التفسير الكبير - ج26

- الفخر الرازي‏ المزيد...
460 /
221

الجزء السادس و العشرون‏

سورة فاطر

أربعون و خمس آيات مكية بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

اَلْحَمْدُ لِلََّهِ فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ جََاعِلِ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً قد ذكرنا فيما تقدم أن الحمد يكون على النعمة في أكثر الأمر، و نعم اللّه قسمان: عاجلة و آجلة، و العاجلة وجود و بقاء، و الآجلة كذلك إيجاد مرة و إبقاء أخرى، و قوله تعالى: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ [الأنعام: 1]إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإيجاد، و استدللنا عليه بقوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى‏ََ أَجَلاً [الأنعام: 2]و قوله في الكهف: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ اَلْكِتََابَ [الكهف: 1]إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإبقاء، فإن البقاء و الصلاح بالشرع و الكتاب، و لولاه لوقعت المنازعة و المخاصمة بين الناس و لا يفصل بينهم، فكان يفضي ذلك إلى التقاتل و التفاني، فإنزال الكتاب نعمة يتعلق بها البقاء العاجل، و في قوله في سورة سبأ: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ لَهُ اَلْحَمْدُ فِي اَلْآخِرَةِ [سبأ: 1] إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بالحشر، و استدللنا عليه بقوله: يَعْلَمُ مََا يَلِجُ فِي اَلْأَرْضِ من الأجسام‏ وَ مََا يَخْرُجُ مِنْهََا وَ مََا يَنْزِلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ من الأرواح‏ وَ مََا يَعْرُجُ فِيهََا [سبأ: 2]و قوله عن الكافرين: وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاََ تَأْتِينَا اَلسََّاعَةُ، قُلْ بَلى‏ََ وَ رَبِّي [سبأ: 3]و هاهنا الحمد إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة، و يدل عليه قوله تعالى: جََاعِلِ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً أي يجعلهم رسلا يتلقون عباد اللّه، كما قال تعالى: وَ تَتَلَقََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ [الأنبياء: 103]و على هذا فقوله تعالى فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ يحتمل وجهين الأول: معناه مبدعها كما نقل عن ابن عباس و الثاني: فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أي شاقهما لنزول الأرواح من السماء و خروج الأجساد من الأرض و يدل عليه قوله تعالى: جََاعِلِ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً فإن في ذلك اليوم تكون الملائكة رسلا، و على هذا فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى، لأن قوله كما فعل بأشياعهم بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب و تيقنه بأن لا قبول لتوبته و لا فائدة لقوله آمنت. كما قال تعالى عنهم: وَ قََالُوا آمَنََّا بِهِ وَ أَنََّى لَهُمُ اَلتَّنََاوُشُ [سبأ: 52]فلما ذكر حالهم بين حال الموقن و بشره بإرساله الملائكة إليهم/مبشرين، و بين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.

و قوله تعالى: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ أقل ما يكون لذي الجناح أن يكون له جناحان و ما

222

بعدهما زيادة، و قال قوم فيه إن الجناح إشارة إلى الجهة، و بيانه هو أن اللّه تعالى ليس فوقه شي‏ء، و كل شي‏ء فهو تحت قدرته و نعمته، و الملائكة لهم وجه إلى اللّه يأخذون منه نعمه و يعطون من دونهم مما يأخذوه بإذن اللّه، كما قال تعالى: نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ*`عَلى‏ََ قَلْبِكَ [الشعراء: 193، 194]و قوله: عَلَّمَهُ شَدِيدُ اَلْقُوى‏ََ [النجم: 5] و قال تعالى في حقهم: فَالْمُدَبِّرََاتِ أَمْراً [النازعات: 5]فهما جناحان، و فيهم من يفعل ما يفعل من الخير بواسطة، و فيهم من يفعله لا بواسطة، فالفاعل بواسطة فيه ثلاث جهات، و منهم من له أربع جهات و أكثر، و الظاهر ما ذكرناه أولا و هو الذي عليه إطباق المفسرين.

و قوله تعالى: يَزِيدُ فِي اَلْخَلْقِ مََا يَشََاءُ من المفسرين من خصصه و قال المراد الوجه الحسن، و منهم من قال الصوت الحسن، و منهم من قال كل وصف محمود، و الأولى أن يعمم، و يقال اللّه تعالى قادر كامل يفعل ما يشاء فيزيد ما يشاء و ينقص ما يشاء.

و قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ يقرر قوله: يَزِيدُ فِي اَلْخَلْقِ مََا يَشََاءُ

ثم قال تعالى: مََا يَفْتَحِ اَللََّهُ لِلنََّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاََ مُمْسِكَ لَهََا وَ مََا يُمْسِكْ فَلاََ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ .

لما بين كمال القدرة ذكر بيان نفوذ المشيئة و نفاذ الأمر، و قال مََا يَفْتَحِ اَللََّهُ لِلنََّاسِ يعني إن رحم فلا مانع له، و إن لم يرحم فلا باعث له عليها، و في الآية دليل على سبق رحمته غضبه من وجوه: أحدها التقديم حيث قدم بيان فتح أبواب الرحمة في الذكر، و هو و إن كان ضعيفا لكنه وجه من وجوه الفضل و ثانيها: هو أن أنث الكناية في الأول فقال: مََا يَفْتَحِ اَللََّهُ لِلنََّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاََ مُمْسِكَ لَهََا و جاز من حيث العربية أن يقال له و يكون عائدا إلى ما، و لكن قال تعالى: لَهََا ليعلم أن المفتوح أبواب الرحمة و لا ممسك لرحمته فهي وصلة إلى من رحمته، و قال عند الإمساك وَ مََا يُمْسِكْ فَلاََ مُرْسِلَ لَهُ بالتذكير و لم يقل لها فما صرح بأنه لا مرسل للرحمة، بل ذكره بلفظ يحتمل أن يكون الذي لا يرسل هو غير الرحمة فإن قوله تعالى: وَ مََا يُمْسِكْ عام من غير بيان و تخصيص بخلاف قوله تعالى: مََا يَفْتَحِ اَللََّهُ لِلنََّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فإنه مخصص مبين و ثالثها: قوله:

مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد اللّه، فاستثنى هاهنا و قال لا مرسل له إلا اللّه فنزل له مرسلا. و عند الإمساك/الإمساك قال لا ممسك لها، و لم يقل غير اللّه لأن الرحمة إذا جاءت لا ترتفع فإن من رحمه اللّه في الآخرة لا يعذبه بعدها هو و لا غيره، و من يعذبه اللّه فقد يرحمه اللّه بعد العذاب كالفساق من أهل الإيمان.

ثم قال تعالى: وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ أي كامل القدرة اَلْحَكِيمُ أي كامل العلم.

ثم قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ لما بين أن الحمد للّه و بين بعض وجوه النعمة التي تستوجب الحمد على سبيل التفصيل بين نعمه على سبيل الإجمال فقال: اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ و هي مع كثرتها منحصرة في قسمين نعمة الإيجاد، و نعمة الإبقاء.

223

فقال تعالى: هَلْ مِنْ خََالِقٍ غَيْرُ اَللََّهِ إشارة إلى نعمة الإيجاد في الابتداء.

و قال تعالى: يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ إشارة إلى نعمة الإبقاء بالرزق إلى الانتهاء.

ثم بين أنه لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ نظرا إلى عظمته حيث هو عزيز حكيم قادر على كل شي‏ء قدير نافذ الإرادة في كل شي‏ء و لا مثل لهذا و لا معبود لذاته غير هذا و نظرا إلى نعمته حيث لا خالق غيره و لا رازق إلا هو.

ثم قال تعالى: فَأَنََّى تُؤْفَكُونَ أي كيف تصرفون عن هذا الظاهر، فكيف تشركون المنحوت بمن له الملكوت.

ثم لما بين الأصل الأول: و هو التوحيد ذكر الأصل الثاني: و هو الرسالة فقال تعالى: وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ .

ثم بين من حيث الإجمال أن المكذب في العذاب و المكذب له الثواب بقوله تعالى: وَ إِلَى اَللََّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ ثم بين الأصل الثالث: و هو الحشر. فقال تعالى:

أي الشيطان و قد ذكرنا ما فيه من المعنى اللطيف في تفسير سورة لقمان و نعيده هاهنا فنقول المكلف قد يكون ضعيف الذهن قليل العقل سخيف الرأي فيغتر بأدنى شي‏ء، و قد يكون فوق ذلك فلا يغتر به و لكن إذا جاءه غار و زين له ذلك الشي‏ء و هون عليه مفاسده، و بين له منافع، يغتر لما فيها من اللذة مع ما ينضم إليه من دعاء ذلك الغار إليه، و قد يكون قوي الجأش غزير العقل فلا يغتر و لا يغر فقال اللّه تعالى: فَلاََ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إشارة إلى الدرجة الأولى، و قال: وَ لاََ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللََّهِ اَلْغَرُورُ إشارة إلى الثانية ليكون واقعا في الدرجة الثالثة و هي العليا فلا يغر و لا يغتر. ثم قال تعالى:

لما قال تعالى: وَ لاََ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللََّهِ اَلْغَرُورُ [فاطر: 5]ذكر ما يمنع العاقل من الاغترار، و قال: إِنَّ اَلشَّيْطََانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا و لا تسمعوا قوله: و قوله: فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا أي اعملوا ما يسوءه و هو العمل الصالح.

ثم قال تعالى: إِنَّمََا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحََابِ اَلسَّعِيرِ إشارة إلى معنى لطيف و هو أن من يكون له عدو فله في أمره طريقان: أحدهما: أن يعاديه مجازاة له على معاداته و الثاني: أن يذهب عداوته بإرضائه، فلما قال اللّه تعالى: إِنَّ اَلشَّيْطََانَ لَكُمْ عَدُوٌّ أمرهم بالعداوة و أشار إلى أن الطريق ليس إلا هذا، و أما الطريق الآخر و هو الإرضاء فلا فائدة فيه لأنكم إذا رأيتموه و اتبعتموه فهو لا يؤديكم إلا إلى السعير.

و اعلم أن من علم أن له عدو لا مهرب له منه و جزم بذلك فإنه يقف عنده و يصبر على قتاله و الصبر معه الظفر، فكذلك الشيطان لا يقدر الإنسان أن يهرب منه فإنه معه، و لا يزال يتبعه إلا أن يقف له و يهزمه، فهزيمة الشيطان بعزيمة الإنسان، فالطريق الثبات على الجادة و الاتكال على العبادة.

224

ثم بين اللّه تعالى حال حزبه و حال حزب اللّه. فقال:

اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيدٌ فالمعادي للشيطان و إن كان في الحال في عذاب ظاهر و ليس بشديد، و الإنسان إذا كان عاقلا يختار العذاب المنقطع اليسير دفعا للعذاب الشديد المؤبد ألا ترى أن الإنسان إذا عرض في طريقه شوك و نار و لا يكون له بد من أحدهما يتخطى الشوك و لا يدخل النار و نسبة النار التي في الدنيا إلى النار التي في الآخرة دون نسبة الشوك إلى النار العاجلة.

و قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ قد ذكر تفسيره مرارا، /و بين فيه أن الإيمان في مقابلته المغفرة فلا يؤبده مؤمن في النار، و العمل الصالح في مقابلته الأجر الكبير ثم قال تعالى:

يعني ليس من عمل سيئا كالذي عمل صالحا، كما قال بعد هذا بآيات‏ وَ مََا يَسْتَوِي اَلْأَعْمى‏ََ وَ اَلْبَصِيرُ`وَ لاَ اَلظُّلُمََاتُ وَ لاَ اَلنُّورُ [فاطر: 19]و له تعلق بما قبله و ذلك من حيث إنه تعالى لما بين حال المسي‏ء الكافر و المحسن المؤمن، و ما من أحد يعترف بأنه يعمل سيئا إلا قليل، فكان الكافر يقول الذي له العذاب الشديد هو الذي يتبع الشيطان و هو محمد و قومه الذين استهوتهم الجن فاتبعوها، و الذي له الأجر العظيم نحن الذين دمنا على ما كان عليه آباؤنا فقال اللّه تعالى لستم أنتم بذلك فإن المحسن غير، و من زين له العمل السي‏ء فرآه حسنا غير، بل الذين زين لهم السي‏ء دون من أساء و علم أنه مسي‏ء فإن الجاهل الذي يعلم جهله و المسي‏ء الذي يعلم سوء عمله يرجع و يتوب و الذي لا يعلم يصر على الذنوب و المسي‏ء العالم له صفة ذم بالإساءة و صفة مدح بالعلم. و المسي‏ء الذي يرى الإساءة إحسانا له صفتا ذم الإساءة و الجهل، ثم بين أن الكل بمشيئة اللّه، و قال: فَإِنَّ اَللََّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ و ذلك لأن الناس أشخاصهم متساوية في الحقيقة و الإساءة و الإحسان، و السيئة و الحسنة يمتاز بعضها عن بعض فإذا عرفها البعض دون البعض لا يكون ذلك باستقلال منهم، فلا بد من الاستناد إلى إرادة اللّه.

ثم سلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم حيث حزن من إصرارهم بعد إتيانه بكل آية ظاهرة و حجة باهرة فقال: فَلاََ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرََاتٍ كما قال تعالى: فَلَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ عَلى‏ََ آثََارِهِمْ [الكهف: 6].

ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فاللّه عالم بهم و بما يصنعون لو أراد إيمانهم و إحسانهم لصدهم عن الضلال وردهم عن الإضلال، و إن كان لما به منهم من الإيذاء فاللّه عالم بفعلهم يجازيهم على ما يصنعون.

ثم عاد إلى البيان فقال تعالى:

هبوب الرياح دليل ظاهر على الفاعل المختار و ذلك لأن الهواء قد يسكن، و قد يتحرك و عند حركته قد

225

يتحرك إلى اليمين، و قد يتحرك إلى اليسار، و في حركاته المختلفة قد ينشئ السحاب، و قد لا ينشئ، فهذه الاختلافات دليل على مسخر مدبر و مؤثر مقدر، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال تعالى: وَ اَللََّهُ اَلَّذِي أَرْسَلَ بلفظ الماضي و قال: فَتُثِيرُ سَحََاباً بصيغة المستقبل، و ذلك لأنه لما أسند فعل الإرسال إلى اللّه و ما يفعل اللّه يكون بقوله كن فلا يبقى في العدم لا زمانا و لا جزءا من الزمان، فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه و سرعة كونه كأنه كان و كأنه فرغ من كل شي‏ء فهو قدر الإرسال في الأوقات المعلومة إلى المواضع المعينة و التقدير كالإرسال، و لما أسند فعل الإثارة إلى الريح و هو يؤلف في زمان فقال: فَتُثِيرُ أي على هيئتها.

المسألة الثانية: قال: أَرْسَلَ إسنادا للفعل إلى الغائب و قال: فَسُقْنََاهُ بإسناد الفعل إلى المتكلم و كذلك في قوله: فَأَحْيَيْنََا و ذلك لأنه في الأول عرف نفسه بفعل من الأفعال و هو الإرسال، ثم لما عرف قال: أنا الذي عرفتني سقت السحاب و أحييت الأرض فنفي الأول كان تعريفا بالفعل العجيب، و في الثاني كان تذكيرا بالنعمة فإن كما[ل‏] (1) نعمة الرياح و السحب بالسوق و الإحياء و قوله: فَسُقْنََاهُ ... فَأَحْيَيْنََا بصيغة الماضي يؤيد ما ذكرناه من الفرق بين قوله: أَرْسَلَ و بين قوله: (فَتُثِيرُ) .

المسألة الثالثة: ما وجه التشبيه بقوله: كَذََلِكَ اَلنُّشُورُ فيه وجوه: أحدها: أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة و ثانيها: كما أن الريح يجمع القطع السحابية كذلك يجمع بين أجزاء الأعضاء و أبعاض الأشياء و ثالثها: كما أنا نسوق الريح و السحاب إلى البلد الميت نسوق الروح و الحياة إلى البدن الميت.

المسألة الرابعة: ما الحكمة في اختيار هذه الآية من بين الآيات مع أن اللّه تعالى له في كل شي‏ء آية تدل على أنه واحد، فنقول لما ذكر اللّه أنه فاطر السموات و الأرض، و ذكر من الأمور السماوية الأرواح و إرسالها بقوله: جََاعِلِ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً [فاطر: 1]ذكر من الأمور الأرضية الرياح و إرسالها بقوله: وَ اَللََّهُ اَلَّذِي أَرْسَلَ اَلرِّيََاحَ . ثم قال تعالى:

لما بين برهان الإيمان إشارة إلى ما كان يمنع الكفار منه و هو العزة الظاهرة التي كانوا يتوهمونها من حيث إنهم ما كانوا في طاعة أحد و لم يكن لهم من يأمرهم و ينهاهم، فكانوا ينحتون الأصنام و كانوا يقولون إن هذه آلهتنا، ثم إنهم كانوا ينقلونها مع أنفسهم و أية عزة فوق المعية مع المعبود فهم كانوا يطلبون العزة و هي عدم التذلل للرسول و ترك الأتباع له، فقال إن كنتم تطلبون بهذا الكفر العزة في الحقيقة، فهي كلها للّه و من يتذلل له فهو العزيز، و من يتعزز عليه فهو الذليل و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال في هذه الآية: فَلِلََّهِ اَلْعِزَّةُ جَمِيعاً و قال في آية أخرى: وَ لِلََّهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ

____________

(1) في الأصل الأميري «فإن كما نعمة» و لا معنى لها و قد زدت اللام ليستقيم الكلام.

226

[المنافقون: 8]فقوله: جَمِيعاً يدل على أن لا عزة لغيره فنقول قوله: فَلِلََّهِ اَلْعِزَّةُ أي في الحقيقة و بالذات و قوله: وَ لِرَسُولِهِ أي بواسطة القرب من العزيز و هو اللّه و للمؤمنين بواسطة قربهم من العزيز باللّه و هو الرسول، و ذلك لأن عزة المؤمنين بواسطة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم ألا ترى قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللََّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللََّهُ [آل عمران: 31].

المسألة الثانية: قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ تقرير لبيان العزة، و ذلك لأن الكفار كانوا يقولون نحن لا نعبد من لا نراه و لا نحضر عنده، لأن البعد من الملك ذلة، فقال تعالى: إن كنتم لا تصلون إليه، فهو يسمع كلامكم و يقبل الطيب فمن قبل كلامه و صعد إليه فهو عزيز و من رد كلامه في وجهه فهو ذليل، و أما هذه الأصنام لا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا علم لها فكل أحد يمسها و كذلك يرى عملكم فمن عمل صالحا رفعه إليه، و من عمل سيئا رده عليه فالعزيز من الذي عمله لوجهه و الذليل من يدفع الذي عمله في وجهه، و أما هذه الأصنام فلا تعلم شيئا فلا عزيز يرفع عندها و لا ذليل، فلا عزة بها بل عليها ذلة، و ذلك لأن ذلة السيد ذلة للعبد و من كان معبوده و ربه و إلهه حجارة أو خشبا ماذا يكون هو!.

المسألة الثالثة: في قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وجوه: أحدها: كلمة لا إله إلا اللّه هي الطيبة و ثانيها: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر طيب ثالثها: هذه الكلمات الأربع و خامسة و هي تبارك اللّه و المختار أن كل كلام هو ذكر اللّه أو هو للّه كالنصيحة و العلم، فهو إليه يصعد.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: وَ اَلْعَمَلُ اَلصََّالِحُ يَرْفَعُهُ و في الهاء وجهان أحدهما: هي عائدة إلى الكلم الطيب أي العمل الصالح هو الذي يرفعه الكلم الطيب‏

ورد في الخبر «لا يقبل اللّه قولا بلا عمل»

و ثانيهما: هي عائدة إلى العمل الصالح و على هذا في الفاعل الرافع و جهان: أحدهما: هو الكلم الطيب أي الكلم الطيب يرفع العمل الصالح، و هذا يؤيده قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صََالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ََ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ* [النحل: 97] و ثانيهما: الرافع هو اللّه تعالى.

المسألة الخامسة: ما وجه ترجيح الذكر على العمل على الوجه الثاني حيث يصعد الكلم/بنفسه و يرفع العمل بغيره، فنقول الكلام شريف، فإن امتياز الإنسان عن كل حيوان بالنطق و لهذا قال تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ [الإسراء: 70]أي بالنفس الناطقة و العمل حركة و سكون يشترك فيه الإنسان و غيره، و الشريف إذا وصل إلى باب الملك لا يمنع و من دونه لا يجد الطريق إلا عند الطلب و يدل على هذا أن الكافر إذا تكلم بكلمة الشهادة إن كان عن صدق أمن عذاب الدنيا و الآخرة، و إن كان ظاهرا أمن في نفسه و دمه و أهله و حرمه في الدنيا و لا كذلك العمل بالجوارح، و قد ذكرنا ذلك في تفسير قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ* [البقرة: 82]، و وجه آخر: القلب هو الأصل و قد تقدم ما يدل عليه، و

قال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: «ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله ألا و هي القلب»

و ما في القلب لا يظهر إلا باللسان و ما في اللسان لا يتبين صدقه إلا بالفعل، فالقول أقرب إلى القلب من الفعل، ألا ترى أن الإنسان لا يتكلم بكلمة إلا عن قلب، و أما الفعل قد يكون لا عن قلب كالعبث باللحية و لأن النائم لا يخلو عن فعل من حركة و تقلب و هو في أكثر الأمر لا يتكلم في نومه إلا نادرا، لما ذكرنا إن الكلام بالقلب و لا كذلك العمل، فالقول أشرف. ـ

227

المسألة السادسة: قال الزمخشري المكر لا يتعدى فبم انتصاب السيئات؟ و قال بأن معناه الذين يمكرون المكرات السيئات فهو وصف مصدر محذوف، و يحتمل أن يقال استعمل المكر استعمال العمل فعداه تعديته كما قال: اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ [العنكبوت: 4]و في قوله: اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ يحتمل ما ذكرناه أن يكون السيئات وصفا لمصدر تقديره الذين يعملون العملات السيئات، و على هذا فيكون هذا في مقابلة قوله:

وَ اَلْعَمَلُ اَلصََّالِحُ يَرْفَعُهُ إشارة إلى بقائه و ارتقائه وَ مَكْرُ أُولََئِكَ أي العمل السي‏ء و هُوَ يَبُورُ إشارة إلى فنائه. ثم قال تعالى:

قد ذكرنا مرارا أن الدلائل مع كثرتها و عدم دخولها في عدد محصور منحصرة في قسمين دلائل الآفاق و دلائل الأنفس، كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي اَلْآفََاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت: 53]فلما ذكر دلائل الآفاق من السموات و ما يرسل منها من الملائكة و الأرض و ما يرسل فيها من الرياح شرع/في دلائل الأنفس، و قد ذكرنا تفسيره مرارا و ذكرنا ما قيل من أن قوله: مِنْ تُرََابٍ إشارة إلى خلق آدم ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ إشارة خلق أولاده، و بينا أن الكلام غير محتاج إلى هذا التأويل بل خَلَقَكُمْ خطاب مع الناس و هم أولاد آدم كلهم من تراب و من نطفة لأن كلهم من نطفة و النطفة من غذاء، و الغذاء بالآخرة ينتهي إلى الماء و التراب، فهو من تراب صار نطفة.

