التفسير الكبير - ج19

- الفخر الرازي‏ المزيد...
181 /
5

الجزء التاسع عشر

تتمة سورة الرعد

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال: وَ هُوَ اَلَّذِي مَدَّ اَلْأَرْضَ .

و اعلم أن الاستدلال بخلقه الأرض و أحوالها من وجوه: الأول: أن الشي‏ء إذا تزايد حجمه و مقداره صار كأن ذلك الحجم و ذلك المقدار يمتد فقوله: وَ هُوَ اَلَّذِي مَدَّ اَلْأَرْضَ إشارة إلى أن اللّه سبحانه هو الذي جعل الأرض مختصة بذلك المقدار المعين الحاصل له لا أزيد و لا أنقص و الدليل عليه أن كون الأرض أزيد مقداراً مما هو الآن و أنقص منه أمر جائز ممكن في نفسه فاختصاصه بذلك المقدار المعين لا بد أن يكون بتخصيص و تقدير مقدر. الثاني: قال أبو بكر الأصم المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه، فقوله: وَ هُوَ اَلَّذِي مَدَّ اَلْأَرْضَ يشعر بأنه تعالى جعل حجم الأرض حجماً عظيماً لا يقع البصر على منتهاه، لأن الأرض لو كانت أصغر حجماً مما هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به. و الثالث: قال قوم كانت الأرض مدورة فمدها و دحا من مكة من تحت البيت فذهبت كذا و كذا. و قال آخرون: كانت مجتمعة عند البيت المقدس فقال لها: اذهبي كذا و كذا.

اعلم أن هذا القول إنما يتم إذا قلنا الأرض مسطحة لا كرة و أصحاب هذا القول احتجوا عليه بقوله:

وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ دَحََاهََا [النازعات: 30]و هذا القول مشكل من وجهين. الأول: أنه ثبت بالدلائل/أن الأرض كرة فكيف يمكن المكابرة فيه؟ فإن قالوا: و قوله: مَدَّ اَلْأَرْضَ ينافي كونها كرة فكيف يمكن مدها؟ قلنا: لا نسلم أن الأرض جسم عظيم و الكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح، و التفاوت الحاصل بينه و بين السطح لا يحصل إلا في علم اللّه ألا ترى أنه قال: وَ اَلْجِبََالَ أَوْتََاداً [النبأ: 7] فجعلها أوتاداً مع أن العالم من الناس يستقرون عليها فكذلك هاهنا. و الثاني: أن هذه الآية إنما ذكرت ليستدل بها على وجود الصانع، و الشرط فيه أن يكون ذلك أمراً مشاهداً معلوماً حتى يصح الاستدلال به على وجود الصانع و كونها مجتمعة تحت البيت أمر غير مشاهد و لا محسوس فلا يمكن الاستدلال به على وجود الصانع، فثبت أن التأويل الحق هو ما ذكرناه.

و النوع الثاني: من الدلائل الاستدلال بأحوال الجبال و إليه الإشارة بقوله: وَ جَعَلَ فِيهََا رَوََاسِيَ من‏

6

فوقها ثابتة باقية في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها يقال: رسا هذا الوتد و أرسيته و المراد ما ذكرنا.

و اعلم أن الاستدلال بوجود الجبال على وجود الصانع القادر الحكيم من وجوه، الأول: أن طبيعة الأرض واحدة فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض لا بد و أن يكون بتخليق القادر الحكيم. قالت الفلاسفة:

هذه الجبال إنما تولدت لأن البحار كانت في هذا الجانب من العالم فكانت تتولد في البحر طيناً لزجاً. ثم يقوي تأثير الشمس فيها فينقلب حجراً كما يشاهد في كوز الفقاع ثم إن الماء كان يغور و يقل فيتحجر البقية، فلهذا السبب تولدت هذه الجبال قالوا: و إنما كانت البحار حاصلة في هذا الجانب من العالم لأن أوج الشمس و حضيضها متحركان، ففي الدهر الأقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال و الشمس متى كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الأرض فكان التسخين أقوى و شدة السخونة توجب انجذاب الرطوبات، فحين كان الحضيض في جانب الشمال كانت البحار في جانب الشمال، و الآن لما انتقل الأوج إلى جانب الشمال و الحضيض إلى جانب الجنوب انتقلت البحار إلى جانب الجنوب فبقيت هذه الجبال في جانب الشمال، هذا حاصل كلام القوم في هذا الباب و هو ضعيف من وجوه الأول: أن حصول الطين في البحر أمر عام و وقوع الشمس عليها أمر عام فلم وصل هذا الجبل في بعض الجوانب دون البعض. و الثاني: و هو أنا نشاهد في بعض الجبال كأن تلك الأحجار موضوعة سافا فسافاً فكأن البناء لبنات كثيرة موضوع بعضها على بعض و يبعد حصول مثل هذا التركيب من السبب الذي ذكروه. و الثالث: أن أوج الشمس الآن قريب من أول السرطان فعلى هذا من الوقت الذي انتقل أوج الشمس إلى الجانب الشمالي مضى/قريب من تسعة آلاف سنة، و بهذا التقدير أن الجبال في هذه المدة الطويلة كانت في التفتت فوجب أن لا يبقى من الأحجار شي‏ء، لكن ليس الأمر كذلك، فعلمنا أن السبب الذي ذكروه ضعيف.

و الوجه الثاني: من الاستدلال بأحوال الجبال على وجود الصانع ذي الجلال ما يحصل فيها من معادن الفلزات السبعة و مواضع الجواهر النفيسة و قد يحصل فيها معادن الزاجات و الأملاح و قد يحصل فيها معادن النفط و القير و الكبريت، فكون الأرض واحدة في الطبيعة، و كون الجبل واحداً في الطبع، و كون تأثير الشمس واحداً في الكل يدل دليلاً ظاهراً على أن الكل بتقدير قادر قاهر متعال عن مشابهة المحدثات و الممكنات.

و الوجه الثالث: من الاستدلال بأحوال الجبال أن بسببها تتولد الأنهار على وجه الأرض، و ذلك أن الحجر جسم صلب فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض و وصلت إلى الجبل احتبست هناك فلا تزال تتكامل، فيحصل تحت الجبل مياه عظيمة، ثم إنها لكثرتها و قوتها تثقب و تخرج و تسيل على وجه الأرض، فمنفعة الجبال في تولد الأنهار هو من هذا الوجه، و لهذا السبب ففي أكثر الأمر أينما ذكر اللّه الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل ما في هذه الآية، و مثل قوله: وَ جَعَلْنََا فِيهََا رَوََاسِيَ شََامِخََاتٍ وَ أَسْقَيْنََاكُمْ مََاءً فُرََاتاً [المرسلات: 27].

و النوع الثالث: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بعجائب خلقة النبات، و إليه الإشارة بقوله:

وَ مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرََاتِ جَعَلَ فِيهََا زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أن الحبة إذا وضعت في الأرض و أثرت فيها نداوة الأرض ربت و كبرت و بسبب ذلك ينشق أعلاها و أسفلها فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة في الهواء، و يخرج من الشق الأسفل العروق الغائصة في أسفل الأرض و هذا من العجائب، لأن طبيعة تلك الحبة واحدة و تأثير الطبائع و الأفلاك و الكواكب‏

7

فيها واحد ثم إنه خرج من الجانب الأعلى من تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء من الجانب الأسفل منه جرم غائص في الأرض، و من المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان، فعلمنا أن ذلك إنما كان بسبب تدبير المدبر الحكيم، و المقدر القديم لا بسبب الطبع و الخاصية، ثم إن الشجرة الثابتة من تلك الحبة بعضها يكون خشباً و بعضها يكون نوراً و بعضها يكون ثمرة، ثم إن تلك الثمرة أيضاً يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع، فالجوز له أربعة أنواع من القشور، فالقشر الأعلى و تحته القشرة الخشبة و تحته القشرة المحيطة باللبنة، و تحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز رطباً و أيضاً فقد يحصل/في الثمرة الواحدة الطباع المختلفة، فالأترج قشره حار يابس و لحمه حار رطب و حماضه بارد يابس و بزره حار يابس و نوره حار يابس، و كذلك العنب قشره و عجمه باردان يابسان و لحمه و ماؤه حاران رطبان فتولد هذه للطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوى تأثيرات الطبائع و تأثيرات الأنجم و الأفلاك لا بد و أن يكون لأجل تدبير الحكيم القادر القديم.

المسألة الثانية: المراد بزوجين اثنين صنفين اثنين و الاختلاف إما من حيث الطعم كالحلو و الحامض أو الطبيعة كالحار و البارد أو اللون كالأبيض و الأسود.

فإن قيل: الزوجان لا بد و أن يكون اثنين، فما الفائدة في قوله زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ .

قلنا: قيل إنه تعالى أول ما خلق العالم و خلق فيه الأشجار خلق من كل نوع من الأنواع اثنين فقط، فلو قال: خلق زوجين لم يعلم أن المراد النوع أو الشخص. أما لما قال اثنين علمنا أن اللّه تعالى أول ما خلق من كل زوجين اثنين لا أقل و لا أزيد. و الحاصل أن الناس فيهم الآن كثرة إلا أنهم لما ابتدءوا من زوجين اثنين بالشخص هما آدم و حواء، فكذلك القول في جميع الأشجار و الزرع و اللََّه أعلم.

النوع الرابع: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بأحوال الليل و النهار و إليه الإشارة بقوله:

يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهََارَ و المقصود أن الإنعام لا يكمل إلا بالليل و النهار و تعاقبهما كما قال: فَمَحَوْنََا آيَةَ اَللَّيْلِ وَ جَعَلْنََا آيَةَ اَلنَّهََارِ مُبْصِرَةً [الإسراء: 12]و منه قوله: يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهََارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً [الأعراف: 54]و قد سبق الاستقصاء في تقريره فيما سلف من هذا الكتاب، قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر عن عاصم: يغشي بالتشديد و فتح الغين و الباقون بالتخفيف، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل النيرة و القواطع القاهرة قال: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .

و اعلم أنه تعالى في أكثر الأمر حيث يذكر الدلائل الموجودة في العالم السفلي يذكر عقبها: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أو ما يقرب منه بحسب المعنى، و السبب فيه أن الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية، فما لم تقم الدلالة على دفع هذا السؤال لا يتم المقصود، فلهذا المعنى قال: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ كأنه تعالى يقول مجال الفكر باق بعد و لا بد بعد هذا المقام من التفكر و التأمل ليتم الاستدلال.

و اعلم أن الجواب عن هذا السؤال من وجهين: الأول: أن نقول هب أنكم أسندتم حوادث العالم السفلي إلى الأحوال الفلكية و الاتصالات الكوكبية إلا أنا أقمنا الدليل القاطع على أن اختصاص كل واحد من الأجرام‏

8

الفلكية و طبعه و وضعه و خاصيته لا بد أن يكون بتخصيص المقدر القديم/و المدبر الحكيم، فقد سقط هذا السؤال و هذا الجواب قد قرره اللّه تعالى في هذا المقام، لأنه تعالى ابتدأ بذكر الدلائل السماوية و قد بينا أنها كيف تدل على وجود الصانع. ثم إنه تعالى أتبعها بالدلائل الأرضية.

فإن قال قائل: لم لا يجوز أن تكون هذه الحوادث الأرضية لأجل الأحوال الفلكية، كان جوابنا أن نقول فهب أن الأمر كذلك إلا أنا دللنا فيما تقدم على افتقار الأجرام الفلكية إلى الصانع الحكيم فحينئذ لا يكون هذا السؤال قادحاً في غرضنا.

و الوجه الثاني: من الجواب أن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث السفلية لأجل الاتصالات الفلكية، و ذلك هو المذكور في الآية التي تأتي بعد هذه الآية، و من تأمل في هذه اللطائف و وقف عليها علم أن هذا الكتاب اشتمل على علوم الأولين و الآخرين.

في قوله تعالى وَ فِي اَلْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجََاوِرََاتٌ وَ جَنََّاتٌ مِنْ أَعْنََابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوََانٌ وَ غَيْرُ صِنْوََانٍ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث في هذا العالم لأجل الاتصالات الفلكية، و الحركات الكوكبية، و تقريره من وجهين، الأول: أنه حصل في الأرض قطع مختلفة بالطبيعة و الماهية و هي مع ذلك متجاورة، فبعضها تكون سبخية، و بعضها تكون رخوة، و بعضها تكون صلبة، و بعضها تكون منبتة، و بعضها تكون حجرية أو رملية و بعضها يكون طيناً لزجاً، ثم إنها متجاورة و تأثير الشمس و سائر الكواكب في تلك القطع على السوية فدل هذا على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم القدير. و الثاني: أن القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماء واحد فيكون تأثير الشمس فيها متساوياً، ثم إن تلك الثمار تجي‏ء مختلفة في الطعم و اللون و الطبيعة و الخاصية حتى أنك قد تأخذ عنقوداً من العنب فيكون جميع حباته حلوة نضيجة إلا حبة واحدة فإنها بقيت حامضة يابسة، و نحن نعلم بالضرورة أن نسبة/الطباع و الأفلاك للكل على السوية، بل نقول: هاهنا ما هو أعجب منه، و هو أنه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون أحد وجهيه في غاية الحمرة، و الوجه الثاني في غاية السواد مع أن ذلك الورد يكون في غاية الرقة و النعومة فيستحيل أن يقال: وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني، و هذا يدل دلالة قطعية على أن الكل بتدبير الفاعل المختار، لا بسبب الاتصالات الفلكية و هو المراد من قوله سبحانه و تعالى: يُسْقى‏ََ بِمََاءٍ وََاحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَهََا عَلى‏ََ بَعْضٍ فِي اَلْأُكُلِ فهذا تمام الكلام في تقرير هذه الحجة و تفسيرها و بيانها.

و اعلم أن بذكر هذا الجواب قد تمت الحجة فإن هذه الحوادث السفلية لا بد لها من مؤثر و بينا أن ذلك المؤثر ليس هو الكواكب و الأفلاك و الطبائع فعند هذا يجب القطع بأنه لا بد من فاعل آخر سوى هذه الأشياء، و عندها يتم الدليل، و لا يبقى بعده للفكر مقام ألبتة، فلهذا السبب قال هاهنا: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لأنه لا دافع لهذه الحجة إلا أن يقال: إن هذه الحوادث السفلية حدثت لا لمؤثر ألبتة و ذلك يقدح في كمال العقل، لأن العلم بافتقار الحادث إلى المحدث لما كان علماً ضرورياً كان عدم حصول هذا العلم قادحاً في كمال العقل فلهذا قال: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ و قال في الآية المتقدمة: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد: 3]فهذه اللطائف نفيسة من أسرار علم القرآن و نسأل اللّه العظيم أن يجعل الوقوف عليها سبباً للفوز بالرحمة و الغفران.

المسألة الثانية: قوله: وَ فِي اَلْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجََاوِرََاتٌ قال أبو بكر الأصم: أرض قريبة من أرض أخرى واحدة طيبة، و أخرى سبخة، و أخرى حرة، و أخرى رملة، و أخرى تكون حصباء، و أخرى تكون حمراء، و أخرى تكون سوداء. و بالجملة فاختلاف بقاع الأرض في الارتفاع و الانخفاض و الطباع و الخاصية أمر معلوم، و في بعض المصاحف (قطعاً متجاورات) و التقدير: و جعل فيها رواسي و جعل في الأرض قطعاً متجاورات. و أما قوله: وَ جَنََّاتٌ مِنْ أَعْنََابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ فنقول: الجنة البستان الذي يحصل فيه النخل و الكرم و الزرع و تحفه تلك الأشجار و الدليل عليه قوله تعالى: جَعَلْنََا لِأَحَدِهِمََا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنََابٍ وَ حَفَفْنََاهُمََا بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنََا بَيْنَهُمََا زَرْعاً [الكهف: 32]قرأ ابن كثير و أبو عمرو و حفص عن عاصم: وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوََانٌ وَ غَيْرُ صِنْوََانٍ كلها بالرفع عطفاً على قوله (و جنات) و الباقون بالجر عطفاً على الأعناب. و قرأ حفص عن عاصم في رواية القواس:

(صنوان) بضم الصاد و الباقون بكسر الصاد و هما لغتان، و الصنوان جمع صنو مثل قنوان و قنو و يجمع على أصناء مثل اسم و أسماء. فإذا كثرت فهو الصني، و الصني بكسر الصاد و فتحها، و الصنو أن يكون الأصل واحداً و تنبت فيه النخلتان و الثلاثة فأكثر فكل واحدة صنو. و ذكر ثعلب عن ابن الأعرابي: /الصنو المثل، و منه‏

قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: «ألا إن عم الرجل صنو أبيه»

أي مثله.

إذا عرفت هذا فنقول: إذا فسرنا الصنو بالتفسير الأول كان المعنى: أن النخيل منها ما ينبت من أصل واحد شجرتان و أكثر و منها ما لا يكون كذلك، و إذا فسرناه بالتفسير الثاني كان المعنى: أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة متشابهة، و قد لا تكون كذلك.

ثم قال تعالى: تسقى بماء واحد قرأ عاصم و ابن عامر (يُسْقى‏ََ) بالياء على تقدير يسقى كله أو لتغليب المذكر على المؤنث، و الباقون بالتاء لقوله: (جَنََّاتٌ) قال أبو عمرو: و مما يشهد للتأنيث قوله تعالى: وَ نُفَضِّلُ بَعْضَهََا عَلى‏ََ بَعْضٍ فِي اَلْأُكُلِ قرأ حمزة و الكسائي (يفضل) بالياء عطفاً على قوله: يُدَبِّرُ [الرعد: 2]، و يفضل [الرعد: 2]، و يُغْشِي [الرعد: 3]، و الباقون بالنون على تقدير: و نحن نفضل، و فِي اَلْأُكُلِ قولان: حكاهما الواحدي حكي عن الزجاج أن الأكل الثمر الذي يؤكل، و حكي عن غيره أن الأكل المهيأ للأكل، و أقول هذا أولى لقوله تعالى في صفة الجنة: أُكُلُهََا دََائِمٌ [الرعد: 35]و هو عام في جميع المطعومات و ابن كثير و نافع يقرآن الأكل ساكنة الكاف في جميع القرآن، و الباقون بضم الكاف و هما لغتان.

فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل القاهرة على ما يحتاج إليه في معرفة المبدأ ذكر بعده مسألة المعاد فقال: وَ إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ و فيه أقوال:

9

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

10

القول الأول: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: إن تعجب من تكذيبهم إياك بعد ما كانوا قد حكموا عليك أنك من الصادقين فهذا عجب. و الثاني: إن تعجب يا محمد من عبادتهم ما لا يملك لهم نفعاً و لا ضرًا بعد ما عرفوا الدلائل الدالة على التوحيد فهذا عجب. و الثالث: تقدير الكلام إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم لما اعترفوا بأنه تعالى مدبر السموات و الأرض/و خالق الخلائق أجمعين، و أنه هو الذي رفع السموات بغير عمد، و هو الذي سخر الشمس و القمر على وفق مصالح العباد، و هو الذي أظهر في العالم أنواع العجائب و الغرائب، فمن كانت قدرته وافيه بهذه الأشياء العظيمة كيف لا تكون وافيه بإعادة الإنسان بعد موته، لأن القادر على الأقوى الأكمل فإن يكون قادراً على الأقل الأضعف أولى، فهذا تقرير موضع التعجب.

ثم إنه تعالى لما حكى هذا الكلام حكم عليهم بثلاثة أشياء: أولها: قوله: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ و هذا يدل على أن كل من أنكر البعث و القيامة فهو كافر، و إنما لزم من إنكار البعث الكفر بربهم من حيث إن إنكار البعث لا يتم إلا بإنكار القدرة و العلم و الصدق أما إنكار القدرة فكما إذا قيل: إن إله العالم موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يقدر على الإعادة. أو قيل: إنه و إن كان قادراً لكنه ليس تام القدرة، فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين و تأثيرات الطبائع و الأفلاك، و أما إنكار العلم فكما إذا قيل: إنه تعالى غير عالم بالجزئيات، فلا يمكنه هذا المطيع عن العاصي و أما إنكار الصدق فكما إذا قيل: إنه و إن أخبر عنه لكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه و لما كان كل هذه الأشياء كفراً ثبت أن إنكار البعث كفر باللّه.

الصفة الثانية: قوله: وَ أُولََئِكَ اَلْأَغْلاََلُ فِي أَعْنََاقِهِمْ و فيه قولان: الأول: قال أبو بكر الأصم: المراد بالأغلال: كفرهم و ذلتهم و انقيادهم للأصنام، و نظيره قوله تعالى: إِنََّا جَعَلْنََا فِي أَعْنََاقِهِمْ أَغْلاََلاً [يس: 8] قال الشاعر:

لهم عن الرشد أغلال و أقياد

و يقال للرجل: هذا غل في عنقك للعمل الردي‏ء معناه: أنه لازم لك و أنك مجازى عليه بالعذاب. قال القاضي: هذا و إن كان محتملاً إلا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى، و أقول: يمكن نصرة قول الأصم بأن ظاهر الآية يقتضي حصول الأغلال في أعناقهم في الحال و ذلك غير حاصل و أنتم تحملون اللفظ على أنه سيحصل هذا المعنى و نحن نحمله على أنه حاصل في الحال إلا أن المراد بالأغلال ما ذكرناه، فكل واحد منا تارك للحقيقة من بعض الوجوه فلم كان قولكم أولى من قولنا.

و القول الثاني: المراد أنه تعالى يجعل الأغلال في أعناقهم يوم القيامة، و الدليل عليه قوله تعالى: إِذِ اَلْأَغْلاََلُ فِي أَعْنََاقِهِمْ وَ اَلسَّلاََسِلُ يُسْحَبُونَ*`فِي اَلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي اَلنََّارِ يُسْجَرُونَ [غافر: 71، 72].

و الصفة الثالثة: قوله تعالى: وَ أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ و المراد منه التهديد بالعذاب المخلد المؤبد، و احتج أصحابنا رحمهم اللّه تعالى على أن العذاب المخلد ليس إلا للكفار بهذه الآية فقالوا قوله: هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ يفيد أنهم هم الموصوفون بالخلود لا غيرهم، و ذلك يدل على أن أهل/الكبائر لا يخلدون في النار.

11

المسألة الثانية: قال المتكلمون العجب هو الذي لا يعرف سببه و ذلك في حق اللّه تعالى محال، فكان المراد و إن تعجب فعجب عندك.

