التفسير الكبير - ج30

- الفخر الرازي‏ المزيد...
782 /
537

الجزء الثلاثون‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

سورة الجمعة

و هي إحدى عشرة آية مدنية

وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أنه تعالى قال في أول تلك السورة: سَبَّحَ لِلََّهِ [الصف: 1]بلفظ الماضي و ذلك لا يدل على التسبيح في المستقل، فقال في أول هذه السورة بلفظ المستقبل ليدل على التسبيح في زماني الحاضر و المستقبل، و أما تعلق الأول بالآخر، فلأنه تعالى ذكر في آخر تلك السورة أنه كان يؤيد أهل الإيمان حتى صاروا عالين على الكفار، و ذلك على وفق الحكمة لا للحاجة إليه إذ هو غني على الإطلاق، و منزه عما يخطر ببال الجهلة في الآفاق، و في أول هذه السورة ما يدل على كونه مقدسا و منزها عما لا يليق بحضرته العالية بالاتفاق، ثم إذا كان خلق السموات و الأرض بأجمعهم في تسبيح حضرة اللََّه تعالى فله الملك، كما قال تعالى: يُسَبِّحُ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ لَهُ اَلْمُلْكُ [التغابن: 1]و لا ملك أعظم من هذا، و هو أنه خالقهم و مالكهم و كلهم في قبضة قدرته و تحت تصرفه، يسبحون له آناء الليل و أطراف النهار بل في سائر الأزمان، كما مر في أول تلك السورة، و لما كان الملك كله له فهو الملك على الإطلاق، و لما كان الكل بخلقه فهو المالك، و المالك و الملك أشرف من المملوك، فيكون متصفا بصفات يحصل منها الشرف، فلا مجال لما ينافيه من الصفات فيكون قدوسا، فلفظ اَلْمَلِكِ إشارة إلى إثبات ما يكون من الصفات العالية، و لفظ اَلْقُدُّوسِ هو إشارة إلى نفي مالا يكون منها، و عن الغزالي اَلْقُدُّوسِ المنزه عما يخطر ببال أوليائه، و قد مر تفسيره و كذلك اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ ثم الصفات المذكورة قرئت بالرفع على المدح، أي هو الملك القدوس، و لو قرئت بالنصب لكان وجها، كقول العرب: الحمد للََّه أهل الحمد، كذا ذكره في «الكشاف» ، ثم في الآية مباحث:

الأول: قال تعالى: يُسَبِّحُ لِلََّهِ و لم يقل: يسبح اللََّه، فما الفائدة؟ نقول: هذا من جملة ما يجري فيه اللفظان: كشكره و شكر له، و نصحه و نصح له.

الثاني: اَلْقُدُّوسِ من الصفات السلبية، و قيل: معناه المبارك.

الثالث: لفظ اَلْحَكِيمِ يطلق على الغير أيضا، كما قيل في لقمان: إنه حكيم، نقول: الحكيم عند أهل التحقيق هو الذي يضع الأشياء[في‏]مواضعها، و اللََّه تعالى حكيم بهذا المعنى.

ثم إنه تعالى بعد ما فرغ من التوحيد و التنزيه شرع في النبوة فقال:

538

الأمي منسوب إلى أمة العرب، لما أنهم أمة أميون لا كتاب لهم، و لا يقرءون كتابا و لا يكتبون. و قال ابن عباس: يريد الذين ليس لهم كتاب و لا نبي بعث فيهم، و قيل: الأميون الذين هم على ما خلقوا عليه و قد مر بيانه، و قرئ الأمين بحذف ياء النسب، كما قال تعالى: رَسُولاً مِنْهُمْ [المؤمنون: 32]يعني محمدا صلى اللّه عليه و سلم نسبه من نسبهم، و هو من جنسهم، كما قال تعالى: لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: 128]قال أهل المعاني: و كان هو صلى اللّه عليه و سلم أيضا أميا مثل الأمة التي بعث فيهم، و كانت البشارة به في الكتب قد تقدمت بأنه النبي الأمي، و كونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة، فكانت حاله مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم، و ذلك أقرب إلى صدقة.

و قوله تعالى: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيََاتِهِ أي بيناته التي تبين رسالته و تظهر نبوته، و لا يبعد أن تكون الآيات هي الآيات التي تظهر منها الأحكام الشرعية، و التي يتميز بها الحق من الباطل وَ يُزَكِّيهِمْ أي يطهر هم من خبث الشرك، و خبث ما عداه من الأقوال و الأفعال، و عند البعض يُزَكِّيهِمْ أي يصلحهم، يعني يدعوهم إلى ابتاع ما يصيرون به أزكياء أتقياء وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ و الكتاب: ما يتلى من الآيات، و الحكمة: هي الفرائض، و قيل: اَلْحِكْمَةَ السنة، لأنه كان يتلو عليهم آياته و يعلمهم سننه، و قيل: اَلْكِتََابَ الآيات نصا، و الحكمة ما أودع فيها من المعاني، و لا يبعد أن يقال: الكتاب آيات القرآن و الحكمة وجه التمسك بها، و قوله تعالى:

وَ إِنْ كََانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ ظاهر لأنهم كانوا عبدة الأصنام و كانوا في ضلال مبين و هو الشرك، فدعاهم الرسول صلى اللّه عليه و سلم إلى التوحيد و الإعراض عما كانوا فيه، و في هذه الآية مباحث:

أحدها: احتجاج أهل الكتاب بها قالوا قوله: بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يدل على أنه عليه السلام كان رسولا إلى الأميين و هم العرب خاصة، غير أنه ضعيف فإنه لا يلزم من تخصيص الشي‏ء بالذكر نفي ما عداه، ألا ترى إلى قوله تعالى: وَ لاََ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: 48]أنه لا يفهم منه أنه/يخطه بشماله، و لأنه لو كان رسولا إلى العرب خاصة كان قوله تعالى: كَافَّةً لِلنََّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً [سبإ: 28]لا يناسب ذلك، و لا مجال لهذا لما اتفقوا على ذلك، و هو صدق الرسالة المخصوصة، فيكون قوله تعالى: كَافَّةً لِلنََّاسِ دليلا على أنه عليه الصلاة و السلام كان رسولا إلى الكل.

ثم قال تعالى:

وَ آخَرِينَ عطف على الأميين. يعني بعث في آخرين منهم، قال المفسرون: هم الأعاجم يعنون بهم غير العرب أي طائفة كانت قاله ابن عباس و جماعة، و قال مقاتل: يعني التابعين من هذه الأمة الذين لم يلحقوا بأوائلهم، و في الجملة معنى جميع الأقوال فيه كل من دخل في الإسلام بعد النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى يوم القيامة فالمراد

539

بالأميين العرب. و بالآخرين سواهم من الأمم، و قوله: وَ آخَرِينَ مجرور لأنه عطف على المجرور يعني الأميين، و يجوز أن ينتصب عطفا على المنصوب في وَ يُعَلِّمُهُمُ [الجمعة: 2]أي و يعلمهم و يعلم آخرين منهم، أي من الأميين و جعلهم منهم، لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم، فالمسلمون كلهم أمة واحدة و إن اختلف أجناسهم، قال تعالى: وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ [التوبة: 71]و أما من لم يؤمن بالنبي صلى اللّه عليه و سلم و لم يدخل في دينه فإنهم كانوا بمعزل عن المراد بقوله: وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ و إن كان النبي مبعوثا إليهم بالدعوة فإنه تعالى قال في الآية الأولى: وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ [الجمعة: 2]و غير المؤمنين ليس من جملة من يعلمه الكتاب و الحكمة وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ من حيث جعل في كل واحد من البشر أثر الذل له و الفقر إليه، و الحكيم حيث جعل في كل مخلوق ما يشهد بوحدانيته، }قوله تعالى: ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ قال ابن عباس: يريد حيث ألحق العجم و أبناءهم بقريش، يعني إذا آمنوا ألحقوا في درجة الفضل بمن شاهد الرسول عليه السلام، و شاركوهم في ذلك، و قال مقاتل: ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يعني الإسلام يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ و قال مقاتل بن حيان: يعني النبوة فضل اللََّه يؤتيه من يشاء، فاختص بها محمدا صلى اللّه عليه و سلم. و اللََّه ذو المن العظيم على جميع خلقه في الدنيا بتعليم الكتاب و الحكمة كما مر، و في الآخرة بتفخيم الجزاء على الأعمال.

ثم إنه تعالى ضرب لليهود الذين أعرضوا عن العمل بالتوراة، و الإيمان بالنبي صلى اللََّه عليه و سلم مثلا فقال:

اعلم أنه تعالى لما أثبت التوحيد و النبوة، و بين في النبوة أنه عليه السلام بعث إلى الأميين و اليهود لما أوردوا تلك الشبهة، و هي أنه عليه السلام بعث إلى العرب خاصة، و لم يبعث إليهم بمفهوم الآية أتبعه اللََّه تعالى بضرب المثل للذين أعرضوا عن العمل بالتوراة، و الإيمان بالنبي عليه السلام، و المقصود منه أنهم لما لم يعملوا بما في التوراة شبهوا بالحمار، لأنهم لو عملوا بمقتضاها لانتفعوا بها، و لم يوردوا تلك الشبهة، و ذلك لأن فيها نعت الرسول عليه السلام، و البشارة بمقدمه، و الدخول في دينه، و قوله: حُمِّلُوا اَلتَّوْرََاةَ أي حملوا العمل بما فيها، و كلفوا القيام بها، و حملوا و قرئ: بالتخفيف و التثقيل، و قال صاحب «النظم» : ليس هو من الحمل على الظهر، و إنما هو من الحمالة بمعنى الكفالة و الضمان، و منه قيل للكفيل: الحميل، و المعنى: ضمنوا أحكام التوراة ثم لم يضمنوها و لم يعملوا بما فيها. قال الأصمعي: الحميل، الكفيل، و قال الكسائي: حملت له حمالة. أي كفلت به، و الأسفار جمع سفر و هو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ، و نظيره شبر و أشبار، شبه اليهود إذا لم ينتفعوا بما في التوراة، و هي دالة على الإيمان بمحمد صلى اللََّه عليه و سلم بالحمار الذي يحمل الكتب العلمية و لا يدري ما فيها. و قال أهل المعاني: هذا المثل مثل من يفهم معاني القرآن و لم يعمل به، و أعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه، و لهذا قال ميمون بن مهران: يا أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم‏ (1) ثم تلا هذه

____________

(1) معنى اتباع القرآن لهم إذا أهملوا العمل به عاقبهم اللََّه على تضيع أحكامه و عدم الامتثال بأوامره و إسناد الاتباع إلى القرآن مجاز.

540

الآية، و قوله تعالى: لَمْ يَحْمِلُوهََا أي لم يؤدوا حقها و لم يحملوها حق حملها على ما بيناه، فشبههم و التوراة في أيديهم و هم لا يعملون بها بحمار يحمل كتبا، و ليس له من ذلك إلا ثقل الحمل من غير انتفاع مما يحمله، كذلك اليهود ليس لهم من كتابهم إلا وبال الحجة عليهم، ثم ذم المثل، و المراد منه ذمهم فقال: بِئْسَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ أي بئس القوم مثلا الذين كذبوا، كما قال: سََاءَ مَثَلاً اَلْقَوْمُ [الأعراف: 177] و موضع الذين رفع، و يجوز أن يكون جرا، و بالجملة لما بلغ كذبهم مبلغا و هم أنهم كذبوا على اللََّه تعالى كان في غاية الشر و الفساد، فلهذا قال: بِئْسَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ و المراد بالآيات هاهنا الآيات الدالة على صحة نبوة محمد صلى اللََّه عليه و سلم، و هو قول ابن عباس و مقاتل، و قيل: الآيات التوراة لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد صلى اللََّه عليه و سلم، و هذا أشبه هنا وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ قال عطاء: يريد الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء و هاهنا مباحث:

البحث الأول: ما الحكمة في تعيين الحمار من بين سائر الحيوانات؟ نقول: لوجوه منها: أنه تعالى خلق اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغََالَ وَ اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهََا وَ زِينَةً و الزينة في الخيل أكثر و أظهر، بالنسبة/إلى الركوب، و حمل الشي‏ء عليه، و في البغال دون، و في الحمار دون البغال، فالبغال كالمتوسط في المعاني الثلاثة، و حينئذ يلزم أن يكون الحمار في معنى الحمل أظهر و أغلب بالنسبة إلى الخيل و البغال، و غيرهما من الحيوانات، و منها: أن هذا التمثل لإظهار الجهل و البلادة، و ذلك في الحمار أظهر، و منها: أن في الحمار من الذل و الحقارة مالا يكون في الغير، و الغرض من الكلام في هذا المقام تعيير القوم بذلك و تحقيرهم، فيكون تعيين الحمار أليق و أولى، و منها أن حمل الأسفار على الحمار أتم و أعم و أسهل و أسلم، لكونه ذلولا، سلس القياد، لين الانقياد، يتصرف فيه الصبي الغبي من غير كلفة و مشقة. و هذا من جملة ما يوجب حسن الذكر بالنسبة إلى غيره و منها: أن رعاية الألفاظ و المناسبة بينها من اللوازم في الكلام، و بين لفظي الأسفار و الحمار مناسبة لفظية لا توجد في الغير من الحيوانات فيكون ذكره أولى.

الثاني: يَحْمِلُ ما محله؟ نقول: النصب على الحال، أو الجر على الوصف كما قال في «الكشاف» إذ الحمار كاللئيم في قوله:

و لقد أمر على اللئيم يسبني # [فمررت ثمة قلت لا يعنيني‏]

الثالث: قال تعالى: بِئْسَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ كيف وصف المثل بهذا الوصف؟ نقول: الوصف و إن كان في الظاهر للمثل فهو راجع إلى القوم، فكأنه قال: بئس القوم قوما مثلهم هكذا.

ثم إنه تعالى أمر النبي صلى اللََّه عليه و سلم بهذا الخطاب لهم و هو قوله تعالى:

هذه الآية من جملة ما مر بيانه، و قرئ: فتمنوا الموت بكسر الواو، و هََادُوا أي تهودوا، و كانوا يقولون نحن أبناء اللََّه و أحباؤه، فلو كان قولكم حقا و أنتم على ثقة فتمنوا على اللََّه أن يميتكم و ينقلكم سريعا إلى‏

541

دار كرامته التي أعدها لأوليائه، قال الشاعر:

ليس من مات فاستراح بميت # إنما الميت ميت الأحياء

فهم يطلبون الموت لا محالة إذا كانت الحالة هذه، و قوله تعالى: وَ لاََ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بسبب ما قدموا من الكفر و تحريف الآيات، و ذكر مرة بلفظ التأكيد وَ لَنْ/يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً و مرة بدون لفظ التأكيد} وَ لاََ يَتَمَنَّوْنَهُ و قوله: أَبَداً ... وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِالظََّالِمِينَ أي بظلمهم من تحريف الآيات و عنادهم لها، و مكابرتهم إياها.

ثم قال تعالى:

يعني أن الموت الذي تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف الآيات و غيره ملاقيكم لا محالة، و لا ينفعكم الفرار ثم تردون إلى عالم الغيب و الشهادة يعني ما أشهدتم الخلق من التوراة و الإنجيل و عالم بما غيبتم عن الخلق من نعت محمد صلى اللََّه عليه و سلم و ما أسررتم في أنفسكم من تكذيبكم رسالته، و قوله تعالى: فَيُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إما عيانا مقرونا بلقائكم يوم القيامة، أو بالجزاء إن كان خيرا فخير. و إن كان شرا فشر، فقوله: إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ هو التنبيه على السعي فيما ينفعهم في الآخرة و قوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هو الوعيد البليغ و التهديد الشديد. ثم في الآية مباحث:

البحث الأول: أدخل الفاء لما أنه في معنى الشرط و الجزاء، و في قراءة ابن مسعود ملاقيكم من غير فَإِنَّهُ .

الثاني: أن يقال: الموت ملاقيهم على كل حال، فروا أو لم يفروا، فما معنى الشرط و الجزاء؟ قيل: إن هذا على جهة الرد عليهم إذ ظنوا أن الفرار ينجيهم، و قد صرح بهذا المعنى، و أفصح عنه بالشرط الحقيقي في قوله:

و من هاب أسباب المنايا تناله‏ (1) # و لو نال أسباب السماء بسلم‏

وجه التعلق بما قبلها هو أن الذين هادوا يفرون من الموت لمتاع الدنيا و طيباتها و الذين آمنوا يبيعون و يشرون لمتاع الدنيا و طيباتها كذلك، فنبههم اللََّه تعالى بقوله: فَاسْعَوْا إِلى‏ََ ذِكْرِ اَللََّهِ أي إلى ما ينفعكم في

____________

(1) الرواية المحفوظة: و من هاب أسباب المنايا ينلنه.

542

الآخرة، و هو حضور الجمعة، لأن الدنيا و متاعها فانية و الآخرة و ما فيها باقية، قال تعالى: وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ََ [الأعلى: 17]و وجه آخر في التعلق، قال بعضهم: قد أبطل اللََّه قول اليهود في ثلاث، افتخروا بأنهم أولياء اللََّه و احباؤه، فكذبهم بقوله: فَتَمَنَّوُا اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ [الجمعة: 6]و بأنهم أهل الكتاب، و العرب لا كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفارا، و بالسبت و ليس للمسلمين مثله فشرع اللََّه تعالى لهم الجمعة، و قوله تعالى: إِذََا نُودِيَ يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة و هو قول مقاتل، و أنه كما قال لأنه لم يكن في عهد رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم نداء سواء كان إذا جلس عليه الصلاة و السلام على المنبر أذن بلال على باب المسجد، و كذا على عهد أبي بكر و عمر، و قوله تعالى: لِلصَّلاََةِ أي لوقت الصلاة يدل عليه قوله:

مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ و لا تكون الصلاة من اليوم، و إنما يكون وقتها من اليوم، قال الليث: الجمعة يوم خص به لاجتماع الناس في ذلك اليوم، و يجمع على الجمعات و الجمع، و

عن سلمان رضي اللََّه عنه قال: قال رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم: «سميت الجمعة جمعة لأن آدم جمع فيها خلقه»

و قيل: لما أنه تعالى فرغ فيها من خلق الأشياء، فاجتمعت فيها المخلوقات. قال الفراء: و فيها ثلاث لغات التخفيف، و هي قراءة الأعمش و التثقيل، و هي قراءة العامة، و لغة لبني عقيل، و قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى‏ََ ذِكْرِ اَللََّهِ أي فامضوا، و قيل: فامشوا و على هذا معنى، السعي: المشي لا العدو، و قال الفراء: المضي و السعي و الذهاب في معنى واحد، و عن عمر أنه سمع رجلا يقرأ: فَاسْعَوْا قال من أقرأك هذا، قال: أبي، قال: لا يزال يقرأ بالمنسوخ، لو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، و قيل: المراد بالسعي القصد دون العدو، و السعي التصرف في كل عمل، و منه قوله تعالى:

فَلَمََّا بَلَغَ مَعَهُ اَلسَّعْيَ قال الحسن: و اللََّه ما هو سعي على الأقدام و لكنه سعي بالقلوب، و سعي بالنية، و سعي بالرغبة، و نحو هذا، و السعي هاهنا هو العمل عند قوم، و هو مذهب مالك و الشافعي، إذ السعي في كتاب اللََّه العمل، قال تعالى: وَ إِذََا تَوَلََّى سَعى‏ََ فِي اَلْأَرْضِ [البقرة: 205]و إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتََّى [الليل: 4]أي العمل، و

روي عنه صلى اللََّه عليه و سلم: «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها و أنتم تسعون، و لكن ائتوها و عليكم السكينة»