و قوله: وَ مََا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى‏ََ وَ لاََ تَضَعُ إشارة إلى كمال العلم، فإن ما في الأرحام قبل الانخلاق بل بعده ما دام في البطن لا يعلم حاله أحد، كيف و الأم الحاملة لا تعلم منه شيئا، فلما ذكر بقوله: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرََابٍ كمال قدرته بين بقوله: وَ مََا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى‏ََ وَ لاََ تَضَعُ إِلاََّ بِعِلْمِهِ كمال علمه ثم بين نفوذ إرادته بقوله: وَ مََا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لاََ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاََّ فِي كِتََابٍ فبين أنه هو القادر العالم المريد و الأصنام لا قدرة لها و لا علم و لا إرادة، فكيف يستحق شي‏ء منها العبادة، و قوله: إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ أي الخلق من التراب و يحتمل أن يكون المراد التعمير و النقصان على اللّه يسير، و يحتمل أن يكون المراد أن العلم بما تحمله الأنثى يسير و الكل على اللّه يسير و الأول أشبه فإن اليسير استعماله في الفعل أليق. ثم قال تعالى:

قال أكثر المفسرين: إن المراد من الآية ضرب المثل في حق الكفر و الإيمان أو الكافر و المؤمن، فالإيمان لا يشتبه بالكفر في الحسن و النفع كما لا يشبه البحران العذب الفرات و الملح الأجاج. ثم على هذا، فقوله:

وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا لبيان أن حال الكافر و المؤمن أو الكفر و الإيمان دون حال البحرين لأن الأجاج يشارك الفرات في خير و نفع إذ اللحم الطري يوجد فيهما و الحلية توجد منهما و الفلك تجري فيهما، و لا نفع في الكفر و الكافر، و هذا على نسق قوله تعالى: أُولََئِكَ كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:

179]و قوله: كَالْحِجََارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجََارَةِ لَمََا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهََارُ [البقرة: 74]و الأظهر أن‏

228

المراد منه ذكر دليل آخر على قدرة اللّه و ذلك من حيث إن البحرين يستويان في الصورة و يختلفان في الماء، فإن أحدهما عذب فرات و الآخر ملح/أجاج، و لو كان ذلك بإيجاب لما اختلف المتساويان، ثم إنهما بعد اختلافهما يوجد منهما أمور متشابهة، فإن اللحم الطري يوجد فيهما، و اللحية تؤخذ منهما، و من يوجد في المتشابهين اختلافا و من المختلفين اشتباها لا يكون إلا قادرا مختارا. و قوله: وَ مََا يَسْتَوِي اَلْبَحْرََانِ إشارة إلى أن عدم استوائهما دليل على كمال قدرته و نفوذ إرادته و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال أهل اللغة لا يقال في ماء البحر إذا كان فيه ملوحة مالح، و إنما يقال له ملح، و قد يذكر في بعض كتب الفقه يصير بها ماء البحر مالحا، و يؤاخذ قائله به. و هو أصح مما يذهب إليه القوم و ذلك لأن الماء العذب إذا ألقي فيه ملح حتى ملح لا يقال له إلا مالح، و ماء ملح يقال للماء الذي صار من أصل خلقته كذلك، لأن المالح شي‏ء فيه ملح ظاهر في الذوق، و الماء الملح ليس ماء و ملحا بخلاف الطعام المالح فالماء العذب الملقى فيه الملح ماء فيه ملح ظاهر في الذوق، بخلاف ما هو من أصل خلقته كذلك، فلما قال الفقيه الملح أجزاء أرضية سبخة يصير بها ماء البحر مالحا راعى فيه الأصل فإنه جعله ماء جاوره ملح، و أهل اللغة حيث قالوا في البحر ماؤه ملح جعلوه كذلك من أصل الخلقة، و الأجاج المر، و قوله: وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا من الطير و السمك وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهََا من اللؤلؤ و المرجان وَ تَرَى اَلْفُلْكَ فِيهِ مَوََاخِرَ أي ماخرات تمخر البحر بالجريان أي تشق، و قوله: لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يدل على ما ذكرناه من أن المراد من الآية الاستدلال بالبحرين و ما فيهما على وجود اللّه و وحدانيته و كمال قدرته. ثم قال تعالى:

استدلال آخر باختلاف الأزمنة و قد ذكرناه مرارا، و ذكرنا أن قوله تعالى بعده: وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ جواب لسؤال يذكره المشركون و هو أنهم قالوا اختلاف الليل و النهار بسبب اختلاف القسي الواقعة فوق الأرض و تحتها، فإن في الصيف تمر الشمس على سمت الرؤوس في بعض البلاد الماثلة في الآفاق، و حركة الشمس هناك حمائلية فتقع تحت الأرض أقل من نصف دائرة زمان مكثها تحت الأرض فيقصر الليل و في الشتاء بالضد فيقصر النهار فقال اللّه/تعالى: وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ يعني سبب الاختلاف و إن كان ما ذكرتم، لكن سير الشمس و القمر بإرادة اللّه و قدرته فهو الذي فعل ذلك.

ثم قال تعالى: ذََلِكُمُ اَللََّهُ رَبُّكُمْ لَهُ اَلْمُلْكُ وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مََا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ .

أي ذلك الذي فعل هذه الأشياء من فطر السموات و الأرض و إرسال الأرواح و إرسال الرياح و خلق الإنسان من تراب و غير ذلك له الملك كله فلا معبود إلا هو لذاته الكامل و لكونه ملكا و الملك مخدوم بقدر ملكه، فإذا كان له الملك كله فله العبادة كلها، ثم بين ما ينافي صفة الإلهية، و هو قوله: وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مََا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ، و ههنا لطيفة: و هي أن اللّه تعالى ذكر لنفسه نوعين من الأوصاف أحدهما: أن الخلق بالقدرة الإرادة و الثاني: الملك و استدل بهما على أنه إله معبود كما قال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنََّاسِ*`مَلِكِ اَلنََّاسِ*`إِلََهِ اَلنََّاسِ [الناس: 1-3]ذكر الرب و الملك و رتب عليهما كونه إلها أي معبودا، و ذكر فيمن أشركوا

229

به سلب صفة واحدة و هو عدم الملك بقوله: وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مََا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ و لم يذكر سلب الوصف الآخر لوجهين أحدهما: أن كلهم كانوا معترفين بأن لا خالق لهم إلا اللّه و إنما كانوا يقولون بأن اللّه تعالى فوض أمر الأرض و الأرضيات إلى الكواكب التي الأصنام على صورتها و طوالعها فقال: لا ملك لهم و لا ملكهم اللّه شيئا و لا ملكوا شيئا و ثانيهما: أنه يلزم من عدم الملك عدم الخلق لأنه لو خلق شيئا لملكه فإذا لم يملك قطميرا ما خلق قليلا و لا كثيرا. ثم قال تعالى:

إبطالا لما كانوا يقولون إن في عبادة الأصنام عزة من حيث القرب منها و النظر إليها و عرض الحوائج عليها، و اللّه لا يرى و لا يصل إليه أحد فقال هؤلاء لا يسمعون دعاءكم و اللّه يصعد إليه الكلم الطيب، ليسمع و يقبل ثم نزل عن تلك الدرجة، و قال هب أنهم يسمعون كما يظنون فإنهم كانوا يقولون بأن الأصنام تسمع و تعلم و لكن ما كان يمكنهم أن يقولوا إنهم يجيبون لأن ذلك إنكار للمحس به و عدم سماعهم إنكار للمعقول و النزاع و إن كان يقع في المعقول فلا يمكن وقوعه في المحس به، ثم إنه تعالى قال: وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ لما بين عدم النفع فيهم في الدنيا بين عدم النفع منهم في الآخرة بل أشار إلى وجود الضرر منهم في الآخرة بقوله: وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ أي بإشراككم باللّه شيئا، كما قال تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]أي/الإشراك و قوله: وَ لاََ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون ذلك خطابا مع النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و وجهه هو أن اللّه تعالى لما أخبر أن الخشب و الحجر يوم القيامة ينطق و يكذب عابده و ذلك أمر لا يعلم بالعقل المجرد لولا إخبار اللّه تعالى عنه أنهم يكفرون بهم يوم القيامة، و هذا القول مع كون الخبر عنه أمرا عجيبا هو كما قال، لأن المخبر عنه خبير و ثانيهما: هو أن يكون ذلك خطابا غير مختص بأحد، أي هذا الذي ذكر هو كما قال: وَ لاََ يُنَبِّئُكَ أيها السامع كائنا من كنت مِثْلُ خَبِيرٍ . ثم قال تعالى:

لما كثر الدعاء من النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و الإصرار من الكفار و قالوا إن اللّه لعله يحتاج إلى عبادتنا حتى يأمرنا بها أمرا بالغا و يهددنا على تركها مبالغا فقال تعالى: أَنْتُمُ اَلْفُقَرََاءُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَللََّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم و إنما هو لإشفاقه عليكم، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: التعريف في الخبر قليل و الأكثر أن يكون الخبر نكرة و المبتدأ معرفة و هو معقول و ذلك لأن المخبر لا يخبر في الأكثر إلا بأمر لا يكون عند المخبر به علم أو في ظن المتكلم أن السامع لا علم له به، ثم أن يكون معلوما عند السامع حتى يقول له أيها السامع الأمر الذي تعرفه أنت فيه المعنى الفلاني كقول القائل زيد قائم أو قام أي زيد الذي تعرفه ثبت له قيام لا علم عندك به، فإن كان الخبر معلوما عند السامع و المبتدأ كذلك و يقع الخبر تنبيها لا تفهيما يحسن تعريف الخبر غاية الحسن، كقول القائل: اللّه ربنا و محمد نبينا، حيث عرف كون اللّه ربا، و كون محمد نبيا، و هاهنا لما كان كون الناس فقراء أمرا ظاهرا لا يخفى على أحد قال: أَنْتُمُ اَلْفُقَرََاءُ .

230

المسألة الثانية: قوله: إِلَى اَللََّهِ إعلام بأنه لا افتقار إلا إليه و لا اتكال إلا عليه و هذا يوجب عبادته لكونه مفتقرا إليه و عدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره، ثم قال: وَ اَللََّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ أي هو مع استغنائه يدعوكم كل الدعاء و أنتم من احتياجكم لا تجيبونه و لا تدعونه فيجيبكم.

المسألة الثالثة: في قوله: اَلْحَمِيدُ لما زاد في الخبر الأول و هو قوله: أَنْتُمُ اَلْفُقَرََاءُ زيادة و هو قوله:

إِلَى اَللََّهِ إشارة لوجوب حصر العبادة في عبادته زاد في وصفه بالغني زيادة و هو كونه حميدا إشارة إلى كونكم فقراء و في مقابلته اللّه غني و فقركم إليه في مقابلة نعمه عليكم لكونه حميدا واجب الشكر، فلستم أنتم فقراء و اللّه مثلكم في الفقر بل هو غني على الإطلاق و لستم أنتم لما افتقرتم إليه ترككم غير مقضي الحاجات بل قضى في الدنيا حوائجكم، و إن آمنتم يقضي في الآخرة حوائجكم فهو حميد. /ثم قال تعالى:

بيانا لغناه و فيه بلاغة كاملة و بيانها أنه تعالى قال: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي ليس إذهابكم موقوفا إلا على مشيئته بخلاف الشي‏ء المحتاج إليه، فإن المحتاج لا يقول فيه إن يشأ فلان هدم داره و أعدم عقاره، و إنما يقول لولا حاجة السكنى إلى الدار لبعتها أو لولا الافتقار إلى العقار لتركتها، ثم إنه تعالى زاد بيان الاستغناء بقوله:

وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يعني إن كان يتوهم متوهم أن هذا الملك له كمال و عظمة فلو أذهبه لزال ملكه و عظمته فهو قادر بأن يخلق خلقا جديدا أحسن من هذا و أجمل و أتم و أكمل. ثم قال تعالى:

أي الإذهاب و الإتيان و هاهنا مسألة: و هي أن لفظ العزيز استعمله اللّه تعالى تارة في القائم بنفسه حيث قال في حق نفسه: وَ كََانَ اَللََّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [الأحزاب: 25]و قال في هذه السورة: إِنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:

28]و استعمله في القائم بغيره حيث قال: وَ مََا ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ بِعَزِيزٍ و قال: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مََا عَنِتُّمْ [التوبة:

128]فهل هما بمعنى واحد أم بمعنيين؟فنقول العزيز هو الغالب في اللغة يقال من عزيز أي من غلب سلب، فاللّه عزيز أي غالب و الفعل إذا كان لا يطيقه شخص يقال هو مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله: وَ مََا ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ بِعَزِيزٍ أي لا يغلب اللّه ذلك الفعل بل هو هين على اللّه و قوله: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مََا عَنِتُّمْ أي يحزنه و يؤذيه كالشغل الغالب.

و قوله تعالى: وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى‏ََ حِمْلِهََا لاََ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ وَ لَوْ كََانَ ذََا قُرْبى‏ََ متعلق بما قبله، و ذلك من حيث إنه تعالى لما بين الحق بالدلائل الظاهرة و البراهين الباهرة ذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال: وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ أي لا تحمل نفس ذنب نفس فالنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم لو كان كاذبا في دعائه لكان مذنبا و هو معتقد بأن ذنبه لا تحملونه أنتم فهو يتوقى و يحترز، و اللّه تعالى غير فقير إلى عبادتكم فتفكروا

231

و اعلموا أنكم إن ضللتم فلا يحمل أحد عنكم وزركم و ليس كما يقول: أكابركم‏ اِتَّبِعُوا سَبِيلَنََا وَ لْنَحْمِلْ خَطََايََاكُمْ [العنكبوت: 12] و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله: وََازِرَةٌ أي نفس وازرة و لم يقل و لا تزر نفس وزر أخرى و لا جمع بين الموصوف و الصفة فلم يقل و لا تزر نفس وازرة وزرة أخرى لفائدة أما الأول: فلأنه لو قال و لا تزر نفس وزر أخرى، لما علم أن كل نفس وازرة مهمومة بهم وزرها متحيرة في أمرها و وجه آخر: و هو أن قول القائل و لا تزر نفس وزر أخرى، قد يجتمع معها أن/لا تزر وزرا أصلا كالمعصوم لا يزر وزر غيره و مع ذلك لا يزر وزرا رأسا فقوله: وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ بين أنها تزر وزرها و لا تزر وزر الغير و أما ترك ذكر الموصوف فلظهور الصفة و لزومها للموصوف.

ثم قال تعالى: وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إشارة إلى أن أحدا لا يحمل عن أحد شيئا مبتدئا و لا بعد السؤال، فإن المحتاج قد يصبر و تقضى حاجته من غير سؤاله، فإذا انتهى الافتقار إلى حد الكمال يحوجه إلى السؤال.

المسألة الثانية: في قوله: مُثْقَلَةٌ زيادة بيان لما تقدم من حيث إنه قال أولا: وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ فيظن أن أحدا لا يحمل عن أحد لكون ذلك الواحد قادرا على حمله، كما أن القوي إذا أخذ بيده رمانة أو سفرجلة لا تحمل عنه، و أما إذا كان الحمل ثقيلا قد يرحم الحامل فيحمل عنه فقال: مُثْقَلَةٌ يعني ليس عدم الوزر لعدم كونه محلا للرحمة بالثقل بل لكون النفس مثقلة و لا يحمل منها شي‏ء.

المسألة الثالثة: زاد في ذلك بقوله: وَ لَوْ كََانَ ذََا قُرْبى‏ََ أي المدعو لو كان ذا قربى لا يحمله و في الأول كان يمكن أن يقال لا يحمله لعدم تعلقه به كالعدو الذي يرى عدوه تحت ثقل، أو الأجنبي الذي يرى أجنبيا تحت حمل لا يحمل عنه فقال: وَ لَوْ كََانَ ذََا قُرْبى‏ََ أي يحصل جميع المعاني الداعية إلى الحمل من كون النفس وازرة قوية تحتمل و كون الأخرى مثقلة لا يقال كونها قوية قادرة ليس عليها حمل و كونه سائلة داعية فإن السؤال مظنة الرحمة، لو كان المسؤول قريبا فإذن لا يكون التخلف إلا لمانع و هو كون كل نفس تحت حمل ثقيل.

ثم قال تعالى: إِنَّمََا تُنْذِرُ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ إشارة إلى أن لا إرشاد فوق ما أتيت به، و لم يفدهم، فلا تنذر إنذارا مفيدا إلا الذين تمتلئ قلوبهم خشية و تتحلى ظواهرهم بالعبادة كقوله:

اَلَّذِينَ آمَنُوا* إشارة إلى عمل القلب‏ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ* إشارة إلى عمل الظواهر فقوله: اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ في ذلك المعنى، ثم لما بين أن لا تزر وازرة وزر أخرى بين أن الحسنة تنفع المحسنين.

فقال: وَ مَنْ تَزَكََّى فَإِنَّمََا يَتَزَكََّى لِنَفْسِهِ أي فتزكيته لنفسه.

ثم قال تعالى: وَ إِلَى اَللََّهِ اَلْمَصِيرُ أي المتزكي إن لم تظهر فائدته عاجلا فالمصير إلى اللّه يظهر عنده في يوم اللقاء في دار البقاء، و الوازر إن لم تظهر تبعة وزره في الدنيا فهي تظهر في الآخرة إذ المصير إلى اللّه.

232

ثم قال تعالى: وَ مََا يَسْتَوِي اَلْأَعْمى‏ََ وَ اَلْبَصِيرُ`وَ لاَ اَلظُّلُمََاتُ وَ لاَ اَلنُّورُ`وَ لاَ اَلظِّلُّ وَ لاَ اَلْحَرُورُ`وَ مََا يَسْتَوِي اَلْأَحْيََاءُ وَ لاَ اَلْأَمْوََاتُ .

لما بين الهدى و الضلالة و لم يهتد الكافر، و هدى اللّه المؤمن ضرب لهم مثلا بالبصير و الأعمى، فالمؤمن بصير حيث أبصر الطريق الواضح و الكافر أعمى، و في تفسير الآية مسائل:

المسألة الأولى: ما الفائدة في تكثير الأمثلة هاهنا حيث ذكر الأعمى و البصير، و الظلمة و النور، و الظل و الحرور، و الأحياء و الأموات؟ فنقول الأول مثل المؤمن و الكافر فالمؤمن بصير و الكافر أعمى، }ثم إن البصير و إن كان حديد البصر و لكن لا يبصر شيئا إن لم يكن في ضوء فذكر للإيمان و الكفر مثلا، و قال الإيمان نور و المؤمن بصير و البصير لا يخفى عليه النور، و الكفر ظلمة و الكافر أعمى فله صاد فوق صاد، }ثم ذكر لمآلهما و مرجعهما مثلا و هو الظل و الحرور، فالمؤمن بإيمانه في ظل و راحة و الكافر بكفره في حر و تعب، }ثم قال تعالى: وَ مََا يَسْتَوِي اَلْأَحْيََاءُ وَ لاَ اَلْأَمْوََاتُ مثلا آخر في حق المؤمن و الكافر كأنه قال تعالى حال المؤمن و الكافر فوق حال الأعمى و البصير، فإن الأعمى يشارك البصير في إدراك ما. و الكافر غير مدرك إدراكا نافعا فهو كالميت و يدل على ما ذكرنا أنه تعالى أعاد الفعل حيث قال أولا: وَ مََا يَسْتَوِي اَلْأَعْمى‏ََ وَ اَلْبَصِيرُ و عطف الظلمات و النور و الظل و الحرور، ثم أعاد الفعل، و قال: وَ مََا يَسْتَوِي اَلْأَحْيََاءُ وَ لاَ اَلْأَمْوََاتُ كأنه جعل هذا مقابلا لذلك.

المسألة الثانية: كرر كلمة النفي بين الظلمات و النور و الظل و الحرور و الأحياء الأموات، و لم يكرر بين الأعمى و البصير، و ذلك لأن التكرير للتأكيد و المنافاة بين الظلمة و النور و الظل و الحرور مضادة، فالظلمة تنافي النور و تضاده و العمى و البصر كذلك، أما الأعمى و البصير ليس كذلك بل الشخص الواحد قد يكون بصيرا و هو بعينه يصير أعمى، فالأعمى و البصير لا منافاة بينهما إلا من حيث الوصف، و الظل و الحرور و المنافاة بينهما ذاتية لأن المراد من الظل عدم الحر و البرد فلما كانت المنافاة هناك أتم، أكد بالتكرار، و أما الأحياء و الأموات، و إن كانوا كالأعمى و البصير من حيث إن الجسم الواحد يكون حيا محلا للحياة فيصير ميتا محلا للموت و لكن المنافاة بين الحي و الميت أتم من المنافاة بين الأعمى و البصير، كما بينا أن الأعمى و البصير يشتركان في إدراك أشياء، و لا كذلك الحي و الميت، كيف و الميت يخالف الحي في الحقيقة لا في الوصف على ما تبين في الحكمة الإلهية.

المسألة الثالثة: قدم الأشرف في مثلين و هو الظل و الحرور، و أخره في مثلين و هو البصر و النور، و في مثل هذا يقول المفسرون إنه لتواخي أواخر الآي، و هو ضعيف لأن تواخي الأواخر راجع إلى السجع، و معجزة القرآن في المعنى لا في مجرد اللفظ، فالشاعر يقدم و يؤخر للسجع فيكون اللفظ حاملا له على تغيير المعنى، و أما القرآن فحكمة بالغة و المعنى فيه صحيح و اللفظ فصحيح فلا يقدم و لا يؤخر اللفظ بلا معنى، فنقول الكفار قبل النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم كانوا في ضلالة فكانوا كالعمى و طريقهم كالظلة ثم لما جاء النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و بين الحق، و اهتدى به‏

233

منهم قوم فصاروا بصيرين و طريقتهم كالنور فقال و ما يستوي من كان قبل البعث على الكفر و من اهتدى بعده إلى الإيمان، فلما كان الكفر قبل الإيمان في زمان محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم، و الكافر قبل المؤمن قدم المقدم، ثم لما ذكر المآل و المرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لقوله في الإلهيات سبقت رحمتي غضبي، ثم إن الكافر المصر بعد البعثة صار أضل من الأعمى و شابه الأموات في عدم إدراك الحق من جميع الوجوه فقال: وَ مََا يَسْتَوِي اَلْأَحْيََاءُ أي المؤمنون الذين آمنوا بما أنزل اللّه و الأموات الذين تليت عليهم الآيات البينات، و لم ينتفعوا بها و هؤلاء كانوا بعد إيمان من آمن فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياة المؤمنين قبل ممات الكافرين المعاندين، و قدم الأعمى على البصير لوجود الكفار الضالين قبل البعثة على المؤمنين المهتدين بعدها.

المسألة الرابعة: فإن قلت قابل الأعمى بالبصير بلفظ المفرد و كذلك الظل بالحرور و قابل الأحياء بالأموات بلفظ الجمع، و قابل الظلمات بالنور بلفظ الجمع في أحدهما و الواحد في الآخر، فهل تعرف فيه حكمة؟قلت: نعم بفضل اللّه و هدايته، أما في الأعمى و البصير و الظل و الحرور، فلأنه قابل الجنس بالجنس، و لم يذكر الأفراد لأن في العميان (و أولي الأبصار قد يوجد فرد من أحد الجنسين يساوي فردا من الجنس الآخر كالبصير الغريب في موضع و الأعمى الذي هو تربية ذلك المكان، و قد يقدر الأعمى على الوصول إلى مقصد و لا يقدر البصير عليه، أو يكون الأعمى عنده من الذكاء ما يساوي به البليد البصير، فالتفاوت بينهما في الجنسين مقطوع به فإن جنس البصير خير من جنس الأعمى، و أما الأحياء و الأموات فالتفاوت بينهما أكثر، إذ ما من ميت يساوي في الإدراك حيا من الأحياء، فذكر أن الأحياء لا يساوون الأموات سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد، و أما الظلمات و النور فالحق واحد و هو التوحيد و الباطل كثير و هو طرق الإشراك على ما بينا أن بعضهم يعبدون الكواكب و بعضهم النار و بعضهم الأصنام التي هي على صورة الملائكة، و إلى غير ذلك و التفاوت بين كل فرد من تلك الأفراد و بين هذا الواحد بين، فقال الظلمات كلها إذا اعتبرتها لا تجد فيها ما يساوي النور، و قد ذكرنا في تفسير قوله: وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ [الأنعام: 1]السبب في توحيد النور و جمع الظلمات، و من جملة ذلك أن النور لا يكون إلا بوجود منور و محل قابل للاستنارة و عدم الحائل بين النور و المستنير. مثاله الشمس/إذا طلعت و كان هناك موضع قابل للاستنارة و هو الذي يمسك الشعاع، فإن البيت الذي فيه كوة يدخل منها الشعاع إذا كان في مقابلة الكوة منفذ يخرج منه الشعاع و يدخل بيتا آخر و يبسط الشعاع على أرضه يرى البيت الثاني مضيئا و الأول مظلما، و إن لم يكن هناك حائل كالبيت الذي لا كوة له فإنه لا يضي‏ء، فإذا حصلت الأمور الثلاثة يستنير البيت و إلا فلا تتحقق الظلمة بفقد أي أمر كان من الأمور الثلاثة.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشََاءُ وَ مََا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ و فيه احتمال معنيين الأول: أن يكون المراد بيان كون الكفار بالنسبة إلى سماعهم كلام النبي و الوحي النازل عليه دون حال الموتى فإن اللّه يسمع الموتى و النبي لا يسمع من مات و قبر، فالموتى سامعون من اللّه و الكفار كالموتى لا يسمعون من النبي و الثاني: أن يكون المراد تسلية النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم فإنه لما بين له أنه لا ينفعهم و لا يسمعهم قال له هؤلاء لا يسمعهم إلا اللّه، فإنه يسمع من يشاء و لو كان صخرة صماء، و أما أنت فلا تسمع من في القبور، فما عليك من حسابهم من شي‏ء. ثم قال تعالى:

ـ

234

بيانا للتسلية.

ثم قال تعالى: إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً لما قال: إِنْ أَنْتَ إِلاََّ نَذِيرٌ بين أنه ليس نذيرا من تلقاء نفسه إنما هو نذير بإذن اللّه و إرساله.

