التفسير الكبير - ج17

- الفخر الرازي‏ المزيد...
354 /
183

الجزء السابع عشر

سورة يونس‏

مكية، إلا الآيات: 40 و 94 و 95 و 96 فمدنية و آياتها: 109 نزلت بعد الإسراء بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

سورة يونس عليه السلام و هي مائة و تسع آيات مكية عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أن هذه السورة مكية إلا قوله: وَ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ لاََ يُؤْمِنُ بِهِ وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ [يونس: 40]فإنها مدنية نزلت في اليهود.

قوله جل جلاله الر و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع و ابن كثير و عاصم الر بفتح الراء على التفخيم، و قرأ أبو عمرو و حمزة و الكسائي و يحيى عن أبي بكر: بكسر الراء على الإمالة. و روي عن نافع و ابن عامر و حماد عن عاصم، بين الفتح و الكسر، و اعلم أن كلها لغات صحيحة. قال الواحدي: الأصل ترك الإمالة في هذه الكلمات نحو ما و لا، لأن ألفاتها ليست منقلبة عن الياء، و أما من أمال فلأن هذه الألفاظ أسماء للحروف المخصوصة، فقصد بذكر الإمالة التنبيه على أنها أسماء لا حروف.

المسألة الثانية: اتفقوا على أن قوله الر وحده ليس آية، و اتفقوا على أن قوله‏ طه [طه: 1]وحده آية. و الفرق أن قوله: الر لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده بخلاف قوله: طه فإنه يشاكل مقاطع الآي التي بعده.

المسألة الثالثة: الكلام المستقصى في تفسير هذا النوع من الكلمات قد تقدم في أول سورة البقرة إلا أنا نذكر هاهنا أيضا بعض ما قيل. قال ابن عباس الر معناه أنا اللّه أرى. و قيل أنا الرب لا رب غيري. و قيل الر و حم [السجدة: 1]و ن [القلم: 1]اسم الرحمن.

قوله تعالى: تِلْكَ آيََاتُ اَلْكِتََابِ اَلْحَكِيمِ فيه مسألتان:

المسألة الأولى : قوله: تِلْكَ يحتمل أن يكون إشارة إلى ما في هذه السورة من الآيات، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن، و أيضا فالكتاب الحكيم يحتمل أن يكون المراد منه هو

184

القرآن، و يحتمل أن يكون المراد منه غير القرآن، و هو الكتاب المخزون المكنون عند اللّه تعالى الذي منه نسخ كل كتاب، كما قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ‏`فِي كِتََابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: 77، 78]و قال تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ`فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: 22]و قال: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتََابِ لَدَيْنََا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: 4]و قال:

يَمْحُوا اَللََّهُ مََا يَشََاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتََابِ [الرعد: 39].

و إذا عرفت ما ذكرنا من الاحتمالات تحصل هاهنا حينئذ وجوه أربعة من الاحتمالات:

الاحتمال الأول: أن يقال: المراد من لفظة تِلْكَ الإشارة إلى الآيات الموجودة في هذه السورة، فكان التقدير تلك الآيات هي آيات الكتاب الحكيم الذي هو القرآن، و ذلك لأنه تعالى وعد رسوله عليه الصلاة و السلام أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، و لا يغيره كرور الدهر، فالتقدير أن تلك الآيات الحاصلة في سورة الر هي آيات ذلك الكتاب المحكم الذي لا يمحوه الماء.

الاحتمال الثاني: أن يقال: المراد أن تلك الآيات الموجودة في هذه السورة هي آيات الكتاب المخزون المكنون عند اللّه.

و اعلم أن على هذين القولين تكون الإشارة بقولنا: تِلْكَ إلى آيات هذه السورة و فيه إشكال، و هو أن تِلْكَ يشار بها إلى الغائب، و آيات هذه السورة حاضرة، فكيف يحسن أن يشار إليه بلفظ تِلْكَ .

و اعلم أن هذا السؤال قد سبق مع جوابه في تفسير قوله تعالى: الم‏`ذََلِكَ اَلْكِتََابُ [البقرة: 1، 2].

الاحتمال الثالث و الرابع: أن يقال: لفظ تِلْكَ إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن، و المراد بها: هي آيات القرآن الحكيم، و المراد أنها هي آيات ذلك الكتاب المكنون المخزون عند اللّه تعالى، و في الآية قولان آخران: أحدهما: أن يكون المراد من اَلْكِتََابِ اَلْحَكِيمِ التوراة و الإنجيل، و التقدير: أن الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات المذكورة في التوراة و الإنجيل، و المعنى: أن القصص المذكورة في هذه السورة موافقة للقصص المذكورة في التوراة/و الإنجيل، مع أن محمدا عليه الصلاة و السلام ما كان عالما بالتوراة و الإنجيل، فحصول هذه الموافقة لا يمكن إلا إذا خص اللّه تعالى محمدا بإنزال الوحي عليه. و الثاني:

و هو قول أبي مسلم: أن قوله: الر إشارة إلى حروف التهجي، فقوله: الر تِلْكَ آيََاتُ اَلْكِتََابِ يعني هذه الحروف هي الأشياء التي جعلت و علامات لهذا الكتاب الذي آيات به وقع التحدي فلو لا امتياز هذا الكتاب عن كلام الناس بالوصف المعجز، و إلا لكان اختصاصه بهذا النظم، دون سائر الناس القادرين على التلفظ بهذه الحروف محالا.

المسألة الثانية: في وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه: الأول: أن الحكيم هو ذو الحكمة بمعنى اشتمال الكتاب على الحكمة. الثاني: أن يكون المراد وصف الكلام بصفة من تكلم به. قال الأعشى:

و غريبة تأتي الملوك حكيمة # قد قلتها ليقال من ذا قالها

الثالث: قال الأكثرون اَلْحَكِيمِ بمعنى الحاكم، فعيل بمعنى فاعل دليله قوله تعالى: وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ [البقرة: 213]فالقرآن كالحاكم في الاعتقادات لتميز حقها عن باطلها، و في الأفعال لتميز صوابها عن خطئها، و كالحاكم على أن محمدا صادق في دعوى النبوة، لأن المعجزة الكبرى‏

185

لرسولنا عليه الصلاة و السلام، ليست إلا القرآن الرابع: أن اَلْحَكِيمِ بمعنى المحكم و الأحكام معناه المنع من الفساد، فيكون المراد منه أنه لا يمحوه الماء، و لا تحرقه النار، و لا تغيره الدهور أو المراد منه براءته عن الكذب و التناقض. الخامس: قال الحسن: وصف الكتاب بالحكيم، لأنه تعالى حكم فيه بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي، و حكم فيه بالجنة لمن أطاعه و بالنار لمن عصاه، فعلى هذا اَلْحَكِيمِ يكون معناه المحكوم فيه. السادس: أن اَلْحَكِيمِ في أصل اللغة: عبارة عن الذي يفعل الحكمة و الصواب، فكان وصف القرآن به مجازا، و وجه المجاز هو أنه يدل على الحكمة و الصواب، فمن حيث إنه يدل على هذه المعاني صار كأنه هو الحكيم في نفسه.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أن كفار قريش تعجبوا من تخصيص اللّه تعالى محمدا بالرسالة و الوحي، فأنكر اللّه تعالى عليهم ذلك التعجب. أما بيان كون الكفار تعجبوا من هذا التخصيص فمن وجوه: الأول: قوله تعالى: أَ جَعَلَ اَلْآلِهَةَ إِلََهاً وََاحِداً إِنَّ هََذََا لَشَيْ‏ءٌ عُجََابٌ*`وَ اِنْطَلَقَ اَلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَ اِصْبِرُوا عَلى‏ََ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هََذََا لَشَيْ‏ءٌ يُرََادُ [ص: 5، 6]و إذا بلغوا في الجهالة إلى أن تعجبوا من كون الإله تعالى واحدا، لم يبعد أيضا أن يتعجبوا من تخصيص اللّه تعالى محمدا بالوحي و الرسالة!و الثاني: أن أهل مكة كانوا يقولون: إن اللّه تعالى ما وجد رسولا إلى خلقه إلا يتيم أبي طالب!و الثالث: أنهم قالوا: لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31]و بالجملة فهذا التعجب يحتمل وجهين: أحدهما: أن يتعجبوا من أن يجعل اللّه بشرا رسولا، كما حكى عن الكفار أنهم قالوا: أَ بَعَثَ اَللََّهُ بَشَراً رَسُولاً [الإسراء: 94]و الثاني: أن لا يتعجبوا من ذلك بل يتعجبوا من تخصيص محمد عليه الصلاة و السلام بالوحي و النبوة مع كونه فقيرا يتيما، فهذا بيان أن الكفار تعجبوا من ذلك. و أما بيان أن اللّه تعالى أنكر عليهم هذا التعجب فهو قوله في هذه الآية: أَ كََانَ لِلنََّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ رَجُلٍ مِنْهُمْ فإن قوله: أَ كََانَ لِلنََّاسِ عَجَباً لفظه لفظ الاستفهام، و معناه الإنكار، لأن يكون ذلك عجبا و إنما وجب إنكار هذا التعجب لوجوه: الأول: أنه تعالى مالك الخلق و ملك لهم و المالك و الملك هو الذي له الأمر و النهي و الإذن و المنع و لا بد من إيصال تلك التكاليف إلى أولئك المكلفين بواسطة بعض العباد و إذا كان الأمر كذلك كان إرسال الرسول أمرا غير ممتنع، بل كان مجوزا في العقول. الثاني: أنه تعالى خلق الخلق للاشتغال بالعبودية كما قال: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]و قال: إِنََّا خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشََاجٍ نَبْتَلِيهِ [الإنسان: 2]و قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكََّى*`وَ ذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلََّى [الأعلى: 14، 15]ثم إنه تعالى أكمل عقولهم و مكنهم من الخير و الشر، ثم علم تعالى أن عباده لا يشتغلون بما كلفوا به، إلا إذا أرسل إليهم رسولا و منبها فعند هذا يجب وجوب الفضل و الكرم و الرحمة أن يرسل إليهم ذلك الرسول، و إذا كان ذلك واجبا فكيف يتعجب منه. الثالث: أن إرسال الرسل أمر ما أخلى اللّه تعالي شيئا من أزمنة وجود المكلفين منه، كما قال: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ إِلاََّ رِجََالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ* [يوسف: 109]فكيف يتعجب منه مع أنه قد سبقه النظير، و يؤكده قوله تعالى: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ* [الأعراف: 59]و سائر

186

قصص الأنبياء عليهم السلام. الرابع: أنه تعالى إنما أرسل إليهم رجلا عرفوا نسبه و عرفوا كونه أمينا بعيدا عن أنواع التهم و الأكاذيب ملازما للصدق و العفاف. ثم إنه كان أميا لم يخالط أهل الأديان، و ما قرأ كتابا أصلا ألبتة، ثم إنه مع ذلك يتلو عليهم أقاصيصهم و يخبرهم عن وقائعهم، و ذلك يدل على كونه/صادقا مصدقا من عند اللّه و يزيل التعجب، و هو من قوله: هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ [الجمعة: 2]و قال: وَ مََا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتََابٍ وَ لاََ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: 48]الخامس: أن مثل هذا التعجب كان موجودا عند بعثة كل رسول، كما في قوله: وَ إِلى‏ََ عََادٍ أَخََاهُمْ هُوداً* [الأعراف: 65] وَ إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً* [الأعراف: 73]إلى قوله: أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جََاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنْكُمْ* [الأعراف: 63]السادس: أن هذا التعجب إما أن يكون من إرسال اللّه تعالى رسولا من البشر، أو سلموا أنه لا تعجب في ذلك، و إنما تعجبوا من تخصيص اللّه تعالى محمدا عليه الصلاة و السلام بالوحي و الرسالة.

أما الأول: فبعيد لأن العقل شاهد بأن مع حصول التكليف لا بد من منبه و رسول يعرفهم تمام ما يحتاجون إليه في أديانهم كالعبادات و غيرها.

و إذا ثبت هذا فنقول: الأولى أن يبعث إليهم من كان من جنسهم ليكون سكونهم إليه أكمل و الفهم به أقوى، كما قال تعالى: وَ لَوْ جَعَلْنََاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنََاهُ رَجُلاً [الأنعام: 9]و قال: قُلْ لَوْ كََانَ فِي اَلْأَرْضِ مَلاََئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنََا عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ مَلَكاً رَسُولاً [الإسراء: 95].

و أما الثاني: فبعيد لأن محمدا عليه الصلاة و السلام كان موصوفا بصفات الخير و التقوى و الأمانة، و ما كانوا يعيبونه إلا بكونه يتيما فقيرا، و هذا في غاية البعد، لأنه تعالى غني عن العالمين فلا ينبغي أن يكون الفقر سببا لنقصان الحال عنده، و لا أن يكون الغنى سببا لكمال الحال عنده كما قال تعالى: وَ مََا أَمْوََالُكُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنََا زُلْفى‏ََ [سبأ: 37]فثبت أن تعجب الكفار من تخصيص اللّه تعالى محمدا بالوحي و الرسالة كلام فاسد.

المسألة الثانية: الهمزة في قوله: أَ كََانَ لإنكار التعجب و لأجل التعجيب من هذا التعجب و أَنْ أَوْحَيْنََا اسم كان و عجبا خبره، و قرأ ابن عباس عجب فجعله اسما و هو نكرة و أَنْ أَوْحَيْنََا خبره و هو معرفة كقوله: يكون مزاجها عسل و ماء و الأجود أن تكون «كان» تامة، و أن أوحينا، بدلا من عجب.

المسألة الثالثة: أنه تعالى قال: أَ كََانَ لِلنََّاسِ عَجَباً و لم يقل أ كان عند الناس عجبا، و الفرق أن قوله:

أَ كََانَ لِلنََّاسِ عَجَباً معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها و نصبوه و عينوه لتوجيه الطيرة و الاستهزاء و التعجب إليه!و ليس في قوله: «أ كان عند الناس عجبا» هذا المعنى.

المسألة الرابعة: (أن) مع الفعل في قولنا: أَنْ أَوْحَيْنََا في تقدير المصدر و هو اسم كان و خبره، هو قوله: عَجَباً و إنما تقدم الخبر على المبتدأ هاهنا لأنهم يقدمون الأهم، و المقصود بالإنكار في هذه الآية إنما هو تعجبهم، و أما (أن) في قوله: أَنْ أَنْذِرِ اَلنََّاسَ فمفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، /و يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، و أصله أنه أنذر الناس على معنى أن الشأن قولنا أنذر الناس.

المسألة الخامسة: أنه تعالى لما بين أنه أوحى إلى رسوله، بين بعده تفصيل ما أوحى إليه و هو الإنذار و التبشير.

187

أما الإنذار فللكفار و الفساق ليرتدعوا بسبب ذلك الإنذار عن فعل ما لا ينبغي، و أما التبشير فلأهل الطاعة لتقوى رغبتهم فيها و إنما قدم الإنذار على التبشير لأن التخلية مقدمة على التحلية، و إزالة ما لا ينبغي مقدم في الرتبة على فعل ما ينبغي.

المسألة السادسة: قوله: قَدَمَ صِدْقٍ فيه أقوال لأهل اللغة و أقوال المفسرين. أما أقوال أهل اللغة فقد نقل الواحدي في «البسيط» منها وجوها. قال الليث و أبو الهيثم: القدم السابقة، و المعنى: أنهم قد سبق لهم عند اللّه خير قال ذو الرمة:

و أنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة # لهم قدم معروفة و مفاخر

و قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير، و قال ابن الأنباري: القدم كناية عن العمل الذي يتقدم فيه، و لا يقع فيه تأخير و لا إبطاء.

و اعلم أن السبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني، أن السعي و السبق لا يحصل إلا بالقدم، فسمى المسبب باسم السبب، كما سميت النعمة يدا، لأنها تعطى باليد.

فإن قيل: فما الفائدة في إضافة القدم إلى الصدق في قوله سبحانه: قَدَمَ صِدْقٍ .

قلنا: الفائدة التنبيه على زيادة الفضل و أنه من السوابق العظيمة، و قال بعضهم: المراد مقام صدق. و أما المفسرون فلهم أقوال فبعضهم حمل قَدَمَ صِدْقٍ على الأعمال الصالحة؛ و بعضهم حمله على الثواب، و منهم من حمله على شفاعة محمد عليه الصلاة و السلام، و اختار ابن الأنباري هذا الثاني و أنشد:

صل لذي العرش و اتخذ قدما # بنجيك يوم العثار و الزلل‏

المسألة السابعة: أن الكافرين لما جاءهم رسول منهم فأنذرهم و بشرهم و أتاهم من عند اللّه تعالى بما هو اللائق بحكمته و فضله قالوا متعجبين إِنَّ هََذََا لَسََاحِرٌ مُبِينٌ أي إن هذا الذي يدعي أنه رسول هو ساحر.

و الابتداء بقوله: قََالَ اَلْكََافِرُونَ على تقدير فلما أنذرهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين، قال القفال:

و إضمار هذا، غير قليل في القرآن.

المسألة الثامنة: قرأ ابن كثير و عاصم و حمزة و الكسائي إِنَّ هََذََا لَسََاحِرٌ و المراد منه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و الباقون لسحر و المراد به القرآن.

و اعلم أن وصف الكفار القرآن بكونه سحرا يدل على عظم محل القرآن عندهم، و كونه معجزا/و أنه تعذر عليهم فيه المعارضة، فاحتاجوا إلى هذا الكلام.

و اعلم أن إقدامهم على وصف القرآن بكونه سحرا، يحتمل أن يكونوا ذكروه في معرض الذم، و يحتمل أنهم ذكروه في معرض المدح، فلهذا السبب اختلف المفسرون فيه فقال بعضهم: أرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر، و لكنه باطل في الحقيقة، و لا حاصل له، و قال آخرون: أرادوا به أنه لكمال فصاحته و تعذر مثله، جار مجرى السحر.

و اعلم أن هذا الكلام لما كان في غاية الفساد لم يذكر جوابه، و إنما قلنا إنه في غاية الفساد، لأنه صلّى اللّه عليه و سلّم كان منهم، و نشأ بينهم و ما غاب عنهم، و ما خالط أحدا سواهم، و ما كان مكة بلدة العلماء و الأذكياء، حتى يقال: إنه‏

188

تعلم السحر أو تعلم العلوم الكثيرة منهم فقدر على الإتيان بمثل هذا القرآن و إذا كان الأمر كذلك، كان حمل القرآن على السحر كلاما في غاية الفساد، فلهذا السبب ترك جوابه.

في قوله تعالى إِنَّ رَبَّكُمُ اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحي و البعثة و الرسالة، ثم إنه تعالى أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد البتة في أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب، و على الأعمال الباطلة الفاسدة بالعقاب، كان هذا الجواب إنما يتم و يكمل بإثبات أمرين: أحدهما: إثبات أن لهذا العالم إلها قاهرا قادرا نافذا الحكم بالأمر و النهي و التكليف و الثاني: إثبات الحشر و النشر و البعث و القيامة، حتى يحصل الثواب و العقاب اللذان أخبر الأنبياء عن حصولهما، فلا جرم أنه سبحانه ذكر في هذا الموضع ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين.

أما الأول: و هو إثبات الإلهية، فبقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ .

و أما الثاني: و هو إثبات المعاد و الحشر و النشر فبقوله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اَللََّهِ حَقًّا [يونس:

4]فثبت أن هذا الترتيب في غاية الحسن، و نهاية الكمال. و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قد ذكرنا في هذا الكتاب، و في الكتب العقلية أن الدليل الدال على وجود الصانع تعالى، إما الإمكان و إما الحدوث و كلاهما إما في الذوات و إما في الصفات، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجود الصانع أربعة، و هي إمكان الذوات، و إمكان الصفات، و حدوث الذوات، و حدوث الصفات و هذه الأربعة معتبرة تارة في العالم العلوي و هو عالم السموات و الكواكب، و تارة في العالم السفلي، و الأغلب من الدلائل المذكورة في الكتب الإلهية التمسك بإمكان الصفات و حدوثها تارة في أحوال العالم العلوي، و تارة في أحوال العالم السفلي، و المذكور في هذا الموضع هو التمسك بإمكان الأجرام العلوية في مقاديرها و صفاتها، و تقريره من وجوه: الأول: أن أجرام الأفلاك لا شك أنها مركبة من الأجزاء التي لا تتجزى، و متى كان الأمر كذلك كانت لا محالة محتاجة إلى الخالق و المقدر.

أما بيان المقام الأول: فهو أن أجرام الأفلاك لا شك أنها قابلة للقسمة الوهمية، و قد دللنا في الكتب العقلية على أن كل ما كان قابلا للقسمة الوهمية، فإنه يكون مركبا من الأجزاء و الأبعاض و دللنا على أن الذي تقوله الفلاسفة من أن الجسم قابل للقسمة، و لكنه يكون في نفسه شيئا واحدا كلام فاسد باطل فثبت بما ذكرنا أن أجرام الأفلاك مركبة من الأجزاء التي لا تتجزى، و إذا ثبت هذا وجب افتقارها إلى خالق و مقدر، و ذلك لأنها لما تركبت فقد وقع بعض تلك الأجزاء في داخل ذلك الجرم، و بعضها حصلت على سطحها، و تلك الأجزاء متساوية في الطبع و الماهية و الحقيقة، و الفلاسفة أقروا لنا بصحة هذه المقدمة حيث قالوا إنها بسائط، و يمتنع كونها مركبة من أجزاء مختلفة الطبائع.

و إذا ثبت هذا فنقول: حصول بعضها في الداخل، و حصول بعضها في الخارج، أمر ممكن الحصول جائز الثبوت، يجوز أن ينقلب الظاهر باطنا، و الباطن ظاهرا و إذا كان الأمر كذلك وجب افتقار هذه الأجزاء حال‏

189

تركيبها إلى مدبر و قاهر، يخصص بعضها بالداخل و بعضها بالخارج فدل هذا على أن الأفلاك مفتقرة في تركيبها و أشكالها و صفاتها إلى مدبر قدير عليم حكيم.

الوجه الثاني: في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الإله القادر أن نقول: حركات هذه الأفلاك لها بداية، و متى كان الأمر كذلك افتقرت هذه الأفلاك في حركاتها إلى محرك و مدبر قاهر.

أما المقام الأول: فالدليل على صحته أن الحركة عبارة عن التغير من حال إلى حال، و هذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها، و الأزل ينافي المسبوقية بالغير، فكان الجمع بين الحركة/و بين الأزل محالا، فثبت أن لحركات الأفلاك أولا، و إذا ثبت هذا وجب أن يقال: هذه الأجرام الفلكية كانت معدومة في الأزل و إن كانت موجودة، لكنها كانت واقفة و ساكنة و ما كانت متحركة، و على التقديرين: فلحركاتها أول و بداية.

و أما المقام الثاني: و هو أنه لما كان الأمر كذلك وجب افتقارها إلى مدبر قاهر، فالدليل عليه أن ابتداء هذه الأجرام بالحركة في ذلك الوقت المعين دون ما قبله و دون ما بعده، لا بد و أن يكون لتخصيص مخصص، و ترجيح مرجح و ذلك المرجح يمتنع أن يكون موجبا بالذات، و إلا لحصلت تلك الحركة قبل ذلك الوقت لأجل أن موجب تلك الحركة كان حاصلا قبل ذلك الوقت، و لما بطل هذا، ثبت أن ذلك المرجح قادر مختار و هو المطلوب.

