ما يسمى دينا.

إذا ثبت هذا فنقول: قوله: عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ اختلفوا في ان المراد منه زمان الصلاة او مكانه و الأقرب هو الاول لأنه الموضع الذي يمكن فيه اقامة الوجه للقبلة فكأنه تعالى بين لنا ان لا نعتبر الأماكن بل نعتبر

227

القبلة فكان المعنى: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة الى الكعبة و قال ابن عباس: المراد إذا حضرت الصلاة و أنتم عند مسجد فصلوا فيه و لا يقولن أحدكم لا أصلي الا في مسجد قومي.

و لقائل ان يقول: حمل لفظ الآية على هذا بعيد لان لفظ الآية يدل على وجوب اقامة الوجه في كل مسجد و لا يدل على انه لا يجوز له العدول من مسجد الى مسجد.

و اما قوله: وَ اُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ فاعلم انه تعالى لما امر في الآية الاولى بالتوجه الى القبلة امر بعده بالدعاء و الأظهر عندي ان المراد به اعمال الصلاة و سماها دعاء لان الصلاة في اصل اللغة عبارة عن الدعاء و لان اشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء و الذكر و بين انه يجب ان يؤتى بذلك الدعاء مع الإخلاص و نظيره قوله تعالى: وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا اَللََّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ [البينة: 5] ثم قال تعالى: كَمََا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ و فيه قولان:

القول الاول: قال ابن عباس: كَمََا بَدَأَكُمْ خلقكم مؤمنا او كافرا تَعُودُونَ فبعث المؤمن مؤمنا و الكافر كافرا فإن من خلقه اللّه في أول الأمر للشقاوة أعمله بعمل اهل الشقاوة و كانت عاقبته الشقاوة و ان خلقه للسعادة أعمله بعمل اهل السعادة و كانت عاقبته السعادة.

و القول الثاني: قال الحسن و مجاهد: كَمََا بَدَأَكُمْ خلقكم في الدنيا و لم تكونوا شيئا كذلك تعودون احياء فالقائلون بالقول الاول: احتجوا على صحته بأنه تعالى ذكر عقيبه قوله: فَرِيقاً هَدى‏ََ وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلضَّلاََلَةُ و هذا يجري مجرى التفسير لقوله: كَمََا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ و ذلك يوجب ما قلناه. قال القاضي: هذا القول الباطل لان أحدا لا يقول انه تعالى بدانا مؤمنين او كافرين لأنه لا بد في الايمان و الكفر ان يكون طارئا و هذا السؤال ضعيف لان جوابه ان/يقال: كما بدأكم بالإيمان و الكفر و السعادة و الشقاوة فكذلك يكون الحال عليه يوم القيامة. و اعلم انه تعالى امر في الآية أولا بكلمة «قسط» و هي كلمة لا اله الا اللّه ثم امر بالصلاة ثانيا ثم بين ان الفائدة في الإتيان بهذه الأعمال انما تظهر في الدار الآخرة و نظيره قوله تعالى في «طه» لموسى عليه السلام: إِنَّنِي أَنَا اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي*`إِنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ أَكََادُ أُخْفِيهََا [طه: 14 15] ثم قال تعالى: فَرِيقاً هَدى‏ََ وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلضَّلاََلَةُ و فيه بحثان:

البحث الاول: احتج أصحابنا بهذه الآية على ان الهدى و الضلال من اللّه تعالى. قالت المعتزلة: المراد فريقا هدى الى الجنة و الثواب و فريقا حق عليهم الضلالة اي العذاب و الصرف عن طريق الثواب. قال القاضي: لان هذا هو الذي يحق عليهم دون غيرهم إذا العبد لا يستحق لان يضل عن الدين إذ لو استحق ذلك لجاز ان يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة و في ذلك زوال الثقة بالنبوات.

