التفسير الكبير - ج23

- الفخر الرازي‏ المزيد...
391 /
199

الجزء الثالث و العشرون‏

سورة الحج‏

سبعون و ست آيات و هي مكية إلا ثلاث آيات‏ هََذََانِ خَصْمََانِ -إلى قوله- صِرََاطِ اَلْحَمِيدِ (1)

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

اعلم أنه تعالى أمر الناس بالتقوى فدخل فيه أن يتقي كل محرم و يتقي ترك كل واجب و إنما دخل فيه الأمران، لأن المتقي إنما يتقي ما يخافه من عذاب اللََّه تعالى فيدع لأجله المحرم و يفعل لأجله الواجب، و لا يكاد يدخل فيه النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب، و إنما يرجو بفعلها الثواب فإذا قال: اِتَّقُوا رَبَّكُمْ فالمراد اتقوا عذاب ربكم.

أما قوله: إِنَّ زَلْزَلَةَ اَلسََّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الزلزلة شدة حركة الشي‏ء، قال صاحب «الكشاف» و لا تخلو الساعة من أن تكون على تقدير الفاعلة لها كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي فتكون الزلزلة مصدرا مضافا إلى فاعله أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف و إجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ [سبأ: 33]و هي الزلزلة المذكورة في قوله: إِذََا زُلْزِلَتِ اَلْأَرْضُ زِلْزََالَهََا [الزلزلة: 1].

المسألة الثانية: اختلفوا في وقتها فعن علقمة و الشعبي أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا و هي التي يكون معها طلوع الشمس من مغربها. و قيل هي التي تكون معها الساعة. و

روي عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم في حديث الصور «إنه قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: نفخة الفزع، و نفخة الصعقة، و نفخة القيام لرب العالمين، و إن عند

____________

(1) هكذا بالأصل المطبوع في المطبعة الأميرية، و الذي في المصحف الملكي (سورة الحج مدنية إلا الآيات 52، 53، 54، 55 فبين مكة و المدينة و آياتها 78 نزلت بعد النور) و في تفسير أبي السعود بهامش الطبعة الأميرية لتفسير الفخر (سورة الحج مكية إلا ست آيات من‏ هََذََانِ خَصْمََانِ إلى‏ صِرََاطِ اَلْحَمِيدِ و هي ثمان و سبعون آية) .

200

نفخة الفزع يسير اللََّه الجبال و ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب/يومئذ واجفة، و تكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج أو كالقنديل المعلق ترجرجه الرياح»

و قال مقاتل و ابن زيد هذا في أول يوم من أيام الآخرة.

و اعلم أنه ليس في اللفظ دلالة على شي‏ء من هذه الأقسام، لأن هذه الإضافة تصح و إن كانت الزلزلة قبلها، و تكون من أماراتها و أشراطها، و تصح إذا كانت فيها و معها، كقولنا آيات الساعة و أمارات الساعة.

المسألة الثالثة:

روى «أن هاتين الآيتين نزلتا بالليل و الناس يسيرون فنادى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم، فلم ير باكيا أكثر من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السرج و لم يضربوا الخيام و لم يطبخوا القدور، و الناس بين باك و جالس حزين متفكر. فقال عليه السلام: «أ تدرون أي ذلك اليوم هو؟قالوا اللََّه و رسوله أعلم، قال ذلك يوم يقول اللََّه لآدم عليه السلام قم فابعث بعث النار من ولدك، فيقول آدم و ما بعث النار؟يعني من كم كم؟فيقول اللََّه عز و جل من كل ألف تسعمائة و تسعة و تسعون إلى النار و واحد إلى الجنة، فعند ذلك يشيب الصغير، و تضع كل ذات حمل حملها، و ترى الناس سكارى، فكبر ذلك على المؤمنين و بكوا، و قالوا فمن ينجو يا رسول اللََّه؟فقال عليه الصلاة و السلام أبشروا و سددوا و قاربوا فإن معكم خليقتين ما كانا في قوم إلا كثرتاه يأجوج و مأجوج، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا و حمدوا اللََّه، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، إن أهل الجنة مائة و عشرون صفا ثمانون منها أمتي و ما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، ثم قال و يدخل من أمتي سبعون ألفا إلى الجنة بغير حساب، فقال عمر سبعون ألفا؟قال نعم و مع كل واحد سبعون ألفا، فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول اللََّه أدع اللََّه أن يجعلني منهم، فقال أنت منهم، فقام رجل من الأنصار فقال مثل قوله، فقال سبقك بها عكاشة» فخاض الناس في السبعين ألفا فقال بعضهم هم الذين ولدوا على الإسلام، و قال بعضهم هم الذين آمنوا و جاهدوا مع رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فأخبروا رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم بما قالوا فقال: «هم الذين لا يكتوون و لا يكوون و لا يسترقون و لا يتطيرون و على ربهم يتوكلون» .

المسألة الرابعة: أنه سبحانه أمر الناس بالتقوى ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة و وصفها بأهول صفة، و المعنى أن التقوى تقتضي دفع مثل هذا الضرر العظيم عن النفس، و دفع الضرر عن النفس معلوم الوجوب، فيلزم أن تكون التقوى واجبة.

المسألة الخامسة: احتجت المعتزلة بقوله تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ اَلسََّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ وصفها بأنها شي‏ء مع أنها معدومة، و احتجوا أيضا بقوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ* [البقرة: 20]فالشي‏ء الذي قدر اللََّه عليه إما أن يكون موجودا أو معدوما، و الأول محال و إلا لزم كون القادر قادرا على إيجاد الموجود، و إذا بطل هذا ثبت أن الشي‏ء الذي قدر اللََّه عليه معدوم فالمعدوم شي‏ء. و احتجوا أيضا بقوله تعالى: وَ لاََ تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فََاعِلٌ ذََلِكَ غَداً [الكهف: 23]أطلق اسم الشي‏ء في الحال على ما يصير مفعولا/غدا، و الذي يصير مفعولا غدا يكون معدوما في الحال، فالمعدوم شي‏ء و اللََّه أعلم و الجواب: عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة و هي جواهر قامت بها أعراض و تحقق ذلك في المعدوم محال، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئا حال عدمها، فلا بد من التأويل بالاتفاق و يكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئا، و هذا هو الجواب عن البواقي.

201

المسألة السادسة: وصف اللََّه تعالى الزلزلة بالعظيم و لا عظيم أعظم مما عظمه اللََّه تعالى. أما قوله تعالى:

يَوْمَ تَرَوْنَهََا فهو منصوب بتذهل أي تذهل في ذلك اليوم و الضمير في ترونها يحتمل أن يرجع إلى الزلزلة و أن يرجع إلى الساعة لتقدم ذكرهما، و الأقرب رجوعه إلى الزلزلة لأن مشاهدتها هي التي توجب الخوف الشديد.

و اعلم أنه سبحانه و تعالى ذكر من أهوال ذلك اليوم أمورا ثلاثة أحدها: قوله: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمََّا أَرْضَعَتْ أي تذهلها الزلزلة و الذهول الذهاب عن الأمر مع دهشة، فإن قيل: لم قال مرضعة دون مرضع؟قلت المرضعة هي التي في حال الإرضاع و هي ملقمة ثديها الصبي و المرضع شأنها أن ترضع، و إن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه و قد ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة، و قوله: عَمََّا أَرْضَعَتْ أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته و هو الطفل فتكون ما بمعنى من‏ (1) على هذا التأويل. و ثانيها: قوله: وَ تَضَعُ كُلُّ ذََاتِ حَمْلٍ حَمْلَهََا و المعنى أنها تسقط ولدها لتمام أو لغير تمام من هول ذلك اليوم و هذا يدل على أن هذه الزلزلة إنما تكون قبل البعث، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام و ألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام، و قال القفال: يحتمل أن يقال من ماتت حاملا أو مرضعة تبعث حاملا أو مرضعة تضع حملها من الفزع، و يحتمل أن يكون المراد من ذهول المرضعة و وضع الحمل على جهة المثل كما قد تأول قوله: يَوْماً يَجْعَلُ اَلْوِلْدََانَ شِيباً [المزمل: 17]، و ثالثها: قوله: وَ تَرَى اَلنََّاسَ سُكََارى‏ََ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرئ (و تري) بالضم تقول أريتك قائما أو رأيتك قائما و الناس بالنصب و الرفع، أما النصب فظاهر، و أما الرفع فلأنه جعل الناس اسم ما لم يسم فاعله و أنثه على تأويل الجماعة، و قرئ (سكرى) و (سكارى) ، و هو نظير جوعى و عطشى في جوعان و عطشان، سكارى و سكارى نحو كسالى و عجالى، و عن الأعمش:

سكرى و سكرى بالضم و هو غريب.

المسألة الثانية: المعنى و تراهم سكارى على التشبيه و ما هم بسكارى على التحقيق، و لكن ما أرهقهم من هول عذاب اللََّه تعالى هو الذي أذهب عقولهم و طير تمييزهم، و قال ابن عباس و الحسن و نراهم سكارى من الخوف و ما هم بسكارى من الشراب، فإن قلت لم قيل أولا (ترون) ثم قيل (ترى) على الإفراد؟قلنا لأن الرؤية أولا علقت بالزلزلة، فجعل الناس جميعا رائين لها، و هي معلقة آخرا بكون الناس على حال من السكر، فلا بد و أن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم.

المسألة الثالثة: إن قيل أ تقولون إن شدة ذلك اليوم تحصل لكل أحد أو لأهل النار خاصة؟ قلنا قال قوم إن الفزع الأكبر و غيره يختص بأهل النار، و إن أهل الجنة يحشرون و هم آمنون. و قيل بل يحصل للكل لأنه سبحانه لا اعتراض لأحد عليه في شي‏ء من أفعاله، و ليس لأحد عليه حق.

____________

(1) هو من باب التغليب لكثرة عدد غير العقلاء على العقلاء في الحقيقة، و بذلك يشمل الأناسي و غيرهم من الحيوانات.

202

في قوله تعالى وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يُجََادِلُ فِي اَللََّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطََانٍ مَرِيدٍ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أخبر تعالى فيما تقدم عن أهوال يوم القيامة و شدتها، و دعا الناس إلى تقوى اللََّه. ثم بين في هذه الآية قوما من الناس الذين ذكروا في الأول. و أخبر عن مجادلتهم الثاني: أنه تعالى بين أنه مع هذا التحذير الشديد بذكر زلزلة الساعة و شدائدها، فإن من الناس من يجادل في اللََّه بغير علم، ثم في قوله: وَ مِنَ اَلنََّاسِ وجهان: الأول: أنهم الذين ينكرون البعث، و يدل عليه قوله: أَ وَ لَمْ يَرَ اَلْإِنْسََانُ أَنََّا خَلَقْنََاهُ مِنْ نُطْفَةٍ [يس: 77]إلى آخر الآية. و أيضا فإن ما قبل هذه الآية وصف البعث و ما بعدها في الدلالة على البعث، فوجب أن يكون المراد من هذه المجادلة هو المجادلة في البعث و الثاني: أنها نزلت في النضر بن الحرث، كان يكذب بالقرآن و يزعم أنه أساطير الأولين، و يقول ما يأتيكم به محمد كما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية و هو قول ابن عباس رضي اللََّه عنهما.

المسألة الثانية: هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة، فالمجادلة الباطلة هي المراد من قوله: مََا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاََّ جَدَلاً [الزخرف: 58]و المجادلة الحقة هي المراد من قوله: وَ جََادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125].

المسألة الثالثة: في قوله: وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطََانٍ مَرِيدٍ قولان: أحدهما: يجوز أن يريد شياطين الإنس و هم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى الكفر و الثاني: أن يكون المراد بذلك إبليس و جنوده، قال الزجاج المريد و المارد المرتفع الأملس، يقال صخرة مرداء أي ملساء، و يجوز أن يستعمل في غير الشيطان إذا جاوز حد مثله.

أما قوله: كُتِبَ عَلَيْهِ إلى آخر الآية ففيه وجهان: أحدهما: أن الكتبة عليه مثل أي كأنما كتب إضلال من عليه و رقم به لظهور ذلك في حاله و الثاني: كتب عليه في أم الكتاب، و اعلم أن هذه الهاء بعد ذكر من يجادل و بعد ذكر الشيطان، يحتمل أن يكون راجعا إلى كل واحد منهما، فإن رجع إلى من/يجادل فإنه يرجع إلى لفظه الذي هو موحد، فكأنه قال كتب على من يتبع الشيطان أنه من تولى الشيطان أضله عن الجنة و هداه إلى النار. و ذلك زجر منه تعالى فكأنه تعالى قال كتب على من هذا حاله أنه يصير أهلا لهذا الوعيد، فإن رجع إلى الشيطان كان المعنى و يتبع كل شيطان مريد قد كتب عليه أنه من يقبل منه فهو في ضلال. و على هذا الوجه أيضا يكون زجرا عن اتباعه، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال القاضي عبد الجبار إذا قيل المراد بقوله: كُتِبَ عَلَيْهِ قضى عليه فلا جائز أن يرد إلا إلى من يتبع الشيطان، لأنه تعالى لا يجوز أن يقضي على الشيطان أنه يضل، و يجوز أن يقضي على من يقبله بقوله، قد أضله عن الجنة و هداه إلى النار. قال أصحابنا رحمهم اللََّه لما كتب ذلك عليه فلو لم يقع لا نقلب خبر اللََّه الصدق كذبا، و ذلك محال و مستلزم المحال محال، فكان لا وقوعه محالا.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن المجادل في اللََّه إن كان لا يعرف الحق فهو مذموم معاقب، فيدل على أن المعارف ليست ضرورية.

المسألة الثالثة: قال القاضي فيه دلالة على أن المجادلة في اللََّه ليست من خلق اللََّه تعالى و بإرادته، و إلا لما

203

كانت مضافة إلى اتباع الشيطان، و كان لا يصح القول بأن الشيطان يضله بل كان اللََّه تعالى قد أضله و الجواب:

المعارضة بمسألة العلم و بمسألة الداعي.

المسألة الرابعة: قرئ (أنه) بالفتح و الكسر فمن فتح فلأن الأول فاعل كتب و الثاني عطف عليه، و من كسر فعلى حكاية المكتوب كما هو كأنما كتب عليه هذا الكلام، كما يقول كتبت أن اللََّه هو الغني الحميد، أو على تقدير قيل أو على أن كتب فيه معنى القول.

القراءة قرأ الحسن مِنَ اَلْبَعْثِ بالتحريك و نظيره الحلب و الطرد في الحلب و في الطرد و مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ بجر التاء و الراء، و قرأ ابن أبي عبلة بنصبهما القراءة المعروفة بالنون في قوله: لِنُبَيِّنَ و في قوله:

وَ نُقِرُّ و في قوله: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ابن أبي عبلة بالياء في هذه الثلاثة، أما القراءة بالنون ففيها وجوه:

أحدها: القراءة المشهورة و ثانيها: روى السيرافي عن داود عن يعقوب (و نقر) بفتح النون و ضم القاف و الراء و هو من قر الماء إذا صبه، و في رواية أخرى عنه كذلك إلا أنه بنصب الراء و ثالثها: و نقر و نخرجكم بنصب الراء و الجيم أما القراءة بالياء ففيها وجوه: أحدها: يقر و يخرجكم بفتح القاف و الراء و الجيم و ثانيها: يقر و يخرجكم بضم القاف و الراء و الجيم و ثالثها: بفتح الياء و كسر القاف و ضم الراء أبو حاتم وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفََّى بفتح الياء أي يتوفاه اللََّه تعالى ابن عمرة و الأعمش العمر بإسكان الميم القراءة المعروفة وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفََّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ََ أَرْذَلِ اَلْعُمُرِ و في حرف عبد اللََّه و منكم من يتوفى و منكم من يكون شيوخا بغير القراءة المعروفة و ربت أبو جعفر و ربأت أي ارتفعت، و روى العمري عنه بتليين الهمزة و قرئ و أنه باعث.

المعاني: اعلم أنه سبحانه لما حكى عنهم الجدال بغير العلم في إثبات الحشر و النشر و ذمهم عليه فهو سبحانه أورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين: أحدهما: الاستدلال بخلقة الحيوان أولا و هو موافق لما أجمله في قوله: قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهََا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: 79]و قوله: فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنََا قُلِ اَلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء: 51]فكأنه سبحانه و تعالى قال: إن كنتم في ريب مما وعدناكم من البعث، فتذكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم أولا قادر على خلقكم ثانيا، ثم إنه سبحانه ذكر من مراتب الخلقة الأولى أمورا سبعة: المرتبة الأولى: قوله: فَإِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ تُرََابٍ و فيه وجهان: أحدهما: إنا خلقنا أصلكم و هو آدم عليه السلام من تراب، لقوله: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ [آل عمران: 59]و قوله: مِنْهََا خَلَقْنََاكُمْ

204

[طه: 55]، و الثاني: أن خلقة الإنسان من المني و دم الطمث و هما إنما يتولدان من الأغذية، و الأغذية إما حيوان أو نبات و غذاء الحيوان ينتهي قطعا للتسلسل إلى النبات، و النبات إنما يتولد من الأرض و الماء، فصح قوله: فَإِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ تُرََابٍ المرتبة الثانية: قوله: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ و النطفة اسم للماء القليل أي ماء كان، و هو هاهنا ماء الفحل فكأنه سبحانه يقول: أنا الذي قلبت ذلك التراب اليابس ماء لطيفا، مع أنه لا مناسبة بينهما البتة المرتبة الثالثة: قوله: ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ العلقة قطعة الدم الجامدة، و لا شك أن بين الماء و بين الدم الجامد مباينة شديدة المرتبة الرابعة: قوله: ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي اَلْأَرْحََامِ مََا نَشََاءُ فالمضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ، و المخلقة المسواة الملساء السالمة من النقصان و العيب، يقال خلق السواك و العود إذا سواه و ملسه، من قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء. ثم للمفسرين فيه أقوال: أحدها: أن يكون المراد من تمت فيه أحوال الخلق و من لم تتم، كأنه سبحانه قسم المضغة إلى قسمين: أحدهما: تامة الصور و الحواس و التخاطيط و ثانيهما: الناقصة في هذه الأمور فبين أن بعد أن صيره مضغة منها ما خلقه إنسانا تاما بلا نقص و منها ما ليس كذلك و هذا قول قتادة و الضحاك، فكأن اللََّه تعالى يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب و منها ما هو على عكس ذلك فتبع ذلك التفاوت، تفاوت الناس في خلقهم و صورهم و طولهم و قصرهم و تمامهم و نقصانهم و ثانيها: المخلقة الولد الذي يخرج حيا و غير المخلقة السقط و هو قول مجاهدو ثالثها: المخلقة المصورة و غير المخلقة أي غير المصورة و هو الذي يبقى لحما من غير تخطيط و تشكيل و احتجوا بما روى علقمة عن عبد اللََّه قال: «إذا وقعت النطفة في الرحم بعث اللََّه ملكا و قال يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دما، و إن قال مخلقة، قال يا رب فما صفتها، أذكر أم أنثى، ما رزقها، ما أجلها، أشقي، أم سعيد؟فيقول اللََّه سبحانه انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، فينطلق الملك فينسخها، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها» و رابعها: قال القفال: التخليق مأخوذ من الخلق فما تتابع عليه الأطوار و توارد عليه الخلق بعد الخلق فذاك هو المخلق لتتابع الخلق عليه، قالوا فما تم فهو المخلق و ما لم يتم فهو غير المخلق، لأنه لم يتوارد عليه التخليقات. و القول الأول أقرب لأنه تعالى قال في أول الآية: فَإِنََّا خَلَقْنََاكُمْ و أشار إلى الناس فيجب أن تحمل مخلقة و غير مخلقة على من سيصير إنسانا و ذلك يبعد في السقط لأنه قد يكون سقطا و لم يتكامل فيه الخلقة فإن قيل هلا حملتم ذلك على السقط لأجل قوله: وَ نُقِرُّ فِي اَلْأَرْحََامِ مََا نَشََاءُ و ذلك كالدلالة على أن فيه ما لا يقره في الرحم و هو السقط، فلنا إن ذلك لا يمنع من صحة ما ذكرنا في كون المضغة مخلقة و غير مخلقة، لأنه بعد أن تمم خلقة البعض و نقص خلقة البعض لا يجب أن يتكامل ذلك بل فيه ما يقره اللََّه في الرحم و فيه ما لا يقره و إن كان قد أظهر فيه خلقة الإنسان فيكون من هذا الوجه قد دخل فيه السقط.

أما قوله تعالى: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ففيه وجهان: أحدهما: لنبين لكم أن تغيير المضغة إلى المخلقة هو باختيار الفاعل المختار، و لولاه لما صار بعضه مخلقا و بعضه غير مخلق و ثانيهما: التقدير إن كنتم في ريب من البعث فإنا أخبرناكم أنا خلقناكم من كذا و كذا لنبين لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب/في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزا عن الإعادة.

أما قوله تعالى: وَ نُقِرُّ فِي اَلْأَرْحََامِ مََا نَشََاءُ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى فالمراد منه من يبلغه اللََّه تعالى حد الولادة،

205

و الأجل المسمى هو الوقت المضروب للولادة و هو آخر ستة أشهر، أو تسعة، أو أربع سنين أو كما شاء و قدر اللََّه تعالى فإن كتب ذلك صار أجلا مسمى المرتبة الخامسة: قوله: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً و إنما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة على الجنس و يحتمل أن يخرج كل واحد منكم طفلا كقوله: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بَعْدَ ذََلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: 4]المرتبة السادسة: قوله: ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ و الأشد كمال القوة و العقل و التمييز و هو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد و كأنها شدة في غير شي‏ء واحد فبنيت لذلك على لفظ الجمع، و المراد و اللََّه أعلم ثم سهل في تربيتكم و أغذيتكم أمورا لتبلغوا أشدكم فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه و بين بلوغ الأشد و يكون بين الحالتين وسائط، و ذكر بعضهم أنه ليس بين حال الطفولية و بين ابتداء حال بلوغ الأشد واسطة حتى جوز أن يبلغ في السن و يكون طفلا كما يكون غلاما ثم يدخل في الأشد المرتبة السابعة: قوله: وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفََّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ََ أَرْذَلِ اَلْعُمُرِ لِكَيْلاََ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً و المعنى أن منكم من يتوفى على قوته و كماله، و منكم من يرد إلى أرذل العمر و هو الهرم و الخرف، فيصير كما كان في أول طفوليته ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم. فإن قيل كيف قال: لِكَيْلاََ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً مع أنه يعلم بعض الأشياء كالطفل؟قلنا المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئا لأن مثل ذلك قد يذكر في النفي لأجل المبالغة، و من الناس من قال هذه الحالة لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْنََاهُ أَسْفَلَ سََافِلِينَ، `إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ و هو ضعيف. لأن معنى قوله: ثُمَّ رَدَدْنََاهُ أَسْفَلَ سََافِلِينَ [التين: 5]هو دلالة على الذم فالمراد به ما يجري مجرى العقوبة و لذلك قال: إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: 6]فهذا تمام الاستدلال بحال خلقة الحيوان على صحة البعث الوجه الثاني: الاستدلال بحال خلقة النبات على ذلك و هو قوله سبحانه و تعالى: وَ تَرَى اَلْأَرْضَ هََامِدَةً و همودها يبسها و خلوها عن النبات و الخضرة فَإِذََا أَنْزَلْنََا عَلَيْهَا اَلْمََاءَ اِهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ و الاهتزاز الحركة على سرور فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت و كيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن و المنافع فقوله: اِهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ أي تحركت بالنبات و انتفخت.