الوجه الثالث: في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الإله المختار، و هو أن أجزاء الفلك حاصلة فيه لا في الفلك الآخر، و أجزاء الفلك الآخر حاصلة فيه لا في الفلك الأول فاختصاص كل واحد منها بتلك الأجزاء أمر ممكن، و لا بد له من مرجح، و يعود التقرير الأول فيه. فهذا تقرير هذا الدليل الذي ذكره اللّه تعالى في هذه الآية، و في الآية سؤالات:

السؤال الأول: أن كلمة (الذي) كلمة وضعت للإشارة إلى شي‏ء مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة، كما إذا قيل لك من زيد؟فتقول: الذي أبوه منطلق، فهذا التعريف إنما يحسن لو كان كون أبيه منطلقا، أمرا معلوما عند السامع، فهنا لما قال: إِنَّ رَبَّكُمُ اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ فهذا إنما يحسن لو كان كونه سبحانه و تعالى خالقا للسموات و الأرض في ستة أيام، أمرا معلوما عند السامع، و العرب ما كانوا عالمين بذلك، فكيف يحسن هذا التعريف؟ و جوابه أن يقال: هذا الكلام مشهور عند اليهود و النصارى، لأنه مذكور في أول ما يزعمون أنه هو التوراة و لما كان ذلك مشهورا عندهم و العرب كانوا يخالطونهم، فالظاهر أنهم أيضا سمعوه منهم، فلهذا السبب حسن هذا التعريف.

السؤال الثاني: ما الفائدة في بيان الأيام التي خلقها اللّه فيها؟ و الجواب: أنه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقل من لمح البصر و الدليل عليه أن العالم مركب من الأجزاء التي لا تتجزى، و الجزء الذي لا يتجزى لا يمكن إيجاده إلا دفعة، لأنا لو فرضنا أن إيجاده إنما يحصل في زمان، فذلك الزمان منقسم لا محالة من آنات متعاقبة، فهل حصل شي‏ء من ذلك الإيجاد في الآن الأول أو لم يحصل، فإن لم يحصل منه شي‏ء في الآن الأول فهو خارج عن مدة الإيجاد، و إن حصل في ذلك‏

190

الآن إيجاد شي‏ء و حصل في الآن الثاني إيجاد شي‏ء آخر، فهما/إن كانا جزأين من ذلك الجزء الذي لا يتجزى، فحينئذ يكون الجزء الذي لا يتجزى متجزئا و هو محال و إن كان شيئا آخر، فحينئذ يكون إيجاد الجزء الذي لا يتجزى لا يمكن إلا في آن واحد دفعة واحدة، و كذا القول في إيجاد جميع الأجزاء فثبت أنه تعالى قادر على إيجاد جميع العالم دفعة واحدة، و لا شك أيضا أنه تعالى قادر على إيجاده و تكوينه على التدريج.

و إذا ثبت هذا فنقول هاهنا مذهبان: الأول: قول أصحابنا و هو أنه يحسن منه كلما أراد، و لا يعلل شي‏ء من أفعاله بشي‏ء من الحكمة و المصالح، و على هذا القول يسقط قول من يقول: لم خلق العالم في ستة أيام و ما خلقه في لحظة واحدة؟لأنا نقول كل شي‏ء صنعه و لا علة لصنعه فلا يعلل شي‏ء من أحكامه و لا شي‏ء من أفعاله بعلة، فسقط هذا السؤال. الثاني: قول المعتزلة و هو أنهم يقولون يجب أن تكون أفعاله تعالى مشتملة على المصلحة و الحكمة فعند هذا قال القاضي: لا يبعد أن يكون خلق اللّه تعالى السموات و الأرض في هذه المدة المخصوصة، أدخل في الاعتبار في حق بعض المكلفين. ثم قال القاضي:

فإن قيل: فمن المعتبر و ما وجه الاعتبار؟ثم أجاب و قال: أما المعتبر فهو أنه لا بد من مكلف أو غير مكلف من الحيوان خلقه اللّه تعالى قبل خلقه للسموات و الأرضين، أو معهما، و إلا لكان خلقهما عبثا.

فإن قيل: فهلا جاز أن يخلقهما لأجل حيوان يخلقه من بعد؟! قلنا: إنه تعالى لا يخاف الفوت، فلا يجوز أن يقدم خلق ما لا ينتفع به أحد، لأجل حيوان سيحدث بعد ذلك، و إنما يصح منا ذلك في مقدمات الأمور لأنا نخشى الفوت، و نخاف العجز و القصور. قال: و إذا ثبت هذا فقد صح ما روي في الخبر أن خلق الملائكة كان سابقا على خلق السموات و الأرض.

فإن قيل: أولئك الملائكة لا بد لهم من مكان، فقبل خلق السموات و الأرض لا مكان، فكيف يمكن وجودهم بلا مكان؟ قلنا: الذي يقدر على تسكين العرش و السموات و الأرض في أمكنتها كيف يعجز عن تسكين أولئك الملائكة في أحيازها بقدرته و حكمته؟و أما وجه الاعتبار في ذلك فهو أنه لما حصل هناك معتبر، لم يمتنع أن يكون اعتباره بما يشاهده حالا بعد حال أقوى و الدليل عليه: أن ما يحدث على هذا الوجه، فإنه يدل على أنه صادر من فاعل حكيم و أما المخلوق دفعة واحدة فإنه لا يدل على ذلك.

و السؤال الثالث: فهل هذه الأيام كأيام الدنيا أو كما روي عن ابن عباس أنه قال: إنها ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون؟ و الجواب: قال القاضي: الظاهر في ذلك أنه تعريف لعباده مدة خلقه لهما، و لا يجوز أن يكون ذلك تعريفا، إلا و المدة هذه الأيام المعلومة.

و لقائل أن يقول: لما وقع التعريف بالأيام المذكورة في التوراة و الإنجيل، و كان المذكور هناك أيام الآخرة لا أيام الدنيا، لم يكن ذلك قادحا في صحة التعريف.

السؤال الرابع: هذه الأيام إنما تتقدر بحسب طلوع الشمس و غروبها، و هذا المعنى مفقود قبل خلقها، فكيف يعقل هذا التعريف؟ ـ

191

و الجواب التعريف يحصل بما أنه لو وقع حدوث السموات و الأرض في مدة، لو حصل هناك أفلاك دائرة و شمس و قمر، لكانت تلك المدة مساوية لستة أيام.

و لقائل أن يقول: فهذا يقتضي حصول مدة قبل خلق العالم، يحصل فيها حدوث العالم، و ذلك يوجب قدم المدة.

و جوابه: أن تلك المدة غير موجودة بل هي مفروضة موهومة، و الدليل عليه أن تلك المدة المعينة حادثة، و حدوثها لا يحتاج إلى مدة أخرى، و إلا لزم إثبات أزمنة لا نهاية لها و ذلك محال، فكل ما يقولون في حدوث المدة فنحن نقوله في حدوث العالم.

السؤال الخامس: أن اليوم قد يراد به اليوم مع ليلته، و قد يراد به النهار وحده فالمراد بهذه الآية أيهما.

و الجواب: الغالب في اللغة أنه يراد باليوم اليوم بليلته.

المسألة الثانية: أما قوله: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ ففيه مباحث: الأول: أن هذا يوهم كونه تعالى مستقرا على العرش و الكلام المستقصى فيه مذكور في أول سورة طه، و لكنا نكتفي هاهنا بعبارة وجيزة فنقول:

هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها، و يدل عليه وجوه: الأول: أن الاستواء على العرش معناه كونه معتمدا عليه مستقرا عليه، بحيث لولا العرش لسقط و نزل، كما أنا إذا قلنا إن فلانا مستو على سريره فإنه يفهم منه هذا هذا المعنى إلا أن إثبات هذا المعنى يقتضي كونه محتاجا إلى العرش، و إنه لو لا العرش لسقط و نزل، و ذلك محال، لأن المسلمين أطبقوا على أن اللّه تعالى هو الممسك للعرش و الحافظ له، و لا يقول أحد أن العرش هو الممسك للّه تعالى و الحافظ له. و الثاني: أن قوله: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ يدل على أنه قبل ذلك ما كان مستويا عليه، /و ذلك يدل على أنه تعالى يتغير من حال إلى حال، و كل من كان متغيرا كان محدثا، و ذلك بالاتفاق باطل. الثالث: أنه لما حدث الاستواء في هذا الوقت، فهذا يقتضي أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضطربا متحركا، و كل ذلك من صفات المحدثات. الرابع: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات و الأرض لأن كلمة (ثم) تقتضي التراخي و ذلك يدل على أنه تعالى كان قبل خلق العرش غنيا عن العرش، فإذا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقته و ذاته من الاستغناء إلى الحاجة فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنيا عن العرش، و من كان كذلك امتنع أن يكون مستقرا على العرش فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها بالاتفاق، و إذا كان كذلك امتنع الاستدلال بها في إثبات المكان و الجهة للّه تعالى.

المسألة الثالثة: اتفق المسلمون على أن فوق السموات جسما عظيما هو العرش.

إذا ثبت هذا فنقول: العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش أو غيره؟فيه قولان:

القول الأول: و هو الذي اختاره أبو مسلم الأصفهاني، أنه ليس المراد منه ذلك، بل المراد من قوله: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ أنه لما خلق السموات و الأرض سطحها و رفع سمكها، فإن كل بناء فإنه يسمى عرشا، و بانيه يسمى عارشا، قال تعالى: وَ مِنَ اَلشَّجَرِ وَ مِمََّا يَعْرِشُونَ [النحل: 68]أي يبنون، و قال في صفة القرية فَهِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا [الحج: 45]و المراد أن تلك القرية خلت منهم مع سلامة بنائها و قيام سقوفها، و قال: وَ كََانَ عَرْشُهُ عَلَى اَلْمََاءِ [هود: 7]أي بناؤه، و إنما ذكر اللّه تعالى ذلك لأنه أعجب في القدرة، فالباني‏

192

يبني البناء متباعدا عن الماء على الأرض الصلبة لئلا ينهدم، و اللّه تعالى بنى السموات و الأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته و كمال جلالته، و الاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر، و الدليل عليه قوله تعالى:

وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْفُلْكِ وَ اَلْأَنْعََامِ مََا تَرْكَبُونَ*`لِتَسْتَوُوا عَلى‏ََ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اِسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ [الزخرف: 12، 13]قال أبو مسلم: فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه فنقول: وجب حمل اللفظ عليه، و لا يجوز حمله على العرش الذي في السماء، و الدليل عليه هو أن الاستدلال على وجود الصانع تعالى، يجب أن يحصل بشي‏ء معلوم مشاهد، و العرش الذي في السماء ليس كذلك، و أما أجرام السموات و الأرضين فهي مشاهدة محسوسة، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزا صوابا حسنا. ثم قال: و مما يؤكد ذلك أن قوله تعالى: خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ إشارة إلى تخليق ذواتها، و قوله: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ يكون إشارة إلى تسطيحها و تشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها، و على هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله/سبحانه و تعالى: أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ اَلسَّمََاءُ بَنََاهََا*`رَفَعَ سَمْكَهََا فَسَوََّاهََا [النازعات:

27، 28]فذكر أولا أنه بناها، ثم ذكر ثانيا أنه رفع سمكها فسواها و كذلك هاهنا ذكر بقوله: خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ أنه خلق ذواتها ثم ذكر بقوله: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ أنه قصد إلى تعريشها و تسطيحها و تشكيلها بالأشكال الموافقة لها.

و القول الثاني: و هو القول المشهور لجمهور المفسرين: أن المراد من العرش المذكور في هذه الآية:

الجسم العظيم الذي في السماء، و هؤلاء قالوا إن قوله تعالى: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلق العرش بعد خلق السموات و الأرضين بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى‏ وَ كََانَ عَرْشُهُ عَلَى اَلْمََاءِ [هود: 7]و ذلك يدل على أن تكوين العرش سابق على تخليق السموات و الأرضين بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر و هو أن يكون المراد: ثم يدبر الأمر و هو مستو على العرش.

و القول الثالث: أن المراد من العرش الملك، يقال فلان ولي عرشه أي ملكه فقوله: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ المراد أنه تعالى لما خلق السموات و الأرض و استدارت الأفلاك و الكواكب، و جعل بسبب دورانها الفصول الأربعة و الأحوال المختلفة من المعادن و النبات و الحيوانات، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات و الكائنات و الحاصل أن العرش عبارة عن الملك، و ملك اللّه تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته، و وجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق السموات و الأرض، لا جرم صح إدخال حرف (ثم) الذي يفيد التراخي على الاستواء على العرش و اللّه أعلم بمراده.

المسألة الرابعة: أما قوله: يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ معناه أنه يقضي و يقدر على حسب مقتضى الحكمة و يفعل ما يفعله المصيب في أفعاله، الناظر في أدبار الأمور و عواقبها، كي لا يدخل في الوجود ما لا ينبغي. و المراد من اَلْأَمْرَ الشأن يعني يدبر أحوال الخلق و أحوال ملكوت السموات و الأرض.

فإن قيل: ما موقع هذه الجملة؟ قلنا: قد دل بكونه خالقا للسموات و الأرض في ستة أيام و بكونه مستويا على العرش، على نهاية العظمة و غاية الجلالة ثم أتبعها بهذه الجملة ليدل على أنه لا يحدث في العالم العلوي و لا في العالم السفلي أمر من الأمور و لا حادث من الحوادث، إلا بتقديره و تدبيره و قضائه و حكمه، فيصير ذلك دليلا على نهاية القدرة

193

و الحكمة و العلم و الإحاطة التدبير، و أنه سبحانه مبدع جميع الممكنات، و إليه تنتهي الحاجات.

و أما قوله تعالى: مََا مِنْ شَفِيعٍ إِلاََّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ففيه قولان:

القول الأول: و هو المشهور أن المراد منه أن تدبيره للأشياء و صنعه لها، لا يكون بشفاعة شفيع و تدبير مدبر و لا يستجرئ أحد أن يشفع إليه في شي‏ء إلا بعد إذنه، لأنه تعالى أعلم بموضع الحكمة و الصواب، فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب و صلاح.

فإن قيل: كيف يليق ذكر الشفيع بصفة مبدئية الخلق، و إنما يليق ذكره بأحوال القيامة؟ و الجواب من وجوه:

الوجه الأول: ما ذكره الزجاج: و هو أن الكفار الذين كانوا مخاطبين بهذه الآية كانوا يقولون: إن الأصنام شفعاؤنا عند اللّه، فالمراد منه الرد عليهم في هذا القول و هو كقوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ اَلرُّوحُ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ صَفًّا لاََ يَتَكَلَّمُونَ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ [النبأ: 38].

و الوجه الثاني: و هو يمكن أن يقال إنه تعالى لما بين كونه إلها للعالم مستقلا بالتصرف فيه من غير شريك و لا منازع، بين أمر المبدأ بقوله: يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ و بين حال المعاد بقوله: مََا مِنْ شَفِيعٍ إِلاََّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ و الوجه الثالث: يمكن أيضا أن يقال إنه تعالى وضع تدبير الأمور في أول خلق العالم على أحسن الوجوه و أقربها من رعاية المصالح، مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في طلب تحصيل المصالح، فدل هذا على أن إله العالم ناظر لعباده محسن إليهم مريد للخير و الرأفة بهم، و لا حاجة في كونه سبحانه كذلك إلى حضور شفيع يشفع فيه.

و القول الثاني: في تفسير هذا الشفيع ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، فقال: الشفيع هاهنا هو الثاني، و هو مأخوذ من الشفع الذي يخالف الوتر، كما يقال الزوج و الفرد، فمعنى الآية خلق السموات و الأرض وحده و لا حي معه و لا شريك يعينه، ثم خلق الملائكة و الجن و البشر، و هو المراد من قوله: إِلاََّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ أي لم يحدث أحد و لم يدخل في الوجود، إلا من بعد أن قال له: كن، حتى كان و حصل.

و اعلم أنه تعالى لما بين هذه الدلائل و شرح هذه الأحوال، ختمها بعد ذلك بقوله: ذََلِكُمُ اَللََّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ مبينا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا له، و منبها على أنه سبحانه هو المستحق لجميع العبادات لأجل أنه هو المنعم بجميع النعم التي ذكرها و وصفها.

ثم قال بعده: أَ فَلاََ تَذَكَّرُونَ دالا بذلك على وجوب التفكر في تلك الدلائل القاهرة الباهرة، و ذلك يدل على أن التفكر في مخلوقات اللّه تعالى و الاستدلال بها على جلالته و عزته و عظمته، أعلى/المراتب و أكمل الدرجات.

194

في قوله تعالى إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً اعلم أنه سبحانه و تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على إثبات المبدأ، أردفه بما يدل على صحة القول بالمعاد. و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في بيان أن إنكار الحشر و النشر ليس من العلوم البديهية، و يدل عليه وجوه: الأول: أن العقلاء اختلفوا في وقوعه و قال بإمكانه عالم من الناس، و هم جمهور أرباب الملل و الأديان. و ما كان معلوم الامتناع بالبديهة امتنع وقوع الاختلاف فيه. الثاني: أنا إذا رجعنا إلى عقولنا السليمة، و عرضنا عليها أن الواحد ضعف الاثنين، و عرضنا عليها أيضا هذه القضية، لم نجد هذه القضية في قوة الامتناع مثل القضية الأولى. الثالث: أنا إما أن نقول بثبوت النفس الناطقة أو لا نقول به فإن قلنا به فقد زال الإشكال بالكلية، فإنه كما لا يمتنع تعلق هذه النفس بالبدن في المرة الأولى، لم يمتنع تعلقها بالبدن مرة أخرى و إن أنكرنا القول بالنفس فالاحتمال أيضا قائم، لأنه لا يبعد أن يقال إنه سبحانه يركب تلك الأجزاء المفرقة تركيبا ثانيا، و يخلق الإنسان الأول مرة أخرى. و الرابع: أنه سبحانه ذكر أمثلة كثيرة دالة على إمكان الحشر و النشر و نحن نجمعها هاهنا.

فالمثال الأول: أنا نرى الأرض خاشعة وقت الخريف، و نرى اليبس مستوليا عليها بسبب شدة الحر في الصيف. ثم إنه تعالى ينزل المطر عليها وقت الشتاء و الربيع، فتصير بعد ذلك متحلية بالأزهار العجيبة و الأنوار الغريبة كما قال تعالى: وَ اَللََّهُ اَلَّذِي أَرْسَلَ اَلرِّيََاحَ فَتُثِيرُ سَحََاباً فَسُقْنََاهُ إِلى‏ََ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنََا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا كَذََلِكَ اَلنُّشُورُ [فاطر: 9]و ثانيها: قوله تعالى: تَرَى اَلْأَرْضَ هََامِدَةً فَإِذََا أَنْزَلْنََا عَلَيْهَا اَلْمََاءَ اِهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ إلى قوله: ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْحَقُّ وَ أَنَّهُ يُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ [الحج: 5، 6]و ثالثها: قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَسَلَكَهُ يَنََابِيعَ فِي اَلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ/زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوََانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرََاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطََاماً إِنَّ فِي ذََلِكَ لَذِكْرى‏ََ لِأُولِي اَلْأَلْبََابِ [الزمر: 21]و المراد كونه منبها على أمر المعاد. و رابعها: قوله:

ثُمَّ أَمََاتَهُ فَأَقْبَرَهُ*`ثُمَّ إِذََا شََاءَ أَنْشَرَهُ*`كَلاََّ لَمََّا يَقْضِ مََا أَمَرَهُ*`فَلْيَنْظُرِ اَلْإِنْسََانُ إِلى‏ََ طَعََامِهِ [عبس: 21-24] و

قال عليه السلام: «إذا رأيتم الربيع فأكثروا ذكر النشور»

و لم تحصل المشابهة بين الربيع و بين النشور إلا من الوجه الذي ذكرناه.

المثال الثاني: ما يجده كل واحد منا من نفسه من الزيادة و النمو بسبب السمن، و من النقصان و الذبول بسبب الهزال، ثم إنه قد يعود إلى حالته الأولى بالسمن.

و إذا ثبت هذا فنقول: ما جاز تكون بعضه لم يمتنع أيضا تكون كله، و لما ثبت ذلك ظهر أن الإعادة غير ممتنعة، و إليه الإشارة بقوله تعالى: وَ نُنْشِئَكُمْ فِي مََا لاََ تَعْلَمُونَ [الواقعة: 61]يعني أنه سبحانه لما كان قادرا على إنشاء ذواتكم أولا ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانيا شيئا فشيئا من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه و بوقت نقصانه فوجب القطع أيضا بأنه لا يمتنع عليه سبحانه إعادتكم بعد البلى في القبور لحشر يوم القيامة.

المثال الثالث: أنه تعالى لما كان قادرا على أن يخلقنا ابتداء من غير مثال سبق، فلأن يكون قادرا على إيجادنا مرة أخرى مع سبق الإيجاد الأول كان أولى، و هذا الكلام قرره تعالى في آيات كثيرة، منها في هذه الآية و هو قوله: إِنَّهُ يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ و ثانيها: قوله تعالى في سورة يس: قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهََا أَوَّلَ مَرَّةٍ

195

[يس: 79]و ثالثها: قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولى‏ََ فَلَوْ لاََ تَذَكَّرُونَ [الواقعة: 62]و رابعها: قوله تعالى: أَ فَعَيِينََا بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: 15]و خامسها: قوله تعالى: أَ يَحْسَبُ اَلْإِنْسََانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً*`أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ََ [القيامة: 36، 33]إلى قوله: أَ لَيْسَ ذََلِكَ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يُحْيِيَ اَلْمَوْتى‏ََ [القيامة: 40]و سادسها: قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ اَلْبَعْثِ فَإِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ تُرََابٍ [الحج: 5]إلى قوله: ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْحَقُّ وَ أَنَّهُ يُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ وَ أَنَّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ*`وَ أَنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ لاََ رَيْبَ فِيهََا وَ أَنَّ اَللََّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ [الحج: 6، 7]فاستشهد تعالى في هذه الآية على صحة الحشر بأمور: الأول: أنه استدل بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني و هو قوله: إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ اَلْبَعْثِ فَإِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ تُرََابٍ كأنه تعالى يقول: لما حصل الخلق الأول بانتقال هذه الأجسام من أحوال إلى أحوال أخرى فلم لا يجوز أن يحصل الخلق الثاني بعد تغيرات كثيرة، و اختلافات متعاقبة؟و الثاني: أنه تعالى شبهها بإحياء الأرض الميتة. و الثالث: أنه تعالى هو الحق و إنما يكون كذلك لو كان كامل القدرة تام العلم و الحكمة. فهذه هي الوجوه المستنبطة من هذه الآية على إمكان صحة الحشر و النشر.

و الآية السابعة: في هذا الباب قوله تعالى: قُلْ كُونُوا حِجََارَةً أَوْ حَدِيداً*`أَوْ خَلْقاً مِمََّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنََا قُلِ اَلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء: 50، 51].

المثال الرابع: أنه تعالى لما قدر على تخليق ما هو أعظم من أبدان الناس فكيف يقال: إنه لا يقدر على إعادتها؟ فإن من كان الفعل الأصعب عليه سهلا، فلأن يكون الفعل السهل الحقير عليه سهلا كان أولى و هذا المعنى مذكور في آيات كثيرة: منها: قوله تعالى: أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس: 81]و ثانيها: قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللََّهَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يُحْيِيَ اَلْمَوْتى‏ََ [الأحقاف: 33]و ثالثها: أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ اَلسَّمََاءُ بَنََاهََا [النازعات: 27].

المثال الخامس: الاستدلال بحصول اليقظة بعد النوم على جواز الحشر و النشر، فإن النوم أخو الموت، و اليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت قال تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي يَتَوَفََّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ مََا جَرَحْتُمْ بِالنَّهََارِ [الأنعام:

60]ثم ذكر عقيبه أمر الموت و البعث، فقال: وَ هُوَ اَلْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا وَ هُمْ لاََ يُفَرِّطُونَ*`ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ [الأنعام: 61، 62]و قال في آية أخرى‏ اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا وَ اَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنََامِهََا إلى قوله: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر: 42]و المراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث و الحشر و النشر.

المثال السادس: أن الإحياء بعد الموت لا يستنكر إلا من حيث إنه يحصل الضد بعد حصول الضد، إلا أن ذلك غير مستنكر في قدرة اللّه تعالى، لأنه لما جاز حصول الموت عقيب الحياة فكيف يستبعد حصول الحياة مرة أخرى بعد الموت؟فإن حكم الضدين واحد قال تعالى مقررا لهذا المعنى: نَحْنُ قَدَّرْنََا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ وَ مََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [الواقعة: 60]و أيضا نجد النار مع حرها و يبسها تتولد من الشجر الأخضر مع برده و رطوبته فقال: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً فَإِذََا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس: 80]فكذا هاهنا، فهذا جملة الكلام في بيان أن القول بالمعاد، و حصول الحشر و النشر غير مستبعد في العقول.

