التفسير الكبير - ج16

- الفخر الرازي‏ المزيد...
181 /
5

الجزء السادس عشر

تتمة سورة التوبة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: أَ لاََ تُقََاتِلُونَ قَوْماً [التوبة: 13]ذكر عقيبه سبعة أشياء كل واحد منها يوجب إقدامهم على القتال. ثم إنه تعالى في هذه الآية أعاد الأمر بالقتال و ذكر في ذلك القتال خمسة أنواع من الفوائد، كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد فكيف بها إذا اجتمعت؟ فأولها: قوله: يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ بِأَيْدِيكُمْ و فيه مباحث:

البحث الأول: أنه تعالى سمى ذلك عذابا و هو حق فإنه تعالى يعذب الكافرين فإن شاء عجله في الدنيا و إن شاء أخره إلى الآخرة.

البحث الثاني: أن المراد من هذا التعذيب القتل تارة و الأسر أخرى و اغتنام الأموال ثالثا، فيدخل فيه كل ما ذكرناه.

فإن قالوا: أ ليس أنه تعالى قال: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33]فكيف قال هاهنا:

يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ بِأَيْدِيكُمْ .

قلنا: المراد من قوله: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ عذاب الاستئصال، و المراد من قوله:

يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ بِأَيْدِيكُمْ عذاب القتل و الحرب، و الفرق بين البابين أن عذاب الاستئصال قد يتعدى إلى غير المذنب و إن كان في حقه سببا لمزيد الثواب، أما عذاب القتل فالظاهر أنه يبقى مقصورا على المذنب.

البحث الثالث: احتج أصحابنا على قولهم بأن فعل العبد مخلوق للََّه تعالى بقوله: يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ بِأَيْدِيكُمْ فإن المراد من هذا التعذيب القتل و الأسر و ظاهر النص يدل على أن ذلك القتل و الأسر فعل اللََّه تعالى، إلا أنه تعالى يدخله في الوجود على أيدي العباد، و هو صريح قولنا و مذهبنا أجاب الجبائي عنه فقال: لو جاز أن يقال إنه تعالى يعذب الكفار بأيدي المؤمنين لجاز أن يقال: إنه/يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين، و لجاز أن يقال إنه يكذب أنبياءه على ألسنة الكفار و يلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنه تعالى خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة، علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد و إنما نسب ما ذكرناه إلى نفسه على سبيل التوسع من حيث إنه حصل بأمره و ألطافه، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير، و أجاب أصحابنا عنه فقالوا: أما الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك إلا أنا لا نقوله باللسان، كما أنا نعلم أنه تعالى هو الخالق لجميع الأجسام ثم إنا لا نقول يا خالق الأبوال و العذرات، و يا مكون الخنافس و الديدان، فكذا هاهنا و أيضا أنا توافقنا على أن الزنا

6

و اللواط و سائر القبائح إنما حصلت بأقدار اللََّه تعالى و تيسيره، ثم لا يجوز أن يقال: يا مسهل الزنا و اللواط، و يا دافع الموانع عنها، فكذا هنا، أما قوله إن المراد إذن الأقدار فنقول هذا صرف للكلام عن ظاهره، و ذلك لا يجوز إلا لدليل قاهر، و الدليل القاهر من جانبنا هاهنا، فإن الفعل لا يصدر إلا عند الداعية الحاصلة، و حصول تلك الداعية ليس إلا من اللََّه تعالى. و ثانيها: قوله تعالى: وَ يُخْزِهِمْ معناه: ما ينزل بهم من الذل و الهوان حيث شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين ذليلين مهينين. قال الواحدي: قوله: وَ يُخْزِهِمْ أي بعد قتلكم إياهم، و هذا يدل على أن هذا الإخزاء إنما وقع بهم في الآخرة، و هذا ضعيف لما بينا أن الإخزاء واقع في الدنيا. و ثالثها: قوله تعالى: وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ و المعنى أنه لما حصل الخزي لهم بسبب كونهم مقهورين فقد حصل النصر للمسلمين بسبب كونهم قاهرين.

فإن قالوا: لما كان حصول ذلك الخزي مستلزما لحصول هذا النصر، كان إفراده بالذكر عبثا فنقول:

ليس الأمل كذلك، لأنه من المحتمل أن يحصل الخزي لهم من جهة المؤمنين، إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة بسبب آخر فلما قال: وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ دل على أنهم ينتفعون بهذا النصر و الفتح و الظفر. و رابعها: قوله:

وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ و قد ذكرنا أن خزاعة أسلموا، فأعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكلوا بهم، فشفى اللََّه صدورهم من بني بكر، و من المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه، ثم مكنه اللََّه منه على أحسن الوجوه فإنه يعظم سروره به، و يصير ذلك سببا لقوة النفس، و ثبات العزيمة. و خامسها: قوله: وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ .

و لقائل أن يقول: قوله: وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ معناه أنه يشفي من ألم الغيظ و هذا هو عين إذهاب الغيظ، فكان قوله: وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ تكرار.

و الجواب: أنه تعالى وعدهم بحصول هذا الفتح فكانوا في زحمة الانتظار، كما قيل الانتظار الموت الأحمر، فشفى صدورهم من زحمة الانتظار، و على هذا الوجه يظهر الفرق بين قوله: وَ يَشْفِ/صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ و بين قوله: وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ فهذه هي المنافع الخمسة التي ذكرها اللََّه تعالى في هذا القتال، و كلها ترجع إلى تسكين الدواعي الناشئة من القوة الغضبية، و هي التشفي و درك الثأر و إزالة الغيظ، و لم يذكر تعالى فيها وجدان الأموال و الفوز بالمطاعم و المشارب و ذلك لأن العرب قوم جبلوا على الحمية و الأنفة، فرغبهم في هذه المعاني لكونها لائقة بطباعهم، بقي هاهنا مباحث:

البحث الأول: أن هذه الأوصاف مناسبة لفتح مكة، لأن ذلك جرى في تلك الواقعة مشاكل لهذه الأحوال، و لهذا المعنى جاز أن يقال: الآية واردة فيه.

البحث الثاني: الآية دالة على المعجزة لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه الأحوال، و قد وقعت موافقة لهذه الأخبار فيكون ذلك إخبارا عن الغيب، و الإخبار عن الغيب معجز.

البحث الثالث: هذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في علم اللََّه تعالى إيمانا حقيقيا لأنها تدل على أن قلوبهم كانت مملوءة من الغضب، و من الحمية لأجل الدين، و من الرغبة الشديدة في علو دين الإسلام، و هذه الأحوال لا تحصل إلا في قلوب المؤمنين.

7

و اعلم أن وصف اللََّه لهم بذلك لا ينفي كونهم موصوفين بالرحمة و الرأفة، فإنه تعالى قال في صفتهم أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ [المائدة: 54]و قال أيضا: أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29].

ثم قال: وَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ قال الفراء و الزجاج: هذا مذكور على سبيل الاستئناف و لا يمكن أن يكون جوابا لقوله: قََاتِلُوهُمْ لأن قوله: وَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ لا يمكن جعله جزاء لمقاتلتهم مع الكفار. قالوا و نظيره: فَإِنْ يَشَإِ اَللََّهُ يَخْتِمْ عَلى‏ََ قَلْبِكَ [الشورى: 24]و تم الكلام هاهنا، ثم استأنف فقال:

وَ يَمْحُ اَللََّهُ اَلْبََاطِلَ [الشورى: 24]و من الناس من قال يمكن جعل هذه التوبة جزاء لتلك المقاتلة، و بيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى لما أمرهم بالمقاتلة، فربما شق ذلك على بعضهم على ما ذهب إليه الأصم، فإذا أقدموا على المقاتلة صار ذلك العمل جاريا مجرى التوبة عن تلك الكراهية. الثاني: أن حصول النصرة و الظفر إنعام عظيم، و العبد إذا شاهد توالي نعم اللََّه لم يبعد أن يصير ذلك داعيا له إلى التوبة من جميع الذنوب، الثالث: أنه إذا حصل النصر و الظفر و الفتح و كثرت الأموال و النعم و كانت لذاته تطلب بالطريق الحرام، فإن عند حصول المال و الجاه يمكن تحصيلها بطريق حلال، فيصير كثرة المال و الجاه داعيا إلى التوبة من هذه الوجوه. الرابع:

قال بعضهم إن النفس شديدة الميل إلى الدنيا و لذاتها، فإذا انفتحت أبواب الدنيا على الإنسان و أراد اللََّه به خيرا عرف أن لذاتها حقيرة يسيرة، فحينئذ تصير الدنيا حقيرة في عينه، فيصير ذلك سببا لانقباض النفس عن الدنيا، و هذا هو أحد الوجوه المذكورة في تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام: هَبْ لِي مُلْكاً لاََ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: 35]يعني أن بعد حصول هذا الملك لا يبقى للنفس اشتغال بطلب الدنيا، ثم يعرف أن عند حصول هذا الملك الذي هو أعظم الممالك لا حاصل للدنيا و لا فائدة في لذاتها و شهواتها، فحينئذ يعرض القلب عن الدنيا و لا يقيم لها وزنا، فثبت أن حصول المقاتلة يفضي إلى المنافع الخمسة المذكورة و تلك المنافع حصولها يوجب التوبة، فكانت التوبة متعلقة بتلك المقاتلة، و إنما قال: عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ لأن وجدان الدنيا و انفتاح أبوابها على الإنسان قد يصير سببا لانقباض القلب عن الدنيا و ذلك في حق من أراد به الخير، و قد يصير سببا لاستغراق الإنسان فيها و تهالكه عليها و انقطاعه بسببها عن سبيل اللََّه، فلما اختلف الأمر على الوجه الذي ذكرناه قال: وَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ .

ثم قال: وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ أي بكل ما يعمل و يفعل في ملكه و ملكوته حَكِيمٌ مصيب في أحكامه و أفعاله.

اعلم أن الآيات المتقدمة كانت مرغبة في الجهاد، و المقصود من هذه الآية مزيد بيان في الترغيب، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الفراء: قوله: أَمْ من الاستفهام الذي يتوسط الكلام، و لو أريد به الابتداء لكان بالألف أو بها.

المسألة الثانية: قال أبو عبيدة: كل شي‏ء أدخلته في شي‏ء ليس منه فهو وليجة و أصله من الولوج فالداخل‏

8

الذي يكون في القوم و ليس منهم وليجة، فالوليجة فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل قال الواحدي: يقال هو وليجتي و هم وليجتي للواحد و الجمع.

المسألة الثالثة: المقصود من الآية بيان أن المكلف في هذه الواقعة لا يتخلص عن العقاب إلا عند حصول أمرين: الأول: أن يعلم اللََّه الذين جاهدوا منكم، و ذكر العلم و المراد منه المعلوم، و المراد أن يصدر الجهاد عنهم إلا أنه إنما كان وجود الشي‏ء يلزمه معلوم الوجود عند اللََّه، لا جرم جعل علم اللََّه بوجوده كناية عن وجوده، و احتج هشام بن الحكم بهذه الآية على أنه تعالى لا يعلم الشي‏ء إلا حال وجوده.

و اعلم أن ظاهر الآية و إن كان يوهم ما ذكره إلا أن المقصود ما بيناه. و الثاني: قوله: وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَ لاََ رَسُولِهِ وَ لاَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً و المقصود من ذكر هذا الشرط أن المجاهد قد يجاهد و لا يكون مخلصا بل يكون منافقا، باطنه خلاف ظاهره، و هو الذي يتخذ الوليجة من دون اللََّه و رسوله و المؤمنين، فبين تعالى أنه لا يتركهم إلا إذا أتوا بالجهاد مع الإخلاص خاليا عن النفاق و الرياء و التودد إلى الكفار و إبطال ما يخالف طريقة الدين و المقصود بيان أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال فقط، بل الغرض أن يؤتى به انقيادا لأمر اللََّه عز و جل و لحكمه و تكليفه، ليظهر به بذل النفس و المال في طلب رضوان اللََّه تعالى فحينئذ يحصل به الانتفاع، و أما الإقدام على القتال لسائر الأغراض فذاك مما لا يفيد أصلا.

ثم قال: وَ اَللََّهُ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ أي عالم بنياتهم و أغراضهم مطلع عليها لا يخفى عليه منها شي‏ء، فيجب على الإنسان أن يبالغ في أمر النية و رعاية القلب. قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: إن اللََّه لا يرضى أن يكون الباطن خلاف الظاهر، و إنما يريد اللََّه من خلقه الاستقامة كما قال: إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا* [فصلت: 30 الأحقاف: 13]قال: و لما فرض القتال تبين المنافق من غيره و تميز من يوالي المؤمنين ممن يعاديهم.

في قوله تعالى مََا كََانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسََاجِدَ اَللََّهِ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى بدأ السورة بذكر البراءة عن الكفار و بالغ في إيجاب ذلك و ذكر من أنواع فضائحهم و قبائحهم ما يوجب تلك البراءة، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبها احتجوا بها/في أن هذه البراءة غير جائزة و أنه يجب أن تكون المخالطة و المناصرة حاصلة، فأولها ما ذكره في هذه الآية، و ذلك أنهم موصوفون بصفات حميدة و خصال مرضية و هي توجب مخالطتهم و معاونتهم و مناصرتهم، و من جملة تلك الصفات كونهم عامرين للمسجد الحرام قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: لما أسر العباس يوم بدر، أقبل عليه المسلمون فعيروه بكفره باللََّه و قطعية الرحم، و أغلظ له علي و قال: أ لكم محاسن فقال: نعمر المسجد الحرام و نحجب الكعبة و نسقي الحاج و نفك العاني، فأنزل اللََّه تعالى ردا على العباس مََا كََانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسََاجِدَ اَللََّهِ .

9

المسألة الثانية: عمارة المساجد قسمان: إما بلزومها و كثرة إتيانها يقال: فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر غشيانه إياه، و إما بالعمارة المعروفة في البناء، فإن كان المراد هو الثاني، كان المعنى أنه ليس للكافر أن يقدم على مرمة المساجد و إنما لم يجز له ذلك لأن المسجد موضع العبادة فيجب أن يكون معظما و الكافر يهينه و لا يعظمه، و أيضا الكافر نجس في الحكم، لقوله تعالى: إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: 28]و تطهير المساجد واجب لقوله تعالى: أَنْ طَهِّرََا بَيْتِيَ لِلطََّائِفِينَ [البقرة: 125]و أيضا الكافر لا يحترز من النجاسات، فدخوله في المسجد تلويث للمسجد، و ذلك قد يؤدي إلى فساد عبادة المسلمين و أيضا إقدامه على مرمة المسجد يجري مجرى الإنعام على المسلمين، و لا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على المسلمين.

المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير و أبو عمرو أن يعمروا مسجد اللََّه على الواحد، و الباقون مَسََاجِدَ اَللََّهِ على الجمع حجة ابن كثير و أبي عمرو قوله: عِمََارَةَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ [التوبة: 19]و حجة من قرأ على لفظ الجمع وجوه: الأول: أن يراد المسجد الحرام و إنما قيل: مَسََاجِدَ لأنه قبلة المساجد كلها و إمامها، فعامره كعامر جميع المساجد. و الثاني: أن يقال: مََا كََانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسََاجِدَ اَللََّهِ معناه: ما كان للمشركين أن يعمروا شيئا من مساجد اللََّه، و إذا كان الأمر كذلك، فأولى أن لا يمكنوا من عمارة المسجد الحرام الذي هو أشرف المساجد و أعظمها. الثالث: قال الفراء: العرب قد يضعون الواحد مكان الجمع و الجمع مكان الواحد أما وضع الواحد مكان الجمع ففي قولهم فلان كثير الدرهم و أما وضع الجمع مكان الواحد ففي قولهم فلان يجالس الملوك مع أنه لا يجلس إلا مع ملك واحد. الرابع: أن المسجد موضع السجود، فكل بقعة من المسجد الحرام فهي مسجد.

المسألة الرابعة: قال الواحدي: دلت على أن الكفار ممنوعون من عمارة مسجد من مساجد المسلمين، و لو أوصى بها لم تقبل وصيته و يمنع عن دخول المساجد، و إن دخل بغير إذن/مسلم استحق التعزير، و إن دخل بإذن لم يعزر، و الأولى تعظيم المساجد، و منعهم منها، و قد أنزل رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم وفد ثقيف في المسجد، و هم كفار و شد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام و هو كافر.

أما قوله تعالى: شََاهِدِينَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ قال الزجاج: قوله: شََاهِدِينَ حال و المعنى ما كان لهم أن يعمروا المساجد حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر، و ذكروا في تفسير هذه الشهادة وجوها:

الأول: و هو الأصح أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان و تكذيب القرآن و إنكار نبوة محمد عليه الصلاة و السلام، و كل ذلك كفر، فمن يشهد على نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر في نفس الأمر، و ليس المراد أنهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كافرين الثاني: قال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر، هو أن النصراني إذا قيل له من أنت فيقول: نصراني و اليهودي يقول يهودي و عابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن، و هذا الوجه إنما يتقرر بما ذكرناه في الوجه الأول. الثالث: أن الغلاة منهم كانوا يقولون كفرنا بدين محمد و بالقرآن فلعل المراد ذلك. الرابع: أنهم كانوا يطوفون عراة يقولون لا نطوف عليها بثياب عصينا اللََّه فيها، و كلما طافوا شوطا سجدوا للأصنام، فهذا هو شهادتهم على أنفسهم بالشرك. الخامس: أنهم كانوا يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه و ما ملك. السادس: نقل عن ابن عباس: أنه قال: المراد أنهم يشهدون على الرسول بالكفر. قال: و إنما جاز هذا التفسير لقوله تعالى: لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ

10

[التوبة: 128]قال القاضي: هذا الوجه عدول عن الحقيقة، و إنما يجوز المصير إليه لو تعذر إجراء اللفظ على حقيقته.

أما لما بينا أن ذلك جائز لم يجز المصير إلى هذا المجاز. و أقول: لو قرأ أحد من السلف شََاهِدِينَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ من قولك: زيد نفيس و عمرو أنفس منه، لصح هذا الوجه من عدول فيه عن الظاهر.

ثم قال: أُولََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ و المراد منه: ما هو الفصل الحق في هذا الكتاب، و هو أنه إن كان قد صدر عنهم عمل من أعمال البر، مثل إكرام الوالدين، و بناء الرباطات، و إطعام الجائع، و إكرام الضيف فكل ذلك باطل، لأن عقاب كفرهم زائد على ثواب هذه الأشياء فلا يبقى لشي‏ء منها أثر في استحقاق الثواب و التعظيم مع الكفر و أما الكلام في الإحباط فقد تقدم في هذا الكتاب مرارا فلا نعيده.

ثم قال: وَ فِي اَلنََّارِ هُمْ خََالِدُونَ و هو إشارة إلى كونهم مخلدين في النار. و احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة لا يبقى مخلدا في النار من وجهين: الأول: أن قوله: وَ فِي اَلنََّارِ/هُمْ خََالِدُونَ يفيد الحصر، أي هم فيها خالدون لا غيرهم، و لما كان هذا الكلام وارد في حق الكفار، ثبت أن الخلود لا يحصل إلا للكافر. الثاني: أنه تعالى جعل الخلود في النار جزاء للكفار على كفرهم، و لو كان هذا الحكم ثابتا لغير اللََّه لما صح تهديد الكافر به، ثم إنه تعالى لما بين أن الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة المسجد، بين أن المشتغل بهذا العمل يجب أن يكون موصوفا بصفات أربعة:

الصفة الأولى: قوله: إِنَّمََا يَعْمُرُ مَسََاجِدَ اَللََّهِ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ و إنما قلنا إنه لا بد من الإيمان باللََّه لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد اللََّه فيه، فما لم يكن مؤمنا باللََّه، امتنع أن يبني موضعا يعبد اللََّه فيه، و إنما قلنا إنه لا بد من أن يكون مؤمنا باللََّه و اليوم الآخر لأن الاشتغال بعبادة اللََّه تعالى إنما تفيد في القيامة، فمن أنكر القيامة لم يعبد اللََّه، و من لم يعبد اللََّه لم يبن بناء لعبادة اللََّه تعالى.

فإن قيل: لم لم يذكر الإيمان برسول اللََّه؟ قلنا فيه وجوه: الأول: أن المشركين كانوا يقولون: إن محمدا إنما ادعى رسالة اللََّه طلبا للرياسة و الملك، فههنا ذكر الإيمان باللََّه و اليوم الآخر، و ترك النبوة كأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدإ و المعاد، فذكر المقصود الأصلي و حذف ذكر النبوة تنبيها للكفار على أنه لا مطلوب له من الرسالة إلا هذا القدر. الثاني: أنه لما ذكر الصلاة، و الصلاة لا تتم إلا بالأذان و الإقامة و التشهد، و هذه الأشياء مشتملة على ذكر النبوة كان ذلك كافيا. الثالث: أنه ذكر الصلاة، و المفرد المحلى بالألف و اللام ينصرف إلى المعهود السابق، ثم المعهود السابق من الصلاة من المسلمين ليس إلا الأعمال التي كان أتى بها محمد صلى اللََّه عليه و سلّم، فكان ذكر الصلاة دليلا على النبوة من هذا الوجه.

الصفة الثانية: قوله: وَ أَقََامَ اَلصَّلاََةَ و السبب فيه أن المقصود الأعظم من بناء المساجد إقامة الصلوات، فالإنسان ما لم يكن مقرا بوجوب الصلوات امتنع أن يقدم على بناء المساجد.

الصفة الثالثة: قوله: وَ آتَى اَلزَّكََاةَ .

و اعلم أن اعتبار إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن المراد من عمارة المسجد الحضور فيه، و ذلك لأن الإنسان إذا كان مقيما للصلاة فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد به، و إذا

11

كان مؤتيا للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء و المساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به. و أما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة معتبر في هذا/الباب أيضا لأن إيتاء الزكاة واجب و بناء المسجد نافلة، و الإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة و الظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤديا للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد.

و الصفة الرابعة: قوله: وَ لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اَللََّهَ و فيه وجوه: الأول: أن أبا بكر رضي اللََّه عنه بنى في أول الإسلام على باب داره مسجدا وكان يصلي فيه و يقرأ القرآن و الكفار يؤذونه بسببه، فيحتمل أن يكون المراد هو تلك الحالة، يعني إنا و إن خاف الناس من بناء المسجد إلا أنه لا يلتفت إليهم و لا يخشاهم و لكنه يبني المسجد للخوف من اللََّه تعالى. الثاني: يحتمل أن يكون المراد منه أن يبني المسجد لا لأجل الرياء و السمعة و أن يقال إن فلانا يبني مسجدا، و لكنه يبنيه لمجرد طلب رضوان اللََّه تعالى و لمجرد تقوية دين اللََّه.

فإن قيل: كيف قال: وَ لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اَللََّهَ و المؤمن قد يخاف الظلمة و المفسدين؟ قلنا: المراد من هذه الخشية الخوف و التقوى في باب الدين، و أن لا يختار على رضا اللََّه رضا غيره.

