التفسير الكبير - ج20

- الفخر الرازي‏ المزيد...
362 /
185

الجزء العشرون‏

تتمة سورة النحل‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن اللّه تعالى لما أجاب في هذه الآية عن السؤال الذي ذكرناه من وجهين: الأول:

أن نقول: إن حدوث الحوادث في هذا العالم السفلي مسندة إلى الاتصالات الفلكية و التشكلات الكوكبية إلا أنه لا بد لحركاتها و اتصالاتها من أسباب، و أسباب تلك الحركات إما ذواتها و إما أمور مغايرة لها، و الأول باطل لوجهين: الأول: أن الأجسام متماثلة، فلو كان جسم علة لصفة لكان كل جسم واجب الاتصاف بتلك الصفة و هو محال، و الثاني: أن ذات الجسم لو كانت علة لحصول هذا الجزء من الحركة لوجب دوام هذا الجزء من الحركة بدوام تلك الذات، و لو كان كذلك، لوجب بقاء الجسم على حالة واحدة من غير تغير أصلا، و ذلك يوجب كونه ساكنا، و يمنع من كونه متحركا، فثبت أن القول بأن الجسم متحرك لذاته يوجب كونه ساكنا لذاته و ما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلا، فثبت أن الجسم يمتنع أن يكون متحركا لكونه جسما، فبقي أن يكون متحركا لغيره، و ذلك الغير إما أن يكون ساريا فيه أو مباينا عنه، و الأول باطل، لأن البحث المذكور عائد في أن ذلك الجسم بعينه لم اختص بتلك القوة بعينها دون سائر الأجسام، فثبت أن محرك أجسام الأفلاك و الكواكب أمور مباينة عنها، و ذلك المباين إن كان جسما أو جسمانيا عاد التقسم/الأول فيه، و إن لم يكن جسما و لا جسمانيا فإما أن يكون موجبا بالذات أو فاعلا مختارا و الأول باطل، لأن نسبة ذلك الموجب بالذات إلى جميع الأجسام على السوية، فلم يكن بعض الأجسام بقبول بعض الآثار المعينة أولى من بعض، و لما بطل هذا ثبت أن محرك الأفلاك و الكواكب هو الفاعل المختار القادر المنزه عن كونه جسما و جسمانيا، و ذلك هو اللّه تعالى، فالحاصل أنا و لو حكمنا بإسناد حوادث العالم السفلي إلى الحركات الفلكية و الكوكبية فهذه الحركات الكوكبية، و الفلكية لا يمكن إسنادها إلى أفلاك أخرى و إلا لزم التسلسل و هو محال، فوجب أن يكون خالق هذه الحركات و مدبرها هو اللّه تعالى، و إذا كانت الحوادث السفلية مستندة إلى الحركات الفلكية، و ثبت أن الحركات الفلكية حادثة بتخليق اللّه تعالى و تقديره و تكوينه، فكان هذا اعترافا بأن الكل من اللّه تعالى و بإحداثه و تخليقه، و هذا هو المراد من قوله: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ يعني إن كانت تلك الحوادث السفلية لأجل‏

186

تعاقب الليل و النهار و حركات الشمس و القمر، فهذه الأشياء لا بد و أن يكون حدوثها بتخليق اللّه تعالى و تسخيره قطعا للتسلسل، و لما تم هذا الدليل في هذا المقام لا جرم ختم هذه الآية بقوله: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يعني أن كل من كان عاقلا علم أن القول بالتسلسل باطل و لا بد من الانتهاء في آخر الأمر إلى الفاعل المختار القدير فهذا تقرير أحد الجوابين.

و الجواب الثاني: عن ذلك السؤال أن نقول: نحن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث النبات و الحيوان لأجل تأثير الطباع و الأفلاك و الأنجم، و ذلك لأن تأثير الطبائع و الأفلاك و الأنجم و الشمس و القمر بالنسبة إلى الكل واحد، ثم نرى أنه إذا تولد العنب كان قشره على طبع و عجمه على طبع و لحمه على طبع ثالث و ماؤه على طبع رابع، بل نقول: إنا نرى في الورد ما يكون أحد وجهي الورقة الواحدة منه في غاية الصفرة، و الوجه الثاني: من تلك الورقة في غاية الحمرة و تلك الورقة تكون في غاية الرقة و اللطافة، و نعلم بالضرورة أن نسبة الأنجم و الأفلاك إلى وجهي تلك الورقة الرقيقة، نسبة واحدة، و الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة لا تفعل إلا فعلا واحدا، ألا ترى أنهم قالوا: شكل البسيط هو الكرة لأن تأثير الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة يجب أن يكون متشابها، و الشكل الذي يتشابه جميع جوانبه هو الكرة، و أيضا إذا وضعنا الشمع فإذا استضاء خمسة أذرع من ذلك الشمع من أحد الجوانب، وجب أن يحصل مثل هذا الأثر في جميع الجوانب، لأن الطبيعة المؤثرة يجب أن تتشابه نسبتها إلى كل الجوانب.

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أن نسبة الشمس و القمر و الأنجم و الأفلاك و الطبائع إلى وجهي/تلك الورقة اللطيفة الرقيقة نسبة واحدة، و ثبت أن الطبيعة المؤثرة متى كانت نسبتها واحدة كان الأثر متشابها و ثبت أن الأثر غير متشابه، لأن أحد جانبي تلك الورقة في غاية الصفرة، و الوجه الثاني في غاية الحمرة فهذا يفيد القطع بأن المؤثر في حصول هذه الصفات و الألوان و الأحوال ليس هو الطبيعة، بل المؤثر فيها هو الفاعل المختار الحكيم، و هو اللّه سبحانه و تعالى، و هذا هو المراد من قوله: وَ مََا ذَرَأَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوََانُهُ .

و اعلم أنه لما كان مدار هذه الحجة على أن المؤثر الموجب بالذات و بالطبيعة يجب أن يكون نسبته إلى الكل نسبة واحدة، فلما دل الحس في هذه الأجسام النباتية على اختلاف صفاتها و تنافر أحوالها ظهر أن المؤثر فيها ليس واجبا بالذات بل فاعلا مختارا فهذا تمام تقرير هذه الدلائل و ثبت أن ختم الآية الأولى بقوله: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ و الآية الثانية بقوله: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ و الآية الثالثة بقوله: لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ هو الذي نبه على هذه الفوائد النفيسة و الدلائل الظاهرة و الحمد للّه على ألطافه في الدين و الدنيا.

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر: و الشمس و القمر و النجوم كلها بالرفع على الابتداء و الخبر هو قوله:

مُسَخَّرََاتٌ و قرأ حفص عن عاصم: وَ اَلنُّجُومُ بالرفع على أن يكون قوله: وَ اَلنُّجُومُ ابتداء و إنما حملها على هذا لئلا يتكرر لفظ التسخير، إذ العرب لا تقول سخرت هذا الشي‏ء مسخرا فجوابه أن المعنى أنه تعالى سخر لنا هذه الأشياء حال كونها مسخرة تحت قدرته و إرادته، و هذا هو الكلام الصحيح، و التقدير: أنه تعالى سخر للناس هذه الأشياء و جعلها موافقة لمصالحها حال كونها مسخرة تحت قدرة اللّه تعالى و أمره و إذنه، و على هذا التقدير فالتكرير الخالي عن الفائدة غير لازم و اللّه علم. بقي في الآية سؤالات:

187

السؤال الأول: التسخير عبارة عن القهر و القسر، و لا يليق ذلك إلا بمن هو قادر يجوز أن يقهر، فكيف يصح ذلك في الليل و النهار و في الجمادات و الشمس و القمر؟ و الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى لما دبر هذه الأشياء على طريقة واحدة مطابقة لمصالح العباد صارت شبيهة بالعبد المنقاد المطواع، فلهذا المعنى أطلق على هذا النوع من التدبير لفظ التسخير. و عن الوجه الثاني في الجواب: و هو لا يستقيم إلا على مذهب أصحاب علم الهيئة، و ذلك لأنهم يقولون: الحركة الطبيعية للشمس و القمر هي الحركة من المغرب إلى المشرق و اللّه تعالى يحرك هذه الكواكب بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب، فكانت هذه الحركة قسرية، فلهذا السبب ورد فيها اللفظ التسخير.

السؤال الثاني: إذا كان لا يحصل للنهار و الليل وجود إلا بسبب حركات الشمس كان ذكر/النهار و الليل مغنيا عن ذكر الشمس.

و الجواب: أن حدوث النهار و الليل ليس بسبب حركة الشمس، بل حدوثهما بسبب حركة الفلك الأعظم الذي دللنا على أن حركته ليست إلا بتحريك اللّه سبحانه، و أما حركة الشمس فإنها علة لحدوث السنة لا لحدوث اليوم.

السؤال الثالث: ما معنى قوله: مُسَخَّرََاتٌ بِأَمْرِهِ و المؤثر في التسخير هو القدرة لا الأمر.

و الجواب: أن هذه الآية مبنية على أن الأفلاك و الكواكب جمادات أم لا، و أكثر المسلمين على أنها جمادات، فلا جرم حملوا الأمر في هذه الآية على الخلق و التقدير، و لفظ الأمر بمعنى الشأن و الفعل كثير قال تعالى: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40]و من الناس من يقول إنها ليست جمادات فههنا يحمل الأمر على الأذن و التكليف و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما احتج على إثبات الإله في المرتبة الأولى بأجرام السموات، و في المرتبة الثانية ببدن الإنسان و نفسه، و في المرتبة الثالثة بعجائب خلقة الحيوانات، و في المرتبة الرابعة بعجائب طبائع النبات ذكر في المرتبة الخامسة الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال العناصر فبدأ منها بالاستدلال بعنصر الماء.

و اعلم أن علماء الهيئة قالوا: ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء و ذاك هو البحر المحيط و هو كلية عنصر الماء و حصل في هذا الربع المسكون سبعة من البحار كما قال بعده: وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [لقمان: 27]و البحر الذي سخره اللّه تعالى للناس هو هذه البحار، و معنى تسخير اللّه تعالى إياها للخلق جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها إما بالركوب أو بالغوص.

و اعلم أن منافع البحار كثيرة و اللّه تعالى ذكر منها في هذه الآية ثلاثة أنواع:

المنفعة الأولى: قوله تعالى: لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن الأعرابي لحم طري غير مهموز، و قد طرو يطرو طراوة، و قال/الفراء: طرا

188

يطرا طراء ممدودا و طراوة كما يقال شقي يشقى شقاء و شقاوة.

و اعلم أن في ذكر الطري مزيد فائدة، و ذلك لأنه لو كان السمك كله مالحا، لما عرف به من قدرة اللّه تعالى ما يعرف بالطري فإنه لما خرج من البحر الملح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة علم أنه إنما حدث لا بحسب الطبيعة، بل بقدرة اللّه و حكمته حيث أظهر الضد من الضد.

المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رحمه اللّه: لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السمك لا يحنث قالوا: لأن لحم السمك ليس بلحم، و قال آخرون: إنه يحنث لأنه تعالى نص على كونه لحما في هذه الآية و ليس فوق بيان اللّه بيان. روي أن أبا حنيفة رحمه اللّه لما قال بهذا القول و سمعه سفيان الثوري فأنكر عليه ذلك، و احتج عليه بهذه الآية بعث إليه رجلا و سأله عن رجل حلف لا يصلي على البساط فصلى على الأرض هل يحنث أم لا؟قال سفيان: لا يحنث فقال السائل: أليس أن اللّه تعالى قال: وَ اَللََّهُ جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ بِسََاطاً [نوح: 19]قال فعرف سفيان أن ذلك كان بتلقين أبي حنيفة.

و لقائل أن يقول: هذا الكلام ليس بقوي، لأن أقصى ما في الباب أنا تركنا العمل بظاهر القرآن في لفظ البساط للدليل الذي قام عليه فكيف يلزمنا ترك العمل بظاهر القرآن في آية أخرى و الفرق بين الصورتين من وجهين: الأول: أنه لما حلف لا يصلي على البساط فلو أدخلنا الأرض تحت لفظ البساط لزمنا أن نمنعه من الصلاة، لأنه إن صلى على الأرض المفروشة بالبساط لزمه الحنث لا محالة، و لو صلى على الأرض التي لا تكون مفروشة لزمه الحنث أيضا على تقدير أن يدخل الأرض تحت لفظ البساط، فهذا يقتضي منعه من الصلاة، و ذلك مما لا سبيل إليه بخلاف ما إذا أدخلنا لحم السمك تحت لفظ اللحم، لأنه ليس في منعه من أكل اللحم على الإطلاق محذور فظهر الفرق. الثاني: أنا نعلم بالضرورة من عرف أهل اللغة أن وقوع اسم البساط على الأرض الخالصة مجاز أما وقوع اسم اللحم على لحم السمك فلم يعرف أنه مجاز، فظهر الفرق و اللّه أعلم.

و حجة أبي حنيفة رحمه اللّه أن: مبنى الأيمان على العادة، و عادة الناس إذا ذكر اللحم على الإطلاق أن لا يفهم منه لحم السمك بدليل أنه إذا قال الرجل لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحما فجاء بالسمك كان حقيقا بالإنكار.

و الجواب: أنا رأيناكم في كتاب الأيمان تارة تعتبرون اللفظ و تارة تعتبرون العرف، و ما رأيناكم ذكرتم ضابطا بين القسمين و الدليل عليه أنه إذا قال لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحما فجاء بلحم العصفور كان حقيقا بالإنكار عليه، مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور، فثبت أن العرف/مضطرب، و الرجوع إلى نص القرآن متعين. و اللّه أعلم.

المنفعة الثانية: من منافع البحر قوله تعالى: وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهََا و المراد بالحلية اللؤلؤ و المرجان كما قال تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجََانُ [الرحمن: 22]و المراد: بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم، و لأن إقدامهن على التزين بها إنما يكون من أجلهم فكأنها زينتهم و لباسهم، و رأيت بعض أصحابنا تمسكوا في مسألة أنه لا يجب الزكاة في الحلي المباح‏

بحديث عروة عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: «لا زكاة في الحلي»

فقلت هذا الحديث ضعيف الرواية و بتقدير الصحة فيمكن أن يقال فيه لفظ الحلي لفظ مفرد محلى‏

189

بالألف و اللام، و قد بينا في أصول الفقه أن هذا اللفظ يجب حمله على المعهود السابق، و الحلي الذي هو المعهود السابق هو الذي ذكره اللّه تعالى في كتابه في هذه الآية و هو قوله: وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهََا فصار بتقدير صحة ذلك الخبر لا زكاة في اللئالئ، و حينئذ يسقط الاستدلال به. و اللّه أعلم.

المنفعة الثالثة: قوله تعالى: وَ تَرَى اَلْفُلْكَ مَوََاخِرَ فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها، و عن الفراء: أنه صوت جري الفلك بالرياح.

إذا عرفت هذا فقول ابن عباس: مَوََاخِرَ أي جواري، إنما حسن التفسير به، لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية. و قوله تعالى: وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني لتركبوه للتجارة فتطلبوا الربح من فضل اللّه و إذا وجدتم فضل اللّه تعالى و إحسانه فلعلكم تقدمون على شكره. و اللّه أعلم.

اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر بعض النعم التي خلقها اللّه تعالى في الأرض.

فالنعمة الأولى: قوله: وَ أَلْقى‏ََ فِي اَلْأَرْضِ رَوََاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ يعني لئلا تميد بكم على قول الكوفيين و كراهة أن تميد بكم على قول البصريين، و ذكرنا هذا عند قوله تعالى: يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: 176]و الميد الحركة و الاضطراب يمينا و شمالا يقال: ماد يميد ميدا.

المسألة الثانية: المشهور عن الجمهور في تفسير هذه الآية أن قالوا: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء، فإنها تميد من جانب إلى جانب، و تضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فاستوت. قالوا فكذلك لما خلق اللّه تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت و مادت، فخلق اللّه تعالى عليها هذه الجبال الثقال فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل هذه الجبال.

و لقائل أن يقول: هذا يشكل من وجوه: الأول: أن هذا التعليل إما أن يذكر مع تسليم كون الأرض و الماء ثقيلة بالطبع أو مع المنع من هذا الأصل و مع القول بأن حركات هذه الأجسام بطباعها أو ليست بطباعها بل هي واقعة بتخليق الفاعل المختار، أما على التقدير الأول فهذا التعليل مشكل، لأن على هذا الأصل لا شك أن الأرض أثقل من الماء، و الأثقل من الماء يغوص في الماء و لا يبقى طافيا عليه و إذا لم يبق طافيا عليه امتنع أن يقال: إنها تميد و تميل و تضطرب، و هذا بخلاف السفينة لأنها متخذة من الخشب و في داخل الخشب تجويفات مملوءة من الهواء، فلهذا السبب تبقى الخشبة طافية على الماء فحينئذ تضطرب و تميد و تميل على وجه الماء فإذا أرسيت بالأجسام الثقيلة استقرت و سكنت فظهر الفرق، و أما على التقدير الثاني و هو أن يقال: ليس للأرض و لا للماء طبائع توجب الثقل و الرسوب و الأرض إنما تنزل، لأن اللّه تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك و إنما صار الماء محيطا بالأرض لمجرد إجراء العادة، و ليس هاهنا طبيعة للأرض و لا للماء توجب حالة مخصوصة فنقول:

فعلى هذا التقدير علة سكون الأرض هي أن اللّه تعالى يخلق فيها السكون و علة كونها مائدة مضطربة هي أن اللّه تعالى يخلق فيها الحركة و على هذا التقدير فإنه يفسد القول بأن الأرض كانت مائلة فخلق اللّه الجبال و أرساها

190

عليها لتبقى ساكنة، لأن هذا إنما يصح إذا كان طبيعة الأرض توجب الميدان و طبيعة الجبال توجب الإرساء و الثبات، و نحن إنما نتكلم الآن على تقدير نفي الطبائع الموجبة لهذه الأحوال، فثبت أن هذا التعليل مشكل على كل التقديرات.

السؤال الثاني: هو أن إرساء الأرض بالجبال إنما يعقل لأجل أن تبقى الأرض على وجه الماء من غير أن تميد و تميل من جانب إلى جانب، و هذا إنما يعقل إذا كان الماء الذي استقرت الأرض على وجهه واقفا فنقول:

فما المقتضى لسكون ذلك الماء و وقوفه في حيزه المخصوص، فإن قلت: المقتضي لسكونه في ذلك الحيز المخصوص هو أن طبيعته المخصوصة توجب وقوفه في ذلك المعين، فلم لا تقول: مثله في الأرض و هو أن الطبيعة المخصوصة التي للأرض توجب وقوفها في ذلك الحيز المعين و ذلك يفيد القول بأن الأرض إنما وقفت بسبب أن اللّه تعالى/أرساها بالجبال. فإن قلت: المقتضى لسكون الماء في حيزه المعين هو أن اللّه تعالى سكن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص، فلم لا تقول مثله في سكون الأرض، و حينئذ يفسد هذا التعليل أيضا.

السؤال الثالث: أن مجموع الأرض جسم عظيم، فبتقدير أن تميد كليته و تضطرب على وجه البحر المحيط لم تظهر تلك الحالة للناس.

فإن قيل: أليس أن الأرض تحركها البخارات المحتقنة في داخلها عند الزلازل، و تظهر تلك الحركات للناس فبم تنكرون على من يقول: إنه لولا الجبال لتحركت الأرض، إلا أنه تعالى لما أرساها بالجبال الثقال لم تقو الرياح على تحريكها.

قلنا: تلك البخارات إنما احتقنت في داخل قطعة صغيرة من الأرض، فلما حصلت الحركة في تلك القطعة الصغيرة ظهرت تلك الحركة. قال القائلون بهذا القول: إن ظهور الحركة في تلك القطعة المعينة من الأرض يجري مجرى اختلاج يحصل في عضو معين من بدن الإنسان أما لو حركت كلية الأرض لم تظهر تلك الحركة، ألا ترى أن الساكن في السفينة لا يحس بحركة كلية السفينة و إن كانت واقعة على أسرع الوجوه و أقواها فكذا هاهنا، فهذا ما في هذا الموضع من المباحث الدقيقة العميقة و الذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كرة، و ثبت أن هذه الجبال على سطح هذه الكرة جارية مجرى خشونات تحصل على وجه هذه الكرة.

إذا ثبت هذا فنقول: لو فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة بل كانت الأرض كرة حقيقية خالية عن الخشونات و التضريسات لصارت بحيث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب لأن الجرم البسيط المستدير إما أن يجب كونه متحركا بالاستدارة على نفسه و إن لم يجب ذلك عقلا إلا أنه بأدنى سبب يتحرك على هذا الوجه، أما لما حصل على ظاهر سطح كرة الأرض هذه الجبال و كانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه نحو مركز العالم و توجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم و قوته الشديدة يكون جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة، فكان تخليق هذه الجبال على وجه الأرض كالأوتاد المغروزة في الكرة المانعة لها عن الحركة المستديرة، فكانت مانعة للأرض من الميد و الميل و الاضطراب بمعنى أنها منعت الأرض من الحركة المستديرة، فهذا ما وصل إليه بحثي في هذا الباب. و اللّه أعلم بمراده.

191

النعمة الثانية: من النعم التي أظهرها اللّه تعالى على وجه الأرض هي أنه تعالى أجرى الأنهار على وجه الأرض و اعلم أنه حصل هاهنا بحثان:

البحث الأول: أن قوله: وَ أَنْهََاراً معطوف على قوله: وَ أَلْقى‏ََ فِي اَلْأَرْضِ رَوََاسِيَ و التقدير و ألقى رواسي و أنهارا. و خلق الأنهار لا يبعد أن يسمى بالإلقاء فيقال: ألقى اللّه في الأرض أنهارا كما قال: وَ أَلْقَيْنََا فِيهََا رَوََاسِيَ* [ق: 7]و الإلقاء معناه الجعل ألا تر أنه تعالى قال في آية أخرى: وَ جَعَلَ فِيهََا رَوََاسِيَ مِنْ فَوْقِهََا وَ بََارَكَ فِيهََا [فصلت: 10]و الإلقاء يقارب الإنزال، لأن الإلقاء يدل على طرح الشي‏ء من الأعلى إلى الأسفل، إلا أن المراد من هذا الإلقاء الجعل و الخلق قال تعالى: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه: 39].

