التفسير الكبير - ج29

- الفخر الرازي‏ المزيد...
533 /
265

الجزء التاسع و العشرون‏

تتمة سورة النجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

ثم قال تعالى: ذََلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ ذََلِكَ في وجوه الأول: أظهرها أنه عائد إلى الظن، أي غاية ما يبلغون به أنهم يأخذون بالظن و ثانيها: إيثار الحياة الدنيا مبلغهم من العلم، أي ذلك الإيثار غاية ما بلغوه من العلم ثالثها: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلََّى [النجم: 29]و ذلك الإعراض غاية ما بلغوه من العلم، و العلم على هذا يكون المراد منه العلم بالمعلوم، و تكون الألف و اللام للتعريف، و العلم بالمعلوم هو ما في القرآن، و تقرير هذا أن القرآن لما ورد بعضهم تلقاه بالقبول و انشرح صدره فبلغ الغاية القصوى، و بعضهم قبله من حيث إنه معجزة، و اتبع الرسول فبلغ الدرجة الوسطى، و بعضهم توقف فيه كأبي طالب، و ذلك أدنى المراتب، و بعضهم رده و عابه، فالأولون لم يجز الإعراض عنهم، و الآخرون وجب الإعراض عنهم، و كان موضع بلوغه من العلم أنه قطع الكلام معه الإعراض عنه، و عليه سؤال و هو: أن اللّه تعالى بين أن غايتهم ذلك: و لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها و المجنون الذي لا علم له، و الصبي لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم اللّه؟.

نقول ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ذكر اللّه، فكأن عدم علمهم لعدم قبولهم العلم، و إنما قدر اللّه توليهم ليضاف الجهل إلى ذلك فيحقق العقاب، قال الزمخشري: ذََلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ كلام معترض بين كلامين، و المتصل قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلََّى عَنْ ذِكْرِنََا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا ... إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [النجم: 29، 30]و على ما ذكرنا المقصود لا يتم إلا به، يكون كأنه تعالى قال: أعرض عنهم فإن ذلك غايتهم، و لا يوجد وراء ما ظهر منهم شي‏ء، و كأن قوله: عَنْ مَنْ تَوَلََّى إشارة إلى قطع عذرهم بسبب الجهل، فإن الجهل كان بالتولي و إيثار العاجل.

ثم ابتدأ و قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدى‏ََ و في المناسبة وجوه الأول: أنه تعالى لما قال: للنبي صلى اللّه عليه و سلم، أعرض و كان النبي صلى اللّه عليه و سلم شديد الميل إلى إيمان قومه و كان ربما هجس في خاطره، أن في الذكرى بعد منفعة، و ربما يؤمن من الكافرين قوم آخرون من غير قتال فقال له: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ علم أنه يؤمن بمجرد الدعاء أحد من المكلفين، و إنما ينفع فيهم أن يقع السيف و القتال فأعرض عن الجدال و أقبل على/القتال، و على هذا فقوله: بِمَنِ اِهْتَدى‏ََ أي علم في الأزل، من ضل في تقديره و من اهتدى، فلا يشتبه عليه الأمران، و لا يأس في الإعراض و يعد في العرف مصلحة ثانيها: هو على معنى قوله تعالى: وَ إِنََّا أَوْ إِيََّاكُمْ لَعَلى‏ََ هُدىً أَوْ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ [سبأ: 24]و قوله تعالى: يَحْكُمَ اَللََّهُ بَيْنَنََا

266

[الأعراف: 87]و وجهه أنهم كانوا يقولون: نحن على الهدى و أنتم مبطلون و أقام النبي صلى اللّه عليه و سلم الحجة عليهم فلم ينفعهم، فقال تعالى: أعرض عنهم و أجرك وقع على اللّه، فإنه يعلم أنكم مهتدون، و يعلم أنهم ضالون، و المتناظران إذا تناظرا عند ملك قادر مقصودهم ظهور الأمر عند الملك فإن اعترف الخصم بالحق فذاك، و إلا فغرض المصيب يظهر عند الملك فقال تعالى: جادلت و أحسنت و اللّه أعلم بالمحق من المبطل ثالثها: أنه تعالى لما أمر نبيه بالإعراض و كان قد صدر منهم إيذاء عظيم و كان النبي صلى اللّه عليه و سلم يتحمله رجاء أن يؤمنوا، فنسخ جميع ذلك فلما لم يؤمنوا فكأنه قال: سعيي و تحملي لإيذائهم وقع هباء، فقال اللّه تعالى: إن اللّه يعلم حال المضلين و المهتدين: للّه ما في السموات و الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا من المهتدين. و فيه مسائل:

المسألة الأولى: (هو) يسمى عمادا و فصلا، و لو قال: إن ربك أعلم لتمّ الكلام، غير أن عند خلو الكلام عن هذا العماد ربما يتوقف السامع على سماع ما بعده، ليعلم أن: أَعْلَمُ خبر: رَبَّكَ أو هو مع شي‏ء آخر خبر، مثاله لو قال: إن زيدا أعلم منه عمرو يكون خبر زيد الجملة التي بعده، فإن قال: هُوَ أَعْلَمُ انتفى ذلك التوهم.

المسألة الثانية: أَعْلَمُ يقتضي مفضلا عليه يقال: زيد أعلم من عمرو و اللّه أعلم ممن؟نقول: أفعل يجي‏ء كثيرا بمعنى عالم لا عالم مثله، و حينئذ إن كان هناك عالم فذلك مفضل عليه و إن لم يكن ففي الحقيقة هو العالم لا غير، و في كثير من المواضع أفعل في صفات اللّه بذلك المعنى يقال: اللّه أكبر و في الحقيقة لا كبير مثله و لا أكبر إلا هو، و الذي يناسب هذا أنه ورد في الدعوات يا أكرم الأكرمين كأنه قال: لا أكرم مثلك، و في الحقيقة لا أكرم إلا هو و هذا معنى قول من يقول: أَعْلَمُ بمعنى عالم بالمهتدي و الضال، و يمكن أن يقال:

أعلم من كل عالم بفرض عالم غيره.

المسألة الثالثة: علمته و علمت به مستعملان، قال اللّه تعالى في الأنعام: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 117]ثم ينبغي أن يكون المراد من المعلوم العلم إذا كان تعلقه بالمعلوم أقوى، إما لقوة العلم و إما لظهور المعلوم و إما لتأكيد وجوب العلم به، و إما لكون الفعل له قوة، أما قوة العلم فكما في قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ََ مِنْ ثُلُثَيِ اَللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ [المزمل: 20]و قال: أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللََّهَ يَرى‏ََ [العلق: 14] لما كان علم اللّه تعالى تاما شاملا علقه بالمفعول الذي هو حال من أحوال عبده الذي هو بمرأى منه من غير حرف، و لما كان علم العبد ضعيفا حادثا علقه بالمفعول الذي هو صفة من صفات اللّه تعالى الذي لا يحيط به علم البشر بالحرف أو لما كان كون اللّه رائيا لم يكن محسوسا به مشاهدا علق الفعل به بنفسه و بالآخر بالحرف، و أما ظهور المعلوم فكما قال تعالى: أَ وَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ/لِمَنْ يَشََاءُ [الزمر: 52]و هو معلوم ظاهر و أما تأكيد وجوب العلم به كما في قوله تعالى‏ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَللََّهُ [محمد: 19]و يمكن أن يقال:

هو من قبيل الظاهر، و كذلك قوله تعالى: وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اَللََّهِ [التوبة: 2]و أما قوة الفعل فقال تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ [المزمل: 20]و قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ََ لما كان المستعمل صفة الفعل علقه بالمفعول بغير حرف و قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ كما كان المستعمل اسما دالا على فعل ضعف عمله لتعلقه بالمفعول.

267

المسألة الرابعة: قدم العلم بمن ضل على العلم بالمهتدي في كثير من المواضع منها في سورة الأنعام و منها في سورة: ن و منها في السورة، لأن في المواضع كلها المذكور نبيه صلى اللّه عليه و سلم و المعاندون، فذكرهم أولا تهديدا لهم و تسلية لقلب نبيه عليه الصلاة و السلام.

المسألة الخامسة: قال في موضع واحد من المواضع: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 117] و في غيره قال: بِمَنْ ضَلَّ* فهل عندك فيه شي‏ء؟ قلت: نعم، و نبين ذلك ببحث عقلي و آخر نقلي: أما العقلي: فهو أن العلم القديم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه، إن وجد أمس علم أنه وجد أمس في نهار أمس، و ليس مثل علمنا حيث يجوز أن يتحقق الشي‏ء أمس، و نحن لا نعلمه إلا في يومنا هذا بل: لاََ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقََالُ ذَرَّةٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ لاََ فِي اَلْأَرْضِ و لا يتأخر الواقع عن علمه طرفة عين و أما النقلي: فهو أن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل إذا كان بمعنى المستقبل و لا يعمل عمله إذا كان ماضيا فلا تقول: أنا ضارب زيدا أمس، و الواجب إن كنت تنصب أن تقول: ضربت زيدا و إن كنت تستعمل اسم الفاعل فالواجب الإضافة تقول: ضارب زيد أمس أنا و يجوز أن يقال: أنا غدا ضارب زيدا و السبب فيه أن الفعل إذا وجد فلا تجدد له في‏[غير]الاستقبال، و لا تحقق له في الحال فهو عدم و ضعف عن أن يعمل، و أما الحال و ما يتوقع فله وجود فيمكن إعماله. إذا ثبت هذا فنقول: لما قال ضَلَّ كان الأمر ماضيا و علمه تعلق به وقت وجوده فعلم، و قوله أَعْلَمُ بمعنى عالم فيصير كأنه قال: عالم بمن ضل فلو ترك الباء لكان إعمالا للفاعل بمعنى الماضي، و لما قال: يَضِلُّ كان يعلم الضلال عند الوقوع و إن كان قد علم في الأزل أنه سيضل لكن للعلم بعد ذلك تعلق آخر سيوجد، و هو تعلقه بكون الضلال قد وقع و حصل و لم يكن ذلك في الأزل، فإنه لا يقال: إنه تعالى علم أن فلانا ضل في الأزل، و إنما الصحيح أن يقال: علم في الأزل، فإنه سيضل، فيكون كأنه يعلم أنه يضل فيكون اسم الفاعل بمعنى المستقبل و هو يعمل عمل الفعل، فلا يقال: زيد أعلم مسألتنا من عمرو، و إنما الواجب أن يقال: زيد أعلم بمسألتنا من عمرو، و لهذا قالت النحاة في سورة الأنعام‏ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ يعلم من يضل و قالوا:

أَعْلَمُ للتفضيل لا يبنى إلا من فعل لازم غير متعد، فإن كان متعديا يرد إلى لازم. و قولنا: علم كأنه من باب علم بالضم و كذا في التعجب إذا قلنا: ما أعلمه بكذا كأنه من فعل لازم. و أما أنا فقد أجبت عن هذا بأن قوله:

أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ معناه عالم، و قد قدمنا ما يجب أن يعتقد في أوصاف اللََّه في أكثر الأمر أن معناه أنه عالم و لا عالم مثله فيكون أعلم على حقيقته و هو أحسن من أن يقال: هو بمعنى عالم لا غير، فإن قيل: فلم قال هاهنا: بِمَنْ ضَلَّ و قال هناك: يَضِلُّ ؟قلنا: لأن/هاهنا حصل الضلال في الماضي و تأكد حيث حصل يأس الرسول صلى اللّه عليه و سلم و أمر بالإعراض، و أما هناك فقال تعالى من قبل: وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ [الأنعام: 116].

ثم قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ بمعنى إن ضللت يعلمك اللََّه فكان الضلال غير حاصل فيه فلم يستعمل صيغة الماضي.

المسألة السادسة: قال في الضلال عن سبيله و لم يقل في الاهتداء إلى سبيله، لأن الضلال عن السبيل هو الضلال و هو كاف في الضلال لأن الضلال لا يكون إلا في السبيل، و أما بعد الوصول فلا ضلال أو لأن من ضل عن سبيله لا يصل إلى المقصود سواء سلك سبيلا أو[لم‏]يسلك و أما من اهتدى إلى سبيل فلا وصول إن لم يسلكه، و يصحح هذا أن من ضل في غير سبيله فهو ضال و من اهتدى إليها لا يكون مهتديا إلا إذا اهتدى إلى كل‏

268

مسألة يضر الجهل بها بالإيمان فكان الاهتداء اليقيني هو الاهتداء المطلق فقال بِمَنِ اِهْتَدى‏ََ و قال بِالْمُهْتَدِينَ* [القلم: 7]ثم قال تعالى:

إشارة إلى كمال غناه و قدرته ليذكر بعد ذلك و يقول: إن ربك هو أعلم من الغني القادر لأن من علم و لم يقدر لا يتحقق منه الجزاء فقال: وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الزمخشري: ما يدل على أنه يعتقد أن اللام في قوله: لِيَجْزِيَ كاللام في قوله تعالى: وَ اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغََالَ وَ اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهََا [النحل: 8]و هو جرى في ذلك على مذهبه فقال: وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ معناه خلق ما فيهما لغرض الجزاء و هو لا يتحاشى مما ذكره لما عرف من مذهب الاعتزال، و قال الواحدي: اللام للعاقبة كما في قوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا [القصص: 8]أي أخذوه و عاقبته أنه يكون لهم عدوا، و التحقيق فيه و هو أن حتى و لام الغرض متقاربان في المعنى، لأن الغرض نهاية الفعل، و حتى للغاية المطلقة فبينهما مقاربة فيستعمل أحدهما مكان الآخر، يقال: سرت حتى أدخلها و لكي أدخلها، فلام العاقبة هي التي تستعمل في موضع حتى للغاية، و يمكن أن يقال: هنا وجه أقرب من الوجهين و إن كان أخفى منهما و هو أن يقال: إن قوله: لِيَجْزِيَ متعلق بقوله: ضل و اهتدى لا بالعلم و لا بخلق ما في السموات، تقديره كأنه قال: هو أعلم بمن ضل و اهتدى: لِيَجْزِيَ أن من ضل و اهتدى يجزي الجزاء و اللّه أعلم به، فيصير قوله: وَ لِلََّهِ مََا فِي/اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ كلاما معترضا، و يحتمل أن يقال: هو متعلق بقوله تعالى: فَأَعْرِضْ [النجم: 29]أي أعرض عنهم ليقع الجزاء، كما يقول المريد فعلا لمن يمنعه منه زرني لأفعله، و ذلك لأن ما دام النبي صلى اللّه عليه و سلم لم ييأس ما كان العذاب ينزل و الإعراض وقت اليأس، و قوله تعالى:

وَ يَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى حينئذ يكون مذكورا ليعلم أن العذاب الذي عند إعراضه يتحقق ليس مثل الذي قال تعالى فيه: وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25]بل هو مختص بالذين ظلموا و غيرهم لهم الحسنى، و قوله تعالى في حق المسي‏ء بِمََا عَمِلُوا و في حق المحسن بِالْحُسْنَى فيه لطيفة لأن جزاء المسي‏ء عذاب فنبه على ما يدفع الظلم فقال: لا يعذب إلا عن ذنب، و أما في الحسنى فلم يقل:

بما عملوا لأن الثواب إن كان لا على حسنة يكون في غاية الفضل فلا يخل بالمعنى هذا إذا قلنا الحسنى هي المثوبة بالحسنى، و أما إذا قلنا الأعمال الحسنى ففيه لطيفة غير ذلك، و هي أن أعمالهم لم يذكر فيها التساوي، و قال في أعمال المحسنين الحسنى إشارة إلى الكرم و الصفح حيث ذكر أحسن الاسمين و الحسنى صفة أقيمت مقام الموصوف كأنه تعالى قال بالأعمال الحسنى كقوله تعالى: اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ* [الأعراف: 180] و حينئذ هو كقوله تعالى: لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ اَلَّذِي كََانُوا يَعْمَلُونَ [العنكبوت: 7]أي يأخذ أحسن أعمالهم و يجعل ثواب كل ما وجد منهم لجزاء ذلك الأحسن أو هي صفة المثوبة، كأنه قال:

و يجزي الذين أحسنوا بالمثوبة الحسنى أو بالعاقبة الحسنى أي جزاؤهم حسن العاقبة و هذا جزاء فحسب، و أما الزيادة التي هي الفضل بعد الفضل فغير داخلة فيه.

269

ثم قال تعالى: اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبََائِرَ اَلْإِثْمِ وَ اَلْفَوََاحِشَ إِلاَّ اَللَّمَمَ (الذين) يحتمل أن يكون بدلا عن الذين أحسنوا و هو الظاهر، و كأنه تعالى قال ليجزي الذين أساءوا و يجزي الذين أحسنوا، و يتبين به أن المحسن ليس ينفع اللّه بإحسانه شيئا و هو الذي لا يسي‏ء و لا يرتكب القبيح الذي هو سيئة في نفسه عند ربه فالذين أحسنوا هم الذين اجتنبوا و لهم الحسنى، و بهذا يتبين المسي‏ء و المحسن لأن من لا يجتنب كبائر الإثم يكون مسيئا و الذي يجتنبها يكون محسنا، و على هذا ففيه لطيفة و هو أن المحسن لما كان هو من يجتنب الآثام فالذي يأتي بالنوافل يكون فوق المحسن، لكن اللّه تعالى وعد المحسن بالزيادة فالذي فوقه يكون له زيادات فوقها و هم الذين لهم جزاء الضعف، و يحتمل أن يكون ابتداء كلام تقديره الذين يجتنبون كبائر الإثم يغفر اللّه لهم و الذي يدل عليه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ وََاسِعُ اَلْمَغْفِرَةِ و على هذا تكون هذه الآية مع ما قبلها مبينة لحال المسي‏ء و المحسن و حال من لم يحسن و لم يسي‏ء و هم الذين لم يرتكبوا سيئة و إن لم تصدر منهم الحسنات، و هم كالصبيان الذين لم يوجد فيهم شرائط التكليف و لهم الغفران و هو دون الحسنى، و يظهر هذا بقوله تعالى بعده: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ أي يعلم الحالة التي لا إحسان فيها و لا/إساءة، كما علم من أساء و ضل و من أحسن و اهتدى، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: إذا كان بدلا عن الذين أحسنوا فلم خالف ما بعده بالمضي و الاستقبال حيث قال تعالى:

اَلَّذِينَ أَحْسَنُوا [النجم: 31]و قال: اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ و لم يقل اجتنبوا؟نقول: هو كما يقول القائل الذين سألوني أعطيتهم، الذين يترددون إلى سائلين أي الذين عادتهم التردد و السؤال سألوني و أعطيتهم فكذلك هاهنا قال: اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ أي الذين عادتهم و دأبهم الاجتناب لا الذين اجتنبوا مرة و قدموا عليها أخرى، فإن قيل:

في كثير من المواضع قال في الكبائر وَ اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبََائِرَ اَلْإِثْمِ وَ اَلْفَوََاحِشَ، وَ إِذََا مََا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى: 37]و قال في عباد الطاغوت: وَ اَلَّذِينَ اِجْتَنَبُوا اَلطََّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهََا وَ أَنََابُوا إِلَى اَللََّهِ [الزمر: 17] فما الفرق؟نقول: عبادة الطاغوت راجعة إلى الاعتقاد و الاعتقاد إذا وجد دام ظاهرا فمن اجتنبها اعتقد بطلانها فيستمر، و أما مثل الشرب و الزنا أمر يختلف أحوال الناس فيه فيتركه زمانا و يعود إليه و لهذا يستبرأ الفاسق إذا تاب و لا يستبرأ الكافر إذا أسلم، فقال في الآثام: اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ دائما، و يثابرون على الترك أبدا، و في عبادة الأصنام: فَاجْتَنِبُوا بصيغة الماضي ليكون أدل على الحصول، و لأن كبائر الإثم لها عدد أنواع فينبغي أن يجتنب عن نوع و يجتنب عن آخر و يجتنب عن ثالث ففيه تكرر و تجدد فاستعمل فيه صيغة الاستقبال، و عبادة الصنم أمر واحد متحد، فترك فيه ذلك الاستعمال و أتى بصيغة الماضي الدالة على وقوع الاجتناب لها دفعة.

المسألة الثانية: الكبائر جمع كبيرة و هي صفة فما الموصوف؟ نقول: هي صفة الفعلة كأنه يقول: الفعلات الكبائر من الإثم، فإن قيل: فما بال اختصاص الكبيرة بالذنوب في الاستعمال، و لو قال قائل: الفعلة الكبيرة الحسنة لا يمنعه مانع؟نقول: الحسنة لا تكون كبيرة لأنها إذا قوبلت بما يجب أن يوجد من العبد في مقابلة نعم اللّه تعالى تكون في غاية الصغر، و لو لا أن اللّه يقبلها لكانت هباء لكن السيئة من العبد الذي أنعم اللّه عليه بأنواع النعم كبيرة، و لو لا فضل اللّه لكان الاشتغال بالأكل و الشرب و الإعراض عن عبادته سيئة، و لكن اللّه غفر بعض السيئات و خفف بعضها. ـ

270

المسألة الثالثة: إذا ذكر الكبائر فما الفواحش بعدها؟ نقول: الكبائر إشارة إلى ما فيها من مقدار السيئة، و الفواحش إشارة إلى ما فيها من وصف القبح كأنه قال: عظيمة المقادير قبيحة الصور، و الفاحش في اللغة مختص بالقبيح الخارج قبحه عن حد الخفاء و تركيب الحروف في التقاليب يدل عليه فإنك إذا قلبتها و قلت:

حشف كان فيه معنى الرداءة الخارجة عن الحد، و يقال: فشحت الناقة إذا وقفت على هيئة مخصوصة للبول فالفحش يلازمه القبح، و لهذا لم يقل: الفواحش من الإثم و قال في الكبائر: كَبََائِرَ اَلْإِثْمِ لأن الكبائر إن لم يميزها بالإضافة إلى الإثم لما حصل المقصود بخلاف الفواحش.

المسألة الرابعة: كثرت الأقاويل في الكبائر و الفواحش، فقيل: الكبائر ما أوعد اللّه عليه بالنار/صريحا و ظاهرا، و الفواحش ما أوجب عليه حدا في الدنيا، و قيل: الكبائر ما يكفر مستحله، و قيل: الكبائر مالا يغفر اللّه لفاعله إلا بعد التوبة و هو على مذهب المعتزلة، و كل هذه التعريفات تعريف الشي‏ء بما هو مثله في الخفاء أو فوقه، و قد ذكرنا أن الكبائر هي التي مقدارها عظيم، و الفواحش هي التي قبحها واضح فالكبيرة صفة عائدة إلى المقدار، و الفاحشة صفة عائدة إلى الكيفية، كما يقال مثلا: في الأبرص علته بياض لطخة كبيرة ظاهرة اللون فالكبيرة لبيان الكمية و الظهور لبيان الكيفية و على هذا فنقول على ما قلنا: إن الأصل في كل معصية أن تكون كبيرة، لأن نعم اللّه كثيرة و مخالفة المنعم سيئة عظيمة، غير أن اللّه تعالى حط عن عباده الخطأ و النسيان لأنهما لا يدلان على ترك التعظيم، إما لعمومه في العباد أو لكثرة وجوده منهم كالكذبة و الغيبة مرة أو مرتين و النظرة و القبائح التي فيها شبهة، فإن المجتنب عنها قليل في جميع الأعصار، و لهذا قال أصحابنا: إن استماع الغناء الذي مع الأوتار يفسق به، و إن استمعه من أهل بلدة لا يعتدون أمر ذلك لا يفسق فعادت الصغيرة إلى ما ذكرنا من أن العقلاء إن لم يعدوه تاركا للتعظيم لا يكون مرتكبا للكبيرة، و على هذا تختلف الأمور باختلاف الأوقات و الأشخاص فالعالم المتقي إذا كان يتبع النساء أو يكثر من اللعب يكون مرتكبا للكبيرة، و الدلال و الباعة و المتفرغ الذي لا شغل له لا يكون كذلك، و كذلك اللعب وقت الصلاة، و اللعب في غير ذلك الوقت، و على هذا كل ذنب كبيرة إلا ما علم المكلف أو ظن خروجه بفضل اللّه و عفوه عن الكبائر.

المسألة الخامسة: في اللمم و فيه أقوال: أحدها: ما يقصده المؤمن و لا يحققه و هو على هذا القول من لم يلم إذا جمع فكأنه جمع عزمه و أجمع عليه و ثانيها: ما يأتي به المؤمن و يندم في الحال و هو من اللمم الذي هو مس من الجنون كأنه مسه و فارقه و يؤيد هذا قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اَللََّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران: 135]ثالثها: اللمم الصغير من الذنب من ألم إذا نزل نزولا من غير لبث طويل، و يقال: ألم بالطعام إذا قلل من أكله، و على هذا فقوله: إِلاَّ اَللَّمَمَ يحتمل وجوها: أحدها: أن يكون ذلك استثناء من الفواحش و حينئذ فيه و جهان: أحدهما: استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش و ثانيهما:

غير منقطع لما بينا أن كل معصية إذا نظرت إلى جانب اللّه تعالى و ما يجب أن يكون عليه فهي كبيرة و فاحشة، و لهذا قال اللّه تعالى: وَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً [الأعراف: 28]غير أن اللّه تعالى استثنى منها أمورا يقال: الفواحش كل معصية إلا ما استثناه اللّه تعالى منها و وعدنا بالعفو عنه ثانيها: إِلاَّ بمعنى غير و تقديره و الفواحش غير اللمم و هذا للوصف إن كان للتمييز كما يقال: الرجال غير أولي الإربة فاللمم عين الفاحشة، و إن كان لغيره كما يقال الرجال غير النساء جاءوني لتأكيد و بيان فلا و ثالثها: هو استثناء من الفعل الذي يدل عليه قوله تعالى:

271

اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ لأن ذلك يدل على أنهم لا يقربونه فكأنه قال: لا يقربونه إلا مقاربة من غير مواقعة و هو اللمم.

ثم قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ وََاسِعُ اَلْمَغْفِرَةِ و ذلك على قولنا: اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ ابتداء الكلام في غاية الظهور، لأن المحسن مجزى و ذنبه مغفور، و مجتنب الكبائر كذلك ذنبه الصغير مغفور، و المقدم على الكبائر إذا تاب مغفور الذنب، فلم يبق ممن لم تصل إليهم مغفرة إلا الذين أساؤا و أصروا عليها، فالمغفرة واسعة و فيه معنى آخر لطيف، و هو أنه تعالى لما أخرج المسي‏ء عن المغفرة بين أن ذلك ليس لضيق فيها، بل ذلك بمشيئة اللّه تعالى، و لو أراد اللّه مغفرة كل من أحسن و أساء لفعل، و ما كان يضيق عنهم مغفرته، و المغفرة من الستر، و هو لا يكون إلا على قبيح، و كل من خلقه اللّه إذا نظرت في فعله، و نسبته إلى نعم اللّه تجده مقصرا مسيئا، فإن من جازى المنعم بنعم لا تحصى مع استغنائه الظاهر، و عظمته الواضحة بدرهم أو أقل منه يحتاج إلى ستر ما فعله.

