التفسير الكبير - ج18

- الفخر الرازي‏ المزيد...
527 /
357

الجزء الثامن عشر

تتمة سورة هود

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

و فيه مسألتان:

في قوله تعالى وَ نََادى‏ََ نُوحٌ رَبَّهُ فَقََالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ اَلْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ اَلْحََاكِمِينَ المسألة الأولى: اعلم أن قوله: رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي فقد ذكرنا الخلاف في أنه هل كان ابنا له أم لا فلا نعيده، ثم إنه تعالى ذكر أنه قال: يََا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ و اعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه كان ابنا له وجب حمل قوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ على أحد وجهين: أحدهما: أن يكون المراد أنه ليس من أهل دينك.

و الثاني: المراد أنه ليس من أهلك الذين و عدتك أن أنجيهم معك و القولان متقاربان.

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب فإن في هذه الصورة/كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه و لكن لما انتفت قرابة الدين لا جرم نفاه اللََّه تعالى بأبلغ الألفاظ و هو قوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ .

ثم قال تعالى: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ قرأ الكسائي: عمل على صيغة الفعل الماضي، و غير بالنصب، و المعنى: إن ابنك عمل عملا غير صالح يعني أشرك و كذب، و كلمة غَيْرُ نصب، لأنها نعت لمصدر محذوف، و قرأ الباقون: عمل بالرفع و التنوين، و فيه وجهان: الأول: أن الضمير في قوله إنه عائد إلى السؤال، يعني أن هذا السؤال عمل و هو قوله: إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ اَلْحَقُّ غير صالح، لأن طلب نجاة الكافر بعد أن سبق الحكم، الجزم بأنه لا ينجي أحدا منهم سؤال باطل. الثاني: أن يكون هذا الضمير عائدا إلى الابن، و على هذا التقدير ففي وصفه بكونه عملا غير صالح وجوه: الأول: إن الرجل إذا كثر عمله و إحسانه يقال له: إنه علم و كرم وجود، فكذا هاهنا لما كثر إقدام ابن نوح على الأعمال الباطلة حكم عليه بأنه في نفسه عمل باطل.

الثاني: أن يكون المراد أنه ذو عمل باطل، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه. الثالث: قال بعضهم معنى قوله: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ أي إنه ولد زنا و هذا القول باطل قطعا.

358

ثم إنه تعالى قال لنوح عليه السلام: فَلاََ تَسْئَلْنِ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: احتج بهذه الآية من قدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام من وجوه:

الوجه الأول: أن قراءة عمل بالرفع و التنوين قراءة متواترة فهي محكمة، و هذا يقتضي عود الضمير في قوله: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ إما إلى ابن نوح و إما إلى ذلك السؤال، فالقول بأنه عائد إلى ابن نوح لا يتم إلا بإضمار و هو خلاف الظاهر. و لا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة و لا ضرورة هاهنا، لأنا إذا حكمنا بعود الضمير إلى السؤال المتقدم فقد استغنينا عن هذا الضمير، فثبت أن هذا الضمير عائد إلى هذا السؤال، فكان التقدير أن هذا السؤال عمل غير صالح، أي قولك: إن ابني من أهلي لطلب نجاته عمل غير صالح، و ذلك يدل على أن هذا السؤال كان ذنبا و معصية.

الوجه الثاني: أن قوله: فَلاََ تَسْئَلْنِ نهي له عن السؤال، و المذكور السابق هو قوله إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي فدل هذا على أنه تعالى نهاه عن ذلك السؤال فكان ذلك السؤال ذنبا و معصية.

الوجه الثالث: أن قوله: فَلاََ تَسْئَلْنِ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يدل على أن ذلك السؤال كان قد صدر لا عن العلم، و القول بغير العلم ذنب لقوله تعالى: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ* [البقرة: 169].

الوجه الرابع: أن قوله تعالى: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ يدل على أن ذلك السؤال/كان محض الجهل. و هذا يدل على غاية التقريع و نهاية الزجر، و أيضا جعل الجهل كناية عن الذنب مشهور في القرآن. قال تعالى: يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ [النساء: 17]و قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: أَعُوذُ بِاللََّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ [البقرة: 67].

الوجه الخامس: أن نوحا عليه السلام اعترف بإقدامه على الذنب و المعصية في هذا المقام فإنه قال: إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مََا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ إِلاََّ تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ و اعترافه بذلك يدل على أنه كان مذنبا.

الوجه السادس: في التمسك بهذه الآية أن هذه الآية تدل على أن نوحا نادى ربه لطلب تخليص ولده من الغرق، و الآية المتقدمة و هي قوله: وَ نََادى‏ََ نُوحٌ اِبْنَهُ و قال: يََا بُنَيَّ اِرْكَبْ مَعَنََا تدل على أنه عليه السلام طلب من ابنه الموافقة. فنقول: إما أن يقال إن طلب هذا المعنى من اللََّه كان سابقا على طلبه من الولد أو كان بالعكس، و الأول باطل لأن بتقدير أن يكون طلب هذا المعنى من اللََّه تعالى سابقا على طلبه من الابن لكان قد سمع من اللََّه أنه تعالى لا يخلص ذلك الابن من الغرق، و أنه تعالى نهاه عن ذلك الطلب، و بعد هذا كيف قال له: يََا بُنَيَّ اِرْكَبْ مَعَنََا وَ لاََ تَكُنْ مَعَ اَلْكََافِرِينَ و أما إن قلنا: إن هذا الطلب من الابن كان متقدما فكان قد سمع من الابن قوله: سَآوِي إِلى‏ََ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ اَلْمََاءِ و ظهر بذلك كفره، فكيف طلب من اللََّه تخليصه، و أيضا أنه تعالى أخبر أن نوحا لما طلب ذلك منه و امتنع هو صار من المغرقين فكيف يطلب من اللََّه تخليصه من الغرق بعد أن صار من المغرقين، فهذه الآية من هذه الوجوه الستة تدل على صدور المعصية من نوح عليه السلام.

و اعلم أنه لما دلت الدلائل الكثيرة على وجوب تنزيه اللََّه تعالى الأنبياء عليهم السلام من المعاصي، وجب حمل هذه الوجوه المذكورة على ترك الأفضل و الأكمل، و حسنات الأبرار سيئات المقربين، فلهذا السبب حصل‏

359

هذا العتاب و الأمر بالاستغفار، و لا يدل على سابقة الذنب كما قال: إِذََا جََاءَ نَصْرُ اَللََّهِ وَ اَلْفَتْحُ*`وَ رَأَيْتَ اَلنََّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اَللََّهِ أَفْوََاجاً*`فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اِسْتَغْفِرْهُ [النصر: 1-3]و معلوم أن مجي‏ء نصر اللََّه و الفتح و دخول الناس في دين اللََّه أفواجا ليست بذنب يوجب الاستغفار و قال تعالى: وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ [محمد: 19]و ليس جميعهم مذنبين، فدل ذلك على أن الاستغفار قد يكون بسبب ترك لأفضل.

المسألة الثانية: قرأ نافع برواية ورش و إسماعيل بتشديد النون و إثبات الياء تسألني و قرأ ابن عامر و نافع برواية قالون بتشديد النون و كسرها من غير إثبات الياء، و قرأ أبو عمرو بتخفيف/النون و كسرها و حذف الياء تسألن أما التشديد فللتأكيد و أما إثبات الياء فعلى الأصل، و أما ترك التشديد و الحذف فللتخفيف من غير إخلال.

في قوله تعالى رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مََا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ إِلاََّ تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ و اعلم أنه تعالى لما نهاه عن ذلك السؤال حكى عنه أنه قال: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مََا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ إِلاََّ تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ و المعنى أنه تعالى لما قال له: فَلاََ تَسْئَلْنِ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فقال عند ذلك قبلت يا رب هذا التكليف، و لا أعوذ إليه إلا أني لا أقدر على الاحتراز منه إلا بإعانتك و هدايتك، فلهذا بدأ أولا بقوله: إِنِّي أَعُوذُ بِكَ .

و اعلم أن قوله: إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مََا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ إخبار عما في المستقبل، أي لا أعود إلى هذا العمل، ثم أشتغل بالاعتذار عما مضى، فقال: وَ إِلاََّ تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ و حقيقة التوبة تقتضي أمرين: أحدهما: في المستقبل، و هو العزم على الترك و إليه الإشارة بقوله: إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مََا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ و الثاني: في الماضي و هو الندم على ما مضى و إليه الإشارة بقوله: وَ إِلاََّ تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ و نختم هذا الكلام بالبحث عن الزلة التي صدرت عن نوح عليه السلام في هذا المقام.

فنقول: إن أمة نوح عليه السلام كانوا على ثلاثة أقسام كافر يظهر كفره و مؤمن يعلم إيمانه و جمع من المنافقين، و قد كان حكم المؤمنين هو النجاة و حكم الكافرين هو الغرق، و كان ذلك معلوما، و أما أهل النفاق فبقي حكمهم مخفيا و كان ابن نوح منهم و كان يجوز فيه كونه مؤمنا، و كانت الشفقة المفرطة التي تكون من الأب في حق الابن تحمله على حمل أعماله و أفعاله لا على كونه كافرا، بل على الوجوه الصحيحة، فلما رآه بمعزل عن القوم طلب منه أن يدخل السفينة فقال: سَآوِي إِلى‏ََ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ اَلْمََاءِ و ذلك لا يدل على كفره لجواز أن يكون قد ظن أن الصعود على الجبل يجري مجرى الركوب في السفينة في أنه يصونه عن الغرق، و قول نوح:

لاََ عََاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ إِلاََّ مَنْ رَحِمَ لا يدل إلا على أنه عليه السلام كان يقرر عند ابنه أنه لا ينفعه إلا الإيمان و العمل الصالح، و هذا أيضا لا يدل على أنه علم من ابنه أنه كان كافرا فعند هذه الحالة كان قد بقي في قلبه ظن أن ذلك الابن مؤمن، فطلب من اللََّه تعالى تخليصه بطريق من الطرق إما بأن يمكنه من الدخول في السفينة، و إما أن يحفظه على قلة جبل، فعند ذلك أخبره اللََّه تعالى بأنه منافق و أنه ليس من أهل دينه، فالزلة الصادرة عن نوح عليه السلام هو أنه لم يستقص في تعريف ما يدل على نفاقه و كفره، بل اجتهد في ذلك و كان يظن أنه مؤمن، مع أنه أخطأ في ذلك الاجتهاد، لأنه كان كافرا فلم يصدر عنه إلا الخطأ في هذا الاجتهاد، كما قررنا ذلك في أن آدم عليه السلام لم تصدر عنه تلك الزلة إلا لأنه أخطأ في هذا الاجتهاد، فثبت بما ذكرنا أن الصادر عن نوح عليه السلام ما كان من باب الكبائر و إنما هو من باب الخطأ في الاجتهاد، و اللََّه أعلم.

360

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى أخبر عن السفينة أنها استوت على الجودي، فهناك قد خرج نوح و قومه من السفينة لا محالة، ثم إنهم نزلوا من ذلك الجبل إلى الأرض فقوله: اِهْبِطْ يحتمل أن يكون أمرا بالخروج من السفينة إلى أرض الجبل و أن يكون أمرا بالهبوط من الجبل إلى الأرض المستوية.

المسألة الثانية: أنه تعالى وعده عند الخروج بالسلامة أولا، ثم بالبركة ثانيا، أما الوعد بالسلامة فيحتمل وجهين: الأول: أنه تعالى أخبر في الآية المتقدمة أن نوحا عليه السلام تاب عن زلته و تضرع إلى اللََّه تعالى بقوله: وَ إِلاََّ تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ [هود: 47]و هذا التضرع هو عين التضرع الذي حكاه اللََّه تعالى عن آدم عليه السلام عند توبته من زلته و هو قوله: رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنََا وَ تَرْحَمْنََا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ [الأعراف: 23]فكان نوح عليه السلام محتاجا إلى أن بشره اللََّه تعالى بالسلامة من التهديد و الوعيد فلما قيل له: يََا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلاََمٍ مِنََّا حصل له الأمن من جميع المكاره المتعلقة بالدين. و الثاني: أن ذلك الغرق لما كان عاما في جميع الأرض فعند ما خرج نوح عليه السلام من السفينة علم أنه ليس في الأرض شي‏ء مما ينتفع به من النبات و الحيوان، فكان كالخائف في أنه كيف يعيش و كيف يدفع جميع الحاجات عن نفسه من المأكول و المشروب، فلما قال اللََّه تعالى: اِهْبِطْ بِسَلاََمٍ مِنََّا زال عنه ذلك الخوف، لأن ذلك يدل على حصول السلامة من الآفات و لا يكون ذلك إلا مع الأمن و سعة الرزق، ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة هي عبارة عن الدوام و البقاء، و الثبات، و نيل الأمل، و منه بروك الإبل، و منه البركة لثبوت الماء فيها، و منه تبارك و تعالى، أي ثبت تعظيمه، ثم اختلف المفسرون في تفسير هذا الثبات و البقاء.

فالقول الأول: أنه تعالى صير نوحا أبا البشر، لأن جميع من بقي كانوا من نسله و عند هذا/قال هذا القائل: إنه لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته و لم يحصل النسل إلا من ذريته، فالخلق كلهم من نسله و ذريته، و قال آخرون: لم يكن في سفينة نوح عليه السلام إلا من كان من نسله و ذريته، و على التقديرين فالخلق كلهم إنما تولدوا منه و من أولاده، و الدليل عليه قوله تعالى: وَ جَعَلْنََا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْبََاقِينَ [الصافات: 77]فثبت أن نوحا عليه السلام كان آدم الأصغر، فهذا هو المراد من البركات التي وعده اللََّه بها.

و القول الثاني: أنه تعالى لما وعده بالسلامة من الآفات، وعده بأن موجبات السلامة، و الراحة و الفراغة يكون في التزايد و الثبات و الاستقرار، ثم إنه تعالى لما شرفه بالسلامة و البركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا معه فقال: وَ عَلى‏ََ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ و اختلفوا في المراد منه على ثلاثة أقوال: منهم من حمله على أولئك الأقوام الذين نجوا معه و جعلهم أمما و جماعات، لأنه ما كان في ذلك الوقت في جميع الأرض أحد من البشر إلا هم، فلهذا السبب جعلهم أمما، و منهم من قال: بل المراد ممن معك نسلا و تولدا قالوا: و دليل ذلك أنه ما كان معه إلا الذين آمنوا و قد حكم اللََّه تعالى عليهم بالقلة في قوله تعالى: وَ مََا آمَنَ مَعَهُ إِلاََّ قَلِيلٌ [هود: 40]و منهم من‏

361

قال: المراد من ذلك مجموع الحاضرين مع الذين سيولدون بعد ذلك، و المختار هو القول الثاني: و من في قوله: مِمَّنْ مَعَكَ لابتداء الغاية، و المعنى: و على أمم ناشئة من الذين معك.

و اعلم أنه تعالى جعل تلك الأمم الناشئة من الذين معه على قسمين: أحدهما: الذين عطفهم على نوح في وصول سلام اللََّه و بركاته إليهم و هم أهل الإيمان. و الثاني: أمم وصفهم بأنه تعالى سيمتعهم مدة في الدنيا ثم في الآخرة يمسهم عذاب أليم، فحكم تعالى بأن الأمم الناشئة من الذين كانوا مع نوح عليه السلام لا بد و أن ينقسموا إلى مؤمن و إلى كافر. قال المفسرون: دخل في تلك السلامة كل مؤمن و كل مؤمنة إلى يوم القيامة، و دخل في ذلك المتاع و في ذلك العذاب كل كافر و كافرة إلى يوم القيامة، ثم قال أهل التحقيق: إنه تعالى إنما عظم شأن نوح بإيصال السلامة و البركات منه إليه، لأنه قال: بِسَلاََمٍ مِنََّا و هدا يدل على أن الصديقين لا يفرحون بالنعمة من حيث إنها نعمة و لكنهم إنما يفرحون بالنعمة من حيث أنها من الحق، و في التحقيق يكون فرحهم بالحق و طلبهم للحق و توجههم إلى الحق، و هذا مقام شريف لا يعرفه إلا خواص اللََّه تعالى، فإن الفرح بالسلامة و البركة من حيث هما سلامة و بركة غير، و الفرح بالسلامة و البركة من حيث إنهما من الحق غير، و الأول: نصيب عامة الخلق، و الثاني: نصيب المقربين، و لهذا السبب قال بعضهم: من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني، و من آثر العرفان لا للعرفان بل للمعروف فقد خاض لجة/الوصول، و أما أهل العقاب فقد قال في شرح أحوالهم وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنََّا عَذََابٌ أَلِيمٌ فحكم بأنه تعالى يعطيهم نصيبا من متاع الدنيا فدل ذلك على خساسة الدنيا، فإنه تعالى لما ذكر أحوال المؤمنين لم يذكر ألبتة أنه يعطيهم الدنيا أم لا. و لما ذكر أحوال الكافرين ذكر أنه يعطيهم الدنيا، و هذا تنبيه عظيم على خساسة السعادات الجسمانية و الترغيب في المقامات الروحانية.

و اعلم أنه تعالى لما شرح قصة نوح عليه السلام على التفصيل قال: تِلْكَ أي تلك الآيات التي ذكرناها، و تلك التفاصيل التي شرحناها من أنباء الغيب، أي من الأخبار التي كانت غائبة عن الخلق فقوله:

تِلْكَ في محل الرفع على الابتداء، و مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ الخبر و نُوحِيهََا إِلَيْكَ خبر ثان و ما بعده أيضا خبر ثالث.

ثم قال تعالى: مََا كُنْتَ تَعْلَمُهََا أَنْتَ وَ لاََ قَوْمُكَ و المعنى: أنك ما كنت تعرف هذه القصة، بل قومك ما كانوا يعرفونها أيضا، و نظيره أن تقول لإنسان لا تعرف هذه المسألة لا أنت و لا أهل بلدك.

فإن قيل: أليس قد كانت قصة طوفان نوح عليه السلام مشهورة عند أهل العلم؟ قلنا: تلك القصة بحسب الإجمال كانت مشهورة، أما التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة.

ثم قال: فَاصْبِرْ إِنَّ اَلْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ و المعنى: يا محمد اصبر أنت و قومك على أذى هؤلاء الكفار كما صبر نوح و قومه على أذى أولئك الكفار، و فيه تنبيه على أن الصبر عاقبته النصر و الظفر و الفرح و السرور كما كان لنوح عليه السلام و لقومه.

362

فإن قال قائل: إنه تعالى ذكر هذه القصة في سورة يونس ثم إنه أعادها هاهنا مرة أخرى، فما الفائدة في هذا التكرير؟ قلنا: إن القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه: ففي السورة الأولى كان الكفار يستعجلون نزول العذاب، فذكر تعالى قصة نوح في بيان أن قومه كانوا يكذبونه بسبب أن العذاب ما كان يظهر/ثم في العاقبة ظهر فكذا في واقعة محمد صلى اللََّه عليه و سلم، و في هذه السورة ذكر هذه القصة لأجل أن الكفار كانوا يبالغون في الإيحاش، فذكر اللََّه تعالى هذه القصة لبيان أن إقدام الكفار على الإيذاء و الإيحاش كان حاصلا في زمان نوح، إلا أنه عليه السلام لما صبر نال الفتح و الظفر، فكن يا محمد كذلك لتنال المقصود، و لما كان وجه الانتفاع بهذه القصة في كل سورة من وجه آخر لم يكن تكريرها خاليا عن الفائدة.

اعلم أن هذا هو القصة الثانية من القصص التي ذكرها اللََّه تعالى في هذه السورة، و اعلم أن هذا معطوف على قوله: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً [الحديد: 26]و التقدير: و لقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا و قوله: هُوداً عطف بيان.

و اعلم أنه تعالى وصف هودا بأنه أخوهم و معلوم أن تلك الأخوة ما كانت في الدين، و إنما كانت في النسب، لأن هودا كان رجلا من قبيلة عاد، و هذه القبيلة كانت قبيلة من العرب و كانوا بناحية اليمن، و نظيره ما يقال للرجل يا أخا تميم و يا أخا سليم، و المراد رجل منهم.

فإن قيل: إنه تعالى، قال في ابن نوح‏ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: 46]فبين أن قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة الدين، و هاهنا أثبت هذه الأخوة مع الاختلاف في الدين، فما الفرق بينهما؟ قلنا: المراد من هذا الكلام استمالة قوم محمد صلى اللََّه عليه و سلم، لأن قومه كانوا يستبعدون في محمد مع أنه و احد من قبيلتهم أن يكون رسولا إليهم من عند اللََّه، فذكر اللََّه تعالى أن هودا كان و أحدا من عاد و أن صالحا كان و أحدا من ثمود لإزالة هذا الاستبعاد.

و اعلم أنه تعالى حكى عن هود عليه السلام، أنه دعا قومه إلى أنواع من التكاليف.

فالنوع الأول: أنه دعاهم إلى التوحيد، فقال: يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ/إِلاََّ مُفْتَرُونَ و فيه سؤال و هو أنه كيف دعاهم إلى عبادة اللََّه تعالى قبل أن أقام الدلالة على ثبوت الإله تعالى؟ قلنا: دلائل وجود اللََّه تعالى ظاهرة، و هي دلائل الآفاق و الأنفس و قلما توجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله تعالى، و لذلك قال تعالى في صفة الكفار: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ* .

قال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه اللََّه و ختم له بالحسن، دخلت بلاد الهند فرأيت‏

363

أولئك الكفار مطبقين على الاعتراف بوجود الإله، و أكثر بلاد الترك أيضا كذلك، و أنما الشأن في عبادة الأوثان، فإنها آفة عمت أكثر أطراف الأرض و هكذا الأمر كان في الزمان القديم، أعني زمان نوح و هود و صالح عليهم السلام، فهؤلاء الأنبياء صلوات اللََّه و سلامه عليهم، كانوا يمنعونهم من عبادة الأصنام، فكان قوله: اُعْبُدُوا اَللََّهَ معناه لا تعبدوا غير اللََّه و الدليل عليه أنه قال عقيبه: مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ و ذلك يدل على أن المقصود من هذا الكلام منعهم عن الاشتغال بعبادة الأصنام.

و أما قوله: مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ فقرى‏ء غَيْرُهُ بالرفع صفة على محل الجار و المجرور، و قرئ بالجر صفة على اللفظ.

ثم قال: إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ مُفْتَرُونَ يعني أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام تحسن عبادتها، أو في قولكم إنها تستحق العبادة، و كيف لا يكون هذا كذبا و افتراء و هي جمادات لا حس لها و لا إدراك، و الإنسان هو الذي ركبها و صورها فكيف يليق بالإنسان الذي صنعها أن يعبدها و أن يضع الجبهة على التراب تعظيما لها، }ثم إنه عليه الصلاة و السلام لما أرشدهم إلى التوحيد و منعهم عن عبادة الأوثان قال: و يََا قَوْمِ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلَى اَلَّذِي فَطَرَنِي و هو عين ما ذكره نوح عليه السلام، و ذلك لأن الدعوة إلى اللََّه تعالى إذا كانت مطهرة عن دنس الطمع، قوي تأثيرها في القلب.