اعلم أنه تعالى قال: إِنَّمََا يَعْمُرُ مَسََاجِدَ اَللََّهِ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ أي من كان موصوفا بهذه الصفات الأربعة و كلما إِنَّمََا تفيد الحصر و فيه تنبيه على أن المسجد يجب صونه عن غير العبادة فيدخل فيه فضول الحديث و إصلاح مهمات الدنيا. و

عن النبي صلى اللََّه عليه و سلّم: «يأتي في آخر الزمان أناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم، فليس للََّه بهم حاجة»

و

في الحديث «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش»

قال عليه الصلاة و السلام: قال اللََّه تعالى: «إن بيوتي في الأرض المساجد و أن زواري فيها عمارها طوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره»

و

عنه عليه الصلاة و السلام: «من ألف المسجد ألفه اللََّه تعالى»

و

عنه عليه الصلاة و السلام: «إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان»

و

عن النبي صلى اللََّه عليه و سلّم: «من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة و حملة العرش يستغفرون له مادام في المسجد ضوؤه» و هذه الأحاديث نقلها صاحب «الكشاف» .

ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأوصاف قال: فَعَسى‏ََ أُولََئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ و فيه وجوه: الأول:

قال المفسرون: (عسى) من اللََّه واجب لكونه متعاليا عن الشك و التردد. الثاني: قال أبو مسلم: فَعَسى‏ََ هاهنا راجع إلى العباد و هو يفيد الرجاء فكان المعنى إن الذين يأتون بهذه الطاعات إنما يأتون بها على رجاء الفوز بالاهتداء لقوله تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً [السجدة: 16]و التحقيق فيه أن العبد عند الإتيان بهذه الأعمال لا يقطع على الفوز بالثواب، لأنه يجوز على نفسه أنه قد أخل بقيد/من القيود المعتبرة في حصول القبول. و الثالث:

و هو أحسن الوجوه ما ذكره صاحب «الكشاف» و هو أن المراد منه تبعيد المشركين عن مواقف الاهتداء، و حسم أطماعهم في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها و افتخروا بها، فإنه تعالى بين أن الذين آمنوا و ضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع و ضموا إليها الخشية من اللََّه، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائرا بين-لعل و عسى-فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون و يجزمون بفوزهم بالخير من عند اللََّه تعالى و في هذا الكلام و نحوه لطف بالمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء.

12

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: ذكر المفسرون أقوالا في نزول الآية.

قال ابن عباس في بعض الروايات عنه أن عليا لما أغلظ الكلام للعباس، قال العباس: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام، و الهجرة، و الجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام و نسقي الحاج فنزلت هذه الآية،

و قيل إن المشركين قالوا لليهود، نحن سقاة الحاج و عمار المسجد الحرام، فنحن أفضل أم محمد و أصحابه؟فقالت اليهود لهم أنتم أفضل. و

قيل: إن عليا عليه السلام قال للعباس رضي اللّه عنه بعد إسلامه: يا عمي ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم؟فقال: أ لست في أفضل من الهجرة؟أسقي حاج بيت اللّه و أعمر المسجد الحرام فلما نزلت هذه الآية قال: ما أراني إلا تارك سقايتنا. فقال عليه الصلاة و السلام: «أقيموا على سقياتكم فإن لكم فيها خيرا»

و

قيل افتخر طلحة بن شيبة و العباس و علي، فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه، و لو أردت بت فيه. قال العباس: أنا صاحب السقاية و القائم عليها. قال علي: أنا صاحب الجهاد فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.

قال المصنف رضي اللّه عنه: حاصل الكلام أنه يحتمل أن يقال: هذه الآية مفاضلة جرت بين المسلمين و يحتمل أنها جرت بين المسلمين و الكافرين. أما الذين قالوا إنها جرت بين المسلمين فقد احتجوا بقوله تعالى بعد هذه الآية في حق المؤمنين المهاجرين:

أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اَللََّهِ [التوبة: 20]و هذا يقتضي أيضا أن يكون للمرجوح أيضا/درجة عند اللّه، و هذا يقتضي أيضا أن يكون للمرجوح أيضا درجة عند اللّه، و ذلك لا يليق إلا بالمؤمن و سنجيب عن هذا الكلام إذا انتهينا إليه. و أما الذين قالوا: إنها جرت بين المسلمين و الكافرين، فقد احتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى:

كَمَنْ آمَنَ بِاللََّهِ و بين من آمن باللّه و هذا هو الأقرب عندي. تقرير الكلام أن نقول: إنا قد نقلنا في تفسير قوله تعالى: إِنَّمََا يَعْمُرُ مَسََاجِدَ اَللََّهِ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ [التوبة: 18]أن العباس احتج على فضائل نفسه، بأنه عمر المسجد الحرام و سقى الحاج فأجاب اللّه عنه بوجهين:

الوجه الأول: ما بين في الآية الأولى أن عمارة المسجد، إنما توجب الفضيلة إذا كانت صادرة عن المؤمن، أما إذا كانت صادرة عن الكافر فلا فائدة فيها البتة.

و الوجه الثاني: من الجواب كل ما ذكره في هذه الآية، و هو أن يقال: هب أنا سلمنا أن عمارة المسجد الحرام و سقي الحاج، يوجب نوعا من أنواع الفضيلة، إلا أنها بالنسبة إلى الإيمان باللّه، و الجهاد قليل جدا فكان ذكر هذه الأعمال في مقابلة الإيمان باللّه و الجهاد خطأ، لأنه يقتضي مقابلة الشي‏ء الشريف الرفيع جدا بالشي‏ء الحقير التافه جدا، و أنه باطل، فهذا هو الوجه في تخريج هذه الآية، و بهذا الطريق يحصل النظم الصحيح لهذه الآية بما قبلها.

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : السقاية و العمارة مصدران من سقى و عمر كالصيانة و الوقاية.

و اعلم أن السقاية و العمارة فعل، قوله: كَمَنْ آمَنَ بِاللََّهِ إشارة إلى الفاعل، فظاهر اللفظ يقتضي تشبيه الفعل بالفاعل، و الصفة بالذات و أنه محال، فلا بد من التأويل و هو من وجهين: الأول: أن نقول التقدير أ جعلتم‏

13

أهل سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام كم آمن باللّه؟و يقويه قراءة عبد اللّه بن الزبير سقاة الحاج و عمرة المسجد الحرام و الثاني: أن نقول التقدير أ جعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن باللّه؟و نظيره قوله تعالى:

لَيْسَ اَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ إلى قوله: وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ [البقرة: 177].

المسألة الثالثة: قال الحسن رحمه اللّه تعالى: كانت السقاية بنبيذ الزبيب، و عن عمر أنه وجد نبيذ السقاية من الزبيب شديدا فكسر منه بالماء ثلاثا، و قال إذا اشتد عليكم فاكسروا منه بالماء و أما عمارة المسجد الحرام فالمراد تجهيزه و تحسين صورة جدرانه، و لما ذكر تعالى وصف الفريقين قال: لاََ يَسْتَوُونَ و لكن لما كان نفي المساواة بينهما لا يفيد أن الراجح من هو؟نبه على الراجح بقوله: وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ فبين أن الكافرين ظالمون لأنفسهم فإنهم خلقوا للإيمان وهم/رضوا بالكفر و كانوا ظالمين، لأن الظلم عبارة عن وضع الشي‏ء في غير موضعه و أيضا ظلموا المسجد الحرام، فإنه تعالى خلقه ليكون موضعا لعبادة اللّه تعالى، فجعلوه موضعا لعبادة الأوثان، فكان هذا ظلما.

اعلم أنه تعالى ذكر ترجيح الإيمان و الجهاد على السقاية و عمارة المسجد الحرام، على طريق الرمز ثم أتبعه بذكر هذا الترجيح على سبيل التصريح في هذه الآية، فقال: إن من كان موصوفا بهذه الصفات الأربعة كان أعظم درجة عند اللّه ممن اتصف بالسقاية و العمارة و تلك الصفات الأربعة هي هذه: فأولها الإيمان، و ثانيها الهجرة، و ثالثها الجهاد في سبيل اللّه بالمال و رابعها الجهاد بالنفس، و إنما قلنا إن الموصوفين بهذه الصفات الأربعة في غاية الجلالة و الرفعة لأن الإنسان ليس له إلا مجموع أمور ثلاثة: الروح، و البدن، و المال. أما الروح فلما زال عنه الكفر و حصل فيه الإيمان، فقد وصل إلى مراتب السعادات اللائقة بها. و أما البدن و المال فبسبب الهجرة وقعا في النقصان، و بسبب الاشتغال بالجهاد صارا معرضين للهلاك و البطلان و لا شك أن النفس و المال محبوب الإنسان، و الإنسان لا يعرض عن محبوبه إلا للفوز بمحبوب أكمل من الأول، فلولا أن طلب الرضوان أتم عندهم من النفس و المال، و إلا لما رجحوا جانب الآخرة على جانب النفس و المال و لما رضوا بإهدار النفس و المال لطلب مرضاة اللّه تعالى فثبت أن عند حصول الصفات الأربعة صار الإنسان و أصلا إلى آخر درجات البشرية و أول مراتب درجات/الملائكة، و أي مناسبة بين هذه الدرجة و بين الإقدام على السقاية و العمارة لمجرد الاقتداء بالآباء و الأسلاف و لطلب الرياسة و السمعة؟فثبت بهذا البرهان اليقين صحة قوله تعالى: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ هََاجَرُوا وَ جََاهَدُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ بِأَمْوََالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اَللََّهِ وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْفََائِزُونَ .

و اعلم أنه تعالى لم يقل أعظم درجة من المشتغلين بالسقاية و العمارة لأنه لو عين ذكرهم لأوهم أن فضيلتهم إنما حصلت بالنسبة إليهم، و لما ترك ذكر المرجوح، دل ذلك على أنهم أفضل من كل من سواهم على‏

14

الإطلاق، لأنه لا يعقل حصول سعادة و فضيلة للإنسان أعلى و أكمل من هذا الصفات.

و اعلم أن قوله: عِنْدَ اَللََّهِ يدل على أن المراد من كون العبد عند اللّه الاستغراق في عبوديته و طاعته، و ليس المراد منه العندية بحسب الجهة و المكان، و عند هذا يلوح أن الملائكة كما حصلت لهم منقبة العندية في قوله: وَ مَنْ عِنْدَهُ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبََادَتِهِ [الأنبياء: 19]فكذلك الأرواح القدسية البشرية إذا تطهرت عن دنس الأوصاف البدنية و القاذورات الجسدانية، أشرقت بأنوار الجلالة و تجلى فيها أضواء عالم الكمال و ترقت من العبدية إلى العندية، بل كأنه لا كمال في العبدية إلا مشاهدة حقيقة العندية، و لذلك قال: سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً [الإسراء: 1].

فإن قيل: لما أخبرتم أن هذه الصفات كانت بين المسلمين و الكافرين، فكيف قال في وصفهم أَعْظَمُ دَرَجَةً مع أنه ليس للكفار درجة؟ قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون لأنفسهم من الدرجة و الفضيلة عند الله، و نظيره قوله: آللََّهُ خَيْرٌ أَمََّا يُشْرِكُونَ [النمل: 59]و قوله: أَ ذََلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ اَلزَّقُّومِ [الصافات: 62]الثاني: أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفا بهذه الصفات، تنبيها على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين الذين ما كانوا موصوفين بهذه الصفات فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى. الثالث: أن يكون المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل ممن على السقاية و العمارة و المراد منه ترجيح تلك الأعمال على هذه الأعمال، و لا شك أن السقاية و العمارة من أعمال الخير، و إنما بطل إيجابهما للثواب في حق الكفار لأن قيام الكفر الذي هو أعظم الجنايات يمنع ظهور ذلك الأثر.

و اعلم أنه تعالى لما بين أن الموصوفين بالإيمان و الهجرة أعظم درجة عند الله بين تعالى أنهم هم الفائزون و هذا للحصر، و المعنى أنهم هم الفائزون بالدرجة العالية الشريفة المقدسة التي وقعت الإشارة إليها بقوله تعالى: عند ربهم و هي درجة العندية، و ذلك لأن من آمن بالله و عرفه فقل أن يبقى قلبه ملتفتا إلى الدنيا، ثم عند هذا يحتال إلى إزالة هذه العقدة عن جوهر الروح، و إزالة/حب الدنيا لا يتم له إلا بالتفريق بين النفس و بين لذات الدنيا، فإذا دام ذلك التفريق و انتقص تعلقه بحب الدنيا، فهذا التفريق و النقص يحصلان بالهجرة ثم إنه بعده لا بد من استحقار الدنيا و الوقوف على معايبها و صيرورتها في عين العاقل بحيث يوجب على نفسه تركها و رفضها، و ذلك إنما يتم بالجهاد لأنه تعريض النفس و المال للهلاك و البوار، و لولا أنه استحقر الدنيا و إلا لما فعل ذلك، و عند هذا يتم ما قاله بعض المحققين و هو أن العرفان مبتدأ من تفريق و نقص و ترك و رفض، ثم عند حصول هذه الحالة يصير القلب مشتغلا بالنظر إلى صفات الجلال و الإكرام، و في مشاهدتها يحصل بذل النفس و المال، فيصير الإنسان شهيدا مشاهدا لعالم الجلال مكاشفا بنور الجلالة مشهودا له بقوله تعالى:

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوََانٍ وَ جَنََّاتٍ لَهُمْ فِيهََا نَعِيمٌ مُقِيمٌ‏`خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً و عند هذا يحصل الانتهاء إلى حضرة الأحد الصمد، و هو المراد من قوله: عند ربهم و هنا يحق الوقوف في الوصول.

ثم قال تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوََانٍ وَ جَنََّاتٍ لَهُمْ فِيهََا نَعِيمٌ مُقِيمٌ‏`خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً إِنَّ اَللََّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ .

15

و اعلم أن هذه الإشارة اشتملت على أنواع من الدرجات العالية و أنه تعالى ابتدأ فيها بالأشرف فالأشرف، نازلا إلى الأدون فالأدون، و نحن نفسرها تارة على طريق المتكلمين و أخرى على طريقة العارفين.

أما الأول فنقول: فالمرتبة الأولى منها و هي أعلاها و أشرفها كون تلك البشارة حاصلة من ربهم بالرحمة و الرضوان، و هذا هو التعظيم و الإجلال من قبل الله. و قوله: وَ جَنََّاتٍ لَهُمْ إشارة إلى حصول المنافع العظيمة و قوله: فِيهََا نَعِيمٌ إشارة إلى كون المنافع خالصة عن المكدرات لأن النعيم مبالغة في النعمة، و لا معنى للمبالغة في النعمة إلا خلوها عن ممازجة الكدورات و قوله: مُقِيمٌ عبارة عن كونها دائمة غير منقطعة. ثم إنه تعالى عبر عن دوامها بثلاث عبارات: أولها: مُقِيمٌ و ثانيها: قوله: خََالِدِينَ فِيهََا و ثالثها: قوله: أَبَداً فحصل من مجموع ما ذكرنا أنه تعالى يبشر هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين بمنفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، و ذلك هو حد الثواب. و فائدة تخصيص هؤلاء المؤمنين بكون هذا الثواب كامل الدرجة عالي الرتبة بحسب كل واحد من هذه القيود الأربعة. و من المتكلمين من قال قوله: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ المراد منه خيرات الدنيا و قوله: وَ رِضْوََانٍ لهم المراد منه كونه تعالى راضيا عنهم حال كونهم في الحياة الدنيا و قوله:

وَ جَنََّاتٍ المراد منه المنافع و قوله: لَهُمْ فِيهََا نَعِيمٌ المراد منه كون تلك النعم خالصة عن المكدرات، لأن النعيم مبالغة في النعمة/و قوله: مُقِيمٌ‏`خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً المراد منه الإجلال و التعظيم الذي يجب حصوله في الثواب.

و أما تفسير هذه الآية على طريقة العارفين المحبين المشتاقين فنقول: المرتبة الأولى من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ .

و اعلم أن الفرح بالنعمة يقع على قسمين: أحدهما: أن يفرح بالنعمة لأنها نعمة. و الثاني: أن يفرح بها لا من حيث هي بل من حيث إن المنعم خصه بها و شرفه و إن عجز ذهنك عن الوصول إلى الفرق بين القسمين فتأمل فيما إذا كان العبد واقفا في حضرة السلطان الأعظم و سائر العبيد كانوا واقفين في خدمته، فإذا رمى ذلك السلطان تفاحة إلى أحد أولئك العبيد عظم فرحه بها فذلك الفرح العظيم ما حصل بسبب حصول تلك التفاحة، بل بسبب أن ذلك السلطان خصه بذلك الإكرام، فكذلك هاهنا. قوله: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوََانٍ منهم من كان فرحهم بسبب الفوز بتلك الرحمة، و منهم من لم يفرح بالفوز بتلك الرحمة، و إنما فرح لأن مولاه خصه بتلك الرحمة و حينئذ يكون فرحه لا بالرحمة بل بمن أعطى الرحمة، ثم إن هذا المقام يحصل فيه أيضا درجات فمنهم من يكون فرحه بالراحم لأنه رحم، و منهم من يتوغل في الخلوص فينسى الرحمة و لا يكون فرحه إلا بالمولى لأنه هو المقصد، و ذلك لأن العبد ما دام مشغولا بالحق من حيث إنه راحم فهو غير مستغرق في الحق، بل تارة مع الحق و تارة مع الخلق، و فإذا تم الأمر انقطع عن الخلق و غرق في بحر نور الحق و غفل عن المحبة و المحنة، و النقمة و النعمة، و البلاء و الآلاء، و المحققون وقفوا عند قوله: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ فكان ابتهاجهم بهذا و سرورهم به و تعويلهم عليه و رجوعهم إليه و منهم من لم يصل إلى تلك الدرجة العالية فلا تقنع نفسه إلا بمجموع قوله: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ فلا يعرف أن الاستبشار بسماع قول ربهم، بل إنما يستبشر بمجموع كونه مبشرا بالرحمة، و المرتبة الثانية هي أن يكون استبشاره بالرحمة و هذه المرتبة هي النازلة عند المحققين. و اللطيفة الثانية من لطائف هذه الآية هي أنه تعالى قال: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ و هي مشتملة على أنواع‏

16

من الرحمة و الكرامة. أولها: أن البشارة لا تكون إلاّ بالرحمة و الإحسان. و الثاني: أن بشارة كل أحد يجب أن تكون لائقة بحاله، فلما كان المبشر هاهنا هو أكرم الأكرمين، وجب أن تكون البشارة بخيرات تعجز العقول عن وصفها و تتقاصر الأفهام عن نعتها. و الثالث: أنه تعالى سمى نفسه هاهنا بالرب و هو مشتق من التربية كأنه قال:

الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها و لا حصر لها يبشركم بخيرات عالية و سعادات كاملة. و الرابع: أنه تعالى قال: رَبُّهُمْ فأضاف نفسه إليهم، و ما أضافهم إلى نفسه. و الخامس: أنه تعالى قدم ذكرهم على ذكب نفسه فقال: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ و السادس: أن البشارة هي الإخبار عن حدوث/شي‏ء ما كان معلوم الوقوع، أما لو كان معلوم الوقوع لم يكن بشارة، ألا ترى أن الفقهاء قالوا، لو أن رجلا قال من يبشرني من عبيدي بقدوم ولدي فهو حر، فأول من أخبر بذلك الخبر يعتق، و الذين يخبرون بعده لا يعتقون و إذا كان الأمر كذلك فقوله:

يُبَشِّرُهُمْ لا بد أن يكون إخبارا عن حصول مرتبة من مراتب السعادات ما عرفوها قبل ذلك، و جميع لذات الجنة و خيراتها و طيباتها قد عرفوه في الدنيا من القرآن، و الإخبار عن حصول بشارة فلا بد و أن تكون هذه البشارة بشارة عن سعادات لا تصل العقول إلى وصفها البتة. رزقنا اللّه تعالى الوصول إليها بفضله و كرمه.

و اعلم أنه تعالى لما قال: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بين الشي‏ء الذي به يبشرهم و هو أمور: أولها: قوله: بِرَحْمَةٍ مِنْهُ و ثانيها: قوله: وَ رِضْوََانٍ و أنا أظن و العلم عند اللّه أن المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله: اِرْجِعِي إِلى‏ََ رَبِّكِ رََاضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر: 28]و الرحمة كون العبد راضيا بقضاء اللّه و ذلك لأن من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلي و المنعم لا على النعمة و البلاء، و من كان نظره على المبلي و المنعم لم يتغير حاله، لأن المبلي و المنعم منزه عن التغير فالحاصل أن حاله يجب أن يكون منزها عن التغير، أما من كان طالبا لمحض النفس كان أبدا في التغير من الفرح إلى الحزن، و من السرور إلى الغم، و من الصحة إلى الجراحة، و من اللذة إلى الألم، فثبت أن الرحمة التامة لا تحصل إلا عند ما يصير العبد راضيا بقضاء اللّه فقوله: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ هو أنه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة، و يجعله راضيا بقضائه. ثم إنه تعالى يصير راضيا و هو قوله:

وَ رِضْوََانٍ و عند هذا تصير هاتان الحالتان هما المذكورتان في قوله: رََاضِيَةً مَرْضِيَّةً و هذه هي الجنة الروحانية النوانية العقلية القدسية الإلهية. }ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الجنة العالية المقدسة ذكر الجنة الجسمانية، و هي قوله: وَ جَنََّاتٍ لَهُمْ فِيهََا نَعِيمٌ مُقِيمٌ‏`خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً و قد سبق شرح هذه المراتب، و لما ذكر هذه الأحوال قال: إِنَّ اَللََّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ و المقصود شرح تعظيم هذه الأحوال، و لنختم هذا الفصل ببيان أن أصحابنا يقولون إن الخلود يدل على طول المكث، و لا يدل على التأبيد، و احتجوا على قولهم في هذا الباب بهذه الآية، و هي قوله تعالى: خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً و لو كان الخلود يفيد التأبيد، لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخلود تكرارا و أنه لا يجوز.

اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أن يكون جوابا عن شبهة أخرى ذكروها في أن البراءة من الكفار غير

17

ممكنة و تلك الشبهة إن قالوا إن الرجل المسلم قد يكون أبوه كافرا و الرجل الكافر قد يكون أبوه أو أخوه مسلما، و حصول المقاطعة التامة بين الرجل و أبيه و أخيه كالمتعذر الممتنع، و إذا كان الأمر كذلك كانت تلك البراءة التي أمر اللّه بها، كالشاق الممتنع المتعذر، فذكر اللّه تعالى هذه الآية ليزيل هذه الشبهة. و نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال: لما أمر المؤمنون بالهجرة قبل فتح مكة فمن لم يهاجر لم يقبل اللّه إيمانه حتى يجانب الآباء و الأقارب إن كانوا كفارا، قال المصنف رضي اللّه عنه: هذا مشكل، لأن الصحيح أن هذه السورة إنما نزلت بعد فتح مكة، فكيف يمكن حمل هذه الآية على ما ذكروه؟و الأقرب عندي أن يكون محمولا على ما ذكرته، و هو أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتبري عن المشركين و بالغ في إيجابه، قالوا كيف تمكن هذه المقاطعة التامة بين الرجل و بين أبيه و أمه و أخيه، فذكر اللّه تعالى: أن الانقطاع عن الآباء و الأولاد و الأخوان واجب بسبب الكفر و هو قوله: إِنِ اِسْتَحَبُّوا اَلْكُفْرَ عَلَى اَلْإِيمََانِ و الاستحباب طلب المحبة يقال: استحب له، بمعنى أحبه، كأنه طلب محبته. ثم إنه تعالى بعد أن نهى عن مخالطتهم، و كان لفظ النهي، يحتمل أن يكون نهي تنزيه و أن يكون نهي تحريم، ذكر ما يزيل الشبهة فقال: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ قال ابن عباس: يريد مشركا مثلهم لأنه رضي بشركهم، و الرضا بالكفر كفر، كما أن الرضا بالفسق فسق. قال القاضي: هذا النهي لا يمنع من أن يتبرأ المرء من أبيه في الدنيا، كما لا يمنع من قضاء دين الكافر و من استعماله في أعماله.

اعلم أن هذه الآية هي تقرير الجواب الذي ذكره في الآية الأولى، و ذلك لأن جماعة من المؤمنين قالوا يا رسول اللّه، كيف يمكن البراءة منهم بالكلية؟و أن هذه البراءة توجب انقطاعنا عن آبائنا و إخواننا و عشيرتنا و ذهاب تجارتنا، و هلاك أموالنا و خراب ديارنا، و إبقاءنا ضائعين فبين تعالى أنه يجب تحمل جميع هذه المضار الدنيوية ليبقى الدين سليما، و ذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة اللّه و طاعة رسوله و من المجاهدة في سبيل اللّه، فتربصوا بما تحبون حتى يأتي اللّه بأمره، أي بعقوبة عاجلة أو آجلة، و المقصود منه الوعيد.

ثم قال: وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ أي الخارجين عن طاعته إلى معصيته و هذا أيضا تهديد، و هذه الآية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين و بين جميع مهمات الدنيا، وجب على المسلم ترجيح الدين على الدنيا. قال الواحدي: قوله: وَ عَشِيرَتُكُمْ عشيرة الرجل أهله الأدنون، و هم الذين يعاشرونه، و قرأ أبو بكر عن عاصم و عشيراتكم بالجمع و الباقون على الواحد. أما من قرأ بالجمع، فذلك لأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة، فإذا جمعت قلت: عشيراتكم. و من أفراد قال العشيرة واقعة على الجمع و استغنى عن جمعها، و يقوي ذلك أن الأخفش قال: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات إنما يجمعونها على عشائر، و قوله: وَ أَمْوََالٌ اِقْتَرَفْتُمُوهََا الاقتراف الاكتساب.

و اعلم أنه تعالى ذكر الأمور الداعية إلى مخالطة الكفار، و هي أمور أربعة: أولها: مخالطة الأقارب، و ذكر

18

منهم أربعة أصناف على التفصيل و هم الآباء و الأبناء و الأخوان و الأزواج، ثم ذكر البقية بلفظ واحد يتناول الكل، و هي لفظ العشيرة. و ثانيها: الميل إلى إمساك الأموال المكتسبة. و ثالثها: الرغبة في تحصيل الأموال بالتجارة. و رابعها: الرغبة في المساكن، و لا شك أن هذا الترتيب ترتيب حسن، فإن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة ثم إنه يتوصل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال الحاصلة ثم إنه يتوصل بالمخالطة إلى اكتساب الأموال التي هي غير حاصلة، و في آخر المراتب الرغبة في البناء في الأوطان و الدور التي بنيت لأجل السكنى، فذكر تعالى هذه الأشياء على هذا الترتيب الواجب، و بين بالآخرة أن رعاية الدين خير من رعاية جملة هذه الأمور.

في قوله تعالى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللََّهُ فِي مَوََاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ و في هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء و الأبناء و الأخوان و العشائر و عن الأموال و التجارات و المساكن، رعاية لمصالح الدين، و لما علم اللّه تعالى أن هذا يشق جدا على النفوس و القلوب، ذكر ما يدل على أن من ترك الدنيا لأجل الدين فإنه يوصله إلى مطلوبه من الدنيا أيضا، و ضرب تعالى لهذا مثلا، و ذلك أن عسكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في واقعة حنين كانوا في غاية الكثرة و القوة، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين، ثم في حال الانهزام لما تضرعوا إلى اللّه قواهم حتى هزموا عسكر الكفار، و ذلك يدل على أن الإنسان متى اعتمد على الدنيا فاته الدين و الدنيا، و متى أطاع اللّه و رجح الدين على الدنيا آتاه اللّه الدين و الدنيا على أحسن الوجوه، فكان ذكر هذا تسلية لأولئك الذين أمرهم اللّه بمقاطعة الآباء و الأبناء و الأموال و المساكن، لأجل مصلحة الدين و تصبيرا لهم عليها، و وعدا لهم على سبيل الرمز بأنهم إن فعلوا ذلك فاللّه تعالى يوصلهم إلى أقاربهم و أموالهم و مساكنهم على أحسن الوجوه، هذا تقرير النظم و هو في غاية الحسن.

المسألة الثانية: قال الواحدي: النصر: المعونة على العدو خاصة، و المواطن جمع موطن، و هو/كل موضع أقام به الإنسان لأمر، فعلى هذا: مواطن الحرب مقاماتها مواقفها و امتناعها من الصرف لأنه جمع على صيغة لم يأت عليها واحد، و المواطن الكثيرة غزوات رسول اللّه. و يقال: إنها ثمانون موطنا، فأعلمهم اللّه تعالى بأنه هو الذي نصر المؤمنين، و من نصره اللّه فلا غالب له.

ثم قال: وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ أي و اذكروا يوم حنين من جملة تلك المواطن حال ما أعجبتكم كثرتكم.

المسألة الثالثة: في شأن نزول الآية لما فتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مكة، و قد بقيت أيام من شهر رمضان، خرج متوجها إلى حنين

19

لقتال هوازن و ثقيف. و اختلفوا في عدد عسكر رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلّم فقال عطاء عن ابن عباس: كانوا ستة عشر ألفاً، و قال قتادة: كانوا اثني عشر ألفا عشر آلاف الذين حضروا مكة، و ألفان من الطلقاء. و قال الكلبي: كانوا عشرة آلاف و بالجملة فكانوا عدداً كثيرين، و كان هوازن و ثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين:

لن تغلب اليوم من قلة، فهذه الكلمة ساءت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلّم و هي المراد من قوله: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ و قيل إنه قالها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، و قيل قالها أبو بكر و إسناد هذه الكلمة إلى رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلّم بعيد، لأنه كان في أكثر الأحوال متوكلا على اللََّه منقطع القلب عن الدنيا و أسبابها.

ثم قال تعالى: فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً و معنى الإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة فقوله: فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً أي لم تعطكم شيئا يدفع حاجتكم و المقصود من هذا الكلام أن اللََّه تعالى أعلمهم أنهم لا يغلبون بكثرتهم، و إنما يغلبون بنصر اللّه، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين، و قوله: وَ ضََاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمََا رَحُبَتْ يقال رحب يرحب رحبا و رحابة، فقوله: بِمََا رَحُبَتْ أي يرحبها، و معناه مع رحبها «فما» هنا مع الفعل بمنزلة المصدر، و المعنى: أنكم لشدة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا فيها موضعا يصلح لفراركم عن عدوكم. قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا و كببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام و انكشف المسلمون عن رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلّم، و لم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب و أبو سفيان بن الحرث‏

قال البراء: و الذي لا إله إلا هو ما ولى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلّم دبره قط، قال: و رأيته و أبو سفيان آخذ بالركاب، و العباس آخذ بلجام دابته و هو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» و طفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي، و كانت بغلته شهباء، ثم قال للعباس: ناد المهاجرين و الأنصار، و كان العباس رجلا صيتا، فجعل ينادي يا عباد اللََّه يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء/المسلمون حين سمعوا صوته عنقا واحدا، و أخذ رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلّم بيده كفا من الحصى فرماهم بها و قال: «شاهت الوجوه» فما زال أمرهم مدبرا، و حدهم كليلا حتى هزمهم اللََّه تعالى، و لم يبق منهم يومئذ أحد إلا و قد امتلأت عيناه من ذلك التراب،

فذلك قوله: ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ .

و اعلم أنه تعالى لما بين أن الكثرة لا تنفع، و أن الذي أوجب النصر ما كان إلا من اللََّه ذكر أمورا ثلاثة:

أحدها: إنزال السكينة و السكينة ما يسكن إليه القلب و النفس، و يوجب الأمنة و الطمأنينة، و أظن وجه الاستعارة فيه أن الإنسان إذا خاف فر و فؤاده متحرك، و إذا أمن سكن و ثبت، فلما كان الأمن موجبا للسكون جعل لفظ السكينة كناية عن الأمن.

و اعلم أن قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ يدل على أن الفعل موقوف على حصول الداعي، و يدل على أن حصول الداعي، ليس إلا من قبل اللّه تعالى.

أما بيان الأول: فهو أن حال انهزام القوم لم تحصل داعية السكون و الثبات في قلوبهم، فلا جرم لم يحصل السكون و الثبات، بل فر القوم و انهزموا و لما حصلت السكينة التي هي عبارة عن داعية السكون و الثبات رجعوا إلى رسول اللّه على الصلاة و السلام، و ثبتوا عنده و سكنوا فدل هذا على أن حصول الفعل موقوف على حصول الداعية.

و أما بيان الثاني: و هو أن حصول تلك الداعية من اللّه تعالى فهو صريح.

20

قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ و العقل أيضا دل عليه، و هو أنه لو كان حصول ذلك الداعي في القلب من جهة العبد، لتوقف على حصول داع آخر و لزم التسلسل، و هو محال.

ثم قال تعالى: وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهََا و اعلم أن هذا هو الأمر الثاني الذي فعله اللّه في ذلك اليوم، و لا خلاف أن المراد إنزال الملائكة، و ليس في الظاهر ما يدل على عدد الملائكة كما هو مذكور في قصة بدر، و قال سعيد بن جبير: أمد اللّه نبيه بخمسة آلاف من الملائكة و لعله إنما ذكر هذا العدد قياساً على يوم بدر، و قال سعيد بن المسيب: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم، فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، تلقانا رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا، و أيضا اختلفوا أن الملائكة هل قاتلوا ذلك اليوم؟و الرواية التي نقلناها عن سعيد بن المسيب تدل على أنهم قاتلوا و منهم من قال إن الملائكة ما قاتلوا إلا يوم بدر و أما فائدة نزولهم في هذا اليوم فهو إلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين.

ثم قال تعالى: وَ عَذَّبَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و هذا هو الأمر الثالث الذي فعله رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم في ذلك اليوم، و المراد من هذا التعذيب قتلهم و أسرهم و أخذ أموالهم و سبي ذراريهم. و احتج أصحابنا بهذا على أن فعل العبد خلق اللّه، لأن المراد من التعذيب ليس إلا الأخذ و الأسر و هو تعالى نسب تلك الأشياء إلى نفسه و قد بينا أن قوله: ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ يدل على ذلك فصار مجموع هذين الكلامين دليلا بينا ثابتا، و في هذه المسألة قالت المعتزلة: إنما نسب تعالى ذلك الفعل إلى نفسه لأنه حصل بأمره، و قد سبق جوابه غير مرة.

ثم قال: وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلْكََافِرِينَ و المراد أن ذلك التعذيب هو جزاء الكافرين، و اعلم أن أهل الحقيقة تمسكوا في مسألة الجلد مع التعزير بقوله: اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي فَاجْلِدُوا [النور: 2]قالوا الفاء تدل على كون الجلد جزاء، و الجزاء اسم للكافي، و كون الجلد كافيا يمنع كون غيره مشروعا معه فنقول: في الجواب عنه الجزاء ليس اسما للكافي، و ذلك باعتبار أنه تعالى سمى هذا التعذيب جزاء، مع أن المسلمين أجمعوا على أن العقوبة الدائمة في القيامة مدخرة لهم، فدلت هذه الآية على أن الجزاء ليس اسما لما يقع به الكفاية.

ثم قال اللّه تعالى: ثُمَّ يَتُوبُ اَللََّهُ مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ يعني أن مع كل ما جرى عليهم من الخذلان فإن اللّه تعالى قد يتوب عليهم. قال أصحابنا: إنه تعالى قد يتوب على تعضهم بأن يزيل عن قلبه الكفر و يخلق فيه الإسلام. قال القاضي: معناه فإنهم بعد أن جرى عليهم ما جرى، إذا أسلموا و تابوا فإن اللّه تعالى يقبل توبتهم، و هذا ضعيف لأن قوله تعالى: ثُمَّ يَتُوبُ اَللََّهُ ظاهره يدل على أن تلك التوبة إنما حصلت لهم من قبل اللّه تعالى و تمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة البقرة في قوله: فَتََابَ عَلَيْهِ* [البقرة: 37] ثم قال: وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي غفور لمن تاب، رحيم لمن آمن و عمل صالحا. و اللّه أعلم.

في قوله تعالى يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاََ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ بَعْدَ عََامِهِمْ هََذََا و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذه هي الشبهة الثالثة التي وقعت في قلوب القوم، و ذلك لأنه صلى اللّه عليه و سلّم لما أمر عليا

21

أن يقرأ على مشركي مكة، أول سورة براءة و ينبذ إليهم عهدهم و أن اللّه برى‏ء من المشركين و رسوله، قال أناس يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل و فقد الحمولات، فنزلت هذه الآية لدفع هذه الشبهة، و أجاب اللّه تعالى عنها بقوله: وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً أي فقرا و حاجة فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ فهذا وجه النظم و هو حسن موافق.

المسألة الثانية: قال الأكثرون لفظ المشركين يتناول عبدة الأوثان. و قال قوم: بل يتناول جميع الكفار و قد سبقت هذه المسألة، و صححنا هذا القول بالدلائل الكثيرة، و الذي يفيد هاهنا التمسك بقوله: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* [النساء: 116]و معلوم أنه باطل.

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» : النجس مصدر نجس نجسا و قذر قذرا، و معناه ذو نجس. و قال الليث: النجس الشي‏ء القذر من الناس و من كل شي‏ء، و رجل نجس، و قوم أنجاس، و لغة أخرى رجل نجس و قوم نجس و فلان نجس و رجل نجس و امرأة نجس. و اختلفوا في تفسير كون المشرك نجساً نقل صاحب «الكشاف» عن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب و الخنازير، و عن الحسن من صافح مشركا توضأ، و هذا هو قول الهادي من أئمة الزيدية، و أما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم.

و اعلم أن ظاهر القرآن يدل على كونهم أنجاسا فلا يرجع عنه إلا بدليل منفصل، و لا يمكن ادعاء الإجماع فيه لما بينا أن الاختلاف فيه حاصل. و احتج القاضي على طهارتهم بما

روي أن النبي صلى اللّه عليه و سلّم شرب من أوانيهم،

و أيضا لو كان جسمه نجسا لم يبدل ذلك بسبب الإسلام. و القائلون بالقول الأول أجابوا عنه: بأن القرآن أقوى من خبر الواحد، و أيضا فبتقدير صحة الخبر وجب أن يعتقد أن حل الشرب من أوانيهم كان متقدما على نزول هذه الآية و بيانه من وجهين: الأول: أن هذه السورة من آخر ما نزل من القرآن و أيضا كانت المخالطة مع الكفار جائزة فحرمها اللّه تعالى، و كانت المعاهدات معهم حاصلة فأزالها اللّه، فلا يبعد أن يقال أيضا الشرب من أوانيهم كان جائزا فحرمه اللّه تعالى. الثاني: أن الأصل حل الشرب من أي إناء كان، فلو قلنا: إنه حرم بحكم الآية ثم حل بحكم الخبر فقد حصل نسخان. أما إذا قلنا: إنه كان حلالا بحكم الأصل، و الرسول شرب من آنيتهم بحكم الأصل، ثم جاء التحريم بحكم هذه الآية لم يحصل النسخ إلا مرة واحدة، فوجب أن يكون هذا أولى.

أما قول القاضي: لو كان الكافر نجس الجسم لما تبدلت النجاسة بالطهارة بسبب الإسلام فجوابه أنه قياس في معارضة النص الصريح، و أيضا أن أصحاب هذا المذهب/يقولون إن الكافر إذا أسلم وجب عليه الاغتسال إزالة للنجاسة الحاصلة بحكم الكفر، فهذا تقرير هذا القول، و أما جمهور الفقهاء فإنهم حكموا بكون الكافر طاهرا في جسمه، ثم اختلفوا في تأويل هذه الآية على وجوه: الأول: قال ابن عباس و قتادة: معناه أنهم لا يغتسلون من الجنابة و لا يتوضئون من الحدث. الثاني: المراد أنهم بمنزلة الشي‏ء النجس في وجوب النفرة عنه، الثالث: أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشي‏ء.

و اعلم أن كل هذه الوجوه عدول عن الظاهر بغير دليل.

المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة و أصحابه رضي اللّه عنهم: أعضاء المحدث نجسة نجاسة حكمية و بنوا عليه أن الماء المستعمل في الوضوء و الجنابة نجس. ثم روى أبو يوسف رحمه اللّه تعالى أنه نجس نجاسة خفيفة، و روى الحسن بن زياد: أنه نجس نجاسة غليظة، و روى محمد بن الحسن أن ذلك الماء طاهر.

22

و اعلم أن قوله تعالى: إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ يدل على فساد هذا القول، لأن كلمة «إنما» للحصر، و هذا يقتضي أن لا نجس إلا المشرك، فالقول بأن أعضاء المحدث نجسة مخالف لهذا النص، و العجب أن هذا النص صريح في أن المشرك نجس و في أن المؤمن ليس بنجس، ثم إن قوما ما قلبوا القضية و قالوا المشرك طاهر و المؤمن حال كونه محدثا أو جنبا نجس، و زعموا أن المياه التي استعملها المشركون في أعضائهم بقيت طاهرة مطهرة: و المياه التي يستعملها أكابر الأنبياء في أعضائهم نجسة نجاسة غليظة، و هذا من العجائب، و مما يؤكد القول بطهارة أعضاء المسلم‏

قوله عليه السلام: «المؤمن لا ينجس حيا و لا ميتا»

فصار هذا الخبر مطابقا للقرآن، ثم الاعتبارات الحكمية طابقت القرآن، و الأخبار في هذا الباب، لأن المسلمين أجمعوا على أن إنسانا لو حمل محدثا في صلاته لم تبطل صلاته، و لو كانت يده رطبة فوصلت إلى يد محدث لم تنجس يده و لو عرق المحدث و وصلت تلك النداوة إلى ثوبه لم ينجس ذلك الثوب، فالقرآن و الخبر و الإجماع تطابقت على القول بطهارة أعضاء المحدث فكيف يمكن مخالفته، و شبهة المخالف أن الوضوء يسمى طهارة و الطهارة لا تكون إلا بعد سبق النجاسة، و هذا ضعيف لأن الطهارة قد تستعمل في إزالة الأوزار و الآثام، قال اللّه تعالى في صفة أهل البيت إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: 33]و ليست هذه الطهارة إلا عن الآثام و الأوزار و قال في صفة مريم: إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفََاكِ وَ طَهَّرَكِ [آل عمران: 42]و المراد تطهيرها عن التهمة الفاسدة.

و إذا ثبت هذا فنقول: جاءت الأخبار الصحيحة في أن الوضوء تطهير الأعضاء عن الآثام/و الأوزار، فلما فسر الشارع كون الوضوء طهارة بهذا المعنى، فما الذي حملنا على مخالفته، و الذهاب إلى شي‏ء يبطل القرآن و الأخبار و الأحكام الإجماعية.

المسألة الخامسة: قال الشافعي رضي اللّه تعالى عنه: الكفار يمنعون من المسجد الحرام خاصة، و عند مالك: يمنعون من كل المساجد، و عند أبي حنيفة رحمه اللّه: لا يمنعون من المسجد الحرام و لا من سائر المساجد، و الآية بمنطوقها تبطل قول أبي حنيفة رحمه اللّه، و بمفهومها تبطل قول مالك، أو نقول الأصل عدم المنع، و خالفناه في المسجد الحرام لهذا النص الصريح القاطع، فوجب أن يبقى في غيره على وفق الأصل.

المسألة السادسة: اختلفوا في أن المراد من المسجد الحرام هل هو نفس المسجد أو المراد منه جميع الحرم؟ و الأقرب هو هذا الثاني. و الدليل عليه قوله تعالى: وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ و ذلك لأن موضع التجارات ليس هو عين المسجد، فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة لما خافوا بسبب هذا المنع من العيلة، و إنما يخافون العيلة إذا منعوا من حضور الأسواق و المواسم، و هذا استدلال حسن من الآية، و يتأكد هذا القول بقوله سبحانه و تعالى: سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى [الإسراء: 1]مع أنهم أجمعوا على أنه إنما رفع الرسول عليه الصلاة و السلام من بيت أم هانئ و أيضا يتأكد هذا بما

روي عن الرسول صلى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» .

و اعلم أن أصحابنا قالوا: الحرم حرام على المشركين و لو كان الإمام بمكة، فجاء رسول المشركين فليخرج إلى الحل لاستماع الرسالة، و إن دخل مشرك الحرم متواريا فمرض فيه أخرجناه مريضا، و إن مات و دفن و لم يعلم نبشناه و أخرجنا عظامه إذا أمكن.

23

المسألة السابعة: لا شبهة في أن المراد بقوله: بَعْدَ عََامِهِمْ هََذََا السنة التي حصل فيها النداء بالبراءة من المشركين، و هي السنة التاسعة من الهجرة.

ثم قال تعالى: وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً و العيلة الفقر يقال: عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر، و المعنى: إن خفتم فقرا بسبب منع الكفار فسوف يغنيكم اللّه من فضله و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: ذكروا في تفسير هذا الفضل وجوها: الأول: قال مقاتل: أسلم أهل جدة و صنعاء و حنين، و حملوا الطعام إلى مكة و كفاهم اللّه الحاجة إلى مبايعة الكفار. و الثاني: قال الحسن: جعل اللّه ما يوجد من الجرية بدلا من ذلك. و قيل: أغناهم بالفي‏ء. الثالث: قال عكرمة: أنزل اللّه عليهم المطر، و كثر خيرهم.

المسألة الثانية: قوله: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ إخبار عن غيب في المستقبل على سبيل الجزم في حادثة عظيمة، و قد وقع الأمر مطابقا لذلك الخبر فكان معجزة.