و اتفق الفقهاء على: «أن النبي‏[كان‏]متى أتى الجمعة أتى على هينة» و قوله: إِلى‏ََ ذِكْرِ اَللََّهِ الذكر هو الخطبة عند الأكثر من أهل التفسير، و قيل: هو الصلاة، و أما الأحكام المتعلقة بهذه الآية فإنها تعرف من الكتب الفقهية، و قوله تعالى: وَ ذَرُوا اَلْبَيْعَ قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء و البيع، و قال عطاء: إذا زالت الشمس حرم البيع و الشراء، /و قال الفراء إنما حرم البيع و الشراء إذا نودي للصلاة لمكان الاجتماع و لندرك له كافة الحسنات، و قوله تعالى: ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أي في الآخرة إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما هو خير لكم و أصلح، و قوله تعالى: فَإِذََا قُضِيَتِ اَلصَّلاََةُ أي إذا صليتم الفريضة يوم الجمعة فَانْتَشِرُوا فِي اَلْأَرْضِ هذا صيغة الأمر بمعنى الإباحة لما أن إباحة الانتشار زائلة بفرضية أداء الصلاة، فإذا زال ذلك عادت الإباحة فيباح لهم أن يتفرقوا في الأرض و يبتغوا من فضل اللََّه، و هو الرزق، و نظيره: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: 198]، و قال ابن عباس: إذا فرغت من الصلاة فإن شئت فاخرج، و إن شئت فصل إلى العصر، و إن شئت فاقعد، كذلك قوله: وَ اِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اَللََّهِ فإنه صيغة أمر بمعنى الإباحة أيضا لجلب الرزق بالتجارة بعد المنع، بقوله تعالى: وَ ذَرُوا اَلْبَيْعَ و عن مقاتل: أحل لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة، فمن شاء خرج. و من شاء لم يخرج، و قال مجاهد: إن شاء فعل، و إن شاء لم يفعل، و قال الضحاك، هو إذن من اللََّه تعالى إذا فرغ، فإن شاء خرج، و إن شاء قعد، و الأفضل في الابتغاء من فضل اللََّه أن يطلب الرزق، أو الولد الصالح أو العلم النافع‏

543

و غير ذلك من الأمور الحسنة، و الظاهر هو الأول، و عن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد[و]قال: اللهم أجبت دعوتك، و صليت فرضيتك، و انتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك و أنت خير الرازقين، و قوله تعالى: وَ اُذْكُرُوا اَللََّهَ كَثِيراً قال مقاتل: باللسان، و قال سعيد بن جبير:

بالطاعة و قال مجاهد: لا يكون من الذاكرين كثيرا حتى يذكره قائما و قاعدا و مضطجعا، و المعنى إذا رجعتم إلى التجارة و انصرفتم إلى البيع و الشراء مرة أخرى فاذكروا اللََّه كثيرا، قال تعالى: رِجََالٌ لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ وَ لاََ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ . و

عن عمر رضي اللََّه عنه عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم: «إذا أتيتم السوق فقولوا لا إله إلا اللََّه وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو على كل شي‏ء قدير، فإن من قالها كتب اللََّه له ألف ألف حسنة و حط عنه ألف ألف خطيئة و رفع له ألف ألف درجة»

و قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ من جملة ما قد مر مرارا، و في الآية مباحث:

البحث الأول: ما الحكمة في أن شرع اللََّه تعالى في يوم الجمعة هذا التكليف؟ فنقول: قال القفال: هي أن اللََّه عز و جل خلق الخلق فأخرجهم من العدم إلى الوجود و جعل منهم جمادا و ناميا و حيوانا، فكان ما سوى الجماد أصنافا، منها بهائم و ملائكة و جن و إنس، ثم هي مختلفة المساكن من العلو و السفل فكان أشرف العالم السفلي هم الناس لعجيب تركيبهم، و لما كرمهم اللََّه تعالى به من النطق، و ركب فيهم من العقول و الطباع التي بها غاية التعبد بالشرائع، و لم يخف موضع عظم المنة و جلالة قدر الموهبة لهم فأمروا بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة التي فيها أنشئت الخلائق و تم وجودها، ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ما أنعم اللََّه تعالى به عليهم، و إذا كان شأنهم لم يخل من حين ابتدئوا من نعمة تتخللهم، و إن منة اللََّه مثبتة عليهم/قبل استحقاقهم لها، و لكل أهل ملة من الملل المعروفة يوم منها معظم، فلليهود يوم السبت و للنصارى يوم الأحد، و للمسلمين يوم الجمعة،

روي عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «يوم الجمعة هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا اللََّه له فلليهود غدا و للنصارى بعد غد»

و لما جعل يوم الجمعة يوم شكر و إظهار سرور و تعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي به تقع شهرته فجمعت الجماعات له كالسنة في الأعياد، و احتيج فيه إلى الخطبة تذكيرا بالنعمة و حثا على استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر، و لما كان مدار التعظيم، إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم و سط النهار ليتم الاجتماع و لم تجز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى إلى الاجتماع و اللََّه أعلم.

الثاني: كيف خص ذكر اللََّه بالخطبة، و فيها ذكر اللََّه و غير اللََّه؟ نقول: المراد من ذكر اللََّه الخطبة و الصلاة لأن كل واحدة منهما مشتملة على ذكر اللََّه، و أما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة و الثناء عليهم و الدعاء لهم فذلك ذكر الشيطان.

الثالث: قوله: وَ ذَرُوا اَلْبَيْعَ لم خص البيع من جميع الأفعال؟ نقول: لأنه من أهم ما يشتغل به المرء في النهار من أسباب المعاش، و فيه إشارة إلى ترك التجارة، و لأن البيع و الشراء في الأسواق غالبا، و الغفلة على أهل السوق أغلب، فقوله: وَ ذَرُوا اَلْبَيْعَ تنبيه للغافلين، فالبيع أولى بالذكر و لم يحرم لعينه، و لكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة.

الرابع: ما الفرق بين ذكر اللََّه أولا و ذكر اللََّه ثانيا؟ فنقول: الأول من جملة مالا يجتمع مع التجارة أصلا إذ

544

المراد منه الخطبة و الصلاة كما مر، و الثاني ما يجتمع كما في قوله تعالى: رِجََالٌ لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ وَ لاََ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ [النور: 37].

ثم قال تعالى:

قال مقاتل: إن دحية بن خليفة الكلبي أقبل بتجارة من الشام قبل أن يسلم و كان معه من أنواع التجارة، و كان يتلقاه أهل المدينة بالطبل و الصفق: و كان ذلك في يوم الجمعة و النبي صلى اللّه عليه و سلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس و تركوا النبي صلى اللّه عليه و سلم و لم يبق إلا إثنا عشر رجلا أو أقل كثمانية أو أكثر كأربعين، فقال عليه السلام: لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة، و نزلت الآية: و كان من الذين معه أبو بكر و عمر.

و

قال الحسن: أصاب أهل المدينة جوع و غلاء/سعر فقدمت عير و النبي صلى اللّه عليه و سلم يخطب يوم الجمعة فسمعوا بها و خرجوا إليها، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب الوادي عليهم ناراً»

قال قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات، و قوله تعالى:

أَوْ لَهْواً و هو الطبل، و كانوا إذا أنكحوا الجواري يضربون المزامير، فمروا يضربون، فتركوا النبي صلى اللّه عليه و سلم، و قوله: اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا أي تفرقوا و قال المبرد: مالوا إليها و عدلوا نحوها، و الضمير في (إليها) للتجارة، و قال الزجاج: انفضوا إليه و إليها، و معناهما واحد كقوله تعالى: وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاََةِ [البقرة: 45]و اعتبر هنا الرجوع إلى التجارة لما أنها أهم إليهم، و قوله تعالى: وَ تَرَكُوكَ قََائِماً اتفقوا على أن هذا القيام كان في هنا الرجوع إلى التجارة لما أنها أهم إليهم، و قوله تعالى: وَ تَرَكُوكَ قََائِماً اتفقوا على أن هذا القيام كان في الخطبة للجمعة

قال جابر: ما رأيت رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم في الخطبة إلا و هو قائم،

و سئل عبد اللََّه أ كان النبي يخطب قائما أو قاعدا فقرأ: وَ تَرَكُوكَ قََائِماً و قوله تعالى: قُلْ مََا عِنْدَ اَللََّهِ خَيْرٌ أي ثواب الصلاة و الثبات مع النبي صلى اللّه عليه و سلم خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجََارَةِ من اللهو الذي مر ذكره، و التجارة التي جاء بها دحية، و قوله تعالى:

وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ هو من قبيل أحكم الحاكمين و أحسن الخالقين، و المعنى إن أمكن وجود الرازقين فهو خير الرازقين، و قيل: لفظ الرازق لا يطلق على غيره إلا بطريق المجاز، و لا يرتاب في أن الرازق بطريق الحقيقة خير من الرازق بطريق المجاز، و في الآية مباحث:

البحث الأول: أن التجارة و اللهو من قبيل ما لا يرى أصلا، و لو كان كذلك كيف يصح وَ إِذََا رَأَوْا تِجََارَةً أَوْ لَهْواً نقول: ليس المراد إلا ما يقرب منه اللهو و التجارة، و مثله حتى يسمع كلام اللََّه، إذ الكلام غير مسموع، بل المسموع صوت يدل عليه.

الثاني: كيف قال: اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا و قد ذكر شيئين و قد مر الكلام فيه، و قال صاحب «الكشاف» : تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.

الثالث: أن قوله تعالى: وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ مناسب للتجارة التي مر ذكرها لا للهو، نقول: بل هو مناسب للمجموع لما أن اللهو الذي مر ذكره كالتبع للتجارة، لما أنهم أظهروا ذلك فرحاً بوجود التجارة كما مر، و اللََّه أعلم بالصواب، و الحمد للّه ربّ العالمين، و صلاته و سلامه على سيدنا محمد و آله و صحبه أجمعين.

545

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة المنافقون‏

إحدى عشرة آية مدنية

وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، هو أن تلك السورة مشتملة على ذكر بعثة الرسول صلى اللّه عليه و سلم، و ذكر من كان يكذبه قلبا و لسانا بضرب المثل كما قال: مَثَلُ اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرََاةَ [الجمعة: 5]و هذه السورة على ذكر من كان يكذبه قلبا دون اللسان و يصدقه لسانا دون القلب، و أما الأول بالآخر، فذلك أن في آخر تلك السورة تنبيها لأهل الإيمان على تعظيم الرسول صلى اللّه عليه و سلم و رعاية حقه بعد النداء لصلاة الجمعة و تقديم متابعته في الأداء على غيره و أن ترك التعظيم و المتابعة من شيم المنافقين، و المنافقون هم الكاذبون، كما قال في أول هذه السورة: إِذََا جََاءَكَ اَلْمُنََافِقُونَ يعني عبد اللََّه بن أبي و أصحابه قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ و تم الخبر عنهم ثم ابتدأ فقال:

وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ أي أنه أرسلك فهو يعلم أنك لرسوله و الله يشهد أنهم أضمروا غير ما أظهروا، و إنه يدل على أن حقيقة الإيمان بالقلب، و حقيقة كل كلام كذلك، فإن من أخبر عن شي‏ء، و اعتقد بخلافه فهو كاذب، لما أن الكذب باعتبار المخالفة بين الوجود اللفظي و الوجود الذهني، كما أن الجهل باعتبار المخالفة بين الوجود الذهني، و الوجود الخارجي، ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم: نشهد إنك لرسول اللََّه، و سماهم اللََّه كاذبين لما أن قولهم: يخالف اعتقادهم، و قال: قوم لم يكذبهم اللََّه تعالى في قولهم: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ إنما كذبهم بغير هذا من الأكاذيب الصادرة عنهم في قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللََّهِ مََا قََالُوا [التوبة: 74] الآية. و يَحْلِفُونَ بِاللََّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ [التوبة: 56]و جواب إذا قََالُوا نَشْهَدُ أي أنهم إذا أتوك شهدوا لك بالرسالة، فهم كاذبون في تلك الشهادة، لما مر أن قولهم يخالف اعتقادهم، و في الآية بحث:

البحث الأول: أنهم قالوا: نشهد إنك لرسول اللََّه، فلو قالوا: نعلم إنك لرسول اللََّه، أفاد مثل ما أفاد هذا، أم لا؟نقول: ما أفاد، لأن قولهم: نشهد إنك لرسول اللََّه، صريح في الشهادة على إثبات الرسالة، و قولهم: نعلم ليس بصريح في إثبات العلم، لما أن علمهم في الغيب عند غيرهم. ثم قال تعالى:

قوله: اِتَّخَذُوا أَيْمََانَهُمْ جُنَّةً أي سترا ليستتروا به عما خافوا على أنفسهم من القتل. قال في «الكشاف» :

546

اِتَّخَذُوا أَيْمََانَهُمْ جُنَّةً يجوز أن يراد أن قولهم: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ يمين من أيمانهم الكاذبة، لأن الشهادة تجري مجرى الحلف في التأكيد، يقول الرجل: أشهد و أشهد باللََّه، و أعزم و أعزم باللََّه في موضع أقسم و أولى: و به استشهد أبو حنيفة على أن أشهد يمين، و يجوز أن يكون وصفا للمنافقين في استخفافهم بالإيمان، فإن قيل: لم قالوا نشهد، و لم يقولوا: نشهد باللََّه كما قلتم؟أجاب بعضهم عن هذا بأنه في معنى الحلف من المؤمن و هو في المتعارف إنما يكون باللََّه، فلذلك أخبر بقوله: نشهد عن قوله باللََّه.

و قوله تعالى: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ أي أعرضوا بأنفسهم عن طاعة اللََّه تعالى، و طاعة رسوله، و قيل:

صدوا، أي صرفوا و منعوا الضعفة عن اتباع رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم سََاءَ أي بئس مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ حيث آثروا الكفر على الإيمان و أظهروا خلاف ما أضمروا مشاكلة للمسلمين.

و قوله تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ذلك إشارة إلى قوله: سََاءَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ قال مقاتل:

ذلك الكذب بأنهم آمنوا في الظاهر، ثم كفروا في السر، و فيه تأكيد لقوله: و الله يشهد إنهم لكاذبون و قوله:

فَطُبِعَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاََ يَفْقَهُونَ لا يتدبرون، و لا يستدلون بالدلائل الظاهرة. قال ابن عباس: ختم على قلوبهم، و قال مقاتل: طبع على قلوبهم بالكفر فهم لا يفقهون القرآن، و صدق محمد صلى اللََّه عليه و سلم، و قيل: إنهم كانوا يظنون أنهم على الحق، فأخبر تعالى أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم، ثم في الآية مباحث:

البحث الأول: أنه تعالى ذكر أفعال الكفرة من قبل، و لم يقل: إنهم ساء ما كانوا يعملون، فلم قلنا هنا؟ نقول: إن أفعالهم مقرونة بالأيمان الكاذبة التي جعلوها جنة، أي سترة لأموالهم و دمائهم عن أن يستبيحها المسلمون كما مر.

الثاني: المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، فما معنى قوله تعالى: آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ؟ نقول: قال في «الكشاف» ثلاثة أوجه أحدها: آمَنُوا نطقوا بكلمة الشهادة، و فعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام ثُمَّ كَفَرُوا ثم ظهر كفرهم بعد ذلك و ثانيها: آمَنُوا نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ثُمَّ كَفَرُوا نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام كقوله تعالى: وَ إِذََا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََالُوا آمَنََّا* و ثالثها: أن يراد أهل الذمة منهم.

الثالث: الطبع على القلوب لا يكون إلا من اللََّه تعالى، و لما طبع اللََّه على قلوبهم لا يمكنهم أن يتدبروا و يستدلوا بالدلائل، و لو كان كذلك لكان هذا حجة لهم على اللََّه تعالى، فيقولون: إعراضنا عن الحق لغفلتنا، و غفلتنا بسبب أنه تعالى طبع على قلوبنا، فنقول: هذا الطبع من اللََّه تعالى لسوء أفعالهم، و قصدهم الإعراض عن الحق، فكأنه تعالى تركهم في أنفسهم الجاهلة و أهوائهم الباطلة.

ثم قال تعالى:

547

اعلم أنه قوله تعالى: وَ إِذََا رَأَيْتَهُمْ يعني عبد اللََّه بن أبي، و مغيث بن قيس، وجد بن قيس، كانت لهم أجسام و منظر، تعجبك أجسامهم لحسنها و جمالها، و كان عبد اللََّه بن أبي جسيما صبيحا فصيحا، و إذا قال:

سمع النبي صلى اللََّه عليه و سلم قوله، و هو قوله تعالى: وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ أي و يقولوا: إنك لرسول اللََّه تسمع لقولهم، و قرئ يسمع على البناء للمفعول، ثم شبههم بالخشب المسندة، و في الخشب التخفيف كبدنة و بدن و أسد و أسد، و التثقيل كذلك كثمرة، و ثمر، و خشبة/و خشب، و مدرة و مدر. و هي قراءة ابن عباس، و التثقيل لغة أهل الحجاز، و الخشب لا تعقل و لا تفهم، فكذلك أهل النفاق كأنهم في ترك التفهم، و الاستبصار بمنزلة الخشب. و أما المسندة يقال: سند إلى شي‏ء، أي مال إليه، و أسنده إلى الشي‏ء، أي أماله فهو مسند، و التشديد للمبالغة، و إنما وصف الخشب بها، لأنها تشبه الأشجار القائمة التي تنمو و تثمر بوجه ما، ثم نسبهم إلى الجبن و عابهم به، فقال: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ اَلْعَدُوُّ و قال مقاتل: إذا نادى مناد في العسكر، و انفلتت دابة، أو نشدت ضالة مثلا ظنوا أنهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب، و ذلك لأنهم على وجل من أن يهتك اللََّه أستارهم، و يكشف أسرارهم، يتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة، ثم أعلم‏[اللََّه‏]رسوله بعداوتهم فقال: هُمُ اَلْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ أن تأمنهم على السر و لا تلتفت إلى ظاهرهم فإنهم الكاملون في العداوة بالنسبة إلى غيرهم و قوله تعالى: قََاتَلَهُمُ اَللََّهُ أَنََّى يُؤْفَكُونَ مفسر و هو دعاء عليهم و طلب من ذاته أن يلعنهم و يخزيهم و تعليم للمؤمنين أن يدعوا بذلك، و أَنََّى يُؤْفَكُونَ أي يعدلون عن الحق تعجبا من جهلهم و ضلالتهم و ظنهم الفاسد أنهم على الحق.

و قوله تعالى: وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ تَعََالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اَللََّهِ قال الكلبي: لما نزل القرآن على الرسول صلى اللََّه عليه و سلم بصفة المنافقين مشى إليه عشائرهم من المؤمنين و قالوا: لهم ويلكم افتضحتم بالنفاق و أهلكتم أنفسكم فأتوا رسول اللََّه و توبوا إليه من النفاق و اسألوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك و زهدوا في الاستغفار فنزلت، و قال ابن عباس لما رجع عبد اللََّه بن أبي من أحد بكثير من الناس مقته المسلمون و عنفوه و أسمعوه المكروه فقال له بنو أبيه: لو أتيت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم حتى يستغفر لك و يرضى عنك، فقال: لا أذهب إليه، و لا أريد أن يستغفر لي، و جعل يلوي رأسه فنزلت. و عند الأكثرين، إنما دعى إلى الاستغفار لأنه قال: لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ [المنافقون: 8]و قال: لاََ تُنْفِقُوا عَلى‏ََ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اَللََّهِ [المنافقون: 7]فقيل له: تعال يستغفر لك رسول اللََّه فقال: ماذا قلت: فذلك قوله تعالى: لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ و قرئ: لووا بالتخفيف و التشديد للكثرة و الكناية قد تجعل جمعا و المقصود واحد و هو كثير في أشعار العرب قال جرير:

لا بارك اللََّه فيمن كان يحسبكم # إلا على العهد حتى كان ما كانا

و إنما خاطب بهذا امرأة و قوله تعالى: وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ أي عن استغفار رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، }ذكر تعالى أن استغفاره لا ينفعهم فقال: سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ قال قتادة: نزلت هذه الآية بعد قوله: اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاََ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ و ذلك لأنها لما نزلت‏

قال رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم: «خيرني ربي فلأزيدنهم على‏

548

السبعين»

فأنزل اللََّه تعالى: لَنْ يَغْفِرَ اَللََّهُ لَهُمْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ قال ابن عباس: المنافقين، و قال قوم: فيه بيان أن اللََّه تعالى يملك هداية وراء هداية البيان، و هي خلق فعل الاهتداء فيمن علم منه ذلك، و قيل:

معناه لا يهديهم لفسقهم و قالت المعتزلة: لا يسميهم المهتدين إذا فسقوا و ضلوا و في الآية مباحث:

البحث الأول: لم شبههم بالخشب المسندة لا بغيره من الأشياء المنتفع بها؟ نقول لاشتمال هذا التشبيه على فوائد كثيرة لا توجد في الغير الأولى: قال في «الشكاف» : شبهوا في استنادهم و ما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان و الخير، بالخشب المسندة إلى الحائط، و لأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، و ما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع، و يجوز أن يراد بها الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحائط شبهوا بها في حسن صورهم، و قلة جدواهم الثانية:

الخشب المسندة في الأصل كانت غصنا طريا يصلح لأن يكون من الأشياء المنتفع بها، ثم تصير غليظة يابسة، و الكافر و المنافق كذلك كان في الأصل صالحا لكذا و كذا، ثم يخرج عن تلك الصلاحية الثالثة: الكفرة من جنس الإنس حطب، كما قال تعالى: حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهََا وََارِدُونَ [الأنبياء: 98]و الخشب المسندة حطب أيضا الرابعة: أن الخشب المسندة إلى الحائط أحد طرفيها إلى جهة، و الآخر إلى جهة أخرى، و المنافقون كذلك، لأن المنافق أحد طرفيه و هو الباطن إلى جهة أهل الكفر، و الطرف الآخر و هو الظاهر إلى جهة أهل الإسلام الخامسة: المعتمد عليه الخشب المسندة ما يكون من الجمادات و النباتات، و المعتمد عليه للمنافقين كذلك، و إذا كانوا من المشركين إذ هو الأصنام، إنها من الجمادات أو النباتات.