و لقائل أن يقول: قرأ بعضهم في الآية الأخرى بإضافة العجب إلى نفسه تعالى فحينئذ يجب تأويله و قد بينا أن أمثال هذه الألفاظ يجب تنزيهها عن مبادئ الأعراض، و يجب حملها على نهايات الأعراض فإن الإنسان إذا تعجب من الشي‏ء أنكره فكان هذا محمولاً على الإنكار.

المسألة الثالثة: اختلف القراء في قوله: أَ إِذََا كُنََّا تُرََاباً أَ إِنََّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ و أمثاله إذا كان على صورة الاستفهام في الأول و الثاني فمنهم من يجمع بين الاستفهامين في الحرفين و هم ابن كثير و أبو عمرو و عاصم و حمزة، ثم اختلف هؤلاء فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة إلا أنه لا يمد، و أبو عمرو يستفهم بهمزة مطولة يمد فيها و حمزة و عاصم بهمزتين في كل القرآن، و منهم من لا يجمع بين الاستفهامين، ثم اختلفوا فنافع و ابن عامر و الكسائي يستفهم في الأول و يقرأ على الخبر في الثاني و ابن عامر على الخبر في الأول و الاستفهام في الثاني ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر فنافع بهمزة غير مطولة و ابن عامر و الكسائي بهمزتين أما نافع فكذلك إلا في الصافات و كذلك ابن عامر إلا في الواقعة، و كذلك الكسائي إلا في العنكبوت و الصافات.

المسألة الرابعة: قال الزجاج: العامل في أَ إِذََا كُنََّا تُرََاباً محذوف تقديره: أ إذا كنا تراباً نبعث و دل ما بعده على المحذوف.

اعلم أنه صلّى اللّه عليه و سلم كان يهددهم تارة بعذاب القيامة و تارة بعذاب الدنيا، و القوم كلما هددهم بعذاب القيامة أنكروا القيامة و البعث و الحشر و النشر و هو الذي تقدم ذكره في الآية الأولى و كلما هددهم بعذاب الدنيا قالوا له: فجئنا بهذا العذاب و طلبوا منه إظهاره و إنزاله على سبيل الطعن فيه، و إظهار أن الذي يقوله كلام لا أصل له فلهذا السبب حكى اللّه عنهم أنهم يستعجلون الرسول/بالسيئة قبل الحسنة و المراد بالسيئة هاهنا نزول العذاب عليهم كما قال اللّه تعالى عنهم في قوله: فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً [الأنفال: 32]و في قوله: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله: أَوْ تُسْقِطَ اَلسَّمََاءَ كَمََا زَعَمْتَ عَلَيْنََا كِسَفاً [الإسراء: 90-92]و إنما قالوا ذلك طعناً منهم فيما ذكره الرسول، و كان صلّى اللّه عليه و سلّم يعدهم على الإيمان بالثواب في الآخرة و بحصول النصر و الظفر في الدنيا فالقوم طلبوا منه نزول العذاب و لم يطلبوا منه حصول النصر و الظفر فهذا هو المراد بقوله:

وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ و منهم من فسر الحسنة هاهنا بالإمهال و التأخير و إنما سموا العذاب سيئة لأنه يسوءهم و يؤذيهم.

أما قوله: وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ اَلْمَثُلاََتُ فاعلم أن العرب يقولون: العقوبة مثلة و مثلة صدقة و صدقة، فالأولى لغة الحجاز، و الثانية لغة تميم، فمن قال مثلة فجمعه مثلات، و من قال مثلة فجمعه مثلات و مثلات بإسكان التاء هكذا حكاه الفراء و الزجاج، و قال ابن الأنباري رحمه اللّه: المثلة العقوبة المبينة في المعاقب شيئاً، و هو تغيير تبقى الصورة معه قبيحة، و هو من قولهم، مثل فلان بفلان إذا قبح صورته إما بقطع أذنه أو أنفه أو

12

سمل عينيه أو بقر بطنه فهذا هو الأصل، ثم يقال للعار الباقي، و الخزي اللازم مثلة. قال الواحدي: و أصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه، و لما كان الأصل أن يكون العقاب مشابهاً للمعاقب و مماثلاً له لا جرم سمي بهذا الاسم. قال صاحب «الكشاف» : قرئ (المثلات) بضمتين لاتباع الفاء العين، (و المثلات) بفتح الميم و سكون الثاء كما يقال: السمرة، و المثلات، بضم الميم و سكون الثاء تخفيف المثلات بضمتين، و المثلات جمع مثلة كركبة و ركبات.

إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية: و يستعجلونك بالعذاب الذي لم نعاجلهم به، و قد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية فلم يعتبروا بها، و كان ينبغي أن يردعهم خوف ذلك عن الكفر اعتباراً بحال من سلف.

أما قوله: وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنََّاسِ عَلى‏ََ ظُلْمِهِمْ فاعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة، و وجه الاستدلال به أن قوله تعالى: لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنََّاسِ عَلى‏ََ ظُلْمِهِمْ أي حال اشتغالهم بالظلم كما أنه يقال: رأيت الأمير على أكله أي حال اشتغاله بالأكل فهذا يقتضي كونه تعالى غافراً للناس حال اشتغالهم بالظلم، و معلوم أن حال اشتغال الإنسان بالظلم لا يكون تائباً فدل هذا على أنه تعالى قد يغفر الذنب قبل الاشتغال بالتوبة. ثم نقول: ترك العمل بهذا الدليل في حق الكفر، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق أهل الكبيرة و هو المطلوب، أو نقول: إنه تعالى لم يقتصر على قوله: وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنََّاسِ عَلى‏ََ ظُلْمِهِمْ بل ذكر معه قوله/ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ اَلْعِقََابِ فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر، و أن يحمل الثاني على أحوال الكفار.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد: لذو مغفرة لأهل الصغائر لأجل أن عقوبتهم مكفرة ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: إن ربك لذو مغفرة إذا تابوا و أنه تعالى إنما لا يعجل العقاب إمهالاً لهم في الإتيان بالتوبة، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم و يكون من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة بل نقول: يجب حمل اللفظ عليه لأن القوم لما طلبوا تعجيل العقاب، فالجواب المذكور فيه يجب أن يكون محمولاً على تأخير العقاب حتى ينطبق الجواب على السؤال ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: و إن ربك لذو مغفرة أنه تعالى إنما لا يعجل العقوبة إمهالاً لهم في الإتيان بالتوبة، فإن تابوا فهو ذو مغفرة، و إن عظم ظلمهم و لم يتوبوا فهو شديد العقاب.

و الجواب عن الأول أن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة، و إلا لوجب أن يقال: الكفار كلهم مغفور لهم لأجل أن اللّه تعالى أخر عقابهم إلى الآخرة، و عن الثاني: أنه تعالى تمدح بهذا و التمدح إنما يحصل بالتفضل.

أما بأداء الواجب فلا تمدح فيه و عندكم يجب غفران الصغائر و عن الثالث: أنا بينا أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة حال الظلم، و بينا أن حال حصول الظلم يمنع حصول التوبة، فسقطت هذه الأسئلة و صح ما ذكرناه.

في قوله تعالى وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في الحشر و النشر أولاً، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانياً، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة و البينة ثالثاً، و هو المذكور في هذه الآية.

13

و اعلم أن السبب فيه أنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات و قالوا: هذا كتاب مثل سائر الكتب و إتيان الإنسان بتصنيف معين و كتاب معين لا يكون معجزة ألبتة، و إنما المعجز ما يكون مثل معجزات موسى و عيسى عليهما السلام.

و اعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجز في صدق محمد عليه الصلاة و السلام سوى القرآن.

قالوا: /إن هذا الكلام، إنما يصح إذا طعنوا في كون القرآن معجزاً، مع أنه ما ظهر عليه نوع آخر من المعجزات، لأن بتقدير أن يكون قد ظهر على يده نوع آخر من المعجزات لامتنع أن يقولوا: لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان له معجز سوى القرآن.

و اعلم أن الجواب عنه من وجهين: الأول: لعل المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوها منه صلّى اللّه عليه و سلم كحنين الجذع و نبوع الماء من بين أصابعه و إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، فطلبوا منه معجزات قاهرة غير هذه الأمور: مثل فلق البحر بالعصا، و قلب العصا ثعباناً.

فإن قيل: فما السبب في أن اللّه تعالى منعهم و ما أعطاهم؟ قلنا إنه لما أظهر المعجزة الواحدة فقد تم الغرض فيكون طلب الباقي تحكماً و ظهور القرآن معجزة، فما كان مع ذلك حاجة إلى سائر المعجزات، و أيضاً فلعله تعالى علم أنهم يصرون على العناد بعد ظهور تلك المعجزات الملتمسة، و كانوا يصيرون حينئذ مستوجبين لعذاب الاستئصال، فلهذا السبب ما أعطاهم اللّه تعالى مطلوبهم، و قد بين اللّه تعالى ذلك بقوله: وَ لَوْ عَلِمَ اَللََّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 23]بين أنه لم يعطهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنهم لا ينتفعون به، و أيضاً ففتح هذا الباب يفضى إلى ما لا نهاية له. و هو أنه كلما أتى بمعجزة جاء واحد آخر، فطلب منه معجزة أخرى، و ذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم السلام، و أنه باطل.

الوجه الثاني: و في الجواب لعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات. ثم إنه تعالى لما حكى عن الكفار ذلك قال: إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هََادٍ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اتفق القراء على التنوين في قوله: هََادٍ و حذف الياء في الوصل، و اختلفوا في الوقف، فقرأ ابن كثير: بالوقف على الياء، و الباقون: بغير الياء، و هو رواية ابن فليح عن ابن كثير للتخفيف.

المسألة الثانية: في تفسير هذه الآية وجوه. الأول: المراد أن الرسول عليه السلام منذر لقومه مبين لهم، و لكل قوم من قبله هاد و منذر وداع، و أنه تعالى سوى بين الكل في إظهار المعجزة إلا أنه كان لكل قوم طريق مخصوص لأجله استحق التخصيص بتلك المعجزة المخصوصة، فلما كان الغالب في زمان موسى عليه السلام هو السحر جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم، و لما كان الغالب في أيام عيسى عليه السلام الطب، جعل معجزته ما كان من جنس تلك الطريقة و هو إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص، و لما كان الغالب في أيام الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم/الفصاحة و البلاغة جعل معجزته ما كان لائقاً بذلك الزمان و هو فصاحة القرآن فلما كان العرب لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع كونها أليق بطباعهم فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى فهذا هو الذي قرره القاضي و هو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظماً.

14

و الوجه الثاني: و هو أن المعنى أنهم لا يجحدون كون القرآن معجزاً فلا يضيق قلبك بسببه إنما أنت منذر فما عليك إلا أن تنذر إلى أن يحصل الإيمان في صدورهم و لست بقادر عليهم و لكل قوم هاد، قادر على هدايتهم بالتخليق و هو اللّه سبحانه و تعالى فيكون المعنى ليس لك إلا الإنذار، و أما الهداية فمن اللّه تعالى.

و اعلم أن أهل الظاهر من المفسرين ذكروا هاهنا أقوالاً: الأول: المنذر و الهادي شي‏ء واحد و التقدير: إنما أنت منذر و لكل قوم منذر على حدة و معجزة كل واحد منهم غير معجزة الآخر. الثاني: المنذر محمد صلّى اللّه عليه و سلم و الهادي هو اللّه تعالى روي ذلك عن ابن عباس رضي اللّه عنهما و سعيد بن جبير، و مجاهد، و الضحاك.

و الثالث: المنذر النبي. و الهادي علي.

قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: وضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يده على صدره فقال: «أنا المنذر» ثم أومأ إلى منكب علي رضي اللّه عنه و قال: «أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي» .

في قوله تعالى اَللََّهُ يَعْلَمُ مََا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ََ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في وجه النظم وجوه، الأول: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم طلبوا آيات أخرى غير ما أتى به الرسول صلّى اللّه عليه و سلم بين أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فيعلم من حالهم أنهم هل طلبوا الآية الأخرى للاسترشاد و طلب البيان أو لأجل التعنت و العناد، و هل ينتفعون/بظهور تلك الآيات، أو يزداد إصرارهم و استكبارهم، فلو علم تعالى أنهم طلبوا ذلك لأجل الاسترشاد و طلب البيان و مزيد الفائدة، لأظهره اللّه تعالى و ما منعهم عنه، لكنه تعالى لما علم أنهم لم يقولوا ذلك إلا لأجل محض العناد لا جرم أنه تعالى منعهم عن ذلك و هو كقوله تعالى: وَ يَقُولُونَ لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا اَلْغَيْبُ لِلََّهِ فَانْتَظِرُوا [يونس: 20]و قوله:

قُلْ إِنَّمَا اَلْآيََاتُ عِنْدَ اَللََّهِ* . [العنكبوت: 50]و الثاني: أن وجه النظم أنه تعالى لما قال: وَ إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد: 5]في إنكار البعث و ذلك لأنهم أنكروا البعث بسبب أن أجزاء أبدان الحيوانات عند تفرقها و تفتتها يختلط بعضها ببعض و لا يبقى الامتياز فبين تعالى أنه إنما لا يبقى الامتياز في حق من لا يكون عالماً بجميع المعلومات، أما في حق من كان عالماً بجميع المعلومات، فإنه يبقى تلك الأجزاء بحيث يمتاز بعضها عن البعض، ثم احتج على كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات بأنه يعلم ما تحمل كل أنثى و ما تغيض الأرحام.

الثالث: أن هذا متصل بقوله: وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ [الرعد: 6]و المعنى: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فهو تعالى إنما ينزل العذاب بحسب ما يعلم كونه فيه مصلحة و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: لفظ «ما» في قوله: مََا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ََ وَ مََا تَغِيضُ اَلْأَرْحََامُ وَ مََا تَزْدََادُ إما أن تكون موصولة و إما أن تكون مصدرية، فإن كانت موصولة، فالمعنى أنه يعلم ما تحمله من الولد أنه من أي الأقسام أهو ذكر أم أنثى و تام أو ناقص و حسن أو قبيح و طويل أو قصير و غير ذلك من الأحوال الحاضرة و المترقبة فيه.

ثم قال: وَ مََا تَغِيضُ اَلْأَرْحََامُ و الغيض هو النقصان سواء كان لازماً أو متعدياً يقال: غاض الماء و غضته‏

15

أنا و منه قوله تعالى: وَ غِيضَ اَلْمََاءُ [هود: 44]و المراد من الآية و ما تغيضه الأرحام إلا أنه حذف الضمير الراجع و قوله: وَ مََا تَزْدََادُ أي تأخذه زيادة تقول: أخذت منه حقي و ازددت منه كذا، و منه قوله تعالى:

وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً [الكهف: 25]ثم اختلفوا فيما تغيضه الرحم و تزداده على وجوه. الأول: عدد الولد فإن الرحم قد يشتمل على واحد و اثنين و على ثلاثة و أربعة يروي أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه. الثاني:

الولد قد يكون مخدجاً، و قد يكون تاماً. الثالث: مدة ولادته قد تكون تسعة أشهر و أزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى، و إلى أربعة عند الشافعي و إلى خمس عند مالك، و قيل: إن الضحاك ولد لسنتين، و هرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين و لذلك سمي هرماً. الرابع: الدم فإنه تارة يقل و تارة يكثر. الخامس:

ما ينقص بالسقط من غير أن يتم و ما يزداد بالتمام. السادس: ما ينقص بظهور دم الحيض، و ذلك لأنه إذا سال الدم في وقت الحمل ضعف الولد و نقص. و بمقدار حصول ذلك النقصان يزداد أيام الحمل لتصير هذه الزيادة /جابرة لذلك النقصان قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: كلما سال الحيض في وقت الحمل يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل به الجبر و يعتدل الأمر. السابع: أن دم الحيض فضلة تجتمع في بطن المرأة فإذا امتلأت عروقها من تلك الفضلات فاضت و خرجت، و سالت من دواخل تلك العروق، ثم إذا سالت تلك المواد امتلأت تلك العروق مرة أخرى هذا كله إذا قلنا إن كلمة «ما» موصولة. أما إذا قلنا: إنها مصدرية فالمعنى: أنه تعالى يعلم حمل كل أنثى و يعلم غيض الأرحام و ازديادها لا يخفى عليه شي‏ء من ذلك و لا من أوقاته و أحواله.

و أما قوله تعالى: وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدََارٍ فمعناه: بقدر واحد لا يجاوزه و لا ينقص عنه، كقوله: إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]و قوله في أول الفرقان: وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان: 2].

و اعلم أن قوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدََارٍ يحتمل أن يكون المراد من العندية العلم و معناه: أنه تعالى يعلم كمية كل شي‏ء و كيفيته على الوجه المفصل المبين و متى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات و يحتمل أن يكون المراد من العندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين و حالة معينة بمشيئته الأزلية و إرادته السرمدية، و عند حكماء الإسلام أنه تعالى وضع أشياء كلية و أودع فيها قوى و خواص، و حركها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة و مناسبات مخصوصة مقدرة، و يدخل في هذه الآية أفعال العباد و أحوالهم و خواطرهم، و هو من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة.

ثم قال تعالى: عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: يريد علم ما غاب عن خلقه و ما شهدوه. قال الواحدي: فعلى هذا (الغيب) مصدر يريد به الغائب، (و الشهادة) أراد بها الشاهد. و اختلفوا في المراد بالغائب و الشاهد. قال بعضهم: الغائب هو المعلوم، و الشاهد هو الموجود، و قال آخرون: الغائب ما غاب عن الحس، و الشاهد ما حضر، و قال آخرون: الغائب ما لا يعرفه الخلق، و الشاهد ما يعرفه الخلق.

و نقول: المعلومات قسمان: المعدومات و الموجودات، و المعدومات منها معدومات يمتنع وجودها و منها معدومات لا يمتنع وجودها، و الموجودات أيضاً قسمان: موجودات يمتنع عدمها، و موجودات لا يمتنع عدمها، و كل واحد من هذه الأقسام الأربعة له أحكام و خواص، و الكل معلوم للّه تعالى، و حكى الشيخ الإمام الوالد عن أبي القاسم الأنصاري عن إمام الحرمين رحمهم اللّه تعالى أنه كان يقول للّه تعالى معلومات لا نهاية لها، و له في كل واحد من تلك المعلومات، معلومات أخرى لا نهاية لها، لأن الجوهر الفرد يعلم اللّه تعالى من حاله أنه‏

16

يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل و موصوفاً بصفات لا نهاية لها على البدل، و هو تعالى عالم بكل الأحوال على التفصيل، و كل هذه الأقسام داخل تحت قوله تعالى: عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ .

ثم إنه تعالى ذكر عقيبه قوله: اَلْكَبِيرُ و هو تعالى يمتنع أن يكون كبيراً بحسب الجثة و الحجم و المقدار، فوجب أن يكون كبيراً بحسب القدرة و المقادير الإلهية ثم وصف تعالى نفسه بأنه المتعال و هو المتنزه عن كل ما لا يجوز عليه و ذلك يدل على كونه منزهاً في ذاته و صفاته و أفعاله فهذه الآية دالة على كونه تعالى موصوفاً بالعلم الكامل و القدرة التامة، و منزهاً عن كل ما لا ينبغي، و ذلك يدل على كونه تعالى قادراً على البعث الذي أنكروه و على الآيات التي اقترحوها و على العذاب الذي استعجلوه، و أنه إنما يؤخر ذلك بحسب المشيئة الإلهية عند قوم و بحسب المصلحة عند آخرين، و قرأ ابن كثير (المتعالي) بإثبات الياء في الوقف و الوصل على الأصل. و الباقون بحذف الياء في الحالتين للتخفيف‏}ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالماً بكل المعلومات فقال:

سَوََاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ اَلْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سََارِبٌ بِالنَّهََارِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لفظ (سواء) يطلب اثنين تقول سواء زيد و عمرو ثم فيه وجهان. الأول: أن سواء مصدر و المعنى: ذو سواء كما تقول: عدل زيد و عمرو أي ذوا عدل. الثاني: أن يكون سواء بمعنى مستو و على هذا التقدير فلا حاجة إلى الإضمار إلا أن سيبويه يستقبح أن يقول مستو زيد و عمرو لأن أسماء الفاعلين إذا كانت نكرات لا يبدأ بها.

و لقائل أن يقول: بل هذا الوجه أولى لأن حمل الكلام عليه يغني عن التزام الإضمار الذي هو خلاف الأصل.

المسألة الثانية: في المستخفي و السارب قولان:

القول الأول: يقال أخفيت الشي‏ء أخفيه إخفاء فخفي و استخفى فلان من فلان أي توارى و استتر.

و قوله: وَ سََارِبٌ بِالنَّهََارِ قال الفراء و الزجاج: ظاهر بالنهار في سربه أي طريقه. يقال: خلا له سربه، أي طريقه. و قال الأزهري: تقول العرب سربت الإبل تسرب سرباً، أي مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت، فإذا عرفت ذلك فمعنى الآية سواء كان الإنسان مستخفياً في الظلمات أو كان ظاهراً في الطرقات، فعلم اللّه تعالى محيط بالكل. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: سواء ما أضمرته القلوب و أظهرته الألسنة. و قال مجاهد: سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي، و من يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

و القول الثاني: نقله الواحدي عن الأخفش و قطرب أنه قال: المستخفي الظاهر و السارب المتواري و منه يقال: خفيت الشي‏ء و أخفيته أي أظهرته. و اختفيت الشي‏ء استخرجته و يسمى النباش المستخفي و السارب المتواري و منه يقال: للداخل سرباً، و السرب الوحش إذا/دخل في السرب أي في كناسة. قال الواحدي:

و هذا الوجه صحيح في اللغة، إلا أن الاختيار هو الوجه الأول لإطباق أكثر المفسرين عليه، و ايضاً فالليل يدل على الاستتار، و النهار على الظهور و الانتشار.

17

في قوله تعالى لَهُ مُعَقِّبََاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ اعلم أن الضمير في «له» عائد إلى «من» في قوله: سَوََاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ اَلْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ [الرعد: 10] و قيل على اسم اللّه في عالم الغيب و الشهادة، و المعنى: للّه معقبات، و أما المعقبات فيجوز أن يكون أصل هذه الكلمة معتقبات فأدغمت التاء في القاف كقوله: وَ جََاءَ اَلْمُعَذِّرُونَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ [التوبة: 90]و المراد المعتذرون و يجوز أن يكون من عقبه إذا جاء على عقبه فاسم المعقب من كل شي‏ء ما خلف يعقب ما قبله، و المعنى في كلا الوجهين واحد.