البحث الثاني: أنه ثبت في العلوم العقلية أن أكثر الأنهار إنما تتفجر منابعها في الجبال، فلهذا السبب لما ذكر اللّه تعالى الجبال أتبع ذكرها بتفجير العيون و الأنهار.

النعمة الثالثة: قوله: وَ سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ و هي أيضا معطوفة على قوله: وَ أَلْقى‏ََ فِي اَلْأَرْضِ رَوََاسِيَ و التقدير: و ألقى في الأرض سبلا و معناه: أنه تعالى أظهرها و بينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم و نظيره قوله تعالى في آية أخرى: وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيهََا سُبُلاً [طه: 53]و قوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي لكي تهتدوا.

و اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلا معينة ذكر أنه أظهر فيها علامات مخصوصة حيت يتمكن المكلف من الاستدلال بها فيصل بواسطتها إلى مقصوده فقال: وَ عَلاََمََاتٍ و هي أيضا معطوفة على قوله:

فِي اَلْأَرْضِ رَوََاسِيَ و التقدير: و ألقى في الأرض رواسي و ألقى فيها أنهارا و سبلا و ألقى فيها علامات و المراد بالعلامات معالم الطرق و هي الأشياء التي بها يهتدي، و هذه العلامات هي الجبال و الرياح و رأيت جماعة يشمون التراب و بواسطة ذلك الشم يتعرفون الطرق. قال الأخفش تم الكلام عند قوله: وَ عَلاََمََاتٍ و قوله: وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ كلام منفصل عن الأول، و المراد بالنجم الجنس كقولك: كثر الدرهم في أيدي الناس. و عن السدي هو الثريا، و الفرقدان، و بنات نعش، و الجدي، و قرأ الحسن: وَ بِالنَّجْمِ بضمتين و بضمة فسكون، و هو جمع نجم كرهن و رهن و السكون تخفيف. و قيل: حذف الواو من النجم تخفيفا.

فإن قيل: قوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ خطاب الحاضرين و قوله: وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ خطاب للغائبين فما السبب فيه؟ قلنا: إن قريشا كانت تكثر أسفارها لطلب المال، و من كثرت أسفاره كان علمه بالمنافع الحاصلة من الاهتداء بالنجوم أكثر و أتم فقوله: وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ إشارة إلى قريش للسبب الذي ذكرناه. و اللّه أعلم.

و اختلف المفسرون فمنهم من قال قوله: وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ مختص بالبحر، لأنه تعالى لما/ذكر صفة البحر و ما فيه من المنافع بين أن من يسيرون فيه يهتدون بالنجم، و منهم من قال: بل هو مطلق يدخل فيه السير في البر و البحر و هذا القول أولى، لأنه أعم في كونه نعمة و لأن الاهتداء بالنجم قد يحصل في الوقتين معا، و من الفقهاء من يجعل ذلك دليلا على أن المسافر إذا عميت عليه القبلة فإنه يجب عليه أن يستدل بالنجوم و بالعلامات التي في الأرض، و هي الجبال و الرياح، و ذلك صحيح، لأنه كما يمكن الاهتداء بهذه العلامات في‏

192

معرفة الطرق و المسالك فكذلك يمكن الاستدلال بها في معرفة طلب القبلة.

و اعلم أن اشتباه القبلة إما أن يكون بعلامات لائحة أو لا يكون، فإن كانت لائحة وجب أن يجب الاجتهاد و يتوجه إلى حيث غلب على الظن أنه هو القبلة، فإن تبين الخطأ وجب الإعادة، لأنه كان مقصرا فيما وجب عليه، و إن لم تظهر العلامات فههنا طريقان:

الطريق الأول: أن يكون مخيرا في الصلاة إلى أي جهة شاء لأن الجهات لما تساوت و امتنع الترجيح لم يبق إلا التخيير.

و الطريق الثاني: أن يصلي إلى جميع الجهات فحينئذ يعلم بيقين أنه خرج عن العهدة و هذا كما يقوله الفقهاء: فيمن نسي صلاة لا يعرفها بعينها أن الواجب عليه في القضاء أن يأتي بالصلوات الخمس ليكون على يقين من قضاء ما لزمه، و منهم من يقول: الواجب منها واحدة فقط و هذا غلط لأنه لما لزمه أن يفعل الكل كان الكل واجبا و إن كان سبب وجوب كل هذه الصلوات فوت الصلاة الواحدة و اللّه أعلم.

في قوله تعالى أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاََ يَخْلُقُ أَ فَلاََ تَذَكَّرُونَ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على وجود القادر الحكيم على الترتيب الأحسن و النظم الأكمل و كانت تلك الدلائل كما أنها كانت دلائل، فكذلك أيضا كانت شرحا و تفصيلا لأنواع نعم اللّه تعالى و أقسام إحسانه أتبعه بذكر إبطال عبادة غير اللّه تعالى و المقصود أنه لما دلت هذه الدلائل الباهرة، و البينات الزاهرة القاهرة على وجود إله قادر حكيم، و ثبت أنه هو المولي لجميع هذه النعم و المعطي لكل هذه الخيرات فكيف يحسن في العقول الاشتغال بعبادة موجود سواه لا سيما إذا كان ذلك الموجود جمادا لا يفهم و لا يقدر، فلهذا الوجه قال بعد تلك الآيات: أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاََ يَخْلُقُ أَ فَلاََ تَذَكَّرُونَ و المعنى: أ فمن يخلق هذه الأشياء التي ذكرناها كمن لا يخلق بل لا يقدر ألبتة على شي‏ء أفلا تذكرون فإن هذا القدر لا يحتاج إلى تدبر و تفكر و نظر. و يكفي فيه أن تتنبهوا على ما في عقولكم من أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، و أنتم ترون في الشاهد إنسانا عاقلا فاهما ينعم بالنعمة العظيمة، و مع ذلك فتعلمون أنه يقبح عبادته فهذه الأصنام جمادات محضة، و ليس لها فهم و لا قدرة و لا اختيار فكيف تقدمون على عبادتها، و كيف تجوزون الاشتغال بخدمتها و طاعتها.

المسألة الثانية: المراد بقوله: كَمَنْ لاََ يَخْلُقُ الأصنام، و أنها جمادات فلا يليق بها لفظة «من» لأنها لأولي العلم. و أجيب عنه من وجوه:

193

الوجه الأول: أن الكفار لما سموها آلهة و عبدوها، لا جرم أجريت مجرى أولي العلم ألا ترى إلى قوله على أثره: وَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ لاََ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ .

و الوجه الثاني: في الجواب أن السبب فيه المشاكلة بينه و بين من يخلق.

و الوجه الثالث: أن يكون المعنى أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف من لا علم عنده كقوله: أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهََا يعني أن الآلهة التي تدعونها حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل و أيد و آذان و قلوب، لأن هؤلاء أحياء و هم أموات فكيف يصح منهم عبادتها، و ليس المراد أنه لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا.

فإن قيل: قوله: أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاََ يَخْلُقُ المقصود منه إلزام عبدة الأوثان، حيث جعلوا غير الخالق مثل الخالق في التسمية بالإله، و في الاشتغال بعبادتها، فكان حق الإلزام أن يقال: أ فمن لا يخلق كمن يخلق.

و الجواب: المراد منه أن من يخلق هذه الأشياء العظيمة و يعطي هذه المنافع الجليلة كيف يسوى بينه و بين هذه الجمادات الخسيسة في التسمية باسم الإله، و في الاشتغال بعبادتها و الإقدام على غاية تعظيمها فوقع التعبير عن هذا المعنى بقوله: أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاََ يَخْلُقُ .

المسألة الثالثة: احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه فقال: إنه تعالى ميز نفسه عن سائر الأشياء التي كانوا يعبدونها بصفة الخالقية لأن قوله: أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاََ يَخْلُقُ الغرض منه بيان كونه ممتازا عن الأنداد بصفة الخالقية و أنه إنما استحق الإلهية و المعبودية بسبب كونه خالقا، فهذا يقتضي أن العبد لو كان خالقا لبعض الأشياء لوجب كونه إلها معبودا، و لما كان ذلك باطلا علمنا أن العبد لا يقدر على الخلق و الإيجاد قالت المعتزلة الجواب: عنه من وجوه:

الوجه الأول: أن المراد أ فمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات و الأرض و الإنسان و الحيوان و النبات و البحار و النجوم و الجبال كمن لا يقدر على خلق شي‏ء أصلا، فهذا يقتضي أن من كان خالقا لهذه الأشياء فإنه يكون إلها و لم يلزم منه أن من يقدر على أفعال نفسه أن يكون إلها.

و الوجه الثاني: أن معنى الآية: أن من كان خالقا كان أفضل ممن لا يكون خالقا، فوجب امتناع التسوية بينهما في الإلهية و المعبودية، و هذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقا فإنه يجب أن يكون إلها. و الدليل عليه قوله تعالى: أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهََا [الأعراف: 195]و معناه: أن الذي حصل له رجل يمشي بها يكون أفضل من الذي حصل له رجل لا يقدر أن يمشي بها، و هذا يوجب أن يكون الإنسان أفضل من الصنم، و الأفضل لا يليق به عبادة الأخس، فهذا هو المقصود من هذه الآية، ثم إنها لا تدل على أن من حصل له رجل يمشي بها أن يكون إلها، فكذلك هاهنا المقصود من هذه الآية بيان أن الخالق أفضل من غير الخالق، فيمتنع التسوية بينهما في الإلهية و المعبودية، و لا يلزم منه أن بمجرد حصول صفة الخالقية يكون إلها.

و الوجه الثالث في الجواب: أن كثيرا من المعتزلة لا يطلقون لفظ الخالق على العبد. قال الكعبي في «تفسيره» إنا لا نقول: إنا نخلق أفعالنا: قال و من أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها اللّه تعالى كقوله:

وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ [المائدة: 110]و قوله: فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ [المؤمنون: 14].

194

و اعلم أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد، حتى أن أبا عبد اللّه البصير بالغ و قال:

إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة و على اللّه مجاز، لأن الخلق عبارة عن التقدير، و ذلك عبارة عن الظن و الحسبان، و هو في حق العبد حاصل و في حق اللّه تعالى محال.

و اعلم أن هذه الأجوبة قوية و الاستدلال بهذه الآية على صحة مذهبنا ليس بقوي، و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين بالآية المتقدمة أن الاشتغال بعبادة غير اللّه باطل و خطأ بين بهذه الآية أن العبد لا يمكنه الإتيان بعبادة اللّه تعالى و شكر نعمه و القيام بحقوق كرمه على سبيل الكمال و التمام، بل العبد و إن أتعب نفسه في القيام بالطاعات و العبادات، و بالغ في شكر نعمة اللّه تعالى فإنه يكون مقصرا، و ذلك لأن الاشتغال بشكر النعم مشروط بعلمه بتلك النعم على سبيل التفصيل و التحصيل، فإن من لا يكون متصورا و لا مفهوما و لا معلوما امتنع الاشتغال بشكره، إلا أن العلم بنعم اللّه تعالى على سبيل التفصيل غير حاصل للعبد، لأن نعم اللّه تعالى كثيرة و أقسامها و شعبها واسعة عظيمة، و عقول الخلق قاصرة عن الإحاطة بمباديها فضلا عن غاياتها أنها غير معلومة على سبيل التفصيل، و ما كان كذلك امتنع الاشتغال بشكره على الوجه الذي يكون ذلك الشكر لائقا بتلك النعم. فهذا هو المفهوم من قوله: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا يعني: أنكم لا تعرفونها على سبيل التمام و الكمال، و إذا لم تعرفوها امتنع منكم القيام بشكرها على سبيل التمام و الكمال، و ذلك يدل على أن شكر الخلق قاصر عن نعم الحق، و على أن طاعات الخلق قاصرة عن ربوبية الحق و على أن معارف الخلق قاصرة عن كنه جلال الحق، و مما يدل قطعا على أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة أقسام نعم اللّه تعالى أن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لتنغص العيش على الإنسان، و لتمنى أن ينفق كل الدنيا حتى يزول عنه ذلك الخلل. ثم إنه تعالى يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الأكمل الأصلح، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء و لا بكيفية مصالحه و لا بدفع مفاسده، فليكن هذا المثال حاضرا في ذهنك، ثم تأمل في جميع ما خلق اللّه في هذا العالم من المعادن و النبات و الحيوان، و جعلها مهيأة لانتفاعك بها، حتى تعلم أن عقول الخلق تفنى في معرفة حكمة الرحمن في خلق الإنسان فضلا عن سائر وجوه الفضل و الإحسان.

فإن قيل: فلما قررتم أن الاشتغال بالشكر موقوف على حصول العلم بأقسام النعم، و دللتم على أن حصول العالم بأقسام النعم محال أو غير واقع، فكيف أمر اللّه الخلق بالقيام بشكر النعم؟ قلنا: الطريق إليه أن يشكر اللّه تعالى على جميع نعمه مفصلها و مجملها. فهذا هو الطريق الذي به يمكن الخروج عن عهدة الشكر. و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: قال بعضهم: إنه ليس للّه على الكافر نعمة و قال الأكثرون: للّه على الكافر و المؤمن نعم كثيرة. و الدليل عليه: أن الإنعام بخلق السموات و الأرض و الإنعام بخلق الإنسان من النطفة، و الإنعام بخلق الأنعام و بخلق الخيل و البغال و الحمير، و بخلق أصناف النعم من الزرع و الزيتون و النخيل و الأعناب، و بتسخير البحر ليأكل الإنسان منه لحما طريا و يستخرج منه حلية يلبسها كل ذلك مشترك فيه بين المؤمن و الكافر، ثم أكد

195

تعالى ذلك بقوله تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ/اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا و ذلك يدل على أن كل هذه الأشياء نعم من اللّه تعالى في حق الكل، و هذا يدل على أن نعم اللّه واصلة إلى الكفار، و اللّه أعلم.

أما قوله: إِنَّ اَللََّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ اعلم أنه تعالى قال في سورة إبراهيم: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَظَلُومٌ كَفََّارٌ [إبراهيم: 34]و قال هاهنا: إِنَّ اَللََّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ و المعنى: أنه لما بين أن الإنسان لا يمكنه القيام بأداء الشكر على سبيل التفصيل. قال: إِنَّ اَللََّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي غفور للتقصير الصادر عنكم في القيام بشكر نعمه، رحيم بكم حيث لم يقطع نعمه عليكم بسبب تقصيركم.

أما قوله: وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ مََا تُسِرُّونَ وَ مََا تُعْلِنُونَ ففيه وجهان: الأول: أن الكفار كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير اللّه تعالى يسرون ضروبا من الكفر في مكايد الرسول عليه السلام فجعل هذا زجرا لهم عنها. و الثاني: أنه تعالى زيف في الآية الأولى عبادة الأصنام بسبب أنه لا قدرة لها على الخلق و الإنعام و زيف في هذه الآية أيضا عبادتها بسبب أن الإله يجب أن يكون عالما بالسر و العلانية، و هذه الأصنام جمادات لا معرفة لها بشي‏ء أصلا فكيف تحسن عبادتها؟ أما قوله: وَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ لاََ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ فاعلم أنه تعالى وصف هذه الأصنام بصفات كثيرة.

فالصفة الأولى: أنهم لا يخلقون شيئا و هم يخلقون قرأ حفص عن عاصم يسرون و يعلنون و يدعون كلها بالياء على الحكاية عن الغائب، و قرأ أبو بكر عن عاصم يَدْعُونَ بالياء خاصة على المغايبة و تُسِرُّونَ و تُعْلِنُونَ بالتاء على الخطاب، و الباقون كلها بالتاء على الخطاب عطفا على ما قبله.

فإن قيل: أليس أن قوله في أول الآية: أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاََ يَخْلُقُ يدل على أن هذه الأصنام لا تخلق شيئا و قوله هاهنا: لاََ يَخْلُقُونَ شَيْئاً يدل على نفس هذا المعنى، فكان هذا محض التكرير.

و جوابه: أن المذكور في أول الآية أنهم لا يخلقون شيئا، و المذكور هاهنا أنهم لا يخلقون شيئا و أنهم مخلوقون لغيرهم، فكان هذا زيادة في المعنى، و كأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في ذواتهم و صفاتهم فبين أولا أنها لا تخلق شيئا، ثم ثانيا أنها كما لا تخلق غيرها فهي مخلوقة لغيرها.

و الصفة الثانية: قوله: أَمْوََاتٌ غَيْرُ أَحْيََاءٍ و المعنى: أنها لو كانت آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليها الموت كالحي الذي لا يموت سبحانه و تعالى و أمر هذه الأصنام على العكس من ذلك.

فإن قيل: لما قال: أَمْوََاتٌ علم أنها غير أحياء فما الفائدة في قوله: غَيْرُ أَحْيََاءٍ .

و الجواب من وجهين: الأول: أن الإله هو الحي الذي لا يحصل عقيب حياته موت، و هذه/الأصنام أموات لا يحصل عقيب موتها الحياة. و الثاني: أن هذا الكلام مع الكفار الذين يعبدون الأوثان، و هم في نهاية الجهالة و الضلالة، و من تكلم مع الجاهل الغر الغبي فقد يحسن أن يعبر عن المعنى الواحد بالعبارات الكثيرة، و غرضه منه الإعلام بكون ذلك المخاطب في غاية الغباوة و أنه إنما يعيد الكلمات لكون ذلك السامع في نهاية الجهالة، و أنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة. ـ

196

الصفة الثالثة: قوله: وَ مََا يَشْعُرُونَ أَيََّانَ يُبْعَثُونَ و الضمير في قوله: وَ مََا يَشْعُرُونَ عائد إلى الأصنام، و في الضمير في قوله: يُبْعَثُونَ قولان: أحدهما: أنه عائد إلى العابدين للأصنام يعني أن الأصنام لا يشعرون متى تبعث عبدتهم، و فيه تهكم بالمشركين و أن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم. و الثاني: أنه عائد إلى الأصنام يعني أن هذه الأصنام لا تعرف متى يبعثها اللّه تعالى قال ابن عباس: إن اللّه يبعث الأصنام و لها أرواح و معها شياطينها فيؤمر بها إلى النار.

فإن قيل: الأصنام جمادات، و الجمادات لا توصف بأنها أموات، و لا توصف بأنهم لا يشعرون كذا و كذا.

و الجواب عنه من وجوه: الأول: أن الجماد قد يوصف بكونه ميتا قال تعالى: يُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ* [الروم: 19]. الثاني: أن القوم لما وصفوا تلك الأصنام بالإلهية و المعبودية قيل لهم، ليس الأمر كذلك، بل هي أموات و لا يعرفون شيئا، فنزلت هذه العبارات على وفق معتقدهم. و الثالث: أن يكون المراد بقوله:

وَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ الملائكة، و كان ناس من الكفار يعبدونهم فقال اللّه إنهم أموات لا بد لهم من الموت غير أحياء، أي غير باقية حياتهم: وَ مََا يَشْعُرُونَ أَيََّانَ يُبْعَثُونَ أي لا علم لهم بوقت بعثهم و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما زيف فيما تقدم طريقة عبدة الأوثان و الأصنام و بين فساد مذهبهم بالدلائل القاهرة قال: إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وََاحِدٌ ثم ذكر تعالى ما لأجله أصر الكفار على القول بالشرك و إنكار التوحيد فقال: فَالَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ و المعنى أن الذين يؤمنون بالآخرة و يرغبون في الفوز بالثواب الدائم و يخافون الوقوع في العقاب الدائم إذا سمعوا الدلائل و الترغيب و الترهيب، خافوا العقاب فتأملوا و تفكروا فيما يسمعونه، فلا جرم ينتفعون بسماع الدلائل، و يرجعون من الباطل إلى الحق، أما الذين لا يؤمنون بالآخرة و ينكرونها فإنهم لا يرغبون في حصول الثواب و لا يرهبون من الوقوع في العقاب فيبقون منكرين لكل كلام يخالف قولهم و يستكبرون عن الرجوع إلى قول غيرهم، فلا جرم يبقون مصرين على ما كانوا عليه من الجهل و الضلال.

ثم قال تعالى: لاََ جَرَمَ أَنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا يُسِرُّونَ وَ مََا يُعْلِنُونَ و المعنى أنه تعالى يعلم أن إصرارهم على هذه المذاهب الفاسدة ليس لأجل شبهة تصوروها أو إشكال تخيلوه، بل ذلك لأجل التقليد و النفرة عن الرجوع إلى الحق و الشغف بنصرة مذاهب الأسلاف و التكبر و النخوة. فلهذا قال: إِنَّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ و هذا الوعيد يتناول كل المتكبرين.

197

اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد و أورد الدلائل القاهرة في إبطال مذاهب عبدة الأصنام، ذكر بعد ذلك شبهات منكري النبوة مع الجواب عنها.

فالشبهة الأولى: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لما احتج على صحة نبوة نفسه بكون القرآن معجزة طعنوا في القرآن و قالوا: إنه أساطير الأولين، و ليس هو من جنس المعجزات، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن ذلك السائل من كان؟ قيل هو كلام بعضهم لبعض، و قيل هو قول المسلمين لهم، و قيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إذا سألهم و فود الحاج عما أنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: كيف يكون تنزيل ربهم أساطير الأولين؟ و جوابه من وجوه: الأول: أنه مذكور على سبيل السخرية كقوله تعالى عنهم: إِنَّ رَسُولَكُمُ اَلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: 27]، و قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر: 6]و قوله:

يََا أَيُّهَا اَلسََّاحِرُ اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ [الزخرف: 49]. الثاني: أن يكون التقدير هذا الذي تذكرون أنه منزل من ربكم هو أساطير الأولين. الثالث: يحتمل أن يكون المراد أن هذا القرآن بتقدير أن يكون مما أنزله اللّه لكنه أساطير الأولين ليس فيه شي‏ء من العلوم و الفصاحة و الدقائق و الحقائق.