ثم قال تعالى: إِنْ شََاءَ و لسائل أن يسأل فيقول: الغرض بهذا الخبر إزالة الخوف بالعيلة، و هذا الشرط يمنع من إفادة هذا المقصود، و جوابه من وجوه الأول: أن لا يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب، فيكون الإنسان أبدا متضرعا إلى اللّه تعالى في طلب الخيرات و دفع الآفات. الثاني: أن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب، كما في قوله: لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ [الفتح: 27]الثالث: أن المقصود التنبيه على أن حصول هذا المعنى لا يكون في كل الأوقات و في جميع الأمور، لأن إبراهيم عليه السلام قال في دعائه: وَ اُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ [البقرة: 126]و كلمة «من» تفيد التبعيض فقوله تعالى في هذه الآية: إِنْ شََاءَ المراء منه ذلك التبعيض.

ثم قال: إِنَّ اَللََّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي عليم بأحوالكم، و حكيم لا يعطي و لا يمنع إلا عن حكمة و صواب، و اللّه أعلم.

في قوله تعالى قََاتِلُوا اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ لاََ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ إلى قوله أُوتُوا اَلْكِتََابَ اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المشركين في إظهار البراءة عن عهدهم، و في إظهار البراءة عنهم في أنفسهم، و في وجوب مقاتلتهم، و في تبعيدهم عن المسجد الحرام، و أورد الإشكالات التي ذكروها، و أجاب عنها بالجوابات الصحيحة ذكر بعده حكم أهل الكتاب، و هو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية، فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط، و يكونون عند ذلك من أهل الذمة و العهد، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر أن أهل الكتاب إذا كانوا موصوفين بصفات أربعة، وجبت مقاتلتهم إلى أن يسلموا، أو إلى أن يعطوا الجزية.

فالصفة الأولى: أنهم لا يؤمنون بالله. و اعلم أن القوم يقولون: نحن نؤمن بالله إلا أن التحقيق أن أكثر اليهود مشبهة، و المشبه يزعم أن لا موجود إلا الجسم و ما يحل فيه فأما الموجود الذي لا يكون جسما و لا

24

حالا فيه فهو منكر له، و ما ثبت بالدلائل أن الإله موجود ليس بجسم و لا حالا في جسم، فحينئذ يكون المشبه منكرا لوجود الإله فثبت أن اليهود منكرون لوجود الإله.

فإن قيل: فاليهود قسمان: منهم مشبهة، و منهم موحدة، كما أن المسلمين كذلك فهب أن المشبهة منهم منكرون لوجود الإله، فما قولكم في موحدة اليهود؟ قلنا: أولئك لا يكونون داخلين تحت هذه الآية، و لكن إيجاب الجزية عليهم بأن يقال: لما ثبت وجوب الجزية على بعضهم وجب القول به في حق الكل ضرورة أنه لا قائل بالفرق. و أما النصارى: فهم يقولون:

بالأب و الابن و روح القدس؛ و الحلول و الاتحاد، و كل ذلك ينافي الإلهية.

فإن قيل: حاصل الكلام: أن كل من نازع في صفة من صفات اللّه، كان منكرا لوجود اللّه تعالى، و حينئذ يلزم أن تقولوا: إن أكثر المتكلمين منكرون لوجود اللّه تعالى، لأن أكثرهم مختلفون في صفات اللّه تعالى ألا ترى أن أهل السنة اختلفوا اختلافا شديدا في هذا الباب، فالأشعري أثبت البقاء صفة، و القاضي أنكره، و عبد اللََّه بن سعيد أثبت القدم صفة، و الباقون أنكروه، و القاضي أثبت إدراك الطعوم، و إدراك الروائح، و إدراك الحرارة و البرودة، و هي التي تسمى في حق البشر بإدراك الشم و الذوق و اللمس، و الأستاذ أبو إسحاق أنكره، و أثبت القاضي للصفات السبع أحوالا سبعة معللة بتلك الصفات، و نفاة الأحوال أنكروه، و عبد اللََّه بن سعيد زعم أن كلام اللّه في الأول ما كان أمرا و لا نهيا و لا خبرا، ثم صار ذلك في الإنزال، و الباقون أنكروه، و قوم من قدماء الأصحاب أثبتوا لله خمس كلمات، في الأمر، و النهي، و الخبر، و الاستخبار، و النداء، و المشهور أن كلام اللّه تعالى واحد، و اختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور أم لا؟فثبت بهذا حصول الاختلاف بين أصحابنا في صفات اللّه تعالى من هذه الوجوه الكثيرة، و أما اختلافات المعتزلة و سائر الفرق في صفات اللّه تعالى، فأكثر من أن يمكن ذكره في موضع واحد.

إذا ثبت هذا فنقول: إما أن يكون الاختلاف في الصفات موجبا إنكار الذات أو لا يوجب ذلك؟فإن أوجبه لزم في أكثر فرق المسلمين أن يقال: إنهم أنكروا الإله، و إن لم يوجب ذلك لم يلزم من ذهاب بعض اليهود و ذهاب النصارى إلى الحلول و الاتحاد كونهم منكرين للإيمان باللََّه، و أيضا فمذهب النصارى أن أقنوم الكلمة حل في عيسى، و حشوية المسلمين يقولون: إن من قرأ/كلام اللّه فالذي يقرؤه هو عين كلام تعالى، و كلام اللّه تعالى مع أنه صفة اللّه يدخل في لسان هذا القارئ و في لسان جميع القراء، و إذا كتب كلام اللّه في جسم فقد حل كلام اللّه تعالى في ذلك الجسم فالنصارى إنما أثبتوا الحلول و الاتحاد في حق عيسى. و أما هؤلاء الحمقى فأثبتوا كلمة اللّه في كل إنسان قرأ القرآن، و في كل جسم كتب فيه القرآن، فإن صح في حق النصارى أنهم لا يؤمنون باللََّه بهذا السبب، وجب أن يصح في حق هؤلاء الحروفية و الحلولية أنهم لا يؤمنون باللََّه، فهذا تقرير هذا السؤال.

و الجواب: أن الدليل دل على أن من قال إن الإله جسم فهو منكر للإله تعالى، و ذلك لأن إله العالم موجود ليس بجسم و لا حال في الجسم، فإذا أنكر المجسم هذا الموجود فقد أنكر ذات الإله تعالى، فالخلاف بين المجسم و الموحد ليس في الصفة، بل في الذات، فصح في المجسم أنه لا يؤمن باللََّه أما المسائل التي حكيتموها فهي اختلافات في الصفة، فظهر الفرق. و أما إلزام مذهب الحلولية و الحروفية، فنحن نكفرهم قطعا،

25

فإنه تعالى كفر النصارى بسبب أنهم اعتقدوا حلول كلمة اللّه في عيسى و هؤلاء اعتقدوا حلول كلمة اللّه في ألسنة جميع من قرأ القرآن، و في جميع الأجسام التي كتب فيها القرآن، فإذا كان القول بالحلول في حق الذات الواحدة يوجب التكفير، فلأن يكون القول بالحلول في حق جميع الأشخاص و الأجسام موجبا للقول بالتكفير كان أولى.

و الصفة الثانية: من صفاتهم أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر.

و اعلم أن المنقول عن اليهود و النصارى: إنكار البعث الجسماني، فكأنهم يميلون إلى البعث الروحاني.

و اعلم أنا بينا في هذا الكتاب أنواع السعادات و الشقاوات الروحانية، و دللنا على صحة القول بها و بينا دلالة الآيات الكثيرة عليها، إلا أنا مع ذلك نثبت السعادات و الشقاوات الجسمانية، و نعترف بأن اللّه يجعل أهل الجنة، بحيث يأكلون و يشربون، و بالجواري يتمتعون، و لا شك أن من أنكر الحشر و البعث الجسماني، فقد أنكر صريح القرآن، و لما كان اليهود و النصارى منكرين لهذا المعنى، ثبت كونهم منكرين لليوم الآخر.

الصفة الثالثة: من صفاتهم قوله تعالى: وَ لاََ يُحَرِّمُونَ مََا حَرَّمَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ و فيه وجهان: الأول: أنهم لا يحرمون ما حرم في القرآن و سنة الرسول. و الثاني: قال أبو روق: لا يعملون بما في التوراة و الإنجيل، بل حرفوهما و أتوا بأحكام كثيرة من قبل أنفسهم.

الصفة الرابعة: قوله: وَ لاََ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ يقال: فلان يدين بكذا، إذا اتخذه دينا فهو معتقده، فقوله: وَ لاََ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ أي لا يعتقدون في صحة دين/الإسلام الذي هو الدين الحق، و لما ذكر تعالى هذه الصفات الأربعة قال: مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ فبين بهذا أن المراد من الموصوفين بهذه الصفات الأربعة من كان من أهل الكتاب، و المقصود تمييزهم من المشركين في الحكم، لأن الواجب في المشركين القتال أو الإسلام، و الواجب في أهل الكتاب القتال أو الإسلام أو الجزية.

ثم قال تعالى: حَتََّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صََاغِرُونَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي: الجزية هي ما يعطي المعاهد على عهده، و هي فعلة من جزى يجزى إذا قضى ما عليه، و اختلفوا في قوله: عَنْ يَدٍ قال صاحب «الكشاف» قوله: عَنْ يَدٍ إما أن يراد به يد المعطي أو يد الآخذ، فإن كان المراد به المعطي، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد عَنْ يَدٍ مؤاتية غير ممتنعة، لأن من أبى و امتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد، و لذلك يقال: أعطى يده إذا انقاد و أطاع، ألا ترى إلى قولهم نزع يده عن الطاعة، كما يقال: خلع ربقة الطاعة من عنقه. و ثانيهما: أن يكون المراد حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدا غير نسيئة و لا مبعوثا على يد أحد، بل على يد المعطي إلى يد الآخذ. و أما إذا كان المراد يد الآخذ ففيه أيضا وجهان: الأول: أن يكون المراد حتى يعطوا الجزية عن يد قاهرة مستولية للمسلمين عليهم كما تقول:

اليد في هذا لفلان. و ثانيهما: أن يكون المراد عن إنعام عليهم، لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم عليهم نعمة عظيمة.

و أما قوله: وَ هُمْ صََاغِرُونَ فالمعنى أن الجزية تؤخذ منهم على الصغار و الذل و الهوان بأن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب، و يسلمها و هو قائم و المتسلم جالس و يؤخذ بلحيته، فيقال له: أد الجزية و إن كان

26

يؤديها و يزج في قفاه، فهذا معنى الصغار. و قيل: معنى الصغار هاهنا هو نفس إعطاء الجزية، و للفقهاء أحكام كثيرة من توابع الذل و الصغار مذكورة في كتب الفقه.

المسألة الثانية: في شي‏ء من أحكام هذه الآية.

الحكم الأول استدللت بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي و الوجه في تقريره أن قوله: «قاتلوهم» يقتضي إيجاب مقاتلتهم، و ذلك مشتمل على إباحة قتلهم و على عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم، فلما قال: حَتََّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صََاغِرُونَ علمنا أن مجموع هذه الأحكام قد انتهت عند إعطاء الجزية، و يكفي في انتهاء المجموع ارتفاع أحد أجزائه، فإذا ارتفع وجوب قتله و إباحة دمه، فقد ارتفع ذلك المجموع، و لا حاجة في ارتفاع المجموع إلى ارتفاع جميع أجزاء المجموع.

إذا ثبت هذا فنقول: قوله: قاتلوا الموصوفين من أهل الكتاب يدل على عدم وجوب القصاص بقتلهم و قوله: حَتََّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ لا يوجب ارتفاع ذلك الحكم، لأنه كفى في انتهاء ذلك المجموع انتهاء أحد أجزائه و هو وجوب قتلهم، فوجب أن يبقى بعد أداء الجزية عدم وجوب القصاص كما كان.

الحكم الثاني الكفار فريقان، فريق عبدة الأوثان و عبدة ما استحسنوا، فهؤلاء لا يقرون على دينهم بأخذ الجزية، و يجب قتالهم حتى يقولوا لا إله إلا اللََّه، و فريق هم أهل الكتاب، و هم اليهود و النصارى و السامرة و الصابئون، و هذان الصنفان سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا، و المجوس أيضا سبيلهم سبيل أهل الكتاب،

لقوله عليه السلام: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»

و

روي أنه صلى اللََّه عليه و سلّم أخذ الجزية من مجوس هجر،

فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية و يعاهدوا المسلمين على أداء الجزية، و إنما قلنا إنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، لأنه تعالى لما ذكر الصفات الأربعة، و هي قوله تعالى: قََاتِلُوا اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ لاََ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ لاََ يُحَرِّمُونَ مََا حَرَّمَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لاََ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ حَتََّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صََاغِرُونَ قيدهم بكونهم من أهل الكتاب و هو قوله: مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ و إثبات ذلك الحكم في غير هم يقتضي إلغاء هذا القيد المنصوص عليه و أنه لا يجوز.

الحكم الثالث في قدر الجزية.

قال أنس: قسم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم على كل محتلم دينارا، و قسم عمر على الفقراء من أهل الذمة اثني عشر درهما، و على الأوسط أربعة و عشرين، و على أهل الثروة ثمانية و أربعين.

قال أصحابنا: و أقل الجزية دينار، و لا يزاد على الدينار إلا بالتراضي، فإذا رضوا و التزموا الزيادة ضربنا على المتوسط دينارين، و على الغني أربعة دنانير، و الدليل على ما ذكرنا: أن الأصل تحريم أخذ مال المكلف إلا أن قوله: حَتََّى يُعْطُوا

27

اَلْجِزْيَةَ يدل على أخذ شي‏ء، فهذا الذي قلناه هو القدر الأقل، فيجوز أخذه و الزائد عليه لم يدل عليه لفظ الجزية و الأصل فيه الحرمة، فوجب أن يبقى عليها.

الحكم الرابع تؤخذ الجزية عند أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى في أول السنة، و عند الشافعي رحمه اللّه تعالى في آخرها.

الحكم الخامس تسقط الجزية بالإسلام و الموت عند أبي حنيفة رحمه اللّه،

لقوله عليه الصلاة و السلام: «ليس على المسلم جزية»

و عند الشافعي رحمه اللّه لا تسقط.

الحكم السادس قال أصحابنا: هؤلاء إنما أقروا على دينهم الباطل بأخذ الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة و الإنجيل و أيضا مكناهم من أيديهم، فربما يتفكرون فيعرفون صدق محمد صلى اللّه عليه و سلّم و نبوته، فأمهلوا لهذا المعنى و اللّه أعلم. و بقي هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: كان ابن الراوندي يطعن في القرآن و يقول: إنه ذكر في تعظيم كفر النصارى قوله: تَكََادُ اَلسَّمََاوََاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ اَلْأَرْضُ وَ تَخِرُّ اَلْجِبََالُ هَدًّا*`أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمََنِ وَلَداً*`وَ مََا يَنْبَغِي لِلرَّحْمََنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم: 90-92]فبين أن إظهارهم لهذا القول بلغ إلى هذا الحد، ثم إنه لما أخذ منهم دينارا واحدا قررهم عليه و ما منعهم منه.

و الجواب: ليس المقصود من أخذ الجزية تقريره على الكفر، بل المقصود منها حقن دمه و إمهاله مدة، رجاء أنه ربما وقف في هذه المدة على محاسن الإسلام و قوة دلائله، فينتقل من الكفر إلى الإيمان.

السؤال الثاني: هل يكفي في حقن الدم دفع الجزية أم لا؟ و الجواب: أنه لا بد معه من إلحاق الذل و الصغار للكفر و السبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل و الصغار، فإذا أمهل الكافر مدة و هو يشاهد عز الإسلام و يسمع دلائل صحته، و يشاهد الذل و الصغار في الكفر، فالظاهر أنه يحمله ذلك على الانتقال إلى الإسلام، فهذا هو المقصود من شرع الجزية.

في قوله تعالى وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللََّهِ وَ قََالَتِ اَلنَّصََارى‏ََ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ اَللََّهِ ذََلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوََاهِهِمْ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكم في الآية المتقدمة على اليهود و النصارى بأنهم لا يؤمنون باللََّه، شرح ذلك في هذه الآية و ذلك بأن نقل عنهم أنهم أثبتوا للََّه ابنا، و من جوز ذلك في حق الإله فهو في الحقيقة قد

28

أنكر الإله، و أيضا بين تعالى أنهم بمنزلة المشركين في الشرك، و إن كانت طرق القول بالشرك مختلفة، إذ لا فرق بين من يعبد الصنم و بين من يعبد المسيح و غيره لأنه لا معنى للشرك إلا أن يتخذ الإنسان مع اللّه معبودا، فإذا حصل هذا المعنى فقد حصل الشرك، بل إنا لو تأملنا لعلمنا أن كفر عابد الوثن أخف من كفر النصارى، لأن عابد الوثن لا يقول إن هذا الوثن خالق العالم و إله العالم، بل يجريه مجرى الشي‏ء الذي يتوسل به إلى طاعة اللّه. أما النصارى فإنهم يثبتون الحلول و الاتحاد و ذلك كفر قبيح جدا، فثبت أنه لا فرق بين هؤلاء الحلولية و بين سائر المشركين، و أنهم إنما خصهم بقبول الجزية منهم، لأنهم في الظاهر ألصقوا أنفسهم بموسى و عيسى، و ادعى أنهم يعملون بالتوراة و الإنجيل، فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين و تعظيم كتابيهما و تعظيم أسلاف هؤلاء اليهود و النصارى بسبب أنهم كانوا على الدين الحق، حكم اللّه تعالى بقبول الجزية منهم، و إلا ففي الحقيقة لا فرق بينهم و بين المشركين.

المسألة الثانية: في قوله: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللََّهِ أقوال: الأول: قال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء. الثاني:

قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير و عكرمة: أتى جماعة من اليهود إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، و هم: سلام بن مشكم، و النعمان بن أوفى، و مالك بن الصيف، و قالوا: كيف نتبعك و قد تركت قبلتنا، و لا تزعم أن عزيزا ابن اللّه، فنزلت هذه الآية.

و على هذين القولين فالقائلون بهذا المذهب بعض اليهود إلا أن اللّه نسب ذلك القول إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد، يقال فلان يركب الخيول و لعله لم يركب إلا واحدا منها، و فلان يجالس السلاطين و لعله لا يجالس إلا واحدا.

و القول الثالث: لعل هذا المذهب كان فاشيا فيهم ثم انقطع، فحكى اللّه ذلك عنهم، و لا عبرة بإنكار اليهود ذلك، فإن حكاية اللّه عنهم أصدق. و السبب الذي لأجله قالوا هذا القول ما رواه ابن عباس أن اليهود أضاعوا التوراة و عملوا بغير الحق، فأنساهم اللّه تعالى التوراة و نسخها من صدورهم فتضرع عزيز إلى اللّه و ابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه، فأنذر قومه به، فلما جربوه وجدوه صادقا فيه، فقالوا ما تيسر هذا لعزير إلا أنه ابن اللّه، و قال الكلبي: قتل بختنصر علماءهم فلم يبق/ فيهم أحد يعرف التوراة. و قال السدي: العمالقة قتلوهم فلم يبق فيهم أحد يعرف التوراة، فهذا ما قيل في هذا الباب. و أما حكاية اللّه عن النصارى أنهم يقولون:

المسيح ابن اللّه، فهي ظاهرة لكن فيها إشكال قوي، و هي أنا نقطع أن المسيح صلوات اللّه عليه و أصحابه كانوا مبرئين من دعوة الناس إلا الأبوة و البنوة، فإن هذا أفحش أنواع الكفر، فكيف يليق بأكابر الأنبياء عليهم السلام؟ و إذا كان الأمر كذلك فكيف يعقل إطباق جملة محبي عيسى من النصارى على هذا الكفر، و من الذي وضع هذا المذهب الفاسد، و كيف قدر على نسبته إلى المسيح عليه السلام؟فقال المفسرون في الجواب عن هذا السؤال:

أن أتباع عيسى عليه الصلاة و السلام كانوا على الحق بعد رفع عيسى حتى وقع حرب بينهم و بين اليهود، و كان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس قتل جمعا من أصحاب عيسى، ثم قال لليهود إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا و النار مصيرنا و نحن مغبونون إن دخلوا الجنة و دخلنا النار، و إني أحتال فأضلهم، فعوقب فرسه و أظهر الندامة مما كان يصنع و وضع على رأسه التراب و قال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تتنصر، و قد تبت فأدخله النصارى الكنيسة و مكث سنة لا يخرج و تعلم الإنجيل فصدقوه و أحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس‏

29

و استخلف عليهم رجلا اسمه نسطور، و علمه أن عيسى و مريم و الإله كانوا ثلاثة، و توجه إلى الروم و علمهم اللاهوت و الناسوت، و قال: ما كان عيسى إنسانا و لا جسما و لكنه اللّه، و علم رجلا آخر يقال له يعقوب ذلك، ثم دعا رجلا يقال له ملكا فقال له: إن الإله لم يزل و لا يزال عيسى، ثم دعا لهؤلاء الثلاثة و قال لكل واحد منهم أنت خليفتي فادع الناس إلى إنجيلك، و لقد رأيت عيسى في المنام و رضي عني، و إني غدا أذبح نفس لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه، ثم دعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة الناس إلى قوله و مذهبه، فهذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى، هذا ما حكاه الواحدي رحمه اللّه تعالى، و الأقرب عندي أن يقال لعله ورد لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف، كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف، ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود و لأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطرف الثاني، فبالغوا و فسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية و الجهال، قبلوا ذلك، و فشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

المسألة الثالثة: قرأ عاصم و الكسائي و عبد الوارث عن أبي عمرو عُزَيْرٌ بالتنوين و الباقون بغير التنوين.

قال الزجاج: الوجه إثبات التنوين. فقوله: عُزَيْرٌ مبتدأ و قوله: اِبْنُ اَللََّهِ خبره، و إذا كان كذلك فلا بد من التنوين في حال السعة لأن عزيرا ينصرف سواء كان أعجميا أو عربيا، و سبب كونه منصرفا أمران: أحدهما: أنه اسم خفيف فينصرف، و إن كان أعجميا كهود و لوط و الثاني: أنه على صيغة التصغير و أن الأسماء الأعجمية لا تصغر، و أما الذين تركوا التنوين فلهم فيه ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أنه أعجمي و معرفة، فوجب أن لا ينصرف.

الوجه الثاني: أن قوله: اِبْنُ صفة و الخبر محذوف و التقدير: عزير ابن اللّه معبودنا، و طعن عبد القاهر الجرجاني في هذا الوجه في كتاب «دلائل الإعجاز» ، و قال الاسم إذا وصف بصفة ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف التكذيب إلى الخبر، و صار ذلك الوصف مسلما فلما كان المقصود بالإنكار هو قولهم عزير ابن اللّه معبودنا، لتوجه الإنكار إلى كونه معبودا لهم، و حصل كونه ابنا للََّه، و معلوم أن ذلك كفر، و هذا الطعن عندي ضعيف. أما قوله إن من أخبر عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور و أنكره منكر، توجه الإنكار إلى الخبر فهذا مسلم. و أما قوله: و يكون ذلك تسليما لذلك الوصف فهذا ممنوع، لأنه لا يلزم من كونه مكذبا لذلك الخبر بالتكذيب أن يدل على أن ما سواه لا يكذبه بل يصدقه، و هذا بناء على دليل الخطاب و هو ضعيف لا سيما في مثل هذا المقام.