إذا عرفت هذا فنقول: في المراد بالمعقبات قولان. الأول: و هو المشهور الذي عليه الجمهور أن المراد منه الملائكة الحفظة و إنما صح و صفهم بالمعقبات، إما لأجل أن ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار و بالعكس، و إما لأجل أنهم يتعقبون أعمال العباد و يتبعونها بالحفظ و الكتب، و كل من عمل عملاً ثم عاد إليه فقد عقب، فعلى هذا المراد من المعقبات ملائكة الليل و ملائكة النهار.

روي عن عثمان رضي اللّه عنه أنه قال: يا رسول اللّه أخبرني عن العبد كم معه من ملك فقال عليه السلام: «ملك عن يمينك يكتب الحسنات و هو أمين على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشراً، و إذا عملت سيئة قال الذي على الشمال لصاحب اليمين أكتب؟ فيقول لا لعله يتوب فإذا قال ثلاثاً قال نعم أكتب أراحنا اللّه منه فبئس القرين ما أقل مراقبته للّه تعالى و استحياءه منا، و ملكان من بين يديك و من خلفك فهو قوله تعالى: لَهُ مُعَقِّبََاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ و ملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لربك رفعك و إن تجبرت قصمك، و ملكان على شفتك يحفظان عليك الصلاة على، و ملك علي فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، و ملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي تبدل ملائكة/الليل بملائكة النهار فهم عشرون ملكاً على كل آدمي» .

و

عنه صلّى اللّه عليه و سلم: «يتعاقب فيكم ملائكة بالليل و ملائكة بالنهار و يجتمعون في صلاة الصبح و صلاة العصر» .

و هو المراد من قوله: وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كََانَ مَشْهُوداً [الإسراء: 78]قيل: تصعد ملائكة الليل و هي عشرة و تنزل ملائكة النهار، و قال ابن جريج: هو مثل قوله تعالى: عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ قَعِيدٌ [ق: 17]صاحب اليمين يكتب الحسنات و الذي عن يساره يكتب السيئات. و قال مجاهد: ما من عبد إلا و له ملك يحفظه من الجن و الإنس و الهوام في نومه و يقظته. و في الآية سؤالات:

السؤال الأول: الملائكة ذكور، فلم ذكر في جمعها جمع الإناث و هو المعقبات؟ و الجواب: فيه قولان: الأول: قال الفراء: المعقبات ذكران جمع ملائكة معقبة، ثم جمعت معقبة بمعقبات، كما قيل: أبناوات سعد و رجالات بكر جمع رجال، و الذي يدل على التذكير قوله: يَحْفَظُونَهُ .

و الثاني: و هو قول الأخفش: إنما أنثت لكثرة ذلك منها، نحو: نسابة، و علامة، و هو ذكر.

السؤال الثاني: ما المراد من كون أولئك المعقبات من بين يديه و من خلفه؟ و الجواب: أن المستخفي بالليل و السارب بالنهار قد أحاط به هؤلاء المعقبات فيعدون عليه أعماله و أقواله بتمامها، و لا يشذ من تلك الأعمال و الأقوال من خلفهم شي‏ء أصلاً، و قال بعضهم: بل المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه و من خلفه، لأن السارب بالنهار إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من بين يديه و من خلفه.

18

السؤال الثالث: ما المراد من قوله: مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ .

و الجواب: ذكر الفراء فيه قولين:

القول الأول: أنه على التقديم و التأخير و التقدير: له معقبات من أمر اللّه يحفظونه.

القول الثاني: أن فيه إضماراً أي ذلك الحفظ من أمر اللّه أي مما أمر اللّه به فحذف الاسم و أبقى خبره كما يكتب على الكيس، ألفان و المراد الذي فيه ألفان.

و القول الثالث: ذكره ابن الأنباري أن كلمة «من» معناها الباء و التقدير: يحفظونه بأمر اللّه و بإعانته، و الدليل على أنه لا بد من المصير إليه أنه لا قدرة للملائكة و لا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من أمر اللّه و مما قضاه عليه.

السؤال الرابع: ما الفائدة في جعل هؤلاء الملائكة موكلين علينا؟ و الجواب: أن هذا الكلام غير مستبعد، و ذلك لأن المنجمين اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على حدة و كذا/القول في كل ليلة، و لا شك أن تلك الكواكب لها أرواح عندهم، فتلك التدبيرات المختلفة في الحقيقة لتلك الأرواح، و كذا القول في تدبير القمر و الهيلاج و الكدخدا على ما يقوله المنجمون. و أما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور في ألسنتهم و لذلك تراهم يقولون: أخبرني الطباعي التام. و مرادهم بالطباعي التام أن لكل إنسان روحاً فلكية يتولى إصلاح مهماته و دفع بلياته و آفاته، و إذا كان هذا متفقاً عليه بين قدماء الفلاسفة و أصحاب الأحكام فكيف يستبعد مجيئه من الشرع؟و تمام التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في جواهرها و طبائعها فبعضها خيرة، و بعضها شريرة، و بعضها معزة، و بعضها مذلة، و بعضها قوية القهر و السلطان، و بعضها ضعيفة سخيفة. و كما أن الأمر في الأرواح البشرية كذلك، فكذا القول في الأرواح الفلكية، و لا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب و كل صفة أقوى من الأرواح البشرية و كل طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركة في طبيعة خاصة و صفة مخصوصة، لما أنها تكون في تربية روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها في الطبيعة و الخاصية، و تكون تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروح الفلكي. و متى كان الأمر كذلك كان ذلك الروح الفلكي معيناً لها على مهماتها و مرشداً لها إلى مصالحها و عاصماً لها عن صنوف الآفات، فهذا كلام ذكره محققو الفلاسفة، و إذا كان الأمر كذلك علمنا أن الذي وردت به الشريعة أمر مقبول عند الكل، فكيف يمكن استنكاره من الشريعة؟ثم في اختصاص هؤلاء الملائكة و تسلطهم على بني آدم فوائد كثيرة سوى التي مر ذكرها من قبل. الأول: أن الشياطين يدعون إلى الشرور و المعاصي، و هؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات و الطاعات. و الثاني: قال مجاهد: ما من عبد إلا و معه ملك يحفظه من الجن و الإنس و الهوام في نومه و يقظته.

الثالث: أنا نرى أن الإنسان قد يقع في قلبه داع قوي من غير سبب ثم يظهر بالآخرة أن وقوع تلك الداعية في قلبه كان سبباً من أسباب مصالحه و خيراته، و قد ينكشف ايضاً بالآخرة أنه كان سبباً لوقوعه في آفة أو في معصية، فيظهر أن الداعي إلى الأمر الأول كان مريداً للخير و الراحة و إلى الأمر الثاني كان مريداً للفساد و المحنة، و الأول هو الملك الهادي و الثاني هو الشيطان المغوي. الرابع: أن الإنسان إذا علم أن الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب، لأن من آمن يعتقد جلالة الملائكة و علو مراتبهم فإذا

19

حاول الإقدام على معصية و اعتقد أنهم يشاهدونها زجره الحياء منهم عن الإقدام عليها كما يزجره عنها إذا حضره من يعطيه من البشر. و إذا علم أن الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال كان ذلك ايضاً رادعاً له عنها و إذا علم أن الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل.

السؤال الخامس: ما الفائدة في كتبة أعمال العباد؟ قلنا هاهنا مقامات:

المقام الأول: أن تفسير الكتبة بالمعنى المشهور من الكتبة. قال المتكلمون: الفائدة في تلك الصحف وزنها ليعرف رجحان إحدى الكفتين على الأخرى، فإنه إذا رجحت كفة الطاعات ظهر للخلائق أنه من أهل الجنة، و إن كان بالضد فبالضد. قال القاضي: هذا بعيد لأن الأدلة قد دلت على أن كل واحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء فلا يتوقف حصول تلك المعرفة على الميزان، ثم أجاب القاضي عن هذا الكلام و قال: لا يمتنع أيضاً ما روينا لأمر يرجع إلى حصول سروره عند الخلق العظيم أنه من أولياء اللّه في الجنة و بالضد من ذلك في أعداء اللّه.

و المقام الثاني: و هو قول حكماء الإسلام أن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف المعاني المخصوصة فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على تلك المعاني لأعيانها و ذواتها كانت تلك الكتبة أقوى و أكمل.

إذا ثبت هذا فنقول: إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات و كرات كثيرة متوالية حصل في نفسه بسبب تكررها ملكة قوية راسخة، فإن كانت تلك الملكة ملكة سارة بالأعمال النافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بها بعد الموت، و إن كانت تلك الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد الموت.

إذا ثبت هذا فنقول: إن التكرير الكثير لما كان سبباً لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من الأعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة، و ذلك الأثر و إن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة. و إذا عرفت هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة و لا حركة و لا سكون، إلا و يحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة، أو آثار الشقاوة قل أو كثر، فهذا هو المراد من كتبة الأعمال عند هؤلاء و اللّه أعلم بحقائق الأمور و هذا كله إذا فسرنا قوله تعالى: لَهُ مُعَقِّبََاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ بالملائكة.

القول الثاني: و هو أيضاً منقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، و اختاره أبو مسلم الأصفهاني المراد: أنه يستوي في علم اللّه تعالى السر و الجهر، و المستخفي بظلمة الليل، و السارب بالنهار المستظهر بالمعاونين و الأنصار و هم الملوك و الأمراء، فمن لجأ إلى الليل فلن يفوت اللّه أمره، و من سار نهاراً بالمعقبات و هم الأحراس و الأعوان الذين يحفظونه لم ينجه أحراسه من اللّه تعالى، و المعقب العون، لأنه إذا أبصر هذا ذاك فلا بد أن يبصر ذاك هذا، فتصير بصيرة كل/واحد منهم معاقبة لبصيرة الآخرة، فهذه المعقبات لا تخلص من قضاء اللّه و من قدره، و هم إن ظنوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر اللّه و من قضائه فإنهم لا يقدرون على ذلك البتة، و المقصود من هذا الكلام بعث السلاطين و الأمراء و الكبراء على أن يطلبوا الخلاص من المكاره عن حفظ اللّه و عصمته و لا يعولوا في دفعها على الأعوان و الأنصار، و لذلك قال تعالى بعده: وَ إِذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلاََ مَرَدَّ لَهُ وَ مََا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وََالٍ .

20

أما قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُغَيِّرُ مََا بِقَوْمٍ حَتََّى يُغَيِّرُوا مََا بِأَنْفُسِهِمْ فكلام جميع المفسرين يدل على أن المراد لا يغير ما هم فيه من النعم بإنزال الانتقام إلا بأن يكون منهم المعاصي و الفساد. قال القاضي: و الظاهر لا يحتمل إلا هذا المعنى لأنه لا شي‏ء مما يفعله تعالى سوى العقاب إلا و قد يبتدئ به في الدنيا من دون تغيير يصدر من العبد فيما تقدم لأنه تعالى ابتدأ بالنعم ديناً و دنياً و يفضل في ذلك من شاء على من يشاء، فالمراد مما ذكره اللّه تعالى التغيير بالهلاك و العقاب، ثم اختلفوا فبعضهم قال هذا الكلام راجع إلى قوله: وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ [الرعد: 6]فبين تعالى أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا و المعلوم منهم الإصرار على الكفر و المعصية، حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في عقبه من يؤمن فإنه تعالى لا ينزل عليهم عذاب الاستئصال و قال بعضهم: بل الكلام يجري على إطلاقه، و المراد منه أن كل قوم بالغوا في الفساد و غيروا طريقتهم في إظهار عبودية اللّه تعالى فإن اللّه يزيل عنهم النعم و ينزل عليهم أنواعاً من العذاب، و قال بعضهم: إن المؤمن الذي يكون مختلطاً بأولئك الأقوام فربما دخل في ذلك العذاب.

روي عن أبي بكر رضي اللّه عنه قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم اللّه تعالى بعقاب»

و احتج أبو علي الجبائي و القاضي بهذه الآية في مسألتين:

المسألة الأولى: أنه تعالى لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير اللّه حالهم من النعمة إلى العذاب.

المسألة الثانية: قالوا: الآية تدل على بطلان قول المجبرة إنه تعالى يبتدئ العبد بالضلال و الخذلان أول ما يبلغ و ذلك أعظم من العقاب، مع أنه ما كان منه تغيير.

و الجواب: أن ظاهر هذه الآية يدل على أن فعل اللّه في التغيير مؤخر عن فعل العبد، إلا أن قوله تعالى:

وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ* [الإنسان: 30]يدل على أن فعل العبد مؤخر عن فعل اللّه تعالى، فوقع التعارض.

و أما قوله: وَ إِذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلاََ مَرَدَّ لَهُ فقد احتج أصحابنا به على أن العبد غير مستقل في الفعل. قالوا: و ذلك لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه تعالى يحكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا و العقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً بتحصيل الإيمان لكان قادراً على رد ما أراده اللّه تعالى، و حينئذ يبطل قوله:

وَ إِذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلاََ مَرَدَّ لَهُ فثبت أن الآية السابقة و إن أشعرت بمذهبهم، إلا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا. قال الضحاك عن ابن عباس: لم تغن المعقبات شيئاً، و قال عطاء عنه: لا راد لعذابي و لا ناقض لحكمي: وَ مََا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وََالٍ أي ليس لهم من دون اللّه من يتولاهم، و يمنع قضاء اللّه عنهم، و المعنى: ما لهم والٍ يلي أمرهم، و يمنع العذاب عنهم.

اعلم أنه تعالى لما خوف العباد بإنزال ما لا مرد له أتبعه بذكر هذه الآيات و هي مشتملة على أمور ثلاثة،

21

و ذلك لأنها دلائل على قدرة اللّه تعالى و حكمته، و أنها تشبه النعم و الإحسان من بعض الوجوه، و تشبه العذاب و القهر من بعض الوجوه.

و اعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أموراً أربعة. الأول: البرق و هو قوله تعالى: يُرِيكُمُ اَلْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» في انتصاب قوله: خَوْفاً وَ طَمَعاً وجوه. الأول: لا يصح أن يكونا مفعولاً لهما لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف و طمع أو على معنى إخافة و إطماعاً. الثاني: يجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف و طمع و التقدير: ذا خوف و ذا طمع أو على معنى إيخافاً و إطماعاً. الثالث: أن يكونا حالاً من المخاطبين أي خائفين و طامعين.

المسألة الثانية: في كون البرق خوفاً و طمعاً وجوه. الأول: أن عند لمعان البرق يخاف وقوع الصواعق و يطمع في نزول الغيث قال المتنبي:

فتى كالسحاب الجون يخشى و يرتجى # يرجى الحيا منها و يخشى الصواعق‏

الثاني: أنه يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر و كمن في جرابه التمر و الزبيب و يطمع فيه من له فيه نفع. الثالث: أن كل شي‏ء يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم، و شر بالنسبة إلى آخرين، فكذلك المطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه، و شر في حق من يضره ذلك، إما بحسب المكان أو بحسب الزمان.

المسألة الثالثة: اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة اللّه تعالى و بيانه أن السحاب لا شك أنه جسم مركب في أجزاء رطبة مائية، و من أجزاء هوائية و نارية و لا شك أن الغالب عليه الأجزاء المائية و الماء جسم بارد رطب، و النار جسم حار يابس و ظهور الضد من الضد التام على خلاف العقل فلا بد من صانع مختار يظهر الضد من الضد.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن الريح احتقن في داخل جرم السحاب و استولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه، ثم إن ذلك الريح يمزقه تمزيقاً عنيفاً فيتولد من ذلك التمزيق الشديد حركة عنيفة، و الحركة العنيفة موجبة للسخونة و هي البرق؟ و الجواب: أن كل ما ذكرتموه على خلاف المعقول و بيانه من وجوه. الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال: أينما يحصل البرق فلا بد و أن يحصل الرعد و هو الصوت الحادث من تمزق السحاب و معلوم أنه ليس الأمر كذلك فإنه كثيراً ما يحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد. الثاني: أن السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة للطبيعة المائية الموجبة للبرد، و عند حصول هذا العارض القوي كيف تحدث النارية؟ بل نقول: النيران العظيمة تنطفئ بصب الماء عليها، و السحاب كله ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية؟الثالث: من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها ألبتة، فهب أنه حصلت النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة بأجزاء السحاب لكن من أين حدث ذلك اللون الأحمر؟فثبت أن السبب الذي ذكروه ضعيف و أن حدوث النار الحاصلة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصاً لا يمكن إلا بقدرة القادر الحكيم.

22

النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: وَ يُنْشِئُ اَلسَّحََابَ اَلثِّقََالَ قال صاحب «الكشاف» : السحاب اسم جنس و الواحدة سحابة و الثقال جمع ثقيلة لأنك تقول سحابة ثقيلة و سحاب ثقال كما تقول امرأة كريمة و نساء كرام و هي الثقال بالماء.

و اعلم أن هذا أيضا من دلائل القدرة و الحكمة، و ذلك لأن هذه الأجزاء المائية إما أن يقال إنها حدثت في جو الهواء أو يقال إنها تصاعدت من وجه الأرض، فإن كان الأول وجب أن يكون حدوثها باحداث محدث حكيم قادر و هو المطلوب، و إن كان الثاني، و هو أن يقال إن تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض فلما وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت فرجعت إلى الأرض فنقول هذا باطل، و ذلك لأن الأمطار مختلفة فتارة تكون القطرات كبيرة و تارة تكون صغيرة و تارة تكون متقاربة، و أخرى تكون متباعدة و تارة تدوم مدة نزول المطر زمانا طويلا و تارة قليلا فاختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أن طبيعة الأرض واحدة، و طبيعة الشمس المسخنة للبخارات واحدة لا بد و أن يكون بتخصيص الفاعل المختار و و أيضا فالتجربة دلت على أن للدعاء و التضرع في نزول الغيث أثرا عظيما و لذلك كانت صلاة الاستسقاء مشروعة، فعلمنا أن المؤثر فيه هو قدرة الفاعل لا الطبيعة و الخاصية.

النوع الثالث: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الرعد و هو قوله: وَ يُسَبِّحُ اَلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ و فيه أقوال:

القول الأول: إن الرعد اسم ملك من الملائكة و هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبيح و التهليل‏

عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أن اليهود سألت النبي صلّى اللّه عليه و سلم عن الرعد ما هو؟فقال: «ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء اللّه» . قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟قال:

«زجره السحاب»

و عن الحسن أنه خلق من خلق الله ليس بملك فعلى هذا القول الرعد هو الملك الموكل بالسحاب و صوته تسبيح للّه تعالى و ذلك الصوت أيضا يسمى بالرعد و يؤكد هذا ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له. و

عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال: «إن اللّه ينشئ السحاب الثقال فينطق أحسن النطق و يضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد و ضحكه البرق» .

و اعلم أن هذا القول غير مستبعد و ذلك لأن عند أهل السنة البنية ليست شرطا لحصول الحياة فلا يبعد من اللّه تعالى أن يخلق الحياة و العلم و القدرة و النطق في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلا له و كيف يستبعد ذلك و نحن نرى ن السمندل يتولد في النار، و الضفادع تتولد في الماء البارد، و الدودة العظيمة ربما تتولد في الثلوج القديمة، و أيضا فإذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود عليه السلام، و لا تسبيح الحصى في زمان محمد صلّى اللّه عليه و سلم «فكيف يستبعد تسبيح السحاب» و على هذا القول فهذا الشي‏ء المسمى بالرعد ملك أو ليس /بملك فيه قولان: أحدهما: أنه ليس بملك لأنه عطف عليه الملائكة، فقال: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ و المعطوف عليه مغاير للمعطوف. و الثاني: و هو أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة و إنما إفراده بالذكر على سبيل التشريف كما في قوله: وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكََالَ [البقرة: 98]و في قوله: وَ إِذْ أَخَذْنََا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثََاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ [الأحزاب: 7].

23

القول الثاني: أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص، و مع ذلك فإن الرعد يسبح اللّه سبحانه، لأن التسبيح و التقديس و ما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول التنزيه و التقديس للّه سبحانه و تعالى، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلا على وجود متعال عن النقص و الإمكان، كان ذلك في الحقيقة تسبيحاً، و هو معنى قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44].

القول الثالث: أن المراد من كون الرعد مسبحاً أن من يسمع الرعد فإنه يسبح اللّه تعالى، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه.

القول الرابع: من كلمات الصوفية الرعد صعقات الملائكة، و البرق زفرات أفئدتهم، و المطر بكاؤهم.

فإن قيل: و ما حقيقة الرعد؟ قلنا: استقصينا القول في سورة «البقرة» في قوله: فِيهِ ظُلُمََاتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ [البقرة: 19].

أما قوله: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ فاعلم أن من المفسرين من يقول: عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد، فإنه سبحانه جعل له أعواناً، و معنى قوله: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ أي و تسبح الملائكة من خيفة اللّه تعالى و خشيته. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم خائفون من اللّه لا كخوف ابن آدم، فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه و من على يساره، و لا يشغله عن عبادة اللّه طعام و لا شراب و لا شي‏ء.

و اعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره، و كذا القول في الرياح و في سائر الآثار العلوية، و هذا عين ما نقلناه من أن الرعد اسم ملك من الملائكة يسبح اللّه، فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة هو عين ما ذكره المحققون عن الحكماء، فكيف يليق بالعاقل الإنكار؟ النوع الرابع: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله: وَ يُرْسِلُ اَلصَّوََاعِقَ فَيُصِيبُ بِهََا مَنْ يَشََاءُ و اعلم أنا قد ذكرنا معنى الصواعق في سورة البقرة. قال المفسرون: نزلت هذه الآية في عامر/بن الطفيل و أربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة أتيا النبي صلّى اللّه عليه و سلم يخاصمانه و يجادلانه، و يريدان الفتك به، فقال أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد، ثم إنه لما رجع أربد أرسل عليه صاعقة فأحرقته، و رمى عامراً بغدة كغدة البعير، و مات في بيت سلولية.