و اعلم أنه تعالى لما حكى شبههم قال: لِيَحْمِلُوا أَوْزََارَهُمْ كََامِلَةً يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ اللام في ليحملوا لام العاقبة، و ذلك لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين لأجل أن يحملوا الأوزار، و لكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن ذكر هذه اللام كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [القصص: 8]و قوله: كََامِلَةً معناه: أنه تعالى لا يخفف من عقابهم شيئا، بل يوصل ذلك العقاب بكليته إليهم، و أقول: هذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى، و قوله: وَ مِنْ أَوْزََارِ اَلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ معناه: و يحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع، و السبب فيه ما

روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: «أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص من أجورهم شي‏ء و أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع كان عليه مثل وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شي‏ء» .

و اعلم أنه ليس المراد منه أنه تعالى يوصل العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى الرؤساء، و ذلك لأن هذا لا يليق بعدل اللّه تعالى، و الدليل عليه قوله تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ [النجم: 39]و قوله: وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ* [الإسراء: 15]بل المعنى: أن الرئيس إذا وضع سنة قبيحة عظم عقابه، حتى أن ذلك العقاب يكون مساويا لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع، قال الواحدي: و لفظه: (من) في قوله: وَ مِنْ أَوْزََارِ اَلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ليست للتبعيض، لأنها لو كانت للتبعيض لخف عن الأتباع بعض أوزارهم، و ذلك غير جائز،

لقوله عليه السلام: «من غير أن ينقص من أوزارهم شي‏ء» .

و لكنها للجنس، أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع. و قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال ثم إنه تعالى ختم الكلام بقوله: أَلاََ سََاءَ مََا يَزِرُونَ و المقصود المبالغة في الزجر.

198

فإن قيل: إنه تعالى لما حكى عن القوم هذه الشبهة لم يجب عنها، بل اقتصر على محض الوعيد، فما السبب فيه؟ قلنا: السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزا بطريقين: الأول: أنه صلّى اللّه عليه و سلم تحداهم بكل القرآن، و تارة بعشر سور، و تارة بسورة واحدة، و تارة بحديث واحد، و عجزوا عن المعارضة، و ذلك يدل على كونه معجزا.

الثاني: أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى و هو قوله: اِكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلى‏ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً [الفرقان: 5]و أبطلها بقوله: قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [الفرقان: 6]و معناه أن القرآن مشتمل على الأخبار عن الغيوب، و ذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالما بأسرار السموات و الأرض، فلما ثبت كون القرآن معجزا بهذين الطريقين، و تكرر شرح هذين الطريقين مرارا كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرد الوعيد و لم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة، و اللّه أعلم.

في قوله تعالى قَدْ مَكَرَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ اعلم أن المقصود من الآية المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار، و في المراد بالذين من قبلهم قولان:

القول الأول: و هو قول الأكثر من المفسرين أن المراد منه نمروذ بن كنعان بنى صرحا/عظيما ببابل طوله خمسة آلاف ذراع. و فيل فرسخان، و رام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها، فالمراد بالمكر هاهنا بناء الصرح لمقاتلة أهل السماء.

و القول الثاني: و هو الأصح، أن هذا عام في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر و المكر بالمحقين.

أما قوله تعالى: فَأَتَى اَللََّهُ بُنْيََانَهُمْ مِنَ اَلْقَوََاعِدِ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: أن الإتيان و الحركة على اللّه محال، فالمراد أنهم لما كفروا أتاهم اللّه بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد و الأساس.

المسألة الثانية: في قوله: فَأَتَى اَللََّهُ بُنْيََانَهُمْ مِنَ اَلْقَوََاعِدِ قولان:

القول الأول: أن هذا محض التمثيل، و المعنى أنهم رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء اللّه تعالى فجعل اللّه تعالى حالهم في تلك المنصوبات مثل حال قوم بنوا بنيانا و عمدوه بالأساطين فانهدم ذلك البناء، و ضعفت تلك الأساطين، فسقط السقف عليهم. و نظيره قولهم: من حفر بئرا لأخيه أوقعه اللّه فيه.

199

و القول الثاني: أن المراد منه ما دل عليه الظاهر، و هو أنه تعالى أسقط عليهم السقف و أماتهم تحته، و الأول أقرب إلى المعنى.

أما قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ اَلسَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ففيه سؤال: و هو أن السقف لا يخر إلا من فوقهم، فما معنى هذا الكلام.

و جوابه من وجهين: الأول: أن يكون المقصود التأكيد. و الثاني: ربما خر السقف، و لا يكون تحته أحد، فلما قال: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ اَلسَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ دل هذا الكلام على أنهم كانوا تحته، و حينئذ يفيد هذا الكلام أن الأبنية قد تهدمت و هم ماتوا تحتها. و قوله: وَ أَتََاهُمُ اَلْعَذََابُ مِنْ حَيْثُ لاََ يَشْعُرُونَ إن حملنا هذا الكلام على محض التمثيل فالأمر ظاهر. و المعنى: أنهم اعتمدوا على منصوباتهم. ثم تولد البلاء منها بأعيانها، و إن حملناه على الظاهر فالمعنى أنه نزل ذلك السقف عليهم بغتة، لأنه إذا كان كذلك كان أعظم في الزجر لمن سلك مثل سبيلهم، }ثم بين تعالى أن عذابهم لا يكون مقصورا على هذا القدر، بل اللّه تعالى يخزيهم يوم القيامة، و الخزي هو العذاب مع الهوان، و فسر تعالى ذلك الهوان بأنه تعالى يقول لهم: أَيْنَ شُرَكََائِيَ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ و فيه أبحاث:

البحث الأول: قال الزجاج: قوله: أَيْنَ شُرَكََائِيَ معناه: أين شركائي في زعمكم و اعتقادكم. و نظيره قوله تعالى: أَيْنَ شُرَكََاؤُكُمُ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: 22]و قال أيضا: وَ قََالَ شُرَكََاؤُهُمْ مََا كُنْتُمْ إِيََّانََا /تَعْبُدُونَ [يونس: 28]و إنما حسنت هذه الإضافة لأنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، و هذا كما يقال لمن يحمل خشبة خذ طرفك و آخذ طرفي، فأضيف الطرف إليه.

البحث الثاني: قوله: تُشَاقُّونَ فِيهِمْ أي تعادون و تخاصمون المؤمنين في شأنهم، و قيل: المشاقة عبارة عن كون أحد الخصمين في شق و كون الآخر في الشق الآخر.

البحث الثالث: قرأ نافع: تُشَاقُّونَ بكسر النون على الإضافة، و الباقون بفتح النون على الجمع.

ثم قال تعالى: قََالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ إِنَّ اَلْخِزْيَ اَلْيَوْمَ وَ اَلسُّوءَ عَلَى اَلْكََافِرِينَ و فيه بحثان:

البحث الأول: قََالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ قال ابن عباس: يريد الملائكة، و قال آخرون هم المؤمنون يقولون حين يرون خزي الكفار يوم القيامة إن الخزي اليوم و السوء على الكافرين، و الفائدة فيه أن الكفار كانوا ينكرون على المؤمنين في الدنيا فإذا ذكر المؤمن هذا الكلام يوم القيامة في معرض إهانة الكافر كان وقع هذا الكلام على الكافر و تأثيره في إيذائه أكمل و حصول الشماتة به أقوى.

البحث الثاني: المرجئة احتجوا بهذه الآية على أن العذاب مختص بالكافر قالوا لأن قوله تعالى: إِنَّ اَلْخِزْيَ اَلْيَوْمَ وَ اَلسُّوءَ عَلَى اَلْكََافِرِينَ يدل على أن ماهية الخزي و السوء في يوم القيامة مختصة بالكافر، و ذلك ينفي حصول هذه الماهية في حق غيرهم، و تأكد هذا بقول موسى عليه السلام: إِنََّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنََا أَنَّ اَلْعَذََابَ عَلى‏ََ مَنْ كَذَّبَ وَ تَوَلََّى [طه: 48]ثم إنه تعالى وصف عذاب هؤلاء الكفار من وجه آخر فقال: اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ قرأ حمزة: يتوفاهم الملائكة بالياء لأن الملائكة ذكور، و الباقون بالتاء للفظ.

ثم قال: فَأَلْقَوُا اَلسَّلَمَ مََا كُنََّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ و فيه قولان:

200

القول الأول: أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت، قال ابن عباس: أسلموا و أقروا للّه بالعبودية عند الموت. و قوله: مََا كُنََّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ أي قالوا ما كنا نعمل من سوء!و المراد من هذا السوء الشرك، فقالت الملائكة ردا عليهم و تكذيبا: بلى إن اللّه عليم بما كنتم تعملون من التكذيب و الشرك، و معنى بلى ردا لقولهم: مََا كُنََّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ و فيه قولان:

القول الأول: أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت.

و القول الثاني: أنه تم الكلام عند قوله: ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ ثم عاد الكلام إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة، و المعنى: أنهم يوم القيامة ألقوا السلم و قالوا ما كنا نعمل في الدنيا من سوء، ثم هاهنا اختلفوا، فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة، قالوا: هذا القول منهم على سبيل الكذب/و إنما أقدموا على هذا الكذب لغاية الخوف، و الذين قالوا إن الكذب لا يجوز عليهم قالوا: معنى الآية، ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا أو في اعتقادنا، و أما بيان أن الكذب على أهل القيامة هل يجوز أم لا؟فقد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاََّ أَنْ قََالُوا وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23]و اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا: ما كنا نعمل من سوء قال بلى إن اللّه عليم بما كنتم تعملون، و لا يبعد أن يكون قائل هذا القول هو اللّه تعالى أو بعض الملائكة ردا عليهم و تكذيبا لهم، و معنى بلى الرد لقولهم: مََا كُنََّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ و قوله: إِنَّ اَللََّهَ عَلِيمٌ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني أنه عالم بما كنتم عليه في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب فإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم. ثم صرح بذكر العقاب فقال:

و هذا يدل على تفاوت منازلهم في العقاب، فيكون عقاب بعضهم أعظم من عقاب بعض، و إنما صرح تعالى بذكر الخلود ليكون الغم و الحزن أعظم.

ثم قال: فَلَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ على قبول التوحيد و سائر ما أتت به الأنبياء، و تفسير التكبر قد مر في هذا الكتاب غير مرة. و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا مََا ذََا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قََالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الأقوام الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم؟قالوا: أساطير الأولين. و ذكر أنهم يحملون أوزارهم و من أوزار أتباعهم، و ذكر أن الملائكة تتوفاهم ظالمي أنفسهم، و ذكر أنهم في الآخرة يلقون السلم، و ذكر أنه تعالى يقول لهم ادخلوا أبواب جهنم، أتبعه بذكر وصف المؤمنين الذين إذا قيل لهم ماذا

201

أنزل ربكم؟قالوا خيرا، و ذكر ما أعده لهم في الدنيا و الآخرة من منازل الخيرات و درجات السعادات ليكون وعد هؤلاء مذكورا مع وعيد أولئك و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال القاضي: يدخل تحت التقوى أن يكون تاركا لكل المحرمات فاعلا لكل الواجبات، و من جمع بين هذين الأمرين فهو مؤمن كامل الإيمان، و قال أصحابنا: يريد الذين اتقوا الشرك و أيقنوا أنه لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، و أقول: هذا أولى مما قاله القاضي، لأنا بينا أنه يكفي في صدق قوله فلان قاتل أو ضارب كونه آتيا بقتل واحد و ضرب واحد، و لا يتوقف صدق هذا الكلام على كونه آتيا بجميع أنواع القتل و جميع أنواع الضرب، فعلى هذا قوله: وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا يتناول كل من أتى بنوع واحد من أنواع التقوى إلا أنا أجمعنا على أنه لا بد من التقوى عن الكفر و الشرك فوجب أن لا يزيد على هذا القيد لأنه لما كان تقييد المطلق خلاف الأصل، كان تقييد المقيد أكثر مخالفة للأصل، و أيضا فلأنه تعالى إنما ذكر هؤلاء في مقابلة أولئك الذين كفروا و أشركوا، فوجب أن يكون المراد من اتقى عن ذلك الكفر و الشرك. و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إنه قال في الآية الأولى، قالوا أساطير الأولين، و في هذه الآية قالوا خيرا، فلم رفع الأول و نصب هذا؟ أجاب صاحب «الكشاف» عنه بأن قال: المقصود منه الفصل بين جواب المقر و جواب الجاحد يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا، و أطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال فقالوا خيرا أي أنزل خيرا، و أولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين و ليس من الإنزال في شي‏ء.

المسألة الثالثة: قال المفسرون هذا كان في أيام الموسم، يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد و أمره فيقولون إنه ساحر و كاهن و كذاب، فيأتي المؤمنين و يسألهم عن محمد و ما أنزل اللّه عليه فيقولون خيرا، و المعنى: أنزل خيرا. و يحتمل أن يكون المراد الذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خير، و قولهم خير جامع لكونه حقا و صوابا، و لكونهم معترفين بصحته و لزومه فهو بالضد من قول الذين لا يؤمنون بالآخرة، أن ذلك أساطير الأولين على وجه التكذيب.

المسألة الرابعة: قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا و ما بعده بدل من قوله: خَيْراً و هو حكاية لقول الذين اتقوا، أي قالوا هذا القول، و يجوز أيضا أن يكون قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا إخبارا عن اللّه، و التقدير: إن المتقين لما قيل لهم: مََا ذََا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قََالُوا خَيْراً ثم إنه تعالى أكد قولهم و قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا حَسَنَةٌ و في المراد بقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا قولان، أما الذين يقولون: إن أهل لا إله لا إله إلا اللّه يخرجون من النار فإنهم يحملونه على قول لا إله إلا اللّه مع الاعتقاد الحق، و أما المعتزلة الذين يقولون: إن فساق أهل الصلاة لا يخرجون من النار يحملون قوله: أَحْسَنُوا على من أتى بالإيمان، و جميع الواجبات و احترز عن كل المحرمات. و أما قوله: فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا ففيه قولان:

القول الأول: أنه متعلق بقوله: أَحْسَنُوا و التقدير: للذين اتقوا بعمل الحسنة في الدنيا فلهم في الآخرة حسنة، و تلك الحسنة هي الثواب العظيم، و قيل: تلك الحسنة هو أن ثوابها يضاعف بعشر مرات و بسبعمائة و إلى ما لا نهاية له.

202

و القول الثاني: أن قوله: فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا متعلق بقوله: حَسَنَةٌ و التقدير: للذين أحسنوا أن تحصل لهم الحسنة في الدنيا، و هذا القول أولى، لأنه قال بعده: وَ لَدََارُ اَلْآخِرَةِ خَيْرٌ و على هذا التقدير ففي تفسير هذه الحسنة الحاصلة في الدنيا وجوه: الأول: يحتمل أن يكون المراد ما يستحقونه من المدح و التعظيم و الثناء و الرفعة، و جميع ذلك جزاء على ما عملوه. و الثاني: يحتمل أن يكون المراد به الظفر على أعداء الدين بالحجة و بالغلبة لهم، و باستغنام أموالهم و فتح بلادهم، كما جرى ببدر و عند فتح مكة، و قد أجلوهم عنها و أخرجوهم إلى الهجرة، و إخلاء الوطن، و مفارقة الأهل و الولد و كل ذلك مما يعظم موقعه. و الثالث: يحتمل أن يكون المراد أنهم لما أحسنوا بمعنى أنهم أتوا بالطاعات فتح اللّه عليهم أبواب المكاشفات و المشاهدات و الألطاف كقوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً [محمد: 17].

و أما قوله: وَ لَدََارُ اَلْآخِرَةِ خَيْرٌ فقد بينا في سورة الأنعام في قوله: وَ لَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأنعام: 32]بالدلائل القطعية العقلية حصول هذا الخير، ثم قال: وَ لَنِعْمَ دََارُ اَلْمُتَّقِينَ أي لنعم دار المتقين دار الآخرة، فحذفت لسبق ذكرها، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها، فإن وصلتها بما بعدها قلت:

و لنعم دار المتقين جنات عدن فترفع جنات على أنها اسم لنعم، كما تقول: نعم الدار دار ينزلها زيد. و أما قوله: جَنََّاتُ عَدْنٍ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنها إن كانت موصولة بما قبلها، فقد ذكرنا وجه ارتفاعها، و أما إن كانت مقطوعة، فقال الزجاج: جنات عدن مرفوعة بإضمار «هي» كأنك لما قلت و لنعم دار المتقين/قيل: أي دار هي هذه الممدوحة فقلت: هي جنات عدن، و إن شئت قلت: جنات عدن رفع بالابتداء، و يدخلونها خبره، و إن شئت قلت: نعم دار المتقين خبره، و التقدير: جنات عدن نعم دار المتقين.

المسألة الثانية: قوله: جَنََّاتُ يدل على القصور و البساتين و قوله: عَدْنٍ يدل على الدوام، و قوله:

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها و تكون الأنهار جارية من تحتهم، ثم إنه تعالى قال: لَهُمْ فِيهََا مََا يَشََاؤُنَ و فيه بحثان: الأول: أن هذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات و السعادات، و هذا أبلغ من قوله: فِيهََا مََا تَشْتَهِيهِ اَلْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ اَلْأَعْيُنُ [الزخرف: 71]لأن هذين القسمين داخلان في قوله: لَهُمْ فِيهََا مََا يَشََاؤُنَ مع أقسام أخرى. الثاني: قوله: لَهُمْ فِيهََا مََا يَشََاؤُنَ يعني هذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة، لأن قوله: لَهُمْ فِيهََا مََا يَشََاؤُنَ يفيد الحصر، و ذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا.

ثم قال تعالى: كَذََلِكَ يَجْزِي اَللََّهُ اَلْمُتَّقِينَ إلى آخره الآية أي هكذا جزاء التقوى، }ثم إنه تعالى عاد إلى وصف المتقين فقال: اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ طَيِّبِينَ و هذا مذكور في مقابلة قوله: اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النحل: 28]و قوله: اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ صفة للمتقين في قوله: كَذََلِكَ يَجْزِي اَللََّهُ اَلْمُتَّقِينَ و قوله: طَيِّبِينَ كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة، و ذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به، و اجتنابهم عن كل ما نهوا عنه و يدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين عن الأخلاق المذمومة، و يدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس و الطهارة، و يدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح و أنها لم تقبض إلا مع البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها و من هذا حاله‏

203

لا يتألم بالموت، و أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح، و إن كان الحسن يقول: إنه وفاة الحشر، ثم بين تعالى أنه يقال لهم عند هذه الحالة: اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ فاحتج الحسن بهذا على أن المراد بذلك التوفي وفاة الحشر، لأنه لا يقال عند قبض الأرواح في الدنيا ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون، و من ذهب إلى القول الأول و هم الأكثرون يقولون: إن الملائكة لما بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم و كأنهم فيها فيكون المراد بقولهم، ادخلوا الجنة أي هي خاصة لكم كأنكم فيها.

اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية لمنكري النبوة، فإنهم طلبوا من النبي صلّى اللّه عليه و سلم أن ينزل اللّه تعالى ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة فقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ في التصديق بنبوتك إلا أن تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك، و يحتمل أن يقال: إن القوم لما طعنوا في القرآن بأن قالوا: إنه أساطير الأولين، و ذكر اللّه تعالى أنواع التهديد و الوعيد لهم، ثم أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيرا و صدقا و صوابا، عاد إلى بيان أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن الكفر بسبب البيانات التي ذكرناها، بل كانوا لا ينزجرون عن تلك الأقوال الباطلة إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد و أتاهم أمر ربك و هو عذاب الاستئصال.

و اعلم أن على كلا التقديرين فقد قال تعالى: كَذََلِكَ فَعَلَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كلام هؤلاء و أفعالهم يشبه كلام الكفار المتقدمين و أفعالهم.

ثم قال: وَ مََا ظَلَمَهُمُ اَللََّهُ وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ و التقدير: كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم الهلاك المعجل و ما ظلمهم اللّه بذلك، فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم، و لكنهم ظلموا أنفسهم بأن كفروا، و كذبوا الرسول فاستوجبوا ما نزل بهم.

ثم قال: فَأَصََابَهُمْ سَيِّئََاتُ مََا عَمِلُوا و المراد أصابهم عقاب سيئات ما عملوا وَ حََاقَ بِهِمْ أي نزل بهم على وجه أحاط بجوانبهم: مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي عقاب استهزائهم.

في قوله تعالى وَ قََالَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا إلى قوله حَقَّتْ عَلَيْهِ اَلضَّلاََلَةُ اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لمنكري النبوة، و تقريرها: أنهم تمسكوا بصحة القول بالجبر على الطعن في النبوة فقالوا: لو شاء اللّه الإيمان لحصل الإيمان، سواء جئت أو لم تجي‏ء، و لو شاء اللّه الكفر فإنه يحصل‏

204

الكفر سواء جئت أو لم تجي‏ء، و إذا كان الأمر كذلك فالكل من اللّه تعالى، و لا فائدة في مجيئك و إرسالك، فكان القول بالنبوة باطلا، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذه الشبهة هي عين ما حكى اللّه تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله:

سَيَقُولُ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مََا أَشْرَكْنََا وَ لاََ آبََاؤُنََا وَ لاََ حَرَّمْنََا مِنْ شَيْ‏ءٍ كَذََلِكَ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام: 148]و استدلال المعتزلة به مثل استدلالهم بتلك الآية. و الكلام فيه استدلالا و اعتراضا عين ما تقدم هناك فلا فائدة في الإعادة، و لا بأس بأن نذكر منه القليل فنقول: الجواب عن هذه الشبهة هي أنهم قالوا: لما كان الكل من اللّه تعالى كان بعثة الأنبياء عبثا. فنقول: هذا اعتراض على اللّه تعالى، فإن قولهم: إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد فائدة في حصول الإيمان و دفع الكفر كانت بعثة الأنبياء غير جائزة من اللّه تعالى، فهذا القول جار مجرى طلب العلة في أحكام اللّه تعالى و في أفعاله، و ذلك باطل، بل اللّه تعالى أن يحكم في ملكه و ملكوته ما يشاء و يفعل ما يريد، و لا يجوز أن يقال له: لم فعلت هذا و لم لم تفعل ذلك؟و الدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرح في آخر هذه الآية بهذا المعنى فقال: وَ لَقَدْ بَعَثْنََا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ اِجْتَنِبُوا اَلطََّاغُوتَ فبين تعالى أن سنته في عبيده إرسال الرسل إليهم، و أمرهم بعبادة اللّه و نهيهم عن عبادة الطاغوت.