أما قوله: وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ فهو مجاز لأن الأرض ينبت منها و اللََّه تعالى هو المنبت لذلك، لكنه يضاف إليها توسعا، و معنى مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ من كل نوع من أنواع النبات من زرع و غرس، و البهجة حسن الشي‏ء و نضارته، و البهيج بمعنى المبهج قال المبرد و هو الشي‏ء المشرق الجميل، ثم إنه سبحانه لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب و النتيجة و ذكر أمورا خمسة}أحدها: قوله ذلك: بِأَنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْحَقُّ و الحق هو الموجود الثابت فكأنه سبحانه بين أن هذه الوجوه دالة على وجود الصانع و حاصلها راجع إلى أن/حدوث هذه الأعراض المتنافية و تواردها على الأجسام يدل على وجود الصانع و ثانيها: قوله تعالى: وَ أَنَّهُ يُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ فهذا تنبيه على أنه لما لم يستبعد من الإله إيجاد هذه الأشياء فكيف يستبعد منه إعادة الأموات و ثالثها: قوله: وَ أَنَّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ يعني أن الذي يصح منه إيجاد هذه الأشياء لا بد و أن يكون واجب الإنصاف لذاته بالقدرة و من كان كذلك كان قادرا على جميع الممكنات و من كان كذلك فإنه لا بد و أن يكون قادرا على الإعادة}و رابعها: قوله: وَ أَنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ لاََ رَيْبَ فِيهََا وَ أَنَّ اَللََّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ و المعنى أنه لما أقام الدلائل على أن الإعادة في نفسها ممكنة و أنه سبحانه و تعالى قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادرا على الإعادة في نفسها، و إذا ثبت الإمكان و الصادق أخبر عن وقوعه فلا بد من القطع بوقوعه، و اعلم أن‏

206

تحرير هذه الدلالة على الوجه النظري أن يقال الإعادة في نفسها ممكنة و الصادق أخبر عن وقوعها فلا بد من القطع بوقوعها، أما بيان الإمكان فالدليل عليه أن هذه الأجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات التي كانت قائمة بها حال كونها حية عاقلة و البارئ سبحانه عالم بكل المعلومات قادر على كل المقدورات الممكنة و ذلك يقتضي القطع بإمكان الإعادة لما قلنا إن تلك الأجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات لأنها لو لم تكن قابلة لها في وقت لما كانت قابلة لها في شي‏ء من الأوقات، لأن الأمور الذاتية لا تزول، و لو لم تكن قابلة لها في شي‏ء من الأوقات لما كانت حية عاقلة في شي‏ء من الأوقات، لكنها كانت حية عاقلة فوجب أن تكون قابلة أبدا لهذه الصفات. و أما أن البارئ سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن فلأنه سبحانه عالم بكل المعلومات فيكون عالما بأجزاء كل واحد من المكلفين على التعيين و قادرا على كل الممكنات، فيكون قادرا على إيجاد تلك الصفات في تلك الذوات. فثبت أن الإعادة في نفسها ممكنة و أنه سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن. فثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها. فإذا أخبر الصادق عن وقوعها فلا بد من القطع بوقوعها، فهذا هو الكلام في تقرير هذا الأصل. فإن قيل فأي منفعة لذكر مراتب خلقة الحيوانات و خلقة النبات في هذه الدلالة؟قلنا إنها تدل على أنه سبحانه قادر على كل الممكنات و عالم بكل المعلومات، و متى صح ذلك فقد صح كون الإعادة ممكنة فإن الخصم لا ينكر المعاد إلا بناء على إنكار أحد هذين الأصلين، و لذلك فإن اللََّه تعالى حيث أقام الدلالة على البعث في كتابه ذكر معه كونه قادرا عالما كقوله: قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهََا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: 79]فقوله: قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهََا بيان للقدرة و قوله: وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ بيان للعلم و اللََّه أعلم.

القراءة: ثََانِيَ عِطْفِهِ بكسر العين الحسن و حده بفتح العين لِيُضِلَّ قرئ بضم الياء و فتحها القراءة المعروفة وَ نُذِيقُهُ بالنون و قرأ زيد بن علي أذيقه، المعاني في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن المراد بقوله: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يُجََادِلُ فِي اَللََّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطََانٍ مَرِيدٍ [الحج: 3]من هم؟ على وجوه: أحدها: قال أبو مسلم الآية الأولى و هي قوله: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يُجََادِلُ فِي اَللََّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطََانٍ مَرِيدٍ واردة في الأتباع المقلدين و هذه الآية واردة في المتبوعين المقلدين، فإن كلا المجادلين جادل بغير علم و إن كان أحدهما تبعا و الآخر متبوعا و بين ذلك قوله: وَ لاََ هُدىً وَ لاََ كِتََابٍ مُنِيرٍ فإن مثل ذلك لا يقال في المقلد، و إنما يقال فيمن يخاصم بناء على شبهة، فإن قيل: كيف يصح ما قلتم و المقلد لا يكون مجادلا؟قلنا قد يجادل تصويبا لتقليده و قد يورد الشبهة الظاهرة إذا تمكن منها و إن كان معتمده الأصلي هو التقليد و ثانيها: أن الآية الأولى نزلت في النضر بن الحرث، و هذه الآية في أبي جهل و ثالثها: أن هذه الآية نزلت أيضا في النضر و هو قول ابن عباس رضي اللََّه عنهما و فائدة التكرير المبالغة في الذم و أيضا ذكر في الآية الأولى اتباعه للشيطان تقليدا بغير حجة، و في الثانية مجادلته في الدين و إضلاله غيره بغير حجة و الوجه الأول أقرب لما تقدم. ـ

207

المسألة الثانية: الآية دالة على أن الجدال مع العلم و الهدى و الكتاب المنير حق حسن على ما مر تقريره.

المسألة الثالثة: المراد بالعلم العلم الضروري، و بالهدى الاستدلال و النظر لأنه يهدي إلى المعرفة و بالكتاب المنير الوحي، و المعنى أنه يجادل من غير مقدمة ضرورية و لا نظرية و لا سمعية و هو كقوله:

وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطََاناً وَ مََا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ [الحج: 71]و قوله: اِئْتُونِي بِكِتََابٍ مِنْ قَبْلِ هََذََا [الأحقاف: 4]أما قوله: ثََانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ فاعلم أن ثنى العطف عبارة عن الكبر و الخيلاء كتصعير الخد ولي الجيد و قوله: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ فأما القراءة بضم الياء فدلالة على أن هذا المجادل فعل الجدال و أظهر التكبر لكي يتبعه غيره فيضله عن طريق الحق فجمع بين الضلال و الكفر و إضلال الغير. و أما القراءة بفتح الياء فالمعنى أنه لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ثم إنه سبحانه و تعالى شرح حاله في الدنيا و الآخرة. أما في الدنيا فيوم/بدر روينا عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما أنهما نزلت في النضر بن الحرث و أنه قتل يوم بدر، و أما الذين لم يخصصوا هذه الآية بواحد معين قالوا المراد بالخزي في الدنيا ما أمر المؤمنون بذمه و لعنه و مجاهدته و أما في الآخرة فقوله: وَ نُذِيقُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ عَذََابَ اَلْحَرِيقِ }ثم بين تعالى أن هذا الخزي المعجل و ذلك العقاب المؤجل لأجل ما قدمت يداه، قالت المعتزلة هذه الآية تدل على مطالب:

الأول: دلت الآية على أنه إنما وقع في ذلك العقاب بسبب عمله و فعله فلو كان فعله خلقا للََّه تعالى لكان حينما خلقه اللََّه سبحانه و تعالى استحال منه أن ينفك عنه، و حينما لا يخلقه اللََّه تعالى استحال منه أن يتصف به، فلا يكون ذلك العقاب بسبب فعله فإذا عاقبه عليه كان ذلك محض الظلم و ذلك على خلاف النص.

الثاني: أن قوله بعد ذلك: وَ أَنَّ اَللََّهَ لَيْسَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ دليل على أنه سبحانه إنما لم يكن ظالما بفعل ذلك العذاب لأجل أن المكلف فعل فعلا استحق به ذلك العقاب و ذلك يدل على أنه لو عاقبه لا بسبب فعل يصدر من جهته لكان ظالما، و هذا يدل على أنه لا يجوز تعذيب الأطفال بكفر آبائهم.

الثالث: أنه سبحانه تمدح بأنه لا يفعل الظلم فوجب أن يكون قادرا عليه خلاف ما يقوله النظام، و أن يصح ذلك منه خلاف ما يقوله أهل السنة.

الرابع: و هو أن لا يجوز الاستدلال بهذه الآية على أنه تعالى لا يظلم لأن عندهم صحة نبوة النبي صلى اللََّه عليه و سلم موقوفة على نفي الظلم فلو أثبتنا ذلك بالدليل السمعي لزم الدور و الجواب: عن الكل المعارضة بالعلم و الداعي.

القراءة: قرئ: خاسر الدنيا و الآخرة بالنصب و الرفع فالنصب على الحال و الرفع على أنه خبر مبتدأ

208

محذوف، و في حرف عبد اللََّه من ضره بغير لام، و اعلم أنه تعالى لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه على ما ذكرنا عقبه بذكر المنافقين فقال: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اَللََّهَ عَلى‏ََ حَرْفٍ و في تفسير الحرف وجهان:

الأول: ما قاله الحسن و هو أن المرء في باب الدين معتمده القلب و اللسان فهما حرفا الدين، فإذا وافق أحدهما الآخر فقد تكامل في الدين و إذا أظهر بلسانه الدين لبعض الأغراض و في قلبه النفاق جاز أن يقال فيه على وجه الذم يعبد اللََّه على حرف الثاني: قوله: عَلى‏ََ حَرْفٍ أي على طرف من الدين لا في وسطه و قلبه، و هذا مثل لكونهم على قلق و اضطراب في دينهم لا على سكون طمأنينة كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بغنيمة قر و اطمأن و إلا فر و طار على وجهه. و هذا هو المراد فَإِنْ أَصََابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ، وَ إِنْ أَصََابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى‏ََ وَجْهِهِ لأن الثبات في الدين إنما يكون لو كان الغرض منه إصابة الحق و طاعة اللََّه و الخوف من عقابه فأما إذا كان غرضه الخير المعجل فإنه يظهر الدين عند السراء و يرجع عنه عند الضراء فلا يكون إلا منافقا مذموما و هو مثل قوله تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذََلِكَ [النساء: 143]و كقوله: فَإِنْ كََانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اَللََّهِ قََالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [النساء: 141].

المسألة الثانية: قال الكلبي: نزلت هذه الآية في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى اللََّه عليه و سلم بالمدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا صح بها جسمه و نتجت فرسه مهرا حسنا و ولدت امرأته غلاما و كثر ماله و ماشيته رضي به و اطمأن إليه و إن أصابه وجع و ولدت امرأته جارية أو أجهضت رماكه‏ (1) و ذهب ماله و تأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان و قال له ما جاءتك هذه الشرور إلا بسبب هذا الدين فينقلب عن دينه. و هذا قول ابن عباس رضي اللََّه عنهما و سعيد بن جبير و الحسن و مجاهد و قتادة و ثانيها: و هو قول الضحاك نزلت في المؤلفة قلوبهم، منهم عيينة بن بدر و الأقرع بن حابس و العباس بن مرداس قال بعضهم لبعض ندخل في دين محمد فإن أصبنا خيرا عرفنا أنه حق، و إن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل و ثالثها:

قال أبو سعيد الخدري: «أسلم رجل من اليهود فذهب بصره و ماله و ولده فقال يا رسول اللََّه أقلني فإني لم أصب من ديني هذا خيرا، ذهب بصري و ولدي و مالي. فقال صلى اللََّه عليه و سلم: إن الإسلام لا يقال، إن الإسلام ليسبك كما تسبك النار خبث الحديد و الذهب و الفضة» فنزلت هذه الآية.

و أما قوله: وَ إِنْ أَصََابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى‏ََ وَجْهِهِ ففيه سؤالات: الأول: كيف قال: وَ إِنْ أَصََابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى‏ََ وَجْهِهِ و الخير أيضا فتنة لأنه امتحان و قال تعالى: وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35]، و الجواب: مثل هذا كثير في اللغة لأن النعمة بلاء و ابتلاء لقوله: فَأَمَّا اَلْإِنْسََانُ إِذََا مَا اِبْتَلاََهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ [الفجر: 15]و لكن إنما يطلق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع، و المنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي، و ليس عنده الشر إلا الشر الدنيوي، لأنه لا دين له. فلذلك وردت/الآية على ما يعتقدونه، و إن كان الخير كله فتنة، لكن أكثر ما يستعمل فيما يشتد و يثقل.

السؤال الثاني: إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله: اِنْقَلَبَ عَلى‏ََ وَجْهِهِ و هو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب و يرتد؟و الجواب: المراد أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدة و كان من قبل يمدحه و ذلك انقلاب في الحقيقة.

____________

(1) الرماك جمع رمكة و هي الفرس أنثى الحصان، أو البرذونة أنثى الحمار، تتخذ للنسل و النتاج، و تجمع ما أرماك أيضا.

209

السؤال الثالث: قال مقاتل: الخير هو ضد الشر فلما قال: فَإِنْ أَصََابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ كان يجب أن يقول: و إن أصابه شر انقلب على وجهه الجواب: لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى و إن أصابه شر بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح.

أما قوله تعالى: خَسِرَ اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةَ فذلك لأنه يخسر في الدنيا العزة و الكرامة و إصابة الغنيمة و أهلية الشهادة و الإمامة و القضاء و لا يبقى ماله و دمه مصونا، و أما في الآخرة فيفوته الثواب الدائم و يحصل له العقاب الدائم و ذََلِكَ هُوَ اَلْخُسْرََانُ اَلْمُبِينُ .

أما قوله: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لاََ يَضُرُّهُ وَ مََا لاََ يَنْفَعُهُ فالأقرب أنه المشرك الذي يعبد الأوثان و هذا كالدلالة على أن الآية لم ترد في اليهودي لأنه ليس ممن يدعو من دون اللََّه الأصنام، و الأقرب أنها واردة في المشركين الذين انقطعوا إلى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم على وجه النفاق و بين تعالى أن ذلك هو الضلال البعيد، و أراد به عظم ضلالهم و كفرهم، و يحتمل أن يعني بذلك بعد ضلالهم عن الصواب لأن جميعه و إن كان يشترك في أنه خطأ فبعضه أبعد من الحق من البعض، و استعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ضالا و طالت و بعدت مسافة ضلاله.

أما قوله تعالى: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: اختلفوا في تفسيره على وجهين: أحدهما: أن المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا، و حجة هذا القول أن اللََّه تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم و لا تنفعهم، و هذه الآية تقتضي كون المذكور فيها ضارا نافعا، فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض. القول الثاني: أن المراد الوثن و أجابوا عن التناقض بأمور: أحدها: أنها لا تضر و لا تنفع بأنفسها و لكن عبادتها سبب الضرر و ذلك يكفي في إضافة الضرر إليها، كقوله تعالى: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ [إبراهيم: 36]فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سببا للضلال، فكذا هاهنا نفي الضرر عنهم في الآية الأولى بمعنى كونها فاعلة و أضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر. و ثانيها: كأنه سبحانه و تعالى بين في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر و لا تنفع، ثم قال في الآية الثانية: لو سلمنا كونها ضارة نافعة لكن ضررها أكثر من نفعها. و ثالثها: كان الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها نفع و لا ضرر في الدنيا، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها، فكأنهم يقولون لها في الآخرة: إن ضرركم أعظم من نفعكم.

المسألة الثانية: اختلف النحويون في إعراب قوله: لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ .

أما قوله: لَبِئْسَ اَلْمَوْلى‏ََ وَ لَبِئْسَ اَلْعَشِيرُ فالمولى هو الولي و الناصر، و العشير الصاحب و المعاشر، و اعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق لأن ذلك لا يكاد يستعمل في الأوثان، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة اللََّه تعالى الذي يجمع خير الدنيا و الآخرة إلى عبادة الأصنام و إلى طاعة الرؤساء، ثم ذم الرؤساء بقوله: لَبِئْسَ اَلْمَوْلى‏ََ و المراد ذم من انتصر بهم و التجأ إليهم.

210

اعلم أنه سبحانه لما بين في الآية السابقة حال عبادة المنافقين و حال معبودهم، بين في هذه الآية صفة عبادة المؤمنين و صفة معبودهم، أما عبادتهم فقد كانت على الطريق الذي لا يمكن صوابه، و أما معبودهم فلا يضر و لا ينفع. و أما المؤمنون فعبادتهم حقيقية و معبودهم يعطيهم أعظم المنافع و هو الجنة، ثم بين كمال الجنة التي تجمع بين الزرع و الشجر و أن تجري من تحتها الأنهار و بين تعالى أنه يفعل ما يريد بهم من أنواع الفضل و الإحسان زيادة على أجورهم كما قال تعالى: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 173]و احتج أصحابنا في خلق الأفعال بقوله سبحانه: إِنَّ اَللََّهَ يَفْعَلُ مََا يُرِيدُ قالوا: أجمعنا على أنه سبحانه يريد الإيمان و لفظة (ما) للعموم فوجب أن يكون فاعلا للإيمان لقوله: إِنَّ اَللََّهَ يَفْعَلُ مََا يُرِيدُ أجاب الكعبي عنه بأن اللََّه تعالى يفعل ما يريد أن يفعله لا ما يريد أن يفعله غيره. و الجواب: أن قوله مََا يُرِيدُ أعم من قولنا ما يريد أن يفعله و من قولنا ما يريد أن يفعله غيره فالتقييد خلاف النص.

أما قوله: مَنْ كََانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اَللََّهُ فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ فالهاء إلى ماذا يرجع؟فيه وجهان: الأول:

و هو قول ابن عباس و الكلبي و مقاتل و الضحاك و قتادة و ابن زيد و السدي، و اختيار الفراء و الزجاج أنه يرجع إلى محمد صلى اللََّه عليه و سلم يريد أن من ظن أن لن ينصر اللََّه محمدا صلى اللََّه عليه و سلم في الدنيا بإعلاء كلمته/و إظهار دينه، و في الآخرة بإعلاء درجته و الانتقام ممن كذبه و الرسول صلى اللََّه عليه و سلم و إن لم يجر له ذكر في الآية ففيها ما يدل عليه و هو ذكر الإيمان في قوله: إِنَّ اَللََّهَ يُدْخِلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا و الإيمان لا يتم إلا باللََّه و رسوله فيجب البحث هاهنا عن أمرين: أحدهما: أنه من الذي كان يظن أن اللََّه تعالى لا ينصر محمدا صلى اللََّه عليه و سلم؟و الثاني: أنه ما معنى قوله: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى اَلسَّمََاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ؟.

أما البحث الأول: فذكروا فيه وجوها: أحدها: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم و حنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد اللََّه رسوله من النصر فنزلت هذه الآية. و ثانيها: قال مقاتل: نزلت في نفر من أسد و غطفان قالوا نخاف أن اللََّه لا ينصر محمدا فينقطع الذي بيننا و بين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا. و ثالثها: أن حساده و أعداءه كانوا يتوقعون أن لا ينصره اللََّه و أن لا يعليه على أعدائه، فمتى شاهدوا أن اللََّه نصره غاظهم ذلك.

و أما البحث الثاني: فاعلم أن في لفظ السبب قولين: أحدهما: أنه الحبل و هؤلاء اختلفوا في السماء فمنهم من قال هو سماء البيت، و منهم من قال هو السماء في الحقيقة، فقالوا المعنى: من كان يظن أن لن ينصره اللََّه، ثم يغيظه أنه لا يظفر بمطلوبه فليستقص وسعه في إزالة ما يغيظه بأن يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيظ

211

كل مبلغ حتى مد حبلا إلى سماء بيته فاختنق، فلينظر أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر اللََّه الذي يغيظه. و على هذا القول اختلفوا في القطع فقال بعضهم: سمى الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، و سمى فعله كيدا لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره، أو على سبيل الاستهزاء إلا أنه لم يكد به محسوده و إنما كاد به نفسه، و المراد ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ. و هذا قول الكلبي و مقاتل و قال ابن عباس رضي اللََّه عنه: يشد الحبل في عنقه و في سقف البيت، ثم ليقطع الحبل حتى يختنق و يهلك، هذا كله إذا حملنا السماء على سقف البيت و هو قول كثير من المفسرين. و قال آخرون: المراد منه نفس السماء فإنه يمكن حمل الكلام على نفس السماء فهو أولى من حمله على سماء البيت، لأن ذلك لا يفهم منه إلا مقيدا، و لأن الغرض ليس الأمر بأن يفعل ذلك، بل الغرض أن يكون ذلك صارفا له عن الغيظ إلى طاعة اللََّه تعالى، و إذا كان كذلك فكل ما كان المذكور أبعد من الإمكان كان أولى بأن يكون هو المراد و معلوم أن مد الحبل إلى سماء الدنيا و الاختناق به أبعد في الإمكان من مده إلى سقف البيت، لأن ذلك ممكن. أما الذين قالوا السبب ليس هو الحبل فقد ذكروا وجهين: الأول: كأنه قال فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع بذلك السبب المسافة، ثم لينظر فإنه يعلم أن مع تحمل المشقة فيما ظنه خاسر الصفقة كأن لم يفعل شيئا و هو قول أبي مسلم. و الثاني: كأنه قال فليطلب سببا يصل به إلى السماء فليقطع نصر اللََّه لنبيه، و لينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بحيلة، و هل يتهيأ له أن يقطع بذلك نصر اللََّه عن رسوله، فإذا كان ذلك ممتنعا كان غيظه عديم الفائدة، و اعلم أن المقصد على كل هذه الوجوه معلوم فإنه زجر للكفار عن الغيظ فيما لا فائدة فيه، و هو في معنى قوله: فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ /تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي اَلْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي اَلسَّمََاءِ [الأنعام: 35]مبينا بذلك أنه لا حيلة له في الآيات التي اقترحوها القول الثاني: أن الهاء في قوله: لَنْ يَنْصُرَهُ اَللََّهُ راجع إلى من في أول الآية لأنه المذكور و من حق الكناية أن ترجع إلى مذكور إذا أمكن ذلك و من قال بذلك حمل النصرة على الرزق. و قال أبو عبيدة وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره اللََّه. أي من يعطيني أعطاه اللََّه، فكأنه قال من كان يظن أن لن يرزقه اللََّه في الدنيا و الآخرة، فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد صلى اللََّه عليه و سلم كما وصفه تعالى في قوله: وَ إِنْ أَصََابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى‏ََ وَجْهِهِ [الحج: 11]فيبلغ غاية الجزع و هو الاختناق فإن ذلك لا يغلب التسمية و يجعله مرزوقا.