ثم قال: أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ يعني أفلا تعقلون أني مصيب في المنع من عبادة الأصنام، و ذلك لأن العلم بصحة هذا المنع، كأنه مركوز في بدائه العقول.

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التكاليف التي ذكرها هود عليه السلام لقومه، و ذلك لأنه في المقام الأول دعاهم إلى التوحيد، و في هذا المقام دعاهم إلى الاستغفار ثم إلى التوبة، و الفرق بينهما قد تقدم في أول هذه السورة. قال أبو بكر الأصم: استغفروا: أي سلوه أن يغفر لكم ما تقدم من شرككم ثم توبوا من بعده بالندم على ما مضى و بالعزم على أن لا تعدوا إلى مثله؛ ثم‏

إنه عليه السلام قال: «إنكم متى فعلتم ذلك فاللََّه تعالى يكثر النعم عندكم و يقويكم على الانتفاع بتلك النعم»

و هذا غاية ما يراد من السعادات، فإن النعم إن لم تكن حاصلة تعذر الانتفاع و إن كانت حاصلة، إلا أن الحيوان قام به المنع من الانتفاع بها لم يحصل المقصود أيضا، أما إذا كثرت النعمة و حصلت القوة الكاملة على الانتفاع بها، فههنا تحصل غاية السعادة و البهجة فقوله تعالى: يُرْسِلِ اَلسَّمََاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرََاراً إشارة إلى تكثير النعم لأن مادة حصول النعم هي الأمطار الموافقة، و قوله: وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى‏ََ قُوَّتِكُمْ إشارة إلى كمال حال القوى التي بها يمكن الانتفاع بتلك النعمة، و لا شك أن هذه الكلمة جامعة في البشارة بتحصيل السعادات و أن الزيادة عليها ممتنعة في صريح العقل، و يجب على العاقل أن يتأمل في هذه اللطائف ليعرف ما في هذا الكتاب الكريم من الأسرار المخفية، و أما المفسرون فإنهم قالوا القوم كانوا مخصوصين في الدنيا بنوعين من الكمال: أحدهما: أن بساتينهم و مزارعهم كانت في غاية الطيب و البهجة، و الدليل عليه قوله: إِرَمَ ذََاتِ اَلْعِمََادِ*`اَلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهََا فِي اَلْبِلاََدِ [الفجر: 7، 8]و الثاني: أنهم كانوا في غاية القوة و البطش و لذلك قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنََّا قُوَّةً [فصلت: 15]، و لما كان القوم مفتخرين على سائر الخلق‏

364

بهذين الأمرين وعدهم هود عليه السلام، أنهم لو تركوا عبادة الأصنام و اشتغلوا بالاستغفار و التوبة فإن اللََّه تعالى يقوي حالهم في هذين المطلوبين و يزيدهم فيها درجات كثيرة، و

نقل أيضا أن اللََّه تعالى لما بعث هودا عليه السلام إليهم و كذبوه و حبس اللََّه عنهم المطر سنين و أعقم أرحام نسائهم فقال لهم هود: إن آمنتم باللََّه أحيا اللََّه بلادكم و رزقكم المال و الولد،

فذلك قوله: يُرْسِلِ اَلسَّمََاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرََاراً و المدرار الكثير الدر و هو من أبنية المبالغة و قوله: وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى‏ََ قُوَّتِكُمْ ففسروا هذه القوة بالمال و الولد، و الشدة في الأعضاء، لأن كل ذلكم ما يتقوى به الإنسان.

فإن قيل: حاصل الكلام هو أن هودا عليه السلام قال: لو اشتغلتم بعبادة اللََّه تعالى لانفتحت عليكم أبواب الخيرات الدنيوية، و ليس الأمر كذلك،

لأنه عليه الصلاة و السلام قال: «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل»

فكيف الجمع بينهما، و أيضا فقد جرت عادة القرآن بالترغيب في الطاعات بسبب ترتيب الخيرات الدنيوية و الأخروية عليها، فأما الترغيب في الطاعات، لأجل ترتيب الخيرات الدنيوية عليها، فذلك لا يليق بالقرآن بل هو طريق مذكور في التوراة.

الجواب: أنه لما أكثر الترغيب في السعادات الأخروية لم يبعد الترغيب أيضا في خير الدنيا بقدر الكفاية.

و أما قوله: وَ لاََ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ فمعناه: لا تعرضوا عني و عما أدعوكم إليه و أرغبكم فيه مجرمين أي مصرين على إجرامكم و آثامكم.

اعلم أنه تعالى لما حكى عن هود عليه السلام ما ذكره للقوم، حكى أيضا ما ذكره القوم له و هو أشياء:

أولها: قولهم: مََا جِئْتَنََا بِبَيِّنَةٍ أي بحجة، و البينة سميت بينة لأنها تبين الحق من الباطل، و من المعلوم أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزات إلا أن القوم بجهلهم أنكروها، و زعموا أنه ما جاء بشي‏ء من المعجزات.

و ثانيها: قولهم: وَ مََا نَحْنُ بِتََارِكِي آلِهَتِنََا عَنْ قَوْلِكَ و هذا أيضا ركيك، لأنهم/كانوا يعترفون بأن النافع و الضار هو اللََّه تعالى و أن الأصنام لا تنفع و لا تضر، و متى كان الأمر كذلك فقد ظهر في بديهة العقل أنه لا تجوز عبادتها و تركهم آلهتهم لا يكون عن مجرد قوله بل عن حكم نظر العقل و بديهة النفس. و ثالثها: قوله: وَ مََا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ و هذا يدل على الإصرار و التقليد و الجحود. }و رابعها: قولهم: إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَرََاكَ بَعْضُ آلِهَتِنََا بِسُوءٍ يقال: اعتراه كذا إذا غشيه و أصابه. و المعنى: أنك شتمت آلهتنا فجعلتك مجنونا و أفسدت عقلك، ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ذلك قال هود عليه السلام: إِنِّي أُشْهِدُ اَللََّهَ وَ اِشْهَدُوا أَنِّي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ‏`مِنْ دُونِهِ و هو ظاهر.

ثم قال: فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاََ تُنْظِرُونِ و هذا نظير ما قاله نوح عليه السلام لقومه: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكََاءَكُمْ إلى قوله: وَ لاََ تُنْظِرُونِ [يونس: 71]. ـ

365

و اعلم أن هذا معجزة قاهرة، و ذلك أن الرجل الواحد إذا أقبل على القوم العظيم و قال لهم: بالغوا في عداوتي و في موجبات إيذائي، و لا تؤجلون فإنه لا يقول هذا إلا إذا كان واثقا من عند اللََّه تعالى بأنه يحفظه و يصونه عن كمد الأعداء.

ثم قال: مََا مِنْ دَابَّةٍ إِلاََّ هُوَ آخِذٌ بِنََاصِيَتِهََا قال الأزهري: الناصية عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس و يسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته.

و اعلم أن العرب إذا و صفوا إنسانا بالذلة و الخضوع قالوا: ما ناصية فلان إلا بيد فلان، أي أنه مطيع له، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته، و كانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه و المن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا في القرآن بما يعرفون فقوله: مََا مِنْ دَابَّةٍ إِلاََّ هُوَ آخِذٌ بِنََاصِيَتِهََا أي ما من حيوان إلا و هو تحت قهره و قدرته، و منقاد لقضائه و قدره.

ثم قال: إِنَّ رَبِّي عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ و فيه وجوه: الأول: أنه تعالى لما قال: مََا مِنْ دَابَّةٍ إِلاََّ هُوَ آخِذٌ بِنََاصِيَتِهََا أشعر ذلك بقدرة عالية و قهر عظيم فأتبعه بقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي أنه و إن كان قادرا عليهم لكنه لا يظلمهم و لا يفعل بهم إلا ما هو الحق و العدل و الصواب، قالت المعتزلة قوله: مََا مِنْ دَابَّةٍ إِلاََّ هُوَ آخِذٌ بِنََاصِيَتِهََا يدل على التوحيد و قوله: إِنَّ رَبِّي عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ يدل على العدل، فثبت أن الدين إنما يتم بالتوحيد و العدل. الثاني: أنه تعالى لما ذكر أن سلطانه قهر جميع الخلق أتبعه بقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني أنه لا يخفى عليه مستتر، و لا يفوته هارب، فذكر الصراط المستقيم و هو يعني به الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه، كما قال: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصََادِ [الفجر: 14]الثالث: أن يكون المراد إِنَّ رَبِّي يدل على الصراط المستقيم، أي يحث، أو يحملكم بالدعاء إليه.

اعلم أن قوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني فإن تتولوا ثم فيه وجهان: الأول: تقدير الكلام فإن تتولوا لم أعاتب على تقصير في الإبلاغ و كنتم محجوبين كأنه يقول: أنتم الذين أصررتم على التكذيب. الثاني: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مََا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ .

ثم قال: وَ يَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ يعني يخلق بعدكم من هو أطوع للََّه منكم، و هذا إشارة إلى نزول عذاب الاستئصال و لا تضرونه شيئا، يعني أن إهلاككم لا ينقص من ملكه شيئا.

ثم قال: إِنَّ رَبِّي عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَفِيظٌ و فيه ثلاثة أوجه: الأول: حفيظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها. الثاني: يحفظني من شركم و مكركم. الثالث: حفيظ على كل شي‏ء يحفظه من الهلاك إذا شاء و يهلكه إذا شاء.

366

اعلم أن قوله: وَ لَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا أي عذابنا و ذلك هو ما نزل بهم من الريح العقيم عذبهم اللََّه بها سبع ليال و ثمانية أيام، تدخل في مناخرهم و تخرج من أدبارهم و تصرعهم على الأرض على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية.

فإن قيل: فهذه الريح كيف تؤثر في إهلاكهم؟ قلنا: يحتمل أن يكون ذلك لشدة حرها أو لشدة بردها أو لشدة قوتها، فتخطف الحيوان من الأرض، ثم تضربه على الأرض، فكل ذلك محتمل.

و أما قوله: نَجَّيْنََا هُوداً فاعلم أنه يجوز إتيان البلية على المؤمن و على الكافر معا، و حينئذ تكون تلك البلية رحمة على المؤمن و عذابا على الكافر، فأما العذاب النازل بمن يكذب الأنبياء عليهم السلام فإنه يجب في حكمة اللََّه تعالى أن ينجي المؤمن منه، و لو لا ذلك لما عرف كونه عذابا على كفرهم، فلهذا السبب قال اللََّه تعالى هاهنا: نَجَّيْنََا هُوداً وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ .

و أما قوله: بِرَحْمَةٍ مِنََّا ففيه وجوه: الأول: أراد أنه لا ينجو أحد و إن اجتهد في الإيمان و العمل الصالح إلا برحمة من اللََّه، و الثاني: المراد من الرحمة: ما هداهم إليه من الإيمان باللََّه و العمل الصالح. الثالث: أنه رحمهم في ذلك الوقت، و ميزهم عن الكافرين في العقاب.

و أما قوله: وَ نَجَّيْنََاهُمْ مِنْ عَذََابٍ غَلِيظٍ فالمراد من النجاة الأولى هي النجاة من عذاب الدنيا، و النجاة الثانية من عذاب القيامة، و إنما وصفه بكونه غليظا تنبيها على أن العذاب الذي حصل لهم بعد موتهم بالنسبة إلى العذاب الذي و قعوا فيه كان عذابا غليظا، و المراد من قوله تعالى: وَ نَجَّيْنََاهُمْ أي حكمنا بأنهم لا يستحقون ذلك العذاب الغليظ و لا يقعون فيه.

و اعلم أنه تعالى لما ذكر قصة عاد خاطب قوم محمد صلى اللََّه عليه و سلم، فقال: وَ تِلْكَ عََادٌ فهو إشارة إلى قبورهم و آثارهم، كأنه تعالى قال: سيروا في الأرض فانظروا إليها و اعتبروا. ثم إنه تعالى جمع أوصافهم ثم ذكر عاقبة أحوالهم في الدنيا و الآخرة، فأما أوصافهم فهي ثلاثة.

الصفة الأولى: قوله: جَحَدُوا بِآيََاتِ رَبِّهِمْ و المراد: جحدوا دلالة المعجزات على الصدق، أو الجحد، و دلالة المحدثات على وجود الصانع الحكيم، إن ثبت أنهم كانوا زنادقة.

الصفة الثانية: قوله: وَ عَصَوْا رُسُلَهُ و السبب فيه أنهم إذا عصوا رسولا و أحدا، فقد عصوا جميع الرسل لقوله تعالى: لاََ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: 285]و قيل: لم يرسل إليهم إلا هود عليه السلام.

الصفة الثالثة: قوله: وَ اِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ و المعنى أن السفلة كانوا يقلدون الرؤساء في قولهم:

مََا هََذََا إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ* [المؤمنون: 24]و المراد من الجبار المرتفع المتمرد العنيد العنود و المعاند، و هو المنازع المعارض.

و اعلم أنه تعالى لما ذكر أوصافهم ذكر بعد ذلك أحوالهم فقال: وَ أُتْبِعُوا فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا لَعْنَةً وَ يَوْمَ‏

367

اَلْقِيََامَةِ أي جعل اللعن رديفا لهم، و متابعا و مصاحبا في الدنيا و في الآخرة، و معنى اللعنة الإبعاد من رحمة اللََّه تعالى و من كل خير.

ثم إنه تعالى بين السبب الأصلي في نزول هذه الأحوال المكروهة بهم فقال: أَلاََ إِنَّ عََاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ قيل: أراد كفروا بربهم فحذف الباء، و قيل: الكفر هو الجحد فالتقدير: ألا إن عادا جحدوا ربهم. و قيل: هو من باب حذف المضاف أي كفروا نعمة ربهم.

ثم قال: أَلاََ بُعْداً لِعََادٍ قَوْمِ هُودٍ و فيه سؤالان:

السؤال الأول: اللعن هو البعد، فلما قال: وَ أُتْبِعُوا فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا لَعْنَةً وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فما الفائدة في قوله: أَلاََ بُعْداً لِعََادٍ .

و الجواب: التكرير بعبارتين مختلفتين يدل على غاية التأكيد.

السؤال الثاني: ما الفائدة في قوله: لِعََادٍ قَوْمِ هُودٍ .

الجواب: كان عاد عادين، فالأولى: القديمة هم قوم هود، و الثانية: هم إرم ذات العماد، فذكر ذلك لإزالة الاشتباه. و الثاني: أن المبالغة في التنصيص تدل على مزيد التأكيد.

اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة و هي قصة صالح مع ثمود، و نظمها مثل النظم المذكور في قصة هود، إلا أن هاهنا لما أمرهم بالتوحيد ذكر في تقريره دليلين:

الدليل الأول: قوله: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ و فيه وجهان:

الوجه الأول: أن الكل مخلوقون من صلب آدم، و هو كان مخلوقا من الأرض. و أقول: هذا صحيح لكن فيه وجه آخر و هو أقرب منه، و ذلك لأن الإنسان مخلوق من المني و من دم الطمث، و المني إنما تولد من الدم، فالإنسان مخلوق من الدم، و الدم إنما تولد من الأغذية، و هذه الأغذية إما حيوانية و إما نباتية، و الحيوانات حالها كحال الإنسان، فوجب انتهاء الكل إلى النبات و ظاهر أن تولد النبات من الأرض، فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض.

و الوجه الثاني: أن تكون كلمة (من) معناها في التقدير: أنشأكم في الأرض، و هذا ضعيف لأنه متى أمكن حمل الكلام على ظاهره فلا حاجة إلى صرفه عنه، و أما تقرير أن تولد الإنسان من الأرض كيف يدل على وجود الصانع فقد شرحناه مرارا كثيرة.

الدليل الثاني: قوله: وَ اِسْتَعْمَرَكُمْ فِيهََا و فيه ثلاثة أوجه: الأول: جعلكم عمارها، قالوا: كان ملوك فارس قد أكثروا في حفر الأنهار و غرس الأشجار، لا جرم حصلت لهم الأعمار الطويلة فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه، ما سبب تلك الأعمار؟فأوحى اللََّه تعالى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي، و أخذ معاوية

368

في إحياء أرض في آخر عمره فقيل له ما حملك عليه، فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل:

ليس الفتى بفتى لا يستضاء به # و لا يكون له في الأرض آثار

الثاني: أنه تعالى أطال أعماركم فيها و اشتقاق وَ اِسْتَعْمَرَكُمْ من العمر مثل استبقاكم من البقاء.

و الثالث: أنه مأخوذ من العمرى، أي جعلها لكم طول أعماركم فإذا متم انتقلت إلى غيركم.

و اعلم أن في كون الأرض قابلة للعمارات النافعة للإنسان، و كون الإنسان قادرا عليها دلالة عظيمة على وجود الصانع، و يرجع حاصله إلى ما ذكره اللََّه تعالى في آية أخرى و هي قوله: وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏ََ [الأعلى:

3]و ذلك لأن حدوث الإنسان مع أنه حصل في ذاته العقل الهادي و القدرة على التصرفات الموافقة يدل على وجود الصانع الحكيم و كون الأرض موصوفة بصفات مطابقة للمصالح موافقة للمنافع يدل أيضا على وجود الصانع الحكيم.

أما قوله: فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ فقد تقدم تفسيره.

و أما قوله: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ يعني أنه قريب بالعلم و السمع مُجِيبٌ دعاء المحتاجين بفضله و رحمته، }ثم بين تعالى أن صالحا عليه السلام لما قرر هذه الدلائل قََالُوا يََا صََالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينََا مَرْجُوًّا قَبْلَ هََذََا و فيه وجوه: الأول: أنه لما كان رجلا قوي العقل قوي الخاطر و كان من قبيلتهم قوي رجاؤهم في أن ينصر دينهم و يقوي مذهبهم و يقرر طريقتهم لأنه متى حدث رجل فاضل في قوم/طمعوا فيه من هذا الوجه.

الثاني: قال بعضهم المراد أنك كنت تعطف على فقرائنا و تعين ضعفاءنا و تعود مرضانا فقوي رجاؤنا فيك أنك من الأنصار و الأحباب، فكيف أظهرت العداوة و البغضة ثم إنهم أضافوا إلى هذا الكلام التعجب الشديد من قوله: أَ تَنْهََانََا أَنْ نَعْبُدَ مََا يَعْبُدُ آبََاؤُنََا و المقصود من هذا الكلام التمسك بطريق التقليد و وجوب متابعة الآباء و الأسلاف، و نظير هذا التعجب ما حكاه اللََّه تعالى عن كفار مكة حيث قالوا: أَ جَعَلَ اَلْآلِهَةَ إِلََهاً وََاحِداً إِنَّ هََذََا لَشَيْ‏ءٌ عُجََابٌ [ص: 5]ثم قالوا: وَ إِنَّنََا لَفِي شَكٍّ مِمََّا تَدْعُونََا إِلَيْهِ مُرِيبٍ و الشك هو أن يبقى الإنسان متوقفا بين النفي و الإثبات و المريب هو الذي يظن به السوء فقوله: وَ إِنَّنََا لَفِي شَكٍّ يعني به أنه لم يترجح في اعتقادهم صحة قوله و قوله: مُرِيبٍ يعني أنه ترجح في اعتقادهم فساد قوله و هذا مبالغة في تزييف كلامه.

اعلم أن قوله: إِنْ كُنْتُ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي و رد بحرف الشك و كان على يقين تام في أمره إلا أن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول، فكأنه قال: قدروا أني على بينة من ربي و أني نبي على الحقيقة، و انظروا أني إن تابعتكم و عصيت ربي في أوامره فمن يمنعني من عذاب اللََّه فما تزيدونني على هذا التقدير غير تخسير، و في تفسير هذه الكلمة وجهان: الأول: أن على هذا التقدير تخسرون أعمالي و تبطلونها. الثاني: أن يكون التقدير فما تزيدونني بما تقولون لي و تحملوني عليه غير أن أخسركم أي أنسبكم إلى الخسران، و أقول لكم إنكم خاسرون، و القول الأول أقرب لأن قوله: فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اَللََّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ [هود: 63]كالدلالة

369

على أنه أراد إن أتبعكم فيما أنتم عليه من الكفر الذي دعوتموني إليه لم أزدد إلا خسرانا في الدين فأصير من الهالكين الخاسرين.

اعلم أن العادة فيمن يدعي النبوة عند قوم يعبدون الأصنام أن يبتدئ بالدعوة إلى عبادة اللََّه ثم يتبعه بدعوى النبوة لا بد و أن يطلبوا منه المعجزة و أمر صالح عليه السلام هكذا كان‏

يروى أن قومه خرجوا في عيد لهم فسألوه أن يأتيهم بآية و أن يخرج لهم من صخرة معينة أشاروا إليها ناقة فدعا صالح ربه فخرجت الناقة كما سألوا.

و اعلم أن تلك الناقة كانت معجزة من وجوه: الأول: أنه تعالى خلقها من الصخرة و ثانيها: أنه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل. و ثالثها: أنه تعالى خلقها حاملا من غير ذكر. و رابعها: أنه خلقها على تلك الصورة دفعة واحدة من غير ولادة، و خامسها: ما

روي أنه كان لها شرب يوم و لكل القوم شرب يوم آخر،

و سادسها: أنه كان يحصل منها لبن كثير يكفي الخلق العظيم، و كل من هذه الوجوه معجز قوي و ليس في القرآن، إلا أن تلك الناقة كانت آية و معجزة، فأما بيان أنها كانت معجزة من أي الوجوه فليس فيه بيانه.