و اعلم ان هذا الجواب ضعيف من وجهين: الاول: ان قوله: فَرِيقاً هَدى‏ََ اشارة الى الماضي و على التأويل الذي يذكرونه يصير المعنى الى انه تعالى سيهديهم في المستقبل و لو كان المراد انه تعالى حكم في الماضي بأنه سيهديهم الى الجنة كان هذا عدولا عن الظاهر من غير حاجة لأنا بينا بالدلائل العقلية القاطعة ان‏

228

الهدى و الضلال ليسا الا من اللّه تعالى. و الثاني: نقول هب ان المراد من الهداية و الضلال حكم اللّه تعالى بذلك الا انه لما حصل هذا الحكم امتنع من العبد صدور غيره و الا لزم انقلاب ذلك الحكم كذبا و الكذب على اللّه محال و المفضي الى المحال فكان صدور غير ذلك الفعل من العبد محالا و ذلك يوجب فساد مذهب المعتزلة من هذا الوجه. و اللّه اعلم.

البحث الثاني: انتصاب قوله: وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلضَّلاََلَةُ بفعل يفسره ما بعده كأنه قيل: و خذل فريقا حق عليهم الضلالة ثم بين تعالى ان الذي لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة هو انهم اتخذوا الشياطين اولياء من دون اللّه فقبلوا ما دعوهم اليه و لم يتأملوا في التمييز بين الحق و الباطل.

فإن قيل: كيف يستقيم هذا التفصيل مع قولكم بأن الهدى و الضلال انما يحصل بخلق اللّه تعالى ابتداء.

فنقول: عندنا مجموع القدرة و الداعي يوجب الفعل و الداعية التي دعتهم الى ذلك الفعل هي: انهم اتخذوا الشيطان اولياء من دون اللّه.

ثم قال تعالى: وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ قال ابن عباس: يريد ما بين لهم عمرو بن لحي و هذا بعيد /بل هو محمول على عمومه فكل من شرع في باطل فهو يستحق الذم و العذاب سواء حسب كونه حقا او لم يحسب ذلك و هذه الآية تدل على ان مجرد الظن و الحسبان لا يكفي في صحة الدين بل لا بد فيه من الجزم و القطع و اليقين لأنه تعالى عاب الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين و لو لا ان هذا الحسبان مذموم و الا لما ذمهم بذلك. و اللّه اعلم.

في قوله تعالى يََا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ اعلم ان اللّه تعالى لما امر بالقسط في الآية الاولى و كان من جملة القسط امر اللباس و امر المأكول و المشروب لا جرم اتبعه بذكرهما و ايضا لما امر بإقامة الصلاة في قوله: وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: 29]و كان ستر العورة شرطا لصحة الصلاة لا جرم اتبعه بذكر اللباس و في الآية مسائل:

المسألة الاولى: قال ابن عباس: ان اهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال بالنهار و النساء بالليل و كانوا إذا و صلوا الى مسجد منى طرحوا ثيابهم و أتوا المسجد عراة و قالوا: لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب و منهم من يقول: نفعل ذلك تفاؤلا حتى نتعرى عن الذنوب كما تعرينا عن الثياب و كانت المرأة منهم تتخذ سترا تعلقه على حقويها لتستتر به عن الحمس و هم قريش فإنهم كانوا لا يفعلون ذلك و كانوا يصلون في ثيابهم و لا يأكلون من الطعام الا قوتا و لا يأكلون دسما فقال المسلمون: يا رسول اللّه فنحن أحق ان نفعل ذلك فأنزل اللّه تعالى هذه الآية اي: «البسوا ثيابكم و كلوا اللحم و الدسم و اشربوا و لا تسرفوا» .

المسألة الثانية: المراد من الزينة لبس الثياب و الدليل عليه قوله تعالى: وَ لاََ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ* [النور:

31]يعني الثياب و ايضا فالزينة لا تحصل الا بالستر التام للعورات و لذلك صار التزيين بأجود الثياب في