الثاني: من المباحث أنه تعالى شبههم بالخشب المسندة، ثم قال من بعد ما ينافي هذا التشبيه و هو قوله تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ اَلْعَدُوُّ [المنافقون: 4]و الخشب المسندة لا يحسبون أصلا، نقول: لا يلزم أن يكون المشبه و المشبه به يشتركان في جميع الأوصاف، فهم كالخشب المسندة بالنسبة إلى الانتفاع و عدم الانتفاع، و ليسوا كالخشب المسندة بالنسبة إلى الاستماع و عدم الاستماع للصيحة و غيرها.

الثالث: قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ و لم يقل: القوم الكافرين أو المنافقين أو المستكبرين مع أن كل واحد منهم من جملة ما سبق ذكره؟نقول: كل أحد من تلك الأقوام داخل تحت قوله:

اَلْفََاسِقِينَ أي الذين سبق ذكرهم و هم الكافرون و المنافقون و المستكبرون.

ثم قال تعالى:

أخبر اللََّه تعالى بشنيع مقالتهم فقال: هُمُ اَلَّذِينَ يَقُولُونَ كذا و كذا: و يَنْفَضُّوا أي يتفرقوا، و قرئ: ينفضوا من أنفض القوم إذا فنيت أزوادهم، قال المفسرون: اقتتل أجير عمر مع أجير عبد اللََّه بن أبي في بعض الغزوات فأسمع أجير عمر عبد اللََّه بن أبي المكروه و اشتد عليه لسانه، فغضب عبد اللََّه و عنده رهط

549

من قومه فقال: أما و اللََّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني بالأعز نفسه و بالأذل رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم ثم أقبل على قومه فقال: لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء يعني المهاجرين لأوشكوا أن يتحولوا عن دياركم و بلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فنزلت، و قرئ: ليخرجن بفتح الياء، و قرأ الحسن و ابن أبي عيلة: لَنَخْرُجَنَّ بالنون و نصب الأعز و الأذل، و قوله تعالى: وَ لِلََّهِ خَزََائِنُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ قال مقاتل: يعني مفاتيح الرزق و المطر و النبات، و المعنى أن اللََّه هو الرازق: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ [يونس: 31]و قال أهل المعاني: خزائن اللََّه تعالى مقدوراته لأن فيها كل ما يشاء مما يريد إخراجه، و قال الجنيد: خزائن اللََّه تعالى في السموات الغيوب و في الأرض القلوب و هو علام الغيوب و مقلب القلوب، و قوله تعالى: وَ لََكِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لاََ يَفْقَهُونَ أي لا يفقهون أن: أَمْرُهُ إِذََا أَرََادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82]و قوله يقولون: لَئِنْ رَجَعْنََا أي من تلك الغزوة و هي غزوة بني المصطلق إلى المدينة فرد اللََّه تعالى عليه و قال: وَ لِلََّهِ اَلْعِزَّةُ أي الغلبة و القوة و لمن أعزه اللََّه و أيده من رسوله و من المؤمنين و عزهم بنصرته إياهم و إظهار دينهم على سائر الأديان و أعلم رسوله بذلك و لكن المنافقين لا يعلمون ذلك و لو علموه ما قالوا:

مقالتهم هذه، قال صاحب «الكشاف» : وَ لِلََّهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ و هم الأخصاء بذلك كما أن المذلة و الهوان للشيطان و ذويه من الكافرين و المنافقين، و عن بعض الصالحات و كانت في هيئة رثة أ لست على الإسلام و هو العز الذي لا ذل معه، و الغنى الذي لا فقر معه، و

عن الحسن بن علي رضي اللََّه عنهما أن رجلا قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيها قال: ليس بتيه و لكنه عزة فإن هذا العز الذي لا ذل معه و الغنى الذي لا فقر معه، و تلا هذه الآية

قال بعض العارفين في تحقيق هذا المعنى: العزة غير الكبر و لا يحل للمؤمن أن يذل نفسه، فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه و إكرامها عن أن يضعها لأقسام عاجلة دنيوية كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه و إنزالها فوق منزلها فالعزة تشبه الكبر من حيث الصورة، و تختلف من حيث الحقيقة كاشتباه التواضع بالضعة و التواضع محمود، و الضعة مذمومة، و الكبر مذموم، و العزة محمودة، و لما كانت غير مذمومة و فيها مشاكلة للكبر، قال تعالى: بِمََا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ و فيه إشارة/خفية لإثبات العزة بالحق، و الوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الضعة وقوف على صراط العزة المنصوب على متن نار الكبر، فإن قيل:

قال في الآية الأولى: لاََ يَفْقَهُونَ و في الأخرى لاََ يَعْلَمُونَ فما الحكمة فيه؟فنقول: ليعلم بالأول قلة كياستهم و فهمهم، و بالثاني كثرة حماقتهم و جهلهم، و لا يفقهون من فقه يفقه، كعلم يعلم، و من فقه يفقه: كعظم يعظم، و الأول لحصول الفقه بالتكلف و الثاني لا بالتكلف، فالأول علاجي، و الثاني مزاجي، ثم قال تعالى:

لاََ تُلْهِكُمْ لا تشغلكم كما شغلت المنافقين، و قد اختلف المفسرون منهم من قال: نزلت في حق‏

550

المنافقين، و منهم من قال في حق المؤمنين، و قوله: عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ عن فرائض اللََّه تعالى نحو الصلاة و الزكاة و الحج أو عن طاعة اللََّه تعالى و قال الضحاك: الصلوات الخمس، و عند مقاتل: هذه الآية و ما بعدها خطاب للمنافقين الذين أفروا بالإيمان وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ أي ألهاه ماله و ولده عن ذكر اللََّه فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ أي في تجارتهم حيث باعوا الشريف الباقي بالخسيس الفاني و قيل: هم الخاسرون في إنكار ما قال به رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم من التوحيد و البعث.

و قال الكلبي: الجهاد، و قيل: هو القرآن و قيل: هو النظر في القرآن و التفكر و التأمل فيه‏} وَ أَنْفِقُوا مِنْ مََا رَزَقْنََاكُمْ قال ابن عباس يريد زكاة المال و من للتبعيض، و قيل: المراد هو الإنفاق الواجب مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ أي دلائل الموت و علاماته فيسأل الرجعة إلى الدنيا و هو قوله: رَبِّ لَوْ لاََ أَخَّرْتَنِي إِلى‏ََ أَجَلٍ قَرِيبٍ و قيل حضهم على إدامة الذكر، و أن لا يضنوا بالأموال، أي هلا أمهلتني و أخرت أجلي إلى زمان قليل، و هو الزيادة في أجله حتى يتصدق و يتزكى و هو/قوله تعالى: فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ مِنَ اَلصََّالِحِينَ قال ابن عباس هذا دليل على أن القوم لم يكونوا مؤمنين إذ المؤمن لا يسأل الرجعة. و قال الضحاك: لا ينزل بأحد لم يحج و لم يؤد الزكاة الموت إلا و سأل الرجعة و قرأ هذه الآية، و قال صاحب «الكشاف» : من قبل أن يعاين ما ييأس معه من الإمهال و يضيق به الخناق و يتعذر عليه الإنفاق، و يفوت وقت القبول فيتحسر على المنع و يعض أنامله على فقد ما كان متمكنا منه، و عن ابن عباس تصدقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت فلا تقبل توبة و لا ينفع عمل و قوله: وَ أَكُنْ مِنَ اَلصََّالِحِينَ قال ابن عباس: أحج و قرئ فأكون و هو على لفظ فأصدق و أكون، قال المبرد: و أكون على ما قبله لأن قوله: فَأَصَّدَّقَ جواب للاستفهام الذي فيه التمني و الجزم على موضع الفاء، و قرأ أبي فأتصدق على الأصل و أكن عطفا على موضع فأصدق: و أنشد سيبويه أبياتا كثيرة في الحمل على الموضع منها:

[معاوي إننا بشر فأسجح‏] # فلسنا بالجبال و لا الحديدا

فنصب الحديد عطفا على المحل و الباء في قوله: بالجبال، للتأكيد لا لمعنى مستقبل يجوز حذفه و عكسه قول ابن أبي سلمى:

بدا لي أني لست مدرك ماضي # و لا سابق شيئا إذا كان جاثيا

توهم أنه قال بمدرك فعطف عليه قوله سابق، عطفا على المفهوم، و أما قراءة أبي عمرو و أكون فإنه حمله على اللفظ دون المعنى، ثم أخبر تعالى أنه لا يؤخر من انقضت مدته و حضر أجله فقال: } وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اَللََّهُ نَفْساً يعني عن الموت إذا جاء أجلها، قال في «الكشاف» : هذا نفي للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي، و بالجملة فقوله: لاََ تُلْهِكُمْ أَمْوََالُكُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُكُمْ تنبيه على الذكر قبل الموت: وَ أَنْفِقُوا مِنْ مََا رَزَقْنََاكُمْ تنبيه على الشكر لذلك و قوله تعالى: وَ اَللََّهُ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ أي لو رد إلى الدنيا ما زكى و لا حج، و يكون هذا كقوله: وَ لَوْ رُدُّوا لَعََادُوا لِمََا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28]و المفسرون على أن هذا خطاب جامع لكل عمل خيرا أو شرا و قرأ عاصم يعملون بالياء على قوله: وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اَللََّهُ نَفْساً لأن النفس و إن كان واحدا في اللفظ، فالمراد به الكثير فحمل على المعنى و اللََّه أعلم و صلاته و سلامه على سيدنا محمد و آله و صحبه أجمعين.

551

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم

سورة التغابن‏

(ثمان عشرة آية مكية)

وجه التعلق بما قبلها ظاهر لما أن تلك السورة للمنافقين الكاذبين و هذه السورة للمنافقين الصادقين، و أيضا تلك السورة مشتملة على بطالة أهل النفاق سرا و علانية، و هذه السورة على ما هو التهديد البالغ لهم، و هو قوله تعالى: يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ مََا تُسِرُّونَ وَ مََا تُعْلِنُونَ وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِذََاتِ اَلصُّدُورِ و أما الأول بالآخر فلأن في آخر تلك السورة التنبيه على الذكر و الشكر كما مر، و في أول هذه إشارة إلى أنهم إن أعرضوا عن الذكر و الشكر، قلنا: من الخلق قوم يواظبون على الذكر و الشكر دائما، و هم الذين يسبحون، كما قال تعالى: يُسَبِّحُ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ ، و قوله تعالى: لَهُ اَلْمُلْكُ وَ لَهُ اَلْحَمْدُ معناه إذا سبح للََّه ما في السموات و ما في الأرض فله الملك و له الحمد، و لما كان له الملك فهو متصرف في ملكه و التصرف مفتقر إلى القدرة فقال: وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و قال في «الكشاف» : قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك و الحمد باللََّه تعالى و ذلك لأن الملك في الحقيقة له لأنه مبدئ لكل شي‏ء و مبدعه و القائم به و المهيمن عليه، و كذلك الحمد فإن أصول النعم و فروعها منه، و أما ملك غيره فتسليط منه و استرعاء، و حمده اعتداد بأن نعمة اللََّه جرت على يده، و قوله تعالى: وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ قيل: معناه و هو على كل شي‏ء أرادة قدير، و قيل: قدير يفعل ما يشاء بقدر ما يشاء لا يزيد عليه و لا ينقص. و قد مر ذلك، و في الآية مباحث:

الأول: أنه تعالى قال في الحديد: سَبَّحَ [الحديد: 1]و الحشر و الصف كذلك، و في الجمعة و التغابن يُسَبِّحُ لِلََّهِ* فما الحكمة فيه؟ نقول: الجواب عنه قد تقدم.

البحث الثاني: قال في موضع: سَبَّحَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ* [الحشر: 1]و في موضع /آخر سَبَّحَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [الحديد: 1]فما الحكمة فيه؟ قلنا: الحكمة لا بد منها، و لا نعلمها كما هي، لكن نقول: ما يخطر بالبال، و هو أن مجموع السموات و الأرض شي‏ء واحد، و هو عالم مؤلف من الأجسام الفلكية و العنصرية، ثم الأرض من هذا المجموع شي‏ء و الباقي منه شي‏ء آخر، فقوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ بالنسبة إلى هذا الجزء من المجموع و بالنسبة إلى ذلك الجزء منه كذلك، و إذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال، قال تعالى في بعض السور كذا و في البعض هذا ليعلم أن هذا العالم الجسماني من وجه شي‏ء واحد، و من وجه شيئان بل أشياء كثيرة، و الخلق في المجموع غير ما في هذا الجزء، و غير ما في

552

ذلك أيضا و لا يلزم من وجود الشي‏ء في المجموع أن يوجد في كل جزء من أجزائه إلا بدليل منفصل، فقوله تعالى: سَبَّحَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ على سبيل المبالغة من جملة ذلك الدليل لما أنه يدل على تسبيح ما في السموات و على تسبيح ما في الأرض، كذلك بخلاف قوله تعالى: سَبَّحَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ ثم قال تعالى:

قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: إنه تعالى خلق بني آدم مؤمنا و كافرا، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا و كافرا، و قال عطاء: إنه يرد فمنكم مصدق، و منكم جاحد، و قال الضحاك: مؤمن في العلانية كافر في السر كالمنافق، و كافر في العلانية مؤمن في السر كعمار بن ياسر، قال اللََّه تعالى: إِلاََّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمََانِ [النحل: 106]و قال الزجاج: فمنكم كافر بأنه تعالى خلقه، و هو من أهل الطبائع و الدهرية، و منكم مؤمن بأنه تعالى خلقه كما قال: قُتِلَ اَلْإِنْسََانُ مََا أَكْفَرَهُ*`مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ [عبس: 17، 18]و قال:

أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرََابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [الكهف: 37]و قال أبو إسحاق: خلقكم في بطون أمهاتكم كفارا و مؤمنين، و جاء في بعض التفاسير أن يحي خلق في بطن أمه مؤمنا و فرعون خلق في بطن أمه كافرا، دل عليه قوله تعالى: أَنَّ اَللََّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ََ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اَللََّهِ و قوله تعالى: وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي عالم بكفركم/و إيمانكم اللذين من أعمالكم، و المعنى أنه تعالى تفضل عليكم بأصل النعم التي هي الخلق فانظروا النظر الصحيح و كونوا بأجمعكم عبادا شاكرين، فما فعلتم مع تمكنكم بل تفرقتم فرقا فمنكم كافر و منكم مؤمن‏}و قوله تعالى: خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي بالإرادة القديمة على وفق الحكمة، و منهم من قال: بالحق، أي للحق، و هو البعث، و قوله: وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ يحتمل وجهين أحدهما:

أحسن أي أتقن و أحكم على وجه لا يوجد بذلك الوجه في الغير، و كيف يوجد و قد وجد في أنفسهم من القوى الدالة على وحدانية اللََّه تعالى و ربوبيته دلالة مخصوصة لحسن هذه الصورة و ثانيهما: أن نصرف الحسن إلى حسن المنظر، فإن من نظر في قد الإنسان و قامته و بالنسبة بين أعضائه فقد علم أن صورته أحسن صورة و قوله تعالى: وَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ أي البعث و إنما أضافه إلى نفسه لأنه هو النهاية في خلقهم و المقصود منه، ثم قال:

تعالى: وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ لأنه لا يلزم من خلق الشي‏ء أن يكون مصورا بالصورة، و لا يلزم من الصورة أن تكون على أحسن الصور، ثم قال: وَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ أي المرجع ليس إلا له، }و قوله تعالى: يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ مََا تُسِرُّونَ وَ مََا تُعْلِنُونَ وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِذََاتِ اَلصُّدُورِ نبه بعلمه ما في السموات و الأرض، ثم بعلمه ما يسره العباد و ما يعلنونه، ثم بعلمه ما في الصدور من الكليات و الجزئيات على أنه لا يخفى عليه شي‏ء لما أنه تعالى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة ألبتة أزلا و أبدا، و في الآية مباحث:

الأول: أنه تعالى حكيم، و قد سبق في علمه أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر، و الإصرار عليه فأي حكمة

553

دعته إلى خلقهم؟نقول: إذا علمنا أنه تعالى حكيم، علمنا أن أفعاله كلها على وفق الحكمة، و خلق هذه الطائفة فعله، فيكون على وفق الحكمة، و لا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك بل اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة.

الثاني: قال: وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ و قد كان من أفراد هذا النوع من كان مشوه الصورة سمج الخلقة؟نقول: لا سماجة ثمة لكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات و مراتب فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا لا يظهر حسنه، و إلا فهو داخل في حيز الحسن غير خارج عن حده.

الثالث: قوله تعالى: وَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ يوهم الانتقال من جانب إلى جانب، و ذلك لا يمكن إلا أن يكون اللََّه في جانب، فكيف هو؟قلت: ذلك الوهم بالنسبة إلينا و إلى زماننا لا بالنسبة إلى ما يكون في نفس الأمر، فإن نفس الأمر بمعزل عن حقيقة الانتقال من جانب إلى جانب إذا كان المنتقل إليه منزها عن الجانب و عن الجهة. ثم قال تعالى:

اعلم أن قوله: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا خطاب لكفار مكة و ذلك إشارة إلى الويل الذي ذاقوه في الدنيا و إلى ما أعد لهم من العذاب في الآخرة. فقوله: فَذََاقُوا وَبََالَ أَمْرِهِمْ أي شدة أمرهم مثل قوله: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ و قوله: ذََلِكَ بِأَنَّهُ أي بأن الشأن و الحديث أنكروا أن يكون الرسول بشرا. و لم ينكروا أن يكون معبودهم حجرا فكفروا و تولوا، و كفروا بالرسل و أعرضوا و استغنى اللََّه عن طاعتهم و عبادتهم من الأزل، و قوله تعالى: وَ اَللََّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ من جملة ما سبق، و الحميد بمعنى المحمود أي المستحق للحمد بذاته و يكون بمعنى الحامد، }و قوله تعالى: زَعَمَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا قال في «الكشاف» : الزعم ادعاء العلم، و منه

قوله صلى اللََّه عليه و سلم: «زعموا مطية الكذب»

و عن شريح لكل شي‏ء كنية و كنية الكذب زعموا، و يتعدى إلى مفعولين، تعدى، العلم، قال الشاعر:

و لم أزعمك عن ذلك معزولا

و الذين كفروا هم أهل مكة بَلى‏ََ إثبات لما بعد أن و هو البعث و قيل: قوله تعالى: قُلْ بَلى‏ََ وَ رَبِّي يحتمل أن يكون تعليما للرسول صلى اللََّه عليه و سلم، أي يعلمه القسم تأكيدا لما كان يخبر عن البعث و كذلك جميع القسم في القرآن و قوله تعالى: وَ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ أي لا يصرفه صارف، و قيل: إن أمر البعث على اللََّه يسير، لأنهم أنكروا البعث بعد أن صاروا ترابا، فأخبر أن إعادتهم أهون في العقول من إنشائهم، و في الآية مباحث.

الأول: قوله: فَكَفَرُوا يتضمن قوله: وَ تَوَلَّوْا فما الحاجة إلى ذكره؟ نقول: إنهم كفروا و قالوا:

أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنََا و هذا في معنى الإنكار و الإعراض بالكلية، و ذلك هو التولي، فكأنهم كفروا و قالوا قولا يدل على التولي، و لهذا قال: فَكَفَرُوا وَ تَوَلَّوْا .