ثم قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاََّ خَلاََ فِيهََا نَذِيرٌ تقريرا لأمرين أحدهما: لتسلية قلبه حيث يعلم أن غيره كان مثله محتملا لتأذي القوم و ثانيهما: إلزام القوم قبوله فإنه ليس بدعا من الرسل و إنما هو مثل غيره يدعى ما ادعاه الرسل و يقرره. و قوله تعالى:

يعني أنت جئتهم بالبينة و الكتاب فكذبوك و آذوك و غيرك أيضا أتاهم بمثل ذلك و فعلوا بهم ما فعلوا بك و صبروا على ما كذبوا فكذلك نلزمهم بأن من تقدم من الرسل لم يعلم كونهم رسلا إلا بالمعجزات البينات و قد آتيناها محمدا صلى اللّه عليه و آله و سلم وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتََابِ اَلْمُنِيرِ /و الكل آتيناها محمدا، فهو رسول مثل الرسل يلزمهم قبوله كما لزم قبول موسى و عيسى عليهم السلام أجمعين، و هذا يكون تقريرا مع أهل الكتاب، و اعلم أنه تعالى ذكر أمورا ثلاثة أولها البينات، و ذلك لأن كل رسول فلا بد له من معجزة و هي أدنى الدرجات، ثم قد ينزل عليه كتاب يكون فيه مواعظ و تنبيهات و إن لم يكن فيه نسخ و أحكام مشروعة شرعا ناسخا، و من ينزل عليه مثله أعلى مرتبة ممن لا ينزل عليه ذلك و قد تنسخ شريعته الشرائع و ينزل عليه كتاب فيه أحكام على وفق الحكمة الإلهية، و من يكون كذلك فهو من أولي العزم فقال الرسل تبين رسالتهم بالبينات و إن كانوا أعلى مرتبة فبالزبر، و إن كانوا أعلى فبالكتاب و النبي آتيناه الكل فهو رسول أشرف من الكل لكون كتابه أتم و أكمل من كل كتاب. ثم قال تعالى:

أي من كذب بالكتاب المنزل من قبل و بالرسول المرسل أخذه اللّه تعالى فكذلك من يكذب بالنبي عليه السلام، و قوله: فَكَيْفَ كََانَ نَكِيرِ سؤال للتقرير فإنهم علموا شدة إنكار اللّه عليهم و إتيانه بالأمر المنكر من الاستئصال.

ثم قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَخْرَجْنََا بِهِ ثَمَرََاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوََانُهََا .

235

و هذا استدلال بدليل آخر على وحدانية اللّه و قدرته و في تفسيرها مسائل:

المسألة الأولى: ذكر هذا الدليل على طريقة الاستخبار، و قال: أَ لَمْ تَرَ و ذكر الدليل المتقدم على طريقة الإخبار و قال: وَ اَللََّهُ اَلَّذِي أَرْسَلَ اَلرِّيََاحَ [فاطر: 9]و فيه وجهان الأول: أن إنزال الماء أقرب إلى النفع و المنفعة فيه أظهر فإنه لا يخفى على أحد في الرؤية أن الماء منه حياة الأرض فعظم دلالته بالاستفهام لأن الاستفهام الذي للتقرير لا يقال إلا في الشي‏ء الظاهر جدا كما أن من أبصر الهلال و هو خفي جدا، فقال له غيره أين هو، فإنه يقول له في الموضع الفلاني، فإن لم يره، يقول له الحق معك إنه خفي و أنت معذور، و إذا كان بارزا يقول له أما تراه هذا هو ظاهر و الثاني: و هو أنه ذكره بعد ما قرر المسألة بدليل آخر و ظهر بما تقدم للمدعو بصارة بوجوه الدلالات، فقال له أنت صرت بصيرا بما ذكرناه و لم يبق لك عذر، ألا ترى هذه الآية.

المسألة الثانية: المخاطب من هو يحتمل وجهين أحدهما: النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و فيه حكمة و هي أن اللّه تعالى لما ذكر الدلائل و لم تنفعهم قطع الكلام معهم و التفت إلى غيرهم، كما أن السيد إذا نصح بعض العبيد و منعهم من الفساد و لا ينفعهم الإرشاد، يقول لغيره اسمع و لا تكن مثل هذا/و يكرر معه ما ذكره مع الأول و يكون فيه إشعار بأن الأول فيه نقيصة لا يستأهل للخطاب فيتنبه له و يدفع عن نفسه تلك النقيصة و الآخر: أن لا يخرج إلى كلام أجنبي عن الأول، بل يأتي بما يقاربه لئلا يسمع الأول كلاما آخر فيترك التفكر فيما كان فيه من النصيحة.

المسألة الثالثة: هذا استدلال على قدرة اللّه و اختياره حيث أخرج من الماء الواحد ثمرات مختلفة و فيه لطائف الأولى: قال أنزل و قال أخرجنا. و قد ذكرنا فائدته و نعيدها فنقول: قال اللّه تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ أَنْزَلَ فإن كان جاهلا يقول نزول الماء بالطبع لثقله فيقال له، فالإخراج لا يمكنك أن تقول فيه إنه بالطبع فهو بإرادة اللّه، فلما كان ذلك أظهر أسنده إلى المتكلم و وجه آخر: هو أن اللّه تعالى لما قال: أَنَّ اَللََّهَ أَنْزَلَ علم اللّه بدليل، و قرب المتفكر فيه إلى اللّه تعالى فصار من الحاضرين، فقال له أخرجنا لقربه و وجه ثالث:

الإخراج أتم نعمة من الإنزال، لأن الإنزال لفائدة الإخراج فأسند الأتم إلى نفسه بصيغة المتكلم و ما دونه بصيغة الغائب.

اللطيفة الثانية: قال تعالى: وَ مِنَ اَلْجِبََالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوََانُهََا وَ غَرََابِيبُ سُودٌ، `وَ مِنَ اَلنََّاسِ وَ اَلدَّوَابِّ وَ اَلْأَنْعََامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوََانُهُ كَذََلِكَ .

كأن قائلا قال اختلاف الثمرات لاختلاف البقاع. ألا ترى أن بعض النباتات لا تنبت ببعض البلاد كالزعفران و غيره، فقال تعالى اختلاف البقاع ليس إلا بإرادة اللّه و إلا فلم صار بعض الجبال فيه مواضع حمر و مواضع بيض، و الجدد جمع جدة و هي الخطة أو الطريقة، فإن قيل الواو في: وَ مِنَ اَلْجِبََالِ ما تقديرها؟ نقول هي تحتمل وجهين أحدهما: أن تكون للاستئناف كأنه قال تعالى و أخرجنا بالماء ثمرات مختلفة الألوان، و في الأشياء الكائنات من الجبال جدد بيض دالة على القدرة، رادة على من ينكر الإرادة في اختلاف ألوان الثمار ثانيهما: أن تكون للعطف تقديرها و خلق من الجبال. قال الزمخشري: أراد ذو جدد و اللطيفة الثالثة: ذكر الجبال و لم يذكر الأرض كما قال في موضع آخر: وَ فِي اَلْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجََاوِرََاتٌ [الرعد: 4]مع أن هذا الدليل مثل ذلك، و ذلك لأن اللّه تعالى لما ذكر في الأول: فَأَخْرَجْنََا بِهِ ثَمَرََاتٍ كان نفس إخراج الثمار دليلا على القدرة ثم زاد عليه بيانا، و قال مختلفا كذلك في الجبال في نفسها دليل للقدرة و الإرادة، لأن كون الجبال‏

236

في بعض نواحي الأرض دون بعضها و الاختلاف الذي في هيئة الجبل فإن بعضها يكون أخفض و بعضها أرفع دليل القدرة و الاختيار، ثم زاده بيانا و قال جُدَدٌ بِيضٌ ، أي مع دلالتها بنفسها هي دالة باختلاف ألوانها، كما أن إخراج الثمرات في نفسها دلائل و اختلاف/ألوانها دلائل.

المسألة الرابعة: مُخْتَلِفٌ أَلْوََانُهََا ، الظاهر أن الاختلاف راجع إلى كل لون أي بيض مختلف ألوانها و حمر مختلف ألوانها، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص، و قد يكون على لون التراب الأبيض دون بياض الجص، و كذلك الأحمر، و لو كان المراد أن البيض و الحمر مختلف الألوان لكان مجرد تأكيد و الأول أولى، و على هذا فنقول لم يذكر مختلف ألوانها بعد البيض و الحمر و السود، بل ذكره بعد البيض و الحمر و أخر السود الغرابيب، لأن الأسود لما ذكره مع المؤكد و هو الغرابيب يكون بالغا غاية السواد فلا يكون فيه اختلاف.

المسألة الخامسة: قيل بأن الغربيب مؤكد للأسود، يقال أسود غربيب و المؤكد لا يجي‏ء إلا متأخرا فكيف جاء غرابيب سود؟نقول قال الزمخشري: غرابيب مؤكد لذي لون مقدر في الكلام كأنه تعالى قال سواد غرابيب، ثم أعاد السود مرة أخرى و فيه فائدة و هي زيادة التأكيد لأنه تعالى ذكره مضمرا و مظهرا، و منهم من قال هو على التقديم و التأخير، }ثم قال تعالى: وَ مِنَ اَلنََّاسِ وَ اَلدَّوَابِّ وَ اَلْأَنْعََامِ استدلالا آخر على قدرته و إرادته، و كأن اللّه تعالى قسم دلائل الخلق في العالم الذي نحن فيه و هو عالم المركبات قسمين: حيوان و غير حيوان، و غير الحيوان إما نبات و إما معدن، و النبات أشرف، و أشار إليه بقوله: فَأَخْرَجْنََا بِهِ ثَمَرََاتٍ ثم ذكر المعدن بقوله: وَ مِنَ اَلْجِبََالِ ثم ذكر الحيوان و بدأ بالأشرف منها و هو الإنسان فقال: وَ مِنَ اَلنََّاسِ ثم ذكر الدواب، لأن منافعها في حياتها و الأنعام منفعتها في الأكل منها، أو لأن الدابة في العرف تطلق على الفرس و هو بعد الإنسان أشرف من غيره، و قوله: مُخْتَلِفٌ أَلْوََانُهُ القول فيه كما أنها في أنفسها دلائل، كذلك في اختلافها دلائل. و أما قوله مُخْتَلِفٌ أَلْوََانُهُ فذكر لكون الإنسان من جملة المذكورين، و كون التذكير أعلى و أولى.

ثم قال تعالى: إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ إِنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ .

الخشية بقدر معرفة المخشي، و العالم يعرف اللّه فيخافه و يرجوه. و هذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد، لأن اللّه تعالى قال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ [الحجرات: 13]فبين أن الكرامة بقدر التقوى، و التقوى بقدر العلم. فالكرامة بقدر العلم لا بقدر العمل، نعم العالم إذا ترك العمل قدح ذلك في علمه، فإن من يراه يقول: لو علم لعمل. ثم قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ذكر ما يوجب الخوف و الرجاء، فكونه عزيزا ذا انتقام يوجب الخوف التام، و كونه غفورا لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ. و قراءة من قرأ بنصب العلماء و رفع اللّه، معناها إنما يعظم و يبجل.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتََابَ اَللََّهِ .

لما بين العلماء باللّه و خشيتهم و كرامتهم بسبب خشيتهم ذكر العالمين بكتاب اللّه العالمين بما فيه. و قوله:

يَتْلُونَ كِتََابَ اَللََّهِ إشارة إلى الذكر.

237

و قوله تعالى: وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ إشارة إلى العمل البدني.

و قوله: وَ أَنْفَقُوا مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ إشارة إلى العمل المالي، و في الآيتين حكمة بالغة، فقوله: إنما يخشى اللّه إشارة إلى عمل القلب، و قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ يَتْلُونَ إشارة إلى عمل اللسان. و قوله: وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ وَ أَنْفَقُوا مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ إشارة إلى عمل الجوارح، ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب تعظيم اللّه و الشفقة على خلقه، لأنا بينا أن من يعظم ملكا إذا رأى عبدا من عباده في حاجة يلزمه قضاء حاجته و إن تهاون فيه يخل بالتعظيم، و إلى هذا أشار بقوله: عبدي مرضت فما عدتني، فيقول العبد: كيف تمرض و أنت رب العالمين، فيقول اللّه مرض عبدي فلان و ما زرته و لو زرته لوجدتني عنده، يعني التعظيم متعلق بالشفقة فحيث لا شفقة على خلق اللّه لا تعظيم لجانب اللّه.

و قوله تعالى: سِرًّا وَ عَلاََنِيَةً حث على الإنفاق كيفما يتهيأ، فإن تهيأ سرا فذاك و نعم و إلا فعلانية و لا يمنعه ظنه أن يكون رياء، فإن ترك الخير مخافة أن يقال فيه إنه مراء عين الرياء و يمكن أن يكون المراد بقوله:

سِرًّا أي صدقة وَ عَلاََنِيَةً أي زكاة، فإن الإعلان بالزكاة كالإعلان بالفرض و هو مستحب.

و قوله تعالى: يَرْجُونَ تِجََارَةً لَنْ تَبُورَ إشارة إلى الإخلاص، أي ينفقون لا ليقال إنه كريم و لا لشي‏ء من الأشياء غير وجه اللّه، فإن غير اللّه بائر و التاجر فيه تجارته بائرة.

و قوله تعالى: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ أي ما يتوقعونه و لو كان أمرا بالغ الغاية وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي يعطيهم ما لم يخطر ببالهم عند العمل، و يحتمل أن يكون يزيدهم النظر إليه كما جاء في تفسير الزيادة إِنَّهُ غَفُورٌ عند إعطاء الأجور شَكُورٌ عند إعطاء الزيادة.

ثم قال تعالى: وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ مِنَ اَلْكِتََابِ هُوَ اَلْحَقُّ .

لما بين الأصل الأول و هو وجود اللّه الواحد بأنواع الدلائل من قوله: وَ اَللََّهُ اَلَّذِي أَرْسَلَ اَلرِّيََاحَ [فاطر: 9] /و قوله: وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ [فاطر: 11]و قوله: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ أَنْزَلَ [فاطر: 27]ذكر الأصل الثاني و هو الرسالة، فقال: وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ مِنَ اَلْكِتََابِ هُوَ اَلْحَقُّ و أيضا كأنه قد ذكر أن الذين يتلون كتاب اللّه يوفيهم اللّه فقال: وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ مِنَ اَلْكِتََابِ هُوَ اَلْحَقُّ تقريرا لما بين من الأجر و الثواب في تلاوة كتاب اللّه فإنه حق و صدق فتاليه محق و محقق و في تفسيرها مسائل:

المسألة الأولى: قوله: مِنَ اَلْكِتََابِ يحتمل أن يكون لابتداء الغاية كما يقال أرسل إلى كتاب من الأمير أو الوالي و على هذا فالكتاب يمكن أن يكون المراد منه اللوح المحفوظ يعني الذي أوحينا من اللوح المحفوظ إليك حق، و يمكن أن يكون المراد هو القرآن يعني الإرشاد و التبيين الذي أوحينا إليك من القرآن و يحتمل أن يكون للبيان كما يقال أرسل إلى فلان من الثياب و القماش جملة.

المسألة الثانية: قوله: هُوَ اَلْحَقُّ آكد من قول القائل الذي أوحينا إليك حق من وجهين أحدهما أن‏

238

تعريف الخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور لأن الخبر في الأكثر يكون نكرة، لأن الإخبار في الغالب يكون إعلاما بثبوت أمر لا معرفة للسامع به لأمر يعرفه السامع كقولنا زيد قام فإن السامع ينبغي أن يكون عارفا بزيد و لا يعلم قيامه فيخبر به، فإذا كان الخبر أيضا معلوما فيكون الإخبار للتنبيه فيعرفان باللام كقولنا زيد العالم في هذه المدينة إذا كان علمه مشهورا.

المسألة الثالثة: قوله: مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ حال مؤكدة لكونه حقا لأن الحق إذا كان لا خلاف بينه و بين كتب اللّه يكون خاليا عن احتمال البطلان و في قوله: مُصَدِّقاً تقرير لكونه وحيا لأن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم لما لم يكن قارئا كاتبا و أتى ببيان ما في كتب اللّه لا يكون ذلك إلا من اللّه تعالى و جواب عن سؤال الكفار و هو أنهم كانوا يقولون بأن التوراة ورد فيها كذا و الإنجيل ذكر فيه كذا و كانوا يفترون من التثليث و غيره و كانوا يقولون بأن القرآن فيه خلاف ذلك فقال التوراة و الإنجيل لم يبق بهما وثوق بسبب تغييركم فهذا القرآن ما ورد فيه إن كان في التوراة فهو حق و باق على ما نزل، و إن لم يكن فيه و يكون فيه خلاف فهو ليس من التوراة، فالقرآن مصدق للتوراة و فيه وجه آخر: و هو أن يقال إن هذا الوحي مصدق لما تقدم لأن الوحي لو لم يكن وجوده لكذب موسى و عيسى عليهما السلام في إنزال التوراة و الإنجيل فإذا وجد الوحي و نزل على محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم علم جوازه و صدق به ما تقدم، و على هذا ففيه لطيفة. و هي أنه تعالى جعل القرآن مصدقا لما مضى مع أن ما مضى أيضا مصدق له لأن الوحي إذا نزل على واحد جاز أن ينزل على غيره و هو محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم و لم يجعل ما تقدم مصدقا للقرآن لأن القرآن كونه معجزة يكفي في تصديقه بأنه وحي، و أما ما تقدم فلا بد معه من معجزة تصدقه.

المسألة الرابعة: قوله: إِنَّ اَللََّهَ بِعِبََادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ فيه وجهان: أحدهما: أنه تقرير لكونه هو الحق لأنه وحي من اللّه و اللّه خبير عالم بالبواطن بصير عالم بالظواهر، فلا يكون باطلا في وحيه لا في الباطن و لا في الظاهر و ثانيهما: أن يكون جوابا لما كانوا يقولونه إنه لم لم ينزل على رجل عظيم؟فيقال إن اللّه بعباده لخبير يعلم بواطنهم و بصير يرى ظواهرهم فاختار محمدا عليه السلام و لم يختر غيره فهو أصلح من الكل.

ثم قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ بِإِذْنِ اَللََّهِ اتفق أكثر المفسرين على أن المراد من الكتاب القرآن و على هذا فالذين اصطفيناهم الذين أخذوا بالكتاب و هم المؤمنون و الظالم و المقتصد و السابق كلهم منهم و يدل عليه قوله تعالى: جَنََّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهََا [الرعد: 23]أخبر بدخولهم الجنة و كلمة ثُمَّ أَوْرَثْنَا أيضا تدل عليه لأن الإيراث إذا كان بعد الإيحاء و لا كتاب بعد القرآن فهو الموروث و الإيراث المراد منه الإعطاء بعد ذهاب من كان بيده المعطى، و يحتمل أن يقال المراد من الكتاب هو جنس الكتاب كما في قوله تعالى: جََاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتََابِ اَلْمُنِيرِ [فاطر: 25]و المعنى على هذا: إنا أعطينا الكتاب الذين اصطفينا و هم الأنبياء و يدل عليه أن لفظ المصطفى على الأنبياء إطلاقه كثير و لا كذلك على غيرهم لأن قوله: مِنْ عِبََادِنََا دل على أن العباد أكابر

239

مكرمون بالإضافة إليه، ثم إن المصطفين منهم أشرف منهم و لا يليق بمن يكون أشرف من الشرفاء أن يكون ظالما مع أن لفظ الظالم أطلقه اللّه في كثير من المواضع على الكافر و سمي الشرك ظلما، و على الوجه الأول الظاهر بين معناه آتينا القرآن لمن آمن بمحمد و أخذوه منه و افترقوا فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ و هو المسي‏ء وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ و هو الذي خلط عملا صالحا و آخر سيئا وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ و هو الذي أخلص العمل للّه و جرده عن السيئات، فإن قال قائل كيف قال في حق من ذكر في حقه أنه من عباده و أنه مصطفى إنه ظالم؟مع أن الظالم يطلق على الكافر في كثير من المواضع، فنقول المؤمن عند المعصية يضع نفسه في غير موضعها فهو ظالم لنفسه حال المعصية و إليه الإشارة

بقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن»

و يصحح هذا

قول عمر رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: «ظالمنا مغفور له»

و قال آدم عليه السلام مع كونه مصطفى: رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا [الأعراف:

23]و أما الكافر فيضع قلبه الذي به اعتبار الجسد في غير موضعه فهو ظالم على الإطلاق، و أما قلب المؤمن فمطمئن بالإيمان لا يضعه في غير التفكر في آلاء اللّه و لا يضع فيه غير محبة اللّه، و في المراتب الثلاث أقوال كثيرة: أحدها: الظالم هو الراجح السيئات و المقتصد هو الذي/تساوت سيئاته و حسناته و السابق هو الذي ترجحت حسناته ثانيها: الظالم هو الذي ظاهره خير من باطنه، و المقتصد من تساوى ظاهره و باطنه، و السابق من باطنه خير ثالثها: الظالم هو الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه، و المقتصد هو الموحد الذي يمنع جوارحه من المخالفة بالتكليف، و السابق هو الموحد الذي ينسيه التوحيد عن التوحيد و رابعها: الظالم صاحب الكبيرة، و المقتصد صاحب الصغيرة، و السابق المعصوم خامسها: الظالم التالي للقرآن غير العالم به و العامل بموجبه، و المقتصد التالي العالم، و السابق التالي العالم العامل سادسها: الظالم الجاهل و المقتصد المتعلم و السابق العالم سابعها: الظالم أصحاب المشأمة، و المقتصد أصحاب الميمنة، و السابق السابقون المقربون ثامنها: الظالم الذي يحاسب فيدخل النار، و المقتصد الذي يحاسب فيدخل الجنة، و السابق الذي يدخل الجنة من غير حساب تاسعها: الظالم المصر على المعصية، و المقتصد هو النادم و التائب، و السابق هو المقبول التوبة عاشرها: الظالم الذين أخذ القرآن و لم يعمل به، و المقتصد الذي عمل به، و السابق الذي أخذه و عمل به و بين للناس العمل به فعملوا به بقوله فهو كامل و مكمل، و المقتصد كامل و الظالم ناقص، و المختار هو أن الظالم من خالف فترك أوامر اللّه و ارتكب مناهيه فإنه واضع للشي‏ء في غير موضعه، و المقتصد هو المجتهد في ترك المخالفة و إن لم يوفق لذلك و ندر منه ذنب و صدر عنه إثم فإنه اقتصد و اجتهد و قصد الحق و السابق هو الذي لم يخالف بتوفيق اللّه و يدل عليه قوله تعالى: بِإِذْنِ اَللََّهِ أي اجتهد و وفق لما اجتهد فيه و فيما اجتهد فهو سابق بالخير يقع في قلبه فيسبق إليه قبل تسويل النفس و المقتصد يقع في قلبه فتردده النفس، و الظالم تغلبه النفس، و نقول بعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة و أمرته فأطاعها ظالم و من جاهد نفسه فغلب تارة و غلب أخرى فهو المقصد و من قهر نفسه فهو السابق و قوله: ذََلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ يحتمل وجوها أحدها: التوفيق المدلول عليه بقوله: بِإِذْنِ اَللََّهِ ذََلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ ثانيها: السبق بالخيرات هو الفضل الكبير ثالثها:

الإيراث فضل كبير هذا على الوجه المشهور من التفسير، أما الوجه الآخر و هو أن يقال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ أي جنس الكتاب، كما قال تعالى: جََاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتََابِ اَلْمُنِيرِ [فاطر: 25]يرد عليه أسئلة أحدهما: ثم للتراخي و إيتاء الكتاب بعد الإيحاء إلى محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم لم يكن فما المراد بكلمة ثم؟نقول معناه إن اللّه خبير بصير خبرهم و أبصرهم ثم أورثهم الكتاب كأنه تعالى قال إنا علمنا البواطن و أبصرنا الظواهر

240

فاصطفينا عبادا ثم أورثنا الكتاب، ثانيها: كيف يكون من الأنبياء ظالم لنفسه؟نقول منهم غير راجع إلى الأنبياء المصطفين، بل المعنى إن الذي أوحينا إليك هو الحق و أنت المصطفى كما اصطفينا رسلا و آتيناهم كتبا، و منهم أي من قومك/ظالم كفر بك و بما أنزل إليك و مقتصد آمن بك و لم يأت بجميع ما أمرته به و سابق آمن و عمل صالحا و ثالثها: قوله: جَنََّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهََا [الرعد: 23]الداخلون هم المذكورون و على ما ذكرتم لا يكون الظالم داخلا، نقول الداخلون هم السابقون، و أما المقتصد فأمره موقوف أو هو يدخل النار أولا ثم يدخل الجنة و البيان لأول الأمر لا لما بعده، و يدل عليه قوله: يُحَلَّوْنَ فِيهََا مِنْ أَسََاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [الكهف: 31] و قوله: أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ [فاطر: 34]. ثم قال:

و في الداخلين وجوه أحدها: الأقسام الثلاثة و هي على قولنا أن الظالم و المقتصد و السابق أقسام المؤمنين و الثاني: الذين يتلون كتاب اللّه و الثالث: هم السابقون و هو أقوى لقرب ذكرهم و لأنه ذكر إكرامهم بقوله:

يُحَلَّوْنَ فالمكرم هو السابق و على هذا فيه أبحاث:

الأول: تقديم الفاعل على الفعل و تأخير المفعول عنه موافق لترتيب المعنى إذا كان المفعول حقيقيا كقولنا: اللّه خلق السموات و قول القائل: زيد بنى الجدار فإن اللّه موجود قبل كل شي‏ء، ثم له فعل هو الخلق، ثم حصل به المفعول و هو السموات، و كذلك زيد قبل البناء ثم الجدار من بنائه، و إذا لم يكن المفعول حقيقيا كقولنا زيد دخل الدار و ضرب عمرا فإن الدار في الحقيقة ليس مفعولا للداخل و إنما فعل من أفعاله تحقق بالنسبة إلى الدار و كذلك عمرو فعل من أفعال زيد تعلق به فسمي مفعولا لا يحصل هذا الترتيب، و لكن الأصل تقديم الفاعل على المفعول و لهذا يعاد المفعول المقدم بالضمير تقول عمرا ضربه زيد فتوقعه بعد الفعل بالهاء العائدة إليه و حينئذ يطول الكلام فلا يختاره الحكيم إلا لفائدة، فما الفائدة في تقديم الجنات على الفعل الذي هو الدخول و إعادة ذكر بالهاء في يدخلونها، و ما الفرق بين هذا و بين قول القائل يدخلون جنات عدن؟نقول السامع إذا علم أن له مدخلا من المداخل و له دخول و لم يعلم عين المدخل فإذا قيل له أنت تدخل فإلى أن يسمع الدار أو السوق يبقى متعلق القلب بأنه في أي المداخل يكون، فإذا قيل له دار زيد تدخلها فبذكر الدار، يعلم مدخله و بما عنده من العلم السابق بأن له دخولا يعلم الدخول فلا يبقى له توقف و لا سيما الجنة و النار، فإن بين المدخلين بونا بعيدا الثاني: قوله: يُحَلَّوْنَ فِيهََا إشارة إلى سرعة الدخول فإن التحلية لو وقعت خارجا لكان فيه تأخير الدخول فقال: يَدْخُلُونَهََا و فيها تقع تحليتهم الثالث: قوله: مِنْ أَسََاوِرَ بجمع الجمع فإنه جمع أسورة و هي جمع سوار، و قوله: وَ لِبََاسُهُمْ فِيهََا حَرِيرٌ ليس كذلك لأن الإكثار من اللباس/يدل على حاجة من دفع برد أو غيره و الإكثار من الزينة لا يدل إلا على الغنى الرابع: ذكر الأساور من بين سائر الحلي في كثير من المواضع منها قوله تعالى: وَ حُلُّوا أَسََاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان: 21]و ذلك لأن التحلي بمعنيين أحدهما:

إظهار كون المتحلي غير مبتذل في الأشغال لأن التحلي لا يكون حالة الطبخ و الغسل و ثانيهما: إظهار الاستغناء عن الأشياء و إظهار القدرة على الأشياء و ذلك لأن التحلي إما باللآلئ و الجواهر و إما بالذهب و الفضة و التحلي بالجواهر و اللئالئ يدل على أن المتحلي لا يعجز عن الوصول إلى الأشياء الكبيرة عند الحاجة حيث يعجز عن الوصول إلى الأشياء القليلة الوجود لا لحاجة، و التحلي بالذهب و الفضلة يدل على أنه غير محتاج حاجة أصلية

241

و إلا لصرف الذهب و الفضة إلى دفع الحاجة، إذا عرفت هذا فنقول الأساور محلها الأيدي و أكثر الأعمال باليد فإنها للبطش، فإذا حليت بالأساور علم الفراغ و الذهب و اللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحلي. ثم قال تعالى:

في الحزن أقوال كثيرة و الأولى أن يقال المراد إذهاب كل حزن و الألف و اللام للجنس و استغراقه و إذهاب الحزن بحصول كل ما ينبغي و بقائه دائما فإن شيئا منه لو لم يحصل لكان الحزن موجودا بسببه و إن حصل و لم يدم لكان الحزن غير ذاهب بعد بسبب زواله و خوف فواته، و قوله: إِنَّ رَبَّنََا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ذكر اللّه عنهم أمورا كلها تفيد الكرامة من اللّه الأول: الحمد فإن الحامد مثاب الثاني: قولهم (ربنا) فإن اللّه لم يناد بهذا اللفظ إلا و استجاب لهم، اللهم إلا أن يكون المنادي قد ضيع الوقت الواجب أو طلب ما لا يجوز كالرد إلى الدنيا من الآخرة الثالث: قولهم: (غفور) ، الرابع: قولهم: شَكُورٌ و الغفور إشارة إلى ما غفر لهم في الآخرة بما وجد لهم من الحمد في الدنيا، و الشكور إشارة إلى ما يعطيهم و يزيد لهم بسبب ما وجد لهم في الآخرة من الحمد.

ثم قال تعالى: اَلَّذِي أَحَلَّنََا دََارَ اَلْمُقََامَةِ مِنْ فَضْلِهِ أي دار الإقامة، لما ذكر اللّه سرورهم و كرامتهم بتحليتهم و إدخالهم الجنات بين سرورهم ببقائهم فيها و أعلمهم بدوامها حيث قالوا: اَلَّذِي أَحَلَّنََا دََارَ اَلْمُقََامَةِ أي الإقامة و المفعول ربما يجي‏ء للمصدر من كل باب يقال ما له معقول أي عقل، و قال تعالى: مُدْخَلَ صِدْقٍ [الإسراء: 80]و قال تعالى: وَ مَزَّقْنََاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ: 19]و كذلك مستخرج للاستخراج و ذلك لأن المصدر هو المفعول في الحقيقة، فإنه هو الذي فعل فجاز إقامة المفعول مقامه و في قوله: دََارَ اَلْمُقََامَةِ إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف و يرتحل عنها إلى منزلة القبور و منها إلى منزلة/العرصة التي فيها الجمع و منها التفريق. و قد تكون النار لبعضهم منزلة أخرى و الجنة دار المقامة، و كذلك النار لأهلها و قولهم مِنْ فَضْلِهِ أي بحكم وعده لا بإيجاب من عنده.

و قوله تعالى: لاََ يَمَسُّنََا فِيهََا نَصَبٌ وَ لاََ يَمَسُّنََا فِيهََا لُغُوبٌ اللغوب الإعياء و النصب هو السبب للإعياء فإن قال قائل إذا بين أنه لا يمسهم فيها نصب علم أنه لا يمسهم فيها لغوب و لا ينفي المتكلم الحكيم السبب، ثم ينفي مسببه بحرف العطف فلا يقول القائل لا أكلت و لا شبعت أو لا قمت و لا مشيت و العكس كثير فإنه يقال لا شبعت و لا أكلت لما أن نفي الشبع لا يلزمه انتفاء الأكل و سياق ما تقرر أن يقال لا يمسنا فيها إعياء و لا مشقة، فنقول ما قال اللّه في غاية الجلالة و كلام اللّه أجل و بيانه أجمل، و وجهه هو أنه تعالى بين مخالفة الجنة لدار الدنيا فإن الدنيا أماكنها على قسمين: أحدهما: موضع نمس فيه المشاق و المتاعب كالبراري و الصحاري و الطرقات و الأراضي و الآخر: موضع يظهر فيه الإعياء كالبيوت و المنازل التي في الأسفار من الخانات فإن من يكون في مباشرة شغل لا يظهر عليه الإعياء إلا بعد ما يستريح فقال تعالى: لاََ يَمَسُّنََا فِيهََا نَصَبٌ أي ليست الجنة كالمواضع التي في الدنيا مظان المتاعب بل هي أفضل من المواضع التي هي مواضع مرجع العي، فقال: وَ لاََ

242

يَمَسُّنََا فِيهََا لُغُوبٌ أي، لا نخرج منها إلى مواضع نتعب و نرجع إليها فيمسنا فيها الإعياء و قرئ لغوب بفتح اللام و الترتيب على هذه القراءة ظاهر كأنه قال لا نتعب و لا يمسنا ما يصلح لذلك، و هذا لأن القوي السوي إذا قال ما تعبت اليوم لا يفهم من كلامه أنه ما عمل شيئا لجواز أنه عمل عملا لم يكن بالنسبة إليه متعبا لوقته، فإذا قال ما مسني ما يصلح أن يكون متعبا يفهم أنه لم يعمل شيئا لأن نفس العمل قد يصلح أن يكون متعبا لضعيف أو متعبا بسبب كثرته، و اللغوب هو ما يغلب منه و قيل النصب التعب الممرض، و على هذا فحسن الترتيب ظاهر كأنه قال لا يمسنا مرض و لا دون ذلك و هو الذي يعيا منه مباشرة.

ثم قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نََارُ جَهَنَّمَ عطف على قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتََابَ اَللََّهِ [فاطر:

29]و ما بينهما كلام يتعلق بالذين يتلون كتاب اللّه على ما بينا و قوله: جَنََّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهََا [فاطر: 33] قد ذكرنا أنه على بعض الأقوال راجع إلى‏ اَلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتََابَ اَللََّهِ .

ثم قال تعالى: لاََ يُقْضى‏ََ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا أي لا يستريحون بالموت بل العذاب دائم.

و قوله تعالى: وَ لاََ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذََابِهََا كَذََلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ أي النار و فيه لطائف: /الأولى: أن العذاب في الدنيا إن دام كثيرا يقتل فإن لم يقتل يعتاده البدن و يصير مزاجا فاسدا متمكنا لا يحس به المعذب، فقال عذاب نار الآخرة ليس كعذاب الدنيا، إما أن يفنى و إما أن يألفه البدن بل هو في كل زمان شديد و المعذب فيه دائم الثانية: راعى الترتيب على أحسن وجه و ذلك لأن الترتيب أن لا ينقطع العذاب، و لا يفتر فقال لا ينقطع و لا بأقوى الأسباب و هو الموت حتى يتمنون الموت و لا يجابون كما قال تعالى: وَ نََادَوْا يََا مََالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنََا رَبُّكَ [الزخرف: 77]أي بالموت الثالثة: في المعذبين اكتفى بأنه لا ينقص عذابهم، و لم يقل نزيدهم عذابا.

و في المثابين ذكر الزيادة بقوله: وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 173]ثم لما بين أن عذابهم لا يخفف.

قال تعالى: وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهََا أي لا يخفف و إن اصطرخوا و اضطربوا لا يخفف اللّه من عنده إنعاما إلى أن يطلبوه بل يطلبون و لا يجدون و الاصطراخ من الصراخ و الصراخ صوت المعذب.

و قوله تعالى: رَبَّنََا أَخْرِجْنََا أي صراخهم بهذا أي يقولون ربنا أخرجنا لأن صراخهم كلام و فيه إشارة إلى أن إيلامهم تعذيب لا تأديب، و ذلك لأن المؤدب إذا قال لمؤدبه: لا أرجع إلى ما فعلت و بئسما فعلت يتركه، و أما المعذب فلا و ترتيبه حسن و ذلك لأنه لما بين أنه لا يخفف عنهم بالكلية و لا يعفو عنهم بين أنه لا يقبل منهم وعدا و هذا لأن المحبوس يصبر لعله يخرج من غير سؤال فإذا طال لبثه تطلب الإخراج من غير قطيعة على نفسه فإن لم يقده يقطع على نفسه قطيعة و يقول أخرجني أفعل كذا و كذا.

و اعلم أن اللّه تعالى قد بين أن من يكون في الدنيا ضالا فهو في الآخرة ضال كما قال تعالى: وَ مَنْ كََانَ‏

243

فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ [الإسراء: 72]ثم إنهم لم يعلموا أن العود إلى الدنيا بعيد محال بحكم الإخبار.

و على هذا قالوا: نَعْمَلْ صََالِحاً جازمين من غير استعانة باللّه و لا مثنوية فيه، و لم يقولوا إن الأمر بيد اللّه، فقال اللّه لهم إذا كان اعتمادكم على أنفسكم فقد عمرناكم مقدارا يمكن التذكر فيه و الإتيان بالإيمان و الإقبال على الأعمال.

و قولهم: غَيْرَ اَلَّذِي كُنََّا نَعْمَلُ إشارة إلى ظهور فساد عملهم لهم و كأن اللّه تعالى كما لم يهدهم في الدنيا لم يهدهم في الآخرة، فما قالوا ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعملهم و نحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظرا إلى فضلك و لا تفعل بنا ما نحن أهله نظرا إلى عدلك و انظر إلى مغفرتك الهاطلة و لا تنظر إلى معذرتنا الباطلة، و كما هدى اللّه المؤمن في الدنيا هداه في العقبى حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة و أثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا الحمد للّه و قالوا ربنا غفور اعترافا بتقصيرهم شكور إقرارا بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم و قالوا: أَحَلَّنََا دََارَ اَلْمُقََامَةِ مِنْ فَضْلِهِ [فاطر:

35]أي لا عمل لنا بالنسبة إلى نعم اللّه و هم قالوا: أَخْرِجْنََا نَعْمَلْ صََالِحاً /إغماضا في حق تعظيمه و إعراضا عن الاعتراف بعجزهم عن الإتيان بما يناسب عظمته، ثم إنه تعالى بين أنه آتاهم ما يتعلق بقبول المحل من العمر الطويل و ما يتعلق بالفاعل في المحل، فإن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم كفاعل الخير فيهم و مظهر السعادات.

فقال تعالى: أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مََا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جََاءَكُمُ اَلنَّذِيرُ .

فإن المانع إما أن يكون فيهم حيث لم يتمكنوا من النظر فيما أنزل اللّه، و إما أن يكون في مرشدهم حيث لم يتل عليهم ما يرشدهم.

ثم قال تعالى: فَذُوقُوا فَمََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ و قوله: فَذُوقُوا إشارة إلى الدوام و هو أمر إهانة، فما للظالمين الذين وضعوا أعمالهم و أقوالهم في غير موضعها و أتوا بالمعذرة في غير وقتها من نصير في وقت الحاجة ينصرهم، قال بعض الحكماء قوله: فَمََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ و قوله: وَ مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ أَنْصََارٍ* [البقرة: 270]يحتمل أن يكون المراد من الظالم الجاهل جهلا مركبا، و هو الذي يعتقد الباطل حقا في الدنيا و ما له من نصير أي من علم ينفعه في الآخرة، و الذي يدل عليه هو أن اللّه تعالى سمى البرهان سلطانا، كما قال تعالى: فَأْتُونََا بِسُلْطََانٍ [إبراهيم: 10]و السلطان أقوى ناصر إذ هو القوة أو الولاية و كلاهما ينصر و الحق التعميم، لأن اللّه لا ينصره و ليس غيره نصيرا فما لهم من نصير أصلا، و يمكن أن يقال إن اللّه تعالى قال في آل عمران‏ وَ مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ أَنْصََارٍ [آل عمران: 192]و قال: فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اَللََّهُ وَ مََا لَهُمْ مِنْ نََاصِرِينَ [الروم: 29]و قال هاهنا: فَمََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ أي هذا وقت كونهم واقعين في النار، فقد أيس كل منهم من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة و لم يبق إلا توقعهم من اللّه فقال: ما لكم من نصير أصلا، و هناك كان الأمر محكيا في الدنيا أو في أوائل الحشر، فنفى ما كانوا يتوقعون منهم النصرة و هم آلهتهم. ثم قال تعالى:

تقريرا لدوامهم في العذاب، و ذلك من حيث إن اللّه تعالى لما قال: وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا [الشورى:

244

40]و لا يزاد عليها، فلو قال قائل: الكافر ما كفر باللّه إلا أياما معدودة، فكان ينبغي أن لا يعذب إلى مثل تلك الأيام، فقال تعالى إن اللّه لا يخفى عليه غيب السموات فلا يخفى عليه ما في الصدور، و كان يعلم من الكافر أن في قلبه تمكن الكفر بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع اللّه و لا عبده.

و في قوله تعالى: بِذََاتِ اَلصُّدُورِ مسألة قد ذكرناها مرة و نعيدها أخرى، و هي أن لقائل أن يقول الصدور هي ذات اعتقادات و ظنون، فكيف سمى اللّه الاعتقادات بذات الصدور؟/و يقرر السؤال قولهم أرض ذات أشجار و ذات جنى إذا كان فيها ذلك، فكذلك الصدر فيه اعتقاد فهو ذو اعتقاد، فيقال له لما كان اعتبار الصدر بما فيه صار ما فيه كالساكن المالك حيث لا يقال الدار ذات زيد، و يصح أن يقال زيد ذو دار و مال و إن كان هو فيها.

ثم قال تعالى: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاََئِفَ فِي اَلْأَرْضِ .

تقريرا لقطع حجتهم فإنهم لما قالوا: رَبَّنََا أَخْرِجْنََا نَعْمَلْ صََالِحاً [فاطر: 37]و قال تعالى: أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مََا يَتَذَكَّرُ [فاطر: 37]إشارة إلى أن التمكين و الإمهال مدة يمكن فيها المعرفة قد حصل و ما آمنتم و زاد عليه بقوله: وَ جََاءَكُمُ اَلنَّذِيرُ [فاطر: 37]أي آتيناكم عقولا، و أرسلنا إليكم من يؤيد المعقول بالدليل المنقول زاد على ذلك بقوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاََئِفَ فِي اَلْأَرْضِ أي نبهكم بمن مضى و حال من انقضى فإنكم لو لم يحصل لكم علم بأن من كذب الرسل أهلك لكان عنادكم أخفى و فسادكم أخف، لكن أمهلتم و عمرتم و أمرتم على لسان الرسل بما أمرتم و جعلتم خلائف في الأرض، أي خليفة بعد خليفة تعلمون حال الماضين و تصبحون بحالهم راضين فَمَنْ كَفَرَ بعد هذا كله فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَ لاََ يَزِيدُ اَلْكََافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاََّ مَقْتاً لأن الكافر السابق كان ممقوتا كالعبد الذي لا يخدم سيده و اللاحق الذي أنذره الرسول و لم ينتبه أمقت كالعبد الذي ينصحه الناصح و يأمره بخدمة سيده و يعده و يوعده و لا ينفعه النصح و لا يسعده و التالي لهم الذي رأى عذاب من تقدم و لم يخش عذابه أمقت الكل.

ثم قال تعالى: وَ لاََ يَزِيدُ اَلْكََافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاََّ خَسََاراً أي الكفر لا ينفع عند اللّه حيث لا يزيد إلا المقت، و لا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يفيدهم إلا الخسارة، فإن العمر كرأس مال من اشترى به رضا اللّه ربح، و من اشترى به سخطه خسر. ثم قال تعالى:

تقريرا للتوحيد و إبطالا للإشراك، و قوله: أَ رَأَيْتُمْ المراد منه أخبروني، لأن الاستفهام يستدعي جوابا، يقول القائل أ رأيت ماذا فعل زيد؟فيقول السامع باع أو اشترى، و لولا تضمنه معنى أخبرني و إلا لما كان الجواب إلا قوله لا أو نعم، و قوله: شُرَكََاءَكُمُ إنما أضاف الشركاء إليهم من حيث إن الأصنام في الحقيقة لم‏

245

تكن شركاء للّه، و إنما هم جعلوها شركاء، فقال شركاءكم، أي الشركاء بجعلكم و يحتمل أن يقال شركاءكم، أي شركاءكم في النار لقوله: إِنَّكُمْ وَ مََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 98]و هو قريب، و يحتمل أن يقال هو بعيد لاتفاق المفسرين على الأول و قوله: أَرُونِي بدل عن أَ رَأَيْتُمْ لأن كليهما يفيد معنى أخبروني، و يحتمل أن يقال قوله: أَ رَأَيْتُمْ استفهام حقيقي و أَرُونِي أمر تعجيز للتبيين، فلما قال:

أَ رَأَيْتُمْ يعني أعلمتم هذه التي تدعونها كما هي و على ما هي عليه من العجز أو تتوهمون فيها قدرة، فإن كنتم تعلمونها عاجزة فكيف تعبدونها؟و إن كان وقع لكم أن لها قدرة فأروني قدرتها في أي شي‏ء هي، أهي في الأرض، كما قال بعضهم: إن اللّه إله السماء و هؤلاء آلهة الأرض، و هم الذين قالوا أمور الأرض من الكواكب و الأصنام صورها؟أم هي في السموات، كما قال بعضهم: إن السماء خلقت باستعانة الملائكة و الملائكة شركاء في خلق السموات، و هذه الأصنام صورها؟أم قدرتها في الشفاعة لكم، كما قال بعضهم إن الملائكة ما خلقوا شيئا و لكنهم مقربون عند اللّه فنعبدها ليشفعوا لنا، فهل معهم كتاب من اللّه فيه إذنه لهم بالشفاعة؟و قوله: أَمْ آتَيْنََاهُمْ كِتََاباً في العائد إليه الضمير وجهان أحدهما: أنه عائد إلى الشركاء، أي هل أتينا الشركاء كتابا و ثانيهما: أنه عائد إلى المشركين، أي هل آتينا المشركين كتابا و على الأول فمعناه ما ذكرنا، أي هل مع ما جعل شريكا كتاب من اللّه فيه أن له شفاعة عند اللّه، فإن أحدا لا يشفع عنده إلا بإذنه، و على الثاني معناه أن عبادة هؤلاء إما بالعقل و لا عقل لمن يعبد من لم يخلق من الأرض جزءا من الأجزاء و لا في السماء شيئا من الأشياء، و إما بالنقل و نحن ما آتينا المشركين كتابا فيه أمرنا بالسجود لهؤلاء و لو أمرنا لجاز كما أمرنا بالسجود لآدم و إلى جهة الكعبة، فهذه العبادة لا عقلية و لا نقلية فوعد بعضهم بعضا ليس إلا غرورا غرهم الشيطان و زين لهم عبادة الأصنام.

و يحتمل أن يقال لما بين شركهم قال مقتضى شركهم زوال السموات و الأرض كما قال تعالى: تَكََادُ اَلسَّمََاوََاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ اَلْأَرْضُ وَ تَخِرُّ اَلْجِبََالُ هَدًّا*`أَنْ دَعَوْا/لِلرَّحْمََنِ وَلَداً [مريم: 90، 91]و يدل على هذا قوله تعالى في آخر الآية: إِنَّهُ كََانَ حَلِيماً غَفُوراً كان حليما ما ترك تعذيبهم إلا حلما منه و إلا كانوا يستحقون إسقاط السماء و انطباق الأرض عليهم و إنما أخر إزالة السموات إلى قيام الساعة حلما، و تحتمل الآية وجها ثالثا:

و هو أن يكون ذلك من باب التسليم و إثبات المطلوب على تقدير التسليم أيضا كأنه تعالى قال شركاؤكم ما خلقوا من الأرض شيئا و لا في السماء جزءا و لا قدروا على الشفاعة، فلا عبادة لهم. وهب أنهم فعلوا شيئا من الأشياء فهل يقدرون على إمساك السموات و الأرض؟و لا يمكنهم القول بأنهم يقدرون لأنهم ما كانوا يقولون به، كما قال تعالى عنهم: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ* [لقمان: 25]و يؤيد هذا قوله: وَ لَئِنْ زََالَتََا إِنْ أَمْسَكَهُمََا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فإذا تبين أن لا معبود إلا اللّه من حيث إن غيره لم يخلق من الأشياء و إن قال الكافر بأن غيره خلق فما خلق مثل ما خلق فلا شريك له إنه كان حليما غفورا، حليما حيث لم يعجل في إهلاكهم بعد إصرارهم على إشراكهم و غفورا يغفر لمن تاب و يرحمه و إن استحق العقاب. ثم قال تعالى:

246

في قوله تعالى وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ لَئِنْ جََاءَهُمْ نَذِيرٌ إلى قوله تعالى إِلاََّ نُفُوراً لما بين إنكارهم للتوحيد ذكر تكذيبهم للرسول و مبالغتهم فيه حيث إنهم كانوا يقسمون على أنهم لا يكذبون الرسل إذا تبين لهم كونهم رسلا و قالوا: إنما نكذب بمحمد صلى اللّه عليه و آله و سلم لكونه كاذبا، و لو تبين لنا كونه رسولا لآمنا كما قال تعالى عنهم: وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ لَئِنْ جََاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهََا [الأنعام: 109]و هذا مبالغة منهم في التكذيب، كما أن من ينكر دين إنسان قد يقول و اللّه لو علمت أن له شيئا علي لقضيته و زدت له، إظهارا لكونه مطالبا بالباطل، فكذلك هاهنا عاندوا و قالوا و اللّه لو جاءنا رسول لكنا أهدى الأمم فلما جاءهم نذير أي محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم جاءهم أي صح مجيؤه لهم بالبينة ما زادهم إلا نفورا، فإنهم قبل الرسالة كانوا كافرين باللّه و بعدها صاروا كافرين باللّه و رسوله و لأنهم قبل الرسالة ما كانوا معذبين كما صاروا بعد الرسالة و قال بعض المفسرين: إن أهل مكة كانوا يلعنون اليهود و النصارى على أنهم كذبوا برسلهم لما جاءوهم و قالوا لو جاءنا رسول لأطعناه/و اتبعناه، و هذا فيه إشكال من حيث إن المشركين كانوا منكرين للرسالة و الحشر مطلقا، فكيف كانوا يعترفون بالرسل، فمن أين عرفوا أن اليهود كذبوا و ما جاءهم كتاب و لولا كتاب اللّه و بيان رسوله من أين كان يعلم المشركون أنهم صدقوا شيئا و كذبوا في شي‏ء؟بل المراد ما ذكرنا أنهم كانوا يقولون نحن لو جاءنا رسول لا ننكره و إنما ننكر كون محمد رسولا من حيث إنه كاذب و لو صح كونه رسولا لآمنا و قوله: فَلَمََّا جََاءَهُمْ أي فلما صح لهم مجيؤه بالمعجزة، و في قوله: أَهْدى‏ََ وجهان أحدهما: أن يكون المراد أهدى مما نحن عليه و على هذا فقوله: مِنْ إِحْدَى اَلْأُمَمِ للنبيين كما يقول القائل زيد من المسلمين و يدل على هذا قوله تعالى: فَلَمََّا جََاءَهُمْ نَذِيرٌ مََا زََادَهُمْ إِلاََّ نُفُوراً أي صاروا أضل مما كانوا و كانوا يقولون نكون أهدى و ثانيهما: أن يكون المراد أن نكون أهدى من إحدى الأمم كما يقول القائل زيد أولى من عمرو، و في الأمم وجهان أحدهما: أن يكون المراد العموم أي أهدى من أي إحدى الأمم و فيه تعريض و ثانيهما: أن يكون المراد تعريف العهد أي أمة محمد و موسى و عيسى و من كان في زمانهم.