أما قوله: وَ كَذََلِكَ أَنْزَلْنََاهُ آيََاتٍ بَيِّنََاتٍ فمعناه و مثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله آيات بينات.

أما قوله: وَ أَنَّ اَللََّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ فقد احتج أصحابنا به فقالوا: المراد من الهداية، إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة و الأول غير جائز لأنه تعالى فعل ذلك في حق كل المكلفين و لأن قوله: يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ دليل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته سبحانه و وضع الأدلة عند الخصم واجب فبقي أن المراد منه خلق المعرفة قال القاضي عبد الجبار في الاعتذار هذا يحتمل وجوها: أحدها: يكلف من يريد لأن من كلف أحدا شيئا فقد وصفه له و بينه له. و ثانيها: أن يكون المراد يهدي إلى الجنة و الإثابة من يريد ممن آمن و عمل صالحا. و ثالثها: أن يكون المراد أن اللََّه تعالى يلطف بمن يريد ممن علم أنه إذا زاده هدى ثبت على إيمانه كقوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً [محمد: 17]و هذا الوجه هو الذي أشار الحسن إليه بقوله: إن اللََّه يهدي من قبل لا من لم يقبل، و الوجهان الأولان ذكرهما أبو علي و الجواب: عن الأول أن اللََّه تعالى ذكر ذلك بعد بيان الأدلة و الجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، و أما الوجهان الأخيران فمدفوعان‏

212

لأنهما عندك واجبان على اللََّه تعالى و قوله: يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ يقتضي عدم الوجوب.

القراءة قرئ حق بالضم و قرئ (حقا) أي حق عليه العذاب حقا و قرئ مُكْرِمٍ بفتح الراء بمعنى الإكرام، في قوله تعالى إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََادُوا وَ اَلصََّابِئِينَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ وَ اَلْمَجُوسَ وَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا و اعلم أنه تعالى لما قال: وَ أَنَّ اَللََّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ [الحج: 16]أتبعه في هذه الآية ببيان من يهديه و من لا يهديه، و اعلم أن المسلم لا يخالفه في المسائل الأصولية إلا طبقات ثلاثة: أحدها: الطبقة المشاركة له في نبوة نبيه كالخلاف بين الجبرية و القدرية في خلق الأفعال البشرية و الخلاف بين مثبتي الصفات و الرؤية و نفاتها.

و ثانيها: الذين يخالفونه في النبوة و لكن يشاركونه في الاعتراف بالفاعل المختار كالخلاف بين المسلمين و اليهود و النصارى في نبوة محمد صلى اللََّه عليه و سلم و عيسى و موسى عليهما السلام. و ثالثها: الذين يخالفونه في الإله و هؤلاء هم السوفسطائية المتوقفون في الحقائق، و الدهرية الذين لا يعترفون بوجود مؤثر في العالم، و الفلاسفة الذين يثبتون مؤثرا موجبا لا مختارا. فإذا كانت الاختلافات الواقعة في أصول الأديان محصورة في هذه الأقسام الثلاثة، ثم لا يشك أن أعظم جهات الخلاف هو من جهة القسم الأخير منها. و هذا القسم الأخير بأقسامه الثلاثة لا يوجدون في العالم المتظاهرين بعقائدهم و مذاهبهم بكل يكونون مستترين، أما القسم الثاني و هو الاختلاف الحاصل بسبب الأنبياء عليهم السلام، فتقسيمه أن يقال القائلون بالفاعل المختار، إما أن يكونوا معترفين بوجود الأنبياء، أو لا يكونوا معترفين بذلك، فإما أن يكونوا أتباعا لمن كان نبيا في الحقيقة أو لمن كان متنبئا، أما أتباع الأنبياء عليهم السلام فهم المسلمون و اليهود و النصارى، و فرقة أخرى بين اليهود و النصارى و هم الصابئون، و أما أتباع المتنبي فهم المجوس، و أما المنكرون للأنبياء على الإطلاق فهم عبدة الأصنام و الأوثان، و هم المسمون بالمشركين، و يدخل فيهم البراهمة على اختلاف طبقاتهم. فثبت أن الأديان الحاصلة بسبب الاختلافات في الأنبياء عليهم السلام هي هذه الستة التي ذكرها اللََّه تعالى في هذه الآية، قال قتادة و مقاتل الأديان ستة واحدة للََّه تعالى و هو الإسلام و خمسة للشيطان، و تمام الكلام في هذه الآية قد تقدم في سورة البقرة.

أما قوله: إِنَّ اَللََّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال الزجاج هذا خبر لقول اللََّه تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا كما تقول إن أخاك، إن الدين عليه لكثير. قال جرير:

إن الخليفة إن اللََّه سربله # سربال ملك به ترجى الخواتيم‏

المسألة الثانية: الفصل مطلق فيحتمل الفصل بينهم في الأحوال و الأماكن جميعا فلا يجازيهم/جزاء واحدا بغير تفاوت و لا يجمعهم في موطن واحد و قيل يفصل بينهم يقضي بينهم.

213

أما قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ فالمراد أنه يفصل بينهم و هو عالم بما يستحقه كل منهم فلا يجري في ذلك الفصل ظلم و لا حيف.

أما قوله سبحانه و تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يَسْجُدُ لَهُ ففيه أسئلة:

السؤال الأول: ما الرؤية هاهنا الجواب: أنها العلم أي ألم تعلم أن اللََّه يسجد له من في السموات و من في الأرض و إنما عرف ذلك بخبر اللََّه لا أنه رآه.

السؤال الثاني: ما السجود هاهنا قلنا فيه وجوه: أحدها: قال الزجاج أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة للََّه تعالى و هو كقوله: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ وَ هِيَ دُخََانٌ فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ [فصلت: 11]، أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40]، وَ إِنَّ مِنْهََا لَمََا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ [البقرة: 74]، وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44]، وَ سَخَّرْنََا مَعَ دََاوُدَ اَلْجِبََالَ يُسَبِّحْنَ [الأنبياء: 79]و المعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها اللََّه تعالى فيها من غير امتناع ألبتة أشبهت الطاعة و الانقياد و هو السجود فإن قيل هذا التأويل يبطله قوله: وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنََّاسِ فإن السجود بالمعنى الذي ذكرته عام في كل الناس فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصا من غير فائدة و الجواب من وجوه: أحدها: أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه و إن كان عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد و تكبر و ترك السجود في الظاهر، فهذا الشخص و إن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته و بظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر. و ثانيها: أن نقطع قوله: وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنََّاسِ عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن نقول تقدير الآية: و للََّه يسجد من في السموات و من في الأرض و يسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد و الثاني بمعنى الطاعة و العبادة، و إنما فعلنا ذلك لأنه قامت الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه جميعا. الثاني: أن يكون قوله: وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنََّاسِ مبتدأ و خبره محذوف و هو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه و هو قوله: حَقَّ عَلَيْهِ اَلْعَذََابُ ، و الثالث: أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب كأنه قيل و كثير من الناس و كثير حق عليهم العذاب. و ثالثها: أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا يقول: المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة و في حق الجمادات الانقياد، و من ينكر ذلك يقول إن اللََّه تعالى تكلم بهذه اللفظة مرتين، فعنى بها في حق العقلاء، الطاعة و في حق الجمادات الانقياد.

السؤال الثالث: قوله: أَنَّ اَللََّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ لفظه لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنََّاسِ الجواب: لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل الملائكة يسجدون فبين أن كثيرا منهم يسجدون طوعا/دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك و هم الذين حق عليهم العذاب. القول الثاني: في تفسير السجود أن كل ما سوى اللََّه تعالى فهو ممكن لذاته و الممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال: وَ أَنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‏ََ [النجم:

42]و كما أن الإمكان لازم للممكن حال حدوثه و بقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه و حال بقائه، و هذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع و التواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية للافتقار الذاتي، و قد يتطرق إليها الصدق و الكذب، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير

214

و التبدل، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى للََّه تعالى أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه و الحاجة إلى تخليقه و تكوينه، و على هذا تأولوا قوله: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44]و هذا قول القفال رحمه اللََّه. القول الثالث: أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى: يَتَفَيَّؤُا ظِلاََلُهُ عَنِ اَلْيَمِينِ وَ اَلشَّمََائِلِ سُجَّداً لِلََّهِ وَ هُمْ دََاخِرُونَ [النحل: 48]و هو قول مجاهد.

و أما قوله: كَثِيرٌ مِنَ اَلنََّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ اَلْعَذََابُ فقال ابن عباس في رواية عطاء (و كثير من الناس) يوحده (و كثير حق عليه العذاب) ممن لا يوحده، و روى عنه أيضا أنه قال (و كثير من الناس) في الجنة. و هذه الرواية تؤكد ما ذكرنا أن قوله: وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنََّاسِ مبتدأ و خبره محذوف، و قال آخرون: الوقف على قوله: وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنََّاسِ ثم استأنف فقال: وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ اَلْعَذََابُ أي وجب بإبائه و امتناعه من السجود.

و أما قوله تعالى: وَ مَنْ يُهِنِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم فيكون مكرما لهم‏ (1) ، ثم بين بقوله: إِنَّ اَللََّهَ يَفْعَلُ مََا يَشََاءُ أنه الذي يصح منه الإكرام و الهوان يوم القيامة بالثواب و العقاب، و اللََّه أعلم.

القراءة: روي عن الكسائي خصمان بكسر الخاء، و قرئ قطعت بالتخفيف كان اللََّه يقدر (2) لهم نيرانا على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، قرأ الأعمش: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ردوا فيها الحسن يصهر بتشديد الهاء للمبالغة، و قرئ وَ لُؤْلُؤاً بالنصب على تقدير و يؤتون لؤلؤا كقوله و حورا عينا و لؤلؤا بقلب الهمزة الثانية واوا، و اعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد للََّه و منهم من حق عليه العذاب ذكر هاهنا كيفية اختصامهم، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله: هََذََانِ خَصْمََانِ اِخْتَصَمُوا ، و الجواب: الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، فقوله: هََذََانِ للفظ و اختصموا للمعنى كقوله: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتََّى إِذََا خَرَجُوا [محمد: 16].

____________

(1) في الأصل الأميري: فيكون مكرما ما لهم بتكرار لفظ ما.

(2) هكذا في الأصل الأميري و لعل صواب العبارة هكذا (كأن يقدر اللََّه لهم نيرانا) .

215

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير الخصمين وجوها: أحدها: المراد طائفة المؤمنين و جماعتهم و طائفة الكفار و جماعتهم و أن كل الكفار يدخلون في ذلك، قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما يرجع إلى أهل الأديان الستة فِي رَبِّهِمْ أي في ذاته و صفاته و ثانيها:

روى أن أهل الكتاب قالوا نحن أحق باللََّه و أقدم منكم كتابا و نبينا قبل نبيكم، و قال المؤمنون نحن أحق باللََّه آمنا بمحمد و آمنا بنبيكم و بما أنزل اللََّه من كتاب، و أنتم تعرفون كتابنا و نبينا ثم تركتموه و كفرتم به حسدا،

فهذه خصومتهم في ربهم و ثالثها:

روى قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري رحمه اللََّه أنه كان يحلف باللََّه أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر: حمزة و علي و عبيدة بن الحارث و عتبة و شيبة ابنا ربيعة و الوليد بن عتبة،

و

قال علي عليه السلام أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي اللََّه تعالى يوم القيامة.

و رابعها: قال عكرمة: هما الجنة و النار قالت النار خلقني اللََّه لعقوبته. و قالت الجنة خلقني اللََّه لرحمته فقص اللََّه من خبرهما على محمد صلى اللََّه عليه و سلم ذلك، و الأقرب هو الأول لأن السبب و إن كان خاصا فالواجب حمل الكلام على ظاهره/قوله: هََذََانِ كالإشارة إلى من تقدم ذكره و هم أهل الأديان الستة، و أيضا ذكر صنفين أهل طاعته و أهل معصيته ممن حق عليه العذاب، فوجب أن يكون رجوع ذلك إليهما، فمن خص به مشركي العرب أو اليهود من حيث قالوا في كتابهم و نبيهم ما حكيناه فقد أخطأ، و هذا هو الذي يدل عليه قوله: إِنَّ اَللََّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ [الحج: 17]أراد به الحكم لأن ذكر التخاصم يقتضي الواقع بعده يكون حكما فبين اللََّه تعالى حكمه في الكفار، و ذكر من أحوالهم أمورا ثلاثة: أحدها: قوله: قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيََابٌ مِنْ نََارٍ و المراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهََادٌ وَ مِنْ فَوْقِهِمْ غَوََاشٍ [الأعراف: 41]عن أنس، و قال سعيد بن جبير من نحاس أذيب بالنار أخذا من قوله تعالى: سَرََابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرََانٍ [إبراهيم: 5]و أخرج الكلام بلفظ الماضي كقوله تعالى: وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ* [الكهف: 99]، وَ جََاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهََا سََائِقٌ وَ شَهِيدٌ [ق: 21]لأن ما كان من أمر الآخرة فهو كالواقع. و ثانيها: قوله: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ اَلْحَمِيمُ يصهر به ما في بطونهم و الجلود، الحميم الماء الحار، قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها، (يصهر) أي يذاب أي إذا صب الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر فيذيب أمعاءهم و أحشاءهم كما يذيب جلودهم و هو أبلغ من قوله: وَ سُقُوا مََاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعََاءَهُمْ [محمد: 15]. }و ثالثها:

قوله: وَ لَهُمْ مَقََامِعُ مِنْ حَدِيدٍ المقامع السياط و

في الحديث «لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها»

و أما قوله: كُلَّمََا أَرََادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهََا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهََا فاعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج و المعنى كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها، و معنى الخروج ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقاطع فهووا فيها سبعين خريفا و قيل لهم ذوقوا عذاب الحريق، و الحريق الغليظ من النار العظيم الإهلاك، }ثم إنه سبحانه ذكر حكمه في المؤمنين من أربعة أوجه: أحدها: المسكن، و هو قوله: إِنَّ اَللََّهَ يُدْخِلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ ، و ثانيها: الحلية، و هو قوله: يُحَلَّوْنَ فِيهََا مِنْ أَسََاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِبََاسُهُمْ فِيهََا حَرِيرٌ فبين تعالى أنه موصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا من هذه الأمور و إن كان من أحله لهم أيضا شاركهم فيه لأن المحلل للنساء في الدنيا يسير بالإضافة إلى ما سيحصل لهم في الآخرة. و ثالثها: الملبوس و هو قوله: وَ لِبََاسُهُمْ فِيهََا حَرِيرٌ ، }و رابعها: قوله: وَ هُدُوا إِلَى اَلطَّيِّبِ مِنَ اَلْقَوْلِ و فيه وجوه: أحدها: أن شهادة

216

لا إله إلا اللََّه هو الطيب من القول لقوله: مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً [إبراهيم: 24]و قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ [فاطر: 10]و هو صراط الحميد لقوله: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52]، و ثانيها: قال السدي (و هدوا إلى الطيب من القول) هو القرآن: و ثالثها: قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما في رواية عطاء هو قولهم الحمد للََّه الذي صدقنا وعده. و رابعها: أنهم إذا ساروا إلى الدار الآخرة هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من قبل اللََّه تعالى بدوام النعيم و السرور و السلام، و هو معنى قوله: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ*`سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ/بِمََا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدََّارِ [الرعد: 23، 24]و عندي فيه وجه. خامس: و هو أن العلاقة البدنية جارية مجرى الحجاب للأرواح البشرية في الاتصال بعالم القدس فإذا فارقت أبدانها انكشف الغطاء و لاحت الأنوار الإلهية، و ظهور تلك الأنوار هو المراد من قوله: وَ هُدُوا إِلَى اَلطَّيِّبِ مِنَ اَلْقَوْلِ وَ هُدُوا إِلى‏ََ صِرََاطِ اَلْحَمِيدِ و التعبير عنها هو المراد من قوله: وَ هُدُوا إِلَى اَلطَّيِّبِ مِنَ اَلْقَوْلِ .

اعلم أنه تعالى بعد أن فصل بين الكفار و المؤمنين ذكر عظم حرمة البيت و عظم كفر هؤلاء فقال: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بما جاء به محمد صلى اللََّه عليه و سلم وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ و ذلك بالمنع من الهجرة و الجهاد لأنهم كانوا يأبون ذلك. و فيه إشكال و هو أنه كيف عطف المستقبل و هو قوله: وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ الماضي و هو قوله: كَفَرُوا و الجواب: عنه من وجهين: الأول: أنه يقال فلان يحسن إلى الفقراء و يعين الضعفاء لا يراد به حال و لا استقبال و إنما يراد استمرار وجود الإحسان منه في جميع أزمنته و أوقاته، فكأنه قيل إن الذين كفروا من شأنهم الصد عن سبيل اللََّه، و نظيره قوله: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اَللََّهِ . [الرعد:

28]و ثانيهما: قال أبو علي الفارسي التقدير إن الذين كفروا فيما مضى و هم الآن يصدون و يدخل فيه أنهم يفعلون ذلك في الحال و المستقبل، أما قوله: وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ يعني و يصدوهم‏ (1) أيضا عن المسجد الحرام،

قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب و أصحابه حين صدوا رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم عام الحديبية عن المسجد الحرام عن أن يحجوا و يعتمروا و ينحروا الهدي فكره رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم قتالهم و كان محرما بعمرة ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل.

أما قوله: اَلَّذِي جَعَلْنََاهُ لِلنََّاسِ سَوََاءً اَلْعََاكِفُ فِيهِ وَ اَلْبََادِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال أبو علي الفارسي أي جعلناه للناس منسكا و متعبدا و قوله: سَوََاءً اَلْعََاكِفُ فِيهِ وَ اَلْبََادِ رفع على أنه خبر مبتدأ مقدم أي العاكف و الباد فيه سواء، و تقدير الآية المسجد الحرام الذي جعلناه للناس منسكا فالعاكف و البادي فيه سواء و قرأ عاصم و يعقوب (سواء) بالنصب بإيقاع الجعل عليه لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: العاكف المقيم به الحاضر. و البادي الطارئ من البدو و هو النازع إليه من غربته، و قال بعضهم يدخل في العاكف القريب إذا جاور و لزمه للتعبد و إن لم يكن من أهله.

____________

(1) الصواب: و يصدونهم لأنه لا داعي لحذف النون لعدم وجود ناصب أو جازم.

217

المسألة الثالثة: اختلفوا في أنهما في أي شي‏ء يستويان قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما في بعض الروايات إنهما يستويان في سكنى مكة و النزول بها فليس أحدهما أحق بالمنزل الذي يكون فيه من الآخر إلا أن يكون واحد سبق إلى المنزل و هو قول قتادة و سعيد بن جبير و من مذهب هؤلاء أن كراء دور مكة و بيعها حرام و احتجوا عليه بالآية. و الخبر، أما الآية فهي هذه قالوا إن أرض مكة لا تملك فإنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها و البادي، فلما استويا ثبت أن سبيله سبيل المساجد، و أما الخبر

فقوله عليه السلام: «مكة مباح لمن سبق إليها»

و هذا مذهب ابن عمر و عمر بن عبد العزيز و مذهب أبي حنيفة و إسحاق الحنظلي رضي اللََّه عنهم و على هذا المراد بالمسجد الحرام الحرم كله لأن إطلاق لفظ المسجد الحرام و المراد منه البلد جائز بدليل قوله تعالى: سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ [الإسراء: 1]و هاهنا قد دل الدليل و هو قوله: اَلْعََاكِفُ لأن المراد منه المقيم إقامة، و إقامته لا تكون في المسجد بل في المنازل فيجب أن يقال ذكر المسجد و أراد مكة.

القول الثاني: المراد جعل اللََّه الناس في العبادة في المسجد سواء ليس للمقيم أن يمنع البادي و بالعكس‏

قال عليه السلام: «يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة من ليل أو نهار» (1)

و هذا قول الحسن و مجاهد و قول من أجاز بيع دور مكة. و قد جرت مناظرة بين الشافعي و إسحاق الحنظلي بمكة و كان إسحاق لا يرخص في كراء بيوت مكة، و احتج الشافعي رحمه اللََّه بقوله تعالى:

اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ [الحج: 4]فأضيفت الدار إلى مالكها و إلى غير مالكها، و

قال عليه السلام يوم فتح مكة: «من أغلق بابه فهو آمن»

و

قال صلى اللََّه عليه و سلم: «هل ترك لنا عقيل من ربع»

و قد اشترى عمر بن الخطاب رضي اللََّه عنهما دار السجن، أ ترى أنه اشتراها من مالكها أو من غير مالكها؟قال إسحاق: فلما علمت أن الحجة قد لزمتني تركت قولي. أما الذي قالوه من حمل لفظ المسجد على مكة بقرينة قوله العاكف، فضعيف لأن العاكف قد يراد به الملازم للمسجد المعتكف فيه على الدوام، أو في الأكثر فلا يلزم ما ذكروه، و يحتمل أن يراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه فلا وجه لصرف الكلام عن ظاهره مع هذه الاحتمالات.

أما قوله: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحََادٍ بِظُلْمٍ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرئ يرد بفتح الياء من الورود، و معناه من أتى فيه بإلحاد و عن الحسن و من يرد إلحاده بظلم، و المعنى و من يرد إيقاع إلحاد فيه، فالإضافة صحيحة على الاتساع في الظرف كمكر الليل و النهار، و معناه و من يرد أن يلحد فيه ظالما.

المسألة الثانية: الإلحاد العدول عن القصد و أصله إلحاد الحافر، و ذكر المفسرون في تفسير الإلحاد وجوها: أحدها: أنه الشرك، يعني من لجأ إلى حرم اللََّه ليشرك به عذبه اللََّه تعالى، و هو إحدى الروايات عن ابن عباس و قول عطاء بن أبي رباح و سعيد بن جبير و قتادة و مقاتل. و ثانيها: قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: نزلت في عبد اللََّه بن سعد حيث استسلمه النبي صلى اللََّه عليه و سلم فارتد مشركا، و في قيس بن ضبابة. و قال مقاتل: نزلت في عبد اللََّه بن خطل حين قتل الأنصاري و هرب إلى مكة كافرا، فأمر النبي صلى اللََّه عليه و سلم بقتله يوم الفتح كافرا. و ثالثها: قتل ما نهى اللََّه تعالى عنه من الصيد. و رابعها: دخول مكة بغير إحرام و ارتكاب ما لا يحل للمحرم. و خامسها: أنه

____________

(1) في النسخة الأميرية (فلا يمنعن عن أحدا) و يظهر أن كلمة (عن) زائدة و لذلك حذفناها.

218

الاحتكار عن مجاهد و سعيد بن جبير. و سادسها: المنع من عمارته. و سابعها: عن عطاء قول الرجل في المبايعة لا و اللََّه و بلى و اللََّه. و عن عبد اللََّه بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل و الآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل لا و اللََّه و بلى و اللََّه.