229

الجمع و الأعياد سنة و ايضا انه تعالى قال في الآية المتقدمة: قَدْ أَنْزَلْنََا عَلَيْكُمْ لِبََاساً يُوََارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً [الأعراف: 26]فبين ان اللباس الذي يواري السوأة من قبيل الرياش و الزينة ثم انه تعالى أمر بأخذ الزينة في هذه الآية فوجب ان يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدم ذكره في تلك الآية فوجب حمل هذه الزينة على ستر العورة و ايضا فقد اجمع المفسرين على ان المراد بالزينة هاهنا لبس الثوب الذي يستر العورة و ايضا فقوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ امر و الأمر للوجوب فثبت أن أخذ الزينة واجب و كل ما سوى اللبس فغير واجب فوجب حمل الزينة على اللبس عملا بالنص بقدر الإمكان.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ امر و ظاهر الأمر للوجوب فهذا يدل على وجوب ستر العورة عنه اقامة كل صلاة و هاهنا سؤالان:

السؤال الاول: انه: تعالى عطف عليه قوله: وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا و لا شك ان ذلك امر اباحة فوجب ان يكون قوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ امر اباحة ايضا و جوابه: انه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه و ايضا فالأكل و الشرب قد يكونان واجبين ايضا في الحكم:

السؤال الثاني: ان هذه الآية نزلت في المنع من الطواف حال العربي.

و الجواب: انا بينا في اصول الفقه ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة لان اللبس التام هو الزينة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء اجماعا فبقي الباقي داخلا تحت اللفظ و إذا ثبت ان ستر العورة واجب في الصلاة وجب ان تفسد الصلاة عند تركه لان تركه يوجب ترك المأمور به و ترك المأمور به معصية و المعصية توجب العقاب على ما شرحنا هذه الطريقة في الأصول.

المسألة الثالثة: تمسك اصحاب ابي حنيفة بهذه الآية في مسألة ازالة النجاسة بماء الورد فقالوا: أمرنا بالصلاة في قوله: أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ* [الانعام: 72]و الصلاة عبارة عن الدعاء و قد اتى بها و الإتيان بالمأمور به يوجب الخروج عن العهدة فمقتضى هذا الدليل ان لا تتوقف صحة الصلاة على ستر العورة الا انا أوجبنا هذا المعنى عملا بقوله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ و لبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ الزينة فوجب ان يكون كافيا/في صحة الصلاة.

و جوابنا: ان الالف و اللام في قوله: أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ* ينصرفان الى المعهود السابق و ذلك هو عمل الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم لم قلتم ان الرسول عليه الصلاة و السلام صلى في الثوب المغسول بماء الورد؟و اللّه اعلم.

اما قوله تعالى: وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا فاعلم انا ذكرنا ان اهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من الطعام في ايام حجهم الا القليل و كانوا لا يأكلون الدسم يعظمون بذلك حجهم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية لبيان فساد تلك الطريقة.

و القول الثاني: انهم كانوا يقولون ان اللّه تعالى حرم عليهم شيئا مما في بطون الانعام فحرم عليهم البحيرة

230

و السائبة فأنزل اللّه تعالى هذه الآية بيانا لفساد قولهم في هذا الباب.

و اعلم ان قوله: وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا مطلق يتناول الأوقات و الأحوال و يتناول جميع المطعومات و المشروبات فوجب ان يكون الأصل فيها هو الحل في كل الأوقات و في كل المطعومات و المشروبات الا ما خصه الدليل المنفصل و العقل ايضا مؤكد له لان الأصل في المنافع الحل و الاباحة.

و اما قوله تعالى: وَ لاََ تُسْرِفُوا ففيه قولان:

القول الاول: ان يأكل و يشرب بحيث لا يتعدى الى الحرم و لا يكثر الانفاق المستقبح و لا يتناول مقدارا كثيرا يضره و لا يحتاج اليه:

و القول الثاني: و هو قول ابي بكر الأصم: ان المراد من الإسراف قولهم بتحريم البحيرة و السائبة فإنهم أخرجوها عن ملكهم و تركوا الانتفاع بها و ايضا انهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج ايضا أشياء أحلها اللّه تعالى لهم و ذلك اسراف.

و اعلم ان حمل لفظ الإسراف على الاستكثار مما لا ينبغي اولى من حمله على المنع من لا يجوز و ينبغي.