ثم قال تعالى: اِسْتِكْبََاراً فِي اَلْأَرْضِ و نصبه يحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون حالا أي مستكبرين في الأرض و ثانيها: أن يكون مفعولا له أي للاستكبار و ثالثها: أن يكون بدلا عن النفور و قوله: اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إضافة الجنس إلى نوعه كما يقال علم الفقه و حرفة الحدادة و تحقيقه أن يقال معناه و مكروا مكرا سيئا ثم عرف لظهور مكرهم، ثم ترك التعريف باللام و أضيف إلى السي‏ء لكون السوء فيه أبين الأمور، و يحتمل أن يقال بأن المكر يستعمل استعمال العمل كما ذكرنا في قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ اَلسَّيِّئََاتِ [فاطر: 10]أي يعملون السيئات، و مكرهم السي‏ء، و هو جميع ما كان يصدر منهم من القصد إلى الإيذاء و منع الناس من الدخول في الإيمان و إظهار الإنكار، ثم قال: وَ لاََ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاََّ بِأَهْلِهِ أي لا يحيط إلا بفاعله و في قوله: وَ لاََ يَحِيقُ و قوله: إِلاََّ بِأَهْلِهِ فوائد، أما في قوله: يَحِيقُ فهي أنها تنبئ عن الإحاطة التي هي فوق اللحوق‏

247

و فيه من التحذير ما ليس في قوله و لا يلحق أو و لا يصل، و أما في قوله: بِأَهْلِهِ ففيه ما ليس في قول القائل و لا يحيق المكر السي‏ء إلا بالماكر، كي لا يأمن المسي‏ء فإن من أساء و مكره سي‏ء آخر قد يلحقه جزاء على سيئه، و أما إذا لم يكن سيئا فلا يكون أهلا فيأمن المكر السي‏ء، و أما في النفي و الإثبات ففائدته الحصر بخلاف ما يقول القائل المكر السي‏ء يحيق بأهله، فلا ينبئ عن عدم الحيق بغير أهله، فإن قال قائل: كثيرا ما نرى أن الماكر يمكر و يفيده المكر و يغلب الخصم بالمكر و الآية تدل على عدم ذلك، فنقول الجواب عنه من وجوه أحدها: أن المكر المذكور في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم من العزم على القتل و الإخراج و لم يحق إلا بهم، حيث قتلوا يوم بدر و غيره و ثانيها: هو أن نقول المكر السي‏ء عام و هو الأصح فإن النبي عليه السلام نهى عن المكر و

أخبر عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «لا تمكروا و لا تعينوا ماكرا فإن اللّه يقول و لا يحيق المكر السي‏ء/إلا بأهله»

و على هذا فذلك الرجل الممكور به‏[لا]يكون أهلا فلا يرد نقضا و ثالثها: أن الأمور بعواقبها، و من مكر به غيره و نفذ فيه المكر عاجلا في الظاهر ففي الحقيقة هو الفائز و الماكر هو الهالك و ذلك مثل راحة الكافر و مشقة المسلم في الدنيا، و يبين هذا المعنى قوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ سُنَّتَ اَلْأَوَّلِينَ يعني إذا كان لمكرهم في الحال رواج فالعاقبة للتقوى و الأمور بخواتيمها، فيهلكون كما هلك الأولون.

و قوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ سُنَّتَ اَلْأَوَّلِينَ أي ليس لهم بعد هذا إلا انتظار الإهلاك و هو سنة الأولين و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الإهلاك ليس سنة الأولين إنما هو سنة اللّه بالأولين، فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن المصدر الذي هو المفعول المطلق يضاف إلى الفاعل و المفعول لتعلقه بهما من وجه دون وجه فيقال فيما إذا ضرب زيد عمرا عجبت من ضرب عمرو كيف ضرب مع ماله من العزم و القوة و عجبت من ضرب زيد كيف ضرب مع ماله من العلم و الحكمة فكذلك سنة اللّه بهم أضافها إليهم لأنها سنة سنت بهم و أضافها إلى نفسه بعدها بقوله:

فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللََّهِ تَبْدِيلاً لأنها سنة من سنن اللّه، إذا علمت هذا فنقول أضافها في الأول إليهم حيث قال: سُنَّتَ اَلْأَوَّلِينَ لأن سنة اللّه الإهلاك بالإشراك و الإكرام على الإسلام فلا يعلم أنهم ينتظرون أيهما فإذا قال سنة الأولين تميزت و في الثاني أضافها إلى اللّه، لأنها لما علمت فالإضافة إلى اللّه تعظمها و تبين أنها أمر واقع ليس لها من دافع و ثانيهما: أن المراد من سنة الأولين استمرارهم على الإنكار و استكبارهم عن الإقرار، و سنة اللّه استئصالهم بإصرارهم فكأنه قال: أنتم تريدون الإتيان بسنة الأولين و اللّه يأتي بسنة لا تبديل لها و لا تحويل عن مستحقها.

المسألة الثانية: التبديل تحويل فما الحكمة في التكرار؟ نقول بقوله: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللََّهِ تَبْدِيلاً حصل العلم بأن العذاب لا تبديل له بغيره، و بقوله: وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللََّهِ تَحْوِيلاً حصل العلم بأن العذاب مع أنه لا تبديل له بالثواب لا يتحول عن مستحقه إلى غيره فيتم تهديد المسي‏ء.

المسألة الثالثة: المخاطب بقوله: فَلَنْ تَجِدَ يحتمل وجهين و قد تقدم مرارا أحدهما: أن يكون عاما كأنه قال فلن تجد أيها السامع لسنة اللّه تبديلا و الثاني: أن يكون مع محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم و على هذا فكأنه قال: سنة اللّه أنه لا يهلك ما بقي في القوم من كتب اللّه إيمانه، فإذا/آمن من في علم اللّه أنه يؤمن يهلك الباقين كما قال نوح:

248

إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ [نوح: 27]أي تمهل الأمر و جاء وقت سنتك.

ثم قال تعالى: أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ كََانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً .

لما ذكر أن للأولين سنة و هي الإهلاك نبههم بتذكير حال الأولين فإنهم كانوا مارين على ديارهم رائين لآثارهم و أملهم كان فوق أملهم و عملهم كان دون عملهم، أما الأول فلطول أعمارهم و شدة اقتدارهم، و أما عملهم فلأنهم لم يكذبوا مثل محمد و لا محمدا و أنتم يا أهل مكة كذبتم محمدا و من تقدمه، و قوله تعالى:

وَ كََانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً قد ذكرناه في سورة الروم، بقي فيه أبحاث:

الأول: قال هناك: كََانُوا أَشَدَّ [الروم: 9]من غير واو، و قال هاهنا بالواو فما الفرق؟نقول قول القائل: أما رأيت زيدا كيف أكرمني و أعظم منك، يفيد أن القائل يخبره بأن زيدا أعظم، و إذا قال: أما رأيته كيف أكرمني هو أعظم منك يفيد أنه تقرر أن كلا المعنيين حاصل عند السامع كأنه رآه أكرمه و رآه أكبر منه و لا شك أن هذه العبارة الأخيرة تفيد كون الأمر الثاني في الظهور مثل الأول بحيث لا يحتاج إلى إعلام من المتكلم و لا إخبار، إذا علمت هذا فنقول المذكور هاهنا كونهم أشد منهم قوة لا غير، و لعل ذلك كان ظاهرا عندهم فقال بالواو أي نظركم كما يقع على عاقبة أمرهم يقع على قوتهم، و أما هناك فالمذكور أشياء كثيرة فإنه قال: كََانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ أَثََارُوا اَلْأَرْضَ وَ عَمَرُوهََا [الروم: 9]و في موضع آخر قال: أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كََانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَ أَشَدَّ قُوَّةً وَ آثََاراً فِي اَلْأَرْضِ [غافر: 82]و لعل علمهم لم يحصل بإثارتهم الأرض أو بكثرتهم و لكن نفس القوة و رجحانهم فيما عليهم كان معلوما عندهم فإن كل طائفة تعتقد فيمن تقدمهم أنهم أقوى منهم و لا نزاع فيه.

و قوله تعالى: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ لاََ فِي اَلْأَرْضِ إِنَّهُ كََانَ عَلِيماً قَدِيراً يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون بيانا لهم أي أن الأولين مع شدة قوتهم ما أعجزوا اللّه و ما فاتوه فهم أولى بأن لا يعجزوه و الثاني: أن يكون قطعا لأطماع الجهال فإن قائلا لو قال: هب أن الأولين كانوا أشد قوة و أطول أعمارا لكنا نستخرج بذكائنا ما يزيد على قواهم و نستعين/بأمور أرضية لها خواص أو كواكب سماوية لها آثار فقال تعالى: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ لاََ فِي اَلْأَرْضِ إِنَّهُ كََانَ عَلِيماً بأفعالهم و أقوالهم قَدِيراً على إهلاكهم و استئصالهم. ثم قال تعالى:

لما خوف اللّه المكذبين بمن مضى و كانوا من شدة عنادهم و فساد اعتقادهم يستعجلون بالعذاب و يقولون عجل لنا عذابنا فقال اللّه: للعذاب أجل و اللّه لا يؤاخذ اللّه الناس بنفس الظلم فإن الإنسان ظلوم جهول، و إنما

249

يؤاخذ بالإصرار و حصول يأس الناس عن إيمانهم و وجود الإيمان ممن كتب اللّه إيمانه فإذا لم يبق فيهم من يؤمن يهلك المكذبين و لو آخذهم بنفس الظلم لكان كل يوم إهلاك و فيه مسائل:

المسألة الأولى: إذا كان اللّه يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدواب يهلكون؟ نقول الجواب من وجوه أحدها: أن خلق الدواب نعمة فإذا كفر الناس يزيل اللّه النعم و الدواب أقرب النعم لأن المفرد أولا ثم المركب و المركب إما أن يكون معدنيا و إما أن يكون ناميا و النامي إما أن يكون حيوانا و إما أن يكون نباتا، و الحيوان إما إنسان و إما غير إنسان فالدواب أعلى درجات المخلوقات في عالم العناصر للإنسان الثاني: هو أن ذلك بيان لشدة العذاب و عمومه فإن بقاء الأشياء بالإنسان كما أن بقاء الإنسان بالأشياء و ذلك لأن الإنسان يدبر الأشياء و يصلحها فتبقى الأشياء ثم ينتفع بها الإنسان فيبقى الإنسان فإذا كان الهلاك عاما لا يبقى من الإنسان من يعمر فلا تبقى الأبنية و الزروع فلا تبقى الحيوانات الأهلية لأن بقاءها بحفظ الإنسان إياها عن التلف و الهلاك بالسقي و العلف الثالث: هو أن إنزال المطر هو إنعام من اللّه في حق العباد فإذا لم يستحقوا الإنعام قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فتموت جميع الحيوانات و قوله تعالى: مََا تَرَكَ عَلى‏ََ ظَهْرِهََا مِنْ دَابَّةٍ الوجه الثالث: لأن بسبب انقطاع الأمطار تموت حيوانات البر، أما حيوانات البحر فتعيش بماء البحار.

المسألة الثانية: قوله تعالى: عَلى‏ََ ظَهْرِهََا كناية عن الأرض و هي غير مذكورة فكيف علم؟ نقول مما تقدم و مما تأخر، أما ما تقدم فقوله: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ لاََ فِي اَلْأَرْضِ [فاطر: 44] فهو أقرب المذكورات الصالحة لعود الهاء إليها، و أما ما تأخر فقوله: مِنْ دَابَّةٍ لأن الدواب على ظهر الأرض، فإن قيل كيف يقال لما عليه الخلق من الأرض وجه الأرض/و ظهر الأرض، مع أن الوجه مقابل الظهر كالمضاد؟نقول من حيث إن الأرض كالدابة الحاملة للأثقال و الحمل يكون على الظهر يقال له ظهر الأرض، و من حيث إن ذلك هو المقابل للخلق المواجه لهم يقال له وجهها، على أن الظهر في مقابلة البطن و الظهر و الظاهر من باب و البطن و الباطن من باب، فوجه الأرض ظهر لأنه هو الظاهر و غيره منها باطن و بطن.

المسألة الثالثة: في قوله تعالى: وَ لََكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى وجوه أحدها: إلى يوم القيامة و هو مسمى مذكور في كثير من المواضع ثانيها: يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن على ما تقدم ثالثها: لكل أمة أجل و لكل أجل كتاب و أجل قوم محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم أيام القتل و الأسر كيوم بدر و غيره.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: فَإِذََا جََاءَ أَجَلُهُمْ، فَإِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِعِبََادِهِ بَصِيراً تسلية للمؤمنين، و ذلك لأنه تعالى لما قال: مََا تَرَكَ عَلى‏ََ ظَهْرِهََا مِنْ دَابَّةٍ و قال: لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25] قال: فإذا جاء الهلاك فاللّه بالعباد بصير، إما أن ينجيهم أو يكون توفيهم تقريبا من اللّه لا تعذيبا، لا يقال قد ذكرت أن اللّه لا يؤاخذ بمجرد الظلم، و إنما يؤاخذ حين يجتمع الناس على الضلال و نقول بأنه تعالى عند الإهلاك يهلك المؤمن فكيف هذا، نقول قد ذكرنا أن الإماتة و الإفناء إن كان للتعذيب فهو مؤاخذة بالذنب و إهلاك، و إن كان لإيصال الثواب فليس بإهلاك و لا بمؤاخذة، و اللّه لا يؤاخذ الناس إلا عند عموم الكفر، و قوله: بَصِيراً اللفظ أتم في التسلية من العليم و غيره لأن البصير بالشي‏ء الناظر إليه أولى بالإنجاء من العالم بحالة دون أن يراه و اللّه أعلم. و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

250

سورة يس‏

ثمانون و ثلاث آيات مكية بسم اللّه الرحمن الرحيم

قد ذكرنا كلاما كليا في حروف التهجي في سورة العنكبوت و ذكرنا أن في كل سورة بدأ اللّه فيها بحروف التهجي كان في أوائلها الذكر أو الكتاب أو القرآن و لنذكر هاهنا أبحاثا:

البحث الأول: هو أن في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أمورا تدل على أنها غير خالية عن الحكمة و لكن علم الإنسان لا يصل إليها بعينها فنقول ما هو الكلي من الحكمة فيها، أما بيان أن فيها ما يدل على الحكمة فهو أن اللّه تعالى ذكر من الحروف نصفها و هي أربعة عشر حرفا و هي نصف ثمانية و عشرين حرفا، و هي جميع الحروف التي في لسان العرب على قولنا الهمزة ألف متحركة، ثم إنه تعالى قسم الحروف ثلاثة أقسام تسعة أحرف من الألف إلى الذال و تسعة أحرف أخر في آخر الحروف من الفاء إلى الياء و عشرة من الوسط من الراء إلى الغين، و ذكر من القسم الأول حرفين هما الألف و الحاء و ترك سبعة و ترك من القسم الآخر حرفين هما الفاء و الواو و ذكر سبعة، و لم يترك من القسم الأول من حروف الحلق و الصدر إلا واحدا لم يذكره و هو الخاء، و لم يذكر من القسم الآخر من حروف الشفة إلا واحدا لم يتركه و هو الميم، و العشر الأواسط ذكر منها حرفا و ترك حرفا فذكر الراء و ترك الزاي و ذكر السين و ترك الشين و ذكر الصاد و ترك الضاد و ذكر الطاء و ترك الظاء و ذكر العين و ترك الغين، و ليس هذا أمرا يقع اتفاقا بل هو ترتيب مقصود فهو لحكمة، و أما أن عينها غير معلومة فظاهر وهب أن واحدا يدعى فيها شيئا فماذا يقول في كون بعض السور مفتتحة بحرف كسورة ن و ق و ص و بعضها بحرفين كسورة حم* و يس و طس و طه و بعضها بثلاثة أحرف كسورة الم* و طسم* و الر* و بعضها بأربعة كسورتي‏ المر و المص و بعضها بخمسة أحرف كسورتي‏ حم‏`عسق و كهيعص ??وهب أن قائلا يقول إن هذا إشارة إلى أن الكلام، إما حرف، و إما فعل، و إما اسم، و الحرف كثيرا ما جاء على حرف كواو العطف وفاء التعقيب و همزة الاستفهام و كاف التشبيه و باء الإلصاق/و غيرها و جاء على حرفين كمن للتبعيض و أو للتخيير و أم للاستفهام المتوسط و أن للشرط و غيرها و الاسم و الفعل و الحرف جاء على ثلاثة أحرف كإلى و على في الحرف و إلى و على في الاسم و ألا يألو و علا يعلو في الفعل، و الاسم و الفعل جاء على أربعة، و الاسم خاصة جاء على ثلاثة و أربعة و خمسة كفجل و سجل و جردحل فما جاء في القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من هذه الحروف على هذه الوجوه، فماذا يقول هذا القائل في تخصيص بعض السور

251

بالحرف الواحد و البعض بأكثر فلا يعلم تمام السر إلا اللّه و من أعلمه اللّه به، إذا علمت هذا فنقول اعلم أن العبادة منها قلبية، و منها لسانية، و منها جارحية، و كل واحدة منها قسمان قسم عقل معناه و حقيقته و قسم لم يعلم، أما القلبية مع أنها أبعد عن الشك و الجهل ففيها ما لم يعلم دليله عقلا، و إنما وجب الإيمان به و الاعتقاد سمعا كالصراط الذي‏[هو]أرق من الشعرة و أحد من السيف و يمر عليه المؤمن و الموقن كالبرق الخاطف و الميزان الذي توزن به الأعمال التي لا ثقل لها في نظر الناظر و كيفيات الجنة و النار فإن هذه الأشياء وجودها لم يعلم بدليل عقلي، و إنما المعلوم بالعقل إمكانها و وقوعها معلوم مقطوع به بالسمع و منها ما علم كالتوحيد و النبوة و قدرة اللّه و صدق الرسول، و كذلك في العبادات الجارحية ما علم معناه و ما لم يعلم كمقادير النصب و عدد الركعات، و قد ذكرنا الحكمة فيه و هي أن العبد إذا أتى بما أمر به من غير أن يعلم ما فيه من الفائدة لا يكون إلا آتيا بمحض العبادة بخلاف ما لو علم الفائدة فربما يأتي به للفائدة و إن لم يؤمن كما لو قال السيد لعبده انقل هذه الحجارة من هاهنا و لم يعلم بما في النقل فنقلها و لو قال انقلها فإن تحتها كنزا هو لك ينقلها و إن لم يؤمن، إذا علم هذا فكذلك في العبادات اللسانية الذكرية وجب أن يكون منها ما لا يفهم معناه حتى إذا تكلم به العبد علم منه أنه لا يقصد غير الانقياد لأمر المعبود الآمر الناهي فإذا قال: حم* ، يس ، الم* ، طس علم أنه لم يذكر ذلك لمعنى يفهمه أو يفهمه فهو يتلفظ به إقامة لما أمر به.

البحث الثاني: قيل في خصوص يس إنه كلام هو نداء معناه يا إنسان، و تقريره هو أن تصغير إنسان أنيسين فكأنه حذف الصدر منه و أخذ العجز و قال: يس أي أنيسين، و على هذا يحتمل أن يكون الخطاب مع محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم و يدل عليه قوله تعالى بعده: إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ [يس: 3].

البحث الثالث: قرئ يس إما بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف هو قوله هذه كأنه قال: هذه يس، و إما بالضم على نداء المفرد أو على أنه مبني كحيث، و قرئ يس إما بالنصب على معنى اتل يس و إما بالفتح كأين و كيف، و قرئ يس بالكسر كجير لإسكان الياء و كسرة ما قبلها و لا يجوز أن يقال بالجر لأن إضمار الجار غير جائز و ليس فيه حرف قسم ظاهر}و قوله تعالى: وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ أي ذي الحكمة كعيشة راضية أي ذات رضا أو على أنه ناطق بالحكمة فهو كالحي المتكلم. و قوله تعالى:

مقسم عليه و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الكفار أنكروا كون محمد مرسلا و المطالب تثبت بالدليل لا بالقسم فما الحكمة في الإقسام؟ نقول فيه وجوه الأول: هو أن العرب كانوا يتوقون الأيمان الفاجرة و كانوا يقولون إن اليمين الفاجرة توجب خراب العالم و صحح النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم ذلك‏

بقوله: «اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع»

ثم إنهم كانوا يقولون إن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم يصيبه من آلهتهم عذاب و هي الكواكب فكان النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم يحلف بأمر اللّه و إنزال كلامه عليه و بأشياء مختلفة، و ما كان يصيبه عذاب بل كان كل يوم أرفع شأنا و أمنع مكانا فكان ذلك يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب الثاني: هو أن المتناظرين إذا وقع بينهما كلام و غلب أحدهما الآخر بتمشية دليله و أسكته يقول المطلوب إنك قررت هذا بقوة جدالك و أنت خبير في نفسك بضعف مقالك و تعلم أن الأمر ليس كما تقول و إن أقمت عليه

252

صورة دليل و عجزت أنا عن القدح فيه، و هذا كثير الوقوع بين المتناظرين فعند هذا لا يجوز أن يأتي هو بدليل آخر، لأن الساكت المنقطع يقول في الدليل الآخر ما قاله في الأول فلا يجد أمرا إلا اليمين، فيقول و اللّه إني لست مكابرا و إن الأمر على ما ذكرت و لو علمت خلافه لرجعت إليه فههنا يتعين اليمين، فكذلك النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم لما أقام البراهين و قالت الكفرة: مََا هََذََا إِلاََّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ ... وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمََّا جََاءَهُمْ إِنْ هََذََا إِلاََّ سِحْرٌ مُبِينٌ [سبأ: 43]تعين التمسك بالأيمان لعدم فائدة الدليل الثالث: هو أن هذا ليس مجرد الحلف، و إنما هو دليل خرج في صورة اليمين لأن القرآن معجزة و دليل كونه مرسلا هو المعجزة و القرآن كذلك فإن قيل فلم لم يذكر في صورة الدليل؟و ما الحكمة في ذكر الدليل في صورة اليمين؟قلنا الدليل أن ذكره‏ (1) في صورة اليمين قد لا يقبل عليه سامع فلا يقبله فؤاده فإذا ابتدئ به على صورة اليمين و اليمين لا يقع لا سيما من العظيم الأعلى أمر عظيم و الأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه فلصورة اليمين تشرئب إليه الأجسام، و لكونه دليلا شافيا يتشربه الفؤاد فيقع في السمع و ينفع في القلب.

المسألة الثانية: كون القرآن حكيما عندهم لكون محمد رسولا، فلهم أن يقولوا إن هذا ليس بقسم، نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن كون القرآن معجزة بين إن أنكروه قيل لهم فأتوا بسورة من مثله و الثاني:

أن العاقل لا يثق بيمين غيره إلا إذا حلف بما يعتقد عظمته، فالكافر إن حلف بمحمد لا نصدقه كما نصدقه لو حلف بالصليب و الصنم، و لو حلف بديننا الحق لا يوثق بمثل ما يوثق به لو حلف بدينه الباطل و كان من المعلوم أن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و أصحابه يعظمون القرآن فحلفه به هو الذي يوجب ثقتهم به. و قوله تعالى:

خبر بعد خبر أي إنك على صراط مستقيم و المستقيم/أقرب الطرق الموصلة إلى المقصد و الدين كذلك فإنه توجه إلى اللّه تعالى و تولى عن غيره و المقصد هو اللّه و المتوجه إلى المقصد أقرب إليه من المولى عنه و المتحرف منه و لا يذهب فهم أحد إلى أن قوله إنك منهم على صراط مستقيم مميز له عن غيره كما يقال إن محمدا من الناس مجتبى لأن جميع المرسلين على صراط مستقيم، و إنما المقصود بيان كون النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم على الصراط المستقيم الذي يكون عليه المرسلون و قوله: عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ فيه معنى لطيف يعلم منه فساد قول المباحية الذين يقولون المكلف يصير واصلا إلى الحق فلا يبقى عليه تكليف و ذلك من حيث إن اللّه بين أن المرسلين ما داموا في الدنيا فهم سالكون سائحون مهتدون منتهجون إلى السبيل المستقيم فكيف ذلك الجاهل العاجز. و قوله تعالى:

قرئ بالجر على أنه بدل من القرآن كأنه قال: و القرآن الحكيم تنزيل العزيز الرحيم إنك لمن المرسلين لتنذر و قرئ بالنصب و فيه وجهان أحدهما: أنه مصدر فعله منوي كأنه قال نزل تنزيل العزيز الرحيم لتنذر و يكون تقديره نزل القرآن أو الكتاب الحكيم و الثاني: أنه مفعول فعل منوي كأنه قال و القرآن الحكيم أعني

____________

(1) في الأصل «أن ذكر لا» و لما كان لا معنى لها فمما لا شك فيه أنها مصحفة عما ذكرناه، لأن كتابة الهاء المربوطة في الخط قريبة من «لا» في الصورة فهي مصحفة عنها.