ثم قال: فَذَرُوهََا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اَللََّهِ و المراد أنه عليه السلام رفع عن القوم مؤنتها، فصارت مع كونها آية لهم تنفعهم و لا تضرهم، لأنهم كانوا ينتفعون بلبنها على ما

روي أنه عليه السلام خاف عليها منهم لما شاهد من إصرارهم على الكفر،

فإن الخصم لا يحب ظهور حجة خصمه، بل يسعى في إخفاءها و إبطالها بأقصى الإمكان، فلهذا السبب كان يخاف من إقدامهم على قتلها، فلهذا احتاط و قال: وَ لاََ تَمَسُّوهََا بِسُوءٍ و توعدهم إن مسوها بسوء بعذاب قريب، و ذلك تحذير شديد لهم من الإقدام على قتلها، ثم بين اللََّه تعالى أنهم مع ذلك عقروها و ذبحوها، و يحتمل أنهم عقروها لإبطال تلك الحجة، و أن يكون لأنها ضيقت الشرب على القوم، و أن يكون لأنهم رغبوا في شحمها و لحمها، و قوله: فَيَأْخُذَكُمْ عَذََابٌ قَرِيبٌ يريد اليوم الثالث، و هو قوله:

تَمَتَّعُوا فِي دََارِكُمْ }ثم بين تعالى أن/القوم عقروها، فعند ذلك قال لهم صالح عليه السلام: تَمَتَّعُوا فِي دََارِكُمْ ثَلاََثَةَ أَيََّامٍ و معنى التمتع: التلذذ بالمنافع و الملاذ التي تدرك بالحواس، و لما كان التمتع لا يحصل إلا للحي عبر به عن الحياة، و قوله: فِي دََارِكُمْ فيه وجهان: الأول: أن المراد من الدار البلد، و تسمى البلاد بالديار، لأنه يدار فيها أي يتصرف يقال: ديار بكر أي بلادهم. الثاني: أن المراد بالديار الدنيا. و قوله: ذََلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ أي غير مكذب و المصدر قد يرد بلفظ المفعول كالمجلود و المعقول و بأيكم المفتون، و قيل غير مكذوب فيه،

قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما أنه تعالى لما أمهلهم تلك الأيام الثلاثة فقد رغبهم في الإيمان، و ذلك لأنهم لما عقروا الناقة أنذرهم صالح عليه السلام بنزول العذاب، فقالوا و ما علامة ذلك؟فقال: تصير وجوهكم في اليوم الأول مصفرة، و في الثاني محمرة، و في الثالث مسودة، ثم يأتيكم العذاب في اليوم الرابع،

370

فلما رأوا وجوههم قد اسودت أيقنوا بالعذاب فاحتاطوا و استعدوا للعذاب فصبحهم اليوم الرابع و هي الصيحة و الصاعقة و العذاب.

فإن قيل: كيف يعقل أن تظهر فيهم هذه العلامات مطابقة لقول صالح عليه السلام، ثم يبقون مصرين على الكفر.

قلنا: ما دامت الأمارات غير بالغة إلى حد الجزم و اليقين لم يمتنع بقاؤهم على الكفر و إذا صارت يقينية قطعية، فقد انتهى الأمر إلى حد الإلجاء و الإيمان في ذلك الوقت غير مقبول.

اعلم أن مثل هذه الآية قد مضى في قصة عاد، و قوله: وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ فيه مسائل:

المسألة الأولى: الواو في قوله: وَ مِنْ خِزْيِ واو العطف و فيه وجهان: الأول: أن يكون/التقدير:

نجينا صالحا و الذين آمنوا معه برحمة منا من العذاب النازل بقومه و من الخزي الذي لزمهم و بقي العار فيه مأثورا عنهم و منسوبا إليهم، لأن معنى الخزي العيب الذي تظهر فضيحته و يستحيا من مثله فحذف ما حذف اعتمادا على دلالة ما بقي عليه. الثاني: أن يكون التقدير: نجينا صالحا برحمة منا و نجيناهم من خزي يومئذ.

المسألة الثانية: قرأ الكسائي و نافع في رواية ورش و قالوا و إحدى الروايات عن الأعشى يومئذ بفتح الميم، و في المعارج عذاب يومئذ [المعارج: 11]و الباقون بكسر الميم فيهما فمن قرأ بالفتح فعلى أن يوم مضاف إلى إذ و أن إذ مبني، و المضاف إلى المبني يجوز جعله مبنيا ألا ترى أن المضاف يكتسب من المضاف إليه التعريف و التنكير فكذا هاهنا، و أما الكسر في إذ فالسبب أنه يضاف إلى الجملة من المبتدأ و الخبر تقول:

جئتك إذ الشمس طالعة، فلما قطع عن المضاف إليه نون ليدل التنوين على ذلك ثم كسرت الذال لسكونها و سكون التنوين، و أما القراءة بالكسر فعلى إضافة الخزي إلى اليوم و لم يلزم من إضافته إلى المبني أن يكون مبنيا لأن هذه الإضافة غير لازمة.

المسألة الثالثة: الخزي الذل العظيم حتى يبلغ حد الفضيحة و لذلك قال تعالى في المحاربين‏ ذََلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي اَلدُّنْيََا [المائدة: 33]و إنما سمى اللََّه تعالى ذلك العذاب خزيا لأنه فضيحة باقية يعتبر بها أمثالهم ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ اَلْقَوِيُّ اَلْعَزِيزُ و إنما حسن ذلك، لأنه تعالى بين أنه أوصل ذلك العذاب إلى الكافر و صان أهل الإيمان عنه، و هذا التمييز لا يصح إلا من القادر الذي يقدر على قهر طبائع الأشياء فيجعل الشي‏ء الواحد بالنسبة إلى إنسان بلاء و عذابا و بالنسبة إلى إنسان آخر راحة و ريحانا ثم إنه تعالى بين ذلك الأمر فقال: وَ أَخَذَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: إنما قال: أَخَذَ و لم يقل أخذت لأن الصيحة محمولة على الصياح، و أيضا فصل بين الفعل و الاسم المؤنث بفاصل، فكان الفاصل كالعوض من تاء التأنيث، و قد سبق لها نظائر.

371

المسألة الثانية: ذكروا في الصيحة وجهين. قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: المراد الصاعقة الثاني:

الصيحة صيحة عظيمة هائلة سمعوها فماتوا أجمع منها فأصبحوا و هم موتى جاثمين في دورهم و مساكنهم، و جثومهم سقوطهم على وجوههم، يقال إنه تعالى أمر جبريل عليه السلام أن يصيح بهم تلك الصيحة التي ماتوا بها، و يجوز أن يكون اللََّه تعالى خلقها، و الصياح لا يكون إلا الصوت الحادث في حلق و فم و كذلك الصراخ، فإن كان من فعل اللََّه تعالى فقد خلقه في حلق حيوان و إن كان فعل جبريل عليه السلام فقد حصل في فمه و حلقه، و الدليل عليه أن صوت الرعد أعظم من كل صيحة و لا يسمى بذلك و لا بأنه صراخ.

فإن قيل: فما السبب في كون الصيحة موجبة للموت؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها: أن الصيحة العظيمة إنما تحدث عند سبب قوي يوجب تموج الهواء و ذلك التموج الشديد ربما يتعدى إلى صماخ الإنسان فيمزق غشاء الدماغ فيورث الموت. و الثاني: أنها شي‏ء مهيب فتحدث الهيبة العظيمة عند حدوثها و الأعراض النفسانية إذا قويت أوجبت الموت الثالث: أن الصيحة العظيمة إذا حدثت من السحاب فلا بد و أن يصحبها برق شديد محرق، و ذلك هو الصاعقة التي ذكرها ابن عباس رضي اللََّه عنهما.

ثم قال تعالى: فَأَصْبَحُوا فِي دِيََارِهِمْ جََاثِمِينَ و الجثوم هو السكون يقال للطير إذا باتت في أوكارها أنها جثمت، ثم إن العرب أطلقوا هذا اللفظ على ما لا يتحرك من الموت فوصف اللََّه تعالى هؤلاء المهلكين بأنهم سكنوا عند الهلاك، حتى كأنهم ما كانوا أحياء}و قوله: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهََا أي كأنهم لم يوجدوا، و المغني المقام الذي يقيم الحي به يقال: غني الرجل بمكان كذا إذا أقام به.

ثم قال تعالى: أَلاََ إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاََ بُعْداً لِثَمُودَ قرأ حمزة و حفص عن عاصم أَلاََ إِنَّ ثَمُودَ غير منون في كل القرآن، و قرأ الباقون ثمودا بالتنوين و لثمود كلاهما بالصرف، و الصرف للذهاب إلى الحي، أو إلى الأب الأكبر و منعه للتعريف و التأنيث بمعنى القبيلة.

في قوله تعالى وَ لَقَدْ جََاءَتْ رُسُلُنََا إِبْرََاهِيمَ بِالْبُشْرى‏ََ اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: قال النحويون: دخلت كلمة «قد» هاهنا لأن السامع لقصص الأنبياء عليهم السلام يتوقع قصة بعد قصة، و قد للتوقع، و دخت اللام في «لقد» لتأكيد الخبر و لفظ رُسُلُنََا جمع/و أقله ثلاثة فهذا يفيد القطع بحصول ثلاثة، و أما الزائد على هذا العدد فلا سبيل إلى إثباته إلا بدليل آخر، و أجمعوا على أن الأصل فيهم كان جبريل عليه السلام، ثم اختلفت الروايات فقيل: أتاه جبريل عليه السلام و معه اثنا عشر ملكا على صورة الغلمان الذين يكونون في غاية الحسن و قال الضحاك كانوا تسعة. و قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: كانوا

372

ثلاثة جبريل و ميكائيل و إسرافيل عليهم السلام، و هم الذين ذكرهم اللََّه في سورة و الذاريات في قوله: هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ [الذاريات: 24]و في الحجر وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ [الحجر: 51].

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بالبشرى على وجهين: الأول: أن المراد ما بشره اللََّه بعد ذلك بقوله:

فَبَشَّرْنََاهََا بِإِسْحََاقَ وَ مِنْ وَرََاءِ إِسْحََاقَ يَعْقُوبَ الثاني: أن المراد منه أنه بشر إبراهيم عليه السلام بسلامة لوط و بإهلاك قومه.

و أما قوله: قََالُوا سَلاََماً قََالَ سَلاََمٌ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي قالوا سلم قال سلم بكسر السين و سكون اللام بغير ألف، و في و الذاريات مثله. قال الفراء: لا فرق بين القراءتين كما قالوا حل و حلال و حرم و حرام لأن في التفسير أنهم لما جاءوا سلموا عليه. قال أبو علي الفارسي: و يحتمل أن يكون سلم خلاف العدو و الحرب كأنهم لما امتنعوا من تناول ما قدمه إليهم نكرهم و أوجس منهم خيفة قال إنا سلم و لست بحرب و لا عدو فلا تمتنعوا من تناول طعامي كما يمتنع من تناول طعام العدو، و هذا الوجه عندي بعيد، لأن على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلم إبراهيم عليه السلام بهذا اللفظ بعد إحضار الطعام، إلا أن القرآن يدل على أن هذا الكلام إنما وجد قبل إحضار الطعام لأنه تعالى قال: قََالُوا سَلاََماً قََالَ سَلاََمٌ فَمََا لَبِثَ أَنْ جََاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [هود: 69]و الفاء للتعقيب، فدل ذلك على أن مجيئه بذلك العجل الحنيذ كان بعد ذكر السلام.

المسألة الثانية: قالوا سلاما تقديره: سلمنا عليك سلاما قال سلام تقديره: أمري سلام، أي لست مريدا غير السلامة و الصلح. قال الواحدي: و يحتمل أن يكون المراد: سلام عليكم، فجاء به مرفوعا حكاية لقوله كما قال: و حذف عنه الخبر كما حذف من قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ* [يوسف: 18]و إنما يحسن هذا الحذف إذا كان المقصود معلوما بعد الحذف، و هاهنا المقصود معلوم فلا جرم حسن الحذف، و نظيره قوله تعالى: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ سَلاََمٌ [الزخرف: 89]على حذف الخبر.

و اعلم أنه إنما سلم بعضهم على بعض، رعاية للإذن المذكور في قوله تعالى: لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتََّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى‏ََ أَهْلِهََا .

المسألة الثالثة: أكثر ما يستعمل‏ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ* بغير ألف و لام، و ذلك لأنه في معنى الدعاء، فهو مثل قولهم: خير بين يديك.

فإن قيل: كيف جاز جعل النكرة مبتدأ؟ قلنا: النكرة إذا كانت موصوفة جاز جعلها مبتدأ، فإذا قلت سلام عليكم: فالتنكير في هذا الموضع يدل على التمام و الكمال، فكأنه قيل: سلام كامل تام عليكم، و نظيره قولنا: سلام عليك، و قوله تعالى: قََالَ سَلاََمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [مريم: 47]و قوله: سَلاََمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58] سَلاََمٌ عَلى‏ََ نُوحٍ فِي اَلْعََالَمِينَ [الصافات: 79] اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ*`سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23، 24]فأما قوله تعالى: وَ اَلسَّلاََمُ عَلى‏ََ مَنِ اِتَّبَعَ اَلْهُدى‏ََ [طه: 47]فهذا أيضا جائز، و المراد منه الماهية و الحقيقة.

و أقول: قوله: سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ* أكمل من قوله: السلام عليكم، لأن التنكير في قوله: سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ* يفيد الكمال و المبالغة و التمام. و أما لفظ السلام: فإنه لا يفيد إلا الماهية. قال الأخفش: من العرب من يقول: سلام

373

عليكم فيعرى قوله: سلام عن الألف و اللام و التنوين، و السبب في ذلك كثرة الاستعمال أباح هذا التخفيف، و اللََّه أعلم.

ثم قال تعالى: فَمََا لَبِثَ أَنْ جََاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك، ثم جاءه الملائكة فرأى أضيافا لم ير مثلهم، فعجل و جاء بعجل حنيذ، فقوله: فَمََا لَبِثَ أَنْ جََاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ معناه: فلما لبث في المجي‏ء به بل عجل فيه، أو التقدير: فما لبث مجيئه و العجل ولد البقرة. أما الحنيذ: فهو الذي يشوى في حفرة من الأرض بالحجارة المحماة، و هو من فعل أهل البادية معروف، و هو محنوذ في الأصل كما قيل: طبيخ و مطبوخ، و قيل: الحنيذ الذي يقطر دسمه. يقال: حنذت الفرس إذا ألقيت عليه الجل حتى تقطر عرقا.

ثم قال تعالى: فَلَمََّا رَأى‏ََ أَيْدِيَهُمْ لاََ تَصِلُ إِلَيْهِ إلى قوله إِلى‏ََ قَوْمِ لُوطٍ أي إلى العجل، و قال الفراء: إلى الطعام، و هو ذلك العجل نَكِرَهُمْ أي أنكرهم. يقال: نكره و أنكره و استنكره.

و اعلم أن الأضياف إنما امتنعوا من الطعام لأنهم ملائكة و الملائكة لا يأكلون و لا يشربون، و إنما أتوه في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها، و هو كان مشغوفا بالضيافة. و أما إبراهيم عليه السلام. فنقول: إما أن يقال: إنه عليه السلام ما كان يعلم أنهم ملائكة، بل كان يعتقد فيهم أنهم من البشر، أو يقال: إنه كان عالما بأنهم من الملائكة. أما على الاحتمال الأول فسبب خوفه أمران: أحدهما: أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به مكروها، و ثانيها: أن من لا يعرف إذا حضر و قدم إليه طعام فإن أكل حصل الأمن و إن لم يأكل حصل الخوف. و أما الاحتمال الثاني: و هو أنه عرف أنهم ملائكة اللََّه تعالى، /فسبب خوفه على هذا التقدير أيضا أمران: أحدها: أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره اللََّه تعالى عليه: و الثاني: أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه.

فإن قيل: فأي هذين الاحتمالين أقرب و أظهر؟ قلنا: أما الذي يقول إنه ما عرف أنهم ملائكة اللََّه تعالى فله أن يحتج بأمور: أحدها: أنه تسارع إلى إحضار الطعام، و لو عرف كونهم من الملائكة لما فعل ذلك. و ثانيها: أنه لما رآهم ممتنعين من الأكل خافهم، و لو عرف كونهم من الملائكة لما استدل بترك الأكل على حصول الشر، و ثالثها: أنه رآهم في أول الأمر في صورة البشر، و ذلك لا يدل على كونهم من الملائكة. و أما الذي يقول: إنه عرف ذلك احتج بقوله: لاََ تَخَفْ إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمِ لُوطٍ و إنما يقال هذا لمن عرفهم و لم يعرف بأي سبب أرسلوا، ثم بين تعالى أن الملائكة أزالوا ذلك الخوف عنه فقالوا: لاََ تَخَفْ إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمِ لُوطٍ و معناه: أرسلنا بالعذاب إلى قوم لوط، لأنه أضمر لقيام الدليل عليه في سورة أخرى، و هو قوله: إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ*`لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجََارَةً [الذاريات: 32، 33].

ثم قال تعالى: وَ اِمْرَأَتُهُ قََائِمَةٌ يعني سارة بنت آزر بن باحورا بنت عم إبراهيم عليه السلام، و قوله:

قََائِمَةٌ قيل: كانت قائمة من وراء الستر تستمع إلى الرسل، لأنها ربما خافت أيضا. و قيل: كانت قائمة تخدم الأضياف و إبراهيم عليه السلام جالس معهم، و يأكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود وَ اِمْرَأَتُهُ قََائِمَةٌ و هو قاعد.

ثم قال تعالى: فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنََاهََا بِإِسْحََاقَ و اختلفوا في الضحك على قولين: منهم من حمله على‏

374

نفس الضحك، و منهم من حمل هذا اللفظ على معنى آخر سوى الضحك. أما الذين حملوه على نفس الضحك فاختلفوا في أنها لم ضحكت، و ذكروا وجوها: الأول: قال القاضي إن ذلك السبب لا بد و أن يكون سببا جرى ذكره في هذه الآية، و ما ذاك إلا أنها فرحت بزوال ذلك الخوف عن إبراهيم عليه السلام حيث قالت الملائكة:

لاََ تَخَفْ إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمِ لُوطٍ و عظم سرورها بسبب سروره بزوال خوفه، و في مثل هذه الحالة قد يضحك الإنسان، و بالجملة فقد كان ضحكها بسبب قول الملائكة لإبراهيم عليه السلام لاََ تَخَفْ فكان كالبشارة، فقيل لها: نجعل هذه البشارة بشارتين، فكما حصلت البشارة بزوال الخوف، فقد حصلت البشارة أيضا بحصول الولد الذي كنتم تطلبونه من أول العمر إلى هذا الوقت و هذا تأويل في غاية الحسن. الثاني: يحتمل أنها كانت عظيمة الإنكار على قوم لوط لما كانوا عليه من الكفر و العمل الخبيث، فلما أظهروا أنهم جاءوا لإهلاكهم لحقها السرور فضحكت. الثالث:

قال السدي قال إبراهيم عليه السلام لهم: أَ لاََ تَأْكُلُونَ قالوا: /لا نأكل طعاما إلا بالثمن، فقال: ثمنه أن تذكروا اسم اللََّه تعالى على أوله و تحمدوه على آخره، فقال جبريل لميكائيل عليهما السلام: «حق لمثل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلا» فضحكت امرأته فرحا منها بهذا الكلام.

الرابع: أن سارة قالت لإبراهيم عليه السلام أرسل إلى ابن أخيك و ضمه إلى نفسك، فإن اللََّه تعالى لا يترك قومه حتى يعذبهم، فعند تمام هذا الكلام دخل الملائكة على إبراهيم عليه السلام، فلما أخبروه بأنهم إنما جاءوا لإهلاك قوم لوط صار قولهم موافقا لقولها، فضحكت لشدة سرورها بحصول الموافقة بين كلامها و بين كلام الملائكة. الخامس:

أن الملائكة لما أخبروا إبراهيم عليه السلام أنهم من الملائكة لا من البشر و أنهم إنما جاءوا لإهلاك قوم لوط طلب إبراهيم عليه السلام منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي من الموضع الذي كان موضوعا فيه إلى مرعاه، و كانت امرأة إبراهيم عليه السلام قائمة فضحكت لما رأت ذلك العجل المشوي قد طفر من موضعه. السادس: أنها ضحكت تعجبا من أن قوما أتاهم العذاب و هم في غفلة. السابع: لا يبعد أن يقال إنهم بشروها بحصول مطلق الولد فضحكت، إما على سبيل التعجب فإنه يقال إنها كانت في ذلك الوقت بنت بضع و تسعين سنة و إبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة، و إما على سبيل السرور. ثم لما ضحكت بشرها اللََّه تعالى بأن ذلك الولد هو إسحاق و من و راء إسحاق يعقوب. الثامن: أنها ضحكت بسبب أنها تعجبت من خوف إبراهيم عليه السلام من ثلاث أنفس حال ما كان معه حشمه و خدمه.

التاسع: أن هذا على التقديم و التأخير و التقدير: و امرأته قائمة فبشرناها بإسحاق فضحكت سرورا بسبب تلك البشارة فقدم الضحك، و معناه التأخير. الثاني: هو أن يكون معنى فضحكت حاضت و هو منقول عن مجاهد و عكرمة قالا: ضحكت أي حاضت عند فرحها بالسلامة من الخوف، فلما ظهر حيضها بشرت بحصول الولد، و أنكر الفراء و أبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت، قال أبو بكر الأنباري هذه اللغة إن لم يعرفها هؤلاء فقد عرفها غيرهم، حكى الليث في هذه الآية فَضَحِكَتْ طمثت، و حكى الأزهري، عن بعضهم أن أصله من ضحاك الطلعة يقال ضحكت الطلعة إذا انشقت.

و اعلم أن هذه الوجوه كلها زوائد. و إنما الوجه الصحيح هو الأول.

ثم قال تعالى: وَ مِنْ وَرََاءِ إِسْحََاقَ يَعْقُوبَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر و حمزة و حفص عن عاصم و يعقوب بالنصب و الباقون بالرفع أما وجه‏

375

النصب، فهو أن يكون التقدير: بشرناها بإسحاق و من و راء إسحاق و هبنا لها يعقوب، و أما وجه الرفع فهو أن يكون التقدير: و من و راء إسحاق يعقوب مولود أو موجود.

المسألة الثانية: في لفظ وراء قولان: الأول: و هو قول الأكثرين أن معناه بعد أي بعد إسحاق يعقوب و هذا هو الوجه الظاهر. و الثاني: أن الوراء ولد الولد، عن الشعبي أنه قيل له هذا ابنك، فقال نعم من الوراء، و كان ولد ولده، و هذا الوجه عندي شديد التعسف، و اللفظ كأنه ينبو عنه.

في قوله تعالى قالت يا ويلتا في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الفراء أصل الويل وي و هو الخزي، و يقال: ويل فلان أي خزي له فقوله ويلك أي خزي لك، و قال سيبويه: ويح زجر لمن أشرف على الهلاك، و ويل لمن وقع فيه. قال الخليل: و لم أسمع على بنائه إلا و يح، و و يس، و و يك، و ويه، و هذه الكلمات متقاربة في المعنى و أما قوله: يََا وَيْلَتى‏ََ فمنهم من قال هذه الألف ألف الندبة و قال صاحب «الكشاف» : الألف في ويلتا مبدلة من ياء الإضافة في يََا وَيْلَتى‏ََ و كذلك في يا لهفا و يا عجبا ثم أبدل من الياء و الكسرة الألف و الفتحة، لأن الفتح و الألف أخف من الياء و الكسرة.

أما قوله: أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير و نافع و أبو عمرو آلد بهمزة و مدة، و الباقون بهمزتين بلا مد.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول إنها تعجبت من قدرة اللََّه تعالى و التعجب من قدرة اللََّه تعالى يوجب الكفر، بيان المقدمة الأولى من ثلاثة أوجه: أولها: قوله تعالى حكاية عنها في معرض التعجب أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ و ثانيها: قوله: إِنَّ هََذََا لَشَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ و ثالثها: قول الملائكة لها أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ و أما بيان أن التعجب من قدرة اللََّه تعالى يوجب الكفر، فلأن هذا التعجب يدل على جهلها بقدرة اللََّه تعالى، و ذلك يوجب الكفر.