554

الثاني: قوله: وَ تَوَلَّوْا وَ اِسْتَغْنَى اَللََّهُ يوهم وجود التولي و الاستغناء معا، و اللََّه تعالى لم يزل غنيا، قال في «الكشاف» : معناه أنه ظهر استغناء اللََّه حيث لم يلجئهم إلى الإيمان، و لم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك.

الثالث: كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث و هم قد أنكروا رسالته. نقول: إنهم/و إن أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقادا لا مزيد عليه فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا و أن يكون صدق هذا الإخبار أظهر من الشمس عنده و في اعتقاده، و الفائدة في الإخبار مع القسم ليس إلا هذا، ثم إنه أكد الخبر باللام و النون فكأنه قسم بعد قسم.

و لما بالغ في الإخبار عن البعث و الاعتراف بالعبث من لوازم الإيمان قال:

قوله: فَآمِنُوا يجوز أن يكون صلة لما تقدم لأنه تعالى لما ذكر ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية، و ذلك لكفرهم باللََّه و تكذيب الرسل قال: فَآمِنُوا أنتم بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من العقوبة وَ اَلنُّورِ اَلَّذِي أَنْزَلْنََا و هو القرآن فإنه يهتدى به في الشبهات كما يهتدى بالنور في الظلمات، و إنما ذكر النور الذي هو القرآن لما أنه مشتمل على الدلالات الظاهرة على البعث، ثم ذكر في «الكشاف» : أنه عنى برسوله و النور محمدا صلى اللََّه عليه و سلم و القرآن وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي بما تسرون و ما تعلنون فراقبوه و خافوه في الحالين جميعا و قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ اَلْجَمْعِ يريد به يوم القيامة جمع فيه أهل السموات و أهل الأرض، و ذََلِكَ يَوْمُ اَلتَّغََابُنِ و التغابن تفاعل من الغبن في المجازاة و التجارات، يقال: غبنه يغبنه غبنا إذا أخذ الشي‏ء منه بدون قيمته، قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: إن قوما في النار يعذبون و قوما في الجنة يتنعمون، و قيل: هو يوم يغبن فيه أهل الحق، أهل الباطل، و أهل الهدى أهل الضلالة، و أهل الإيمان. أهل الكفر فلا غبن أبين من هذا، و في الجملة فالغبن في البيع و الشراء و قد ذكر تعالى في حق الكافرين أنهم اشتروا الحياة/الدنيا بالآخرة و اشتروا الضلالة بالهدى، ثم ذكر أنهم ما ربحت تجارتهم و دل المؤمنين على تجارة رابحة، فقال: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ََ تِجََارَةٍ [الصف: 10]الآية، و ذكر أنهم باعوا أنفسهم بالجنة فخسرت صفقة الكفار و ربحت صفقة المؤمنين، و قوله تعالى: وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ وَ يَعْمَلْ صََالِحاً يؤمن باللََّه على ما جاءت به الرسل من الحشر و النشر و الجنة و النار و غير ذلك، و يعمل صالحا أي يعمل في إيمانه صالحا إلى أن يموت، قرئ يجمعكم و يكفر و يدخل بالياء و النون، }و قوله: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أي بوحدانية اللََّه تعالى و بقدرته وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا أي بآياته الدالة على البعث أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ خََالِدِينَ فِيهََا وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ ثم في الآية مباحث:

الأول: قال: فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ بطريق الإضافة، و لم يقل: و نوره الذي أنزلنا بطريق الإضافة مع أن النور هاهنا هو القرآن و القرآن كلامه و مضاف إليه؟نقول: الألف و اللام في النور بمعنى الإضافة كأنه قال:

و رسوله و نوره الذي أنزلنا.

555

الثاني: بم انتصب الظرف؟ نقول: قال الزجاج: بقوله: لَتُبْعَثُنَّ و في «الكشاف» : بقوله: لَتُنَبَّؤُنَّ أو بخبير لما فيه من معنى الوعيد. كأنه قيل: و اللََّه معاقبكم يوم يجمعكم أو بإضمار اذكر.

الثالث: قال تعالى في الإيمان: وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ بلفظ المستقبل، و في الكفر و قال: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بلفظ الماضي، فنقول: تقدير الكلام: و من يؤمن باللََّه من الذين كفروا و كذبوا بآياتنا يدخله جنات و من لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار.

الرابع: قال تعالى: وَ مَنْ يُؤْمِنْ بلفظ الواحد و خََالِدِينَ فِيهََا بلفظ الجمع، نقول: ذلك بحسب اللفظ، و هذا بحسب المعنى.

الخامس: ما الحكمة في قوله: وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ بعد قوله: خََالِدِينَ فِيهََا و ذلك بئس المصير فنقول:

ذلك و إن كان في معناه فلا يدل عليه بطريق التصريح فالتصريح مما يؤكده ثم قال تعالى:

قوله تعالى: إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ أي بأمر اللََّه قاله الحسن، و قيل: بتقدير اللََّه و قضائه، و قيل: بإرادة/اللََّه تعالى و مشيئته، و قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: بعلمه و قضائه و قوله تعالى: يَهْدِ قَلْبَهُ أي عند المصيبة أو عند الموت. أو المرض أو الفقر أو القحط، و نحو ذلك فيعلم أنها من اللََّه تعالى فيسلم لقضاء اللََّه تعالى و يسترجع، فذلك قوله: يَهْدِ قَلْبَهُ أي للتسليم لأمر اللََّه، و نظيره قوله: اَلَّذِينَ إِذََا أَصََابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ إلى قوله: أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُهْتَدُونَ [البقرة: 156، 157]، قال أهل المعاني: يهد قلبه للشكر عند الرخاء و الصبر عند البلاء، و هو معنى قول ابن عباس رضي اللََّه عنهما يهد قلبه إلى ما يحب و يرضى و قرئ نهد قلبه بالنون و عن عكرمة يهد قلبه بفتح الدال و ضم الياء، و قرئ يهدأ قال الزجاج: هدأ قلبه يهدأ إذا سكن، و القلب بالرفع و النصب و وجه النصب أن يكون مثل‏ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: 130]. وَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ يحتمل أن يكون إشارة إلى اطمئنان القلب عند المصيبة، و قيل: عليم بتصديق من صدق رسوله فمن صدقه فقد هدى قلبه:

وَ أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ فيما جاء به من عند اللََّه يعني هونوا المصائب و النوازل و اتبعوا الأوامر الصادرة من اللََّه تعالى و من الرسول فيما دعاكم إليه.

و قوله: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي عن إجابة الرسول فيما دعاكم إليه فَإِنَّمََا عَلى‏ََ رَسُولِنَا اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ (1) الظاهر و البيان البائن، }و قوله: اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ يحتمل أن يكون هذا من جملة ما تقدم من الأوصاف الحميدة لحضرة اللََّه تعالى من قوله: لَهُ اَلْمُلْكُ وَ لَهُ اَلْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ [التغابن: 1]فإن من كان موصوفا بهذه الصفات و نحوها: فهو الذي لا إله إلا هو أي لا معبود إلا هو و لا مقصود إلا هو عليه التوكل في كل

____________

(1) في تفسير الرازي المطبوع فما على الرسول إلا البلاغ و هو خطأ حسب الآية (12) السابقة.

556

باب، و إليه المرجع و المآب، و قوله: وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ بيان أن المؤمن لا يعتمد إلا عليه، و لا يتقوى إلا به لما أنه يعتقد أن القادر بالحقيقة ليس إلا هو، و قال في «الكشاف» : هذا بعث لرسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم على التوكل عليه و التقوى به في أمره حتى ينصره على من كذبه و تولى عنه، فإن قيل: كيف يتعلق مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ بما قبله و يتصل به؟نقول: يتعلق بقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ [التغابن: 8]لما أن من يؤمن باللََّه فيصدقه يعلم ألا تصيبه مصيبة إلا بإذن اللََّه. ثم قال تعالى:

قال الكلبي: كان الرجل إذا أراد الهجرة تعلق به بنوه و زوجته فقالوا: أنت تذهب و تذرنا ضائعين فمنهم من يطيع أهل و يقيم فحذرهم اللََّه طاعة نسائهم و أولادهم، و منهم من لا يطيع و يقول: أما و اللََّه لو لم نهاجر و يجمع اللََّه بيننا و بينكم في دار الهجرة لا ننفعكم شيئا أبدا، فلما جمع اللََّه بينهم أمرهم أن ينفقوا و يحسنوا و يتفضلوا، و قال مسلم الخراساني: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان أهل و ولده يثبطونه عن الهجرة و الجهاد، و سئل ابن عباس رضي اللََّه عنهما عن هذه الآية، فقال: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا و أرادوا أن يأتوا المدينة فلم يدعهم أزواجهم و أولادهم فهو قوله: عدوا لكم فاحذروهم أن تطيعوا و تدعوا الهجرة، و قوله تعالى: وَ إِنْ تَعْفُوا وَ تَصْفَحُوا قال هو أن الرجل من هؤلاء إذا هاجر و رأى الناس قد سبقوا بالهجرة و فقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجته و ولده الذين منعوه الهجرة و إن لحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم، و لم يصبهم بخير فنزل: وَ إِنْ تَعْفُوا وَ تَصْفَحُوا وَ تَغْفِرُوا الآية، يعني أن من أزواجكم و أولادكم عدوا لكم، ينهون عن الإسلام و يثبطون عنه و هم من الكفار فاحذروهم، فظهر أن هذه العداوة إنما هي للكفر و النهي عن الإيمان، و لا تكون بين المؤمنين فأزواجهم و أولادهم المؤمنون لا يكونون عدوا لهم، و في هؤلاء الأزواج و الأولاد الذين منعوا عن الهجرة نزل: } إِنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: لا تطيعوهم في معصية اللََّه تعالى و فتنة أي بلاء و شغل عن الآخرة، و قيل: أعلم اللََّه تعالى أن الأموال و الأولاد من جميع ما يقع بهم في الفتنة و هذا عام يعم جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده لأنه ربما عصى اللََّه تعالى بسببه و باشر الفعل الحرام لأجله، كغصب مال الغير و غيره: وَ اَللََّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي جزيل، و هو الجنة أخبر أن عنده أجرا عظيما ليتحملوا المؤونة العظيمة، و المعنى لا تباشروا المعاصي بسبب الأولاد و لا تؤثروهم على ما عند اللََّه من الأجر العظيم. }و قوله تعالى: فَاتَّقُوا اَللََّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ قال مقاتل: أي ما أطقتم يجتهد المؤمن في تقوى اللََّه ما استطاع، قال قتادة: نسخت هذه الآية قوله تعالى: اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ [آل عمران: 102]و منهم من طعن فيه و قال: لا يصح لأن قوله تعالى: اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون لأنه فوق الطاقة و الاستطاعة، و قوله: اِسْمَعُوا أي للََّه و لرسوله و لكتابه و قيل: لما أمركم اللََّه و رسوله به وَ أَطِيعُوا اللََّه فيما

557

يأمركم وَ أَنْفِقُوا من أموالكم في حق اللََّه خيرا لأنفسكم، و النصب بقوله: وَ أَنْفِقُوا كأنه قيل: و قدموا خيرا لأنفسكم، و هو/كقوله: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ [النساء: 170]و قوله تعالى: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ الشح هو البخل، و إنه يعم المال و غيره، يقال: فلان شحيح بالمال و شحيح بالجاه و شحيح بالمعروف، و قيل: يوق ظلم نفسه فالشح هو الظلم، و من كان بمعزل عن الشح فذلك من أهل الفلاح فإن قيل: إِنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ ، يدل على أن الأموال و الأولاد كلها من الأعداء و إِنَّ مِنْ أَزْوََاجِكُمْ وَ أَوْلاََدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ يدل على أن بعضهم من الأعداء دون البعض، فنقول: هذا في حيز المنع فإنه لا يلزم أن يكون البعض من المجموع الذي مر ذكره من الأولاد يعني من الأولاد من يمنع و منهم من لا يمنع، فيكون البعض منهم عدوا دون البعض. ثم قال تعالى:

اعلم أن قوله: إِنْ تُقْرِضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً أي إن تنفقوا في طاعة اللََّه متقاربين إليه يجزكم بالضعف لما أنه شكورا يحب المتقربين إلى حضرته حليم لا يعجل بالعقوبة غفور يغفر لكم، و القرض الحسن عند بعضهم هو التصدق من الحلال، و قيل: هو التصدق بطيبة نفسه، و القرض هو الذي يرجى مثله و هو الثواب مثل الإنفاق في سبيل اللََّه، و قال في «الكشاف» : ذكر القرض تلطف في الاستدعاء و قوله: يُضََاعِفْهُ لَكُمْ أي يكتب لكم بالواحدة عشرة و سبعمائة إلى ما شاء من الزيادة و قرئ (يضعفه) شَكُورٌ مجاز أي يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب و كذلك حَلِيمٌ يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسي‏ء فلا يعاجلكم بالعذاب مع كثرة ذنوبكم، ثم لقاتل أن يقول: هذه الأفعال مفتقرة إلى العلم و القدرة، و اللََّه تعالى ذكر العلم دون القدرة فقال: عََالِمُ اَلْغَيْبِ ، فنقول قوله: اَلْعَزِيزُ يدل على القدرة من عز إذا غلب و اَلْحَكِيمُ على الحكمة، و قيل: العزيز الذي لا يعجزه شي‏ء، و الحكيم الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، و اللََّه تعالى كذلك فيكون عالما قادرا حكيما جل ثناؤه و عظم كبرياؤه، و اللََّه أعلم بالصوبا، و الحمد للََّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيد المرسلين، و خاتم النبيين سيدنا محمد و آله و سلم تسليما كثيرا.

558

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم

سورة الطلاق‏

اثنتا عشرة آية مدنية

يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا اَلْعِدَّةَ أما التعلق بما قبلها فذلك أنه تعالى قال في أول تلك السورة: لَهُ اَلْمُلْكُ وَ لَهُ اَلْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ [التغابن: 1]و الملك يفتقر إلى التصرف على وجه يحصل منه نظام الملك، و الحمد يفتقر إلى أن ذلك التصرف بطريق العدل و الإحسان في حق المتصرف فيه و بالقدرة على من يمنعه عن التصرف و تقرير الأحكام في هذه السورة متضمن لهذه الأمور المفتقرة إليها تضمنا لا يفتقر إلى التأمل فيه، فيكون لهذه السورة نسبة إلى تلك السورة و أما الأول بالآخر فلأنه تعالى أشار في آخر تلك السورة إلى كمال علمه بقوله: عََالِمُ اَلْغَيْبِ [التغابن: 18]و في أول هذه السورة إلى كمال علمه بمصالح النساء و بالأحكام المخصوصة بطلاقهن، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات، و قوله: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ

عن أنس رضي اللََّه عنه أن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم طلق حفصة فأتت إلى أهلها فنزلت،

و قيل: راجعها فإنها صوامة قوامة و على هذا إنما نزلت الآية بسبب خروجها إلى أهلها لما طلقها النبي صلى اللََّه عليه و سلم فأنزل اللََّه في هذه الآية: وَ لاََ يَخْرُجْنَ من بيوتهن و

قال الكلبي: إنه عليه السلام غضب على حفصة لما أسر إليها حديثا فأظهرته لعائشة فطلقها تطليقة فنزلت،

و قال السدي: نزلت في عبد اللََّه بن عمر لما طلق امرأته حائضا و القصة في ذلك مشهورة و قال مقاتل: إن رجالا فعلوا مثل ما فعل ابن عمر، و هم عمرو بن سعيد بن العاص و عتبة بن غزوان فنزلت فيهم، و في قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ وجهان أحدهما: أنه نادى النبي صلى اللََّه عليه و سلم ثم خاطب أمته لما أنه سيدهم و قدوتهم، فإذا خوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب. قال أبو إسحاق: هذا خطاب النبي عليه السلام، و المؤمنون داخلون معه في الخطاب و ثانيهما: أن المعنى يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم النساء فأضمر القول، و قال الفراء: خاطبه و جعل الحكم للجميع، كما تقول للرجل: و يحكم أما تتقون اللََّه أما تستحيون، تذهيب إليه و إلى أهل بيته و إِذََا طَلَّقْتُمُ أي إذا أردتم التطليق، كقوله: إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ [المائدة: 6]أي إذا أردتم/الصلاة، و قد مر الكلام فيه، و قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال عبد اللََّه: إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته، فيطلقها طاهرا من‏

559

غير جماع، و هذا قول مجاهد و عكرمة و مقاتل و الحسن، قالوا: أمر اللََّه تعالى الزوج بتطليق امرأته إذا شاء الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، و هو قوله تعالى: لِعِدَّتِهِنَّ أي لزمان عدتهن، و هو الطهر بإجماع الأمة، و قيل: لإظهار عدتهن و جماعة من المفسرين قالوا: الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرة من غير جماع، و بالجملة، فالطلاق في حال الطهر لازم، و إلا لا يكون الطلاق سنيا، و الطلاق في السنة إنما يتصور في البالغة المدخول بها غير الآيسة و الحامل، إذ لا سنة في الصغير و غير المدخول بها، و الآيسة و الحامل، و لا بدعة أيضا لعدم العدة بالأقراء، و ليس في عدد الطلاق سنة و بدعة، على مذهب الشافعي حتى لو طلقها ثلاثا في طهر صحيح لم يكن هذا بدعيا بخلاف ما ذهب إليه أهل العراق، فإنهم قالوا: السنة في عدد الطلاق أن يطلق كل طلقة في طهر صحيح. و قال صاحب «النظم» : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ صفة للطلاق كيف يكون، و هذه اللام تجي‏ء لمعان مختلفة للإضافة و هي أصلها، و لبيان السبب و العلة كقوله تعالى: إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ [الإنسان: 9] و بمنزلة عند مثل قوله: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ [الإسراء: 78]أي عنده، و بمنزلة في مثل قوله تعالى:

هُوَ اَلَّذِي أَخْرَجَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مِنْ دِيََارِهِمْ لِأَوَّلِ اَلْحَشْرِ [الحشر: 2]و في هذه الآية بهذا المعنى، لأن المعنى فطلقوهن في عدتهن، أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن فقال صاحب «الكشاف» :

فطلقوهن مستقبلات لعدتهن كقوله: أتيته لليلة بقيت من المحرم أي مستقبلا لها، و

في قراءة النبي صلى اللََّه عليه و سلم: (من قبل عدتهن)

فإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأول من أقرائها فقد طلقت مستقبلة العدة، المراد أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه، يخلين إلى أن تنقضي عدتهن، و هذا أحسن الطلاق و أدخله في السنة و أبعده من الندم و يدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم كانوا يستحبون‏ (1) أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة و كان أحسن‏ (2) عندهم من أن يطلق الرجل ثلاث تطليقات، و قال مالك بن أنس: لا أعرف طلاقا إلا واحدة، و كان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة، و أما أبو حنيفة و أصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد، و

روي أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم قال لابن عمر حين طلق امرأته و هي حائض: ما هكذا أمرك اللََّه تعالى إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا و تطلقها لكل قرء تطليقة

و عند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث، و قال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة و لا بدعة و هو مباح فمالك يراعى في طلاق السنة الواحدة و الوقت، و أبو حنيفة يراعي التفريق و الوقت، و الشافعي يراعي الوقت وحده، و قوله تعالى: وَ أَحْصُوا اَلْعِدَّةَ أي أقراءها فاحتفظوا لها و احفظوا الحقوق و الأحكام التي تجب في العدة و احفظوا نفس ما تعتدون به و هو عدد الحيض، ثم جعل الإحصاء إلى الأزواج يحتمل وجهين أحدهما: أنهم هم الذين يلزمهم الحقوق و المؤمن و ثانيهما: ليقع/تحصن الأولاد في العدة، ثم في الآية مباحث:

الأول: ما الحكمة في إطلاق السنة و إطلاق البدعة؟ نقول: إنما سمي بدعة لأنها إذا كانت حائضا لم تعتد بأيام حيضها عن عدتها بل تزيد على ثلاثة أقراء فتطول العدة عليها حتى تصير كأنها أربعة أقراء و هي في الحيض الذي طلقت فيه في صورة المعلقة التي لا هي معتدة و لا ذات بعل و العقول تستقبح الإضرار، و إذا كانت طاهرة مجامعة لم يؤمن أن قد علقت من ذلك الجمع بولد و لو علم الزوج لم يطلقها، و ذلك أن الرجل قد يرغب في

____________

(1) في مطبوع التفسير الكبير للرازي (يستحيون) و المثبت من الكشاف للزمخشري (4/118. ط. دار الفكر) .