و ثامنها: و هو قول المحققين: أن الإلحاد بظلم عام في كل المعاصي، لأن كل ذلك صغر أم كبر يكون هناك أعظم منه في سائر البقاع حتى قال ابن مسعود رضي اللََّه عنه: لو أن رجلا بعدن هم بأن يعمل سيئة عند البيت أذاقه اللََّه عذابا أليما. و قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات، فإن قيل كيف يقال ذلك مع أن قوله: نُذِقْهُ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ غير لائق بكل المعاصي قلنا لا نسلم، فإن كل عذاب يكون أليما، إلا أنه تختلف مراتبه على حسب اختلاف المعصية.

المسألة الثالثة: الباء في قوله: بِإِلْحََادٍ فيه قولان: أحدهما: و هو الأولى و هو اختيار صاحب «الكشاف» أن قوله: بِإِلْحََادٍ بِظُلْمٍ حالان مترادفان و مفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه قال و من يرد فيه مرادا ما عادلا عن القصد ظالما نذقه من عذاب أليم، يعني أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه و يسلك طريق السداد و العدل في جميع ما يهم به و يقصده. الثاني: قال أبو عبيدة: مجازه و من يرد فيه إلحادا و الباء من حروف الزوائد.

المسألة الرابعة: لما كان الإلحاد بمعنى الميل من أمر إلى أمر بين اللََّه تعالى أن المراد بهذا الإلحاد ما يكون ميلا إلى الظلم، فلهذا قرن الظلم بالإلحاد لأنه لا معصية كبرت أم صغرت إلا و هو ظلم، و لذلك قال تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13].

أما قوله تعالى: نُذِقْهُ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ فهو بيان الوعيد و فيه مسائل:

المسألة الأولى: من قال الآية نزلت في ابن خطل قال: المراد بالعذاب أن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم قتله يوم الفتح، و لا وجه للتخصيص إذا أمكن التعميم، بل يجب أن يكون المراد العذاب في الآخرة لأنه من أعظم ما يتوعد به.

المسألة الثانية: أن هذه الآية تدل على أن المرء يستحق العذاب بإرادته للظلم كما يستحقه على عمل جوارحه.

المسألة الثالثة: ذكروا قولين في خبر إن المذكور في أول الآية: الأول: التقدير إن الذين كفروا و يصدون و من يرد فيه بإلحاد نذقه من عذاب فهو عائد إلى كلتا الجملتين. الثاني: أنه محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره: إن الذين كفروا و يصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم. و كل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك.

219

في قوله تعالى وَ إِذْ بَوَّأْنََا لِإِبْرََاهِيمَ مَكََانَ اَلْبَيْتِ أَنْ لاََ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً اعلم أن قوله: وَ إِذْ بَوَّأْنََا أي و اذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة، أي مرجعا يرجع إليه للعمارة و العبادة. و كان قد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان و كان من ياقوتة حمراء، فأعلم اللََّه تعالى إبراهيم عليه السلام مكانه بريح أرسلها فكشفت ما حوله فبناه على وضعه الأول، و قيل أمر إبراهيم بأن يأتي موضع البيت فيبنى، فانطلق فخفي عليه مكانه فبعث اللََّه تعالى على قدر البيت الحرام في العرض و الطول غمامة و فيها رأس يتكلم و له لسان و عينان فقال يا إبراهيم ابن علي قدري و حيالى فأخذ في البناء و ذهبت السحابة، و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: لا شك أن (أن) هي المفسرة فكيف يكون النهي عن الشرك و الأمر/بتطهير البيت تفسيرا للتبوئة الجواب: أنه سبحانه لما قال جعلنا البيت مرجعا لإبراهيم، فكأنه قيل ما معنى كون البيت مرجعا له، فأجيب عنه بأن معناه أن يكون بقلبه موحدا لرب البيت عن الشريك و النظير، و بقالبه مشتغلا بتنظيف البيت عن الأوثان و الأصنام.

السؤال الثاني: أن إبراهيم لما لم يشرك باللََّه فكيف قال (أن لا تشرك بي) الجواب: المعنى لا تجعل في العبادة لي شريكا، و لا تشرك بي غرضا آخر في بناء البيت.

السؤال الثالث: البيت ما كان معمورا قبل ذلك فكيف قال (و طهر بيتي) الجواب: لعل ذلك المكان كان صحراء و كانوا يرمون إليها الأقذار، فأمر إبراهيم ببناء البيت في ذلك المكان و تطهيره من الأقذار، و كانت معمورة فكانوا قد وضعوا فيها أصناما فأمره اللََّه تعالى بتخريب ذلك البناء و وضع بناء جديد و ذلك هو التطهير عن الأوثان، أو يقال المراد أنك بعد أن تبنيه فطهره عما لا ينبغي من الشرك و قول الزور.

و أما قوله: لِلطََّائِفِينَ وَ اَلْقََائِمِينَ فقال ابن عباس رضي اللََّه عنهما للطائفين بالبيت من غير أهل مكة وَ اَلْقََائِمِينَ أي المقيمين بها وَ اَلرُّكَّعِ اَلسُّجُودِ أي من المصلين من الكل، و قال آخرون القائمون و هم المصلون، لأن المصلي لا بد و أن يكون في صلاته جامعا بين القيام و الركوع و السجود و اللََّه أعلم.

أما قوله تعالى: وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن محيصن و آذن بمعنى أعلم.

المسألة الثانية: في المأمور قولان: أحدهما: و عليه أكثر المفسرين أنه هو إبراهيم عليه السلام‏

قالوا لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال سبحانه: وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ قال يا رب و ما يبلغ صوتي؟قال عليك الأذان و علي البلاغ. فصعد إبراهيم عليه السلام الصفا و في رواية أخرى أبا قبيس، و في رواية أخرى على المقام قال إبراهيم كيف أقول؟قال جبريل عليه السلام: قل لبيك اللهم لبيك فهو أول من لبى، و في رواية أخرى أنه صعد الصفا فقال: يا أيها الناس إن اللََّه كتب عليكم حج البيت العتيق فسمعه ما بين السماء و الأرض، فما بقي شي‏ء سمع صوته إلا أقبل يلبي يقول: لبيك اللهم لبيك، و في رواية أخرى إن اللََّه يدعوكم إلى حج البيت الحرام ليثيبكم به الجنة و يخرجكم من النار، فأجابه يومئذ من كان في أصلاب الرجال و أرحام النساء،

220

و كل من وصل إليه صوته من حجر أو شجر و مدر و أكمة أو تراب،

قال مجاهد: فما حج إنسان و لا يحج أحد حتى تقوم الساعة إلا و قد أسمعه ذلك النداء، فمن أجاب مرة حج مرة، و من أجاب مرتين أو أكثر. فالحج مرتين أو أكثر على ذلك المقدار، و عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام بالأذان تواضعت له الجبال و خفضت و ارتفعت له القرى، قال القاضي عبد الجبار: يبعد قولهم إنه أجابه الصخر و المدر، لأن الإعلام لا يكون إلا لمن يؤمر بالحج/دون الجماد، فأما من يسمع من أهل المشرق و المغرب نداءه فلا يمتنع إذا قواه اللََّه تعالى و رفع الموانع و مثل ذلك قد يجوز في زمان الأنبياء عليهم السلام. القول الثاني: أن المأمور بقوله: وَ أَذِّنْ هو محمد صلى اللََّه عليه و سلم و هو قول الحسن و اختيار أكثر المعتزلة و احتجوا عليه بأن ما جاء في القرآن و أمكن حمله على أن محمدا صلى اللََّه عليه و سلم هو المخاطب به فهو أولى و تقدم قوله: وَ إِذْ بَوَّأْنََا لِإِبْرََاهِيمَ مَكََانَ اَلْبَيْتِ لا يوجب أن يكون قوله: وَ أَذِّنْ يرجع إليه إذ قد بينا أن معنى قوله: وَ إِذْ بَوَّأْنََا أي و اذكر يا محمد إذ بوأنا فهو في حكم المذكور، فإذا قال تعالى: وَ أَذِّنْ فإليه يرجع الخطاب و على هذا القول ذكروا في تفسير قوله تعالى: وَ أَذِّنْ وجوها: أحدها: أن اللََّه تعالى أمر محمدا صلى اللََّه عليه و سلم بأن يعلم الناس بالحج. و ثانيها: قال الجبائي أمره اللََّه تعالى أن يعلن التلبية فيعلم الناس أنه حاج فيحجوا معه قال و في قوله: يَأْتُوكَ دلالة على أن المراد أن يحج فيقتدى به و ثالثها: أنه ابتداء فرض الحج من اللََّه تعالى للرسول صلى اللََّه عليه و سلم.

أما قوله: يَأْتُوكَ رِجََالاً وَ عَلى‏ََ كُلِّ ضََامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الرجال المشاة واحدهم راجل كنيام و نائم و قرئ رجال بضم الراء مخفف الجيم و مثقلة و رجال كعجال عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما و قوله: وَ عَلى‏ََ كُلِّ ضََامِرٍ أي ركبانا و الضمور الهزال ضمر يضمر ضمورا، و المعنى أن الناقة صارت ضامرة لطول سفرها. و إنما قال: يَأْتِينَ أي جماعة الإبل و هي الضوامر لأن قوله: وَ عَلى‏ََ كُلِّ ضََامِرٍ معناه على إبل ضامرة فجعل الفعل بمعنى كل و لو قال يأتي على اللفظ صح و قرئ يأتون صفة للرجال و الركبان، و الفج الطريق بين الجبلين، ثم يستعمل في سائر الطرق اتساعا، و العميق البعيد قرأ ابن مسعود معيق يقال بئر بعيدة العمق و المعق.

المسألة الثانية: المعنى: و أذن، ليأتوك رجالا و على كل ضامر، أي و أذن، ليأتوك على هاتين الصفتين، أو يكون المراد: و أذن فإنهم يأتوك على هاتين الصفتين.

المسألة الثالثة: بدأ اللََّه بذكر المشاة تشريفا لهم، و

روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة و للماشي سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل يا رسول اللََّه و ما حسنات الحرم قال الحسنة بمائة ألف حسنة» .

المسألة الرابعة: إنما قال: يَأْتُوكَ رِجََالاً لأنه هو المنادي فمن أتى بمكة حاجا فكأنه أتى إبراهيم عليه السلام لأنه يجيب نداءه.

أما قوله: لِيَشْهَدُوا مَنََافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اِسْمَ اَللََّهِ فِي أَيََّامٍ مَعْلُومََاتٍ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى لما أمر بالحج في قوله: وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ ذكر حكمة ذلك الأمر في قوله: لِيَشْهَدُوا مَنََافِعَ لَهُمْ و اختلفوا فيها فبعضهم حملها على منافع الدنيا. و هي أن يتجروا في أيام الحج،

221

و بعضهم حملها على منافع الآخرة، و

هي العفو و المغفرة عن محمد الباقر عليه السلام،

و بعضهم حملها على الأمرين جميعا، و هو الأولى.

المسألة الثانية: إنما نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية و دنيوية لا توجد في غيرها من العبادات.

المسألة الثالثة: كنى عن الذبح و النحر بذكر اسم اللََّه تعالى لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا و ذبحوا و فيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب به إلى اللََّه تعالى أن يذكر اسم اللََّه تعالى، و أن يخالف المشركين في ذلك فإنهم كانوا يذبحونها للنصب و الأوثان قال مقاتل إذا ذبحت فقل بسم اللََّه و اللََّه أكبر اللهم منك و إليك و تستقبل القبلة، و زاد الكلبي فقال إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي للََّه رب العالمين، قال القفال: و كان المتقرب بها و بإراقة دمائها متصور بصورة من يفدى نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بدل مهجته طلبا لمرضاة اللََّه تعالى، و اعترافا بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.

المسألة الرابعة: أكثر العلماء صاروا إلى أن الأيام المعلومات عشر ذي الحجة و المعدودات أيام التشريق، و هذا قول مجاهد و عطاء و قتادة و الحسن، و رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس و اختيار الشافعي و أبي حنيفة رحمهم اللََّه، و احتجوا بأنها معلومة عند الناس لحرصهم على علمها من أجل أن وقت الحج في آخرها. ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة، و المشعر الحرام و كذلك الذبائح لها وقت منها و هو يوم النحر، و قال ابن عباس في رواية عطاء إنها يوم النحر و ثلاثة أيام بعده و هو اختيار أبي مسلم قال لأنها كانت معروفة عند العرب بعدها و هي أيام النحر و هو قول أبي يوسف و محمد رحمهما اللََّه.

أما قوله: بَهِيمَةِ اَلْأَنْعََامِ فقال صاحب «الكشاف» : البهمة مبهمة في كل ذات أربع في البر و البحر، فبينت بالأنعام و هي الإبل و البقر و الضأن و المعز.

أما قوله تعالى: فَكُلُوا مِنْهََا فمن الناس من قال إنه أمر وجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها ترفعا على الفقراء، فأمر المسلمين بذلك لما فيه من مخالفة الكفار و مساواة الفقراء و استعمال التواضع، و قال الأكثرون إنه ليس على الوجوب. ثم قال العلماء من أهدى أو ضحى فحسن أن يأكل النصف و يتصدق بالنصف لقوله تعالى: فَكُلُوا مِنْهََا وَ أَطْعِمُوا اَلْبََائِسَ اَلْفَقِيرَ و منهم من قال يأكل الثلث و يدخر الثلث و يدخر الثلث و يتصدق بالثلث، و مذهب الشافعي رحمه اللََّه أن الأكل مستحب و الإطعام واجب فإن أطعم جميعها أجزأه و إن أكل جميعها لم يجزه، هذا فيما كان تطوعا، فأما الواجبات كالنذور و الكفارات و الجبرانات لنقصان مثل دم القران و دم التمتع و دم الإساءة و دماء القلم و الحلق فلا يؤكل منها.

أما قوله: وَ أَطْعِمُوا اَلْبََائِسَ اَلْفَقِيرَ فلا شبهة في أنه أمر إيجاب، و البائس الذي أصابه بؤس أي شدة و الفقير الذي أضعفه الإعسار و هو مأخوذ من فقار الظهر. قال ابن عباس البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه و في وجهه، و الفقير الذي لا يكون كذلك فتكون ثيابه نقية و وجهه وجه غني.

أما قوله: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ قال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير، و قال المبرد أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها. و المراد هاهنا قص الشارب‏

222

و الأظفار و نتف الإبط و حلق العانة، و المراد من القضاء إزالة التفث، و قال القفال قال نفطويه: سألت أعرابيا فصيحا ما معنى قوله: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ؟فقال ما أفسر القرآن و لكنا نقول للرجل ما أتفثك و ما أدرنك، ثم قال القفال و هذا أولى من قول الزجاج لأن القول قول المثبت لا قول النافي.

أما قوله: وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ فقرى‏ء بتشديد الفاء ثم يحتمل ذلك ما أوجبه الدخول في الحج من أنواع المناسك، و يحتمل أن يكون المراد ما أوجبوه بالنذر الذي هو القول، و هذا القول هو الأقرب فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي و غيره ما لو لا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه فأمر اللََّه تعالى بالوفاء بذلك.

أما قوله: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ اَلْعَتِيقِ فالمراد الطواف الواجب و هو طواف الإفاضة و الزيارة، أما كون هذا الطواف بعد الوقوف و رمي الجمار و الحلق، ثم هو في يوم النحر أو بعده ففيه تفصيل، و سمي البيت العتيق لوجوه: أحدها: العتيق القديم لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن. و ثانيها:

لأنه أعتق من الجبابرة فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه اللََّه تعالى و هو قول ابن عباس و قول ابن الزبير، و رووه عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم

و لما قصد أبرهة فعل به ما فعل، فإن قيل فقد تسلط الحجاج عليه فالجواب: قلنا ما قصد التسلط على البيت و إنما تحصن به عبد اللََّه بن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه و ثالثها: لم يملك قط عن ابن عيينة و رابعها: أعتق من الغرق عن مجاهدو خامسها: بيت كريم من قولهم عتاق الطير و الخيل، و اعلم أن اللام في ليقضوا و ليوفوا و ليطوفوا لام الأمر، و في قراءة ابن كثير و نافع و الأكثرين تخفيف هذه اللامات و في قراءة أبي عمرو تحريكها بالكسر.

قال صاحب «الكشاف» ذََلِكَ خبر مبتدأ محذوف أي الأمر و الشأن ذلك كما يقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني فإذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا و قد كان كذا، و الحرمة ما لا يحل هتكه و جميع ما كلفه اللََّه تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج و غيرها يحتمل أن يكون عاما في جميع تكاليفه، و يحتمل أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج، و عن زيد بن أسلم الحرمات خمس: الكعبة الحرام و المسجد الحرام و البلد الحرام و الشهر الحرام و المشعر الحرام، و قال المتكلمون و لا تدخل النوافل في حرمات اللََّه تعالى: فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ أي فالتعظيم خير له للعلم بأنه يجب القيام بمراعاتها و حفظها، و قوله: عِنْدَ رَبِّهِ يدل على الثواب المدخر لأنه لا يقال عند ربه فيما قد حصل من الخيرات، قال الأصم فهو خير له من التهاون بذلك، ثم إنه تعالى عاد إلى بيان حكم الحج فقال: وَ أُحِلَّتْ لَكُمُ اَلْأَنْعََامُ فقد كان يجوز أن يظن أن الإحرام إذا حرم الصيد و غيره فالأنعام أيضا تحرم فبين اللََّه تعالى أن الإحرام لا يؤثر فيها فهي محللة، و استثنى منه ما يتلى في كتاب اللََّه من المحرمات من النعم و هو المذكور في سورة[المائدة: 1، 3]و هو قوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي اَلصَّيْدِ

223

وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ و قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ* و قوله: وَ لاََ تَأْكُلُوا مِمََّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اَللََّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: 121]، ثم إنه سبحانه لما حث على تعظيم حرماته و حمد من يعظمها أتبعه بالأمر باجتناب الأوثان و قول الزور. لأن توحيد اللََّه تعالى و صدق القول أعظم الخيرات، و إنما جمع الشرك و قول الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فكأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور، و اجتنبوا قول الزور كله، و لا تقربوا منه شيئا لتماديه في القبح و السماجة، و ما ظنك بشي‏ء من قبيله عبادة الأوثان و سمى الأوثان رجسا لا للنجاسة، لكن لأن وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس و لأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات. ثم قال الأصم إنما وصفها بذلك لأن عادتهم في المتقربات أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها و هذا بعيد و قيل إنه إنما وصفها بذلك استحقارا و استخفافا و هذا أقرب، و قوله: مِنَ اَلْأَوْثََانِ بيان للرجس و تمييز له كقوله عندي عشرون من الدراهم لأن الرجس لما فيه من الإيهام يتناول كل شي‏ء، فكأنه قال فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، و ليس المراد أن بعضها ليس كذلك، و الزور من الزور و الازورار و هو الانحراف، كما أن الإفك من أفكه إذا صرفه، و المفسرون ذكروا في قول الزور/وجوها: أحدها: أنه قولهم هذا حلال و هذا حرام و ما أشبه ذلك من افترائهم و ثانيها: شهادة الزور

عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم: «أنه صلى الصبح فلما سلم قام قائما و استقبل الناس بوجهه و قال عدلت شهادة الزور الإشراك باللََّه» و تلا هذه الآية

و ثالثها: الكذب و البهتان و رابعها:

قول أهل الجاهلية في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه و ما ملك.

أما قوله تعالى: حُنَفََاءَ لِلََّهِ فقد تقدم ذكر تفسير ذلك و أنه الاستقامة على قول بعضهم و الميل إلى الحق على قول البعض، و المراد في هذا الموضع ما قيل من أنه الإخلاص فكأنه قال تمسكوا بهذه الأمور التي أمرت و نهيت على وجه العبادة للََّه وحده لا على وجه إشراك غير اللََّه به. و لذلك قال غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ و هذا يدل على أن الواجب على المكلف أن ينوي بما يأتيه من العبادة الإخلاص فبين تعالى مثلين للكفر لا مزيد عليهما في بيان أن الكافر ضار بنفسه غير منتفع بها. و هو قوله: وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللََّهِ فَكَأَنَّمََا خَرَّ مِنَ اَلسَّمََاءِ فَتَخْطَفُهُ اَلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ اَلرِّيحُ فِي مَكََانٍ سَحِيقٍ قال صاحب «الكشاف» إن كان هذا تشبيها مركبا فكأنه قيل من أشرك باللََّه فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس وراءه هلاك بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفه الطير فتفرقت أجزاؤه في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة. و إن كان تشبيها مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، و الذي ترك الإيمان و أشرك باللََّه كالساقط من السماء و الأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة و الشيطان الذي يطرحه في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة. و قرئ بكسر الخاء و الطاء و بكسر الفاء مع كسرهما و هي قراءة الحسن و أصلها تختطفه و قرئ الرياح، }ثم إنه سبحانه أكد ما تقدم فقال ذََلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعََائِرَ اَللََّهِ و اختلفوا فقال بعضهم يدخل فيه كل عبادة و قال بعضهم بل المناسك في الحج و قال بعضهم بل المراد الهدي خاصة و الأصل في الشعائر الأعلام التي بها يعرف الشي‏ء فإذا فسرنا الشعائر بالهدايا فتعظيمها على وجهين: أحدهما: أن يختارها عظام الأجسام حسانا جساما سمانا غالية الأثمان و يترك المكاس في شرائها، فقد كانوا يتغالون في ثلاثة و يكرهون المكاس فيهن الهدي و الأضحية و الرقبة.

روي عن ابن عمر رضي اللََّه عنهما عن أبيه «أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أن يبيعها و يشتري بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك، و قال بل أهدها» «و أهدى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم مائة

224

بدنة فيها جمل لأبي في أنفه برة من ذهب»

و الوجه الثاني: في تعظيم شعائر اللََّه تعالى أن يعتقد أن طاعة اللََّه تعالى في التقرب بها و إهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لا بد و أن يحتفل به و يتسارع فيه فَإِنَّهََا مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ أي إن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات، و لا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ارتبط به و إنما ذكرت القلوب لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه.

و لكن لما كان قلبه خاليا عنها لا جرم لا يكون مجدا في أداء الطاعات، أما المخلص الذي تكون التقوى متمكنة في قلبه/فإنه يبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص، فإن قال قائل: ما الحكمة في أن اللََّه تعالى بالغ في تعظيم ذبح الحيوانات هذه المبالغة؟فالجواب قوله تعالى:

اعلم أن قوله تعالى: لَكُمْ فِيهََا مَنََافِعُ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى لا يليق إلا بأن تحمل الشعائر على الهدي الذي فيه منافع إلى وقت النحر، و من يحمل ذلك على سائر الواجبات يقول لكم فيها أي في التمسك بها منافع إلى أجل ينقطع التكليف عنده، و الأول هو قول جمهور المفسرين، و لا شك أنه أقرب. و على هذا القول فالمنافع مفسرة بالدر و النسل و الأوبار و ركوب ظهورها، فأما قوله إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى ففيه قولان: أحدهما: أن لكم أن تنتفعوا بهذه البهائم إلى أن تسموها ضحية و هديا فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها، و هذا قول ابن عباس و مجاهد و عطاء و قتادة و الضحاك و قال آخرون لَكُمْ فِيهََا أي في البدن مَنََافِعُ مع تسميتها هديا بأن تركبوها إن احتجتم إليها و أن تشربوا ألبانها إذا اضطررتم إليها إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى يعني إلى أن تنحروها هذه هي الرواية الثانية عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما و هو اختيار الشافعي، و هذا القول أولى لأنه تعالى قال: لَكُمْ فِيهََا مَنََافِعُ أي في الشعائر و لا تسمى شعائر قبل أن تسمى هديا و

روى أبو هريرة أنه عليه السلام «مر برجل يسوق بدنة و هو في جهد، فقال عليه السلام اركبها فقال يا رسول اللََّه إنها هدي فقال اركبها ويلك»

و

روى جابر عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهرا»

و احتج أبو حنيفة رحمه اللََّه على أنه لا يملك منافعها بأن لا يجوز له أن يؤجرها للركوب فلو كان مالكا لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات، و هذا ضعيف لأن أم الولد لا يمكنه بيعها، و يمكنه الانتفاع بها فكذا هاهنا.