المسألة الثانية: في إقامة الدلالة على أن المعاد حق واجب.

196

اعلم أن الأمة فريقان منهم من يقول: يجب عقلا أن يكون إله العالم رحيما عادلا منزها عن الإيلام و الإضرار، إلا لمنافع أجل و أعظم منها، و منهم من ينكر هذه القاعدة و يقول: لا يجب على اللّه تعالى شي‏ء أصلا، بل يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد. أما الفريق الأول: فقد احتجوا على وجود المعاد من وجوه.

الحجة الأولى: أنه تعالى خلق الخلق و أعطاهم عقولا بها يميزون بين الحسن و القبيح، و أعطاهم قدرا بها يقدرون على الخير و الشر و إذا ثبت هذا فمن الواجب في حكمة اللّه تعالى و عدله/أن يمنع الخلق عن شتم اللّه و ذكره بالسوء، و أن يمنعهم عن الجهل و الكذب و إيذاء أنبيائه و أوليائه، و الصالحين من خلقه و من الواجب في حكمته أن يرغبهم في الطاعات و الخيرات و الحسنات، فإنه لو لم يمنع عن تلك القبائح، و لم يرغب في هذه الخيرات، قدح ذلك في كونه محسنا عادلا ناظرا لعباده و من المعلوم أن الترغيب في الطاعات لا يمكن إلا بربط الثواب بفعلها، و الزجر عن القبائح لا يمكن إلا بربط العقاب بفعلها، و ذلك الثواب المرغب فيه، و العقاب المهدد به غير حاصل في دار الدنيا فلا بد من دار أخرى يحصل فيها هذا الثواب، و هذا العقاب، و هو المطلوب، و إلا لزم كونه كاذبا، و أنه باطل و هذا هو المراد من الآية التي نحن فيها و هي قوله تعالى: لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ بِالْقِسْطِ .

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه يكفي في الترغيب في فعل الخيرات، و في الردع عن المنكرات ما أودع اللّه في العقول من تحسين الخيرات و تقبيح المنكرات و لا حاجة مع ذلك إلى الوعد و الوعيد؟سلمنا أنه لا بد من الوعد و الوعيد، فلم لا يجوز أن يقال: الغرض منه مجرد الترغيب و الترهيب ليحصل به نظام العالم كما قال تعالى: ذََلِكَ يُخَوِّفُ اَللََّهُ بِهِ عِبََادَهُ يََا عِبََادِ فَاتَّقُونِ [الزمر: 16]فإما أن يفعل تعالى ذلك فما الدليل عليه؟ قوله لو لم يفعل ما أخبر عنه من الوعد و الوعيد لصار كلامه كذبا فنقول: ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن لقيام الدلالة على وجوب ذلك التخصيص فإن كان هذا كذبا وجب فيما تحكمون به من تلك التخصيصات أن يكون كذبا؟سلمنا أنه لا بد و أن يفعل اللّه تعالى ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال: إن ذلك الثواب و العقاب عبارة عما يصل إلى الإنسان من أنواع الراحات و اللذات و من أنواع الآلام و الأسقام، و أقسام الهموم و الغموم؟ و الجواب عن السؤال الأول: أن العقل و إن كان يدعوه إلى فعل الخير و ترك الشر إلا أن الهوى و النفس يدعو إنه إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية و اللذات الجسدانية، و إذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح قوي و معاضد كامل، و ما ذاك إلا ترتيب الوعد و الوعيد و الثواب و العقاب على الفعل و الترك.

و الجواب عن السؤال الثاني: أنه إذا جوز الإنسان حصول الكذب على اللّه تعالى فحينئذ لا يحصل من الوعد رغبة، و لا من الوعيد رهبة، لأن السامع يجوز كونه كذبا.

و الجواب عن السؤال الثالث: أن العبد ما دامت حياته في الدنيا فهو كالأجير المشتغل بالعمل و الأجير حال اشتغاله بالعمل لا يجوز دفع الأجرة بكمالها إليه، لأنه إذا أخذها فإنه لا يجتهد في العمل و أما إذا كان محل أخذ الأجرة هو الدار الآخرة كان الاجتهاد في العمل أشد و أكمل، و أيضا نرى/في هذه الدنيا أن أزهد الناس و أعلمهم مبتلى بأنواع الغموم و الهموم و الأحزان، و أجهلهم و أفسقهم في اللذات و المسرات، فعلمنا أن دار الجزاء يمتنع أن تكون هذه الدار فلا بد من دار أخرى، و من حياة أخرى، ليحصل فيها الجزاء.

197

الحجة الثانية: أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن و بين المسي‏ء، و أن لا يجعل من كفر به، أو جحده بمنزلة من أطاعه، و لما وجب إظهار هذه التفرقة فحصول هذه التفرقة إما أن يكون في دار الدنيا، أو في دار الآخرة، و الأول باطل لأنا نرى الكفار و الفساق في الدنيا في أعظم الراحات، و نرى العلماء و الزهاد بالضد منه، و لهذا المعنى قال تعالى: وَ لَوْ لاََ أَنْ يَكُونَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً لَجَعَلْنََا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمََنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ [الزخرف: 33]فثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى، و هو المراد من الآية التي نحن في تفسيرها و هي قوله: لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ بِالْقِسْطِ و هو المراد أيضا بقوله تعالى في سورة طه: إِنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ أَكََادُ أُخْفِيهََا لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا تَسْعى‏ََ [طه: 15]و بقوله تعالى في سورة ص: أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجََّارِ [ص: 28].

فإن قيل: أما أنكرتم أن يقال إنه تعالى لا يفصل بين المحسن و بين المسي‏ء في الثواب و العقاب كما لم يفصل بينهما في حسن الصورة و في كثرة المال؟.

و الجواب: أن هذا الذي ذكرته مما يقوي دليلنا، فإنه ثبت في صريح العقل وجوب التفرقة، و دل الحس على أنه لم تحصل هذه التفرقة في الدنيا، بل كان الأمر على الضد منه، فإنا نرى العالم و الزاهد في أشد البلاء، و نرى الكافر و الفاسق في أعظم النعم فعلمنا أنه لا بد من دار أخرى يظهر فيها هذا التفاوت، و أيضا لا يبعد أن يقال إنه تعالى علم أن هذا الزاهد العابد لو أعطاه ما دفع إلى الكافر الفاسق لطغى و بغى و آثر الحياة الدنيا، و أن ذلك الكافر الفاسق لو زاد عليه في التضييق لزاد في الشر و إليه الإشارة بقوله تعالى: وَ لَوْ بَسَطَ اَللََّهُ اَلرِّزْقَ لِعِبََادِهِ لَبَغَوْا فِي اَلْأَرْضِ [الشورى: 27].

الحجة الثالثة: أنه تعالى كلف عبيده بالعبودية فقال: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] و الحكيم إذا أمر عبده بشي‏ء، فلا بد و أن يجعله فارغ الباب منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تلك التكاليف، و الناس جبلوا على طلب اللذات و تحصيل الراحات لأنفسهم، فلو لم يكن لهم زاجر من خوف المعاد لكثر الهرج و المرج و لعظمت الفتن، و حينئذ لا يتفرغ المكلف للاشتغال بأداء العبادات.

فوجب القطع بحصول دار الثواب و العقاب لتنتظم أحوال العالم حتى يقدر المكلف على الاشتغال بأداء العبودية.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال إنه يكفي في بقاء نظام العالم مهابة الملوك و سياساتهم؟و أيضا فالأوباش يعلمون أنهم لو حكموا بحسن الهرج و المرج لانقلب الأمر عليهم و لقدر غيرهم على قتلهم، و أخذ أموالهم، فلهذا المعنى يحترزون عن إثارة الفتن.

و الجواب: أن مجرد مهابة السلاطين لا تكفي في ذلك، و ذلك لأن السلطان إما أن يكون قد بلغ في القدرة و القوة إلى حيث لا يخاف من الرعية، و إما أن يكون خائفا منهم، فإن كان لا يخاف الرعية مع أنه لا خوف له من المعاد، فحينئذ يقدم على الظلم و الإيذاء على أقبح الوجوه، لأن الداعية النفسانية قائمة، و لا رادع له في الدنيا و لا في الآخرة، و أما إن كان يخاف الرعية فحينئذ الرعية لا يخافون منه خوفا شديدا، فلا يصير ذلك رادعا لهم عن القبائح و الظلم فثبت أن نظام العالم لا يتم و لا يكمل إلا بالرغبة في المعاد و الرهبة عنه. ـ

198

الحجة الرابعة: في وجوب الانتصاف للمظلوم الضعيف من الظالم القادر القوي على السلطان القاهر الرحيم‏ أن السلطان القاهر إذا كان له جمع من العبيد، و كان بعضهم أقوياء و بعضهم ضعفاء، وجب على ذلك السلطان إن كان رحيما ناظرا مشفقا عليهم أن ينتصف للمظلوم الضعيف من الظالم القادر القوي، فإن لم يفعل ذلك كان راضيا بذلك الظلم، و الرضا بالظلم لا يليق بالرحيم الناظر المحسن.

إذا ثبت هذا فنقول: إنه سبحانه سلطان قاهر قادر حكيم منزه عن الظلم و العبث فوجب أن ينتصف لعبيده المظلومين من عبيده الظالمين، و هذا الانتصاف لم يحصل في هذه الدار، لأن المظلوم قد يبقى في غاية الذلة و المهانة، و الظالم يبقى في غاية العزة و القدرة، فلا بد من دار أخرى يظهر فيها هذا العدل و هذا الإنصاف، و هذه الحجة يصلح جعلها تفسيرا لهذه الآية التي نحن في تفسيرها.

فإن قالوا: إنه تعالى لما أقدر الظالم على الظلم في هذه الدار، و ما أعجزه عنه، دل على كونه راضيا بذلك الظلم.

قلنا: الإقدار على الظلم عين الإقدار على العدل و الطاعة، فلو لم يقدره تعالى على الظلم لكان قد أعجزه عن فعل الخيرات و الطاعات، و ذلك لا يليق بالحكيم، فوجب في العقل إقداره على الظلم و العدل، ثم إنه تعالى ينتقم للمظلوم من الظالم.

الحجة الخامسة: أنه تعالى خلق هذا العالم و خلق كل من فيه من الناس فإما أن يقال: إنه تعالى خلقهم لا لمنفعة و لا لمصلحة، أو يقال: إنه تعالى خلقهم لمصلحة و منفعة. و الأول: يليق بالرحيم الكريم. و الثاني: و هو أن يقال: إنه خلقهم لمقصود و مصلحة و خير، فذلك الخير و المصلحة إما أن يحصل في هذه الدنيا أو في دار أخرى، و الأول باطل من وجهين: الأول: أن لذات هذا/العالم جسمانية، و اللذات الجسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، و إزالة الألم أمر عدمي، و هذا العدم كان حاصلا حال كون كل واحد من الخلائق معدوما، و حينئذ لا يبقى للتخليق فائدة. و الثاني: أن لذات هذا العالم ممزوجة بالآلام و المحن، بل الدنيا طافحة بالشرور و الآفات و المحن و البليات، و اللذة فيها كالقطرة في البحر فعلمنا أن الدار التي يصل فيها الخلق إلى تلك الراحات المقصودة دار أخرى سوى دار الدنيا.

فإن قالوا: أليس أنه تعالى يؤلم أهل النار بأشد العذاب لا لأجل مصلحة و حكمة؟فلم لا يجوز أن يقال:

إنه تعالى يخلق الخلق في هذا العالم لا لمصلحة و لا لحكمة.

قلنا: الفرق أن ذلك الضرر ضرر مستحق على أعمالهم الخبيثة و أما الضرر الحاصل في الدنيا فغير مستحق، فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة و منافع جابرة لتلك المضار السالفة، و إلا لزم أن يكون الفاعل شريرا مؤذيا، و ذلك ينافي كونه أرحم الراحمين و أكرم الأكرمين.

الحجة السادسة: لو لم يحصل للإنسان معاد لكان الإنسان أخس من جميع الحيوانات في المنزلة و الشرف و اللازم باطل، فالملزوم مثله بيان الملازمة أن مضار الإنسان في الدنيا أكثر من مضار جميع الحيوانات، فإن سائر الحيوانات قبل وقوعها في الآلام و الأسقام تكون فارغة البال طيبة النفس، لأنه ليس لها فكر و تأمل أما الإنسان فإنه بسبب ما يحصل له من العقل يتفكر أبدا في الأحوال الماضية و الأحوال المستقبلة، فيحصل له بسبب أكثر الأحوال الماضية أنواع من الحزن و الأسف، و يحصل له بسبب أكثر الأحوال الآتية أنواع‏

199

من الخوف، لأنه لا يدري أنه كيف تحدث الأحوال فثبت أن حصول العقل للإنسان سبب لحصول المضار العظيمة في الدنيا و الآلام النفسانية الشديدة القوية. و أما اللذات الجسمانية فهي مشتركة بين الناس و بين سائر الحيوانات، لأن السرقين في مذاق الجعل طيب، كما أن اللوزينج في مذاق الإنسان طيب.

إذا ثبت هذا فنقول: لو لم يحصل للإنسان معاد به تكمل حالته و تظهر سعادته، لوجب أن يكون كمال العقل، سببا لمزيد الهموم و الغموم و الأحزان من غير جابر يجبر، و معلوم أن كل ما كان كذلك فإنه يكون سببا لمزيد الخسة و الدناءة و الشقاء و التعب الخالية عن المنفعة فثبت أنه لو لا حصول السعادة الأخروية لكان الإنسان أخس الحيوانات حتى الخنافس و الديدان، و لما كان ذلك باطلا قطعا، علمنا أنه لا بد من الدار الآخرة، و أن الإنسان خلق للآخرة لا للدنيا، و أنه بعقله يكتسب موجبات السعادات الأخروية فلهذا السبب كان العقل شريفا.

الحجة السابعة: أنه تعالى قادر على إيصال النعم إلى عبيده على وجهين: أحدهما: أن تكون النعم مشوبة بالآفات و الأحزان. و الثاني: أن تكون خالصة عنها، فلما أنعم اللّه تعالى في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علينا بالمرتبة الثانية في دار أخرى، إظهارا لكمال القدرة و الرحمة و الحكمة، فهناك ينعم على المطيعين و يعفو عن المذنبين، و يزيل الغموم و الهموم و الشهوات و الشبهات و الذي يقوي ذلك، و يقرر هذا الكلام أن الإنسان حين كان جنينا في بطن أمه، كان في أضيق المواضع و أشدها عفونة و فسادا، ثم إذا خرج من بطن أمه كانت الحالة الثانية أطيب و أشرف من الحالة الأولى، ثم إنه عند ذلك يوضع في المهد و يشد شدا وثيقا، ثم بعد حين يخرج من المهد و يعدو يمينا و شمالا، و ينتقل من تناول اللبن إلى تناول الأطعمة الطيبة، و هذه الحالة الثالثة لا شك أنها أطيب من الحالة الثانية، ثم إنه بعد حين يصير أميرا نافذ الحكم على الخلق، أو عالما مشرفا على حقائق الأشياء، و لا شك أن هذه الحالة الرابعة أطيب و أشرف من الحالة الثالثة. و إذا ثبت هذا وجب بحكم هذا الاستقراء أن يقال: الحالة الحاصلة بعد الموت تكون أشرف و أعلى و أبهج من اللذات الجسدانية و الخيرات الجسمانية.

الحجة الثامنة: طريقة الاحتياط، فإنا إذا آمنا بالمعاد و تأهبنا له، فإن كان هذا المذهب حقا، فقد نجونا و هلك المنكر، و إن كان باطلا، لم يضرنا هذا الاعتقاد. غاية ما في الباب أن يقال إنه تفوتنا هذه اللذات الجسمانية إلا أنا نقول يجب على العاقل أن لا يبالي بفوتها لأمرين أحدهما: أنها في غاية الخساسة لأنها مشترك فيها بين الخنافس و الديدان و الكلاب. و الثاني: أنها منقطعة سريعة الزوال فثبت أن الاحتياط ليس إلا في الإيمان بالمعاد، و لهذا قال الشاعر:

قال المنجم و الطبيب كلاهما # لا تحشر الأموات قلت إليكما

إن صح لكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما

الحجة التاسعة: اعلم أن الحيوان ما دام يكون حيوانا، فإنه إن قطع منه شي‏ء مثل ظفر أو ظلف أو شعر، فإنه يعود ذلك الشي‏ء، و إن جرح اندمل، و يكون الدم جاريا في عروقه و أعضائه جريان الماء في عروق الشجر و أغصانه، ثم إذا مات انقلبت هذه الأحوال، فإن قطع منه شي‏ء من شعره أو ظفره لم ينبت، و إن جرح لم يندمل و لم يلتحم، و رأيت الدم يتجمد في عروقه، ثم بالآخرة يؤول حاله إلى الفساد و الانحلال ثم إنا لما نظرنا إلى‏

200

الأرض وجدناها شبيهة بهذه الصفة، فإنا نراها في زمان الربيع تفور عيونها و تربو تلالها و ينجذب الماء إلى أغصان الأشجار و عروقها، و الماء في الأرض بمنزلة الدم الجاري في بدن الحيوان، ثم تخرج أزهارها و أنوارها و ثمارها كما/قال تعالى: فَإِذََا أَنْزَلْنََا عَلَيْهَا اَلْمََاءَ اِهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: 5]و إن جذ من نباتها شي‏ء أخلف و نبت مكانه آخر مثله، و إن قطع غصن من أغصان الأشجار أخلف، و إن جرح التأم، و هذه الأحوال شبيهة بالأحوال التي ذكرناها للحيوان ثم إذا جاء الشتاء و اشتد البرد غارت عيونها و جفت رطوبتها و فسدت بقولها، و لو قطعنا غصنا من شجرة ما أخلف، فكانت هذه الأحوال شبيهة بالموت بعد الحياة.

ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة، فإذا عقلنا هذه المعاني في إحدى الصورتين، فلم لا نعقل مثله في الصورة الثانية، بل نقول لا شك أن الإنسان أشرف من سائر الحيوانات، و الحيوان أشرف من النبات، و هو أشرف من الجمادات فإذا حصلت هذه الأحوال في الأرض، فلم لا يجوز حصولها في الإنسان.

فإن قالوا: إن أجساد الحيوان تتفرق و تتمزق بالموت، و أما الأرض فليست كذلك.

فالجواب: أن الإنسان عبارة عن النفس الناطقة، و هو جوهر باق، أو إن لم نقل بهذا المذهب فهو عبارة عن أجزاء أصلية باقية من أول وقت تكون الجنين إلى آخر العمر، و هي جارية في البدن، و تلك الأجزاء باقية، فزال هذا السؤال.

الحجة العاشرة: لا شك أن بدن الحيوان إنما تولد من النطفة، و هذه النطفة إنما اجتمعت من جميع البدن، بدليل أن عند انفصال النطفة يحصل الضعف و الفتور في جميع البدن، ثم إن مادة تلك النطفة إنما تولدت من الأغذية المأكولة، و تلك الأغذية إنما تولدت من الأجزاء العنصرية و تلك الأجزاء كانت متفرقة في مشارق الأرض و مغاربها، و اتفق لها أن اجتمعت، فتولد منها حيوان أو نبات فأكله إنسان، فتولد منه دم فتوزع ذلك الدم على أعضائه، فتولد منها أجزاء لطيفة ثم عند استيلاء الشهوة سال من تلك الرطوبات مقدار معين، و هو النطفة، فانصب إلى فم الرحم، فتولد منه هذا الإنسان، فثبت أن الأجزاء التي منها تولد بدن الإنسان كانت متفرقة في البحار و الجبال و أوج الهواء، ثم إنها اجتمعت بالطريق المذكور، فتولد منها هذا البدن، فإذا مات تفرقت تلك الأجزاء على مثال التفرق الأول.

و إذا ثبت هذا فنقول وجب القطع أيضا بأنه لا يمتنع أن يجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول، و أيضا، فذلك المني لما وقع في رحم الأم، فقد كان قطرة صغيرة ثم تولد منه بدن الإنسان و تعلقت الروح به حال ما كان ذلك البدن في غاية الصغر، ثم إن ذلك البدن لا شك أنه في غاية الرطوبة، و لا شك أنه يتحلل منه أجزاء كثيرة بسبب عمل الحرارة الغريزية فيها، و أيضا فتلك الأجزاء البدنية الباقية أبدا في طول العمر تكون في التحلل، و لو لا ذلك لما حصل الجوع، و لما/حصلت الحاجة إلى الغذاء، مع أنا نقطع بأن هذا الإنسان الشيخ، هو عين ذلك الإنسان الذي كان في بطن أمه ثم انفصل، و كان طفلا ثم شابا، فثبت أن الأجزاء البدنية دائمة التحلل، و أن الإنسان هو هو بعينه فوجب القطع بأن الإنسان، إما أن يكون جوهرا مفارقا مجردا، و إما أن يكون جسما نورانيا لطيفا باقيا مع تحلل هذا البدن، فإذا كان الأمر كذلك فعلى التقديرين لا يمتنع عوده إلى الجثة مرة أخرى، و يكون هذا الإنسان العائد عين الإنسان الأول، فثبت أن القول بالمعاد صدق.

الحجة الحادية عشر: ما ذكره اللّه تعالى في قوله: أَ وَ لَمْ يَرَ اَلْإِنْسََانُ أَنََّا خَلَقْنََاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ

201

و اعلم أن قوله سبحانه: خَلَقْنََاهُ مِنْ نُطْفَةٍ [يس: 77]إشارة إلى ما ذكرناه في الحجة العاشرة من أن تلك الأجزاء كانت متفرقة في مشارق الأرض و مغاربها، فجمعها اللّه تعالى و خلق من تركيبها هذا الحيوان، و الذي يقويه قوله سبحانه: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ*`ثُمَّ جَعَلْنََاهُ نُطْفَةً فِي قَرََارٍ مَكِينٍ [المؤمنون: 12، 13]فإن تفسيره هذه الآية إنما يصح بالوجه الذي ذكرناه، و هو أن السلالة من الطين يتكون منها نبات، ثم إن ذلك النبات يأكله الإنسان فيتولد منه الدم، ثم الدم ينقلب نطفة، فبهذا الطريق ينظم ظاهر هذه الآية. ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر هذا المعنى حكى كلام المنكر، و هو قوله تعالى: قََالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظََامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ [يس: 78]ثم إنه تعالى بين إمكان هذا المذهب.

و اعلم أن إثبات إمكان الشي‏ء لا يعقل إلا بطريقين: أحدهما: أن يقال: إن مثله ممكن، فوجب أن يكون هذا أيضا ممكنا. و الثاني: أن يقال: إن ما هو أعظم منه و أعلى حالا منه، فهو أيضا ممكن. ثم إنه تعالى ذكر الطريق الأول أولا فقال: قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهََا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: 79]ثم فيه دقيقة و هي أن قوله: قُلْ يُحْيِيهَا إشارة إلى كمال القدرة، و قوله: وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ إشارة إلى كمال العلم.