ثم قال: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اَللََّهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ اَلضَّلاََلَةُ و المعنى: أنه تعالى و إن أمر الكل بالإيمان، و نهى الكل عن الكفر، إلا أنه تعالى هدى البعض و أضل البعض، فهذه سنة قديمة للّه/تعالى مع العباد، و هي أنه يأمر الكل بالإيمان و ينهاهم عن الكفر، ثم يخلق الإيمان في البعض و الكفر في البعض. و لما كانت سنة اللّه تعالى في هذا المعنى سنة قديمة في حق كل الأنبياء و كل الأمم و الملل و إنما يحسن منه تعالى ذلك بحكم كونه إلها منزها عن اعتراضات المعترضين و مطالبات المنازعين، كان إيراد هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجبا للجهل و الضلال و البعد عن اللّه فثبت أن اللّه تعالى إنما حكم على هؤلاء باستحقاق الخزي و اللعن، لا لأنهم كذبوا في قولهم: لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مََا عَبَدْنََا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ بل لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الأنبياء و الرسل و هذا باطل، فلا جرم استحقوا على هذا الاعتقاد مزيد الذم و اللعن. فهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب. و أما من تقدمنا من المتكلمين و المفسرين فقد ذكروا فيه وجها آخر فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على جهة الاستهزاء كما قال قوم شعيب عليه السلام له: إِنَّكَ لَأَنْتَ اَلْحَلِيمُ اَلرَّشِيدُ [هود: 87]و لو قالوا ذلك معتقدين لكانوا مؤمنين، و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما حكى هذه الشبهة قال: كَذََلِكَ فَعَلَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي هؤلاء للكفار أبدا كانوا متمسكين بهذه الشبهة.

ثم قال: فَهَلْ عَلَى اَلرُّسُلِ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ أما المعتزلة فقالوا: معناه أن اللّه تعالى ما منع أحدا من الإيمان و ما أوقعه في الكفر، و الرسل ليس عليهم إلا التبليغ، فلما بلغوا التكاليف و ثبت أنه تعالى ما منع أحدا عن الحق كانت هذه الشبهة ساقطة. أما أصحابنا فقالوا: معناه أنه تعالى أمر الرسل بالتبليغ. فهذا التبليغ واجب عليهم، فأما أن الإيمان هل يحصل أم لا يحصل فذلك لا تعلق للرسول به، و لكنه تعالى يهدي من يشاء بإحسانه و يضل من يشاء بخذلانه. ـ

205

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا في بيان أن الهدى و الضلال من اللّه بقوله: وَ لَقَدْ بَعَثْنََا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ اِجْتَنِبُوا اَلطََّاغُوتَ و هذا يدل على أنه تعالى كان أبدا في جميع الملل و الأمم آمرا بالإيمان و ناهيا عن الكفر.

ثم قال: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اَللََّهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ اَلضَّلاََلَةُ يعني: فمنهم من هداه اللّه إلى الإيمان و الصدق و الحق، و منهم من أضله عن الحق و أعماه عن الصدق و أوقعه في الكفر و الضلال، و هذا يدل على أن أمر اللّه تعالى لا يوافق إرادته، بل قد يأمر بالشي‏ء و لا يريده و ينهى عن الشي‏ء و يريده كما هو مذهبنا. و الحاصل أن المعتزلة يقولون: الأمر و الإرادة متطابقان أما العلم و الإرادة فقد يختلفان، و لفظ هذه الآية صريح في قولنا و هو أن الأمر بالإيمان عام في حق الكل أما إرادة الإيمان فخاصة بالبعض دون البعض.

أجاب الجبائي: بأن المراد: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اَللََّهُ لنيل ثوابه و جنته. وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ اَلضَّلاََلَةُ أي العقاب. قال: و في صفة قوله: حَقَّتْ عَلَيْهِ دلالة على أنها العذاب دون كلمة الكفر لأن الكفر و المعصية لا يجوز و صفهما بأنه حق. و أيضا قال تعالى بعده: فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ و هذه العاقبة هي آثار الهلاك لمن تقدم من الأمم الذين استأصلهم اللّه تعالى بالعذاب، و ذلك يدل على أن المراد بالضلال المذكور هو عذاب الاستئصال.

و أجاب الكعبي عنه بأنه قال: قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اَللََّهُ أي من اهتدى فكان في حكم اللّه مهتديا، وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ اَلضَّلاََلَةُ يريد: من ظهرت ضلالته، كما يقال للظالم: حق ظلمك و تبين، و يجوز أن يكون المراد: حق عليهم من اللّه أن يضلهم إذا ضلوا كقوله: وَ يُضِلُّ اَللََّهُ اَلظََّالِمِينَ [إبراهيم: 27].

و اعلم أنا بينا في آيات كثيرة بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى و الإضلال لا يكونان إلا من اللّه تعالى فلا فائدة في الإعادة، و هذه الوجوه المتعسفة و التأويلات المستكرهة قد بينا ضعفها و سقوطها مرارا، فلا حاجة إلى الإعادة. و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: في الطاغوت قولان: أحدهما: أن المراد به: اجتنبوا عبادة ما تعبدون من دون اللّه، فسمى الكل طاغوتا، و لا يمتنع أن يكون المراد: اجتنبوا طاعة الشيطان في دعائه لكم.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ اَلضَّلاََلَةُ يدل على مذهبنا، لأنه تعالى لما أخبر عنه أنه حقت عليه الضلالة امتنع أن لا يصدر منه الضلالة، و إلا لا نقلب خبر اللّه الصدق كذبا، و ذلك محال و مستلزم المحال محال، فكان عدم الضلالة منهم محالا، و وجود الضلالة منهم واجبا عقلا، فهذه الآية دالة على صحة مذهبنا في هذه الوجوه الكثيرة و اللّه علم. و نظائر هذه الآية كثيرة منها قوله: فَرِيقاً هَدى‏ََ وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلضَّلاََلَةُ [الأعراف: 30]و قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ [يونس: 96]و قوله:

لَقَدْ حَقَّ اَلْقَوْلُ عَلى‏ََ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ [يس: 7].

ثم قال تعالى: فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ و المعنى: سيروا في الأرض معتبرين لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل بهم، }ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة فإنه لا يهتدي، فقال:

إِنْ تَحْرِصْ عَلى‏ََ هُدََاهُمْ أي إن تطلب بجهدك ذلك، فإن اللّه لا يهدي من يضل، و فيه مسائل:

206

المسألة الأولى: قرأ عاصم و حمزة و الكسائي يَهْدِي بفتح الياء و كسر الدال و الباقون: لا يهدى بضم الياء و فتح الدال.

أما القراءة الأولى: ففيها وجهان: الأول: فإن اللّه لا يرشد أحدا أضله، و بهذا فسره ابن عباس رضي اللّه عنهما. و الثاني: أن يهدي بمعنى يهتدي. قال الفراء: العرب تقول: قد هدى الرجل يريدون قد اهتدى، و المعنى أن اللّه إذا أضل أحدا لم يصر ذلك مهتديا.

و أما القراءة المشهورة: فالوجه فيها إن اللّه لا يهدي من يضل، أي من يضله، فالراجع إلى الموصول الذي هو من محذوف مقدر و هذا كقوله: مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَلاََ هََادِيَ لَهُ [الأعراف: 186]و كقوله: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اَللََّهِ [الجاثية: 23]أي من بعد إضلال اللّه إياه.

ثم قال تعالى: وَ مََا لَهُمْ مِنْ نََاصِرِينَ أي و ليس لهم أحد ينصرهم أن يعينهم على مطلوبهم في الدنيا و الآخرة. و أقول أول هذه الآيات موهم لمذهب المعتزلة، و آخرها مشتمل على الوجوه الكثيرة الدالة على قولنا، و أكثر الآيات كذلك مشتملة على الوجهين، و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ إلى قوله أَنَّهُمْ كََانُوا كََاذِبِينَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الشبهة الرابعة لمنكري النبوة فقالوا القول بالبعث و الحشر و النشر باطل، فكان القول بالنبوة باطلا.

أما المقام الأول: فتقريره أن الإنسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة، فإذا مات و تفرقت أجزاؤه و بطل ذلك المزاج و الاعتدال امتنع عوده بعينه، لأن الشي‏ء إذا عدم فقد فنى و لم يبق له ذات و لا حقيقة بعد فنائه و عدمه، فالذي يعود يجب أن يكون شيئا مغايرا للأول فلا يكون عينه.

و أما المقام الثاني: و هو أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة و تقريره من وجهين: /الأول: أن محمدا كان داعيا إلى تقرير القول بالمعاد، فإذا بطل ذلك ثبت أنه كان داعيا إلى القول الباطل و من كان كذلك لم يكن رسولا صادقا. الثاني: أنه يقرر نبوة نفسه و وجوب طاعته بناء على الترغيب في الثواب و الترهيب عن العقاب، و إذا بطل ذلك بطلت نبوته.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ لاََ يَبْعَثُ اَللََّهُ مَنْ يَمُوتُ معناه أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشي‏ء إذا فنى و صار عدما محضا و نفيا صرفا، فإنه بعد هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئا آخر غيره. و هذا القسم و اليمين إشارة إلى أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محال في بديهة العقل: وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ على أنهم يجحدون في قلوبهم و عقولهم‏

207

هذا العلم الضروري، و أما بيان أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة فلم يذكره على سبيل التصريح، لأنه كلام جلي متبادر إلى العقول فتركوه لهذا العذر. ثم إنه تعالى بين أن القول بالبعث ممكن و يدل عليه وجهان:

الوجه الأول: أنه وعد حق على اللّه تعالى، فوجب تحقيقه، ثم بين السبب الذي لأجله كان وعدا حقا على اللّه تعالى، و هو التمييز بين المطيع و بين العاصي، و بين المحق و المبطل، و بين الظالم و المظلوم، و هو قوله:

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ اَلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَ لِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كََانُوا كََاذِبِينَ و هذه الطريقة قد بالغنا في شرحها و تقريرها في سورة يونس.

و الوجه الثاني: في بيان إمكان الحشر و النشر أن كونه تعالى موجدا للأشياء و مكونا لها لا يتوقف على سبق مادة و لا مدة و لا آلة، و هو تعالى إنما يكونها بمحض قدرته و مشيئته، و ليس لقدرته دافع و لا لمشيئته مانع فعبر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن المعارض بقوله: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و إذا كان كذلك، فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد في الابتداء وجب أن يكون قادرا عليه في الإعادة، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر و النشر و البعث و القيامة حق و صدق، و القوم إنما طعنوا في صحة النبوة بناء على الطعن في هذا الأصل، فلما بطل هذا الطعن بطل أيضا طعنهم في النبوة. و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: قوله: وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ حكاية عن الذين أشركوا، و قوله: بَلى‏ََ إثبات لما بعد النفي، أي بلى يبعثهم، و قوله: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا مصدر مؤكد أي وعد بالبعث وعدا حقا لا خلف فيه، لأن قوله يبعثهم دل على قوله وعد بالبعث، و}قوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ اَلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ من أمور البعث أي بلى يبعثهم ليبين لهم و ليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما أقسموا فيه.

ثم قال تعالى: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول: قوله: كُنْ إن كان خطابا مع المعدوم فهو محال، و إن كان خطابا مع الموجود كان هذا أمرا بتحصيل الحاصل و هو محال.

و الجواب: أن هذا تمثيل لنفي الكلام و المعاياة و خطاب مع الخلق بما يعقلون، و ليس خطابا للمعدوم، لأن ما أراده اللّه تعالى فهو كائن على كل حال و على ما أراده من الإسراع، و لو أراد خلق الدنيا و الآخرة بما فيهما من السموات و الأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك، و لكن العباد خوطبوا بذلك على قدر عقولهم.

المسألة الثانية: قوله تعالى: قَوْلُنََا مبتدأ و أَنْ نَقُولَ خبره و كُنْ فَيَكُونُ من كان التامة التي بمعنى الحدوث و الوجود أي إذا أردنا حدوث شي‏ء فليس إلا أن نقول له أحدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقف.

المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر و الكسائي فَيَكُونُ بنصب النون، و الباقون بالرفع قال الفراء: القراءة بالرفع وجهها أن يجعل قوله: أَنْ نَقُولَ لَهُ كلاما تاما ثم يخبر عنه بأنه سيكون كما يقال: إن زيدا يكفيه إن أمر فيفعل فترفع قولك فيفعل على أن تجعله كلاما مبتدأ، و أم القراءة بالنصب فوجهه أن تجعله عطفا على أن نقول، و المعنى: أن نقول كن فيكون هذا قول جميع النحويين، قال الزجاج: و يجوز أن يكون نصبا على جواب‏

208

كُنْ قال أبو على لفظة «كن» و إن كانت على لفظة الأمر فليس القصد بها هاهنا الأمر إنما هو و اللّه أعلم الإخبار عن كون الشي‏ء و حدوثه، و إذا كان الأمر كذلك فحينئذ يبطل قوله إنه نصب على جواب كُنْ و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على قدم القرآن فقالوا قوله تعالى: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شي‏ء قال له كن فيكون، فلو كان قوله كُنْ حادثا لافتقر إحداثه إلى أن يقول له كن و ذلك يوجب التسلسل، و هو محال فثبت أن كلام اللّه قديم.

و اعلم أن هذا الدليل عندي ليس في غاية القوة، و بيانه من وجوه:

الوجه الأول: أن كلمة إِذََا لا تفيد التكرار، و الدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار مرة طلقت طلقة واحدة فلو دخلت ثانيا لم تطلق طلقة ثانية فعلمنا أن كلمة إذا لا تفيد التكرار، و إذا كان كذلك ثبت أنه لا يلزم في كل ما يحدثه اللّه تعالى أن يقول له كن فلم يلزم التسلسل.

و الوجه الثاني: أن هذا الدليل إن صح لزم القول بقدم لفظه «كن» و هذا معلوم البطلان/بالضرورة، لأن لفظة: كن، مركبة من الكاف و النون، و عند حضور الكاف لم تكن النون حاضرة و عند مجي‏ء النون تتولى الكاف، و ذلك يدل على أن كلمة كن يمتنع كونها قديمة، و إنما الذي يدعي أصحابنا كونه قديما صفة مغايرة للفظة كن، فالذي تدل عليه الآية لا يقول به أصحابنا، و الذي يقولون به لا تدل عليه الآية فسقط التمسك به.

و الوجه الثالث: أن الرجل إذا قال إن فلانا لا يقدم على قول، و لا على فعل إلا و يستعين فيه باللّه تعالى فإن عاقلا لا يقول: إن استعانته باللّه فعل من أفعاله فيلزم أن يكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل فكذلك ما قالوه.

و الوجه الرابع: أن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه:

الوجه الأول: أن قوله تعالى: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ يقتضي كون القول واقعا بالإرادة، و ما كان كذلك فهو محدث.

و الوجه الثاني: أنه علق القول بكلمة إذا، و لا شك أن لفظة «إذا» تدخل للاستقبال.

و الوجه الثالث: أن قوله: أَنْ نَقُولَ لَهُ لا خلاف أن ذلك ينبئ عن الاستقبال.

و الوجه الرابع: أن قوله: كُنْ فَيَكُونُ يدل على أن حدوث الكون حاصل عقيب قوله: كُنْ فتكون كلمة «كن» متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد، و المتقدم على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثا.

و الوجه الخامس: أنه معارض بقوله تعالى: وَ كََانَ أَمْرُ اَللََّهِ مَفْعُولاً* [النساء: 47]، وَ كََانَ أَمْرُ اَللََّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب: 38]. اَللََّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ [الزمر: 23]. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور: 34]، وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتََابُ مُوسى‏ََ إِمََاماً وَ رَحْمَةً* [الأحقاف: 12].

فإن قيل: فهب أن هذه الآية لا تدل على قدم الكلام، و لكنكم ذكرتم أنها تدل على حدوث الكلام فما الجواب عنه؟

209

قلنا: نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف و الأصوات، و نحن نقول بكونه محدثا مخلوقا. و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ اَلَّذِينَ هََاجَرُوا فِي اَللََّهِ مِنْ بَعْدِ مََا ظُلِمُوا اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا باللّه جهد أيمانهم على إنكار البعث و القيامة دل ذلك على أنهم تمادوا في الغي، و الجهل، و الضلال، و في مثل هذه الحالة لا يبعد إقدامهم على إيذاء المسلمين و ضرهم، و إنزال العقوبات بهم، و حينئذ يلزم على المؤمنين أن يهاجروا عن تلك الديار و المساكن، فذكر تعالى في هذه الآية حكم تلك الهجرة و بين ما لهؤلاء المهاجرين من الحسنات في الدنيا، و الأجر في الآخرة من حيث هاجروا و صبروا و توكلوا على اللّه، و ذلك ترغيب لغيرهم في طاعة اللّه تعالى. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما:

نزلت هذه الآية في ستة من الصحابة صهيب و بلال و عمار و خباب و عابس و جبير موليين لقريش فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام، أما صهيب فقال لهم: أنا رجل كبير إن كنت لكم لم أنفعكم و إن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله فلما رآه أبو بكر قال: ربح البيع يا صهيب، و قال عمر: نعم الرجل صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه، و هو ثناء عظيم يريد لو لم يخلق اللّه النار لأطاعه فكيف ظنك به و قد خلقها؟و أما سائرهم فقد قالوا بعض ما أراد أهل مكة من كلمة الكفر و الرجوع عن الإسلام فتركوا عذابهم، ثم هاجروا فنزلت هذه الآية، و بين اللّه تعالى بهذه الآية عظم محل الهجرة، و محل المهاجرين فالوجه فيه ظاهر، لأن بسبب هجرتهم ظهرت قوة الإسلام، كما أن بنصرة الأنصار قويت شوكتهم، و دل تعالى بقوله: وَ اَلَّذِينَ هََاجَرُوا فِي اَللََّهِ أن الهجرة إذا لم تكن للّه لم يكن لها موقع، و كانت بمنزلة الانتقال من بلد إلى بلد، و قوله: مِنْ بَعْدِ مََا ظُلِمُوا معناه أنهم كانوا مظلومين في أيدي الكفار، لأنهم كانوا يعذبونهم.

ثم قال: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي اَلدُّنْيََا حَسَنَةً و فيه وجوه: الأول: أن قوله: حَسَنَةً صفة للمصدر من قوله:

لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي اَلدُّنْيََا و التقدير: لنبوئنهم تبوئة حسنة، و

في قراءة علي عليه السلام: (لنبوئنهم إبواءة حسنة) .

الثاني: لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة و هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، و على العرب قاطبة، و على أهل المشرق و المغرب، و عن عمر أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك اللّه لك فيه هذا ما وعدك اللّه في الدنيا و ما ذخر لك في الآخرة أكبر.

و القول الثالث: لنبوئنهم مباءة حسنة و هي المدينة حيث آواهم أهلها و نصروهم، و هذا قول الحسن و الشعبي و قتادة، و التقدير: لنبوئنهم في الدنيا دارا حسنة أو بلدة حسنة يعني المدينة.

ثم قال تعالى: وَ لَأَجْرُ اَلْآخِرَةِ أَكْبَرُ و أعظم و أشرف، لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ و الضمير إلى من يعود؟فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الكفار، أي لو علموا أن اللّه تعالى يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدنيا و الآخرة لرغبوا في دينهم. و الثاني: أنه راجع إلى المهاجرين، أي لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم و صبرهم.

210

ثم قال: اَلَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى‏ََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ و في محل: اَلَّذِينَ وجوه: الأول: أنه بدل من قوله:

وَ اَلَّذِينَ هََاجَرُوا . و الثاني: أن يكون التقدير: هم الذين صبروا. و الثالث: أن يكون التقدير: أعني الذين صبروا و كلا الوجهين مدح، و المعنى: أنهم صبروا على العذاب و على مفارقة الوطن الذي هو حرم اللّه، و على المجاهدة و بذل الأموال و الأنفس في سبيل اللّه، و بالجملة فقد ذكر فيه الصبر و التوكل. أما الصبر فللسعي في قهر النفس، و أما التوكل فللانقطاع بالكلية من الخلق و التوجه بالكلية إلى الحق، فالأول: هو مبدأ السلوك إلى اللّه تعالى. و الثاني: آخر هذا الطريق و نهايته، و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ إِلاََّ رِجََالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري النبوة كانوا يقولون: اللّه أعلى و أجل من أن يكون رسوله واحدا من البشر، بل لو أراد بعثة رسول إلينا لكان يبعث ملكا، و قد ذكرنا تقرير هذه الشبهة في سورة الأنعام فلا نعيده هاهنا، و نظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عنهم: وَ قََالُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: 8]و قالوا: أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنََا [المؤمنون: 47]و قالوا: مََا هََذََا إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمََّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَ يَشْرَبُ مِمََّا تَشْرَبُونَ*`وَ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ [المؤمنون: 33، 34]و قال: أَ كََانَ لِلنََّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ رَجُلٍ/مِنْهُمْ [يونس: 2]و قالوا: لَوْ لاََ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً [الفرقان: 7].

فأجاب اللّه تعالى عن هذه الشبهة بقوله: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ إِلاََّ رِجََالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ و المعنى: أن عادة اللّه تعالى من أول زمان الخلق و التكليف أنه لم يبعث رسولا إلا من البشر، فهذه العادة مستمرة للّه سبحانه و تعالى، و طعن هؤلاء الجهال بهذا السؤال الركيك أيضا طعن قديم فلا يلتفت إليه.