و اعلم أن أمر الصاعقة عجيب جداً و ذلك لأنها تارة تتولد من السحاب، و إذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر و أحرقت الحيتان في لجة البحر، و الحكماء بالغوا في وصف قوتها، و وجه الاستدلال أن النار حارة يابسة و طبيعتها ضد طبيعة السحاب، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة و اليبوسة أضعف من طبيعة النيران الحادثة عندنا على العادة، لكنه ليس الأمر كذلك، فإنها أقوى نيران هذا العالم، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لا بد و أن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار.

و اعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل الأربعة قال: وَ هُمْ يُجََادِلُونَ فِي اَللََّهِ و المراد أنه تعالى بين دلائل كمال علمه في قوله: يَعْلَمُ مََا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ََ [الرعد: 8]و بين دلائل كمال القدرة في هذه الآيات.

24

ثم قال: وَ هُمْ يُجََادِلُونَ فِي اَللََّهِ يعني هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في اللّه و هو يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المراد الرد على الكفار الذي قال: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم من حديد. و ثانيها:

أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث و إبطال الحشر و النشر. و ثالثها: أن يكون المراد الرد عليهم في طلب سائر المعجزات. و رابعها: أن يكون المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال. و في هذه الواو قولان: الأول: أنها للحال، و المعنى: فيصيب بالصاعقة من يشاء في حال جداله في اللّه، و ذلك أن أربد لما جادل في اللّه أحرقته الصاعقة. و الثاني: أنها واو الاستئناف كأنه تعالى لما تمم ذكر هذه الدلائل قال بعد ذلك:

وَ هُمْ يُجََادِلُونَ فِي اَللََّهِ .

ثم قال تعالى: وَ هُوَ شَدِيدُ اَلْمِحََالِ و في لفظ المحال أقوال: قال ابن قتيبة: الميم زائدة و هو من الحول، و نحوه ميم مكان، و قال الأزهري: هذا غلط، فإن الكلمة إذا كانت على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية، نحو مهاد و مداس و مداد، و اختلفوا مم أخذ على وجوه: الأول: قيل من قولهم محل فلان بفلان إذا سعى به إلى السلطان و عرضه للهلاك، و تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة و اجتهد فيه، فكان المعنى:

أنه سبحانه شديد المكر لأعدائه يهلكهم بطريق لا يتوقعونه. الثاني: أن المحال عبارة عن الشدة، و منه تسمى السنة الصعبة سنة المحل و ما حلت فلاناً محالاً. أي قاومته أينا أشد، قال أبو مسلم: و محال فعال من المحل و هو الشدة و لفظ فعال يقع على المجازاة/و المقابلة، فكأن المعنى: أنه تعالى شديد المغالبة، و للمفسرين هاهنا عبارات فقال مجاهد و قتادة: شديد القوة، و قال أبو عبيدة: شديد العقوبة، و قال الحسن: شديد النقمة، و قال ابن عباس: شديد الحول. الثالث: قال ابن عرفة: يقال ما حل عن أمره أي جادل، فقوله: شَدِيدُ اَلْمِحََالِ أي شديد الجدال. الرابع: روي عن بعضهم: شَدِيدُ اَلْمِحََالِ أي شديد الحقد. قالوا: هذا لا يصح، لأن الحقد لا يمكن في حق اللّه تعالى، إلا أنا قد ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه الألفاظ إذا وردت في حق اللّه تعالى فإنها تحصل على نهايات الأعراض لا على مبادئ الأعراض، فالمراد بالحقد هاهنا هو أنه تعالى يريد إيصال الشر إليه مع أنه يخفي عنه تلك الإرادة.

اعلم أن قوله: لَهُ دَعْوَةُ اَلْحَقِّ أي للّه دعوة الحق، و فيه بحثان:

البحث الأول: في أقوال المفسرين و هي أمور: أحدها: ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: دَعْوَةُ اَلْحَقِّ قول لا إله إلا اللّه. و ثانيها: قول الحسن: إن اللّه هو الحق، فدعاؤه هو الحق، كأنه يومئ إلى أن الانقطاع إليه في الدعاء هو الحق. و ثالثها: أن عبادته هي الحق و الصدق.

و اعلم أن الحق هو الموجود، و الموجود قسمان: قسم يقبل العدم و هو حق يمكن أن يصير باطلاً و قسم لا يقبل العدم فلا يمكن أن يصير باطلاً و ذلك هو الحق الحقيقي، و إذا كان واجب الوجود لذاته موجوداً لا يقبل العدم كان أحق الموجودات بأن يكون حقاً هو هو و كان أحق الاعتقادات و أحق الأذكار بأن يكون حقاً هو اعتقاد ثبوته و ذكر وجوده، فثبت بهذا أن وجوده هو الحق في الموجودات و اعتقاد وجوده هو الحق في الاعتقادات.

25

و ذكره بالثناء و الإلهية و الكمال هو الحق في الأذكار فلهذا قال: لَهُ دَعْوَةُ اَلْحَقِّ .

البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف» دَعْوَةُ اَلْحَقِّ فيه وجهان: أحدهما: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف إليه الكلمة في قوله: كلمة الحق و المقصود منه الدلالة على كون هذه الدعوة مختصة بكونها حقة و كونها خالية عن أمارات كونه باطلاً، و هذا من باب إضافة الشي‏ء إلى صفته.

و الثاني: أن تضاف إلى الحق الذي هو اللّه سبحانه على معنى دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب، و عن الحسن: الحق هو اللّه و كل دعاء إليه فهو دعوة الحق.

ثم قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني الآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون اللّه: لاََ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْ‏ءٍ مما يطلبونه إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء، و الماء جماد لا يشعر ببسط كفيه و لا بعطشه و حاجته إليه، و لا يقدر أن يجيب دعاءه و يبلغ فاه، فكذلك ما يدعونه جماد، لا يحس بدعائهم و لا يستطيع إجابتهم، و لا يقدر على نفعهم و قيل شبهوا في قلة فائد دعائهم لآلهتهم، بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطها ناشراً أصابعه و لم تصل كفاه إلى ذلك الماء و لم يبلغ مطلوبه من شربه، و قرئ تدعون بالتاء كَبََاسِطِ كَفَّيْهِ بالتنوين، ثم قال: وَ مََا دُعََاءُ اَلْكََافِرِينَ إِلاََّ فِي ضَلاََلٍ أي إلا في ضياع لا منفعة فيه، لأنهم إن دعوا اللّه لم يجبهم و إن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم.

في قوله تعالى وَ لِلََّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ اعلم أن في المراد بهذا السجود قولين:

القول الأول: أن المراد منه السجود بمعنى وضع الجبهة على الأرض، و على هذا الوجه ففيه وجهان:

أحدهما: أن اللفظ و إن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص و هم المؤمنين يسجدون للّه طوعاً بسهولة و نشاط، و من المسلمين من يسجد للّه كرهاً لصعوبة ذلك عليه مع أنه يحمل نفسه على أداء تلك الطاعة شاء أم أبي. و الثاني: أن اللفظ عام و المراد منه أيضاً العام و على هذا ففي الآية إشكال، لأنه ليس كل من في السموات و الأرض يسجد للّه بل الملائكة يسجدون للّه، و المؤمنون من الجن و الإنس يسجدون للّه تعالى، و أما الكافرون فلا يسجدون.

الجواب عنه من وجهين: الأول: أن المراد من قوله: وَ لِلََّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ /أي و يجب على كل من في السموات و الأرض أن يسجد للّه فعبر عن الوجوب بالوقوع و الحصول. و الثاني: و هو أن المراد من السجود التعظيم و الاعتراف بالعبودية، و كل من في السموات و من في الأرض يعترفون بعبودية اللّه تعالى على ما قال: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ* [لقمان: 25].

و أما القول الثاني في تفسير الآية فهو: أن السجود عبارة عن الانقياد و الخضوع و عدم الامتناع و كل من في السموات و الأرض ساجد للّه بهذا المعنى، لأن قدرته و مشيئته نافذة في الكل و تحقيق القول فيه أن ما سواه ممكن لذاته و الممكن لذاته هو الذي تكون ماهيته قابلة للعدم و الوجود على السوية و كل من كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه أو بالعكس، إلا بتأثير موجود و مؤثر فيكون وجود كل ما سوى الحق سبحانه بإيجاده و عدم كل ما سواه بإعدامه، فتأثيره نافذ في جميع الممكنات في طرفي الإيجاد و الإعدام، و ذلك هو السجود

26

و هو التواضع و الخضوع و الانقياد، و نظير هذه الآية قوله: بَلْ لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قََانِتُونَ [البقرة: 116]و قوله: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [آل عمران: 83].

و أما قوله تعالى: طَوْعاً وَ كَرْهاً فالمراد: أن بعض الحوادث مما يميل الطبع إلى حصوله كالحياة و الغنى، و بعضها مما ينفر الطبع عنه كالموت و الفقر و العمى و الحزن و الزمانة و جميع أصناف المكروهات، و الكل حاصل بقضائه و قدره و تكوينه و إيجاده، و لا قدرة لأحد على الامتناع و المدافعة.

ثم قال تعالى: وَ ظِلاََلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ و فيه قولان:

القول الأول: قال المفسرون، كل شخص سواء كان مؤمناً أو كافراً فإن ظله يسجد للّه. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد للّه طوعاً و هو طائع، و ظل الكافر يسجد للّه كرهاً و هو كاره، و قال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير اللّه و ظله يسجد للّه، و عند هذا قال ابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق اللّه تعالى للظلال عقولاً و أفهاماً تسجد بها و تخشع كما جعل اللّه للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيح اللّه تعالى و حتى ظهر أثر التجلي فيها كما قال: فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف: 143].

و القول الثاني: و هو أن المراد من سجود الظلال ميلانها من جانب إلى جانب و طولها بسبب انحطاط الشمس و قصرها بسبب ارتفاع الشمس، فهي منقادة مستسلمة في طولها و قصرها و ميلها من جانب إلى جانب و إنما خصص الغدو و الآصال بالذكر، لأن الظلال إنما تعظم و تكثر في هذين الوقتين.

اعلم أنه تعالى لما بين أن كل من في السموات و الأرض ساجد له بمعنى كونه خاضعاً له، عاد إلى الرد على عبدة الأصنام فقال: قُلْ مَنْ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ قُلِ اَللََّهُ و لما كان هذا الجواب جواباً يقر به المسؤول و يعترف به و لا ينكره أمره صلّى اللّه عليه و سلم أن يكون هو الذاكر لهذا الجواب تنبيهاً على أنهم لا ينكرونه ألبتة و لما بين أنه سبحانه هو الرب لكل الكائنات قال: قل لهم فلم اتخذتهم من دون اللّه أولياء و هي جمادات و هي لا تملك لأنفسها نفعاً و لا ضرًا و لما كانت عاجزة عن تحصيل المنفعة لأنفسها و دفع المضرة عن أنفسها، فبأن تكون عاجزة عن تحصيل المنفعة لغيرها و دفع المضرة عن غيرها كان ذلك أولى، فإذا لم تكن قادرة على ذلك كانت عبادتها محض العبث و السفه، و لما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أن الجاهل بمثل هذه الحجة يكون الأعمى و العالم بها كالبصير، و الجهل بمثل هذه الحجة كالظلمات، و العلم بها كالنور، و كما أن كل أحد يعلم بالضرورة أن الأعمى لا يساوي البصير، و الظلمة لا تساوي النور كذلك كل أحد يعلم بالضرورة أن الجاهل بهذه الحجة لا يساوي العالم بها. قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر و عمرو عن عاصم يستوي الظلمات و النور بالياء، لأنها مقدمة على اسم الجمع و الباقون بالتاء، و اختاره أبو عبيدة ثم أكد هذا البيان فقال: أَمْ جَعَلُوا لِلََّهِ شُرَكََاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشََابَهَ اَلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ يعني هذه الأشياء التي زعموا أنها شركاء للّه ليس لها خلق يشبه خلق اللّه حتى يقولوا إنها تشارك اللّه في الخالقية، فوجب أن تشاركه في الإلهية، بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة أن‏

27

هذه الأصنام لم يصدر عنها فعل البتة، و لا خلق/و لا أثر، و إذا كان الأمر كذلك كان حكمهم بكونها شركاء للّه في الإلهية محض السفه و الجهل. و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن أصحابنا استدلوا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجوه. الأول: أن المعتزلة زعموا أن الحيوانات تخلق حركات و سكنات مثل الحركات و السكنات التي يخلقها اللّه تعالى، و على هذا التقدير فقد جعلوا للّه شركاء خلقوا كخلقه، و معلوم أن اللّه تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الذم و الإنكار. فدلت هذه الآية على أن العبد لا يخلق فعل نفسه. قال القاضي: نحن و إن قلنا: إن العبد يفعل و يحدث، إلا أنا لا نطلق القول بأنه يخلق و لو أطلقناه لم نقل إنه يخلق كخلق اللّه، لأن أحدنا يفعل بقدرة اللّه، و إنما يفعل لجلب منفعة و دفع مضرة، و اللّه تعالى منزه عن ذلك كله، فثبت أن بتقدير كون العبد خالقاً، إلا أنه لا يكون خلقه كخلق اللّه تعالى، و أيضاً فهذا الإلزام لازم للمجبرة، لأنهم يقولون عين ما هو خلق اللّه تعالى فهو كسب العبد و فعل له، و هذا عين الشرك لأن الإله و العبد في خلق تلك الأفعال بمنزلة الشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا و للآخر فيه حق. و أيضاً فهو تعالى إنما ذكر هذا الكلام عيباً للكفار و ذماً لطريقتهم، و لو كان فعل العبد خلقاً للّه تعالى لما بقي لهذا الذم فائدة، لأن للكفار أن يقولوا على هذا التقدير إن اللّه سبحانه و تعالى لما خلق هذا الكفر فينا فلم يذمنا عليه و لا ينسبنا إلى الجهل و التقصير مع أنه قد حصل فينا لا بفعلنا و لا باختيارنا.

و الجواب عن السؤال الأول: أن لفظ الخلق إما أن يكون عبارة عن الإخراج من العدم إلى الوجود، أو يكون عبارة عن التقدير، و على الوجهين فبتقدير أن يكون العبد محدثاً فإنه لا بد و أن يكون حادثاً. أما قوله:

و العبد و إن كان خالقاً إلا أنه ليس خلقه كخلق اللّه.

قلنا: الخلق عبارة عن الإيجاد و التكوين و الإخراج من العدم إلى الوجود، و معلوم أن الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلاً للحركة الواقعة بقدرة اللّه تعالى، كان أحد المخلوقين مثلاً للمخلوق الثاني، و حينئذ يصح أن يقال: إن هذا الذي هو مخلوق العبد مثل لما هو مخلوق للّه تعالى بل لا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات، إلا أن حصول المخالفة في سائر الوجوه لا يقدح في حصول المماثلة من هذا الوجه و هذا القدر يكفي في الاستدلال. و أما قوله هذا لازم على المجبرة حيث قالوا: إن فعل العبد مخلوق للّه تعالى، فنقول هذا غير لازم، لأن هذه الآية دالة على أنه لا يجوز أن يكون خلق العبد مثلا لخلق اللّه تعالى، و نحن لا نثبت للعبد خلقاً ألبتة، فكيف يلزمنا ذلك؟و أما قوله: لو كان فعل العبد خلقاً للّه تعالى، لما حسن ذم الكفار على هذا المذهب.

قلنا: حاصله يرجع إلى أنه لما حصل المدح و الذم وجب أن يكون العبد مستقلاً بالفعل، و هو منقوض، لأنه تعالى ذم أبا لهب على كفره مع أنه عالم منه أنه يموت على الكفر، و قد ذكرنا أن خلاف المعلوم محال الوقوع، فهذا تقرير هذا الوجه في هذه الآية.

و أما الوجه الثاني: في التمسك بهذه الآية قوله: قُلِ اَللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ و لا شك أن فعل العبد شي‏ء فوجب أن يكون خالقه هو اللّه و سؤالهم عليه ما تقدم.

28

و الوجه الثالث: في التمسك بهذه الآية و قوله: وَ هُوَ اَلْوََاحِدُ اَلْقَهََّارُ و ليس يقال فيه أنه تعالى واحد في أي المعاني، و لما كان المذكور السابق هو الخالقية وجب أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية، القهار لكل ما سواه، و حينئذ يكون دليلاً أيضاً على صحة قولنا.

المسألة الثانية: زعم جهم أن اللّه تعالى لا يقع عليه اسم الشي‏ء. اعلم أن هذا النزاع ليس إلا في اللفظ و هو أن هذا الاسم هل يقع عليه أم لا، و زعم أنه لا يقع هذا الاسم على اللّه تعالى و احتج عليه بأنه لو كان شيئاً لوجب كونه خالقاً لنفسه، لقوله تعالى: اَللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ و لما كان ذلك محالاً، وجب أن لا يقع عليه اسم الشي‏ء، و لا يقال: هذا عام دخله التخصيص، لأن العام المخصوص إنما يحسن إذا كان المخصوص أقل من الباقي و أخس منه كما إذا قال: أكلت هذا الرمانة مع أنه سقطت منها حبات ما أكلها، و هاهنا ذات اللّه تعالى أعلى الموجودات و أشرفها، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصاً في حقه؟ و الحجة الثانية: تمسك بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [الشورى: 11]و المعنى: ليس مثل مثله شي‏ء، و معلوم أن كل حقيقة فإنها مثل مثل نفسها، فالباري تعالى مثل مثل نفسه، مع أنه تعالى نبه على أن مثل مثله ليس بشي‏ء، فهذا تنصيص على أنه تعالى غير مسمى باسم الشي‏ء.

و الحجة الثالثة: قوله تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ فَادْعُوهُ بِهََا [الأعراف: 180]دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يدعي اللّه إلا بالأسماء الحسنى، و لفظ الشي‏ء يتناول أخس الموجودات، فلا يكون هذا اللفظ مشعراً بمعنى حسن، فوجب أن لا يكون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى، فوجب أن لا يجوز دعاء اللّه تعالى بهذا اللفظ، و الأصحاب تمسكوا في إطلاق هذا الاسم عليه تعالى بقوله: قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهََادَةً قُلِ اَللََّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ [الأنعام: 19].

و أجاب الخصم عنه: بأن قوله: قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهََادَةً سؤال متروك الجواب، و قوله: قُلِ اَللََّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ [الأنعام: 19].

و أجاب الخصم عنه: بأن قوله: قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهََادَةً سؤال متروك الجواب، و قوله: قُلِ اَللََّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ كلام مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله.

المسألة الثالثة: تمسك المعتزلة بهذه الآية في أنه تعالى عالم لذاته لا بالعلم و قادر لذاته لا بالقدرة.

قالوا: لأنه لو حصل للّه تعالى علم و قدرة و حياة، لكانت هذه الصفات إما أن تحصل بخلق اللّه أو لا بخلقه، و الأول: باطل و إلا لزم التسلسل، و الثاني: باطل لأن قوله: اَللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ يتناول الذات و الصفات حكمنا بدخول التخصيص فيه في حق ذات اللّه تعالى فوجب أن يبقى فيما سوى الذات على الأصل. و هو أن يكون تعالى خالقاً لكل شي‏ء سوى ذاته تعالى، فلو كان للّه علم و قدرة لوجب كونه تعالى خالقاً لهما و هو محال، و أيضاً تمسكوا بهذه الآية في خلق القرآن. قالوا: الآية دالة على أنه تعالى خالق لكل الأشياء، و القرآن ليس هو اللّه تعالى، فوجب أن يكون مخلوقاً و أن يكون داخلاً تحت هذا العموم.

و الجواب: أقصى ما في الباب أن الصيغة عامة، إلا أنا نخصصها في حق صفات اللّه تعالى بسبب الدلائل العقلية.

29

اعلم أنه تعالى لما شبه المؤمن و الكافر و الإيمان و الكفر بالأعمى و البصير و الظلمات و النور ضرب للإيمان و الكفر مثلاً آخر فقال: أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا المسألة الأولى‏ و من حق الماء أن يستقر في الأودية المنخفضة عن الجبال و التلال بمقدار سعة تلك الأودية و صغرها، و من حق الماء إذا زاد على قدر الأودية أن ينبسط على الأرض و من حق الزبد الذي يحتمله الماء فيطفو و يربو عليه أن يتبدد في الأطراف و يبطل، سواء كان ذلك الزبد ما يجري مجرى الغليان من البياض أو ما يحفظ بالماء من الأجسام الخفيفة، و لما ذكر تعالى هذا الزبد الذي لا يظهر إلا عند اشتداد جرى الماء ذكر الزبد الذي لا يظهر إلا بالنار، و ذلك لأن كل واحد من الأجساد السبعة إذا أذيب بالنار لابتغاء حلية أو متاع آخر من الأمتعة التي يحتاج إليها في مصالح البيت، فإنه ينفصل عنها نوع من الزبد و الخبث، و لا ينتفع به بل يضيع و يبطل و يبقى الخالص. فالحاصل: أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد، و ذلك الزبد يبطل و يبقى الماء. و الأجساد السبعة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو لأجل اتخاذ سائر الأمتعة انفصل عنها خبث و زبد فيبطل و يبقى ذلك الجوهر المنتفع به، فكذا هاهنا أنزل من سماء الكبرياء و الجلالة و الإحسان ماء و هو القرآن، و الأودية قلوب العباد و شبه القلوب بالأودية، لأن القلوب تستقر فيها أنوار علوم القرآن، كما أن الأودية تستقر فيها المياه النازلة من السماء، و كما أن كل واحد فإنما يحصل فيه من مياه الأمطار ما يليق بسعته أو ضيقه، فكذا هاهنا كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علوم القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته و خبثه و قوة فهمه و قصور فهمه، و كما أن الماء يعلوه زبد الأجساد السبعة المذابة يخالطها خبث، ثم إن ذلك الزبد و الخبث يذهب و يضيع و يبقى جوهر الماء و جوهر الأجساد السبعة، كذا هاهنا بيانات القرآن تختلط بها شكوك و شبهات، ثم إنها بالآخرة تزول و تضيع و يبقى العلم و الدين و الحكمة و المكاشفة في العاقبة، فهذا هو تقرير هذا المثل و وجه انطباق المثل على الممثل به، و أكثر المفسرين سكتوا عن بيان كيفية التمثيل و التشبيه.

المسألة الثانية: في المباحث اللفظية التي في هذه الآية في لفظ الأودية أبحاث:

البحث الأول: الأودية جمع واد و في الوادي قولان:

القول الأول: أنه عبارة عن الفضاء المنخفض عن الجبال و التلال الذي يجري فيه السيل، هذا قول عامة أهل اللغة.