و الجواب: أنها إنما تعجبت بحسب العرف و العادة لا بحسب القدرة فإن الرجل المسلم لو أخبره/مخبر صادق بأن اللََّه تعالى يقلب هذا الجبل ذهبا إبريزا فلا شك أنه يتعجب نظرا إلى أحوال العادة لا لأجل أنه استنكر قدرة اللََّه تعالى على ذلك.

المسألة الثالثة: قوله: وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً فاعلم أن شيخا منصوب على الحال، قال الواحدي رحمه اللََّه: و هذا من لطائف النحو و غامضه فإن كلمة هذا للإشارة، فكان قوله: وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً قائم مقام أن يقال أشير إلى بعلي حال كونه شيخا، و المقصود تعريف هذه الحالة المخصوصة و هي الشيخوخة.

المسألة الرابعة: قرأ بعضهم و هذا بعلي شيخ على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا بعلي و هو شيخ، أو بعلي بدل من المبتدأ و شيخ خبر أو يكونان معا خبرين، }ثم حكى تعالى أن الملائكة قالوا: أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ و المعنى: أنهم تعجبوا من تعجبها، ثم قالوا: رَحْمَتُ اَللََّهِ وَ بَرَكََاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ اَلْبَيْتِ و المقصود من هذا الكلام ذكر ما يزيل ذلك التعجب و تقديره: إن رحمة اللََّه عليكم متكاثرة و بركاته لديكم متوالية متعاقبة، و هي النبوة و المعجزات القاهرة و التوفيق للخيرات العظيمة فإذا رأيت أن اللََّه خرق العادات في تخصيصكم بهذه‏

376

الكرامات العالية الرفيعة و في إظهار خوارق العادات و إحداث البينات و المعجزات، فكيف يليق به التعجب.

و أما قوله: أَهْلَ اَلْبَيْتِ فإنه مدح لهم فهو نصب على النداء أو على الاختصاص، ثم أكدوا ذلك بقولهم: إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ و الحميد هو المحمود و هو الذي تحمد أفعاله، و المجيد الماجد، و هو ذو الشرف و الكرم، و من محامد الأفعال إيصال العبد المطيع إلى مراده و مطلوبه، و من أنواع الفضل و الكرم أن لا يمنع الطالب عن مطلوبه، فإذا كان من المعلوم أنه تعالى قادر على الكل و أنه حميد مجيد، فكيف يبقى هذا التعجب في نفس الأمر فثبت أن المقصود من ذكر هذه الكلمات إزالة التعجب.

اعلم أن هذا هو القصة الخامسة و هي قصة لوط عليه السلام، و اعلم أن الروع هو الخوف/و هو ما أوجس من الخيفة حين أنكر أضيافه و المعنى: أنه لما زال الخوف و حصل السرور بسبب مجي‏ء البشرى بحصول الولد، أخذ يجادلنا في قوم لوط و جواب لما هو قوله: أخذ إلا أنه حذف في اللفظ لدلالة الكلام عليه، و قيل تقديره: لما ذهب عن إبراهيم الروع جادلنا.

و اعلم أن قوله: يُجََادِلُنََا أي يجادل رسلنا.

فإن قيل: هذه المجادلة إن كانت مع اللََّه تعالى فهي جراءة على اللََّه، و الجراءة على اللََّه تعالى من أعظم الذنوب، و لأن المقصود من هذه المجادلة إزالة ذلك الحكم و ذلك يدل على أنه ما كان راضيا بقضاء اللََّه تعالى و أنه كفر و إن كانت هذه المجادلة مع الملائكة فهي أيضا عجيبة، لأن المقصود من هذه المجادلة أن يتركوا إهلاك قوم لوط، فإن كان قد اعتقد فيهم أنهم من تلقاء أنفسهم يجادلون في هذا الإهلاك فهذا سوء ظن بهم.

و إن اعتقد فيهم أنهم بأمر اللََّه جاءوا فهذه المجادلة تقتضي أنه كان يطلب منهم مخالفة أمر اللََّه تعالى و هذا منكر.

و الجواب: من وجهين:

الوجه الأول: و هو الجواب الإجمالي أنه تعالى مدحه عقيب هذه الآية فقال: إِنَّ إِبْرََاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوََّاهٌ مُنِيبٌ و لو كان هذا الجدل من الذنوب لما ذكر عقيبه ما يدل على المدح العظيم.

و الوجه الثاني: و هو الجواب التفصيلي أن المراد من هذه المجادلة سعي إبراهيم في تأخير العذاب عنهم و تقريره من وجوه:

الوجه الأول: أن الملائكة قالوا: إِنََّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هََذِهِ اَلْقَرْيَةِ فقال إبراهيم: أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أ تهلكونها؟قالوا: لا. قال: فأربعون قالوا: لا. قال: فثلاثون قالوا لا. حتى بلغ العشرة قالوا: لا. قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أ تهلكونها؟قالوا: لا. فعند ذلك قال: إن فيها لوطا و قد ذكر اللََّه تعالى هذا في سورة العنكبوت فقال: وَ لَمََّا جََاءَتْ رُسُلُنََا إِبْرََاهِيمَ بِالْبُشْرى‏ََ قََالُوا إِنََّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هََذِهِ اَلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهََا كََانُوا ظََالِمِينَ*`قََالَ إِنَّ فِيهََا لُوطاً قََالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهََا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كََانَتْ مِنَ اَلْغََابِرِينَ [العنكبوت: 31، 32].

ثم قال: وَ لَمََّا أَنْ جََاءَتْ رُسُلُنََا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ وَ ضََاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قََالُوا لاََ تَخَفْ وَ لاََ تَحْزَنْ إِنََّا مُنَجُّوكَ‏

377

وَ أَهْلَكَ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ فبان بهذا أن مجادلة إبراهيم عليه السلام، إنما كانت في قوم لوط بسبب مقام لوط فيما بينهم.

الوجه الثاني: يحتمل أن يقال إنه عليه السلام كان يميل إلى أن تلحقهم رحمة اللََّه بتأخير العذاب عنهم رجاء أنهم أقدموا على الإيمان و التوبة عن المعاصي، و ربما وقعت تلك المجادلات/بسبب أن إبراهيم كان يقول إن أمر اللََّه و رد بإيصال العذاب و مطلق الأمر لا يوجب الفور بل يقبل التراخي فاصبروا مدة أخرى، و الملائكة كانوا يقولون إن مطلق الأمر يقبل الفور، و قد حصلت هناك قرائن دالة على الفور، ثم أخذ كل و احد منهم يقرر مذهبه بالوجوه المعلومة فحصلت المجادلة بهذا السبب، و هذا الوجه عندي هو المعتمد.

الوجه الثالث: في الجواب لعل إبراهيم عليه السلام سأل عن لفظ ذلك الأمر و كان ذلك الأمر مشروطا بشرط فاختلفوا في أن ذلك الشرط هل حصل في ذلك القوم أم لا فحصلت المجادلة بسببه، و بالجملة نرى العلماء في زماننا يجادل بعضهم بعضا عند التمسك بالنصوص، و ذلك لا يوجب القدح في و احد منها فكذا هاهنا.

ثم قال تعالى: إِنَّ إِبْرََاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوََّاهٌ مُنِيبٌ و هذا مدح عظيم من اللََّه تعالى لإبراهيم، أما الحليم فهو الذي لا يتعجل بمكافأة غيره، بل يتأنى فيه فيؤخر و يعفو و من هذا حاله فإنه يحب من غيره هذه الطريقة، و هذا كالدلالة على أن جداله كان في أمر متعلق بالحلم و تأخير العقاب، ثم ضم إلى ذلك ما له تعلق بالحلم و هو قوله:

أَوََّاهٌ مُنِيبٌ لأن من يستعمل الحلم في غيره فإنه يتأوه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الغير فلما رأى مجي‏ء الملائكة لأجل إهلاك قوم لوط عظم حزنه بسبب ذلك و أخذ يتأوه عليه فلذلك وصفه اللََّه تعالى بهذه الصفة، و وصفه أيضا بأنه منيب، لأن من ظهرت فيه هذه الشفقة العظيمة على الغير فإنه ينيب و يتوب و يرجع إلى اللََّه في إزالة ذلك العذاب عنهم أو يقال: إن من كان لا يرضى بوقوع غيره في الشدائد فأن لا يرضى بوقوع نفسه فيها كان أولى و لا طريق إلى صون النفس عن الوقوع في عذاب اللََّه إلا بالتوبة و الإنابة فوجب فيمن هذا شأنه يكون منيبا.

اعلم أن قوله: يََا إِبْرََاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هََذََا معناه: أن الملائكة قالوا له: اترك هذه المجادلة لأنه/قد جاء أمر ربك بإيصال هذا العذاب إليهم و إذا لاح وجه دلالة النص على هذا الحكم فلا سبيل إلى دفعه فلذلك أمروه بترك المجادلة، و لما ذكروا إِنَّهُ قَدْ جََاءَ أَمْرُ رَبِّكَ و لم يكن في هذا اللفظ دلالة على أن هذا الأمر بما ذا جاء لا جرم بين اللََّه تعالى أنهم آتيهم عذاب غير مردود، أي عذاب لا سبيل إلى دفعه و رده.

ثم قال: وَ لَمََّا جََاءَتْ رُسُلُنََا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ وَ ضََاقَ بِهِمْ ذَرْعاً و هؤلاء الرسل هم الرسل الذين بشروا إبراهيم بالولد عليهم السلام. قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط و بين القريتين أربع فراسخ و دخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم و كانوا في غاية الحسن و لم يعرف لوط أنهم ملائكة اللََّه و ذكروا فيه ستة أوجه: الأول: أنه ظن أنهم من الإنس فخاف عليهم خبث قومه و أن يعجزوا عن مقاومتهم.

378

الثاني: ساءه مجيئهم لأنه ما كان يجد ما ينفقه عليهم و ما كان قادرا على القيام بحق ضيافتهم. و الثالث: ساءه ذلك لأن قومه منعوه من إدخال الضيف داره. الرابع: ساءه مجيئهم، لأنه عرف بالحذر أنهم ملائكة و أنهم إنما جاءوا لإهلاك قومه، و الوجه الأول هو الأصح لدلالة قوله تعالى: وَ جََاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ [هود: 78]و بقي في الآية ألفاظ ثلاثة لا بد من تفسيرها:

اللفظ الأول: قوله: سِي‏ءَ بِهِمْ و معناه ساء مجيئهم و ساء يسوء فعل لازم مجاوز يقال سؤته فسي‏ء مثل شغلته فشغل و سررته فسر. قال الزجاج: أصله سوئ بهم إلا أن الواو سكنت و نقلت كسرتها إلى السين.

و اللفظ الثاني: قوله: وَ ضََاقَ بِهِمْ ذَرْعاً قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة و الأصل فيه البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوته، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فضعف و مد عنقه، فجعل ضيق الذرع عبارة عن قدر الوسع و الطاقة. فيقال: مالي به ذرع و لا ذراع أي مالي به طاقة، و الدليل على صحة ما قلناه أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع فيقولون ضقت بالأمر ذراعا.

و اللفظ الثالث: قوله: هََذََا يَوْمٌ عَصِيبٌ أي يوم شديد، و إنما قيل للشديد عصيب لأنه يعصب الإنسان بالشر.

في قوله تعالى وَ جََاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كََانُوا يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أنه لما دخلت الملائكة دار لوط عليه السلام مضت امرأته عجوز السوء فقالت لقومه دخل دارنا قوم ما رأيت أحسن وجوها و لا أنظف ثيابا و لا أطيب رائحة منهم فـ جََاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ أي يسرعون، و بين تعالى أن إسراعهم ربما كان لطلب العمل الخبيث بقوله: وَ مِنْ قَبْلُ كََانُوا يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ نقل أن القوم دخلوا دار لوط و أرادوا أن يدخلوا البيت الذي كان فيه جبريل عليه السلام، فوضع جبريل عليه السلام يده على الباب، فلم يطيقوا فتحه حتى كسروه، فمسح أعينهم بيده فعموا، فقالوا: يا لوط قد أدخلت علينا السحرة و أظهرت الفتنة. و لأهل اللغة في يُهْرَعُونَ قولان:

القول الأول: أن هذا من باب ما جاءت صيغة الفاعل فيه على لفظ المفعول و لا يعرف له فاعل نحو: أولع فلان في الأمر، و أرعد زيد، و زهى عمرو من الزهو.

و القول الثاني: أنه لا يجوز ورود الفاعل على لفظ المفعول، و هذه الأفعال حذف فاعلوها فتأويل أولع زيد أنه أولعه طبعه و أرعد الرجل أرعده غضبه و زهى عمرو معناه جعله ماله زاهيا و أهرع معناه أهرعه خوفه أو حرصه، و اختلفوا أيضا فقال بعضهم: الإهراع هو الإسراع مع الرعدة. و قال آخرون: هو العدو الشديد.

أما قوله تعالى: قََالَ يََا قَوْمِ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ففيه قولان: قال قتادة: المراد بناته لصلبه.

379

و قال مجاهد و سعيد بن جبير: المراد نساء أمته؛ لأنهن في أنفسهن بنات و لهن إضافة إليه بالمتابعة و قبول الدعوة. قال أهل النحو: يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، لأنه كان نبيا لهم فكان كالأب لهم. قال تعالى:

وَ أَزْوََاجُهُ أُمَّهََاتُهُمْ [الأحزاب: 6]و هو أب لهم و هذا القول عندي هو المختار، و يدل عليه وجوه: الأول: أن إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش و الفجار أمر متبعد لا يليق بأهل المروءة فكيف بأكابر الأنبياء؟ الثاني: و هو أنه قال: هََؤُلاََءِ بَنََاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فبناته اللواتي من/صلبه لا تكفي للجمع العظيم. أما نساء أمته ففيهن كفاية للكل. الثالث: أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان، و هما: زنتا، و زعورا، و إطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة، فأما القائلون بالقول الأول فقد اتفقوا على أنه عليه السلام ما دعا القوم إلى الزنا بالنسوان بل المراد أنه دعاهم إلى التزوج بهن، و فيه قولان: أحدهما: أنه دعاهم إلى التزوج بهن بشرط أن يقدموا الإيمان. و الثاني: أنه كان يجوز تزويج المؤمنة من الكافر في شريعته، و هكذا كان في أول الإسلام بدليل أنه عليه السلام زوج ابنته زينب من أبي العاص بن الربيع و كان مشركا و زوج ابنته من عتبة بن أبي لهب ثم نسخ ذلك بقوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكََاتِ حَتََّى يُؤْمِنَّ [البقرة: 221]و بقوله: وَ لاََ تُنْكِحُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَتََّى يُؤْمِنُوا [البقرة: 221]و اختلفوا أيضا، فقال الأكثرون: كان له بنتان، و على هذا التقدير ذكر الاثنتين بلفظ الجمع، كما في قوله: فَإِنْ كََانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء: 11] فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمََا [التحريم: 4] و قيل: إنهن كن أكثر من اثنتين.

أما قوله تعالى: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: ظاهر قوله: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ يقتضي كون العمل الذي يطلبونه طاهرا و معلوم أنه فاسد و لأنه لا طهارة في نكاح الرجل، بل هذا جار مجرى قولنا: اللََّه أكبر، و المراد أنه كبير و لقوله تعالى: أَ ذََلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ اَلزَّقُّومِ [الصافات: 62]و لا خير فيها و

لما قال أبو سفيان: اعل أحدا و اعل هبل قال النبي:

«اللََّه أعلى و أجل»

و لا مقاربة بين اللََّه و بين الصنم.

المسألة الثانية: روي عن عبد الملك بن مروان و الحسن و عيسى بن عمر أنهم قرءوا هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ بالنصب على الحال كما ذكرنا في قوله تعالى: وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً [هود: 72]إلا أن أكثر النحويين اتفقوا على أنه خطأ قالوا لو قرئ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي هُنَّ أَطْهَرُ كان هذا نظير قوله: وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً إلا أن كلمة «هن» قد وقعت في البين و ذلك يمنع من جعل أطهر حالا و طولوا فيه، ثم قال: فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو و نافع و لا تخزوني بإثبات الياء على الأصل، و الباقون بحذفها للتخفيف و دلالة الكسر عليه.

المسألة الثانية: في لفظ لاََ تُخْزُونِ وجهان: الأول: قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: لا تفضحوني في أضيافي، يريد أنهم إذا هجموا على أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحة. و الثاني: لا تخزوني في ضيفي أي لا تخجلوني فيهم، لأن مضيف الضيف يلزمه الخجالة من كل فعل قبيح يوصل إلى الضيف يقال: خزي الرجل إذا استحيا.

المسألة الثالثة: الضيف هاهنا قائم مقام الأضياف، كما قام الطفل مقام الأطفال. في قوله تعالى: أَوِ

380

اَلطِّفْلِ اَلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا [النور: 31]و يجوز أن يكون الضيف مصدرا فيستغنى عن جمعه كما يقال: رجال صوم. ثم قال: أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ و فيه قولان: الأول: رَشِيدٌ بمعنى مرشد أي يقول الحق و يرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي. و الثاني: رشيد بمعنى مرشد، و المعنى: أليس فيكم رجل أرشده اللََّه تعالى إلى الصلاح. و أسعده بالسداد و الرشاد حتى يمنع عن هذا العمل القبيح، و الأول أولى.

ثم قال تعالى: قََالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مََا لَنََا فِي بَنََاتِكَ مِنْ حَقٍّ و فيه وجوه: الأول: ما لنا في بناتك من حاجة و لا شهوة، و التقدير أن من احتاج إلى شي‏ء فكأنه حصل له فيه نوع حق، فلهذا السبب جعل نفي الحق كناية عن نفي الحاجة. الثاني: أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول: معناه إنهن لسن لنا بأزواج و لا حق لنا فيهن ألبتة. و لا يميل أيضا طبعنا إليهن فكيف قيامهن مقام العمل الذي نريده و هو إشارة إلى العمل الخبيث. الثالث: مََا لَنََا فِي بَنََاتِكَ مِنْ حَقٍّ لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان و نحن لا نجيبك إلى ذلك فلا يكون لنا فيهن حق. }ثم إنه تعالى حكى عن لوط أنه عند سماع هذا الكلام قال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: جواب «لو» محذوف لدلالة الكلام عليه و التقدير: لمنعتكم و لبالغت في دفعكم و نظيره قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ [الرعد: 31]و قوله: وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذْ وُقِفُوا عَلَى اَلنََّارِ [الأنعام:

27]قال الواحدي و حذف الجواب هاهنا لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من المنع و الدفع.

المسألة الثانية: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أي لو أن لي ما أتقوى به عليكم و تسمية موجب القوة بالقوة جائز قال اللََّه تعالى: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبََاطِ اَلْخَيْلِ [الأنفال: 60]و المراد السلاح، و قال آخرون القدرة على دفعهم، و قوله: أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ المراد منه الموضع الحصين المنيع تشبيها له بالركن الشديد من الجبل.

فإن قيل: ما الوجه هاهنا في عطف الفعل على الاسم؟ قلنا: قال صاحب «الكشاف» : قرئ أَوْ آوِي بالنصب بإضمار أن، كأنه قيل لو أن لي بكم قوة أو آويا.

و اعلم أن قوله: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ لا بد من حمل كل و احد من هذين الكلامين على فائدة مستقلة، و فيه وجوه: الأول: المراد بقوله: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً كونه بنفسه قادرا على الدفع و كونه متمكنا إما بنفسه و إما بمعاونة غيره على قهرهم و تأديبهم، و المراد بقوله: / أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ هو أن لا يكون له قدرة على الدفع لكنه يقدر على التحصن بحصن ليأمن من شرهم بواسطته. الثالث:

أنه لما شاهد سفاهة القوم و إقدامهم على سوء الأدب تمنى حصول قوة قوية على الدفع، ثم استدرك على نفسه و قال: بلى الأولى أن آوى إلى ركن شديد و هو الاعتصام بعناية اللََّه تعالى، و على هذا التقدير فقوله: أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ كلام منفصل عما قبله و لا تعلق له به، و بهذا الطريق لا يلزم عطف الفعل على الاسم، و لذلك

قال النبي عليه السلام: «رحم اللََّه أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد» .

ـ

381

اعلم أن قوله تعالى مخبرا عن لوط عليه السلام أنه قال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود: 80]يدل على أنه كان في غاية القلق و الحزن بسبب إقدام أولئك الأوباش على ما يوجب الفضيحة في حق أضيافه، فلما رأت الملائكة تلك الحالة بشروه بأنواع من البشارات: أحدها: أنهم رسل اللََّه. و ثانيها: أن الكفار لا يصلون إلى ما هموا به. و ثالثها: أنه تعالى يهلكهم. و رابعها: أنه تعالى ينجيه مع أهله من ذلك العذاب. و خامسها: إن ركنك شديد و إن ناصرك هو اللََّه تعالى فحصل له هذه البشارات، و

روي أن جبريل عليه السلام قال له إن قومك لن يصلوا إليك فافتح الباب فدخلوا فضرب جبريل عليه السلام بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق و لا يهتدون إلى بيوتهم،

و ذلك قوله تعالى: وَ لَقَدْ رََاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنََا أَعْيُنَهُمْ [القمر: 37]و معنى قوله: لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ أي بسوء و مكروه فإنا نحول بينهم و بين ذلك.

ثم قال: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ قرأ نافع و ابن كثير فاسر موصولة و الباقون بقطع الألف و هما لغتان، يقال سريت بالليل و أسريت و أنشد حسان:

أسرت إليك و لم تكن تسري‏

فجاء باللغتين فمن قرأ بقطع الألف فحجته قوله سبحانه و تعالى: سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ [الإسراء: 1]و من وصل فحجته قوله: وَ اَللَّيْلِ إِذََا يَسْرِ [الفجر: 4]و السرى السير في الليل. يقال: سرى يسري إذا سار بالليل و أسرى بفلان إذا سير به بالليل، و القطع من الليل بعضه و هو مثل القطعة، يريد اخرجوا ليلا لتسبقوا نزول العذاب الذي موعده الصبح. قال نافع بن الأزرق لعبد اللََّه بن عباس رضي اللََّه عنهما: أخبرني عن قول اللََّه بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ قال هو آخر الليل سحر، و قال قتادة: بعد طائفة من الليل، و قال آخرون هو نصف الليل فإنه في ذلك الوقت قطع بنصفين.

ثم قال: وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ نهى من معه عن الالتفات و الالتفات نظر الإنسان إلى ما و راءه، و الظاهر أن المراد أنه كان لهم في البلدة أموال و أقمشة و أصدقاء، فالملائكة أمروهم بأن يخرجوا و يتركوا تلك الأشياء و لا يلتفتوا إليها ألبتة، و كان المراد منه قطع القلب عن تلك الأشياء و قد يراد منه الانصراف أيضا. كقوله تعالى: قََالُوا أَ جِئْتَنََا لِتَلْفِتَنََا [يونس: 78]أي لتصرفنا، و على هذا التقدير فالمراد من قوله: وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ النهي عن التخلف.