الوجه الثالث: قال الفراء: نون التنوين ساكنة من عزير، و الباء في قوله: اِبْنُ اَللََّهِ ساكنة فحصل هاهنا التقاء الساكنين، فحذف نون التنوين للتخفيف، و أنشد الفراء:

فألفيته غير مستعتب # و لا ذاكر اللّه إلا قليلا

و اعلم أنه لما حكى عنهم بهذه الحكاية قال: ذََلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوََاهِهِمْ .

و لقائل أن يقول: إن كل قول إنما يقال بالفم فما معنى تخصيصهم لهذا القول بهذه الصفة.

و الجواب من وجوه: الأول: أن يراد به قول لا يعضده برهان فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى معتبر لحقه، و الحاصل أنهم قالوا باللسان قولا، و لكن لم يحصل عند العقل من ذلك القول أثر، لأن إثبات‏

30

الولد للإله مع أنه منزه عن الحاجة و الشهوة و المضاجعة و المباضعة قول باطل، ليس عند العقل منه أثر و نظيره قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْوََاهِهِمْ مََا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: 167]و الثاني: أن الإنسان قد يختار مذهبا إما على سبيل الكناية و إما على سبيل الرمز و التعريض، فإذا صرح به و ذكره بلسانه، فذلك هو الغاية في اختياره لذلك المذهب، و النهاية في كونه ذاهبا إليه قائلا به. و المراد هاهنا أنهم يصرحون بهذا المذهب و لا يخفونه البتة. و الثالث: أن المراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت هذه المقالة في الأفواه و الألسنة، و المراد منه مبالغتهم في دعوة الخلق إلى المذهب.

ثم قال تعالى: يُضََاهِؤُنَ قَوْلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في تفسير هذه الآية وجوه: الأول: أن المراد أن هذا القول من اليهود و النصارى يضاهي قول المشركين الملائكة بنات اللّه. الثاني: أن الضمير للنصارى أي قولهم المسيح ابن اللّه يضاهي قول اليهود عزير ابن اللّه لأنهم أقدم منهم. الثالث: أن هذا القول من النصارى يضاهي قول قدمائهم، يعني أنه كفر قديم، فهو غير مستحدث.

المسألة الثانية: المضاهاة: المشابهة. قال الفراء يقال ضاهيته ضهيا و مضاهاة، هذا قول أكثر أهل اللغة في المضاهاة. و قال شمر: المضاهاة: المتابعة، يقال: فلان يضاهي فلانا أي يتابعه.

المسألة الثالثة: قرأ عاصم يُضََاهِؤُنَ بالهمزة و بكسر الهاء، و الباقون بغير همزة وضم الهاء، يقال ضاهيته و ضاهأته لغتان مثل أرجيت و أرجأت. و قال أحمد بن يحيى لم يتابع عاصما أحد على الهمزة.

ثم قال تعالى: قََاتَلَهُمُ اَللََّهُ أَنََّى يُؤْفَكُونَ أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا القول تعجبا من بشاعة قولهم كما يقال القوم ركبوا سبعا، قاتلهم اللّه ما أعجب فعلهم! أَنََّى يُؤْفَكُونَ الإفك الصرف يقال أفك الرجل عن الخير، أي قلب و صرف، و رجل مأفوك أي مصروف عن الخير. فقوله تعالى: أَنََّى يُؤْفَكُونَ معناه كيف يصدون و يصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل، حتى يجعلوا للّه ولدا!و هذا التعجب إنما هو راجع إلى الخلق، و اللّه تعالى لا يتعجب من شي‏ء، و لكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطباتهم، و اللّه تعالى عجب نبيه من تركهم الحق و إصرارهم على الباطل.

في قوله تعالى اِتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَ رُهْبََانَهُمْ أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَ اَلْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ و اعلم أنه تعالى وصف اليهود و النصارى بضرب آخر من الشرك بقوله: اِتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَ رُهْبََانَهُمْ أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَ اَلْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال أبو عبيدة: الأحبار: الفقهاء، و اختلفوا في واحده، فبعضهم يقول حبر و بعضهم يقول حبر. و قال الأصمعي: لا أدري أهو الحبر أو الحبر؟و كان أبو الهيثم يقول واحد الأحبار حبر بالفتح لا غير، و ينكر الكسر، و كان الليث و ابن السكيت يقولان حبر و حبر للعالم ذميا كان أو مسلما، بعد أن يكون من أهل الكتاب. و قال أهل المعاني الحبر العالم الذي بصناعته يحبر المعاني، و يحسن البيان عنها. و الراهب الذي تمكنت الرهبة و الخشية في قلبه و ظهرت آثار الرهبة على وجهه و لباسه. و في عرف الاستعمال، صار الأحبار

31

مختصا بعلماء اليهود من ولد هارون، و الرهبان بعلماء النصارى أصحاب الصوامع.

المسألة الثانية: الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم و نواهيهم،

نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانيا فانتهى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، و هو يقرأ سورة براءة، فوصل إلى هذه الآية، قال: فقلت: لسنا نعبدهم فقال: «أليس يحرمون ما أحل اللّه فتحرمونه و يحلون ما حرم اللّه فتستحلونه» فقلت: بلى قال: «فتلك عبادتهم»

و قال الربيع: قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب اللّه ما يخالف أقوال الأحبار و الرهبان، فكانوا يأخذون بأقوالهم و ما كانوا يقبلون حكم كتاب اللّه تعالى. قال شيخنا و مولانا خاتمة المحققين و المجتهدين رضي اللّه عنه: قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء، قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب اللّه تعالى في بعض المسائل، و كانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات و لم يلتفتوا إليها و بقوا ينظرون إلي كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها، و لو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا.

فإن قيل: إنه تعالى لما كفرهم بسبب أنهم أطاعوا الأحبار و الرهبان فالفاسق يطيع الشيطان فوجب الحكم بكفره، كما هو قول الخوارج.

و الجواب: أن الفاسق، و إن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه لا يعظمه لكن يلعنه، و يستخف به أما أولئك الأتباع كانوا يقبلون قول الأحبار و الرهبان و يعظمونهم، فظهر الفرق.

و القول الثاني: في تفسير هذه الربوبية أن الجهال و الحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم و قدوتهم، فقد يميل طبعهم إلى القول بالحلول و الاتحاد، و ذلك الشيخ إذا كان طالبا للدنيا بعيدا عن الدين، فقد يلقى إليهم أن الأمر كما يقولون و يعتقدون، و شاهدت بعض المزورين ممن كان/بعيدا عن الدين كان يأمر أتباعه و أصحابه بأن يسجدوا له، و كان يقول لهم أنتم عبيدي، فكان يلقي إليهم من حديث الحلول و الاتحاد أشياء، و لو خلا ببعض الحمقى من أتباعه، فربما ادعى الإلهية، فإذا كان مشاهدا في هذه الأمة، فكيف يبعد ثبوته في الأمم السالفة؟و حاصل الكلام أن تلك الربوبية يحتمل أن يكون المراد منها أنهم أطاعوهم فيما كانوا مخالفين فيه لحكم اللّه، و أن يكون المراد منها أنهم قبلوا أنواع الكفر، فكفروا باللََّه، فصار ذلك جاريا مجرى أنهم اتخذوهم أربابا من دون اللّه، و يحتمل أنهم أثبتوا في حقهم الحلول و الاتحاد. و كل هذه الوجوه الأربعة مشاهد و واقع في هذه الأمة.

ثم قال تعالى: وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا إِلََهاً وََاحِداً و معناه ظاهر، و هو أن التوراة و الإنجيل و الكتب الإلهية ناطقة بذلك.

ثم قال: لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ سُبْحََانَهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ أي سبحانه من أن يكون له شريك في الأمر و التكليف، و أن يكون له شريك في كونه مسجودا و معبودا، و أن يكون له شريك في وجوب نهاية التعظيم و الإجلال.

32

اعلم أن المقصود منه بيان نوع ثالث من الأفعال القبيحة الصادرة عن رؤساء اليهود و النصارى، و هو سعيهم في إبطال أمر محمد صلى اللّه عليه و سلّم، وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة شرعه و قوة دينه، و المراد من النور: الدلائل الدالة على صحة نبوته، و هي أمور كثيرة جدا. أحدها: المعجزات القاهرة التي ظهرت على يده، فإن المعجز إما أن يكون دليلا على الصدق أو لا يكون، فإن كان دليلا على الصدق، فحيث ظهر المعجز لا بد من حصول الصدق، فوجب كون محمد صلى اللّه عليه و سلّم صادقا، و إن لم يدل على الصدق قدح ذلك في نبوة موسى و عيسى عليهما السلام. و ثانيها: القرآن العظيم الذي ظهر على لسان محمد صلى اللّه عليه و سلّم مع أنه من أول عمره إلى آخره ما تعلم و ما طالع و ما استفاد و ما نظر في كتاب، و ذلك من أعظم المعجزات. و ثالثها: أن/حاصل شريعته تعظيم اللّه و الثناء عليه، و الانقياد لطاعته و صرف النفس عن حب الدنيا، و الترغيب في سعادات الآخرة. و العقل يدل على أنه لا طريق إلى اللّه إلا من هذا الوجه. و رابعها: أن شرعه كان خاليا عن جميع العيوب، فليس فيه إثبات ما لا يليق باللََّه، و ليس فيه دعوة إلى غير اللّه، و قد ملك البلاد العظيمة، و ما غير طريقته في استحقار الدنيا، و عدم الالتفات إليها، و لو كان مقصوده طلب الدنيا لما بقي الأمر كذلك، فهذه الأحوال دلائل نيرة و براهين قاهرة في صحة قوله، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة و شبهاتهم السخيفة، و أنواع كيدهم و مكرهم، أرادوا إبطال هذه الدلائل، فكان هذا جاريا مجرى من يريد إبطال نور الشمس بسبب أن ينفخ فيها، و كما أن ذلك باطل و عمل ضائع، فكذا هاهنا، فهذا هو المراد من قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ ثم إنه تعالى وعد محمدا صلى اللّه عليه و سلّم مزيد النصرة و القوة و إعلاء الدرجة و كمال الرتبة فقال: وَ يَأْبَى اَللََّهُ إِلاََّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ .

فإن قيل: كيف جاز أبى اللّه إلا كذا، و لا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدا؟ قلنا: أجرى (أبى) مجرى لم يرد، و التقدير: ما أراد اللّه إلا ذلك، إلا أن الإباء يفيد زيادة عدم الإرادة و هي المنع و الامتناع، و الدليل عليه‏

قوله صلى اللّه عليه و سلّم: «و إن أرادوا ظلمنا أبينا»

فامتدح بذلك، و لا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم، لأن ذلك يصح من القوي و الضعيف، و يقال: فلان أبى الضيم، و المعنى ما ذكرناه، و إنما سمى الدلائل بالنور لأن النور يهدي إلى الصواب فكذلك الدلائل تهدي إلى الصواب في الأديان.

اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأعداء أنهم يحاولون إبطال أمر محمد صلى اللّه عليه و سلّم و بين تعالى أنه يأبى ذلك الإبطال و أنه يتم أمره، بين كيفية ذلك الإتمام فقال: هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ََ وَ دِينِ اَلْحَقِّ .

و اعلم أن كمال حال الأنبياء صلوات اللّه عليهم لا تحصل إلا بمجموع أمور: أولها: كثرة الدلائل و المعجزات، و هو المراد من قوله: أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ََ و ثانيها: كون دينه مشتملا على أمور يظهر لكل أحد كونها موصوفة بالصواب و الصلاح و مطابقة الحكمة و موافقة المنفعة في الدنيا و الآخرة، و هو المراد من قوله: وَ دِينِ اَلْحَقِّ و ثالثها: صيرورة دينه مستعليا على سائر الأديان غالبا عليها غالبا لأضدادها قاهرا لمنكريها، و هو المراد من قوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ .

و اعلم أن ظهور الشي‏ء على غيره قد يكون بالحجة، و قد يكون بالكثرة و الوفور، و قد يكون بالغلبة

33

و الاستيلاء، و معلوم أنه تعالى بشر بذلك، و لا يجوز أن يبشر إلا بأمر مستقبل غير حاصل، و ظهور هذا الدين بالحجة مقرر معلوم، فالواجب جمله على الظهور بالغلبة.

فإن قيل: ظاهر قوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ يقتضي كونه غالبا لكل الأديان، و ليس الأمر كذلك، فإن الإسلام لم يصر غالبا لسائر الأديان في أرض الهند و الصين و الروم، و سائر أراضي الكفرة.

قلنا أجابوا عنه من وجوه:

الوجه الأول: أنه لا دين بخلاف الإسلام إلا و قد قهرهم المسلمون و ظهروا عليهم في بعض المواضع، و إن لم يكن كذلك في جميع مواضعهم، فقهروا اليهود و أخرجوهم من بلاد العرب، و غلبوا النصارى على بلاد الشام و ما والاها إلى ناحية الروم و الغرب، و غلبوا المجوس على ملكهم، و غلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك و الهند، و كذلك سائر الأديان فثبت أن الذي أخبر اللََّه عنه في هذه الآية قد وقع و حصل و كان ذلك إخبارا عن الغيب فكان معجزا.

الوجه الثاني: في الجواب أن نقول: روي عن أبي هريرة رضي اللََّه عنه أنه قال: هذا وعد من اللّه بأنه تعالى يجعل الإسلام عاليا على جميع الأديان. و تمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى، و قال السدي: ذلك عند خروج المهدي، لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدى الخراج.

الوجه الثالث: المراد: ليظهر الإسلام على الدين كله في جزيرة العرب، و قد حصل ذلك فإنه تعالى ما أبقى فيها أحدا من الكفار.

الوجه الرابع: أن المراد من قوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ أن يوقفه على جميع شرائع الدين و يطلعه عليها بالكلية حتى لا يخفى عليه منها شي‏ء.

الوجه الخامس: أن المراد من قوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ بالحجة و البيان إلا أن هذا ضعيف؛ لأن هذا وعد بأنه تعالى سيفعله و التقوية بالحجة و البيان كانت حاصلة من أول الأمر، و يمكن أن يجاب عنه بأن في مبدأ الأمر كثرت الشبهات بسبب ضعف المؤمنين/و استيلاء الكفار، و منع الكفار سائر الناس من التأمل في تلك الدلائل. أما بعد قوة دولة الإسلام عجزت الكفار فضعفت الشبهات، فقوي ظهور دلائل الإسلام، فكان المراد من تلك البشارة هذه الزيادة.

في قوله تعالى يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْأَحْبََارِ وَ اَلرُّهْبََانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلنََّاسِ بِالْبََاطِلِ اعلم أنه تعالى لما وصف رؤساء اليهود و النصارى بالتكبر و التجبر و ادعاء الربوبية و الترفع على الخلق، وصفهم في هذه الآية بالطمع و الحرص على أخذ أموال الناس، تنبيها على أن المقصود من إظهار تلك الربوبية

34

و التجبر و الفخر، أخذ أموال الناس بالباطل، و لعمري من تأمل أحوال أهل الناموس و التزوير في زماننا و جد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم و في شرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا و لا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات و أنه في الطهارة و العصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه و يتحمل نهاية الذل و الدناءة في تحصيله و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قد عرفت أن الأحبار من اليهود، و الرهبان من النصارى بحسب العرف، فاللََّه تعالى حكى عن كثير منهم أنهم ليأكلون أموال الناس بالباطل، و فيه أبحاث:

البحث الأول: أنه تعالى قيد ذلك بقوله: كَثِيراً ليدل بذلك على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا طريقة الكل، فإن العالم لا يخلو عن الحق و إطباق الكل على الباطل كالممتنع هذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل، فكذلك سائر الأمم.

البحث الثاني: أنه تعالى عبر عن أخذ الأموال بالأكل و هو قوله: لَيَأْكُلُونَ و السبب في هذه الاستعارة، أن المقصود الأعظم من جمع الأموال هو الأكل، فسمى الشي‏ء باسم ما هو أعظم مقاصده، أو يقال من أكل شيئا فقد ضمنه إلى نفسه و منعه من الوصول إلى غيره، و من جمع المال فقد ضم تلك الأموال إلى نفسه، و منعها من الوصول إلى غيره، فلما حصلت المشابهة بين الأكل و بين الأخذ من هذا الوجه، سمى الأخذ بالأكل أو يقال:

إن من أخذ أموال الناس، فإذا طولب بردها، قال أكلتها و ما بقيت، فلا أقدر على ردها، فلهذا السبب سمى الأخذ بالأكل.

البحث الثالث: أنه قال: لَيَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلنََّاسِ بِالْبََاطِلِ و قد اختلفوا في تفسير هذا الباطل على وجوه:

الأول: أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام و المسامحة في الشرائع. و الثاني: أنهم كانوا يدعون عند الحشرات و العوام منهم، أنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة اللّه تعالى إلا بخدمتهم و طاعتهم، و بذل الأموال في طلب مرضاتهم و العوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب. الثالث: التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد صلى اللّه عليه و سلّم، فأولئك الأحبار و الرهبان، كانوا يذكرون في تأويلها وجوها فاسدة، و يحملونها على محامل باطلة، و كانوا يطيبون قلوب عوامهم بهذا السبب، و يأخذون الرشوة. و الرابع: أنهم كانوا يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو الذي هم عليه فإذا قرروا ذلك قالوا و تقوية الدين الحق واجب ثم قالوا: و لا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقواما عظماء أصحاب الأموال الكثيرة و الجمع العظيم، فبهذا الطريق يحملون العوام على أن يبذلوا في خدمتهم نفوسهم و أموالهم، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس، و هي بأسرها حاضرة في زماننا، و هو الطريق لأكثر الجهال و المزورين إلى أخذ أموال العوام و الحمقى من الخلق.

ثم قال: وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ لأنهم كانوا يقتلون على متابعتهم و يمنعون عن متابعة الأخيار من الخلق و العلماء في الزمان، و في زمان محمد عليه الصلاة و السلام كانوا يبالغون في المنع عن متابعته بجميع وجوه المكر و الخداع.

قال المصنف رضي اللّه عنه: غاية مطلوب الخلق في الدنيا المال و الجاه، فبين تعالى في صفة الأحبار و الرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين، فالمال هو المراد بقوله: لَيَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلنََّاسِ بِالْبََاطِلِ و أما الجاه‏

35

فهو المراد بقوله: وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ فإنهم لو أقروا بأن محمدا على الحق لزمهم/متابعته، و حينئذ فكان يبطل حكمهم و تزول حرمتهم فلأجل الخوف من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من متابعة محمد صلى اللّه عليه و و سلّم، و يبالغون في إلقاء الشبهات و في استخراج وجوه المكر و الخديعة، و في منع الخلق من قبول دينه الحق و الاتباع لمنهجه الصحيح.

ثم قال: وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاََ يُنْفِقُونَهََا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ .

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في قوله: وَ اَلَّذِينَ احتمالات ثلاثة: لأنه يحتمل أن يكون المراد بقوله: اَلَّذِينَ أولئك الأحبار و الرهبان، و يحتمل أن يكون المراد كلاما مبتدأ على ما قال بعضهم المراد منه مانعو الزكاة من المسلمين، و يحتمل أن يكون المراد منه كل من كنز المال و لم يخرج منه الحقوق الواجبة سواء كان من الأحبار و الرهبان أو كان من المسلمين، فلا شك أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة، و روي عن زيد بن وهب قال: مررت بأبي ذر فقلت يا أبا ذر ما أنزلك هذه البلاد؟فقال: كنت بالشام فقرأت وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ فقال معاوية: هذه الآية نزلت في أهل الكتاب فقلت: إنها فيهم و فينا، فصار ذلك سببا للوحشة بيني و بينه، فكتب إليّ عثمان أن أقبل إلي، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني، كأنهم لم يروني من قبل، فشكوت ذلك إلى عثمان فقال لي تنح قريبا إني و اللّه لن أدع ما كنت أقول. و عن الأحنف، قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكافرين برضف يحمى عليه في نار جهنم فتوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى تخرج من نغض كتفه حتى يرفض بدنه، و توضع على نغض كتفه حتى تخرج من حلمة ثديه، فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته و قلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم: فقال ما عسى أن يصنع في قريش.

قال مولانا رضي اللّه عنه: إن كان المراد تخصيص هذا الوعيد بمن سبق ذكرهم و هم أهل الكتاب، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس بقوله: لَيَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلنََّاسِ بِالْبََاطِلِ و وصفهم أيضا بالبخل الشديد و الامتناع عن إخراج الواجبات عن أموال أنفسهم بقوله: وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ و إن كان المراد مانعي الزكاة من المؤمنين، كان التقدير أنه تعالى وصف قبح طريقتهم في الحرص على أخذ أموال الناس بالباطل، ثم ندب المسلمين إلى إخراج الحقوق الواجبة من أموالهم، و بين ما في تركه من الوعيد الشديد، و إن كان المراد الكل، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل، ثم أردفه بوعيد كل من امتنع عن إخراج الحقوق الواجبة من ماله تنبيها على أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك/فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل و التزوير و المكر.

المسألة الثانية: أصل الكنز في كلام العرب هو الجمع، و كل شي‏ء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز، يقال: هذا جسم مكتنز الأجزاء إذا كان مجتمع الأجزاء، و اختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤد زكاته، و قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: ما أديت زكاته فليس بكنز.

و قال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز و إن كان تحت سبع أرضين، و كل ما لم تؤد زكاته فهو كنز و إن كان فوق الأرض، و قال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره و ليس بكنز. و قال ابن عباس:

36

في قوله: وَ لاََ يُنْفِقُونَهََا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ يريد الذين لا يؤدون زكاة أموالهم. قال القاضي: تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه، بل الواجب أن يقال: الكنز هو المال الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه عنه، و لا فرق بين الزكاة و بين ما يجب من الكفارات، و بين ما يلزم من نفقة الحج أو الجمعة، و بين ما يجب إخراجه في الدين و الحقوق و الإنفاق على الأهل أو العيال و ضمان المتلفات و أروش الجنايات فيجب في كل هذه الأقسام أن يكون داخلا في الوعيد.