ثم قال تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهََاتِكُمْ فَلاََ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى‏ََ و في المناسبة وجوه أحدها: هو تقرير لما مر من قوله: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ [النجم: 30]كأن العامل من الكفار يقول: نحن نعمل أمورا في جوف الليل المظلم، و في البيت الخالي فكيف يعلمه اللّه تعالى؟فقال: ليس عملكم أخفى من أحوالكم و أنتم أجنة في بطون أمهاتكم، و اللّه عالم بتلك الأحوال ثانيها: هو إشارة إلى الضال و المهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير اللّه، فإن الحق علم أحوالهم و هم في بطون الأمهات، فكتب على البعض أنه ضال، و البعض أنه مهتد ثالثها: تأكيد و بيان للجزاء، و ذلك لأنه لما قال: لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَسََاؤُا بِمََا عَمِلُوا [النجم: 31]قال الكافرون: هذا الجزاء لا يتحقق إلا بالحشر، و جمع الأجزاء بعد تفرقها و إعادة ما كان لزيد من الأجزاء في بدنه من غير اختلاط غير ممكن، فقال تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ فيجمعها بقدرته على وفق علمه كما أنشأكم، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: العامل في: إِذْ يحتمل أن يكون ما يدل عليه: أَعْلَمُ أي علمكم وقت الإنشاء، و يحتمل أن يكون اذكروا فيكون تقريرا لكونه عالما و يكون تقديره: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ و قد تم الكلام، ثم يقول:

إن كنتم في شك من علمه بكم فاذكروا حال إنشائكم من التراب.

المسألة الثانية: ذكرنا مرارا أن قوله: مِنَ اَلْأَرْضِ من الناس من قال آدم فإنه من تراب، و قررنا أن كل أحد أصله من التراب، فإنه يصير غذاء، ثم يصير نطفة.

المسألة الثالثة: لو قال قائل: لا بد من صرف إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ إلى آدم، لأن وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهََاتِكُمْ عائد إلى غيره، فإنه لم يكن جنينا، و لو قلت بأن قوله تعالى/ إِذْ أَنْشَأَكُمْ عائد إلى جميع الناس، فينبغي أن يكون جميع الناس أجنة في بطون الأمهات، و هو قول الفلاسفة؟نقول ليس كذلك، لأنا نقول: الخطاب مع الموجودين حالة الخطاب، و قوله تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ خطاب مع كل من بعد الإنزال على قول، و مع من حضر وقت الإنزال على قول، و لا شك أن كل هؤلاء من الأرض و هم كانوا أجنة.

المسألة الرابعة: الأجنة هم الذين في بطون الأمهات، و بعد الخروج لا يسمى إلا ولدا أو سقطا، فما فائدة

272

قوله تعالى: فِي بُطُونِ أُمَّهََاتِكُمْ ؟نقول: التنبيه على كمال العلم و القدرة، فإن بطن الأم في غاية الظلمة، و من علم بحال الجنين فيها لا يخفى عليه ما ظهر من حال العباد.

المسألة الخامسة: لقائل أن يقول: إذا قلنا إن قوله هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ تقرير لكونه عالما بمن ضل، فقوله تعالى: فَلاََ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ تعلقه به ظاهر، و أما إن قلنا إنه تأكيد و بيان للجزاء، فإنه يعلم الأجزاء فيعيدها إلى أبدان أشخاصها، فكيف يتعلق به فَلاََ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ؟نقول: معناه حينئذ فلا تبرئوا أنفسكم من العذاب، و لا تقولوا تفرقت الأجزاء فلا يقع العذاب، لأن العالم بكم عند الإنشاء عالم بكم عند الإعادة، و على هذا قوله:

أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى‏ََ أي يعلم أجزاءه فيعيدها إليه، و يثيبه بما أقدم عليه.

المسألة السادسة: الخطاب مع من؟ فيه ثلاثة احتمالات الأول: مع الكفار، و هذا على قولنا إنهم قالوا كيف يعلمه اللّه، فرد عليهم قولهم الثاني كل من كان زمان الخطاب و بعده من المؤمنين و الكفار الثالث هو مع المؤمنين، و تقريره: هو أن اللّه تعالى لما قال: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلََّى عَنْ ذِكْرِنََا [النجم: 29]قال لنبيه صلى اللّه عليه و سلم:

قد علم كونك و من معك على الحق، و كون المشركين على الباطل، فأعرض عنهم و لا تقولوا: نحن على الحق و أنتم على الضلال، لأنهم يقابلونكم بمثل ذلك، و فوض الأمر إلى اللّه تعالى، فهو أعلم بمن اتقى و من طغى، و على هذا فقول من قال: فَأَعْرِضْ منسوخ أظهر، و هو كقوله تعالى: وَ إِنََّا أَوْ إِيََّاكُمْ لَعَلى‏ََ هُدىً أَوْ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ [سبأ: 24]و اللّه أعلم بجملة الأمور، و يحتمل أن يقال: على هذا الوجه الثالث إنه إرشاد للمؤمنين، فخاطبهم اللّه و قال: هو أعلم بكم أيها المؤمنون، علم ما لكم من أول خلقكم إلى آخر يومكم، فلا تزكوا أنفسكم رياء و خيلاء، و لا تقولوا لآخر أنا خير منك و أنا أزكى منك و أتقى، فإن الأمر عند اللّه، و وجه آخر و هو إشارة إلى وجوب الخوف من العاقبة، أي لا تقطعوا بخلاصكم أيها المؤمنون، فإن اللّه يعلم عاقبة من يكون على التقى، و هذا يؤيد قول من يقول: أنا مؤمن إن شاء اللّه للصرف إلى العاقبة ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال بعض المفسرين: نزلت الآية في الوليد بن المغيرة جلس عند النبي صلى اللّه عليه و سلم و سمع و عظه، و أثرت الحكمة فيه تأثيرا قويا، فقال له رجل: لم تترك دين آبائك، ثم قال له: لا تخف و أعطني كذا و أنا أتحمل عنك أوزارك، فأعطاه بعض ما التزمه، و تولى عن الوعظ و سماع الكلام من النبي صلى اللّه عليه و سلم، و قال بعضهم:

نزلت في عثمان رضي اللّه عنه، كان يعطي ماله عطاء كثيرا، فقال له أخوه من أمه عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح:

يوشك أن يفنى مالك فأمسك، فقال له عثمان: إن لي ذنوبا أرجو أن يغفر اللّه لي بسبب العطاء، فقال له أخوه:

أنا أتحمل عنك ذنوبك إن تعطي ناقتك مع كذا، فأعطاه ما طلب و أمسك يده عن العطاء، فنزلت الآية، و هذا قول باطل لا يجوز ذكره، لأنه لم يتواتر ذلك و لا اشتهر، و ظاهر حال عثمان رضي اللّه عنه يأبى ذلك، بل الحق أن يقال: إن اللّه تعالى لما قال لنبيه صلى اللّه عليه و سلم من قبل‏ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلََّى عَنْ ذِكْرِنََا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا

273

[النجم: 29]و كان التولي من جملة أنواعه تولي المستغني، فإن العالم بالشي‏ء لا يحضر مجالس ذكر ذلك الشي‏ء، و يسعى في تحصيل غيره، فقال أَ فَرَأَيْتَ اَلَّذِي تَوَلََّى عن استغناء، أعلم بالغيب؟.

المسألة الثانية: الفاء تقتضي كلاما يترتب هذا عليه، فما ذا هو؟ نقول: هو ما تقدم من بيان علم اللّه و قدرته، و وعده المسي‏ء و المحسن بالجزاء و تقديره هو أن اللّه تعالى لما بين أن الجزاء لا بد من وقوعه على الإساءة و الإحسان، و أن المحسن هو الذي يجتنب كبائر الإثم، فلم يكن الإنسان مستغنيا عن سماع كلام النبي صلى اللّه عليه و سلم و أتباعه، فبعد هذا من تولى لا يكون توليه إلا بعد غاية الحاجة و نهاية الافتقار.

المسألة الثالثة: اَلَّذِي على ما قال بعض المفسرين عائد إلى معلوم، و هو ذلك الرجل و هو الوليد، و الظاهر أنه عائد إلى مذكور، فإن اللّه تعالى قال من قبل‏ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلََّى عَنْ ذِكْرِنََا و هو المعلوم لأن الأمر بالإعراض غير مختص بواحد من المعاندين فقال: أَ فَرَأَيْتَ اَلَّذِي تَوَلََّى أي الذي سبق ذكره، فإن قيل:

كان ينبغي أن يقول الذين تولوا، لأن (من) في قوله: عَنْ مَنْ تَوَلََّى للعموم؟نقول: العود إلى اللفظ كثير شائع قال تعالى: مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ* [القصص: 84]و لم يقل فلهم.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: وَ أَعْطى‏ََ قَلِيلاً ما المراد منه؟ نقول: على ما تقدم هو المقدار الذي أعطاه الوليد، و قوله: وَ أَكْدى‏ََ هو ما أمسك عنه و لم يعط الكل، و على هذا لو قال قائل إن الإكداء لا يكون مذموما لأن الإعطاء كان بغير حق، فالامتناع لا يذم عليه، و أيضا فلا يبقى لقوله قَلِيلاً فائدة، لأن الإعطاء حينئذ نفسه يكون مذموما، نقول فيه بيان خروجهم عن العقل و العرف/أما العقل فلأنه منع من الإعطاء لأجل حمل الوزر، فإنه لا يحصل به، و أما العرف فلأن عادة الكرام من العرب الوفاء بالعهد، و هو لم يف به حيث التزم الإعطاء و امتنع، و الذي يليق بما ذكرنا هو أن نقول: تولى عن ذكرنا و لم يرد إلا الحياة الدنيا، يعني إعطاء ما وجب إعطاؤه في مقابلة ما يجب لإصلاح أمور الآخرة، }و يقع في قوله تعالى: أَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْغَيْبِ في مقابلة قوله تعالى: ذََلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ [النجم: 30]أي لم يعلم الغيب و ما في الآخرة و قوله تعالى: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمََا فِي صُحُفِ مُوسى‏ََ*`وَ إِبْرََاهِيمَ اَلَّذِي وَفََّى*`أَلاََّ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ [النجم: 36-38]في مقابلة قوله: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ إلى قوله: لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَسََاؤُا [النجم: 30، 31]لأن الكلامين جميعا لبيان الجزاء، و يمكن أن يقال: إن اللّه تعالى لما بين حال المشركين المعاندين العابدين للات و العزى و القائلين بأن الملائكة بنات اللّه شرع في بيان أهل الكتاب، و قال بعد ما رأيت حال المشرك الذي تولى عن ذكرنا، أ فرأيت حال من تولى و له كتاب و أعطى قليلا من الزمان حقوق اللّه تعالى، و لما بلغ زمان محمد أكدى فهل علم الغيب فقال شيئا لم يرد في كتبهم و لم ينزل عليهم في الصحف المتقدمة، و وجد فيها بأن كل واحد يؤاخذ بفعله و يجازى بعمله، و قوله تعالى: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمََا فِي صُحُفِ مُوسى‏ََ*`وَ إِبْرََاهِيمَ اَلَّذِي وَفََّى يخبر أن المتولي المذكور من أهل الكتاب.

المسألة الخامسة: أَكْدى‏ََ قيل هو من بلغ الكدية و هي الأرض الصلبة لا تحفر، و حافر البئر إذا وصل إليها فامتنع عليه الحفر أو تعسر يقال: أكدى الحافر، و الأظهر أنه الرد و المنع يقال: أكديته أي رددته و قوله تعالى: أَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْغَيْبِ فَهُوَ يَرى‏ََ قد علم تفسيره جملة أن المراد جهل المتولي و حاجته و بيان قبح التولي مع الحاجة إلى الإقبال و علم الغيب، أي العلم بالغيب، أي علم ما هو غائب عن الخلق و قوله: فَهُوَ يَرى‏ََ تتمة بيان وقت جواز التولي و هو حصول الرؤية و هو الوقت الذي لا ينفع الإيمان فيه، و هناك لا يبقى وجوب‏

274

متابعة أحد فيما رآه، لأن الهادي يهدي إلى الطريق فإذا رأى المهتدي مقصده بعينه لا ينفيه السماع، فقال تعالى: هل علم الغيب بحيث رآه فلا يكون علمه علما نظريا بل علما بصريا فعصى فتولى و قوله تعالى: فَهُوَ يَرى‏ََ يحتمل أن يكون مفعول يَرى‏ََ هو احتمال الواحد وزر الآخر كأنه قال فهو يرى أن وزره محمول ألم يسمع أن وزره غير محمول فهو عالم بالحمل و غافل عن عدم الحمل ليكون معذورا، و يحتمل أن لا يكون له مفعول تقديره فهو يرى رأي نظر غير محتاج إلى هاد و نذير.

}و قوله تعالى: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمََا فِي صُحُفِ مُوسى‏ََ*`وَ إِبْرََاهِيمَ اَلَّذِي وَفََّى حال أخرى مضادة للأولى يعذر فيها المتولي و هو الجهل المطلق فإن من علم الشي‏ء علما تاما لا يؤمر بتعلمه، و الذي جهله جهلا مطلقا و هو الغافل على الإطلاق كالنائم أيضا لا يؤمر فقال: هذا المتولي هل علم الكل فجاز له التولي/أولم يسمع شيئا و ما بلغه دعوة أصلا فيعذر، و لا واحد من الأمرين بكائن فهو في التولي غير معذور، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله تعالى: بِمََا فِي يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد ما فيها لا بصفة كونه فيها، فكأنه تعالى يقول: أم لم ينبأ بالتوحيد و الحشر و غير ذلك، و هذه أمور مذكورة في صحف موسى، مثاله:

يقول القائل لمن توضأ بغير الماء توضأ بما توضأ به النبي صلى اللّه عليه و سلم و على هذا فالكلام مع الكل لأن المشرك و أهل الكتاب نبأهم النبي صلى اللّه عليه و سلم بما في صحف موسى ثانيهما: أن المراد بما في الصحف مع كونه فيها، كما يقول القائل فيما ذكرنا من المثال توضأ بما في القربة لا بما في الجرة فيريد عين ذلك لا جنسه و على هذا فالكلام مع أهل الكتاب لأنهم الذين نبئوا به.

المسألة الثانية: صحف موسى و إبراهيم، هل جمعها لكونها صحفا كثيرة أو لكونها مضافة إلى اثنين كما قال تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمََا [التحريم: 4]؟الظاهر أنها كثيرة، قال اللّه تعالى: أَخَذَ اَلْأَلْوََاحَ [الأعراف: 154]و قال تعالى: وَ أَلْقَى اَلْأَلْوََاحَ [الأعراف: 150]و كل لوح صحيفة.

المسألة الثالثة: ما المراد بالذي فيها؟ نقول قوله تعالى: أَلاََّ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ*`وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ و ما بعده من الأمور المذكورة على قراءة من قرأ أن بالفتح و على قراءة من يكسر و يقول: وَ أَنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‏ََ [النجم: 42]ففيه وجوه أحدها: هو ما ذكره بقوله: أَلاََّ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ و هو الظاهر، و إنما احتمل غيره، لأن صحف موسى و إبراهيم ليس فيها هذا فقط، و ليس هذا معظم المقصود بخلاف قراءة الفتح، فإن فيها تكون جميع الأصول على ما بين ثانيها: هو أن الآخرة خير من الأولى يدل عليه قوله تعالى: إِنَّ هََذََا لَفِي اَلصُّحُفِ اَلْأُولى‏ََ*`صُحُفِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ [الأعلى: 18، 19]ثالثها: أصول الدين كلها مذكورة في الكتب بأسرها، و لم يخل اللّه كتابا عنها، و لهذا قال لنبيه صلى اللّه عليه و سلم: فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ [الأنعام: 90] و ليس المراد في الفروع، لأن فروع دينه مغايرة لفروع دينهم من غير شك. ـ

275

المسألة الرابعة: قدم موسى هاهنا و لم يقل كما قال في‏ سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى [الأعلى: 1]فهل فيه فائدة؟ نقول: مثل هذا في كلام الفصحاء لا يطلب له فائدة، بل التقديم و التأخير سواء في كلامهم فيصح أن يقتصر على هذا الجواب، و يمكن أن يقال: إن الذكر هناك لمجرد الإخبار و الإنذار و هاهنا المقصود بيان انتفاء الأعذار، فذكر هناك على ترتيب الوجود صحف إبراهيم قبل صحف موسى في الإنزال، و أما هاهنا فقد قلنا إن الكلام مع أهل الكتاب و هم اليهود فقدم كتابهم، و إن قلنا الخطاب عام فصحف موسى عليه السلام كانت كثيرة الوجود، فكأنه قيل لهم انظروا فيها تعلموا أن الرسالة حق، و أرسل من قبل موسى رسل و التوحيد صدق و الحشر واقع فلما كانت صحف موسى عند اليهود كثيرة الوجود قدمها، و أما صحف إبراهيم فكانت بعيدة و كانت المواعظ التي فيها غير مشهورة فيما بينهم كصحف موسى فأخر ذكرها.

المسألة الخامسة: كثيرا ما ذكر اللّه موسى فأخر ذكره عليه السلام لأنه كان مبتلى في/أكثر الأمر بمن حواليه و هم كانوا مشركين و متهودين و المشركون كانوا يعظمون إبراهيم عليه السلام لكونه أباهم، و أما قوله تعالى: وَفََّى ففيه وجهان أحدهما: أنه الوفاء الذي يذكر في العهود و على هذا فالتشديد للمبالغة يقال و في و وفى كقطع و قطع و قتل و قتل، و هو ظاهر لأنه و في بالنذر و أضجع ابنه للذبح، و ورد في حقه: قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيََا [الصافات: 105]و قال تعالى: إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْبَلاََءُ اَلْمُبِينُ [الصافات: 106]و ثانيهما: أنه من التوفية التي من الوفاء و هو التمام و التوفية الإتمام يقال وفاه أي أعطاه تاما، و على هذا فهو من قوله: وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة: 124]و قيل: وَفََّى أي أعطى حقوق اللّه في بدنه، و على هذا فهو على ضد من قال تعالى فيه: وَ أَعْطى‏ََ قَلِيلاً وَ أَكْدى‏ََ مدح إبراهيم و لم يصف موسى عليه السلام، نقول: أما بيان توفيته ففيه لطيفة و هي أنه لم يعهد عهدا إلا و في به، و قال لأبيه: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [يوسف: 98]فاستغفر و وفى بالعهد و لم يغفر اللّه له، فعلم أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ و أن وزره لا تزره نفس أخرى، و أما مدح إبراهيم عليه السلام فلأنه كان متفقا عليه بين اليهود و المشركين و المسلمين و لم ينكر أحد كونه وفيا، و موفيا، و ربما كان المشركون يتوقفون في وصف موسى عليه السلام، ثم قال تعالى: أَلاََّ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ و قد تقدم تفسيره في سورة الملائكة، و الذي يحسن بهذا الموضع مسائل:

الأولى: أنا بينا أن الظاهر أن المراد من قوله: بِمََا فِي صُحُفِ مُوسى‏ََ هو ما بينه بقوله أَلاََّ تَزِرُ فيكون هذا بدلا عن ما و تقديره أم لم ينبأ بألا تزر و ذكرنا هناك وجهين أحدهما: المراد أن الآخرة خير و أبقى الأصول.

المسألة الثانية: أَلاََّ تَزِرُ أن خفيفة من الثقيلة كأنه قال: أنه لا تزر و تخفيف الثقيلة لازم و غير لازم جائز و غير جائز، فاللازم عند ما يكون بعدها فعل أو حرف داخل على فعل، و لزم فيها التخفيف، لأنها مشبهة بالفعل في اللفظ و المعنى، و الفعل لا يمكن إدخاله على فعل فأخرج عن شبه الفعل إلى صورة تكون حرفا مختصا بالفعل فتناسب الفعل فتدخل عليه.

المسألة الثالثة: إن قال قائل: الآية مذكورة لبيان أن وزر المسي‏ء لا يحمل عنه و بهذا الكلام لا تحصل هذه الفائدة لأن الوازرة تكون مثقلة بوزرها فيعلم كل أحد أنها لا تحمل شيئا و لو قال لا تحمل فارغة وزر أخرى كان أبلغ تقول ليس كما ظننت، و ذلك لأن المراد من الوازرة هي التي يتوقع منها الوزر و الحمل لا التي وزرت‏

276

و حملت كما يقال: شقاني الحمل، و إن لم يكن عليه في الحال حمل، و إذا لم تزر تلك النفس التي يتوقع منها ذلك فكيف تتحمل وزر غيرها فتكون الفائدة كاملة.

و قوله تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ تتمة بيان أحوال المكلف فإنه لما بين له/أن سيئته لا يتحملها عنه أحد بين له أن حسنة الغير لا تجدي نفعا و من لم يعمل صالحا لا ينال خيرا فيكمل بها و يظهر أن المسي‏ء لا يجد بسبب حسنة الغير ثوابا و لا يتحمل عنه أحد عقابا، و فيه أيضا مسائل:

الأولى: لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ فيه وجهان أحدهما: أنه عام و هو الحق و قيل عليه بأن في الأخبار أن ما يأتي به القريب من الصدقة و الصوم يصل إلى الميت و الدعاء أيضا نافع فللإنسان شي‏ء لم يسمع فيه، و أيضا قال اللّه تعالى: مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا [الأنعام: 160]و هي فوق ما سعى، الجواب عنه أن الإنسان إن لم يسع في أن يكون له صدقة القريب بالإيمان لا يكون له صدقته فليس له إلا ما سعى، و أما الزيادة فنقول: اللّه تعالى لما وعد المحسن بالأمثال و العشرة و بالأضعاف المضاعفة فإذا أتى بحسنة راجيا أن يؤتيه اللّه ما يتفضل به فقد سعى في الأمثال، فإن قيل: أنتم إذن حملتم السعي على المبادرة إلى الشي‏ء، يقال: سعى في كذا إذا أسرع إليه، و السعي في قوله تعالى: إِلاََّ مََا سَعى‏ََ معناه العمل يقال: سعى فلان أي عمل، و لو كان كما ذكرتم لقال: إلا ما سعى فيه نقول على الوجهين جميعا: لا بد من زيادة فإن قوله تعالى: لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ ليس المراد منه أن له عين ما سعى، بل المراد على ما ذكرت ليس له إلا ثواب ما سعى، أو إلا أجر ما سعى، أو يقال: بأن المراد أن ما سعى محفوظ له مصون عن الإحباط فإذن له فعله يوم القيامة الوجه الثاني: أن المراد من الإنسان الكافر دون المؤمن و هو ضعيف، و قيل بأن قوله: لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ كان في شرع من تقدم، ثم إن اللّه تعالى نسخه في شرع محمد صلى اللّه عليه و سلم و جعل للإنسان ما سعى و ما لم يسع و هو باطل إذ لا حاجة إلى هذا التكلف بعد ما بان الحق، و على ما ذكر فقوله: مََا سَعى‏ََ مبقى على حقيقته معناه له عين ما سعى محفوظ عند اللّه تعالى و لا نقصان يدخله ثم يجزى به كما قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: 7].

المسألة الثانية: أن (ما) خبرية أو مصدرية؟ نقول: كونها مصدرية أظهر بدليل قوله تعالى: وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏ََ أي سوف يرى المسعي، و المصدر للمفعول يجي‏ء كثيرا يقال: هذا خلق اللّه أي مخلوقه.

المسألة الثالثة: المراد من الآية بيان ثواب الأعمال الصالحة أو بيان كل عمل، نقول: المشهور أنها لكل عمل فالخير مثاب عليه و الشر معاقب به و الظاهر أنه لبيان الخيرات يدل عليه اللام في قوله تعالى: لِلْإِنْسََانِ فإن اللام لعود المنافع و على لعود المضار تقول: هذا له، و هذا عليه، و يشهد له و يشهد عليه في المنافع و المضار، و للقائل الأول أن يقول: بأن الأمرين إذا اجتمعا غلب الأفضل كجموع السلامة تذكر إذا اجتمعت الإناث مع الذكور، و أيضا يدل عليه قوله تعالى: ثُمَّ يُجْزََاهُ اَلْجَزََاءَ اَلْأَوْفى‏ََ [النجم: 41]و الأوفى لا يكون إلا في مقابلة الحسنة، و أما في السيئة فالمثل أو دونه العفو بالكلية.

المسألة الرابعة: إِلاََّ مََا سَعى‏ََ بصيغة الماضي دون المستقبل لزيادة الحث على السعي في العمل الصالح و تقريره هو أنه تعالى لو قال: ليس للإنسان إلا ما يسعى، تقول النفس إني أصلي غدا/كذا ركعة و أتصدق بكذا درهما، ثم يجعل مثبتا في صحيفتي الآن لأنه أمر يسعى و له فيه ما يسعى فيه، فقال: ليس له إلا ما قد سعى و حصل و فرغ منه، و أما تسويلات الشيطان و عداته فلا اعتماد عليها ثم قال تعالى:

277

أي يعرض عليه و يكشف له من أريته الشي‏ء، و فيه بشارة للمؤمنين على ما ذكرنا، و ذلك أن اللّه يريه أعماله الصالحة ليفرح بها، أو يكون يرى ملائكته و سائر خلقه ليفتخر العامل به على ما هو المشهور و هو مذكور لفرح المسلم و لحزن الكافر، فإن سعيه يرى للخلق، و يرى لنفسه و يحتمل أن يقال: هو من رأى يرى فيكون كقوله تعالى: وَ قُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللََّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ [التوبة: 105]و فيها و في الآية التي بعدها مسائل:

الأولى: العمل كيف يرى بعد وجوده و مضيه؟ نقول فيه و جهان: أحدهما: يراه على صورة جميلة إن كان العمل صالحا ثانيهما: هو على مذهبنا غير بعيد فإن كل موجود يرى، و اللّه قادر على إعادة كل معدوم فبعد الفعل يرى‏ (1) و فيه وجه ثالث: و هو أن ذلك مجاز عن الثواب يقال: سترى إحسانك عند الملك أي جزاءه عليه و هو بعيد لما قال بعده: ثُمَّ يُجْزََاهُ اَلْجَزََاءَ اَلْأَوْفى‏ََ .