المسألة الثانية: دلت الآية على أنه تعالى ما أرسل أحدا من النساء، و دلت أيضا على أنه ما أرسل ملكا، لكن ظاهر قوله: جََاعِلِ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً [فاطر: 1]يدل على أن الملائكة رسل اللّه إلى سائر الملائكة، فكان ظاهر هذه الآية دليلا على أنه ما أرسل رسولا من الملائكة إلى الناس. قال القاضي: و زعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء عليهم السلام إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة. ثم قال القاضي: لعله أراد أن الملك الذي يرسل إلى الأنبياء عليهم السلام بحضرة أممهم، لأنه إذا كان كذلك فلا بد من أن يكون أيضا بصورة الرجال، كما

روي أن جبريل عليه السلام حضر عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في صورة دحية الكلبي و في صورة سراقة،

و إنما قلنا ذلك لأن المعلوم من حال الملائكة أن عند إبلاغ الرسالة من اللّه تعالى إلى الرسول قد يبقون على صورتهم الأصلية الملكية، و

قد روي أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين،

و عليه تأولوا قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ََ [النجم: 13]

211

و لما ذكر اللّه تعالى هذا الكلام أتبعه بقوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في المراد بأهل الذكر وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: يريد أهل التوراة، و الذكر هو التوراة. و الدليل عليه قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَتَبْنََا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ [الأنبياء: 105]يعني التوراة. الثاني: قال الزجاج: فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب اللّه تعالى، فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر، و الثالث: أهل الذكر أهل العلم بأخبار الماضين، إذ العالم بالشي‏ء يكون ذاكرا له. و الرابع: قال الزجاج: معناه سلوا كل من يذكر بعلم و تحقيق. و أقول: الظاهر أن هذه الشبهة و هي قولهم: اللّه أعلى و أجل من أن يكون رسوله واحدا من البشر إنما تمسك بها كفار مكة، ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود و النصارى أصحاب العلوم و الكتب فأمرهم اللّه بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود و النصارى ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة و سقوطها، فإن اليهودي و النصراني لا بد لهما من تزييف هذه الشبهة و بيان سقوطها.

المسألة الثانية: اختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد؟ منهم من حكم بالجواز/و احتج بهذه الآية فقال: لما لم يكن أحد المجتهدين عالما وجب عليه الرجوع إلى المجتهد الآخر الذي يكون عالما لقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ فإن لم يجب فلا أقل من الجواز.

المسألة الثالثة: احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: المكلف إذا نزلت به واقعة فإن كان عالما بحكمها لم يجز له القياس، و إن لم يكن عالما بحكمها وجب عليه سؤال من كان عالما بها لظاهر هذه الآية، و لو كان القياس حجة لما وجب عليه سؤال العالم لأجل أنه يمكنه استنباط ذلك الحكم بواسطة القياس، فثبت أن تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل بظاهر هذه الآية فوجب أن لا يجوز. و اللّه أعلم.

و جوابه: أن ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع الصحابة، و الإجماع أقوى من هذا الدليل، و اللّه أعلم.

ثم قال تعالى: بِالْبَيِّنََاتِ وَ اَلزُّبُرِ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: ذكروا في الجالب لهذه الباء وجوها: الأول: أن التقدير: و ما أرسلنا من قبلك بالبينات و الزبر إلا رجالا يوحى إليهم، و أنكر الفراء ذلك و قال: إن صلة ما قبل إلا لا يتأخر إلى بعد، و الدليل عليه: أن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته، فما لم يصر هذا المجموع مذكورا بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه. الثاني: أن التقدير: و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم بالبينات و الزبر، و على هذا التقدير فقوله:

بِالْبَيِّنََاتِ وَ اَلزُّبُرِ متعلق بالمستثنى. و الثالث: أن الجالب لهذا الباء محذوف، و التقدير أرسلناهم بالبينات و هذا قول الفراء. قال: و نظيره ما مر إلا أخوك بزيد ما مر إلا أخوك ثم يقول مر بزيد. الرابع: أن يقال: الذكر بمعنى العلم، و التقدير فاسألوا أهل الذكر بالبينات و الزبر إن كنتم لا تعلمون. الخامس: أن يكون التقدير: إن كنتم لا تعلمون بالبينات و الزبر فاسألوا أهل الذكر.

المسألة الثانية: قوله تعالى: بِالْبَيِّنََاتِ وَ اَلزُّبُرِ لفظة جامعة لكل ما تكامل به الرسالة، لأن مدار أمرها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة و هي البينات و على التكاليف التي يبلغها الرسول من اللّه تعالى إلى العباد و هي الزبر.

ثم قال تعالى: وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنََّاسِ مََا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ و فيه مسائل:

212

المسألة الأولى: ظاهر هذا الكلام يقتضي أن هذا الذكر مفتقر إلى بيان رسول اللّه و المفتقر إلى البيان مجمل، فظاهر هذا النص يقتضي أن القرآن كله مجمل، فلهذا المعنى قال بعضهم متى وقع التعارض بين القرآن و بين الخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل و الدليل عليه هذه الآية، و الخبر مبين له بدلالة هذه الآية، و المبين مقدم على المجمل.

و الجواب: أن القرآن منه محكم، و منه متشابه، و المحكم يجب كونه مبينا فثبت أن القرآن ليس كله مجملا بل فيه ما يكون مجملا فقوله: لِتُبَيِّنَ لِلنََّاسِ مََا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ محمول على المجملات.

المسألة الثانية: ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون الرسول صلّى اللّه عليه و سلم هو المبين لكل ما أنزله اللّه تعالى على المكلفين، فعند هذا قال نفاة القياس لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول بيان كل ما أنزله اللّه تعالى على المكلفين من الأحكام، لاحتمال أن يبين المكلف ذلك الحكم بطريقة القياس، و لما دلت هذه الآية على أن المبين لكل التكاليف و الأحكام، هو الرسول صلّى اللّه عليه و سلم علمنا أن القياس ليس بحجة.

و أجيب عنه بأنه صلّى اللّه عليه و سلم لما بين أن القياس حجة، فمن رجع في تبيين الأحكام و التكاليف إلى القياس، كان ذلك في الحقيقة رجوعا إلى بيان الرسول صلّى اللّه عليه و سلم.

ثم قال تعالى: أَ فَأَمِنَ اَلَّذِينَ مَكَرُوا اَلسَّيِّئََاتِ إلى آخر الآية المكر في اللغة عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء، و لا بد هاهنا من إضمار، و التقدير: المكرات السيئات، و المراد أهل مكة و من حول المدينة. قال الكلبي: المراد بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير اللّه تعالى، و الأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و أصحابه على سبيل الخفية، ثم إنه تعالى ذكر في تهديدهم أمورا أربعة: الأول: أن يخسف اللّه بهم الأرض كما خسف بقارون. الثاني: أن يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، و المراد أن يأتيهم العذاب من السماء من حيث يفجؤهم فيهلكهم بغتة كما فعل بقوم لوط. }و الثالث: أن يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين، و في تفسير هذا التقلب وجوه: الأول: أنه يأخذهم بالعقوبة في أسفارهم، فإنه تعالى قادر على إهلاكهم في السفر كما أنه قادر على إهلاكهم في الحضر و هم لا يعجزون اللّه بسبب ضربهم في البلاد البعيدة بل يدركهم اللّه حيث كانوا، و حمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى: لاََ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي اَلْبِلاََدِ [آل عمران: 196]. و ثانيهما: تفسير هذا اللفظ بأنه يأخذهم بالليل و النهار في أحوال إقبالهم و إدبارهم و ذهابهم و مجيئهم و حقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم. و ثالثها: أن يكون المعنى أو يأخذهم في حال ما ينقلبون في قضايا أفكارهم فيحول اللّه بينهم و بين إتمام تلك الحيل قسرا كما قال: وَ لَوْ نَشََاءُ لَطَمَسْنََا عَلى‏ََ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا اَلصِّرََاطَ فَأَنََّى يُبْصِرُونَ [يس: 66]و حمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله: وَ قَلَّبُوا لَكَ اَلْأُمُورَ [التوبة: 48]فإنهم إذا قلبوها فقد تقلبوا فيها.

و النوع الرابع: من الأشياء التي ذكرها اللّه تعالى في هذه الآية على سبيل التهديد قوله تعالى: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى‏ََ تَخَوُّفٍ و في تفسير التخوف قولان:

القول الأول: التخوف تفعل من الخوف، يقال خفت الشي‏ء و تخوفته و المعنى أنه تعالى لا يأخذهم بالعذاب أولا بل يخيفهم أولا ثم يعذبهم بعده، و تلك الإخافة هو أنه تعالى يهلك فرقة فتخاف التي تليها فيكون

213

هذا أخذا ورد عليهم بعد أن يمر بهم قبل ذلك زمانا طويلا في الخوف و الوحشة.

و القول الثاني: أن التخوف هو التنقص قال ابن الأعرابي يقال: تخوفت الشي‏ء و تخيفته إذا تنقصته، و عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون في هذه الآية؟فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص، فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟قال نعم: قال شاعرنا و أنشد:

تخوف الرحل منها تامكا قردا # كما تخوف عود النبعة السفن‏

فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: و ما ديواننا؟قال شعر الجاهلية فيه تفسير كتابكم.

إذا عرفت هذا فنقول: هذا التنقص يحتمل أن يكون المراد منه ما يقع في أطراف بلادهم كما قال تعالى:

أَ فَلاََ يَرَوْنَ أَنََّا نَأْتِي اَلْأَرْضَ نَنْقُصُهََا مِنْ أَطْرََافِهََا [الأنبياء: 44]و المعنى أنه تعالى لا يعاجلهم بالعذاب و لكن ينقص من أطراف بلادهم إلى القرى التي تجاورهم حتى يخلص الأمر إليهم فحينئذ يهلكهم، و يحتمل أن يكون المراد أنه ينقص أموالهم و أنفسهم قليلا قليلا حتى يأتي الفناء على الكل فهذا تفسير هذا الأمور الأربعة، و الحاصل أنه تعالى خوفهم بخسف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء أو بآفات تحدث دفعة واحدة حال ما لا يكونون عالمين بعلاماتها و دلائلها، أو بآفات تحدث قليلا قليلا إلى أن يأتي الهلاك على آخرهم ثم ختم الآية بقوله: فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ و المعنى أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رؤوف رحيم فلا يعاجل بالعذاب.

في قوله تعالى أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ََ مََا خَلَقَ اَللََّهُ إلى قوله وَ هُمْ دََاخِرُونَ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما خوف المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي و السفلي و تدبير أحوال الأرواح و الأجسام، ليظهر لهم أن مع كمال هذه القدرة القاهرة، و القوة الغير المتناهية لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك الأقسام الأربعة.

المسألة الثانية: قرأ حمزة و الكسائي: أ و لم تروا بالتاء على الخطاب، و كذلك في سورة العنكبوت:

أ و لم تروا كيف يبدي اللّه الخلق ثم يعيده [العنكبوت: 19]بالتاء على الخطاب، و الباقون بالياء فيهما كناية عن الذين مكروا السيئات، و أيضا أن ما قبله غيبة و هو قوله: أَنْ يَخْسِفَ اَللََّهُ بِهِمُ اَلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ اَلْعَذََابُ * ... أَوْ يَأْخُذَهُمْ [النحل: 45، 46]فكذا قوله: أَ وَ لَمْ يَرَوْا و قرأ أبو عمرو وحده: تتفيؤا بالتاء و الباقون بالياء، و كلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع.

المسألة الثالثة: قوله أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ََ مََا خَلَقَ اَللََّهُ لما كانت الرؤية هاهنا بمعنى النظر وصلت بإلى، لأن‏

214

المراد به الاعتبار و الاعتبار لا يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشي‏ء و تأمل لأحواله، و قوله: إِلى‏ََ مََا خَلَقَ اَللََّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ قال أهل المعاني: أراد من شي‏ء له ظل من جبل و شجر و بناء و جسم قائم، و لفظ الآية يشعر بهذا القيد، لأن قوله: مِنْ شَيْ‏ءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلاََلُهُ عَنِ اَلْيَمِينِ وَ اَلشَّمََائِلِ يدل على أن ذلك الشي‏ء كثيف يقع له ظل على الأرض. و قوله: يَتَفَيَّؤُا ظِلاََلُهُ إخبار عن قوله: شَيْ‏ءٍ و ليس بوصف له، و يتفيأ يتفعل من الفي‏ء يقال: فاء الظل يفي‏ء فيئا إذا رجع و عاد بعد ما نسخه ضياء الشمس، و أصل الفي‏ء الرجوع، و منه في‏ء المولي و ذكرنا ذلك في قوله تعالى: فَإِنْ فََاؤُ فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: 226]و كذلك في‏ء المسلمين لما يعود على المسلمين من مال من خالف دينهم، و منه قوله تعالى: مََا أَفََاءَ اَللََّهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ مِنْهُمْ [الحشر: 6] و أصل هذا كله من الرجوع.

إذا عرفت هذا فنقول: إذا عدي فاء فإنه يعدى إما بزيادة الهمزة أو بتضعيف العين. أما التعدية بزيادة الهمزة فكقوله: مََا أَفََاءَ اَللََّهُ و أما بتضعيف العين فكقوله فيأ اللّه الظل فتفيأ و تفيأ مطاوع فيأ. قال الأزهري:

تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعد ما انصرفت عنه الشمس و الظل ما يكون بالغداة و هو ما لم تنله الشمس كما قال الشاعر:

فلا الظل من برد الضحى تستطيعه # و لا الفي‏ء من برد العشي تذوق‏

قال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو في‏ء/و ما لم يكن عليه الشمس فهو ظل، و منهم من أنكر ذلك، فإن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي:

فسلام الإله يغدو عليهم # و فيوء الغروس ذات الظلال‏

فهذا الشعر قد أوقع فيه لفظ الفي‏ء على ما لم تنسخه الشمس، لأن ما في الجنة من الظل ما حصل بعد أن كان زائلا بسبب نور الشمس و تقول العرب في جمع في‏ء أفياء و هي للعدد القليل، و فيوء للكثير كالنفوس و العيون، و قوله: ظِلاََلُهُ أضاف الظلال إلى مفرد، و معناه الإضافة إلى ذوي الظلال، و إنما حسن هذا، لأن الذي عاد إليه الضمير و إن كان واحدا في اللفظ و هو قوله إلى ما خلق اللّه، إلا أنه كثير في المعنى، و نظيره قوله تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلى‏ََ ظُهُورِهِ [الزخرف: 13]فأضاف الظهور و هو جمع، إلى ضمير مفرد، لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة و هو قوله: مََا تَرْكَبُونَ هذا كله كلام الواحدي و هو بحث حسن. أما قوله: عَنِ اَلْيَمِينِ وَ اَلشَّمََائِلِ ففيه بحثان:

البحث الأول: في المراد باليمين و الشمائل قولان:

القول الأول: أن يمين الفلك هو المشرق و شماله هو المغرب، و السبب في تخصيص هذين الاسمين بهذين الجانبين أن أقوى جانبي الإنسان يمينه، و منه تظهر الحركة القوية، فلما كانت الحركة الفلكية اليومية آخذة من المشرق إلى المغرب، لا جرم كان المشرق يمين الفلك و المغرب شماله.

إذا عرفت هذا فنقول: إن الشمس عند طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك تقع الإظلال إلى الجانب الغربي، فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي وقع الإظلال في الجانب الشرقي، فهذا هو المراد من تفيؤ الظلال من اليمين إلى الشمال و بالعكس، و على هذا التقدير: فالإظلال في أول النهار تبتدئ من‏

215

يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض، و من وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدئ الإظلال من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض.

القول الثاني: أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل، فإن في الصيف تحصل الشمس على يسارها، و حينئذ يقع الإظلال على يمينهم، فهذا هو المراد من انتقال الإظلال عن الأيمان إلى الشمائل و بالعكس. هذا ما حصلته في هذا الباب، و كلام المفسرين فيه غير ملخص.

البحث الثاني: لقائل أن يقول: ما السبب في أن ذكر اليمين بلفظ الواحد، و الشمائل بصيغة الجمع؟ و أجيب عنه بأشياء: أحدها: أنه وحد اليمين و المراد الجمع و لكنه اقتصر في اللفظ على الواحد/كقوله تعالى: وَ يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ [القمر: 45]. و ثانيها: قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحدة من ذوات الأظلال، و إذا جمع ذهب إلى كلها، و ذلك لأن قوله: مََا خَلَقَ اَللََّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ لفظه واحد، و معناه الجمع على ما بيناه فيحتمل كلا الأمرين. و ثالثها: أن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله تعالى: وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ [الأنعام: 1]و قوله: خَتَمَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ََ سَمْعِهِمْ [البقرة: 7].

و رابعها: أنا إذا فسرنا اليمين بالمشرق كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها، فكانت اليمين واحدة. و أما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض و هي كثيرة، فلذلك عبر اللّه تعالى عنها بصيغة الجمع و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: أما قوله: سُجَّداً لِلََّهِ ففيه احتمالات: الأول: أن يكون المراد من السجود الاستسلام و الانقياد يقال: سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب، و سجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل و يقال: أسجد لقرد السوء في زمانه، أي أخضع له قال الشاعر:

ترى الأكم فيها سجدا للحوافر

أي متواضعة إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى دبر النيرات الفلكية، و الأشخاص الكوكبية بحيث يقع أضواؤها على هذا العالم السفلي على وجوه مخصوصة. ثم إنا نشاهد أن تلك الأضواء، و تلك الإظلال لا تقع في هذا العالم إلا على وفق تدبير اللّه تعالى و تقديره، فنشاهد أن الشمس إذا طلعت وقعت للأجسام الكثيفة أظلال ممتدة في الجانب الغربي من الأرض، ثم كلما ازدادت الشمس طلوعا و ارتفاعا، ازدادت تلك الأظلال تقلصا و انتقاصا إلى الجانب الشرقي إلى أن تصل الشمس إلى وسط الفلك، فإذا انحدرت إلى الجانب الغربي ابتدأت الأظلال بالوقوع في الجانب الشرقي، و كلما ازدادت الشمس انحدارا ازدادت الأظلال تمددا و تزايدا في الجانب الشرقي. و كما أنا نشاهد هذه الحالة في اليوم الواحد، فكذلك نشاهد أحوال الأظلال مختلفة في التيامن و التياسر في طول السنة، بسبب اختلاف أحوال الشمس في الحركة من الجنوب إلى الشمال و بالعكس، فلما شاهدنا أحوال هذه الأظلال مختلفة بسبب الاختلافات اليومية الواقعة في شرق الأرض و غربها، و بحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة في يمين الفلك و يساره، و رأينا أنها واقعة على وجه مخصوص و ترتيب معين، علمنا أنها منقادة لقدرة اللّه خاضعة لتقديره و تدبيره، فكانت السجدة عبارة عن هذه الحالة.

216

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: اختلاف حال هذه الأظلال معلل باختلاف سير النير الأعظم الذي هو الشمس، لا لأجل تقدير اللّه تعالى و تدبيره؟ قلنا: قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركا لذاته، إذ لو كانت ذاته علة لهذا الجزء المخصوص من الحركة، لبقي هذا الجزء من الحركة لبقاء ذاته، و لو بقي ذلك الجزء من الحركة لامتنع حصول الجزء الآخر من الحركة، و لو كان الأمر كذلك لكان هذا سكونا لا حركة، فالقول بأن الجسم متحرك لذاته يوجب القول بكونه ساكنا لذاته و أنه محال، و ما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلا، فعلمنا أن الجسم يمتنع كونه متحركا لذاته، و أيضا فقد دللنا على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فاختصاص جرم الشمس بالقوة المعينة و الخاصية المعينة لا بد و أن يكون بتدبير الخالق المختار الحكيم.

إذا ثبت هذا فنقول: هب أن اختلاف أحوال الأظلال إنما كان لأجل حركات الشمس، إلا أنا لما دللنا على أن محرك الشمس بالحركة الخاصة ليس إلا اللّه سبحانه كان هذا دليلا على أن اختلاف أحوال الأظلال لم يقع إلا بتدبير اللّه تعالى و تخليقه، فثبت أن المراد بهذا السجود الانقياد و التواضع، و نظيره قوله: وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ يَسْجُدََانِ [الرحمن: 6]و قوله: وَ ظِلاََلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ [الرعد: 15]قد مر بيانه و شرحه.

و القول الثاني: في تفسير هذا السجود، أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد. قال أبو العلاء المعري في صفة واد:

بحرف يطيل الجنح فيه سجوده # و للأرض زي الراهب المتعبد

فلما كانت الأظلال تشبه بشكلها شكل الساجدين أطلق اللّه عليها هذا اللفظ، و كان الحسن يقول: أما ظلك فسجد لربك، و أما أنت فلا تسجد له بئسما صنعت، و قال مجاهد: ظل الكافر يصلي و هو لا يصلي، و قيل: ظل كل شي‏ء يسجد للّه سواء كان ذلك ساجدا أم لا.

و اعلم أن الوجه الأول أقرب إلى الحقائق العقلية، و الثاني أقرب إلى الشبهات الظاهرة.

المسألة الخامسة: و قوله: سُجَّداً حال من الظلال و قوله: وَ هُمْ دََاخِرُونَ أي صاغرون، يقال: دخر يدخر دخورا، أي صغر يصغر صغارا، و هو الذي يفعل ما تأمره شاء أم أبي، و ذلك لأن هذه الأشياء منقادة لقدرة اللّه تعالى و تدبيره و قوله: وَ هُمْ دََاخِرُونَ حال أيضا من الظلال.

فإن قيل: الظلال ليست من العقلاء فكيف جاز جمعها بالواو و النون؟ قلنا: لأنه تعالى لما وصفهم بالطاعة و الدخور أشبهوا العقلاء.

أما قوله تعالى: وَ لِلََّهِ يَسْجُدُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ مِنْ دََابَّةٍ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قد ذكرنا أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين للّه تعالى، و سجود هو عبارة عن الانقياد للّه تعالى و الخضوع، و يرجع حاصل هذا السجود إلى أنها/في نفسها ممكنة الوجود و العدم قابلة لهما، و أنه لا يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح.