ثم قال تعالى: إِنَّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْمُسْرِفِينَ و هذا نهاية التهديد لان كل ما لا يحبه اللّه تعالى بقي محروما عن الثواب لان معنى محبة اللّه تعالى العبد إيصاله الثواب اليه فعدم هذه المحبة عبارة عن عدم حصول الثواب و متى لم يحصل الثواب فقد حصل العقاب لانعقاد الإجماع على انه ليس في الوجود مكلف لا يثاب و لا يعاقب.

ثم قال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللََّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبََادِهِ وَ اَلطَّيِّبََاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ و فيه مسائل:

المسألة الاولى: ان هذه الآية ظاهرها استفهام الا ان المراد منه تقرير الإنكار و المبالغة في تقرير ذلك الإنكار و في الآية قولان:

القول الاول: ان المراد من الزينة في هذه الآية اللباس الذي تستر به العورة و هو قول ابن عباس رضي اللّه عنهما و كثير من المفسرين.

و القول الثاني: انه يتناول جميع انواع الزينة فيدخل تحت الزينة جميع انواع التزيين و يدخل تحتها تنظيف البدن من جميع الوجوه و يدخل تحتها المركوب و يدخل تحتها ايضا انواع الحلي لان كل ذلك زينة و لو لا النص الوارد في تحريم الذهب و الفضة و الإبريسم على الرجال لكان ذلك داخلا تحت هذا العموم و يدخل تحت الطيبات من الرزق كل ما يستلذ و يشتهى من انواع المأكولات و المشروبات و يدخل ايضا تحته التمتع بالنساء و بالطيب. و

روي عن عثمان بن مظعون: انه اتى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال: غلبني حديث النفس عزمت على ان اختصي فقال: «مهلا يا عثمان ان خصاء أمتي الصيام» قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب. قال:

«ان ترهب امتي القعود في المساجد لانتظار الصلاة فقال: تحدثني نفسي بالسياحة» . فقال: «سياحة امتي الغزو و الحج و العمرة» فقال: ان نفسي تحدثني ان اخرج مما املك فقال: «الاولى ان تكفي نفسك و عيالك و ان ترحم اليتيم و المسكين فتعطيه أفضل من ذلك» فقال: ان نفسي تحدثني ان اطلق خولة فقال: «ان الهجرة في‏

231

أمتي هجرة ما حرم اللّه» قال: فإن نفسي تحدثني ان لا اغشاها. قال: «ان المسلم إذا غشى اهله او ما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولدا كان له وصيف في الجنة و إذا كان له ولد مات قبله او بعده كان له قرة عين و فرح يوم القيامة و ان مات قبل ان يبلغ الحنث كان له شفيعا و رحمة يوم القيامة» قال: فإن نفسي تحدثني ان لا آكل اللحم قال: «مهلا اني آكل اللحم إذا وجدته و لو سألت اللّه ان يطعمنيه كل يوم فعله» قال: فإن نفسي تحدثني ان لا أمس الطيب. قال: «مهلا فإن جبريل امرني بالطيب غبا و قال لا تتركه يوم الجمعة» ثم قال: «يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإن من رغب عن سنتي و مات قبل ان يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي» .

و اعلم ان هذا الحديث يدل على ان هذه الشريعة الكاملة تدل على ان جميع انواع الزينة مباح مأذون فيه الا ما خصه الدليل فلهذا السبب أدخلنا الكل تحت قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللََّهِ .

المسألة الثانية: مقتضى هذه الآية ان كل ما تزين الإنسان به وجب ان يكون حلالاً و كذلك كل ما يستطاب وجب ان يكون حلالا فهذه الآية تقتضي حل كل المنافع و هذا اصل معتبر في كل الشريعة لان كل واقعة تقع فإما ان يكون النفع فيها خالصا او راجحا او الضرر يكون/خالصا او راجحا او يتساوى الضرر و النفع او يرتفعا. اما القسمان الأخيران و هو ان يتعادل الضرر و النفع او لم يوجدا قط ففي هاتين الصورتين وجب الحكم ببقاء ما كان على ما كان و ان كان النفع خالصا وجب الإطلاق بمقتضي هذه الآية و ان كان النفع راجحا و الضرر مرجوحا يقابل المثل بالمثل و يبقى القدر الزائد نفعا خالصا فيلتحق بالقسم الذي يكون النفع فيه خالصا و ان كان الضرر خالصا كان تركه خالص النفع، فيلتحق بالقسم المتقدم و ان كان الضرر راجحا بقي القدر الزائد ضررا خالصا فكان تركه نفعا خالصا، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الاحكام التي لا نهاية لها في الحل و الحرمة ثم ان وجدنا نصا خالصا في الواقعة قضينا في النفع بالحل و في الضرر بالحرمة و بهذا الطريق صار جميع الاحكام التي لا نهاية لها داخلا تحت النص ثم قال نفاة القياس فلو تعبدنا اللّه تعالى بالقياس لكان حكم ذلك القياس اما ان يكون موافقا لحكم هذا النص العام و حينئذ يكون ضائعا لان هذا النص مستقل به و ان كان مخالفا كان ذلك القياس مخصصا لعموم هذا النص فيكون مردودا لان العمل بالنص اولى من العمل بالقياس. قالوا: و بهذا الطريق يكون القرآن وحده وافيا ببيان كل احكام الشريعة و لا حاجة معه الى طريق آخر فهذا تقرير قول من يقول: القرآن واف ببيان جميع الوقائع و اللّه اعلم.

و اما قوله تعالى: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا خََالِصَةً يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ ففيه مسألتان:

المسألة الاولى: تفسير الآية هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة لهم لان المشركين شركاؤهم فيها خالصة يوم القيامة لا يشركهم فيها احد.

فإن قيل: هلا قيل للذين آمنوا و لغيرهم؟ قلنا: فهم منه التنبيه على انها خلقت للذين آمنوا على طريق الاصالة و ان الكفرة تبع لهم كقوله تعالى:

وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ََ عَذََابِ اَلنََّارِ [البقرة: 126]و الحاصل: ان ذلك تنبيه على ان هذه النعم انما تصفوا عن شوائب الرحمة يوم القيامة اما في الدنيا فإنها تكون مكدرة مشوبة.

232

المسألة الثانية: قرا نافع خالصة بالرفع و الباقون بالنصب قال الزجاج: الرفع على انه خبر بعد خبر كما تقول: زيد عاقل لبيب و المعني: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة. قال ابو على: و يجوز ان يكون قوله: خالصة خبر المبتدا و قوله: لِلَّذِينَ آمَنُوا متعلقا بخالصة. و التقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا و اما القراءة بالنصب فعلى الحال و المعني: انها ثابتة للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة.

ثم قال تعالى: كَذََلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآيََاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ و معنى تفصيل الآيات قد سبق و قوله: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اي لقوم يمكنهم النظر به و الاستدلال حتى يتوصلوا به الى تحصيل العلوم النظرية و اللّه اعلم.

في الآية مسألتان:

المسألة الاولى: اسكن حمزة الياء من ربي و الباقون فتحوها.

المسألة الثانية: اعلم انه تعالى لما بين في الآية الاولى ان الذي حرموه ليس بحرام بين في هذه الآية انواع المحرمات فحرم أولا الفواحش و ثانيا الإثم و اختلفوا في الفرق بينهما على وجوه: الاول: ان الفواحش عبارة عن الكبائر لأنه قد تفاحش قبحها اي تزايد و الإثم عبارة عن الصغائر فكان معنى الآية: انه حرم الكبائر و الصغائر و طعن القاضي فيه فقال هذا يقتضي ان يقال: الزنا و السرقة و الكفر ليس بإثم و هو بعيد.

القول الثاني: ان الفاحشة اسم لا يجب فيه الحد و الإثم اسم لما يجب فيه الحد و هذا و ان كان مغايرا للأول الا انه قريب منه و السؤال فيه ما تقدم.

و القول الثالث: ان الفاحشة اسم للكبيرة و الإثم اسم لمطلق الذنب سواء كان كبيرا او صغيرا. و الفائدة فيه: انه تعالى لما حرم الكبيرة اردفها بتحريم مطلق الذنب لئلا يتوهم ان التحريم مقصود على الكبيرة و على هذا القول اختيار القاضي.