253

تنزيل العزيز الرحيم إنك لمن المرسلين لتنذر، و هذا ما اختاره الزمخشري و قرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ منوي كأنه قال هذا تنزيل العزيز الرحيم لتنذر و يحتمل وجها آخر على هذه القراءة و هو أن يكون مبتدأ خبره لتنذر كأنه قال تنزيل العزيز للإنذار و قوله: اَلْعَزِيزِ اَلرَّحِيمِ إشارة إلى أن الملك إذا أرسل رسولا فالمرسل إليهم إما أن يخالفوا المرسل و يهينوا المرسل و حينئذ لا يقدر الملك على الانتقام منهم إلا إذا كان عزيزا أو يخافوا المرسل و يكرموا المرسل و حينئذ يرحمهم الملك، أو نقول المرسل يكون معه في رسالته منع عن أشياء و إطلاق لأشياء فالمنع يؤكد العزة و الإطلاق يدل على الرحمة. و قوله تعالى:

قد تقدم تفسيره في قوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أَتََاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ* [القصص: 46]و قيل المراد الإثبات و هو على وجهين أحدهما: لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم، فتكون ما مصدرية الثاني: أن تكون موصولة معناه: لتنذر قوما الذين أنذر آباؤهم فهم غافلون، فعلى قولنا ما نافية تفسيره ظاهر فإن من لم ينذر آباؤه و بعد الإنذار عنه فهو يكون غافلا، و على قولنا هي للإثبات كذلك لأن معناه لتنذرهم إنذار آبائهم فإنهم غافلون، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: كيف يفهم التفسيران و أحدهما يقتضي أن لا يكون آباؤهم منذرين و الآخر يقتضي أن يكونوا منذرين و بينهما تضاد؟ نقول على قولنا ما نافية معناه ما أنذر آباؤهم و إنذار آبائهم الأولين لا ينافي أن يكون المتقدمون من آبائهم منذرين و المتأخرون منهم غير منذرين.

المسألة الثانية: قوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ يقتضي أن لا يكون النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم مأمورا بإنذار اليهود لأن آباءهم أنذروا، نقول ليس كذلك، أما على قولنا ما للإثبات لا للنفي فظاهر، و أما على قولنا هي نافية فكذلك، و قد بينا ذلك في قوله تعالى: بَلْ هُوَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أَتََاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [السجدة: 3]و قلنا إن المراد أن آباءهم قد أنذروا بعد ضلالهم و بعد إرسال من تقدم فإن اللّه إذا أرسل رسولا فما دام في القوم من يبين دين ذلك النبي و يأمر به لا يرسل الرسول في أكثر الأمر، فإذا لم يبق فيهم من يبين و يضل الكل و يتباعد العهد و يفشو الكفر يبعث رسولا آخر مقررا لدين من كان قبله أو واضعا لشرع آخر، فمعنى قوله تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ أي ما أنذروا بعد ما ضلوا عن طريق الرسول المتقدم و اليهود و النصارى دخلوا فيه لأنهم لم تنذر آباؤهم الأدنون بعد ما ضلوا، فهذا دليل على كون النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم مبعوثا بالحق إلى الخلق كافة.

المسألة الثالثة: قوله: فَهُمْ غََافِلُونَ دليل على أن البعثة لا تكون إلا عند الغفلة، أما إن حصل لهم العلم بما أنزل اللّه بأن يكون منهم من يبلغهم شريعة و يخالفونه فحق عليهم الهلاك و لا يكون ذلك تعذيبا من قبل أن يبعث اللّه رسولا، و كذلك من خالف الأمور التي لا تفتقر إلى بيان الرسل يستحق الإهلاك من غير بعثة، و ليس هذا قولا بمذهب المعتزلة من التحسين و التقبيح العقلي بل معناه أن اللّه تعالى لو خلق في قوم علما بوجوب الأشياء و تركوه لا يكونون غافلين فلا يتوقف تعذيبهم على بعثة الرسل. ثم قال تعالى:

254

لما بين أن الإرسال أو الإنزال للإنذار، أشار إلى أن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم ليس عليه الهداية المستلزمة للاهتداء، و إنما عليه الإنذار و قد لا يؤمن من المنذرين كثير و في قوله تعالى: لَقَدْ حَقَّ اَلْقَوْلُ وجوه الأول: و هو المشهور أن المراد من القول هو قوله تعالى: حَقَّ اَلْقَوْلُ مِنِّي ... لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ [ص: 85]، الثاني: هو أن معناه لقد سبق في علمه أن هذا يؤمن و أن هذا لا يؤمن فقال في حق البعض أنه لا يؤمن، و قال في حق غيره أنه يؤمن فحق القول أي وجد و ثبت بحيث لا يبدل بغيره الثالث: هو أن يقال المراد منه لقد حق القول الذي قاله اللّه على لسان الرسل من التوحيد و غيره و بأن برهانه فأكثرهم لا يؤمنون بعد ذلك لأن من يتوقف لاستماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، فإذا تحقق و أكد بالإيمان و لم يؤمن أكثرهم فأكثرهم تبين أنهم لا يؤمنون لمضي وقت رجاء الإيمان و لأنهم لما لم يؤمنوا عند ما حق القول و استمروا فإن كانوا يريدون شيئا أوضح من البرهان فهو العيان/و عند العيان لا يفيد الإيمان، و قوله: عَلى‏ََ أَكْثَرِهِمْ على هذا الوجه معناه أن من لم تبلغه الدعوة و البرهان قليلون فحق القول على أكثر من لم يوجد منه الإيمان و على الأول و الثاني ظاهر فإن أكثر الكفار ماتوا على الكفر و لم يؤمنوا و فيه وجه رابع و هو أن يقال لقد حقت كلمة العذاب العاجل على أكثرهم فهم لا يؤمنون و هو قريب من الأول. ثم قال تعالى:

لما بين أنهم لا يؤمنون بين أن ذلك من اللّه فقال: إِنََّا جَعَلْنََا و فيه وجوه أحدها: أن المراد إنا جعلناهم ممسكين لا ينفقون في سبيل اللّه كما قال تعالى: وَ لاََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ََ عُنُقِكَ [الإسراء: 29]و الثاني:

أن الآية نزلت في أبي جهل و صاحبيه المخزوميين حيث حلف أبو جهل أنه يرضخ رأس محمد، فرآه ساجدا فأخذ صخرة و رفعها ليرسلها على رأسه فالتزقت بيده و يده بعنقه. و الثالث: و هو الأقوى و أشد مناسبة لما تقدم و هو أن ذلك كناية عن منع اللّه إياهم عن الاهتداء و فيه مسائل:

المسألة الأولى: هل للوجهين الأولين مناسبة مع ما تقدم من الكلام؟ نقول الوجه الأول: له مناسبة و هي أن قوله تعالى: فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ [يس: 7]يدخل فيه أنهم لا يصلون كما قال تعالى: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُضِيعَ إِيمََانَكُمْ [البقرة: 143]أي صلاتكم عند بعض المفسرين و الزكاة مناسبة للصلاة على ما بينا فكأنه قال لا يصلون و لا يزكون، و أما على الوجه الثاني: فمناسبة خفية و هي أنه لما قال: لَقَدْ حَقَّ اَلْقَوْلُ عَلى‏ََ أَكْثَرِهِمْ [يس: 7]و ذكرنا أن المراد به البرهان قال بعد ذلك بل عاينوا و أبصروا ما يقرب من الضرورة حيث التزقت يده بعنقه و منع من إرسال الحجر و هو يضطر إلى الإيمان و لم يؤمن علم أنه لا يؤمن أصلا و التفسير هو الوجه الثالث.

المسألة الثانية: قوله: فَهِيَ راجعة إلى ماذا؟ نقول فيها وجهان أحدهما: أنها راجعة إلى الأيدي و إن كانت غير مذكورة و لكنها معلومة لأن المغلول تكون أيديه مجموعة في الغل إلى عنقه و ثانيهما: و هو ما اختاره الزمخشري أنها راجعة إلى الأغلال، معناه إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ثقالا غلاظا بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه.

المسألة الثالثة: كيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فنقول المغلول الذي بلغ‏

255

الغل إلى ذقنه و بقي مقمحا رافع الرأس لا يبصر الطريق الذي عند قدمه و ذكر بعده أن بين يديه سدا و من خلفه سدا فهو لا يقدر على انتهاج السبيل و رؤيته و قد ذكر من قبل أن المرسل على صراط مستقيم فهذا الذي يهديه النبي إلى الصراط المستقيم العقلي جعل ممنوعا كالمغلول الذي يجعل ممنوعا من إبصار الطريق الحسي، و يحتمل وجها آخر و هو أن يقال الأغلال في الأعناق/عبارة عن عدم الانقياد فإن المنقاد يقال فيه إنه وضع رأسه على الخط و خضع عنقه و الذي في رقبته الغل الثخين إلى الذقن لا يطأطئ رأسه و لا يحركه تحريك المصدق، و يصدق هذا قوله: مُقْمَحُونَ فإن المقمح هو الرافع رأسه كالمتأبى يقال بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء و لم يطأطئه للشرب و الإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة و كأنه تعالى قال إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهم مقمحون لا يخضعون الرقاب لأمر اللّه. و على هذا فقوله تعالى:

يكون متمما لمعنى جعل اللّه إياهم مغلولين لأن قوله: وَ جَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد فكأنه قال لا يبصرون الحق فينقادون له لمكان السد و لا ينقادون لك فيبصرون الحق فينقادون له لمكان الغل و الإيمان المورث للإيقان. إما باتباع الرسول أولا فتلوح له الحقائق ثانيا و إما بظهور الأمور أولا و اتباع الرسول ثانيا، و لا يتبعون الرسول أولا لأنهم مغلولون فلا يظهر لهم الحق من الرسول ثانيا، و لا يظهر لهم الحق أولا لأنهم واقعون في السد فلا يتبعون الرسول ثانيا و فيه وجه آخر: و هو أن يقال المانع، إما أن يكون في النفس، و إما أن يكون خارجا عنها، و لهم المانعان جميعا من الإيمان، أما في النفس فالغل، و أما من الخارج فالسد، و لا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي اَلْآفََاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت: 53]و ذلك لأن المقمح لا يرى نفسه و لا يقع بصره على يديه، و لا يقع نظرهم على الآفاق لأن من بين السدين لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التي في الآفاق و على هذا فقوله:

إِنََّا جَعَلْنََا فِي أَعْنََاقِهِمْ [يس: 8] وَ جَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات اللّه في الأنفس و الآفاق، و في تفسير قوله تعالى: وَ جَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا مسائل:

المسألة الأولى: السد من بين الأيدي ذكره ظاهر الفائدة فإنهم في الدنيا سالكون و ينبغي أن يسلكوا الطريقة المستقيمة و من بين أيديهم سدا فلا يقدرون على السلوك، و أما السد من خلفهم، فما الفائدة فيه؟ فنقول الجواب عنه من وجوه الأول: هو أن الإنسان له هداية فطرية و الكافر قد يتركها و هداية نظرية و الكافر ما أدركها فكأنه تعالى يقول: جعلنا من بين أيديهم سدا فلا يسلكون طريقة الاهتداء التي هي نظرية و جعلنا من خلفهم سدا فلا يرجعون إلى الهداية الجبلية التي هي الفطرية الثاني: هو أن الإنسان مبدأه من اللّه و مصيره إليه فعمى الكافر لا يبصر ما بين يديه من/المصير إلى اللّه و لا ما خلفه من الدخول في الوجود بخلق اللّه الثالث: هو أن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه يفوته المقصد و لكنه يرجع و إذا انسد الطريق من خلفه و من قدامه فالموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة لأنه مهلك فقوله: وَ جَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ إشارة إلى إهلاكهم.

المسألة الثانية: قوله تعالى: فَأَغْشَيْنََاهُمْ بحرف الفاء يقتضي أن يكون للإغشاء بالسد تعلق و يكون‏

256

الإغشاء مرتبا على جعل السد فكيف ذلك؟فنقول ذلك من وجهين أحدهما: أن يكون ذلك بيانا لأمور مترتبة يكون بعضها سببا للبعض فكأنه تعالى قال: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فلا يبصرون أنفسهم لإقماحهم و جعلنا من بين أيديهم سدا و من خلفهم سدا فلا يبصرون ما في الآفاق و حينئذ يمكن أن يروا السماء و ما على يمينهم و شمالهم فقال بعد هذا كله: و جعلنا على أبصارهم غشاوة فلا يبصرون شيئا أصلا و ثانيهما: هو أن ذلك بيان لكون السد قريبا منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة على أبصارهم فإن من جعل من خلفه و من قدامه سدين ملتزقين به بحيث يبقى بينهما ملتزقا بهما تبقى عينه على سطح السد فلا يبصر شيئا، أما غير السد فللحجاب، و أما عين السد فلكون شرط المرئي أن لا يكون قريبا من العين جدا.

المسألة الثالثة: ذكر السدين من بين الأيدي و من خلف و لم يذكر من اليمين و الشمال ما الحكمة فيه؟ فنقول، أما على قولنا إنه إشارة إلى الهداية الفطرية و النظرية فظاهر، و أما على غير ذلك فنقول بما ذكر حصل العموم و المنع من انتهاج المناهج المستقيمة، لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شي‏ء و مولين عن شي‏ء فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم فيجعل اللّه السد هناك فيمنعه من السلوك، فكيفما يتوجه الكافر يجعل اللّه بين يديه سدا و وجه آخر: أحسن مما ذكرنا و هو أنا لما بينا أن جعل السد صار سببا للإغشاء كان السد ملتزقا به و هو ملتزق بالسدين فلا قدرة له على الحركة يمنة و لا يسرة فلا حاجة إلى السد عن اليمين و عن الشمال و قوله تعالى: فَأَغْشَيْنََاهُمْ فَهُمْ لاََ يُبْصِرُونَ يحتمل ما ذكرنا أنهم لا يبصرون شيئا، و يحتمل أن يكون المراد هو أن الكافر مصدود و سبيل الحق عليه مسدود و هو لا يبصر السد و لا يعلم الصد، فيظن أنه على الطريقة المستقيمة، و غير ضال.

ثم إنه تعالى بين أن الإنذار لا ينفعهم مع ما فعل اللّه بهم من الغل و السد و الإغشاء و الإعماء بقوله تعالى:

أي الإنذار و عدمه سيان بالنسبة إلى الإيمان منهم إذ لا وجود له منهم على التقديرين، فإن قيل إذا كان الإنذار و عدمه سواء فلما ذا الإنذار؟نقول قد أجبنا في غير هذا الموضع أنه تعالى قال: سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ و ما قال سواء/عليك فالإنذار بالنسبة إلى النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم ليس كعدم الإنذار لأن أحدهما مخرج له عن العهدة و سبب في زيادة سيادته عاجلا و سعادته آجلا، و أما بالنسبة إليهم على السواء فإنذار النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم ليخرج عما عليه و ينال ثواب الإنذار و إن لم ينتفعوا به لما كتب عليهم من البوار في دار القرار. ثم قال تعالى:

و الترتيب ظاهر و في التفسير مسائل:

المسألة الأولى: قال من قبل‏ لِتُنْذِرَ [يس: 6]و ذلك يقتضي الإنذار العام على ما بينا و قال: إِنَّمََا تُنْذِرُ و هو يقضي التخصيص فكيف الجمع بينهما؟نقول من وجوه: الأول: هو أن قوله: لِتُنْذِرَ أي كيفما كان سواء كان مفيدا أو لم يكن و قوله: إِنَّمََا تُنْذِرُ أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة إلى من يتبع الذكر و يخشى الثاني: هو أن اللّه تعالى لما قال إن الإرسال و الإنزال، و ذكر أن الإنذار و عدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد قال لنبيه: ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه فأنذر على سبيل العموم و إنما تنذر بذلك الإنذار العام‏

257

من يتبع الذكر كأنه يقول: يا محمد إنك بإنذارك تهدي و لا تدري من تهدي فأنذر الأسود و الأحمر و مقصودك من يتبع إنذارك و ينتفع بذكراك الثالث: هو أن نقول قوله: لِتُنْذِرَ أي أولا فإذا أنذرت و بالغت و بلغت و استهزأ البعض و تولى و استكبر و ولى، فأعرض بعد ذلك فإنما تنذر الذين اتبعوك الرابع: و هو قريب من الثالث إنك تنذر الكل بالأصول، و إنما تنذر بالفروع من ترك الصلاة و الزكاة من اتبع الذكر و آمن.

المسألة الثانية: قوله: مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ يحتمل وجوها الأول: و هو المشهور من اتبع القرآن الثاني: من اتبع ما في القرآن من الآيات و يدل عليه قوله تعالى: وَ اَلْقُرْآنِ ذِي اَلذِّكْرِ [ص: 1]فما جعل القرآن نفس الذكر الثالث: من اتبع البرهان فإنه ذكر يكمل الفطرة و على كل وجه فمعناه: إنما تنذر العلماء الذين يخشون و هو كقوله تعالى: إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ [فاطر: 28]و كقوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ* [البقرة: 82]فقوله: اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ أي آمن، و قوله: وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ أي عمل صالحا و هذا الوجه يتأيد بقوله: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ لأنا ذكرنا مرارا أن الغفران جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور و الأجر الكريم جزاء العمل كما قال تعالى: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ أُولََئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ [سبأ: 4]و تفسير الذكر بالقرآن يتأيد بتعريف الذكر بالألف و اللام، و قد تقدم ذكر القرآن في قوله تعالى:

وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ [يس: 2]و قوله: وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ فيه لطيفة و هي أن الرحمة تورث الاتكال و الرجاء فقال مع أنه رحمن و رحيم فالعاقل/لا ينبغي أن يترك الخشية فإن كل من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر فالخوف منه أتم مخافة أن يقطع عنه النعم المتواترة و تكملة اللطيفة: هي أن من أسماء اللّه اسمين يختصان به هما اللّه و الرحمن كما قال تعالى: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ [الإسراء: 110]حتى قال بعض الأئمة:

هما علمان إذا عرفت هذا فاللّه اسم ينبئ عن الهيبة و الرحمن ينبئ عن العاطفية فقال في موضع‏ يَرْجُوا اَللََّهَ* [الأحزاب: 21]و قال هاهنا: وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا عنه رجاءكم و مع كونه ذا رحمة لا تأمنوه، و قوله: بِالْغَيْبِ يعني بالدليل و إن لم ينته إلى درجة المرئي المشاهد فإن عند الانتهاء إلى تلك الدرجة لا يبقى للخشية فائدة، و المشهور أن المراد بالغيب ما غاب عنا و هو أحوال القيامة، و قيل إن الوحدانية تدخل فيه، و قوله: فَبَشِّرْهُ فيه إشارة إلى الأمر الثاني من أمري الرسالة فإن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بشير و نذير و قد ذكر أنه أرسل لينذر و ذكر أن الإنذار النافع عند اتباع الذكر، فقال بشر: كما أنذرت و نفعت، و قوله: بِمَغْفِرَةٍ على التنكير أي بمغفرة واسعة تستر من جميع الجوانب حتى لا يرى عليه أثر من آثار النفس و يظهر عليه أنوار الروح الزكية وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ أي ذي كرم، و قد ذكرنا ما في الكريم في قوله: وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ* [الأنفال: 4]و في قوله:

رِزْقاً كَرِيماً [الأحزاب: 31]. ثم قال تعالى:

في الترتيب وجوه أحدها: أن اللّه تعالى لما بين الرسالة و هو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمنا مسلما ذكر أصلا آخر و هو الحشر و ثانيها: و هو أن اللّه تعالى لما ذكر الإنذار و البشارة بقوله:

فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ [يس: 11]و لم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال: إن لم ير في الدنيا فالله يحيي الموتى و يجزي المنذرين و يجزي المبشرين و ثالثها: أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده و هو إحياء الموتى و في التفسير مسائل: ـ

258

المسألة الأولى: إِنََّا نَحْنُ يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون مبتدأ و خبرا كقول القائل:

أنا أبو النجم و شعري شعري و مثل هذا يقال عند الشهرة العظيمة، و ذلك لأن من لا يعرف يقال له من أنت؟فيقول: أنا ابن فلان فيعرف و من يكون مشهورا إذا قيل له من أنت يقول أنا أي لا معرف لي أظهر من نفسي فقال: إنا نحن معروفون بأوصاف الكمال، و إذا عرفنا بأنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى و ثانيهما: أن يكون الخبر نُحْيِ كأنه قال إنا نحيي الموتى، و نَحْنُ يكون تأكيدا و الأول أولى.

المسألة الثانية: إِنََّا نَحْنُ فيه إشارة إلى التوحيد لأن الاشتراك يوجب التمييز بغير النفس فإن زيدا إذا شاركه غيره في الاسم، فلو قال أنا زيد لم يحصل التعريف التام، لأن للسامع أن يقول: أيما زيد؟فيقول ابن عمرو و لو كان هناك زيد آخر أبوه عمرو لا يكفي قوله ابن عمرو، فلما قال اللّه: إِنََّا نَحْنُ أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى تقول أنا كذا فنمتاز، و حينئذ تصير الأصول الثلاثة مذكورة، الرسالة و التوحيد و الحشر.

المسألة الثالثة: قوله: وَ نَكْتُبُ مََا قَدَّمُوا فيه وجوه أحدها: المراد ما قدموا و أخروا فاكتفى بذكر أحدهما كما في قوله تعالى: سَرََابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ [النحل: 81]و المراد و البرد أيضا و ثانيها: المعنى ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة و هو كما قال تعالى: بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ* [البقرة: 95]أي بما قدمت في الوجود على غيره و أوجدته و ثالثها: نكتب نياتهم فإنها قبل الأعمال و آثارهم أي أعمالهم على هذا الوجه.

المسألة الرابعة: و آثارهم فيه وجوه الأول: آثارهم أقدامهم فإن‏

جماعة من أصحابه بعدت دورهم عن المساجد فأرادوا النقلة فقال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إن اللّه يكتب خطواتكم و يثيبكم عليه فالزموا بيوتكم»

و الثاني: هي السنن الحسنة، كالكتب المصنفة و القناطر المبنية، و الحبائس الدارة، و السنن السيئة كالظلمات المستمرة التي وضعها ظالم و الكتب المضلة، و آلات الملاهي و أدوات المناهي المعمولة الباقية، و هو في معنى‏

قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجر العامل شي‏ء، و من سن سنة سيئة فعليه و زرها و وزر من عمل بها»

فما قدموا هو أفعالهم و آثارهم أفعال الشاكرين فبشرهم حيث يؤاخذون بها و يؤجرون عليها و الثالث: ما ذكرنا أن الآثار الأعمال و ما قدموا النيات فإن النية قبل العمل.