أما قوله تعالى: ثُمَّ مَحِلُّهََا إِلَى اَلْبَيْتِ اَلْعَتِيقِ فالمعنى أن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم و دينكم و أعظم هذه المنافع محلها إلى البيت العتيق أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت، كقوله:

هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ [المائدة: 95]و بالجملة فقوله: مَحِلُّهََا يعني حيث يحل نحرها، و أما البيت العتيق فالمراد به الحرم كله، و دليله قوله تعالى: فَلاََ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ بَعْدَ عََامِهِمْ هََذََا [التوبة: 28]أي الحرم كله فالمنحر على هذا القول كل مكة، و لكنها تنزهت عن الدماء إلى منى و منى من مكة،

قال عليه السلام: «كل‏

225

فجاج مكة منحر و كل فجاج منى منحر»

قال القفال هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت منى فأما الهدي المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فإن محله موضعه.

أما قوله تعالى: وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنََا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اِسْمَ اَللََّهِ فالمعنى شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من بعده ضربا من القربان و جعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم اللََّه تقدست أسماؤه على المناسك، و ما كانت العرب تذبحه للصنم يسمى العتر و العتيرة كالذبح و الذبيحة، و قرأ أهل الكوفة إلا عاصما منسكا بكسر السين و قرأ الباقون بالفتح و هو مصدر بمعنى النسك و المكسور بمعنى الموضع.

أما قوله تعالى: فَإِلََهُكُمْ إِلََهٌ وََاحِدٌ ففي كيفية النظم وجهان: أحدهما: أن الإله واحد و إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة و الأشخاص لاختلاف المصالح الثاني: فَإِلََهُكُمْ إِلََهٌ وََاحِدٌ فلا تذكروا على ذبائحكم غير اسم اللََّه فَلَهُ أَسْلِمُوا أي أخلصوا له الذكر خاصة بحيث لا يشوبه إشراك ألبتة، و المراد الانقياد للََّه تعالى في جميع تكاليفه، و من انقاد له كان مخبتا فلذلك قال بعده وَ بَشِّرِ اَلْمُخْبِتِينَ و المخبت المتواضع الخاشع. قال أبو مسلم: حقيقة المخبت من صار في خبت من الأرض، يقال أخبت الرجل إذا صار في الخبت كما يقال أنجد و أشأم و أتهم، و الخبت هو المطمئن من الأرض. و للمفسرين فيه عبارات أحدها: المخبتين المتواضعين عن ابن عباس و قتادة و ثانيها: المجتهدين في العبادة عن الكلبي و ثالثها: المخلصين عن مقاتل و رابعها: المطمئنين إلى ذكر اللََّه تعالى و الصالحين عن مجاهدو خامسها: هم الذين لا يظلمون و إذا ظلموا لم ينتصروا عن عمرو بن أوس.

ثم وصفهم اللََّه تعالى بقوله: اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ فيظهر عليهم الخوف من عقاب اللََّه تعالى و الخشوع و التواضع للََّه، ثم لذلك الوجل أثران أحدهما: الصبر على المكاره و ذلك هو المراد بقوله:

وَ اَلصََّابِرِينَ عَلى‏ََ مََا أَصََابَهُمْ و على ما يكون من قبل اللََّه تعالى، لأنه الذي يجب الصبر عليه كالأمراض و المحن و المصائب. فأما ما يصيبهم من قبل الظلمة فالصبر عليه غير واجب بل إن أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع و لو بالمقاتلة و الثاني: الاشتغال بالخدمة و أعز الأشياء عند الإنسان نفسه و ماله. أما الخدمة بالنفس فهي الصلاة، و هو المراد بقوله: وَ اَلْمُقِيمِي اَلصَّلاََةِ و أما الخدمة بالمال فهو المراد من قوله: وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ قرأ الحسن وَ اَلْمُقِيمِي اَلصَّلاََةِ بالنصب على تقدير النون، و قرأ ابن مسعود و المقيمين الصلاة على الأصل.

اعلم أن قوله تعالى: وَ اَلْبُدْنَ فيه مسائل:

المسألة الأولى: البدن جمع بدنة كخشب و خشبة، سميت بذلك إذا أهديت للحرم لعظم بدنها و هي الإبل خاصة، و لكن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم ألحق البقر بالإبل حين‏

قال: «البدنة عن سبعة و البقرة عن سبعة»

و لأنه قال: فَإِذََا

226

وَجَبَتْ جُنُوبُهََا و هذا يختص بالإبل فإنها تنحر قائمة دون البقر، و قال قوم البدن الإبل و البقر التي يتقرب بها إلى اللََّه تعالى في الحج و العمرة، لأنه إنما سمى بذلك لعظم البدن فالأولى دخولها فيه، أما الشاة فلا تدخل و إن كانت تجوز في النسك لأنها صغيرة الجسم فلا تسمى بدنة.

المسألة الثانية: قرأ الحسن و البدن بضمتين كثمر في جمع ثمرة، و ابن أبي إسحاق بالضمتين و تشديد النون على لفظ الوقف، و قرئ بالنصب و الرفع كقوله: وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنََاهُ مَنََازِلَ [يس: 39]و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: إذا قال للََّه علي بدنة، هل يجوز له نحرها في غير مكة؟ قال أبو حنيفة و محمد رحمهما اللََّه يجوز، و قال أبو يوسف رحمه اللََّه لا يجوز إلا بمكة و اتفقوا فيمن نذر هديا أن عليه ذبحه بمكة، و لو قال: للََّه علي جزور، أنه يذبحه حيث شاء، و قال أبو حنيفة رحمه اللََّه البدنة بمنزلة الجزور فوجب أن يجوز له نحرها حيث يشاء بخلاف الهدي فإنه تعالى قال: هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ [المائدة: 95]فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي، و احتج أبو يوسف رحمه اللََّه بقوله تعالى: وَ اَلْبُدْنَ جَعَلْنََاهََا لَكُمْ مِنْ شَعََائِرِ اَللََّهِ فكان اسم البدنة يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدي، أجاب أبو حنيفة رحمه اللََّه/بأنه ليس كل ما كان ذبحه قربة اختص بالحرم فإن الأضحية قربة و هي جائزة في سائر الأماكن.

أما قوله تعالى: جَعَلْنََاهََا لَكُمْ فاعلم أنه سبحانه لما خلق البدن و أوجب أن تهدى في الحج جاز أن يقول جَعَلْنََاهََا لَكُمْ مِنْ شَعََائِرِ اَللََّهِ أما قوله: لَكُمْ فِيهََا خَيْرٌ فالكلام فيه ما تقدم في قوله: لَكُمْ فِيهََا مَنََافِعُ [الحج: 33]و إذا كان قوله: لَكُمْ فِيهََا خَيْرٌ كالترغيب فالأولى أن يراد به الثواب في الآخرة و ما أخلق العاقل بالحرص على شي‏ء شهد اللََّه تعالى بأن فيه خيرا و بأن فيه منافع، أما قوله: فَاذْكُرُوا اِسْمَ اَللََّهِ عَلَيْهََا ففيه حذف أي اذكروا اسم اللََّه على نحرها، قال المفسرون هو أن يقال عند النحر أو الذبح بسم اللََّه و اللََّه أكبر اللهم منك و إليك، أما قوله: صَوََافَّ ، فالمعنى قائمات قد صففن أيديهن و أرجلهن و قرئ صوافن من صفون الفرس، و هو أن تقوم على ثلاث و تنصب الرابعة على طرف سنبكه لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث، و قرئ صوافي أي خوالص لوجه اللََّه تعالى لا تشركوا باللََّه في التسمية على نحرها أحدا كما كان يفعله المشركون، و عن عمرو بن عبيد صوافيا بالتنوين عوضا عن حرف الإطلاق عند الوقف، و عن بعضهم صوافي نحو قول العرب اعط القوس باريها و لا يبعد أن تكون الحكمة في إصفافها ظهور كثرتها للناظرين فتقوى نفوس المحتاجين و يكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم أجرا و أقرب إلى ظهور التكبير و إعلاء اسم اللََّه و شعائر دينه، و أما قوله: فَإِذََا وَجَبَتْ جُنُوبُهََا فاعلم أن وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا سقط، و وجبت الشمس وجبة إذا غربت، و المعنى إذا سقطت على الأرض و ذلك عند خروج الروح منها فَكُلُوا مِنْهََا و قد ذكرنا اختلاف العلماء فيما يجوز أكله منها وَ أَطْعِمُوا اَلْقََانِعَ وَ اَلْمُعْتَرَّ القانع السائل يقال قنع يقنع قنوعا إذا سأل قال أبو عبيد هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم و يسأل معروفهم و نحوه، قال الفراء و المعنى الثاني القانع هو الذي لا يسأل من القناعة يقال قنع يقنع قناعة إذا رضي بما قسم له و ترك السؤال، أما المعتر فقيل إنه المتعرض بغير سؤال، و قيل إنه المتعرض بالسؤال قال الأزهري قال ابن الأعرابي يقال عروت فلانا و أعررته و عروته و اعتريته إذا أتيته تطلب معروفه و نحوه، قال أبو عبيد و الأقرب أن القانع هو الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال و إلحاح، و المعتر هو الذي يتعرض و يطلب و يعتريهم حالا بعد حال فيفعل ما يدل على‏

227

أنه لا يقنع بما يدفع إليه أبدا و قرأ الحسن و المعتري و قرأ أبو رجاء القنع و هو الراضي لا غير يقال قنع فهو قنع و قانع.

أما قوله: كَذََلِكَ سَخَّرْنََاهََا لَكُمْ فالمعنى أنها أجسم و أعظم و أقوى من السباع و غيرها مما يمتنع علينا التمكن منه، فاللََّه تعالى جعل الإبل و البقر بالصفة التي يمكننا تصريفها على ما نريد، و ذلك نعمة عظيمة من اللََّه تعالى في الدين و الدنيا، ثم لما بين تعالى هذه النعمة قال بعده لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ و المراد لكي تشكروا. قالت المعتزلة: هذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يشكروا فدل هذا/على أنه يريد كل ما أمر به ممن أطاع و عصى، لا كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لم يرد ذلك إلا من المعلوم أن يطيع، و الكلام عليه قد تقدم غير مرة.

أما قوله تعالى: لَنْ يَنََالَ اَللََّهَ لُحُومُهََا وَ لاََ دِمََاؤُهََا ففيه مسائل:

المسألة الأولى: لما كانت عادة الجاهلية على ما

روي في القربان أنهم يلوثون بدمائها و لحومها الوثن و حيطان الكعبة

بين تعالى ما هو القصد من النحر فقال: لَنْ يَنََالَ اَللََّهَ لُحُومُهََا وَ لاََ دِمََاؤُهََا وَ لََكِنْ يَنََالُهُ اَلتَّقْوى‏ََ مِنْكُمْ فبين أن الذي يصل إليه تعالى و يرتفع إليه من صنع المهدي من قوله و نحره و ما شاكله من فرائضه هو تقوى اللََّه دون نفس اللحم و الدم، و معلوم أن شيئا من الأشياء لا يوصف بأنه يناله سبحانه فالمراد وصول ذلك إلى حيث يكتب يدل عليه قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ [فاطر: 10].

المسألة الثانية: قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أمور: أحدها: أن الذي ينتفع به المرء فعله دون الجسم الذي ينتفع بنحره و ثانيها: أنه سبحانه غني عن كل ذلك، و إنما المراد أن يجتهد العبد في امتثال أوامره و ثالثها: أنه لما لم ينتفع بالأجسام التي هي اللحوم و الدماء و انتفع بتقواه وجب أن تكون تقواه فعلا و إلا لكانت تقواه بمنزلة اللحوم و رابعها: أنه لما شرط القبول بالتقوى و صاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يكون عمله مقبولا و أنه لا ثواب له و الجواب: أما الأولان فحقان، و أما الثالث فمعارض بالداعي و العلم، و أما الرابع فصاحب الكبيرة و إن لم يكن متقيا مطلقا و لكنه متق فيما أتى به من الطاعة على سبيل الإخلاص فوجب أن تكون طاعته مقبولة و عند هذا تنقلب الآية حجة عليهم.

المسألة الثالثة: كلهم قرءوا يَنََالَ اَللََّهَ و يناله بالياء إلا يعقوب فإنه قرأ بالتاء في الحرفين فمن أنث فقد رده إلى اللفظ و من ذكر فللحائل بين الاسم و الفعل. ثم قال: كَذََلِكَ سَخَّرَهََا لَكُمْ و المراد أنه إنما سخرها كذلك لتكبروا اللََّه و هو التعظيم، بما نفعله عند النحر و قبله و بعده على ما هدانا و دلنا عليه و بينه لنا، ثم قال بعده على وجه الوعد لمن امتثل أمره وَ بَشِّرِ اَلْمُحْسِنِينَ كما قال من قبل وَ بَشِّرِ اَلْمُخْبِتِينَ [الحج: 34] و المحسن هو الذي يفعل الحسن من الأعمال و يتمسك به فيصير محسنا إلى نفسه بتوفير الثواب عليه.

228

اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم الحج و مناسكه و ما فيه من منافع الدنيا و الآخرة، و قد ذكرنا من قبل أن الكفار صدوهم أتبع ذلك ببيان ما يزيل الصد و يؤمن معه التمكن من الحج فقال: إِنَّ اَللََّهَ يُدََافِعُ عَنِ اَلَّذِينَ آمَنُوا و في مسائل:

المسألة الأولى: قرأ أبو جعفر و شيبة و نافع بالألف و مثله‏ وَ لَوْ لاََ دَفْعُ اَللََّهِ* و قرأ ابن كثير و أبو عمرو بغير ألف فيهما. و قرأ حمزة و الكسائي و عاصم إِنَّ اَللََّهَ يُدََافِعُ بالألف‏ وَ لَوْ لاََ دَفْعُ* بغير ألف، فمن قرأ يدافع فمعناه يبالغ في الدفع عنهم، و قال الخليل يقال دفع اللََّه المكروه عنك دفعا و دافع عنك دفاعا و الدفاع أحسنهما.

المسألة الثانية: ذكر إِنَّ اَللََّهَ يُدََافِعُ عَنِ اَلَّذِينَ آمَنُوا و لم يذكر ما يدفعه حتى يكون أفحم و أعظم و أعم، و إن كان في الحقيقة أنه يدافع بأس المشركين. فلذلك قال بعده إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ كُلَّ خَوََّانٍ كَفُورٍ فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذا صفته.

المسألة الثالثة: قال مقاتل: إن اللََّه يدافع كفار مكة عن الذين آمنوا بمكة، هذا حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم فاستأذنوا النبي صلى اللََّه عليه و سلم في قتلهم سرا فنهاهم.

المسألة الرابعة: هذه الآية بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار و كف بوائقهم عنهم و هي كقوله: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاََّ أَذىً [آل عمران: 111]و قوله: إِنََّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنََا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: 51]و قال: إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ [الصافات: 172] وَ أُخْرى‏ََ تُحِبُّونَهََا نَصْرٌ مِنَ اَللََّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ [الصف: 13].

أما قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ كُلَّ خَوََّانٍ كَفُورٍ فالمعنى أنه سبحانه جعل العلة في أنه يدافع/عن الذين آمنوا أن اللََّه لا يحب صدهم، و هو الخوان الكفور أي خوان في أمانة اللََّه كفور لنعمته و نظيره قوله: لاََ تَخُونُوا اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَمََانََاتِكُمْ [الأنفال: 27]قال مقاتل أقروا بالصانع و عبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذه؟ أما قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ أهل المدينة و البصرة و عاصم في رواية حفص أُذِنَ بضم الألف و الباقون بفتحها أي أذن اللََّه لهم في القتال، و قرأ أهل المدينة و عاصم يُقََاتَلُونَ بنصب التاء، و قرأ ابن كثير و حمزة و الكسائي أذن بنصب ألف و يقاتلون بكسر التاء. قال الفراء و الزجاج: يعني أذن اللََّه للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل، و من قرأ بفتح التاء فالتقدير أذن للذين يقاتلون في القتال.

المسألة الثانية: في الآية محذوف و التقدير أذن للذين يقاتلون في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه.

أما قوله: بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا فالمراد أنهم أذنوا في القتال بسبب كونهم مظلومين و هم أصحاب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدا و كانوا يأتون رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم من بين مضروب و مشجوج يتظلمون‏

229

إليه فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بقتال حتى هاجر فأنزل اللََّه تعالى هذه الآية و هي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف و سبعين آية، و قيل نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن في مقاتلتهم.

أما قوله: وَ إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ فذلك و عد منه تعالى بنصرهم كما يقول المرء لغيره إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك لا يعني بذلك القدرة بل يريد أنه سيفعل ذلك.

أما قوله تعالى: اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ فاعلم أنه تعالى لما بين أنهم إنما أذنوا في القتال لأجل أنهم ظلموا فبين ذلك الظلم بقوله: اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاََّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اَللََّهُ فبين تعالى ظلمهم لهم بهذين الوجهين: أحدهما: أنهم أخرجوهم من ديارهم و الثاني: أنهم أخرجوهم بسبب أنهم قالوا: ربنا اللََّه و كل واحد من الوجهين عظيم في الظلم، فإن قيل كيف استثنى من غير حق قولهم: رَبُّنَا اَللََّهُ و هو من الحق؟قلنا تقدير الكلام أنهم أخرجوا بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار و التمكين لا موجب الإخراج و التسيير، و مثله‏ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنََّا إِلاََّ أَنْ آمَنََّا بِاللََّهِ [المائدة: 59] ثم بين سبحانه بقوله: وَ لَوْ لاََ دَفْعُ اَللََّهِ اَلنََّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ أن عادته جل جلاله أن يحفظ دينه بهذا الأمر قرأ نافع لَهُدِّمَتْ بالتخفيف و قرأ الباقون بالتشديد و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: ما المراد بهذا الدفاع الذي أضافه إلى نفسه؟ الجواب: هو إذنه لأهل دينه بمجاهدة الكفار فكأنه قال تعالى: و لو لا دفاع اللََّه أهل الشرك بالمؤمنين، من حيث يأذن لهم في جهادهم و ينصرهم على أعدائهم لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان و عطلوا ما يبنونه من/مواضع العبادة، و لكنه دفع عن هؤلاء بأن أمر بقتال أعداء الدين ليتفرغ أهل الدين للعبادة و بناء البيوت لها، و لهذا المعنى ذكر الصوامع و البيع و الصلوات و إن كانت لغير أهل الإسلام، و ذكر المفسرون وجوها أخر: أحدها: قال الكلبي يدفع اللََّه بالنبيين عن المؤمنين و بالمجاهدين عن القاعدين عن الجهاد و ثانيها: روى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما قال يدفع اللََّه بالمحسن عن المسي‏ء، و بالذي يصلي عن الذي لا يصلي، و بالذي يتصدق عن الذي لا يتصدق و بالذي يحج عن الذي لا يحج، و

عن ابن عمر عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم: «إن اللََّه يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته و من جيرانه» ثم تلا هذه الآية

و ثالثها: قال الضحاك عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما يدفع بدين الإسلام و بأهله عن أهل الذمة و رابعها: قال مجاهد يدفع عن الحقوق بالشهود و عن النفوس بالقصاص.

السؤال الثاني: لما ذا جمع اللََّه بين مواضع عبادات اليهود و النصارى و بين مواضع عبادة المسلمين؟ الجواب: لأجل ما سألت عنه اختلفوا على وجوه: أحدها: قال الحسن المراد بهذه المواضع أجمع مواضع المؤمنين، و إن اختلفت العبارات عنها و ثانيها: قول الزجاج و لو لا دفع اللََّه الناس بعضهم ببعض لهدم في شرع كل نبي المكان الذي يصلي فيه، فلو لا ذلك الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه، و في زمن عيسى الصوامع، و في زمن نبينا محمد صلى اللََّه عليه و سلم المساجد فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف و قبل النسخ و ثالثها: بل المراد لهدمت هذه الصوامع في أيام الرسول صلى اللََّه عليه و سلم لأنها على كل حال يجري فيها ذكر اللََّه تعالى فليست بمنزلة عبادة الأوثان.

السؤال الثالث: ما الصوامع و البيع و الصلوات و المساجد؟ الجواب: ذكروا فيها وجوها: أحدها:

230

الصوامع للنصارى و البيع لليهود و الصلوات للصابئين و المساجد للمسلمين عن أبي العالية رضي اللََّه عنه و ثانيها:

الصوامع للنصارى و هي التي بنوها في الصحارى و البيع لهم أيضا و هي التي يبنونها في البلد و الصلوات لليهود، قال الزجاج و هي بالعبرانية صلوتا و ثالثها: الصوامع للصابئين و البيع للنصارى و الصلوات لليهود عن قتادة و رابعها: أنها بأسرها أسماء المساجد عن الحسن، أما الصوامع فلأن المسلمين قد يتخذون الصوامع، و أما البيع فأطلق هذا الاسم على المساجد على سبيل التشبيه، و أما الصلوات فالمعنى أنه لو لا ذلك الدفع لانقطعت الصلوات و لخربت المساجد.

السؤال الرابع: الصلوات كيف تهدم خصوصا على تأويل من تأوله على صلاة المسلمين؟ الجواب: من وجوه: أحدها: المراد بهدم الصلاة إبطالها و إهلاك من يفعلها كقولهم هدم فلان إحسان فلان إذا قابله بالكفر دون الشكر و ثانيها: بل المراد مكان الصلوات لأنه الذي يصح هدمه كقوله: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]أي أهلها و ثالثها: لما كان الأغلب فيما ذكر ما يصح أن/أن يهدم جاز ضم ما لا يصح أن يهدم إليه، كقولهم متقلدا سيفا و رمحا، و إن كان الرمح لا يتقلد.

السؤال الخامس: قوله: يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اَللََّهِ كَثِيراً مختص بالمساجد أو عائد إلى الكل؟ الجواب: قال الكلبي و مقاتل عائد إلى الكل لأن اللََّه تعالى يذكر في هذه المواضع كثيرا، و الأقرب أنه مختص بالمساجد تشريفا لها بأن ذكر اللََّه يحصل فيها كثيرا.