(2) في مطبوع التفسير الكبير للرازي (و ما كان أخس) و المثبت من المرجع السابق.

560

طلاق امرأته إذا لم يكن بينهما ولد و لا يرغب في ذلك إذا كانت حاملا منه بولد، فإذا طلقها و هي مجامعة و عنده أنها حائل في ظاهر الحال ثم ظهر بها حمل ندم على طلاقها ففي طلاقه إياها في الحيض سوء نظر للمرأة، و في الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه و قد حملت فيه سوء نظر للزوج، فإذا طلقت و هي طاهر غير مجامعة أمن هذان الأمران، لأنها تعتد عقب طلاقه إياها، فتجري في الثلاثة قروء، و الرجل أيضا في الظاهر على أمان من اشتمالها على ولد منه.

الثاني: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟ نقول: نعم، و هو آثم لما

روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أن رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يديه، فقال له: «أو تلعبون بكتاب اللّه و أنا بين أظهركم» .

الثالث: كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو كبر أو غير ذلك؟ نقول: الصغيرة و الآيسة و الحامل كلهن عند أبي حنيفة و أبي يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر، و قال محمد و زفر: لا يطلق للسنة إلا واحدة، و أما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة، و لا يراعى الوقت.

الرابع: هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة؟ نقول: اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا، و الظاهر الكراهة.

الخامس: إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ عام يتناول المدخول بهن، و غير المدخول بهن من ذوات الأقراء، و الآيسات و الصغار و الحوامل، فكيف يصح تخصيصه بذوات الأقراء، و المدخول بهن؟نقول: لا عموم ثمة و لا خصوص أيضا، لكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس، و هذه الجنسية معنى قائم في كلهن، و في بعضهن، فجاز أن يراد بالنساء هذا و ذاك فلما قيل: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ عام أنه أطلق على بعضهن، و هن المدخول بهن من المعتدات بالحيض، كذا ذكره في «الكشاف» : .

في قوله تعالى وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ رَبَّكُمْ إلى قوله يُحْدِثُ بَعْدَ ذََلِكَ أَمْراً ثم قال تعالى: وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ رَبَّكُمْ لاََ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لاََ يَخْرُجْنَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللََّهِ وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللََّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاََ تَدْرِي لَعَلَّ اَللََّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذََلِكَ أَمْراً .

قوله: اِتَّقُوا اَللََّهَ قال مقاتل: اخشوا اللََّه فلا تعصوه فيما أمركم و لاََ تُخْرِجُوهُنَّ أي لا تخرجوا المعتدات من المساكن التي كنتم تساكنونهن فيها قبل الطلاق، فإن كانت المساكن عارية فارتجعت كان على الأزواج أن يعينوا مساكن أخرى بطريق الشراء، أو بطريق الكراء، أو بغير ذلك، و على الزوجات أيضا أن لا يخرجن حقا اللََّه تعالى إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت ليلا أو نهارا كان ذلك الخروج حراما، و لا تنقطع العدة.

و قوله تعالى: إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قال ابن عباس: هو أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن، قال الضحاك الأكثرون: فالفاحشة على هذا القول هي الزنا، و قال ابن عمر: الفاحشة خروجهن قبل انقضاء العدة، قال السدي و الباقون: الفاحشة المبينة هي العصيان المبين، و هو النشوز، و عن ابن عباس: إلا أن يبذون فيحل إخراجهن لبذائهن و سوء خلقهن، فيحل للأزواج إخراجهن من بيوتهن، و في الآية مباحث:

البحث الأول: هل للزوجين التراضي على إسقاطها؟ نقول: السكنى الواجبة في حال قيام الزوجية حق للمرأة وحدها فلها إبطالها، و وجه هذا أن الزوجين ما داما ثابتين على النكاح فإنما مقصودهما المعاشرة

561

و الاستمتاع، ثم لا بد في تمام ذلك من أن تكون المرأة مستعدة له لأوقات حاجته إليها، و هذا لا يكون إلا بأنه يكفيها في نفقتها، كطعامها و شرابها و أدمها و لباسها و سكناها، و هذه كلها داخلة في إحصاء الأسباب التي بها يتم كل ما ذكرنا من الاستمتاع، ثم ما وراء ذلك من حق صيانة الماء و نحوها، فإن وقعت الفرقة زال الأصل الذي هو الانتفاع و زواله بزوال الأسباب الموصلة إليه من النفقة عليها، و احتيج إلى صيانة الماء فصارت السكنى في هذه الحالة بوجوبها الإحصاء لأسبابها، لأن أصلها السكنى، لأن بها تحصينها، فصارت السكنى في هذه الحالة لا اختصاص لها بالزوج، و صيانة الماء من حقوق اللََّه، و مما لا يجوز التراضي من الزوجين على إسقاطه، فلم يكن لها الخروج، و إن رضي الزوج، و لا إخراجها، و إن رضيت إلا عن ضرورة مثل انهدام المنزل، و إخراج غاصب إياها أو نقلة من دار بكراء قد انقضت إجارتها أو خوف فتنة أو سيل أو حريق، أو غير ذلك من طريق الخوف على النفس، فإذا انقضى ما أخرجت له رجعت إلى موضعها حيث كان الثاني: قال: وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ رَبَّكُمْ و لم يقل: و اتقوا اللََّه مقصورا عليه فنقول: فيه من المبالغة ما ليس في ذلك فإن لفظ الرب ينبههم على أن التربية التي هي الإنعام و الإكرام بوجوه متعددة غاية التعداد فيبالغون في التقوى حينئذ خوفا من فوت تلك التربية الثالث: ما معنى الجمع بين إخراجهم و خروجهن؟ نقول: معنى الإخراج أن لا يخرجهن/البعولة غضبا عليهن و كراهة لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن و أن لا تأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك، إيذانا بأن إذنهم لا أثر له في رفع الحظر، و لا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك. الرابع: قرئ: بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ و مبينة فمن قرأ مبينة بالخفض فمعناه: أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها تبين أنها فاحشة، و من قرأ مبينة بالفتح فمعناه أنها مبرهنة بالبراهين، و مبينة بالحج، و قوله: وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللََّهِ و الحدود هي الموانع عن المجاوزة نحو النواهي، و الحد في الحقيقة هي النهاية التي ينتهي إليها الشي‏ء، قال مقاتل: يعود ما ذكر من طلاق السنة و ما بعده من الأحكام وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللََّهِ و هذا تشديد فيمن يتعدى طلاق السنة، و من يطلق لغير العدة فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أي ضر نفسه، و لا يبعد أن يكون المعنى و من يتجاوز الحد الذي جعله اللََّه تعالى فقد وضع نفسه موضعا لم يضعه فيه ربه، و الظلم هو وضع الشي‏ء في غير موضعه، و قوله تعالى: لاََ تَدْرِي لَعَلَّ اَللََّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذََلِكَ أَمْراً قال ابن عباس: يريد الندم على طلاقها و المحبة لرجعتها في العدة و هو دليل على أن المستحب في التطليق أن يوقع متفرقا، قال أبو إسحاق: إذا طلقها ثلاثا في وقت واحد فلا معنى في قوله: لَعَلَّ اَللََّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذََلِكَ أَمْراً . ثم قال تعالى:

فَإِذََا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي قاربن انقضاء أجل العدة لا انقضاء أجلهن، و المراد من بلوغ الأجل هنا مقاربة البلوغ، و قد مر تفسيره. قال صاحب «الكشاف» : هو آخر العدة و شارفته‏ (1) ، فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة

____________

(1) في مطبوع التفسير الكبير للرازي (و مشارفته) و المثبت من الكشاف للزمخشري (4/119. ط. دار الفكر) .

562

و الإمساك بالمعروف، و إن شئتم فترك الرجعة و المفارقة، و اتقاء (1) الضرار/و هو أن يراجعها في آخر العدة، ثم يطلقها تطويلا للعدة و تعذيبا لها.

و قوله تعالى: وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أي أمروا أن يشهدوا عند الطلاق و عند الرجعة ذوي عدل، و هذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كما في قوله: وَ أَشْهِدُوا إِذََا تَبََايَعْتُمْ [البقرة: 282]و عند الشافعي هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة، و قيل: فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، و أن لا يتهم في إمساكها و لئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث، و قيل: الإشهاد إنما أمروا به للاحتياط مخافة أن تنكر المرأة المراجعة فتنقضي العدة فتنكح زوجا. ثم خاطب الشهداء فقال: وَ أَقِيمُوا اَلشَّهََادَةَ و هذا أيضا مر تفسيره، و قوله: وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً قال الشعبي: من يطلق للعدة يجعل اللََّه له سبيلا إلى الرجعة، و قال غيره: مخرجا من كل أمر ضاق على الناس،

قال الكلبي: و من يصبر على المصيبة يجعل اللََّه له مخرجا من النار إلى الجنة، و قرأها النبي صلى اللََّه عليه و سلم فقال: مخرجا من شبهات الدنيا و من غمرات الموت، و من شدائد يوم القيامة،

و

قال أكثر أهل التفسير: أنزل هذا و ما بعده في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابنا له فأتى النبي صلى اللََّه عليه و سلم، و ذكر له ذلك و شكا إليه الفاقة فقال له: «اتق اللََّه و اصبر و أكثر من قول لا حول و لا قوة إلا باللََّه» ففعل الرجل ذلك فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه، و قد غفل عنه العدو، فأصاب إبلا و جاء بها إلى أبيه، و قال صاحب «الكشاف» : فبينا هو في بيته، إذ قرع ابنه الباب و معه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها،

فذلك قوله:

و يرزقه من حيث لا يحتسب و يجوز أنه إن اتقى اللََّه و آثر الحلال و الصبر على أهله فتح اللََّه عليه إن كان ذا ضيق وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاََ يَحْتَسِبُ و قال في «الكشاف» : وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة كما مر. و قوله تعالى: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي من وثق به فيما ناله كفاه اللََّه ما أهمه، و لذلك‏

قال رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم: «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اللََّه»

و قرئ: إِنَّ اَللََّهَ بََالِغُ أَمْرِهِ بالإضافة و بََالِغُ أَمْرِهِ أي نافذ أمره، و قرأ المفضل بالغا أمره ، على أن قوله قَدْ جَعَلَ خبر إِنَّ ، و بالغا حال. قال ابن عباس يريد في جميع خلقه و المعنى سيبلغ اللََّه أمره فيما يريد منكم و قَدْ جَعَلَ اَللََّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً أي تقديرا و توقيتا، و هذا بيان لوجوب التوكل على اللََّه تعالى و تفويض الأمر إليه، قال الكلبي و مقاتل: لكل شي‏ء من الشدة و الرخاء أجل ينتهى إليه قدر اللََّه تعالى ذلك كله لا يقدم و لا يؤخر. و قال ابن عباس: يريد قدرت ما خلقت بمشيئتي، و قوله: فَإِذََا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ إلى قوله: مَخْرَجاً آية و منه إلى قوله: قَدْراً آية أخرى عند الأكثر، و عند الكوفي و المدني المجموع آية واحدة ثم في هذه الآية لطيفة: و هي أن التقوى في رعاية أحوال النساء مفتقرة إلى المال، فقال تعالى: وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً و قريب من هذا قوله: إِنْ يَكُونُوا فُقَرََاءَ يُغْنِهِمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور: 32]فإن قيل: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ يدل على عدم الاحتياج للكسب في طلب الرزق، و قوله تعالى: / فَإِذََا قُضِيَتِ اَلصَّلاََةُ فَانْتَشِرُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ اِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اَللََّهِ [الجمعة: 10]يدل على الاحتياج فكيف هو؟نقول: لا يدل على الاحتياج، لأن قوله:

فَانْتَشِرُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ اِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اَللََّهِ للإباحة كما مر و الإباحة مما ينافي الاحتياج إلى الكسب لما أن الاحتياج مناف للتخيير. ثم قال تعالى:

____________

(1) في مطبوع التفسير الكبير للرازي (و إبقاء) و المثبت من المرجع السابق.

563

قوله: وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ الآية، ذكر اللََّه تعالى في سورة البقرة عدة ذوات الأقراء و المتوفى عنها زوجها و ذكر عدة سائر النسوة اللائي لم يذكرن هناك في هذه السورة، و

روي أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله قد عرفنا عدة التي تحيض، فما عدة التي لم تحض فنزل: وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ

و قوله:

إِنِ اِرْتَبْتُمْ أي إن أشكل عليكم حكمهن‏ (1) في عدة التي لا تحيض، فهذا حكمهن، و قيل: إن ارتبتم في دم‏ (2)

البالغات مبلغ الإياس و قد قدروه بستين سنة و بخمس و خمسين أهو دم حيض أو استحاضة فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاََثَةُ أَشْهُرٍ فلما نزل قوله تعالى: فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاََثَةُ أَشْهُرٍ قام رجل فقال: يا رسول الله فما عدة الصغيرة التي لم تحض؟فنزل: وَ اَللاََّئِي لَمْ يَحِضْنَ أي هي بمنزلة الكبيرة التي قد يئست عدتها ثلاثة أشهر، فقام آخر و قال، و ما عدة الحوامل يا رسول اللََّه؟فنزل: وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ معناه أجلهن في انقطاع ما بينهن و بين الأزواج وضع الحمل، و هذا عام في كل حامل، و كان على عليه السلام يعتبر أبعد الأجلين، و يقول:

وَ اَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ* [البقرة: 234]لا يجوز أن يدخل في قوله: وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ و ذلك لأن أولات الأحمال إنما هو في عدة الطلاق، و هي لا تنقض عدة الوفاة إذا كانت بالحيض، و عند ابن عباس عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين. و أما ابن مسعود فقال: يجوز أن يكون قوله: وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ مبتدأ خطاب ليس بمعطوف على قوله تعالى: وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ و لما كان مبتدأ يتناول العدد كلها، و مما يدل عليه خبر سبيعة بنت الحرث أنها وضعت حملها بعد وفاة زوجها بخمسة عشر يوما، فأمرها رسول الله صلى اللََّه عليه و سلم أن تتزوج، فدل على إباحة النكاح/قبل مضي أربعة أشهر و عشر، على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في جميع الأحوال. و قال الحسن: إن وضعت أحد الولدين انقضت عدتها، و احتج بقوله تعالى: أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ و لم يقل: أحمالهن، لكن لا يصح، و قرئ (أحمالهن) ، و قوله: وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً أي ييسر اللََّه عليه في أمره، و يوفقه للعمل الصالح. و قال عطاء: يسهل اللََّه عليه أمر الدنيا و الآخرة، }و قوله: ذََلِكَ أَمْرُ اَللََّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ يعني الذي ذكر من الأحكام أمر اللََّه أنزله إليكم، و من يتق الله بطاعته، و يعمل بما جاء به محمد صلى اللََّه عليه و سلم يكفر عنه سيئاته من الصلاة إلى الصلاة، و من الجمعة إلى الجمعة، و يعظم له في الآخرة أجرا، قاله ابن عباس، فإن قيل قال تعالى: أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ و لم يقل: أن يلدن، نقول: الحمل اسم لجميع ما في بطنهن، و لو كان كما قاله، لكانت عدتهن بوضع بعض حملهن، و ليس كذلك. ثم قال تعالى:

____________

(1) في مطبوع التفسير الكبير للرازي (حملهن) و المثبت من الكشاف للرازي (4/121 ط. دار الفكر) .

(2) في مطبوع التفسير الكبير للرازي (في البالغات) و المثبت من المرجع السابق.

564

قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ و ما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله: وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ [الطلاق: 4] كأنه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات، فقيل: أَسْكِنُوهُنَّ قال صاحب «الكشاف» : (من) صلة، و المعنى أسكنوهن حيث سكنتم. قال أبو عبيدة: مِنْ وُجْدِكُمْ أي وسعكم و سعتكم، و قال الفراء: على قدر طاقتكم، و قال أبو إسحاق: يقال وجدت في‏ء المال وجدا، أي صرت ذا مال، و قرئ بفتح الواو أيضا و بخفضها، و الوجد الوسع و الطاقة، و قوله: وَ لاََ تُضآرُّوهُنَّ نهي عن مضارتهن بالتضييق عليهن في السكنى و النفقة وَ إِنْ كُنَّ أُولاََتِ حَمْلٍ/فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتََّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ و هذا بيان حكم المطلقة البائنة، لأن الرجعية تستحق النفقة، و إن لم تكن حاملا، و إن كانت مطلقة ثلاثا أو مختلفة فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملا، و عند مالك و الشافعي، ليس للمبتوتة إلا السكنى و لا نفقة لها، و عن الحسن و حماد لا نفقة لها و لا سكنى،

لحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها، فقال لها رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم لا سكنى لك و لا نفقة.

و قوله: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعنى حق الرضاع و أجرته و قد مر، و هو دليل على أن اللبن و إن خلق لمكان الولد فهو ملك لها و إلا لم يكن لها أن تأخذ الأجر، و فيه دليل على أن حق الرضاع و النفقة على الأزواج في حق الأولاد و حق الإمساك و الحضانة و الكفالة على الزوجات و إلا لكان لها بعض الأجر دون الكل، و قوله تعالى:

وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ قال عطاء: يريد بفضل معروفا منك، و قال مقاتل: بتراضي الأب و الأم، و قال المبرد: ليأمر بعضكم بعضا بالمعروف، و الخطاب للأزواج من النساء و الرجال، و المعروف هاهنا أن لا يقصر الرجل في حق المرأة و نفقتها و لا هي في حق الولد و رضاعه و قد مر تفسير الائتمار، و قيل: الائتمار التشاور في إرضاعه إذا تعاسرت هي، و قوله تعالى: وَ إِنْ تَعََاسَرْتُمْ أي في الآجرة: فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى‏ََ غير الأم، ثم بين قدر الإنفاق بقوله: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات على قدر سعتهم و من كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على مقدار ذلك، و نظيره: عَلَى اَلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى اَلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة: 236]و قوله تعالى: لاََ يُكَلِّفُ اَللََّهُ نَفْساً إِلاََّ مََا آتََاهََا أي ما أعطاها من الرزق، قال السدى: لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغنى، و قوله: سَيَجْعَلُ اَللََّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً أي بعد ضيق و شدة غنى وسعة و رخاء و كان الغالب في ذلك الوقت الفقر و الفاقة، فأعلمهم اللََّه تعالى أن يجعل بعد عسر يسرا و هذا كالبشارة لهم بمطلوبهم، ثم في الآية مباحث:

الأول: إذا قيل: (من) في قوله: مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ما هي؟ نقول: هي التبعيضية أي بعض مكان سكناكم إن لم يكن‏[لكم‏]غير بيت واحد فأسكنوها في بعض جوانبه.

الثاني: ما موقع مِنْ وُجْدِكُمْ ؟ نقول: عطف بيان لقوله: مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ و تفسير له، أي مكانا من مسكنكم على قدر طاقتكم.

الثالث: فإذا كانت كل مطلقة عندكم يجب لها النفقة، فما فائدة الشرط في قوله تعالى: وَ إِنْ كُنَّ أُولاََتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ نقول: فائدته أن مدة الحمل ربما طال وقتها، فيظن أن النفقة تسقط إذا مضى‏

565

مقدار مدة الحمل، فنفى ذلك الظن. ثم قال تعالى:

قوله تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ الكلام في كأين قد مر، و قوله: عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا وصف القرية بالعتو و المراد أهلها، كقوله: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]قال ابن عباس: عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا أي أعرضت عنه، و قال مقاتل: خالفت أمر ربها، و خالفت رسله، فحاسبناها حسابا شديدا، فحاسبها اللََّه بعملها في الدنيا فجازاها العذاب، و هو قوله: وَ عَذَّبْنََاهََا عَذََاباً نُكْراً أي عذابا منكرا عظيما، فسر المحاسبة بالتعذيب.