المسألة الخامسة: الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال: نحيي و نكتب و لم يقل نكتب ما قدموا و نحييهم نقول الكتابة معظمة لأمر الإحياء لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم و الكتابة في نفسها إن لم تكن إحياء و إعادة لا يبقى لها أثر أصلا فالإحياء هو المعتبر و الكتابة مؤكدة معظمة لأمره، فلهذا قدم الإحياء و لأنه تعالى لما قال: إِنََّا نَحْنُ و ذلك يفيد العظمة و الجبروت، و الإحياء عظيم يختص باللّه و الكتابة دونه فقرن بالتعريف الأمر العظيم و ذكر ما يعظم ذلك العظيم و قوله: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنََاهُ فِي إِمََامٍ مُبِينٍ يحتمل وجوها أحدها: أن يكون ذلك بيانا لكون ما قدموا و آثارهم أمرا مكتوبا عليهم لا يبدل، فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال: نَكْتُبُ مََا قَدَّمُوا بين أن قبل ذلك كتابة أخرى فإن اللّه كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا و كذا ثم إذا فعلوه كتب عليهم أنهم فعلوه و ثانيها: أن يكون ذلك مؤكدا لمعنى قوله: وَ نَكْتُبُ لأن من يكتب شيئا في أوراق و يرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال: نكتب و نحفظ ذلك في إمام مبين و هذا كقوله تعالى: عِلْمُهََا عِنْدَ

259

رَبِّي فِي كِتََابٍ لاََ يَضِلُّ رَبِّي وَ لاََ يَنْسى‏ََ [طه: 52]و ثالثها: أن يكون ذلك تعميما بعد/التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا و آثارهم و ليست الكتابة مقتصرة عليه، بل كل شي‏ء محصي في إمام مبين، و هذا يفيد أن شيئا من الأقوال و الأفعال لا يعزب عن علم اللّه و لا يفوته، و هذا كقوله تعالى: وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فَعَلُوهُ فِي اَلزُّبُرِ*`وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: 52، 53]يعني ليس ما في الزبر منحصرا فيما فعلوه بل كل شي‏ء فعلوه مكتوب، و قوله: أَحْصَيْنََاهُ أبلغ من كتبناه لأن من كتب شيئا مفرقا يحتاج إلى جمع عدده فقال: هو محصي فيه و سمي الكتاب إماما لأن الملائكة يتبعونه فما كتب فيه من أجل و رزق و إحياء و إماتة اتبعوه و قيل هو اللوح المحفوظ، و إمام جاء جمعا في قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ [الإسراء: 71]أي بأئمتهم و حينئذ فإمام إذا كان فردا فهو ككتاب و حجاب و إذا كان جمعا فهو كجبال و حبال و المبين هو المظهر للأمور لكونه مظهرا للملائكة ما يفعلون و للناس ما يفعل بهم و هو الفارق يفرق بين أحوال الخلق فيجعل فريقا في الجنة و فريقا في السعير. ثم قال تعالى:

و فيه وجهان، و الترتيب ظاهر على الوجهين الوجه الأول: هو أن يكون المعنى و اضرب لأجلهم مثلا و الثاني: أن يكون المعنى و اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلا أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية و على الأول نقول لما قال اللّه: إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ [يس: 3]و قال: لِتُنْذِرَ [يس: 6]قال قل لهم: مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ [الأحقاف: 9]بل قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون و أنذروهم بما أنذرتكم و ذكروا التوحيد و خوفوا بالقيامة و بشروا بنعيم دار الإقامة، و على الثاني نقول لما قال اللّه تعالى إن الإنذار لا ينفع من أضله اللّه و كتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي عليه الصلاة و السلام فلا تأس و اضرب لنفسك و لقومك مثلا، أي مثل لهم عند نفسك مثلا حيث جاءهم ثلاثة رسل و لم يؤمنوا و صبر الرسل على القتل و الإيذاء، و أنت جئتهم واحدا و قومك أكثر من قوم الثلاثة فإنهم جاءوا قرية و أنت بعثت إلى العالم، و في التفسير مسائل:

المسألة الأولى: ما معنى قول القائل ضرب مثلا؟ و قوله تعالى: وَ اِضْرِبْ مع أن الضرب في اللغة، إما إمساس جسم جسما بعنف، و إما السير إذا قرن به حرف في كقوله تعالى: إِذََا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ [النساء:

101]نقول قوله ضرب مثلا معناه مثل مثلا، و ذلك لأن الضرب اسم للنوع يقال هذه الأشياء من ضرب واحد أي اجعل هذا و ذاك من ضرب واحد.

المسألة الثانية: أَصْحََابَ اَلْقَرْيَةِ معناه و اضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية فترك المثل و أقيم الأصحاب مقامه في الإعراب كقوله: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]هذا قول الزمخشري في «الكشاف» ، و يحتمل أن يقال لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى اجعل أصحاب القرية لهم مثلا أو مثل أصحاب القرية بهم.

المسألة الثالثة: إِذْ جََاءَهَا اَلْمُرْسَلُونَ (إذ) منصوبة لأنها بدل من (أصحاب القرية) كأنه قال تعالى:

/و اضرب لهم وقت مجي‏ء المرسلين و مثل ذلك الوقت بوقت مجيئك، و هذا أيضا قول الزمخشري و على قولنا إن هذا المثل مضروب لنفس محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم تسلية فيحتمل أن يقال إذ ظرف منصوب بقوله: اِضْرِبْ أي‏

260

اجعل الضرب، كأنه حين مجيئهم و واقع فيه، و القرية أنطاكية و المرسلون من قوم عيسى و هم أقرب مرسل أرسل إلى قوم إلى زمان محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم و هم ثلاثة كما بين اللّه تعالى و قوله: إِذْ أَرْسَلْنََا [يس: 14]يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون إذ أرسلنا بدلا من إذ جاءها كأنه قال الضرب لهم مثلا، إذ أرسلنا إلى أصحاب القرية اثنين و ثانيهما: و هو الأصح و الأوضح أن يكون إذ ظرفا و الفعل الواقع فيه جاءها أي جاءها المرسلون حين أرسلناهم إليهم أي لم يكن مجيئهم من تلقاء أنفسهم و إنما جاءوهم حيث أمروا، و هذا فيه لطيفة: و هي أن في الحكاية أن الرسل كانوا مبعوثين من جهة عيسى عليه السلام أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى: إرسال عيسى عليه السلام هو إرسالنا و رسول رسول اللّه بإذن اللّه رسول اللّه فلا يقع لك يا محمد أن أولئك كانوا رسل الرسول و أنت رسول اللّه فإن تكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله: إِذْ أَرْسَلْنََا و هذا يؤيد مسألة فقهية و هي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه و ينعزل إذا عزله الموكل الأول، و هذا على قولنا: وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً ضرب المثل لأجل محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم ظاهر. و قوله تعالى:

في بعثة الاثنين حكمة بالغة و هي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى بإذن اللّه فكان عليهما إنهاء الأمر إلى عيسى و الإتيان بما أمر اللّه، و اللّه عالم بكل شي‏ء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده، و أما عيسى فهو بشر فأمره اللّه بإرسال اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة.

و قوله: فَعَزَّزْنََا بِثََالِثٍ أي قوينا و قرئ فعززنا بثالث مخففا، من عز إذا غلب فكأنه قال فغلبنا نحن و قهرنا بثالث و الأول أظهر و أشهر و ترك المفعول حيث لم يقل فعززناهما لمعنى لطيف و هو أن المقصود من بعثهما نصرة الحق لا نصرتهما و الكل مقوون للدين المتين بالبرهان المبين، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بعث رسله إلى الأطراف و اكتفى بواحد و عيسى عليه السلام بعث اثنين، نقول النبي بعث لتقرير الفروع و هو دون الأصول فاكتفى بواحد فإن خبر الواحد في الفروع مقبول، و أما هما فبعثا بالأصول و جعل لهما معجزة تفيد اليقين و إلا لما كفى إرسال اثنين أيضا و لا ثلاثة.

المسألة الثانية: قال اللّه تعالى لموسى عليه السلام‏ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ [القصص: 35] فذكر المفعول هناك و لم يذكره هاهنا مع أن المقصود هناك أيضا نصرة الحق، نقول موسى عليه السلام كان أفضل من هارون /و هارون بعث معه بطلبه حيث قال: فَأَرْسِلْهُ مَعِي [القصص: 34]فكان هارون مبعوثا ليصدق موسى فيما يقول و يقوم بما يأمره، و أما هما فكل واحد مستقل ناطق بالحق فكان هناك المقصود تقوية موسى و إرسال من يؤنس معه و هو هارون، و أما هاهنا فالمقصود تقوية الحق فظهر الفرق.

ثم بين اللّه ما جرى منهم و عليهم مثل ما جرى من محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم و عليه فقالوا: إِنََّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ [يس:

14]كما قال: إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ [يس: 3]و بين ما قال القوم بقوله: قََالُوا مََا أَنْتُمْ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا وَ مََا أَنْزَلَ اَلرَّحْمََنُ مِنْ شَيْ‏ءٍ جعلوا كونهم بشرا مثلهم دليلا على عدم الإرسال، و هذا عام من المشركين قالوا في حق محمد: أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ [ص: 8]و إنما ظنوه دليلا بناء على أنهم لم يعتقدوا في اللّه الاختيار، و إنما

261

قالوا فيه إنه موجب بالذات و قد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان، و اللّه تعالى رد عليهم قولهم بقوله:

اَللََّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسََالَتَهُ [الأنعام: 124]و بقوله: اَللََّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشََاءُ [الشورى: 13]إلى غير ذلك، و قوله: وَ مََا أَنْزَلَ اَلرَّحْمََنُ مِنْ شَيْ‏ءٍ يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون متمما لما ذكروه فيكون الكل شبهة واحدة، و وجهه هو أنهم قالوا أنتم بشر فما نزلتم من عند اللّه و ما أنزل اللّه إليكم أحدا، فكيف صرتم رسلا للّه؟و ثانيهما: أن يكون هذا شبهة أخرى مستقلة و وجهه هو أنهم لما قالوا أنتم بشر مثلنا فلا يجوز رجحانكم علينا ذكروا الشبهة من جهة النظر إلى المرسلين، ثم قالوا شبهة أخرى من جهة المرسل، و هو أنه تعالى ليس بمنزل شيئا في هذا العالم، فإن تصرفه في العالم العلوي و للعلويات التصرف في السفليات على مذهبهم، فاللّه تعالى لم ينزل شيئا من الأشياء في الدنيا فكيف أنزل إليكم، و قوله: اَلرَّحْمََنُ إشارة إلى الرد عليهم، لأن اللّه لما كان رحمن الدنيا و الإرسال رحمة، فكيف لا ينزل رحمته و هو رحمن، فقال إنهم قالوا: ما أنزل الرحمن شيئا، و كيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئا، هو الرحمة الكاملة.

ثم قال تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ تَكْذِبُونَ أي ما أنتم إلا كاذبين.

إشارة إلى أنهم بمجرد التكذيب لم يسأموا و لم يتركوا، بل أعادوا ذلك لهم و كرروا القول عليهم و أكدوه باليمين و قالوا ربنا يعلم إنا إليكم المرسلون و أكدوه باللام، لأن يعلم اللّه يجري مجرى القسم، لأن من يقول يعلم اللّه فيما لا يكون فقد نسب اللّه إلى الجهل و هو سبب العقاب، كما أن الحنث سببه، و في قوله: رَبُّنََا يَعْلَمُ إشارة إلى الرد عليهم حيث قالوا أنتم بشر، و ذلك لأن اللّه إذا كان يعلم أنهم لمرسلون، يكون كقوله تعالى: / اَللََّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسََالَتَهُ [الأنعام: 124]يعني هو عالم بالأمور و قادر، فاختارنا بعلمه لرسالته. ثم قال:

تسلية لأنفسهم، أي نحن خرجنا عن عهدة ما علينا و حثا لهم على النظر، فإنهم لما قالوا: مََا عَلَيْنََا إِلاَّ اَلْبَلاََغُ كان ذلك يوجب تفكرهم في أمرهم حيث لم يطلبوا منهم أجرا و لا قصدوا رئاسة، و إنما كان شغلهم التبليغ و الذكر، و ذلك مما يحمل العاقل على النظر و اَلْمُبِينُ يحتمل أمورا أحدها: البلاغ المبين للحق عن الباطل، أي الفارق بالمعجزة و البرهان و ثانيها: البلاغ المظهر لما أرسلنا للكل، أي لا يكفي أن نبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين و ثالثها: البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن، فإذا تم ذلك و لم يقبلوا يحق هنالك الهلاك.

ثم كان جوابهم بعد هذا أنهم قالوا إنا تطيرنا بكم و ذلك أنه لما ظهر من الرسل المبالغة في البلاغ ظهر منهم الغلو في التكذيب، فلما قال المرسلون: إِنََّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ [يس: 14]قالوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ تَكْذِبُونَ [يس: 15]و لما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا: رَبُّنََا يَعْلَمُ [يس: 16]أكدوا قولهم بالتطير بهم فكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين، و في الثاني صرتم مصرين على الكذب، حالفين مقسمين عليه، و «اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع» فتشاءمنا بكم ثانيا، و في الأول كما تركتم ففي الثاني لا نترككم لكون الشؤم مدركنا

262

بسببكم فقالوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنََّا عَذََابٌ أَلِيمٌ و قوله لنرجمنكم يحتمل وجهين أحدهما:

لنشتمنكم من الرجم بالقول و على هذا فقوله: وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ ترق كأنهم قالوا و لا يكتفي بالشتم، بل يؤدي ذلك إلى الضرب و الإيلام الحسي و ثانيهما: أن يكون المراد الرجم بالحجارة، و حينئذ فقوله: وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ بيان للرجم، يعني و لا يكون الرجم رجما قليلا نرجمكم بحجر و حجرين، بل نديم ذلك عليكم إلى الموت و هو عذاب أليم، و يكون المراد لنرجمنكم و ليمسنكم بسبب الرجم عذاب منا أليم، و قد ذكرنا في الأليم أنه بمعنى المؤلم، و الفعيل بمعنى مفعل قليل، و يحتمل أن يقال هو من باب قوله: عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ* [الحاقة: 21] أي ذات رضا، فالعذاب الأليم هو ذو ألم، و حينئذ يكون فعيلا بمعنى فاعل و هو كثير.

ثم أجابهم المرسلون بقولهم: قََالُوا طََائِرُكُمْ مَعَكُمْ أي شؤمكم معكم و هو الكفر.

ثم قالوا: أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ جوابا عن قولهم: لَنَرْجُمَنَّكُمْ يعني أ تفعلون بنا ذلك، و إن ذكرتم أي بين لكم الأمر بالمعجز و البرهان بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ حيث تجعلون من يتبرك به كمن/يتشاءم به و تقصدون إيلام من يجب في حقه الإكرام أو مُسْرِفُونَ حيث تكفرون، ثم تصرون بعد ظهور الحق بالمعجز و البرهان، فإن الكافر مسي‏ء فإذا تم عليه الدليل و أوضح له السبيل و يصر يكون مسرفا، و المسرف هو المجاوز الحد بحيث يبلغ الضد و هم كانوا كذلك في كثير من الأشياء، أما في التبرك و التشاؤم فقد علم و كذلك في الإيلام و الإكرام، و أما في الكفر فلأن الواجب اتباع الدليل، فإن لم يوجد به فلا أقل من أن لا يجزم بنقيضه و هم جزموا بالكفر بعد البرهان على الإيمان، فإن قيل بل للإضراب فما الأمر المضرب عنه؟نقول يحتمل أن يقال قوله: أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ وارد على تكذيبهم و نسبتهم الرسل إلى الكذب بقولهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ تَكْذِبُونَ [يس: 15]فكأنهم قالوا: أ نحن كاذبون و إن جئنا بالبرهان، لا بل أنتم قوم مسرفون و يحتمل أن يقال أ نحن مشؤومون، و إن جئنا ببيان صحة ما نحن عليه، لا بل أنتم قوم مسرفون و يحتمل أن يقال أ نحن مستحقون للرجم و الإيلام، و إن بينا صحة ما أتينا به، لا بل أنتم قوم مسرفون و أما الحكاية فمشهورة، و هي أن عيسى عليه السلام بعث رجلين إلى أنطاكية فدعيا إلى التوحيد و أظهرا المعجزة من إبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى فحبسهما الملك، فأرسل بعدهما شمعون فأتى الملك و لم يدع الرسالة، و قرب نفسه إلى الملك بحسن التدبير، ثم قال له: إني أسمع أن في الحبس رجلين يدعيان أمرا بديعا، أفلا يحضران حتى نسمع كلامهما؟قال الملك: بلى، فأحضرا و ذكرا مقالتهما الحقة، فقال لهما شمعون: فهل لكما بينة؟قالا: نعم، فأبرءا الأكمه و الأبرص و أحييا الموتى، فقال شمعون: أيها الملك، إن شئت أن تغلبهم، فقال للآلهة التي تعبدونها تفعل شيئا من ذلك، قال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تبصر و لا تسمع و لا تقدر و لا تعلم، فقال شمعون: فإذن ظهر الحق من جانبهم، فآمن الملك و قوم و كفر آخرون، و كانت الغلبة للمكذبين. ثم قال تعالى:

و في فائدته و تعلقه بما قبله وجهان أحدهما: أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي، و على هذا فقوله: مِنْ أَقْصَى اَلْمَدِينَةِ فيه بلاغة باهرة، و ذلك لأنه لما جاء من أقصى المدينة رجل‏

263

و هو قد آمن دل على أن إنذارهم و إظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة و ثانيهما: أن ضرب المثل لما كان لمحمد صلى اللّه عليه و آله و سلم تسلية لقلبه ذكر بعد الفراغ من ذكر الرسل سعى المؤمنين في تصديق رسلهم و صبرهم على ما أوذوا، و وصول الجزاء الأوفى إليهم ليكون ذلك تسلية لقلب أصحاب محمد، كما أن ذكر المرسلين تسلية لقلب محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم، و في التفسير مسائل:

المسألة الأولى: قوله: وَ جََاءَ مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ رَجُلٌ في تنكير الرجل مع أنه كان معروفا معلوما عند اللّه فائدتان الأولى: أن يكون تعظيما لشأنه أي رجل كامل في الرجولية/الثانية: أن يكون مفيدا لظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا، و الرجل هو حبيب النجار كان ينحت الأصنام و قد آمن بمحمد صلى اللّه عليه و آله و سلم قبل وجوده حيث صار من العلماء بكتاب اللّه، و رأى فيه نعت محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم و بعثته.

المسألة الثانية: قوله: يَسْعى‏ََ تبصرة للمؤمنين و هداية لهم، ليكونوا في النصح باذلين جهدهم، و قد ذكرنا فائدة قوله: مِنْ أَقْصَى اَلْمَدِينَةِ و هي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة و المدينة هي أنطاكية، و هي كانت كبيرة شاسعة و هي الآن دون ذلك و مع هذا فهي كبيرة و قوله تعالى: قََالَ يََا قَوْمِ اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ فيه معان لطيفة الأول: في قوله: يََا قَوْمِ فإنه ينبئ عن إشفاق عليهم و شفقة فإن إضافتهم إلى نفسه بقوله: يََا قَوْمِ يفيد أنه لا يريد بهم إلا خيرا، و هذا مثل قول مؤمن آل فرعون‏ يََا قَوْمِ اِتَّبِعُونِ [غافر: 38]فإن قيل قال هذا الرجل اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ و قال ذلك‏ اِتَّبِعُونِ فما الفرق؟نقول هذا الرجل جاءهم و في أول مجيئه نصحهم و ما رأوا سيرته، فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل و أوضحوا لكم السبيل، و أما مؤمن آل فرعون فكان فيهم و اتبع موسى و نصحهم مرارا فقال اتبعوني في الإيمان بموسى و هارون عليهما السلام، و اعلموا أنه لو لم يكن خيرا لما اخترته لنفسي و أنتم تعلمون أني اخترته، و لم يكن للرجل الذي جاء من أقصى المدينة أن يقول أنتم تعلمون اتباعي لهم الثاني: جمع بين إظهار النصيحة و إظهار إيمانه فقوله: اِتَّبِعُوا نصيحة و قوله: اَلْمُرْسَلِينَ إظهار أنه آمن الثالث: قدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان لأنه كان ساعيا في النصح، و أما الإيمان فكان قد آمن من قبل و قوله: رَجُلٌ يَسْعى‏ََ يدل على كونه مريدا للنصح و ما ذكر في حكايته أنه كان يقتل و هو يقول: «اللهم اهد قومي» . ثم قال تعالى:

و هذا في غاية الحسن و ذلك من حيث إنه لما قال: اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة و قال لا شك أن الخلق في الدنيا سالكون طريقة و طالبون للاستقامة، و الطريق إذا حصل فيه دليل يدل يجب اتباعه، و الامتناع من الاتباع لا يحسن إلا عند أحد أمرين، إما مغالاة الدليل في طلب الأجرة، و إما عند عدم الاعتماد على اهتدائه و معرفته الطريق، لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة و هم مهتدون عالمون بالطريقة المستقيمة الموصلة إلى الحق، فهب أنهم ليسوا بمرسلين هادين، أ ليسوا بمهتدين، فاتبعوهم.

ثم قال تعالى: وَ مََا لِيَ لاََ أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي لما قال: وَ هُمْ مُهْتَدُونَ [يس: 21]بين ظهور

264

اهتدائهم بأنهم يدعون من عبادة الجماد إلى عبادة الحي القيوم، و من عبادة ما لا ينفع إلى عبادة من منه كل نفع و فيه لطائف: الأولى قوله: مََا لِيَ أي ما لي مانع من جانبي. إشارة إلى أن الأمر من جهة المعبود ظاهر لا خفاء فيه، فمن يمتنع من عبادته يكون من جانبه مانع و لا مانع من جانبي فلا جرم/عبدته، و في العدول عن مخاطبة القوم إلى حال نفسه حكمة أخرى و لطيفة ثانية: و هي أنه لو قال مالكم لا تعبدون الذي فطركم، لم يكن في البيان مثل قوله: وَ مََا لِيَ لأنه لما قال: وَ مََا لِيَ و أحد لا يخفى عليه حال نفسه علم كل أحد أنه لا يطلب العلة و بيانها من أحد لأنه أعلم بحال نفسه فهو يبين عدم المانع، و أما لو قال: (ما لكم) جاز أن يفهم منه أنه يطلب بيان العلة لكون غيره أعلم بحال نفسه، فإن قيل قال اللّه: مََا لَكُمْ لاََ تَرْجُونَ لِلََّهِ وَقََاراً [نوح: 13] نقول القائل هناك غير مدعو، و إنما هو داع و هاهنا الرجل مدعو إلى الإيمان فقال: و ما لي لا أعبد و قد طلب مني ذلك الثانية: قوله: اَلَّذِي فَطَرَنِي إشارة إلى وجود المقتضى، فإن قوله: وَ مََا لِيَ إشارة إلى عدم المانع و عند عدم المانع لا يوجد الفعل ما لم يوجد المقتضى، فقوله: اَلَّذِي فَطَرَنِي ينبئ عن الاقتضاء، فإن الخالق ابتداء مالك و المالك يجب على المملوك إكرامه و تعظيمه، و منعم بالإيجاد و المنعم يجب على المنعم شكر نعمته الثالثة: قدم بيان عدم المانع على بيان وجود المقتضى مع أن المستحسن تقديم المقتضى حيث وجد المقتضى و لا مانع فيوجد لأن المقتضى لظهوره كان مستغنيا عن البيان رأسا فلا أقل من تقديم ما هو أولى بالبيان لوجود الحاجة إليه الرابعة: اختار من الآيات فطرة نفسه لأنه لما قال: وَ مََا لِيَ لاََ أَعْبُدُ بإسناد العبادة إلى نفسه اختار ما هو أقرب إلى إيجاب العبادة على نفسه، و بيان ذلك هو أن خالق عمرو يجب على زيد عبادته لأن من خلق عمرا لا يكون إلا كامل القدرة شامل العلم واجب الوجود و هو مستحق للعبادة بالنسبة إلى كل مكلف لكن العبادة على زيد بخلق زيد أظهر إيجابا.

و اعلم أن المشهور في قوله: فَطَرَنِي خلقني اختراعا و ابتداعا، و الغريب فيه أن يقال: فطرني أي جعلني على الفطرة كما قال اللّه تعالى: فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا [الروم: 30]و على هذا فقوله:

وَ مََا لِيَ لاََ أَعْبُدُ أي لم يوجد في مانع فأنا باق على فطرة ربي الفطرة كافية في الشهادة و العبادة فإن قيل فعلى هذا يختلف معنى الفطر في قوله: فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ* [الأنعام: 14]فنقول قد قيل بأن فاطر السموات من الفطر الذي هو الشق فالمحذور لازم أو نقول المعنى فيهما واحد كأنه قال فطر المكلف على فطرته و فطر السموات على فطرتها و الأول من التفسير أظهر.

و قوله تعالى: وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ إشارة إلى الخوف و الرجاء كما قال: اُدْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً [الأعراف: 56] و ذلك لأن من يكون إليه المرجع يخاف منه و يرجى و فيه أيضا معنى لطيف و هو أن العابد على أقسام ثلاثة ذكرناها مرارا فالأول: عابد يعبد اللّه، لكونه الها مالكا سواء أنعم بعد ذلك أو لم ينعم، كالعبد الذي يجب عليه خدمة سيده سواء أحسن إليه أو أساء و الثاني: عابد يعبد/اللّه للنعمة الواصلة إليه و الثالث: عابد يعبد اللّه خوفا مثال الأول من يخدم الجواد، و مثال الثاني من يخدم الغاشم فجعل القائل نفسه من القسم الأعلى و قال: وَ مََا لِيَ لاََ أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي أي هو مالكي أعبده لأنظر إلى ما سيعطيني و لأنظر إلى أن لا يعذبني و جعلهم دون ذلك فقال: وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي خوفكم منه و رجاؤكم فيه فكيف لا تعبدونه، و لهذا لم يقل و إليه أرجع كما قال فطرني لأنه صار عابدا من القسم الأول فرجوعه إلى اللّه لا يكن إلا للإكرام و ليس سبب عبادته ذلك بل غيره.