و القول الثاني: أن المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم، سواء أديت زكاته أو لم تؤد. و احتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بأمور: الأول: عموم قوله تعالى: لَهََا مََا كَسَبَتْ* [البقرة: 286]فإن ذلك يدل على أن كل ما اكتسبه الإنسان فهو حقه و كذا قوله تعالى: وَ لاََ يَسْئَلْكُمْ أَمْوََالَكُمْ [محمد: 36]و

قوله عليه الصلاة و السلام: «نعم المال الصالح للرجل الصالح»

و

قوله عليه السلام: «كل امرئ أحق بكسبه»

و

قوله عليه السلام: «ما أدى زكاته فليس بكنز و إن كان باطنا، و ما بلغ أن يزكى و لم يزك فهو كنز»

و إن كان ظاهرا. الثاني:

أنه كان في زمان الرسول عليه الصلاة و السلام جماعة كعثمان و عبد الرحمن بن عوف، و كان عليه السلام يعدهم من أكابر المؤمنين. الثالث: أنه عليه السلام ندب إلى إخراج الثلث أو أقل في المرض، و لو كان جمع المال محرما لكان عليه السلام أقر المريض بالتصدق بكله، بل كان يأمر الصحيح في حال صحته بذلك. و احتج الذاهبون إلى القول الثاني بوجوه: الأول: عموم هذه الآية، و لا شك أن ظاهرها دليل على المنع من جمع المال، فالمصير إلى أن الجمع مباح بعد إخراج الزكاة ترك لظاهر هذه الآية، فلا يصار إليه إلا بدليل منفصل.

و الثاني: ما

روى سالم بن الجعد أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: «تبا للذهب تبا للفضة، قالها ثلاثا، فقالوا له أي مال نتخذ؟قال: لسانا ذاكرا، و قلبا خاشعا، و زوجة تعين أحدكم على دينه» .

و

قال عليه السلام: «من برك صفراء أو بيضاء كوى بها، و توفى رجل فوجد في مئزره دينار فقال/عليه السلام: «كية» و توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه الصلاة و السلام: «كيتان»

و الثالث: ما

روي عن الصحابة في هذا الباب فقال علي: كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد،

و عن أبي هريرة كل صفراء أو بيضاء أوكى عليها صاحبها فهي كنز. و عن أبي الدرداء أنه كان إذا رأى أن العسير تقدم بالمال صعد على موضع مرتفع و يقول جاءت القطار تحمل النار و بشر الكنازين بكي في الجباه و الجنوب و الظهور و البطون. و الرابع: أنه تعالى إنما خلق الأموال ليتوسل بها إلى دفع الحاجات، فإذا حصل للإنسان قدر ما يدفع به حاجته ثم جمع الأموال الزائدة عليه فهو لا ينتفع بها لكونها زائدة على قدر حاجته و منعها من الغير الذي يمكنه أن يدفع حاجته بها، فكان هذا الإنسان بهذا المنع مانعا من ظهور حكمته و مانعا من وصول إحسان اللّه إلى عبيده.

و اعلم أن الطريق الحق أن يقال الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير، إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع، فالأول محمول على التقوى و الثاني على ظاهر الفتوى، أما بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فبوجوه:

الوجه الأول: أن الإنسان إذا أحب شيئا فكلما كان وصوله إليه أكثر و التذاذه بوجدانه أكثر، كان حبه له أشد و ميله أقوى فالإنسان إذا كان فقيرا فكأنه لم يذق لذة الانتفاع بالمال و كأنه غافل عن تلك اللذة، فإذا ملك القليل من المال وجد بقدره اللذة، فصار ميله أشد، فكلما صارت أمواله أزيد، كان التذاذه به أكثر و كان حرصه‏

37

في طلبه و ميله إلى تحصيله أشد، فثبت أن تكثير المال سبب لتكثير الحرص في الطلب، فالحرص متعب للروح و النفس و القلب و ضرره شديد، فوجب على العاقل أن يحترز عن الإضرار بالنفس و أيضا قد بينا أنه كلما كان المال أكثر كان الحرص أشد، فلو قدرنا أنه كان ينتهي طلب المال إلى حد ينقطع عنده الطلب و يزول الحرص، لقد كان الإنسان يسعى في الوصول إلى ذلك الحد. أما لما ثبت بالدليل أنه كلما كان تملك الأموال أكثر كان الضرر الناشئ من الحرص أكبر، و أنه لا نهاية لهذا الضرر و لهذا الطلب، فوجب على الإنسان أن يتركه في أول الأمر كما قال:

رأى الأمر يفضي إلى آخر # فيصير آخره أولا

و الوجه الثاني: أن كسب المال شاق شديد، و حفظه بعد حصوله أشد و أشق و أصعب، فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب التحصيل، و أخرى في تعب الحفظ، ثم إنه لا ينتفع بها إلا بالقليل و بالآخر يتركها مع الحسرات و الزفرات، و ذلك هو الخسران المبين.

و الوجه الثالث: أن كثرة المال و الجاه تورث الطغيان، كما قال تعالى: إِنَّ اَلْإِنْسََانَ/لَيَطْغى‏ََ*`أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‏ََ [العلق: 6، 7]و الطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن، و يوقعه في الخسران و الخذلان.

الوجه الرابع: أنه تعالى أوجب الزكاة و ذلك سعي في تنقيص المال، و لو كان تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه.

فإن قيل: لم‏

قال عليه السلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى» .

قلنا: اليد العليا إنما أفادته صفة الخيرية، لأنه أعطى ذلك القليل، فبسبب أنه حصل في ماله ذلك النقصان القليلة حصلت له الخيرية، و بسبب أنه حصل للفقير تلك الزيادة القليل حصلت المرجوحية.

المسألة الثالثة: جاءت الأخبار الكثيرة في وعيد مانعي الزكاة، أما منع زكاة النقود فقوله في هذه الآية:

يَوْمَ يُحْمى‏ََ عَلَيْهََا فِي نََارِ جَهَنَّمَ و أما منع زكاة المواشي فما

روي في الحديث أنه تعالى يعذب أصحاب المواشي إذا لم يؤدوا زكاتها بأن يسوق إليه تلك المواشي كأعظم ما تكون في أجسامها فتمر على أربابها فتطؤهم بأظلافها و تنطحهم بقرونها كلما نفدت أخراها عادت إليهم أولاها فلا يزال كذلك حتى يفرغ الناس من الحساب.

المسألة الرابعة: الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي، و الدليل عليه قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاََ يُنْفِقُونَهََا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ .

فإن قيل: هذا الوعيد إنما يتناول الرجال لا النساء.

قلنا: نتكلم في الرجل الذي اتخذ الحلي لنسائه، و أيضا ترتيب هذا الوعيد على جمع الذهب و الفضة حكم مرتب على وصف يناسبه، و هو أن جمع ذلك المال يمنعه من صرفه إلى المحتاجين مع أنه لا حاجة إليه، إذ لو احتاج إلى إنفاقه لما قدر على جمعه، و إقدام غير المحتاج على منع المال من المحتاج يناسب أن يمنع منه، فثبت أن هذا الوعيد مرتب على وصف يناسبه، و الحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يجب كونه معللا به، فثبت أن هذا الوعيد لذلك الجمع، فأينما حصل ذلك الوصف وجب أن يحصل معه ذلك الوعيد، و أيضا

38

أن العمومات الواردة في إيجاب الزكاة موجودة في الحلي المباح‏

قال عليه السلام: «هاتوا ربع عشر أموالكم»

و

قال: «في الرقة ربع العشر»

و

قال: «يا علي عليك زكاة، فإذا ملكت عشرين مثقالا، فأخرج نصف مثقال»

و

قال: «ليس في المال حق سوى الزكاة و قال لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول»

فهذه الآية مع جميع هذه الأخبار توجب الزكاة في الحلي المباح، ثم نقول و لم يوجد لهذا الدليل معارض من الكتاب، و هو ظاهر لأنه ليس في القرآن ما يدل على أنه لا زكاة في الحلي المباح، و لم يوجد في الأخبار أيضا معارض إلا أن/أصحابنا نقلوا فيه خبرا، و هو

قوله عليه السلام: «لا زكاة في الحلي المباح»

إلا أن أبا عيسى الترمذي قال: لم يصح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم في الحلي خبر صحيح، و أيضا بتقدير أن يصح هذا الخبر فنحمله على اللئالئ لأنه‏

قال: لا زكاة في الحلي،

و لفظ الحلي مفرد محلى بالألف و اللام، و قد دللنا على أنه لو كان هناك معهود سابق، وجب انصرافه إليه و المعهود في القرآن في لفظ الحلي اللئالئ. قال تعالى: وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهََا [النحل: 14]و إذا كان كذلك انصرف لفظ الحلي إلى اللئالئ، فسقطت دلالته، و أيضا الاحتياط في القول بوجوب الزكاة، و أيضا لا يمكن معارضة هذا النص بالقياس، لأن النص خير من القياس فثبت أن الحق ما ذكرناه.

المسألة الخامسة: أنه تعالى ذكر شيئين و هما الذهب و الفضة.

ثم قال: وَ لاََ يُنْفِقُونَهََا و فيه وجهان: الأول: أن الضمير عائد إلى المعنى من وجوه: أحدها: أن كل واحد منهما جملة و آنية دنانير و دراهم، فهو كقوله تعالى: وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا [الحجرات: 9] و ثانيها: أن يكون التقدير، و لا ينفقون الكنوز. و ثالثها: قال الزجاج: التقدير: و لا ينفقون تلك الأموال.

الوجه الثاني: أن يكون الضمير عائدا إلى اللفظ و فيه وجوه: أحدها: أن يكون التقدير و لا ينفقون الفضة، و حذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث إنهما معا يشتركان في ثمنية الأشياء، و في كونهما جوهرين شريفين، و في كونهما مقصودين بالكنز، فلما كانا متشاركين في أكثر الصفات كان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر. و ثانيها: أن ذكر أحدهما قد يغني عن الآخر كقوله تعالى: وَ إِذََا رَأَوْا تِجََارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا [الجمعة: 11]جعل الضمير للتجارة. و قال: وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً [النساء: 112] فجعل الضمير للإثم. و ثالثها: أن يكون التقدير: و لا ينفقونها و الذهب كذلك كما أن معنى قوله:

و إني و قيار بها لغريب‏

أي و قيار كذلك.

فإن قيل: ما السبب في أن خصا بالذكر من بين سائر الأموال؟ قلنا: لأنهما الأصل المعتبر في الأموال و هما اللذان يقصدان بالكنز.

و اعلم أنه تعالى لما ذكر الذين يكنزون الذهب و الفضة قال: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ أي فأخبرهم على سبيل التهكم لأن الذين يكنزون الذهب و الفضة إنما يكنزونهما ليتوسلوا بهما إلى تحصيل الفرج يوم الحاجة.

فقيل هذا هو الفرج كما يقال تحيتهم ليس إلا الضرب و إكرامهم ليس/إلا الشتم، و أيضا فالبشارة عن الخير الذي يؤثر في القلب، فيتغير بسببه لون بشرة الوجه، و هذا يتناول ما إذا تغيرت البشرة بسبب الفرح أو بسبب الغم.

39

ثم قال تعالى: يَوْمَ يُحْمى‏ََ عَلَيْهََا فِي نََارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى‏ََ بِهََا جِبََاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هََذََا مََا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ و في قراءة أبي و بطونهم و فيه سؤالات:

السؤال الأول: لا يقال أحميت على الحديد، بل يقال: أحميت الحديد فما الفائدة في قوله: يَوْمَ يُحْمى‏ََ عَلَيْهََا .

و الجواب: ليس المراد أن تلك الأموال تحمى على النار، بل المراد أن النار تحمى على تلك الأموال التي هي الذهب و الفضة، أي يوقد عليها نار ذات حمى و حر شديد، و هو مأخوذ من قوله: نََارٌ حََامِيَةٌ [القارعة: 11]و لو قيل يوم تحمى لم يفد هذه الفائدة.

فإن قالوا: لما كان المراد يوم تحمى النار عليها، فلم ذكر الفعل؟ قلنا: لأن النار تأنيثها لفظي، و الفعل غير مسند في الظاهر إليه، بل إلى قوله: عَلَيْهََا فلا جرم حسن التذكير و التأنيث و عن ابن عامر أنه قرأ تحمى بالتاء.

السؤال الثاني: ما الناصب لقوله: يَوْمَ .

الجواب: التقدير فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها.

السؤال الثالث: لم خصت هذه الأعضاء؟ و الجواب لوجوه: أحدها: أن المقصود من كسب الأموال حصول فرح في القلب يظهر أثره في الوجوه، و حصول شبع ينتفخ بسببه الجنبان، و لبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم، فلما طلبوا تزين هذه الأعضاء الثلاثة، لا جرم حصل الكي على الجباه و الجنوب و الظهور. و ثانيها: أن هذه الأعضاء الثلاثة مجوفة، قد حصل في داخلها آلات ضعيفة يعظم تألمها بسبب وصول أدنى أثر إليها بخلاف سائر الأعضاء. و ثالثها: قال أبو بكر الوراق: خصت هذه المواضع بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير بجنبه تباعد عنه و ولى ظهره. و رابعها:

أن المعنى أنهم يكوون على الجهات الأربع، إما من مقدمه فعلى الجبهة، و إما من خلفه فعلى الجبهة، و إما من خلفه فعلى الظهور، و إما من يمينه و يساره فعلى الجنبين. و خامسها: أن ألطف أعضاء الإنسان جبينه و العضو المتوسط في اللطافة و الصلابة جنبه، و العضو الذي هو أصلب أعضاء الإنسان ظهره، فبين تعالى أن هذه الأقسام الثلاثة من أعضائه تصير مغمورة في الكي، و الغرض منه التنبيه على أن ذلك الكي يحصل في تلك الأعضاء. و سادسها: أن كمال حال بدن الإنسان في جماله و قوته أما الجمال فمحله الوجه، و أعز الأعضاء في الوجه الجبهة، فإذا وقع الكي/في الجبهة، فقد زال الجمال بالكلية، و أما القوة فمحلها الظهر و الجنبان، فإذا حصل الكي عليها فقد زالت القوة عن البدن، فالحاصل: أن حصول الكي في هذه الأعضاء الثلاثة يوجب زوال الجمال و زوال القوة، و الإنسان إنما طلب المال لحصول الجمال و لحصول القوة.

السؤال الرابع: الذي يجعل كيا على بدن الإنسان هو كل ذلك المال أو القدر الواجب من الزكاة.

و الجواب: مقتضى الآية: الكل لأنه لما يخرج منه لم يكن الحق منه جزءا معينا، بل لا جزء إلا و الحق متعلق به، فوجب أن يعذبه اللّه بكل الأجزاء.

ثم إنه تعالى قال: هََذََا مََا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ و التقدير: فيقال لهم: هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا

40

و الغرض منه تعظيم الوعيد، لأنهم إذا عاينوا ما يعذبون به من درهم أو من دينار أو من صفيحة معمولة منهما أو من أحدهما جوزوا فيه أن يكون عن الحق الذي منعه و جوزوا خلاف ذلك، فعظم اللّه تبكيتهم بأن يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم لم تؤثروا به رضا ربكم و لا قصدتم بالإنفاق منه نفع أنفسكم و الخلاص به من عقاب ربكم فصرتم كأنكم ادخرتموه ليجعل عقابا لكم على ما تشاهدونه، ثم يقول تعالى: فَذُوقُوا مََا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ و معناه لم تصرفوه لمنافع دينكم و دنياكم على ما أمركم اللّه به فذوقوا وبال ذلك به لا بغيره.

في قوله تعالى إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللََّهِ اِثْنََا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتََابِ اَللََّهِ اعلم أن هذا شرح النوع الثالث من قبائح أعمال اليهود و النصارى و المشركين، و هو إقدامهم على السعي في تغييرهم أحكام اللّه، و ذلك لأنه تعالى لما حكم في كل و قت بحكم خاص، فإذا غيروا تلك الأحكام بسبب النسي‏ء فحينئذ كان ذلك سعيا منهم في تغيير حكم السنة بحسب أهوائهم و آرائهم فكان ذلك زيادة في كفرهم و حسرتهم، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن السنة عند العرب عبارة عن اثني عشر شهرا من الشهور القمرية، و الدليل عليه هذه الآية و أيضا قوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِيََاءً وَ اَلْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنََازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسََابَ [يونس: 5]فجعل تقدير القمر بالمنازل علة للسنين و الحساب، و ذلك إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بسير القمر، و أيضا قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوََاقِيتُ لِلنََّاسِ وَ اَلْحَجِّ [البقرة: 189] و عند سائر الطوائف: عبارة عن المدة التي تدور الشمس فيها دورة تامة، و السنة القمرية أقل من السنة الشمسية بمقدار معلوم، و بسبب ذلك النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة، و في الصيف أخرى، و كان يشق الأمر عليهم بهذا السبب، و أيضا إذا حضروا الحج حضروا للتجارة، فربما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجارات من الأطراف، و كان يخل أسباب تجاراتهم بهذا السبب، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة على ما هو معلوم في علم الزيجات، و اعتبروا السنة الشمسية، و عند ذلك بقي زمان الحج مختصا بوقت و احد معين موافق لمصلحتهم و انتفعوا بتجاراتهم و مصالحهم، فهذا النسي‏ء و إن كان سببا لحصول المصالح الدنيوية، إلا أنه لزم منه تغير حكم اللّه تعالى، لأنه تعالى لما خص الحج بأشهر معلومة على التعيين، و كان بسبب ذلك النسي‏ء، يقع في سائر الشهور تغير حكم اللّه و تكليفه. فالحاصل: أنهم لرعاية مصالحهم في الدنيا سعوا في تغيير أحكام اللّه و إبطال تكليفه، فلهذا المعنى استوجبوا الذم العظيم في هذه الآية.

و اعلم أن السنة الشمسية لما كانت زائدة على السنة القمرية جمعوا تلك الزيادة، فإذا بلغ مقدارها إلى شهر جعلوا تلك السنة ثلاثة عشر شهرا، فأنكر اللّه تعالى ذلك عليهم و قال: إن حكم اللّه أن تكون السنة اثني عشر شهرا لا أقل و لا أزيد، و تحكمهم على بعض السنين، أنه صار ثلاثة عشر شهرا حكم واقع على خلاف حكم اللّه تعالى، و يوجب تغيير تكاليف اللّه تعالى، و كل ذلك على خلاف الدين.

و اعلم أن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا شمسية، و هذا حكم تورثوه عن إبراهيم‏

41

و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام فأما عند اليهود و النصارى، فليس كذلك. ثم إن بعض العرب تعلم صفة الكبيسة من اليهود و النصارى، فأظهر ذلك في بلاد العرب.

المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله في كتاب اللّه بقوله: عِدَّةَ اَلشُّهُورِ لأنه يقتضي الفصل بين الصلة و الموصول بالخبر الذي هو قوله: اِثْنََا عَشَرَ شَهْراً و أنه لا يجوز. و أقول في إعراب هذه الآية وجوه: الأول: أن نقول قوله: عِدَّةَ اَلشُّهُورِ مبتدأ و قوله: / اِثْنََا عَشَرَ شَهْراً خبر. و قوله: عِنْدَ اَللََّهِ في كتاب اللّه يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ ظروف أبدل البعض من البعض، و التقدير: إن عدة الشهور اثنا عشر شهرا عند اللّه في كتاب اللّه يوم خلق السموات و الأرض. و الفائدة في ذكر هذه الإبدالات المتوالية تقرير أن ذلك العدد واجب متقرر في علم اللّه، و في كتاب اللّه من أول ما خلق اللّه تعالى العالم. الثاني: أن يكون قوله تعالى: فِي كِتََابِ اَللََّهِ متعلقا بمحذوف يكون صفة للخبر تقديره: اثنا عشر شهرا مثبتة في كتاب اللّه، ثم لا يجوز أن يكون المراد بهذا الكتاب كتاب من الكتب، لأنه متعلق بقوله: يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ مِنْهََا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ و أسماء الأعيان لا تتعلق بالظروف، فلا تقول: غلامك يوم الجمعة، بل الكتاب هاهنا مصدر و التقدير: إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه، أي في حكمه الواقع يوم خلق السموات.

و الثالث: أن يكون الكتاب اسما و قوله: يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ متعلق بفعل محذوف و التقدير: إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا مكتوبا في كتاب اللّه كتبه يوم خلق السموات و الأرض.

المسألة الثالثة: في تفسير أحكام الآية: إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللََّهِ أي في علمه اِثْنََا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتََابِ اَللََّهِ و في تفسير كتاب اللّه وجوه: الأول: قال ابن عباس: إن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل، و هو الأصل للكتب التي أنزلها اللّه على جميع الأنبياء عليهم السلام. الثاني: قال بعضهم: المراد من الكتاب القرآن، و قد ذكرنا آيات تدل على أن السنة المعتبرة في دين محمد صلى اللّه عليه و سلّم هي السنة القمرية و إذا كان كذلك كان هذا الحكم مكتوبا في القرآن. الثالث: قال أبو مسلم: فِي كِتََابِ اَللََّهِ أي فيما أوجبه و حكم به، و الكتاب في هذا الموضع هو الحكم و الإيجاب، كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتََالُ* [البقرة: 216] كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ [البقرة: 178] كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ [الأنعام: 54]قال القاضي: هذا الوجه بعيد، لأنه تعالى جعل الكتاب في هذه الآية كالظرف، و إذا حمل الكتاب على الحساب لم يستقم ذلك إلا على طريق المجاز، و يمكن أن يجاب عنه: بأنه و إن كان مجازا، إلا أنه مجاز متعارف يقال:

إن الأمر كذا و كذا في حساب فلان و في حكمه.

و أما قوله: يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فقد ذكرنا في المسألة الثانية وجوها فيما يتعلق به و الأقرب ما ذكرناه في الوجه الثالث، و هو أن يكون المراد أنه كتب هذا الحكم و حكم به يوم خلق السموات و الأرض، و المقصود بيان أن هذا الحكم حكم محكوم به من أول خلق العالم، و ذلك يدل على المبالغة و التأكيد.

و أما قوله: مِنْهََا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ فقد أجمعوا على أن هذه الأربعة ثلاثة منها سرد، و هي ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرم، و واحد فرد، و هو رجب، و معنى الحرم: أن المعصية فيها أشد عقابا، و الطاعة فيها أكثر ثوابا، و العرب كانوا يعظمونها جدا حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له.

فإن قيل: أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة، فما السبب في هذا التمييز؟.

42

قلنا: إن هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع، فإن أمثلته كثيرة ألا ترى أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة، و ميز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة، و ميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة المخصوصة، و ميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة و هو و جوب الصوم و ميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها و ميز بعض الليالي عن سائرها و هي ليلة القدر، و ميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلعة الرسالة. و إذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة، فأي استبعاد في تخصيص بعض.