و قال الكلبي: هذا على التقديم و التأخير، يعنى فعذبناها في الدنيا و حاسبناها في الآخرة حسابا شديدا، و المراد حساب الآخرة و عذابها} فَذََاقَتْ وَبََالَ أَمْرِهََا أي شدة أمرها و عقوبة كفرها. و قال ابن عباس: عاقبة كفرها وَ كََانَ عََاقِبَةُ أَمْرِهََا خُسْراً أي عاقبة عتوها خسارا في الآخرة، و هو قوله تعالى: } أَعَدَّ اَللََّهُ لَهُمْ عَذََاباً شَدِيداً يخوف كفار مكة أن يكذبوا محمدا فينزل بهم ما نزل بالأمم قبلهم، و قوله تعالى: فَاتَّقُوا اَللََّهَ يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ خطاب لأهل الإيمان، أي فاتقوا اللََّه عن أن تكفروا به و برسوله، و قوله: قَدْ أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً`رَسُولاً هو على وجهين أحدهما: أنزل اللََّه إليكم ذكرا، هو الرسول، و إنما سماه ذكرا لأنه يذكر ما يرجع إلى دينهم و عقباهم و ثانيهما: أنزل اللََّه إليكم ذكرا، و أرسل رسولا. }و قال في «الكشاف» : رَسُولاً هو جبريل عليه السلام، أبدل من ذِكْراً لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر، و الذكر قد يراد به الشرف، كما في قوله تعالى: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ [الزخرف: 44]و قد يراد به القرآن، كما في قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ [النحل: 44]و قرئ (رسول) على هو رسول، و يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيََاتِ اَللََّهِ مُبَيِّنََاتٍ بالخفض و النصب، و الآيات هي الحجج فبالخفض، لأنها تبين الأمر و النبي و الحلال و الحرام، و من نصب يريد أنه تعالى أوضح آياته و بينها أنها من عنده.

و قوله تعالى: لِيُخْرِجَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ يعنى من ظلمة/الكفر إلى نور الإيمان و من ظلمة الشبهة إلى نور الحجة، و من ظلمة الجهل إلى نور العلم.

و في الآية مباحث:

الأولى: قوله تعالى: فَاتَّقُوا اَللََّهَ يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ يتعلق بقوله تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا أم لا؟ فنقول: قوله: فَاتَّقُوا اَللََّهَ يؤكد قول من قال: المراد من قرية أهلها، لما أنه يدل على أن خطاب اللََّه تعالى لا يكون إلا لذوي العقول فمن لا عقل له فلا خطاب عليه، و قيل قوله تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ مشتمل على الترهيب و الترغيب.

566

الثاني: الإيمان هو التقوى في الحقيقة و أولوا الألباب الذين آمنوا كانوا من المتقدمين بالضرورة فكيف يقال لهم: فَاتَّقُوا اَللََّهَ ؟نقول: للتقوى درجات و مراتب فالدرجة الأولى هي التقوى من الشرك و البواقي هي التقوى من المعاصي التي هي غير الشرك فأهل الإيمان إذا أمروا بالتقوى كان ذلك الأمر بالنسبة إلى الكبائر و الصغائر لا بالنسبة إلى الشرك.

الثالث: كل من آمن بالله فقد خرج من الظلمات إلى النور و إذا كان كذلك فحق هذا الكلام و هو قوله تعالى: لِيُخْرِجَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أن يقال: ليخرج الذين كفروا؟نقول: يمكن أن يكون المراد: ليخرج الذين يؤمنون على ما جاز أن يراد من الماضي المستقبل كما في قوله تعالى: وَ إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى [آل عمران:

55]أي و إذ يقول اللََّه، و يمكن أن يكون ليخرج الذين آمنوا من ظلمات تحدث لهم بعد إيمانهم.

ثم قال تعالى: وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ وَ يَعْمَلْ صََالِحاً يُدْخِلْهُ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اَللََّهُ لَهُ رِزْقاً، `اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، يَتَنَزَّلُ اَلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اَللََّهَ قَدْ أَحََاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً .

قوله: وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ فيه معنى التعجب و التعظيم لما رزق اللََّه المؤمن من الثواب، و قرئ يُدْخِلْهُ بالياء و النون، و قَدْ أَحْسَنَ اَللََّهُ لَهُ رِزْقاً قال الزجاج: رزقه اللََّه الجنة التي لا ينقطع نعيمها، و قيل: رِزْقاً أي طاعة في الدنيا و ثوابا في الآخرة و نظيره‏ رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنََا عَذََابَ اَلنََّارِ [البقرة: 201].

قال الكلبي: خلق سبع سموات بعضها فوق بعض مثل القبة، و من الأرض/مثلهن في كونها طباقا متلاصقة كما هو المشهور أن الأرض ثلاث طبقات طبقة أرضية محضة و طبقة طينية، و هي غير محضة، و طبقة منكشفة بعضها في البحر و بعضها في البر و هي المعمورة، و لا بعد في قوله: وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ من كونها سبعة أقاليم على حسب سبع سموات، و سبع كواكب فيها و هي السيارة فإن لكل واحد من هذه الكواكب خواص تظهر آثار تلك الخواص في كل إقليم من أقاليم الأرض فتصير سبعة بهذا الاعتبار، فهذه هي الوجوه التي لا يأباها العقل، و ما عداها من الوجوه المنقولة عن أهل التفسير فذلك من جملة ما يأباها العقل مثل ما يقال:

السموات السبع أولها: موج مكفوف و ثانيها: صخر و ثالثها: حديد و رابعها: نحاس و خامسها: فضة و سادسها:

ذهب و سابعها: ياقوت، و قول من قال: بين كل واحدة منها مسيرة خمسمائة سنة و غلظ كل واحدة منها كذلك، فذلك غير معتبر عند أهل التحقيق، اللهم إلا أن يكون نقل متواتر[1]، و يمكن أن يكون أكثر من ذلك و اللََّه أعلم بأنه ما هو و كيف هو. فقوله: اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ مبتدأ و خبر، و قرئ مِثْلَهُنَّ بالنصب عطفا على سَبْعَ سَمََاوََاتٍ و بالرفع على الابتداء و خبره مِنَ اَلْأَرْضِ . و قوله تعالى: يَتَنَزَّلُ اَلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ قال عطاء يريد الوحي بينهن إلى خلقه في كل أرض و في كل سماء، و قال مقاتل: يعني الوحي من السماء العليا إلى الأرض السفلى، و قال مجاهد: يَتَنَزَّلُ اَلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ بحياة بعض و موت بعض و سلامة هذا و هلاك ذاك مثلا و قال‏

567

قتادة: في كل سماء من سماواته و أرض من أرضه خلق من خلقه و أمر من أمره و قضاء من قضائه، و قرئ ينزل الأمر بينهن قوله تعالى: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ قرئ ليعلموا بالياء و التاء أي لكي تعلموا إذا تفكرتم في خلق السموات و الأرض، و ما جرى من التدبير فيها أن من بلغت قدرته هذا المبلغ الذي لا يمكن أن يكون لغيره كانت قدرته ذاتية لا يعجزه شي‏ء عما أراده و قوله: أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ من قبل ما تقدم ذكره وَ أَنَّ اَللََّهَ قَدْ أَحََاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً يعني بكل شي‏ء من الكليات و الجزئيات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء، عالم بجميع الأشياء و قادر على الإنشاء بعد الإفناء، فتبارك اللََّه رب العالمين، و لا حول و لا قوة إلا باللََّه العلي العظيم، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد سيد المرسلين، و إمام المتقين، و خاتم النبيين، و على آله و صحبه أجمعين.

568

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة التحريم‏

اثنتا عشرة آية مدنية

أما التعلق بما قبلها، فذلك لاشتراكهما في الأحكام المخصوصة بالنساء، و اشتراك الخطاب بالطلاق في أول تلك السورة مع الخطاب بالتحريم في أول هذه السورة لما كان الطلاق في الأكثر من الصور أو في الكل كما هو مذهب البعض مشتملا على تحريم ما أحل الله، و أما الأول بالآخر، فلأن المذكور في آخر تلك السورة، يدل على عظمة حضرة اللّه تعالى، كما أنه يدل على كمال قدرته و كمال علمه، لما كان خلق السموات و الأرض و ما فيهما من الغرائب و العجائب مفتقرا إليهما و عظمة الحضرة مما ينافي القدرة على تحريم ما أحل اللّه، و لهذا قال تعالى: لِمَ تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكَ و اختلفوا في الذي حرمه النبي صلى اللّه عليه و سلم على نفسه، قال في «الكشاف» :

روي أنه عليه الصلاة و السلام خلا بمارية في يوم عائشة و علمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علي و قد حرمت مارية على نفسي و أبشرك أن أبا بكر و عمر يملكان بعدي أمر أمتي، فأخبرت به عائشة، و كانتا متصادقتين،

و قيل: خلا بها في يوم حفصة، فأرضاها بذلك و استكتمها، فلم تكتم فطلقها و اعتزل نساءه، و مكث تسعا و عشرين ليلة في بيت مارية، و

روي أن عمر قال لها لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل عليه السلام، و قال: راجعها فإنها صوامة قوامة و إنها من نسائك في الجنة،

و

روي أنه ما طلقها و إنما نوه بطلاقها،

و

روي أنه عليه الصلاة و السلام شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش فتواطأت عائشة و حفصة، فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يكره التفل فحرم العسل،

فمعناه: لم تحرم ما أحل اللّه لك من ملك اليمين أو من العسل، و الأول قول الحسن و مجاهد و قتادة و الشعبي و مسروق و رواية ثابت عن أنس‏

قال مسروق: حرم النبي صلى اللّه عليه و سلم أم ولده و حلف أن لا يقربها/فأنزل اللّه تعالى هذه الآية

فقيل له: أما الحرام فحلال، و أما اليمين التي حلفت عليها، فقد فرض اللّه لكم تحلة أيمانكم. و قال الشعبي: كان مع الحرام يمين فعوتب في الحرام، و إنما يكفر اليمين، فذلك قوله تعالى: قَدْ فَرَضَ اَللََّهُ الآية قال صاحب «النظم» قوله: لِمَ تُحَرِّمُ استفهام بمعنى الإنكار و الإنكار من اللّه تعالى نهي، و تحريم الحلال مكروه، و الحلال لا يحرم إلا بتحريم اللّه تعالى و قوله تعالى: تَبْتَغِي مَرْضََاتَ أَزْوََاجِكَ و تَبْتَغِي حال خرجت مخرج المضارع و المعنى: لم تحرم مبتغيا مرضات أزواجك قال في «الكشاف» : تَبْتَغِي ، إما تفسير لتحرم، أو حال أو استئناف، و هذا زلة منه، لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل اللّه وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قد غفر لك ما تقدم من الزلة، رَحِيمٌ قد رحمك لم يؤاخذك به، ثم في الآية مباحث:

569

البحث الأول: لِمَ تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكَ يوهم أن هذا الخطاب بطريق العتاب و خطاب الوصف، و هو النبي ينافي ذلك لما فيه من التشريف و التعظيم فكيف هو؟نقول: الظاهر أن هذا الخطاب ليس بطريق العتاب بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن كما ينبغي.

البحث الثاني: تحريم ما أحل اللّه تعالى غير ممكن، لما أن الإحلال ترجيح جانب الحل و التحريم ترجيح جانب الحرمة، و لا مجال للاجتماع بين الترجيحين فكيف يقال: لِمَ تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ ؟نقول: المراد من هذا التحريم هو الامتناع عن الانتفاع بالأزواج لا اعتقاد كونه حراما بعد ما أحل اللّه تعالى فالنبي صلى اللّه عليه و سلم امتنع عن الانتفاع معها مع اعتقاده بكونه حلالا و من اعتقد أن هذا التحريم هو تحريم ما أحله اللّه تعالى بعينه فقد كفر فكيف يضاف إلى الرسول صلى اللّه عليه و سلم مثل هذا.

البحث الثالث: إذا قيل: ما حكم تحريم الحلال؟ نقول: اختلفت الأئمة فيه فأبو حنيفة يراه يمينا في كل شي‏ء، و يعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه فإذا حرم طعاما فقد حلف على أكله أو أمة فعلى وطئها أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية و إن نوى الظهار فظهار، و إن نوى الطلاق فطلاق بائن و كذلك إن نوى اثنتين، و إن نوى ثلاثا فكما نوى، فإن قال: نويت الكذب دين فيما بنيه و بين ربه و لا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء، و إن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام و الشراب إذا لم ينو و إلا فعلى ما نوى و لا يراه الشافعي يمينا، و لكن سببا (في الكفارة) (1) في النساء وحدهن، و إن نوى الطلاق فهو رجعي عنده، و أما اختلاف الصحابة فيه فكما هو في «الكشاف» ، فلا حاجة بنا إلى ذكر ذلك. ثم قال تعالى:

قَدْ فَرَضَ اَللََّهُ لَكُمْ . قال مقاتل: قد بين اللّه، كما في قوله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْنََاهََا وَ فَرَضْنََاهََا [النور: 1]و قال الباقون: قد أوجب، قال صاحب «النظم» : إذا وصل بعلى لم يحتمل غير الإيجاب كما في قوله تعالى: قَدْ عَلِمْنََا مََا فَرَضْنََا عَلَيْهِمْ [الأحزاب: 50]و إذا وصل باللام احتمل الوجهين، و قوله تعالى:

تَحِلَّةَ أَيْمََانِكُمْ أي تحليلها بالكفارة و تحلة على وزن تفعلة و أصله تحللة و تحلة القسم على وجهين أحدهما:

تحليلة بالكفارة كالذي في هذه الآية و ثانيهما: أن يستعمل بمعنى الشي‏ء القليل، و هذا هو الأكثر كما

روي في الحديث: «لن يلج النار إلا تحلة القسم»

يعني زمانا يسيرا، و قرئ (كفارة أيمانكم) ، و نقل جماعة من المفسرين أن النبي صلى اللّه عليه و سلم حلف أن لا يطأ جاريته فذكر اللّه له ما أوجب من كفارة اليمين، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الحرام يمين، يعني إذا قال: أنت علي حرام و لم ينو طلاقا و لا ظهارا كان هذا اللفظ موجبا لكفارة يمين وَ اَللََّهُ مَوْلاََكُمْ ، أي وليكم و ناصركم و هو العليم بخلقه الحكيم فيما فرض من حكمه، }و قوله تعالى: وَ إِذْ أَسَرَّ اَلنَّبِيُّ إِلى‏ََ بَعْضِ أَزْوََاجِهِ حَدِيثاً يعني ما أسر إلى حفصة من تحريم الجارية على نفسه و استكتمها ذلك و قيل لما رأى النبي صلى اللّه عليه و سلم الغيرة في وجه حفصة أراد أن يترضاها فأسر إليها بشيئين تحريم الأمة على نفسه و البشارة بأن

____________

(1) ما بين الهلالين زيادة من الكشاف (4/126 ط. دار الفكر) .

570

الخلافة بعده في أبي بكر و أبيها عمر، قاله ابن عباس و قوله: فَلَمََّا نَبَّأَتْ بِهِ أي أخبرت به عائشة و أظهره اللّه عليه أطلع نبيه على قول حفصة لعائشة فأخبر النبي صلى اللّه عليه و سلم حفصة عند ذلك ببعض ما قالت و هو قوله تعالى: عَرَّفَ بَعْضَهُ حفصة: وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ لم يخبرها أنك أخبرت عائشة على وجه التكرم و الإغضاء، و الذي أعرض عنه ذكر خلافة أبي بكر و عمر، و قرئ (عرف) مخففا أي جازى عليه من قولك للمسي‏ء لأعرفن لك ذلك و قد عرفت ما صنعت قال تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ يَعْلَمُ اَللََّهُ مََا فِي قُلُوبِهِمْ [النساء: 63]أي يجازيهم و هو يعلم ما في قلوب الخلق أجمعين و قوله تعالى: فَلَمََّا نَبَّأَهََا بِهِ قََالَتْ حفصة: مَنْ أَنْبَأَكَ هََذََا قََالَ نَبَّأَنِيَ اَلْعَلِيمُ اَلْخَبِيرُ وصفه بكونه خبيرا بعد ما وصفه بكونه عليما لما أن في الخبير من المبالغة ما ليس في العليم، و في الآية مباحث:

البحث الأول: كيف يناسب قوله: قَدْ فَرَضَ اَللََّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمََانِكُمْ إلى قوله لِمَ تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكَ [التحريم: 1]؟ نقول: يناسبه لما كان تحريم المرأة يمينا حتى إذا قال لامرأته: أنت علي حرام فهو يمين و يصير موليا بذكره من بعد و يكفر.

البحث الثاني: ظاهر قوله تعالى: قَدْ فَرَضَ اَللََّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمََانِكُمْ إنه كانت منه يمين/فهل كفر النبي عليه الصلاة و السلام لذلك؟ نقول: عن الحسن أنه لم يكفر لأنه كان مغفورا له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، و إنما هو تعليم للمؤمنين، و عن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية. ثم قال تعالى:

قوله: إِنْ تَتُوبََا إِلَى اَللََّهِ خطاب لعائشة و حفصة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما و التوبة من التعاون على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بالإيذاء فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمََا أي عدلت و مالت عن الحق، و هو حق الرسول عليه الصلاة و السلام، و ذلك حق عظيم يوجد فيه استحقاق العتاب بأدنى تقصير و جواب الشرط محذوف للعلم به على تقدير: كان خيرا لكما، و المراد بالجمع في قوله تعالى: قُلُوبُكُمََا التثنية، قال الفراء:

و إنما اختير الجمع على التثنية لأن أكثر ما يكون عليه الجوارح اثنان اثنان في الإنسان كاليدين و الرجلين و العينين، فلما جرى أكثره على ذلك ذهب الواحد منه إذا أضيف إلى إثنين مذهب الإثنين، و قد مر هذا، و قوله تعالى: وَ إِنْ تَظََاهَرََا عَلَيْهِ أي و إن تعاونا على النبي صلى اللّه عليه و سلم بالإيذاء فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ مَوْلاََهُ أي لم يضره ذلك التظاهر منكما و مَوْلاََهُ أي وليه و ناصره وَ جِبْرِيلُ رأس الكروبيين، قرن ذكره بذكره مفردا له من الملائكة تعظيما له و إظهار لمكانته (عنده) (1) وَ صََالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ . قال ابن عباس: يريد أبا بكر و عمر مواليين النبي صلى اللّه عليه و سلم على من عاداه، و ناصرين له، و هو قول المقاتلين، و قال الضحاك خيار المؤمنين، و قيل من صلح من المؤمنين، أي كل من آمن و عمل صالحا، و قيل: من برى‏ء منهم من النفاق، و قيل: الأنبياء كلهم، و قيل: الخلفاء و قيل:

____________

(1) ما بين الهلالين زيادة من الكشاف (4/127 ط. دار الفكر) .

571

الصحابة، و صالح هاهنا ينوب عن الجمع، و يجوز أن يراد به الواحد و الجمع، و قوله تعالى: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بَعْدَ ذََلِكَ أي بعد حضرة اللّه و جبريل و صالح المؤمنين ظَهِيرٌ أي فوج مظاهر للنبي صلى اللّه عليه و سلم، و أعوان له و ظهير في معنى الظهراء، كقوله: وَ حَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً [النساء: 69]قال الفراء: و الملائكة بعد نصرة هؤلاء ظهير، قال أبو علي: /و قد جاء فعيل مفردا يراد به الكثرة كقوله تعالى: وَ لاََ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً*`يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج: 10، 11]ثم خوف نساءه بقوله تعالى: عَسى‏ََ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوََاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ قال المفسرون: عسى من اللّه واجب، و قرأ أهل الكوفة أَنْ يُبْدِلَهُ بالتخفيف، ثم إنه تعالى كان عالما أنه لا يطلقهن لكن أخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدله خيرا منهم تخويفا لهن، و الأكثر في قوله: طَلَّقَكُنَّ الإظهار، و عن أبي عمرو إدغام القاف في الكاف، لأنهما من حروف الفم، ثم وصف الأزواج اللاتي كان يبدله فقال:

مُسْلِمََاتٍ أي خاضعات للّه بالطاعة مُؤْمِنََاتٍ مصدقات بتوحيد اللّه تعالى مخلصات قََانِتََاتٍ طائعات، و قيل: قائمات بالليل للصلاة، و هذا أشبه لأنه ذكر السائحات بعد هذا و السائحات الصائمات، فلزم أن يكون قيام الليل مع صيام النهار، و قرئ (سيحات) ، و هي أبلغ و قيل للصائم: سائح لأن السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد من يطعمه فشبه بالصائم الذي يمسك إلى أن يجي‏ء وقت إفطاره، و قيل: سائحات مهاجرات، ثم قال تعالى: ثَيِّبََاتٍ وَ أَبْكََاراً لأن أزواج النبي صلى اللّه عليه و سلم في الدنيا و الآخرة بعضها من الثيب و بعضها من الأبكار، فالذكر على حسب ما وقع، و فيه إشارة إلى أن تزوج النبي صلى اللّه عليه و سلم ليس على حسب الشهوة و الرغبة، بل على حسب ابتغاء مرضات اللّه تعالى و في الآية مباحث:

البحث الأول: قوله بَعْدَ ذََلِكَ تعظيم للملائكة و مظاهرتهم، و قرئ تظاهرا و تتظاهرا و تظهرا .