و القول الثاني: قال السهروردي يسمى الماء وادياً إذا سال قال: و منه سمي الودي ودياً لخروجه و سيلانه، و على هذا القول فالوادي اسم للماء السائل كالمسيل. و الأول هو القول المشهور إلا أن على هذا التقدير يكون قوله: فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ مجازاً فكان التقدير: سالت مياه الأودية إلا أنه حذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه.

30

البحث الثاني: قال أبو علي الفارسي رحمه اللّه: الأودية جمع واد و لا نعلم فاعلاً جمع على أفعلة قال:

و يشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل و فعيل على الشي‏ء الواحد كعالم و عليم، و شاهد و شهيد، و ناصر و نصير، ثم إن وزن فاعل يجمع على أفعال كصاحب و أصحاب، و طائر و أطيار، و وزن فعيل يجمع على أفعلة، كجريب و أجربة ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل و فعيل لا جرم يجمع الفاعل جمع الفعيل. فيقال: واد و أودية و يجمع الفعيل على جمع الفاعل فيقال: يتيم و أيتام و شريف و أشراف هذا ما قاله أبو علي الفارسي رحمه اللّه. و قال غيره: نظير واد و أودية، ناد و أندية للمجالس.

البحث الثالث: إنما ذكر لفظ أودية على سبيل التنكير، لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فتسيل بعض أودية الأرض دون بعض. أما قوله تعالى: بِقَدَرِهََا ففيه بحثان:

البحث الأول: قال الواحدي: القدر و القدر مبلغ الشي‏ء يقال كم قدر هذه الدراهم و كم قدرها و مقدارها؟ أي كم تبلغ في الوزن، فما يكون مساوياً لها في الوزن فهو قدرها.

البحث الثاني: فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا أي من الماء فإن صغر الوادي قل الماء، و إن اتسع الوادي كثر الماء.

أما قوله: فَاحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَداً رََابِياً ففيه بحثان:

البحث الأول: قال الفراء: يقال أزبد الوادي إزباداً، و الزبد الاسم، و قوله: رََابِياً قال الزجاج: طافياً عالياً فوق الماء. و قال غيره: زائداً بسبب انتفاخه، يقال: ربا يربو إذا زاد.

أما قوله تعالى: وَ مِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنََّارِ اِبْتِغََاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتََاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ فاعلم أنه تعالى لما ضرب المثل بالزبد الحاصل من الماء، أتبعه بضرب المثل بالزبد الحاصل من النار، و فيه مباحث:

البحث الأول: قرأ حمزة و الكسائي و حفص عن عاصم يُوقِدُونَ بالياء، و اختاره أبو عبيدة لقوله:

يَنْفَعُ اَلنََّاسَ و أيضاً فليس هاهنا مخاطب. و الباقون بالتاء على الخطاب، و على هذا التقدير ففيه و جهان.

الأول: أنه خطاب للمذكورين في قوله: قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ [الرعد: 16]و الثاني: أنه يجوز أن يكون خطاباً عاماً يراد به الكافة، كأنه قال: و مما توقدون عليه في النار أيها الموقدون.

البحث الثاني: الإيقاد على الشي‏ء على قسمين: أحدهما: أن لا يكون ذلك الشي‏ء في النار، /و هو كقوله تعالى‏ فَأَوْقِدْ لِي يََا هََامََانُ عَلَى اَلطِّينِ [القصص: 38]و الثاني: أن يوقد على الشي‏ء و يكون ذلك الشي‏ء في النار فإن من أراد تذويب الأجساد السبعة جعلها في النار، فلهذا السبب قال هاهنا: وَ مِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنََّارِ .

البحث الثالث: في قوله: اِبْتِغََاءَ حِلْيَةٍ قال أهل المعاني: الذي يوقد عليه لابتغاء حلية الذهب و الفضة، و الذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة الحديد و النحاس و الرصاص، و الأسرب يتخذ منها الأواني و الأشياء التي ينتفع بها، و المتاع كل ما يتمتع به و قوله: زَبَدٌ مِثْلُهُ أي زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل.

ثم قال تعالى: كَذََلِكَ يَضْرِبُ اَللََّهُ اَلْحَقَّ وَ اَلْبََاطِلَ و المعنى كذلك يضرب اللّه الأمثال للحق و الباطل.

31

ثم قال: فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفََاءً وَ أَمََّا مََا يَنْفَعُ اَلنََّاسَ قال الفراء: الجفاء الرمي و الاطراح يقال: جفا الوادي غثاءه يجفوه جفاء إذا رماه، و الجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض و موضع جفاء نصب على الحال، و المعنى: أن الزبد قد يعلو على وجه الماء و يربو و ينتفخ إلا أنه بالآخرة يضمحل و يبقى الجوهر الصافي من الماء و من الأجساد السبعة، فكذلك الشبهات و الخيالات قد تقوى و تعظم إلا أنها بالآخرة تبطل و تضمحل و تزول و يبقى الحق ظاهراً لا يشوبه شي‏ء من الشبهات، و في قراءة رؤبة بن العجاج جفالاً، و عن أبي حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار.

أما قوله تعالى: لِلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِرَبِّهِمُ اَلْحُسْنى‏ََ ففيه وجهان: الأول: أنه تم الكلام عند قوله: كَذََلِكَ يَضْرِبُ اَللََّهُ اَلْأَمْثََالَ ثم استأنف الكلام بقوله: لِلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِرَبِّهِمُ اَلْحُسْنى‏ََ و محله الرفع بالابتداء و للذين خبره و تقديره لهم الخصلة الحسنى و الحالة الحسنى. الثاني: أنه متصل بما قبله و التقدير: كأنه قال الذي يبقى هو مثل المستجيب و الذي يذهب جفاء مثل من لا يستجيب ثم بين الوجه في كونه مثلاً و هو أنه لمن يستجيب الحسنى و هو الجنة، و لمن لا يستجيب أنواع الحسرة و العقوبة، و فيه وجه آخر و هو أن يكون التقدير: كذلك يضرب اللّه الأمثال للذين استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى، فيكون الحسنى صفة لمصدر محذوف.

و اعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أحوال السعداء و أحوال الأشقياء، أما أحوال السعداء فهي قوله: لِلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِرَبِّهِمُ اَلْحُسْنى‏ََ و المعنى أن الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد و العدل و النبوة و بعث الرسل و التزام الشرائع الواردة على لسان رسوله فلهم الحسنى. قال ابن عباس: الجنة، و قال أهل المعاني: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن، و هي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة/الدائمة الخالية عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم و الإجلال. و لم يذكر الزيادة هاهنا لأنه تعالى قد ذكرها في سورة أخرى، و هو قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنى‏ََ وَ زِيََادَةٌ [يونس: 26] و أما أحوال الأشقياء، فهي قوله: وَ اَلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ فلهم أنواع أربعة من العذاب و العقوبة.

فالنوع الأول: قوله: لَوْ أَنَّ لَهُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ و الافتداء جعل أحد الشيئين بدلاً من الآخر، و مفعول لافتدوا به محذوف تقديره: لافتدوا به أنفسهم أي جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، و الكناية في «به» عائدة إلى «ما» في قوله: مََا فِي اَلْأَرْضِ .

و اعلم أن هذا المعنى حق، لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته، و كل ما سواه فإنما يحبه لكونه وسيلة إلى مصالح ذاته، فإذا كانت النفس في الضرر و الألم و التعب و كان مالكاً لما يساوي عالم الأجساد و الأرواح فإنه يرضى بأن يجعله فداء لنفسه، لأن المحبوب بالعرض لا بد و أن يكون فداء لما يكون محبوباً بالذات.

و النوع الثاني: من أنواع العذاب الذي أعده اللّه لهم هو قوله: أُولََئِكَ لَهُمْ سُوءُ اَلْحِسََابِ قال الزجاج:

ذاك لأن كفرهم أحبط أعمالهم. و أقول هاهنا حالتان: فكل ما شغلك باللّه و عبوديته و محبته فهي الحالة السعيدة الشريفة العلوية القدسية، و كل ما شغلك بغير اللّه فهي الحالة الضارة المؤذية الخسيسة، و لا شك أن هاتين الحالتين يقبلان الأشد و الأضعف و الأقل و الأزيد، و لا شك أن المواظبة على الأعمال المناسبة لهذه الأحوال توجب قوتها و رسوخها لما ثبت في المعقولات أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة، و لا شك أنه‏

32

لما كانت كثرة الأفعال توجب حصول تلك الملكات الراسخة و كل واحدة من تلك الأفعال حتى اللمحة و اللحظة و الخطور بالبال و الالتفات الضعيف فإنه يوجب أثراً ما في حصول تلك الحالة في النفس فهذا هو الحساب، و عند التأمل في هذه الفصول يتبين للإنسان صدق قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏`وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7، 8].

إذا ثبت هذا فالسعداء هم الذين استجابوا لربهم في الإعراض عما سوى اللّه و في الإقبال بالكلية على عبودية اللّه تعالى و لا جرم حصل لهم الحسنى.

و أما الأشقياء فهم الذين لم يستجيبوا لربهم، فلهذا السبب وجب أن يحصل لهم سوء الحساب، و المراد بسوء الحساب أنهم أحبوا الدنيا و أعرضوا عن المولى فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا و بقوا محرومين عن الفوز بخدمة حضرة المولى.

و النوع الثالث: قوله تعالى: وَ مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ و ذلك لأنهم كانوا غافلين عن الاستسعاد/بخدمة حضرة المولى عاكفين على لذات الدنيا، فإذا ماتوا فارقوا معشوقهم فيحترقون على مفارقتها و ليس عندهم شي‏ء آخر يجبر هذه المصيبة، فلذلك قال: مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى فقال: وَ بِئْسَ اَلْمِهََادُ و لا شك أن الأمر كذلك.

ثم قال تعالى: أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ اَلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى‏ََ فهذا إشارة إلى المثل المتقدم ذكره و هو أن العالم بالشي‏ء كالبصير، و الجاهل به كالأعمى، و ليس أحدهما كالآخر، لأن الأعمى إذا أخذ يمشي من غير قائد، فالظاهر أنه يقع في البئر و في المهالك، و ربما أفسد ما كان على طريقه من الأمتعة النافعة، أما البصير فإنه يكون آمناً من الهلاك و الإهلاك.

ثم قال: إِنَّمََا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ و المراد أنه لا ينتفع بهذه الأمثلة إلا أرباب الألباب الذين يطلبون من كل صورة معناها، و يأخذون من كل قشرة لبابها و يعبرون بظاهر كل حديث إلى سره و لبابه.

اعلم أن هذه الآية هل هي متعلقة بما قبلها أم لا؟ فيه قولان:

القول الأول: إنها متعلقة بما قبلها و على هذا التقدير ففيه و جهان: الأول: أنه يجوز أن يكون قوله:

اَلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اَللََّهِ صفة لأولى الألباب. و الثاني: أن يكون ذلك صفة لقوله: أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ اَلْحَقُّ [الرعد: 19]. ـ

33

و القول الثاني: أن يكون قوله: اَلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اَللََّهِ مبتدأ: و أُولََئِكَ لَهُمْ عُقْبَى اَلدََّارِ خبره كقوله:

وَ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللََّهِ ... أُولََئِكَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ [الرعد: 25] و اعلم أن هذه الآية من أولها إلى آخرها جملة واحدة شرط و جزاء، و شرطها مشتمل على قيود، و جزاؤها يشتمل أيضا على قيود. أما القيود المعتبرة في الشرط فهي تسعة:

القيد الأول: قوله: اَلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اَللََّهِ و فيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: يريد الذي عاهدهم عليه حين كانوا في صلب آدم و أشهدهم على أنفسهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ [الأعراف: 172]. و الثاني:

أن المراد بعهد اللّه كل أمر قام الدليل على صحته و هو من وجهين: أحدهما: الأشياء التي أقام اللّه عليها دلائل عقلية قاطعة لا تقبل النسخ و التغيير. و الآخر: التي أقام اللّه عليها الدلائل السمعية و بين لهم تلك الأحكام، و الحاصل أنه دخل تحت قوله: يُوفُونَ بِعَهْدِ اَللََّهِ كل ما قام الدليل عليه. و يصح إطلاق لفظ العهد على الحجة بل الحق أنه لا عهد أوكد من الحجة و الدلالة على ذلك أن من حلف على الشي‏ء فإنما يلزمه الوفاء به، إذا ثبت بالدليل وجوبه لا بمجرد اليمين و لذلك ربما يلزمه أن يحدث نفسه إذا كان ذلك خيرا له فلا عهد أوكد من إلزام اللّه تعالى إياه ذلك بدليل العقل أو بدليل السمع. و لا يكون العبد موفيا للعهد إلا بأن يأتي بكل تلك الأشياء كما أن الحالف على أشياء كثيرة لا يكون بارا في يمينه إلا إذا فعل الكل، و يدخل فيه الإتيان بجميع المأمورات و الانتهاء عن كل المنهيات و يدخل فيه الوفاء بالعقود في المعاملات، و يدخل فيه أداء الأمانات، و هذا القول هو المختار الصحيح في تأويل الآية.

القيد الثاني: قوله: وَ لاََ يَنْقُضُونَ اَلْمِيثََاقَ و فيه أقوال:

القول الأول: و هو قول الأكثرين إن هذا الكلام قريب من الوفاء بالعهد، فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق و العهد، و هذا مثل أن يقول: إنه لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه، فهذان المفهومان متغايران إلا أنهما متلازمان فكذلك الوفاء بالعهد يلزمه أن لا ينقض الميثاق.

و اعلم أن الوفاء بالعهد من أجل مراتب السعادة.

قال عليه السلام: «لا إيمان لمن لا أمانة له و لا دين لمن عهد له»

و الآيات الواردة في هذا الباب كثيرة في القرآن.

و القول الثاني: أن الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه، فالحاصل: أن قوله: اَلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اَللََّهِ إشارة إلى ما كلف اللّه العبد به ابتداء. و قوله: وَ لاََ يَنْقُضُونَ اَلْمِيثََاقَ إشارة إلى ما التزمه العبد من أنواع الطاعات بحسب اختياره نفسه كالنذر بالطاعات و الخيرات.

و القول الثالث: أن المراد بالوفاء بالعهد: عهد الربوبية و العبودية، و المراد بالميثاق: المواثيق المذكورة في التوراة و الإنجيل و سائر الكتب الإلهية على وجوب الإيمان بنبوة محمد صلّى اللّه عليه و سلم عند ظهوره.

و اعلم أن الوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول و الشرائع،

قال عليه السلام: «من عاهد اللّه فغدر، كانت فيه خصلة من النفاق»

و

عنه عليه السلام: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيام و من كنت خصمه خصمته رجل أعطى عهدا ثم غدر، و رجل استأجر أجيرا استوفى عمله و ظلمه أجره، و رجل باع حرا فاسترق الحر و أكل ثمنه»

و

قيل: كان بين معاوية و ملك الروم عهد فأراد أن يذهب إليهم و ينقض العهد فإذا رجل على فرس يقول: وفاء بالعهد لا

34

غدر. سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: «من كان بينه و بين قوم عهد فلا ينبذن إليهم عهده و لا يحلها حتى ينقضي الأمد و ينبذ إليهم على سواء» قال من هذا؟قالوا: عمرو بن عيينة فرجع معاوية.

القيد الثالث: وَ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ و هاهنا سؤال: و هو أن الوفاء بالعهد و ترك نقض الميثاق اشتمل على وجوب الإتيان بجميع المأمورات و الاحتراز عن كل المنهيات فما الفائدة في ذكر هذه القيود المذكورة بعدهما؟ و الجواب من وجهين: الأول: أنه ذكر لئلا يظن ظان أن ذلك فيما بينه و بين اللّه تعالى فلا جرم أفرد ما بينه و بين العباد بالذكر. و الثاني: أنه تأكيد.

إذا عرفت هذا فنقول: ذكروا في تفسيره وجوها: الأول: أن المراد منه صلة الرحم قال عليه السلام:

«ثلاث يأتين يوم القيامة لها ذلق الرحم تقول: أي رب قطعت، و الأمانة تقول: أي رب تركت، و النعمة تقول:

أي رب كفرت» .

و القول الثاني: أن المراد صلة محمد صلّى اللّه عليه و سلم و مؤازرته و نصرته في الجهاد.

و القول الثالث: رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد، فيدخل فيه صلة الرحم و صلة القرابة الثابتة بسبب أخوة الإيمان كما قال: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]و يدخل في هذه الصلة امدادهم بإيصال الخيرات و دفع الآفات بقدر الإمكان و عيادة المريض و شهود الجنائز و إفشاء السلام على الناس و التبسم في وجوههم و كف الأذى عنهم و يدخل فيه كل حيوان حتى الهرة و الدجاجة، و عن/الفضيل بن عياض رحمه اللّه أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟قالوا: من خراسان. فقال: اتقوا اللّه و كونوا من حيث شئتم، و اعلموا أن العبد لو أحسن كل الإحسان و كان له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين، و أقول حاصل الكلام: أن قوله: اَلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اَللََّهِ وَ لاََ يَنْقُضُونَ اَلْمِيثََاقَ إشارة إلى التعظيم لأمر اللّه و قوله: وَ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إشارة إلى الشفقة على خلق اللّه.

القيد الرابع: قوله: وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ و المعنى: أنه و إن أتى بكل ما قدر عليه في تعظيم أمر اللّه، و في الشفقة على خلق اللّه إلا أنه لا بد و أن تكون الخشية من اللّه و الخوف منه مستوليا على قلبه و هذه الخشية نوعان:

أحدهما: أن يكون خائفا من أن يقع زيادة أو نقصان أو خلل في عباداته و طاعاته، بحيث يوجب فساد العبادة أو يوجب نقصان ثوابها. و الثاني: و هو خوف الجلال و ذلك لأن العبد إذا حضر عند السلطان المهيب القاهر فإنه و إن كان في غير طاعته إلا أنه لا يزول عن قلبه مهابة الجلالة و الرفعة و العظمة.

القيد الخامس: قوله: وَ يَخََافُونَ سُوءَ اَلْحِسََابِ اعلم أن القيد الرابع إشارة إلى الخشية من اللّه و هذا القيد الخامس إشارة إلى الخوف و الخشية و سوء الحساب، و هذا يدل على أن المراد من الخشية من اللّه ما ذكرناه من خوف الجلال و المهابة و العظمة و إلا لزم التكرار.

القيد السادس: قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ صَبَرُوا اِبْتِغََاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ فيدخل فيه الصبر على فعل العبادات و الصبر على ثقل الأمراض و المضار، و الغموم و الأحزان، و الصبر على ترك المشتهيات و بالجملة الصبر على ترك المعاصي و على أداء الطاعات. ثم إن الإنسان قد يقدم على الصبر لوجوه: أحدها: أن يصبر ليقال ما أكمل‏

35

صبره و أشد قوته على تحمل النوازل. و ثانيها: أن يصبر لئلا يعاب بسبب الجزع. و ثالثها: أن يصبر لئلا تحصل شماتة الأعداء. و رابعها: أن يصبر لعلمه بأن لا فائدة في الجزع فالإنسان إذا أتى بالصبر لأحد هذه الوجوه لم يكن ذلك داخلا في كمال النفس و سعادة القلب، أما إذا صبر على البلاء لعلمه بأن ذلك البلاء قسمة حكم بها القسام العلام المنزه عن العيب و الباطل و السفه، بل لا بد أن تكون تلك القسمة مشتملة على حكمة بالغة و مصلحة راجحة و رضي بذلك، لأنه تصرف المالك في ملكه و لا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملكه أو يصبر لأنه صار مستغرقا في مشاهدة المبلى فكان استغراقه في تجلي نور المبلى أذهله على التألم بالبلاء و هذا أعلى مقامات الصديقين، فهذه الوجوه الثلاثة هي التي يصدق عليها أنه صبر ابتغاء وجه ربه و معناه أنه صبر لمجرد ثوابه، و طلب رضا اللّه تعالى.

و اعلم أن قوله: اِبْتِغََاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ فيه دقيقة، و هي أن العاشق إذا ضربه معشوقه، فربما نظر العاشق لذلك الضارب و فرح به فقوله: اِبْتِغََاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ محمول على هذا المجاز، يعني كما أن العاشق يرضى بذلك الضرب لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه، فكذلك العبد يصبر على البلاء و المحنة، و يرضى به لاستغراقه في معرفة نور الحق و هذه دقيقة لطيفة.

القيد السابع: قوله: وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ .

و اعلم أن الصلاة و الزكاة و إن كانتا داخلتين في الجملة الأولى إلا أنه تعالى أفردها بالذكر تنبيها على كونها أشرف من سائر العبادات و قد سبق في هذا الكتاب تفسير إقامة الصلاة و لا يمتنع إدخال النوافل فيه أيضا.

القيد الثامن: قوله تعالى: وَ أَنْفَقُوا مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ سِرًّا وَ عَلاََنِيَةً و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال الحسن: المراد الزكاة المفروضة فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أداؤها سرا و إن اتهم بترك الزكاة فالأولى أداؤها في العلانية. و قيل السر ما يؤديه بنفسه و العلانية ما يؤديه إلى الأمام، و قال آخرون: بل المراد الزكاة الواجبة و الصدقة التي يؤتى بها على صفة التطوع فقوله: سِرًّا يرجع إلى التطوع و قوله: عَلاََنِيَةً يرجع إلى الزكاة الواجبة.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة إنه تعالى رغب في الانفاق من كل ما كان رزقا، و ذلك يدل على أنه لا رزق إلا الحلال إذ لو كان الحرام رزقا لكان قد رغب تعالى في إنفاق الحرام و أنه لا يجوز.

القيد التاسع: قوله: وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ اَلسَّيِّئَةَ و فيه وجهان: الأول: أنهم إذا أتوا بمعصية درؤوها و دفعوها بالتوبة كما

روي أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال لمعاذ بن جبل: «إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها» .