إذا عرفت هذا فنقول: من الناس من قال: المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني‏

217

و هو التواضع و الانقياد، و الدليل عليه أن اللائق بالدابة ليس إلا هذا السجود و منهم من قال: المراد بالسجود هاهنا هو المعنى الأول، لأن اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى لأن السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات و النباتات و الجمادات، و منهم من قال: السجود لفظ مشترك بين المعنيين، و حمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه جائز، فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الأمرين معا، أما في حق الدابة فبمعنى التواضع، و أما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين للّه تعالى، و هذا القول ضعيف، لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته معا غير جائز.

المسألة الثانية: قوله: مِنْ دََابَّةٍ قال الأخفش: يريد من الدواب و أخبر بالواحد كما تقول ما أتاني من رجل مثله، و ما أتاني من الرجال مثله، و قال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: ما الوجه في تخصيص الدواب و الملائكة بالذكر؟ فنقول فيه وجوه:

الوجه الأول: أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة للّه تعالى و بين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة للّه تعالى، لأن أخسها الدواب و أشرفها الملائكة، فلما بين في أخسها و في أشرفها كونها منقادة للّه تعالى كان ذلك دليلا على أنها بأسرها منقادة خاضعة للّه تعالى.

و الوجه الثاني: قال حكماء الإسلام: الدابة اشتقاقها من الدبيب، و الدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية، فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك و يدب، فلما بين اللّه تعالى الملائكة عن الدابة علمنا أنها ليست مما يدب، بل هي أرواح محضة مجردة، و يمكن الجواب عنه بأن الجناح للطيران مغاير للدبيب بدليل قوله تعالى:

وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ طََائِرٍ يَطِيرُ بِجَنََاحَيْهِ [الأنعام: 38]و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: وَ هُمْ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ‏`يَخََافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ مََا يُؤْمَرُونَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: المقصود من هذه الآية شرح صفات الملائكة و هي دلالة قاهرة قاطعة على عصمة الملائكة عن جميع الذنوب، لأن قوله: وَ هُمْ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ يدل على أنهم منقادون لصانعهم و خالقهم و أنهم ما خالفوه في أمر من الأمور، و نظيره قوله تعالى: وَ مََا نَتَنَزَّلُ إِلاََّ بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم: 64]و قوله: لاََ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: 27]و أما قوله: وَ يَفْعَلُونَ مََا يُؤْمَرُونَ فهذا أيضا/يدل على أنهم فعلوا كل ما كانوا مأمورين به، و ذلك يدل على عصمتهم عن كل الذنوب.

فإن قالوا: هب أن هذه الآية تدل على أنهم فعلوا كل ما أمروا به فلم قلتم إنها تدل على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟ قلنا: لأن كل ما نهي عن شي‏ء فقد أمر بتركه، و حينئذ يدخل في اللفظ، و إذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كل الذنوب، و ثبت أن إبليس ما كان معصوما من الذنوب بل كان كافرا، لزم القطع بأن إبليس ما كان من الملائكة.

و الوجه الثاني: في بيان هذا المقصود أنه تعالى قال في صفة الملائكة: وَ هُمْ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ ثم قال لإبليس: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْعََالِينَ [ص: 75]و قال أيضا له: فَاهْبِطْ مِنْهََا فَمََا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهََا [الأعراف: 13]فثبت أن الملائكة لا يستكبرون و ثبت أن إبليس تكبر و استكبر فوجب أن لا يكون من‏

218

الملائكة و أيضا لما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة، ثبت أن القصة الخبيثة التي يذكرونها في حق هاروت و ماروت كلام باطل، فإن اللّه تعالى و هو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة و براءتهم عن كل ذنب، وجب القطع بأن تلك القصة كاذبة باطلة و اللّه أعلم. }و احتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى وصفهم بالخوف، و لولا أنهم يجوزون على أنفسهم الإقدام على الكبائر و الذنوب و إلا لم يحصل الخوف.

و الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى منذرهم من العقاب فقال: وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلََهٌ مِنْ دُونِهِ فَذََلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 29]و هم لهذا الخوف يتركون الذنب. و الثاني: و هو الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، و الدليل على صحته قوله تعالى: إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ [فاطر: 28]و هذا يدل على أنه كلما كانت معرفة اللّه تعالى أتم، كان الخوف منه أعظم، و هذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال و الكبرياء و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: قالت المشبهة قوله تعالى: يَخََافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ هذا يدل على أن الإله تعالى فوقهم بالذات.

و اعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى: وَ هُوَ اَلْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ* [الأنعام: 18]و الذي نزيده هاهنا أن قوله: يَخََافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم، و إذا كان اللفظ محتملا لهذا المعنى سقط قولهم، و أيضا يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة و القهر كقوله: وَ إِنََّا فَوْقَهُمْ قََاهِرُونَ [الأعراف: 127]و الذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال: يَخََافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وجب أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت/في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يشعر بكون الحكم معللا بذلك الوصف.

إذا ثبت هذا فنقول: هذا التعطيل إنما يصح لو كان المراد بالفوقية الفوقية بالقهر و القدرة لأنها هي الموجبة للخوف، أما الفوقية بالجهة و المكان فهي لا توجب الخوف بدليل أن حارس البيت فوق الملك بالمكان و الجهة مع أنه أخس عبيده فسقطت هذه الشبهة.

المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن الملائكة مكلفون من قبل اللّه تعالى و أن الأمر و النهي متوجه عليهم كسائر المكلفين، و متى كانوا كذلك وجب أن يكونوا قادرين على الخير و الشر.

المسألة الرابعة: تمسك قوم بهذه الآية في بيان أن الملك أفضل من البشر من وجوه:

الوجه الأول: أنه تعالى قال: وَ لِلََّهِ يَسْجُدُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ مِنْ دََابَّةٍ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ و ذكرنا أن تخصيص هذين النوعين بالذكر إنما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخس المراتب و كان الطرف الثاني أشرفها حتى يكون ذكر هذين الطرفين منبها على الباقي، و إذا كان كذلك وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق اللّه تعالى.

الوجه الثاني: أن قوله تعالى: وَ هُمْ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ يدل على أنه ليس في قلوبهم تكبر و ترفع و قوله:

وَ يَفْعَلُونَ مََا يُؤْمَرُونَ يدل على أن أعمالهم خالية عن الذنب و المعصية، فمجموع هذين الكلامين يدل على أن بواطنهم و ظواهرهم مبرأة عن الأخلاق الفاسدة و الأفعال الباطلة، و أما البشر فليسوا كذلك. و يدل عليه القرآن‏

219

و الخبر، أما القرآن فقوله تعالى: قُتِلَ اَلْإِنْسََانُ مََا أَكْفَرَهُ [عبس: 17]و هذا الحكم عام في الإنسان، و أقل مراتبه أن تكون طبيعة الإنسان مقتضية لهذه الأحوال الذميمة، و أما الخبر

فقوله عليه السلام: «ما منا إلا و قد عصى أو هم بالمعصية غير يحيى بن زكريا»

و من المعلوم بالضرورة أن المبرأ عن المعصية و الهم بها أفضل ممن عصى أو هم بها.

الوجه الثالث: أنه لا شك أن اللّه تعالى خلق الملائكة قبل البشر بأدوار متطاولة و أزمان ممتدة، ثم إنه وصفهم بالطاعة و الخضوع و الخشوع طول هذه المدة، و طول العمر مع الطاعة يوجب مزيد الفضيلة لوجهين:

الأول:

قوله عليه السلام: «الشيخ في قومه كالنبي في أمته»

فضل الشيخ على الشاب، و ما ذاك إلا لأنه لما كان عمره أطول فالظاهر أن طاعته أكثر فكان أفضل. و الثاني:

أنه صلّى اللّه عليه و سلم قال: «من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة

فلما كان شروع الملائكة في الطاعات قبل شروع البشر فيها لزم أن يقال إنهم هم الذين سنوا هذه السنة الحسنة، و هي طاعة الخالق القديم الرحيم، و البشر إنما جاءوا بعدهم و استنوا سنتهم، فوجب بمقتضى هذا الخبر أن كل ما حصل للبشر من الثواب فقد حصل مثله للملائكة و لهم ثواب القدر الزائد من الطاعة فوجب كونهم أفضل من غيرهم.

الوجه الرابع: في دلالة الآية على هذا المعنى قوله: يَخََافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ و قد بينا بالدليل أن هذه الفوقية عبارة عن الفوقية بالرتبة و الشرف و القدرة و القوة، فظاهر الآية يدل على أنه لا شي‏ء فوقهم في الشرف و الرتبة إلا اللّه تعالى، و ذلك يدل على كونهم أفضل المخلوقات و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن كل ما سوى اللّه سواء كان من عالم الأرواح أو من عالم الأجسام، فهو منقاد خاضع لجلال اللّه تعالى و كبريائه، أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك و بالأمر بأن كل ما سواه فهو ملكه و ملكه و أنه غني عن الكل فقال: لاََ تَتَّخِذُوا إِلََهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّمََا هُوَ إِلََهٌ وََاحِدٌ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن الإلهين لا بد و أن يكونا اثنين، فما الفائدة في قوله: إِلََهَيْنِ اِثْنَيْنِ .

و جوابه من وجوه: أحدها: قال صاحب «النظم» : فيه تقديم و تأخير، و التقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين.

و ثانيها: و هو الأقرب عندي أن الشي‏ء إذا كان مستنكرا مستقبحا، فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سببا لوقوف العقل على ما فيه من القبح.

إذا عرفت هذا فالقول بوجود الإلهين قول مستقبح في العقول، و لهذا المعنى فإن أحدا من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب و القدم و صفات الكمال، فقوله: لاََ تَتَّخِذُوا إِلََهَيْنِ اِثْنَيْنِ المقصود

220

من تكريره تأكيد التنفير عنه و تكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح. و ثالثها: أن قوله: إِلََهَيْنِ لفظ واحد يدل على أمرين: ثبوت الإله و ثبوت التعدد، فإذا قيل: لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا اللفظ أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما. فلما قال: لاََ تَتَّخِذُوا إِلََهَيْنِ اِثْنَيْنِ ثبت أن قوله: لاََ تَتَّخِذُوا إِلََهَيْنِ نهي عن إثبات التعدد فقط. و رابعها: أن الإثنينية منافية للإلهية، و تقريره من وجوه: الأول: أنا لو فرضنا موجودين يكون كل واحد منهما واجبا لذاته لكانا مشتركين في الوجوب الذاتي و متباينين بالتعين و ما به المشاركة غير ما به المباينة، فكل واحد منهما مركب من جزأين، و كل مركب فهو ممكن، فثبت أن القول بأن واجب الوجود أكثر من واحد ينفي القول بكونهما واجبي الوجود. الثاني: أنا لو فرضنا إلهين و حاول أحدهما تحريك جسم و الآخر تسكينه امتنع كون أحدهما أولى بالفعل من الثاني، لأن الحركة الواحدة و السكون الواحد لا يقبل القسمة أصلا و لا التفاوت أصلا، و إذا كان كذلك امتنع أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من القدرة على الثاني، و إذا ثبت هذا امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتأثير من الثانية، و إذا ثبت هذا فإما أن يحصل مراد كل واحد منهما و هو محال، أو لا يحصل مراد كل واحد منهما و هو محال أو لا يحصل مراد كل واحد منهما ألبتة. فحينئذ يكون كل واحد منهما عاجزا و العاجز لا يكون إلها. فثبت أن كونهما اثنين ينفي كون كل واحد منهما إلها. الثالث: أنا لو فرضنا إلهين اثنين لكان إما أن يقدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر ذاك إله و الآخر ضعيف، و إن لم يقدر فهو ضعيف، و الرابع: و هو أن أحدهما إما أن يقوى على مخالفة الآخر، أو لا يقوى عليه فإن لم يقو عليه فهو ضعيف، و إن قوي عليه فذاك الآخر إن لم يقو على الدفع فهو ضعيف، و إن قوي عليه فالأول المغلوب ضعيف. فثبت أن الإثنينية و الإلهية متضادتان. فقوله: لاََ تَتَّخِذُوا إِلََهَيْنِ اِثْنَيْنِ المقصود منه التنبيه على حصول المنافاة و المضادة بين الإلهية و بين الإثنينية. و اللّه أعلم.

و اعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال: إِنَّمََا هُوَ إِلََهٌ وََاحِدٌ و المعنى: أنه لما دلت الدلائل السابقة على أنه لا بد للعالم من الإله، و ثبت أن القول بوجود الإلهين محال، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الحق الصمد.

ثم قال بعده: فَإِيََّايَ فَارْهَبُونِ و هذا رجوع من الغيبة إلى الحضور، و التقدير: أنه لما ثبت/أن الإله واحد و ثبت أن المتكلم بهذا الكلام إله، فحينئذ ثبت إنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام، فحينئذ يحسن منه أن يعدل من الغيبة إلى الحضور، و يقول: فَإِيََّايَ فَارْهَبُونِ و فيه دقيقة أخرى و هو أن قوله: فَإِيََّايَ فَارْهَبُونِ يفيد الحصر، و هو أن لا يرهب الخلق إلا منه، و أن لا يرغبوا إلا في فضله و إحسانه، و ذلك لأن الموجود إما قديم و إما محدث، أما القديم الذي هو الإله فهو واحد، و أما ما سواه فمحدث، و إنما حدث بتخليق ذلك القديم و بإيجاده، و إذا كان كذلك فلا رغبة إلا إليه و لا رهبة إلا منه، فبفضله تندفع الحاجات و بتكوينه و بتخليقه تنقطع الضرورات.

ثم قال بعده: وَ لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و هذا حق، لأنه لما كان الإله واحدا، و الواجب لذاته واحدا، كان كل ما سواه حاصلا بتخليقه و تكوينه و إيجاده، فثبت بهذا البرهان صحة قوله: وَ لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى، لأن أفعال العباد من جملة ما في السموات و الأرض، فوجب أن تكون أفعال العباد للّه تعالى، و ليس المراد من كونها للّه تعالى أنها

221

مفعولة للّه لأجله و لغرض طاعته، لأن فيها المباحات و المحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة و اللذة، لا لغرض الطاعة، فوجب أن يكون المراد من قولنا إنها للّه أنها واقعة بتكوينه و تخليقه و هو المطلوب.

ثم قال بعده: وَ لَهُ اَلدِّينُ وََاصِباً الدين هاهنا الطاعة، و الواصب الدائم. يقال: وصب الشي‏ء يصب وصوبا إذا دام، قال تعالى: وَ لَهُمْ عَذََابٌ وََاصِبٌ [الصافات: 9]و يقال: واظب على الشي‏ء و واصب عليه إذا داوم، و مفازة واصبة أي بعيدة لا غاية لها. و يقال للعليل واصب، ليكون ذلك المرض لازما له. قال ابن قتيبة:

ليس من أحد يدان له و يطاع، إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو بالموت إلا الحق سبحانه، فإن طاعته واجبة أبدا.

و اعلم أن قوله: وََاصِباً حال، و العامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل. و أقول: الدين قد يعني به الانقياد. يقال: يا من دانت له الرقاب أي انقادت. فقوله: وَ لَهُ اَلدِّينُ وََاصِباً أي انقياد كل ما سواه له لازم أبدا، لأن انقياد غيره له معلل بأن غيره ممكن لذاته، و الممكن لذاته يلزمه أن يكون محتاجا إلى السبب في طرفي الوجود و العدم و الماهيات يلزمها الإمكان لزوما ذاتيا، و الإمكان يلزمه الاحتياج إلى المؤثر لزوما ذاتيا، ينتج أن الماهيات يلزمها الاحتياج إلى المؤثر لزوما ذاتيا فهذه الماهيات موصوفة بالانقياد للّه تعالى اتصافا دائما واجبا لازما ممتنع التغير. و أقول: في الآية دقيقة أخرى، و هي أن العقلاء اتفقوا على أن الممكن حال حدوثه محتاج إلى السبب المرجح، و اختلفوا في الممكن حال بقائه هل هو محتاج إلى السبب؟قال المحققون: إنه محتاج لأن علة الحاجة هي/الإمكان و الإمكان من لوازم الماهية فيكون حاصلا للماهية حال حدوثها و حال بقائها فتكون علة الحاجة حال حدوث الممكن و حال بقائه، فوجب أن تكون الحاجة حاصلة حال حدوثها و حال بقائها.

إذا عرفت هذا فقوله: وَ لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ معناه: أن كل ما سوى الحق فإنه محتاج في انقلابه من العدم إلى الوجود أو من الوجود إلى العدم إلى مرجح و مخصص، و قوله: وَ لَهُ اَلدِّينُ وََاصِباً معناه أن هذا الانقياد و هذا الاحتياج حاصل دائما أبدا، و هو إشارة إلى ما ذكرناه من أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرجح و المخصص، و هذه دقائق من أسرار العلوم الإلهية مودعة في هذه الألفاظ الفائضة من عالم الوحي و النبوة.

ثم قال تعالى: أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَتَّقُونَ و المعنى: أنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد و عرفتم أن كل ما سواه محتاج إليه في وقت حدوثه، و محتاج إليه أيضا في وقت دوامه و بقائه، فبعد العلم بهذه الأصول كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير اللّه تعالى أو رهبة عن غير اللّه تعالى؟فلهذا المعنى قال على سبيل التعجب:

أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَتَّقُونَ .

ثم قال: وَ مََا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اَللََّهِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أنه لما بين بالآية الأولى أن الواجب على العاقل أن لا يتقي غير اللّه، بين في هذه الآية أنه يجب عليه أن لا يشكر أحدا إلا اللّه تعالى، لأن الشكر إنما يلزم على النعمة، و كل نعمة حصلت للإنسان فهي من اللّه تعالى لقوله: وَ مََا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اَللََّهِ فثبت بهذا أن العاقل يجب عليه أن لا يخاف و أن لا يتقي أحدا إلا اللّه و أن لا يشكر أحدا إلا اللّه تعالى.

222

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان حصل بخلق اللّه تعالى فقالوا الإيمان نعمة، و كل نعمة فهي من اللّه تعالى لقوله: وَ مََا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اَللََّهِ ينتج أن الإيمان من اللّه و إنما قلنا: إن الإيمان نعمة، لأن المسلمين مطبقون على قولهم: الحمد للّه على نعمة الإيمان، و أيضا فالنعمة عبارة عن كل ما يكون منتفعا به، و أعظم الأشياء في النفع هو الإيمان، فثبت أن الإيمان نعمة.

و إذا ثبت هذا فنقول: و كل نعمة فهي من اللّه تعالى لقوله تعالى: وَ مََا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اَللََّهِ و هذه اللفظة تفيد العموم، و أيضا مما يدل على أن كل نعمة فهي من اللّه، لأن كل ما كان موجودا فهو إما واجب لذاته، و إما ممكن لذاته، و الواجب لذاته ليس إلا اللّه تعالى، و الممكن لذاته لا يوجد إلا لمرجح، و ذلك المرجح إن كان واجبا لذاته كان حصول ذلك الممكن بإيجاد اللّه تعالى و إن كان ممكنا لذاته عاد التقسيم الأول فيه، و لا يذهب إلى التسلسل، بل ينتهي إلى إيجاد الواجب لذته، فثبت بهذا البيان أن كل نعمة فهي من اللّه تعالى.

المسألة الثالثة: النعم إما دينية و إما دنيوية، أما النعم الدينية فهي إما معرفة الحق لذاته و إما معرفة الخير لأجل العمل به، و أما النعم الدنيوية فهي إما نفسانية، و إما بدنية و إما خارجية و كل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر و التحديد كما قال: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا [إبراهيم: 34]و الإشارة إلى تفصيل تلك الأنواع قد ذكرناها مرارا فلا نعيدها.

المسألة الرابعة: إنما دخلت الفاء في قوله: فَمِنَ اَللََّهِ لأن الباء في قوله: بِكُمْ متصلة بفعل مضمر، و المعنى: ما يكن بكم أو ما حل بكم من نعمة فمن اللّه.

ثم قال تعالى: ثُمَّ إِذََا مَسَّكُمُ اَلضُّرُّ قال ابن عباس: يريد الأسقام و الأمراض و الحاجة: فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة، و تتضرعون إليه بالدعاء يقال: جأر يجأر جؤارا و هو الصوت الشديد كصوت البقرة، و قال الأعشى يصف راهبا:

يراوح من صلوات المليك # طورا سجودا و طورا جؤارا

و المعنى: أنه تعالى بين أن جميع النعم من اللّه تعالى، ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شي‏ء من تلك النعم فإلى اللّه يجأر، أي لا يستغيث أحدا إلا اللّه تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو، فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء و السلامة، ثم قال بعده: ثُمَّ إِذََا كَشَفَ اَلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذََا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ فبين تعالى أن عند كشف الضر و سلامة الأحوال يفترقون ففريق منهم يبقى على مثل ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى اللّه تعالى، و فريق منهم عند ذلك يتغيرون فيشركون باللّه غيره، و هذا جهل و ضلال، لأنه لما شهدت فطرته الأصلية و خلقته الغريزية عند نزول البلاء و الضراء و الآفات و المخافات أن لا مفزع إلا إلى الواحد، و لا مستغاث إلا الواحد فعند زوال البلاء و الضراء وجب أن يبقى على ذلك الاعتقاد، فأما أنه عند نزول البلاء يقر بأنه لا مستغاث إلا اللّه تعالى، و عند زوال البلاء يثبت الأضداد و الشركاء، فهذا جهل عظيم و ضلال كامل. و نظير هذه الآية قوله تعالى: فَلَمََّا نَجََّاهُمْ إِلَى اَلْبَرِّ إِذََا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: 65].