265

ثم قال تعالى: أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ليتم التوحيد، فإن التوحيد بين التعطيل و الإشراك، فقال: و ما لي لا أعبد إشارة إلى وجود الإله و قال: أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ إشارة إلى نفي غيره فيتحقق معنى لا إله إلا اللّه، و في الآية أيضا لطائف الأولى: ذكره على طريق الاستفهام فيه معنى وضوح الأمر، و ذلك أن من أخبر عن شي‏ء فقال مثلا لا أتخذ يصح من السامع أن يقول له لم لا تتخذ فيسأله عن السبب، فإذا قال: أ أتخذ يكون كلامه أنه مستغن عن بيان السبب الذي يطالب به عند الإخبار، كأنه يقول استشرتك فدلني و المستشار يتفكر، فكأنه يقول تفكر في الأمر تفهم من غير إخبار مني الثانية: قوله من دونه و هي لطيفة عجيبة: و بيانها هو أنه لما بين أنه يعبد اللّه بقوله: اَلَّذِي فَطَرَنِي [يس: 22]بين أن من دونه لا تجوز عبادته فإن عبد غير اللّه وجب عبادة كل شي‏ء مشارك للمعبود الذي اتخذ غير اللّه، لأن الكل محتاج مفتقر حادث، فلو قال لا أتخذ آلهة لقيل له ذلك يختلف إن اتخذت إلها غير الذي فطرك، و يلزمك عقلا أن تتخذ آلهة لا حصر لها، و إن كان إلهك ربك و خالقك فلا يجوز أن تتخذ آلهة الثالثة: قوله: أَ أَتَّخِذُ إشارة إلى أن غيره ليس بإله لأن المتخذ لا يكون إله، و لهذا قال تعالى: مَا اِتَّخَذَ صََاحِبَةً وَ لاََ وَلَداً [الجن: 3]و قال: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: 111]لأنه تعالى لا يكون له ولد حقيقة و لا يجوز، و إنما النصارى قالوا: تبنى اللّه عيسى و سماه ولدا فقال: وَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الفرقان: 2]و لا يقال قال اللّه تعالى: فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً في حق اللّه تعالى حيث قال: رَبُّ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً [المزمل: 9]نقول ذلك أمر متجدد، و ذلك لأن الإنسان في أول الأمر يكون قليل الصبر ضعيف القوة، فلا يجوز أن يترك أسباب الدنيا و يقول إني أتوكل فلا يحسن من الواحد منا أن لا يشتغل بأمر أصلا و يترك أطفاله في ورطة الحاجة و لا يوصل إلى أهله نفقتهم و يجلس في مسجد و قلبه متعلق بعطاء زيد و عمرو، فإذا قوي بالعبادة قلبه و نسي نفسه فضلا عن غيره و أقبل على عبادة ربه بجميع قلبه و ترك الدنيا و أسبابها و فوض أمره إلى اللّه حينئذ يكون من الأبرار الأخيار، فقال اللّه لرسوله: أنت علمت أن الأمور كلها بيد اللّه و عرفت اللّه حق المعرفة و تيقنت أن المشرق و المغرب، و ما فيهما و ما يقع بينهما بأمر اللّه، و لا إله يطلب لقضاء/الحوائج إلا هو فاتخذه وكيلا، و فوض جميع أمورك إليه فقد ارتقيت عن درجة من يؤمر بالكسب الحلال و كنت من قبل تتجر في الحلال و معنى قوله: فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً أي في جميع أمورك و قوله تعالى: لاََ تُغْنِ عَنِّي يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون كالوصف كأنه قال: أ أتخذ آلهة غير مغنية عند إرادة الرحمن بي ضرا و ثانيهما: أن يكون كلاما مستأنفا كأنه قال لا أتخذ من دونه آلهة.

ثم قال تعالى: إِنْ يُرِدْنِ اَلرَّحْمََنُ بِضُرٍّ لاََ تُغْنِ عَنِّي شَفََاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لاََ يُنْقِذُونِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال: إِنْ يُرِدْنِ اَلرَّحْمََنُ بِضُرٍّ و لم يقل إن يرد الرحمن بي ضرا، و كذلك قال تعالى:

إِنْ أَرََادَنِيَ اَللََّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كََاشِفََاتُ ضُرِّهِ [الزمر: 38]و لم يقل إن أراد اللّه بي ضرا، نقول الفعل إذا كان متعديا إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بحرف كاللازم يتعدى بحرف في قولهم ذهب به و خرج به، ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف ما هو أولى بوقوع الفعل عليه و يجعل الآخر مفعولا بحرف فإذا قال القائل مثلا؟كيف حال فلان: يقول اختصه الملك بالكرامة و النعمة فإذا قال كيف كرامة الملك؟يقول: اختصها

266

بزيد فيجعل المسؤول مفعولا بغير حرف لأنه هو المقصود إذا علمت هذا فالمقصود فيما نحن فيه بيان كون العبد تحت تصرف اللّه يقلبه كيف يشاء في البؤس و الرخاء، و ليس الضر بمقصود بيانه، كيف و القائل مؤمن يرجو الرحمة و النعمة بناء على إيمانه بحكم وعد اللّه و يؤيد هذا قوله من قبل اَلَّذِي فَطَرَنِي [يس: 22]حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فكذلك جعلها مفعول الإرادة و ذكر الضر وقع تبعا و كذا القول في قوله تعالى: إِنْ أَرََادَنِيَ اَللََّهُ بِضُرٍّ [الزمر: 38]المقصود بيان أنه يكون كما يريد اللّه و ليس الضر بخصوصه مقصودا بالذكر و يؤيده ما تقدم حيث قال تعالى: أَ لَيْسَ اَللََّهُ بِكََافٍ عَبْدَهُ [الزمر: 36]يعني هو تحت إرادته و يتأيد ما ذكرناه بالنظر في قوله تعالى: قُلْ مَنْ ذَا اَلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اَللََّهِ إِنْ أَرََادَ بِكُمْ سُوءاً [الأحزاب: 17]حيث خالف هذا النظم و جعل المفعول من غير حرف السوء و هو كالضر و المفعول بحرف هو المكلف، و ذلك لأن المقصود ذكر الضر للتخويف و كونهم محلا له، و كيف لا و هم كفرة استحقوا العذاب بكفرهم فجعل الضر مقصودا بالذكر لزجرهم، فإن قيل فقد ذكر اللّه الرحمة أيضا حيث قال: أَوْ أَرََادَ بِكُمْ رَحْمَةً [الأحزاب: 17]نقول المقصود ذلك، و يدل عليه قوله تعالى من بعده‏ وَ لاََ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَلِيًّا وَ لاََ نَصِيراً [الأحزاب: 17]و إنما ذكر الرحمة تتمة للأمر بالتقسيم الحاصر، و كذلك إذا تأملت في قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مََا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً إِنْ أَرََادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرََادَ بِكُمْ نَفْعاً [الفتح: 11]فإن الكلام أيضا مع الكفار و ذكر النفع وقع تبعا لحصر الأمر بالتقسيم، و يدل عليه قوله تعالى: بَلْ كََانَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [الفتح: 11]فإنه للتخويف، و هذا كقوله تعالى: وَ إِنََّا أَوْ إِيََّاكُمْ لَعَلى‏ََ هُدىً أَوْ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ [سبأ: 24]، و المقصود إني على هدى و أنتم في ضلال، و لو قال هكذا لمنع مانع فقال بالتقسيم كذلك هاهنا/المقصود الضر واقع بكم و لأجل دفع المانع قال الضر و النفع.

المسألة الثانية: قال هاهنا: إِنْ يُرِدْنِ اَلرَّحْمََنُ و قال في الزمر: إِنْ أَرََادَنِيَ اَللََّهُ [الزمر: 38]فما الحكمة في اختيار صيغة الماضي هنالك و اختيار صيغة المضارع هاهنا و ذكر المريد باسم الرحمن هنا و ذكر المريد باسم اللّه هناك؟نقول أما الماضي و المستقبل فإن إن في الشرط تصير الماضي مستقبلا و ذلك لأن المذكور هاهنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله: أَ أَتَّخِذُ و قوله: وَ مََا لِيَ لاََ أَعْبُدُ [يس: 22]و المذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله: أَ فَرَأَيْتُمْ* [الزمر: 38]و كذلك في قوله تعالى: وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اَللََّهُ بِضُرٍّ* [الأنعام: 17]لكون المتقدم عليه مذكورا بصيغة المستقبل و هو قوله: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ [الأنعام: 16] و قوله: إِنِّي أَخََافُ إِنْ عَصَيْتُ* [الأنعام: 15]و الحكمة فيه هو أن الكفار كانوا يخرفون النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بضر يصيبه من آلهتهم فكأنه قال صدر منكم التخويف، و هذا ما سبق منكم، و هاهنا ابتداء كلام صدر من المؤمن للتقرير، و الجواب ما كان يمكن صدوره منهم فافترق الأمران، و أما قوله هناك: إِنْ أَرََادَنِيَ اَللََّهُ [الزمر: 38]فنقول قد ذكرنا أن الاسمين المختصين بواجب الوجود اللّه و الرحمن كما قال تعالى: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ [الإسراء: 110]و اللّه للهيبة و العظمة و الرحمن للرأفة و الرحمة، و هناك وصف اللّه بالعزة و الانتقام في قوله:

أَ لَيْسَ اَللََّهُ بِعَزِيزٍ ذِي اِنْتِقََامٍ [الزمر: 37]و ذكر ما يدل على العظمة ما يدل على العظمة بقوله: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ* [العنكبوت: 61]فذكر الاسم الدال على العظمة و قال هاهنا ما يدل على الرحمة بقوله: اَلَّذِي فَطَرَنِي [يس: 22]فإنه نعمة هي شرط سائر النعم فقال: إِنْ يُرِدْنِ اَلرَّحْمََنُ بِضُرٍّ ثم قال‏

267

تعالى: لاََ تُغْنِ عَنِّي شَفََاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لاََ يُنْقِذُونِ على ترتيب ما يقع من العقلاء، و ذلك لأن من يريد دفع الضر عن شخص أضر به شخص يدفع بالوجه الأحسن فيشفع أولا فإن قبله و إلا يدفع فقال: لا تغن عني شفاعتهم و لا يقدرون على إنقاذي بوجه من الوجوه، و في هذه الآيات حصل بيان أن اللّه تعالى معبود من كل وجه إن كان نظرا إلى جانبه فهو فاطر و رب مالك يستحق العبادة سواء أحسن بعد ذلك أو لم يحسن و إن كان نظرا إلى إحسانه فهو رحمن، و إن كان نظرا إلى الخوف فهو يدفع ضره، و حصل بيان أن غيره لا يصلح أن يعبد بوجه من الوجوه، فإن أدنى مراتبه أن يعد ذلك ليوم كريهة و غير اللّه لا يدفع شيئا إلا إذا أراد اللّه و إن يرد فلا حاجة إلى دافع. ثم قال تعالى:

يعني إن فعلت فأنا ضال ضلالا بينا، و المبين مفعل بمعنى فعيل كما جاء عكسه فعيل بمعنى مفعل في قوله أليم أي مؤلم، و يمكن أن يقال ضلال مبين أي مظهور الأمر للناظر و الأول هو الصحيح. ثم قال تعالى:

في المخاطب بقوله: بِرَبِّكُمْ وجوه أحدها: /هم المرسلون، قال المفسرون: أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين و قال: إني آمنت بربكم فاسمعوا قولي و اشهدوا لي و ثانيها: هم الكفار كأنه لما نصحهم و ما نفعهم قال: فأنا آمنت فاسمعون و ثالثها: بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم، كما قلنا في قول الواعظ حيث يقول: يا مسكين ما أكثر أملك و ما أنزل عملك يريد به كل سامع يسمعه و في قوله:

فَاسْمَعُونِ فوائد أحدها: أنه كلام مترو متفكر حيث قال: فَاسْمَعُونِ فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر و ثانيها: أنه ينبه القوم و يقول إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا لم أخفيت عنا أمرك و لو أظهرت لآمنا معك و ثالثها: أن يكون المراد السماع الذي بمعنى القبول، يقول القائل نصحته فسمع قولي أي قبله، فإن قلت لم قال من قبل: وَ مََا لِيَ لاََ أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي [يس: 22]و قال هاهنا: آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ و لم يقل آمنت بربي؟نقول قولنا الخطاب مع الرسل أمر ظاهر، لأنه لما قال آمنت بربكم ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم و آمن بالرب الذي دعوه إليه و لو قال بربي لعلهم كانوا يقولون كل كافر يقول لي رب و أنا مؤمن بربي، و أما على قولنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان للتوحيد، و ذلك لأنه لما قال: أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي [يس:

22]ثم قال: آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فهم أنه يقول ربي و ربكم واحد و هو الذي فطرني و هو بعينه ربكم، بخلاف ما لو قال آمنت بربي فيقول الكافر و أنا أيضا آمنت بربي و مثل هذا قوله تعالى: اَللََّهُ رَبُّنََا وَ رَبُّكُمْ . [الشورى: 15].

ثم قال تعالى: قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ فيه وجهان أحدهما: أنه قتل ثم قيل له ادخل الجنة بعد القتل و ثانيهما: قيل ادخل الجنة عقيب قوله آمَنْتُ [يس: 25]و على الأول. فقوله تعالى: قََالَ يََا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ يكون بعد موته و اللّه أخبر بقوله و على الثاني قال ذلك في حياته و كأنه سمع الرسل أنه من الداخلين الجنة و صدقهم و قطع به و علمه، فقال: يا ليت قومي يعلمون كما علمت فيؤمنون كما آمنت و في معنى قوله تعالى: قِيلَ وجهان كما أن في وقت ذلك وجهان أحدهما: قيل من القول و الثاني: ادخل الجنة، و هذا كما

268

في قوله تعالى: إِنَّمََا أَمْرُهُ إِذََا أَرََادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ [يس: 82]ليس المراد القول في وجه بل هو الفعل أي يفعله في حينه من غير تأخير و تراخ و كذلك في قوله تعالى: وَ قِيلَ يََا أَرْضُ اِبْلَعِي [هود: 44]في وجه جعل الأرض بالعة ماءها.

و في قوله تعالى: بِمََا غَفَرَ لِي رَبِّي وجوه أحدها: أن ما استفهامية كأنه قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي حتى يشتغلوا به و هو ضعيف، و إلا لكان الأحسن أن تكون ما محذوفة الألف يقال بم و فيم و عم و لم و ثانيها: خبرية كأنه قال: يا ليت قومي يعلمون بالذي غفر لي ربي و ثالثها: مصدرية، كأنه قال: يا ليت قومي يعلمون بمغفرة ربي لي، و الوجهان الآخران هما المختاران.

ثم قال تعالى: وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ قد ذكرنا أن الإيمان و العمل الصالح يوجبان أمرين هما الغفران و الإكرام كما في قوله تعالى: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ أُولََئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ [سبأ:

4]و الرجل كان من المؤمنين الصلحاء، و المكرم على ضد المهان و الإهانة بالحاجة و الإكرام بالاستغناء فيغني اللّه الصالح عن كل أحد و يدفع جميع حاجاته بنفسه.

ثم إنه تعالى لما بين حاله بين حال المتخلفين المخالفين له من قومه بقوله تعالى:

إشارة إلى هلاكهم بعده سريعا على أسهل وجه فإنه لم يحتج إلى إرسال جند يهلكهم، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال هاهنا: وَ مََا أَنْزَلْنََا بإسناد الفعل إلى النفس، و قال في بيان حال المؤمن قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ [يس: 26]بإسناد القول إلى غير مذكور، و ذلك لأن العذاب من باب الهيبة فقال بلفظ التعظيم، و أما في: اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ فقال (قيل) ليكون هو كالمهنإ بقول الملائكة حيث يقول له كل ملك و كل صالح يراه ادخل الجنة خالدا فيها، و كثيرا ما ورد في القرآن قوله تعالى: قِيلَ اُدْخُلُوا (1) إشارة إلى أن الدخول يكون دخولا بإكرام كما يدخل العريس البيت المزين على رءوس الأشهاد يهنئه كل أحد.

المسألة الثانية: لم أضاف القوم إليه مع أن الرسول أولى بكون الجمع قوما لهم فإن الواحد يكون له قوم هم آله و أصحابه و الرسول لكونه مرسلا يكون جميع الخلق و جميع من أرسل إليهم قوما له؟نقول لوجهين أحدهما: ليبين الفرق بين اثنين هما من قبيلة واحدة أكرم أحدهما غاية الإكرام بسبب الإيمان و أهين الآخر غاية الإهانة بسبب الكفر، و هذا من قوم أولئك في النسب و ثانيهما: أن العذاب كان مختصا بأقارب ذلك، لأن غيرهم من قوم الرسل آمنوا بهم فلم يصبهم العذاب.

المسألة الثانية: خصص عدم الإنزال بما بعده و اللّه تعالى لم ينزل عليهم جندا قبله أيضا فما فائدة التخصيص؟ نقول استحقاقهم العذاب كان بعده حيث أصروا و استكبروا فبين حال الهلاك أنه لم يكن بجند.

المسألة الرابعة: قال: مِنَ اَلسَّمََاءِ و هو تعالى لم ينزل عليهم و لا أرسل إليهم جندا من الأرض فما

____________

(1) وردت مرة بصيغة المفرد[يس: 26]و ثلاث مرات بصيغة الجمع‏[الأعراف: 49]، [النحل: 32]، [الزخرف: 70] و هذا ليس بكثير.

269

فائدة التقييد؟نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن يكون المراد و ما أنزلنا عليهم جندا بأمر من السماء فيكون للعموم و ثانيهما: أن العذاب نزل عليهم من السماء فبين أن النازل لم يكن جندا لهم عظمة و إنما كان ذلك بصيحة أخمدت نارهم و خربت ديارهم.

المسألة الخامسة: وَ مََا كُنََّا مُنْزِلِينَ أية فائدة فيه مع أن قوله: وَ مََا أَنْزَلْنََا يستلزم أنه لا يكون من المنزلين؟نقول قوله: وَ مََا كُنََّا أي ما كان ينبغي لنا أن ننزل لأن الأمر كان يتم بدون ذلك فما أنزلنا و ما كنا محتاجين إلى إنزال، أو نقول: وَ مََا أَنْزَلْنََا ... وَ مََا كُنََّا مُنْزِلِينَ في مثل تلك الواقعة جندا في غير تلك الواقعة، فإن قيل فكيف أنزل اللّه جنودا في يوم بدر و في غير ذلك حيث قال: وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهََا [التوبة: 26]؟نقول ذلك تعظيما لمحمد صلى اللّه عليه و آله و سلم و إلا كان تحريك ريشة من جناح ملك كافيا في استئصالهم و ما كان رسل عيسى عليه السلام في درجة محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم.

ثم بين اللّه تعالى ما كان بقوله: إِنْ كََانَتْ الواقعة إِلاََّ صَيْحَةً و قال الزمخشري أصله إن كان شي‏ء إلا صيحة فكان الأصل أن يذكر، لكنه تعالى أنث لما بعده من المفسر و هو الصيحة.

و قوله تعالى: وََاحِدَةً تأكيد لكون الأمر هينا عند اللّه.

و قوله تعالى: فَإِذََا هُمْ خََامِدُونَ فيه إشارة إلى سرعة الهلاك فإن خمودهم كان مع الصيحة و في وقتها لم يتأخر، و وصفهم بالخمود في غاية الحسن و ذلك لأن الحي فيه الحرارة الغريزية و كلما كانت الحرارة أوفر كانت القوة الغصبية و الشهوانية أتم و هم كانوا كذلك، أما الغضب فإنهم قتلوا مؤمنا كان ينصحهم، و أما الشهوة فلأنهم احتملوا العذاب الدائم بسبب استيفاء اللذات الحالية فإذن كانوا كالنار الموقدة، و لأنهم كانوا جبارين مستكبرين كالنار و من خلق منها فقال: فَإِذََا هُمْ خََامِدُونَ و فيه وجه آخر: و هو أن العناصر الأربعة يخرج بعضها عن طبيعته التي خلقه اللّه عليها و يصير العنصر الآخر بإرادة اللّه فالأحجار تصير مياها، و المياه تصير أحجارا و كذلك الماء يصير هواء عند الغليان و السخونة و الهواء يصير ماء للبرد و لكن ذلك في العادة بزمان، و أما الهواء فيصير نارا و النار تصير هواء بالاشتغال و الخمود في أسرع زمان، فقال خامدين بسببها فخمود النار في السرعة كإطفاء سراج أو شعلة.

ثم قال تعالى: يََا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبََادِ أي هذا وقت الحسرة فاحضري يا حسرة و التنكير للتكثير، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الألف و اللام في العباد يحتمل وجهين أحدهما: للمعهود و هم الذين أخذتهم الصيحة فيا حسرة على أولئك و ثانيهما: لتعريف الجنس جنس الكفار المكذبين.

المسألة الثانية: من المتحسر؟ نقول فيه وجوه الأول: لا متحسر أصلا في الحقيقة إذ المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة حيث تحققت الندامة عند تحقق العذاب.

و هاهنا بحث لغوي: و هو أن المفعول قد يرفض رأسا إذا كان الغرض غير متعلق به يقال إن فلانا يعطي و يمنع و لا يكون هناك شي‏ء معطى إذ المقصود أن له المنع و الإعطاء، و رفض المفعول كثير و ما نحن فيه رفض

270

الفاعل و هو قليل، و الوجه فيه ما ذكرنا، أن ذكر المتحسر غير مقصود و إنما المقصود أن الحسرة متحققة في ذلك الوقت الثاني: أن قائل يا حسرة هو اللّه على الاستعارة تعظيما للأمر و تهويلا له و حينئذ يكون كالألفاظ التي وردت في حق اللّه كالضحك و النسيان و السخر و التعجب و التمني، أو نقول ليس معنى قولنا يا حسرة و يا ندامة، أن القائل متحسر أو نادم بل المعنى أنه مخبر عن وقوع الندامة و لا يحتاج إلى تجوز في بيان كونه تعالى قال:

يََا حَسْرَةً بل يخبر به على حقيقته إلا في النداء، فإن النداء مجاز و المراد الإخبار الثالث: المتلهفون من المسلمين و الملائكة ألا ترى إلى ما حكي عن حبيب أنه حين القتل كان يقول: اللهم اهد قومي و بعد ما قتلوه و أدخل الجنة قال: يا ليت قومي يعلمون، فيجوز أن يتحسر المسلم للكافر و يتندم له و عليه.

المسألة الثالثة: قرئ يََا حَسْرَةً بالتنوين، و (يا حسرة العباد) بالإضافة من غير كلمة على، و قرئ يا حسرة علي بالهاء أجراء للوصل مجرى الوقف.

المسألة الرابعة: من المراد بالعباد؟ نقول فيه وجوه أحدها: الرسل الثلاثة كأن الكافرين يقولون عند ظهور البأس يا حسرة عليهم يا ليتهم كانوا حاضرين شأننا لنؤمن بهم و ثانيها: هم قوم حبيب و ثالثها: كل من كفر و أصر و استكبر و على الأول فإطلاق العباد على المؤمنين كما في قوله: إِنَّ عِبََادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطََانٌ* [الحجر: 42]و قوله: يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا [الزمر: 53]و على الثاني فإطلاق العباد على الكفار، و فرق بين العبد مطلقا و بين المضاف إلى اللّه تعالى فإن الإضافة إلى الشريف تكسو المضاف شرفا تقول بيت اللّه فيكون فيه من الشرف ما لا يكون في قولك البيت، و على هذا فقوله تعالى: وَ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ [الفرقان: 63]من قبيل قوله: إِنَّ عِبََادِي* [الحجر: 42]و كذلك‏ عِبََادَ اَللََّهِ* [الصافات: 74].

ثم بين اللّه تعالى سبب الحسرة بقوله تعالى: مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ و هذا سبب الندامة و ذلك لأن من جاءه ملك من بادية، و أعرفه نفسه، و طلب منه أمرا هينا فكذبه و لم يجبه إلا ما دعاه، ثم وقف بين يديه و هو على سرير ملكه فعرفه أنه ذلك، يكون عنده من الندامة ما لا مزيد عليه، فكذلك الرسل هم ملوك و أعظم منهم بإعزاز اللّه إياهم و جعلهم نوابه كما قال: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللََّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللََّهُ [آل عمران: 31]و جاءوا و عرفوا أنفسهم و لم يكن لهم عظمة ظاهرة في الحس، ثم يوم القيامة أو عند ظهور البأس ظهرت عظمتهم عند اللّه لهم، و كان ما يدعون إليه أمرا هينا نفعه عائد إليهم من عبادة اللّه و ما كانوا يسألون عليه أجرا، فعند ذلك تكون الندامة الشديدة، و كيف لا و هم لم يقتنعوا بالإعراض حتى آذوا و استهزءوا و استخفوا و استهانوا/و قوله: مََا يَأْتِيهِمْ الضمير يجوز أن يكون عائدا إلى قوم حبيب، أي ما يأتيهم من رسول من الرسل الثلاثة إلا كانوا به يستهزءون على قولنا الحسرة عليهم، و يجوز أن يكون عائدا إلى الكفار المصرين.

ثم إن اللّه تعالى لما بين حال الأولين قال للحاضرين: أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنََا قَبْلَهُمْ مِنَ اَلْقُرُونِ أي الباقون لا يرون ما جرى على من تقدمهم، و يحتمل أن يقال: إن الذين قيل في حقهم: يََا حَسْرَةً [يس: 30]هم الذين قال في حقهم: أَ لَمْ يَرَوْا و معناه أن كل مهلك تقدمه قوم كذبوا و أهلكوا إلى قوم نوح و قبله.