و الثاني: أن المراد أنهم لا يقابلون الشر بالشر بل يقابلون الشر بالخير كما قال تعالى: وَ إِذََا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرََاماً [الفرقان: 72]و عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ليس الوصول من وصل ثم وصل تلك المجازاة لكنه من قطع ثم وصل و عطف على من لم يصله، و ليس الحليم من ظلم ثم حلم حتى إذا هيجه قوم اهتاج، لكن الحليم من قدر ثم عفا. و عن الحسن: هم الذين إذا حرموا أعطوا و إذا ظلموا عفوا، و يروى أن شقيق بن إبراهيم البلخي دخل على عبد اللّه بن المبارك متنكرا، فقال من أين أنت؟فقال: من بلخ، فقال: و هل تعرف شقيقا قال نعم، فقال: كيف طريقة أصحابه؟فقال: إذا منعوا صبروا و إن أعطوا شكروا، فقال عبد اللّه: طريقة كلابنا

36

هكذا. فقال: و كيف ينبغي أن يكون فقال الكاملون: هم الذين إذا منعوا شكروا و إذا أعطوا آثروا.

و اعلم أن جملة هذه القيود التسعة هي القيود المذكورة في الشرط. أما القيود المذكورة في الجزاء فهي أربعة:

القيد الأول: قوله: أُولََئِكَ لَهُمْ عُقْبَى اَلدََّارِ أي عاقبة الدار و هي الجنة، لأنها هي التي أراد اللّه أن تكون عاقبة الدنيا و مرجع أهلها. قال الواحدي: العقبى كالعاقبة، و يجوز أن تكون مصدرا كالشورى و القربى و الرجعى، و قد يجي‏ء مثل هذا أيضا على فعلى كالنجوى و الدعوى، و على فعلى كالذكرى و الضيزى، و يجوز أن يكون اسما و هو هاهنا مصدر مضاف إلى الفاعل، و المعنى: أولئك لهم أن تعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.

القيد الثاني: قوله: جَنََّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهََا و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال الزجاج: جنات عدن بدل من عقبى و الكلام في جنات عدن ذكرناه مستقصى عند قوله تعالى: وَ مَسََاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنََّاتِ عَدْنٍ* [التوبة: 72]و ذكرنا هناك مذهب المفسرين، و مذهب أهل اللغة.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير و أبو عمرو يدخلونها بضم الياء و فتح الخاء على ما لم يسم فاعله و الباقون بفتح الياء و ضم الخاء على إسناد الدخول إليهم.

القيد الثالث: وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبََائِهِمْ وَ أَزْوََاجِهِمْ وَ ذُرِّيََّاتِهِمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن علية (صلح) بضم اللام قال صاحب الكشاف: و الفتح أفصح.

المسألة الثانية: قال الزجاج: موضع من رفع لأجل العطف على الواو في قوله يَدْخُلُونَهََا و يجوز أن يكون نصبا كما تقول قد دخلوا و زيدا أي مع زيد.

المسألة الثالثة: في قوله: وَ مَنْ صَلَحَ قولان: الأول: قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به و إن لم يعمل مثل أعمالهم و قال الزجاج: بين تعالى أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة بل الآباء و الأزواج و الذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة. قال الواحدي: و الصحيح ما قال ابن عباس، لأن اللّه تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة و ذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة، و لو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع و لا فائدة في الوعد به، إذ كل من كان مصلحا في عمله فهو يدخل الجنة.

و اعلم أن هذه الحجة ضعيفة، لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سرورا و بهجة فإذا بشر اللّه المكلف بأنه إذا دخل الجنة فإنه يحضر معه آباؤه و أزواجه و أولاده فلا شك أنه يعظم سرور المكلف بذلك و تقوى بهجته به، و يقال: إن من أعظم موجبات سروره هم أن يجتمعوا فيتذكروا/أحوالهم في الدنيا ثم يشكرون اللّه على الخلاص منها و الفوز بالجنة و لذلك قال تعالى في صفة أهل الجنة إنهم يقولون: يََا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ*`بِمََا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ [يس: 26، 27].

المسألة الرابعة: قوله: وَ أَزْوََاجِهِمْ ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة و زوجة، و لعل الأولى من‏

37

مات عنها أو ماتت عنه، و ما روي عن سودة أنه لما هم الرسول صلّى اللّه عليه و سلم بطلاقها قالت: دعني يا رسول اللّه أحشر في زمرة نسائك، كالدليل على ما ذكرناه.

القيد الرابع: قوله: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ‏`سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ بِمََا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدََّارِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوفة طولها فرسخ و عرضها فرسخ لها ألف باب مصاريعها من ذهب يدخلون عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم: سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ بِمََا صَبَرْتُمْ على أمر اللّه.

و قال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبواب البر كباب الصلاة و باب الزكاة و باب الصبر و يقولون: و نعم ما أعقبكم اللّه بعد الدار الأولى.

و اعلم أن دخول الملائكة إن حملناه على الوجه الأول فهو مرتبة عظيمة، و ذلك لأن اللّه تعالى أخبر عن هؤلاء المطيعين أنهم يدخلون جنة الخلد، و يجتمعون بآبائهم و أزواجهم و ذرياتهم على أحسن وجه، ثم إن الملائكة مع جلالة مراتبهم يدخلون عليهم لأجل التحية و الإكرام عند الدخول عليهم يكرمونهم بالتحية و السلام و يبشرونهم بقوله: فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدََّارِ و لا شك أن هذا غير ما يذكره المتكلمون من أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال و التعظيم، و

عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه كان يأتي قبور الشهداء رأس كل حول فيقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار»

و الخلفاء الأربعة هكذا كانوا يفعلون، و أما إن حملناه على الوجه الثاني فتفسير الآية أن الملائكة طوائف، منهم روحانيون و منهم كروبيون. فالعبد إذا راض نفسه بأنواع الراضيات كالصبر و الشكر و المراقبة و المحاسبة، و لكل مرتبة من هذه المراتب جوهر قدسي و روح علوي يختص بتلك الصفة مزيد اختصاص، فعند الموت إذا أشرقت تلك الجواهر القدسية تجلت فيها من كل روح من الأرواح السماوية ما يناسبها من الصفة المخصوصة بها فيفيض عليها من ملائكة الصبر كمالات مخصوصة نفسانية لا تظهر إلا في مقام الصبر، و من ملائكة الشكر كمالات روحانية لا تتجلى إلا في مقام الشكر و هكذا القول في جميع المراتب.

المسألة الثانية: تمسك بعضهم بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر فقال: إنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية و الإكرام و التعظيم فكانوا به أجل/مرتبة من البشر و لو كانوا أقل مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم لأجل السلام و التحية موجبا علو درجاتهم و شرف مراتبهم، ألا ترى أن من عاد من سفره إلى بيته فإذا قيل في معرض كمال مرتبته أنه يزوره الأمير و الوزير و القاضي و المفتي، فهذا يدل على أن درجة ذلك المزور أقل و أدنى من درجات الزائرين فكذلك هاهنا.

المسألة الثالثة: قال الزجاج: هاهنا محذوف تقديره الملائكة يدخلون عليهم من كل باب و يقولون سلام عليكم فأضمر القول هاهنا لأن في الكلام دليلا عليه، و أما قوله: بِمََا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدََّارِ ففيه و جهان:

أحدهما: أنه متعلق بالسلام. و المعنى أنه إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات، و ترك المحرمات. و الثاني: أنه متعلق بمحذوف، و التقدير: أن هذه الكرامات التي ترونها، و هذه الخيرات التي تشاهدونها إنما حصلت بواسطة ذلك الصبر.

38

اعلم أنه تعالى لما ذكر صفات السعداء و ذكر ما ترتب عليها من الأحوال الشريفة العالية أتبعها بذكر حال الأشقياء، و ذكر ما يترتب عليها من الأحوال المخزية المكروهة، و أتبع الوعد و بالوعيد و الثواب بالعقاب، ليكون البيان كاملا فقال: وَ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللََّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ و قد بينا أن عهد اللّه ما ألزم عباده بواسطة الدلائل العقلية و السمعية لأنها أوكد من كل عهد و كل يمين إذ الأيمان إنما تفيد التوكيد بواسطة الدلائل الدالة على أنها توجب الوفاء بمقتضاها، و المراد من نقض هذه العهود أن لا ينظر المرء في الأدلة أصلا، فحينئذ لا يمكنه العمل بموجبها أو بأن ينظر فيها و يعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعمله أو بأن ينظر في الشبهة فيعتقد خلاف الحق و المراد من قوله: مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ أي من بعد أن وثق اللّه تلك الأدلة و أحكمها، لأنه لا شي‏ء أقوى مما دل اللّه على وجوبه في أن ينفع فعله و يضر تركه.

فإن قيل: إذا كان العهد لا يكون إلا مع الميثاق فما فائدة اشتراطه تعالى بقوله: مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ .

قلنا: لا يمتنع أن يكون المراد بالعهد هو ما كلف اللّه العبد، و المراد بالميثاق الأدلة المؤكدة/لأنه تعالى قد يؤكد إليك العهد بدلائل أخرى سواء كانت تلك المؤكدة دلائل عقلية أو سمعية.

ثم قال تعالى: وَ يَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ و ذلك في مقابلة قوله: وَ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: 21]فجعل من صفات هؤلاء القطع بالضد من ذلك الوصل، و المراد به قطع كل ما أوجب اللّه وصله و يدخل فيه وصل الرسول بالموالاة و المعاونة و وصل المؤمنين، و وصل الأرحام، و وصل سائر من له حق، ثم قال: وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ و ذلك الفساد هو الدعاء إلى غير دين اللّه و قد يكون بالظلم في النفوس و الأموال و تخريب البلاد، ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الصفات قال: أُولََئِكَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ و اللعنة من اللّه الإبعاد من خيري الدنيا و الآخرة إلى ضدهما من عذاب و نقمة: وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدََّارِ لأن المراد جهنم، و ليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها.

اعلم أنه تعالى لما حكم على من نقض عهد اللّه في قبول التوحيد و النبوة بأنهم ملعونون في الدنيا و معذبون في الآخرة فكأنه قيل: لو كانوا أعداء اللّه لما فتح اللّه عليهم أبواب النعم و اللذات في الدنيا، فأجاب اللّه تعالى عنه بهذه الآية و هو أنه يبسط الرزق على البعض و يضيقه على البعض و لا تعلق له بالكفر و الإيمان، فقد يوجد الكافر موسعا عليه دون المؤمن، و يوجد المؤمن مضيقا عليه دون الكافر، فالدنيا دار امتحان. قال الواحدي: معنى القدر في اللغة قطع الشي‏ء على مساواة غيره من غير زيادة و لا نقصان. و قال المفسرون: معنى (يقدر) هاهنا يضيق، و مثله قوله تعالى: وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق: 7]أي ضيق، و معناه: أنه يعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شي‏ء.

و أما قوله: وَ فَرِحُوا بِالْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا فهو راجع إلى من بسط اللّه له رزقه، و بين تعالى أن ذلك لا يوجب‏

39

اعلم أن الكفار قالوا: يا محمد إن كنت رسولا فأتنا بآية و معجزة قاهرة ظاهرة مثل معجزات موسى و عيسى عليهما السلام.

فأجاب عن هذا السؤال بقوله: قُلْ إِنَّ اَللََّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنََابَ و بيان كيفية هذا الجواب من وجوه: أحدها: كأنه تعالى يقول: إن اللّه أنزل عليه آيات ظاهرة و معجزات قاهرة، و لكن الإضلال و الهداية من اللّه، فأضلكم عن تلك الآيات القاهرة الباهرة، و هدى أقواما آخرين إليها، حتى عرفوا بها صدق محمد صلّى اللّه عليه و سلم في دعوى النبوة، و إذا كان كذلك فلا فائدة في تكثير الآيات و المعجزات. و ثانيها: أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم و ذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي ظهرت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كانت أكثر من أن تصير مشتبهة على العاقل، فلما طلبوا بعدها آيات أخرى كان موضعا للتعجب و الاستنكار، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم إِنَّ اَللََّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ من كان على صفتكم من التصميم و شدة الشكيمة على الكفر فلا سبيل إلى اهتدائكم و إن أنزلت كل آية وَ يَهْدِي من كان على خلاف صفتكم. و ثالثها: أنهم لما طلبوا سائر الآيات و المعجزات فكأنه قيل لهم لا فائدة في ظهور الآيات و المعجزات، فإن الإضلال و الهداية من اللّه فلو حصلت الآيات الكثيرة و لم تحصل الهداية فإنه لم يحصل الانتفاع بها و لو حصلت آية واحدة فقط و حصلت الهداية من اللّه فإنه يحصل الانتفاع بها فلا تشتغلوا بطلب الآيات و لكن تضرعوا إلى اللّه في طلب الهدايات. و رابعها: قال أبو على الجبائي: المعنى إن اللّه يضل من يشاء عن رحمته و ثوابه عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه اللّه تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم العذاب و الإضلال عن الثواب: وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنََابَ أي يهدي إلى جنته من تاب و آمن قال و هذا يبين أن الهدى هو الثواب من حيث أنه عقبه بقوله: مَنْ أَنََابَ أي تاب/و الهدى الذي يفعله بالمؤمن هو الثواب، لأنه يستحقه على إيمانه، و ذلك يدل على أنه تعالى إنما يضل عن الثواب بالعقاب، لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا. هذا تمام كلام أبي علي و قوله: (أناب) أي أقبل إلى الحق و حقيقته دخل في نوبة الخير.

في قوله تعالى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اَللََّهِ اعلم أن قوله: اَلَّذِينَ آمَنُوا بدل من قوله: مَنْ أَنََابَ قال ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم و اطمأنت.

فإن قيل: أليس أنه تعالى قال في سورة الأنفال: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: 2]و الوجل ضد الاطمئنان، فكيف وصفهم هاهنا بالاطمئنان؟ و الجواب من وجوه: الأول: أنهم إذا ذكروا العقوبات و لم يأمنوا من أن يقدموا على المعاصي فهناك وصفهم بالوجل، و إذا ذكروا وعده بالثواب و الرحمة، سكنت قلوبهم إلى ذلك، و أحد الأمرين لا ينافي الآخر، لأن الوجل هو بذكر العقاب و الطمأنينة بذكر الثواب، و يوجد الوجل في حال فكرهم في المعاصي، و توجد

40

الطمأنينة عند اشتغالهم بالطاعات. الثاني: أن المراد أن علمهم بكون القرآن معجزا يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد صلّى اللّه عليه و سلم نبيا حقا من عند اللّه. أما شكهم في أنهم أتوا بالطاعات على سبيل التمام و الكمال فيوجب حصول الوجل في قلوبهم. الثالث: أنه حصلت في قلوبهم الطمأنينة في أن اللّه تعالى صادق في وعده و وعيده، و أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلم صادق في كل ما أخبر عنه، إلا أنه حصل الوجل و الخوف في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعة الموجبة للثواب أم لا، و هل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا.

و اعلم أن لنا في قوله: أَلاََ بِذِكْرِ اَللََّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ أبحاثا دقيقة غامضة و هي من وجوه:

الوجه الأول: أن الموجودات على ثلاثة أقسام: مؤثر لا يتأثر، و متأثر لا يؤثر، و موجود يؤثر في شي‏ء و يتأثر عن شي‏ء، فالمؤثر الذي لا يتأثر هو اللّه سبحانه و تعالى، و المتأثر الذي لا يؤثر هو الجسم، فإنه ذات قابلة للصفات المختلفة و الآثار المتنافية، و ليس له خاصية إلا القبول فقط. و أما الموجود الذي يؤثر تارة و يتأثر أخرى، فهي الموجودات الروحانية، و ذلك لأنها إذا توجهت إلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عن مشيئة اللّه تعالى و قدرته و تكوينه و إيجاده و إذا توجهت إلى عالم/الأجسام اشتاقت إلى التصرف فيها، لأن عالم الأرواح مدبر لعالم الأجسام.

و إذا عرفت هذا: فالقلب كلما توجه إلى مطالعة عالم الأجسام حصل فيه الاضطراب و القلق و الميل الشديد إلى الاستيلاء عليها و التصرف فيها، أما إذا توجه القلب إلى مطالعة الحضرة الإلهية حصل فيه أنوار الصمدية و الأضواء و الإلهية، فهناك يكون ساكنا فلهذا السبب قال: أَلاََ بِذِكْرِ اَللََّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ .

الوجه الثاني: أن القلب كلما وصل إلى شي‏ء فإنه يطلب الانتقال منه إلى حالة أخرى أشرف منها، لأنه لا سعادة في عالم الأجسام إلا و فوقها مرتبة أخرى في اللذة و الغبطة. أما إذا انتهى القلب و العقل إلى الاستسعاد بالمعارف الإلهية و الأضواء الصمدية بقي و استقر فلم يقدر على الانتقال منه ألبتة، لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منها و أكمل، فلهذا المعنى قال: أَلاََ بِذِكْرِ اَللََّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ .

و الوجه الثالث: في تفسير هذه الكلمة أن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهبا باقيا على كر الدهور و الأزمان، صابرا على الذوبان الحاصل بالنار، فإكسير جلال اللّه تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه جوهرا باقيا صافيا نورانيا لا يقبل التغيير و التبدل، فلهذا قال: أَلاََ بِذِكْرِ اَللََّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ .

ثم قال تعالى: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ طُوبى‏ََ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في تفسير كلمة طُوبى‏ََ ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنها اسم شجرة في الجنة،

روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: «طوبى شجرة في الجنة غرسها اللّه بيده تنبت الحلي و الحلل و إن أغصانها لترى من وراء سور الجنة» ،

و حكى أبو بكر الأصم رضي اللّه عنه: أن أصل هذه الشجرة في دار النبي صلّى اللّه عليه و سلم و في دار كل مؤمن منها غصن.

و القول الثاني: و هو قول أهل اللغة إن طوبى مصدر من طاب، كبشرى و زلفى، و معنى طوبى لك، أصبت طيبا، ثم اختلفوا على وجوه: فقيل: فرح و قرة عين لهم. عن ابن عباس رضي اللّه عنهما و قيل: نعم ما لهم عن‏

41

عكرمة، و قيل غبطة لهم عن الضحاك. و قيل: حسنى لهم عن قتادة. و قيل: خير و كرامة عن أبي بكر الأصم، و قيل: العيش الطيب لهم عن الزجاج.

و اعلم أن المعاني متقاربة و التفاوت يقرب من أن يكون في اللفظ. و الحاصل أنه مبالغة في نيل الطيبات و يدخل فيه جميع اللذات، و تفسيره أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.

و القول الثالث: أن هذه اللفظة ليست عربية، ثم اختلفوا فقال بعضهم: طوبى اسم الجنة بالحبشية، و قيل اسم الجنة بالهندية. و قيل البستان بالهندية، و هذا القول ضعيف، لأنه ليس في القرآن إلا العربي لا سيما و اشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر.

المسألة الثانية، قال صاحب «الكشاف» : اَلَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ و طُوبى‏ََ لَهُمْ خبره، و معنى طوبى لك أي أصبت طيبا، و محلها النصب أو الرفع، كقولك طيبا لك و طيب لك و سلاما لك و سلام لك، و القراءة في قوله: وَ حُسْنُ مَآبٍ بالرفع و النصب تدلك على محلها، و قرأ مكوزة الأعرابي (طيب لهم) .

أما قوله: وَ حُسْنُ مَآبٍ فالمراد حسن المرجع و المقر و كل ذلك وعد من اللّه بأعظم النعيم ترغيبا في طاعته و تحذيرا عن المعصية.

اعلم أن الكاف في كَذََلِكَ للتشبيه فقيل وجه التشبيه أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك في أمة قد خلت من قبلها أمم، و هو قول ابن عباس و الحسن و قتادة، و قيل: كما أرسلنا إلى أمم و أعطيناهم كتبا تتلى عليهم، كذلك أعطيناك هذا الكتاب و أنت تتلوه عليهم فلما ذا اقترحوا غيره، و قال صاحب «الكشاف» : كَذََلِكَ أَرْسَلْنََاكَ أي مثل ذلك الإرسال أَرْسَلْنََاكَ يعني أرسلناك إرسالا له شأن و فضل على سائر الإرسالات. ثم فسر كيف أرسله فقال: فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهََا أُمَمٌ أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم فهي آخر الأمم و أنت آخر الأنبياء.

أما قوله: لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ فالمراد: لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك:

وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمََنِ أي و حال هؤلاء أنهم يكفرون بالرحمن الذي رحمته وسعت كل شي‏ء و ما بهم من نعمة فمنه، و كفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم و إنزال هذا القرآن المعجز عليهم/ قُلْ هُوَ رَبِّي الواحد المتعالي عن الشركاء: لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في نصرتي عليكم وَ إِلَيْهِ مَتََابِ فيعينني على مصابرتكم و مجاهدتكم قيل: نزل قوله: وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمََنِ في عبد اللّه بن أمية المخزومي و كان يقول أما اللّه فنعرفه، و أما الرحمن فلا نعرفه، إلا صاحب اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب فقال تعالى: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ [الإسراء: 110]و كقوله: وَ إِذََا قِيلَ لَهُمُ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمََنِ قََالُوا وَ مَا اَلرَّحْمََنُ [الفرقان: 60]و

قيل: إنه عليه السلام حين صالح قريشا من الحديبية كتب: «هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه» فقال المشركون: إن كنت رسول اللّه و قد قاتلناك فقد ظلمنا. و لكن اكتب، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه، فكتب كذلك، و لما كتب في الكتاب: بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* قالوا: أما الرحمن فلا

42

نعرفه، و كانوا يكتبون باسمك اللهم، فقال عليه السلام: «اكتبوا كما تريدون» .

و اعلم أن قوله: وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمََنِ إذا حملناه على هاتين الروايتين كان معناه أنهم كفروا بإطلاق هذا الإسم على اللّه تعالى، لا أنهم كفروا باللّه تعالى. و قال آخرون: بل كفروا باللّه إما جحدا له و إما لإثباتهم الشركاء معه. قال القاضي: و هذا القول أليق بالظاهر، لأن قوله تعالى: وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمََنِ يقتضي أنهم كفروا باللّه و هو المفهوم من الرحمن، و ليس المفهوم من الاسم كما لو قال قائل: كفروا بمحمد و كذبوا به لكان المفهوم هو، دون اسمه.