ثم قال: إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ قرأ ابن كثير و أبو عمر إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ بالرفع و الباقون بالنصب. قال الواحدي:

من نصب و هو الاختيار فقد جعلها مستثناة من الأهل على معنى فأسر بأهلك إلا امرأتك و الذي يشهد بصحة هذه القراءة أن في قراءة عبد اللََّه فأسر بأهلك إلا امرأتك فأسقط قوله: وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ من هذا الموضع، و أما الذين رفعوا فالتقدير وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ .

فإن قيل: فهذه القراءة توجب أنها أمرت بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم أحد إلا زيد كان ذلك أمرا لزيد بالقيام.

و أجاب أبو بكر الأنباري عنه فقال: معنى إِلاَّ هاهنا الاستثناء المنقطع على معنى، لا يلتفت منكم أحد،

382

لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، و إذا ان هذا الاستثناء منقطعا كان التفاتها معصية و يتأكد ما ذكرنا بما روي عن قتادة أنه قال إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية فلما سمعت هذا العذاب التفتت و قالت يا قوماه فأصابها حجر فأهلكها.

و اعلم أن القراءة بالرفع أقوى، لأن القراءة بالنصب تمنع من خروجها مع أهله لكن على هذا التقدير الاستثناء يكون من الأهل كأنه أمر لوطا بأن يخرج بأهله و يترك هذه المرأة فإنها هالكة مع الهالكين و أما القراءة بالنصب فإنها أقوى من وجه آخر، و ذلك لأن مع القراءة بالنصب يبقى الاستثناء متصلا/و مع القراءة بالرفع يصير الاستثناء منقطعا. ثم بين اللََّه تعالى أنهم قالوا: إنه مصيبها ما أصابهم. و المراد أنه مصيبها ذلك العذاب الذي أصابهم. ثم قالوا: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ اَلصُّبْحُ روي أنهم لما قالوا لوط عليه السلام: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ اَلصُّبْحُ قال أريد أعجل من ذلك بل الساعة فقالوا: أَ لَيْسَ اَلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ قال المفسرون إن لوطا عليه السلام لما سمع هذا الكلام خرج بأهله في الليل.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في الأمر وجهان: الأول: أن المراد من هذا الأمر ما هو ضد النهي و يدل عليه وجوه:

الأول: أن لفظ الأمر حقيقة في هذا المعنى مجاز في غيره دفعا للاشتراك. الثاني: أن الأمر لا يمكن حمله هاهنا على العذاب، و ذلك لأنه تعالى قال: فَلَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا جَعَلْنََا عََالِيَهََا سََافِلَهََا و هذا الجعل هو العذاب، فدلت هذه الآية على أن هذا الأمر شرط و العذاب جزاء، و الشرط غير الجزاء، فهذا الأمر غير العذاب، و كل من قال بذلك قال إنه هو الأمر الذي هو ضد النهي. و الثالث: أنه تعالى قال: قبل هذه الآية إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمِ لُوطٍ [هود: 70]فدل هذا على أنهم كانوا مأمورين من عند اللََّه تعالى بالذهاب إلى قوم لوط و بإيصال هذا العذاب إليهم.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى أمر جمعا من الملائكة بأن يخربوا تلك المدائن في وقت معين، فلما جاء ذلك الوقت أقدموا على ذلك العمل، فكان قوله: فَلَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا إشارة إلى ذلك التكليف.

فإن قيل: لو كان الأمر كذلك، لوجب أن يقال: فلما جاء أمرنا جعلوا عاليها سافلها، لأن الفعل صدر عن ذلك المأمور.

قلنا: هذا لا يلزم على مذهبنا، لأن فعل العبد فعل اللََّه تعالى عندنا. و أيضا أن الذي وقع منهم إنما وقع بأمر اللََّه تعالى و بقدرته، فلم يبعد إضافته إلى اللََّه عز و جل، لأن الفعل كما تحسن إضافته إلى المباشر، فقد تحسن أيضا إضافته إلى السبب.

القول الثاني: أن يكون المراد من الأمر هاهنا قوله تعالى: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40]و قد تقدم تفسير ذلك الأمر.

القول الثالث: أن يكون المراد من الأمر العذاب و على هذا التقدير فيحتاج إلى الإضمار، و المعنى: و لما جاء وقت عذابنا جعلنا عاليها سافلها.

383

المسألة الثانية: اعلم أن ذلك العذاب قد وصفه اللََّه تعالى في هذه الآية بنوعين من الوصف فالأول: قوله:

جَعَلْنََا عََالِيَهََا سََافِلَهََا

روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط و قلعها و صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير و نباح الكلاب و صياح الديوك، و لم تنكفئ لهم جرة و لم ينكب لهم إناء، ثم قلبها دفعة واحدة و ضربها على الأرض.

و اعلم أن هذا العمل كان معجزة قاهرة من وجهين: أحدهما: أن قلع الأرض و إصعادها إلى قريب من السماء فعل خارق للعادات. و الثاني: أن ضربها من ذلك البعد البعيد على الأرض بحيث لم تتحرك سائر القرى المحيطة بها ألبتة، و لم تصل الآفة إلى لوط عليه السلام و أهله مع قرب مكانهم من ذلك الموضع معجزة قاهرة أيضا. الثاني: قوله: وَ أَمْطَرْنََا عَلَيْهََا حِجََارَةً مِنْ سِجِّيلٍ و اختلفوا في السجيل على وجوه: الأول: أنه فارسي معرب و أصله سنگ‏گل و أنه شي‏ء مركب من الحجر و الطين بشرط أن يكون في غاية الصلابة، قال الأزهري:

لما عربته العرب صار عربيا و قد عربت حروفا كثيرة كالديباج و الديوان و الإستبرق. و الثاني: سجيل، أي مثل السجل و هو الدلو العظيم. و الثالث: سجيل، أي شديد من الحجارة. الرابع: مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته و هو فعيل منه. الخامس: من أسجلته، أي أعطيته تقديره مثل العطية في الإدرار، و قيل: كان كتب عليها أسامي المعذبين. السادس: و هو من السجل و هو الكتاب تقديره من مكتوب في الأزل أي كتب اللََّه أن يعذبهم بها، و السجيل أخذ من السجل و هو الدلو العظيمة لأنه يتضمن أحكاما كثيرة، و قيل: مأخوذ من المساجلة و هي المفاخرة. و السابع: من سجيل أي من جهنم أبدلت النون لاما، و الثامن: من السماء الدنيا، و تسمى سجيلا عن أبي زيد، و التاسع: السجيل الطين، لقوله تعالى: حِجََارَةً مِنْ طِينٍ [الذاريات: 33]و هو قول عكرمة و قتادة. قال الحسن كان أصل الحجر هو من الطين، إلا أنه صلب بمرور الزمان، و العاشر: سجيل موضع الحجارة، و هي جبال مخصوصة، و منه قوله تعالى: مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ [النور: 43].

و اعلم أنه تعالى وصف تلك الحجارة بصفات:

فالصفة الأولى: كونها من سجيل، و قد سبق ذكره.

الصفة الثانية: قوله تعالى: مَنْضُودٍ قال الواحدي: هو مفعول من النضد، و هو موضع الشي‏ء بعضه على بعض، و فيه وجوه: الأول: أن تلك الحجارة كان بعضها فوق بعض في النزول فأتى به على سبيل المبالغة.

و الثاني: أن كل حجر فإن ما فيه من الأجزاء منضود بعضها ببعض، و ملتصق بعضها ببعض. و الثالث: أنه تعالى كان قد خلقها في معادنها و نضد بعضها فوق بعض، و أعدها لإهلاك الظلمة.

و اعلم أن قوله: مَنْضُودٍ صفة للسجيل.

الصفة الثالثة: مسومة، و هذه الصفة صفة للأحجار و معناها المعلمة، و قد مضى الكلام فيه في تفسير قوله: وَ اَلْخَيْلِ اَلْمُسَوَّمَةِ [آل عمران: 14]و اختلفوا في كيفية تلك العلامة على وجوه: الأول: قال الحسن و السدي: كان عليها أمثال الخواتيم. الثاني: قال ابن صالح: رأيت منها عند أم هانئ حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع. الثالث: قال ابن جريج: كان عليها سيما لا تشارك حجارة الأرض، و تدل على أنه تعالى إنما خلقها للعذاب. الرابع: قال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من رمى به.

ثم قال تعالى: عِنْدَ رَبِّكَ أي في خزائنه التي لا يتصرف فيها أحد إلا هو.

384

ثم قال: وَ مََا هِيَ مِنَ اَلظََّالِمِينَ بِبَعِيدٍ يعني به كفار مكة، و المقصود أنه تعالى يرميهم بها.

عن أنس أنه قال: سأل رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم جبريل عليه السلام عن هذا فقال: يعني عن ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا و هو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة.

و قيل: الضمير في قوله: وَ مََا هِيَ للقرى. أي و ما تلك القرى التي وقعت فيها هذه الواقعة من كفار مكة ببعيد، و ذلك لأن القرى كانت في الشأم، و هي قريب من مكة.

اعلم أن هذا هو القصة السادسة من القصص المذكورة في هذه السورة. و اعلم أن مدين اسم ابن لإبراهيم عليه السلام، ثم صار اسما للقبيلة، و كثير من المفسرين يذهب إلى أن مدين اسم مدينة بناها مدين بن إبراهيم عليه السلام و المعنى على هذا التقدير: و أرسلنا إلى أهل مدين فحذف الأهل.

و اعلم أنا بينا أن الأنبياء عليهم السلام يشرعون في أول الأمر بالدعوة إلى التوحيد، فلهذا قال شعيب عليه السلام: مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ ثم إنهم بعد الدعوة إلى التوحيد يشرعون في الأهم ثم الأهم، و لما كان المعتاد من أهل مدين البخس في المكيال و الميزان، دعاهم إلى ترك هذه العادة فقال: وَ لاََ تَنْقُصُوا اَلْمِكْيََالَ وَ اَلْمِيزََانَ و النقص فيه على وجهين: أحدهما: أن يكون الإيفاء من قبلهم فينقصون من قدره. و الآخر: أن يكون لهم الاستيفاء فيأخذون أزيد من الواجب و ذلك يوجب نقصان حق الغير، و في القسمين حصل النقصان في حق الغير. ثم قال: إِنِّي أَرََاكُمْ بِخَيْرٍ و فيه وجهان: الأول: أنه حذرهم من غلاء السعر و زوال النعمة إن لم يتوبوا فكأنه قال: اتركوا هذا التطفيف و إلا أزال اللََّه عنكم ما حصل عندكم من الخير و الراحة. و الثاني: أن يكون التقدير أنه تعالى أتاكم بالخير الكثير و المال و الرخص و السعة فلا حاجة بكم إلى هذا التطفيف. ثم قال: وَ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ و فيه أبحاث:

البحث الأول: قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: أخاف أي أعلم حصول عذاب يوم محيط و قال آخرون:

بل المراد هو الخوف، لأنه يجوز أن يتركوا ذلك العمل خشية أن يحصل لهم العذاب و لما كان هذا التخويف قائما فالحاصل هو الظن لا العلم.

البحث الثاني: أنه تعالى توعدهم بعذاب يحيط بهم بحيث لا يخرج منه أحد، و المحيط من صفة اليوم في الظاهر، و في المعنى من صفة العذاب و ذلك مجاز مشهور كقوله: هََذََا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود: 77].

البحث الثالث: اختلفوا في المراد بهذا العذاب فقال بعضهم: هو عذاب يوم القيامة، لأنه اليوم الذي نصب لإحاطة العذاب بالمعذبين، و قال بعضهم: بل يدخل فيه عذاب الدنيا و الآخرة/و قال بعضهم: بل المراد منه عذاب الاستئصال في الدنيا كما في حق سائر الأنبياء و الأقرب دخول كل عذاب فيه و إحاطة العذاب بهم‏

385

كإحاطة الدائرة بما في داخلها فينالهم من كل وجه و ذلك مبالغة في الوعد كقوله: وَ أُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف:

42]ثم قال: وَ يََا قَوْمِ أَوْفُوا اَلْمِكْيََالَ وَ اَلْمِيزََانَ بِالْقِسْطِ .

فإن قيل: وقع التكرير في هذه الآية من ثلاثة أوجه لأنه قال أولا وَ لاََ تَنْقُصُوا اَلْمِكْيََالَ وَ اَلْمِيزََانَ ثم قال: أَوْفُوا اَلْمِكْيََالَ وَ اَلْمِيزََانَ و هذا عين الأول. ثم قال: وَ لاََ تَبْخَسُوا اَلنََّاسَ أَشْيََاءَهُمْ و هذا عين ما تقدم فما الفائدة في هذا التكرير؟ قلنا: إن فيه وجوها:

الوجه الأول: أن القوم كانوا مصرين على ذلك العمل فاحتج في المنع منه إلى المبالغة و التأكيد، و التكرير يفيد التأكيد و شدة العناية و الاهتمام.

و الوجه الثاني: أن قوله: وَ لاََ تَنْقُصُوا اَلْمِكْيََالَ وَ اَلْمِيزََانَ نهي عن التنقيص و قوله: أَوْفُوا اَلْمِكْيََالَ وَ اَلْمِيزََانَ أمر بإيفاء العدل، و النهي عن ضد الشي‏ء مغاير للأمر به، و ليس لقائل أن يقول: النهي عن ضد الشي‏ء أمر به، فكان التكرير لازما من هذا الوجه، لأنا نقول: الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى جمع بين الأمر و الشي‏ء، و بين النهي عن ضده للمبالغة، كما تقول: صل قرابتك و لا تقطعهم، فيدل هذا الجمع على غاية التأكيد. الثاني: أن نقول لا نسلم أن الأمر كما ذكرتم لأنه يجوز أن ينهى عن التنقيص و ينهى أيضا عن أصل المعاملة، فهو تعالى منع من التنقيص و أمر بإيفاء الحق، ليدل ذلك على أنه تعالى لم يمنع عن المعاملات و لم ينه عن المبايعات، و إنما منع من التطفيف، و ذلك لأن طائفة من الناس يقولون إن المبايعات لا تنفك عن التطفيف و منع الحقوق فكانت المبايعات محرمة بالكلية، فلأجل إبطال هذا الخيال، منع تعالى في الآية الأولى من التطفيف و في الآية الأخرى أمر بالإيفاء، و أما قوله ثالثا: وَ لاََ تَبْخَسُوا اَلنََّاسَ أَشْيََاءَهُمْ فليس بتكرير لأنه تعالى خص المنع في الآية السابقة بالنقصان في المكيال و الميزان. ثم إنه تعالى عم الحكم في جميع الأشياء فظهر بهذا البيان أنها غير مكررة، بل في كل و احد منها فائدة زائدة.

و الوجه الثالث: أنه تعالى قال في الآية الأولى: وَ لاََ تَنْقُصُوا اَلْمِكْيََالَ وَ اَلْمِيزََانَ و في الثانية قال: أَوْفُوا اَلْمِكْيََالَ وَ اَلْمِيزََانَ و الإيفاء عبارة عن الإتيان به على سبيل الكمال و التمام، و لا يحصل ذلك إلا إذا أعطى قدرا زائدا على الحق، و لهذا المعنى قال الفقهاء: إنه تعالى أمر بغسل الوجه و ذلك لا يحصل إلا عند غسل جزء من أجزاء الرأس. فالحاصل: أنه تعالى في الآية الأولى نهى عن النقصان، و في الآية الثانية أمر بإعطاء قدر من الزيادة و لا يحصل الجزم و اليقين بأداء الواجب/إلا عند أداء ذلك القدر من الزيادة فكأنه تعالى نهى أولا عن سعي الإنسان في أن يجعل مال غيره ناقصا لتحصل له تلك الزيادة، و في الثاني أمر بالسعي في تنقيص مال نفسه ليخرج باليقين عن العهدة و قوله: بِالْقِسْطِ يعني بالعدل و معناه الأمر بإيفاء الحق بحيث يحصل معه اليقين بالخروج عن العهدة فالأمر بإيتاء الزيادة على ذلك غير حاصل. ثم قال: وَ لاََ تَبْخَسُوا اَلنََّاسَ أَشْيََاءَهُمْ و البخس هو النقص في كل الأشياء، و قد ذكرنا أن الآية الأولى دلت على المنع من النقص في المكيال و الميزان، و هذه الآية دلت على المنع من النقص في كل الأشياء. ثم قال: وَ لاََ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ .

فإن قيل: العثو الفساد التام فقوله: وَ لاََ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ جار مجرى أن يقال: و لا تفسدوا في الأرض مفسدين.

386

قلنا: فيه وجوه: الأول: أن من سعى في إيصال الضرر إلى الغير فقد حمل ذلك الغير على السعي إلى إيصال الضرر إليه فقوله: وَ لاََ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ معناه و لا تسعوا في إفساد مصالح الغير فإن ذلك في الحقيقة سعي منكم في إفساد مصالح أنفسكم. و الثاني: أن يكون المراد من قوله: وَ لاََ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ مصالح دنياكم و آخرتكم. و الثالث: و لا تعثوا في الأرض مفسدين مصالح الأديان. }ثم قال: بَقِيَّتُ اَللََّهِ خَيْرٌ لَكُمْ قرئ تقية اللََّه و هي تقواه و مراقبته التي تصرف عن المعاصي. ثم نقول المعنى: ما أبقى اللََّه لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل و الوزن خير من البخس و التطفيف يعني المال الحلال الذي يبقى لكم خير من تلك الزيادة الحاصلة بطريق البخس و التطفيف و قال الحسن: بقية اللََّه أي طاعة اللََّه خير لكم من ذلك القدر القليل، لأن ثواب الطاعة يبقى أبدا، و قال قتادة: حظكم من ربكم خير لكم، و أقول المراد من هذه البقية إما المال الذي يبقى عليه في الدنيا، و إما ثواب اللََّه، و أما كونه تعالى راضيا عنه و الكل خير من قدر التطفيف، أما المال الباقي فلأن الناس إذا عرفوا إنسانا بالصدق و الأمانة و البعد عن الخيانة اعتمدوا عليه و رجعوا في كل المعاملات إليه فيفتح عليه باب الرزق، و إذا عرفوه بالخيانة و المكر انصرفوا عنه و لم يخالطوه ألبتة فتضيق أبواب الرزق عليه، و أما إن حملنا هذه البقية على الثواب فالأمر ظاهر، لأن كل الدنيا تفنى و تنقرض و ثواب اللََّه باق، و أما إن حملناه على حصول رضا اللََّه تعالى فالأمر فيه ظاهر، فثبت بهذا البرهان أن بقية اللََّه خير. ثم قال: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ و إنما شرط الإيمان في كونه خيرا لهم لأنهم إن كانوا مؤمنين مقرين بالثواب و العقاب عرفوا أن السعي في تحصيل الثواب و في الحذر من العقاب خير لهم من السعي في تحصيل ذلك القليل.

و اعلم أن المعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط، فهذه الآية تدل بظاهرها على أن من لم يحترز/عن هذا التطفيف فإنه لا يكون مؤمنا.

ثم قال تعالى: وَ مََا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ و فيه وجهان: الأول: أن يكون المعنى: إني نصحتكم و أرشدتكم إلى الخير وَ مََا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أي لا قدرة لي على منعكم عن هذا العمل القبيح. الثاني: أنه قد أشار فيما تقدم إلى أن الاشتغال بالبخس و التطفيف يوجب زوال نعمة اللََّه تعالى فقال: وَ مََا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ يعني لو لم تتركوا هذا العمل القبيح لزالت نعم اللََّه عنكم و أنا لا أقدر على حفظها عليكم في تلك الحالة.

في قوله تعالى قََالُوا يََا شُعَيْبُ أَ صَلاََتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مََا يَعْبُدُ آبََاؤُنََا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوََالِنََا مََا نَشََؤُا في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي و حفص عن عاصم أَ صَلاََتُكَ بغير واو. و الباقون أ صلواتك على الجمع.

المسألة الثانية: اعلم أن شعيبا عليه السلام أمرهم بشيئين، بالتوحيد و ترك البخس فالقوم أنكروا عليه أمره بهذين النوعين من الطاعة، فقوله: أَنْ نَتْرُكَ مََا يَعْبُدُ آبََاؤُنََا إشارة إلى أنه أمرهم بالتوحيد و قوله: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوََالِنََا مََا نَشََؤُا إشارة إلى أنه أمرهم بترك البخس. أما الأول: فقد أشاروا فيه إلى التمسك بطريقة التقليد،

387

لأنهم استبعدوا منه أن يأمرهم بترك عبادة ما كان يعبد آباؤهم يعني الطريقة التي أخذناها من آبائنا و أسلافنا كيف نتركها، و ذلك تمسك بمحض التقليد.

المسألة الثالثة: في لفظ الصلاة و هاهنا قولان: الأول: المراد منه الدين و الإيمان، لأن الصلاة أظهر شعار الدين فجعلوا ذكر الصلاة كناية عن الدين، أو نقول: الصلاة أصلها من الإتباع و منه أخذ المصلي من الخيل الذي يتلو السابق لأن رأسه يكون على صلوى السابق و هما ناحيتا الفخذين و المراد: دينك يأمرك بذلك.

و الثاني: أن المراد منه هذه الأعمال المخصوصة،

روي أن شعيبا كان كثير الصلاة و كان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا و تضاحكوا،

فقصدوا بقولهم: أ صلاتك تأمرك السخرية و الهزء، و كما أنك إذا رأيت معتوها يطالع كتبا ثم يذكر كلاما فاسدا فيقال له: هذا من مطالعة تلك الكتب على سبيل الهزء و السخرية فكذا هاهنا.

فإن قيل: تقدير الآية: أ صلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء و هم إنما ذكروا هذا الكلام على سبيل الإنكار، و هم ما كانوا ينكرون كونهم فاعلين في أموالهم ما يشاؤن، فكيف وجه التأويل.

قلنا: فيه وجهان: الأول: التقدير: أ صلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا و أن نترك فعل ما نشاء، و على هذا فقوله: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ معطوف على ما في قوله: مََا يَعْبُدُ آبََاؤُنََا و الثاني: أن تجعل الصلاة آمرة و ناهية و التقدير: أ صلواتك تأمرك بأن نترك عبادة الأوثان و تنهاك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، و قرأ ابن أبي عبلة أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء بتاء الخطاب فيهما و هو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف و البخس و الاقتناع بالحلال القليل و أنه خير من الحرام الكثير.

ثم قال تعالى حكاية عنهم: إِنَّكَ لَأَنْتَ اَلْحَلِيمُ اَلرَّشِيدُ و فيه وجوه:

الوجه الأول: أن يكون المعنى إنك لأنت السفيه الجاهل إلا أنهم عكسوا ذلك على سبيل الاستهزاء و السخرية به، كما يقال للبخيل الخسيس لو رآك حاتم لسجد لك.

و الوجه الثاني: أن يكون المراد إنك موصوف عند نفسك و عند قومك بالحلم و الرشد.