المسألة الثانية: الهاء ضمير السعي أي ثم يجزى الإنسان سعيه بالجزاء، و الجزاء يتعدى إلى مفعولين قال تعالى: وَ جَزََاهُمْ بِمََا صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً [الإنسان: 12]و يقال: جزاك اللّه خيرا، و يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل بحرف يقال: جزاه اللّه على عمله الخير الجنة، و يحذف الجار و يوصل الفعل فيقال: جزاه اللّه عمله الخير الجنة، هذا وجه، و فيه وجه آخر و هو أن الضمير للجزاء، و تقديره ثم يجزى جزاء و يكون قوله: اَلْجَزََاءَ اَلْأَوْفى‏ََ تفسيرا أو بدلا مثل قوله تعالى: وَ أَسَرُّوا اَلنَّجْوَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا [الأنبياء: 3]فإن التقدير و الذين ظلموا أسروا النجوى، الذين ظلموا، و الجزاء الأوفى على ما ذكرنا يليق بالمؤمنين الصالحين لأنه جزاء الصالح، و إن قال تعالى: فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزََاؤُكُمْ جَزََاءً مَوْفُوراً [الإسراء: 63]و على ما قيل: يجاب أن الأوفى بالنظر إليه فإن جهنم ضررها أكثر بكثير مع نفع الآثام فهي في نفسها أوفى.

المسألة الثالثة: (ثم) لتراخي الجزاء أو لتراخي الكلام أي ثم نقول يجزاه فإن كان لتراخي الجزاء فكيف يؤخر الجزاء عن الصالح، و قد ثبت أن الظاهر أن المراد منه الصالح؟نقول: الوجهان محتملان و جواب السؤال هو أن الوصف بالأوفى يدفع ما ذكرت لأن اللّه تعالى من أول زمان يموت الصالح يجزيه جزاء على خيره و يؤخر له الجزاء الأوفى، و هي الجنة أو نقول الأوفى إشارة إلى الزيادة فصار كقوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنى‏ََ [يونس: 26]و هي الجنة: وَ زِيََادَةٌ و هي الرؤية فكأنه/تعالى قال و أن سعيه سوف يرى ثم يرزق الرؤية، و هذا الوجه يليق بتفسير اللفظ فإن الأوفى مطلق غير مبين فلم يقل: أوفى من كذا، فينبغي أن يكون أوفى من كل واف و لا يتصف به غير رؤية اللّه تعالى.

المسألة الرابعة: في بيان لطائف في الآيات الأولى: قال في حق المسي‏ء: أَلاََّ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ

____________

(1) ثبت علميا أن أعمال الإنسان و غيره مثبتة كما هي على لوحات الأثير كالصورة الفوتوغرافية تماما و كذلك الأصوات فإنها تسجل في الموجات الأثيرية غير أنها تبتعد عنا بتقدم الزمان و قد استطاع العلماء سماع تلك الأصوات بمكبرات صوتية و الراديو و التليفزيون أمثلة مصغرة لذلك و هذا من أدلة القدرة الباهرة و من الأدلة على البعث و الحساب، فمحال أن يكون حفظها عبثا.

278

[النجم: 38]و هو لا يدل إلا على عدم الحمل عن الوازرة و هذا لا يلزم منه بقاء الوزر عليها من ضرورة اللفظ، لجواز أن يسقط عنها و يمحو اللّه ذلك الوزر فلا يبقى عليها و لا يتحمل عنها غيرها و لو قال: لا تزر وازرة إلا وزر نفسها كان من ضرورة الاستثناء أنها تزر، و قال في حق المحسن: ليس للإنسان إلا ما سعى، و لم يقل:

ليس له ما لم يسع لأن العبارة الثانية ليس فيها أن له ما سعى، و في العبارة الأولى أن له ما سعى، نظرا إلى الاستثناء، و قال: في حق المسي‏ء بعبارة لا تقطع رجاءه، و في حق المحسن بعبارة تقطع خوفه، كل ذلك إشارة إلى سبق الرحمة الغضب ثم قال تعالى:

القراءة المشهورة فتح الهمزة على العطف على ما، يعني أن هذا أيضا في الصحف و هو الحق، و قرئ بالكسر على الاستئناف، و فيه مسائل:

الأولى: ما المراد من الآية؟ قلنا فيه و جهان: أحدهما: و هو المشهور بيان المعاد أي للناس بين يدي اللّه وقوف، و على هذا فهو يتصل بما تقدم لأنه تعالى لما قال: ثُمَّ يُجْزََاهُ كأن قائلا قال لا ترى الجزاء، و متى يكون، فقال: إن المرجع إلى اللّه، و عند ذلك يجازي الشكور و يجزي الكفور و ثانيهما: المراد التوحيد، و قد فسر الحكماء أكثر الآيات التي فيها الانتهاء و الرجوع بما سنذكره غير أن في بعضها تفسيرهم غير ظاهر، و في هذا الموضع ظاهر، فنقول: هو بيان وجود اللّه تعالى و وحدانيته، و ذلك لأنك إذا نظرت إلى الموجودات الممكنة لا تجد لها بدا من موجد، ثم إن موجدها ربما يظن أنه ممكن آخر كالحرارة التي تكون على وجه يظن أنها من إشراق الشمس أو من النار فيقال الشمس و النار ممكنتان فمم وجودهما؟فإن استندتا إلى ممكن آخر لم يجد العقل بدا من الانتهاء إلى غير ممكن فهو واجب الوجود فإليه ينتهي الأمر فالرب هو المنتهى، و هذا في هذا الموضع ظاهر معقول موافق للمنقول، فإن‏

المروي عن أبي بن كعب أنه قال عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «و أن إلى ربك المنتهى، لا فكرة في الرب»

أي انتهى الأمر إلى واجب الوجود، و هو الذي لا يكون وجوده بموجد و منه كل وجود، و

قال أنس عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إذا ذكر الرب فانتهوا»

و هو محتمل لما ذكرنا، و أما بعض الناس فيبالغ و يفسر كل آية فيها الرجعى و المنتهى و غيرهما بهذا التفسير حتى قيل: إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ [فاطر: 10]بهذا المعنى و هذا دليل الوجود، و أما دليل الوحدانية فمن حيث إن العقل انتهى إلى واجب الوجود من حيث إنه واجب الوجود، لأنه لو لم يكن واجب/الوجود لما كان منتهى بل يكون له موجد، فالمنتهى هو الواجب من حيث إنه واجب، و هذا المعنى واحد في الحقيقة و العقل، لأنه لا بد من الانتهاء إلى هذا الواجب أو إلى ذلك الواجب فلا يثبت الواجب معنى غير أنه واجب فيبعد إذا وجوبه، فلو كان واجبان في الوجود لكان كل واحد قبل المنتهى لأن المجموع قبله الواجب فهو المنتهى و هذان دليلان ذكرتهما على وجه الاختصار.

المسألة الثانية: قوله تعالى: إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‏ََ في المخاطب وجهان: أحدهما: أنه عام تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل ثانيهما: الخطاب مع النبي صلى اللّه عليه و سلم و فيه بيان صحة دينه فإن كل أحد كان يدعى ربا و إلها،

لكنه صلى اللّه عليه و سلم لما قال: «ربي الذي هو أحد و صمد»

يحتاج إليه كل ممكن فإذا ربك هو المنتهى، و هو رب الأرباب‏

279

و مسبب الأسباب، و على هذا القول الكاف أحسن موقعا، أما على قولنا: إن الخطاب عام فهو تهديد بليغ للمسي‏ء و حث شديد للمحسن، لأن قوله: أيها السامع كائنا من كان إلى ربك المنتهى يفيد الأمرين إفادة بالغة حد الكمال، و أما على قولنا: الخطاب مع النبي صلى اللّه عليه و سلم فهو تسلية لقلبه كأنه يقول: لا تحزن فإن المنتهى إلى اللّه فيكون كقوله تعالى: فَلاََ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنََّا نَعْلَمُ مََا يُسِرُّونَ وَ مََا يُعْلِنُونَ إلى أن قال تعالى في آخر السورة:

وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس: 76-83]و أمثاله كثيرة في القرآن.

المسألة الثالثة: اللام على الوجه الأول للعهد لأن‏

النبي صلى اللّه عليه و سلم كان يقول: أبدا إن مرجعكم إلى اللّه‏

فقال:

وَ أَنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‏ََ الموعود المذكور في القرآن و كلام النبي صلى اللّه عليه و سلم، و على الوجه الثاني للعموم أي إلى الرب كل منتهى و هو مبدأ، و على هذا الوجه نقول: منتهى الإدراكات المدركات، فإن الإنسان أولا يدرك الأشياء الظاهرة ثم يمعن النظر فينتهي إلى اللّه فيقف عنده ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

الأولى: على قولنا: إليه المنتهى المراد منه إثبات الوحدانية، هذه الآيات مثبتات لمسائل يتوقف عليها الإسلام من جملتها قدرة اللّه تعالى، فإن من الفلاسفة من يعترف بأن اللّه المنتهى و أنه واحد لكن يقول: هو موجب لا قادر، فقال تعالى: هو أوجد ضدين الضحك و البكاء في محل واحد و الموت و الحياة و الذكورة و الأنوثة في مادة واحدة، و إن ذلك لا يكون إلا من قادر و اعترف به كل عاقل، و على قولنا: إن قوله تعالى:

وَ أَنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‏ََ [النجم: 42]بيان المعاد فهو إشارة إلى بيان أمره فهو كما يكون في بعضها ضاحكا فرحا و في بعضها باكيا محزونا كذلك يفعل به في الآخرة.

المسألة الثانية: أَضْحَكَ وَ أَبْكى‏ََ لا مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما مسوقتان لقدرة اللّه لا لبيان المقدور، فلا حاجة إلى المفعول. يقول القائل: فلان بيده الأخذ و العطاء يعطي و يمنع و لا يريد ممنوعا و معطى.

المسألة الثالثة: اختار هذين الوصفين للذكر و الأنثى لأنهما أمران لا يعللان فلا يقدر أحد من الطبيعيين أن يبدي في اختصاص الإنسان بالضحك و البكاء وجها و سببا، و إذا لم يعلل بأمر و لا بد له من موجد فهو اللّه تعالى، بخلاف الصحة و السقم فإنهم يقولون: سببهما اختلال المزاج و خروجه عن الاعتدال، و يدلك على هذا أنهم إذا ذكروا في الضحك أمرا له الضحك قالوا: قوة التعجب و هو في غاية البطلان لأن الإنسان ربما يبهت عند رؤية الأمور العجيبة و لا يضحك، و قيل: قوة الفرح، و ليس كذلك لأن الإنسان يفرح كثيرا و لا يضحك، و الحزين الذي عند غاية الحزن يضحكه المضحك، و كذلك الأمر في البكاء، و إن قيل لأكثرهم علما بالأمور التي يدعيها الطبيعيون إن خروج الدمع من العين عند أمور مخصوصة لما ذا؟لا يقدر على تعليل صحيح، و عند الخواص كالتي في المغناطيس و غيرها ينقطع الطبيعي، كما أن عند أوضاع الكواكب ينقطع هو و المهندس الذي لا يفوض أمره إلى قدرة اللّه تعالى و إرادته ثم قال تعالى:

280

و البحث فيه كما في الضّحك و البكاء، غير أن اللّه تعالى في الأول بين خاصة النوع الذي هو أخص من الجنس، فإنه أظهر و عن التعليل أبعد ثم عطف عليه ما هو أعم منه و دونه في البعد عن التعليل و هي الإماتة و الإحياء و هما صفتان متضادتان أي الموت و الحياة كالضحك و البكاء و الموت على هذا ليس بمجرد العدم و إلا لكان الممتنع ميتا، و كيفما كان فالإماتة و الإحياء أمر وجودي و هما من خواص الحيوان، و يقول الطبيعي في الحياة لاعتدال المزاج، و المزاج من أركان متضادة هي النار و الهواء و الماء و التراب و هي متداعية إلى الانفكاك و مالا تركيب فيه من المتضادات لا موت له، لأن المتضادات كل أحد يطلب مفارقة مجاوره، فقال تعالى: الذي خلق و مزج العناصر و حفظها مدة قادر على أن يحفظها أكثر من ذلك فإذا مات فليس عن ضرورة فهو بفعل فاعل مختار و هو اللّه تعالى: فهو الذي أمات و أحيا. فإن قيل: متى أمات و أحيا حتى يعلم ذلك بل مشاهدة الإحياء و الإماتة بناء على الحياة و الموت؟نقول: فيه وجوه أحدها: أنه على التقديم و التأخير كأنه قال: أحيا و أمات ثانيها: هو بمعنى المستقبل، فإن الأمر قريب يقال: فلان وصل و الليل دخل إذا قرب مكانه و زمانه، فكذلك الإحياء و الإماتة ثالثها: أمات أي خلق الموت و الجمود في العناصر، ثم ركبها و أحيا أي خلق الحس و الحركة فيها. ثم قال تعالى:

و هو أيضا من جملة المتضادات التي تتوارد على النطفة فبعضها يخلق ذكرا، و بعضها أنثى و لا يصل إليه فهم الطبيعي الذي يقول: إنه من البرد و الرطوبة في الأنثى، فرب امرأة أيبس مزاجا من الرجل، و كيف و إذا نظرت في المميزات/بين الصغير و الكبير تجدها أمورا عجيبة منها نبات اللحية، و أقوى ما قالوا في نبات اللحية أنهم قالوا: الشعور مكونة من بخار دخاني ينحدر إلى المسام، فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة و التحلل كما في مزاج الصبي و المرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعرا، و إذا كانت في غاية اليبوسة و التكاثف ينبت الشعر لعسر خروجه من المخرج الضيق، ثم إن تلك المواد تنجذب إلى مواضع مخصوصة فتندفع، إما إلى الرأس فتندفع إليه لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة و الأدخنة فتتصاعد إليه تلك المواد، فلهذا يكون شعر الرأس أكثر و أطول، و لهذا في الرجل مواضع تنجذب إليها الأبخرة و الأدخنة، منها الصدر لحرارة القلب و الحرارة تجذب الرطوبة كالسراج للزيت، و منها بقرب آلة التناسل لأن حرارة الشهوة تجذب أيضا، و منها اللحيان فإنها كثيرة الحركة بسبب الأكل، و الكلام و الحركة أيضا جاذبة، فإذا قيل لهم: فما السبب الموجب لتلازم نبات شعر اللحية و آلة التناسل فإنها إذا قطعت لم تنبت اللحية؟و ما الفرق بين سن الصبا و سن الشباب و بين المرأة و الرجل؟ففي بعضها يبهت و في بعضها يتكلم بأمور واهية، و لو فوضها إلى حكمة إلهية لكان أولى، و فيه مسألتان:

الأول: قال تعالى: وَ أَنَّهُ خَلَقَ و لم يقل: و أنه هو خلق كما قال: وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى‏ََ [النجم: 43]و ذلك لأن الضحك و البكاء ربما يتوهم متوهم أنه بفعل الإنسان، و في الإماتة و الإحياء و إن كان ذلك التوهم بعيدا، لكن ربما يقول به جاهل، كما قال من حاج إبراهيم الخليل عليه السلام حيث قال: أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ [البقرة: 258]فأكد ذلك بذكر الفصل، و أما خلق الذكر و الأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أن يفعل أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل ألا ترى إلى قوله تعالى: وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى‏ََ وَ أَقْنى‏ََ [النجم: 48]حيث‏

281

كان الإغناء عندهم غير مستند إلى اللّه تعالى و كان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون: إِنَّمََا أُوتِيتُهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: 78]و لذلك قال: وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ اَلشِّعْرى‏ََ [النجم: 49]لأنهم كانوا يستبعدون أن يكون رب محمد هو رب الشعرى فأكد في مواضع استبعادهم النسبة إلى اللّه تعالى الإسناد و لم يؤكده في غيره.

المسألة الثانية: الذكر و الأنثى اسمان هما صفة أو اسمان ليسا بصفة؟ المشهور عند أهل اللغة الثاني و الظاهر أنهما من الأسماء التي هي صفات، فالذكر كالحسن و العزب و الأنثى كالحبلى و الكبرى و إنما قلنا: إنها كالحبلى في رأي لأنها حيالها أنشئت لا كالكبرى، و إن قلنا: إنها كالكبرى في رأي، و إنما قلنا: إن الظاهر أنهما صفتان، لأن الصفة ما يطلق على شي‏ء ثبت له أمر كالعالم يطلق على شي‏ء له علم و المتحرك يقال لشي‏ء له حركة بخلاف الشجر و الحجر، فإن الشجر لا يقال لشي‏ء بشرط أن يثبت له أمر بل هو اسم موضوع لشي‏ء معين، و الذكر اسم يقال لشي‏ء له أمر، و لهذا يوصف به، و لا يوصف بالشجر، يقال جاءني شخص ذكر، أو إنسان ذكر، و لا يقال جسم شجر، و الذي ذهب إلى أنه اسم غير صفة إنما ذهب إليه، لأنه لم يرد له فعل، و الصفة في الغالب له فعل كالعالم و الجاهل/و العزب و الكبرى و الحبلى، و ذلك لا يدل على ما ذهب إليه، لأن الذكورة و الأنوثة من الصفات التي لا يتبدل بعضها ببعض، فلا يصاغ لها أفعال لأن الفعل لما يتوقع له تجدد في صورة الغالب، و لهذا لم يوجد للإضافيات أفعال كالأبوة و البنوة و الأخوة إذ لم تكن من الذي يتبدل، و وجد للإضافيات المتبدلة أفعال يقال: و أخاه و تبناه لما لم يكن مثبتا بتكلف فقبل التبدل.

و قوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ أي قطعة من الماء.

و قوله تعالى: إِذََا تُمْنى‏ََ من أمنى المني إذا نزل أو منى يمني إذا قدر و قوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ تنبيه على كمال القدرة لأن النطفة جسم متناسب الأجزاء، و يخلق اللّه تعالى منه أعضاء مختلفة و طباعا متباينة و خلق الذكر و الأنثى منها أعجب ما يكون على ما بينا، و لهذا لم يقدر أحد على أن يدعيه كما لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السموات، و لهذا قال تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ [الزخرف: 87]كما قال:

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ* [الزمر: 38]. ثم قال تعالى:

و هي في قول أكثر المفسرين إشارة إلى الحشر، و الذي ظهر لي بعد طول التفكر و السؤال من فضل اللّه تعالى الهداية فيه إلى الحق، أنه يحتمل أن يكون المراد نفخ الروح الإنسانية فيه، و ذلك لأن النفس الشريفة لا الأمارة تخالط الأجسام الكثيفة المظلمة، و بها كرم اللّه بني آدم، و إليه الإشارة في قوله تعالى: فَكَسَوْنَا اَلْعِظََامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنََاهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون: 14]غير خلق النطفة علقة، و العلقة مضغة، و المضغة عظاما، و بهذا الخلق الآخر تميز الإنسان عن أنواع الحيوانات، و شارك الملك في الإدراكات فكما قال هنالك: أَنْشَأْنََاهُ خَلْقاً آخَرَ بعد خلق النطفة قال هاهنا: وَ أَنَّ عَلَيْهِ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرى‏ََ فجعل نفخ الروح نشأة أخرى كما جعله هنالك إنشاء آخر، و الذي أوجب القول بهذا هو أن قوله تعالى: وَ أَنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‏ََ [النجم: 42]

282

عند الأكثرين لبيان الإعادة، و قوله تعالى: ثُمَّ يُجْزََاهُ اَلْجَزََاءَ اَلْأَوْفى‏ََ [النجم: 41]كذلك فيكون ذكر النشأة الأخرى إعادة، و لأنه تعالى قال بعد هذا: وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى‏ََ وَ أَقْنى‏ََ [النجم: 48]و هذا من أحوال الدنيا، و على ما ذكرنا يكون الترتيب في غاية الحسن فإنه تعالى يقول: خلق الذكر و الأنثى و نفخ فيهما الروح الإنسانية الشريفة ثم أغناه بلبن الأم و بنفقة الأب في صغره، ثم أقناه بالكسب بعد كبره، فإن قيل: فقد وردت النشأة الأخرى للحشر في قوله تعالى: فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ اَلْخَلْقَ ثُمَّ اَللََّهُ يُنْشِئُ اَلنَّشْأَةَ اَلْآخِرَةَ [العنكبوت: 20]نقول الآخرة من الآخر لا من الآخر لأن الآخر أفعل، و قد تقدم على أن هناك لما ذكر البدء حمل على الإعادة و هاهنا ذكر خلقه من نطفة، كما في قوله: ثُمَّ خَلَقْنَا اَلنُّطْفَةَ عَلَقَةً ثم قال: أَنْشَأْنََاهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون: 14] و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: (على) للوجوب، و لا يجب على اللّه الإعادة، فما معنى قوله تعالى: وَ أَنَّ عَلَيْهِ /قال الزمخشري على ما هو مذهبه عليه عقلا، فإن من الحكمة الجزاء، و ذلك لا يتم إلا بالحشر، فيجب عليه عقلا الإعادة، و نحن لا نقول بهذا القول، و نقول فيه و وجهان الأول: عليه بحكم الوعد فإنه تعالى قال: إِنََّا نَحْنُ نُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ [يس: 12]فعليه بحكم الوعد لا بالعقل و لا بالشرع الثاني: عليه للتعيين فإن من حضر بين جمع و حاولوا أمرا و عجزوا عنه، يقال: وجب عليك إذن أن تفعله أي تعينت له.

المسألة الثانية: قرئ: اَلنَّشْأَةَ على أنه مصدر كالضربة على وزن فعلة و هي للمرة، نقول: ضربته ضربتين، أي مرة بعد مرة، يعني النشأة مرة أخرى عليه، و قرئ النشأة بالمد على أنه مصدر على وزن فعالة كالكفالة، و كيفما قرئ فهي من نشأ، و هو لازم و كان الواجب أن يقال: عليه الإنشاء لا النشأة، نقول فيه فائدة و هي أن الجزم يحصل من هذا بوجود الخلق مرة أخرى، و لو قال: عليه الإنشاء ربما يقول قائل: الإنشاء من باب الإجلاس، حيث يقال في السعة أجلسته فما جلس، و أقمته فما قام فيقال: أنشأ و ما نشأ أي قصده لينشأ و لم يوجد، فإذا قال: عليه النشأة أي يوجد النش‏ء و يحققه بحيث يوجد جزما.

المسألة الثالثة: هل بين قول القائل: عليه النشأة مرة أخرى، و بين قوله: عليه النشأة الأخرى فرق؟ نقول: نعم إذا قال: عليه النشأة مرة أخرى لا يكون النش‏ء قد علم أولا، و إذا قال: عَلَيْهِ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرى‏ََ يكون قد علم حقيقة النشأة الأخرى، فنقول ذلك المعلوم عليه. ثم قال تعالى:

و قد ذكرنا تفسيره فنقول: أَغْنى‏ََ يعني دفع حاجته و لم يتركه محتاجا لأن الفقير في مقابلة الغني، فمن لم يبق فقيرا بوجه من الوجوه فهو غني مطلقا، و من لم يبق فقيرا من وجه فهو غني من ذلك الوجه،

قال صلى اللّه عليه و سلم: «أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم»

و حمل ذلك على زكاة الفطر، و معناه إذا أتاه ما احتاج إليه، و قوله تعالى:

أَقْنى‏ََ معناه و زاد عليه الإقناء فوق الإغناء، و الذي عندي أن الحروف متناسبة في المعنى، فنقول لما كان مخرج القاف فوق مخرج الغين جعل الإقناء لحالة فوق الإغناء، و على هذا فالإغناء هو ما آتاه اللّه من العين و اللسان، و هداه إلى الارتضاع في صباه أو هو ما أعطاه اللّه تعالى من القوت و اللباس المحتاج إليهما و في الجملة كل ما دفع اللّه به الحاجة فهو إغناء، و كل ما زاد عليه فهو إقناء. ثم قال تعالى:

283

إشارة إلى فساد قول قوم آخرين، و ذلك لأن بعض الناس يذهب إلى أن الفقر و الغنى بكسب الإنسان و اجتهاده فمن كسب استغنى، و من كسل افتقر و بعضهم يذهب إلى أن ذلك بالبخت، و ذلك بالنجوم، فقال:

هُوَ أَغْنى‏ََ وَ أَقْنى‏ََ و إن قائل الغنى بالنجوم غالط، فنقول هو رب النجوم و هو محركها، كما قال تعالى: هُوَ رَبُّ اَلشِّعْرى‏ََ و قوله: هُوَ/رَبُّ اَلشِّعْرى‏ََ لإنكارهم ذلك أكد بالفصل، و الشعرى نجم مضي‏ء، و في النجوم شعريان إحداهما شامية و الأخرى يمانية، و الظاهر أن المراد اليمانية لأنهم كانوا يعبدونها. ثم قال تعالى:

لما ذكر أنه: أَغْنى‏ََ وَ أَقْنى‏ََ [النجم: 48]و كان ذلك بفضل اللّه لا بعطاء الشعرى وجب الشكر لمن قد أهلك و كفى لهم دليلا حال عاد و ثمود و غيرهم. و عََاداً اَلْأُولى‏ََ قيل: بالأولى تميزت من قوم كانوا بمكة هم عاد الآخرة، و قيل: الأولى لبيان تقدمهم لا لتمييزهم، تقول: زيد العالم جاءني فتصفه لا لتميزه و لكن لتبين علمه، و فيه قراءات عادا الأولى بكسر نون التنوين لالتقاء الساكنين، و عاد الأولى بإسقاط نون التنوين أيضا لالتقاء الساكنين كقراءة عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللََّهِ [التوبة: 30]و قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ*`اَللََّهُ اَلصَّمَدُ [الإخلاص:

1، 2]و عََاداً اَلْأُولى‏ََ بإدغام النون في اللام و نقل ضمة الهمزة إلى اللام و عاد الؤلي بهمزة الواو و قرأ هذا القارئ‏ عَلى‏ََ سُوقِهِ و دليله ضعيف و هو يحتمل هذا في موضع‏ اَلْمُوقَدَةُ و مُؤْصَدَةٌ* للضمة و الواو فهي في هذا الموضع تجزي على الهمزة، و كذا في (سؤقه) لوجود الهمزة في الأصل، و في موسى و قوله لا يحسن. ثم قال تعالى:

يعني و أهلك ثمود و قوله: فَمََا أَبْقى‏ََ عائد إلى عاد و ثمود أي فما أبقى عليهم، و من المفسرين من قال: فما أبقاهم أي فَمََا أَبْقى‏ََ منهم أحدا و يؤيد هذا قوله تعالى: فَهَلْ تَرى‏ََ لَهُمْ مِنْ بََاقِيَةٍ [الحافة: 8]و تمسك الحجاج على من قال: إن ثقيفا من ثمود بقوله تعالى: فَمََا أَبْقى‏ََ .