البحث الثاني: كيف يكون المبدلات خيرا منهن، و لم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟ نقول: إذا طلقهن الرسول لعصيانهن له، و إيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة، و كان غيرهن‏ (1) من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول اللّه خيرا منهن.

البحث الثالث: قوله: مُسْلِمََاتٍ مُؤْمِنََاتٍ يوهم التكرار، و المسلمات و المؤمنات على السواء؟ نقول:

الإسلام هو التصديق باللسان و الإيمان هو التصديق بالقلب، و قد لا يتوافقان فقوله: مُسْلِمََاتٍ مُؤْمِنََاتٍ تحقيق للتصديق بالقلب و اللسان.

البحث الرابع: قال تعالى: ثَيِّبََاتٍ وَ أَبْكََاراً بواو العطف، و لم يقل: فيما عداهما بواو العطف، نقول:

قال في «الكشاف» : إنها صفتان متنافيتان، لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات. (فلم يكن بد من الواو) (2) .

البحث الخامس: ذكر الثيبات في مقام المدح و هي من جملة ما يقلل‏ (3) رغبة الرجال إليهن. نقول: يمكن أن يكون البعض من الثيب خيرا بالنسبة إلى البعض من الأبكار عند الرسول لاختصاصهن بالمال و الجمال، أو

____________

(1) في الأصل (غيرهم) و لما كان ضميرا لجمع النسوة فقد صححناه إلى ما ترى.

(2) ما بين الهلالين زيادة من الكشاف (4/128 ط. دار الفكر) .

(3) في الأصل (ما يقل) و هو يحتاج إلى تقدير (معه) مما يدل على أن اللام ساقطة و قد أثبتناها.

572

النسب، أو المجموع مثلا، و إذا كان كذلك فلا يقدح ذكر الثيب في المدح لجواز أن يكون المراد مثل ما ذكرناه من الثيب. /ثم قال تعالى:

قُوا أَنْفُسَكُمْ أي بالانتهاء عما نهاكم اللّه تعالى عنه، و قال مقاتل: أن يؤدب المسلم نفسه و أهله، فيأمرهم بالخير و ينهاهم عن الشر، و قال في «الكشاف» : قُوا أَنْفُسَكُمْ بترك المعاصي و فعل الطاعات، وَ أَهْلِيكُمْ بأن تؤاخذوهم بما تؤاخذون به أنفسكم، و قيل: قُوا أَنْفُسَكُمْ مما تدعو إليه أنفسكم إذ الأنفس تأمرهم بالشر و قرئ: و أهلوكم عطفا على واو قُوا و حسن العطف للفاصل، و نََاراً نوعا من النار لا يتقد (1) إلا بالناس و الحجارة، و عن ابن عباس هي حجارة الكبريت، لأنها أشد الأشياء حرا إذا أوقد عليها، و قرئ: وَقُودُهَا بالضم، و قوله: عَلَيْهََا مَلاََئِكَةٌ يعني الزبانية تسعة عشر و أعوانهم غِلاََظٌ شِدََادٌ في أجرامهم غلظة و شدة أي جفاء و قوة، أو في أفعالهم جفاء و خشونة، و لا يبعد أن يكونوا بهذه الصفات في خلقهم، أو في أفعالهم بأن يكونوا أشداء على أعداء اللّه، رحماء على أولياء اللّه كما قال تعالى: أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29]و قوله تعالى: وَ يَفْعَلُونَ مََا يُؤْمَرُونَ يدل على اشتدادهم لمكان الأمر، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر اللّه تعالى و الانتقام من أعدائه، و فيه إشارة إلى أن الملائكة مكلفون في الآخرة بما أمرهم اللّه تعالى به و بما ينهاهم عنه و العصيان منهم مخالفة للأمر و النهي.

و قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاََ تَعْتَذِرُوا اَلْيَوْمَ لما ذكر شدة العذاب بالنار، و اشتداد الملائكة في انتقام الأعداء، فقال: لاََ تَعْتَذِرُوا اَلْيَوْمَ أي يقال لهم: لا تعتذروا اليوم إذ الاعتذار هو التوبة، و التوبة غير مقبولة بعد الدخول في النار، فلا ينفعكم الاعتذار، و قوله تعالى: إِنَّمََا تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني إنما أعمالكم السيئة ألزمتكم العذاب في الحكمة، و في الآية مباحث:

البحث الأول: أنه تعالى خاطب المشركين في قوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا اَلنََّارَ اَلَّتِي وَقُودُهَا اَلنََّاسُ وَ اَلْحِجََارَةُ و قال: أُعِدَّتْ لِلْكََافِرِينَ [البقرة: 24]جعلها معدة للكافرين، فما معنى مخاطبته به المؤمنين؟نقول: الفساق و إن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار، فإنهم مع الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا: قُوا أَنْفُسَكُمْ باجتناب الفسق مجاورة الذين أعدت لهم هذه النار، و لا يبعد أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد.

البحث الثاني: كيف تكون الملائكة غلاظا شدادا و هم من الأرواح، فنقول: الغلظة و الشدة بحسب الصفات لما كانوا من الأرواح لا بحسب الذات، و هذا أقرب بالنسبة إلى الغير من الأقوال.

البحث الثالث: قوله تعالى: لاََ يَعْصُونَ اَللََّهَ مََا أَمَرَهُمْ في معنى قوله: وَ يَفْعَلُونَ مََا يُؤْمَرُونَ فما الفائدة في الذكر

____________

(1) في مطبوع التفسير الكبير للرازي (يعقد) و المثبت من «الكشاف» (4/128 ط. دار الفكر) .

573

فنقول: ليس هذا في معنى ذلك لأن معنى الأول أنهم يتقبلون أوامره و يلتزمونها و لا ينكرونها، و معنى الثاني أنهم (يؤدون) (1) ما يؤمرون به كذا ذكره في «الكشاف» . ثم قال تعالى:

قوله: تَوْبَةً نَصُوحاً أي توبة بالغة في النصح، و قال الفراء: نصوحا من صفة التوبة و المعنى توبة تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه، و هو أنها الصادقة الناصحة ينصحون بها أنفسهم، و عن عاصم، نَصُوحاً بضم النون، و هو مصدر نحو العقود، يقال: نصحت له نصحا و نصاحة و نصوحا، و قال في «الكشاف» : و صفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازي، و هو أن يتوبوا عن القبائح نادمين عليها غاية الندامة لا يعودون، و قيل:

من نصاحة الثوب، أي خياطته و عَسى‏ََ رَبُّكُمْ إطماع من اللّه تعالى لعباده.

و قوله تعالى: يَوْمَ لاََ يُخْزِي اَللََّهُ اَلنَّبِيَّ نصب بيدخلكم، و لاََ يُخْزِي تعريض لمن أخزاهم اللّه من أهل الكفر و الفسق و استحماد للمؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم، ثم المعتزلة تعلقوا بقوله تعالى: يَوْمَ لاََ يُخْزِي اَللََّهُ اَلنَّبِيَّ و قالوا: الإخزاء يقع بالعذاب، فقد وعد بأن لا يعذب الذين آمنوا، و لو كان أصحاب الكبائر من الإيمان لم نخف عليهم العذاب، و أهل السنة أجابوا/عنه بأنه تعالى وعد أهل الإيمان بأن لا يخزيهم، و الذين آمنوا ابتداء كلام، و خبره يَسْعى‏ََ ، أو لاََ يُخْزِي اَللََّهُ ، ثم من أهل السنة من يقف على قوله: يَوْمَ لاََ يُخْزِي اَللََّهُ اَلنَّبِيَّ أي لا يخزيه في رد الشفاعة، و الإخزاء الفضيحة، أي لا يفضحهم بين يدي الكفار، و يجوز أن يعذبهم على وجه لا يقف عليه الكفرة، و قوله: بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي عند المشي وَ بِأَيْمََانِهِمْ عند الحساب، لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم و فيه نور و خير، و يسعى النور بين أيديهم في موضع وضع الأقدام و بأيمانهم، لأن خلفهم و شمالهم طريق الكفرة.

و قوله تعالى: يَقُولُونَ رَبَّنََا أَتْمِمْ لَنََا نُورَنََا قال ابن عباس: يقولون ذلك عند إطفاء نور المنافقين إشفاقا، و عن الحسن: أنه تعالى متمم لهم نورهم، و لكنهم يدعون تقربا إلى حضرة اللّه تعالى، كقوله:

وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ* [محمد: 19]و هو مغفور، و قيل: أدناهم منزلة من نوره بقدر ما يبصر مواطئ قدمه، لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه، و قيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، و بعضهم كالريح، و بعضهم حبوا و زحفا، فهم الذين يقولون: رَبَّنََا أَتْمِمْ لَنََا نُورَنََا قاله في «الكشاف» ، و قوله تعالى:

يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ جََاهِدِ اَلْكُفََّارَ وَ اَلْمُنََافِقِينَ ذكر المنافقين مع أن لفظ الكفار يتناول المنافقين وَ اُغْلُظْ عَلَيْهِمْ أي شدد عليهم، و المجاهدة قد تكون بالقتال، و قد تكون بالحجة تارة باللسان، و تارة بالسنان، و قيل: جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، لأنهم هم المرتكبون الكبائر، لأن أصحاب الرسول عصموا منها وَ مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ و قد مر بيانه، و في الآية مباحث:

____________

(1) ما بين الهلالين زيادة من الكشاف (4/129 ط. دار الفكر) .

574

البحث الأول: كيف تعلق يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا بما سبق و هو قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا [التحريم:

7]؟فنقول: نبههم تعالى على دفع العذاب في ذلك اليوم بالتوبة في هذا اليوم، إذ في ذلك اليوم لا تفيد و فيه لطيفة: و هي أن التنبيه على الدفع بعد الترهيب فيما مضى يفيد الترغيب بذكر أحوالهم و الإنعام في حقهم و إكرامهم.

البحث الثاني: أنه تعالى لا يخزي النبي في ذلك اليوم و لا الذين آمنوا، فما الحاجة إلى قوله مَعَهُ ؟ فنقول: هي إفادة الاجتماع، يعني لا يخزي اللّه المجموع الذي يسعى نورهم و هذه فائدة عظيمة، إذ الاجتماع بين الذين آمنوا و بين نبيهم تشريف في حقهم و تعظيم.

البحث الثالث: قوله: وَ اِغْفِرْ لَنََا يوهم أن الذنب لازم لكل واحد من المؤمنين و الذنب لا يكون لازما، فنقول: يمكن أن يكون طلب المغفرة لما هو اللازم لكل ذنب، و هو التقصير في الخدمة و التقصير لازم لكل واحد من المؤمنين.

البحث الرابع: قال تعالى في أول السورة: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ [التحريم: 1]و من بعده يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ جََاهِدِ اَلْكُفََّارَ خاطبه بوصفه و هو النبي لا باسمه كقوله لآدم يا آدم، و لموسى يا موسى و لعيسى يا عيسى، نقول: خاطبه بهذا الوصف، ليدل على فضله عليهم و هذا ظاهر.

البحث الخامس: قوله تعالى: وَ مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ يدل على أن مصيرهم بئس المصير مطلقا إذ المطلق يدل على الدوام، و غير المطلق لا يدل لما أنه يطهرهم عن الآثام. ثم قال تعالى:

قوله: ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً أي بين حالهم بطريق التمثيل أنهم يعاقبون على كفرهم و عداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم من غير اتقاء و لا محاباة، و لا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كانوا فيه من القرابة بينهم و بين نبيهم و إنكارهم للرسول صلى اللّه عليه و سلم فيما جاء به من عند اللّه و إصرارهم عليه، و قطع العلائق، و جعل الأقارب من جملة الأجانب بل أبعد منهم و إن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا كحال امرأة نوح و لوط، لما خانتاهما لم يغن هذان الرسولان و قيل لهما في اليوم الآخر ادخلا النار ثم بين حال المسلمين في أن وصلة الكافرين لا تضرهم كحال امرأة فرعون و منزلتها عند اللّه تعالى مع كونها زوجة ظالم من أعداء اللّه تعالى، و مريم ابنة عمران و ما أوتيت من كرامة الدنيا و الآخرة، و الاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفارا، و في ضمن هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين، و هما حفصة و عائشة لما فرط منهما و تحذير لهما على أغلظ وجه و أشده لما في التمثيل من ذكر الكفر، }و ضرب مثلا آخر في امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، و قيل: هي عمة موسى عليه السلام آمنت حين سمعت قصة إلقاء موسى عصاه، و تلقف العصا، فعذبها فرعون عذابا شديدا بسبب الإيمان،

575

و عن أبي هريرة أنه وتدها بأربعة أوتاد، و استقبل بها الشمس، و ألقى عليها صخرة عظيمة، فقالت: رب نجني من فرعون فرقى بروحها إلى الجنة، فألقيت الصخرة على/جسد لا روح فيه، قال الحسن. رفعها إلى الجنة تأكل فيها و تشرب، و قيل: لما قالت: رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي اَلْجَنَّةِ رأت بيتها في الجنة يبنى لأجلها، و هو من درة واحدة، و اللّه أعلم كيف هو و ما هو؟ و في الآية مباحث:

البحث الأول: ما فائدة قوله تعالى مِنْ عِبََادِنََا ؟ نقول: هو على وجهين أحدهما: تعظيما لهم كما مر الثاني: إظهارا للعبد بأنه لا يترجح على الآخر عنده إلا بالصلاح.

البحث الثاني: ما كانت خيانتهما؟ نقول: نفاقهما و إخفاؤهما الكفر، و تظاهرهما على الرسولين، فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون و امرأة لوط كانت تدل على نزول ضيف إبراهيم، و لا يجوز أن تكون خيانتهما بالفجور، و عن ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط، و قيل: خيانتهما في الدين.

البحث الثالث: ما معنى الجمع بين عِنْدَكَ و فِي اَلْجَنَّةِ ؟ نقول: طلبت القرب من رحمة اللّه ثم بينت مكان القرب بقولها: فِي اَلْجَنَّةِ أو أرادت ارتفاع درجتها في جنة المأوى التي هي أقرب إلى العرش. ثم قال تعالى:

أحصنت أي عن الفواحش لأنها قذفت بالزنا. و الفرج حمل على حقيقته، قال ابن عباس: نفخ جبريل في جيب الدرع و مده بإصبعيه و نفخ فيه، و كل ما في الدرع من خرق و نحوه فإنه يقع عليه اسم الفرج، و قيل:

أَحْصَنَتْ تكلفت في عفتها، و المحصنة العفيفة: فَنَفَخْنََا فِيهِ مِنْ رُوحِنََا أي فرج ثوبها، و قيل: خلقنا فيه ما يظهر به الحياة في الأبدان. و قوله: فِيهِ أي في عيسى، و من قرأ (فيها) أي في نفس عيسى و النفث مؤنث، و أما التشبيه بالنفخ فذلك أن الروح إذا خلق فيه انتشر في تمام الجسد كالريح إذا نفخت في شي‏ء، و قيل: بالنفخ لسرعة دخوله فيه نحو الريح و صدقت بكلمات ربها. قال مقاتل: يعني بعيسى، و يدل عليه قراءة الحسن (بكلمة ربها) و سمى عيسى (كلمة اللّه) في مواضع من القرآن. و جمعت تلك الكلمة هنا، و قال أبو علي الفارسي:

الكلمات الشرائع التي شرع لها دون القول، فكأن المعنى صدقت الشرائع و أخذت بها و صدقت الكتب فلم تكذب و الشرائع سميت بكلمات كما في قوله تعالى: وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ [البقرة: 124]و قوله تعالى: صَدَّقَتْ قرئ بالتخفيف و التشديد على أنها جعلت الكلمات و الكتب صادقة يعني و صفتها بالصدق، و هو معنى التصديق بعينه، و قرئ (كلمة) و (كلمات) ، و (كتبه) و (كتابه) ، و المراد بالكتاب هو الكثرة و الشياع أيضا قوله تعالى: وَ كََانَتْ مِنَ اَلْقََانِتِينَ الطائعين قاله ابن عباس، و قال عطاء: من المصلين، و في الآية مباحث.

البحث الأول: ما كلمات اللّه و كتبه؟ نقول: المراد بكلمات اللّه الصحف المنزلة على إدريس و غيره، و بكتبه الكتب الأربعة، و أن يراد جميع ما كلم اللّه تعالى (به) (1) ملائكته و ما كتبه في اللوح المحفوظ و غيره،

____________

(1) ما بين الهلالين زيادة من الكشاف للزمخشري (4/132 ط. دار الفكر) .

576

و قرئ: بكلمة اللََّه و كتابه أي بعيسى و كتابه و هو الإنجيل، فإن قيل: (لم قيل) (1) مِنَ اَلْقََانِتِينَ على التذكير، نقول: لأن القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين، فغلب ذكوره على إناثه، و من للتبعيض، قاله في «الكشاف» ، و قيل: من القانتين لأن المراد هو القوم، و أنه عام، ك اِرْكَعِي مَعَ اَلرََّاكِعِينَ [آل عمران: 43]أي كوني من المقيمين على طاعة اللّه تعالى، و لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام.

البحث الثاني‏ و أما ضرب المثل بامرأة نوح المسماة بواعلة، و امرأة لوط المسماة بواعلة، فمشتمل على فوائد متعددة لا يعرفها بتمامها إلا اللّه تعالى، منها التنبيه للرجال و النساء على الثواب العظيم، و العذاب الأليم، و منها العلم بأن صلاح الغير لا ينفع المفسد، و فساد الغير لا يضر المصلح، و منها أن الرجل و إن كان في غاية الصلاح فلا يأمن المرأة، و لا يأمن نفسه، كالصادر من امرأتي نوح و لوط، و منها العلم بأن إحصان المرأة و عفتها مفيدة غاية الإفادة، كما أفاد مريم بنت عمران، كما أخبر اللّه تعالى، فقال: إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفََاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اِصْطَفََاكِ [آل عمران: 42]و منها التنبيه على أن التضرع بالصدق في حضرة اللّه تعالى وسيلة إلى الخلاص من العقاب، و إلى الثواب بغير حساب، و أن الرجوع إلى الحضرة الأزلية لازم في كل باب، و إليه المرجع و المآب، جلت قدرته و علت كلمته، لا إله إلا هو و إليه المصير، و الحمد للّه رب العالمين، و صلاته على سيد المرسلين، و آله و صحبه و سلم.

____________

(1) تعليقة المرجع السابق نفسها.

577

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة الملك‏

و هي ثلاثون آية مكية سورة الملك و تسمى المنجية: لأنها تنجي قارئها من عذاب القبر، و عن ابن عباس أنه كان يسميها المجادلة لأنها تجادل عن قارئها في القبر، و هي ثلاثون آية مكية.

أما قوله: تَبََارَكَ فقد فسرناه في أول سورة الفرقان، و أما قوله: بِيَدِهِ اَلْمُلْكُ فاعلم أن هذه اللفظة إنما تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكا و مالكا، كما يقال: بيد فلان الأمر و النهي و الحل و العقد و لا مدخل للجارحة في ذلك. قال صاحب «الكشاف» : بِيَدِهِ اَلْمُلْكُ على كل موجود، وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ ما لم يوجد من الممكنات قَدِيرٌ ، و قوله: وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ فيه مسائل:

المسألة الأولى: هذه الآية احتج بها من زعم أن المعدوم شي‏ء، فقال قوله: هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ يقتضي كون مقدوره شيئا، فذلك الشي‏ء الذي هو مقدور اللّه تعالى، إما أن يكون موجودا أو معدوما، لا جائز أن يكون موجودا، لأنه لو كان قادرا على الموجود، لكان إما أن يكون قادرا على إيجاده و هو محال، لأن إيجاد الموجود محال، و إما أن يكون قادرا على إعدامه و هو محال، لاستحالة وقوع الإعدام بالفاعل، و ذلك لأن القدرة صفة مؤثرة فلا بد لها من تأثير، و العدم نفي محض، فيستحيل جعل العدم أثر القدرة، فيستحيل وقوع الإعدام بالفاعل فثبت أن الشي‏ء الذي هو مقدور اللّه ليس بموجود، فوجب أن يكون معدوما، فلزم أن يكون ذلك المعدوم شيئا، و احتج أصحابنا النافون لكون المعدوم شيئا بهذه الآية فقالوا: لا شك أن الجوهر من حيث إنه جوهر شي‏ء و السواد من حيث هو سواد شي‏ء، و اللّه قادر على كل شي‏ء. فبمقتضى هذه الآية يلزم أن يكون قادرا على الجوهر من حيث انه جوهر، و على السواد من حيث هو سواد، و إذا كان كذلك كان كون الجوهر جوهرا، و السواد سوادا واقعا بالفاعل، و الفاعل المختار لا بد و أن يكون متقدما على فعله، فإذا وجود اللّه و ذاته متقدم على كون الجوهر جوهرا، أو السواد سوادا، فيلزم أن لا يكون المعدوم شيئا و هو المطلوب، ثم أجابوا عن شبهة/الخصم بأنا لا نسلم أن الإعدام لا يقع بالفاعل، و لئن سلمنا ذلك، لكن لم يجوز أن يقال المقدور الذي هو معدوم سمي شيئا، لأجل أنه سيصير شيئا، و هذا و إن كان مجازا إلا أنه يجب المصير إليه، لقيام سائر الدلائل الدالة على أن المعدوم ليس بشي‏ء.