السؤال السادس: لم قدم الصوامع و البيع في الذكر على المساجد؟ الجواب: لأنها أقدم في الوجود، و قيل أخرها في الذكر كما في قوله: وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ بِإِذْنِ اَللََّهِ [فاطر: 32]و لأن أول الفكر آخر العمل، فلما كان رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم خير الرسل و أمته خير الأمم لا جرم كانوا آخرهم و لذلك قال عليه السلام:

«نحن الآخرون السابقون» .

أما قوله تعالى: وَ لَيَنْصُرَنَّ اَللََّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ فقال بعضهم من ينصره بتلقى الجهاد بالقبول نصرة لدين اللََّه تعالى، و قال آخرون: بل المراد من يقوم بسائر دينه، و إنما قالوا ذلك لأن نصرة اللََّه على الحقيقة لا تصح، و إنما المراد من نصرة اللََّه نصرة دينه كما يقال في ولاية اللََّه و عداوته مثل ذلك و في قوله: وَ لَيَنْصُرَنَّ اَللََّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ و عد بالنصر لمن هذه حاله و نصر اللََّه تعالى للعبد أن يقويه على أعدائه حتى يكون هو الظافر و يكون قائما بإيضاح الأدلة و البينات، و بكون بالإعانة على المعارف و الطاعات، و فيه ترغيب في الجهاد من حيث وعدهم النصر، ثم بين تعالى أنه قوي على هذه النصرة التي وعدها المؤمنين، و أنه لا يجوز عليه المنع و هو معنى قوله عَزِيزٌ لأن العزيز هو الذي لا يضام و لا يمنع مما يريده. ثم إنه سبحانه و تعالى و صف الذين أذن لهم في القتال في الآية الأولى فقال: اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنََّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ و المراد من هذا التمكن السلطنة و نفاذ القول على الخلق لأن المتبادر إلى الفهم من قوله: مَكَّنََّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ ليس إلا هذا، و لأنا لو حملناه على أصل القدرة لكان كل العباد كذلك و حينئذ يبطل ترتب الأمور الأربعة المذكورة عليه في معرض الجزاء، لأنه ليس كل من كان قادرا على الفعل أتى بهذه الأشياء. إذا ثبت هذا فنقول: المراد بذلك هم المهاجرون لأن قوله:

اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنََّاهُمْ صفة لمن تقدم و هو قوله: اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ و الأنصار ما أخرجوا من ديارهم فيصير معنى الآية أن اللََّه تعالى وصف المهاجرين بأنه إن مكنهم من الأرض و أعطاهم السلطنة، فإنهم أتوا

231

بالأمور الأربعة، و هي إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لكن قد ثبت أن اللََّه تعالى مكن الأئمة الأربعة من الأرض و أعطاهم السلطنة عليها فوجب كونهم آتين بهذه الأمور الأربعة. و إذا كانوا آمرين بكل معروف و ناهين عن كل منكر وجب أن يكونوا على الحق، فمن هذا الوجه دلت هذه الآية على إمامة الأربعة. و لا يجوز حمل الآية على علي عليه السلام وحده لأن الآية دالة على الجمع، و في قوله: وَ لِلََّهِ عََاقِبَةُ اَلْأُمُورِ دلالة على أن الذي تقدم ذكره من سلطنتهم و ملكهم كائن لا محالة. ثم إن الأمور ترجع إلى اللََّه تعالى بالعاقبة فإنه سبحانه هو الذي/لا يزول ملكه أبدا و هو أيضا يؤكد ما قلناه.

} في قوله تعالى وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عََادٌ وَ ثَمُودُ إلى قوله فَكَيْفَ كََانَ نَكِيرِ اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق، و أذن في مقاتلتهم و ضمن للرسول و المؤمنين النصرة و بين أن للََّه عاقبة الأمور، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول صلى اللََّه عليه و سلم في الصبر على ما هم عليه من أذيته و أذية المؤمنين بالتكذيب و غيره، فقال: و إن يكذبوك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم، و ذكر اللََّه سبعة منهم. فإن قيل: و لم قال: وَ كُذِّبَ مُوسى‏ََ و لم يقل قوم موسى؟فالجواب: من وجهين:

الأول: أن موسى عليه السلام ما كذبه قومه بنو إسرائيل و إنما كذبه غير قومه و هم القبط الثاني: كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسوله، و كذب موسى أيضا مع وضوح آياته و عظم معجزاته فما ظنك بغيره.

أما قوله تعالى: فَأَمْلَيْتُ لِلْكََافِرِينَ يعني أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندي ثم أخذتهم بالعقوبة فَكَيْفَ كََانَ نَكِيرِ استفهام تقرير[ي‏]، أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب، أليس كان واقعا/قطعا؟ألم أبدلهم بالنعمة نقمة و بالكثرة قلة و بالحياة موتا و بالعمارة خرابا؟أ لست أعطيت الأنبياء جميع ما وعدتهم من النصرة على أعدائهم و التمكين لهم في الأرض. فينبغي أن تكون عادتك يا محمد الصبر عليهم، فإنه تعالى إنما يمهل للمصلحة فلا بد من الرضاء و التسليم، و إن شق ذلك على القلب. و اعلم أن بدون ذلك يحصل التسلية لمن حاله دون حال الرسول عليه السلام، فكيف بذلك مع منزلته، لكنه في كل وقت يصل إليه من جهتهم ما يزيده غما، فأجرى اللََّه عادته بأن يصبره حالا بعد حال، و قد تقدم ذكر هؤلاء المكذبين و بأي جنس من عذاب الاستئصال هلكوا.

و هاهنا بحث، و هو أن هذه الآية تدل على أنه سبحانه يفعل به و بقومه كل ما فعل بهم و بقومهم إلا عذاب الاستئصال فإنه لا يفعله بقوم محمد صلى اللََّه عليه و سلم و إن كان قد مكنهم من قتل أعدائهم و ثبتهم. قال الحسن: السبب في‏

232

تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة أن ذلك العذاب مشروط بأمرين: أحدهما: أن عند اللََّه حد[ا]من الكفر من بلغه عذبه و من لم يبلغه لم يعذبه و الثاني: أن اللََّه لا يعذب قوما حتى يعلم أن أحدا منهم لا يؤمن، فأما إذا حصل الشرطان و هو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر و علم اللََّه أن أحدا منهم لا يؤمن، فحينئذ يأمر الأنبياء فيدعون على أممهم فيستجيب اللََّه دعاءهم فيعذبهم بعذاب الاستئصال و هو المراد من قوله: حَتََّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ [يوسف: 110]أي من إجابة القوم، و قوله لنوح: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاََّ مَنْ قَدْ آمَنَ [هود:

36]و إذا عذبهم اللََّه تعالى فإنه ينجي المؤمنين لقوله: فَلَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا* [هود: 66]أي بالعذاب نجينا هودا، و اعلم أن الكلام في هذه المسألة قد تقدم فلا فائدة في الإعادة، فإن قيل كيف يوصف ما ينزله بالكفار من الهلاك بالعذاب المعجل بأنه نكير؟قلنا إذا كان رادعا لغيره و صادعا له عن مثل ما أوجب ذلك صار نكيرا.

أما قوله: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال بعضهم: المراد من قوله: فَكَأَيِّنْ فكم على وجه التكثير، و قيل أيضا معناه، و رب قرية و الأول أولى لأنه أوكد في الزجر، فكأنه تعالى لما بين حال قوم من المكذبين و أنه عجل إهلاكهم أتبعه بما دل على أن لذلك أمثالا و إن لم يذكر مفصلا.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير و أهل الكوفة و المدينة أَهْلَكْنََاهََا بالنون، و قرأ أبو عمرو و يعقوب أهلكتها و هو اختيار أبي عبيد لقوله في الآية الأولى فَأَمْلَيْتُ لِلْكََافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ .

المسألة الثالثة: قوله: أَهْلَكْنََاهََا أي أهلها و دل بقوله و هي ظالمة على ما ذكرنا، و يحتمل أن يكون المراد إهلاك نفس القرية، فيدخل تحت إهلاكها إهلاك من فيها لأن العذاب النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير منهدمة حصل بهلاكها هلاك من فيها و إن كان الأول أقرب.

أما قوله و هي: خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا ففيه سؤالان:

السؤال الأول: ما معنى هذه اللفظة؟ فقال صاحب الكشاف: كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش، و الخاوي الساقط من خوى النجم إذا سقط أو الخالي من/خوى المنزل إذا خلا من أهله، فإن فسرنا الخاوي بالساقط، كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي خرت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، و إن فسرناه بالخالي كان المعنى أنها خالية عن الناس مع بقاء عروشها و سلامتها، قال و يمكن أن يكون خبرا بعد خبر، كأنه قيل هي خاوية و هي على عروشها، بمعنى أن السقوف سقطت على الأرض فصارت في قرار الحيطان و بقيت الحيطان قائمة فهي مشرفة على السقوف الساقطة، و بالجملة فالآية دالة على أنها بقيت محلا للاعتبار.

السؤال الثاني: ما محل هاتين الجملتين من الإعراب. أعني وَ هِيَ ظََالِمَةٌ، فَهِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا الجواب: الأولى: في محل النصب على الحال و الثانية: لا محل لها لأنها مقطوعة على (أهلكناها) و هذا الفعل ليس له محل. قال أبو مسلم: المعنى فكأين من قرية أهلكناها و هي كانت ظالمة و هي الآن خاوية.

أما قوله: وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ الحسن مُعَطَّلَةٍ من أعطله بمعنى معطلة و معنى المعطلة أنها عامرة فيها الماء

233

و يمكن الاستقاء منها إلا أنها عطلت أي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها و في المشيد قولان: أحدهما: أنه المجصص لأن الجص بالمدينة يسمى الشيد و الثاني: أنه المرفوع المطول، و المعنى أنه تعالى بين أن القرية مع تكلف بنائهم لها و اغتباطهم بها جعلت لأجل كفرهم بهذا الوصف، و كذلك البئر التي كلفوها و صارت شربهم صارت معطلة بلا شارب و لا وارد، و القصر الذي أحكموه بالجص و طولوه صار ظاهرا خاليا بلا ساكن، و جعل ذلك تعالى عبرة لمن اعتبر و تدبر. و فيه دلالة على أن تفسير على بمع أولى لأن التقدير و هي خاوية مع عروشها و معلوم أنها إذا كانت كذلك كانت أدخل في الاعتبار و هو كقوله تعالى: وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ [الصافات: 137]و اللََّه أعلم بالصواب.

المسألة الثانية: روى أبو هريرة رضي اللََّه عنه أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به، و نجاهم اللََّه تعالى من العذاب و هم بحضرموت، و إنما سميت بذلك لأن صالحا حين حضرها مات ثم، و ثم بلدة عند البئر اسمها حاضورا بناها قوم صالح، و أمروا عليها حاسر بن جلاس و جعلوا وزيره سنجاريب و أقاموا بها زمانا ثم كفروا و عبدوا صنما، و أرسل اللََّه تعالى إليهم حنظلة بن صفوان فقتلوه في السوق فأهلكهم اللََّه تعالى، و عطل بئرهم و خرب قصورهم، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري، و هذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف يقال إنه بحضرموت.

أما قوله تعالى: أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهََا أَوْ آذََانٌ يَسْمَعُونَ بِهََا فالمقصود منه ذكر ما يتكامل به ذلك الاعتبار لأن الرؤية لها حظ عظيم في الاعتبار و كذلك/استماع الأخبار فيه مدخل، و لكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبر القلب لأن من عاين و سمع ثم لم يتدبر و لم يعتبر لم ينتفع ألبتة و لو تفكر فيها سمع لانتفع، فلهذا قال: فَإِنَّهََا لاََ تَعْمَى اَلْأَبْصََارُ وَ لََكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ كأنه قال لا عمى في أبصارهم فإنهم يرون بها لكن العمى في قلوبهم حيث لم ينتفعوا بما أبصروه، و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: قوله: أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ هل يدل على الأمر بالسفر الجواب: يحتمل أنهم ما سافروا فحثهم على السفر ليروا مصارع من أهلكهم اللََّه بكفرهم و يشاهدوا آثارهم فيعتبروا، و يحتمل أن يكونوا قد سافروا و رأوا ذلك و لكن لم يعتبروا فجعلوا كأن لم يسافروا و لم يروا.

السؤال الثاني: ما معنى الضمير في قوله: فَإِنَّهََا لاََ تَعْمَى اَلْأَبْصََارُ و الجواب: هذا الضمير ضمير القصة و الشأن يجي‏ء مؤنثا و مذكرا و في قراءة ابن مسعود فإنه و يجوز أن يكون ضميرا مبهما يفسره الأبصار.

السؤال الثالث: أي فائدة في ذكر الصدور مع أن كل أحد يعلم أن القلب لا يكون إلا في الصدر؟ الجواب: أن المتعارف أن العمى مكانه الحدقة، فلما أريد إثباته للقلب على خلاف المتعارف احتيج إلى زيادة بيان كما تقول: ليس المضاء للسيف و لكنه للسانك الذي بين فكيك، فقولك الذي بين فكيك تقرير لما ادعيته للسان و تثبيت، لأن محل المضاء هو هو لا غير، و كأنك قلت ما نفيت المضاء عن السيف و أثبته للسانك سهوا، و لكني تعمدته على اليقين. و عندي فيه وجه آخر و هو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر و التدبر كقوله تعالى: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَذِكْرى‏ََ لِمَنْ كََانَ لَهُ قَلْبٌ [ق: 37]و عند قوم أن محل التفكر هو الدماغ فاللََّه تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر.

234

السؤال الرابع: هل تدل الآية على أن العقل هو العلم و على أن محل العلم هو القلب؟ الجواب: نعم لأن المقصود من قوله: قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهََا العلم و قوله: يَعْقِلُونَ بِهََا كالدلالة على أن القلب آلة لهذا التعقل، فوجب جعل القلب محلا للتعقل و يسمى الجهل بالعمى لأن الجاهل لكونه متحيرا يشبه الأعمى.

اعلم أنه تعالى لما حكى من عظم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزئون باستعجال العذاب فقال:

وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذََابِ و في ذلك دلالة على أنه عليه السلام كان يخوفهم بالعذاب إن استمروا على كفرهم و لأن قولهم: لَوْ مََا تَأْتِينََا بِالْمَلاََئِكَةِ [الحجر: 7]يدل على ذلك فقال تعالى: وَ لَنْ يُخْلِفَ اَللََّهُ وَعْدَهُ لأن الوعد بالعذاب إذا كان في الآخرة دون الدنيا فاستعجاله يكون كالخلف ثم بين أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة فقال: وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ يعني فيما ينالهم من العذاب و شدته كَأَلْفِ سَنَةٍ لو بقي و عذب في كثرة الآلام و شدتها فبين سبحانه أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة و أنه بهذا الوصف لما استعجلوه، و هذا قول أبي مسلم و هو أولى الوجوه: الوجه الثاني: أن المراد طول أيام الآخرة في المحاسبة و يرجع معناه إلى قريب مما تقدم، و ذلك أن الأيام القصيرة إذا مرت في الشدة كانت مستطيلة فكيف تكون الأيام المستطيلة إذا مرت في الشدة. ثم إن العذاب الذي يكون طول أيامها إلى هذا الحد لا ينبغي للعاقل أن يستعجله و الوجه الثالث: أن اليوم الواحد و ألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شي‏ء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضا إمهال ألف سنة.

أما قوله: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهََا وَ هِيَ ظََالِمَةٌ فالمراد و كم من قرية أخرت إهلاكهم مع استمرارهم على ظلمهم فاغتروا بذلك التأخير ثم أخذتهم بأن أنزلت العذاب بهم، و مع ذلك فعذابهم مدخر إذا صاروا إلي و هو تفسير قوله: وَ إِلَيَّ اَلْمَصِيرُ فإن قيل فلم قال فيما قبل فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا وَ هِيَ ظََالِمَةٌ [الحج:

45]و قال هاهنا: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهََا الأولى بالفاء و هذه بالواو؟قلنا: الأولى وقعت بدلا عن قوله:

فَكَيْفَ كََانَ نَكِيرِ [الحج: 44]و أما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو، أعني قوله: وَ لَنْ يُخْلِفَ اَللََّهُ وَعْدَهُ وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمََّا تَعُدُّونَ .

أما قوله: قُلْ يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنَّمََا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ فالمعنى أنه تعالى أمر رسوله بأن يديم لهم التخويف و الإنذار، و أن لا يصده ما يكون منهم من الاستعجال للعذاب على سبيل الهزء عن إدامة التخويف و الإنذار، و أن يقول لهم إنما بعثت للإنذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه.

235

اعلم أنه تعالى لما بين للرسول صلى اللََّه عليه و سلم أنه يجب أن يقول لهم أنا نذير مبين أردف ذلك بأن أمره بوعدهم و وعيدهم، لأن الرجل إنما يكون منذرا بذكر الوعد للمطيعين و الوعيد/للعاصين. فقال و الذين آمنوا و عملوا الصالحات فجمع بين الوصفين و هذا دليل على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان و به يبطل قول المعتزلة و يدخل في الإيمان كل ما يجب من الاعتقاد بالقلب و الإقرار باللسان، و يدخل في العمل الصالح أداء كل واجب و ترك كل محظور، ثم بين سبحانه أن من جمع بينهما فاللََّه تعالى يجمع له بين المغفرة و الرزق الكريم. أما المغفرة فإما أن تكون عبارة عن غفران الصغائر، أو عن غفران الكبائر بعد التوبة، أو عن غفرانها قبل التوبة، و الأولان واجبان عند الخصم، و أداء الواجب لا يسمى غفرانا، فبقي الثالث و هو دلالته على العفو عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة. و أما الرزق الكريم فهو إشارة إلى الثواب، و كرمه يحتمل أن يكون للصفات السلبية، و هو أن الإنسان هناك يستغني عن المكاسب و تحمل المشاق و الذل فيها و ارتكاب المآثم و الدناءة بسببها، و أن يكون للصفات الثبوتية، و هو أن يكون رزقا كثيرا دائما خالصا عن شوائب الضرر، مقرونا بالتعظيم و التبجيل. و الأولى جعل الكريم دالا على كل هذه الصفات، فهذا شرح حال المؤمنين. }و أما حال الكفار فقال:

وَ اَلَّذِينَ سَعَوْا فِي آيََاتِنََا مُعََاجِزِينَ و المراد اجتهدوا في ردها و التكذيب بها حيث سموها سحرا و شعرا و أساطير الأولين، و يقال لمن بذل جهده في أمر: إنه سعى فيه توسعا من حيث بلغ في بذل الجهد النهاية، كما إذا بلغ الماشي نهاية طاقته فيقال له سعى، و ذكر الآيات و أراد التكذيب بها مجازا. قال صاحب «الكشاف» : يقال سعى في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه، أما المعاجز فيقال عاجزته، أي طمعت في إعجازه، و اختلفوا في المراد، هل معاجزين للََّه أو للرسول و للمؤمنين، و الأقرب هو الثاني لأنهم إن أنكروا اللََّه استحال منهم أن يطمعوا في إعجازه و إن أثبتوه فيبعد أن يعتقدوا أنهم يعجزونه و يغلبونه، و يصح منهم أن يظنوا ذلك في الرسول بالحيل و المكايد. أما الذين قالوا المراد معاجزين للََّه، فقد ذكروا وجوها: أحدها: المراد بمعاجزين مغالبين مفوتين لربهم من عذابهم و حسابهم حيث جحدوا البعث و ثانيها: أنهم يثبطون غيرهم عن التصديق باللََّه و يثبطونهم بسبب الترغيب و الترهيب و ثالثها: يعجزون اللََّه بإدخال الشبه في قلوب الناس و الجواب: عن الأول أن من جحد أصل الشي‏ء لا يوصف بأنه مغالب لمن يفعل ذلك الشي‏ء، و من تأول الآية على ذلك فيجب أن يكون مراده أنهم ظنوا مغالبة الرسول صلى اللََّه عليه و سلم فيما كان يقوله من أمر الحشر و النشر و الجواب: عن الثاني و الثالث أن المغالبة في الحقيقة ترجع إلى الرسول و الأمة، لا إلى اللََّه تعالى.

أما قوله تعالى: أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَحِيمِ فالمراد أنهم يدومون فيها و شبههم من حيث الدوام بالصاحب، فإن قيل إنه عليه السلام في هذه الآية بشر المؤمنين أولا و أنذر الكافرين ثانيا، فكان القياس أن يقال: قل يا أيها الناس إنما أنا لكم بشير و نذير، قلنا الكلام مسوق إلى المشركين، و يا أيها الناس نداء لهم، و هم الذين قيل فيهم‏ أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ [الحج: 46]و وصفوا بالاستعجال و إنما ألقى ذكر المؤمنين و ثوابهم في البين زيادة لغيظهم و إيذائهم.

236

أما قوله تعالى: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاََ نَبِيٍّ إِلاََّ إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: من الناس من قال: الرسول هو الذي حدث و أرسل، و النبي هو الذي لم/يرسل و لكنه ألهم أو رأى في النوم، و من الناس من قال: إن كل رسول نبي، و ليس كل نبي يكون رسولا، و هو قول الكلبي و الفراء. و قالت المعتزلة كل رسول نبي، و كل نبي رسول، و لا فرق بينهما، و احتجوا على فساد القول الأول بوجوه: أحدها: هذه الآية فإنها دالة على أن النبي قد يكون مرسلا، و كذا قوله تعالى: وَ مََا أَرْسَلْنََا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ [الأعراف: 94]، و ثانيها: أن اللََّه تعالى خاطب محمدا مرة بالنبي و مرة بالرسول، فدل على أنه لا منافاة بين الأمرين، و على القول الأول المنافاة حاصلة و ثالثها: أنه تعالى نص على أنه خاتم النبيين و رابعها: أن اشتقاق لفظ النبي إما من النبأ و هو الخبر، أو من قولهم نبأ إذا ارتفع، و المعنيان لا يحصلان إلا بقبول الرسالة.

أما القول الثاني: فاعلم أن شيئا من تلك الوجوه لا يبطله، بل هذه الآية دالة عليه لأنه عطف النبي على الرسول، و ذلك يوجب المغايرة و هو من باب عطف العام على الخاص. و قال في موضع آخر وَ كَمْ أَرْسَلْنََا مِنْ نَبِيٍّ فِي اَلْأَوَّلِينَ [الزخرف: 6]و ذلك يدل على أنه كان نبيا، فجعله اللََّه مرسلا و هو يدل على قولنا: «و

قيل لرسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم كم المرسلون؟فقال ثلاثمائة و ثلاثة عشرة، فقيل و كم الأنبياء؟فقال مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا الجم الغفير»

إذا ثبت هذا فنقول: ذكروا في الفرق بين الرسول و النبي أمورا: أحدها: أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، و النبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب، و إنما أمر أن يدعو إلى كتاب من قبله و الثاني: أن من كان صاحب المعجزة و صاحب الكتاب و نسخ شرع من قبله فهو الرسول، و من لم يكن مستجمعا لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول، و هؤلاء يلزمهم أن لا يجعلوا إسحاق و يعقوب و أيوب و يونس و هارون و داود و سليمان رسلا لأنهم ما جاءوا بكتاب ناسخ و الثالث: أن من جاءه الملك ظاهرا و أمره بدعوة الخلق فهو الرسول، و من لم يكن كذلك بل رأى في النوم كونه رسولا، أو أخبره أحد من الرسال بأنه رسول اللََّه، فهو النبي الذي لا يكون رسولا و هذا هو الأولى.