و منكر و الحشر و النشر لا ينكرونه إلا لجهلهم بهذين الأصلين، لأنهم تارة يقولون: إنه تعالى موجب بالذات، و الموجب بالذات لا يصح منه القصد إلى التكوين، و تارة يقولون إنه يمتنع كونه عالما بالجزئيات، فيمتنع منه تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، و لما كانت شبه الفلاسفة مستخرجة من هذين الأصلين، لا جرم كلما ذكر اللّه تعالى مسألة المعاد أردفه بتقرير هذين الأصلين ثم إنه تعالى ذكر بعده الطريق الثاني، و هو الاستدلال بالأعلى على الأدنى، و تقريره من وجهين: الأول: أن الحياة لا تحصل إلا بالحرارة و الرطوبة، و التراب بارد يابس، فحصلت المضادة بينهما إلا أنا نقول: الحرارة النارية أقوى في صفة الحرارة من الحرارة الغريزية، فلما لم يمتنع تولد الحرارة النارية عن الشجر الأخضر مع كمال ما بينهما من المضادة، فكيف يمتنع حدوث الحرارة الغريزية/في جرم التراب؟الثاني: قوله تعالى: أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس: 81]بمعنى أنه لما سلمتم أنه تعالى هو الخالق لأجرام الأفلاك و الكواكب، فكيف يمكنكم الامتناع عن كونه قادرا على الحشر و النشر؟ثم إنه تعالى جسم مادة الشبهات بقوله: إِنَّمََا أَمْرُهُ إِذََا أَرََادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82]و المراد أن تخليقه و تكوينه لا يتوقف على حصول الآلات و الأدوات و نطفة الأب و رحم الأم، و الدليل عليه أنه خلق الأب الأول، لا عن أب سابق عليه، فدل ذلك على كونه سبحانه غنيا في الخلق و الإيجاد و التكوين عن الوسائط و الآلات. ثم قال سبحانه: فَسُبْحََانَ اَلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس: 83]أي سبحانه من أن لا يعيدهم و يهمل أمر المظلومين، و لا ينتصف للعاجزين من الظالمين، و هو المعنى المذكور في هذه الآية التي نحن في تفسيرها، و هي قوله سبحانه:

لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ بِالْقِسْطِ .

الحجة الثانية عشر: دلت الدلائل على أن العالم محدث و لا بد له من محدث قادر، و يجب أن يكون عالما، لأن الفعل المحكم المتقن لا يصدر إلا من العالم، و يجب أن يكون غنيا عنها و إلا لكان قد خلقها في الأزل و هو محال، فثبت أن لهذا العالم إلها قادرا عالما غنيا، ثم لما تأملنا فقلنا: هل يجوز في حق هذا الحكيم الغني عن الكل أن يهمل عبيده و يتركهم سدى، و يجوز لهم أن يكذبوا عليه و يبيح لهم أن يشتموه و يجحدوا

202

ربوبيته، و يأكلوا نعمته، و يعبدوا الجبت و الطاغوت، و يجعلوا له أندادا و ينكروا أمره و نهيه و وعده و وعيده؟ فههنا حكمت بديهة العقل بأن هذه المعاني لا تليق إلا بالسفيه الجاهل البعيد من الحكمة القريب من العبث، فحكمنا لأجل هذه المقدمة أن له أمرا و نهيا، ثم تأملنا فقلنا: هل يجوز أن يكون له أمر و نهي مع أنه لا يكون له وعد و وعيد؟فحكم صريح العقل بأن ذلك غير جائز لأنه إن لم يقرن الأمر بالوعد بالثواب، و لم يقرن النهي بالوعيد بالعقاب لم يتأكد الأمر و النهي، و لم يحصل المقصود فثبت أنه لا بد من وعد و وعيد، ثم تأملنا فقلنا:

هل يجوز أن يكون له وعد و وعيد ثم إنه لا يفي بوعده لأهل الثواب، و لا بوعيده لأهل العقاب: فقلنا: إن ذلك لا يجوز، لأنه لو جاز ذلك لما حصل الوثوق بوعده و لا بوعيده، و هذا يوجب أن لا يبقى فائدة في الوعد و الوعيد، فعلمنا أنه لا بد من تحقيق الثواب و العقاب، و معلوم أن ذلك لا يتم إلا بالحشر و البعث، و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فهذه مقدمات يتعلق بعضها بالبعض كالسلسلة متى صح بعضها صح كلها، و متى فسد بعضها فسد كلها، فدل مشاهدة أبصارنا لهذه التغيرات على حدوث العالم، و دل حدوث العالم على وجود الصانع الحكيم الغني، و دل ذلك على وجود الأمر و النهي، و دل ذلك على وجود الثواب و العقاب، و دل ذلك على وجوب الحشر فإن لم/يثبت الحشر أدى ذلك إلى بطلان جميع المقدمات المذكورة و لزم إنكار العلوم البديهية و إنكار العلوم النظرية القطعية فثبت أنه لا بد لهذه الأجساد البالية و العظام النخرة و الأجزاء المتفرقة المتمزقة من البعث بعد الموت، ليصل المحسن إلى ثوابه و المسي‏ء إلى عقابه، فإن لم تحصل هذه الحالة لم يحصل الوعد و الوعيد، و إن لم يحصلا لم يحصل الأمر و النهي، و إن لم يحصلا لم تحصل الإلهية، و إن لم تحصل الإلهية لم تحصل هذه التغيرات في العالم و هذه الحجة هي المراد من الآية التي نحن في تفسيرها و هي قوله: لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ بِالْقِسْطِ هذا كله تقرير إثبات المعاد بناء على أن لهذا العالم إلها رحيما ناظرا محسنا إلى العباد.

أما الفريق الثاني: و هم الذين لا يعللون أفعال اللّه تعالى برعاية المصالح، فطريقهم إلى إثبات المعاد أن قالوا: المعاد أمر جائز الوجود، و الأنبياء عليهم السلام أخبروا عنه، فوجب القطع بصحته، أما إثبات الإمكان فهو مبني على مقدمات ثلاثة.

المقدمة الأولى: البحث عن حال القابل فنقول: الإنسان إما أن يكون عبارة عن النفس أو عن البدن، فإن كان عبارة عن النفس و هو القول الحق، فنقول: لما كان تعلق النفس بالبدن في المرة الأولى، جائزا كان تعلقها بالبدن في المرة الثانية يجب أن يكون جائزا و هذا الكلام لا يختلف، سواء قلنا النفس عبارة عن جوهر مجرد، أو قلنا: إنه جسم لطيف مشاكل لهذا البدن باق في جميع أحوال البدن مصون عن التحلل و التبدل، و أما إن كان الإنسان عبارة عن البدن، و هذا القول أبعد الأقاويل فنقول: إن تألف تلك الأجزاء على الوجه المخصوص في المرة الأولى كان ممكنا، فوجب أيضا أن يكون في المرة الثانية ممكنا، فثبت أن عود الحياة إلى هذا البدن مرة أخرى أمره ممكن في نفسه.

و أما المقدمة الثانية: فهي في بيان أن إله العالم قادر مختار لا علة موجبة، و أن هذا القادر قادر على كل الممكنات.

و أما المقدمة الثالثة: فهي في بيان أن إله العالم عالم بجميع الجزئيات، فلا جرم أجزاء بدن زيد و إن‏

203

اختلطت بأجزاء التراب، و البحار إلا أنه تعالى لما كان عالما بالجزئيات أمكنه تمييز بعضها عن بعض و متى ثبتت هذه المقدمات الثلاثة، لزم القطع بأن الحشر و النشر أمر ممكن في نفسه.

و إذا ثبت هذا الإمكان فنقول: دل الدليل على صدق الأنبياء و هم قطعوا بوقوع هذا الممكن، فوجب القطع بوقوعه، و إلا لزمنا تكذيبهم، و ذلك باطل بالدلائل الدالة على صدقهم، فهذا خلاصة ما وصل إليه عقلنا في تقرير أمر المعاد.

المسألة الثالثة: في الجواب عن شبهات المنكرين للحشر و النشر.

الشبهة الأولى: قالوا: لو بدلت هذه الدار بدار أخرى لكانت تلك الدار إما أن تكون مثل هذه الدار أو شرا منها أو خيرا منها، فإن كان الأول كان التبديل عبثا، و إن كان شرا منها كان هذا التبديل سفها، و إن كان خيرا منها ففي أول الأمر هل كان قادرا على خلق ذلك الأجود أو ما كان قادرا عليه؟فإن قدر عليه ثم تركه و فعل الأردأ كان ذلك سفها، و إن قلنا: إنه ما كان قادرا ثم صار قادرا عليه فقد انتقل من العجز إلى القدرة، أو من الجهل إلى الحكمة، و أن ذلك على خالق العالم محال.

و الجواب: لم لا يجوز أن يقال تقديم هذه الدار على تلك الدار هو المصلحة، لأن الكمالات النفسانية الموجبة للسعادة الأخروية لا يمكن تحصيلها إلا في هذه الدار، ثم عند حصول هذه الكمالات كان البقاء في هذه الدار سببا للفساد و الحرمان عن الخيرات.

الشبهة الثانية: قالوا: حركات الأفلاك مستديرة، و المستدير لا ضد له، و ما لا ضد له لا يقبل الفساد.

و الجواب: أنا أبطلنا هذه الشبهة في الكتب الفلسفية، فلا حاجة إلى الإعادة. و الأصل في إبطال أمثال هذه الشبهات أن نقيم الدليل على أن أجرام الأفلاك مخلوقة، و متى ثبت ذلك ثبت كونها قابلة للعدم و التفرق و التمزق و لهذا السر، فإنه تعالى في هذه السورة بدأ بالدلائل الدالة على حدوث الأفلاك، ثم أردفها بما يدل على صحة القول بالمعاد.

الشبهة الثالثة: الإنسان عبارة عن هذا البدن، و هو ليس عبارة عن هذه الأجزاء كيف كانت، لأن هذه الأجزاء كانت موجودة قبل حدوث هذا الإنسان، مع أنا نعلم بالضرورة أن هذا الإنسان ما كان موجودا، و أيضا أنه إذا أحرق هذا الجسد، فإنه تبقى تلك الأجزاء البسيطة، و معلوم أن مجموع تلك الأجزاء البسيطة من الأرض و الماء و الهواء و النار، ما كان عبارة عن هذا الإنسان العاقل الناطق، فثبت أن تلك الأجزاء إنما تكون هذا الإنسان بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، و مزاج مخصوص، و صورة مخصوصة، فإذا مات الإنسان و تفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصور و الأعراض، و عود المعدوم محال و على هذا التقدير فإنه يمتنع عود بعض الأجزاء المعتبرة في حصول هذا الإنسان فوجب أن يمتنع عوده بعينه مرة أخرى.

و الجواب: لا نسلم أن هذا الإنسان المعين عبارة عن هذا الجسد المشاهد، بل هو عبارة عن النفس سواء فسرنا النفس بأنه جوهر مفارق مجرد، أول قلنا إنه جسم لطيف مخصوص مشاكل لهذا الجسد مصون عن التغير، و اللّه أعلم به.

204

الشبهة الرابعة: إذا قتل إنسان و اغتذى به إنسان آخر فيلزم أن يقال تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين و ذلك محال.

و الجواب: هذه الشبهة أيضا مبنية على أن الإنسان المعين عبارة عن مجموع هذا البدن، و قد بينا أنه باطل بل الحق أنه عبارة عن النفس سواء.

قلنا: النفس جوهر مجرد و أجسام لطيفة باقية مشاكلة للجسد، و هي التي سمتها المتكلمون بالأجزاء الأصلية. و هذا آخر البحث العقلي عن مسألة المعاد.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فيه أبحاث:

البحث الأول: أن كلمة «إلى» لانتهاء الغاية، و ظاهره يقتضي أن يكون اللّه سبحانه مختصا بحيز و جهة، حتى يصلح أن يقال: إليه مرجع الخلق.

و الجواب عنه من وجوه: الأول: أنا إذا قلنا النفس جوهر مجرد، فالسؤال زائل. الثاني: أن يكون المراد منه: أن مرجعهم إلى حيث لا حاكم سواه. الثالث: أن يكون المراد: أن مرجعهم إلى حيث حصل الوعد فيه بالمجازاة.

البحث الثاني: ظاهر الآيات الكثيرة يدل على أن الإنسان عبارة عن النفس، لا عن البدن، و يدل أيضا على أن النفس كانت موجودة قبل البدن. أما أن الإنسان شي‏ء غير هذا البدن فلقوله تعالى: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ [آل عمران: 169]فالعلم الضروري حاصل بأن بدن المقتول ميت، و النص دال على أنه حي، فوجب أن تكون حقيقته شيئا مغايرا لهذا البدن الميت، و أيضا قال اللّه تعالى في صفة نزع روح الكفار أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الأنعام: 93]و أما إن النفس كانت موجودة قبل البدن، فلأن قوله تعالى في هذه الآية: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ يدل على ما قلنه، لأن الرجوع إلى الموضع إنما يحصل لو كان ذلك الشي‏ء قد كان هناك قبل ذلك، و نظيره قوله تعالى: يََا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ*`اِرْجِعِي إِلى‏ََ رَبِّكِ رََاضِيَةً [الفجر: 27، 28] و قوله: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ [الأنعام: 62].

البحث الثالث: المرجع بمعنى الرجوع و جَمِيعاً نصب على الحال أي ذلك الرجوع يحصل حال الاجتماع، و هذا يدل على أنه ليس المراد من هذا المرجع الموت، و إنما المراد منه القيامة.

البحث الرابع: قوله تعالى: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ يفيد الحصر، و أنه لا رجوع إلا إلى اللّه تعالى، و لا حكم إلا حكمه و لا نافذ إلا أمره، و أما قوله: وَعْدَ اَللََّهِ حَقًّا ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قوله: وَعْدَ اَللََّهِ منصوب على معنى: وعدكم اللّه وعدا، لأن قوله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ معناه: الوعد بالرجوع، فعلى هذا التقدير يكون قوله: وَعْدَ اَللََّهِ مصدرا مؤكدا لقوله: / إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ و قوله: حَقًّا مصدرا مؤكدا لقوله: وَعْدَ اَللََّهِ فهذه التأكيدات قد اجتمعت في هذا الحكم.

المسألة الثانية: قرئ وعد الله على لفظ الفعل. و اعلم أنه تعالى لما أخبر عن وقوع الحشر و النشر، ذكر بعده ما يدل على كونه في نفسه ممكن الوجود ثم ذكر بعده ما يدل على وقوعه. أما ما يدل على إمكانه في نفسه فهو قوله سبحانه: إِنَّهُ يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ و فيه مسائل: ـ

205

المسألة الأولى: تقرير هذا الدليل أنه تعالى بين بالدليل كونه خالقا للأفلاك و الأرضين، و يدخل فيه أيضا كونه خالقا لكل ما في هذا العالم من الجمادات و المعادن و النبات و الحيوان و الإنسان، و قد ثبت في العقل أن كل من كان قادرا على شي‏ء، و كانت قدرته باقية ممتنعة الزوال، و كان عالما بجميع المعلومات فإنه يمكنه إعادته بعينه، فدل هذا الدليل على أنه تعالى قادر على إعادة الإنسان بعد موته.

المسألة الثانية: اتفق المسلمون على أنه تعالى قادر على إعدام أجسام العالم، و اختلفوا في أنه تعالى هل يغدمها أم لا؟فقال قوم إنه تعالى يعدمها، و احتجوا بهذه الآية و ذلك لأنه تعالى حكم على جميع المخلوقات بأنه يعيدها، فوجب أن يعيد الأجسام أيضا، و إعادتها لا تمكن إلا بعد إعدامها، و إلا لزم إيجاد الموجود و هو محال و نظيره قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي اَلسَّمََاءَ كَطَيِّ اَلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:

104]فحكم بأن الإعادة تكون مثل الابتداء، ثم ثبت بالدليل أنه تعالى إنما يخلقها في الابتداء من العدم، فوجب أن يقال إنه تعالى يعيدها أيضا من العدم.

المسألة الثالثة: في هذه الآية إضمار، كأنه قيل: إنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة، ثم يميتهم ثم يعيدهم، كما قال في سورة البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً فَأَحْيََاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة: 28]إلا أنه تعالى حذف ذكر الأمر بالعبادة هاهنا، لأجل أنه تعالى قال قبل هذه الآية: ذََلِكُمُ اَللََّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ [يونس:

3]و حذف ذكر الإماتة لأن ذكر الإعادة يدل عليها.

المسألة الرابعة: قرأ بعضهم إِنَّهُ يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ بالكسر و بعضهم بالفتح. قال الزجاج: من كسر الهمزة من «أن» فعلى الاستئناف، و في الفتح وجهان: الأول: أن يكون التقدير: إليه مرجعكم جميعا لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده. و الثاني: أن يكون التقدير: وعد اللّه وعدا بدأ الخلق ثم إعادته، و قرئ يبدي من أبدأ و قرئ حق إنه يبدأ الخلق كقولك: حق إن زيدا منطلق.

أما قوله تعالى: لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ بِالْقِسْطِ فاعلم أن المقصود منه إقامة الدلالة على أنه لا بد من حصول الحشر و النشر، حتى يحصل الفرق بين المحسن و المسي‏ء، و حتى يصل/الثواب إلى المطيع و العقاب إلى العاصي، و قد سبق الاستقصاء في تقرير هذا الدليل، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الكعبي: اللام في قوله تعالى: لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا يدل على أنه تعالى خلق العباد للثواب و الرحمة. و أيضا فإنه أدخل لام التعليل على الثواب. و أما العقاب فما أدخل فيه لام التعليل، بل قال:

وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرََابٌ مِنْ حَمِيمٍ و ذلك يدل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، و ذلك يدل على أنه ما أراد منهم الكفر، و ما خلق فيهم الكفر ألبتة.

و الجواب: أن لام التعليل في أفعال اللّه تعالى محال، لأنه تعالى لو فعل فعلاً لعلة لكانت تلك العلة، إن كانت قديمة لزم قدم الفعل، و إن كانت حادثة لزم التسلسل و هو محال.

المسألة الثانية: قال الكعبي أيضا: هذه الآية تدل على أنه لا يجوز من اللّه تعالى أن يبدأ خلقهم في الجنة، لأنه لو حسن إيصال تلك النعم إليهم من غير واسطة خلقهم في هذا العالم و من غير واسطة تكليفهم، لما كان خلقهم و تكليفهم معللا بإيصال تلك النعم إليهم، و ظاهر الآية يدل على ذلك.

206

و الجواب: هذا بناء على صحة تعليل أحكام اللّه تعالى و هو باطل، سلمنا صحته إلا أن كلامه إنما يصح لو عللنا بدء الخلق و إعادته بهذا المعنى و ذلك ممنوع فلم لا يجوز أن يقال: إنه يبدأ الخلق لمحض التفضل، ثم إنه تعالى يعيدهم لغرض إيصال نعم الجنة إليهم؟و على هذا التقدير: سقط كلامه. أما قوله تعالى:

بِالْقِسْطِ ففيه وجهان:

الوجه الأول: بِالْقِسْطِ بالعدل، و هو يتعلق بقوله: لِيَجْزِيَ و المعنى: ليجزيهم بقسطه، و فيه سؤالان.

السؤال الأول: أن القسط إذا كان مفسرا بالعدل، فالعدل هو الذي يكون لا زائدا و لا ناقصا، و ذلك يقتضي أنه تعالى لا يزيدهم على ما يستحقونه بأعمالهم، و لا يعطيهم شيئا على سبيل التفضل ابتداء.

و الجواب: عندنا أن الثواب أيضا محض التفضل. و أيضا فبتقدير أن يساعد على حصول الاستحقاق، إلا أن لفظ القسط يدل على توفية الأجر، فأما المنع من الزيادة فلفظ (القسط) لا يدل عليه.

السؤال الثاني: لم خص المؤمنين بالقسط مع أنه تعالى يجازي الكافرين أيضا بالقسط؟ و الجواب: أن تخصيص المؤمنين بذلك يدل على مزيد العناية في حقهم، و على كونهم مخصوصين بمزيد هذا الاحتياط.

الوجه الثاني: في تفسير الآية أن يكون المعنى: ليجزي الذين آمنوا بقسطهم، و بما أقسطوا و عدلوا و لم يظلموا أنفسهم حيث آمنوا و عملوا الصالحات، لأن الشرك ظلم قال اللّه تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]و العصاة أيضا قد ظلموا أنفسهم قال اللّه تعالى: فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر: 32]و هذا الوجه أقوى، لأنه في مقابلة قوله: بِمََا كََانُوا يَكْفُرُونَ .

و أما قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرََابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذََابٌ أَلِيمٌ بِمََا كََانُوا يَكْفُرُونَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي: الحميم: الذي سخن بالنار حتى انتهى حره يقال: حممت الماء أي سخنته، فهو حميم و منه الحمام.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين أن يكون المكلف مؤمنا و بين أن يكون كافرا، لأنه تعالى اقتصر في هذه الآية على ذكر هذين القسمين.

و أجاب القاضي عنه: بأن ذكر هذين القسمين لا يدل على نفي القسم الثالث و الدليل عليه قوله تعالى:

وَ اَللََّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مََاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ أَرْبَعٍ [النور: 45]و لم يدل ذلك على نفي القسم الرابع، بل نقول: إن في مثل ذلك ربما يذكر المقصود أو الأكثر، و يترك ذكر ما عداه، إذا كان قد بين في موضع آخر و قد بين اللّه تعالى القسم الثالث في سائر الآيات.

و الجواب أن نقول: إنما يترك القسم الثالث الذي يجري مجرى النادر، و معلوم أن الفساق أكثر من أهل الطاعات، و كيف يجوز ترك ذكرهم في هذا الباب؟و أما قوله تعالى: وَ اَللََّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مََاءٍ فإنما ترك ذكر القسم الرابع و الخامس، لأن أقسام ذوات الأرجل كثيرة فكان ذكرها بأسرها يوجب الإطناب بخلاف هذه المسألة فإنه ليس هاهنا إلا القسم الثالث، و هو الفاسق الذي يزعم الخصم أنه لا مؤمن و لا كافر فظهر الفرق.

207

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في ذكر الدلائل الدلالة على الإلهية. اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على الإلهية، ثم فرع عليها صحة القول بالحشر و النشر، عاد مرة أخرى إلى ذكر الدلائل الدلالة على الإلهية.

و اعلم أن الدلائل المتقدمة في إثبات التوحيد و الإلهية هي التمسك بخلق السموات و الأرض، و هذا النوع إشارة إلى التمسك بأحوال الشمس و القمر، و هذا النوع الأخير إشارة إلى ما يؤكد الدليل الدال على صحة الحشر و النشر، و ذلك لأنه تعالى أثبت القول بصحة الحشر و النشر، بناء على أنه لا بد من إيصال الثواب إلى أهل الطاعة، و إيصال العقاب إلى أهل الكفر، و أنه يجب في الحكمة تمييز المحسن عن المسي‏ء، ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أنه جعل الشمس ضياء و القمر نورا و قدره منازل ليتوصل المكلف بذلك إلى معرفة السنين و الحساب، فيمكنه ترتيب مهمات معاشه من الزراعة و الحراثة، و إعداد مهمات الشتاء و الصيف، فكأنه تعالى يقول: تمييز المحسن عن المسي‏ء و المطيع عن العاصي، أوجب في الحكمة من تعليم أحوال السنين و الشهور فلما اقتضت الحكمة و الرحمة خلق الشمس و القمر لهذا المهم الذي لا نفع له إلا في الدنيا فبأن تقتضي الحكمة و الرحمة تمييز المحسن عن المسي‏ء بعد الموت، مع أنه يقتضي النفع الأبدي و السعادة السرمدية، كان ذلك أولى فلما كان الاستدلال بأحوال الشمس و القمر من الوجه المذكور في هذه الآية مما يدل على التوحيد من وجه، و على صحة القول بالمعاد من الوجه الذي ذكرناه، لا جرم ذكر اللّه هذا الدليل بعد ذكر الدليل على صحة المعاد.

المسألة الثانية: الاستدلال بأحوال الشمس و القمر على وجود الصانع المقدر هو أن يقال: الأجسام في ذواتها متماثلة، و في ماهياتها متساوية، و متى كان الأمر كذلك كان اختصاص جسم الشمس بضوئه الباهر و شعاعه القاهر، و اختصاص جسم القمر بنوره المخصوص لأجل الفاعل الحكيم المختار، أما بيان أن الأجسام متماثلة في ذواتها و ماهياتها، فالدليل عليه أن الأجسام لا شك أنها متساوية في الحجمية و التحيز و الجرمية، فلو خالف بعضها بعضا لكانت تلك المخالفة في أمر وراء الحجمية و الجرمية ضرورة أن ما به المخالفة غير ما به المشاركة، و إذا كان كذلك فنقول أن ما به حصلت المخالفة من الأجسام إما أن يكون صفة لها أو موصوفا بها أو لا صفة لها و لا موصوفا بها و الكل باطل.