وَ قَوْمَ نُوحٍ أي أهلكهم مِنْ قَبْلُ و المسألة مشهورة في قبل و بعد تقطع عن الإضافة فتصير كالغاية فتبنى على الضمة. أما البناء فلتضمنه الإضافة، و أما على الضمة فلأنها لو بنيت على الفتحة لكان قد أثبت فيه ما يستحقه بالإعراب من حيث إنها ظروف زمان فتستحق النصب و الفتح مثله، و لو بنيت على الكسر لكان الأمر على ما يقتضيه الإعراب و هو الجر بالجار فبنى على ما يخالف حالتي إعرابها.

و قوله تعالى: إِنَّهُمْ كََانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَ أَطْغى‏ََ أما الظلم فلأنهم هم البادئون به المتقدمون فيه‏

«و من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها»

و البادئ أظلم، و أما أطغى فلأنهم سمعوا المواعظ و طال عليهم الأمد

284

و لم يرتدعوا حتى دعا عليهم نبيهم، و لا يدعو نبي على قومه إلا بعد الإصرار العظيم، و الظالم واضع الشي‏ء في غير موضعه، و الطاغي المجاوز الحد فالطاغي أدخل في الظلم فهو كالمغاير و المخالف فإن المخالف مغاير مع وصف آخر زائد، و كذا المغاير و المضاد و كل ضد غير و ليس كل غير ضدا، و عليه سؤال و هو أن قوله: وَ قَوْمَ نُوحٍ المقصود منه تخويف الظالم/بالهلاك، فإذا قال: هم كانوا في غاية الظلم و الطغيان فأهلكوا يقول الظالم هم كانوا أظلم فأهلكوا لمبالغتهم في الظلم، و نحن ما بالغنا فلا نهلك، و أما لو قال أهلكوا لأنهم ظلمة لخاف كل ظالم فما الفائدة في قوله: أَظْلَمَ ؟نقول: المقصود بيان شدتهم و قوة أجسامهم فإنهم لم يقدموا على الظلم و الطغيان الشديد إلا بتماديهم و طول أعمارهم، و مع ذلك ما نجا أحد منهم فما حال من هو دونهم من العمر و القوة فهو كقوله تعالى: أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً* [الزخرف: 8]. و قوله تعالى:

اَلْمُؤْتَفِكَةَ المنقلبة، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرئ: و المؤتفكات و المشهور فيه أنها قرئ قوم لوط لكن كانت لهم مواضع ائتفكت فهي مؤتفكات، و يحتمل أن يقال المراد كل من انقلبت مساكنه و دثرت أماكنه و لهذا ختم المهلكين بالمؤتفكات كمن يقول: مات فلان و فلان و كل من كان من أمثالهم و أشكالهم.

المسألة الثانية: أَهْوى‏ََ أي أهواها بمعنى أسقطها، فقيل: أهواها من الهوى إلى الأرض من حيث حملها جبريل عليه السلام على جناحه، ثم قلبها، و قيل: كانت عمارتهم مرتفعة فأهواها بالزلزلة و جعل عاليها سافلها.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: وَ اَلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى‏ََ على ما قلت: كقول القائل و المنقلبة قلبها و قلب المنقلب تحصيل الحاصل، نقول: ليس معناه المنقلبة ما انقلبت بنفسها بل اللّه قلبها فانقلبت.

المسألة الرابعة: ما الحكمة في اختصاص المؤتفكة باسم الموضع في الذكر، و قال في عاد و ثمود، و قوم نوح اسم القوم؟ نقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن ثمود اسم الموضع فذكر عادا باسم القوم، و ثمود باسم الموضع، و قوم نوح باسم القوم و المؤتفكة باسم الموضع ليعلم أن القوم لا يمكنهم صون أماكنهم عن عذاب اللّه تعالى و لا الموضع يحصن القوم عنه فإن في العادة تارة يقوي الساكن فيذب عن مسكنه و أخرى يقوي المسكن فيرد عن ساكنه و عذاب اللّه لا يمنعه مانع، و هذا المعنى حصل للمؤمنين في آيتين أحدهما قوله تعالى: وَ كَفَّ أَيْدِيَ اَلنََّاسِ عَنْكُمْ [الفتح: 20]و قوله تعالى: وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مََانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اَللََّهِ [الحشر: 2]ففي الأول لم يقدر الساكن على حفظ مسكنه و في الثاني لم يقو الحصن على حفظ الساكن و الوجه الثاني: هو أن عادا و ثمود و قوم نوح، كان أمرهم متقدما، و أماكنهم كانت قد دثرت، و لكن أمرهم كان مشهورا متواترا، و قوم لوط كانت مساكنهم و آثار الانقلاب فيها ظاهرة، فذكر الأظهر من الأمرين في كل قوم. ثم قال تعالى:

285

يحتمل أن يكون ما مفعولا و هو الظاهر، و يحتمل أن يكون فاعلا يقال: ضربه من ضربه، و على هذا نقول: يحتمل أن يكون الذي غش هو اللّه تعالى فيكون كقوله تعالى: وَ اَلسَّمََاءِ وَ مََا بَنََاهََا [الشمس: 5] و يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى سبب غضب اللّه عليهم أي/غشاها عليهم السبب، بمعنى أن اللّه غضب عليهم بسببه، يقال لمن أغضب ملكا بكلام فضربه الملك كلامك الذي ضربك. ثم قال تعالى:

قيل هذا أيضا مما في الصحف، و قيل هو ابتداء كلام و الخطاب عام، كأنه يقول: بأي النعم أيها السامع تشك أو تجادل، و قيل: هو خطاب مع الكافر، و يحتمل أن يقال مع النبي صلى اللّه عليه و سلم، و لا يقال: كيف يجوز أن يقول للنبي صلى اللّه عليه و سلم: تَتَمََارى‏ََ لأنا نقول هو من باب: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65]يعني لم يبق فيه إمكان الشك، حتى أن فارضا لو فرض النبي صلى اللّه عليه و سلم ممن يشك أو يجادل في بعض الأمور الخفية لما كان يمكنه المراء في نعم اللّه و العموم هو الصحيح كأنه يقول: بأي آلاء ربك تتمارى أيها الإنسان، كما قال: يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ مََا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ [الانفطار: 6]و قال تعالى: وَ كََانَ اَلْإِنْسََانُ أَكْثَرَ شَيْ‏ءٍ جَدَلاً [الكهف: 54] فإن قيل: المذكور من قبل نعم و الآلاء نعم، فكيف آلاء ربك؟نقول: لما عد من قبل النعم و هو الخلق من النطفة و نفخ الروح الشريفة فيه و الإغناء و الإقناء، و ذكر أن الكافر بنعمه أهلك قال: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكَ تَتَمََارى‏ََ فيصيبك مثل ما أصاب الذين تماروا من قبل، أو تقول: لما ذكر الإهلاك، قال للشاك: أنت ما أصابك الذي أصابهم و ذلك بحفظ اللّه إياك: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكَ تَتَمََارى‏ََ و سنزيده بيانا في قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ* [الرحمن: 13]في مواضع. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: المشار إليه بهذا ما ذا؟نقول فيه وجوه أحدها: محمد صلى اللّه عليه و سلم من جنس النذر الأولى ثانيها:

القرآن ثالثها: ما ذكره من أخبار المهلكين، و معناه حينئذ هذا بعض الأمور التي هي منذرة، و على قولنا: المراد محمد صلى اللّه عليه و سلم فالنذير هو المنذر و (من) لبيان الجنس، و على قولنا: المراد هو القرآن يحتمل أن يكون النذير بمعنى المصدر، و يحتمل أن يكون بمعنى الفاعل، و كون الإشارة إلى القرآن بعيد لفظا و معنى، أما معنى: فلأن القرآن ليس من جنس الصحف الأولى لأنه معجز و تلك لم تكن معجزة، و ذلك لأنه تعالى لما بين الوحدانية و قال: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكَ تَتَمََارى‏ََ [النجم: 55]قال: هََذََا نَذِيرٌ إشارة إلى محمد صلى اللّه عليه و سلم و إثباتا للرسالة، و قال بعد ذلك: أَزِفَتِ اَلْآزِفَةُ [النجم: 57]إشارة إلى القيامة ليكون في الآيات الثلاث المرتبة إثبات أصول ثلاث مرتبة، فإن الأصل الأول هو اللّه و وحدانيته ثم الرسول و رسالته ثم الحشر و القيامة، و أما لفظا فلأن النذير إن كان كاملا، فما ذكره من حكاية المهلكين أولى لأنه أقرب و يكون/على هذا من بقي على حقيقة التبعيض أي هذا الذي ذكرنا بعض ما جرى و نبذ مما وقع، أو يكون لابتداء الغاية، بمعنى هذا إنذار من المنذرين المتقدمين، يقال: هذا الكتاب، و هذا الكلام من فلان و على الأقوال كلها ليس ذكر الأولى لبيان الموصوف بالوصف و تمييزه عن النذر الآخرة كما يقال: الفرقة الأولى احترازا عن الفرقة الأخيرة، و إنما هو لبيان الوصف‏

286

للموصوف، كما يقال: زيد العالم جاءني فيذكر العالم، إما لبيان أن زيدا عالم غير أنك لا تذكره بلفظ الخبر فتأتي به على طريقة الوصف، و إما لمدح زيد به، و إما لأمر آخر، و الأولى على العود إلى لفظ الجمع و هو النذر و لو كان لمعنى الجمع لقال: من النذر الأولين يقال من الأقوام المتقدمة و المتقدمين على اللفظ و المعنى. ثم قال تعالى:

و هو كقوله تعالى: وَقَعَتِ اَلْوََاقِعَةُ* [الواقعة: 1]و يقال: كانت الكائنة. و هذا الاستعمال يقع على وجوه منها ما إذا كان الفاعل صار فاعلا لمثل ذلك الفعل من قبل، ثم صدر منه مرة أخرى مثل الفعل، فيقال: فعل الفاعل أي الذي كان فاعلا صار فاعلا مرة أخرى، يقال: حاكه الحائك أي من شغله ذلك من قبل فعله، و منها ما يصير الفاعل فاعلا بذلك الفعل، و منه‏

يقال: «إذا مات الميت انقطع عمله»

و إذا غصب العين غاصب ضمنه، فقوله: أَزِفَتِ اَلْآزِفَةُ يحتمل أن يكون من القبيل الأول أي قربت الساعة التي كل يوم يزداد قربها فهي كائنة قريبة و ازدادت في القرب، و يحتمل أن يكون كقوله تعالى: وَقَعَتِ اَلْوََاقِعَةُ* أي قرب وقوعها و أزفت فاعلها في الحقيقة القيامة أو الساعة، فكأنه قال: أزفت القيامة الآزفة أو الساعة أو مثلها. و قوله تعالى:

فيه وجوه أحدها: لا مظهر لها إلا اللّه فمن يعلمها لا يعلم إلا بإعلام اللّه تعالى إياه و إظهاره إياها له، فهو كقوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ [لقمان: 34]و قوله تعالى: لاََ يُجَلِّيهََا لِوَقْتِهََا إِلاََّ هُوَ [الأعراف:

187]. ثانيها: لا يأتي بها إلا اللّه، كقوله تعالى: وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اَللََّهُ بِضُرٍّ فَلاََ كََاشِفَ لَهُ إِلاََّ هُوَ* [الأنعام: 17] و فيه مسائل:

الأولى: (من) زائدة تقديره ليس لها غير اللّه كاشفة، و هي تدخل على النفي فتؤكد معناه، تقول: ما جاءني أحد و ما جاءني من أحد، و على هذا يحتمل أن يكون فيه تقديم و تأخير، تقديره ليس لها من كاشفة دون اللّه، فيكون نفيا عاما بالنسبة إلى الكواشف، و يحتمل أن يقال: ليست بزائدة بل معنى الكلام أنه ليس في الوجود نفس تكتشفها أي تخبر عنها كما هي و متى وقتها من غير اللّه تعالى يعني من يكشفها فإنما يكشفها من اللّه لا من غير اللّه يقال: كشف الأمر من زيد، و دون يكون بمعنى غير كما في قوله تعالى: أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اَللََّهِ تُرِيدُونَ [الصافات: 86]أي غير اللّه.

المسألة الثانية: كاشفة صفة لمؤنث أي نفس كاشفة، و قيل هي للمبالغة كما في العلامة و على هذا لا يقال بأنه نفى أن يكون لها كاشفة بصيغة المبالغة و لا يلزم من الكاشف الفائق نفي/نفس الكاشف، لأنا نقول: لو كشفها أحد لكان كاشفا بالوجه الكامل، فلا كاشف لها و لا يكشفها أحد و هو كقوله تعالى: وَ مََا أَنَا بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ [ق: 29]من حيث نفى كونه ظالما مبالغا، و لا يلزم منه نفي كونه ظالما، و قلنا هناك: إنه لو ظلم عبيده الضعفاء بغير حق لكان في غاية الظلم و ليس في غاية الظلم فلا يظلمهم أصلا.

المسألة الثالثة: إذا قلت: إن معناه ليس لها نفس كاشفة، فقوله: مِنْ دُونِ اَللََّهِ استثناء على الأشهر من الأقوال، فيكون اللّه تعالى نفسا لها كاشفة؟ نقول: الجواب عنه من وجوه الأول: لا فساد في ذلك قال اللّه‏

287

تعالى: وَ لاََ أَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِكَ [المائدة: 116]حكاية عن عيسى عليه السلام و المعنى الحقيقة. الثاني: ليس هو صريح الاستثناء فيجوز فيه أن لا يكون نفسا الثالث: الاستثناء الكاشف المبالغ. ثم قال تعالى:

قيل: من القرآن، و يحتمل أن يقال: هذا إشارة إلى حديث: أَزِفَتِ اَلْآزِفَةُ [النجم: 57]فإنهم كانوا يتعجبون من حشر الأجساد و جمع العظام. بعد الفساد.

و قوله تعالى: وَ تَضْحَكُونَ يحتمل أن يكون المعنى و تضحكون من هذا الحديث، كما قال تعالى:

فَلَمََّا جََاءَهُمْ بِآيََاتِنََا إِذََا هُمْ مِنْهََا يَضْحَكُونَ [الزخرف: 47]في حق موسى عليه السلام، و كانوا هم أيضا يضحكون من حديث النبي و القرآن، و يحتمل أن يكون إنكارا على مطلق الضحك مع سماع حديث القيامة، أي أ تضحكون و قد سمعتم أن القيامة قربت، فكان حقا أن لا تضحكوا حينئذ.

و قوله تعالى: وَ لاََ تَبْكُونَ أي كان حقا لكم أن تبكوا منه فتتركون ذلك و تأتون بضده.

و قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ سََامِدُونَ أي غافلون، و ذكر باسم الفاعل، لأن الغفلة دائمة، و أما الضحك و العجب فهما أمران يتجددان و يعدمان.

يحتمل أن يكون الأمر عاما، و يحتمل أن يكون التفاتا، فيكون كأنه قال: أيها المؤمنون اسجدوا شكرا على الهداية و اشتغلوا بالعبادة، و لم يقل: اعبدوا اللّه إما لكونه معلوما، و إما لأن العبادة في الحقيقة لا تكون إلا للّه، فقال: وَ اُعْبُدُوا أي ائتوا بالمأمور، و لا تعبدوا غير اللّه، لأنها ليست بعبادة، و هذا يناسب السجدة عند قراءته مناسبة أشد و أتم مما إذا حملناه على العموم.

و الحمد للّه رب العالمين، و صلاته على سيدنا محمد سيد المرسلين، و خاتم النبيين، و على آله و صحبه أجمعين.

288

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة القمر

خمسون و خمس آيات مكية

أول السورة مناسب لآخر ما قبلها، و هو قوله: أَزِفَتِ اَلْآزِفَةُ [النجم: 57]فكأنه أعاد ذلك مع الدليل، و قال قلت: أَزِفَتِ اَلْآزِفَةُ و هو حق، إذ القمر انشق، و المفسرون بأسرهم على أن المراد أن القمر انشق، و حصل فيه الانشقاق، و دلت الأخبار على حديث الانشقاق، و

في الصحيح خبر مشهور رواه جمع من الصحابة، و قالوا: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم آية الانشقاق بعينها معجزة، فسأل ربه فشقه و مضى،

و قال بعض المفسرين المراد سينشق، و هو بعيد و لا معنى له، لأن من منع ذلك و هو الفلسفي يمنعه في الماضي و المستقبل، و من يجوزه لا حاجة إلى التأويل، و إنما ذهب إليه ذلك الذاهب، لأن الانشقاق أمر هائل، فلو وقع لعم وجه الأرض فكان ينبغي أن يبلغ حد التواتر، نقول: النبي صلى اللّه عليه و سلم لما كان يتحدى بالقرآن، و كانوا يقولون: إنا نأتي بأفصح ما يكون من الكلام، و عجزوا عنه، فكان القرآن معجزة باقية إلى قيام القيامة لا يتمسك بمعجزة أخرى فلم ينقله العلماء بحيث يبلغ حد التواتر. و أما المؤرخون فتركوه، لأن التواريخ في أكثر الأمر يستعملها المنجم، و هو لما وقع الأمر قالوا: بأنه مثل خسوف القمر، و ظهور شي‏ء في الجو على شكل نصف القمر في موضع آخر فتركوا حكايته في تواريخهم، و القرآن أدل دليل و أقوى مثبت له، و إمكانه لا يشك فيه، و قد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه، و حديث امتناع الخرق و الالتئام حديث اللئام، و قد ثبت جواز الخرق و التخريب على السموات، و ذكرناه مرارا فلا نعيده. و قوله تعالى:

تقديره: و بعد هذا إن يروا آية يقولوا سحر، فإنهم رأوا آيات أرضية، و آيات سماوية، و لم يؤمنوا، و لم يتركوا عنادهم، فإن يروا ما يرون بعد هذا لا يؤمنون، و فيه وجه آخر و هو أن يقال: المعنى أن عادتهم أنهم إن يروا آية يعرضوا، فلما رأوا انشقاق القمر أعرضوا لتلك العادة، و فيه مسائل:

الأولى: قوله: آيَةً ما ذا؟ نقول آية اقتراب الساعة، فإن انشقاق القمر من آياته، و قد/ردوا و كذبوا، فإن يروا غيرها أيضا يعرضوا، أو آية الانشقاق فإنها معجزة، أما كونها معجزة ففي غاية الظهور، و أما كونها آية

289

الساعة، فلأن منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء و انفطارها و كذلك قوله: في كل جسم سماوي من الكواكب، فإذا انشق بعضها ثبت خلاف ما يقول به، و بان جواز خراب العالم، و قال أكثر المفسرين: معناه أن من علامات قيام الساعة انشقاق القمر عن قريب، و هذا ضعيف حملهم على هذا القول ضيق المكان، و خفاء الأمر على الأذهان، و بيان ضعفه هو أن اللّه تعالى لو أخبر في كتابه أن القمر ينشق، و هو علامة قيام الساعة، لكان ذلك أمرا لا بد من وقوعه مثل خروج دابة الأرض، و طلوع الشمس من المغرب، فلا يكون معجزة النبي صلى اللّه عليه و سلم، كما أن هذه الأشياء عجائب، و ليست بمعجزة للنبي، لا يقال: الإخبار عنها قبل وقوعها معجزة، لأنا نقول: فحينئذ يكون هذا من قبيل الإخبار عن الغيوب، فلا يكون هو معجزة برأسه و ذلك فاسد، و لا يقال: بأن ذلك كان معجزة و علامة، فأخبر اللّه في الصحف و الكتب السالفة أن ذلك يكون معجزة للنبي صلى اللّه عليه و سلم و تكون الساعة قريبة حينئذ، و ذلك لأن بعثة النبي صلى اللّه عليه و سلم علامة كائنة حيث‏

قال: «بعثت أنا و الساعة كهاتين»

و لهذا يحكى عن سطيح أنه لما أخبر بوجود النبي صلى اللّه عليه و سلم قال عن أمور تكون، فكان وجوده دليل أمور، و أيضا القمر لما انشق كان انشقاقه عند استدلال النبي صلى اللّه عليه و سلم على المشركين، و هم كانوا غافلين عما في الكتب، و أما أصحاب الكتب فلم يفتقروا إلى بيان علامة الساعة، لأنهم كانوا يقولون بها و بقربها، فهي إذن آية دالة على جواز تخريب السموات و هو العمدة الكبرى، لأن السموات إذا طويت و جوز ذلك، فالأرض و من عليها لا يستبعد فناؤهما، إذا ثبت هذا فنقول: معنى اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ يحتمل أن يكون في العقول و الأذهان، يقول: من يسمع أمرا لا يقع هذا بعيد مستبعد، و هذا وجه حسن، و إن كان بعض ضعفاء الأذهان ينكره، و ذلك لأن حمله على قرب الوقوع زمانا لا إمكانا يمكن الكافر من مجادلة فاسدة، فيقول: قال اللّه تعالى في زمان النبي صلى اللّه عليه و سلم: اِقْتَرَبَتِ و يقولون بأن من قبل أيضا في الكتب‏[السابقة]كان يقول: (اقترب الوعد) ثم مضى مائة سنة و لم يقع، و لا يبعد أن يمضي ألف آخر و لا يقع، و لو صح إطلاق لفظ القرب زمانا على مثل هذا لا يبقى وثوق بالإخبارات، و أيضا قوله:

اِقْتَرَبَتِ لانتهاز الفرصة، و الإيمان قبل أن لا يصح الإيمان، فللكافر أن يقول، إذا كان القرب بهذا المعنى فلا خوف منها، لأنها لا تدركني، و لا تدرك أولادي، و لا أولاد أولادي، و إذا كان إمكانها قريبا في العقول يكون ذلك ردا بالغا على المشركين و الفلاسفة، و اللّه سبحانه و تعالى أول ما كلف الاعتراف بالوحدانية و اليوم الآخر، و قال: اعلموا أن الحشر كائن فخالف المشرك و الفلسفي، و لم يقنع بمجرد إنكار ما ورد الشرع ببيانه، و لم يقل لا يقع أو ليس بكائن، بل قال ذلك بعيد، و لم يقنع بهذا أيضا، بل قال ذلك غير ممكن، و لم يقنع به أيضا، بل قال فإن امتناعه ضروري، فإن مذهبهم أن إعادة المعدوم و إحياء الموتى محال/بالضرورة، و لهذا قالوا: أَ إِذََا مِتْنََا [المؤمنون: 82] أَ إِذََا كُنََّا عِظََاماً* [الأسراء: 49] أَ إِذََا ضَلَلْنََا فِي اَلْأَرْضِ [السجدة:

10]بلفظ الاستفهام بمعنى الإنكار مع ظهور الأمر، فلما استبعدوا لم يكتف اللّه و رسوله ببيان وقوعه، بل قال:

أَنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ لاََ رَيْبَ فِيهََا [الحج: 7]و لم يقتصر عليه بل قال: وَ مََا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اَلسََّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [الأحزاب: 63]و لم يتركها حتى قال (اقتربت الساعة و اقترب الوعد الحق اقترب للناس حسابهم) اقترابا عقليا لا يجوز أن ينكر ما يقع في زمان طرفة عين، لأنه على اللّه يسير، كما أن تقليب الحدقة علينا يسير، بل هو أقرب منه بكثير، و الذي يقويه قول العامة: إن زمان وجود العالم زمان مديد، و الباقي بالنسبة إلى الماضي شي‏ء يسير، فلهذا قال: اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ .

290

و أما

قوله صلى اللّه عليه و سلم: «بعثت أنا و الساعة كهاتين»

فمعناه لا نبي بعدي فإن زماني يمتد إلى قيام الساعة، فزماني و الساعة متلاصقان كهاتين، و لا شك أن الزمان زمان النبي صلى اللّه عليه و سلم، و ما دامت أوامره نافذة فالزمان زمانه و إن كان ليس هو فيه، كما أن المكان الذي تنفذ فيه أوامر الملك مكان الملك يقال له بلاد فلان، فإن قيل: كيف يصح حمله على القرب بالمعقول مع أنه مقطوع به؟قلت: كما صح قوله تعالى: لَعَلَّ اَلسََّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [الأحزاب: 63]فإن لعل للترجي و الأمر عند اللّه معلوم، و فائدته أن قيام الساعة ممكن لا إمكانا بعيدا عن العادات كحمل الآدمي في زماننا حملا في غاية الثقل أو قطعة مسافة بعيدة في زمان يسير، فإن ذلك ممكن إمكانا بعيدا، و أما تقليب الحدقة فممكن إمكانا في غاية القرب.

المسألة الثانية: الجمع الذين تكون الواو ضميرهم في قوله يَرَوْا و يُعْرِضُوا غير مذكور فمن هم؟ نقول: هم معلومون و هم الكفار تقديره: و هؤلاء الكفار إن يروا آية يعرضوا.

المسألة الثالثة: التنكير في الآية للتعظيم أي إن يروا آية قوية أو عظيمة يعرضوا.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ما الفائدة فيه؟ نقول: فائدته بيان كون الآية خالية عن شوائب الشبه، و أن الاعتراف لزمهم لأنهم لم يقدروا أن يقولوا: نحن نأتي بمثلها و بيان كونهم معرضين لا إعراض معذور، فإن من يعرض إعراض مشغول بأمر مهم فلم ينظر في الآية لا يستقبح منه الإعراض مثل ما يستقبح لمن ينظر فيها إلى آخرها و يعجز عن نسبتها إلى أحد و دعوى الإتيان بمثلها، ثم يقول: هذا ليس بشي‏ء هذا سحر لأن ما من آية إلا و يمكن المعاند أن يقول فيها هذا القول.

المسألة الخامسة: ما المستمر؟ نقول: فيه وجوه أحدها: دائم فإن محمدا صلى اللّه عليه و سلم كان يأتي كل زمان بمعجزة قولية أو فعلية أرضية أو سماوية، فقالوا: هذا سحر مستمر دائم لا يختلف بالنسبة إلى النبي عليه السلام بخلاف سحر السحرة، فإن بعضهم يقدر على أمر و أمرين/و ثلاثة و يعجز عن غيرها و هو قادر على الكل و ثانيها:

مستمر أي قوى من حبل مرير الفتل من المرة و هي الشدة و ثالثها: من المرارة أي سحر مر مستبشع و رابعها:

مستمر أي مار ذاهب، فإن السحر لا بقاء له.