237

المسألة الثانية:

ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن الرسول صلى اللََّه عليه و سلم لما رأى إعراض قومه عنه و شق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيهم من اللََّه ما يقارب بينه و بين قومه و ذلك لحرصه على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله و أحب يومئذ أن لا يأتيه من اللََّه شي‏ء ينفروا عنه و تمنى ذلك فأنزل اللََّه تعالى سورة وَ اَلنَّجْمِ إِذََا هَوى‏ََ [النجم: 1]فقرأها رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم حتى بلغ قوله‏ أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاََّتَ وَ اَلْعُزََّى*`وَ مَنََاةَ اَلثََّالِثَةَ اَلْأُخْرى‏ََ [النجم: 19، 20]ألقى الشيطان على لسانه «تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى» فلما سمعت قريش ذلك فرحوا و مضى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم في قراءته فقرأ السورة كلها فسجد و سجد المسلمون لسجوده و سجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن و لا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة و أبي أحيحة سعيد بن العاصي فإنهما أخذا حفنة من التراب من البطحاء و رفعاها إلى /جبهتيهما و سجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود و تفرقت قريش و قد سرهم ما سمعوا و قالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فلما أمسى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أتاه جبريل عليه السلام فقال ماذا صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن اللََّه و قلت ما لم أقل لك؟!فحزن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم حزنا شديدا و خاف من اللََّه خوفا عظيما حتى نزل قوله تعالى: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاََ نَبِيٍّ إِلاََّ إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ الآية.

هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين، أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة و احتجوا عليه بالقرآن و السنة و المعقول. أما القرآن فوجوه: أحدها: قوله تعالى: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ اَلْأَقََاوِيلِ*`لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ*`ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ اَلْوَتِينَ [الحاقة: 44-46]، و ثانيها: قوله: قُلْ مََا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقََاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ [يونس: 15]و ثالثها: قوله: وَ مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ`إِنْ هُوَ إِلاََّ وَحْيٌ يُوحى‏ََ فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية تلك الغرانيق العلى لكان قد ظهر كذب اللََّه تعالى في الحال و ذلك لا يقوله مسلم و رابعها: قوله تعالى: وَ إِنْ كََادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنََا غَيْرَهُ وَ إِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً [الإسراء: 73]و كلمة كاد عند بعضهم معناه قرب أن يكون الأمر كذلك مع أنه لم يحصل و خامسها: قوله: وَ لَوْ لاََ أَنْ ثَبَّتْنََاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً [الإسراء: 74]و كلمة لو لا تفيد انتفاء الشي‏ء لانتفاء غيره فدل على أن ذلك الركون القليل لم يحصل و سادسها: قوله: كَذََلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ [الفرقان: 32]. و سابعها: قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسى‏ََ [الأعلى: 6]. و أما السنة فهي ما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال هذا وضع من الزنادقة و صنف فيه كتابا. و قال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم، و أيضا

فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي عليه السلام قرأ سورة النجم و سجد فيها المسلمون و المشركون و الإنس و الجن‏

و ليس فيه حديث الغرانيق. و روي هذا الحديث من طرق كثيرة و ليس فيها ألبتة حديث الغرانيق. و أما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن من جوز على الرسول صلى اللََّه عليه و سلم تعظيم الأوثان فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان و ثانيها: أنه عليه السلام ما كان يمكنه في أول الأمر أن يصلى و يقرأ القرآن عند الكعبة آمنا أذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه و إنما كان يصلي إذا لم يحضروها ليلا أو في أوقات خلوة و ذلك يبطل قولهم و ثالثها: أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة دون أن يقفوا على حقيقة الأمر فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجدا مع‏

238

أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم و رابعها: قوله: فَيَنْسَخُ اَللََّهُ مََا يُلْقِي اَلشَّيْطََانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اَللََّهُ آيََاتِهِ و ذلك لأن إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تبقى الشبهة معها، فإذا أراد اللََّه إحكام الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآنا، فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلا أولى و خامسها: و هو أقوى الوجوه/أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه و جوزنا في كل واحد من الأحكام و الشرائع أن يكون كذلك و يبطل قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ [المائدة: 67]فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي و بين الزيادة فيه فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة أكثر ما في الباب أن جمعا من المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا حد التواتر، و خبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية و العقلية المتواترة، و لنشرع الآن في التفصيل فنقول التمني جاء في اللغة لأمرين: أحدهما: تمنى القلب و الثاني: القراءة قال اللََّه تعالى: وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاََ يَعْلَمُونَ اَلْكِتََابَ إِلاََّ أَمََانِيَّ [البقرة: 78]أي إلا قراءة لأن الأمي لا يعلم القرآن من المصحف و إنما يعلمه قراءة، و قال حسان:

تمنى كتاب اللََّه أول ليلة # و آخرها لاقى حمام المقادر

قيل إنما سميت القراءة أمنية لأن القارئ إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها و إذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يبتلى بها، و قال أبو مسلم التمني هو التقدير و تمنى هو تفعل من منيت و المنية وفاة الإنسان في الوقت الذي قدره اللََّه تعالى، و منى اللََّه لك أي قدر لك. و قال رواة اللغة الأمنية القراءة و احتجوا ببيت حسان، و ذلك راجع إلى الأصل الذي ذكرناه فإن التالي مقدر للحروف و يذكرها شيئا فشيئا، فالحاصل من هذا البحث أن الأمنية، إما القراءة، و إما الخاطر، أما إذا فسرناها بالقراءة ففيه قولان: الأول: أنه تعالى أراد بذلك ما يجوز أن يسهو الرسول صلى اللََّه عليه و سلم فيه و يشتبه على القارئ دون ما رووه من قوله تلك الغرانيق العلى الثاني: المراد منه وقوع هذه الكلمة في قراءته ثم اختلف القائلون بهذا على وجوه: الأول: أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم لم يتكلم بقوله تلك الغرانيق العلى و لا الشيطان تكلم به و لا أحد تكلم به لكنه عليه السلام لما قرأ سورة النجم اشتبه الأمر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه ما رووه من قولهم تلك الغرانيق العلى و ذلك على حسب ما جرت العادة به من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال و هذا الوجه ذهب إليه جماعة و هو ضعيف لوجوه: أحدها: أن التوهم في مثل ذلك إنما يصح فيما قد جرت العادة بسماعه فأما غير المسموع فلا يقع ذلك فيه و ثانيها: أنه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم لبعض السامعين دون البعض فإن العادة مانعة من اتفاق الجم العظيم في الساعة الواحدة على خيال واحد فاسد في المحسوسات و ثالثها: لو كان كذلك لم يكن مضافا إلى الشيطان الوجه الثاني: قالوا إن ذلك الكلام كلام شيطان الجن و ذلك بأن تلفظ بكلام من تلقاء نفسه أوقعه في درج تلك التلاوة في بعض وقفاته ليظن أنه من جنس الكلام المسموع من الرسول صلى اللََّه عليه و سلم قالوا و الذي يؤكده أنه لا خلاف في أن الجن و الشياطين متكلمون فلا يمتنع أن يأتي الشيطان بصوت مثل صوت الرسول عليه السلام فيتكلم بهذه الكلمات في أثناء كلام الرسول عليه السلام و عند سكوته فإذا سمع الحاضرون تلك الكلمة بصوت مثل صوت الرسول و ما رأوا شخصا آخر ظن الحاضرون أنه كلام/الرسول، ثم هذا لا يكون قادحا في النبوة لما لم يكن فعلا له، و هذا أيضا ضعيف فإنك إذا جوزت أن يتكلم في أثناء الشيطان كلام الرسول صلى اللََّه عليه و سلم بما يشتبه على كل السامعين كونه كلاما للرسول بقي هذا الاحتمال في كل ما يتكلم به الرسول فيفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع فإن قيل هذا الاحتمال قائم في

239

الكل و لكنه لو وقع لوجب في حكمة اللََّه تعالى أن يشرح الحال فيه كما في هذه الواقعة إزالة للتلبيس، قلنا لا يجب على اللََّه إزالة الاحتمالات كما في المتشابهات و إذا لم يجب على اللََّه ذلك تمكن الاحتمال من الكل الوجه الثالث: أن يقال المتكلم بذلك بعض شياطين الإنس و هم الكفرة فإنه عليه السلام لما انتهى في قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع و ذكر أسماء آلهتهم و قد علموا من عادته أنه يعيبها فقال بعض من حضر تلك الغرانيق العلى فاشتبه الأمر على القوم لكثرة لغط القوم و كثرة صياحهم و طلبهم تغليطه و إخفاء قراءته، و لعل ذلك كان في صلاته لأنهم كانوا يقربون منه في حال صلاته و يسمعون قراءته و يلغون فيها، و قيل إنه عليه السلام كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات فألقى بعض الحاضرين ذلك الكلام في تلك الوقفات فتوهم القوم أنه من قراءة الرسول صلى اللََّه عليه و سلم ثم أضاف اللََّه تعالى ذلك إلى الشيطان لأنه بوسوسته يحصل أولا و لأنه سبحانه جعل ذلك المتكلم في نفسه شيطانا و هذا أيضا ضعيف لوجهين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان يجب على الرسول صلى اللََّه عليه و سلم إزالة الشبهة و تصريح الحق و تبكيت ذلك القائل و إظهار أن هذه الكلمة منه صدرت و ثانيهما: لو فعل ذلك لكان ذلك أولى بالنقل، فإن قيل إنما لم يفعل الرسول صلى اللََّه عليه و سلم ذلك لأنه كان قد أدى السورة بكمالها إلى الأمة من دون هذه الزيادة فلم يكن ذلك مؤديا إلى التلبيس كما يؤدي سهوه في الصلاة بعد أن وصفها إلى اللبس، قلنا إن القرآن لم يكن مستقرا على حالة واحدة في زمان حياته لأنه كان تأتيه الآيات فيلحقها بالسور فلم يكن تأدية تلك السورة بدون هذه الزيادة سببا لزوال اللبس، و أيضا فلو كان كذلك لما استحق العتاب من اللََّه تعالى على ما رواه القوم الوجه الرابع: هو أن المتكلم بهذا هو الرسول صلى اللََّه عليه و سلم ثم هذا يحتمل ثلاثة أوجه فإنه إما أن يكون قال هذه الكلمة سهوا أو قسرا أو اختيارا أما الوجه الأول: و هو أنه عليه السلام قال هذه الكلمة سهوا فكما

يروى عن قتادة و مقاتل أنهما قالا إنه عليه السلام كان يصلي عند المقام فنعس و جرى على لسانه هاتان الكلمتان فلما فرغ من السورة سجد و سجد كل من في المسجد و فرح المشركون بما سمعوه و أتاه جبريل عليه السلام فاستقرأه، فلما انتهى إلى الغرانيق قال لم آتك بهذا، فحزن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم إلى أن نزلت هذه الآية

و هذا ضعيف أيضا لوجوه: أحدها: أنه لو جاز هذا السهو لجاز في سائر المواضع و حينئذ تزول الثقة عن الشرع و ثانيها: أن الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة و طريقتها و معناها، فإنا نعلم بالضرورة أن واحدا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها و معناها و طريقتها و ثالثها: هب أنه تكلم /بذلك سهوا، فكيف لم ينبه لذلك حين قرأها على جبريل عليه السلام و ذلك ظاهر أما الوجه الثاني: و هو أنه عليه السلام تكلم بذلك قسرا و هو الذي قال قوم إن الشيطان أجبر النبي صلى اللََّه عليه و سلم على أن يتكلم بهذا فهذا أيضا فاسد لوجوه: أحدها: أن الشيطان لو قدر على ذلك في حق النبي عليه السلام لكان اقتداره علينا أكثر فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين و لجاز في أكثر ما يتكلم به الواحد منا أن يكون ذلك بإجبار الشياطين و ثانيها: أن الشيطان لو قدر على هذا الإجبار لارتفع الأمان عن الوحي لقيام هذا الاحتمال و ثالثها: أنه باطل بدلالة قوله تعالى حاكيا عن الشيطان‏ وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلاََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاََ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم: 22]و قال تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطََانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ*`إِنَّمََا سُلْطََانُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ [النحل: 99، 100]و قال: إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ* [الحجر: 40]و لا شك أنه عليه السلام كان سيد المخلصين أما الوجه الثالث: و هو أنه عليه السلام تكلم بذلك اختيارا فههنا وجهان:

أحدهما: أن نقول إن هذه الكلمة باطلة و الثاني: أن نقول إنها ليست كلمة باطلة أما على الوجه الأول فذكروا فيه‏

240

طريقين: الأول:

قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما في رواية عطاء إن شيطانا يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل عليه السلام و ألقى عليه هذه الكلمة فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل عليه السلام فاستعرضه فقرأها فلما بلغ إلى تلك الكلمة قال جبريل عليه السلام أنا ما جئتك بهذه قال رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم إنه أتاني آت على صورتك فألقاها على لساني‏

الطريق الثاني: قال بعض الجهال إنه عليه السلام لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من عند نفسه ثم رجع عنها، و هذان القولان لا يرغب فيهما مسلم ألبتة لأن الأول يقتضي أنه عليه السلام ما كان يميز بين الملك المعصوم و الشيطان الخبيث و الثاني يقتضي أنه كان خائنا في الوحي و كل واحد منهما خروج عن الدين أما الوجه الثاني: و هو أن هذه الكلمة ليست باطلة فههنا أيضا طرق الأول: أن يقال الغرانيق هم الملائكة و قد كان ذلك قرآنا منزلا في وصف الملائكة. فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ اللََّه تلاوته الثاني: أن يقال المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار، فكأنه قال: أ شفاعتهن ترتجى؟الثالث: أن يقال إنه ذكر الإثبات و أراد النفي كقوله تعالى: يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: 176] أي لا تضلوا كما قد يذكر النفي و يريد به الإثبات كقوله تعالى: قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاََّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [الأنعام: 151]و المعنى أن تشركوا، و هذان الوجهان الأخيران يعترض عليهما بأنه لو جاز ذلك بناء على هذا التأويل فلم لا يجوز أن يظهروا كلمة الكفر في جملة القرآن أو في الصلاة بناء على هذا التأويل، و لكن الأصل في الدين أن لا يجوز عليهم شي‏ء من ذلك لأن اللََّه تعالى قد نصبهم حجة و اصطفاهم للرسالة فلا يجوز عليهم ما يطعن في ذلك أو ينفر، و مثل ذلك في التنفير أعظم من الأمور التي حثه اللََّه تعالى على تركها كنحو لفظاظة و الكتابة و قول الشعر فهذه الوجوه المذكورة/في قوله تلك الغرانيق العلا قد ظهر على القطع كذبها، لهذا كله إذا فسرنا التمني بالتلاوة. و أما إذا فسرناها بالخاطر و تمنى القلب فالمعنى أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم متى تمنى بعض ما يتمناه من الأمور يوسوس الشيطان إليه بالباطل و يدعوه إلى ما لا ينبغي ثم إن اللََّه تعالى ينسخ ذلك و يبطله و يهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته، ثم اختلفوا في كيفية تلك الوسوسة على وجوه: أحدها: أنه يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالثناء قالوا إنه عليه السلام كان يحب أن يتألفهم و كان يردد ذلك في نفسه فعند ما لحقه النعاس زاد تلك الزيادة من حيث كانت في نفسه و هذا أيضا خروج عن الدين و بيانه ما تقدم و ثانيها: ما قال مجاهد من أنه عليه السلام كان يتمنى إنزال الوحي عليه على سرعة دون تأخير فنسخ اللََّه ذلك بأن عرفه بأن إنزال ذلك بحسب المصالح في الحوادث و النوازل و غيرها و ثالثها: يحتمل أنه عليه السلام عند نزول الوحي كان يتفكر في تأويله إن كان مجملا فيلقى الشيطان في جملته ما لم يرده، فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالإبطال و يحكم ما أراده اللََّه تعالى بأدلته و آياته و رابعها: معنى الآية (إذا تمنى) إذا أراد فعلا مقربا إلى اللََّه تعالى ألقى الشيطان في فكره ما يخالفه فيرجع إلى اللََّه تعالى في ذلك و هو كقوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذََا مَسَّهُمْ طََائِفٌ مِنَ اَلشَّيْطََانِ تَذَكَّرُوا فَإِذََا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: 201]و كقوله: وَ إِمََّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ اَلشَّيْطََانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ* [الأعراف: 200]و من الناس من قال لا يجوز حمل الأمنية على تمني القلب لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر ببال رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فتنة للكفار و ذلك يبطله قوله تعالى: لِيَجْعَلَ مََا يُلْقِي اَلشَّيْطََانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ اَلْقََاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ، و الجواب: لا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة للكفار فهذا آخر القول في هذه المسألة.

241

المسألة الثالثة: يرجع حاصل البحث إلى أن الغرض من هذه الآية بيان أن الرسل الذين أرسلهم اللََّه تعالى و إن عصمهم عن الخطأ مع العلم فلم يعصمهم من جواز السهو و وسوسة الشيطان بل حالهم في جواز ذلك كحال سائر البشر فالواجب أن لا يتبعوا إلا فيما يفعلونه عن علم فذلك هو المحكم، و قال أبو مسلم معنى الآية أنه لم يرسل نبيا إلا إذا تمنى كأنه قيل: و ما أرسلنا إلى البشر ملكا و ما أرسلنا إليهم نبيا إلا منهم، و ما أرسلنا نبيا خلا عند تلاوته الوحي من وسوسة الشيطان و أن يلقي في خاطره و ما يضاد الوحي و يشغله عن حفظه فيثبت اللََّه النبي على الوحي و على حفظه و يعلمه صواب ذلك و بطلان ما يكون من الشيطان، قال و فيما تقدم من قوله:

قُلْ يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنَّمََا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ تقوية لهذا التأويل فكأنه تعالى أمره أن يقول للكافرين أنا نذير لكم لكني من البشر لا من الملائكة، و لم يرسل اللََّه تعالى مثلي ملكا بل أرسل رجالا فقد وسوس الشيطان إليهم، فإن قيل هذا إنما يصح لو كان السهو لا يجوز على الملائكة، قلنا إذا كانت الملائكة أعظم درجة من الأنبياء لم يلزم من استيلائهم بالوسوسة على الأنبياء استيلاؤهم بالوسوسة على الملائكة، و اعلم أنه سبحانه لما شرح حال هذه الوسوسة أردف ذلك ببحثين:

البحث الأول: كيفية إزالتها و ذلك هو قوله تعالى: فَيَنْسَخُ اَللََّهُ مََا يُلْقِي اَلشَّيْطََانُ فالمراد إزالته و إزالة تأثيره فهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام. أما قوله: ثُمَّ يُحْكِمُ اَللََّهُ آيََاتِهِ فإذا حمل التمني على القراءة فالمراد به آيات القرآن و إلا فيحمل على أحكام الأدلة التي لا يجوز فيها الغلط.

البحث الثاني: أنه تعالى بين أثر تلك الوسوسة، ثم إنه سبحانه شرح أثرها في حق الكفار أولا ثم في حق المؤمنين ثانيا، أما في حق الكفار فهو قوله: لِيَجْعَلَ مََا يُلْقِي اَلشَّيْطََانُ فِتْنَةً و المراد به تشديد التبعيد لأن عند ما يظهر من الرسول صلى اللََّه عليه و سلم الاشتباه في القرآن سهوا يلزمهم البحث عن ذلك ليميزوا السهو من العمد و ليعلموا أن العمد صواب و السهو قد لا يكون صوابا.

أما قوله: لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ اَلْقََاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ففيه سؤالان:

السؤال الأول: لم قال: فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ و لم خصهم بذلك الجواب: لأنهم مع كفرهم يحتاجون إلى ذلك التدبر، و أما المؤمنون فقد تقدم علمهم بذلك فلا يحتاجون إلى التدبر.

السؤال الثاني: ما مرض القلب الجواب: أنه الشك و الشبهة و هم المنافقون كما قال: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ و أما القاسية قلوبهم فهم المشركون المصرون على جهلهم ظاهرا و باطنا.

أما قوله تعالى: وَ إِنَّ اَلظََّالِمِينَ لَفِي شِقََاقٍ بَعِيدٍ يريد أن هؤلاء المنافقين و المشركين فأصله و إنهم، فوضع الظاهر موضع المضمر قضاء عليهم بالظلم و الشقاق و المشاقة و المعاداة و المباعدة سواء، }و أما في حق المؤمنين فهو قوله: وَ لِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ و في الكناية ثلاثة أوجه: أحدها: أنها عائدة إلى نسخ ما ألقاه الشيطان، عن الكلبي. و ثانيها: أنه الحق أي القرآن عن مقاتل و ثالثها: أن تمكن الشيطان من ذلك الإلقاء هو الحق، أما على قولنا فلأنه سبحانه و تعالى أي شي‏ء فعل فقد تصرف في ملكه و ملكه بضم الميم و كسرها فكان حقا، و أما على قول المعتزلة فلأنه سبحانه حكيم فتكون كل أفعاله صوابا فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم أي تخضع و تسكن لعلمهم بأن المقضي كائن، و كل ميسر لما خلق له، وَ إِنَّ اَللََّهَ لَهََادِ اَلَّذِينَ آمَنُوا إلى‏

242

أن يتأولوا ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة و يطلبوا ما أشكل منه من المجمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة و لا تعتريهم شبهة و قرئ (لهاد الذين آمنوا) بالتنوين، }و لما بين سبحانه حال الكافرين أولا ثم حال المؤمنين ثانيا عاد إلى شرح حال الكافرين مرة أخرى فقال: وَ لاََ يَزََالُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أي من القرآن أو من الرسول، و ذلك يدل على أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن هذا وصفه.

أما قوله تعالى: حَتََّى تَأْتِيَهُمُ اَلسََّاعَةُ بَغْتَةً أي فجأة من دون أن يشعروا ثم جعل الساعة غاية لكفرهم، و أنهم يؤمنون عند أشراط الساعة على وجه الإلجاء. و اختلف في المراد باليوم العقيم/و فيه قولان: أحدهما:

أنه يوم بدر و إنما وصف يوم الحرب بالعقيم لوجوه أربعة: أحدها: أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن و ثانيها: أن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم على سبيل المجاز و ثالثها: هو الذي لا خير فيه يقال ريح عقيم إذا لم تنشئ مطرا و لم تلقح شجرا و رابعها: أنه لا مثل له في عظم أمره، و ذلك لقتال الملائكة فيه القول الثاني: أنه يوم القيامة، و إنما وصف بالعقيم لوجوه: أحدها: أنهم لا يرون فيه خيرا و ثانيها: أنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على تعطل الولادة و ثالثها: أن كل ذات حمل تضع حملها في ذلك اليوم فكيف يحصل الحمل فيه، و هذا القول أولى لأنه لا يجوز أن يقول اللََّه تعالى وَ لاََ يَزََالُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و يكون المراد يوم بدر، لأن من المعلوم أنهم في مرية بعد يوم بدر، فإن قيل لما ذكر الساعة. فلو حملتم اليوم العقيم على يوم القيامة لزم التكرار؛ قلنا ليس كذلك لأن الساعة من مقدمات القيامة و اليوم العقيم هو نفس ذلك اليوم، و على أن الأمر لو كان كما قاله لم يكن تكرارا لأن في الأول ذكر الساعة، و في الثاني ذكر عذاب ذلك اليوم، و يحتمل أن يكون المراد بالساعة وقت موت كل أحد و بعذاب يوم عقيم القيامة.