أما القسم الأول: فلأن ما به حصلت المخالفة لو كانت صفات قائمة بتلك الذوات، فتكون/الذوات في أنفسها، مع قطع النظر عن تلك الصفات، متساوية في تمام الماهية، و إذا كان الأمر كذلك، فكل ما يصح على جسم، وجب أن يصح على كل جسم، و ذلك هو المطلوب.

و أما القسم الثاني: و هو أن يقال: إن الذي به خالف بعض الأجسام بعضا، أمور موصوفة بالجسمية و التحيز و المقدار فنقول: هذا أيضا باطل لأن ذلك الموصوف، إما أن يكون حجما و متحيزا أو لا يكون، و الأول باطل، و إلا لزم افتقاره إلى محل آخر، و يستمر ذلك إلى غير النهاية و أيضا فعلى هذا التقدير يكون‏

208

المحل مثلا للحال، و لم يكن كون أحدهما محلا و الآخر حالا، أولى من العكس، فيلزم كون كل واحد منهما محلا للآخر و حالا فيه، و ذلك محال، و أما إن كان ذلك المحل غير متحيز، و له حجم فنقول: مثل هذا الشي‏ء لا يكون له اختصاص بحيز و لا تعلق بجهة و الجسم مختص بالحيز، و حاصل في الجهة، و الشي‏ء الذي يكون واجب الحصول في الحيز و الجهة، يمتنع أن يكون حالا في الشي‏ء الذي يمتنع حصوله في الحيز و الجهة.

و أما القسم الثالث: و هو أن يقال: ما به خالف جسم جسما، لا حال في الجسم و لا محل له، فهذا أيضا باطل، لأن على هذا التقدير يكون ذلك الشي‏ء شيئا مباينا عن الجسم لا تعلق له به، فحينئذ تكون ذوات الأجسام من حيث ذواتها متساوية في تمام الماهية، و ذلك هو المطلوب، فثبت أن الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية.

و إذا ثبت هذا فنقول: الأشياء المتساوية في تمام الماهية تكون متساوية في جميع لوازم الماهية، فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على الباقي، فلما صح على جرم الشمس اختصاصه بالضوء القاهر الباهر، وجب أن يصح مثل ذلك الضوء القاهر على جرم القمر أيضا، و بالعكس و إذا كان كذلك، وجب أن يكون اختصاص جرم الشمس بضوئه القاهر، و اختصاص القمر بنوره الضعيف بتخصيص مخصص و إيجاد موجد و تقدير مقدر و ذلك هو المطلوب، فثبت أن اختصاص الشمس بذلك الضوء بجعل جاعل، و أن اختصاص القمر بذلك النوع من النور بجعل جاعل، فثبت بالدليل القاطع صحة قوله سبحانه و تعالى: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِيََاءً وَ اَلْقَمَرَ نُوراً و هو المطلوب.

المسألة الثالثة: قال أبو علي الفارسي: الضياء لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون جمع ضوء كسوط و سياط و حوض و حياض، أو مصدر ضاء يضوء ضياء كقولك قام قياما، و صام صياما، و على أي الوجهين حملته، فالمضاف محذوف، و المعنى جعل الشمس ذات ضياء، و القمر ذا نور، و يجوز أن يكون من غير ذلك لأنه لما عظم الضوء و النور فيهما جعلا نفس الضياء و النور كما يقال للرجل الكريم أنه كرم وجود.

المسألة الرابعة: قال الواحدي: روي عن ابن كثير من طريق قنبل ضئاء بهمزتين و أكثر الناس على تغليطه فيه، لأن ياء ضياء منقلبة من واو مثل ياء قيام و صيام، فلا وجه للهمزة فيها. ثم قال: و على البعد يجوز أن يقال قدم اللام التي هي الهمزة إلى موضع العين، و أخر العين التي هي واو، إلى موضع اللام، فلما وقعت طرفا بعد ألف زائدة انقلبت همزة، كما انقلبت في سقاء و بابه. و اللّه أعلم.

المسألة الخامسة: اعلم أن النور كيفية قابلة للأشد و الأضعف، فإن نور الصباح أضعف من النور الحاصل في أول النهار قبل طلوع الشمس، و هو أضعف من النور الحاصل في أفنية الجدران عند طلوع الشمس، و هو أضعف من النور الساطع من الشمس على الجدران، و هو أضعف من الضوء القائم بجرم الشمس فكمال هذه الكيفية المسماة بالضوء على ما يحس به في جرم الشمس، و هو في الإمكان وجود مرتبة في الضوء أقوى من الكيفية القائمة بالشمس، فهو من مواقف العقول. و اختلف الناس في أن الشعاع الفائض من الشمس هل هو جسم أو عرض؟و الحق أنه عرض، و هو كيفي مخصوصة، و إذا ثبت أنه عرض فهل حدوثه في هذا العالم بتأثير قرص الشمس أو لأجل أن اللّه تعالى أجرى عادته بخلق هذه الكيفية في الأجرام المقابلة لقرص الشمس على سبيل العادة، فهي مباحث عميقة، و إنما يليق الاستقصاء فيها بعلوم المعقولات.

209

و إذا عرفت هذا فنقول: النور اسم لأصل هذه الكيفية، و أما الضوء، فهو اسم لهذه الكيفية إذا كانت كاملة تامة قوية، و الدليل عليه أنه تعالى سمى الكيفية القائمة بالشمس ضِيََاءً و الكيفية القائمة بالقمر نُوراً و لا شك أن الكيفية القائمة بالشمس أقوى و أكمل من الكيفية القائمة بالقمر، و قال في موضع آخر: وَ جَعَلَ فِيهََا سِرََاجاً وَ قَمَراً مُنِيراً [الفرقان: 61]و قال في آية أخرى: وَ جَعَلَ اَلشَّمْسَ سِرََاجاً [نوح: 16]و في آية أخرى وَ جَعَلْنََا سِرََاجاً وَهََّاجاً [النبأ: 13].

المسألة السادسة: قوله: وَ قَدَّرَهُ مَنََازِلَ نظيره قوله تعالى في سورة يس: وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنََاهُ مَنََازِلَ [يس: 39]و فيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى و قدر مسيره منازل. و الثاني: أن يكون المعنى و قدره ذا منازل.

المسألة السابعة: الضمير في قوله: وَ قَدَّرَهُ فيه وجهان: الأول: أنه لهما، و إنما وحد الضمير للإيجاز، و إلا فهو في معنى التثنية اكتفاء بالمعلوم، لأن عدد السنين و الحساب إنما يعرف بسير الشمس و القمر، و نظيره قوله تعالى: وَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: 62]و الثاني: أن يكون هذا الضمير راجعاً إلى القمر وحده، لأن بسير القمر تعرف الشهور، و ذلك لأن الشهور المعتبرة في/الشريعة مبنية على رؤية الأهلة، و السنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية، كما قال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللََّهِ اِثْنََا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتََابِ اَللََّهِ [التوبة: 36].

المسألة الثامنة: اعلم أن انتفاع الخلق بضوء الشمس و بنور القمر عظيم، فالشمس سلطان النهار و القمر سلطان الليل و بحركة الشمس تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة، و بالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم و بحركة القمر تحصل الشهور، و باختلاف حاله في زيادة الضوء و نقصانه تختلف أحوال رطوبات هذا العالم و بسبب الحركة اليومية يحصل النهار و الليل، فالنهار يكون زمانا للتكسب و الطلب، و الليل يكون زمانا للراحة، و قد استقصينا في منافع الشمس و القمر في تفسير الآيات اللائقة بها فيما سلف، و كل ذلك يدل على كثرة رحمة اللّه على الخلق و عظم عنايته بهم، فإنا قد دللنا على أن الأجسام متساوية و متى كان كذلك كان اختصاص كل جسم بشكله المعين و وضعه المعين، و حيزه المعين، و صفته المعينة، ليس إلا بتدبير مدبر حكيم رحيم قادر قاهر و ذلك يدل على أن جميع المنافع الحاصلة في هذا العالم بسبب حركات الأفلاك و مسير الشمس و القمر و الكواكب، ما حصل إلا بتدبير المدبر المقدر الرحيم الحكيم سبحانه و تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ثم إنه تعالى لما قرر هذه الدلائل ختمها بقوله: مََا خَلَقَ اَللََّهُ ذََلِكَ إِلاََّ بِالْحَقِّ و معناه أنه تعالى خلقه على وفق الحكمة و مطابقة المصلحة، و نظيره قوله تعالى في آل عمران: وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنََا مََا خَلَقْتَ هََذََا بََاطِلاً سُبْحََانَكَ [آل عمران: 191]و قال في سورة أخرى: وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا بََاطِلاً ذََلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا [ص: 27]و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان الجبر، لأنه تعالى لو كان مريدا لكل ظلم، و خالقا لكل قبيح، و مريدا لإضلال من ضل، لما صح أن يصف نفسه بأنه ما خلق ذلك إلا بالحق.

المسألة الثانية: قال حكماء الإسلام: هذا يدل على أنه سبحانه أودع في أجرام الأفلاك و الكواكب خواص معينة و قوى مخصوصة، باعتبارها تنتظم مصالح هذا العالم السفلي إذ لو لم يكن لها آثار و فوائد في هذا

210

العالم، لكان خلقها عبثا و باطلا و غير مفيد، و هذه النصوص تنافي ذلك. و اللََّه أعلم.

ثم بين تعالى أنه يفصل الآيات، و معنى التفصيل هو ذكر هذه الدلائل الباهرة، واحدا عقيب الآخر، فصلا فصلا مع الشرح و البيان. و في قوله: نفصل قراءتان: قرأ ابن كثير و أبو عمرو و حفص عن عاصم يُفَصِّلُ بالياء، و قرأ الباقون بالنون.

ثم قال: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ و فيه قولان: الأول: أن المراد منه العقل الذي يعم الكل. و الثاني: أن المراد منه من تفكر و علم فوائد مخلوقاته و آثار إحسانه، و حجة القول الأول: عموم اللفظ، و حجة القول الثاني: أنه لا يمتنع أن يخص اللّه سبحانه و تعالى العلماء بهذا الذكر، لأنهم هم الذين انتفعوا بهذه الدلائل، فجاء كما في قوله: إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشََاهََا [النازعات: 45]مع أنه عليه السلام كان منذرا للكل.

اعلم أنه تعالى استدل على التوحيد و الإلهيات أولا: بتخليق السموات و الأرض، و ثانيا: بأحوال الشمس و القمر: و ثالثا: في هذه الآية بالمنافع الحاصلة من اختلاف الليل و النهار، و قد تقدم تفسيره في سورة البقرة في تفسير قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ* [البقرة: 164]و رابعا: بكل ما خلق اللّه في السموات و الأرض، و هي أقسام الحوادث الحادثة في هذا العالم، و هي محصورة في أربعة أقسام: أحدها: الأحوال الحادثة في العناصر الأربعة، و يدخل فيها أحوال الرعد و البرق و السحاب و الأمطار و الثلوج و يدخل فيها أيضا أحوال البحار، و أحوال المد و الجزر، و أحوال الصواعق و الزلازل و الخسف. و ثانيها: أحوال المعادن و هي عجيبة كثيرة. و ثالثها: اختلاف أحوال النبات. و رابعها: اختلاف أحوال الحيوانات، و جملة هذه الأقسام الأربعة داخلة في قوله تعالى: وَ مََا خَلَقَ اَللََّهُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و الاستقصاء في شرح هذه الأحوال مما لا يمكن في ألف مجلد، بل كل ما ذكره العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب.

ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الدلائل قال: لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ فخصها بالمتقين، لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر و النظر. قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس فيها، و أن خالقها و خالقهم ما أهملهم، بل جعلها لهم دار عمل و إذا كان كذلك فلا بد من أمر و نهي، ثم من ثواب و عقاب، ليتميز المحسن عن المسي‏ء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بإثبات المبدأ و إثبات المعاد.

اعلم أنه تعالى لما أقام الدلائل القاهرة على صحة القول بإثبات الإله الرحيم الحكيم، و على صحة القول بالمعاد و الحشر و النشر، شرع بعده في شرح أحوال من يكفر بها، و في شرح أحوال من يؤمن بها فأما شرح أحوال الكافرين فهو المذكور في هذه الآية. و اعلم أنه تعالى وصفهم بصفات أربعة:

الصفة الأولى: قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ لاََ يَرْجُونَ لِقََاءَنََا و فيه مسائل:

211

المسألة الأولى: في تفسير هذا الرجاء قولان:

القول الأول: و هو قول ابن عباس و مقاتل و الكلبي: معناه: لا يخافون البعث، و المعنى: أنهم لا يخافون ذلك لأنهم لا يؤمنون بها. و الدليل على تفسير الرجاء هاهنا بالخوف قوله تعالى: إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشََاهََا [النازعات: 45]و قوله: وَ هُمْ مِنَ اَلسََّاعَةِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: 49]و تفسير الرجاء بالخوف جائز كما قال تعالى: مََا لَكُمْ لاََ تَرْجُونَ لِلََّهِ وَقََاراً [نوح: 13]قال الهذلي:

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها

و القول الثاني: تفسير الرجاء بالطمع، فقوله: لاََ يَرْجُونَ لِقََاءَنََا أي لا يطمعون في ثوابنا، فيكون هذا الرجاء هو الذي ضده اليأس، كما قال: قَدْ يَئِسُوا مِنَ اَلْآخِرَةِ كَمََا يَئِسَ اَلْكُفََّارُ [الممتحنة: 13].

و اعلم أن حمل الرجاء على الخوف بعيد، لأن تفسير الضد بالضد غير جائز، و لا مانع هاهنا من حمل الرجاء على ظاهره ألبتة، و الدليل عليه أن لقاء اللّه إما أن يكون المراد منه تجلي جلال اللّه تعالى للعبد و إشراق نور كبريائه في روحه، و إما أن يكون المراد منه الوصول إلى ثواب اللّه تعالى و إلى رحمته فإن كان الأول فهو أعظم الدرجات و أشرف السعادات و أكمل الخيرات، فالعاقل كيف لا يرجوه، و كيف لا يتمناه؟و إن كان الثاني فكذلك، لأن كل أحد يرجو من اللّه تعالى أن يوصله إلى ثوابه و مقامات رحمته، و إذا كان كذلك فكل من آمن باللّه فهو يرجو ثوابه، و كل من لم يؤمن باللّه و لا بالمعاد فقد أبطل على نفسه هذا الرجاء، فلا جرم حسن جعل عدم هذا الرجاء كناية عن عدم الإيمان باللّه و اليوم الآخر.

المسألة الثانية: اللقاء هو الوصول إلى الشي‏ء، و هذا في حق اللّه تعالى محال، لكونه منزها عن الحد و النهاية، فوجب أن يجعل مجازا عن الرؤية، و هذا مجاز ظاهر فإنه يقال: لقيت فلانا إذا رأيته، و حمله على لقاء ثواب اللّه يقتضي زيادة في الإضمار و هو خلاف الدليل.

و اعلم أنه ثبت بالدلائل اليقينية أن سعادة النفس بعد الموت في أن تتجلى فيها معرفة اللّه تعالى و يكمل إشراقها و يقوى لمعانها، و ذلك هو الرؤية، و هي من أعظم السعادات فمن كان غافلا عن طلبها معرضا عنها مكتفيا بعد الموت بوجدان اللذات الحسية من الأكل و الشرب و الوقاع كان من الضالين.

الصفة الثانية: من صفات هؤلاء الكفار قوله تعالى: وَ رَضُوا بِالْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا .

و اعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن طلب اللذات الروحانية، و فراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية، و أما هذه الصفة الثانية فهي إشارة إلى استغراقه في طلب اللذات الجسمانية و اكتفائه بها، و استغراقه في طلبها.

و الصفة الثالثة: قوله تعالى: وَ اِطْمَأَنُّوا بِهََا و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: صفة السعداء أن يحصل لهم عند ذكر اللّه نوع من الوجل و الخوف كما قال تعالى:

اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ* [الحج: 35]ثم إذا قويت هذه الحالة حصلت الطمأنينة في ذكر اللّه تعالى كما قال تعالى: وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اَللََّهِ أَلاََ بِذِكْرِ اَللََّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ [الرعد: 28]و صفة الأشقياء أن تحصل لهم الطمأنينة في حب الدنيا، و في الاشتغال بطلب لذاتها كما قال في هذه الآية: وَ اِطْمَأَنُّوا بِهََا

212

فحقيقة الطمأنينة أن يزول عن قلوبهم الوجل، فإذا سمعوا الإنذار و التخويف لم توجل قلوبهم و صارت كالميتة عند ذكر اللّه تعالى.

المسألة الثانية: مقتضى اللغة أن يقال: و اطمأنوا إليها، إلا أن حروف الجر يحسن إقامة بعضها مقام البعض، فلهذا السبب قال: وَ اِطْمَأَنُّوا بِهََا .

و الصفة الرابعة: قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيََاتِنََا غََافِلُونَ و المراد أنهم صاروا في الإعراض عن طلب لقاء اللّه تعالى بمنزلة الغافل عن الشي‏ء الذي لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشي‏ء، و بالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة على شدة بعده عن طلب الاستسعاد بالسعادات الأخروية الروحانية، و على شدة استغراقه في طلب هذه الخيرات الجسمانية و السعادات الدنيوية.

و اعلم أنه تعالى لما وصفهم بهذه الصفات الأربعة قال: أُولََئِكَ مَأْوََاهُمُ اَلنََّارُ بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: النيران على أقسام: النار التي هي جسم محسوس مضي‏ء محرق، صاعدا بالطبع، و الإقرار به واجب، لأجل أنه ثبت بالدلائل المذكورة أن الإقرار بالجنة و النار حق.

القسم الثاني: النار الروحانية العقلية، و تقريره أن من أحب شيئا حبا شديدا ثم ضاع عنه ذلك الشي‏ء بحيث لا يمكنه الوصول إليه، فإنه يحترق قلبه و باطنه، و كل عاقل يقول: إن فلانا محترق القلب محترق الباطن بسبب فراق ذلك المحبوب و ألم هذه النار أقوى بكثير من ألم النار المحسوسة.

إذا عرفت هذا فنقول: إن الأرواح التي كانت مستغرقة في حب الجسمانيات و كانت غافلة عن حب عالم الروحانيات، فإذا مات ذلك الإنسان وقعت الفرقة بين ذلك الروح و بين معشوقاته و محبوباته، و هي أحوال هذا العالم، و ليس له معرفة بذلك العالم و لا إلف مع أهل ذلك العالم، فيكون مثاله مثال من أخرج من مجالسة معشوقة و ألقي في بئر ظلمانية لا إلف له بها، و لا معرفة له بأحوالها، فهذا الإنسان يكون في غاية الوحشة، و تألم الروح فكذا هنا، أما لو كان نفورا عن هذه الجسمانيات عارفا بمقابحها و معايبها و كان شديد الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى، عظيم الحب للّه، كان مثاله مثال من كان محبوسا في سجن مظلم عفن مملوء من الحشرات المؤذية و الآفات المهلكة، ثم اتفق أن فتح باب السجن و أخرج منه و أحضر في مجلس السلطان الأعظم مع الأحباب و الأصدقاء، كما قال تعالى‏ فَأُولََئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدََاءِ وَ اَلصََّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً [النساء: 69]فهذا هو الإشارة إلى تعريف النار الروحانية و الجنة الروحانية.

المسألة الثانية: الباء في قوله: بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ مشعر بأن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول هذا العذاب و نظيره قوله تعالى: ذََلِكَ بِمََا قَدَّمَتْ يَدََاكَ وَ أَنَّ اَللََّهَ لَيْسَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ [الحج: 10].

ـ

213

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنكرين و الجاحدين في الآية المتقدمة، ذكر في هذه الآية أحوال المؤمنين المحقين، و اعلم أنه تعالى ذكر صفاتهم أولا، ثم ذكر مالهم من الأحوال السنية و الدرجات الرفيعة ثانيا، أما أحوالهم و صفاتهم فهي قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ و في تفسيره وجوه:

الوجه الأول: أن النفس الإنسانية لها قوتان:

القوة النظرية: و كمالها في معرفة الأشياء، و رئيس المعارف و سلطانها معرفة اللََّه.

و القوة العملية: و كمالها في فعل الخيرات و الطاعات، و رئيس الأعمال الصالحة و سلطانها خدمة اللََّه.

فقوله: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا إشارة إلى كمال القوة النظرية بمعرفة اللََّه تعالى و قوله: وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ إشارة إلى كمال القوة العملية بخدمة اللََّه تعالى، و لما كانت القوة النظرية مقدمة على القوة العملية بالشرف و الرتبة، لا جرم وجب تقديمها في الذكر.

الوجه الثاني: في تفسير هذه الآية قال القفال: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ أي صدقوا بقلوبهم، ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء و الكتب من عند اللََّه تعالى.

الوجه الثالث: اَلَّذِينَ آمَنُوا أي شغلوا قلوبهم و أرواحهم بتحصيل المعرفة وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ أي شغلوا جوارحهم بالخدمة، فعينهم مشغولة بالاعتبار كما قال: فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ [الحشر: 2]و أذنهم مشغولة بسماع كلام اللََّه تعالى كما قال: وَ إِذََا سَمِعُوا مََا أُنْزِلَ إِلَى اَلرَّسُولِ [المائدة: 83]و لسانهم. مشغول بذكر اللََّه كما قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اَللََّهَ [الأحزاب: 41]و جوارحهم مشغولة بنور طاعة اللََّه كما قال: أَلاََّ يَسْجُدُوا لِلََّهِ اَلَّذِي يُخْرِجُ اَلْخَبْ‏ءَ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [النمل: 25].

و اعلم أنه تعالى لما وصفهم بالإيمان و الأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم و مراتب سعاداتهم و هي أربعة.

المرتبة الأولى: قوله: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمََانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ اَلْأَنْهََارُ فِي جَنََّاتِ اَلنَّعِيمِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في تفسير قوله: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمََانِهِمْ وجوه: الأول: أنه تعالى يهديهم إلى الجنة ثوابا لهم على إيمانهم و أعمالهم الصالحة، و الذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه: أحدها: قوله تعالى:

يَوْمَ تَرَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ يَسْعى‏ََ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمََانِهِمْ [الحديد: 12]و ثانيها: ما

روي أنه عليه السلام قال: «إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له أنا عملك فيكون له نورا و قائدا إلى الجنة و الكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار»

و ثالثها: قال مجاهد: المؤمنون يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة. و رابعها: و هو الوجه العقلي أن الإيمان عبارة عن نور اتصل به من عالم القدس، و ذلك النور كالخيط المتصل بين قلب المؤمن و بين ذلك العالم المقدس، فإن حصل هذا الخط/النوراني قدر العبد على أن يقتدي بذلك النور و يرجع إلى عالم القدس، فأما إذا لم يوجد هذا الحبل النوراني تاه في ظلمات عالم الضلالات نعوذ باللََّه منه.

و التأويل الثاني: قال ابن الأنباري: إن إيمانهم يهديهم إلى خصائص في المعرفة و مزايا في الألفاظ و لوامع من النور تستنير بها قلوبهم، و تزول بواسطتها الشكوك و الشبهات عنهم، كقوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ‏

214

هُدىً [محمد: 17]و هذه الزوائد و الفوائد و المزايا يجوز حصولها في الدنيا قبل الموت، و يجوز حصولها في الآخرة بعد الموت، قال القفال: و إذا حملنا الآية على هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم و تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم، إلا أن حذف الواو و جعل قوله: تَجْرِي خبرا مستأنفا منقطعا عما قبله.

و التأويل الثالث: أن الكلام في تفسير هذه الآية يجب أن يكون مسبوقا بمقدمات.

المقدمة الأولى: أن العلم نور و الجهل ظلمة و صريح العقل يشهد بأن الأمر كذلك، و مما يقرره أنك إذا ألقيت مسألة جليلة شريفة على شخصين، فاتفق أن فهمها أحدهما و ما فهمها الآخر، فإنك ترى وجه الفاهم متهللا مشرقا مضيئا، و وجه من لم يفهم عبوسا مظلما منقبضا، و لهذا السبب جرت عادة القرآن بالتعبير عن العلم و الإيمان و النور، و عن الجهل و الكفر بالظلمات.