ثم قال تعالى: لِيَكْفُرُوا بِمََا آتَيْنََاهُمْ و في هذه اللام وجهان: الأول: أنها لام كي و المعنى أنهم أشركوا باللّه غيره في كشف ذلك الضر عنهم. و غرضهم من ذلك الإشراك أن ينكروا كون ذلك الإنعام من اللّه تعالى، ألا

223

ترى أن العليل إذا اشتد وجعه تضرع إلى اللّه تعالى في إزالة ذلك الوجع، فإذا زال أحال زواله على الدواء الفلاني و العلاج الفلاني، و هذا أكثر أحوال الخلق. و قال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه اللّه:

في اليوم الذي كنت أكتب هذه الأوراق و هو اليوم الأول من محرم سنة اثنتين و ستمائة حصلت زلزلة شديدة، و هدة عظيمة وقت الصبح/و رأيت الناس يصيحون بالدعاء و التضرع، فلما سكتت و طاب الهواء، و حسن أنواع الوقت نسوا في الحال تلك الزلزلة و عادوا إلى ما كانوا عليه من تلك السفاهة و الجهالة، و كانت هذه الحالة التي شرحها اللّه تعالى في هذه الآية تجري مجرى الصفة اللازمة لجوهر نفس الإنسان.

و القول الثاني: أن هذه اللام لام العاقبة كقوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [القصص: 8]يعني أن عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفر.

و اعلم أن المراد بقوله: بِمََا آتَيْنََاهُمْ فيه قولان: الأول: أنه عبارة عن كشف الضر و إزالة المكروه.

و الثاني: قال بعضهم: المراد به القرآن و ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه و سلم من النبوة و الشرائع.

و اعلم أنه تعالى توعدهم بعد ذلك فقال: فَتَمَتَّعُوا و هذا لفظ أمر، و المراد منه التهديد، كقوله: فَمَنْ شََاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شََاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29]و قوله: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاََ تُؤْمِنُوا [الإسراء: 107].

ثم قال تعالى: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي عاقبة أمركم و ما ينزل بكم من العذاب و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ يَجْعَلُونَ لِمََا لاََ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ إلى قوله وَ لَهُمْ مََا يَشْتَهُونَ اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل القاهرة فساد أقوال أهل الشرك و التشبيه، شرح في هذه الآية تفاصيل أقوالهم و بين فسادها و سخافتها.

فالنوع الأول: من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون لما لا يعلمون نصيبا و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: الضمير في قوله: لِمََا لاََ يَعْلَمُونَ إلى ما ذا يعود؟ فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى المشركين المذكورين في قوله: إِذََا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ [النحل: 54]و المعنى أن المشركين لا يعلمون. و الثاني: أنه عائد إلى الأصنام أي لا يعلم الأصنام ما يفعل عبادها قال بعضهم: الأول أولى لوجوه:

أحدها: أن نفي العلم عن الحي حقيقة و عن الجماد مجاز. و ثانيها: أن الضمير في قوله: وَ يَجْعَلُونَ عائد إلى المشركين فكذلك في قوله: لِمََا لاََ يَعْلَمُونَ يجب أن يكون عائد إليهم. و ثالثها: أن قوله: لِمََا لاََ يَعْلَمُونَ جمع بالواو و النون. و هو بالعقلاء أليق منه بالأصنام التي هي جمادات، و منهم من قال بل القول الثاني أولى لوجوه: الأول: أنا إذا قلنا إنه عائد إلى المشركين افتقرنا إلى إضمار، فإن التقدير: و يجعلون لما لا يعلمون إلها، أو لما لا يعلمون كونه نافعا ضارا، و إذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام، لم نفتقر إلى الإضمار لأن التقدير:

224

و يجعلون لما لا علم لها و لا فهم. و الثاني: أنه لو كان العلم مضافا إلى المشركين لفسد المعنى، لأن من المحال أن يجعلوا نصيبا من رزقهم لما لا يعلمونه، فهذا ما قيل في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر.

و اعلم أنا إذا قلنا بالقول الأول افتقرنا فيه إلى الإضمار، و ذلك يحتمل وجوها: أحدها: و يجعلون لما لا يعلمون له حقا، و لا يعلمون في طاعته نفعا و لا في الإعراض عنه ضررا، قال مجاهد: يعلمون أن اللّه خلقهم و يضرهم و ينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم و يضرهم نصيبا. و ثانيها: و يجعلون لما لا يعلمون إلهيتها. و ثالثها: و يجعلون لما لا يعلمون السبب في صيرورتها معبودة. و رابعها: المراد استحقار الأصنام حتى كأنها لقلتها لا تعلم.

المسألة الثانية: في تفسير ذلك النصيب احتمالات: الأول: المراد منه أنهم جعلوا للّه نصيبا من الحرث و الأنعام يتقربون إلى اللّه تعالى به، و نصيبا إلى الأصنام يتقربون به إليها، و قد شرحنا ذلك في آخر سورة الأنعام. و الثاني: أن المراد من هذا النصيب، البحيرة، و السائبة، و الوصيلة، و الحام، و هو قول الحسن.

و الثالث: ربما اعتقدوا في بعض الأشياء أنه إنما حصل بإعانة بعض تلك الأصنام، كما أن المنجمين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة، فيقولون لزحل كذا من المعادن و النبات و الحيوانات، و للمشتري أشياء أخرى فكذا هاهنا.

و اعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين هذا المذهب قال: تَاللََّهِ لَتُسْئَلُنَّ و هذا في هؤلاء الأقوم خاصة /بمنزلة قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*`عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92، 93]و على التقديرين فأقسم اللّه تعالى بنفسه أنه يسألهم، و هذا تهديد منه شديد، لأن المراد أنه يسألهم سؤال توبيخ و تهديد، و في وقت هذا السؤال احتمالان: الأول: أنه يقع ذلك السؤال عند القرب من الموت و معاينة ملائكة العذاب، و قيل عند عذاب القبر. و الثاني: أنه يقع ذلك في الآخرة، و هذا أولى لأنه تعالى قد أخبر بما يجري هناك من ضروب التوبيخ عند المسألة فهو إلى الوعيد أقرب.

النوع الثاني: من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون للّه البنات، و نظيره قوله تعالى: وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً [الزخرف: 19]كانت خزاعة و كنانة تقول: الملائكة بنات اللّه. أقول أظن أن العرب إنما أطلقوا لفظ البنات لأن الملائكة لما كانوا مستترين عن العيون أشبهوا النساء في الاستتار فأطلقوا عليهم لفظ البنات. و أيضا قرص الشمس يجري مجرى المستتر عن العيون بسبب ضوئه الباهر و نوره القاهر فأطلقوا عليه لفظ التأنيث فهذا ما يغلب على الظن في سبب إقدامهم على هذا القول الفاسد و المذهب الباطل، و لما حكى اللّه تعالى عنهم هذا القول قال سُبْحََانَهُ و فيه وجوه: الأول: أن يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه.

و الثاني: تعجيب الخلق من هذا الجهل القبيح، و هو وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى اللّه تعالى.

و الثالث: قيل في التفسير معناه معاذ اللّه و ذلك مقارب للوجه الأول.

ثم قال تعالى: وَ لَهُمْ مََا يَشْتَهُونَ أجاز الفراء في «ما» وجهين: الأول: أن يكون في محل النصب على معنى و يجعلون لأنفسهم ما يشتهون. و الثاني: أن يكون رفعا على الابتداء كأنه تم الكلام عند قوله: سُبْحََانَهُ ثم ابتدأ فقال: وَ لَهُمْ مََا يَشْتَهُونَ يعني البنين و هو كقوله: أَمْ لَهُ اَلْبَنََاتُ وَ لَكُمُ اَلْبَنُونَ [الطور: 39]ثم اختار الوجه الثاني و قال: لو كان نصيبا لقال و لأنفسهم ما يشتهون، لأنك تقول جعلت لنفسك كذا و كذا، و لا

225

نقول جعلت لك، و أبي الزجاج إجازة الوجه الأول، و قال «ما» في موضع رفع لا غير، و التقدير: و لهم الشي‏ء الذي يشتهونه، و لا يجوز النصب لأن العرب تقول جعل لنفسه ما تشتهي، و لا تقول جعل له ما يشتهي و هو يعني نفسه. }ثم إنه تعالى ذكر أن الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالولد البنت لنفسه فما لا يرتضيه لنفسه كيف ينسبه للّه تعالى فقال: وَ إِذََا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى‏ََ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: التبشير في عرف اللغة مختص بالخبر الذي يفيد السرور إلا أنه بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه، و معلوم أن السرور كما يوجب تغير البشرة فكذلك الحزن يوجبه.

فوجب أن يكون لفظة التبشير حقيقة في القسمين، و يتأكد هذا بقوله/ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ* [آل عمران: 21]و منهم من قال: المراد بالتبشير هاهنا الإخبار، و القول الأول أدخل في التحقيق.

أما قوله: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا فالمعنى أنه يصير متغيرا تغير مغتم، و يقال لمن لقي مكروها قد اسود وجهه غما و حزنا، و أقول إنما جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم، و ذلك لأن الإنسان إذا قوي فرحه انشرح صدره و انبسط روح قلبه من داخل القلب، و وصل إلى الأطراف، و لا سيما إلى الوجه لما بينهما من التعلق الشديد، و إذا وصل الروح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه و تلألأ و استنار، و أما إذا قوي غم الإنسان احتقن الروح في باطن القلب و لم يبق منه أثر قوي في ظاهر الوجه، فلا جرم يربد الوجه و يصفر و يسود و يظهر فيه أثر الأرضية و الكثافة، فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه و إشراقه، و من لوازم الغم كمودة الوجه و غبرته و سواده، فلهذا السبب جعل بياض الوجه إشراقه كناية عن الفرح و غبرته و كمودته و سواده كناية عن الغم و الحزن و الكراهية، و لهذا المعنى قال: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ أي ممتلئ غما و حزنا.

ثم قال تعالى: يَتَوََارى‏ََ مِنَ اَلْقَوْمِ مِنْ سُوءِ أي يختفي و يتغيب من سوء ما بشر به، قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته توارى و اختفى عن القوم إلى أن يعلم ما يولد له فإن كان ذكرا ابتهج به، و إن كان أنثى حزن و لم يظهر للناس أياما يدبر فيها أنه ماذا يصنع بها؟و هو قوله: أَ يُمْسِكُهُ عَلى‏ََ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي اَلتُّرََابِ و المعنى: أ يحبسه؟و الإمساك هاهنا بمعنى الحبس كقوله: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: 37]و إنما قال: أَ يُمْسِكُهُ ذكره بضمير الذكران لأن هذا الضمير عائد على «ما» في قوله: مََا بُشِّرَ بِهِ و الهون الهوان قال النضر بن شميل يقال إنه أهون عليه هونا و هوانا، و أهنته هونا و هوانا، و ذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله، عَذََابَ اَلْهُونِ* [الأنعام: 93]و في أن هذا الهون صفة من؟قولان: الأول: أنه صفة المولودة، و معناه أنه يمسكها عن هون منه لها. و الثاني: قال عطاء عن ابن عباس: أنه صفة للأب، و معناه أنه يمسكها مع الرضا بهوان نفسه و على رغم أنفه.

ثم قال: أَمْ يَدُسُّهُ فِي اَلتُّرََابِ و الدس إخفاء الشي‏ء في الشي‏ء. يروى أن العرب كانوا يحفرون حفيرة و يجعلونها فيها حتى تموت. و

روي عن قيس بن عاصم أنه قال: يا رسول اللّه إني واريت ثماني بنات في الجاهلية فقال عليه السلام: «أعتق عن كل واحدة منهن رقبة» ، فقال: يا نبي اللّه إني ذو إبل، فقال: «أهد عن كل واحدة منهن هديا»

و

روي أن رجلا قال يا رسول اللّه: ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها إلى فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر فألقيتها فيه، فقالت: يا أبت قتلتني، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شي‏ء، فقال عليه السلام: «ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام و ما كان‏

226

في الإسلام يهدمه الاستغفار»

و اعلم أنهم كانوا/مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة و يدفنها فيها إلى أن تموت، و منهم من يرميها من شاهق جبل، و منهم من يغرقها و منهم من يذبحها، و هم كانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة و الحمية، و تارة خوفا من الفقر و الفاقة و لزوم النفقة، ثم إنه قال: أَلاََ سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ و ذلك لأنهم بلغوا في الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات، فأولها: أنه يسود وجهه. و ثانيها: أنه يختفي عن القوم من شدة نفرته عن البنت، و ثالثها: أن الولد محبوب بحسب الطبيعة، ثم إنه بسبب شدة نفرته عنها يقدم على قتلها، و ذلك يدل على أن النفرة عن البنت و الاستنكاف عنها قد بلغ مبلغا لا يزداد عليه. إذا ثبت هذا فالشي‏ء الذي بلغ الاستنكاف منه إلى هذا الحد العظيم كيف يليق بالعاقل أن ينسبه لإله العالم المقدس العالي عن مشابهة جميع المخلوقات؟و نظير هذه الآية قوله تعالى: أَ لَكُمُ اَلذَّكَرُ وَ لَهُ اَلْأُنْثى‏ََ*`تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى‏ََ [النجم: 21، 22].

المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان الجبر، لأنهم يضيفون إلى اللّه تعالى من الظلم و الفواحش ما إذا أضيف إلى أحدهم أجهد نفسه في البراءة منه و التباعد عنه، فحكمهم في ذلك مشابه لحكم هؤلاء المشركين، ثم قال: بل أعظم، لأن إضافة البنات إليه إضافة قبح واحد، و ذلك أسهل من إضافة كل القبائح و الفواحش إلى اللّه تعالى. فيقال للقاضي: إنه لما ثبت بالدليل استحالة??الصاعية و الولد على اللّه تعالى أردفه اللّه تعالى بذكر هذا الوجه الإقناعي، و إلا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح من اللّه تعالى ألا ترى أن رجلا زين إماءه و عبيده و بالغ في تحسين صورهن ثم بالغ في تقوية الشهوة فيهم و فيهن، ثم جمع بين الكل و أزال الحائل و المانع فإن هذا بالاتفاق حسن من اللّه تعالى و قبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبينة على العرف، إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، و قد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على اللّه، فلا جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية. أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية القاطعة أن خالقها هو اللّه تعالى، فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر لولا شدة التعصب؟و اللّه أعلم.

ثم قال تعالى: لِلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ اَلسَّوْءِ وَ لِلََّهِ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلى‏ََ و المثل السوء عبارة عن الصفة السوء و هي احتياجهم إلى الولد، و كراهتهم الإناث خوف الفقر و العار: وَ لِلََّهِ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلى‏ََ أي الصفة العالية المقدسة، و هي كونه تعالى منزها عن الولد.

فإن قيل: كيف جاء: وَ لِلََّهِ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلى‏ََ مع قوله: فَلاََ تَضْرِبُوا لِلََّهِ اَلْأَمْثََالَ .

قلنا: المثل الذي يذكره اللّه حق و صدق و الذي يذكره غيره فهو الباطل، و اللّه أعلم.

227

في قوله وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ بِظُلْمِهِمْ مََا تَرَكَ عَلَيْهََا مِنْ دَابَّةٍ اعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم عظيم كفرهم و قبيح قولهم، بين أنه يمهل هؤلاء الكفار و لا يعاجلهم بالعقوبة، إظهارا للفضل و الرحمة و الكرم، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى: وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ بِظُلْمِهِمْ مََا تَرَكَ عَلَيْهََا مِنْ دَابَّةٍ من وجهين: الأول: أنه قال: وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ بِظُلْمِهِمْ فأضاف الظلم إلى كل الناس، و لا شك أن الظلم من المعاصي، فهذا يقتضي كون كل إنسان آتيا بالذنب و المعصية، و الأنبياء عليهم السلام من الناس، فوجب كونهم آتين بالذنب و المعصية. و الثاني: أنه تعالى قال: ما ترك على ظهرها من دابة و هذا يقتضي أن كل من كان على ظهر الأرض فهو آت بالظلم و الذنب، حتى يلزم من إفناء كل ما كان ظالما إفناء كل الناس. أما إذا قلنا: الأنبياء عليهم السلام لم يصدر عنهم ظلم فلا يجب إفناؤهم، و حينئذ لا يلزم من إفناء كل الظالمين إفناء كل الناس، و أن لا يبقى على ظهر الأرض دابة، و لما لزم علمنا أن كل البشر ظالمون سواء كانوا من الأنبياء أو لم يكونوا كذلك.

و الجواب: ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ [فاطر: 32]أي فمن العباد من هو ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق، و لو كان المقتصد و السابق ظالما لفسد ذلك التقسيم، فعلمنا أن المقتصدين و السابقين ليسوا ظالمين، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال كل الخلق ظالمون.

و إذا ثبت هذا فنقول: الناس المذكورون في قوله: وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين و من الذين أثبتوا للّه البنات. و على هذا التقدير فيسقط الاستدلال.

و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: من الناس من احتج بهذه الآية على أن الأصل من المضار الحرمة، فقال: لو كان الضرر مشروعا لكان إما أن يكون مشروعا على وجه يكون جزاء على جرم صادر منهم أو لا على هذا الوجه، و القسمان باطلان، فوجب أن لا يكون مشروعا أصلا.

أما بيان فساد القسم الأول، فلقوله تعالى: وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ بِظُلْمِهِمْ مََا تَرَكَ عَلَيْهََا مِنْ دَابَّةٍ و الاستدلال به من وجهين: الأول: أن كلمة «لو» وضعت لانتفاء الشي‏ء لانتفاء غيره. فقوله: وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ بِظُلْمِهِمْ مََا تَرَكَ عَلَيْهََا مِنْ دَابَّةٍ يقتضي أنه تعالى ما أخذهم بظلمهم و أنه ترك على ظهرها من دابة.

و الثاني: أنه لما دلت الآية على أن لازمة أخذ اللّه الناس بظلمهم هو أن لا يترك على ظهرها دابة، ثم إنا نشاهد أنه تعالى ترك على ظهرها دواب كثيرين، فوجب القطع بأنه تعالى لا يؤاخذ الناس بظلمهم، فثبت بهذا أنه لا يجوز أن تكون المضار مشروعة على وجه تقع أجزية عن الجرائم.

و أما القسم الثاني: و هو أن يكون مشروعا ابتداء لا على وجه يقع أجزية عن جرم سابق، فهذا باطل بالإجماع، فثبت أن مقتضى هذه الآية تحريم المضار مطلقا، و يتأكد هذا أيضا بآيات أخرى كقوله تعالى: وَ لاََ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاََحِهََا* [الأعراف: 56]و كقوله: وَ مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ

228

[الحج: 78]و كقوله: يُرِيدُ اَللََّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاََ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ [البقرة: 185]و

كقوله عليه السلام: «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام»

و

كقوله: «ملعون من ضر مسلما»

فثبت بمجموع هذه الآيات و الأخبار أن الأصل في المضار الحرمة، فنقول: إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من كل الوجوه، فإن وجدنا نصا خاصا يدل على كونه مشروعا قضينا به تقديما للخاص على العام، و إلا قضينا عليه بالحرمة بناء على هذا الأصل الذي قررناه. و منهم من قال هذه القاعدة تدل على أن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعا في حقه، لأن المنع منه ضرر، و الضرر غير مشروع بمقتضى هذا الأصل و كل ما يكرهه الإنسان وجب أن يحرم لأن وجوده ضرر و الضرر غير مشروع، فثبت أن هذا الأصل يتناول/جميع الوقائع الممكنة إلى يوم القيامة، ثم نقول القياس الذي يتمسك به في إثبات الأحكام إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها، و الأول باطل:

لأن هذا الأصل يغني عنه، و الثاني باطل، لأن النص راجح على القياس، و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أن الظلم و المعاصي ليست فعلا للّه تعالى، بل تكون أفعالا للعباد، لأنه تعالى أضاف ظلم العباد إليهم، و ما أضافه إلى نفسه. فقال: وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ بِظُلْمِهِمْ و أيضا فلو كان خلقا للّه تعالى لكانت مؤاخذتهم بها ظلما من اللّه تعالى، و لما منع اللّه تعالى العباد من الظلم في هذه الآية، فبأن يكون منزها عن الظلم كان أولى، قالوا: و يدل أيضا على أن أعمالهم مؤثرة في وجوب الثواب و العقاب أن قوله: بِظُلْمِهِمْ الباء فيه تدل على العلية كما في قوله: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اَللََّهَ* [الأنفال: 13].

و اعلم أن الكلام في هذه المسائل قد ذكرناه مرارا فلا نعيده. و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم يوجب إهلاك جميع الدواب و ذلك غير جائز، لأن الدابة لم يصدر عنها ذنب، فكيف يجوز إهلاكها بسبب ظلم الناس؟ و الجواب عنه من وجهين:

الوجه الأول: أنا لا نسلم أن قوله: ما ترك على ظهرها من دابة يتناول جميع الدواب.

و أجاب أبو علي الجبائي عنه: أن المراد لو يؤاخذهم اللّه بما كسبوا من كفر و معصية لعجل هلاكهم، و حينئذ لا يبقى لهم نسل، ثم من المعلوم أنه لا أحدا إلا و في أحد آبائه من يستحق العذاب و إذا هلكوا فقد بطل نسلهم، فكان يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من الناس، و إذا بطلوا وجب أن لا يبقى أحد من الدواب أيضا، لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد و مصالحهم، فهذا وجه لطيف حسن.

و الوجه الثاني: أن الهلاك إذا ورد على الظلمة ورد أيضا على سائر الناس و الدواب، فكان ذلك الهلاك في حق الظلمة عذابا، و في حق غيرهم امتحانا، و قد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام.

و الوجه الثالث: أنه تعالى لو آخذهم لانقطع القطر و في انقطاعه النبت فكان لا تبقى على ظهرها دابة، و عن أبي هريرة رضي اللّه عنه: أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: لا و اللّه بل إن الحبارى في وكرها لتموت بظلم الظالم، و عن ابن مسعود رضي اللّه عنه: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم، فهذه الوجوه الثلاثة من الجواب مفرعة على تسليم أن لفظة الدابة يتناول جميع الدواب.

و الجواب الثاني: أن المراد من قوله: ما ترك على ظهرها من دابة أي ما ترك على ظهرها من كافر،

229

فالمراد بالدابة الكافر، و الدليل عليه قوله تعالى: أُولََئِكَ كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف: 179]و اللّه أعلم.