ثم قال تعالى: وَ كَذَّبُوا وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ و هو يحتمل أمرين أحدهما: و كذبوا محمدا المخبر عن اقتراب الساعة و ثانيهما: كذبوا بالآية و هي انشقاق القمر، فإن قلنا: كذبوا محمدا صلى اللّه عليه و سلم فقوله: وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ أي تركوا الحجة و أولوا الآيات و قالوا: هو مجنون تعينه الجن و كاهن يقول: عن النجوم و يختار الأوقات للأفعال و ساحر، فهذه أهواءهم، و إن قلنا: كذبوا بانشقاق القمر، فقوله: وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ في أنه سحر القمر، و أنه خسوف و القمر لم يصبه شي‏ء فهذه أهواءهم، و كذلك قولهم في كل آية.

و قوله تعالى: وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ فيه وجوه أحدها: كل أمر مستقر على سنن الحق يثبت و الباطل يزهق، و حينئذ يكون تهديدا لهم، و تسلية للنبي صلى اللّه عليه و سلم، و هو كقوله تعالى: ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ* [الزمر: 7] أي بأنها حق ثانيها: و كل أمر مستقر في علم اللّه تعالى: لا يخفى عليه شي‏ء فهم كذبوا و اتبعوا أهواءهم، و الأنبياء صدقوا و بلغوا ما جاءهم، كقوله تعالى: لاََ يَخْفى‏ََ عَلَى اَللََّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ [غافر: 16]، و كما قال تعالى‏

291

في هذه السورة: وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فَعَلُوهُ فِي اَلزُّبُرِ*`وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: 52، 53]، ثالثها: هو جواب قولهم: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ أي ليس أمره بذاهب بل كل أمر من أموره مستقر. ثم قال تعالى:

إشارة إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد، فأخبرهم الرسول باقتراب الساعة، و. أقام الدليل على صدقه، و إمكان قيام الساعة عقيب دعواه بانشقاق القمر الذي هو آية لأن من يكذب بها لا يصدق بشي‏ء من الآيات فكذبوا بها و اتبعوا الأباطيل الذاهبة، و ذكروا الأقاويل الكاذبة فذكر لهم أنباء المهلكين بالآيتين تخويفا لهم، و هذا هو الترتيب الحكمي، و لهذا قال بعد الآيات: حِكْمَةٌ بََالِغَةٌ [القمر: 5]أي هذه حكمة بالغة، و الأنباء هي الأخبار العظام، و يدلك على صدقه أن في القرآن لم يرد النبأ و الأنباء إلا لما له وقع قال: وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل: 22]لأنه كان خبرا عظيما و قال: إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ [الحجرات: 6]أي محاربة أو مسالمة و ما يشبهه من الأمور العرفية، و إنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم و يترتب عليه أمر ذو بال، و كذلك قال تعالى: ذََلِكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ* [آل عمران: 44]فكذلك الأنباء هاهنا، و قال تعالى عن موسى: لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ [القصص: 29]حيث لم يكن يعلم أنه يظهر له شي‏ء عظيم يصلح أن يقال له: نبأ/و لم يقصده، و الظاهر أن المراد أنباء المهلكين بسبب التكذيب و قال بعضهم:

المراد القرآن، و تقديره جاء فيه الأنباء، و قيل قوله: جََاءَهُمْ مِنَ اَلْأَنْبََاءِ يتناول جميع ما ورد في القرآن من الزواجر و المواعظ و ما ذكرناه أظهر لقوله: فِيهِ مُزْدَجَرٌ و في: مََا وجهان أحدهما: أنها موصولة أي جاءكم الذي فيه مزدجر ثانيهما: موصوفة تقديره: جاءكم من الأنباء شي‏ء موصوف بأن فيه مزدجر و هذا أظهر و المزدجر فيه و جهان أحدهما ازدجار و ثانيهما موضع ازدجار، كالمرتقى، و لفظ المفعول بمعنى المصدر كثير لأن المصدر هو المفعول الحقيقي.

ثم قال تعالى: حِكْمَةٌ بََالِغَةٌ و فيه وجوه الأول: على قول من قال: وَ لَقَدْ جََاءَهُمْ مِنَ اَلْأَنْبََاءِ المراد منه القرآن، قال: حِكْمَةٌ بََالِغَةٌ بدل كأنه قال: و لقد جاءهم حكمة بالغة ثانيها: أن يكون بدلا عن ما في قوله:

مََا فِيهِ مُزْدَجَرٌ الثاني: حكمة بالغة خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه حكمة بالغة و الإشارة حينئذ تحتمل وجوها أحدها: هذا الترتيب الذي في إرسال الرسول و إيضاح الدليل و الإنذار بمن مضى من القرون و انقضى حكمة بالغة ثانيها: إنزال ما فيه الأنباء: حِكْمَةٌ بََالِغَةٌ ثالثها: هذه الساعة المقتربة و الآية الدالة عليها حكمة الثالث:

قرئ بالنصب فيكون حالا و ذو الحال ما في قوله: مََا فِيهِ مُزْدَجَرٌ أي جاءكم ذلك حكمة، فإن قيل: إن كان مََا موصولة تكون معرفة فيحسن كونه ذا الحال فأما إن كانت بمعنى جاءهم من الأنباء شي‏ء فيه ازدجار يكون منكرا و تنكير ذي الحال قبيح نقول: كونه موصوفا يحسن ذلك.

و قوله: فَمََا تُغْنِ اَلنُّذُرُ فيه وجهان أحدهما: أن ما نافية، و معناه أن النذر لم يبعثوا ليغنوا و يلجئوا قومهم إلى الحق، و إنما أرسلوا مبلغين و هو كقوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمََا أَرْسَلْنََاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [الشورى:

48]و يؤيد هذا قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر: 6]أي ليس عليك و لا على الأنبياء الإغناء و الإلجاء، فإذا

292

بلغت فقد أتيت بما عليك من الحكمة البالغة التي أمرت بها بقوله تعالى: اُدْعُ إِلى‏ََ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ [النحل: 125]و تول إذا لم تقدر ثانيهما: (ما) استفهامية، و معنى الآيات حينئذ أنك أتيت بما عليك من الدعوى و إظهار الآية عليها و كذبوا فأنذرتهم بما جرى على المكذبين فلم يفدهم فهذه حكمة بالغة و ما الذي تغني النذر غير هذا فلم يبق عليك شي‏ء آخر.

قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ قد ذكرنا أن المفسرين يقولون إلى قوله: فَتَوَلَّ منسوخ و ليس كذلك، بل المراد منه لا تناظرهم بالكلام.

ثم قال تعالى: يَوْمَ يَدْعُ اَلدََّاعِ إِلى‏ََ شَيْ‏ءٍ نُكُرٍ قد ذكرنا أيضا أن من ينصح شخصا و لا يؤثر فيه النصح يعرض عنه و يقول مع غيره: ما فيه نصح المعرض عنه، و يكون فيه قصد إرشاده أيضا فقال بعد ما قال: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ اَلدََّاعِ ... يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدََاثِ [المعارج: 43]للتخويف، و العامل/في: يَوْمَ هو ما بعده، و هو قوله: يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدََاثِ و الداعي معرف كالمنادي في قوله: يَوْمَ يُنََادِ اَلْمُنََادِ [ق: 41] لأنه معلوم قد أخبر عنه، فقيل: إن مناديا ينادي و داعيا يدعو و في الداعي وجوه أحدها: أنه إسرافيل و ثانيها: أنه جبريل و ثالثها: أنه ملك موكل بذلك و التعريف حينئذ لا يقطع حد العلمية، و إنما يكون ذلك كقولنا: جاء رجل فقال: الرجل، و قوله تعالى: إِلى‏ََ شَيْ‏ءٍ نُكُرٍ أي منكر و هو يحتمل وجوها أحدها: إلى شي‏ء نكر في يومنا هذا لأنهم أنكروه أي يوم يدعو الداعي إلى الشي‏ء الذي أنكروه يخرجون ثانيها: نكر أي منكر يقول: ذلك القائل كان ينبغي أن لا يكون أي من شأنه أن لا يوجد يقال: فلان ينهى عن المنكر، و على هذا فهو عندهم كان ينبغي أن لا يقع لأنه يرديهم في الهاوية، فإن قيل: ما ذلك الشي‏ء النكر؟نقول: الحساب أو الجمع له أو النشر للجمع، و هذا أقرب، فإن قيل: النشر لا يكون منكرا فإنه إحياء و لأن الكافر من أين يعرف وقت النشر و ما يجري عليه لينكره؟نقول: يعرف و يعلم بدليل قوله تعالى عنهم: يََا وَيْلَنََا مَنْ بَعَثَنََا مِنْ مَرْقَدِنََا [يس: 52]ثم قال تعالى:

و فيه قراءات خاشعا و خاشعة و خشعا، فمن قرأ خاشعا على قول القائل: يخشع أبصارهم على ترك التأنيث لتقدم الفعل و من قرأ خاشعة على قوله: تخشع أبصارهم و من قرأ خشعا فله وجوه أحدها: على قول من يقول:

يخشعن أبصارهم على طريقة من يقول: أكلوني البراغيث ثانيها: في: خُشَّعاً ضمير أبصارهم بدل عنه، تقديره يخشعون أبصارهم على بدل الاشتمال كقول القائل: أعجبوني حسنهم. ثالثها: فيه فعل مضمر يفسره يخرجون تقديره يخرجون خشعا أبصارهم على بدل الاشتمال و الصحيح خاشعا، روي أن مجاهدا رأى النبي صلى اللّه عليه و سلم في منامه فقال له: يا نبي اللّه خشعا أبصارهم أو خاشعا أبصارهم؟فقال عليه السلام: خاشعا، و لهذه القراءة وجه آخر أظهر مما قالوه و هو أن يكون خشعا منصوبا على أنه مفعول بقوله: يَوْمَ يَدْعُ اَلدََّاعِ خشعا أي يدعو هؤلاء، فإن قيل: هذا فاسد من وجوه أحدها: أن التخصيص لا فائدة فيه لأن الداعي يدعو كل أحد، ثانيها:

قوله: يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدََاثِ بعد الدعاء فيكونون خشعا قبل الخروج و إنه باطل، ثالثها: قراءة خاشعا تبطل هذا، نقول أما الجواب عن الأول فهو أن يقال قوله: إِلى‏ََ شَيْ‏ءٍ نُكُرٍ يدفع ذلك لأن كل أحد لا يدعى إلى‏

293

شي‏ء نكر و عن الثاني المراد: (من شي‏ء نكر) الحساب العسر يعني يوم يدع الداع إلى الحساب العسر خشعا و لا يكون العامل في: يَوْمَ يَدْعُ يخرجون بل اذكروا، أو: فَمََا تُغْنِ اَلنُّذُرُ كما قال تعالى: فَمََا تَنْفَعُهُمْ شَفََاعَةُ اَلشََّافِعِينَ [المدثر: 48]و يكون يخرجون ابتداء كلام، و عن الثالث أنه لا منافاة بين القراءتين، و خاشعا نصب على الحال أو على أنه مفعول يدعو/كأنه يقول: يدعو الداعي قوما خاشعة أبصارهم و الخشوع السكون قال تعالى: وَ خَشَعَتِ اَلْأَصْوََاتُ [طه: 108]و خشوع الأبصار سكونها على كل حال لا تنفلت يمنة و لا يسرة كما في قوله تعالى: لاََ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [إبراهيم: 43]و قوله تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدََاثِ كَأَنَّهُمْ جَرََادٌ مُنْتَشِرٌ مثلهم بالجراد المنتشر في الكثرة و التموج، و يحتمل أن يقال: المنتشر مطاوع نشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض و يدب إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث و ضعفهم.

ثم قال تعالى: مُهْطِعِينَ إِلَى اَلدََّاعِ أي مسرعين إليه انقيادا يَقُولُ اَلْكََافِرُونَ هََذََا يَوْمٌ عَسِرٌ يحتمل أن يكون العامل الناصب ليوم في قوله تعالى: يَوْمَ يَدْعُ اَلدََّاعِ [القمر: 6]أي يوم يدعو الداعي: يَقُولُ اَلْكََافِرُونَ هََذََا يَوْمٌ عَسِرٌ ، و فيه فائدتان إحداهما: تنبيه المؤمن أن ذلك اليوم على الكافر عسير فحسب، كما قال تعالى: فَذََلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ*`عَلَى اَلْكََافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر: 9، 10]يعني له عسر لا يسر معه ثانيتهما:

هي أن الأمرين متفقان مشتركان بين المؤمن و الكافر، فإن الخروج من الأجداث كأنهم جراد و الانقطاع إلى الداعي يكون للمؤمن فإنه يخاف و لا يأمن العذاب إلا بإيمان اللّه تعالى إياه فيؤتيه اللّه الثواب فيبقى الكافر فيقول: هََذََا يَوْمٌ عَسِرٌ . ثم إنه تعالى أعاد بعض الأنباء فقال:

فيها تهوين و تسلية لقلب محمد صلى اللّه عليه و سلم فإن حاله كحال من تقدمه و فيه مسائل:

المسألة الأولى: إلحاق ضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائز بالاتفاق و حسن، و إلحاق ضمير الجمع به قبيح عند الأكثرين، فلا يجوزون كذبوا قوم نوح، و يجوزون كذبت فما الفرق؟نقول: التأنيث قبل الجمع لأن الأنوثة و الذكورة للفاعل أمر لا يتبدل و لا تحصل الأنوثة للفاعل بسبب فعلها الذي هو فاعله فليس إذا قلنا: ضربت هذه كانت هذه أنثى لأجل الضرب بخلاف الجمع، لأن الجمع للفاعلين بسبب فعلهم الذي هم فاعلوه، فإنا إذا قلنا: جمع ضربوا و هم ضاربون ليس مجرد اجتماعهم في الوجود يصحح قولنا: ضربوا و هم ضاربون، لأنهم إن اجتمعوا في مكان فهم جمع، و لكن إن لم يضرب الكل لا يصح قولنا: ضربوا، فضمير الجمع من الفعل فاعلون جمعهم بسبب الاجتماع في الفعل و الفاعلية، و ليس بسبب الفعل، فلم يجز أن يقال:

ضربوا جمع، لأن الجمع لم يفهم إلا بسبب أنهم ضربوا جميعهم، فينبغي أن يعلم أولا اجتماعهم في الفعل، فيقول: الضاربون ضربوا، و أما ضربت هند فصحيح، لأنه لا يصح أن يقال: التأنيث لم يفهم إلا بسبب أنها ضربت، بل هي كانت أنثى فوجد منها ضرب فصارت ضاربة، و ليس الجمع كانوا جمعا فضربوا/فصاروا ضاربين، بل صاروا ضاربين لاجتماعهم في الفعل و لهذا ورد الجمع على اللفظ بعد ورود التأنيث عليه فقيل:

294

ضاربة و ضاربات و لم يجمع اللفظ أولا لأنثى و لا لذكر، و لهذا لم يحسن أن يقال: ضرب هند، و حسن بالإجماع ضرب قوم و المسلمون.

المسألة الثانية: لما قال تعالى: كَذَّبَتْ ما الفائدة في قوله تعالى: فَكَذَّبُوا عَبْدَنََا ؟ نقول: الجواب عنه من وجوه الأول: أن قوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ أي بآياتنا و آية الانشقاق فكذبوا الثاني: كذبت قوم نوح الرسل و قالوا: لم يبعث اللّه رسولا و كذبوهم في التوحيد: فكذبوا عبدنا كما كذبوا غيره و ذلك لأن قوم نوح مشركون يعبدون الأصنام و من يعبد الأصنام يكذب كل رسول و ينكر الرسالة لأنه يقول: لا تعلق للّه بالعالم السفلي و إنما أمره إلى الكواكب فكان مذهبهم التكذيب فكذبوا الثالث: قوله تعالى: فَكَذَّبُوا عَبْدَنََا للتصديق و الرد عليهم تقديره: كذبت قوم نوح و كان تكذيبهم عبدنا أي لم يكن تكذيبا بحق كما يقول القائل: كذبني فكذب صادقا.

المسألة الثالثة: كثيرا ما يخص اللّه الصالحين بالإضافة إلى نفسه كما في قوله تعالى: إِنَّ عِبََادِي* [الحجر: 42] يََا عِبََادِيَ* [العنكبوت: 56] وَ اُذْكُرْ عَبْدَنََا* [ص: 17] إِنَّهُ مِنْ عِبََادِنَا* [يوسف: 24] و كل واحد عبده فما السر فيه؟نقول: الجواب عنه من وجوه الأول: ما قيل: في المشهور أن الإضافة إليه تشريف منه فمن خصصه بكونه عبده شرف و هذا كقوله تعالى: أَنْ طَهِّرََا بَيْتِيَ [البقرة: 125]و قوله تعالى:

نََاقَةُ اَللََّهِ* [الأعراف: 73]الثاني: المراد من عبدنا أي الذي عبدنا فالكل عباد لأنهم مخلوقون للعبادة لقوله:

وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]لكن منهم من عبد فحقق المقصود فصار عبده، و يؤيد هذا قوله تعالى: كُونُوا عِبََاداً لِي [آل عمران: 79]أي حققوا المقصود الثالث: الإضافة تفيد الحصر فمعنى عبدنا هو الذي لم يقل: بمعبود سوانا، و من اتبع هواه فقد اتخذ إلها فالعبد المضاف هو الذي بكليته في كل وقت للّه فأكله و شربه و جميع أموره لوجه اللّه تعالى و قليل ما هم.

المسألة الرابعة: ما الفائدة في اختيار لفظ العبد مع أنه لو قال رسولنا لكان أدل على قبح فعلهم؟ نقول:

قوله عبدنا أدل على صدقه و قبح تكذيبهم من قوله رسولنا لو قاله لأن العبد أقل تحريفا لكلام السيد من الرسول، فيكون كقوله تعالى: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ اَلْأَقََاوِيلِ*`لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ*`ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ اَلْوَتِينَ [الحاقة: 44-46].

المسألة الخامسة: قوله تعالى وَ قََالُوا مَجْنُونٌ إشارة إلى أنه أتى بالآيات الدالة على صدقه حيث رأوا ما عجزوا منه، و قالوا: هو مصاب الجن أو هو لزيادة بيان قبح صنعهم حيث لم يقنعوا بقولهم إنه كاذب، بل قالوا مجنون، أي يقول مالا يقبله عاقل، و الكاذب العاقل يقول ما يظن به أنه صادق فقالوا: مجنون أي يقول ما لم يقل به عاقل فبين مبالغتهم في التكذيب.

المسألة السادسة: وَ اُزْدُجِرَ إخبار من اللّه تعالى أو حكاية قولهم، نقول: فيه خلاف منهم من قال:

إخبار من اللّه تعالى و هو عطف على كذبوا، و قالوا: أي هم كذبوا و هو ازدجر أي أوذي و زجر، و هو كقوله تعالى: كُذِّبُوا وَ أُوذُوا [الأنعام: 34]و على هذا إن قيل: لو قال كذبوا عبدنا و زجروه/كان الكلام أكثر مناسبة، نقول: لا بل هذا أبلغ لأن المقصود تقوية قلب النبي صلى اللّه عليه و سلم بذكر من تقدمه فقال: و ازدجر أي فعلوا ما يوجب الانزجار من دعائهم حتى ترك دعوتهم و عدل عن الدعاء إلى الإيمان إلى الدعاء عليهم، و لو قال: ـ

295

زجروه ما كان يفيد أنه تأذى منهم لأن في السعة يقال: آذوني و لكن ما تأذيت، و أما أوذيت فهو كاللازم لا يقال إلا عند حصول الفعل لا قبله، و منهم من قال: وَ اُزْدُجِرَ حكاية قولهم أي هم قالوا ازدجر، تقديره قالوا:

مجنون مزدجر، و معناه: ازدجره الجن أو كأنهم قالوا: جن و ازدجر، و الأول أصح و يترتب عليه قوله تعالى:

ترتيبا في غاية الحسن لأنهم لما زجروه و انزجر هو عن دعائهم دعا ربه أني مغلوب و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرئ إني بكسر الهمزة على أنه دعاء، فكأنه قال: إني مغلوب، و بالفتح على معنى بأني.

المسألة الثانية: ما معنى مغلوب؟ نقول فيه وجوه الأول: غلبني الكفار فانتصر لي منهم الثاني: غلبتني نفسي و حملتني على الدعاء عليهم فانتصر لي من نفسي، و هذا الوجه نقله ابن عطية و هو ضعيف الثالث: وجه مركب من الوجهين و هو أحسن منهما و هو أن يقال: إن النبي صلى اللّه عليه و سلم لا يدعو على قومه ما دام في نفسه احتمال و حلم، و احتمال نفسه يمتد ما دام الإيمان منهم محتملا، ثم إن يأسه يحصل و الاحتمال يفر بعد اليأس بمدة، بدليل قوله تعالى لمحمد صلى اللّه عليه و سلم: فَلَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ* [الكهف: 6]، فَلاََ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرََاتٍ [فاطر: 8]و قال تعالى: وَ لاََ تُخََاطِبْنِي فِي اَلَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ* [المؤمنون: 27]فقال نوح: يا إلهي إن نفسي غلبتني و قد أمرتني بالدعاء عليهم فأهلكهم، فيكون معناه‏[إني‏]مغلوب بحكم البشرية أي غلبت و عيل صبري فانتصر لي منهم لا من نفسي:

المسألة الثالثة: فانتصر معناه انتصر لي أو لنفسك فإنهم كفروا بك و فيه وجوه أحدها: فانتصر لي مناسب لقوله مغلوب ثانيها: فانتصر لك و لدينك فإني غلبت و عجزت عن الانتصار لدينك ثالثها: فانتصر للحق و لا يكون فيه ذكره و لا ذكر ربه، و هذا يقوله قوي النفس بكون الحق معه، يقول القائل: اللهم أهلك الكاذب منا، و انصر المحق منا. ثم قال تعالى:

عقيب دعائه و فيه مسائل:

المسألة الأولى: المراد من الفتح و الأبواب و السماء حقائقها أو هو مجاز؟ نقول فيه قولان أحدهما:

حقائقها و للسماء أبواب تفتح و تغلق و لا استبعاد فيه و ثانيهما: هو على طريق الاستعارة، فإن الظاهر أن الماء كان من السحاب، و على هذا فهو كما يقول القائل في المطر الوابل جرت ميازيب السماء و فتح أفواه القرب أي كأنه ذلك، فالمطر في الطوفان كان بحيث يقول القائل/فتحت أبواب السماء، و لا شك أن المطر من فوق كان في غاية الهطلان.

المسألة الثانية: قوله تعالى: فَفَتَحْنََا بيان أن اللّه انتصر منهم و انتقم بماء لا بجند أنزله، كما قال تعالى:

وَ مََا أَنْزَلْنََا عَلى‏ََ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ مََا كُنََّا مُنْزِلِينَ*`إِنْ كََانَتْ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً [يس: 28، 29]بيانا لكمال القدرة، و من العجيب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين فأهلكهم بمطلوبهم.

296

المسألة الثالثة: الباء في قوله: بِمََاءٍ مُنْهَمِرٍ ما وجهه و كيف موقعه؟ نقول فيه وجهان أحدهما: كما هي في قول القائل فتحت الباب بالمفتاح و تقديره هو أن يجعل كأن الماء جاء و فتح الباب و على هذا تفسير قول من يقول: يفتح اللّه لك بخير أي يقدر خيرا يأتي و يفتح الباب، و على هذا ففيه لطيفة و هي من بدائع المعاني، و هي أن يجعل المقصود مقدما في الوجود، و يقول كأن مقصودك جاء إلى باب مغلق ففتحه و جاءك، و كذلك قول القائل: لعل اللّه يفتح برزق، أي يقدر رزقا يأتي إلى الباب الذي كالمغلق فيدفعه و يفتحه، فيكون اللّه قد فتحه بالرزق ثانيهما: فَفَتَحْنََا أَبْوََابَ اَلسَّمََاءِ مقرونة بِمََاءٍ مُنْهَمِرٍ و الانهمار الانسكاب و الانصباب صبا شديدا، و التحقيق فيه أن المطر يخرج من السماء التي هي السحاب خروج مترشح من ظرفه، و في ذلك اليوم كان يخرج خروج مرسل خارج من باب. ثم قال تعالى:

في قوله تعالى وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى اَلْمََاءُ و فيه من البلاغة ما ليس في قول القائل: و فجرنا عيون الأرض، و هذا بيان التمييز في كثير من المواضع، إذا قلت ضاق زيد ذرعا، أثبت ما لا يثبته قولك ضاق ذرع زيد، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال: وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً و لم يقل ففتحنا السماء أبوابا، لأن السماء أعظم من الأرض و هي للمبالغة، و لهذا قال: أَبْوََابَ اَلسَّمََاءِ و لم يقل: أنابيب و لا منافذ و لا مجاري أو غيرها.

و أما قوله تعالى: وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً فهو أبلغ من قوله: و فجرنا عيون الأرض، لأنه يكون حقيقة لا مبالغة فيه، و يكفي في صحة ذلك القول أن يجعل في الأرض عيونا ثلاثة، و لا يصلح مع هذا في السماء إلا قول القائل: فأنزلنا من السماء ماء أو مياها، و مثل هذا الذي ذكرناه في المعنى لا في المعجزة، و الحكمة قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَسَلَكَهُ يَنََابِيعَ فِي اَلْأَرْضِ [الزمر: 21]حيث لا مبالغة فيه، و كلامه لا يماثل كلام اللّه و لا يقرب منه، غير أني ذكرته مثلا: وَ لِلََّهِ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلى‏ََ [النحل: 60].