و المقدمة الثانية: أن الروح كاللوح، و العلوم و المعارف كالنقوش المنقوشة في ذلك اللوح. ثم هاهنا دقيقة، و هي أن اللوح الجسماني إذا رسمت فيه نقوش جسمانية فحصول بعض النقوش في ذلك اللوح مانع من حصول سائر النقوش فيه، فأما لوح الروح فخاصيته على الضد من ذلك، فإن الروح إذا كانت خالية عن نقوش المعارف و العلوم فإنه يصعب عليه تحصيل المعارف و العلوم، فإذا احتال و حصل شي‏ء منها، كان حصول ما حصل منها معينا له على سهولة تحصيل الباقي، و كلما كان الحاصل أكثر كان تحصيل البقية أسهل، فالنقوش الجسمانية يكون بعضها مانعا من حصول الباقي، و النقوش الروحانية يكون بعضها معينا على حصول البقية، و ذلك يدل على أن أحوال العالم الروحاني بالضد من أحوال العالم الجسماني.

المقدمة الثالثة: أن الأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس على ترك الدنيا و طلب الآخرة، و الأعمال المذمومة ما تكون بالضد من ذلك.

إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: الإنسان إذا آمن باللََّه فقد أشرق روحه بنور هذه المعرفة، ثم إذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة مستقرة في التوجه إلى الآخرة و في الإعراض عن الدنيا، و كلما كانت هذه الأحوال أكمل كان استعداد النفس لتحصيل سائر المعارف أشد، و كلما/كان الاستعداد أقوى و أكمل كانت معارج المعارف أكثر و إشراقها و لمعانها أقوى، و لما كان لا نهاية لمراتب المعارف و الأنوار العقلية، لا جرم لا نهاية لمراتب هذه الهداية المشار إليها بقوله تعالى: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمََانِهِمْ .

المسألة الثانية: قوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ اَلْأَنْهََارُ المراد منه أنهم يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين و الأنهار تجري من بين أيديهم، و نظيره قوله تعالى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [مريم:

24]و هي ما كانت قاعدة عليها، و لكن المعنى بين يديك، و كذا قوله: وَ هََذِهِ اَلْأَنْهََارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف: 51]المعنى بين يدي فكذا هاهنا.

المسألة الثالثة: الإيمان هو المعرفة و الهداية المترتبة عليها أيضا من جنس المعارف، ثم إنه تعالى لم يقل يهديهم ربهم إيمانهم بل قال: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمََانِهِمْ و ذلك يدل على أن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة، بل العلم بالمقدمتين سبب لحصول الاستعداد التام لقبول النفس للنتيجة ثم إذا حصل هذا

215

الاستعداد، كان التكوين من الحق سبحانه و تعالى، و هذا معنى قول الحكماء أن الفياض المطلق و الجواد الحق، ليس إلا اللََّه سبحانه و تعالى.

المرتبة الثانية: من مراتب سعاداتهم و درجات كمالاتهم قوله سبحانه و تعالى: دَعْوََاهُمْ فِيهََا سُبْحََانَكَ اَللََّهُمَّ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في دَعْوََاهُمْ وجوه: الأول: أن الدعوى هاهنا بمعنى الدعاء، يقال: دعا يدعو دعاء و دعوى، كما يقال: شكا يشكو شكاية و شكوى. قال بعض المفسرين: دَعْوََاهُمْ أي دعاؤهم. و قال تعالى في أهل الجنة: لَهُمْ فِيهََا فََاكِهَةٌ وَ لَهُمْ مََا يَدَّعُونَ [يس: 57]و قال في آية أخرى‏ يَدْعُونَ فِيهََا بِكُلِّ فََاكِهَةٍ آمِنِينَ [الدخان: 55]و مما يقوى أن المراد من الدعوى هاهنا الدعاء هو أنهم قالوا: اللهم و هذا نداء للََّه سبحانه و تعالى، و معنى قولهم: سُبْحََانَكَ اَللََّهُمَّ إنا نسبحك، كقول القانت في دعاء القنوت: «اللهم إياك نعبد» الثاني: أن يراد بالدعاء العبادة، و نظيره قوله تعالى: وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ مََا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ [مريم: 48] أي و ما تعبدون فيكون معنى الآية أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا اللََّه و يحمدوه، و يكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف، بل على سبيل الابتهاج بذكر اللََّه تعالى. الثالث: قال بعضهم: لا يبعد أن يكون المراد من الدعوى نفس الدعوى التي تكون للخصم على الخصم و المعنى: أن أهل الجنة يدعون في الدنيا و في الآخرة تنزيه اللََّه تعالى عن كل المعايب و الإقرار له بالإلهية. قال القفال: أصل ذلك أيضا من الدعاء، لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما. الرابع: قال مسلم: دَعْوََاهُمْ أي قولهم و إقرارهم و نداؤهم، و ذلك هو قولهم: سُبْحََانَكَ/اَللََّهُمَّ الخامس: قال القاضي: المراد من قوله: دَعْوََاهُمْ أي طريقتهم في تمجيد اللََّه تعالى و تقديسه و شأنهم و سنتهم. و الدليل على أن المراد ذلك أن قوله: سُبْحََانَكَ اَللََّهُمَّ ليس بدعاء و لا بدعوى، إلا أن المدعي للشي‏ء يكون مواظبا على ذكره، لا جرم جعل لفظ الدعوى كناية عن تلك المواظبة و الملازمة فأهل الجنة لما كانوا مواظبين على هذا الذكر، لا جرم أطلق لفظ الدعوى عليها.

السادس: قال القفال: قيل في قوله: لَهُمْ مََا يَدَّعُونَ [يس: 57]أي ما يتمنونه، و العرب تقول: ادع ما شئت علي، أي تمن. و قال ابن جريج: أخبرت أن قوله: دَعْوََاهُمْ فِيهََا سُبْحََانَكَ اَللََّهُمَّ هو أنه إذا مر بهم طير يشتهونه قالوا سُبْحََانَكَ اَللََّهُمَّ فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فقد خرج تأويل الآية من هذا الوجه، على أنهم إذا اشتهوا الشي‏ء قالوا سبحانك اللهم، فكان المراد من دعواهم ما حصل في قلوبهم من التمني، و في هذا التفسير وجه آخر هو أفضل و أشرف مما تقدم، و هو أن يكون المعنى أن تمنيهم في الجنة أن يسبحوا اللََّه تعالى، أي تمنيهم لما يتمنونه، ليس إلا في تسبيح اللََّه تعالى و تقديسه و تنزيهه. السابع: قال القفال أيضا: و يحتمل أن يكون المعنى في الدعوى ما كانوا يتداعونه في الدنيا في أوقات حروبهم ممن يسكنون إليه و يستنصرونه، كقولهم: يا آل فلان، فأخبر اللََّه تعالى أن أنسهم في الجنة بذكرهم اللََّه تعالى، و سكونهم بتحميدهم اللََّه و لذتهم بتمجيدهم اللََّه تعالى.

المسألة الثانية: أن قوله: سُبْحََانَكَ اَللََّهُمَّ فيه وجهان:

الوجه الأول: قول من يقول: إن أهل الجنة جعلوا هذا الذكر علامة على طلب المشتهيات قال ابن جريج: إذا مر بهم طيرا اشتهوه قالوا سُبْحََانَكَ اَللََّهُمَّ فيؤتون به، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِ‏

216

اَلْعََالَمِينَ و قال الكلبي: قوله: سُبْحََانَكَ اَللََّهُمَّ علم بين أهل الجنة و الخدام، فإذا سمعوا ذلك من قولهم أتوهم بما يشتهون. و اعلم أن هذا القول عندي ضعيف جدا، و بيانه من وجوه: أحدها: أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى أن أهل الجنة جعلوا هذا الذكر العالي المقدس علامة على طلب المأكول و المشروب و المنكوح، و هذا في غاية الخساسة. و ثانيها: أنه تعالى قال في صفة أهل الجنة: وَ لَهُمْ مََا يَشْتَهُونَ فإذا اشتهوا أكل ذلك الطير، فلا حاجة بهم إلى الطلب، و إذا لم يكن بهم حاجة إلى الطلب، فقد سقط هذا الكلام. و ثالثها: أن هذا يقتضي صرف الكلام عن ظاهره الشريف العالي إلى محمل خسيس لا إشعار للفظ به، و هذا باطل.

الوجه الثاني: في تأويل هذه الآية أن نقول: المراد اشتغال أهل الجنة بتقديس اللََّه سبحانه و تمجيده و الثناء عليه، لأجل أن سعادتهم في هذا الذكر و ابتهاجهم به و سرورهم به، و كمال حالهم لا يحصل إلا منه، و هذا القول هو الصحيح الذي لا محيد عنه ثم على هذا التقدير ففي الآية وجوه: /أحدها: قال القاضي: إنه تعالى وعد المتقين بالثواب العظيم، كما ذكر في أول هذه السورة من قوله: لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ بِالْقِسْطِ [يونس: 4]فإذا دخل أهل الجنة الجنة، و وجدوا تلك النعم العظيمة، عرفوا أن اللََّه تعالى كان صادقا في وعده إياهم بتلك النعم، فعند هذا قالوا: سُبْحََانَكَ اَللََّهُمَّ أي نسبحك عن الخلف في الوعد و الكذب في القول. و ثانيها: أن نقول: غاية سعادة السعداء، و نهاية درجات الأنبياء و الأولياء استسعادهم بمراتب معارف الجلال.

و اعلم أن معرفة ذات اللََّه تعالى و الاطلاع على كنه حقيقته مما لا سبيل للخلق إليه، بل الغاية القصوى معرفة صفاته السلبية أو صفاته الإضافية. أما الصفات السلبية فهي المسماة بصفات الجلال، و أما الصفات الإضافية فهي المسماة بصفات الإكرام، فلذلك كان كمال الذكر العالي مقصورا عليها، كما قال سبحانه و تعالى:

تَبََارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ [الرحمن: 78]و

كان صلى اللََّه عليه و سلم يقول: «ألظوا بيا ذا الجلال و الإكرام»

و لما كانت السلوب متقدمة بالرتبة على الإضافات، لا جرم كان ذكر الجلال متقدما على ذكر الإكرام في اللفظ. و إذا ثبت أن غاية سعادة السعداء ليس إلا في هذين المقامين، لا جرم ذكر اللََّه سبحانه و تعالى كونهم مواظبين على هذا الذكر العالي المقدس، و لما كان لا نهاية لمعارج جلال اللََّه و لا غاية لمدارج إلهيته و إكرامه و إحسانه، فكذلك لا نهاية لدرجات ترقي الأرواح المقدسة في هذه المقامات العلية الإلهية. و ثالثها: أن الملائكة المقربين كانوا قبل تخليق آدم عليه السلام مشتغلين بهذا الذكر، ألا ترى أنهم قالوا: وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: 30]فالحق سبحانه ألهم السعداء من أولاد آدم، حتى أتوا بهذا التسبيح و التحميد، ليدل ذلك على أن الذي أتى به الملائكة المقربون قبل خلق العالم من الذكر العالي، فهو بعينه أتى به السعداء من أولاد آدم عليه السلام، بعد انقراض العالم، و لما كان هذا الذكر مشتملا على هذا الشرف العالي، لا جرم جاءت الرواية بقراءته في أول الصلاة، فإن المصلي إذا كبر قال:

«سبحانك اللهم و بحمدك تبارك اسمك و تعالى جدك و لا إله غيرك» .

المرتبة الثالثة: من مراتب سعادات أهل الجنة قوله تعالى: وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيهََا سَلاََمٌ قال المفسرون: تحية بعضهم لبعض تكون بالسلام، و تحية الملائكة لهم بالسلام، كما قال تعالى: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ‏`سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23]و تحية اللََّه تعالى لهم أيضا بالسلام كما قال تعالى: سَلاََمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍ‏

217

رَحِيمٍ [يس: 58]قال الواحدي: و على هذا التقدير يكون هذا من إضافة المصدر إلى المفعول، و عندي فيه وجه آخر: و هو أن مواظبتهم على ذكر هذه الكلمة، مشعرة بأنهم كانوا في الدنيا في منزل الآفات و في معرض المخافات، فإذا أخرجوا من الدنيا و وصلوا إلى كرامة اللََّه تعالى، فقد صاروا سالمين/من الآفات، آمنين من المخافات و النقصانات و قد أخبر اللََّه تعالى عنهم بأنهم يذكرون هذا المعنى في قوله: وَ قََالُوا اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنََا لَغَفُورٌ شَكُورٌ*`اَلَّذِي أَحَلَّنََا دََارَ اَلْمُقََامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاََ يَمَسُّنََا فِيهََا نَصَبٌ وَ لاََ يَمَسُّنََا فِيهََا لُغُوبٌ [فاطر: 34، 35].

المرتبة الرابعة: من مراتب سعاداتهم قوله سبحانه و تعالى: وَ آخِرُ دَعْوََاهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قد ذكرنا أن جماعة من المفسرين حملوا هذه الكلمات العالية المقدسة على أحوال أهل الجنة بسبب الأكل و الشرب فقالوا: إن أهل الجنة إذا اشتهوا شيئا قالوا: سبحانك اللهم و بحمدك، و إذا أكلوا و فرغوا قالوا: الحمد للََّه رب العالمين، و هذا القائل ما ترقى نظره في دنياه و أخراه عن المأكول و المشروب، و حقيق لمثل هذا الإنسان أن يعد في زمرة البهائم. و أما المحقون المحققون، فقد تركوا ذلك، و لهم فيه أقوال.

روى الحسن البصري عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «إن أهل الجنة يلهمون الحمد و التسبيح كما تلهمون أنفاسكم»

و قال الزجاج: أعلم اللََّه تعالى أن أهل الجنة يفتتحون بتعظيم اللََّه تعالى و تنزيهه و يختتمون بشكره و الثناء عليه، و أقول: عندي في هذا الباب وجوه أخر: فأحدها: أن أهل الجنة لما استسعدوا بذكر سبحانك اللهم و بحمدك، و عاينوا ما هم فيه من السلامة عن الآفات و المخافات، علموا أن كل هذه الأحوال السنية و المقامات القدسية، إنما تيسرت بإحسان الحق سبحانه و إفضاله و إنعامه، فلا جرم اشتغلوا بالحمد و الثناء فقالوا: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ و إنما وقع الختم على هذا الكلام لأن اشتغالهم بتسبيح اللََّه تعالى و تمجيده من أعظم نعم اللََّه تعالى عليهم و الاشتغال بشكر النعمة متأخر عن رؤية تلك النعمة، فلهذا السبب وقع الختم على هذه الكلمة، و ثانيها: أن لكل إنسان بحسب قوته معراجا، فتارة ينزل عن ذلك المعراج، و تارة يصعد إليه و معراج العارفين الصادقين، معرفة اللََّه تعالى و تسبيح اللََّه و تحميد اللََّه، فإذا قالوا: سُبْحََانَكَ اَللََّهُمَّ فهم في عين المعراج، و إذا نزلوا منه إلى عالم المخلوقات كان الحاصل عند ذلك النزول إفاضة الخير على جميع المحتاجين و إليه الإشارة بقوله: وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيهََا سَلاََمٌ ثم إنه مرة أخرى يصعد إلى معراجه، و عند الصعود يقول: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ فهذه الكلمات العالية إشارة إلى اختلاف أحوال العبد بسبب النزول و العروج. و ثالثها: أن نقول: إن قولنا اللََّه اسم لذات الحق سبحانه، فتارة ينظر العبد إلى صفات الجلال، و هي المشار إليها بقوله: سُبْحََانَكَ ثم يحاول الترقي منها إلى حضرة جلال الذات، ترقيا يليق بالطاقة البشرية، و هي المشار إليها بقوله: اَللََّهُمَّ فإذا عرج عن ذلك المكان و اخترق في أوائل تلك الأنوار رجع إلى عالم الإكرام، و هو/المشار إليه بقوله:

اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ فهذه كلمات خطرت بالبال و دارت في الخيال، فإن حقت فالتوفيق من اللََّه تعالى، و إن لم يكن كذلك فالتكلان على رحمة اللََّه تعالى.

المسألة الثانية: قال الواحدي: (أن) في قوله: أَنِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ هي المخففة من الشديدة، فلذلك لم تعمل لخروجها بالتخفيف عن شبه الفعل كقوله:

218

أن هالك كل من يحفى و ينتعل‏

على معنى أنه هالك. و قال صاحب «النظم» (أن) هاهنا زائدة، و التقدير: و آخر دعواهم الحمد للََّه رب العالمين، و هذا القول ليس بشي‏ء، و قرأ بعضهم أَنِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ بالتشديد، و نصب الحمد.

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أن الذي يغلب على ظني أن ابتداء هذه السورة في ذكر شبهات المنكرين للنبوة مع الجواب عنها.

فالشبهة الأولى: أن القوم تعجبوا من تخصيص اللََّه تعالى محمدا عليه السلام بالنبوة فأزال اللََّه تعالى ذلك التعجب بقوله: أَ كََانَ لِلنََّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ رَجُلٍ مِنْهُمْ [يونس: 2]ثم ذكر دلائل التوحيد و دلائل صحة المعاد، و حاصل الجواب أنه يقول: إني ما جئتكم إلا بالتوحيد و الإقرار بالمعاد، و قد دللت على صحتها، فلم يبق للتعجب من نبوتي معنى.

و الشبهة الثانية: للقوم أنهم كانوا أبدا يقولون: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا في ادعاء الرسالة فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فأجاب اللََّه تعالى عن هذه الشبهة بما ذكره في هذه الآية فهذا هو الكلام في كيفية النظم. و من الناس من ذكر فيه وجوها أخرى: فالأول: قال القاضي: لما بين تعالى فيما تقدم الوعد و الوعيد أتبعه بما دل على أن من حقهما أن يتأخرا عن هذه الحياة الدنيوية لأن حصولهما في الدنيا كالمانع من بقاء التكليف. و الثاني: ما ذكره القفال: و هو أنه تعالى لما وصف الكفار بأنهم لا يرجون لقاء اللََّه و رضوا بالحياة الدنيا/و اطمأنوا بها، و كانوا عن آيات اللََّه غافلين بين أن من غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلا منهم و سفها.

المسألة الثانية: أنه تعالى أخبر في آيات كثيرة أن هؤلاء المشركين متى خوفوا بنزول العذاب في الدنيا استعجلوا ذلك العذاب كما قالوا: اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ أَوِ اِئْتِنََا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: 32]و قال تعالى: سَأَلَ سََائِلٌ بِعَذََابٍ وََاقِعٍ [المعارج: 1]الآية. ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية و هو قوله: أُولََئِكَ مَأْوََاهُمُ اَلنََّارُ بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ [يونس: 8]استعجلوا ذلك العذاب، و قالوا: متى يحصل ذلك كما قال تعالى: يَسْتَعْجِلُ بِهَا اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِهََا [الشورى: 18]و قال في هذه السورة بعد هذه الآية: وَ يَقُولُونَ مَتى‏ََ هََذَا اَلْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ إلى قوله: آلْآنَ وَ قَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [يونس: 48-51]و قال في سورة الرعد: وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ اَلْمَثُلاََتُ [الرعد: 6]فبين تعالى أنهم لا مصلحة لهم في تعجيل إيصال الشر إليهم، لأنه تعالى لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا و هلكوا، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك و لا صلاح في إماتتهم، فربما آمنوا بعد ذلك، و ربما خرج من صلبهم من كان مؤمنا، و ذلك يقتضي أن لا يعاجلهم بإيصال ذلك الشر.

المسألة الثالثة: في لفظ الآية إشكال، و هو أن يقال: كيف قابل التعجيل بالاستعجال، و كان الواجب أن‏

219

يقابل التعجيل بالتعجيل، و الاستعجال بالاستعجال.

و الجواب عنه من وجوه: الأول: قال صاحب «الكشاف» : أصل هذا الكلام، و لو يعجل اللََّه للناس الشر تعجيله لهم الخير إلا أنه وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعارا بسرعة إجابته و إسعافه بطلبهم، حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم. الثاني: قال بعضهم حقيقة قولك عجلت فلانا طلبت عجلته، و كذلك عجلت الأمر إذا أتيت به عاجلا، كأنك طلبت فيه العجلة و الاستعجال أشهر و أظهر في هذا المعنى، و على هذا الوجه يصير معنى الآية لو أراد اللََّه عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم لقضى إليهم أجلهم، قال صاحب هذا الوجه، و على هذا التقدير: فلا حاجة إلى العدول عن ظاهر الآية. الثالث: أن كل من عجل شيئا فقد طلب تعجيله، و إذا كان كذلك، فكل من كان معجلا كان مستعجلا، فيصير التقدير، و لو استعجل اللََّه للناس الشر استعجالهم بالخير إلا أنه تعالى وصف نفسه بتكوين العجلة و وصفهم بطلبها، لأن اللائق به تعالى هو التكوين و اللائق بهم هو الطلب.

المسألة الرابعة: أنه تعالى سمى العذاب شرا في هذه الآية، لأن أذى في حق المعاقب و مكروه عنده كما أنه سماه سيئة في قوله: وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ [الرعد: 6]و في قوله: وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا [الشورى: 40].

المسألة الخامسة: قرأ ابن عامر لقضى بفتح اللام و القاف أجلهم بالنصب، يعني لقضى اللََّه، و ينصره قراءة عبد اللََّه لقضينا إليهم أجلهم و قرأ الباقون بضم القاف و كسر الضاد و فتح الياء أَجَلُهُمْ بالرفع على ما لم يسم فاعله.

المسألة السادسة: المراد من استعجال هؤلاء المشركين الخير هو أنهم كانوا عند نزول الشدائد يدعون اللََّه تعالى بكشفها، و قد حكى اللََّه تعالى عنهم ذلك في آيات كثيرة كقوله: ثُمَّ إِذََا مَسَّكُمُ اَلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ [النمل: 53]و قوله: وَ إِذََا مَسَّ اَلْإِنْسََانَ اَلضُّرُّ دَعََانََا [يونس: 12].

المسألة السابعة: لسائل أن يسأل فيقول: كيف اتصل قوله: فَنَذَرُ اَلَّذِينَ لاََ يَرْجُونَ لِقََاءَنََا بما قبله و ما معناه؟.

و جوابه أن قوله: وَ لَوْ يُعَجِّلُ اَللََّهُ لِلنََّاسِ متضمن معنى نفي التعجيل، كأنه قيل: و لا يعجل لهم الشر، و لا يقضي إليهم أجلهم فيذرهم في طغيانهم أي فيمهلهم مع طغيانهم إلزاما للحجة.

المسألة الثامنة: قال أصحابنا: إنه تعالى لما حكم عليهم بالطغيان و العمه امتنع أن لا يكونوا كذلك و إلا لزم أن ينقلب خبر اللََّه الصدق كذبا و علمه جهله و حكمه باطلا، و كل ذلك محال، ثم إنه مع هذا كلفهم و ذلك يكون جاريا مجرى التكليف بالجمع بين الضدين.

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه لو أنزل العذاب‏

220

على العبد في الدنيا لهلك و لقضى عليه، فبين في هذه الآية ما يدل على غاية ضعفه و نهاية عجزه، ليكون ذلك مؤكدا لما ذكره من أنه لو أنزل عليه العذاب لمات. الثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستعجلون في نزول العذاب، ثم بين في هذه الآية أنهم كاذبون في ذلك الطلب و الاستعجال، لأنه لو نزل بالإنسان أدنى شي‏ء يكرهه و يؤذيه، فإنه يتضرع إلى اللََّه تعالى في إزالته عنه/و في دفعه عنه و ذلك يدل على أنه ليس صادقا في هذا الطلب.