في قوله تعالى وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ اَلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ اَلْمَوْتى‏ََ اعلم أنه‏

روي أن أهل مكة قعدوا في فناء مكة، فأتاهم الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و عرض الإسلام عليهم، فقال له عبد اللّه بن أمية المخزومي: سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا و اجعل لنا/فيها أنهارا نزرع فيها، أو أحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقول أو باطل، فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها و نسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان فلست بأهون على ربك من سليمان، فنزل قوله: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ

أي من أماكنها أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ اَلْأَرْضُ أي شققت فجعلت أنهارا و عيونا أَوْ كُلِّمَ بِهِ اَلْمَوْتى‏ََ لكان هو هذا القرآن الذي أنزلناه عليك. و حذف جواب «لو» لكونه معلوما، و قال الزجاج: المحذوف هو أنه لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ و كذا و كذا لما آمنوا به كقوله: وَ لَوْ أَنَّنََا نَزَّلْنََا إِلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ اَلْمَوْتى‏ََ [الأنعام: 111].

ثم قال تعالى: بَلْ لِلََّهِ اَلْأَمْرُ جَمِيعاً يعني إن شاء فعل و إن شاء لم يفعل، و ليس لأحد أن يتحكم عليه في أفعاله و أحكامه.

ثم قال تعالى: أَ فَلَمْ يَيْأَسِ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشََاءُ اَللََّهُ لَهَدَى اَلنََّاسَ جَمِيعاً و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في قوله: أَ فَلَمْ يَيْأَسِ قولان:

القول الأول: أ فلم يعلموا و على هذا التقدير ففيه و جهان:

الوجه الأول: يَيْأَسِ يعلم في لغة النخع و هذا قول أكثر المفسرين مثل مجاهد و الحسن و قتادة.

و احتجوا عليه بقول الشاعر:

أ لم ييأس الأقوام أني أنا ابنه # و إن كنت عن أرض العشيرة نائيا

و أنشد أبو عبيدة:

أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني # أ لم تيأسوا أني ابن فارس زهدم‏

أي ألم تعلموا. و قال الكسائي: ما وجدت العرب تقول يئست بمعنى علمت ألبتة.

و الوجه الثاني: ما روي أن عليا و ابن عباس كانا يقرآن: أ فلم يأس الذين آمنوا فقيل لابن عباس أَ فَلَمْ‏

43

يَيْأَسِ فقال: أظن أن الكاتب كتبها و هو ناعس أنه كان في الخط يأس فزاد الكاتب سنة واحدة فصار ييأس فقرى‏ء ييأس و هذا القول بعيد جدا لأنه يقتضي كون القرآن محلا للتحريف و التصحيف و ذلك يخرجه عن كونه حجة قال صاحب «الكشاف» : ما هذا القول و اللّه إلا فرية بلا مرية.

و القول الثاني: قال الزجاج: المعنى أو يئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء لأن اللّه لو شاء لهدى الناس جميعا. و تقريره أن العلم بأن الشي‏ء لا يكون يوجب اليأس من كونه و الملازمة توجب حسن المجاز، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ اليأس لإرادة العلم.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بقوله: أَنْ لَوْ يَشََاءُ اَللََّهُ لَهَدَى اَلنََّاسَ جَمِيعاً و كلمة «لو» تفيد انتفاء الشي‏ء لانتفاء غيره. و المعنى: أنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس، و المعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة/على مشيئة الإلجاء، و تارة يحملون الهداية على الهداية إلى طريق الجنة، و فيهم من يجري الكلام على الظاهر، و يقول إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال و المجانين فلا يكون شائيا لهداية جميع الناس.

و الكلام في هذه المسألة قد سبق مرارا.

أما قوله تعالى: وَ لاََ يَزََالُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمََا صَنَعُوا قََارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دََارِهِمْ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قوله: اَلَّذِينَ كَفَرُوا فيه قولان:

القول الأول: قيل: أراد به جميع الكفار لأن الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار من القتل و السبي أوجب حصول الغم في قلب الكل، و قيل: أراد بعض الكفار و هم جماعة معينون و الألف و اللام في لفظ الكفار للمعهود السابق و هو ذلك الجمع المعين.

المسألة الثانية: في الآية وجهان: الأول: و لا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم و سوء أعمالهم قارعة داهية تقرعهم بما يحل اللّه بهم في كل وقت من صنوف البلايا و المصائب في نفوسهم و أولادهم و أموالهم، أو تحل القارعة قريبا منهم، فيفزعون و يضطربون و يتطاير إليهم شرارها و يتعدى إليهم شرورها حتى يأتي وعد اللّه و هو موتهم أو القيامة.

و القول الثاني: و لا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من العداوة و التكذيب قارعة، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة و تختطف منهم و تصيب مواشيهم، أو تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم بجيشك كما حل بالحديبية حتى يأتي وعد اللّه و هو فتح مكة، و كان اللّه قد وعده ذلك.

ثم قال: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُخْلِفُ اَلْمِيعََادَ و الغرض منه تقوية قلب الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و إزالة الحزن عنه. قال القاضي: و هذا يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على اللّه تعالى في ميعاده، و هذه الآية و إن كانت واردة في حق الكفار إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إذ بعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق الفساق.

و جوابنا: أن الخلف غير، و تخصيص العموم غير، و نحن لا نقول بالخلف، و لكنا نخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو.

44

اعلم أن القوم لما طلبوا سائر المعجزات من الرسول صلّى اللّه عليه و سلم على سبيل الاستهزاء و السخرية و كان ذلك يشق على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و كان يتأذى من تلك الكلمات فاللّه تعالى أنزل هذه الآية تسلية له و تصبيرا له على سفاهة قومه فقال له إن أقوام سائر الأنبياء استهزؤا بهم كما أن قومك يستهزئون بك: فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة ثم أخذتهم فكيف كان عقابي لهم.

و اعلم أني سأنتقم من هؤلاء الكفار كما انتقمت من أولئك المتقدمين و الإملاء و الإمهال و أن يتركوا مدة من الزمان في خفض و أمن كالبهيمة يملى لها في المرعى، و هذا وعيد لهم و جواب عن اقتراحهم الآيات على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم على سبيل الاستهزاء، }ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج و ما يكون توبيخا لهم و تعجيبا من عقولهم فقال: أَ فَمَنْ هُوَ قََائِمٌ عَلى‏ََ كُلِّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ و المعنى: أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات من الجزئيات و الكليات و إذا كان كذلك كان عالما بجميع أحوال النفوس، و قادرا على تحصيل مطالبها من تحصيل المنافع و دفع المضار و من إيصال الثواب إليها على كل الطاعات، و إيصال العقاب إليها على كل المعاصي. و هذا هو المراد من قوله: قََائِمٌ عَلى‏ََ كُلِّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ و ما ذاك إلا الحق سبحانه و نظيره قوله تعالى: قََائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران: 18].

و اعلم أنه لا بد لهذا الكلام من جواب و اختلفوا فيه على وجوه:

الوجه الأول: التقدير: أَ فَمَنْ هُوَ قََائِمٌ عَلى‏ََ كُلِّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ كمن ليس بهذه الصفة؟/و هي الأصنام التي لا تنفع و لا تضر، و هذا الجواب مضمر في قوله تعالى: وَ جَعَلُوا لِلََّهِ شُرَكََاءَ و التقدير: أ فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم التي لا تضر و لا تنفع، و نظيره قوله تعالى: أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللََّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ فَهُوَ عَلى‏ََ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ و ما جاء جوابه لأنه مضمر في قوله: فَوَيْلٌ لِلْقََاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللََّهِ [الزمر: 22]فكذا هاهنا، قال صاحب «الكشاف» : يجوز أن يقدر ما يقع خبرا للمبتدأ، أو يعطف عليه قوله:

وَ جَعَلُوا و التقدير: أ فمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه و لم يمجدوه و جعلوا له شركاء.

الوجه الثاني: و هو الذي ذكره السيد صاحب «حل العقد» فقال: نجعل الواو في قوله: وَ جَعَلُوا واو الحال و نضمر للمبتدأ خبرا يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإمكان ما يقارنها من الحال، و التقدير: أَ فَمَنْ هُوَ قََائِمٌ عَلى‏ََ كُلِّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ موجود. و الحال أنهم جعلوا له شركاء، ثم أقيم الظاهر و هو قوله (للّه) مقام المضمر تقريرا للإلهية و تصريحا بها، و هذا كما تقول: جواد يعطي الناس و يغنيهم موجود و يحرم مثلي.

و اعلم أنه تعالى لما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال: قُلْ سَمُّوهُمْ و إنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى أن لا يذكر و لا يوضع له اسم، فعند ذلك يقال: سمه إن شئت. يعني أنه‏

45

أخس من أن يسمى و يذكر، و لكنك إن شئت أن تضع له اسما فافعل، فكأنه تعالى قال: سموهم بالآلهة على سبيل التهديد، و المعنى: سواء سميتموهم بهذا الاسم أو لم تسموهم به، فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها، ثم زاد في الحجاج فقال: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمََا لاََ يَعْلَمُ فِي اَلْأَرْضِ و المراد: أ تقدرون على أن تخبروه و تعلموه بأمر تعلمونه و هو لا يعلمه، و إنما خص الأرض بنفي الشريك عنها، و إن لم يكن شريك ألبتة، لأنهم ادعوا أن له شركاء في الأرض لا في غيرها أَمْ بِظََاهِرٍ مِنَ اَلْقَوْلِ يعنى تموهون بإظهار قول لا حقيقة له، و هو كقوله تعالى: ذََلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوََاهِهِمْ [التوبة: 30]ثم إنه تعالى بين بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه: بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ قال الواحدي: معنى (بل) هاهنا كأنه يقول: دع ذكر ما كنا فيه زين لهم مكرهم، و ذلك لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد قولهم، فكأنه يقول: دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه، لأنه زين لهم كفرهم و مكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل. قال القاضي: لا شبهة في أنه تعالى إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به، و إذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو اللّه، بل لا بد و أن يكون إما شياطين الإنس و إما شياطين الجن.

و اعلم أن هذا التأويل ضعيف لوجوه: الأول: أنه لو كان المزين أحد شياطين الجن أو الإنس/فالمزين في قلب ذلك الشيطان إن كان شيطانا آخر لزم التسلسل، و إن كان هو اللّه فقد زال السؤال، و الثاني: أن يقال:

القلوب لا يقدر عليها إلا اللّه، و الثالث: أنا قد دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من اللّه تعالى و عند حصوله يجب الفعل.

أما قوله: وَ صُدُّوا عَنِ اَلسَّبِيلِ فاعلم أنه قرأ عاصم و حمزة و الكسائي وَ صُدُّوا بضم الصاد و في حم وَ صُدُّوا عَنِ اَلسَّبِيلِ [النساء: 167]على ما لم يسم فاعله بمعنى أن الكفار صدهم غيرهم، و عند أهل السنة أن اللّه صدهم. و للمعتزلة فيه و جهان: قيل الشيطان، و قيل أنفسهم و بعضهم لبعض كما يقال: فلان معجب و إن لم يكن ثمة غيره و هو قول أبي مسلم و الباقون، و صدوا بفتح الصاد في السورتين يعني أن الكفار صدوا عن سبيل اللّه، أي أعرضوا و قيل: صرفوا غيرهم، و هو لازم و متعد، و حجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء الفعل للمفعول، و حجة القراءة الثانية قوله: اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ* [النساء: 167].

ثم قال: وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ هََادٍ اعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية من وجوه: أولها: قوله:

بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ و قد بينا بالدليل أن ذلك المزين هو اللّه. و ثانيها: قوله: وَ صُدُّوا عَنِ اَلسَّبِيلِ بضم الصاد، و قد بينا أن ذلك الصاد هو اللّه. و ثالثها: قوله: وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ هََادٍ و هو صريح في المقصود و تصريح بأن ذلك المزين و ذلك الصاد ليس إلا اللّه. }و رابعها: قوله تعالى: لَهُمْ عَذََابٌ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ لَعَذََابُ اَلْآخِرَةِ أَشَقُّ أخبر عنهم أنهم سيقعون في عقاب الآخرة و إخبار اللّه ممتنع التغير و إذا امتنع وقوع التغير في هذا الخبر، امتنع صدور الإيمان منه و كل هذه الوجوه قد لخصناها في هذا الكتاب مرارا، قال القاضي: وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ أي عن ثواب الجنة لكفره و قوله: فَمََا لَهُ مِنْ هََادٍ منبئ بذلك أن الثواب لا ينال إلا بالطاعة خاصة فمن زاغ عنها لم يجد إليها سبيلا، و قيل: المراد بذلك من حكم بأنه ضال و سماه ضالا، و قيل المراد من يضلله اللّه عن الإيمان بأن يجده كذلك، ثم قال و الوجه الأول أقوى.

و اعلم أن الوجه الأول ضعيف جدا لأن الكلام إنما وقع في شرح إيمانهم و كفرهم في الدنيا و لم يجز ذكر

46

ذهابهم إلى الجنة ألبتة فصرف الكلام على المذكور إلى غير المذكور بعيد. و أيضا فهب أنا نساعد على أن الأمر كما ذكروه، إلا أنه تعالى لما أخبر أنهم لا يدخلون الجنة فقد حصل المقصود لأن خلاف معلوم اللّه و مخبره محال ممتنع الوقوع.

و اعلم أنه تعالى لما أخبر عنهم بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم بين عذاب الدنيا، و بين عذاب الآخرة الذي هو أشق، و أنه لا دافع لهم عنه لا في الدنيا و لا في الآخرة. أما عذاب الدنيا/فبالقتل، و القتال، و اللعن، و الذم، و الإهانة، و هل يدخل المصائب و الأمراض في ذلك أم لا؟اختلفوا فيه، قال بعضهم: إنها تدخل فيه، و قال بعضهم: إنها لا تكون عقابا، لأن كل أحد نزلت به مصيبة فإنه مأمور بالصبر عليها، و لو كان عقابا لم يجب ذلك، فالمراد على هذا القول من الآية القتل، و السبي، و اغتنام الأموال، و اللعن، و إنما قال:

وَ لَعَذََابُ اَلْآخِرَةِ أَشَقُّ لأنه أزيد إن شئت بسبب القوة و الشدة، و إن شئت بسبب كثرة الأنواع، و إن شئت بسبب أنه لا يختلط بها شي‏ء من موجبات الراحة، و إن شئت بسبب الدوام و عدم الانقطاع، ثم بين بقوله: وَ مََا لَهُمْ مِنَ اَللََّهِ مِنْ وََاقٍ أي أن أحدا لا يقيهم ما نزل بهم من عذاب اللّه. قال الواحدي: أكثر القراء وقفوا على القاف من غير إثبات ياء في قوله (واق) و كذلك في قوله: وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ هََادٍ و كذلك في قوله:

وََالٍ و هو الوجه لأنك تقول في الوصل: هذا هاد و وال و واق، فتحذف الياء لسكونها و التقائها مع التنوين، فإذا وقفت انحذف التنوين في الوقف في الرفع و الجر، و الياء كانت انحذفت فيصادف الوقف الحركة التي هي كسرة في غير فاعل فتحذفها كما تحذف سائر الحركات التي تقف عليها فيصير هاد، و وال، و واق. و كان ابن كثير يقف بالياء في هادي و والي و واقي و وجهه ما حكى سيبويه أن بعض من يوثق به من العرب يقول: هذا داعي فيقفون بالياء.

في قوله تعالى مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر عذاب الكفار في الدنيا و الآخرة، أتبعه بذكر ثواب المتقين و في قوله: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ أقوال: الأول: قال سيبويه: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ مبتدأ و خبره محذوف و التقدير: فيما قصصنا عليكم مثل الجنة. و الثاني: قال الزجاج: مثل الجنة جنة من صفتها كذا و كذا. و الثالث: مثل الجنة مبتدأ و خبره تجري من تحتها الأنهار، كما تقول صفة زيد اسم. و الرابع: الخبر هو قوله: أُكُلُهََا دََائِمٌ لأنه الخارج عن العادة كأنه قال: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه أكلها دائم.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف الجنة بصفات ثلاث: أولها: تجري من تحتها الأنهار. و ثانيها:

أن أكلها دائم. و المعنى: أن جنات الدنيا لا يدوم ورقها و ثمرها و منافعها. أما جنات الآخرة فثمارها دائمة غير منقطعة. و ثالثها: أن ظلها دائم أيضا، و المراد أنه ليس هناك حر و لا برد و لا شمس و لا قمر و لا ظلمة و نظيره قوله تعالى: لاََ يَرَوْنَ فِيهََا شَمْساً وَ لاََ زَمْهَرِيراً [الإنسان: 13]ثم إنه تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات

47

الثلاثة بين أن ذلك عقبى الذين اتقوا يعني عاقبة أهل التقوى هي الجنة، و عاقبة الكافرين النار. و حاصل الكلام من هذه الآية أن ثواب المتقين منافع خالصة عن الشوائب موصوفة بصفة الدوام.

و اعلم أن قوله: أُكُلُهََا دََائِمٌ فيه مسائل ثلاث:

المسألة الأولى: أنه يدل على أن أكل الجنة لا تفنى كما يحكى عن جهم و أتباعه.

المسألة الثانية: أنه يدل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم، كما يقوله أبو الهذيل و أتباعه.

المسألة الثالثة: قال القاضي: هذه الآية تدل على أن الجنة لم تخلق بعد، لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى و أن ينقطع أكلها لقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ [الرحمن: 26]. و كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ [القصص: 88]لكن لا ينقطع أكلها لقوله تعالى: أُكُلُهََا دََائِمٌ فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة. ثم قال:

فلا ننكر أن يحصل الآن في السموات جنات كثيرة يتمتع بها الملائكة و من يعد حيا من الأنبياء و الشهداء و غيرهم على ما روى في ذلك، إلا أن الذي نذهب إليه أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة.

و الجواب: أن دليلهم مركب من آيتين: أحدهما: قوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ و الأخرى قوله:

أُكُلُهََا دََائِمٌ وَ ظِلُّهََا فإذا أدخلنا التخصيص في أحد هذين العمومين سقط دليلهم فنحن نخصص أحد هذين العمومين بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة، و هو قوله تعالى: وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133].

اعلم أن في المراد بالكتاب قولين: الأول: أنه القرآن و المراد أن أهل القرآن يفرحون بما أنزل على محمد من أنواع التوحيد و العدل و النبوة و البعث و الأحكام و القصص و من الأحزاب الجماعات من اليهود و النصارى و سائر الكفار من ينكر بعضه و هو قول الحسن و قتادة.

فإن قيل: الأحزاب ينكرون كل القرآن.

قلنا: الأحزاب لا ينكرون كل ما في القرآن، لأنه ورد فيه إثبات اللّه تعالى و إثبات علمه و قدرته و حكمته و أقاصيص الأنبياء، و الأحزاب، ما كانوا ينكرون كل هذه الأشياء.

و القول الثاني: إن المراد بالكتاب التوراة و الإنجيل، و على هذا التقدير ففي الآية قولان: الأول: قال ابن عباس: الذين آتيناهم الكتاب هم الذين آمنوا بالرسول صلّى اللّه عليه و سلم من أهل الكتاب كعبد اللّه بن سلام و كعب و أصحابهما و من أسلم من النصارى و هم ثمانون رجلا أربعون بنجران و ثمانية باليمن و اثنان و ثلاثون بأرض الحبشة و فرحوا بالقرآن، لأنهم آمنوا به و صدقوه و الأحزاب بقية أهل الكتاب و سائر المشركين قال القاضي: و هذا الوجه أولى من الأول لأنه لا شبهة في أن من أوتي القرآن فإنهم يفرحون بالقرآن، أما إذا حملناه على هذا الوجه ظهرت الفائدة و يمكن أن يقال: إن الذين أوتوا القرآن يزداد فرحهم به لما رأوا فيه من العلوم الكثيرة و الفوائد العظيمة،

48

فلهذا السبب حكى اللّه تعالى فرحهم به. و الثاني: و الذين آتيناهم الكتاب اليهود أعطوا التوراة، و النصارى أعطوا الإنجيل، يفرحون بما أنزل في هذا القرآن، لأنه مصدق لما معهم و من الأحزاب من سائر الكفار من ينكر بعضه، و هو قول مجاهد. قال القاضي: و هذا لا يصح، لأن قوله: يَفْرَحُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعم جميع ما أنزل إليه، و معلوم أنهم لا يفرحون بكل ما أنزل إليه و يمكن أن يجاب فيقال إن قوله: بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ لا يفيد العموم بدليل جواز إدخال لفظتي الكل و البعض عليه، و لو كانت كلمة «ما» للعموم لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريرا و إدخال لفظ البعض عليه نقصا. ثم إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة المبدأ و المعاد في ألفاظ قليلة منه فقال: قُلْ إِنَّمََا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اَللََّهَ وَ لاََ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَ إِلَيْهِ مَآبِ و هذا الكلام جامع لكل ما ورد التكليف به، و فيه فوائد: أولها: أن كلمة «إنما» للحصر و معناه إني ما أمرت إلا بعبادة اللّه تعالى، و ذلك يدل على أنه لا تكليف و لا أمر و لا نهي إلا بذلك. و ثانيها: أن العبادة غاية التعظيم، و ذلك يدل على أن المرء مكلف بذلك. و ثالثها: أن عبادة اللّه تعالى لا تمكن إلا بعد معرفته و لا سبيل إلى معرفته إلا بالدليل، فهذا يدل على أن المرء مكلف بالنظر و الاستدلال في معرفة ذات الصانع و صفاته، و ما يجب و يجوز و يستحيل عليه. و رابعها: أن عبادة اللّه واجبة، و هو/يبطل قول نفاة التكليف، و يبطل القول بالجبر المحض.

و خامسها: قوله: وَ لاََ أُشْرِكَ بِهِ و هذا يدل على نفي الشركاء و الأنداد و الأضداد بالكلية، و يدخل فيه إبطال قول كل من أثبت معبودا سوى اللّه تعالى سواء قال: إن ذلك المعبود هو الشمس أو القمر أو الكواكب أو الأصنام و الأوثان و الأرواح العلوية أو يزدان و أهرمن على ما يقوله المجوس أو النور و الظلمة على ما يقوله الثنوية. و سادسها: قوله: إِلَيْهِ أَدْعُوا و المراد منه أنه كما وجب عليه الإتيان بهذه العبادات فكذلك يجب عليه الدعوة إلى عبودية اللّه تعالى و هو إشارة إلى نبوته. و سابعها: قوله: وَ إِلَيْهِ مَآبِ و هو إشارة إلى الحشر و النشر و البعث و القيامة فإذا تأمل الإنسان في هذه الألفاظ القليلة و وقف عليها عرف أنها محتوية على جميع المطالب المعتبرة في الدين.