المسألة الثانية: العيون في عيون الماء حقيقة أو مجاز؟ نقول: المشهور أن لفظ العين/مشترك، و الظاهر أنها حقيقة في العين التي هي آلة الأبصار و مجاز في غيرها، أما في عيون الماء فلأنها تشبه العين الباصرة التي يخرج منها الدمع، أو لأن الماء الذي في العين كالنور الذي في العين غير أنها مجاز مشهور صار غالبا حتى لا يفتقر إلى القرينة عند الاستعمال إلا للتمييز بين العينين، فكما لا يحمل اللفظ على العين الباصرة إلا بقرينة، كذلك لا يحمل على الفوارة إلا بقرينة مثل: شربت من العين و اغتسلت منها، و غير ذلك من الأمور التي توجد في الينبوع، و يقال: عانه يعينه إذا أصابه بالعين، و عينه تعيينا، حقيقته جعله بحيث تقع عليه العين، و عاينه معاينة و عيانا، و عين أي صار بحيث تقع عليه العين.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: فَالْتَقَى اَلْمََاءُ قرئ فالتقى الماءان، أي النوعان، منه ماء السماء و ماء الأرض، فتثنى أسماء الأجناس على تأويل صنف، تجمع أيضا، يقال: عندي تمران و تمور و أتمار على تأويل نوعين و أنواع منه و الصحيح المشهور: فَالْتَقَى اَلْمََاءُ و له معنى لطيف، و ذلك أنه تعالى لما قال: فَفَتَحْنََا أَبْوََابَ اَلسَّمََاءِ بِمََاءٍ مُنْهَمِرٍ [القمر: 11]ذكر الماء و ذكر الانهمار و هو النزول بقوة، فلما قال: وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً كان من الحسن البديع أن يقول: ما يفيد أن الماء نبع منها بقوة، فقال: فَالْتَقَى اَلْمََاءُ أي من‏

297

العين فار الماء بقوة حتى ارتفع و التقى بماء السماء، و لو جرى جريا ضعيفا لما كان هو يلتقي مع ماء السماء بل كان ماء السماء يرد عليه و يتصل به، و لعل المراد من قوله: وَ فََارَ اَلتَّنُّورُ* [هود: 40]مثل هذا.

و قوله تعالى: عَلى‏ََ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ فيه وجوه الأول: على حال قد قدرها اللّه تعالى كما شاء الثاني: على حال قدر أحد الماءين بقدر الآخر الثالث: على سائر المقادير، و ذلك لأن الناس اختلفوا، فمنهم من قال: ماء السماء كان أكثر، و منهم من قال: ماء الأرض، و منهم من قال: كانا متساويين، فقال: على أي مقدار كان، و الأول إشارة إلى عظمة أمر الطوفان، فإن تنكير الأمر يفيد ذلك، يقول القائل: جرى على فلان شي‏ء لا يمكن أن يقال إشارة إلى عظمته، و فيه احتمال آخر، و هو أن يقال: التقى الماء، أي اجتمع على أمر هلاكهم، و هو كان مقدورا مقدرا، و فيه رد على المنجمين الذين يقولون إن الطوفان كان بسبب اجتماع الكواكب السبعة حول برج مائي، و الغرق لم يكن مقصودا بالذات، و إنما ذلك أمر لزم من الطوفان الواجب وقوعه، فقال: لم يكن ذلك إلا لأمر قد قدر، و يدل عليه أن اللّه تعالى أوحى إلى نوح بأنهم من المغرقين و قوله تعالى:

أي سفينة، حذف الموصوف و أقام الصفة مقامه، إشارة إلى أنها كانت من ألواح مركبة موثقة بدثر، و كان انفكاكها في غاية السهولة، و لم يقع فهو بفضل اللّه، و الدسر المسامير.

و قوله تعالى: تَجْرِي أي سفينة ذات ألواح جارية، و قوله تعالى: بِأَعْيُنِنََا أي بمرأى منا أو بحفظنا، لأن العين آلة ذلك فتستعمل فيه.

و قوله تعالى: جَزََاءً لِمَنْ كََانَ كُفِرَ يحتمل وجوها أحدها: أن يكون نصبه بقوله: حَمَلْنََاهُ أي حملناه جزاء، أي ليكون ذلك الحمل جزاء الصبر على كفرانهم و ثانيها: أن يكون بقوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنََا لأن فيه معنى حفظنا، أي ما تركناه عن أعيننا و عوننا جزاء له ثالثها: أن يكون بفعل حاصل من مجموع ما ذكره كأنه قال: فتحنا أبواب السماء و فجرنا الأرض عيونا و حملناه، و كل ذلك فعلناه جزاء له، و إنما ذكرنا هذا، لأن الجزاء ما كان يحصل إلا بحفظه و إنجائه لهم، فوجب أن يكون جزاء منصوبا بكونه مفعولا له بهذه الأفعال، و لنذكر ما فيه من اللطائف في مسائل:

المسألة الأولى: قال في السماء: فَفَتَحْنََا أَبْوََابَ اَلسَّمََاءِ [القمر: 11] لأن السماء ذات الرجع و ما لها فطور، و لم يقل: و شققنا السماء، و قال في الأرض: وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ [القمر: 12]لأنها ذات الصدع.

الثانية: لما جعل المطر كالماء الخارج من أبواب مفتوحة واسعة، و لم يقل في الأرض و أجرينا من الأرض بحارا و أنهارا، بل قال: عُيُوناً و الخارج من العين دون الخارج من الباب ذكر في الأرض أنه تعالى فجرها كلها، فقال: وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ لتقابل كثرة عيون الأرض سعة أبواب السماء فيحصل بالكثرة هاهنا ما حصل بالسعة هاهنا.

الثالثة: ذكر عند الغضب سبب الإهلاك و هو فتح أبواب السماء و فجر الأرض بالعيون، و أشار إلى‏

298

الإهلاك بقوله تعالى: عَلى‏ََ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: 12]أي أمر الإهلاك و لم يصرح و عند الرحمة ذكر الإنجاء صريحا بقوله تعالى: وَ حَمَلْنََاهُ و أشار إلى طريق النجاة بقوله: ذََاتِ أَلْوََاحٍ و كذلك قال في موضع آخر:

فَأَخَذَهُمُ اَلطُّوفََانُ [العنكبوت: 14]، و لم يقل فأهلكوا، و قال: فَأَنْجَيْنََاهُ وَ أَصْحََابَ اَلسَّفِينَةِ [العنكبوت:

15]فصرح بالإنجاء و لم يصرح بالإهلاك إشارة إلى سعة الرحمة و غاية الكرم أي خلقنا سبب الهلاك و لو رجعوا لما ضرهم ذلك السبب كما قال صلى اللّه عليه و سلم: يََا بُنَيَّ اِرْكَبْ مَعَنََا [هود: 42]و عند الإنجاء أنجاه و جعل للنجاة طريقا و هو اتخاذ السفينة و لو انكسرت لما ضره بل كان ينجيه فالمقصود عند الإنجاء هو النجاة فذكر المحل و المقصود عند الإهلاك إظهار البأس فذكر السبب صريحا.

الرابعة: قوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنََا أبلغ من حفظنا، يقول القائل اجعل هذا نصب عينك و لا يقول احفظه طلبا للمبالغة.

الخامسة: بِأَعْيُنِنََا يحتمل أن يكون المراد بحفظنا، و لهذا يقال: الرؤية لسان العين.

السادسة: قال: كان ذلك جزاء على ما كفروا به لا على إيمانه و شكره فما جوزي به كان جزاء صبره على كفرهم، و أما جزاء شكره لنا فباق، و قرئ: جزاء بكسر الجيم أي مجازاة كقتال/و مقاتلة و قرئ: لمن كان كفر بفتح الكاف، و أما: كُفِرَ ففيه و جهان: أحدهما: أن يكون كفر مثل شكر يعدى بالحرف و بغير حرف يقال شكرته و شكرت له، قال تعالى: وَ اُشْكُرُوا لِي وَ لاََ تَكْفُرُونِ [البقرة: 152]و قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطََّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ [البقرة: 256]. ثانيهما: أن يكون من الكفر لا من الكفران أي جزاء لمن ستر أمره و أنكر شأنه و يحتمل أن يقال: كفر به وترك الظهور المراد. ثم قال تعالى:

و في العائد إليه الضمير وجهان أحدهما: عائد إلى مذكور و هو السفينة التي فيها ألواح و على هذا ففيه و جهان أحدهما: ترك اللّه عينها مدة حتى رؤيت و علمت و كانت على الجودي بالجزيرة و قيل بأرض الهند و ثانيهما: ترك مثلها في الناس يذكر و ثاني: الوجهين الأولين أنه عائد إلى معلوم أي تركنا السفينة آية، و الأول أظهر و على هذا الوجه يحتمل أن يقال: تَرَكْنََاهََا أي جعلناها آية لأنها بعد الفراغ منها صارت متروكة و مجعولة يقول القائل:

تركت فلانا مثلة أي جعلته، لما بينا أنه من فرغ من أمر تركه و جعله فذكر أحد الفعلين بدلا عن الآخر.

و قوله تعالى: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ إشارة إلى أن الأمر من جانب الرسل قد تم و لم يبق إلا جانب المرسل إليهم بأن كانوا منذرين متفكرين يهتدون بفضل اللّه فهل من مدكر مهتد، و هذا الكلام يصلح حثا و يصلح تخويفا و زجرا، و فيه مسائل:

الأولى: قال هاهنا وَ لَقَدْ تَرَكْنََاهََا و قال في العنكبوت: وَ جَعَلْنََاهََا آيَةً [العنكبوت: 15]قلنا هما و إن كانا في المعنى*و أحدا على ما تقدم بيانه لكن لفظ الترك يدل على الجعل و الفراغ بالأيام فكأنها هنا مذكورة بالتفصيل حيث بين الإمطار من السماء و تفجير الأرض و ذكر السفينة بقوله: ذََاتِ أَلْوََاحٍ وَ دُسُرٍ [القمر: 13] و ذكر جريها فقال: تَرَكْنََاهََا إشارة إلى تمام الفعل المقدور و قال هناك‏ وَ جَعَلْنََاهََا إشارة إلى بعض ذلك فإن قيل: إن كان الأمر كذلك فكيف قال هاهنا وَ حَمَلْنََاهُ [القمر: 13]و لم يقل: و أصحابه و قال هناك‏ فَأَنْجَيْنََاهُ‏

299

وَ أَصْحََابَ اَلسَّفِينَةِ ؟نقول: النجاة هاهنا مذكورة على وجه أبلغ مما ذكره هناك لأنه قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنََا [القمر: 14]أي حفظنا و حفظ السفينة حفظ لأصحابه و حفظ لأموالهم و دوابهم و الحيوانات التي معهم فقوله:

فَأَنْجَيْنََاهُ وَ أَصْحََابَ اَلسَّفِينَةِ لا يلزم منه إنجاء الأموال إلا ببيان آخر و الحكاية في سورة هود أشد تفصيلا و أتم فلهذا قال: قُلْنَا اِحْمِلْ فِيهََا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ [هود: 40]يعني المحمول ثم قال تعالى: وَ اِسْتَوَتْ عَلَى اَلْجُودِيِّ [هود: 44]تصريحا بخلاص السفينة و إشارة إلى خلاص كل من فيها و قوله: آيَةً منصوبة على أنها مفعول ثان للترك لأنه بمعنى الجعل على ما تقدم بيانه و هو الظاهر، و يحتمل أن يقال حال فإنك تقول تركتها و هي آية و هي إن لم تكن على وزن الفاعل و المفعول/فهي في معناه كأنه قال: تركناها دالة (1) ، و يحتمل أن يقال: نصبها على التمييز لأنها بعض وجوه الترك كقوله ضربته سوطا.

المسألة الثانية: مُدَّكِرٍ مفتعل من ذكر يذكر و أصله مذتكر[لما]كان مخرج الذال قريبا من مخرج التاء، و الحروف المتقاربة المخرج يصعب النطق بها على التوالي و لهذا إذا نظرت إلى الذال مع التاء عند النطق تقرب الذال من أن تصير تاء و التاء تقرب من أن تصير دالا فجعل التاء دالا ثم أدغمت الدال فيها و منهم من قرأ على الأصل مذتكر و منهم من قلب التاء دالا و قرأ مذدكر و من اللغويين من يقول في مدكر مذدكر فيقلب التاء و لا يدغم و لكل وجهة، و المدكر المعتبر المتفكر، و في قوله: مُدَّكِرٍ إما إشارة إلى ما في قوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ [الأعراف: 172]أي هل من يتذكر تلك الحالة و إما إلى وضوح الأمر كأنه حصل للكل آيات اللّه و نسوها فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يتذكر شيئا منها. ثم قال تعالى:

و فيه وجهان أحدهما: أن يكون ذلك استفهاما من النبي صلى اللّه عليه و سلم تنبيها له و وعدا بالعاقبة و ثانيهما: أن يكون عاما تنبيها للخلق و نذر أسقط منه ياء الإضافة كما حذف ياء يسري في قوله تعالى: وَ اَللَّيْلِ إِذََا يَسْرِ [الفجر:

4]و ذلك عند الوقف و مثله كثير كما في قوله تعالى: فَإِيََّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت: 51] وَ لاََ هُمْ يُنْقَذُونَ [يس: 43]و قوله تعالى: يََا عِبََادِ فَاتَّقُونِ [الزمر: 16]و قوله تعالى: وَ لاََ تَكْفُرُونِ [البقرة: 152]و قرئ بإثبات الياء: عذابي و نذري و فيه مسائل:

الأولى: ما الذي اقتضى الفاى في قوله تعالى: فَكَيْفَ كََانَ ؟ نقول: أما إن قلنا إن الاستفهام من النبي صلى اللّه عليه و سلم، فكأنه تعالى قال له قد علمت أخبار من كان قبلك فكيف كان أي بعد ما أحاط بهم علمك بنقلها إليك، و أما إن قلنا الاستفهام عام فنقول لما قال: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 15]فرض وجودهم و قال: يا من يتذكر، و علم الحال بالتذكير: فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي و يحتمل أن يقال: هو متصل بقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ تقديره مدكر كيف كان عذابي.

المسألة الثانية: ما رأوا العذاب و لا النذر فكيف استفهم منهم؟ نقول: أما على قولنا الاستفهام من النبي صلى اللّه عليه و سلم فقد علم لما علم، و أما على قولنا عام فهو على تقدير الإدكار و على تقدير الإدكار يعلم الحال، و يحتمل أن يقال: إنه ليس باستفهام و إنما هو إخبار عن عظمة الأمر كما في قوله تعالى: اَلْحَاقَّةُ*`مَا اَلْحَاقَّةُ

____________

(1) في الأصل دالا، و المقصود بيان من معنى الآية أي لها دلالة الآية و قوتها.

300

[الحاقة: 1، 2]و اَلْقََارِعَةُ*`مَا اَلْقََارِعَةُ [القارعة: 1، 2]و هذا لأن الاستفهام يذكر للإخبار كما أن صيغة هل تذكر للاستفهام فيقال زيد في الدار؟بمعنى هل زيد في الدار، و يقول المنجز وعده هل صدقت؟فكأنه تعالى قال: عذابي وقع و كيف كان أي كان عظيما و حينئذ لا يحتاج إلى علم من يستفهم منه.

المسألة الثالثة: قال تعالى من قبل: فَفَتَحْنََا ، و فَجَّرْنَا ، و بِأَعْيُنِنََا و لم يقل كيف كان عذابنا نقول لوجهين أحدهما: لفظي و هو أن ياء المتكلم يمكن حذفها لأنها في اللفظ تسقط كثيرا فيما إذا التقى ساكنان، تقول: غلامي الذي، و داري التي، و هنا حذفت لتواخي آخر الآيات، و أما النون و الألف في ضمير الجمع فلا تحذف و أما الثاني: و هو المعنوي فنقول: إن كان الاستفهام من النبي صلى اللّه عليه و سلم فتوحيد الضمير للإنباء، و في فتحنا و فجرنا لترهيب العصاة، و نقول: قد ذكرنا أن قوله: مُدَّكِرٍ [القمر: 15]فيه إشارة إلى قوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: 172]فلما وحد الضمير بقوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قال فكيف كان.

المسألة الرابعة: النذر جمع نذير فهل هو مصدر كالنسيب و النحيب أو فاعل كالكبير و الصغير؟ نقول:

أكثر المفسرين على أنه مصدر هاهنا، أي كيف كان عاقبة عذابي و عاقبة إنذاري و الظاهر أن المراد الأنباء، أي كيف كان عاقبة أعداء اللّه و رسله؟هل أصاب العذاب من كذب الرسل أم لا؟فإذا علمت الحال يا محمد فاصبر فإن عاقبة أمرك كعاقبة أولئك النذر و لم يجمع العذاب لأنه مصدر و لو جمع لكان في جمعه تقدير و فرض و لا حاجة إليه، فإن قيل: قوله تعالى: (كذبت ثمود بالنذر) أي بالإنذارات لأن الإنذارات جاءتهم، و أما الرسل فقد جاءهم واحد، نقول: كل من تقدم من الأمم الذين أشركوا باللّه كذبوا بالرسل و قالوا: ما أنزل اللّه من شي‏ء و كان المشركون مكذبين بالكل ما خلا إبراهيم عليه السلام فكانوا يعتقدون فيه الخير لكونه شيخ المرسلين فلا يقال (كذبت ثمود بالنذر) ، أي بالأنبياء بأسرهم، كما أنكم أيها المشركون تكذبون بهم.

ثم قال تعالى: وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ و فيه وجوه الأول: للحفظ فيمكن حفظه و يسهل، و لم يكن شي‏ء من كتب اللّه تعالى يحفظ على ظهر القلب غير القرآن.

و قوله تعالى: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي هل من يحفظ و يتلوه الثاني: سهلناه للاتعاظ حيث أتينا فيه بكل حكمة الثالث: جعلناه بحيث يعلق بالقلوب و يستلذ سماعه و من لا يفهم يتفهمه و لا يسأم من سمعه و فهمه و لا يقول قد علمت فلا أسمعه بل كل ساعة يزداد منه لذة و علما. الرابع: و هو الأظهر أن النبي صلى اللّه عليه و سلم لما ذكر بحال نوح عليه السلام و كان له معجزة قيل له: إن معجزتك القرآن وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ تذكرة لكل أحد و تتحدى به في العالم و يبقى على مرور الدهور، و لا يحتاج كل من يحضرك إلى دعاء و مسألة في إظهار معجزة، و بعدك لا ينكر أحد وقوع ما وقع كما ينكر البعض انشقاق القمر، و قوله تعالى: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي متذكر لأن الافتعال و التفعل كثيرا ما يجي‏ء بمعنى، و على هذا فلو قال قائل: هذا يقتضي وجود أمر سابق فنسي، تقول: ما في الفطرة من الانقياد للحق هو كالمنسي فهل من مدكر يرجع إلى ما فطر عليه/و قيل: فهل من مدكر أي حافظ

301

أو متعظ على ما فسرنا به قوله تعالى: يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ و قوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ و على قولنا المراد متذكر إشارة إلى ظهور الأمر فكأنه لا يحتاج إلى نكر، بل هو أمر حاصل عنده لا يحتاج إلى معاودة ما عند غيره. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

الأولى: قال في قوم نوح: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ [الشعراء: 105]و لم يقل في عاد كذبت قوم هود و ذلك لأن التعريف كلما أمكن أن يؤتى به على وجه أبلغ فالأولى أن يؤتى به و التعريف بالاسم العلم أولى من التعريف بالإضافة إليه، فإنك إذا قلت: بيت اللّه لا يفيد ما يفيد قولك الكعبة، فكذلك إذا قلت: رسول اللّه لا يفيد ما يفيد قولك محمد فعاد اسم علم للقوم لا يقال قوم هود أعرف لوجهين أحدهما: أن اللّه تعالى وصف عادا بقوم هود حيث قال: أَلاََ بُعْداً لِعََادٍ قَوْمِ هُودٍ [هود: 60]و لا يوصف الأظهر بالأخفى و الأخص بالأعم ثانيهما: أن قوم هود واحد و عاد، قيل: أنه لفظ يقع على أقوام و لهذا قال تعالى: عََاداً اَلْأُولى‏ََ [النجم: 50]لأنا نقول: أما قوله تعالى: لِعََادٍ قَوْمِ هُودٍ [هود: 60]فليس ذلك صفة و إنما هو بدل و يجوز في البدل أن يكون دون المبدل في المعرفة، و يجوز أن يبدل عن المعرفة بالنكرة، و أما عادا الأولى فقد قدمنا أن ذلك لبيان تقدمهم أي عادا الذين تقدموا و ليس ذلك للتمييز و التعريف كما تقول محمد النبي شفيعي و اللّه الكريم ربي و رب الكعبة المشرفة لبيان الشرف لا لبيانها و تعريفها كما تقول: دخلت الدار المعمورة من الدارين و خدمت الرجل الزاهد من الرجلين فتبين المقصود بالوصف.

المسألة الثانية: لم يقل كذبوا هودا كما قال: فَكَذَّبُوا عَبْدَنََا [القمر: 9] و ذلك لوجهين أحدهما: أن تكذيب نوح كان أبلغ و أشد حيث دعاهم قريبا من ألف سنة و أصروا على التكذيب، و لهذا ذكر اللّه تعالى تكذيب نوح في مواضع و لم يذكر تكذيب غير نوح صريحا و إن نبه عليه‏[في‏]واحد منها في الأعراف قال: فَأَنْجَيْنََاهُ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ فِي اَلْفُلْكِ [الأعراف: 64]و قال حكاية عن نوح: قََالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ [الشعراء: 117] و قال: إِنَّهُمْ عَصَوْنِي [نوح: 21]و في هذه المواضع لم يصرح بتكذيب قوم غيره منهم إلا قليلا و لذلك قال تعالى في مواضع ذكر شعيب فكذبوه: و قال‏ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً* [الأعراف: 92]و قال تعالى عن قومه: وَ إِنََّا لَنَظُنُّكَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ [الأعراف: 66]لأنه دعا قومه زمانا مديداو ثانيهما: أن حكاية عاد مذكورة هاهنا على سبيل الاختصار فلم يذكر إلا تكذيبهم و تعذيبهم فقال: كَذَّبَتْ عََادٌ كما قال: كَذَّبَتْ (قَبْلَهُمْ) قَوْمُ نُوحٍ و لم يذكر دعاءه عليهم و إجابته كما قال في نوح.

المسألة الثالثة: قال تعالى: فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ قبل أن بين العذاب و في حكاية نوح بين العذاب، ثم قال: فَكَيْفَ كََانَ فما الحكمة فيه؟ نقول: الاستفهام الذي ذكره في حكاية نوح/مذكور هاهنا، و هو قوله تعالى: فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ كما قال من قبل و من بعد في حكاية ثمود غير أنه تعالى حكى في حكاية عاد فَكَيْفَ كََانَ* مرتين، المرة الأولى استفهم ليبين كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسئول سائلا، فيقول: كيف هي فيقول إنها كذا و كذا فكذلك هاهنا قال: كَذَّبَتْ عََادٌ فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي فقال‏

302

السامع: بين أنت فإني لا أعلم فقال: إِنََّا أَرْسَلْنََا [القمر: 19]و أما المرة الثانية فاستفهم للتعظيم كما يقول القائل للعارف المشاهد كيف فعلت و صنعت فيقول: نعم ما فعلت و يقول: أتيت بعجيبة فيحقق عظمة الفعل بالاستفهام، و إنما ذكر هاهنا المرة الأولى و لم يذكر في موضع آخر لأن الحكاية ذكرها مختصرة فكان يفوت الاعتبار بسبب الاختصار فقال: فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي حثا على التدبر و التفكر، و أما الاختصار في حكايتهم فلأن أكثر أمرهم الاستكبار و الاعتماد على القوة و عدم الالتفات إلى قول النبي صلى اللّه عليه و سلم، و يدل عليه قوله تعالى: فَأَمََّا عََادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَ قََالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنََّا قُوَّةً [فصلت: 15]و ذكر استكبارهم كثيرا، و ما كان قوم محمد صلى اللّه عليه و سلم مبالغين في الاستكبار و إنما كانت مبالغتهم في التكذيب و نسبته إلى الجنون، و ذكر حالة نوح على التفصيل فإن قومه جمعوا بين التكذيب و الاستكبار، و كذلك حال صالح عليه السلام ذكرها على التفصيل لشدة مناسبتها بحال محمد صلى اللّه عليه و سلم. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال تعالى: فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي [القمر: 18]بتوحيد الضمير هناك و لم يقل عذابنا، و قال: هاهنا إِنََّا ، و لم يقل إني، و الجواب ما ذكرناه في قوله تعالى: فَفَتَحْنََا أَبْوََابَ اَلسَّمََاءِ [القمر: 11].

المسألة الثانية: الصرصر فيها وجوه أحدها: الريح الشديدة الصوت من الصرير و الصرة شدة الصياح ثانيها: دائمة الهبوب من أصر على الشي‏ء إذا دام و ثبت، و فيه بحث و هو أن الأسماء المشتقة هي التي تصلح لأن يوصف بها، و أما أسماء الأجناس فلا يوصف بها سواء كانت أجراما أو معاني، فلا يقال: إنسان رجل جاء و لا يقال: لون أبيض و إنما يقال: إنسان عالم و جسم أبيض. و قولنا: أبيض معناه شي‏ء له بياض، و لا يكون الجسم مأخوذا فيه، و يظهر ذلك في قولنا رجل عالم فإن العالم شي‏ء له علم حتى الحداد و الخباز و لو أمكن قيام العلم بهما لكان عالما و لا يدخل الحي في المعنى من حيث المفهوم فإنا إذا قلنا: عالم يفهم أن ذلك حي لأن اللفظ ما وضع لحي يعلم بل اللفظ وضع لشي‏ء يعلم و يزيده ظهورا قولنا: معلوم فإنه شي‏ء يعلم أو أمر يعلم و إن لم يكن شيئا، و لو دخل الجسم في الأبيض لكان قولنا جسم أبيض كقولنا جسم له بياض فيقع الوصف بالجثة، إذا علمت هذا فمن المستفاد بالجنس شي‏ء، فإن قولنا الهندي يقع على كل منسوب إلى الهند و أما المهند فهو سيف منسوب إلى الهند فيصح أن يقال: عبد هندي و تمر هندي و لا يصح أن يقال: مهند و كذا الأبلق و لون آخر/في فرس و لا يقال للثوب أبلق، كذلك الأفطس أنف فيه تقعير إذا قال لقائل: أنف أفطس فيكون كأنه قال أنف به فطس فيكون وصفه بالجثة و كان ينبغي أن لا يقال فرس أبلق و لا أنف أفطس و لا سيف مهند و هم يقولون فما الجواب؟و هذا السؤال يرد على الصرصر لأنها الريح الباردة، فإذا قال: ريح صرصر فليس ذلك كقولنا: ريح باردة فإن الصرصر هي الريح الباردة فحسب، فكأنه قال: ريح باردة فنقول: الألفاظ التي في معانيها أمران فصاعدا، كقولنا: عالم فإنه يدل على شي‏ء له علم ففيه شي‏ء و علم هي على ثلاثة أقسام أحدها: أن يكون الحال هو المقصود و المحل تبع كما في العالم و الضارب و الأبيض فإن المقاصد في هذه الألفاظ العلم و الضرب و البياض بخصوصها، و أما المحل فمقصود من حيث إنه على عمومه حتى أن البياض لو كان يبدل بلون غيره اختل مقصوده كالأسود. و أما الجسم الذي هو محل البياض إن أمكن أن يبدل و أمكن قيام البياض

303

بجوهر غير جسم لما اختل الغرض ثانيها: أن يكون المحل هو المقصود كقولنا الحيوان لأنه اسم لجنس ما له الحياة لا كالحي الذي هو اسم لشي‏ء له الحياة، فالمقصود هنا المحل و هو الجسم حتى لو وجد حي ليس بجسم لا يحصل مقصود من قال: الحيوان و لو حمل اللفظ على اللّه الحي الذي لا يموت لحصل غرض المتكلم و لو حمل لفظ الحيوان على فرس قائم أو إنسان نائم لم تفارقه الحياة لم يبق للسامع نفع و لم يحصل للمتكلم غرض فإن القائل إذا قال لإنسان قائم و هو ميت هذا حيوان ثم بان موته لا يرجع عما قال بل يقول: ما قلت إنه حي بل قلت إنه حيوان فهو حيوان فارقته الحياة ثالثها: ما يكون الأمران مقصودين كقولنا رجل و امرأة و ناقة و جمل فإن الرجل اسم موضوع لإنسان ذكر و المرأة لإنسان أنثى و الناقة لبعير أنثى و الجمل لبعير ذكر فالناقة إن أطلقت على حيوان فظهر فرسا أو ثور اختل الغرض و إن بان جملا كذلك، إذا علمت هذا ففي كل صورة كان المحل مقصودا إما وحده و إما مع الحال فلا يوصف به فلا يقال جسم حيوان و لا يقال بعير ناقة و إنما يجعل ذلك جملة، فيوصف بالجملة، فيقال جسم هو حيوان و بعير هو ناقة، ثم إن الأبلق و الأفطس شأنه الحيوان من وجه و شأنه العالم من وجه و كذلك المهند لكن دليل ترجيح الحال فيه ظاهر، لأن المهند لا يذكر إلا لمدح السيف، و الأفطس لا يقال إلا لوصف الأنف لا لحقيقته، و كذلك الأبلق بخلاف الحيوان فإنه لا يقال لوصفه، و كذلك الناقة، إذا علمت هذا فالصرصر يقال لشدة الريح أو لبردها فوجب أن يعمل به ما يعمل بالبارد و الشديد فجاز الوصف و هذا بحث عزيز.