المسألة الثانية: المقصود من هذه الآية، بيان أن الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء، قليل الشكر عند وجدان النعماء و الآلاء، فإذا مسه الضر أقبل على التضرع و الدعاء مضطجعا أو قائما أو قاعدا مجتهدا في ذلك الدعاء طالبا من اللََّه تعالى إزالة تلك المحنة، و تبديلها بالنعمة و المحنة، فإذا كشف تعالى عنه ذلك بالعافية أعرض عن الشكر، و لم يتذكر ذلك الضر و لم يعرف قدر الإنعام، و صار بمنزلة من لم يدع اللََّه تعالى لكشف ضره، و ذلك يدل على ضعف طبيعة الإنسان و شدة استيلاء الغفلة و الشهوة عليه، و إنما ذكر اللََّه تعالى ذلك تنبيها على أن هذه الطريقة مذمومة، بل الواجب على الإنسان العاقل أن يكون صابرا عند نزول البلاء شاكرا عند الفوز بالنعماء، و من شأنه أن يكون كثير الدعاء و التضرع في أوقات الراحة و الرفاهية حتى يكون مجاب الدعوة في وقت المحنة،

عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «من سره أن يستجاب له عند الكرب و الشدائد فليكثر الدعاء عند الرخاء» .

و اعلم أن المؤمن إذا ابتلي ببلية و محنة، وجب عليه رعاية أمور: فأولها: أن يكون راضيا بقضاء اللََّه تعالى غير معترض بالقلب و اللسان عليه. و إنما وجب عليه ذلك لأنه تعالى مالك على الإطلاق و ملك بالاستحقاق فله أن يفعل في ملكه و ملكه ما شاء كما يشاء، و لأنه تعالى حكيم على الإطلاق و هو منزه عن فعل الباطل و العبث، فكل ما فعله فهو حكمة و صواب، و إذا كان كذلك فحينئذ يعلم أنه تعالى إن أبقى عليه تلك المحنة فهو عدل، و إن أزالها عنه فهو فضل، و حينئذ يجب عليه الصبر و السكوت و ترك القلق و الاضطراب. و ثانيها: أنه في ذلك الوقت إن اشتغل بذكر اللََّه تعالى و الثناء عليه بدلا عن الدعاء كان أفضل،

لقوله عليه السلام حكاية عن رب العزة «من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»

و لأن الاشتغال بالذكر اشتغال بالحق، و الاشتغال بالدعاء اشتغال بطلب حظ النفس، و لا شك أن الأول أفضل، ثم إن اشتغل بالدعاء وجب أن يشترط فيه أن يكون إزالته صلاحا في الدين، و بالجملة فإنه يجب أن يكون الدين راجحا عنده على الدنيا. و ثالثها: أنه سبحانه إذا أزال عنه تلك البلية فإنه يجب عليه أن يبالغ في الشكر و أن لا يخلو عن ذلك الشكر في السراء و الضراء، و أحوال الشدة و الرخاء، فهذا هو الطريق الصحيح عند نزول البلاء. و هاهنا مقام آخر أعلى و أفضل مما ذكرناه، و هو أن أهل التحقيق قالوا: إن من كان في وقت وجدان النعمة مشغولا بالنعمة لا بالمنعم كان عند البلية مشغولا بالبلاء لا بالمبلي، و مثل هذا الشخص يكون أبدا في البلاء، أما في وقت البلاء فلا شك أنه يكون في البلاء، و أما في وقت حصول النعماء فإن خوفه من/زوالها يكون أشد أنواع البلاء، فإن النعمة كلما كانت أكمل و ألذ و أقوى و أفضل، كان خوف زوالها أشد إيذاء و أقوى إيحاشا، فثبت أن من كان مشغولا بالنعمة كان أبدا في لجة البلية أما من كان في وقت النعمة مشغولا بالمنعم، لزم أن يكون في وقت البلاء مشغولا بالمبلي.

و إذا كان المنعم و المبلي واحدا، كان نظره أبدا على مطلوب واحد، و كان مطلوبه منزها عن التغير مقدسا عن ـ

221

التبدل و من كان كذلك كان في وقت البلاء و في وقت النعماء، غرقا في بحر السعادات، واصلا إلى أقصى الكمالات، و هذا النوع من البيان بحر لا ساحل له، و من أراد أن يصل إليه فليكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر.

المسألة الثالثة: اختلفوا في الإنسان في قوله: وَ إِذََا مَسَّ اَلْإِنْسََانَ اَلضُّرُّ فقال بعضهم: إنه الكافر، و منهم من بالغ و قال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان، فالمراد هو الكافر، و هذا باطل، لأن قوله:

يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّكَ كََادِحٌ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاََقِيهِ‏`فَأَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق: 6، 7]لا شبهة في أن المؤمن داخل فيه، و كذلك قوله: هَلْ أَتى‏ََ عَلَى اَلْإِنْسََانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ [الدهر: 1]و قوله: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12]و قوله: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ وَ نَعْلَمُ مََا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق:

16]فالذي قالوه بعيد، بل الحق أن نقول: اللفظ المفرد المحلى بالألف و اللام حكمه أنه إذا حصل هناك معهود سابق انصرف إليه، و إن لم يحصل هناك معهود سابق وجب حمله على الاستغراق صونا له عن الإجمال و التعطيل. و لفظ الإنسان هاهنا لائق بالكافر، لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة.

المسألة الرابعة: في قوله: دَعََانََا لِجَنْبِهِ أَوْ قََاعِداً أَوْ قََائِماً وجهان:

الوجه الأول: أن المراد منه ذكر أحوال الدعاء فقوله: لِجَنْبِهِ في موضع الحال بدليل عطف الحالين عليه، و التقدير: دعانا مضطجعا أو قاعدا أو قائما.

فإن قالوا: فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟ قلنا: معناه: إن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء إلى أن يزول عنه الضر، سواء كان مضطجعا أو قاعدا أو قائما.

و الوجه الثاني: أن تكون هذه الأحوال الثلاثة تعديدا لأحوال الضر، و التقدير: و إذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعدا أو قائما دعانا و هو قول الزجاج. و الأول: أصح، لأن ذكر الدعاء أقرب إلى هذه الأحوال من ذكر الضر، و لأن القول بأن هذه الأحوال أحوال للدعاء يقتضي مبالغة الإنسان في الدعاء، ثم إذا ترك الدعاء بالكلية و أعرض عنه كان ذلك أعجب.

المسألة الخامسة: في قوله: مَرَّ وجوه: الأول: المراد منه أنه مضى على طريقته الأولى/قبل مس الضر و نسي حال الجهد. الثاني: مر عن موقف الابتهال و التضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به.

المسألة السادسة: قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَدْعُنََا إِلى‏ََ ضُرٍّ مَسَّهُ تقديره: كأنه لم يدعنا، ثم أسقط الضمير عنه على سبيل التخفيف و نظيره قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا [يونس: 45]قال الحسن: نسي ما دعا اللََّه فيه، و ما صنع اللََّه به في إزالة ذلك البلاء عنه.

المسألة السابعة: قال صاحب «النظم» : قوله: وَ إِذََا مَسَّ اَلْإِنْسََانَ إذا موضوعة للمستقبل.

ثم قال: فَلَمََّا كَشَفْنََا و هذا للماضي، فهذا النظم يدل على أن معنى الآية أنه هكذا كان فيما مضى و هكذا يكون في المستقبل. فدل ما في الآية من الفعل المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل، و ما فيه من الفعل الماضي على ما فيه من المعنى الماضي، و أقول البرهان العقلي مساعد على هذا المعنى و ذلك لأن‏

222

الإنسان جبل على الضعف و العجز و قلة الصبر، و جبل أيضا على الغرور و البطر و النسيان و التمرد و العتو، فإذا نزل به البلاء حمله ضعفه و عجزه على كثرة الدعاء و التضرع، و إظهار الخضوع و الانقياد، و إذا زال البلاء و وقع في الراحة استولى عليه النسيان فنسي إحسان اللََّه تعالى إليه، و وقع في البغي و الطغيان و الجحود و الكفران فهذه الأحوال من نتائج طبيعته و لوازم خلقته، و بالجملة فهؤلاء المساكين معذورون و لا عذر لهم.

المسألة الثامنة: في قوله تعالى: كَذََلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ أبحاث:

البحث الأول: أن هذا المزين هو اللََّه تعالى أو النفس أو الشيطان، فرع على مسألة الجبر و القدر و هو معلوم.

البحث الثاني: في بيان السبب الذي لأجله سمى اللََّه سبحانه الكافر مسرفا. و فيه وجوه:

الوجه الأول: قال أبو بكر الأصم: الكافر مسرف في نفسه و في ماله و مضيع لهما، أما في النفس فلأنه جعلها عبدا للوثن، و أما في المال فلأنهم كانوا يضيعون أموالهم في البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحام.

الوجه الثاني: قال القاضي: إن من كانت عادته أن يكون عند نزول البلاء كثير التضرع و الدعاء، و عند زوال البلاء و نزول الآلاء معرضا عن ذكر اللََّه متغافلا عنه غير مشتغل بشكره، كان مسرفا في أمر دينه متجاوزا للحد في الغفلة عنه، و لا شبهة في أن المرء كما يكون مسرفا في الإنفاق فكذلك يكون مسرفا فيما يتركه من واجب أو يقدم عليه من قبيح، إذا تجاوز الحد فيه.

الوجه الثالث: و هو الذي خطر بالبال في هذا الوقت، أن المسرف هو الذي ينفق المال/الكثير لأجل الغرض الخسيس، و معلوم أن لذات الدنيا و طيباتها خسيسة جدا في مقابلة سعادات الدار الآخرة. و اللََّه تعالى أعطاه الحواس و العقل و الفهم و القدرة لاكتساب تلك السعادات العظيمة، فمن بذل هذه الآلات الشريفة لأجل أن يفوز بهذه السعادات الجسمانية الخسيسة، كان قد أنفق أشياء عظيمة كثيرة، لأجل أن يفوز بأشياء حقيرة خسيسة، فوجب أن يكون من المسرفين.

البحث الثالث: الكاف في قوله تعالى: كَذََلِكَ للتشبيه و المعنى: كما زين لهذا الكافر هذا العمل القبيح المنكر زين للمسرفين ما كانوا يعملون من الإعراض عن الذكر و متابعة الشهوات.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في بيان كيفية النظم. اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم كانوا يقولون: اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ أَوِ اِئْتِنََا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: 32]ثم إنه أجاب عنه بأن ذكر أنه لا صلاح في إجابة دعائهم، ثم بين أنهم كاذبون في هذا الطلب لأنه لو نزلت بهم آفة أخذوا في التضرع إلى اللََّه تعالى في إزالتها و الكشف لها، بين في هذه الآية ما يجري مجرى التهديد، و هو أنه تعالى قد ينزل بهم عذاب الاستئصال و لا يزيله عنهم، و الغرض منه أن يكون ذلك رادعا لهم عن قولهم إن كان هذا هو الحق من‏

223

عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، لأنهم متى سمعوا أن اللََّه تعالى قد يجيب دعاءهم و ينزل عليهم عذاب الاستئصال، ثم سمعوا من اليهود و النصارى أن ذلك قد وقع مرارا كثيرة صار ذلك رادعا لهم و زاجرا عن ذكر ذلك الكلام، فهذا وجه حسن مقبول في كيفية النظم.

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» لما ظرف لأهلكنا، و الواو في قوله: وَ جََاءَتْهُمْ للحال، أي ظلموا بالتكذيب و قد جاءتهم رسلهم بالدلائل و الشواهد على صدقهم و هي المعجزات، /و قوله: وَ مََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا يجوز أن يكون عطفا على ظلموا، و أن يكون اعتراضا، و اللام لتأكيد النفي، و أن اللََّه قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر و هذا يدل على أنه تعالى إنما أهلكهم لأجل تكذيبهم الرسل، فكذلك يجزى كل مجرم، و هو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول اللََّه، و قرئ يجزي بالياء}و قوله: ثُمَّ جَعَلْنََاكُمْ خَلاََئِفَ الخطاب للذين بعث إليهم محمد عليه الصلاة و السلام، أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكناهم، لننظر كيف تعملون، خيرا أو شرا، فنعاملكم على حسب عملكم. بقي في الآية سؤالان:

السؤال الأول: كيف جاز النظر إلى اللََّه تعالى و فيه معنى المقابلة؟ و الجواب: أنه استعير لفظ النظر للعلم الحقيقي الذي لا يتطرق الشك إليه، و شبه هذا العلم بنظر الناظر و عيان المعاين.

السؤال الثاني: قوله: ثُمَّ جَعَلْنََاكُمْ خَلاََئِفَ فِي اَلْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مشعر بأن اللََّه تعالى ما كان عالما بأحوالهم قبل وجودهم.

و الجواب: المراد منه أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم، ليجازيهم بحسبه كقوله: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً* [هود: 7]و قد مر نظائر هذا. و

قال رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم: «إن الدنيا خضرة حلوة و إن اللََّه مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون»

و قال قتادة: صدق اللََّه ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا اللََّه من أعمالكم خيرا، بالليل و النهار.

المسألة الثالثة: قال الزجاج: موضع كَيْفَ نصب بقوله: تَعْمَلُونَ لأنها حرف لاستفهام و الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، و لو قلت: لننظر خيرا تعملون أم شرا، كان العامل في خير و شر تعملون.

فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذا الكلام هو النوع الثالث من شبهاتهم و كلماتهم التي ذكروها في الطعن في نبوة النبي صلى اللََّه عليه و سلم، حكاها اللََّه تعالى في كتابه و أجاب عنها.

و اعلم أن من وقف على هذا الترتيب الذي نذكره، علم أن القرآن مرتب على أحسن الوجوه.

المسألة الثانية: روي عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما: أن خمسة من الكفار كانوا يستهزئون بالرسول عليه الصلاة و السلام و بالقرآن الوليد بن المغيرة المخزومي، و العاص بن وائل السهمي، و الأسود بن المطلب،

224

و الأسود بن عبد يغوث، و الحرث بن حنظلة، فقتل اللََّه كل رجل منهم بطريق آخر، كما قال: إِنََّا كَفَيْنََاكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: 95]فذكر اللََّه تعالى أنهم كلما تلي عليهم آيات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله و فيه بحثان:

البحث الأول: أن وصفهم بأنهم لا يرجون لقاء اللََّه أريد به كونهم مكذبين بالحشر و النشر، منكرين للبعث و القيامة، ثم في تقرير حسن هذه الاستعارة وجوه: الأول: قال الأصم: لاََ يَرْجُونَ لِقََاءَنَا أي لا يرجون في لقائنا خيرا على طاعة، فهم من السيئات أبعد أن يخافوها. الثاني: قال القاضي: الرجاء لا يستعمل إلا في المنافع، لكنه قد يدل على المضار من بعض الوجوه، لأن من لا يرجو لقاء ما وعد ربه من الثواب، و هو القصد بالتكليف، لا يخاف أيضا ما يوعده به من العقاب، فصار ذلك كناية عن جحدهم للبعث و النشور.

و اعلم أن كلام القاضي قريب من كلام الأصم، إلا أن البيان التام أن يقال: كل من كان مؤمنا بالبعث و النشور فإنه لا بد و أن يكون راجيا ثواب اللََّه و خائفا من عقابه، و عدم اللازم يدل على عدم الملزوم، فلزم من نفي الرجاء نفي الإيمان بالبعث فهذا هو الوجه في حسن هذه الاستعارة.

البحث الثاني: أنهم طلبوا من رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أحد أمرين على البدل: فالأول: أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن. و الثاني: أن يبدل هذا القرآن و فيه إشكال، لأنه إذا بدل هذا القرآن بغيره، فقد أتى بقرآن غير هذا القرآن، و إذا كان كذلك كان كل واحد منهما شيئا واحدا. و أيضا مما يدل على أن كل واحد منهما هو عين الآخر أنه عليه الصلاة و السلام اقتصر في الجواب على نفي أحدهما، و هو قوله: مََا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقََاءِ نَفْسِي و إذا ثبت أن كل واحد من هذين الأمرين هو نفس الآخر، كان إلقاء اللفظ على الترديد و التخيير فيه باطلا.

و الجواب: أن أحد الأمرين غير الآخر، فالإتيان بكتاب آخر، لا على ترتيب هذا القرآن و لا على نظمه، يكون إتيانا بقرآن آخر، و أما إذا أتى بهذا القرآن إلا أنه وضع مكان ذم بعض الأشياء مدحها، و مكان آية رحمة آية عذاب، كان هذا تبديلا، أو نقول: الإتيان بقرآن غير هذا هو أن/يأتيهم بكتاب آخر سوى هذا الكتاب مع كون هذا الكتاب باقيا بحاله، و التبديل هو أن يغير هذا الكتاب. و أما قوله: إنه اكتفى في الجواب على نفي أحد القسمين.

قلنا: الجواب المذكور عن أحد القسمين هو عين الجواب عن القسم الثاني و إذا كان كذلك وقع الاكتفاء بذكر أحدهما عن ذكر الثاني. و إنما قلنا: الجواب عن أحد القسمين عين الجواب عن الثاني لوجهين: الأول:

أنه عليه الصلاة و السلام لما بين أنه لا يجوز أن يبدله من تلقاء نفسه، لأنه وارد من اللََّه تعالى و لا يقدر على مثله، كما لا يقدر سائر العرب على مثله، فكان ذلك متقررا في نفوسهم بسبب ما تقدم من تحديد لهم بمثل هذا القرآن، فقد دلهم بذلك على أنه لا يتمكن من قرآن غير هذا. و الثاني: أن التبديل أقرب إلى الإمكان من المجي‏ء بقرآن غير هذا القرآن، فجوابه عن الأسهل يكون جوابا عن الأصعب، و من الناس من قال: لا فرق بين الإتيان بقرآن غير هذا القرآن و بين تبديل هذا القرآن، و جعل قوله: مََا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ جوابا عن الأمرين، إلا أنه ضعيف على ما بيناه.

225

المسألة الثالثة: اعلم أن إقدام الكفار على هذا الالتماس يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية و الاستهزاء، مثل أن يقولوا: إنك لو جئتنا بقرآن آخر غير هذا القرآن أو بدلته لآمنا بك، و غرضهم من هذا الكلام السخرية و التطير. و الثاني: أن يكونوا قالوه على سبيل الجد، و ذلك أيضا يحتمل وجوها: أحدها: أن يكونوا قالوا ذلك على سبيل التجربة و الامتحان، حتى إنه إن فعل ذلك، علموا أنه كان كذابا في قوله: إن هذا القرآن نزل عليه من عند اللََّه. و ثانيها: أن يكون المقصود من هذا الالتماس أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم و الطعن في طرائقهم، و هم كانوا يتأذون منها، فالتمسوا كتابا آخر ليس فيه ذلك.

و ثالثها: أن بتقدير أن يكونوا قد جوزوا كون هذا القرآن من عند اللََّه، التمسوا منه أن يلتمس من اللََّه نسخ هذا القرآن و تبديله بقرآن آخر و هذا الوجه أبعد الوجوه.

و اعلم أن القوم لما ذكروا ذلك أمره اللََّه تعالى أن يقول: إن هذا التبديل غير جائز مني إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ ثم بين تعالى أنه بمنزلة غيره في أنه متوعد بالعذاب العظيم إن عصى. و يتفرع على هذه الآية فروع:

الفرع الأول: أن قوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ معناه: لا أتبع إلا ما يوحى إلي، فهذا يدل على أنه عليه الصلاة و السلام ما حكم إلا بالوحي، و هذا يدل على أنه لم يحكم قط بالاجتهاد.

الفرع الثاني: تمسك نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: دل هذا النص على أنه عليه الصلاة/و السلام ما حكم إلا با فوجب أن يجب على جميع الأمة أن لا يحكموا إلا بمقتضى النص لقوله تعالى: وَ اِتَّبِعُوهُ . [الأعراف: 158].

الفرع الثالث: نقل عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما أنه قال: إن ذلك منسوخ بقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اَللََّهُ مََا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مََا تَأَخَّرَ [الفتح: 2]و هذا بعيد لأن النسخ إنما يدخل في الأحكام و التعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.

الفرع الرابع: قالت المعتزلة: إن قوله: إِنِّي أَخََافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مشروط بما يكون واقعا بلا توبة و لا طاعة أعظم منها، و نحن نقول فيه تخصيص ثالث و هو أن لا يعفو عنه ابتداء، لأن عندنا يجوز من اللََّه تعالى أن يعفو عن أصحاب الكبائر.

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنا بينا فيما سلف، أن القوم إنما التمسوا منه ذلك الالتماس، لأجل أنهم اتهموه بأنه هو الذي يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه، على سبيل الاختلاق و الافتعال، لا على سبيل كونه وحيا من عند اللََّه فلهذا المعنى احتج النبي عليه الصلاة و السلام على فساد هذا الوهم بما ذكره اللََّه تعالى في هذه الآية و تقريره أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم من أول عمره إلى ذلك الوقت، و كانوا عالمين بأحواله و أنه ما طالع كتابا و لا تلمذ لأستاذ و لا تعلم من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول، و دقائق علم الأحكام، و لطائف علم الأخلاق، و أسرار قصص الأولين و عجز عن معارضته العلماء و الفصحاء و البلغاء، و كل من له عقل سليم فإنه يعرف أن مثل هذا لا

226

يحصل إلا بالوحي و الإلهام من اللََّه تعالى، فقوله: لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مََا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لاََ أَدْرََاكُمْ بِهِ حكم منه عليه الصلاة و السلام بأن هذا القرآن وحي من عند اللََّه تعالى، لا من اختلافي و لا من افتعالي. و قوله: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ إشارة إلى الدليل الذي قررناه، و قوله: أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ يعني أن مثل/هذا الكتاب العظيم إذا جاء على يد من لم يتعلم و لم يتلمذ و لم يطالع كتابا و لم يمارس مجادلة، يعلم بالضرورة أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي و التنزيل و إنكار العلوم الضرورية يقدح في صحة العقل فلهذا السبب قال: أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ .

المسألة الثانية: قوله: وَ لاََ أَدْرََاكُمْ بِهِ هو من الدراية بمعنى العلم. قال سيبويه: يقال دريته و دريت به، و الأكثر هو الاستعمال بالباء و الدليل عليه قوله تعالى: وَ لاََ أَدْرََاكُمْ بِهِ و لو كان على اللغة الأخرى لقال و لا أدراكموه.

إذا عرفت هذا فنقول: معنى وَ لاََ أَدْرََاكُمْ بِهِ أي و لا أعلمكم اللََّه به و لا أخبركم به. قال صاحب «الكشاف» : قرأ الحسن وَ لاََ أَدْرََاكُمْ بِهِ على لغة من يقول أعطأته و أرضأته في معنى أعطيته و أرضيته و يعضده قراءة ابن عباس و لا أنذرتكم به و رواه الفراء و لا أدرأتكم به بالهمز، و الوجه فيه أن يكون من أدرأته إذا دفعته، و أدرأته إذا جعلته داريا، و المعنى: و لا أجعلكم بتلاوته خصماء تدرءونني بالجدال و تكذبونني، و عن ابن كثير و لأدرأكم بلام الابتداء لإثبات الإدراء.

و أما قوله تعالى: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ فالقراءة المشهورة بضم الميم، و قرئ عمرا بسكون الميم.

و اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر، و ذلك لأنهم التمسوا منه قرآنا يذكره من عند نفسه، و نسبوه إلى أنه إنما يأتي بهذا القرآن من عند نفسه، ثم إنه أقام البرهان القاهر الظاهر على أن ذلك باطل، و أن هذا القرآن ليس إلا بوحي اللََّه تعالى و تنزيله، فعند هذا قال: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً و المراد أن هذا القرآن لو لم يكن من عند اللََّه، لما كان في الدنيا أحد أظلم على نفسه مني، حيث افتريته على اللََّه، و لما أقمت الدلالة على أنه ليس الأمر كذلك، بل هو بوحي من اللََّه تعالى وجب أن يقال إنه ليس في الدنيا أحد أجهل و لا أظلم على نفسه منكم، لأنه لما ظهر بالبرهان المذكور كونه من عند اللََّه، فإذا أنكرتموه كنتم قد كذبتم بآيات اللََّه فوجب أن تكونوا أظلم الناس. و الحاصل أن قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً المقصود منه نفي الكذب عن نفسه و قوله: / أَوْ كَذَّبَ بِآيََاتِهِ المقصود منه إلحاق الوعيد الشديد بهم حيث أنكروا دلائل اللََّه، و كذبوا بآيات اللََّه تعالى.