أما قوله: اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلََّهِ فمن أقوى ما يدل على أن اليوم العقيم هو ذلك اليوم و أراد بذلك أنه لا مالك في ذلك اليوم سواه فهو بخلاف أيام الدنيا التي ملك اللََّه الأمور غيره، و بين أنه الحاكم بينهم لا حاكم سواه و ذلك زجر عن معصيته ثم بين كيف يحكم بينهم، و أنه يصير المؤمنين إلى جنات النعيم، }و الكافرين في العذاب المهين، و قد تقدم وصف الجنة و النار فإن قيل التنوين في (يومئذ) عن أي جملة ينوب؟قلنا تقديره: الملك يوم يؤمنون أو يوم تزول مريتهم لقوله تعالى: وَ لاََ يَزََالُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتََّى تَأْتِيَهُمُ اَلسََّاعَةُ .

243

في قوله تعالى وَ اَلَّذِينَ هََاجَرُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مََاتُوا اعلم أنه تعالى لما ذكر أن الملك له يوم القيامة و أنه يحكم بينهم و يدخل المؤمنين الجنات أتبعه بذكر وعده الكريم للمهاجرين، و أفردهم بالذكر تفخيما لشأنهم فقال عز من قائل وَ اَلَّذِينَ هََاجَرُوا و اختلفوا فيمن أريد بذلك، فقال بعضهم من هاجر إلى المدينة طالبا لنصرة الرسول صلى اللََّه عليه و سلم و تقربا إلى اللََّه تعالى، و قال آخرون بل المراد من جاهد فخرج مع الرسول صلى اللََّه عليه و سلم أو في سراياه لنصرة الدين و لذلك ذكر القتل بعده، و منهم من حمله على الأمرين. و اختلفوا من وجه آخر فقال قوم المراد قوم مخصوصون، روى مجاهد أنها نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون فقاتلوهم، و ظاهر الكلام للعموم. ثم إنه سبحانه و تعالى وصفهم برزقهم و مسكنهم، أما الرزق فقوله تعالى: لَيَرْزُقَنَّهُمُ اَللََّهُ رِزْقاً حَسَناً وَ إِنَّ اَللََّهَ لَهُوَ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لا شبهة في أن الرزق الحسن هو نعيم الجنة، و قال الأصم إنه العلم و الفهم كقول شعيب عليه السلام‏ وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً [هود: 88]فهذا في الدنيا و في الآخرة الجنة، و قال الكلبي رزقا حسنا حلالا و هو الغنيمة و هذان الوجهان ضعيفان، لأنه تعالى جعله جزاء على هجرتهم في سبيل اللََّه بعد القتل و الموت و بعدهما لا يكون إلا نعيم الجنة.

المسألة الثانية: لا بد من شرط اجتناب الكبائر في كل وعد في القرآن لأن هذا المهاجر لو ارتكب كبيرة لكان حكمه في المشيئة على قولنا، و لخرج عن أن يكون أهلا للجنة قطعا على قول المعتزلة. فإن قيل فما فضله على سائر المؤمنين في الوعد إن كان كما قلتم؟قلنا فضلهم يظهر لأن ثوابهم أعظم و قد قال تعالى: لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قََاتَلَ [الحديد: 10]فمعلوم أن من هاجر مع الرسول صلى اللََّه عليه و سلم و فارق دياره و أهله لتقويته و نصرة دينه مع شدة قوة الكفار و ظهور صولتهم صار فعله كالسبب لقوة الدين، و على هذا الوجه عظم محل الأنصار حتى صار ذكرهم و الثناء عليهم تاليا لذكر المهاجرين لما آووه و نصروه.

المسألة الثالثة: اختلفوا في معنى قوله: وَ إِنَّ اَللََّهَ لَهُوَ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ مع العلم بأن كل الرزق من عنده على وجوه: أحدها: التفاوت إنما كان بسبب أنه سبحانه مختص بأن يرزق ما لا يقدر عليه غيره و ثانيها: أن يكون المراد أنه الأصل في الرزق، و غيره إنما يرزق بما تقدم من الرزق من جهة اللََّه تعالى و ثالثها: أن غيره ينقل الرزق من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل/نفس الرزق و رابعها: أن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه به، إما لأجل أن يخرج عن الواجب، و إما لأجل أن يستحق به حمدا أو ثناء، و إما لأجل دفع الرقة الجنسية، فكان الواحد منا إذا رزق فقد طلب العوض، أما الحق سبحانه فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من شي‏ء كمالا زائدا فكان الرزق الصادر منه لمحض الإحسان و خامسها: أن غيره إنما يرزق لو حصل في قلبه إرادة ذلك الفعل، و تلك الإرادة من اللََّه، فالرازق في الحقيقة هو اللََّه تعالى و سادسها: أن المرزوق يكون تحت منة الرازق و منة اللََّه تعالى أسهل تحملا من منة الغير، فكان هو خير الرازقين و سابعها: أن الغير إذا رزق فلو لا أن اللََّه تعالى أعطى ذلك الإنسان أنواع الحواس و أعطاه السلامة و الصحة و القدرة على الانتفاع بذلك الرزق لما أمكنه الانتفاع به، و رزق الغير لا بد و أن يكون مسبوقا برزق اللََّه و ملحوقا به حتى يحصل الانتفاع. و أما رزق اللََّه تعالى فإنه لا حاجة به إلى رزق غيره، فثبت أنه سبحانه خير الرازقين.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة الآية تدل على أمور ثلاثة: أحدها: أن اللََّه تعالى قادر و ثانيها: أن غير اللََّه يصح منه أن يرزق و يملك، و لو لا كونه قادرا فاعلا لما صح ذلك و ثالثها: أن الرزق لا يكون إلا حلالا لأن قوله‏

244

خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ دلالة على كونهم ممدوحين و الجواب: لا نزاع في كون العبد قادرا، فإن عندنا القدرة مع الداعي مؤثرة في الفعل بمعنى الاستلزام. و أما الثالث فبحث لفظي و قد سبق الكلام فيه.

المسألة الخامسة: لما قال تعالى: ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مََاتُوا فسوى بينهما في الوعد، ظن قوم أن حال المقتول في الجهاد و الميت على فراشه سواء، و هذا إن أخذوه من الظاهر فلا دلالة فيه، لأن الجمع بينهما في الوعد لا يدل على تفضيل و لا تسوية، كما أن الجمع بين المؤمنين لا يدل على ذلك. و إن أخذوه من دليل آخر فهو حق، فإنه‏

روى أنس أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم قال: «المقتول في سبيل اللََّه تعالى، و المتوفى في سبيل اللََّه بغير قتل، هما في الخير و الأجر شريكان»

و لفظ الشركة مشعر بالتسوية، و إلا فلا يبقى لتخصيصهما بالذكر فائدة. و

روى أيضا: أن طوائف من أصحاب النبي صلى اللََّه عليه و سلم قالوا يا رسول اللََّه هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم اللََّه من الخير، و نحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك. فأنزل اللََّه تعالى هاتين الآيتين‏

و هذا يدل على التسوية لأنهم لما طلبوا مقدار الأجر، فلو لا التسوية لم يكن الجواب مفيدا. أما المسكن فقوله تعالى: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَ إِنَّ اَللََّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرئ مدخلا بضم الميم و هو من الإدخال، و من قرأ بالفتح فالمراد الموضع.

المسألة الثانية: قيل في المدخل الذي يرضونه إنه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها و لا وصم لها سبعون ألف مصراع، و قال أبو القاسم القشيري هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم، و قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: إنما قال يرضونه، لأنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت/و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر فيرضونه و لا يبغون عنها حولا، و نظيره قوله تعالى: وَ مَسََاكِنُ تَرْضَوْنَهََا [التوبة: 24]و قوله: فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ* [الحاقة: 21]و قوله: اِرْجِعِي إِلى‏ََ رَبِّكِ رََاضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر: 28]و قوله: وَ مَسََاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنََّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوََانٌ مِنَ اَللََّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72].

المسألة الثالثة: إن قيل ما معنى وَ إِنَّ اَللََّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ و ما تعلقه بما تقدم؟قلنا يحتمل أنه عليم بما يستحقونه فيفعله بهم و يزيدهم، و يحتمل أن يكون المراد أنه عليم بما يرضونه فيعطيهم ذلك في الجنة، و أما الحليم فالمراد أنه لحلمه لا يعجل بالعقوبة فيمن يقدم على المعصية، بل يمهل ليقع منه التوبة فيستحق منه الجنة.

أما قوله: ذََلِكَ وَ مَنْ عََاقَبَ بِمِثْلِ مََا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اَللََّهُ إِنَّ اَللََّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: ذََلِكَ قد مضى الكلام فيه في هذه الآية في هذه السورة. و قال الزجاج أي الأمر ما قصصنا عليك من إنجاز الوعد للمهاجرين الذين قتلوا أو ماتوا.

المسألة الثانية: قوله: ذََلِكَ وَ مَنْ عََاقَبَ بِمِثْلِ مََا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ معناه: قاتل من كان يقاتله، ثم كان المقاتل مبغيا عليه بأن اضطر إلى الهجرة و مفارقة الوطن و ابتدئ بالقتال، قال مقاتل: نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فقال بعضهم لبعض: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر، فأبوا و قاتلوهم. فذلك بغيهم عليهم، و ثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم. فوقع في أنفس المسلمين من القتال في‏

245

الشهر الحرام ما وقع، فأنزل اللََّه تعالى هذه الآية: و عفا عنهم و غفر لهم و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: أي تعلق لهذه الآية بما قبلها؟ الجواب: كأنه سبحانه و تعالى قال مع إكرامي لهم في الآخرة بهذا الوعد لا أدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم.

السؤال الثاني: هل يرجع ذلك إلى المهاجرين خاصة أو إليهم و إلى المؤمنين؟ الجواب: الأقرب أنه يعود إلى الفريقين فإنه تقدم ذكرهما، و بين ذلك قوله تعالى: لَيَنْصُرَنَّهُ اَللََّهُ و بعد القتل و الموت لا يمكن ذلك في الدنيا.

السؤال الثالث: ما المراد بالعقوبة المذكورة؟ الجواب: فيه وجهان: أحدهما: المراد ما فعله مشركو مكة مع المهاجرين بمكة من طلب آثارهم، ورد بعضهم إلى غير ذلك، فبين تعالى أن من عاقب هؤلاء الكفار بمثل ما فعلوا فسينصره عليهم، و هذه النصرة المذكورة تقوي تأويل من تأوله على مجاهدة الكفار لا على القصاص، لأن ظاهر النص لا يليق إلا بذلك و الجواب الثاني: أن هذه الآية في القصاص و الجراحات، و هي آية مدنية عن الضحاك.

السؤال الرابع: لم سمى ابتداء فعلهم بالعقوبة؟ الجواب: أطلق اسم العقوبة على الأول/للتعلق الذي بينه و بين الثاني كقوله تعالى: وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا [الشورى: 40]و يُخََادِعُونَ اَللََّهَ وَ هُوَ خََادِعُهُمْ [النساء: 142].

السؤال الخامس: أي تعلق لقوله: وَ إِنَّ اَللََّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ بما تقدم؟ الجواب: فيه وجوه: أحدها: أن اللََّه تعالى ندب المعاقب إلى العفو عن الجاني بقوله: فَمَنْ عَفََا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اَللََّهِ [الشورى: 40] وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ََ [البقرة: 237]، وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذََلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ [الشورى: 43]فلما لم يأت بهذا المندوب فهو نوع إساءة، فكأنه سبحانه قال: إني قد عفوت عن هذه الإساءة و غفرتها، فإني أنا الذي أذنت لك فيه و ثانيها: أنه سبحانه و إن ضمن له النصر على الباغي، لكنه عرض مع ذلك بما كان أولى به من العفو و المغفرة فلوح بذكر هاتين الصفتين و ثالثها: أنه سبحانه دل بذكر العفو و المغفرة على أنه قادر على العقوبة، لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده.

السؤال السادس: أي تعلق لقوله: ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهََارِ وَ يُولِجُ اَلنَّهََارَ فِي اَللَّيْلِ بما قبله؟ و الجواب: من وجهين: أحدهما: ذلك أي ذلك النصر بسبب أنه قادر و من آيات قدرته البالغة كونه خالقا لليل و النهار و متصرفا فيهما، فوجب أن يكون قادرا عالما بما يجري فيهما، و إذا كان كذلك كان قادرا على النصر مصيبا فيه و ثانيها: المراد أنه سبحانه مع ذلك النصر ينعم في الدنيا بما يفعله من تعاقب الليل و النهار و ولوج أحدهما في الآخر.

السؤال السابع: ما معنى إيلاج الليل في النهار و إيلاج النهار في الليل الجواب: فيه وجهان:

أحدهما: يحصل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك بغيبوبة الشمس، و ضياء ذلك في مكان ظلمة هذا بطلوعها، كما يضي‏ء البيت بالسراج و يظلم بفقده و ثانيهما: أنه سبحانه يزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات.

السؤال الثامن: أي تعلق لقوله: وَ أَنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ بما تقدم؟ الجواب: المراد أنه كما يقدر على ما

246

لا يقدر عليه غيره، فكذلك يدرك المسموع و المبصر، و لا يجوز المنع عليه، و يكون ذلك كالتحذير من الإقدام على ما لا يجوز في المسموع و المبصر.

السؤال التاسع: ما معنى قوله: ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْحَقُّ و أي تعلق له بما تقدم؟ الجواب: فيه وجهان:

أحدهما: المراد أن ذلك الوصف الذي تقدم ذكره من القدرة على هذه الأمور إنما حصل لأجل أن اللََّه هو الحق أي هو الموجود الواجب لذاته الذي يمتنع عليه التغير و الزوال فلا جرم أتى بالوعد و الوعيد ثانيهما: أن ما يفعل من عبادته هو الحق و ما يفعل من عبادة غيره فهو الباطل كما قال: لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي اَلدُّنْيََا وَ لاََ فِي اَلْآخِرَةِ [غافر: 43].

السؤال العاشر: أي تعلق لقوله: وَ أَنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْكَبِيرُ بما تقدم؟ و الجواب: معنى العلي القاهر المقتدر الذي لا يغلب فنبه بذلك على أنه القادر على الضر و النفع دون سائر من يعبد مرغبا بذلك في عبادته زاجرا عن عبادة غيره، فأما الكبير فهو العظيم في قدرته و سلطانه، و ذلك أيضا يفيد كمال القدرة.

المسألة الثالثة: قوله: لَيَنْصُرَنَّهُ اَللََّهُ إخبار عن الغيب فإنه وجد مخبره كما أخبر فكان من المعجزات.

المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمه اللََّه: من حرق حرقناه، و من غرق غرقناه. و قال أبو حنيفة رحمه اللََّه:

بل يقتل بالسيف. و احتج الشافعي رحمه اللََّه بهذه الآية، فإن اللََّه تعالى جوز للمظلوم أن يعاقب بمثل ما عوقب به و وعده النصر عليه.

المسألة الخامسة: قرأ نافع و ابن عامر تدعون بالتاء هاهنا و في لقمان و في المؤمنين و في العنكبوت.

و قرأ ابن كثير و أبو عمرو كلها بالياء على الخبر، و العرب قد تنصرف من الخطاب إلى الإخبار و من الإخبار إلى الخطاب.

اعلم أنه تعالى لما دل على قدرته من قبل بما ذكره من ولوج الليل في النهار و نبه به على نعمه، أتبعه بأنواع أخر من الدلائل على قدرته و نعمته و هي ستة.

أولها: قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَتُصْبِحُ اَلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اَللََّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في قوله: أَ لَمْ تَرَ وجوها ثلاثة: أحدها: أن المراد هو الرؤية الحقيقية، قالوا لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين و اخضرار النبات على الأرض مرئي، و إذا أمكن حمل الكلام على

247

حقيقته فهو أولى و ثانيها: أن المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام/و ثالثها: المراد ألم تعلم و القول الأول ضعيف لأن الماء و إن كان مرئيا إلا أن كون اللََّه منزلا له من السماء غير مرئي إذا ثبت هذا وجب حمله على العلم، لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل.

المسألة الثانية: قرئ مُخْضَرَّةً كمبقلة و مسبعة أي ذات خضرة، و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: لم قال: فَتُصْبِحُ اَلْأَرْضُ و لم يقل فأصبحت؟ الجواب: لنكتة فيه و هي إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان، كما تقول أنعم على فلان عام كذا فأروح و أغد شاكرا له، و لو قلت فرحت و غدوت لم يقع ذلك الموقع.

السؤال الثاني: لم رفع و لم ينصب جوابا للاستفهام؟ و الجواب: لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر. و إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك لتفريطه، و إن رفعته فأنت مثبت للشكر.

السؤال الثالث: لم أورد تعالى ذلك دلالة على قدرته على الإعادة، كما قال أبو مسلم. الجواب: يحتمل ذلك و يحتمل أنه نبه به على عظيم قدرته و واسع نعمه.

السؤال الرابع: ما تعلق قوله: إِنَّ اَللََّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ بما تقدم؟ الجواب: من وجوه أحدها: أراد أنه رحيم بعباده و لرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة و السماء إذا أمطرت كان ذلك سببا لعيش الحيوانات على اختلافها أجمع. و معنى خَبِيرٌ أنه عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من دون زيادة و نقصان و ثانيها: قال ابن عباس لَطِيفٌ بأرزاق عباده خَبِيرٌ بما في قلوبهم من القنوط و ثالثها: قال الكلبي لَطِيفٌ في أفعاله خَبِيرٌ بأعمال خلقه و رابعها: قال مقاتل: لَطِيفٌ باستخراج النبت خَبِيرٌ بكيفية خلقه.

الدلالة الثانية: قوله تعالى: لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ إِنَّ اَللََّهَ لَهُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ و المعنى أن كل ذلك منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه و هو غني عن الأشياء كلها و عن حمد الحامدين أيضا لأنه كامل لذاته، و الكامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور، و لكنه لما خلق الحيوان فلا بد في الحكمة من قطر و نبات فخلق هذه الأشياء رحمة للحيوانات و إنعاما عليهم، لا لحاجة به إلى ذلك. و إذا كان كذلك كان إنعامه خاليا عن غرض عائد إليه فكان مستحقا للحمد. فكأنه قال إنه لكونه غنيا لم يفعل ما فعله إلا للإحسان، و من كان كذلك كان مستحقا للحمد فوجب أن يكون حميدا. فلهذا قال: وَ إِنَّ اَللََّهَ لَهُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ .

الدلالة الثالثة: قوله: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ أي ذلل لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر و لا أحد من الحديد و لا أكثر هيبة من النار، و قد سخرها لكم و سخر الحيوانات أيضا حتى ينتفع بها من حيث الأكل و الركوب و الحمل عليها و الانتفاع بالنظر إليها، فلو لا أن سخر اللََّه/تعالى الإبل و البقر مع قوتهما حتى يذللهما الضعيف من الناس و يتمكن منهما لما كان ذلك نعمة.

الدلالة الرابعة: قوله تعالى: وَ اَلْفُلْكَ تَجْرِي فِي اَلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ و الأقرب أن المراد و سخر لكم الفلك لتجري في البحر، و كيفية تسخيره الفلك هو من حيث سخر الماء و الرياح لجريها، فلو لا صفتهما على ما هما

248

عليه لما جرت بل كانت تغوص أو تقف أو تعطب. فنبه تعالى على نعمه بذلك، و بأن خلق ما تعمل منه السفن، و بأن بين كيف تعمل، و إنما قال بأمره لأنه سبحانه لما كان المجري لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسعا، لأن ذلك يفيد تعظيمه بأكثر مما يفيد لو أضافه إلى فعله بناء على عادة الملوك في مثل هذه اللفظة.

الدلالة الخامسة: قوله تعالى: وَ يُمْسِكُ اَلسَّمََاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى اَلْأَرْضِ إِلاََّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اَللََّهَ بِالنََّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ و اعلم أن النعم المتقدمة لا تكمل إلا بهذه لأن السماء مسكن الملائكة فوجب أن يكون صلبا. و وجب أن يكون ثقيلا، و ما كان كذلك فلا بد من الهوى لو لا مانع يمنع منه، و هذه الحجة مبنية على ظاهر الأوهام، و قوله تعالى: أَنْ تَقَعَ قال الكوفيون: كي لا تقع، و قال البصريون كراهية أن تقع، و هذا بناء على مسألة كلامية و هي أن الإرادات و الكراهات هل تتعلق بالعدم؟فمن منع من ذلك صار إلى التأويل الأول، و المعنى أنه أمسكها لكي لا تقع فتبطل النعم التي أنعم بها.

أما قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ بِالنََّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فالمعنى أن المنعم بهذه النعم الجامعة لمنافع الدنيا و الدين قد بلغ الغاية في الإحسان و الإنعام، فهو إذن رؤوف رحيم.

الدلالة السادسة: قوله: وَ هُوَ اَلَّذِي أَحْيََاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَكَفُورٌ و المعنى أن من سخر له هذه الأمور، و أنعم عليه بها فهو الذي أحياه فنبه بالإحياء الأول على إنعام الدنيا علينا بكل ما تقدم.

و نبه بالإماتة و الإحياء الثاني على نعم الدين علينا، فإنه سبحانه و تعالى خلق الدنيا بسائر أحوالها للآخرة و إلا لم يكن للنعم على هذا الوجه معنى. يبين ذلك أنه لو لا أمر الآخرة لم يكن للزراعات و تكلفها و لا لركوب الحيوانات و ذبحها إلى غير ذلك معنى، بل كان تعالى يخلقه ابتداء من غير تكلف الزرع و السقي، و إنما أجرى اللََّه العادة بذلك ليعتبر به في باب الدين و لما فصل تعالى هذه النعم قال: إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَكَفُورٌ و هذا كما قد يعدد المرء نعمه على ولده، ثم يقول إن الولد لكفور لنعم الوالد زجرا له عن الكفران و بعثا له على الشكر، فلذلك أورد تعالى ذلك في الكفار، فبين أنهم دفعوا هذه النعم و كفروا بها و جهلوا خالقها مع وضوح أمرها و نظيره قوله تعالى: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبََادِيَ اَلشَّكُورُ [سبأ: 13]و قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما الإنسان هاهنا هو الكافر، و قال أيضا هو الأسود بن عبد الأسد و أبو جهل و العاص و أبي بن خلف، و الأولى تعميمه في كل المنكرين.

اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه و بين أنه رؤوف رحيم بعباده و إن كان منهم من يكفر و لا يشكر، أتبعه بذكر نعمه بما كلف فقال: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنََا مَنْسَكاً هُمْ نََاسِكُوهُ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: إنما حذف الواو في قوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله فلا جرم حذف العاطف.