المسألة الثالثة: قال تعالى هاهنا إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً و قال في الطور: وَ فِي عََادٍ إِذْ أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمُ اَلرِّيحَ اَلْعَقِيمَ [الذاريات: 41]فعرف الريح هناك و نكرها هنا لأن العقم في الريح أظهر من البرد الذي يضر النبات أو الشدة التي تعصف الأشجار لأن الريح العقيم هي التي لا تنشئ سحابا و لا تلقح شجرا و هي كثيرة الوقوع، و أما الريح المهلكة الباردة فقلما توجد، فقال: الريح العقيم أي هذا الجنس المعروف، ثم زاده بيانا بقوله: مََا تَذَرُ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاََّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات: 42]فتميزت عن/الرياح العقم، و أما الصرصر فقليلة الوقوع فلا تكون مشهورة فنكرها.

المسألة الرابعة: قال هنا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ و قال في السجدة: فِي أَيََّامٍ نَحِسََاتٍ [فصلت: 16] و قال في الحاقة: سَبْعَ لَيََالٍ وَ ثَمََانِيَةَ أَيََّامٍ حُسُوماً [الحاقة: 7]و المراد من اليوم هنا الوقت و الزمان كما في قوله تعالى: يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 33]و قوله: مُسْتَمِرٍّ يفيد ما يفيده الأيام لأن الاستمرار ينبئ عن إمرار الزمان كما ينبئ عنه الأيام، و إنما اختلف اللفظ مع اتحاد المعنى، لأن الحكاية هنا مذكورة على سبيل الاختصار، فذكر الزمان و لم يذكر مقداره و لذلك لم يصفها، ثم إن فيه قراءتين أحدهما:

يَوْمِ نَحْسٍ بإضافة يوم، و تسكين نحس على وزن نفس، و ثانيتهما: يَوْمِ نَحْسٍ بتنوين الميم و كسر الحاء على وصف اليوم بالنحس، كما في قوله تعالى: فِي أَيََّامٍ نَحِسََاتٍ فإن قيل أيتهما أقرب؟قلنا: الإضافة أصح، و ذلك لأن من يقرأ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يجعل المستمر صفة ليوم، و من يقرأ يوم نحس مستمر يكون المستمر و صفا لنحس، فيحصل منه استمرار النحوسة فالأول أظهر و أليق، فإن قيل: من يقرأ يوم نحس بسكون الحاء، فماذا يقول في النحس؟نقول: يحتمل أن يقول هو تخفيف نحس كفخذ و فخذ في غير الصفات، و نصر و نصر و رعد و رعد، و على هذا يلزمه أن يقول تقديره: يوم كائن نحس، كما تقول في قوله تعالى: بِجََانِبِ

304

اَلْغَرْبِيِّ [القصص: 44]و يحتمل أن يقول: نحس ليس بنعت، بل هو اسم معنى أو مصدر، فيكون كقولهم يوم برد و حر، و هو أقرب و أصح.

المسألة الخامسة: ما معنى مُسْتَمِرٍّ ؟ نقول فيه وجوه الأول: ممتد ثابت مدة مديدة من استمر الأمر إذا دام، و هذا كقوله تعالى: فِي أَيََّامٍ نَحِسََاتٍ [فصلت: 16]لأن الجمع يفيد معنى الاستمرار و الامتداد، و كذلك قوله: حُسُوماً [الحاقة: 7]الثاني: شديد من المرة كما قلنا من قبل في قوله: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: 2]و هذا كقولهم أيام الشدائد، و إليه الإشارة بقوله تعالى: فِي أَيََّامٍ نَحِسََاتٍ لِنُذِيقَهُمْ (عذاب الخزي) (1) [فصلت: 16]فإنه يذيقهم المر المضر من العذاب. ثم قال تعالى:

فيه مسائل:

المسألة الأولى: تَنْزِعُ اَلنََّاسَ وصف أو حال؟ نقول: يحتمل الأمرين جميعا، إذ يصح أن يقال: أرسل ريحا صرصرا نازعة للناس، و يصح أن يقال: أرسل الريح نازعة، فإن قيل: كيف يمكن جعلها حالا، و ذو الحال نكرة؟نقول: الأمر هنا أهون منه في قوله تعالى: وَ لَقَدْ جََاءَهُمْ مِنَ اَلْأَنْبََاءِ مََا فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر: 4] فإنه نكرة، و أجابوا عنه بأن (ما) موصوفة فتخصصت فحسن جعلها ذات الحال، فكذلك نقول هاهنا الريح موصوفة بالصرصر، و التنكير فيه للتعظيم، و إلا فهي ثلاثة فلا يبعد جعلها ذات حال، و فيه وجه آخر، و هو أنه كلام مستأنف على فعل و فاعل، كما تقول: جاء زيد جذبني، و تقديره جاء فجذبني، كذلك هاهنا قال: إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً [القمر: 19]/فأصبحت تَنْزِعُ اَلنََّاسَ و يدل عليه قوله تعالى: فَتَرَى اَلْقَوْمَ فِيهََا صَرْعى‏ََ [الحاقة: 7]فالتاء في قوله: تَنْزِعُ اَلنََّاسَ إشارة إلى ما أشار إليه بقوله: صَرْعى‏ََ و قوله تعالى:

كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ فيه وجوه أحدها: نزعتهم فصرعتهم: كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ كما قال: صَرْعى‏ََ كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ [الحاقة: 7]ثانيها: نزعتهم فهم بعد النزع: كأنهم أعجاز نخل و هذا أقرب، لأن الانقعار قبل الوقوع، فكأن الريح تنزع‏[الواحد]و تقعر[ه‏]فينقعر فيقع فيكون صريعا، فيخلو الموضع عنه فيخوى، و قوله في الحاقة: فَتَرَى اَلْقَوْمَ فِيهََا صَرْعى‏ََ كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ إشارة إلى حالة بعد الانقعار الذي هو بعد النزع، و هذا يفيد أن الحكاية هاهنا مختصرة حيث لم يشر إلى صرعهم و خلو منازلهم عنهم بالكلية، فإن حال الانقعار لا يحصل الخلو التام إذ هو مثل الشروع في الخروج و الأخذ فيه ثالثها: تنزعهم نزعا بعنف كأنهم أعجاز نخل تقعرهم فينقعروا إشارة إلى قوتهم و ثباتهم على الأرض، و في المعنى وجوه أحدها: أنه ذكر ذلك إشارة إلى عظمة أجسادهم و طول أقدادهم ثانيها: ذكره إشارة إلى ثباتهم في الأرض، فكأنهم كانوا يعملون أرجلهم في الأرض و يقصدون المنع به على الريح و ثالثها: ذكره إشارة إلى يبسهم و جفافهم بالريح، فكانت تقتلهم و تحرقهم ببردها المفرط فيقعون كأنهم أخشاب يابسة.

المسألة الثانية: قال هاهنا: مُنْقَعِرٍ فذكر النخل، و قال في الحاقة: كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ فأنثها، قال المفسرون: في تلك السورة كانت أواخر الآيات تقتضي ذلك لقوله: مُسْتَمِرٍّمُنْهَمِرٍمُنْتَشِرٌ [القمر:

19، 11، 7]و هو جواب حسن، فإن الكلام كما يزين بحسن المعنى يزين بحسن اللفظ، و يمكن أن يقال:

____________

(1) ما بين القوسين في المطبوعة (بعض الذي) و هو خطأ.

305

النخل لفظه لفظ الواحد، كالبقل و النمل و معناه معنى الجمع، فيجوز أن يقال فيه: نخل منقعر و منقعرة و منقعرات، و نخل خاو و خاوية و خاويات و نخل باسق و باسقة و باسقات، فإذا قال قائل: منقعر أو خاو أو باسق جرد النظر إلى اللفظ و لم يراع جانب المعنى، و إذا قال: منقعرات أو خاويات أو باسقات جرد النظر إلى المعنى و لم يراع جانب اللفظ، و إذا قال: منقعرة أو خاوية أو باسقة جمع بين الاعتبارين من حيث وحدة اللفظ، و ربما قال: منقعرة على الإفراد من حيث اللفظ، و ألحق به تاء التأنيث التي في الجماعة إذا عرفت هذا فنقول: ذكر اللّه تعالى لفظ النخل في مواضع ثلاثة، و وصفها على الوجوه الثلاثة، فقال: وَ اَلنَّخْلَ بََاسِقََاتٍ [ق: 10]فإنها حال منها و هي كالوصف، و قال: نَخْلٍ خََاوِيَةٍ [الحاقة: 7]و قال: نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ فحيث قال: مُنْقَعِرٍ كان المختار ذلك لأن المنقعر في حقيقة الأمر كالمفعول، لأنه الذي ورد عليه القعر فهو مقعور، و الخاو و الباسق فاعل و معناه إخلاء ما هو مفعول من علامة التأنيث أولا، كما تقول: امرأة كفيل، و امرأة كفيلة، و امرأة كبير، و امرأة كبيرة. و أما الباسقات، فهي فاعلات حقيقة، لأن البسوق أمر قام بها، و أما الخاوية، فهي من باب حسن الوجه، لأن الخاوي موضعها، فكأنه قال: نخل خاوية المواضع، و هذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ مناسب للألفاظ السابقة و اللاحقة من حيث/اللفظ، فكان الدليل يقتضي ذلك، بخلاف الشاعر الذي يختار اللفظ على المذهب الضعيف لأجل الوزن و القافية. ثم قال تعالى:

و تفسيره قد تقدم و التكرير للتقرير، و في قوله: عَذََابِي وَ نُذُرِ لطيفة ما ذكرناها، و هي تثبت بسؤال و جواب لو قال القائل: أكثر المفسرين على أن النذر في هذا الموضع جمع نذير الذي هو مصدر معناه إنذار، فما الحكمة في توحيد العذاب حيث لم يقل: فكيف كان أنواع عذابي و وبال إنذاري؟نقول: فيه إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب، و ذلك لأن الإنذار إشفاق و رحمة، فقال: الإنذارات التي هي نعم و رحمة تواترت، فلما لم تنفع وقع العذاب دفعة واحدة، فكانت النعم كثيرة، و النقمة واحدة و سنبين هذا زيادة بيان حين نفسر قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ* [الرحمن: 13]حيث جمع الآلاء و كثر ذكرها و كررها ثلاثين مرة، ثم بين اللّه تعالى حال قوم آخرين. فقال:

و قد تقدم تفسيره غير أنه في قصة عاد قال: كَذَّبَتْ [القمر: 18]و لم يقل: بالنذر، و في قصة نوح قال: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ اَلْمُرْسَلِينَ (1) [الشعراء: 105]فنقول: هذا يؤيد ما ذكرنا من أن المراد بقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ [القمر: 9]أن عادتهم و مذهبهم إنكار الرسل و تكذيبهم فكذبوا نوحا بناء على مذهبهم و إنما صرح هاهنا لأن كل قوم يأتون بعد قوم و أتاهما رسولان فالمكذب المتأخر يكذب المرسلين جميعا حقيقة و الأولون يكذبون رسولا واحدا حقيقة و يلزمهم تكذيب من بعده بناء على ذلك لأنهم لما كذبوا من تقدم في قوله: اللّه تعالى واحد، و الحشر كائن، و من أرسل بعده كذلك قوله و مذهبه لزم منه أن يكذبوه و يدل على هذا

____________

(1) لم نعثر عليها في المعجم، و لفظ (بالنذر) مقحمة فإزالتها تستقيم الآية.

306

أن اللّه تعالى قال في قوم نوح: فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنََاهُ [الأعراف: 64]و قال في عاد: وَ تِلْكَ عََادٌ جَحَدُوا بِآيََاتِ رَبِّهِمْ وَ عَصَوْا رُسُلَهُ [هود: 59]و أما قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ اَلْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 105]فإشارة إلى أنهم كذبوا و قالوا ما يفضي إلى تكذيب جميع المرسلين، و لهذا ذكره بلفظ الجمع المعرف للاستغراق، ثم إنه تعالى قال هناك عن نوح: رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ [الشعراء: 117]و لم يقل: كذبوا رسلك إشارة إلى ما صدر منهم حقيقة لا أن ما ألزمهم لزمه. إذا عرفت هذا فلما سبق قصة ثمود ذكر رسولين و رسولهم ثالثهم قال:

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ هذا كله إذا قلنا إن النذر جمع نذير بمعنى منذر، أما إذا قلنا إنها الإنذارات فنقول: قوم نوح و عاد لم تستمر المعجزات التي ظهرت في زمانهم، و أما ثمود فأنذروا و أخرج لهم ناقة من صخرة و كانت تدور بينهم و كذبوا فكان تكذيبهم بإنذارات و آيات ظاهرة فصرح بها، و قوله: فَقََالُوا أَ بَشَراً مِنََّا/وََاحِداً نَتَّبِعُهُ [القمر: 24]يؤيد الوجه الأول، لأن من يقول لا أتبع بشرا مثلي و جميع المرسلين من البشر يكون مكذبا للرسل و الباء في قوله بِالنُّذُرِ يؤيد الوجه الثاني لأنا بينا أن اللّه تعالى في تكذيب الرسل عدى التكذيب بغير حرف فقال: فَكَذَّبُوهُ* [الأعراف: 64]و كَذَّبُوا (.... ) رُسُلَنََا [غافر: 70] فَكَذَّبُوا عَبْدَنََا [القمر: 9] و كَذَّبُونِ [المؤمنون: 26]و قال: كَذَّبُوا بِآيََاتِ رَبِّهِمْ [الأنفال: 54]و بِآيََاتِنََا* [البقرة: 39]فعدى بحرف لأن التكذيب هو النسبة إلى الكذب و القائل هو الذي يكون كاذبا حقيقة و الكلام و القول يقال فيه كاذب مجازا و تعلق التكذيب بالقائل أظهر فيستغني عن الحرف بخلاف القول، و قد ذكرنا ذلك و بيناه بيانا شافيا.

و في قوله تعالى: فَقََالُوا أَ بَشَراً مِنََّا وََاحِداً نَتَّبِعُهُ مسائل:

المسألة الأولى: زيدا ضربته و زيد ضربته كلاهما جائز و النصب مختار في مواضع منها هذا الموضع و هو الذي يكون ما يرد عليه النصب و الرفع بعد حرف الاستفهام، و السبب في اختيار النصب أمر معقول و هو أن المستفهم يطلب من المسئول أن يجعل ما ذكره بعد حرف الاستفهام مبدأ لكلامه و يخبر عنه، فإذا قال: أزيد عندك معناه أخبرني عن زيد و اذكر لي حاله، فإذا انضم إلى هذه الحالة فعل مذكور ترجح جانب النصب فيجوز أن يقال: أ زيدا ضربته و إن لم يجب فالأحسن ذلك فإن قيل: من قرأ أ بشر منا واحدا نتبعه كيف ترك الأجود؟ نقول: نظرا إلى قوله تعالى: فَقََالُوا إذ ما بعد القول لا يكون إلا جملة و الاسمية أولى و الأولى أقوى و أظهر.

المسألة الثانية: إذا كان بشرا منصوبا بفعل، فما الحكمة في تأخر الفعل في الظاهر؟ نقول: قد تقدم مرارا أن البليغ يقدم في الكلام ما يكون تعلق غرضه به أكثر و هم كانوا يريدون تبيين كونهم محقين في ترك الاتباع فلو قالوا: أ نتبع بشرا يمكن أن يقال نعم اتبعوه و ماذا يمنعكم من اتباعه، فإذا قدموا حاله و قالوا هو نوعنا بشر و من صنفنا رجل ليس غريبا نعتقد فيه أنه يعلم ما لا نعلم أو يقدر ما لا نقدر و هو واحد وحيد و ليس له جند و حشم و خيل و خدم فكيف نتبعه، فيكونون قد قدموا الموجب لجواز الامتناع من الاتباع، و اعلم أن في هذه الآية إشارات إلى ذلك أحدها: نكروه حيث قالوا أَ بَشَراً و لم يقولوا: أ نتبع صالحا أو الرجل المدعي النبوة أو غير ذلك من المعرفات و التنكير تحقير ثانيها: قالوا أبشرا و لم يقولوا أ رجلا ثالثها: قالوا مِنََّا و هو يحمل أمرين أحدهما من صنفنا ليس غريبا، و ثانيهما مِنََّا أي تبعنا يقول القائل لغيره أنت منا فيتأذى السامع و يقول: لا بل أنت منا و لست أنا منكم، و تحقيقه أن من للتبعيض و البعض يتبع الكل لا الكل يتبع البعض رابعها: وََاحِداً

307

يحتمل أمرين أيضا أحدهما: وحيدا إلى ضعفه و ثانيهما: واحدا أي هو من الآحاد لا من الأكابر المشهورين، و تحقيق القول في استعمال الآحاد في الأصاغر حيث يقال: هو من آحاد الناس هو أن من لا يكون مشهودا بحسب و لا نسب إذا حدث عنه/من لا يعرفه فلا يمكن أن يقول عنه قال فلان أو ابن فلان فيقول قال واحد و فعل واحد فيكون ذلك غاية الخمول، لأن الأرذل لا ينضم إليه أحد فيبقى في أكثر أوقاته واحدا فيقال: للأرذال آحاد.

و قوله تعالى عنهم: إِنََّا إِذاً لَفِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ يحتمل وجهين أحدهما: أن يكونوا قد قالوا في جواب من يقول لهم إن لم تتبعوه تكونوا في ضلال، فيقولون له: لا بل إن تبعناه نكون في ضلال ثانيهما: أن يكون ذلك ترتيبا على ما مضى أي حاله ما ذكرنا من الضعف و الوحدة فإن اتبعناه نكون في ضلال و سعر أي جنون على هذا الوجه، فإن قلنا: إن ذلك قالوه على سبيل الجواب فيكون القائل قال لهم: إن لم تتبعوه فإنا إذا في الحال في ضلال و في سعر في العقبى فقالوا: لا بل لو اتبعناه فإنا إذا في الحال في ضلال و في سعر من الذل و العبودية مجازا فإنهم ما كانوا يعترفون بالسعير.

المسألة الثالثة: السعير في الآخرة واحد فكيف جمع؟نقول: الجواب عنه من وجوه أحدها: في جهنم دركات يحتمل أن تكون كل واحدة سعيرا أو فيها سعير ثانيها: لدوام العذاب عليهم فإنه كلما نضجت جلودهم يبدلهم جلودا كأنهم في كل زمان في سعير آخر و عذاب آخر ثالثها: لسعة السعير الواحد كأنها سعر يقال للرجل الواحد: فلان ليس برجل واحد بل هو رجال. ثم قال تعالى عنهم:

و قد تقدم أن النفي بطريق الاستفهام أبلغ لأن من قال: ما أنزل عليه الذكر ربما يعلم أو يظن أو يتوهم أن السامع يكذبه فيه فإذا ذكر بطريق الاستفهام يكون معناه أن السامع يجيبني بقوله: ما أنزل فيجعل الأمر حينئذ منفيا ظاهرا لا يخفى على أحد بل كل أحد يقول: ما أنزل، و الذكر الرسالة أو الكتاب إن كان و يحتمل أن يراد به ما يذكره من اللّه تعالى كما يقال الحق و يراد به ما يحل من اللّه و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قولهم أ ألقي بدل أ أنزل و فيه إشارة إلى ما كانوا ينكرونه من طريق المبالغة و ذلك لأن الإلقاء إنزال بسرعة و

النبي كان يقول: «جاءني الوحي مع الملك في لحظة يسيرة»

فكأنهم قالوا: الملك جسم و السماء بعيدة فكيف ينزل في لحظة فقالوا: أ ألقي و ما قالوا: أ أنزل، و قولهم عليه إنكار آخر كأنهم قالوا: ما ألقى ذكر أصلا، قالوا: إن ألقى فلا يكون عليه من بيننا و فينا من هو فوقه في الشرف و الذكاء، و قولهم أ ألقي بدل عن قولهم أ ألقي اللّه للإشارة إلى أن الإلقاء من السماء غير ممكن فضلا عن أن يكون من اللّه تعالى.

المسألة الثانية: عرفوا الذكر و لم يقولوا: أ ألقي عليه ذكر، و ذلك لأن اللّه تعالى حكى إنكارهم/لما لا ينبغي أن ينكر فقال: أنكروا الذكر الظاهر المبين الذي لا ينبغي أن ينكر فهو كقول القائل: أنكروا المعلوم.

المسألة الثالثة: (بل) يستدعي أمرا مضروبا عنه سابقا فما ذاك؟ نقول قولهم: أ ألقي للإنكار فهم قالوا:

ما أألقي، ثم إن قولهم: أ ألقي عليه الذكر لا يقتضي إلا أنه ليس بنبي، ثم قالوا: بل هو ليس بصادق.

المسألة الرابعة: اَلْكَذََّابُ فعال من فاعل للمبالغة أو يقال: بل من فاعل كخياط و تمار؟ نقول: الأول‏

308

هو الصحيح الأظهر على أن الثاني من باب الأولى لأن المنسوب إلى الشي‏ء لا بد له من أن يكثر من مزاولة الشي‏ء فإن من خاط يوما ثوبه مرة لا يقال له خياط، إذا عرفت هذا فنقول المبالغة إما في الكثرة، و إما في الشدة فالكذاب إما شديد الكذب يقول ما لا يقبله العقل أو كثير الكذب، و يحتمل أن يكونوا و صفوه به لاعتقادهم الأمرين فيه و قولهم: أَشِرٌ إشارة إلى أنه كذب لا لضرورة و حاجة إلى خلاص كما يكذب الضعيف، و إنما هو استغنى و بطر و طلب الرياسة عليكم و أراد اتباعكم له فكان كل وصف مانعا من الاتباع لأن الكاذب لا يلتفت إليه، و لا سيما إذا كان كذبه لا لضرورة، و قرئ: أشر (1) فقال المفسرون: هذا على الأصل المرفوض في الأشر و الأخير على وزن أفعل التفضيل، و إنما رفض الأصل فيه لأن أفعل إذا فسر قد يفسر بأفعل أيضا و الثاني بأفعل ثالث، مثاله إذا قال: ما معنى الأعلم؟يقال: هو الأكثر علما فإذا قيل: الأكثر ماذا؟فيقال: الأزيد عددا أو شي‏ء مثله فلا بد من أمر يفسر به الأفعل لا من بابه فقالوا: أفعل التفضيل و الفضيلة أصلها الخير و الخير أصل في باب أفعل فلا يقال: فيه أخير، ثم إن الشر في مقابلة الخير يفعل به ما يفعل بالخير فيقال هو شر من كذا و خير من كذا و الأشر في مقابلة الأخير، ثم إن خيرا يستعمل في موضعين: أحدهما: مبالغة الخير بفعل أو أفعل على اختلاف يقال: هذا خير و هذا أخير و يستعمل في مبالغة خير على المشابهة لا على الأصل فمن يقول: أشر يكون قد ترك الأصل المستعمل لأنه أخذ في الأصل المرفوض بمعنى هو شر من غيره و كذا معنى الأعلم أن علمه خير من علم غيره، أو هو خير من غرة الجهل كذلك القول في الأضعف و غيره. ثم قال تعالى:

فإن قال قائل: سيعلم للاستقبال و وقت إنزال القرآن على محمد صلى اللّه عليه و سلم كانوا قد علموا، لأن بعد الموت تتبين الأمور و قد عاينوا ما عاينوا فكيف القول فيه؟نقول: فيه وجهان أحدهما: أن يكون هذا القول مفروض الوقوع في وقت قولهم: بل هو كذاب أشر، فكأنه تعالى قال يوم قالوا: بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا و ثانيهما: أن هذا التهديد بالتعذيب لا بحصول العلم بالعذاب الأليم و هو عذاب جهنم لا عذاب القبر فهم سيعذبون يوم القيامة و هو مستقبل و قوله تعالى: غَداً لقرب الزمان في الإمكان و الأذهان/ثم إن قلنا: إن ذلك للتهديد بالتعذيب لا للتكذيب فلا حاجة إلى تفسيره بل يكون ذلك إعادة لقولهم من غير قصد إلى معناه، و إن قلنا: هو للرد و الوعد ببيان انكشاف الأمر فقوله تعالى: سَيَعْلَمُونَ غَداً معناه سيعلمون غدا أنهم الكاذبون الذين كذبوا لا لحاجة و ضرورة، بل بطروا و أشروا لما استغنوا، و قوله تعالى: غَداً يحتمل أن يكون المراد يوم القيامة، و يحتمل أن يكون المراد يوم العذاب و هذا على الوجه الأول. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: إِنََّا مُرْسِلُوا اَلنََّاقَةِ بمعنى الماضي أو بمعنى المستقبل، إن كان بمعنى الماضي فكيف يقول: فَارْتَقِبْهُمْ وَ اِصْطَبِرْ و إن كان بمعنى المستقبل فما الفرق بين حكاية عاد و حكاية ثمود حيث قال هناك: إِنََّا أَرْسَلْنََا [القمر: 19]و قال هاهنا: إِنََّا مُرْسِلُوا اَلنََّاقَةِ بمعنى إنا نرسل؟نقول: هو بمعنى

____________

(1) أشر بفتح الهمزة و الشين و تشديد الراء على زنة أفعل للتفضيل و المبالغة.