و أما قوله: إِنَّهُ لاََ يُفْلِحُ اَلْمُجْرِمُونَ فهو تأكيد لما سبق من هذين الكلامين. و اللََّه أعلم.

اعلم أنا ذكرنا أن القوم إنما التمسوا من الرسول صلى اللََّه عليه و سلم قرآنا غير هذا القرآن أو تبديل، هذا القرآن لأن هذا

227

القرآن مشتمل على شتم الأصنام التي جعلوها آلهة لأنفسهم، فلهذا السبب ذكر اللََّه تعالى في هذا الموضع ما يدل على قبح عبادة الأصنام، ليبين أن تحقيرها و الاستخفاف بها أمر حق و طريق متيقن.

و اعلم أنه تعالى حكى عنهم أمرين: أحدهما: أنهم كانوا يعبدون الأصنام. و الثاني: أنهم كانوا يقولون:

هََؤُلاََءِ شُفَعََاؤُنََا عِنْدَ اَللََّهِ أما الأول فقد نبه اللََّه تعالى على فساده بقوله: مََا لاََ يَضُرُّهُمْ وَ لاََ يَنْفَعُهُمْ و تقريره من وجوه: الأول: قال الزجاج: لا يضرهم إن لم يعبدوه و لا ينفعهم إن عبدوه. الثاني: أن المعبود لا بد و أن يكون أكمل قدرة من العابد، و هذه الأصنام لا تنفع و لا تضر ألبتة، و أما هؤلاء الكفار فهم قادرون على التصرف في هذه الأصنام تارة بالإصلاح و أخرى بالإفساد، و إذا كان العابد أكمل حالا من المعبود كانت العبادة باطلة.

الثالث: أن العبادة أعظم أنواع التعظيم، فهي لا تليق إلا بمن صدر عنه أعظم أنواع الإنعام، و ذلك ليس إلا الحياة و العقل و القدرة و مصالح المعاش و المعاد، فإذا كانت المنافع و المضار كلها من اللََّه سبحانه و تعالى، وجب أن لا تليق العبادة إلا باللََّه سبحانه.

و أما النوع الثاني: ما حكاه اللََّه تعالى عنهم في هذه الآية، و هو قولهم: هََؤُلاََءِ شُفَعََاؤُنََا عِنْدَ اَللََّهِ فاعلم أن من الناس من قال إن أولئك الكفار توهموا أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم اللََّه من عبادة اللََّه سبحانه و تعالى فقالوا ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة اللََّه تعالى بل نحن نشتغل/بعبادة هذه الأصنام، و أنها تكون شفعاء لنا عند اللََّه تعالى. ثم اختلفوا في أنهم كيف قالوا في الأصنام إنها شفعاؤنا عند اللََّه؟و ذكروا فيه أقوالا كثيرة:

فأحدها: أنهم اعتقدوا أن المتولي لكل إقليم من أقاليم العالم، روح معين من أرواح عالم الأفلاك، فعينوا لذلك الروح صنما معينا و اشتغلوا بعبادة ذلك الصنم، و مقصودهم عبادة ذلك الروح، ثم اعتقدوا أن ذلك الروح يكون عبدا للإله الأعظم و مشتغلا بعبوديته. و ثانيها: أنهم كانوا يعبدون الكواكب و زعموا أن الكواكب هي التي لها أهلية عبودية اللََّه تعالى، ثم لما رأوا أن الكواكب تطلع و تغرب وضعوا لها أصناما معينة و اشتغلوا بعبادتها، و مقصودهم توجيه العبادة إلى الكواكب. و ثالثها: أنهم وضعوا طلسمات معينة على تلك الأصنام و الأوثان، ثم تقربوا إليها كما يفعله أصحاب الطلسمات. و رابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام و الأوثان على صور أنبيائهم و أكابرهم، و زعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل، فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند اللََّه تعالى، و نظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر، على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند اللََّه. و خامسها: أنهم اعتقدوا أن الإله نور عظيم، و أن الملائكة أنوار فوضعوا على صورة الإله الأكبر الصنم الأكبر، و على صورة الملائكة صورا أخرى. و سادسها: لعل القوم حلولية، و جوزوا حلول الإله في بعض الأجسام العالية الشريفة.

و اعلم أن كل هذه الوجوه باطلة بالدليل الذي ذكره اللََّه تعالى و هو قوله: وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لاََ يَضُرُّهُمْ وَ لاََ يَنْفَعُهُمْ و تقريره ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة.

قوله تعالى: قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اَللََّهَ بِمََا لاََ يَعْلَمُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ لاََ فِي اَلْأَرْضِ سُبْحََانَهُ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ .

اعلم أن المفسرين قرروا وجها واحدا، و هو أن المراد من نفي علم اللََّه تعالى بذلك تقرير نفيه في نفسه، و بيان أنه لا وجود له ألبتة، و ذلك لأنه لو كان موجودا لكان معلوما للََّه تعالى، و حيث لم يكن معلوما للََّه تعالى وجب أن لا يكون موجودا، و مثل هذا الكلام مشهور في العرف، فإن الإنسان إذا أراد نفي شي‏ء عن نفسه يقول:

228

ما علم اللََّه هذا مني، و مقصوده أنه ما حصل ذلك قط، و قرئ أ تنبئون بالتخفيف أما قوله: سُبْحََانَهُ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ فالمقصود تنزيه اللََّه تعالى نفسه عن ذلك الشرك، قرأ حمزة و الكسائي تشركون بالتاء، و مثله في أول النحل في موضعين، و في الروم كلها بالتاء على الخطاب، قال صاحب «الكشاف» «ما» موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم، قال الواحدي: من قرأ بالتاء فلقوله: أَ تُنَبِّئُونَ اَللََّهَ و من قرأ بالياء/فكأنه قيل للنبي صلى اللََّه عليه و سلم قل أنت سُبْحََانَهُ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ و يجوز أن يكون اللََّه سبحانه هو الذي نزه نفسه عما قالوه فقال: سُبْحََانَهُ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ .

اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام، بين السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد، و المقالة الباطلة، فقال: وَ مََا كََانَ اَلنََّاسُ إِلاََّ أُمَّةً وََاحِدَةً و اعلم أن ظاهر قوله: وَ مََا كََانَ اَلنََّاسُ إِلاََّ أُمَّةً وََاحِدَةً لا يدل على أنهم أمة واحدة في ما ذا؟و فيه ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنهم كانوا جميعا على الدين الحق، و هو دين الإسلام، و احتجوا عليه بأمور: الأول: أن المقصود من هذه الآيات بيان كون الكفر باطلا، و تزييف طريق عبادة الأصنام، و تقرير أن الإسلام هو الدين الفاضل، فوجب أن يكون المراد من قوله: كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً هو أنهم كانوا أمة واحدة، إما في الإسلام و إما في الكفر، و لا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر. فبقي أنهم كانوا أمة واحدة في الإسلام، إنما قلنا إنه لا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر لوجوه: الأول: قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذََا جِئْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [النساء: 41]و شهيد اللََّه لا بد و أن يكون مؤمنا عدلا. فثبت أنه ما خلت أمة من الأمم إلا و فيهم مؤمن. الثاني: أن الأحاديث وردت بأن الأرض لا تخلو عمن يعبد اللََّه تعالى، و عن أقوام بهم يمطر أهل الأرض و بهم يرزقون. الثالث: أنه لما كانت الحكمة الأصلية في الخلق هو العبودية، فيبعد خلو أهل الأرض بالكلية عن هذا المقصود.

روي عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «إن اللََّه تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم و عجمهم إلا بقية من أهل الكتاب»

و هذا يدل على قوم تمسكوا بالإيمان قبل مجي‏ء الرسول عليه الصلاة و السلام، فكيف يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر؟و إذا ثبت أن الناس كانوا أمة واحدة إما في الكفر و إما في الإيمان، و أنهم ما كانوا أمة واحدة في الكفر، ثبت أنهم كانوا أمة واحدة في الإيمان، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنهم متى كانوا كذلك؟فقال ابن عباس و مجاهد كانوا على دين الإسلام في عهد آدم و في عهد ولده، و اختلفوا عند/قتل أحد ابنيه الابن الثاني، و قال قوم: إنهم بقوا على دين الإسلام إلى زمن نوح، و كانوا عشرة قرون. ثم اختلفوا على عهد نوح. فبعث اللََّه تعالى إليهم نوحا. و قال آخرون: كانوا على دين الإسلام في زمن نوح بعد الغرق، إلى أن ظهر الكفر فيهم. و قال آخرون: كانوا على دين الإسلام من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي، و هذا القائل قال: المراد من الناس في قوله تعالى: وَ مََا كََانَ اَلنََّاسُ إِلاََّ أُمَّةً وََاحِدَةً فاختلفوا العرب خاصة.

إذا عرفت تفصيل هذا القول فنقول: إنه تعالى لما بين فيما قبل فساد القول بعبادة الأصنام بالدليل الذي ـ

229

قررناه، بين في هذه الآية أن هذا المذهب ليس مذهبا للعرب من أول الأمر، بل كانوا على دين الإسلام، و نفي عبادة الأصنام. ثم حذف هذا المذهب الفاسد فيهم، و الغرض منه أن العرب إذا علموا أن هذا المذهب ما كان أصليا فيهم، و أنه إنما حدث بعد أن لم يكن، لم يتعصبوا لنصرته، و لم يتأذوا من تزييف هذا المذهب، و لم تنفر طباعهم من إبطاله. و مما يقوي هذا القول وجهان: الأول: أنه تعالى قال: وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لاََ يَضُرُّهُمْ وَ لاََ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هََؤُلاََءِ شُفَعََاؤُنََا عِنْدَ اَللََّهِ [يونس: 18]ثم بالغ في إبطاله بالدليل. ثم قال عقيبه:

وَ مََا كََانَ اَلنََّاسُ إِلاََّ أُمَّةً وََاحِدَةً فلو كان المراد منه بيان أن هذا الكفر كان حاصلا فيهم من الزمان القديم، لم يصح جعل هذا الكلام دليلا على إبطال تلك المقالة. أما لو حملناه على أن الناس في أول الأمر كانوا مسلمين، و هذا الكفر إنما حدث فيهم من زمان، أمكن التوسل به إلى تزييف اعتقاد الكفار في هذه المقالة، و في تقبيح صورتها عندهم، فوجب حمل اللفظ عليه تحصيلا لهذا الغرض. الثاني: أنه تعالى قال: وَ مََا كََانَ اَلنََّاسُ إِلاََّ أُمَّةً وََاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ و لا شك أن هذا وعيد، و صرف هذا الوعيد إلى أقرب الأشياء المذكورة أولى، و الأقرب هو ذكر الاختلاف، فوجب صرف هذا الوعيد إلى هذا الاختلاف، لا إلى ما سبق من كون الناس أمة واحدة، و إذا كان كذلك، وجب أن يقال: كانوا أمة واحدة في الإسلام لا في الكفر، لأنهم لو كانوا أمة واحدة في الكفر لكان اختلافهم بسبب الإيمان، و لا يجوز أن يكون الاختلاف الحاصل بسبب الإيمان سببا لحصول الوعيد. أما لو كانوا أمة واحدة في الإيمان لكان اختلافهم بسبب الكفر، و حينئذ يصح جعل ذلك الاختلاف سببا للوعيد.

القول الثاني: قول من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الكفر، و هذا القول منقول عن طائفة من المفسرين. قالوا: و على هذا التقدير ففائدة هذا الكلام في هذا المقام هي أنه تعالى بين للرسول عليه الصلاة و السلام، أنه لا تطمع في أن يصير كل من تدعوه إلى الدين مجيبا لك، قابلا لدينك/فإن الناس كلهم كانوا على الكفر، و إنما حدث الإسلام في بعضهم بعد ذلك، فكيف تطمع في اتفاق الكل على الإيمان؟ القول الثالث: قول من يقول: المراد إنهم كانوا أمة واحدة في أنهم خلقوا على فطرة الإسلام، ثم اختلفوا في الأديان. و إليه الإشارة

بقوله عليه الصلاة و السلام: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»

و منهم من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الشرائع العقلية، و حاصلها يرجع إلى أمرين: التعظيم لأمر اللََّه تعالى و الشفقة على خلق اللََّه. و إليه الإشارة بقوله تعالى: قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاََّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً [الأنعام: 151]و اعلم أن هذه المسألة قد استقصينا فيها في سورة البقرة، فلنكتف بهذا القدر هاهنا.

أما قوله تعالى: وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمََا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فاعلم أنه ليس في الآية ما يدل على أن تلك الكلمة ما هي؟و ذكروا فيه وجوها: الأول: أن يقال لو لا أنه تعالى أخبر بأنه يبقى التكليف على عباده، و إن كانوا به كافرين، لقضى بينهم بتعجيل الحساب و العقاب لكفرهم، لكن لما كان ذلك سببا لزوال التكليف، و يوجب الإلجاء، و كان إبقاء التكليف أصوب و أصلح، لا جرم أنه تعالى أخر هذا العقاب إلى الآخرة. ثم قال هذا القائل، و في ذلك تصبير للمؤمنين على احتمال المكاره من قبل الكافرين و الظالمين.

الثاني: وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ في أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعاما عليهم، لقضى بينهم في‏

230

اختلافهم، بما يمتاز المحق من المبطل و المصيب من المخطئ الثالث: أن تلك الكلمة هي‏

قوله: «سبقت رحمتي غضبي»

فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال و إمهاله إلى وقت الوجدان.

اعلم أن هذا الكلام هو النوع الرابع من شبهات القوم في إنكارهم نبوته، و ذلك أنهم قالوا: إن القرآن الذي جئتنا به كتاب مشتمل على أنواع من الكلمات، و الكتاب لا يكون معجزا، ألا ترى أن كتاب موسى و عيسى ما كان معجزة لهما، بل كان لهما أنواع من المعجزات دلت على نبوتهما/سوى الكتاب. و أيضا فقد كان فيهم من يدعي إمكان المعارضة، كما أخبر اللََّه تعالى أنهم قالوا: لَوْ نَشََاءُ لَقُلْنََا مِثْلَ هََذََا [الأنفال: 31]و إذا كان الأمر كذلك لا جرم طلبوا منه شيئا آخر سوى القرآن، ليكون معجزة له، فحكى اللََّه تعالى عنهم ذلك بقوله:

وَ يَقُولُونَ لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فأمر اللََّه رسوله عليه الصلاة و السلام أن يقول عند هذا السؤال إِنَّمَا اَلْغَيْبُ لِلََّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ .

و اعلم أن الوجه في تقرير هذا الجواب أن يقال: أقام الدلالة القاهرة على أن ظهور القرآن عليه معجزة قاهرة ظاهرة. لأنه عليه الصلاة و السلام بين أنه نشأ فيما بينهم و تربى عندهم، و هم علموا أنه لم يطالع كتابا، و لم يتلمذ لأستاذ. بل كان مدة أربعين سنة معهم و مخالطا لهم، و ما كان مشتغلا بالفكر و التعلم قط، ثم إنه دفعة واحدة ظهر هذا القرآن العظيم عليه، و ظهور مثل هذا الكتاب الشريف العالي، على مثل ذلك الإنسان الذي لم يتفق له شي‏ء من أسباب التعلم، لا يكون إلا بالوحي. فهذا برهان قاهر على أن القرآن معجز قاهر ظاهر، و إذا ثبت هذا كان طلب آية أخرى سوى القرآن من الاقتراحات التي لا حاجة إليها في إثبات نبوته عليه الصلاة و السلام، و تقرير رسالته، و مثل هذا يكون مفوضا إلى مشيئة اللََّه تعالى، فإن شاء أظهرها، و إن شاء لم يظهرها، فكان ذلك من باب الغيب، فوجب على كل أحد أن ينتظر أنه هل يفعله اللََّه أم لا؟و لكن سواء فعل أو لم يفعل، فقد ثبتت النبوة، و ظهر صدقه في ادعاء الرسالة، و لا يختلف هذا المقصود بحصول تلك الزيادة و بعدمها، فظهر أن هذا الوجه جواب ظاهر في تقرير هذا المطلوب.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن القوم لما طلبوا من رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم آية أخرى سوى القرآن، و أجاب الجواب الذي قررناه و هو قوله: إِنَّمَا اَلْغَيْبُ لِلََّهِ [يونس: 20]ذكر جوابا آخر و هو المذكور في هذه الآية، و تقريره من وجهين:

الوجه الأول: أنه تعالى بين في هذه الآية أن عادة هؤلاء الأقوام المكر و اللجاج و العناد/و عدم‏

231

الإنصاف، و إذا كانوا كذلك فبتقدير أن يعطوا ما سألوه من إنزال معجزات أخرى، فإنهم لا يؤمنون بل يبقون على كفرهم و جهلهم، فنفتقر هاهنا إلى بيان أمرين: إلى بيان أن عادة هؤلاء الأقوام المكر و اللجاج و العناد، ثم إلى بيان أنه متى كان الأمر كذلك لم يكن في إظهار سائر المعجزات فائدة.

أما المقام الأول: فتقريره أنه روي أن اللََّه تعالى سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم، و أنزل الأمطار النافعة على أراضيهم، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع الجليلة إلى الأصنام و إلى الأنواء، و على التقديرين فهو مقابلة للنعمة بالكفران. فقوله: وَ إِذََا أَذَقْنَا اَلنََّاسَ رَحْمَةً المراد منه تلك الأمطار النافعة. و قوله: مِنْ بَعْدِ ضَرََّاءَ مَسَّتْهُمْ المراد منه ذلك القحط الشديد. و قوله: إِذََا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيََاتِنََا المراد منه إضافتهم تلك المنافع الجليلة إلى الأنواء و الكواكب أو إلى الأصنام.

و اعلم أنه تعالى ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة، و هو قوله تعالى: وَ إِذََا مَسَّ اَلْإِنْسََانَ اَلضُّرُّ دَعََانََا لِجَنْبِهِ أَوْ قََاعِداً أَوْ قََائِماً فَلَمََّا كَشَفْنََا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنََا إِلى‏ََ ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس: 12]إلا أنه تعالى زاد في هذه الآية التي نحن في تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها في تلك الآية، و تلك الدقيقة هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة، و يطلبون الغوائل، و في الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة، فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج و العناد و المكر و طلب الغوائل.

و أما المقام الثاني: و هو بيان أنه متى كان الأمر كذلك فلا فائدة في إظهار سائر الآيات، لأنه تعالى لو أظهر لهم جميع ما طلبوه من المعجزات الظاهرة فإنهم لا يقبلونها، لأنه ليس غرضهم من هذه الاقتراحات التشدد في طلب الدين، و إنما غرضهم الدفع و المنع و المبالغة في صون مناصبهم الدنيوية، و الامتناع من المتابعة للغير، و الدليل عليه أنه تعالى لما شدد الأمر عليهم و سلط البلاء عليهم، ثم أزالها عنهم و أبدل تلك البليات بالخيرات، فهم مع ذلك استمروا على التكذيب و الجحود، فدل ذلك على أنه تعالى لو أنزل عليهم الآيات التي طلبوها لم يلتفتوا إليها، فظهر بما ذكرنا أن هذا الكلام جواب قاطع عن السؤال المتقدم.

الوجه الثاني: في تقرير هذا الجواب: أن أهل مكة قد حصل لهم أسباب الرفاهية و طيب العيش، و من كان كذلك تمرد و تكبر كما قال تعالى: إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَيَطْغى‏ََ*`أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‏ََ [العلق: 6، 7]و قرر تعالى هذا المعنى بالمثال المذكور، فإقدامهم على طلب الآيات الزائدة و الاقتراحات الفاسدة، إنما كان لأجل ما هم فيه من النعم الكثيرة و الخيرات المتوالية، و قوله: قُلِ اَللََّهُ أَسْرَعُ مَكْراً كالتنبيه على أنه تعالى يزيل عنهم تلك النعم، و يجعلهم منقادين للرسول مطيعين له، تاركين لهذه الاعتراضات الفاسدة، و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قوله تعالى: وَ إِذََا أَذَقْنَا اَلنََّاسَ رَحْمَةً كلام ورد على سبيل المبالغة، و المراد منه إيصال الرحمة إليهم.

و اعلم أن رحمة اللََّه تعالى لا تذاق بالفم، و إنما تذاق بالعقل، و ذلك يدل على أن القول بوجود السعادات الروحانية حق.

المسألة الثالثة: قال الزجاج (إذا) في قوله: وَ إِذََا أَذَقْنَا اَلنََّاسَ رَحْمَةً للشرط و إِذََا في قوله إِذََا لَهُمْ مَكْرٌ جواب الشرط و هو كقوله: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذََا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: 36]

232

و المعنى: إذا أذقنا الناس رحمة مكروا و إن تصبهم سيئة قنطوا. و اعلم أن (إذا) في قوله: إِذََا لَهُمْ مَكْرٌ تفيد المفاجأة، معناه أنهم في الحال أقدموا على المكر و سارعوا إليه.

المسألة الرابعة: سمي تكذيبهم بآيات اللََّه مكرا، لأن المكر عبارة عن صرف الشي‏ء عن وجهه الظاهر بطريق الحيلة، و هؤلاء يحتالون لدفع آيات اللََّه بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في مناظرة أو غير ذلك من الأمور الفاسدة. قال مقاتل: المراد من هذا المكر هو أن هؤلاء لا يقولون هذا رزق اللََّه، بل يقولون سقينا بنوء كذا.

أما قوله تعالى: قُلِ اَللََّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنََا يَكْتُبُونَ مََا تَمْكُرُونَ فالمعنى أن هؤلاء الكفار لما قابلوا نعمة اللََّه بالمكر، فاللََّه سبحانه و تعالى قابل مكرهم بمكر أشد من ذلك، و هو من وجهين: الأول: ما أعد لهم يوم القيامة من العذاب الشديد، و في الدنيا من الفضيحة و الخزي و النكال. و الثاني: أن رسل اللََّه يكتبون مكرهم و يحفظونه، و تعرض عليهم ما في بواطنهم الخبيئة يوم القيامة، و يكون ذلك سببا للفضيحة التامة و الخزي و النكال نعوذ باللََّه تعالى منه.

في قوله تعالى هُوَ اَلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ إلى قوله بِغَيْرِ اَلْحَقِّ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في ذكر اللََّه تعالى لنقل الإنسان من الضر الشديد إلى الرحمة مثالا، و لمكر الإنسان مثالا اعلم أنه تعالى لما قال: وَ إِذََا أَذَقْنَا اَلنََّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرََّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذََا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيََاتِنََا [يونس: 21]كان هذا الكلام كلاما كليا لا ينكشف معناه تمام الانكشاف إلا بذكر مثال كامل، فذكر اللََّه تعالى لنقل الإنسان من الضر الشديد إلى الرحمة مثالا، و لمكر الإنسان مثالا، حتى تكون هذه الآية كالمفسرة للآية التي قبلها، و ذلك لأن المعنى الكلي لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال جلي واضح يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي.

و اعلم أن الإنسان إذا ركب السفينة و وجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود، حصل له الفرح التام و المسرة القوية، ثم قد تظهر علامات الهلاك دفعة واحدة. فأولها: أن تجيئهم الرياح العاصفة الشديدة. و ثانيها: أن تأتيهم الأمواج العظيمة من كل جانب. و ثالثها: أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك واقع، و أن النجاة ليست متوقعة، و لا شك أن الانتقال من تلك الأحوال الطيبة الموافقة إلى هذه الأحوال القاهرة الشديدة يوجب الخوف العظيم، و الرعب الشديد، و أيضا مشاهدة هذه الأحوال و الأهوال في البحر مختصة بإيجاب مزيد الرعب و الخوف ثم إن الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل اللََّه و رحمته، و يصير منقطع الطمع عن جميع الخلق، و يصير بقلبه و روحه و جميع أجزائه متضرعا إلى اللََّه تعالى، ثم إذا نجاه اللََّه تعالى من هذه البلية العظيمة، و نقله من هذه المضرة القوية إلى الخلاص و النجاة، ففي الحال ينسى تلك النعمة و يرجع إلى ما ألفه‏