الأشهر بمزيد الحرمة، ثم نقول: لا يبعد أن يعلم اللّه تعالى أن وقوع الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيرا في طهارة النفس، و وقوع المعاصي فيها أقوى تأثيرا في خبث النفس، و هذا غير مستبعد عند الحكماء، ألا ترى أن فيهم من صنف كتبا في الأوقات التي ترجى فيها إجابة الدعوات، و ذكروا أن تلك الأوقات المعينة حصلت فيها أسباب توجب ذلك. و

سئل النبي عليه الصلاة و السلام: أي الصيام أفضل؟فقال عليه الصلاة و السلام: «أفضله بعد صيام شهر رمضان صيام شهر اللّه المحرم»

و

قال عليه الصلاة و السلام: «من صام يوما من أشهر اللّه الحرم كان له بكل يوم ثلاثون يوما»

و كثير من الفقهاء غلظوا الدية على القاتل بسبب وقوع القتل في هذه الأشهر، و فيه فائدة أخرى: و هي أن الطباع مجبولة على الظلم و الفساد و امتناعهم من هذه القبائح على الإطلاق شاق عليهم، فاللََّه سبحانه و تعالى خص بعض الأوقات بمزيد التعظيم و الاحترام، و خص بعض الأماكن بمزيد التعظيم و الاحترام، حتى إن الإنسان ربما امتنع في تلك الأزمنة و في تلك الأمكنة من القبائح و المنكرات، و ذلك يوجب أنواعا من الفضائل و الفوائد: أحدها: أن ترك تلك القبائح في تلك الأوقات أمر مطلوب، لأنه يقل القبائح.

و ثانيها: أنه لما تركها في تلك الأوقات فربما صار تركه لها في تلك الأوقات سببا لميل طبعه إلى الإعراض عنها مطلقا. و ثالثها: أن الإنسان إذا أتى بالطاعات في تلك الأوقات و أعرض عن المعاصي فيها، فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في القبائح و المعاصي صار شروعه فيها سببا لبطلان ما تحمله من العناء و المشقة في أداء تلك الطاعات في تلك الأوقات، و الظاهر من حال العاقل أن لا يرضى بذلك فيصير ذلك سببا لاجتنابه عن المعاصي بالكلية، فهذا هو الحكمة في تخصيص بعض الأوقات و بعض/البقاع بمزيد التعظيم و الاحترام.

ثم قال تعالى: ذََلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ و فيه بحثان:

البحث الأول: أن قوله: ذََلِكَ إشارة إلى قوله: إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللََّهِ اِثْنََا عَشَرَ شَهْراً لا أزيد و لا أنقص أو إلى قوله: مِنْهََا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ و عندي أن الأول أولى، لأن الكفار سلموا أن أربعة منها حرم، إلا أنهم بسبب الكبسة ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر شهرا، و كانوا يغيرون مواقع الشهور، و المقصود من هذه الآية الرد على هؤلاء، فوجب حمل اللفظ عليه.

البحث الثاني: في تفسير لفظ الدين وجوه: الأول: أن الدين قد يراد به الحساب. يقال: الكيس من دان نفسه أي حاسبها، و القيم معناه المستقيم فتفسير الآية على هذا التقدير، ذلك الحساب المستقيم الصحيح و العدل المستوفى. الثاني: قال الحسن: ذلك الدين القيم الذي لا يبدل و لا يغير، فالقيم هاهنا بمعنى القائم الذي لا يبدل و لا يغير، الدائم الذي لا يزول، و هو الدين الذي فطر الناس عليه. الثالث: قال بعضهم: المراد أن هذا التعبد هو الدين اللازم في الإسلام. و قال القاضي: حمل لفظ الدين على العبادة أولى من حمله على الحساب، لأنه مجاز فيه، و يمكن أن يقال: الأصل في لفظ الدين الانقياد يقال: يا من دانت له الرقاب، أي‏

43

انقادت، فالحساب يسمى دينا، لأنه يوجب الانقياد، و العدة تسمى دينا، فلم يكن حمل هذا اللفظ على التعبد أولى من حمله على الحساب. قال أهل العلم: الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم و مدد ديونهم و أحوال زكواتهم و سائر أحكامهم السنة العربية بالأهلة، و لا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية و الرومية.

ثم قال تعالى: فَلاََ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ و فيه بحثان:

البحث الأول: الضمير في قوله: فِيهِنَّ فيه قولان: الأول: و هو قول ابن عباس: أن المراد: فلا تظلموا في الشهور الإثني عشر أنفسكم، و المقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقا في جميع العمر.

و الثاني: و هو قول الأكثرين: أن الضمير في قوله: فِيهِنَّ عائد إلى الأربعة الحرم قالوا: و السبب فيه ما ذكرنا أن لبعض الأوقات أثرا في زيادة الثواب على الطاعات و العقاب على المحظورات، و الدليل على أن هذا القول أولى وجوه: الأول: أن الضمير في قوله: فِيهِنَّ عائد إلى المذكور السابق فوجب عوده إلى أقرب المذكورات، و ما ذاك إلا قوله: مِنْهََا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ الثاني: أن اللّه تعالى خص هذه الأشهر بمزيد الاحترام في آية أخرى و هو قوله: اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومََاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ اَلْحَجَّ فَلاََ رَفَثَ وَ لاََ فُسُوقَ وَ لاََ جِدََالَ فِي اَلْحَجِّ [البقرة: 197]فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضا، إلا أنه تعالى أكد في المنع منها في هذه الأيام تنبيها على زيادتها في الشرف. /الثالث: قال الفراء: الأولى رجوعها إلى الأربعة، لأن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة (فيهن) فإذا جاوز هذا العدد قالوا (فيها) و الأصل فيه أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة، و يكنى عن جمع الكثرة، كما يكنى عن واحدة مؤنثة، كما قال حسان بن ثابت:

لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى # و أسيافنا يقطرن من نجدة دما

قال: يلمعن و يقطرن، لأن الأسياف و الجفنات جمع قلة، و لو جمع جمع الكثرة لقال: تلمع و تقطر، هذا هو الاختيار، ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول النابغة:

و لا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب‏

فقال بهن و السيوف جمع كثرة.

البحث الثاني: في تفسير هذا الظلم أقوال: الأول: المراد منه النسي‏ء الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الشهر الذي أمر اللّه بإقامته فيه إلى شهر آخر، و يغيرون تكاليف اللّه تعالى. و الثاني: أنه نهى عن المقاتلة في هذه الأشهر. و الثالث: أنه نهى عن جميع المعاصي بسبب ما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد أثر في تعظيم الثواب و العقاب، و الأقرب عندي حمله على المنع من النسي‏ء، لأن اللّه تعالى ذكره عقيب الآية.

ثم قال: وَ قََاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمََا يُقََاتِلُونَكُمْ كَافَّةً و فيه مباحث:

البحث الأول: قال الفراء: كَافَّةً أي جميعا، و الكافة لا تكون مذكرة و لا مجموعة على عدد الرجال فنقول: كافين، أو كافات للنساء و لكنها (كافة) بالهاء و التوحيد، لأنها و إن كانت على لفظ فاعلة فإنها في ترتيب مصدر مثل الخاصة و العامة، و لذلك لم تدخل العرب فيها الألف و اللام، لأنها في مذهب قولك قاموا معا، و قاموا جميعا. و قال الزجاج: كافة منصوب على الحال، و لا يجوز أن يثنى و لا يجمع، كما أنك إذا قلت:

قاتلوهم عامة، لم تثن و لم تجمع، و كذلك خاصة.

44

البحث الثاني: في قوله: كَافَّةً قولان: الأول: أن يكون المراد قاتلوهم بأجمعهم مجتمعين على قتالهم، كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة، يريد تعاونوا و تناصروا على ذلك و لا تتخاذلوا و لا تتقاطعوا و كونوا عباد اللّه مجتمعين متوافقين في مقاتلة الأعداء. و الثاني: قال ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم و لا تحابوا بعضهم بترك القتال، كما أنهم يستحلون قتال جميعكم، و القول الأول أقرب حتى يصح قياس أحد الجانبين على الآخر.

البحث الثالث: ظاهر قوله: قََاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً إباحة قتالهم في جميع الأشهر، و من الناس من يقول: المقاتلة مع الكفار محرمة، بدليل قوله: مِنْهََا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ... فَلاََ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ أي فلا/تظلموا فيهن أنفسكم باستحلال القتال و الغارة فيهن، و قد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله:

يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ [البقرة: 217].

ثم قال: وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلْمُتَّقِينَ يريد مع أوليائه الذين يخشونه في أداء الطاعات و الاجتناب عن المحرمات. قال الزجاج: تأويله أنه ضامن لهم النصر.

في قوله تعالى إِنَّمَا اَلنَّسِي‏ءُ زِيََادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في اَلنَّسِي‏ءُ قولان:

القول الأول: أنه التأخير. قال أبو زيد: نسأت الإبل عن الحوض أنسأها نسأ إذا أخرتها و أنسأته إنساء إذا أخرته عنه، و الاسم النسيئة و النس‏ء، و منه: أنسأ اللّه فلانا أجله، و نسأ في أجله قال أبو علي الفارسي: النسي‏ء مصدر كالنذير و النكير، و يحتمل أيضا أن يكون نسئ بمعنى منسوء كقتيل: بمعنى مقتول، إلا أنه لا يمكن أن يكون المراد منه هاهنا المفعول، لأنه إن حمل على ذلك كان معناه: إنما المؤخر زيادة في الكفر، و المؤخر الشهر، فيلزم كون الشهر كفرا، و ذلك باطل، بل المراد من النسي‏ء هاهنا المصدر بمعنى الإنساء، و هو التأخير.

وكان النسي‏ء في الشهور عبارة عن تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر، ليست له تلك الحرمة. و روي عن ابن كثير من طريق شبل: النس‏ء بوزن النفع و هو المصدر الحقيقي، كقولهم: نسأت، أي أخرت و روي عنه أيضا:

النسي‏ء مخففة الياء، و لعله لغة في النس‏ء بالهمزة مثل: أرجيت و أرجأت. و روي عنه: النسي مشدد الياء بغير همزة و هذا على التخفيف القياسي.

و القول الثاني: قال قطرب: النسي‏ء أصله من الزيادة يقال: نسأل في الأجل و أنسأ إذا زاد فيه، و كذلك قيل للبن النس‏ء لزيادة الماء فيه، و نسأت المرأة حبلت، جعل زيادة الولد فيها كزيادة/الماء في اللبن، و قيل للناقة: نسأتها، أي زجرتها ليزداد سيرها و كل زيادة حدثت في شي‏ء فهو نسي‏ء قال الواحدي: الصحيح القول الأول، و هو أن أصل النسي‏ء التأخير، و نسأت المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها، و نسأت الناقة أي أخرتها عن غيرها، لئلا يصير اختلاط بعضها ببعض مانعا من حسن المسير، و نسأت اللبن إذا أخرته حتى كثر الماء فيه.

45

إذا عرفت هذين القولين فنقول: إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية، فإنه يقع حجهم تارة في الصيف و تارة في الشتاء، و كان يشق عليهم الأسفار و لم ينتفعوا بها في المرابحات و التجارات، لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة، فعلموا أن بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا، فتركوا ذلك و اعتبروا السنة الشمسية، و لما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين، احتاجوا إلى الكبيسة و حصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران: أحدهما: أنهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرا بسبب اجتماع تلك الزيادات. و الثاني: أنه كان ينتقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة و بعده في المحرم و بعده في صفر، و هكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة أخرى إلى ذي الحجة، فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران: أحدهما: الزيادة في عدة الشهور. و الثاني: تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر و قد بينا أن لفظ النسي‏ء يفيد التأخير عند الأكثرين، و يفيد الزيادة عند الباقين، و على التقديرين فإنه منطبق على هذين الأمرين.

و الحاصل من هذا الكلام: أن بناء العبادات على السنة القمرية يخل مصالح الدنيا، و بناؤها على السنة الشمسية يفيد رعاية مصالح الدنيا و اللّه تعالى أمرهم من و قت إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام ببناء الأمر على رعاية السنة القمرية، فهم تركوا أمر اللّه في رعاية السنة القمرية، و اعتبروا السنة الشمسية رعاية لمصالح الدنيا، و أوقعوا الحج في شهر آخر سوى الأشهر الحرم، فلهذا السبب عاب اللّه عليهم و جعله سببا لزيادة كفرهم، و إنما كان ذلك سببا لزيادة الكفر، لأن اللّه تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم، ثم إنهم بسبب هذه الكبيسة أوقعوا في غير هذه الأشهر، و ذكروا لأتباعهم أن هذا الذي عملناه هو الواجب، و أن إيقاعه في الشهور القمرية غير و واجب، فكان هذا إنكارا منهم لحكم اللّه مع العلم به و تمردا عن طاعته، و ذلك يوجب الكفر بإجماع المسلمين فثبت أن عملهم في ذلك النسي‏ء يوجب زيادة في الكفر، و أما الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادة الحاصلة بسبب تلك الكبائس فمذكور في الزيجات، و أما المفسرون فإنهم ذكروا في سبب/هذا التأخير وجها آخر فقالوا: إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة، و كان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام، و كان العرب أصحاب حروب و غارات فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها و قالوا:

إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئا لنهلكن، و كانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه و يستحلون المحرم. قال الواحدي: و أكثر العلماء على أن هذا التأخير ما كان يختص بشهر و احد، بل كان ذلك حاصلا في كل الشهور، و هذا القول عندنا هو الصحيح على ما قررناه. و اتفقوا

أنه عليه السلام لما أراد أن يحج في سنة حجة الوداع عاد الحج إلى شهر ذي الحجة في نفس الأمر، فقال عليه السلام: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات و الأرض السنة إثنا عشر شرا» و أراد أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها.

المسألة الثانية: قوله تعالى: زِيََادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ معناه: أنه تعالى حكى عنهم أنواعا كثيرة من الكفر، فلما ضموا إليها هذا العمل و نحن قد دللنا على أن هذا العمل كفر كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع المذكورة سالفا من الكفر زيادة في الكفر. احتج الجبائي بهذه الآية على فساد قول من يقول: الإيمان مجرد الاعتقاد و الإقرار، قال: لأنه تعالى بين أن هذا العمل زيادة في الكفر و الزيادة على الكفر يجب أن تكون إتماما، فكان ترك هذا التأخير إيمانا، و ظاهر أن هذا الترك ليس بمعرفة و لا بإقرار فثبت أن غير المعرفة و الإقرار قد يكون‏

46

إيمانا قال المصنف رضي اللّه عنه: هذا الاستدلال ضعيف، لأنا بينا أنه تعالى لما أوجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة مثلا من الأشهر القمرية، فإذا اعتبرنا السنة الشمسية، فربما وقع الحج في المحرم مرة و في صفر أخرى. فقولهم: بأن هذا الحج صحيح يجزى، و أنه لا يجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة إن كان منهم بحكم علم بالضرورة كونه من دين إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام، فكان هذا كفرا بسبب عدم العلم و بسبب عدم الإقرار.

أما قوله تعالى: يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فهذا قراءة العامة و هي حسنة لإسناد الضلال إلى الذين كفروا لأنهم إن كانوا ضالين في أنفسهم فقد حسن إسناد الضلال إليهم، و إن كانوا مضلين لغيرهم حسن أيضا، لأن المضل لغيره ضال في نفسه لا محال. و قراءة أهل الكوفة يُضَلُّ بضم الياء و فتح الضاد، و معناه: أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور، فأسند الفعل إلى المفعول كقوله في هذه الآية: زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمََالِهِمْ أي زين لهم ذلك حاملوهم عليه. و قرأ أبو عمرو في رواية من طريق ابن مقسم يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بضم الياء و كسر الضاد و له ثلاثة أوجه: /أحدها: يضل اللّه به الذين كفروا. و الثاني: يضل الشيطان به الذين كفروا. و الثالث: و هو أقواها يضل به الذين كفروا تابعيهم و الآخذين بأقوالهم، و إنما كان هذا الوجه أقوى لأنه لم يجر ذكر اللّه و لا ذكر الشيطان.

و اعلم أن الكناية في قوله: يُضَلُّ بِهِ يعود إلى النسي‏ء. و قوله: يُحِلُّونَهُ عََاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عََاماً فالضمير عائد إلى النسي‏ء و المعنى: يحلون ذلك الإنساء عاما و يحرمونه عاما. قال الواحدي: يحلون التأخير عاما و هو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم، و يحرمون التأخير عاما آخر و هو العام الذي يدعون المحرم على تحريمه. قال رضي اللّه عنه هذا التأويل إنما يصح إذا فسرنا النسي‏ء بأنهم كانوا يؤخرون المحرم في بعض السنين، و ذلك يوجب أن ينقلب الشهر المحرم إلى الحل و بالعكس، إلا أن هذا إنما يصلح لو حملنا النسي‏ء على المفعول و هو المنسوء المؤخر، و قد ذكرنا أنه مشكل لأنه يقتضي أن يكون الشهر المؤخر كفرا و أنه غير جائز إلا إذا قلنا إن المراد من النسي‏ء المنسوء و هو المفعول، و حملنا قوله: إِنَّمَا اَلنَّسِي‏ءُ زِيََادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ على أن المراد العمل الذي به يصير النسي‏ء سببا في زيادة الكفر، و بسبب هذا الإضمار يقوى هذا التأويل.

أما قوله: لِيُوََاطِؤُا عِدَّةَ مََا حَرَّمَ اَللََّهُ إلى آخر الآية قال أهل اللغة يقال: واطأت فلانا على كذا إذا وافقته عليه. قال المبرد: يقال: تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه، كان كل و احد يطأ حيث يطأ صاحبه و الإيطاء في الشعر من هذا و هو أن يأتي في القصيدة بقافيتين على لفظ و احد، و معنى واحد. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: إنهم ما أحلوا شهرا من الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال، و لم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام، لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة، مطابقة لما ذكره اللّه تعالى، هذا هو المراد من المواطأة و لما بين تعالى كون هذا العمل كفرا و منكرا قال: زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمََالِهِمْ وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكََافِرِينَ قال ابن عباس و الحسن: يريد زين لهم الشيطان هذا العمل و اللّه لا يرشد كل كفار أثيم.

ـ

47

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفاء و فضائحهم، عاد إلى الترغيب في مقاتلتهم و قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مََا لَكُمْ إِذََا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ اِثََّاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ و تقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسبابا كثيرة موجبة لقتالهم، و ذكر منافع كثيرة تحصل من مقاتلتهم كقوله: يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ [التوبة: 14]و ذكر أقو الهم المنكرة و أعمالهم القبيحة في الدين و الدنيا، و عند هذا لا يبقى للإنسان مانع من قتالهم إلا مجرد أن يخاف القتل و يحب الحياة فبين تعالى أن هذا المانع خسيس لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر، و ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل جهل و سفه.

المسألة الثانية:

المروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك، و ذلك لأنه عليه السلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة و أمر بجهاد الروم، و كان ذلك الوقت زمان شدة الحر و طابت ثمار المدينة و أينعت، و استعظموا غزو الروم و هابوه، فنزلت هذه الآية.

قال المحققون: و إنما استثقل الناس ذلك لوجوه:

أحدها: شدة الزمان في الصيف و القحط. و ثانيها: بعد المسافة و الحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات. و ثالثها: إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت. و رابعها: شدة الحر في ذلك الوقت. و خامسها: مهابة عسكر الروم فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل الناس عن ذلك الغزو.

و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: يقال: استنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون نفرا و نفورا، إذا حثهم و دعاهم إليه، و منه‏

قول النبي صلى اللّه عليه و سلّم: «إذا استنفرتم فانفروا»

و أصل النفر الخروج إلى مكان لأمر واجب، و اسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير، و منه قولهم: فلان لا في العير و لا في النفير. و قوله: اِثََّاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ أصله تثاقلتم، و به قرأ الأعمش و معناه: تباطأتم و نظيره قوله: فَادََّارَأْتُمْ [البقرة: 72]و قوله: اِطَّيَّرْنََا بِكَ [النمل: 47]قال صاحب «الكشاف» : و ضمن معنى الميل و الإخلاد فعدي بالى، و المعنى ملتم إلى الدنيا و شهواتها و كرهتم مشاق السفر و متاعبه، و نظيره‏ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ [الأعراف: 176]و قيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم و البقاء فيها، و قوله: مََا لَكُمْ إِذََا قِيلَ لَكُمُ و إن كان في الظاهر استفهاما إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار.

ثم قال تعالى: أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا مِنَ اَلْآخِرَةِ فَمََا مَتََاعُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاََّ قَلِيلٌ و المعنى كأنه قيل قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال، و قد شرحنا المنافع العظيمة التي/تحصل عند القتال، و بينا أنواع فضائحهم و قبائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، فتركتم جميع هذه الأمور، أليس أن معبودكم يأمركم بمقاتلتهم و تعلمون أن طاعة المعبود توجب الثواب العظيم في الآخرة؟فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة، لأجل المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا؟و الدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل، إن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها و مشوبة بالآفات و البليات و منقطعة عن قريب لا محالة، و منافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات، و دائمة أبدية سرمدية و ذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسيس.

المسألة الرابعة: اعلم أن هذه الآية تدل على وجوب الجهاد في كل حال لأنه تعالى نص على أن تثاقلهم‏

48

عن الجهاد أمر منكر، و لو لم يكن الجهاد واجبا لما كان هذا التثاقل منكرا، و ليس لقائل أن يقول الجهاد إنما يجب في الوقت الذي يخاف هجوم الكفار فيه، لأنه عليه السلام ما كان يخاف هجوم الروم عليه، و مع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم، و منافع الجهاد مستقصاة في سورة آل عمران، و أيضا هو واجب على الكفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين.

المسألة الخامسة: لقائل أن يقول إن قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خطاب مع كل المؤمنين.

ثم قال: مََا لَكُمْ إِذََا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ اِثََّاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ و هذا يدل على أن كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف، و ذلك التثاقل معصية، و هذا يدل على إطباق كل الأمة على المعصية و ذلك يقدح في أن إجماع الأمة حجة.

الجواب: أن خطاب الكل لإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن، و في سائر أنواع الكلام كقوله:

إياك أعني و اسمعي يا جاره‏

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما رغبهم في الآية الأولى في الجهاد بناء على الترغيب في ثواب الآخرة، رغبهم في هذه الآية في الجهاد بناء على أنواع أخر من الأمور المقوية للدواعي، و هي ثلاثة أنواع:

الأول: قوله تعالى: يُعَذِّبْكُمْ عَذََاباً أَلِيماً .

و اعلم أن يحتمل أن يكون المراد منه عذاب الدنيا، و أن يكون المراد منه عذاب الآخرة. و

قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: استنفر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم القوم فتثاقلوا، فأمسك اللّه عنهم المطر.