309

المستقبل، و ما قبله و هو قوله: سَيَعْلَمُونَ غَداً يدل عليه، فإن قوله: إِنََّا مُرْسِلُوا اَلنََّاقَةِ كالبيان له، كأنه قال سيعلمون حيث: نرسل الناقة و ما بعده من قوله: فَارْتَقِبْهُمْ وَ نَبِّئْهُمْ [القمر: 28]أيضا يقتضي ذلك، فإن قيل قوله تعالى: فَنََادَوْا [القمر: 29]دليل على أن المراد الماضي قلنا سنجيب عنه في موضعه، و أما الفارق فنقول: حكاية ثمود مستقصاة في هذا الموضع حيث ذكر تكذيب القوم بالنذر و قولهم لرسولهم و تصديق الرسل بقوله: سَيَعْلَمُونَ و ذكر المعجزة و هي الناقة و ما فعلوه بها و العذاب و الهلاك يذكر حكاية على وجه الماضي و المستقبل ليكون وصفه للنبي صلى اللّه عليه و سلم كأنه حاضرها فيقتدي بصالح في الصبر و الدعاء إلى الحق و يثق بربه في النصر على الأعداء بالحق فقال: إني مؤيدك بالمعجزة القاطعة، و اعلم أن اللّه تعالى ذكر في هذه السورة خمس قصص، و جعل القصة المتوسطة مذكورة على أتم وجه لأن حال صالح كان أكثر مشابهة بحال محمد صلى اللّه عليه و سلم، لأنه أتى بأمر عجيب أرضى كان أعجب مما جاء به الأنبياء، لأن عيسى عليه السلام أحيا الميت لكن الميت كان محلا للحياة فأثبت بإذن اللّه الحياة في محل كان قابلا لها، و موسى عليه السلام انقلبت عصاه ثعبانا فأثبت اللّه له في الخشبة الحياة لكن الخشبة نبات كان له قوة في النماء يشبه الحيوان في النمو فهو أعجب، و صالح عليه السلام كان الظاهر في يده خروج الناقة من الحجر و الحجر جماد لا محل للحياة و لا محل للنمو [فيه‏]و النبي صلى اللّه عليه و سلم أتى بأعجب من الكل و هو التصرف في جرم السماء الذي يقول المشرك لا وصول لأحد إلى السماء و لا إمكان لشقه و خرقه، و أما الأرضيات فقالوا: إنها أجسام مشتركة المواد يقبل كل واحد منها صورة الأخرى، و السموات لا تقبل ذلك فلما أتى بما عرفوا فيه أنه لا يقدر على مثله آدمي كان أتم و أبلغ من معجزة صالح عليه السلام التي هي أتم معجزة من معجزات من كان من الأنبياء غير محمد صلى اللّه عليه و سلم و فيه لطيفة و هو أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى/الماضي. و ذكر معه مفعوله فالواجب الإضافة تقول: وحشي قاتل عم النبي صلى اللّه عليه و سلم. فإن قلنا: قاتل عم النبي بالإعمال فلا بد من تقدير الحكاية في الحال كما في قوله تعالى: وَ كَلْبُهُمْ بََاسِطٌ ذِرََاعَيْهِ [الكهف: 18]على أنه يحكي القصة في حال وقوعها تقول: خرجت أمس فإذا زيد ضارب عمرا كما تقول:

يضرب عمرا، و إن كان الضرب قد مضى، و إذا كان بمعنى المستقبل فالأحسن الإعمال تقول: إني ضارب عمرا غدا، فإن قلت إني ضارب عمرو غدا حيث كان الأمر وقع و كان جاز لكنه غير الأحسن، و التحقيق فيه أن قولنا:

ضارب و سارق و قاتل أسماء في الحقيقة غير أن لها دلالة على الفعل فإذا كان الفعل تحقق في الماضي فهو قد عدم حقيقة فلا وجود للفعل في الحقيقة و لا في التوقع فيجب الحمل على ما للاسم من الإضافة و ترك ما للفعل من الأعمال لغلبة الاسمية و فقدان الفعل بالماضي، و إذا كان الفعل حاضرا أو متوقعا في الاستقبال فله وجود حقيقة أو في التوقع فتجوز الإضافة لصورة الاسم، و الإعمال لتوقع الفعل أو لوجوده و لكن الإعمال أولى لأن في الاستقبال لن يضرب يفيد لا يكون ضاربا فلا ينبغي أن يضاف، أما الإعمال فهو ينبئ عن توقع الفعل أو وجوده، لأنه إذا قال: زيد ضارب عمرا فالسامع إذا سمع بضرب عمرو علم أنه يفعل فإذا لم يره في الحال يتوقعه في الاستقبال غير أن الإضافة تفيد تخفيفا حيث سقط بها التنوين و النون فتختار لفظا لا معنى، إذا عرفت هذا فنقول: مُرْسِلُوا اَلنََّاقَةِ مع ما فيه من التخفيف فيه تحقيق الأمر و تقديره كأنه وقع و كان بخلاف ما لو قيل:

إنا نرسل الناقة.

المسألة الثانية: فِتْنَةً مفعول له فتكون الفتنة هي المقصودة من الإرسال لكن المقصود منه تصديق

310

النبي صلى اللّه عليه و سلم، و هو صالح عليه السلام لأنه معجزة فما التحقيق في تفسيره؟نقول: فيه وجهان أحدهما: أن المعجزة فتنة لأن بها يتميز حال من يثاب ممن يعذب، لأن اللّه تعالى بالمعجزة لا يعذب الكفار إلا إذا كان ينبئهم بصدقه من حيث نبوته فالمعجزة ابتلاء لأنها تصديق و بعد التصديق يتميز المصدق عن المكذب و ثانيهما: و هو أدق أن إخراج الناقة من الصخرة كان معجزة و إرسالها إليهم و دورانها فيما بينهم و قسمة الماء كان فتنة و لهذا قال: إِنََّا مُرْسِلُوا اَلنََّاقَةِ فِتْنَةً و لم يقل: إنا مخرجو الناقة فتنة، و التحقيق في الفتنة و الابتلاء و الامتحان قد تقدم مرارا و إليه إشارة خفية و هي أن اللّه تعالى يهدي من يشاء و للهداية طرق، منها ما يكون على وجه يكون للإنسان مدخل فيه بالكسب، مثاله يخلق شيئا دالا و يقع تفكر الإنسان فيه و نظره إليه على وجه يترجح عنده الحق فيتبعه و تارة يلجئه إليه ابتداء و يصونه عن الخطأ من صغره فإظهار المعجز على يد الرسول أمر يهدي به من يشاء اهتداء مع الكسب و هداية الأنبياء من غير كسب منهم بل يخلق فيهم علوما غير كسبية فقوله: إِنََّا مُرْسِلُوا اَلنََّاقَةِ فِتْنَةً إشارة إليهم، و لهذا قال لهم: و معناه على وجه يصلح لأن يكون فتنة و على هذا كل من كانت معجزته أظهر يكون ثواب قومه أقل، و قوله تعالى: فَارْتَقِبْهُمْ أي فارتقبهم بالعذاب، و لم يقل: فارتقب العذاب إشارة إلى حسن الأدب و الاجتناب عن طلب الشر و قوله تعالى: / وَ اِصْطَبِرْ يؤيد ذلك بمعنى إن كانوا يؤذونك فلا تستعجل لهم العذاب، و يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى قرب الوقت إلى أمرهما و الأمر بحيث يعجز عن الصبر. ثم قال تعالى:

أي مقسوم وصف بالمصدر مرادا به المشتق منه كقوله ماء ملح و قوله زور و فيه ضرب من المبالغة يقال للكريم: كرم كأنه هو عين الكرم و يقال: فلان لطف محض، و يحتمل أن تكون القسمة وقعت بينهما لأن الناقة كانت عظيمة و كانت حيوانات القوم تنفر منها و لا ترد الماء و هي على الماء، فصعب عليهم ذلك فجعل الماء بينهما يوما للناقة و يوما للقوم، و يحتمل أن تكون لقلة الماء فشربه يوما للناقة و يوما للحيوانات، و يحتمل أن يكون الماء كان بينهم قسمة يوم لقوم و يوم لقوم و لما خلق اللّه الناقة كانت ترد الماء يوم فكان الذين لهم الماء في غير يوم ورودها يقولون: الماء كله لنا في هذا اليوم و يومكم كان أمس و الناقة ما أخرت شيئا فلا نمكنكم من الورود أيضا في هذا اليوم فيكون النقصان واردا على الكل و كانت الناقة تشرب الماء بأسره و هذا أيضا ظاهر و منقول و المشهور هنا الوجه الأوسط، و نقول: إن قوما كانوا يكتفون بلبنها يوم ورودها الماء و الكل ممكن و لم يرد في شي‏ء خبر متواتر و الثالث: قطع و هو من القسمة لأنها مثبتة بكتاب اللّه تعالى أما كيفية القسمة و السبب فلا و قوله تعالى: كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ مما يؤيد الوجه الثالث أي كل شرب محتضر للقوم بأسرهم لأنه لو كان ذلك لبيان كون الشرب محتضرا للقوم أو الناقة فهو معلوم لأن الماء ما كان يترك من غير حضور و إن كان لبيان أنه تحضره الناقة يوما و القوم يوما فلا دلالة في اللفظ عليه، و أما إذا كانت العادة قبل الناقة على أن يرد الماء قوم في يوم و آخرون في يوم آخر، ثم لما خلقت الناقة كانت تنقص شرب البعض و تترك شرب الباقين من غير نقصان، فقال: كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ كم أيها القوم فردوا كل يوم الماء و كل شرب ناقص تقاسموه و كل شرب كامل تقاسموه.

311

ثم قال تعالى: فَنََادَوْا صََاحِبَهُمْ نداء المستغيث كأنهم قالوا: يا لقدار للقوم، كما يقول القائل: باللّه للمسلمين و صاحبهم قدار و كان أشجع و أهجم على الأمور و يحتمل أن يكون رئيسهم.

و قوله تعالى: فَتَعََاطى‏ََ فَعَقَرَ يحتمل وجوها الأول: تعاطى آلة العقر فعقر الثاني: تعاطى الناقة فعقرها و هو أضعف الثالث: التعاطي يطلق و يراد به الإقدام على الفعل العظيم و التحقيق هو أن الفعل العظيم يقدم كل أحد فيه صاحبه و يبرئ نفسه منه فمن يقبله و يقدم عليه يقال: تعاطاه كأنه كان فيه تدافع فأخذه هو بعد التدافع أن القوم جعلوا له على عمله جعلا فتعاطاه و عقر الناقة. /ثم قال تعالى:

و قد تقدم بيانه و تفسيره غير أن هذه الآية ذكرها في ثلاثة مواضع ذكرها في حكاية نوح بعد بيان العذاب، و ذكرها هاهنا قبل بيان العذاب، و ذكرها في حكاية عاد قبل بيانه و بعد بيانه، فحيث ذكر قبل بيان العذاب ذكرها للبيان كما تقول: ضربت فلانا أي ضرب و أيما ضرب، و تقول: ضربته و كيف ضربته أي قويا، و في حكاية عاد ذكرها مرتين للبيان و الاستفهام و قد ذكرنا السبب فيه، ففي حكاية نوح ذكر الذي للتعظيم و في حكاية ثمود ذكر الذي للبيان لأن عذاب قوم نوح كان بأمر عظيم عام و هو الطوفان الذي عم العالم و لا كذلك عذاب قوم هود فإنه كان مختصا بهم. ثم قال تعالى:

سمعوا صيحة فماتوا و فيه مسائل:

المسألة الأولى: كان في قوله: فَكََانُوا من أي الأقسام؟ نقول: قال النحاة تجي‏ء تارة بمعنى صار و تمسكوا بقول القائل:

بتيماء قفر و المطي كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها

بمعنى صارت فقال بعض المفسرين: في هذا موضع إنها بمعنى صار، و التحقيق أن كان لا تخالف غيرها من الأفعال الماضية اللازمة التي لا تتعدى و الذي يقال إن كان تامة و ناقصة و زائدة و بمعنى صار فليس ذلك يوجب اختلاف أحوالها اختلافا يفارق غيرها من الأفعال و ذلك لأن كان بمعنى وجد أو حصل أو تحقق غير أن الذي وجد تارة يكون حقيقة الشي‏ء و أخرى صفة من صفاته فإذا قلت: كانت الكائنة و كن فيكون جعلت الوجود و الحصول للشي‏ء في نفسه فكأنك قلت: وجدت الحقيقة الكائنة و كن أي احصل فيوجد في نفسه و إذا قلت:

كان زيد عالما أي وجد علم زيد، غير أنا نقول في وجد زيد عالما إن عالما حال، و في كان زيد عالما نقول: إنه خبر كقولنا حصل زيد عالما غير أن قولنا وجد زيد عالما ربما يفهم منه أن الوجود و الحصول لزيد في تلك الحال كما تقول قام زيد منتحيا حيث يكون القيامة لزيد في تلك الحال، و قولنا: كان زيد عالما ليس معناه كان زيد و في تلك الحال هو عالم لكن هذا لا يوجب أن كان على خلاف غيره من الأفعال اللازمة التي لها بالحال‏

312

تعلق شديد، لأن من يفهم من قولنا حصل زيد اليوم على أحسن حال ما نفهمه من قولنا خرج زيد اليوم في أحسن زي لا يمنعه مانع من أن يفهم من قولنا: كان زيد على أحسن حال مثل ما فهم هناك، إذا عرفت هذا فنقول: الفعل الماضي يطلق تارة على ما يوجد في الزمان المتصل/بالحاضر، كقولنا: قام زيد في صباه، و يطلق تارة على ما يوجد في الزمان الحاضر كقولنا قام زيد فقم و قم فإن زيدا قام، و كذلك القول في كان ربما يقال كان زيد قائما عام كذا و ربما يقال كان زيد قائما الآن كما في قام زيد فقوله تعالى: فَكََانُوا فيه استعمال الماضي فيما اتصل بالحال فهو كقولك أرسل عليهم صيحة فماتوا أي متصلا بتلك الحال، نعم لو استعمل في هذا الموضع صار يجوز لكن كان و صار كل واحد بمعنى في نفسه و ليس و إنما يلزم حمل كان على صار إذا لم يمكن أن يقال هو كذا كما في البيت حيث لا يمكن أن يقال: البيوض فراخ، و أما هنا يمكن أن يقال هم كهشيم و لو لا الكاف لأمكن أن يقال: يجب حمل كان على صار إذا كان المراد أنهم انقلبوا هشيما كما يقلب الممسوخ و ليس المراد ذلك.

المسألة الثانية: ما الهشيم؟ نقول هو المهشوم أي المكسور و سمي هاشم هاشما لهشمه الثريد في الجفان غير أن الهشيم استعمل كثيرا في الحطب المتكسر اليابس، فقال المفسرون: كانوا كالحشيش الذي يخرج من الحظائر بعد البلا بتفتت، و استدلوا عليه بقوله تعالى: هَشِيماً تَذْرُوهُ اَلرِّيََاحُ [الكهف: 54]و هو من باب إقامة الصفة مقام الموصوف كما يقال: رأيت جريحا و مثله السعير.

المسألة الثالثة: لما ذا شبههم به؟ قلنا: يحتمل أن يكون التشبيه بكونهم يابسين كالحشيش بين الموتى الذين ماتوا من زمان و كأنه يقول: سمعوا الصيحة فكانوا كأنهم ماتوا من أيام، و يحتمل أن يكون لأنهم انضموا بعضهم إلى بعض كما ينضم الرفقاء عند الخوف داخلين بعضهم في بعض فاجتمعوا بعضهم فوق بعض كحطب الحاطب الذي يصفه شيئا فوق شي‏ء منتظرا حضور من يشتري منه شيئا فإن الحطاب الذي عنده الحطب الكثير يجعل منه كالحظيرة، و يحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم في الجحيم أي كانوا كالحطب اليابس الذي للوقيد فهو محقق لقوله تعالى: إِنَّكُمْ وَ مََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 98]و قوله تعالى: فَكََانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: 15]و قوله: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نََاراً [نوح: 25]كذلك ماتوا فصاروا كالحطب الذي لا يكون إلا للإحراق لأن الهشيم لا يصلح للبناء. ثم قال تعالى:

و التكرار للتذكار. ثم بين حال قوم آخرون و هم قوم لوط فقال:

ثم بين عذابهم و إهلاكهم، فقال:

و فيه مسائل:

الأولى: الحاصب فاعل من حصب إذا رمى الحصباء و هي اسم الحجارة و المرسل عليهم/هو نفس‏

313

الحجارة قال اللّه تعالى: وَ أَمْطَرْنََا عَلَيْهِمْ حِجََارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [الحجر: 74]و قال تعالى عن الملائكة:

لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجََارَةً مِنْ طِينٍ [الذاريات: 33]فالمرسل عليهم ليس بحاصب فكيف الجواب عنه؟نقول:

الجواب من وجوه الأول: أرسلنا عليهم ريحا حاصبا بالحجارة التي هي الحصباء و كثر استعمال الحاصب في الريح الشديدة فأقام الصفة مقام الموصوف، فإن قيل: هذا ضعيف من حيث اللفظ و المعنى، أما اللفظ فلأن الريح مؤنثة قال تعالى: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عََاتِيَةٍ [الحاقة: 6]، بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس: 22]و قال تعالى:

فَسَخَّرْنََا لَهُ اَلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ [ص: 36]و قال تعالى: غُدُوُّهََا شَهْرٌ [سبأ: 12]و قال تعالى في:

[وَ أَرْسَلْنَا]اَلرِّيََاحَ لَوََاقِحَ [الحجر: 22]و ما قال لقاحا و لا لقحة، و أما المعنى فلأن اللّه تعالى بين أنه أرسل عليهم حجارة من سجيل مسومة عليها علامة كل واحد و هي لا تسمى حصباء، و كان ذلك بأيدي الملائكة لا بالريح، نقول: تأنيث الريح ليس حقيقة و لها أصناف الغالب فيها التذكير كالإعصار، قال تعالى: فَأَصََابَهََا إِعْصََارٌ فِيهِ نََارٌ [البقرة: 266]فلما كان حاصب حجارة كان كالذي فيه نار، و أما قوله: كان الرمي بالسجيل لا بالحصباء، و بأيدي الملائكة لا بالريح، فنقول: كل ريح يرمي بحجارة يسمى حاصبا، و كيف لا و السحاب الذي يأتي بالبرد يسمى حاصبا تشبيها للبرد بالحصباء، فكيف لا يقال في السجيل. و أما الملائكة فإنهم حركوا الريح و هي حصبت الحجارة عليهم الجواب الثاني: المراد عذاب حاصب و هذا أقرب لتناوله الملك و الحساب و الريح و كل ما يفرض الجواب الثالث: قوله: حََاصِباً هو أقرب من الكل لأن قوله: إِنََّا أَرْسَلْنََا يدل على مرسل هو مرسل الحجارة و حاصبها، فإن قيل: كان ينبغي أن يقول حاصبين، نقول لما لم يذكر الموصوف رجح جانب اللفظ كأنه قال شيئا حاصبا إذ المقصود بيان جنس العذاب لا بيان من على يده العذاب، و هذا وارد على من قال: الريح مؤنث لأن ترك التأنيث هناك كترك علامة الجمع هنا.

المسألة الثانية: ما رتب الإرسال على التكذيب بالفاء فلم يقل: كذبت قوم لوط بالنذر فأرسلنا كما قال:

فَفَتَحْنََا أَبْوََابَ اَلسَّمََاءِ [القمر: 11]لأن الحكاية مسوقة على مساق ما تقدم من الحكايات، فكأنه قال:

فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ* [القمر: 30]كما قال من قبل ثم قيل: لا علم لنا به و إنما أنت العليم فأخبرنا، فقال:

إِنََّا أَرْسَلْنََا .

المسألة الثالثة: ما الحكمة في ترك العذاب حيث لم يقل: فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي* كما قال في الحكايات الثلاث، نقول: لأن التكرار ثلاث مرات بالغ، و لهذا

قال صلى اللّه عليه و سلم: «ألا هل بلغت ثلاثا»

و

قال: «فنكاحها باطل باطل باطل»

و الإذكار تكرر ثلاث مرات فبثلاث مرار حصل التأكيد و قد بينا أنه تعالى ذكر: فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي* في حكاية نوح للتعظيم و في حكاية ثمود للبيان و في حكاية عاد أعادها مرتين للتعظيم و البيان جميعا و اعلم أنه تعالى ذكر: فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي* في ثلاث حكايات أربع مرات فالمرة الواحدة للإنذار، و المرات الثلاث للإذكار، لأن المقصود حصل بالمرة الواحدة، و قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ* [الرحمن: 13]ذكره مرة للبيان و أعادها ثلاثين مرة غير المرة الأولى كما أعاد: فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ* ثلاث مرات غير المرة /الأولى فكان ذكر الآلاء عشرة أمثال ذكر العذاب إشارة إلى الرحمة التي قال في بيانها مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا وَ مَنْ جََاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاََ يُجْزى‏ََ إِلاََّ مِثْلَهََا [الأنعام: 160]و سنبين ذلك في سورة: الرحمن.

المسألة الرابعة: إِلاََّ آلَ لُوطٍ استثناء مما ذا؟ إن كان من الذين قال فيهم: إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ حََاصِباً

314

فالضمير في عليهم عائد إلى قوم لوط و هم الذين قال فيهم: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ثم قال: إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ لكن لم يستثن عند قوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ و آله من قومه فيكون آله قد كذبوا و لم يكن كذلك؟الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن الاستثناء ممن عاد إليهم الضمير في عليهم و هم القوم بأسرهم غير أن قوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ لا يوجب كون آله مكذبين، لأن قول القائل: عصى أهل بلدة كذا يصح و إن كان فيها شرذمة قليلة يطيعون فكيف إذا كان فيهم واحد أو اثنان من المطيعين لا غير، فإن قيل: ماله حاجة إلى الاستثناء لأن قوله:

إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ يصح و إن نجا منهم طائفة يسيرة نقول: الفائدة لما كانت لا تحصل إلا ببيان إهلاك من كذب و إنجاء من آمن فكان ذكر الإنجاء مقصودا، و حيث يكون القليل من الجمع الكثير مقصودا لا يجوز التعميم و الإطلاق من غير بيان حال ذلك المقصود بالاستثناء أو بكلام منفصل مثاله: فَسَجَدَ اَلْمَلاََئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* `إِلاََّ إِبْلِيسَ* [الحجر: 30، 31]استثنى الواحد لأنه كان مقصودا، و قال تعالى: وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ [النمل: 23]و لم يستثن إذ المقصود بيان أنها أوتيت، لا بيان أنها ما أوتيت، و في حكاية إبليس كلاهما مراد ليعلم أن من تكبر على آدم عوقب و من تواضع أثيب كذلك القول هاهنا، و أما عند التكذيب فكأن المقصود ذكر المكذبين فلم يستثن الجواب الثاني: أن الاستثناء من كلام مدلول عليه، كأنه قال: إنا أرسلنا عليهم حاصبا فما أنجينا من الحاصب إلا آل لوط، و جاز أن يكون الإرسال عليهم و الإهلاك يكون عاما كما في قوله تعالى:

وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25]فكان الحاصب أهلك من كان الإرسال عليه مقصودا و من لم يكن كذلك كأطفالهم و دوابهم و مساكنهم فما نجا منهم أحد إلا آل لوط. فإن قيل إذا لم يكن الاستثناء من قوم لوط بل كان من أمر عام فيجب أن يكون لوط أيضا مستثنى؟نقول: هو مستثنى عقلا لأن من المعلوم أنه لا يجوز تركه و إنجاء أتباعه و الذي يدل عليه أنه مستثنى قوله تعالى عن الملائكة: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهََا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ [العنكبوت: 32]في جوابهم لإبراهيم عليه السلام حيث قال: إِنَّ فِيهََا لُوطاً [العنكبوت: 32]فإن قيل قوله في سورة الحجر: إِلاََّ آلَ لُوطٍ إِنََّا لَمُنَجُّوهُمْ [الحجر: 59]استثناء من المجرمين و آل لوط لم يكونوا مجرمين فكيف استثنى منهم؟و الجواب مثل ما ذكرنا فأحد الجوابين إنا أرسلنا إلى قوم يصدق عليهم إنهم مجرمون و إن كان فيهم من لم يجرم ثانيهما: إلى قوم مجرمين بإهلاك يعم الكل إلا آل لوط، و قوله تعالى: نَجَّيْنََاهُمْ بِسَحَرٍ كلام مستأنف لبيان وقت الإنجاء أو لبيان كيفية الاستثناء لأن آل لوط كان يمكن أن يكونوا فيهم و لا يصيبهم الحاصب كما في عاد كانت الريح تقلع الكافر و لا يصيب المؤمن منها مكروه أو يجعل لهم مدفعا كما في قوم نوح، فقال: نَجَّيْنََاهُمْ بِسَحَرٍ أي أمرناهم بالخروج من القرية في آخر الليل و السحر قبيل الصبح و قيل هو السدس الأخير من الليل. /ثم قال تعالى:

أي ذلك الإنجاء كان فضلا منا كما أن ذلك الإهلاك كان عدلا و لو أهلكوا لكان ذلك عدلا، قال تعالى:

وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25]قال الحكماء العضو الفاسد يقطع و لا بد أن يقطع معه جزء من الصحيح ليحصل استئصال الفساد، غير أن اللّه تعالى قادر على التمييز التام فهو مختار إن شاء أهلك من آمن و كذب، ثم يثبت الذين أهلكهم من المصدقين في دار الجزاء و إن شاء أهلك من كذب، فقال:

نعمة من عندنا إشارة إلى ذلك و في نصبها وجهان أحدهما: أنه مفعول له كأنه قال: نجيناهم نعمة منا ثانيهما