و الوجه الثالث: أنه عليه السلام كان مشهورا عندهم بأنه حليم رشيد، فلما أمرهم بمفارقة طريقتهم قالوا له: إنك لأنت الحليم الرشيد المعروف الطريقة في هذا الباب، فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا و أسلافنا، و المقصود استبعاد مثل هذا العمل ممن كان موصوفا بالحلم و الرشد و هذا الوجه أصوب الوجوه.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى حكى عن شعيب عليه السلام ما ذكره في الجواب عن كلماتهم‏

388

فالأول قوله: أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً و فيه وجوه: الأول: أن قوله: إِنْ كُنْتُ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي إشارة إلى ما آتاه اللََّه تعالى من العلم و الهداية و الدين و النبوة و قوله: وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً إشارة إلى ما آتاه اللََّه من المال الحلال، فإنه يروى أن شعيبا عليه السلام كان كثير المال.

و اعلم أن جواب إن الشرطية محذوف و التقدير: أنه تعالى لما آتاني جميع السعادات الروحانية و هي البينة و السعادات الجسمانية و هي المال و الرزق الحسن فهل يسعني مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في و حيه و أن أخالفه في أمره و نهيه، و هذا الجواب شديد المطابقة لما تقدم و ذلك لأنهم قالوا له: إِنَّكَ لَأَنْتَ اَلْحَلِيمُ اَلرَّشِيدُ فكيف يليق بك مع حلمك و رشدك أن تنهانا عن دين آبائنا فكأنه قال إنما أقدمت على هذا العمل، لأن نعم اللََّه تعالى عندي كثيرة و هو أمرني بهذا التبليغ و الرسالة، فكيف يليق بي مع كثرة نعم اللََّه تعالى على أن أخالف أمره و تكليفه. الثاني: أن يكون التقدير كأنه يقول لما ثبت عندي أن الاشتغال بعبادة غير اللََّه و الاشتغال بالبخس و التطفيف عمل منكر، ثم أنا رجل أريد إصلاح أحوالكم و لا أحتاج إلى أموالكم لأجل أن اللََّه تعالى آتاني رزقا حسنا فهل يسعني مع هذه الأحوال أن أخون في و حي اللََّه تعالى و في حكمه. الثالث: قوله: إِنْ كُنْتُ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي ما حصل عنده من المعجزة و قوله: وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً المراد أنه لا يسألهم أجرا و لا جعلا و هو الذي ذكره سائر الأنبياء من قولهم: مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ* .

المسألة الثانية: قوله: وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً يدل على أن ذلك الرزق إنما حصل من عند اللََّه تعالى و بإعانته و أنه لا مدخل للكسب فيه، و فيه تنبيه على أن الإعزاز من اللََّه تعالى و الإذلال من اللََّه تعالى، و إذا كان الكل من اللََّه تعالى فأنا لا أبالي بمخالفتكم و لا أفرح بموافقتكم، و إنما أكون على تقرير دين اللََّه تعالى و إيضاح شرائع اللََّه تعالى.

و أما الوجه الثاني: من الأجوبة التي ذكرها شعيب عليه السلام فقوله: وَ مََا أُرِيدُ أَنْ أُخََالِفَكُمْ إِلى‏ََ مََا أَنْهََاكُمْ عَنْهُ قال صاحب «الكشاف» : يقال خالفني فلان إلى كذا إذا قصده و أنت مول عنه و خالفني عنه إذا ولى عنه و أنت قاصده، و يلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه. فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه و اردا و أنا ذاهب عنه صادرا، و منه قوله: وَ مََا أُرِيدُ أَنْ أُخََالِفَكُمْ إِلى‏ََ مََا أَنْهََاكُمْ عَنْهُ يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم فهذا بيان اللغة، و تحقيق الكلام فيه أن القوم اعترفوا بأنه حليم رشيد، و ذلك يدل على كمال العقل، و كمال العقل يحمل صاحبه على اختيار الطريق الأصوب الأصلح، فكأنه عليه السلام قال لهم لما اعترفتم بكمال عقلي فاعلموا أن الذي اختاره عقلي لنفسي لا بد و أن يكون أصوب الطرق و أصلحها و الدعوة إلى توحيد اللََّه تعالى و ترك البخس و النقصان يرجع حاصلهما إلى جزأين، التعظيم لأمر اللََّه تعالى و الشفقة على خلق اللََّه تعالى و أنا مواظب عليهما غير تارك لهما في شي‏ء من الأحوال ألبتة فلما اعترفتم لي بالحلم و الرشد و ترون أني لا أترك هذه الطريقة، فاعلموا أن هذه الطريقة خير الطرق، و أشرف الأديان و الشرائع.

و أما الوجه الثالث: من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله: إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ اَلْإِصْلاََحَ مَا اِسْتَطَعْتُ و المعنى ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي و نصيحتي، و قوله: مَا اِسْتَطَعْتُ فيه وجوه: الأول: ـ

389

أنه ظرف و التقدير: مدة استطاعتي للإصلاح و ما دمت متمكنا منه لا آلو فيه جهدا. و الثاني: أنه بدل من الإصلاح، أي المقدار الذي استطعت منه. و الثالث: أن يكون مفعولا له أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه.

و اعلم أن المقصود من هذا الكلام أن القوم كانوا قد أقروا بأنه حليم رشيد، و إما أقروا له بذلك لأنه كان مشهورا فيما بين الخلق بهذه الصفة، فكأنه عليه السلام قال لهم إنكم تعرفون من حالي أني لا أسعى إلا في الإصلاح و إزالة الفساد و الخصومة، فلما أمرتكم بالتوحيد و ترك إيذاء الناس، فاعلموا أنه دين حق و أنه ليس غرضي منه إيقاع الخصومة و إثارة الفتنة، فإنكم تعرفون أني أبغض ذلك الطريق و لا أدور إلا على ما يوجب الصلح و الصلاح بقدر طاقتي، و ذلك هو الإبلاغ و الإنذار، و أما الإجبار على الطاعة فلا أقدر عليه، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله: وَ مََا تَوْفِيقِي إِلاََّ بِاللََّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ و بين بهذا أن توكله و اعتماده في تنفيذ كل الأعمال الصالحة على توفيق اللََّه تعالى و هدايته.

و اعلم أن قوله عليه السلام توكلت إشارة إلى محض التوحيد، لأن قوله عليه السلام توكلت يفيد الحصر، و هو أنه لا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على اللََّه تعالى و كيف و كل ما سوى الحق سبحانه ممكن لذاته فإن بذاته، و لا يحصل إلا بإيجاده و تكوينه، و إذا كان كذلك لم يجز التوكل إلا على اللََّه تعالى و أعظم مراتب معرفة المبدأ هو الذي ذكرناه، و أما قوله: وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ فهو إشارة إلى معرفة المعاد، و هو أيضا يفيد الحصر لأن قوله: وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ يدل على أنه لا مرجع للخلق إلا إلى اللََّه تعالى و

عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أنه كان إذا ذكر شعيب عليه السلام قال: «ذاك خطيب الأنبياء»

لحسن مراجعته في كلامه بين قومه.

و أما الوجه الرابع: من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله: وَ يََا قَوْمِ لاََ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقََاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ قال صاحب «الكشاف» : جرم مثل كسب في تعديته تارة إلى مفعول و احد و أخرى إلى مفعولين يقال جرم ذنبا و كسبه و جرمه ذنبا و كسبه إياه، و منه قوله تعالى: لاََ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقََاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ أي لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب، و قرأ ابن كثير يَجْرِمَنَّكُمْ بضم الياء من أجرمته ذنبا إذا جعلته جارما له أي كاسبا له.

و هو منقول من جرم المتعدي إلى مفعول و احد، و على هذا فلا فرق بين جرمته ذنبا و أجرمته إياه، و القراءتان مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما إلا أن المشهورة أفصح لفظا كما أن كسبه مالا أفصح من أكسبه.

إذا عرفت هذا فنقول: المراد من الآية لا تكسبنكم معاداتكم إياي أي يصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا مثل ما حصل لقوم نوح عليه السلام من الغرق، و لقوم هود من الريح العقيم و لقوم صالح من الرجفة، و لقوم لوط من الخسف.

و أما قوله: وَ مََا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ففيه وجهان: الأول: أن المراد نفي البعد في المكان لأن بلاد قوم لوط عليه السلام قريبة من مدين، و الثاني: أن المراد نفي البعد في الزمان لأن إهلاك قوم لوط عليه السلام أقرب الإهلاكات التي عرفها الناس في زمان شعيب عليه السلام، و على هذين التقديرين فإن القرب في المكان و في الزمان يفيد زيادة المعرفة و كمال الوقوف على الأحوال فكأنه يقول اعتبروا بأحوالهم و احذروا من مخالفة اللََّه تعالى و منازعته حتى لا ينزل بكم مثل ذلك العذاب.

390

فإن قيل: لم قال: وَ مََا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ و كان الواجب أن يقال ببعيدين؟ أجاب عنه صاحب «الكشاف» من وجهين: الأول: أن يكون التقدير ما إهلاكهم شي‏ء بعيدو الثاني: أنه يجوز أن يسوى في قريب و بعيد و كثير و قليل بين المذكر و المؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل و النهيق و نحوهما.

و أما الوجه الخامس: من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله: و استغفروا ربكم من عبادة الأوثان ثم توبوا إليه عن البخس و النقصان إن ربي رحيم بأوليائه و دود. قال أبو بكر الأنباري: الودود في أسماء اللََّه تعالى المحب لعباده، من قولهم وددت الرجل أوده، و قال الأزهري في «كتاب شرح أسماء اللََّه تعالى» و يجوز أن يكون و دود فعولا بمعنى مفعول كركوب و حلوب، و معناه أن عباده الصالحين يودونه و يحبونه لكثرة إفضاله و إحسانه على الخلق.

و اعلم أن هذا الترتيب الذي راعاه شعيب عليه السلام في ذكر هذه الوجوه الخمسة ترتيب لطيف و ذلك لأنه بين أولا أن ظهور البينة له و كثرة إنعام اللََّه تعالى عليه في الظاهر و الباطن يمنعه عن الخيانة في و حي اللََّه تعالى و يصده عن التهاون في تكاليفه. ثم بين ثانيا أنه مواظب على العمل بهذه الدعوة و لو كانت باطلة لما اشتغل هو بها مع اعترافكم بكونه حليما رشيدا، ثم بين صحته بطريق آخر و هو أنه كان معروفا بتحصيل موجبات الصلاح و إخفاء موجبات الفتن، فلو كانت هذه الدعوة باطلة لما اشتغل بها، ثم لما بين صحة طريقته أشار إلى نفي المعارض و قال لا ينبغي أن تحملكم عداوتي على مذهب و دين تقعون بسببه في العذاب الشديد من اللََّه تعالى، كما وقع فيه أقوام الأنبياء المتقدمين، ثم إنه لما صحح مذهب نفسه بهذه الدلائل عاد إلى تقرير ما ذكره أولا، و هو التوحيد و المنع من البخس بقوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ثم بين لهم أن سبق الكفر و المعصية منهم لا ينبغي أن يمنعهم من الإيمان و الطاعة لأنه تعالى رحيم و دود يقبل الإيمان و التوبة من الكافر و الفاسق لأن رحمته و حبه لهم يوجب ذلك، و هذا التقرير في غاية الكمال.

اعلم أنه عليه السلام لما بالغ في التقرير و البيان، أجابوه بكلمات فاسدة. فالأول: قولهم: يََا شُعَيْبُ مََا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمََّا تَقُولُ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول: أنه عليه السلام كان يخاطبهم بلسانهم، فلم قالوا: مََا نَفْقَهُ و العلماء ذكروا عنه أنواعا من الجوابات: فالأول: أن المراد: ما نفهم كثيرا مما تقول، لأنهم/كانوا لا يلقون إليه أفهامهم لشدة نفرتهم عن كلامه و هو كقوله: وَ جَعَلْنََا عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ* [الأنعام: 25]الثاني: أنهم فهموه بقلوبهم و لكنهم ما أقاموا له وزنا، فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذ لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول. الثالث: أن هذه الدلائل التي ذكرها ما أقنعتهم في صحة التوحيد و النبوة و البعث، و ما يجب من ترك الظلم و السرقة، فقولهم: مََا نَفْقَهُ أي لم نعرف صحة الدلائل التي ذكرتها على صحة هذه المطالب.

391

المسألة الثانية: من الناس من قال: الفقه اسم لعلم مخصوص، و هو معرفة غرض المتكلم من كلامه و احتجوا بهذه الآية و هي قوله: مََا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمََّا تَقُولُ فأضاف الفقه إلى القول ثم صار اسما لنوع معين من علوم الدين، و منهم من قال: إنه اسم لمطلق الفهم. يقال: أوتي فلان فقها في الدين، أي فهما. و

قال النبي صلى اللََّه عليه و سلم: «من يرد اللََّه به خيرا يفقهه في الدين»

أي يفهمه تأويله.

و النوع الثاني: من الأشياء التي ذكروها قولهم: وَ إِنََّا لَنَرََاكَ فِينََا ضَعِيفاً و فيه وجهان: الأول: أنه الضعيف الذي يتعذر عليه منع القوم عن نفسه، و الثاني: أن الضعيف هو الأعمى بلغة حمير. و اعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه: الأول: أنه ترك للظاهر من غير دليل، و الثاني: أن قوله: فِينََا يبطل هذا الوجه؛ ألا ترى أنه لو قال: إنا لنراك أعمى فينا كان فاسدا، لأن الأعمى أعمى فيهم و في غيرهم، الثالث: أنهم قالوا بعد ذلك وَ لَوْ لاََ رَهْطُكَ لَرَجَمْنََاكَ فنفوا عنه القوة التي أثبتوها في رهطه، و لما كان المراد بالقوة التي أثبتوها للرهط هي النصرة، وجب أن تكون القوة التي نفوها عنه هي النصرة، و الذين حملوا اللفظ على ضعف البصر لعلهم إنما حملوه عليه، لأنه سبب للضعف.

و اعلم أن أصحابنا يحوزون العمى على الأنبياء، إلا أن هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال به في إثبات هذا المعنى لما بيناه. و أما المعتزلة فقد اختلفوا فيه فمنهم من قال: إنه لا يجوز لكونه متعبدا فإنه لا يمكنه الاحتراز عن النجاسات، و لأنه ينحل بجواز كونه حاكما و شاهدا، فلأن يمنع من النبوة كان أولى، و الكلام فيه لا يليق بهذه الآية، لأنا بينا أن الآية لا دلالة فيها على هذا المعنى.

و النوع الثالث: من الأشياء التي ذكروها قولهم: وَ لَوْ لاََ رَهْطُكَ لَرَجَمْنََاكَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : الرهط من الثلاثة إلى العشرة، و قيل إلى السبعة، و قد كان رهطه على ملتهم. قالوا لو لا حرمة رهطك عندنا بسبب كونهم على ملتنا لرجمناك، و المقصود من هذا الكلام أنهم بينوا أنه لا حرمة له عندهم، و لا وقع له في صدورهم، و أنهم إنما لم يقتلوه/لأجل احترامهم رهطه.

المسألة الثانية: الرجم في اللغة عبارة عن الرمي، و ذلك قد يكون بالحجارة عند قصد القتل، و لما كان هذا الرجم سببا للقتل لا جرم سموا القتل رجما، و قد يكون بالقول الذي هو القذف، كقوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ [الكهف: 22]و قوله: وَ يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ [سبأ: 53]و قد يكون بالشتم و اللعن، و منه قوله:

اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ* [النحل: 98]و قد يكون بالطرد كقوله: رُجُوماً لِلشَّيََاطِينِ [الملك: 5].

إذا عرفت هذا ففي الآية وجهان: الأول: لَرَجَمْنََاكَ لقتلناك. الثاني: لشتمناك و طردناك.

النوع الرابع: من الأشياء التي ذكروها قولهم: وَ مََا أَنْتَ عَلَيْنََا بِعَزِيزٍ و معناه أنك لما لم تكن علينا عزيزا سهل علينا الإقدام على قتلك و إيذائك.

و اعلم أن كل هذه الوجوه التي ذكروها ليست دافعا لما قرره شعيب عليه السلام من الدلائل و البينات، بل هي جارية مجرى مقابلة الدليل و الحجة بالشتم و السفاهة.

392

اعلم أن الكفار لما خوفوا شعيبا عليه السلام بالقتل و الإيذاء، حكى اللََّه تعالى عنه ما ذكره في هذا المقام، و هو نوعان من الكلام:

النوع الأول: قوله: يََا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اَللََّهِ وَ اِتَّخَذْتُمُوهُ وَرََاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمََا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ و المعنى: أن القوم زعموا أنهم تركوا إيذاءه رعاية لجانب قومه. فقال: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراما لرهطي، و اللََّه تعالى أولى أن يتبع أمره، فكأنه يقول: حفظتكم/إياي رعاية لأمر اللََّه تعالى أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي.

و أما قوله: وَ اِتَّخَذْتُمُوهُ وَرََاءَكُمْ ظِهْرِيًّا فالمعنى: أنكم نسيتموه و جعلتموه كالشي‏ء المنبوذ و راء الظهر لا يعبأ به. قال صاحب «الكشاف» : و الظهري منسوب إلى الظهر، و الكسر من تغيرات النسب و نظيره قولهم في النسبة إلى الأمس إمسي بكسر الهمزة، و قوله: إِنَّ رَبِّي بِمََا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ يعني أنه عالم بأحوالكم فلا يخفى عليه شي‏ء منها.

و النوع الثاني: قوله: وَ يََا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى‏ََ مَكََانَتِكُمْ إِنِّي عََامِلٌ و المكانة الحالة يتمكن بها صاحبها من عمله، و المعنى اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة و القدرة و كل ما في وسعكم و طاقتكم من إيصال الشرور إلي فإني أيضا عامل بقدر ما آتاني اللََّه تعالى من القدرة.

ثم قال: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذََابٌ يُخْزِيهِ وَ مَنْ هُوَ كََاذِبٌ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول لم لم يقل «فسوف تعلمون» و الجواب: إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، و إما بحذف الفاء فإنه يجعله جوابا عن سؤال مقدر و التقدير: أنه لما قال: وَ يََا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى‏ََ مَكََانَتِكُمْ إِنِّي عََامِلٌ فكأنهم قالوا فماذا يكون بعد ذلك؟فقال: سَوْفَ تَعْلَمُونَ فظهر أن حذف حرف الفاء هاهنا أكمل في باب الفظاعة و التهويل. ثم قال وَ اِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ و المعنى: فانتظروا العاقبة إني معكم رقيب أي منتظر، و الرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب و الصريم بمعنى الضارب و الصارم، أو بمعنى المراقب كالعشير و النديم، أو بمعنى المرتقب كالفقير و الرفيع بمعنى المفتقر و المرتفع.

روى الكلبي عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما قال: لم يعذب اللََّه تعالى أمتين بعذاب و احد إلا قوم شعيب و قوم صالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، و قوم شعيب أخذتهم من فوقهم/و قوله: وَ لَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا يحتمل أن يكون المراد منه و لما جاء وقت أمرنا ملكا من الملائكة بتلك الصيحة، و يحتمل أن يكون المراد من الأمر العقاب، و على التقديرين فأخبر اللََّه أنه نجى شعيبا و من معه من المؤمنين برحمة منه و فيه‏

393

وجهان: الأول: أنه تعالى إنما خلصه من ذلك العذاب لمحض رحمته، تنبيها على أن كل ما يصل إلى العبد فليس إلا بفضل اللََّه و رحمته. و الثاني: أن يكون المراد من الرحمة الإيمان و الطاعة و سائر الأعمال الصالحة و هي أيضا ما حصلت إلا بتوفيق اللََّه تعالى، ثم وصف كيفية ذلك العذاب فقال: وَ أَخَذَتِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا اَلصَّيْحَةُ و إنما ذكر الصيحة بالألف و اللام إشارة إلى المعهود السابق و هي صيحة جبريل عليه السلام فَأَصْبَحُوا فِي دِيََارِهِمْ جََاثِمِينَ و الجاثم الملازم لمكانه الذي لا يتحول عنه يعني أن جبريل عليه السلام لما صاح بهم تلك الصيحة زهق روح كل و احد منهم بحيث يقع في مكانه ميتا} كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهََا أي كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين.

ثم قال تعالى: أَلاََ بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمََا بَعِدَتْ ثَمُودُ و قد تقدم تفسير هذه اللفظة و إنما قاس حالهم على ثمود لما ذكرنا أنه تعالى عذبهم مثل عذاب ثمود.

و اعلم أن هذه هي القصة السابعة من القصص التي ذكرها اللََّه تعالى في هذه السورة و هي آخر القصص من هذه السورة، أما قوله: بِآيََاتِنََا وَ سُلْطََانٍ مُبِينٍ ففيه وجوه: الأول: أن المراد من الآيات التوراة مع ما فيها من الشرائع و الأحكام، و من السلطان المبين المعجزات القاهرة الباهرة/و التقدير: و لقد أرسلنا موسى بشرائع و أحكام و تكاليف و أيدناه بمعجزات قاهرة و بينات باهرة الثاني: أن الآيات هي المعجزات و البينات و هو كقوله:

إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ بِهََذََا [يونس: 68]و قوله: مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ بِهََا مِنْ سُلْطََانٍ* [النجم: 23]و على هذا التقدير ففي الآية وجهان: الأول: أن هذه الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته. الثاني: أن يراد بالسلطان المبين العصا، لأنه أشهرها و ذلك لأنه تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات، و هي العصا و اليد و الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم و نقص من الثمرات و الأنفس. و منهم من أبدل نقص الثمرات و الأنفس بإظلال الجبل و فلق البحر، و اختلفوا في أن الحجة لم سميت بالسلطان. فقال بعض المحققين: لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه عند النظر كما يقهر السلطان غيره، فلهذا توصف الحجة بأنها سلطان، و قال الزجاج: السلطان هو الحجة و السلطان سمي سلطانا لأنه حجة اللََّه في أرضه و اشتقاقه من السليط و السليط ما يضاء به و من هذا قيل للزيت السليط و فيه قول ثالث: و هو أن السلطان مشتق من التسليط، و العلماء سلاطين بسبب كمالهم في القوة العلمية و الملوك سلاطين بسبب ما معهم من القدرة و المكنة، إلا أن سلطنة العلماء أكمل و أقوى من سلطنة الملوك، لأن سلطنة العلماء لا تقبل النسخ و العزل و سلطنة الملوك تقبلهما و لأن سلطنة الملوك تابعة لسلطنة العلماء و سلطنة العلماء من جنس سلطنة الأنبياء و سلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة.