و قال الحسن: اللّه أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم. و قيل المراد منه عذاب الآخرة إذ الأليم لا يليق إلا به. و قيل إنه تهديد بكل الأقسام، و هي عذاب الدنيا و عذاب الآخرة، و قطع منافع الدنيا و منافع الآخرة. الثاني: قوله: وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ و المراد تنبيههم على أنه تعالى متكفل بنصره على أعدائه، فإن سارعوا معه إلى الخروج حصلت النصرة بهم، و إن تخلفوا وقعت النصرة بغيرهم، و حصل العتبى لهم لئلا يتوهموا أن غلبة أعداء الدين و عز الإسلام لا يحصل إلا بهم، و ليس في النص دلالة على أن ذلك المعنى منهم، و نظيره قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [المائدة: 54]ثم اختلف المفسرون فقال ابن عباس:

هم التابعون و قال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس. و قال أبو روق: هم أهل اليمن، و هذه الوجوه ليست تفسيرا للآية، لأن الآية ليس فيها إشعار بها، بل حمل ذلك الكلام المطلق على صورة معينة شاهدوها. قال الأصم:

معناه أن يخرجه من بين أظهركم، و هي المدينة. قال القاضي: هذا ضعيف لأن اللفظ لا دلالة فيه على أنه عليه السلام ينقل من المدينة إلى غيرها، فلا يمتنع أن يظهر اللّه في المدينة أقواما يعينونه على الغزو، و لا يمتنع أن يعينه بأقوام من الملائكة أيضا حال كونه هناك، و الثالث: قوله: وَ لاََ تَضُرُّوهُ شَيْئاً و الكناية في قول الحسن:

راجعة إلى اللّه تعالى، أي لا تضروا اللّه لأنه غني عن العالمين، و في قول الباقين يعود إلى الرسول، أي لا

49

تضروا الرسول لأن اللّه عصمه من الناس، و لأنه تعالى لا يخذله إن تثاقلتم عنه.

ثم قال: وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و هو تنبيه على شدة الزجر من حيث إنه تعالى قادر لا يجوز عليه العجز، فإذا توعد بالعقاب فعل.

المسألة الثانية: قال الحسن و عكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله: وَ مََا كََانَ اَلْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: 122]قال المحققون: إن هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم فلم ينفروا، و على هذا التقدير فلا نسخ. قال الجبائي: هذه الآية تدل على وعيد أهل الصلاة حيث بين أن المؤمنين إن لم ينفروا يعذبهم عذابا أليما و هو عذاب النار، فإن ترك الجهاد لا يكون إلا من المؤمنين، فبطل بذلك قول المرجئة إن أهل الصلاة لا وعيد لهم، و إذا ثبت الوعيد لهم في ترك الجهاد/فكذا في غيره، لأنه لا قائل بالفرق، و اعلم أن مسألة الوعيد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة.

المسألة الثالثة: قال القاضي: هذه الآية دالة على وجوب الجهاد، سواء كان مع الرسول أو لا معه، لأنه تعالى قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مََا لَكُمْ إِذََا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا و لم ينص على أن ذلك القائل هو الرسول.

فإن قالوا: يجب أن يكون المراد هو الرسول لقوله تعالى: وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ و لقوله: وَ لاََ تَضُرُّوهُ شَيْئاً إذ لا يمكن أن يكون المراد بذلك إلا الرسول.

قلنا: خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها على ما قررنا في أصول الفقه.

اعلم أن هذا ذكر طريق آخر في ترغيبهم في الجهاد، و ذلك لأنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم إن لم ينفروا باستنفاره، و لم يشتغلوا بنصرته فإن اللّه ينصره بدليل أن اللّه نصره و قواه، حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد، فههنا أولى، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول: كيف يكون قوله: فَقَدْ نَصَرَهُ اَللََّهُ جوابا للشرط؟ و جوابه أن التقدير إلا تنصروه، فسينصره من نصره حين ما لم يكن معه إلا رجل واحد، و لا أقل من الواحد و المعنى أنه ينصره الآن كما نصره في ذلك الوقت.

المسألة الثانية: قوله: إِذْ أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يعني قد نصره اللّه في الوقت الذي أخرجه الذين كفروا من مكة و قوله: ثََانِيَ اِثْنَيْنِ نصب على الحال، أي في الحال التي كان فيها ثََانِيَ اِثْنَيْنِ و تفسير قوله:

ثََانِيَ اِثْنَيْنِ سبق في قوله: ثََالِثُ ثَلاََثَةٍ [المائدة: 73]و تحقيق القول أنه إذا حضر اثنان فكل/واحد منهما يكون ثانيا في ذينك الاثنين الآخر فلهذا السبب قالوا: يقال فلان ثاني اثنين، أي هو أحدهما. قال صاحب «الكشاف» : و قرئ ثََانِيَ اِثْنَيْنِ بالسكون و إِذْ هُمََا بدل من قوله: إِذْ أَخْرَجَهُ و الغار ثقب‏

50

عظيم في الجبل، و كان ذلك الجبل يقال له ثور، في يمين مكة على مسيرة ساعة، مكث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم فيه مع أبي بكر ثلاثا. و قوله: إِذْ يَقُولُ : بدل ثان.

المسألة الثالثة: ذكروا أن قريشا و من بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم فنزل‏ وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: 30]فأمره اللّه تعالى أن يخرج هو و أبو بكر أول الليل إلى الغار، و المراد من قوله:

أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا هو أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخروج. و

خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم و أبو بكر أول الليل إلى الغار، و أمر عليا أن يضطجع على فراشه ليمنعهم السواد من طلبه، حتى يبلغ هو و صاحبه إلى ما أمر اللّه به، فلما و صلا إلى الغار دخل أبو بكر الغار أولا، يلتمس ما في الغار، فقال له النبي صلى اللّه عليه و سلّم، مالك؟فقال: بأبي أنت و أمي، الغيران مأوى السباع و الهوام، فإن كان فيه شي‏ء كان بي لا بك، و كان في الغار جحر، فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي الرسول، فلما طلب المشركون الأثر و قربوا، بكى أبو بكر خوفا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم فقال عليه السلام: «لا تحزن إن اللّه معنا» فقال أبو بكر: إن اللّه لمعنا، فقال الرسول: «نعم» فجعل يمسح الدموع عن خده.

و يروى عن الحسن أنه كان إذا ذكر بكاء أبي بكر بكى، و إذا ذكر مسحه الدموع مسح هو الدموع عن خده.

و

قيل: لما طلع المشركون فوق الغار أشفق أبو بكر على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم و قال: إن تصب اليوم ذهب دين اللّه.

فقال رسول اللّه: «ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما»

و

قيل لما دخل الغار وضع أبو بكر ثمامة على باب الغار، و بعث اللّه حمامتين فباضتا في أسفله و العنكبوت نسجت عليه و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: «اللهم أعم أبصارهم» فجعلوا يترددون حول الغار و لا يرون أحدا.

المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي اللّه عنه من وجوه: الأول: أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من أن يقدموا على قتله، فلو لا أنه عليه السلام كان قاطعا على باطن أبي بكر، بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين الصديقين، و إلا لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره، لخافه من أن يدل أعداءه عليه، و أيضا لخافه من أن يقدم على قتله فلما استخلصه لنفسه في تلك الحالة، دل على أنه عليه السلام كان قاطعا بأن باطنه على وفق ظاهره. الثاني: و هو أن الهجرة كانت بإذن اللّه تعالى، و كان في خدمة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم جماعة من المخلصين، و كانوا في النسب إلى شجرة رسول اللّه أقرب/من أبي بكر، فلولا أن اللّه تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الصعبة الهائلة، و إلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة، و تخصيص اللّه إياه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين. الثالث: أن كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، أما هو فما سبق رسول اللّه كغيره، بل صبر على مؤانسته و ملازمته و خدمته عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد، و ذلك يوجب الفضل العظيم.

الرابع: أنه تعالى سماه ثََانِيَ اِثْنَيْنِ فجعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما في الغار، و العلماء أثبتوا أنه رضي اللّه عنه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية، فإنه صلى اللّه عليه و سلّم لما أرسل إلى الخلق و عرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر، ثم ذهب و عرض الإسلام على طلحة و الزبير و عثمان بن عفان و جماعة آخرين من أجلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، و الكل آمنوا على يديه، ثم إنه جاء بهم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم بعد أيام قلائل، فكان هو رضي اللّه عنه ثََانِيَ اِثْنَيْنِ في الدعوة إلى اللّه و أيضا كلما وقف رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم في غزوة، كان أبو بكر رضي اللّه عنه يقف في خدمته و لا يفارقه، فكان ثاني اثنين في مجلسه، و لما مرض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم قام مقامه في إمامة

51

الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين، و لما توفي دفن بجنبه، فكان ثاني اثنين هناك أيضا، و طعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه و قال: كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون اللّه تعالى رابعا لكل ثلاثة في قوله: مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ََ ثَلاََثَةٍ إِلاََّ هُوَ رََابِعُهُمْ وَ لاََ خَمْسَةٍ إِلاََّ هُوَ سََادِسُهُمْ [المجادلة: 7]ثم إن هذا الحكم عام في حق الكافر و المؤمن، فلما لم يكن هذا المعنى من اللّه تعالى دالا على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل من النبي على فضيلة الإنسان كان أولى.

و الجواب: أن هذا تعسف بارد، لأن المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم و التدبير، و كونه مطلعا على ضمير كل أحد، أما هاهنا فالمراد بقوله تعالى: ثََانِيَ اِثْنَيْنِ تخصيصه بهذه الصفة في معرض التعظيم و أيضا قد دللنا بالوجوه الثلاثة المتقدمة على أن كونه معه في هذا الموضع دليل قاطع على أنه صلى اللّه عليه و سلّم كان قاطعا بأن باطنه كظاهره، فأين أحد الجانبين من الآخر؟ و الوجه الخامس: من التمسك بهذه الآية ما

جاء في الأخبار أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما حزن قال عليه الصلاة و السلام ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما؟

و لا شك أن هذا منصب علي، و درجة رفيعة.

و اعلم أن الروافض في الدين كانوا إذا حلفوا قالوا: و حق خمسة سادسهم جبريل، و أرادوا به أن الرسول صلى اللّه عليه و سلّم، و عليا، و فاطمة، و الحسن و الحسين، كانوا قد احتجبوا تحت/عباءة يوم المباهلة، فجاء جبريل و جعل نفسه سادسا لهم، فذكروا للشيخ الإمام الوالد رحمه اللّه تعالى أن القوم هكذا يقولون، فقال رحمه اللّه:

لكم ما هو خير منه‏

بقوله: «ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما»

و من المعلوم بالضرورة أن هذا أفضل و أكمل.

و الوجه السادس: أنه تعالى وصف أبا بكر بكونه صاحبا للرسول و ذلك يدل على كمال الفضل. قال الحسين بن فضيل البجلي: من أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم كان كافرا، لأن الأمة مجمعة على أن المراد من إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ هو أبو بكر، و ذلك يدل على أن اللّه تعالى وصفه بكونه صاحبا له، اعترضوا و قالوا: إن اللّه تعالى وصف الكافر بكونه صاحبا للمؤمن، و هو قوله: قََالَ لَهُ صََاحِبُهُ وَ هُوَ يُحََاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرََابٍ [الكهف: 37].

و الجواب: أن هناك و إن وصفه بكونه صاحبا له ذكرا إلا أنه أردفه بما يدل على الإهانة و الإذلال، و هو قوله: أَ كَفَرْتَ أما هاهنا فبعد أن وصفه بكونه صاحبا له، ذكر ما يدل على الإجلال و التعظيم و هو قوله: لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا فأي مناسبة بين البابين لو لا فرط العداوة؟ و الوجه السابع: في دلالة هذه الآية على فضل أبي بكر. قوله: لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا و لا شك أن المراد من هذه المعية، المعية بالحفظ و النصرة و الحراسة و المعونة، و بالجملة فالرسول عليه الصلاة و السلام شرك بين نفسه و بين أبي بكر في هذه المعية، فإن حملوا هذه المعية على وجه فاسد، لزمهم إدخال الرسول فيه، و إن حملوها على محمل رفيع شريف، لزمهم إدخال أبي بكر فيه، و نقول بعبارة أخرى، دلت الآية على أن أبا بكر كان اللّه معه، و كل من كان اللّه معه فإنه يكون من المتقين المحسنين، لقوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: 128]و المراد منه الحصر، و المعنى: إن اللّه مع الذين اتقوا لا مع غيرهم، و ذلك يدل على أن أبا بكر من المتقين المحسنين.

52

و الوجه الثامن: في تقرير هذا المطلوب أن قوله: إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا يدل على كونه ثاني اثنين في الشرف الحاصل من هذه المعية، كما كان ثاني اثنين إذ هما في الغار، و ذلك منصب في غاية الشرف.

الوجه التاسع: أن قوله: لاََ تَحْزَنْ نهي عن الحزن مطلقا، و النهي يوجب الدوام و التكرار، و ذلك يقتضي أن لا يحزن أبو بكر بعد ذلك البتة، قبل الموت و عند الموت و بعد الموت.

الوجه العاشر: قوله: فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ و من قال الضمير في قوله: عَلَيْهِ عائدا إلى الرسول فهذا باطل لوجوه:

الوجه الأول: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، و أقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر، لأنه تعالى قال: إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ و التقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر/لا تحزن، و على هذا التقدير: فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر، فوجب عود الضمير إليه.

و الوجه الثاني: أن الحزن و الخوف كان حاصلا لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة و السلام، فإنه عليه السلام كان آمنا ساكن القلب بما وعده اللّه أن ينصره على قريش فلما قال لأبي بكر لا تحزن صار آمنا، فصرف السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سببا لزوال خوفه، أولى من صرفها إلى الرسول صلى اللّه عليه و سلّم، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوي النفس.

و الوجه الثالث: أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال: إن الرسول كان قبل ذلك خائفا، و لو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر: لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا فمن كان خائفا كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره؟و لو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال: فأنزل اللّه سكينته عليه، فقال لصاحبه لا تحزن، و لما لم يكن كذلك، بل ذكر أولا أنه عليه الصلاة و السلام قال لصاحبه لا تحزن، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة، و هو قوله: فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة و السلام، و متى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر.

فإن قيل: وجب أن يكون قوله: فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول، و الدليل عليه أنه عطف عليه قوله: وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهََا و هذا لا يليق إلا بالرسول، و المعطوف يجب كونه مشاركا للمعطوف عليه، فلما كان هذا المعطوف عائدا إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائدا إلى الرسول.

قلنا: هذا ضعيف، لأن قوله: وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهََا إشارة إلى قصة بدر و هو معطوف على قوله:

فَقَدْ نَصَرَهُ اَللََّهُ و تقدير الآية إلا تنصروه فقد نصره اللّه في واقعة الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن اللّه معنا فأنزل اللّه سكينته عليه و أيده بجنود لم تروها في واقعة بدر، و إذا كان الأمر كذلك فقد سقط هذا السؤال.

الوجه الحادي عشر: من الوجوه الدالة على فضل أبي بكر من هذه الآية إطباق الكل على أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم و على أن عبد الرحمن بن أبي بكر و أسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام.

روي أنه عليه الصلاة و السلام قال: «لقد كنت أنا و صاحبي في الغار بضعة عشر يوما و ليس لنا

53

طعام إلا التمر»

و

ذكروا أن جبريل أتاه و هو جائع فقال هذه أسماء قد أتت بحيس، ففرح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم بذلك و أخبر به أبا بكر و لما أمر اللّه رسوله بالخروج إلى المدينة أظهره لأبي بكر، فأمر ابنه عبد الرحمن أن يشتري جملين و رحلين و كسوتين، و يفصل أحدهما للرسول عليه الصلاة و السلام فلما قربا من المدينة وصل الخبر إلى الأنصار فخرجوا مسرعين، فخاف أبو بكر أنهم لا يعرفون الرسول عليه الصلاة و السلام فألبس رسول اللّه ثوبه، ليعرفوا أن الرسول هو هو، فلما دنوا خروا له سجدا فقال لهم: «اسجدوا لربكم و أكرموا أخا لكم» ثم أناخت ناقته بباب أبي أيوب روينا هذه الروايات من تفسير أبي بكر الأصم.

الوجه الثاني عشر: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم حين دخل المدينة ما كان معه إلا أبو بكر، و الأنصار ما رأوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم أحدا إلا أبا بكر، و ذلك يدل على أنه كان يصطفيه لنفسه من بين أصحابه في السفر و الحضر، و أن أصحابنا زادوا عليه و قالوا: لما لم يحضر معه في ذلك السفر أحد إلا أبو بكر، فلو قدرنا أنه توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره إلا أبو بكر وأن لا يكون وصيه على أمته إلا أبو بكر، و أن لا يبلغ ما حدث من الوحي و التنزيل في ذلك الطريق إلى أمته إلا أبو بكر، و كل ذلك يدل على الفضائل العالية و الدرجات الرفيعة لأبي بكر.

و اعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية و بهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر من وجوه ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين: فالأول: قالوا إنه عليه الصلاة و السلام قال لأبي بكر: لاََ تَحْزَنْ فذلك الحزن إن كان حقا فكيف نهى الرسول عليه الصلاة و السلام عنه؟و إن كان خطأ، لزم أن يكون أبو بكر مذنبا و عاصيا في ذلك الحزن، و الثاني: قالوا يحتمل أن يقال: إنه استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل الكفار عليه، و أن يوقفهم على أسراره و معانيه، فأخذه مع نفسه دفعا لهذا الشر. و الثالث:

و إن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر عليا بأن يضطجع على فراشه، و معلوم أن الاضطجاع على فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم في مثل تلك الليلة الظلماء مع كون الكفار قاصدين قتل رسول اللّه تعريض النفس للفداء، فهذا العمل من علي، أعلى و أعظم من كون أبي بكر صاحبا للرسول، فهذه جملة ما ذكروه في ذلك الباب.

و الجواب عن الأول: أن أبا علي الجبائي لما حكى عنهم تلك الشبهة، قال: فيقال لهم يجب في قوله تعالى لموسى عليه السلام: لاََ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْأَعْلى‏ََ [طه: 68]أن يدل على أنه كان عاصيا في خوفه، و ذلك طعن في الأنبياء، و يجب في قوله تعالى في إبراهيم، حيث قالت الملائكة له: لاََ تَخَفْ [هود: 69] في قصة العجل المشوي مثل ذلك، و في قولهم لوط: لاََ تَخَفْ وَ لاََ تَحْزَنْ إِنََّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ [العنكبوت: 33]مثل ذلك.

فإذا قالوا: إن ذلك الخوف إنما حصل بمقتضى البشرية، و إنما ذكر اللّه تعالى ذلك في قوله: لاََ تَخَفْ ليفيد الأمن، و فراغ القلب.

قلنا لهم في هذه المسألة كذلك.

فإن قالوا: أليس إنه تعالى قال: وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ [المائدة: 67]فكيف خاف مع سماع هذه الآية؟فنقول: هذه الآية إنما نزلت في المدينة، و هذه الواقعة سابقة على نزولها، و أيضا فهب أنه كان آمنا على عدم القتل، و لكنه ما كان آمنا من الضرب، و الجرح و الإيلام الشديد و العجب منهم، فإنا لو قدرنا أن أبا بكر

54

ما كان خائفا، لقالوا إنه فرح بسبب وقوع الرسول في البلاء، و لما خاف و بكى قالوا: هذا السؤال الركيك، و ذلك يدل على أنهم لا يطلبون الحق، و إنما مقصودهم محض الطعن! و الجواب عن الثاني: أن الذي قالوه أخس من شبهات السوفسطائية، فإن أبا بكر لو كان قاصدا له، لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، و قال لهم نحن هاهنا، و لقال ابنه و ابنته عبد الرحمن و أسماء للكفار نحن نعرف مكان محمد فندلكم عليه، فنسأل اللّه العصمة من عصبية تحمل الإنسان على مثل هذا الكلام الركيك.

و الجواب عن الثالث من وجوه: الأول: أنا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي طالب في تلك الليلة المظلمة على فراش رسول اللّه طاعة عظيمة و منصب رفيع، إلا أنا ندعي أن أبا بكر بمصاحبته كان حاضرا في خدمة الرسول صلى اللّه عليه و سلّم، و علي كان غائبا، و الحاضر أعلى حالا من الغائب. الثاني: أن عليا ما تحمل المحنة إلا في تلك الليلة، أما بعدها لما عرفوا أن محمدا غاب تركوه، و لم يتعرضوا له. أما أبو بكر، فإنه بسبب كونه مع محمد عليه الصلاة و السلام ثلاثة أيام في الغار كان في أشد أسباب المحنة، فكان بلاؤه أشد. الثالث: أن أبا بكر رضي اللّه عنه كان مشهورا فيما بين الناس بأنه يرغب الناس في دين محمد عليه الصلاة و السلام و يدعوهم إليه، و شاهدوا منه أنه دعا جمعا من أكابر الصحابة رضي اللّه عنهم إلى ذلك الدين، و أنهم إنما قبلوا ذلك الدين بسبب دعوته، و كان يخاصم الكفار بقدر الإمكان، و كان يذب عن الرسول صلى اللّه عليه و سلّم بالنفس و المال. و أما علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فإنه كان في ذلك الوقت صغير السن، و ما ظهر منه دعوة لا بالدليل و الحجة، و لا جهاد بالسيف و السنان، لأن محاربته مع الكفار إنما ظهرت بعد انتقالهم إلى المدينة بمدة مديدة، فحال الهجرة ما ظهر منه شي‏ء من هذه الأحوال، و إذا كان كذلك كان غضب الكفار على أبي بكر لا محالة أشد من غضبهم على علي، و لهذا السبب، فإنهم لما عرفوا أن المضطجع على ذلك الفراش هو علي/لم يتعرضوا له ألبتة، و لم يقصدوه بضرب و لا ألم، فعلمنا أن خوف أبي بكر على نفسه في خدمة محمد صلى اللّه عليه و سلّم أشد من خوف علي كرم اللّه وجهه، فكانت تلك الدرجة أفضل و أكمل. هذا ما نقوله في هذا الباب على سبيل الاختصار.

أما قوله تعالى: وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهََا فاعلم أن تقدير الآية أن يقال: إِلاََّ تَنْصُرُوهُ فلا بد له ذلك بدليل صورتين.

الصورة الأولى: أنه قد نصره في واقعة الهجرة إِذْ أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ثََانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمََا فِي اَلْغََارِ إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ .

و الصورة الثانية: واقعة بدر، و هي المراد من قوله: وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهََا لأنه تعالى أنزل الملائكة يوم بدر، و أيد رسوله صلى اللّه عليه و سلّم بهم، فقوله: وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهََا معطوف على قوله: فَقَدْ نَصَرَهُ اَللََّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا .

ثم قال تعالى: وَ جَعَلَ كَلِمَةَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلسُّفْلى‏ََ وَ كَلِمَةُ اَللََّهِ هِيَ اَلْعُلْيََا و المعنى أنه تعالى جعل يوم بدر كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة، و كلمة اللّه هي العليا، و هي قوله لا إله إلا اللّه. قال الواحدي: و الاختيار في قوله: وَ كَلِمَةُ اَللََّهِ الرفع، و هي قراءة العامة على الاستئناف، قال الفراء، و يجوز كَلِمَةُ اَللََّهِ بالنصب، و لا