و القول الرابع: ان الفاحشة و ان كانت بحسب اصل اللغة اسما لكل ما تفاحش و تزايد في امر من الأمور الا انه في العرف مخصوص بالزيادة. و الدليل عليه انه تعالى قال في الزنا: إِنَّهُ كََانَ فََاحِشَةً [الإسراء: 32] و لان لفظ الفاحشة إذا اطلق لم يفهم منه الا ذلك و إذا قيل فلان فحاش: فهم انه يشتم الناس بألفاظ الوقاع فوجب حمل لفظ الفاحشة على الزنا فقط.

إذا ثبت هذا فنقول: في قوله: مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ على هذا التفسير وجهان: الاول: يريد سر الزنا و هو الذي يقع على سبيل العشق و المحبة و ما ظهر منها بأن يقع علانية. و الثاني: ان يراد بما ظهر من الزنا الملاسمة و المعانقة وَ مََا بَطَنَ الدخول. و اما الإثم فيجب تخصيصه بالخمر لأنه تعالى قال في صفة الخمر: وَ إِثْمُهُمََا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمََا [البقرة: 219]و بهذا التقدير فإنه يظهر الفرق بين اللفظين.

النوع الثالث: من المحرمات قوله: وَ اَلْبَغْيَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ فنقول: اما الذين قالوا: المراد بالفواحش‏

233

جميع الكبائر و بالإثم جميع الذنوب. قالوا: ان البغي و الشرك لا بد و ان يكونا داخلين تحت الفواحش و تحت الإثم الا ان اللّه تعالى خصهما بالذكر تنبيها على انهما أقبح انواع الذنوب كما في قوله: وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكََالَ [البقرة: 98]و في قوله: وَ إِذْ أَخَذْنََا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثََاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ [الأحزاب: 7] و اما الذين قالوا الفاحشة مخصوصة بالزنا و الإثم بالخمر قالوا: البغي و الشرك على هذا التقرير غير داخلين تحت الفواحش و الإثم فنقول: البغي لا يستعمل الا في الاقدام على الغير نفسا او مالا او عرضا و ايضا قد يراد بالبغي الخروج على سلطان الوقت.

فإن قيل: البغي لا يكون الا بغير الحق فما الفائدة في ذكر هذا الشرط.

قلنا انه مثل قوله تعالى: وَ لاََ تَقْتُلُوا اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللََّهُ إِلاََّ بِالْحَقِّ* [الإسراء: 33]و المعنى: لا تقدموا على إيذاء الناس بالقتل و القهر الا ان يكون لكم فيه حق فحينئذ يخرج من ان يكون بغيا.

و النوع الرابع: من المحرمات قوله تعالى: وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللََّهِ مََا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطََاناً و فيه سؤال: و هو ان هذا يوهم ان في الشرك باللّه ما قد انزل به سلطانا و جوابه: المراد منه ان الإقرار بالشي‏ء الذي ليس على ثبوته حجة و لا سلطان ممتنع فلما امتنع حصول الحجة و التنبيه على صحة القول بالشرك فوجب ان يكون القول به باطلا على الإطلاق و هذه الآية من أقوى الدلائل على ان القول بالتقليد باطل.

و النوع الخامس: من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ و قد سبق تفسير هذه الآية في هذه السورة عند قوله: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَأْمُرُ بِالْفَحْشََاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ [الأعراف: 28] و بقي في الآية سؤالان:

السؤال الاول: كلمة «انما» تفيد الحصر فقوله: إِنَّمََا حَرَّمَ رَبِّيَ كذا و كذا يفيد الحصر و المحرمات غير محصورة في هذه الأشياء.

و الجواب: ان قلنا الفاحشة محمولة على مطلق الكبائر و الإثم على مطلق الذنب دخل كل/الذنوب فيه و ان حملنا الفاحشة على الزنا و الإثم على الخمر قلنا: الجنايات محصورة في خمسة انواع: أحدها:

الجنايات على الأنساب و هي انما تحصل بالزنا و هي المراد بقوله: إِنَّمََا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوََاحِشَ و ثانيها:

الجنايات على العقول و هي شرب الخمر و إليها الإشارة بقوله: اَلْإِثْمَ و ثالثها: الجنايات على الاعراض.