المسألة الخامسة: الكناية في قوله: عَلَيْهََا عائدة إلى الأرض، و لم يسبق لها ذكر، إلا أن ذكر الدابة يدل على الأرض، فإن الدابة إنما تدب عليها. و كثيرا ما يكنى عن الأرض، و إن لم يتقدم ذكرها لأنهم يقولون ما عليها مثل فلان و ما عليها أكرم من فلان، يعنون على الأرض.

ثم قال تعالى: وَ لََكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى ليتوالدوا، و في تفسير هذا الأجل قولان:

القول الأول: و هو قول عطاء: عن ابن عباس أنه يريد أجل القيامة.

و القول الثاني: أن المراد منتهى العمر. وجه القول الأول أن معظم العذاب يوافيهم يوم القيامة، و وجه القول الثاني أن المشركين يؤاخذون بالعقوبة إذا انقضت أعمارهم و خرجوا من الدنيا.

النوع الثالث: من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار و حكاها اللّه تعالى عنهم، قوله: وَ يَجْعَلُونَ لِلََّهِ مََا يَكْرَهُونَ .

و اعلم أن المراد من قوله: وَ يَجْعَلُونَ أي البنات التي يكرهونها لأنفسهم، و معنى قوله: يَجْعَلُونَ يصفون اللّه بذلك و يحكمون به له كقوله جعلت زيدا على الناس أي حكمت بهذا الحكم و ذكرنا معنى الجعل عند قوله: مََا جَعَلَ اَللََّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لاََ سََائِبَةٍ [المائدة: 103].

ثم قال تعالى: وَ تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ اَلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ اَلْحُسْنى‏ََ إلى قوله وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ قال الفراء و الزجاج: موضع «أن» نصب لأن قوله: أَنَّ لَهُمُ اَلْحُسْنى‏ََ بدل من الكذب، و تقدير الكلام و تصف ألسنتهم أن لهم الحسنى. و في تفسير اَلْحُسْنى‏ََ هاهنا قولان: الأول: المراد منه البنون، يعني أنهم قالوا للّه البنات و لنا البنون. و الثاني: أنهم مع قولهم بإثبات البنات للّه تعالى، يصفون أنفسهم بأنهم فازوا برضوان اللّه تعالى بسبب هذا القول، و أنهم على الدين الحق و المذهب الحسن. الثالث: أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة و الثواب من اللّه تعالى.

فإن قيل: كيف يحكمون بذلك و هم كانوا منكرين للقيامة؟ قلنا: كلهم ما كانوا منكرين للقيامة، فقد قيل: إنه كان في العرب جمع يقرون بالبعث و القيامة، و لذلك فإنهم كانوا يربطون البعير النفيس على قبر الميت و يتركونه إلى أن يموت و يقولون: إن ذلك الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، و أيضا فبتقدير أنهم كانوا منكرين للقيامة فلعلهم قالوا: إن كان محمد صادقا في قوله بالبعث و النشور فإنه يحصل لنا الجنة و الثواب بسبب هذا/الدين الحق الذي نحن عليه، و من الناس من قال: الأولى أن يحمل اَلْحُسْنى‏ََ على هذا الوجه بدليل أنه تعالى قال بعده: لاََ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ اَلنََّارَ فرد عليهم قولهم و أثبت لهم النار، فدل هذا على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة. قال الزجاج: لا رد لقولهم، و المعنى ليس الأمر كما وصفوا جرم فعلهم أي كسب ذلك القول لهم النار، فعلى هذا لفظ «أن» في محل النصب بوقوع الكسب عليه. و قال قطرب (أن) في موضع رفع، و المعنى: وجب أن لهم النار و كيف كان الإعراب فالمعنى هو أنه يحق لهم النار و يجب و يثبت. و قوله: وَ أَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ قرأ نافع و قتيبة عن الكسائي: مُفْرَطُونَ بكسر الراء، و الباقون: مُفْرَطُونَ بفتح الراء. أما قراءة نافع فقال الفراء: المعنى أنهم كانوا مفرطين على أنفسهم في الذنوب، و قيل: أفرطوا في الافتراء على اللّه تعالى، و قال أبو علي الفارسي: كأنه من أفرط، أي صار ذا فرط

230

مثل أجرب، أي صار ذا جرب و المعنى: أنهم ذوو فرط إلى النار كأنهم قد أرسلوا من يهيئ لهم مواضع فيها.

و أما قراءة قوله: مُفْرَطُونَ بفتح الراء ففيه قولان:

القول الأول: المعنى: أنهم متروكون في النار. قال الكسائي: يقال ما أفرطت من القوم أحدا، أي ما تركت. و قال الفراء: تقول العرب أفرطت منهم ناسا، أي خلفتهم و أنسيتهم.

و القول الثاني: مُفْرَطُونَ أي معجلون. قال الواحدي رحمه اللّه: و هو الاختيار و وجهه ما قال أبو زيد و غيره: فرط الرجل أصحابه يفرطهم فرطا و فروطا إذا تقدمهم إلى الماء ليصلح الدلاء و الأرسان، و أفرط القوم الفارط، و فرطوه إذا قدموه فمعنى قوله: مُفْرَطُونَ على هذا التقدير كأنهم قدموا إلى النار فهم فيها فرط للذين يدخلون بعدهم، }ثم بين تعالى أن مثل هذا الصنع الذي يصدر من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء المتقدمين عليهم السلام، فقال: تَاللََّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطََانُ أَعْمََالَهُمْ و هذا يجري مجرى التسلية للرسول صلّى اللّه عليه و سلم فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم. قالت المعتزلة: الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه: الأول: أنه إذا كان خالق أعمالهم هو اللّه تعالى، فلا فائدة في التزيين. و الثاني: أن ذلك التزيين لما كان بخلق اللّه تعالى لم يجز ذم الشيطان بسببه. و الثالث: أن التزيين هو الذي يدعو الإنسان إلى الفعل، و إذا كان حصول الفعل فيه بخلق اللّه تعالى كان ضروريا فلم يكن التزيين داعيا. و الرابع: أن على قولهم، الخالق لذلك العمل، أجدر أن يكون وليا لهم من الداعي إليه.

و الخامس: أنه تعالى أضاف التزيين إلى الشيطان و لو كان ذلك المزين هو اللّه تعالى لكانت إضافته إلى الشيطان كذبا.

و جوابه: إن كان مزين القبائح في أعين الكفار هو الشيطان، فمزين تلك الوساوس في عين/الشيطان إن كان شيطانا آخر لزم التسلسل. و إن كان هو اللّه تعالى فهو المطلوب.

ثم قال تعالى: فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اَلْيَوْمَ و فيه احتمالان: الأول: أن المراد منه كفار مكة و بقوله: فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اَلْيَوْمَ أي الشيطان و يتولى إغواءهم و صرفهم عنك، كما فعل بكفار الأمم قبلك فيكون على هذا التقدير رجع عن أخبار الأمم الماضية إلى الأخبار عن كفار مكة. الثاني: أنه أراد باليوم يوم القيامة، يقول فهو ولي أولئك الذين كفروا يزين لهم أعمالهم يوم القيامة، و أطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم، و المقصود من قوله: فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اَلْيَوْمَ هو أنه لا ولي لهم ذلك اليوم و لا ناصر، و ذلك لأنهم إذا عاينوا العذاب و قد نزل بالشيطان كنزوله بهم، و رأوا أنه لا مخلص له منه، كما لا مخلص لهم منه، جاز أن يوبخوا بأن يقال لهم: هذا وليكم اليوم على وجه السخرية، }ثم ذكر تعالى أن مع هذا الوعيد الشديد قد أقام الحجة و أزاح العلة فقال: وَ مََا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ إِلاََّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ اَلَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: المعنى: أنا ما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين لهم بواسطة بيانات هذا القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها، و المختلفون هم أهل الملل و الأهواء، و ما اختلفوا فيه، هو الدين مثل التوحيد و الشرك و الجبر و القدر، و إثبات المعاد و نفيه، و مثل الأحكام، مثل أنهم حرموا أشياء تحل كالبحيرة و السائبة و غيرهما و حللوا أشياء تحرم كالميتة.

231

المسألة الثانية: اللام في قوله: لِتُبَيِّنَ تدل على أن أفعال اللّه تعالى معللة بالأغراض، و نظيره آيات كثيرة منها قوله: كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنََّاسَ [إبراهيم: 1]و قوله: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].

و جوابه: أنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل.

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» : قوله: هُدىً وَ رَحْمَةً معطوفان على محل قوله: لِتُبَيِّنَ إلا أنهما انتصبا على أنه مفعول لهما، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب، و دخلت اللام في قوله: لِتُبَيِّنَ لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل، و إنما ينتصب مفعولا له ما كان فعلا لذلك الفاعل.

المسألة الرابعة: قال الكلبي: وصف القرآن بكونه هدى و رحمة لقوم يؤمنون، لا ينفي كونه كذلك في حق الكل، كما أن قوله تعالى في أول سورة البقرة: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]لا ينفي كونه هدى لكل الناس، كما ذكره في قوله: هُدىً لِلنََّاسِ وَ بَيِّنََاتٍ مِنَ اَلْهُدى‏ََ وَ اَلْفُرْقََانِ [البقرة: 185]و إنما خص المؤمنين بالذكر من حيث إنهم قبلوه فانتفعوا به، كما في قوله: إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشََاهََا [النازعات: 45]لأنه إنما انتفع بانذاره هذا القوم فقط، و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ اَللََّهُ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَحْيََا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول أربعة: الإلهيات و النبوات و المعاد، و إثبات القضاء و القدر، و المقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة تقرير الإلهيات، فلهذا السبب كلما امتد الكلام في فصل من الفصول في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الإلهيات، و قد ذكرنا في أول هذه السورة أنه تعالى لما أراد ذكر دلائل الإلهيات ابتدأ بالأجرام الفلكية، و ثنى بالإنسان، و ثلث بالحيوان، و ربع بالنبات، و خمس بذكر أحوال البحر و الأرض، فههنا في هذه الآية لما عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات بدأ أولا بذكر الفلكيات فقال: وَ اَللََّهُ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَحْيََا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا و المعنى: أنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل منه الماء و يصير ذلك الماء سببا لحياة الأرض، و المراد بحياة الأرض نبات الزرع و الشجر و النور و الثمر بعد أن كان لا يثمر، و ينفع بعد أن كان لا ينفع، و تقرير هذه الدلائل قد ذكرناه مرارا كثيرة.

ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع إنصاف و تدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع.

في قوله تعالى وَ إِنَّ لَكُمْ فِي اَلْأَنْعََامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمََّا فِي بُطُونِهِ إلى قوله سََائِغاً لِلشََّارِبِينَ و النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآيات الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات و هو قوله:

وَ إِنَّ لَكُمْ فِي اَلْأَنْعََامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمََّا فِي بُطُونِهِ قد ذكرنا معنى العبرة في قوله: لَعِبْرَةً لِأُولِي اَلْأَبْصََارِ* [آل عمران: 13]و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير، و أبو عمرو، و حفص عن عاصم، و حمزة و الكسائي: نُسْقِيكُمْ بضم النون، و الباقون بالفتح،

232

أما من فتح النون فحجته ظاهرة تقول سقيته حتى روى أسقيه قال تعالى: وَ سَقََاهُمْ رَبُّهُمْ شَرََاباً طَهُوراً [الإنسان: 21]و قال: وَ اَلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ [الشعراء: 79]و قال: وَ سُقُوا مََاءً حَمِيماً [محمد: 15]و من ضم النون فهو من قولك أسقاه إذا جعل له شرابا كقوله: وَ أَسْقَيْنََاكُمْ مََاءً فُرََاتاً [المرسلات: 27]و قوله: فَأَسْقَيْنََاكُمُوهُ [الحجر: 22]و المعنى هاهنا أنا جعلناه في كثرته و إدامته كالسقيا، و اختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم، و أكثر ما يقال في هذا المقام أسقيت.

المسألة الثانية: قوله: مِمََّا فِي بُطُونِهِ الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها، و ذكر النحويون فيه وجوها: الأول: أن لفظ الأنعام لفظ مفرد وضع لإفادة جمع، كالرهط و القوم و البقر و النعم، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد، و هو التذكير، و بحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع، و هو التأنيث، فلهذا السبب قال هاهنا فِي بُطُونِهِ ، و قال في سورة المؤمنين: فِي بُطُونِهََا [المؤمنون: 21]. الثاني: قوله: فِي بُطُونِهِ أي في بطون ما ذكرنا، و هذا جواب الكسائي. قال المبرد: هذا شائع في القرآن. قال تعالى: فَلَمََّا رَأَى اَلشَّمْسَ بََازِغَةً قََالَ هََذََا رَبِّي [الأنعام: 78]يعني هذا الشي‏ء الطالع ربي. و قال: كَلاََّ إِنَّهََا تَذْكِرَةٌ*`فَمَنْ شََاءَ ذَكَرَهُ [المدثر: 54، 55]أي ذكر هذا الشي‏ء.

و اعلم أن هذا إنما يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي، أما الذي يكون تأنيثه حقيقيا، فلا يجوز، فإنه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ذهب، و لا غلامك ذهب على تقدير أن نحمله على النسمة. الثالث:

أن فيه إضمارا، و التقدير: نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس كلها ذات لبن.

المسألة الثالثة: الفرث: سرجين الكرش. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثا و أعلاه دما و أوسطه لبنا، فيجري الدم في العروق و اللبن في الضرع، و يبقى الفرث كما هو، فذاك هو قوله تعالى: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خََالِصاً لا يشوبه الدم و لا الفرث.

و لقائل أن يقول: الدم و اللبن لا يتولدان ألبتة في الكرش، و الدليل عليه الحس فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحا متواليا، و ما رأى أحد في كرشها لا دما و لا لبنا، و لو كان تولد الدم و اللبن في الكرش لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال، و الشي‏ء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه، بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنسانا، و إلى كرشه إن كان من الأنعام و غيرها، فإذا طبخ و حصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافيا انجذب إلى الكبد، و ما كان كثيفا نزل إلى الأمعاء، ثم ذلك الذي يحصل منه في الكبد ينطبخ فيها/و يصير دما، و ذلك هو الهضم الثاني، و يكون ذلك الدم مخلوطا بالصفراء و السوداء و زيادة المائية، أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، و السوداء إلى الطحال، و الماء إلى الكلية، و منها إلى المثانة، و أما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة، و هي العروق النابتة من الكبد، و هناك يحصل الهضم الثالث، و بين الكبد و بين الضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع، و الضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب اللّه تعالى الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض من صورة الدم إلى صورة اللبن فهذا هو القول الصحيح في كيفية تولد اللبن.

فإن قيل: فهذه المعاني حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن؟

233

قلنا: الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شي‏ء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته، فمزاج الذكر من كل حيوان يجب أن يكون حارا يابسا، و مزاج الأنثى يجب أن يكون باردا رطبا، و الحكمة فيه أن الولد إنما يتكون في داخل بدن الأنثى، فوجب أن تكون الأنثى مختصة بمزيد الرطوبات لوجهين: الأول: أن الولد إنما يتولد من الرطوبات، فوجب أن يحصل في بدن الأنثى رطوبات كثيرة لتصير مادة لتولد الولد. و الثاني: أن الولد إذا كبر وجب أن يكون بدن الأم قابلا للتمدد حتى يتسع لذلك الولد، فإذا كانت الرطوبات غالبة على بدن الأم كان بدنها قابلا للتمدد، فيتسع للولد، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى خص بدن الأنثى من كل حيوان بمزيد الرطوبات لهذه الحكمة، ثم إن الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في رحم الأم، فعند انفصال الجنين تنصب إلى الثدي و الضرع ليصير مادة لغذاء ذلك الطفل الصغير.

إذا عرفت هذا فاعلم أن السبب الذي لأجله يتولد اللبن من الدم في حق الأنثى غير حاصل في حق الذكر فظهر الفرق.

إذا عرفت هذا التصوير فنقول: المفسرون قالوا: المراد من قوله: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ هو أن هذه الثلاثة تتولد في موضع واحد، فالفرث يكون في أسفل الكرش، و الدم يكون في أعلاه، و اللبن يكون في الوسط، و قد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس و التجربة، و لأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة و الكرش كان يجب إذا قاء أن يقي‏ء الدم و ذلك باطل قطعا. و أما نحن فنقول: المراد من الآية هو أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، و الدم إنما يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، و هو الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش، و هذا اللبن متولد من الأجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولا، ثم كانت حاصلة فيما بين الدم ثانيا، فصفاه اللّه تعالى عن تلك الأجزاء الكثيفة الغليظة، و خلق فيها الصفات التي باعتبارها صارت لبنا موافقا لبدن الطفل، فهذا ما حصلناه في هذا المقام، و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: اعلم أن حدوث اللبن في الثدي و اتصافه بالصفات التي باعتبارها يكون موافقا لتغذية الصبي مشتمل على حكم عجيبة و أسرار بديعة، يشهد صريح العقل بأنها لا تحصل إلا بتدبير الفاعل الحكيم و المدبر الرحيم، و بيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى خلق في أسفل المعدة منفذا يخرج منه ثقل الغذاء، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنفذ انطباقا كليا لا يخرج منه شي‏ء من ذلك المأكول و المشروب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة و ينجذب ما صفا منه إلى الكبد و يبقى الثقل هناك، فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ و يترك منه ذلك الثقل، و هذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم، لأنه متى كانت الحاجة إلى بقاء الغذاء في المعدة حاصلة انطبق ذلك المنفذ، و إذا حصلت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم عن المعدة انفتح، فحصول الانطباق تارة و الانفتاح أخرى، بحسب الحاجة و تقدير المنفعة، مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم. الثاني: أنه تعالى أودع في الكبد قوة تجذب الأجزاء اللطيفة الحاصلة في ذلك المأكول أو المشروب، و لا تجذب الأجزاء الكثيفة، و خلق في الأمعاء قوة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي هي الثقل، و لا تجذب الأجزاء اللطيفة ألبتة. و لو كان الأمر بالعكس لاختلفت مصلحة البدن و لفسد نظام هذا التركيب.

الثالث: أنه تعالى أودع في الكبد قوة هاضمة طابخة، حتى أن تلك الأجزاء اللطيفة تنطبخ في الكبد و تنقلب دما، ثم إنه تعالى أودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، و في الطحال قوة جاذبة للسوداء، و في الكلية قوة جاذبة

234

لزيادة المائية، حتى يبقى الدم الصافي الموافق لتغذية البدن. و تخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بتلك القوة و الخاصية لا يمكن إلا بتقدير الحكيم العليم. الرابع: أن في الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم ينصب من ذلك الدم نصيب وافر إليه حتى يصير مادة لنمو أعضاء ذلك الولد و ازدياده، فإذا انفصل ذلك الجنين عن الرحم ينصب ذلك النصيب إلى جانب الثدي ليتولد منه اللبن الذي يكون غذاء له، فإذا كبر الولد لم ينصب ذلك النصيب لا إلى الرحم و لا إلى الثدي، بل ينصب على مجموع بدن المتغذي، فانصباب ذلك الدم في كل وقت إلى عضو آخر انصبابا موافقا للمصلحة و الحكمة لا يتأتى إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم. و الخامس: أن عند تولد اللبن في الضرع أحدث تعالى في حلمة الثدي ثقوبا صغيرة و مسام ضيقة، و جعلها بحيث إذا اتصل المص أو الحلب بتلك الحلمة انفصل اللبن عنها في تلك المسام الضيقة، و لما كانت تلك المسام ضيقة جدا، فحينئذ لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصفاء و اللطافة، و أما الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل. و الحكمة في إحداث تلك الثقوب الصغيرة، و المنافذ الضيقة في رأس حلمة الثدي أن يكون ذلك كالمصفاة، فكل ما كان لطيفا/خرج، و كل ما كان كثيفا احتبس في الداخل و لم يخرج، فبهذا الطريق يصير ذلك اللبن خالصا موافقا لبدن الصبي سائغا للشاربين. السادس: أنه تعالى ألهم ذلك الصبي إلى المص، فإن الأم كلما ألقمت حلمة الثدي في فم الصبي فذلك الصبي في الحال يأخذ في المص، فلولا أن الفاعل المختار الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص، و إلا لم يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي. السابع: أنا بينا أنه تعالى إنما خلق اللبن من فضلة الدم، و إنما خلق الدم من الغذاء الذي يتناوله الحيوان، فالشاة لما تناولت العشب و الماء فاللّه تعالى خلق الدم من لطيف تلك الأجزاء، ثم خلق اللبن من بعض أجزاء ذلك الدم، ثم إن اللبن حصلت فيه أجزاء ثلاثة على طبائع متضادة، فما فيه من الدهن يكون حارا رطبا، و ما فيه من المائية يكون باردا رطبا، و ما فيه من الجبنية يكون باردا يابسا، و هذه الطبائع ما كانت حاصلة في ذلك العشب الذي تناولته الشاة، فظهر بهذا أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة إلى صفة و من حالة إلى حالة، مع أنه لا يناسب بعضها بعضا و لا يشاكل بعضها بعضا، و عند ذلك يظهر أن هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل حكيم رحيم يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العباد، فسبحان من تشهد جميع ذرات العالم الأعلى و الأسفل بكمال قدرته و نهاية حكمته و رحمته، له الخلق و الأمر تبارك اللّه رب العالمين.

أما قوله: سََائِغاً لِلشََّارِبِينَ فمعناه: جاريا في حلوقهم لذيذا هنيئا. يقال: ساغ الشراب في الحلق و أساغه صاحبه، و منه قوله: وَ لاََ يَكََادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم: 17].

المسألة الخامسة: قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار سبحانه، فكذلك يدل على إمكان الحشر و النشر، و ذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء و الأرض، فخالق العالم دبر تدبيرا، فقلب ذلك الطين نباتا و عشبا، ثم إذا أكله الحيوان دبر تدبيرا آخر فقلب ذلك العشب دما، ثم دبر تدبيرا آخر فقلب ذلك الدم لبنا، ثم دبر تدبيرا آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن و الجبن، فهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة، و من حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضا أن يكون قادرا على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة و العقل كما كانت قبل ذلك، فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث و القيامة أمر ممكن غير ممتنع و اللّه أعلم. ـ