فإن قيل: إذا حملتم الآيات المذكورة في قوله: بِآيََاتِنََا على المعجزات و السلطان أيضا على الدلائل و المبين أيضا معناه كونه سببا للظهور فما الفرق بين هذه المراتب الثلاثة؟ قلنا: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظن، و بين الدلائل التي تفيد اليقين و أما

394

السلطان فهو اسم لما يفيد القطع و اليقين، إلا أنه اسم للقدر المشترك بين الدلائل التي تؤكد بالحس، و بين الدلائل التي لم تتأكد بالحس، و أما الدليل القاطع الذي تأكد بالحس فهو السلطان المبين، و لما كانت معجزات موسى عليه السلام هكذا لا جرم وصفها اللََّه بأنها سلطان مبين. }ثم قال: إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ يعني و أرسلنا موسى بآياتنا بمثل هذه الآيات إلى فرعون و ملائه، أي جماعته. ثم قال: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ و يحتمل أن يكون المراد أمره إياهم بالكفر بموسى و معجزاته و يحتمل أن يكون المراد من الأمر الطريق و الشأن.

ثم قال تعالى: وَ مََا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ أي بمرشد إلى خير، و قيل رشيد أي ذي رشد.

و اعلم أن بعد طريق فرعون من الرشد كان ظاهرا لأنه كان دهريا نافيا للصانع و المعاد و كان يقول: لا إله للعالم و إنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم و عبوديته رعاية/لمصلحة العالم و أنكر أن يكون الرشد في عبادة اللََّه و معرفته فلما كان هو نافيا لهذين الأمرين كان خاليا عن الرشد بالكلية، }ثم إنه تعالى ذكر صفته و صفة قومه فقال: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ اَلنََّارَ و فيه بحثان:

البحث الأول: من حيث اللغة يقال: قدم فلان فلانا بمعنى تقدمه، و منه قادمة الرجل كما يقال قدمه بمعنى تقدمه، و منه مقدمة الجيش.

و البحث الثاني: من حيث المعنى و هو أن فرعون كان قدوة لقومه في الضلال حال ما كانوا في الدنيا و كذلك مقدمهم إلى النار و هم يتبعونه، أو يقال كما تقدم قومه في الدنيا فأدخلهم في البحر و أغرقهم فكذلك يتقدمهم يوم القيامة فيدخلهم النار و يحرقهم، و يجوز أيضا أن يريد بقوله: وَ مََا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ أي و ما أمره بصالح حميد العاقبة و يكون قوله: يَقْدُمُ قَوْمَهُ تفسيرا لذلك، و إيضاحا له، أي كيف يكون أمره رشيدا مع أن عاقبته هكذا.

فإن قيل: لم لم يقل: يقدم قومه فيوردهم النار؟بل قال: يقدم قومه فأوردهم النار بلفظ الماضي.

قلنا: لأن الماضي قد وقع و دخل في الوجود فلا سبيل ألبتة إلى دفعه، فإذا عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل على غاية المبالغة، ثم قال: وَ بِئْسَ اَلْوِرْدُ اَلْمَوْرُودُ و فيه بحثان:

البحث الأول: لفظ «النار» مؤنث، فكان ينبغي أن يقال: و بئست الورد المورود إلا أن لفظ «الورد» مذكر، فكان التذكير و التأنيث جائزين كما تقول: نعم المنزل دارك، و نعمت المنزل دارك، فمن ذكر غلب المنزل و من أنث بنى على تأنيث الدار هكذا قاله الواحدي.

البحث الثاني: الورد قد يكون بمعنى الورود فيكون مصدرا و قد يكون بمعنى الوارد. قال تعالى:

وَ نَسُوقُ اَلْمُجْرِمِينَ إِلى‏ََ جَهَنَّمَ وِرْداً [مريم: 86]و قد يكون بمعنى المورود عليه كالماء الذي يورد عليه. قال صاحب «الكشاف» : الورد المورود الذي حصل وروده. فشبه اللََّه تعالى فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء و شبه أتباعه بالواردين إلى الماء، ثم قال بئس الورد الذي يوردونه النار، لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش و تبريد الأكباد، و النار ضده.

ثم قال: وَ أُتْبِعُوا فِي هََذِهِ لَعْنَةً وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ و المعنى أنهم أتبعوا في هذه الدنيا لعنة و في يوم القيامة أيضا، و معناه أن اللعن من اللََّه و من الملائكة و الأنبياء ملتصق بهم في الدنيا و في الآخرة لا يزول عنهم، و نظيره قوله في سورة القصص: وَ أَتْبَعْنََاهُمْ فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا لَعْنَةً وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ هُمْ مِنَ اَلْمَقْبُوحِينَ [القصص: 42].

395

ثم قال: بِئْسَ اَلرِّفْدُ اَلْمَرْفُودُ و الرفد هو العطية و أصله الذي يعين على المطلوب سأل نافع بن الأزرق ابن عباس رضي اللََّه عنهما عن قوله: بِئْسَ اَلرِّفْدُ اَلْمَرْفُودُ قال هو اللعنة بعد اللعنة. قال قتادة:

ترادفت عليهم لعنتان من اللََّه تعالى لعنة في الدنيا و لعنة في الآخرة و كل شي‏ء جعلته عونا لشي‏ء فقد رفدته به.

اعلم أنه تعالى لما ذكر قصص الأولين قال: ذََلِكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْقُرى‏ََ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ و الفائدة في ذكرها أمور: أولها: أن الانتفاع بالدليل العقلي المحض إنما يحصل للإنسان الكامل، و ذلك إنما يكون في غاية الندرة. فأما إذا ذكرت الدلائل ثم أكدت بأقاصيص الأولين صار ذكر هذه الأقاصيص كالموصل لتلك الدلائل العقلية إلى العقول.

الوجه الثاني: أنه تعالى خلط بهذه الأقاصيص أنواع الدلائل التي كان الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بها و يذكر مدافعات الكفار لتلك الدلائل و شبهاتهم في دفعها، ثم يذكر عقيبهما أجوبة الأنبياء عنها ثم يذكر عقيبها أنهم لما أصروا و استكبروا و قعوا في عذاب الدنيا و بقي عليهم اللعن و العقاب في الدنيا و في الآخرة، فكان ذكر هذه القصص سببا لإيصال الدلائل و الجوابات عن الشبهات إلى قلوب المنكرين، و سببا لإزالة القسوة و الغلظة عن قلوبهم، فثبت أن أحسن الطرق في الدعوة إلى اللََّه تعالى ما ذكرناه.

الفائدة الثالثة: أنه عليه السلام كان يذكر هذه القصص من غير مطالعة كتب، و لا تلمذ لأحد و ذلك معجزة عظيمة تدل على النبوة كما قررناه.

الفائدة الرابعة: إن الذين يسمعون هذه القصص يتقرر عندهم أن عاقبة الصديق و الزنديق و الموافق و المنافق إلى ترك الدنيا و الخروج عنها، إلا أن المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا، و الثواب الجزيل في الآخرة، و الكافر يخرج من الدنيا مع اللعن في الدنيا/و العقاب في الآخرة، فإذا تكررت هذه الأقاصيص على السمع، فلا بد و أن يلين القلب و تخضع النفس و تزول العداوة و يحصل في القلب خوف يحمله على النظر و الاستدلال، فهذا كلام جليل في فوائد ذكر هذه القصص.

أما قوله: ذََلِكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْقُرى‏ََ ففيه أبحاث:

البحث الأول: أو قوله: ذََلِكَ إشارة إلى الغائب، و المراد منه هاهنا الإشارة إلى هذه القصص التي تقدمت، و هي حاضرة، إلا أن الجواب عنه ما تقدم في قوله: ذََلِكَ اَلْكِتََابُ لاََ رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2].

البحث الثاني: أن لفظ «ذلك» يشار به إلى الواحد و الاثنين و الجماعة لقوله تعالى: لاََ فََارِضٌ وَ لاََ بِكْرٌ عَوََانٌ بَيْنَ ذََلِكَ [البقرة: 68]و أيضا يحتمل أن يكون المراد ذلك الذي ذكرناه هو كذا و كذا.

البحث الثالث: قال صاحب «الكشاف» : «ذلك» مبتدأ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْقُرى‏ََ خبر نَقُصُّهُ عَلَيْكَ خبر بعد خبر أي ذلك المذكور بعض أنباء القرى مقصوص عليك. ثم قال: مِنْهََا قََائِمٌ وَ حَصِيدٌ و الضمير في قوله:

396

مِنْهََا يعود إلى القرى شبه ما بقي من آثار القرى و جدرانها بالزرع القائم على ساقه و ما عفا منها و بطر بالحصيد، و المعنى أن تلك القرى بعضها بقي منه شي‏ء و بعضها هلك و ما بقي منه أثر ألبتة.

ثم قال تعالى: وَ مََا ظَلَمْنََاهُمْ وَ لََكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ و فيه وجوه: الأول: و ما ظلمناهم بالعذاب و الإهلاك، و لكن ظلموا أنفسهم بالكفر و المعصية. الثاني: أن الذي نزل بالقوم ليس بظلم من اللََّه بل هو عدل و حكمة، لأجل أن القوم أولا ظلموا أنفسهم بسبب إقدامهم على الكفر و المعاصي فاستوجبوا لأجل تلك الأعمال من اللََّه ذلك العذاب. الثالث: قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: يريد و ما نقصناهم من النعيم في الدنيا و الرزق، و لكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق اللََّه تعالى.

ثم قال: فَمََا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ اَلَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ أي ما نفعتهم تلك الآلهة في شي‏ء ألبتة.

ثم قال: وَ مََا زََادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: غير تخسير. يقال: تب إذا خسر و تببه غيره إذا أوقعه في الخسران، و المعنى أن الكفار كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع و دفع المضار ثم إنه تعالى أخبر أنهم عند مساس الحاجة إلى المعين ما وجدوا منها شيئا لا جلب نفع و لا دفع ضر، ثم كما لم يجدوا ذلك فقد وجدوا ضده، و هو أن ذلك/الاعتقاد زال عنهم به منافع الدنيا و الآخرة و جلب إليهم مضار الدنيا و الآخرة، فكان ذلك من أعظم موجبات الخسران.

في قوله تعالى وَ كَذََلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذََا أَخَذَ اَلْقُرى‏ََ وَ هِيَ ظََالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم و الجحدري: إذ أخذ القرى بألف واحدة، و قرأ الباقون بألفين.

المسألة الثانية: في بيان أن عذابه ليس بمقتصر على من تقدم‏ اعلم أنه تعالى لما أخبر الرسول عليه السلام في كتابه بما فعل بأمم من تقدم من الأنبياء لما خالفوا الرسل و ردوا عليهم من عذاب الاستئصال، و بين أنهم ظلموا أنفسهم فحل بهم العذاب في الدنيا قال بعده: وَ كَذََلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذََا أَخَذَ اَلْقُرى‏ََ وَ هِيَ ظََالِمَةٌ فبين أن عذابه ليس بمقتصر على من تقدم، بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك و قوله: وَ هِيَ ظََالِمَةٌ الضمير فيه عائد إلى القرى و هو في الحقيقة عائد إلى أهلها، و نظيره قوله: وَ كَمْ قَصَمْنََا مِنْ قَرْيَةٍ كََانَتْ ظََالِمَةً [الأنبياء: 11]و قوله: وَ كَمْ أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهََا [القصص: 58].

و اعلم أنه تعالى لما بين كيفية أخذ الأمم المتقدمة ثم بين أنه إنما يأخذ جميع الظالمين على ذلك الوجه أتبعه بما يزيده تأكيدا و تقوية فقال: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ فوصف ذلك العذاب بالإيلام و بالشدة، و لا منغصة في الدنيا إلا الألم، و لا تشديد في الدنيا و في الآخرة، و في الوهم و العقل إلا تشديد الألم.

و اعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة و الإنابة لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه اللََّه تعالى بأنه أليم شديد و لا ينبغي أن يظن أن هذه الأحكام/مختصة بأولئك المتقدمين، ـ

397

لأنه تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال: وَ كَذََلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذََا أَخَذَ اَلْقُرى‏ََ وَ هِيَ ظََالِمَةٌ فبين أن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي، فلا بد و أن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد.

ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خََافَ عَذََابَ اَلْآخِرَةِ قال القفال: تقرير هذا الكلام أن يقال: إن هؤلاء إنما عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم الأنبياء و إشراكهم باللََّه، فإذا عذبوا في الدنيا على ذلك و هي دار العمل، فلأن يعذبوا عليه في الآخرة التي هي دار الجزاء كان أولى.

و اعلم أن كثيرا ممن تنبه لهذا البحث من المفسرين عولوا على هذا الوجه، بل هو ضعيف و ذلك لأن على هذا الوجه الذي ذكره القفال يكون ظهور عذاب الاستئصال في الدنيا دليلا على أن القول بالقيامة و البعث و النشر حق و صدق، و ظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال، و هذا المعنى كالمضاد لما ذكره القفال، لأن القفال يجعل العلم بعذاب الاستئصال أصلا للعلم بأن القيامة حق، فبطل ما ذكره القفال و الأصوب عندي أن يقال: العلم بأن القيامة حق موقوف على العلم بأن المدبر لوجود هذه السموات و الأرضين فاعل مختار لا موجب بالذات و ما لم يعرف الإنسان أن إله العالم فاعل مختار و قادر على كل الممكنات و أن جميع الحوادث الواقعة في السموات و الأرضين لا تحصل إلا بتكوينه و قضائه، لا يمكنه أن يعتبر بعذاب الاستئصال، و ذلك لأن الذين يزعمون أن المؤثر في وجود هذا العالم موجب بالذات بلا فاعل مختار، يزعمون أن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء مثل الغرق و الحرق و الخسف و المسخ و الصيحة كلها إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب و اتصال بعضها ببعض، و إذا كان الأمر كذلك فحينئذ لا يكون حصولها دليلا على صدق الأنبياء، فأما الذي يؤمن بالقيامة، فلا يتم ذلك الإيمان إلا إذا اعتقد أنه إله العالم فاعل مختار و أنه عالم بجميع الجزئيات، و إذا كان الأمر كذلك لزم القطع بأن حدوث هذه الحوادث الهائلة و الوقائع العظيمة إنما كان بسبب أن إله العالم خلقها و أوجدها و أنها ليست بسبب طوالع الكواكب و قراناتها، و حينئذ ينتفع بسماع هذه القصص، و يستدل بها على صدق الأنبياء، فثبت بهذا صحة قوله: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خََافَ عَذََابَ اَلْآخِرَةِ .

ثم قال تعالى: ذََلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ اَلنََّاسُ وَ ذََلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ .

و اعلم أنه تعالى لما ذكر الآخرة وصف ذلك اليوم بوصفين: أحدهما: أنه يوم مجموع له الناس، و المعنى أن خلق الأولين و الآخرين كلهم يحشرون في ذلك اليوم و يجمعون. و الثاني: أنه يوم مشهود قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما يشهده البر و الفاجر. و قال آخرون يشهده أهل السماء/و أهل الأرض، و المراد من الشهود الحضور، و المقصود من ذكره أنه ربما وقع في قلب إنسان أنهم لما جمعوا في ذلك الوقت لم يعرف كل أحد إلا واقعة نفسه، فبين تعالى أن تلك الوقائع تصير معلومة للكل بسبب المحاسبة و المسألة.

ثم قال تعالى: وَ مََا نُؤَخِّرُهُ إِلاََّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ و المعنى أن تأخير الآخرة و إفناء الدنيا موقوف على أجل معدود و كل ماله عدد فهو متناه و كل ما كان متناهيا فإنه لا بد و أن يفنى، فيلزم أن يقال إن تأخير الآخرة سينتهي إلى وقت لا بد و أن يقيم اللََّه القيامة فيه، و أن تخرب الدنيا فيه، و كل ما هو آت قريب.

398

في قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِ لاََ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاََّ بِإِذْنِهِ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو و عاصم و حمزة يَأْتِ بحذف الياء و الباقون بإثبات الياء. قال صاحب «الكشاف» : و حذف الياء و الاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، و نحوه قولهم لا أدر حكاه الخليل و سيبويه.

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : فاعل يأتي هو اللََّه تعالى كقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ/إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ [البقرة: 210]و قوله: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: 158]و يعضده قراءة من قرأ و ما يؤخره بالياء أقول لا يعجبني هذا التأويل، لأن قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ حكاه اللََّه تعالى عن أقوام و الظاهر أنهم هم اليهود، و ذلك ليس فيه حجة و كذا قوله: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أما هاهنا فهو صريح كلام اللََّه تعالى و إسناد فعل الإتيان إليه مشكل.

فإن قالوا: فما قولك في قوله تعالى: وَ جََاءَ رَبُّكَ .

قلنا: هناك تأويلات، و أيضا فهو صريح، فلا يمكن دفعه فوجب الامتناع منه بل الواجب أن يقال: المراد منه يوم يأتي الشي‏ء المهيب الهائل المستعظم، فحذف اللََّه تعالى ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف.

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» : العامل في انتصاب الظرف هو قوله: لاََ تَكَلَّمُ أو إضمار اذكر.

أما قوله: لاََ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاََّ بِإِذْنِهِ ففيه حذف، و التقدير: لا تكلم نفس فيه إلا بإذن اللََّه تعالى.

فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية و بين سائر الآيات التي توهم كونها مناقضة لهذه الآية منها قوله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجََادِلُ عَنْ نَفْسِهََا [النحل: 111]و منها أنهم يكذبون و يحلفون باللََّه عليه و هو قولهم: وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23]و منها قوله تعالى: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات:

24]و منها قوله: هََذََا يَوْمُ لاََ يَنْطِقُونَ‏`وَ لاََ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: 35].

و الجواب من وجهين: الأول: أنه حيث و رد المنع من الكلام فهو محمول على الجوابات الحقية الصحيحة. الثاني: أن ذلك اليوم يوم طويل و له مواقف، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، و في بعضها يكفون عن الكلام، و في بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، و في بعضها يختم على أفواههم و تتكلم أيديهم و تشهد أرجلهم.

أما قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : الضمير في قوله: فَمِنْهُمْ لأهل الموقف و لم يذكر لأنه معلوم و لأن قوله: لاََ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاََّ بِإِذْنِهِ يدل عليه لأنه قد مر ذكر الناس في قوله: مَجْمُوعٌ لَهُ اَلنََّاسُ [هود: 103].

399

المسألة الثانية: قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ يدل ظاهره على أن أهل الموقف لا يخرجون عن هذين القسمين.

فإن قيل: أليس في الناس مجانين و أطفال و هم خارجون عن هذين القسمين؟ قلنا: المراد من يحشر ممن أطلق للحساب و هم لا يخرجون عن هذين القسمين.

فإن قيل: قد احتج القاضي بهذه الآية على فساد ما يقال إن أهل الأعراف لا في الجنة و لا في النار فما قولكم فيه؟ قلنا: لما سلم أن الأطفال و المجانين خارجون عن هذين القسمين لأنهم لا يحاسبون فلم لا يجوز أيضا أن يقال: إن أصحاب الأعراف خارجون عنه لأنهم أيضا لا يحاسبون، لأن اللََّه تعالى علم من حالهم أن ثوابهم يساوي عذابهم، فلا فائدة في حسابهم.

فإن قيل: القاضي استدل بهذه الآية أيضا على أن كل من حضر عرصة القيامة فإنه لا بد و أن يكون ثوابه زائدا أو يكون عقابه زائدا، فأما من كان ثوابه مساويا لعقابه فإنه و إن كان جائزا في العقل، إلا أن هذا النص دل على أنه غير موجود.

قلنا: الكلام فيه ما سبق من أن السعيد هو الذي يكون من أهل الثواب، و الشقي هو الذي يكون من أهل العقاب، و تخصيص هذين القسمين بالذكر لا يدل على نفي القسم الثالث، و الدليل على ذلك: أن أكثر الآيات مشتملة على ذكر المؤمن و الكافر فقط، و ليس فيه ذكر ثالث لا يكون لا مؤمنا و لا كافرا مع أن القاضي أثبته، فإذا لم يلزم من عدم ذكر ذلك الثالث عدمه فكذلك لا يلزم من ذكر هذا الثالث عدمه.

المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنه سعيد و على بعضهم بأنه شقي، و من حكم اللََّه عليه بحكم و علم منه ذلك الأمر امتنع كونه بخلافه، و إلا لزم أن يصير خبر اللََّه تعالى كذبا و علمه جاهلا و ذلك محال فثبت أن السعيد لا ينقلب شقيا و أن الشقي لا ينقلب سعيدا، و تقرير هذا الدليل مر في هذا الكتاب مرارا لا تحصى. و

روي عن عمر رضي اللََّه عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ قلت يا رسول اللََّه فعلى ماذا نعمل على شي‏ء قد فرغ منه أم على شي‏ء لم يفرغ منه؟فقال: «على شي‏ء قد فرغ منه يا عمر و جفت به الأقلام و جرت به الأقدار، و لكن كل ميسر لما خلق له»

و قالت المعتزلة: نقل عن الحسن أنه قال:

فمنهم شقي بعمله و سعيد بعمله.

قلنا: الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات و أيضا فلا نزاع أنه إنما شقي بعمله و إنما سعد بعمله و لكن لما كان ذلك العمل حاصلا بقضاء اللََّه و قدره كان الدليل الذي ذكرناه باقيا.

و اعلم أنه تعالى لما قسم أهل القيامة إلى هذين القسمين شرح حال كل و احد منهما فقال: فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا فَفِي اَلنََّارِ لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في الفرق بين الزفير و الشهيق وجوها:

الوجه الأول: قال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس و لم يخرجه، و الشهيق أن يخرج ذلك النفس، و قال الفراء: يقال للفرس إنه عظيم الزفرة أي عظيم البطن و أقول إن‏

400

الإنسان إذا عظم غمه انحصر روح قلبه في داخل القلب فإذا انحصر الروح قويت الحرارة و عظمت و عند ذلك يحتاج الإنسان إلى النفس القوي لأجل أن يستدخل هواء كثيرا باردا حتى يقوى على ترويح تلك الحرارة، فلهذا السبب يعظم في ذلك الوقت استدخال الهواء في داخل البدن و حينئذ يرتفع صدره و ينتفخ جنباه، و لما كانت الحرارة الغريزية و الروح الحيواني محصورا في داخل القلب استولت البرودة على الأعضاء الخارجة فربما عجزت آلات النفس عن دفع ذلك الهواء الكثير المستنشق فيبقى ذلك الهواء الكثير منحصرا في الصدر و يقرب من أن يختنق الإنسان منه و حينئذ تجتهد الطبيعة في إخراج ذلك الهواء فعلى قياس قول الأطباء الزفير هو استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه، و الشهيق هو إخراج ذلك الهواء عند مجاهدة الطبيعة في إخراجه و كل واحدة من هاتين الحالتين تدل على كرب شديد و غم عظيم.

الوجه الثاني: في الفرق بين الزفير و الشهيق. قال بعضهم: الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق.

و أما الشهيق فهو بمنزلة آخر صوت الحمار.

الوجه الثالث: قال الحسن: قد ذكرنا أن الزفير عبارة عن الارتفاع. فنقول: الزفير لهيب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا و صلوا إلى أعلى درجات جهنم و طمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد و يردونهم إلى الدرك الأسفل من جهنم، و ذلك قوله تعالى: كُلَّمََا أَرََادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهََا أُعِيدُوا فِيهََا فارتفاعهم في النار هو الزفير و انحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق.