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى شبه إنزاله حكما عربيا بما أنزل إلى ما تقدم من الأنبياء، أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم، كذلك أنزلنا عليك القرآن. و الكناية في قوله: أَنْزَلْنََاهُ تعود إلى «ما» في قوله:

يَفْرَحُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني القرآن.

المسألة الثانية: قوله: أَنْزَلْنََاهُ حُكْماً عَرَبِيًّا فيه وجوه: الأول: حكمة عربية مترجمة بلسان العرب.

الثاني: القرآن مشتمل على جميع أقسام التكاليف، فالحكم لا يمكن إلا بالقرآن، فلما كان القرآن سببا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة. الثالث: أنه تعالى حكم على جميع المكلفين بقبول القرآن و العمل به فلما حكم على الخلق بوجوب قبوله جعله حكما.

و اعلم أن قوله: حُكْماً عَرَبِيًّا نصب على الحال، و المعنى: أنزلناه حال كونه حكما عربيا.

49

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية دالة على حدوث القرآن من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بكونه منزلا و ذلك لا يليق إلا بالمحدث. الثاني: أنه وصفه بكونه عربيا و العربي هو الذي حصل بوضع العرب و اصطلاحهم و ما كان كذلك كان محدثا. الثالث: أن الآية دالة على أنه إنما/كان حكما عربيا، لأن اللّه تعالى جعله كذلك و وصفه بهذه الصفة، و كل ما كان كذلك فهو محدث.

و الجواب: أن كل هذه الوجوه دالة على أن المركب من الحروف و الأصوات محدث و لا نزاع فيه و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: روي أن المشركين كانوا يدعونه إلى ملة آبائه فتوعده اللّه تعالى على متابعتهم في تلك المذاهب مثل أن يصلي إلى قبلتهم بعد أن حوله اللّه عنها. قال ابن عباس: الخطاب مع النبي صلّى اللّه عليه و سلم و المراد أمته، و قيل: بل الغرض منه حث الرسول عليه السلام على القيام بحق الرسالة و تحذيره من خلافها، و يتضمن ذلك أيضا تحذير جميع المكلفين، لأن من هو أرفع منزلة إذا حذر هذا التحذير فهم أحق بذلك و أولى.

اعلم أن القوم كانوا يذكرون أنواعا من الشبهات في إبطال نبوته.

فالشبهة الأولى قولهم: مََا لِهََذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اَلطَّعََامَ وَ يَمْشِي فِي اَلْأَسْوََاقِ [الفرقان: 7]و هذه الشبهة إنما ذكرها اللّه تعالى في سورة أخرى.

و الشبهة الثانية: قولهم: الرسول الذي يرسله اللّه إلى الخلق لا بد و أن يكون من جنس الملائكة كما حكى اللّه عنهم في قوله: لَوْ مََا تَأْتِينََا بِالْمَلاََئِكَةِ [الحجر: 7]و قوله: لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: 8].

فأجاب اللّه تعالى عنه هاهنا بقوله: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنََا لَهُمْ أَزْوََاجاً وَ ذُرِّيَّةً يعني أن الأنبياء الذين كانوا قبله كانوا من جنس البشر لا من جنس الملائكة فإذا جاز ذلك في حقهم فلم لا يجوز أيضا مثله في حقه.

الشبهة الثالثة: عابوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بكثرة الزوجات و قالوا: لو كان رسولا من عند اللّه لما كان مشتغلا بأمر النساء بل كان معرضا عنهن مشتغلا بالنسك و الزهد، فأجاب اللّه/تعالى عنه بقوله: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنََا لَهُمْ أَزْوََاجاً وَ ذُرِّيَّةً و بالجملة فهذا الكلام يصلح أن يكون جوابا عن الشبهة المتقدمة و يصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة، فقد كان لسليمان عليه السلام ثلاثمائة امرأة مهيرة و سبعمائة سرية و لداود مائة امرأة.

و الشبهة الرابعة: قالوا لو كان رسولا من عند اللّه لكان أي شي‏ء طلبنا منه من المعجزات أتى به و لم يتوقف و لما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس برسول، فأجاب اللّه عنه بقوله: وَ مََا كََانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ و تقريره: أن المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر و العلة، و في إظهار الحجة و البينة، فأما الزائد عليها

50

فهو مفوض إلى مشيئة اللّه تعالى إن شاء أظهرها و إن شاء لم يظهرها و لا اعتراض لأحد عليه في ذلك.

الشبهة الخامسة: أنه عليه السلام كان يخوفهم بنزول العذاب و ظهور النصرة له و لقومه. ثم إن ذلك الموعود كان يتأخر فلما لم يشاهدوا تلك الأمور احتجوا بها على الطعن في نبوته، و قالوا: لو كان نبيا صادقا لما ظهر كذبه.

فأجاب اللّه عنه بقوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتََابٌ يعني نزول العذاب على الكفار و ظهور الفتح و النصر للأولياء قضى اللّه بحصولها في أوقات معينة مخصوصة، و لكل حادث وقت معين و لِكُلِّ أَجَلٍ كِتََابٌ فقبل حضور ذلك الوقت لا يحدث ذلك الحادث فتأخر تلك المواعيد لا يدل على كونه كاذبا.

الشبهة السادسة: قالوا: لو كان في دعوى الرسالة محقا لما نسخ الأحكام التي نص اللّه تعالى عليه ثوبتها في الشرائع المتقدمة نحو التوراة و الإنجيل، لكنه نسخها و حرفها نحو تحريف القبلة، و نسخ أكثر أحكام التوراة و الإنجيل، فوجب أن لا يكون نبيا حقا.

فأجاب اللّه سبحانه و تعالى عنه بقوله: يَمْحُوا اَللََّهُ مََا يَشََاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتََابِ و يمكن أيضا أن يكون قوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتََابٌ كالمقدمة لتقرير هذا الجواب، و ذلك لأنا نشاهد أنه تعالى يخلق حيوانا عجيب الخلقة بديع الفطرة من قطرة من النطفة ثم يبقيه مدة مخصوصة ثم يميته و يفرق أجزاءه و أبعاضه فلما لم يمتنع أن يحيي أولا، ثم يميت ثانيا فكيف يمتنع أن يشرع الحكم في بعض الأوقات، ثم ينسحه في سائر الأوقات فكان المراد من قوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتََابٌ ما ذكرناه، ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال: يَمْحُوا اَللََّهُ مََا يَشََاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتََابِ و المعنى: أنه يوجد تارة و يعدم أخرى، و يحيي تارة و يميت أخرى، و يغني تارة و يفقر أخرى فكذلك لا يبعد أن يشرع الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما اقتضته المشيئة الإلهية عند أهل السنة أو بحسب ما اقتضته/رعاية المصالح عند المعتزلة فهذا إتمام التحقيق في تفسير هذه الآية، ثم هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: قوله تعالى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتََابٌ فيه أقوال. الأول: أن لكل شي‏ء وقتا مقدرا فالآيات التي سألوها لها وقت معين حكم اللّه به و كتبه في اللوح المحفوظ فلا يتغير عن ذلك الحكم بسبب تحكماتهم الفاسدة و لو أن اللّه أعطاهم ما التمسوا لكان فيه أعظم الفساد. الثاني: أن لكل حادث وقتا معينا قضى اللّه حصوله فيه كالحياة و الموت و الغنى و الفقر و السعادة و الشقاوة، و لا يتغير ألبتة عن ذلك الوقت. و الثالث: أن هذا من المقلوب و المعنى: أن لكل كتاب منزل من السماء أجلا ينزله فيه، أي لكل كتاب وقت يعمل به، فوقت العمل بالتوراة و الإنجيل قد انقضى و وقت العمل بالقرآن قد أتى و حضر. و الرابع: لكل أجل معين كتاب عند الملائكة الحفظة فللإنسان أحوال أولها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يصير شابا ثم شيخا، و كذا القول في جميع الأحوال من الإيمان و الكفر و السعادة و الشقاوة و الحسن و القبح. الخامس: كل وقت معين مشتمل على مصلحة خفية و منفعة لا يعلمها إلا اللّه تعالى، فإذا جاء ذلك الوقت حدث ذلك الحادث و لا يجوز حدوثه في غيره.

و اعلم أن هذه الآية صريحة في أن الكل بقضاء اللّه و بقدره و أن الأمور مرهونة بأوقاتها، لأن قوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتََابٌ معناه أن تحت كل أجل حادث معين، و يستحيل أن يكون ذلك التعيين لأجل خاصية الوقت فإن ذلك محال، لأن الأجزاء المعروضة في الأوقات المتعاقبة متساوية، فوجب أن يكون اختصاص كل وقت بالحادث‏

51

الذي يحدث فيه بفعل اللّه تعالى و اختياره و ذلك يدل على أن الكل من اللّه تعالى و هو نظير

قوله عليه السلام: «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» .

المسألة الثانية: يَمْحُوا اَللََّهُ مََا يَشََاءُ وَ يُثْبِتُ قرأ ابن كثير و أبو عمرو و عاصم وَ يُثْبِتُ ساكنة الثاء خفيفة الباء من أثبت يثبت، و الباقون بفتح الثاء و تشديد الباء من التثبيت، و حجة من خفف أن ضد المحو الإثبات لا التثبت. و لأن التشديد للتكثير، و ليس القصد بالمحو التكثير، فكذلك ما يكون في مقابلته، و من شدد احتج بقوله: وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء: 66]و قوله: فَثَبِّتُوا [الأنفال: 12].

المسألة الثالثة: المحو ذهاب أثر الكتابة، يقال: محاه يمحوه محوا إذا أذهب أثره، و قوله: وَ يُثْبِتُ قال النحويون: أراد و يثبته إلا أنه استغنى بتعدية للفعل الأول عن تعدية الثاني، و هو كقوله تعالى: وَ اَلْحََافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ اَلْحََافِظََاتِ [الأحزاب: 35].

المسألة الرابعة: في هذه الآية قولان:

القول الأول: إنها عامة في كل شي‏ء كما يقتضيه ظاهر اللفظ. قالوا: إن اللّه يمحو من الرزق/و يزيد فيه، و كذا القول في الأجل و السعادة و الشقاوة و الإيمان و الكفر، و هو مذهب عمر و ابن مسعود. و القائلون بهذا القول كانوا يدعون و يتضرعون إلى اللّه تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء، و هذا التأويل رواه جابر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.

و القول الثاني: أن هذه الآية خاصة في بعض الأشقياء دون البعض، و على هذا التقرير ففي الآية وجوه:

الأول: المراد من المحو و الإثبات: نسخ الحكم المتقدم و إثبات حكم آخر بدلا عن الأول. الثاني: أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة و لا سيئة، لأنهم مأمورون بكتابة كل قول و فعل و يثبت غيره، و طعن أبو بكر الأصم فيه فقال: إنه تعالى وصف الكتاب بقوله: لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا [الكهف: 49] و قال أيضا: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ*`وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7، 8].

أجاب القاضي عنه: بأنه لا يغادر صغيرة و لا كبيرة من الذنوب و المباح لا صغيرة و لا كبيرة، و للأصم أن يجيب عن هذا الجواب فيقول: إنكم باصطلاحكم خصصتم الصغيرة بالذنب الصغير، و الكبيرة بالذنب الكبير، و هذا مجرد اصطلاح المتكلمين. أما في أصل اللغة فالصغير و الكبير يتناولان كل فعل و عرض، لأنه إن كان حقيرا فهو صغير، و إن كان غير ذلك فهو كبير، و على هذا التقرير فقوله: لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا [الكهف: 49]يتناول المباحات أيضا. الثالث: أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه، فإذا تاب عنه محي من ديوانه. الرابع: يَمْحُوا اَللََّهُ مََا يَشََاءُ و هو من جاء أجله. و يدع من لم يجي‏ء أجله و يثبته. الخامس: أنه تعالى يثبت في أول السنة حكم تلك السنة فإذا مضت السنة محيت، و أثبت كتاب آخر للمستقبل. السادس: يمحو نور القمر، و يثبت نور الشمس. السابع: يمحو الدنيا و يثبت الآخرة. الثامن:

أنه في الأرزاق و المحن و المصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء و الصدقة، و فيه حث على الانقطاع إلى اللّه تعالى. التاسع: تغير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو، و ما حصل و حضر فهو الإثبات. العاشر: يزيل ما يشاء و يثبت ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحدا فهو المنفرد بالحكم كما يشاء، و هو المستقل بالإيجاد

52

و الإعدام و الإحياء و الإماتة و الإغناء و الإفقار بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه.

و اعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم.

فإن قال قائل: ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف بها القلم و ليس الأمر بأنف، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو و الإثبات؟ قلنا: ذلك المحو و الإثبات أيضا مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه و قضائه محوه.

المسألة الخامسة: قالت الرافضة: البداء جائز على اللّه تعالى، و هو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده، و تمسكوا فيه بقوله: يَمْحُوا اَللََّهُ مََا يَشََاءُ وَ يُثْبِتُ .

و اعلم أن هذا باطل لأن علم اللّه من لوازم ذاته المخصوصة، و ما كان كذلك كان دخول التغير و التبدل فيه محالا.

المسألة السادسة: أما أُمُّ اَلْكِتََابِ فالمراد أصل الكتاب، و العرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشي‏ء أما له و منه أم الرأس للدماغ، و أم القرى لمكة، و كل مدينة فهي أم لما حولها من القرى، فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب، و فيه قولان:

القول الأول: أن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ، و جميع حوادث العالم العلوي و العالم السفلي مثبت فيه

عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: «كان اللّه و لا شي‏ء معه ثم خلق اللوح و أثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة»

قال المتكلمون: الحكمة فيه أن يظهر للملائكة كونه تعالى عالما بجميع المعلومات على سبيل التفصيل، و على هذا التقدير: فعند اللّه كتابان: أحدهما: الكتاب الذي يكتبه الملائكة على الخلق و ذلك الكتاب محل المحو و الإثبات. و الكتاب الثاني: هو اللوح المحفوظ، و هو الكتاب المشتمل على تعين جميع الأحوال العلوية و السفلية، و هو الباقي.

روى أبو الدرداء عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «أن اللّه سبحانه و تعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء و يثبت ما يشاء،

و للحكماء في تفسير هذين الكتابين كلمات عجيبة و أسرار غامضة.

و القول الثاني: إن أم الكتاب هو علم اللّه تعالى، فإنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الموجودات و المعدومات و إن تغيرت، إلا أن علم اللّه تعالى بها باق منزه عن التغير، فالمراد بأم الكتاب هو ذاك. و اللّه أعلم.

اعلم أن المعنى: وَ إِنْ مََا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اَلَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل ذلك، و المعنى:

/سواء أريناك ذلك أو توفيناك قبل ظهوره، فالواجب عليك تبليغ أحكام اللّه تعالى و أداء أمانته و رسالته و علينا الحساب. و البلاغ اسم أقيم مقام التبليغ كالسراج و الأداء.

53

اعلم أنه تعالى لما وعد رسوله بأن يريه بعض ما وعدوه أو يتوفاه قبل ذلك، بين في هذه الآية أن آثار حصول تلك المواعيد و علاماتها قد ظهرت و قويت. و قوله: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا نَأْتِي اَلْأَرْضَ نَنْقُصُهََا مِنْ أَطْرََافِهََا فيه أقوال:

القول الأول: المراد أنا نأتي أرض الكفرة ننقصها من أطرافها و ذلك لأن المسلمين يستولون على أطراف مكة و يأخذونها من الكفرة قهرا و جبرا فانتقاص أحوال الكفرة و ازدياد قوة المسلمين من أقوى العلامات و الأمارات على أن اللّه تعالى ينجز وعده. و نظيره قوله تعالى: أَ فَلاََ يَرَوْنَ أَنََّا نَأْتِي اَلْأَرْضَ نَنْقُصُهََا مِنْ أَطْرََافِهََا أَ فَهُمُ اَلْغََالِبُونَ [الأنبياء: 44]و قوله: سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي اَلْآفََاقِ [فصلت: 53].

و القول الثاني: و هو أيضا منقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن قوله: نَنْقُصُهََا مِنْ أَطْرََافِهََا المراد:

موت أشرافها و كبرائها و علمائها و ذهاب الصلحاء و الأخيار، و قال الواحدي: و هذا القول و إن احتمله اللفظ إلا أن اللائق بهذا الموضع هو الوجه الأول. و يمكن أن يقال هذا الوجه أيضا لا يليق بهذا الموضع، و تقريره أن يقال: أولم يروا ما يحدث في الدنيا من الاختلافات خراب بعد عمارة، و موت بعد حياة، و ذل بعد عز، و نقص بعد كمال، و إذا كانت هذه التغيرات مشاهدة محسوسة فما الذي يؤمنهم من أن يقلب اللّه الأمر على هؤلاء الكفرة فيجعلهم ذليلين بعد أن كانوا عزيزين، و يجعلهم مقهورين بعد أن كانوا قاهرين، و على هذا الوجه فيحسن اتصال هذا الكلام بما قبله، و قيل: نَنْقُصُهََا مِنْ أَطْرََافِهََا بموت أهلها و تخريب ديارهم و بلادهم فهؤلاء الكفرة /كيف أمنوا من أن يحدث فيهم أمثال هذه الوقائع؟ ثم قال تعالى مؤكدا لهذا المعنى: وَ اَللََّهُ يَحْكُمُ لاََ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ معناه: لا راد لحكمه، و المعقب هو الذي يعقبه بالرد و الإبطال، و منه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء و الطلب.

فإن قيل: ما محل قوله: لاََ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ .

قلنا: هو جملة محلها النصب على الحال كأنه قيل: و اللّه يحكم نافذا حكمه خاليا عن المدافع و المعارض و المنازع.

ثم قال: وَ هُوَ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ قال ابن عباس: يريد سريع الانتقام يعني أن حسابه للمجازاة بالخير و الشر يكون سريعا قريبا لا يدفعه دافع.

أما قوله: وَ قَدْ مَكَرَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني أن كفار الأمم الماضية قد مكروا برسلهم و أنبيائهم مثل نمرود مكر بإبراهيم، و فرعون مكر بموسى، و اليهود مكروا بعيسى.

ثم قال: فَلِلََّهِ اَلْمَكْرُ جَمِيعاً قال الواحدي: معناه أن مكر جميع الماكرين له و منه، أي هو حاصل بتخليقه و إرادته، لأنه ثبت أن اللّه تعالى هو الخالق لجميع أعمال العباد، و أيضا فذلك المكر لا يضر إلا بإذن اللّه تعالى و لا يؤثر إلى بتقديره، و فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه و سلم و أمان له من مكرهم، كأنه قيل له: إذا كان حدوث المكر من اللّه و تأثيره من الممكور به أيضا من اللّه وجب أن لا يكون الخوف إلا من اللّه تعالى و أن لا يكون الرجاء إلا من

54

اللّه تعالى، و ذهب بعض الناس إلى أن المعنى: فلله جزاء المكر، و ذلك لأنهم لما مكروا بالمؤمنين بين اللّه تعالى أنه يجازيهم على مكرهم. قال الواحدي: و الأول أظهر لقولين بدليل قوله: يَعْلَمُ مََا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ يريد أن اكساب العباد بأسرها معلومة للّه تعالى و خلاف المعلوم ممتنع الوقوع، و إذا كان كذلك فكل ما علم اللّه وقوعه فهو واجب الوقوع، و كل ما علم اللّه عدمه كان ممتنع الوقوع، و إذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل و الترك، فكان الكل من اللّه تعالى. قالت المعتزلة: الآية الأولى إن دلت على قولكم فالآية الثانية و هي قوله:

يَعْلَمُ مََا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ دلت على قولنا، لأن الكسب هو الفعل المشتمل على دفع مضرة أو جلب منفعة، و لو كان حدوث الفعل بخلق اللّه تعالى لم يكن لقدرة العبد فيه أثر، فوجب أن لا يكون للعبد كسب.

و جوابه: أن مذهبنا أن مجموع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل و على هذا التقدير فالكسب حاصل للعبد.

ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد فقال: وَ سَيَعْلَمُ اَلْكُفََّارُ لِمَنْ عُقْبَى اَلدََّارِ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ نافع و ابن كثير و أبو عمرو: و سيعلم الكافر على لفظ المفرد و الباقون على الجمع قال صاحب «الكشاف» قرئ: (الكفار، و الكافرون، و الذين كفروا، و الكفر) أي أهله قرأ جناح بن حبيش: (و سيعلم الكافر) من أعلمه أي سيخبر.

المسألة الثانية: المراد بالكافر الجنس كقوله تعالى: إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: 2]و المعنى:

إنهم و إن كانوا جهالا بالعواقب فسيعلمون لمن العاقبة الحميدة، و ذلك كالزجر و التهديد.

و القول الثاني: و هو قول عطاء يريد المستهزئين و هم خمسة، و المقتسمين و هم ثمانية و عشرون.

و القول الثالث: و هو قول ابن عباس يريد أبا الجهل. و القول الأول هو الصواب.

اعلم أنه تعالى حكى عن القوم أنهم أنكروا كونه رسولا من عند اللّه. ثم إنه تعالى احتج عليهم بأمرين:

الأول: شهادة اللّه على نبوته، و المراد من تلك الشهادة أنه تعالى أظهر المعجزات الدالة على كونه صادقا في ادعاء الرسالة، و هذا أعلى مراتب الشهادة لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كذلك. أما المعجز فإنه فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولا من عند اللّه تعالى، فكان إظهار المعجزة أعظم مراتب الشهادة.

و الثاني: قوله: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتََابِ و فيه قراءتان: إحداهما: القراءة المشهورة: وَ مَنْ عِنْدَهُ يعني و الذي عنده علم الكتاب. و الثانية: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتََابِ و كلمة «من» هاهنا لابتداء الغاية أي و من عند اللّه حصل علم الكتاب. أما على القراءة الأولى ففي تفسير الآية أقوال:

القول الأول: أن المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و هم: عبد اللّه بن سلام، و سلمان الفارسي، و تميم الداري. و يروي عن سعيد بن جبير: أنه كان يبطل هذا الوجه و يقول: السورة مكية فلا يجوز أن يراد به ابن سلام و أصحابه، لأنهم آمنوا في المدينة بعد الهجرة. و أجيب عن هذا السؤال بأن قيل:

هذه السورة و إن كانت مكية إلا أن هذه الآية/مدنية، و أيضا فإثبات النبوة بقول الواحد و الإثنين مع كونهما غير معصومين عن الكذب لا يجوز، و هذا السؤال واقع.