و رابعها: الجنايات على النفوس و على الأموال و إليهما الإشارة بقوله: وَ اَلْبَغْيَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ و خامسها:

الجنايات على الأديان و هي من وجهين: أحدها: الطعن في توحيد اللّه تعالى و اليه الإشارة بقوله: وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللََّهِ و ثانيها: القول في دين اللّه من غير معرفة و اليه الإشارة بقوله: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ فلما كانت اصول الجنايات هي هذه الأشياء و كانت البواقي كالفروع و التوابع لا جرم جعل تعالى ذكرها جاريا مجرى ذكر الكل فأدخل فيها كلمة «انما» المفيدة للحصر.

السؤال الثاني: الفاحشة و الإثم هو الذي نهى اللّه عنه فصار تقدير الآية: انما حرم ربي المحرمات و هو كلام خال عن الفائدة و الجواب كون الفعل فاحشة هو عبارة عن اشتماله في ذاته على امور باعتبارها يجب‏

234

في الآية مسائل:

المسألة الاولى: انه تعالى لما بين الحلال و الحرام و احوال التكليف بين ان لكل احد أجلا معينا لا يتقدم و لا يتأخر و إذا جاء ذلك الأجل مات لا محالة و الغرض منه التخويف ليتشدد المرء في القيام بالتكاليف كما ينبغي.

المسألة الثانية: اعلم ان الأجل هو الوقت الموقت المضروب لانقضاء المهلة و في هذه الآية قولان:

القول الاول: و هو قول ابن عباس و الحسن و مقاتل ان المعنى ان اللّه تعالى أمهل كل امة كذبت رسولها الى وقت معين و هو تعالى لا يعذبهم الى ان ينظروا ذلك الوقت الذي يصيرون فيه مستحقين لعذاب الاستئصال فإذا جاء ذلك الوقت نزل ذلك العذاب لا محالة.

و القول الثاني: ان المراد بهذا الأجل العمر فإذا انقطع ذلك الأجل و كمل امتنع وقوع التقديم و التأخير فيه و القول الاول: اولى لأنه تعالى قال: وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ و لم يقل و لكل احد أجل/و على القول الثاني: انما قال: وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ و لم يقل لكل احد لان الامة هي الجماعة في كل زمان و معلوم من حالها التقارب في الأجل لان ذكر الامة فيما يجري مجرى الوعيد افحم و ايضا فالقول الاول: يقتضي ان يكون لكل امة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال عليهم و ليس الأمر كذلك لان أمتنا ليست كذلك.

المسألة الثالثة: إذا حملنا الآية على القول الثاني: لزم ان يكون لكل احد أجل لا يقع فيه التقديم و التأخير فيكون المقتول ميتا بأجله و ليس المراد منه انه تعالى لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك و لا انقص و لا يقدر على ان يميته في ذلك الوقت لان هذا يقتضي خروجه تعالى عن كونه قادرا مختارا و صيرورته كالموجب لذاته و ذلك في حق اللّه تعالى ممتنع بل المراد انه تعالى اخبر ان الأمر يقع على هذا الوجه.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: لاََ يَسْتَأْخِرُونَ سََاعَةً وَ لاََ يَسْتَقْدِمُونَ المراد انه لا يتأخر عن ذلك الأجل المعين لا بساعة و لا بما هو اقل من ساعة الا انه تعالى ذكر الساعة لان هذا اللفظ اقل اسماء الأوقات.

فإن قيل: ما معنى قوله: وَ لاََ يَسْتَقْدِمُونَ فإن عند حضور الأجل امتنع عقلا وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم عليه.

قلنا: يحمل قوله: فَإِذََا جََاءَ أَجَلُهُمْ على قرب حضور الأجل. تقول العرب: جاء الشتاء إذا قارب وقته و مع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك تارة و التأخر عنه اخرى.