الوجه الرابع: قال أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس، و الشهيق هو الذي يظهر عند اشتداد الكربة و الحزن، و ربما تبعهما الغشية، و ربما حصل عقيبه الموت.

الوجه الخامس: قال أبو العالية: الزفير في الحلق و الشهيق في الصدر.

الوجه السادس: قال قوم: الزفير الصوت الشديد، و الشهيق الصوت الضعيف.

الوجه السابع: قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ يريد ندامة و نفسا عالية و بكاء لا ينقطع و حزنا لا يندفع.

الوجه الثامن: الزفير مشعر بالقوة، و الشهيق بالضعف على ما قررناه بحسب اللغة.

إذا عرفت هذا فنقول: لم يبعد أن يكون المراد من الزفير قوة ميلهم إلى عالم الدنيا و إلى اللذات الجسدانية، و المراد من الشهيق ضعفهم عن الاستسعاد بعالم الروحانيات و الاستكمال بالأنوار الإلهية و المعارج القدسية.

ثم قال تعالى: خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال قوم إن عذاب الكفار منقطع و لها نهاية، و احتجوا بالقرآن و المعقول. أما القرآن فآيات منها هذه الآية و الاستدلال بها من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ دل هذا النص على أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات و الأرض، ثم توافقنا على أن مدة بقاء السموات و الأرض متناهية فلزم أن تكون مدة عقاب الكفار منقطعة. الثاني: أن قوله: إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ استثناء من مدة عقابهم و ذلك يدل على زوال ذلك العذاب في وقت هذا الاستثناء و مما تمسكوا به أيضا قوله تعالى في سورة عم يتساءلون: لاََبِثِينَ فِيهََا أَحْقََاباً [النبأ: 23]بين تعالى أن لبثهم في ذلك العذاب لا يكون إلا أحقابا معدودة.

401

و أما العقل فوجهان: الأول: أن معصية الكافر متناهية و مقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم و أنه لا يجوز. الثاني: أن ذلك العقاب ضرر خال عن النفع فيكون قبيحا بيان خلوه عن النفع أن ذلك النفع لا يرجع إلى اللََّه تعالى لكونه متعاليا عن النفع و الضرر و لا إلى ذلك المعاقب لأنه في حقه ضرر محض و لا إلى غيره، لأن أهل الجنة مشغولون بلذاتهم فلا فائدة لهم في الالتذاذ بالعذاب الدائم في حق غيرهم، فثبت أن ذلك العذاب ضرر خال عن جميع جهات النفع فوجب أن لا يجوز، و أما الجمهور الأعظم من الأمة، فقد اتفقوا على أن عذاب الكافر دائم و عند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسك بهذه الآية. أما قوله: خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ فذكروا عنه جوابين: الأول: قالوا المراد سموات الآخرة و أرضها. قالوا و الدليل على أن في الآخرة سماء و أرضا قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ [إبراهيم: 48]و قوله:

وَ أَوْرَثَنَا اَلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ اَلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشََاءُ [الزمر: 74]و أيضا لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم و يظلهم، و ذلك هو الأرض و السموات.

و لقائل أن يقول: التشبيه إنما يحسن و يجوز إذا كان حال المشبه به معلوما مقررا فيشبه به غيره تأكيدا لثبوت الحكم في المشبه و وجود السموات و الأرض في الآخرة غير معلوم و بتقدير أن يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها على وجه لا يفنى ألبتة غير معلوم، فإذا كان أصل وجودهما مجهولا لأكثر الخلق و دوامهما أيضا مجهولا للأكثر، كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام كلاما عديم الفائدة، أقصى ما في الباب أن يقال: لما ثبت بالقرآن وجود سموات و أرض في الآخرة و ثبت دوامهما وجب الاعتراف به، و حينئذ يحسن التشبيه، إلا أنا نقول: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهل الآخرة و دوام أرضهم هو السمع، ثم السمع دل على دوام عقاب الكافر، فحينئذ الدليل الذي دل على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع، و في هذه الصورة أجمعوا على أن القياس ضائع و التشبيه باطل، فكذا هاهنا.

و الوجه الثاني: في الجواب قالوا إن العرب يعبرون عن الدوام و الأبد بقولهم ما دامت السموات و الأرض، و نظيره أيضا قولهم ما اختلف الليل و النهار، و ما طما البحر، و ما أقام الجبل، و أنه تعالى خاطب العرب على عرفهم في كلامهم فلما ذكروا هذه الأشياء بناء على اعتقادهم أنها باقية أبد الآباد، علمنا أن هذه الألفاظ بحسب عرفهم تفيد الأبد و الدوام الخالي عن الانقطاع.

و لقائل أن يقول: هل تسلمون أن قول القائل: خالدين فيها ما دامت السموات و الأرض، يمنع من بقائها موجودة بعد فناء السموات، أو تقولون إنه لا يدل على هذا المعنى، فإن كان الأول، فالإشكال لازم، لأن النص لما دل على أنه يجب أن تكون مدة كونهم في النار مساوية لمدة بقاء السموات و يمنع من حصول بقائهم في النار بعد فناء السموات، ثم ثبت أنه لا بد من فناء السموات فعندها يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب، و أما إن قلتم هذا الكلام لا يمنع بقاء كونهم في النار بعد فناء السموات و الأرض، فلا حاجة بكم إلى هذا الجواب ألبتة، فثبت أن هذا الجواب على كلا التقديرين ضائع.

و اعلم أن الجواب الحق عندي في هذا الباب شي‏ء آخر، و هو أن المعهود من الآية أنه متى كانت السموات و الأرض دائمتين، كان كونهم في النار باقيا فهذا يقتضي أن كلما حصل الشرط حصل المشروط و لا يقتضي أنه إذا عدم الشرط يعدم المشروط: ألا ترى أنا نقول: إن كان هذا إنسانا فهو حيوان.

402

فإن قلنا: لكنه إنسان فإنه ينتج أنه حيوان، أما إذا قلنا لكنه ليس بإنسان لم ينتج أنه ليس بحيوان، لأنه ثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائمة لزم أن يكون عقابهم حاصلا، أما إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لم يلزم عدم دوام عقابهم.

فإن قالوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أو لم تبق لم يبق لهذا التشبيه فائدة؟ قلنا بل فيه أعظم الفوائد و هو أنه يدل على نفاذ ذلك العذاب دهرا دهرا، و زمانا لا يحيط العقل بطوله و امتداده، فأما أنه هل يحصل له آخر أم لا فذلك يستفاد من دلائل أخر، و هذا الجواب الذي قررته جواب حق و لكنه إنما يفهمه إنسان ألف شيئا من المعقولات.

و أما الشبهة الثانية: و هي التمسك بقوله تعالى: إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ فقد ذكروا فيه أنواعا من الأجوبة.

الوجه الأول: في الجواب و هو الذي ذكره ابن قتيبة و ابن الأنباري و الفراء. قالوا هذا استثناء استثناه اللََّه تعالى و لا يفعله ألبتة، كقولك: و اللََّه لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك تكون على ضربه، فكذا هاهنا و طولوا في تقرير هذا الجواب، و في ضرب الأمثلة فيه، و حاصله ما ذكرناه.

و لقائل أن يقول: هذا ضعيف لأنه إذا قال: لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، معناه: لأضربنك إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، و هذا لا يدل ألبتة على أن هذه الرؤية قد حصلت أم لا بخلاف قوله: خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ فإن معناه الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء ربك، فههنا اللفظ تدل على أن هذه المشيئة قد حصلت جزما، فكيف يحصل قياس هذا الكلام على ذلك الكلام.

الوجه الثاني: في الجواب أن يقال: إن كلمة إِلاََّ هاهنا وردت بمعنى: سوى. و المعنى أنه تعالى لما قال: خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ فهم منه أنهم يكونون في النار في جميع مدة بقاء السموات و الأرض في الدنيا، ثم قال سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم فذكر أولا في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له بقوله: إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ المعنى: إلا ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها.

الوجه الثالث: في الجواب و هو أن المراد من هذا الاستثناء زمان وقوفهم في الموقف فكأنه تعالى قال فأما الذين شقوا ففي النار إلا وقت وقوفهم للمحاسبة فإنهم في ذلك الوقت لا يكونون/في النار، و قال أبو بكر الأصم المراد إلا ما شاء ربك و هو حال كونهم في القبر، أو المراد إلا ما شاء ربك حال عمرهم في الدنيا و هذه الأقوال الثلاثة متقاربة، و المعنى: خالدين فيها بمقدار مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو مقدار وقوفهم للحساب ثم يصيرون إلى النار.

الوجه الرابع: في الجواب قالوا: الاستثناء يرجع إلى قوله: لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ [هود: 106] و تقريره أن نقول: قوله: لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ‏`خََالِدِينَ فِيهََا يفيد حصول الزفير و الشهيق مع الخلود فإذا دخل الاستثناء عليه وجب أن يحصل وقت لا يحصل فيه هذا المجموع لكنه ثبت في المعقولات أنه كما ينتفي المجموع بانتفاء جميع أجزائه فكذلك ينتفي بانتفاء فرد و احد من أجزائه فإذا انتهوا آخر الأمر إلى أن يصيروا

403

ساكنين هامدين خامدين فحينئذ لم يبق لهم زفير و شهيق فانتفى أحد أجزاء ذلك المجموع فحينئذ يصح ذلك الاستثناء من غير حاجة إلى الحكم بانقطاع كونهم في النار.

الوجه الخامس: في الجواب أن يحمل هذا الاستثناء على أن أهل العذاب لا يكونون أبدا في النار، بل قد ينقلون إلى البرد و الزمهرير و سائر أنواع العذاب و ذلك يكفى في صحة هذا الاستثناء.

الوجه السادس: في الجواب قال قوم: هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار، لأن قوله: فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا فَفِي اَلنََّارِ يفيد أن جملة الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم، ثم قوله: إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ يوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع. و يكفي في زوال حكم الخلود عن المجموع زواله عن بعضهم، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء، و لما ثبت أن الخلود واجب للكفار وجب أن يقال: الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة، و هذا كلام قوي في هذا الباب.

فإن قيل: فهذا الوجه إنما يتعين إذا فسدت سائر الوجوه التي ذكرتموها، فما الدليل على فسادها، و أيضا فمثل هذا الاستثناء مذكور في جانب السعداء، فإنه تعالى قال: وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ عَطََاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ .

قلنا: إنا بهذا الوجه بينا أن هذه الآية لا تدل على انقطاع و عيد الكفار، ثم إذا أردنا الاستدلال بهذه الآية على صحة قولنا في أنه تعالى يخرج الفساق من أهل الصلاة من النار.

قلنا: أما حمل كلمة «إلا» على سوى فهو عدول عن الظاهر، و أما حمل الاستثناء على حال عمر الدنيا و البرزخ و الموقف فبعيد أيضا، لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار، و من المعلوم أن الخلود في النار كيفية من كيفيات الحصول في النار، فقبل الحصول في النار امتنع حصول الخلود في النار، و إذا لم يحصل الخلود لم يحصل المستثنى منه و امتنع حصول الاستثناء. و أما قوله الاستثناء عائد/إلى الزفير و الشهيق فهذا أيضا ترك للظاهر، فلم يبق للآية محمل صحيح إلا هذا الذي ذكرناه، و أما قوله المراد من الاستثناء نقله من النار إلى الزمهرير. فنقول: لو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا بعد انقضاء مدة السموات و الأرض. و الأخبار الصحيحة دلت على أن النقل من النار إلى الزمهرير و بالعكس يحصل في كل يوم مرارا فبطل هذا الوجه، و أما قوله إن مثل هذا الاستثناء حاصل في جانب السعداء فنقول: أجمعت الأمة على أنه يمتنع أن يقال: إن أحدا يدخل الجنة ثم يخرج منها إلى النار، فلأجل هذا الإجماع افتقرنا فيه إلى حمل ذلك الاستثناء على أحد تلك التأويلات. أما في هذه الآية لم يحصل هذا الإجماع، فوجب إجراؤها على ظاهرها فهذا تمام الكلام في هذه الآية.

و اعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء قال: إِنَّ رَبَّكَ فَعََّالٌ لِمََا يُرِيدُ و هذا يحسن انطباقه على هذه الآية إذا حملنا الاستثناء على إخراج الفساق من النار، كأنه تعالى يقول أظهرت القهر و القدرة ثم أظهرت المغفرة و الرحمة لأني فعال لما أريد و ليس لأحد علي حكم ألبتة.

ثم قال: وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ و فيه مسألتان:

404

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي و حفص عن عاصم سُعِدُوا بضم السين و الباقون بفتحها و إنما جاز ضم السين لأنه على حذف الزيادة من أسعد و لأن سعد لا يتعدى و أسعد يتعدى و سعد و أسعد بمعنى و منه المسعود من أسماء الرجال.

المسألة الثانية: الاستثناء في باب السعداء يجب حمله على أحد الوجوه المذكورة فيما تقدم و هاهنا وجه آخر و هو أنه ربما اتفق لبعضهم أن يرفع من الجنة إلى العرش و إلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا اللََّه تعالى.

قال اللََّه تعالى: وَعَدَ اَللََّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا وَ مَسََاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنََّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوََانٌ مِنَ اَللََّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72] و قوله: عَطََاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ فيه مسألتان:

المسألة الأولى: جذه يجذه جذا إذا قطعه و جذ اللََّه دابرهم، فقوله: غَيْرَ مَجْذُوذٍ أي غير مقطوع، و نظيره قوله تعالى في صفة نعيم الجنة لاََ مَقْطُوعَةٍ وَ لاََ مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: 33].

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما صرح في هذه الآية أنه ليس المراد من هذا الاستثناء كون هذه الحالة منقطعة، فلما خص هذا الموضع بهذا البيان و لم يذكر ذلك في جانب الأشقياء دل ذلك على أن المراد من ذلك الاستثناء هو الانقطاع، فهذا تمام الكلام في هذه الآية.

اعلم أنه تعالى لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء و أحوال السعداء شرح للرسول عليه الصلاة و السلام أحوال الكفار من قومه فقال: فَلاََ تَكُ فِي مِرْيَةٍ و المعنى: فلا تكن، إلا أنه حذف النون لكثرة الاستعمال، و لأن النون إذا وقع على طرف الكلام لم يبق عند التلفظ به إلا مجرد الغنة فلا جرم أسقطوه، و المعنى: فلا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر و لا تنفع.

ثم قال تعالى: مََا يَعْبُدُونَ إِلاََّ كَمََا يَعْبُدُ آبََاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ و المراد أنهم أشبهوا آباءهم في لزوم الجهل و التقليد.

ثم قال: وَ إِنََّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ فيحتمل أن يكون المراد إنا موفوهم نصيبهم أي ما يخصهم من العذاب. و يحتمل أن يكون المراد أنهم و إن كفروا و أعرضوا عن الحق فإنا موفوهم نصيبهم من الرزق و الخيرات الدنيوية. و يحتمل أيضا أن يكون المراد إنا موفوهم نصيبهم من إزالة العذر و إزاحة العلل و إظهار الدلائل و إرسال الرسل و إنزال الكتب، و يحتمل أيضا أن يكون الكل مرادا.

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى إصرار كفار مكة على إنكار التوحيد، بين أيضا إصرارهم على إنكار نبوته عليه السلام و تكذيبهم بكتابه، و بين تعالى أن هؤلاء الكفار كانوا على/هذه السيرة الفاسدة مع كل

405

الأنبياء عليهم السلام و ضرب لذلك مثلا؛ و هو أنه لما أنزل التوراة على موسى عليه السلام اختلفوا فيه فقبله بعضهم و أنكره آخرون، و ذلك يدل على أن عادة الخلق هكذا.

ثم قال تعالى: وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ و فيه وجوه: الأول: أن المراد: و لولا ما تقدم من حكم اللََّه تعالى بتأخير عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لكان الذي يستحقه هؤلاء الكفار عند عظيم كفرهم إنزال عذاب الاستئصال عليهم لكن المتقدم من قضائه أخر ذلك عنهم في دنياهم. الثاني: لولا كلمة سبقت من ربك و هي أن اللََّه تعالى إنما يحكم بين المختلفين يوم القيامة و إلا لكان من الواجب تمييز المحق عن المبطل في دار الدنيا. الثالث: وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ و هي أن رحمته سبقت غضبه و أن إحسانه راجح على قهره و إلا لقضى بينهم و لما قرر تعالى هذا المعنى قال: وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ يعني أن كفار قومك لفي شك من هذا القرآن مريب.

ثم قال تعالى: وَ إِنَّ كُلاًّ لَمََّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمََالَهُمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: المعنى أن من عجلت عقوبته و من أخرت و من صدق الرسل و من كذب فحالهم سواء في أنه تعالى يوفيهم جزاء أعمالهم في الآخرة، فجمعت الآية الوعد و الوعيد فإن توفية جزاء الطاعات و عد عظيم و توفية جزاء المعاصي و عيد عظيم، و قوله تعالى: إِنَّهُ بِمََا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ توكيد الوعد و الوعيد، فإنه لما كان عالما بجميع المعلومات كان عالما بمقادير الطاعات و المعاصي فكان عالما بالقدر اللائق بكل عمل من الجزاء، فحينئذ لا يضيع شي‏ء من الحقوق و الأجزية و ذلك نهاية البيان.

المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو و الكسائي وَ إِنَّ مشددة النون لما خفيفة قال أبو علي: اللام في لَمََّا هي التي تقتضيه إن و ذلك لأن حرف إن يقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقوله: إِنَّ اَللََّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: 18]و قوله: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً* [الحجر: 77]و اللام الثانية هي التي تجي‏ء بعد القسم كقولك و اللََّه لتفعلن و لما اجتمع لامان دخلت ما لتفصل بينهما فكلمة ما على هذا التقدير زائدة، و قال الفراء: ما موصولة بمعنى من و بقية التقرير كما تقدم و مثله: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [النساء: 72].

و القراءة الثانية: في هذه الآية قرأ ابن كثير و نافع و أبو بكر عن عاصم وَ إِنَّ كُلاًّ لَمََّا مخففتان و السبب فيه أنهم أعملوا إن مخففة كما تعمل مشددة لأن كلمة إن تشبه الفعل فكما يجوز أعمال الفعل تاما و محذوفا في قولك لم يكن زيد قائما و لم يك زيد قائما فكذلك أن و إن.

و القراءة الثالثة: قرأ حمزة و ابن عامر و حفص: وَ إِنَّ كُلاًّ لَمََّا [الفجر: 19]مشددتان، قالوا:

و أحسن ما قيل فيه إن أصل لما بالتنوين كقوله: أَكْلاً لَمًّا و المعنى أن كلا ملمومين أي مجموعين كأنه قيل:

و إن كلا جميعا.

المسألة الثالثة: سمعت بعض الأفاضل قال: إنه تعالى لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التوكيدات: أولها: كلمة «إن» و هي للتأكيد. و ثانيها: كلمة «كل» و هي أيضا للتأكيد. و ثالثها: اللام الداخلة على خبر «إن» و هي تفيد التأكيد أيضا. و رابعها: حرف «ما» إذا جعلناه على قول الفراء موصولا. و خامسها: القسم المضمر، فإن تقدير الكلام و إن جميعهم و اللََّه ليوفينهم. و سادسها: اللام‏

406

الثانية الداخلة على جواب القسم. و سابعها: النون المؤكدة في قوله لَيُوَفِّيَنَّهُمْ فجميع هذه الألفاظ السبعة الدالة على التوكيد في هذه الكلمة الواحدة تدل على أن أمر الربوبية و العبودية لا يتم إلا بالبعث و القيامة و أمر الحشر و النشر ثم أردفه بقوله: إِنَّهُ بِمََا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ و هو من أعظم المؤكدات.

في قوله تعالى فَاسْتَقِمْ كَمََا أُمِرْتَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الوعد و الوعيد قال لرسوله: فَاسْتَقِمْ كَمََا أُمِرْتَ و هذ الكلمة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد و الأعمال، سواء كان مختصا به أو كان متعلقا بتبليغ الوحي و بيان الشرائع، و لا شك أن البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جدا و أنا أضرب لذلك مثالا يقرب صعوبة هذا المعنى إلى العقل السليم، و هو أن الخط المستقيم الذي يفصل بين الظل و بين الضوء جزء و احد لا يقبل القسمة في العرض، إلا أن عين ذلك الخط مما لا يتميز في الحس عن طرفيه، فإنه إذا قرب طرف الظل من طرف الضوء اشتبه البعض بالبعض في الحس، فلم يقع الحس على إدراك ذلك الخط بعينه بحيث يتميز عن كل ما سواه.

إذا عرفت هذا في المثال فاعرف مثاله في جميع أبواب العبودية، فأولها: معرفة اللََّه تعالى و تحصيل هذه المعرفة على وجه يبقى العبد مصونا في طرف الإثبات عن التشبيه، و في طرف النفي عن التعطيل في غاية الصعوبة، و اعتبر سائر مقامات المعرفة من نفسك، و أيضا فالقوة الغضبية و القوة الشهوانية حصل لكل واحدة منهما طرفا إفراط و تفريط و هما مذمومان، و الفاصل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين، و الوقوف عليه صعب ثم العمل به أصعب، فثبت أن معرفة الصراط المستقيم في غاية الصعوبة، بتقدير معرفته فالبقاء عليه و العمل به أصعب، و لما كان هذا المقام في غاية الصعوبة لا جرم قال ابن عباس: ما نزلت على رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم في جميع القرآن آية أشد و لا أشق عليه من هذه الآية، و لهذا

قال عليه الصلاة و السلام: «شيبتني هود و أخواتها،

و عن بعضهم قال: رأيت النبي صلى اللََّه عليه و سلم في النوم فقلت له: روي عنك أنك قلت شيبتني هود و أخواتها فقال: «نعم» فقلت: و بأي آية؟فقال بقوله: فَاسْتَقِمْ كَمََا أُمِرْتَ .

المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية أصل عظيم في الشريعة و ذلك لأن القرآن لما و رد بالأمر بأعمال الوضوء مرتبة في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيها لقوله: فَاسْتَقِمْ كَمََا أُمِرْتَ و لما و رد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل و البقر من البقر وجب اعتبارها و كذا القول في كل ما و رد أمر اللََّه تعالى به و عندي أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه لما دل عموم النص على حكم وجب الحكم بمقتضاه لقوله: فَاسْتَقِمْ كَمََا أُمِرْتَ و العمل بالقياس انحراف عنه، ثم قال: وَ مَنْ تََابَ مَعَكَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي: من في محل الرفع من وجوه: الأول: أن يكون عطفا على الضمير المستتر في قوله: فَاسْتَقِمْ و أغنى الوصل بالجار عن تأكيده بضمير المتصل في صحة العطف أي فاستقم أنت‏