المسألة الثانية: زعم القاضي أبو بكر في أحد قوليه أن إعدام الأجسام إنما يقع بالفاعل، و هذا اختيار أبي الحسن الخياط من المعتزلة، و محمود الخوارزمي، و زعم الجمهور منا و من المعتزلة أنه يستحيل وقوع الإعدام‏

578

بالفاعل، احتج القاضي بأن الموجودات أشياء، و اللّه على كل شي‏ء قدير، فهو إذا قادر على الموجودات، فإما أن يكون قادرا على إيجادها و هو محال لأن إيجاد الموجود محال، أو على إعدامها، و ذلك يقتضي إمكان وقوع الإعدام بالفاعل.

المسألة الثالثة: زعم الكعبي أنه تعالى غير قادر على مثل مقدور العبد، و زعم أبو علي و أبو هاشم أنه تعالى غير قادر على مقدور العبد، و قال أصحابنا: إنه تعالى قادر على مثل مقدور العبد و على غير مقدوره، و احتجوا عليه بأن عين مقدور العبد و مثل مقدوره شي‏ء، و اللّه على كل شي‏ء قدير، فثبت بهذا صحة وجود مقدور واحد بين قادرين.

المسألة الرابعة: زعم أصحابنا أنه لا مؤثر إلا قدرة اللّه تعالى، و أبطلوا القول بالطبائع على ما يقوله الفلاسفة، و أبطلوا القول بالمتولدات على ما يقوله المعتزلة، و أبطلوا القول بكون العبد موجدا لأفعال نفسه، و احتجوا على الكل بأن الآية دالة على أنه تعالى قادر على كل شي‏ء، فلوقوع شي‏ء من الممكنات لا بقدرة اللّه بل بشي‏ء آخر، لكان ذلك الآخر قد منع قدرة اللّه عن التأثير فيما كان مقدورا له و ذلك محال، لأن ما سوى اللّه ممكن محدث، فيكون أضعف قوة من قدرة اللّه، و الأضعف لا يمكن أن يدفع الأقوى.

المسألة الخامسة: هذه الآية دالة على أن الإله تعالى واحد، لأنا لو قدرنا إلها ثانيا، فإما أن يقدر على إيجاد شي‏ء أو لا يقدر، فإن لم يقدر ألبتة على إيجاد شي‏ء أصلا لم يكن إلها، و إن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئا، فيلزم كونه مقدورا للإله الأول لقوله: وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ فيلزم وقوع مخلوق بين خالقين و هو محال، لأنه إذا كان واحد منهما مستقلا بالإيجاد، يلزم أن يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجا إليهما، و غنيا عنهما، و ذلك محال.

المسألة السادسة: احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشي‏ء فقال: لو كان شيئا لكان قادرا على نفسه لقوله: وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ لكن كونه قادرا على نفسه محال، فيمتنع كونه شيئا، و قال أصحابنا لما دل قوله: قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهََادَةً قُلِ اَللََّهُ شَهِيدٌ [الأنعام: 19]على أنه تعالى شي‏ء وجب تخصيص هذا العموم، فإذا هذه الآية قد دلت على أن العام المخصوص وارد في كتاب اللّه تعالى، و دلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز بل واقع.

المسألة السابعة: زعم جمهور المعتزلة أن اللّه تعالى قادر على خلق الكذب و الجهل و العبث و الظلم، و زعم النظام أنه غير قادر عليه، و احتج الجمهور بأن الجهل و الكذب أشياء وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ* فوجب كونه تعالى قادرا عليها.

المسألة الثامنة: احتج أهل التوحيد على أنه تعالى منزه عن الحيز و الجهة، فإنه تعالى لو حصل في حيز دون حيز لكان ذلك الحيز الذي حكم بحصوله فيه متميزا عن الحيز الذي حكم بأنه غير حاصل فيه، إذ لو لم يتميز أحد الحيزين عن الآخر لاستحال الحكم بأنه تعالى حصل فيه و لم يحصل في الآخر ثم إن امتياز أحد الحيزين عن الآخر في نفسه يقتضي كون الحيز أمرا موجودا لأن العدم المحض يمتنع أن يكون مشارا إليه بالحس و أن يكون بعضه متميزا عن البعض في الحس، و أن يكون مقصدا للمتحرك، فإذن لو كان اللّه تعالى‏

579

حاصلا في حيز لكان ذلك الحيز موجودا، و لو كان ذلك الحيز موجودا لكان شيئا و لكان مقدور اللّه لقوله تعالى: وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و إذا كان تحقق ذلك الحيز بقدرة اللّه و بإيجاده، فيلزم أن يكون اللّه متقدما في الوجود على تحقق ذلك الحيز، و متى كان كذلك كان وجود اللّه في الأزل محققا من غير حيز و له جهة أصلا و الأزلي لا يزول ألبتة، فثبت أنه تعالى منزه عن الحيز و المكان أزلا و أبدا.

المسألة التاسعة: أنه تعالى قال أولا: بِيَدِهِ اَلْمُلْكُ ثم قال بعده: وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و هذا مشعر بأنه إنما يكون بيده الملك لو ثبت أنه على كل شي‏ء قدير، و هذا هو الذي يقوله أصحابنا من أنه لو وقع مراد العبد و لا يقع مراد اللّه، لكان ذلك مشعرا بالعجز و الضعف، و بأن لا يكون مالك الملك على الإطلاق، فدل ذلك، على أنه لما كان مالك الملك وجب أن يكون قادرا على جميع الأشياء.

المسألة العاشرة: القدير مبالغة في القادر، فلما كان قديرا على كل الأشياء وجب أن لا يمنعه ألبتة مانع عن إيجاد شي‏ء من مقدوراته، و هذا يقتضي أن لا يجب لأحد عليه شي‏ء و إلا لكان ذلك الوجوب مانعا له من الترك و أن لا يقبح منه شي‏ء و إلا لكان ذلك القبح مانعا له من الفعل، فلا يكون كاملا في القدرة، فلا يكون قديرا و اللّه أعلم.

قوله تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ فيه مسائل:

المسألة الأولى: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم و يقدر و اختلفوا في الموت، فقال قوم: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة و قال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة و احتجوا على قولهم بأنه تعالى قال: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ و العدم لا يكون مخلوقا هذا هو التحقيق، و روى الكلبي بإسناده عن ابن عباس أن اللّه تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشي‏ء، و لا يجد رائحته شي‏ء إلا مات و خلق الحياة/في صورة فارس يلقاه فوق الحمار و دون البغل، لا تمر بشي‏ء و لا يجد ريحتها شي‏ء إلا حيي. و اعلم أن هذا لا بد و أن يكون مقولا على سبيل التمثيل و التصوير، و إلا فالتحقيق هو الذي ذكرناه.

المسألة الثانية: إنما قدم ذكر الموت على ذكر الحياة مع أن الحياة مقدمة على الموت لوجوه: أحدها:

قال مقاتل: يعني بالموت نطفة و علقة و مضغة و الحياة نفخ الروح و ثانيها: روى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الموت في الدنيا و الحياة في الآخرة دار الحيوان و ثالثها: أنه‏

روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: «أن مناديا ينادي يوم القيامة يا أهل الجنة، فيعلمون أنه من قبل اللّه عز و جل فيقولون: لبيك ربنا و سعديك، فيقول: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا: نعم، ثم يؤتى بالموت في صورة كبش أملح و يذبح ثم ينادى يا أهل الجنة خلود بلا موت، و يا أهل النار خلود بلا موت فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح، و يزداد أهل النار حزنا إلى حزن»

و اعلم أنا بينا أن الموت عرض من الأعراض كالسكون و الحركة فلا يجوز أن يصير كبشا بل المراد منه التمثيل ليعلم أن في ذلك اليوم قد انقضى أمر الموت، فظهر بما ذكرناه أن أيام الموت هي أيام الدنيا و هي منقضية، و أما أيام الآخرة فهي أيام الحياة و هي متأخرة فلما كانت أيام الموت متقدمة على أيام الحياة لا جرم قدم اللّه ذكر الموت على ذكر الحياة

580

و رابعها إنما قدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض له أهم.

المسألة الثالثة: اعلم أن الحياة هي الأصل في النعم و لولاها لم يتنعم أحد في الدنيا و هي الأصل أيضا في نعم الآخرة و لولاها لم يثبت الثواب الدائم، و الموت أيضا نعمة على ما شرحنا الحال فيه في مواضع من هذا الكتاب، و كيف لا و هو الفاصل بين حال التكليف و حال المجازاة و هو نعمة من هذا الوجه،

قال عليه الصلاة و السلام: «أكثروا من ذكر هازم اللذات»

و

قال لقوم: «لو أكثرتم ذكر هازم اللذات لشغلكم عما أرى»

و

سأل عليه الصلاة و السلام عن رجل فأثنوا عليه، فقال: «كيف ذكره الموت؟قالوا قليل، قال فليس كما تقولون» .

قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْغَفُورُ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الابتلاء هو التجربة و الامتحان حتى يعلم أنه هل يطيع أو يعصي و ذلك في حق من وجب أن يكون عالما بجميع المعلومات أزلا و أبدا محال، إلا أنا قد حققنا هذه المسألة في تأويل قوله: وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ [البقرة: 124]و الحاصل أن الابتلاء من اللّه هو أن يعامل عبده معاملة تشبه‏[الابتلاء]على المختبر.

المسألة الثانية: احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله: لِيَبْلُوَكُمْ قالوا: هذه اللام للغرض و نظيره قوله تعالى: إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]و جوابه أن الفعل في نفسه ليس بابتلاء إلا أنه/لما أشبه الابتلاء سمي مجازا، فكذا هاهنا، فإنه يشبه الغرض و إن لم يكن في نفسه غرضا، فذكر فيه حرف الغرض.

المسألة الثالثة: اعلم أنا فسرنا الموت و الحياة بالموت حال كونه نطفة و علقة و مضغة، و الحياة بعد ذلك فوجه الابتلاء على هذا الوجه أن يعلم أنه تعالى هو الذي نقله من الموت إلى الحياة و كما فعل ذلك فلا بد و أن يكون قادرا على أن ينقله من الحياة إلى الموت فيحذر مجي‏ء الموت الذي به ينقطع استدراك ما فات و يستوي فيه الفقير و الغني و المولى و العبد، و أما إن فسرناهما بالموت في الدنيا و بالحياة في القيامة فالابتلاء فيهما أتم لأن الخوف من الموت في الدنيا حاصل و أشد منه الخوف من تبعات الحياة في القيامة، و المراد من الابتلاء أنه هل ينزجر عن القبائح بسبب هذا الخوف أم لا.

المسألة الرابعة: في تعلق قوله: لِيَبْلُوَكُمْ بقوله: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وجهان: الأول: و هو قول الفراء و الزجاج: إن المتعلق بأيكم مضمر و التقدير ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملا و الثاني: قال صاحب «الكشاف» : لِيَبْلُوَكُمْ في معنى ليعلمكم و التقدير ليعلمكم أيكم أحسن عملا.

المسألة الخامسة: ارتفعت (أي) بالابتداء و لا يعمل فيها ما قبلها لأنه على أصل الاستفهام فإنك إذا قلت: لا أعلم أيكم أفضل كان المعنى لا أعلم أزيد أفضل أم عمرو، و اعلم أن مالا يعمل فيما بعد الألف فكذلك لا يعمل في (أي) لأن المعنى واحد، و نظير هذه الآية قوله: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذََلِكَ زَعِيمٌ [القلم: 40] و قد تقدم الكلام فيه.

المسألة السادسة: ذكروا في تفسير أَحْسَنُ عَمَلاً وجوها: أحدها: أن يكون أخلص الأعمال و أصوبها لأن العمل إذا كان خالصا غير صواب لم يقبل، و كذلك إذا كان صوابا غير خالص فالخالص أن يكون لوجه اللّه،

581

و الصواب أن يكون على السنة و ثانيها:

قال قتادة: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: «يقول أيكم أحسن عقلا» ثم قال: أتمكم عقلا أشدكم للّه خوفا و أحسنكم فيما أمر اللّه به و نهى عنه نظرا،

و إنما جاز أن يفسر حسن العمل بتمام العقل لأنه يترتب على العقل، فمن كان أتم عقلا كان أحسن عملا على ما ذكر في حديث قتادة و ثالثها:

روي عن الحسن أيكم أزهد في الدنيا و أشد تركا لها، و اعلم أنه لما ذكر حديث الابتلاء قال بعده: وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْغَفُورُ أي و هو العزيز الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل، الغفور لمن تاب من أهل الإساءة.

و اعلم أن كونه عزيزا غفورا لا يتم إلا بعد كونه قادرا على كل المقدورات عالما بكل المعلومات أما أنه لا بد من القدرة التامة، فلأجل أن يتمكن من إيصال جزاء كل أحد بتمامه إليه سواء كان عقابا أو ثوابا، و أما أنه لا بد من العلم التام فلأجل أن يعلم أن المطيع من هو و العاصي من هو فلا يقع الخطأ في إيصال الحق إلى مستحقه، فثبت أن كونه عزيزا غفورا لا يمكن ثبوتها إلا بعد ثبوت/القدرة التامة و العلم التام، فلهذا السبب ذكر اللّه الدليل على ثبوت هاتين الصفتين في هذا المقام، و لما كان العلم بكونه تعالى قادرا متقدما على العلم بكونه عالما، لا جرم ذكر أولا دلائل القدرة و ثانيا دلائل العلم.

أما دليل القدرة فهو قوله: اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ طِبََاقاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكر صاحب «الكشاف» في طِبََاقاً ثلاثة أوجه أولها: طباقا أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا خصفها طبقا على طبق، و هذا وصف بالمصدر و ثانيها: أن يكون التقدير ذات طباق و ثالثها: أن يكون التقدير طوبقت طباقا.

المسألة الثانية: دلالة هذه السموات على القدرة من وجوه أحدها: من حيث إنها بقيت في جو الهواء معلقة بلا عماد و لا سلسلة و ثانيها: من حيث إن كل واحد منها اختص بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه و أنقص و ثالثها: أنه اختص كل واحد منها بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة و البطء إلى جهة معينة و رابعها: كونها في ذواتها محدثة و كل ذلك يدل على استنادها إلى قادر تام القدرة.

و أما دليل العلم فهو قوله: مََا تَرى‏ََ فِي خَلْقِ اَلرَّحْمََنِ مِنْ تَفََاوُتٍ فَارْجِعِ اَلْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ََ مِنْ فُطُورٍ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي من تفوت و الباقون مِنْ تَفََاوُتٍ ، قال الفراء: و هما بمنزله واحدة مثل تظهر و تظاهر، و تعهد و تعاهد، و قال الأخفش: تَفََاوُتٍ أجود لأنهم يقولون: تفاوت الأمر و لا يكادون يقولون: تفوت، و اختار أبو عبيدة: تفوت ، و قال: يقال تفوت الشي‏ء إذا فات، و احتج بما روي في الحديث أن رجلا تفوت على أبيه في ماله.

المسألة الثانية: حقيقة التفاوت عدم التناسب كأن بعض الشي‏ء يفوت بعضه‏ (1) و لا يلائمه و منه قولهم:

(تعلق متعلق متفاوت و نقيضه متناسب) (2) ، و أما ألفاظ المفسرين فقال السدي: من تفاوت أي من اختلاف

____________

(1) في الكشاف للزمخشري (بعضا) 4/134 ط. دار الفكر.

(2) في الكشاف للزمخشري (خلق متفاوت و في نقيضه متناصف) 4/134 ط. دار الفكر.

582

عيب، يقول الناظر: لو كان كذا كان أحسن، و قال آخرون: التفاوت الفطور بدليل قوله بعد ذلك: فَارْجِعِ اَلْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ََ مِنْ فُطُورٍ نظيره قوله: وَ مََا لَهََا مِنْ فُرُوجٍ [ق: 6]قال القفال: و يحتمل أن يكون المعنى: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت في الدلالة على حكمة صانعها و أنه لم يخلقها عبثا.

المسألة الثالثة: الخطاب في قوله: مََا تَرى‏ََ إما للرسول أو لكل مخاطب و كذا القول في/قوله:

فَارْجِعِ اَلْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ََ مِنْ فُطُورٍ`ثُمَّ اِرْجِعِ اَلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خََاسِئاً .

المسألة الرابعة: قوله: طِبََاقاً صفة للسموات، و قوله بعد ذلك: مََا تَرى‏ََ فِي خَلْقِ اَلرَّحْمََنِ مِنْ تَفََاوُتٍ صفة أخرى للسموات و التقدير خلق سبع سموات طباقا ما ترى فيهن من تفاوت إلا أنه وضع مكان الضمير قوله: خَلْقِ اَلرَّحْمََنِ تعظيما لخلقهن و تنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت، و هو أنه خلق الرحمن و أنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب.

المسألة الخامسة: اعلم أن وجه الاستدلال بهذا على كمال علم اللّه تعالى هو أن الحس دل أن هذه السموات السبع، أجسام مخلوقة على وجه الإحكام و الإتقان، و كل فاعل كان فعله محكما متقنا فإنه لا بد و أن يكون عالما، فدل هذه الدلالة على كونه تعالى عالما بالمعلومات فقوله: مََا تَرى‏ََ فِي خَلْقِ اَلرَّحْمََنِ مِنْ تَفََاوُتٍ إشارة إلى كونها محكمة متقنة.

المسألة السادسة: احتج الكعبي بهذه الآية على أن المعاصي ليست من خلق اللّه تعالى، قال: لأنه تعالى نفى التفاوت في خلقه، و ليس المراد نفي التفاوت في الصغر و الكبر و النقص و العيب فوجب حمله على نفي التفاوت في خلقه من حيث الحكمة، فيدل من هذا الوجه على أن أفعال العباد ليست من خلقه على ما فيها من التفاوت الذي بعضه جهل و بعضه كذب و بعضه سفه، الجواب: بل نحن نحمله على أنه لا تفوت فيها بالنسبة إليه، من حيث إن الكل يصح منه بحسب القدرة و الإرادة و الداعية، و إنه لا يقبح منه شي‏ء أصلا، فلم كان حمل الآية على التفاوت من الوجه الذي ذكرتم أولى من حملها على نفي التفاوت من الوجه الذي ذكرناه، ثم إنه تعالى أكد بيان كونها محكمة متقنة، و قال: فَارْجِعِ اَلْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ََ مِنْ فُطُورٍ و المعنى أنه لما قال: مََا تَرى‏ََ فِي خَلْقِ اَلرَّحْمََنِ مِنْ تَفََاوُتٍ كأنه قال بعده: و لعلك لا تحكم بمقتضى ذلك بالبصر الواحد، و لا تعتمد عليه بسبب أنه قد يقع الغلط في النظرة الواحدة، و لكن ارجع البصر و اردد النظرة مرة أخرى، حتى تتيقن أنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت ألبتة. و الفطور جمع فطر، و هو الشق يقال: فطره فانفطر و منه فطر ناب البعير، كما يقال: شق و معناه شق اللحم فطلع، قال المفسرون: هَلْ تَرى‏ََ مِنْ فُطُورٍ أي من فروج و صدوع و شقوق، و فتوق، و خروق، كل هذا ألفاظهم. ثم قال تعالى:

أمر بتكرير البصر في خلق الرحمن على سبيل التصفح و التتبع، هل يجد فيه عيبا و خللا، يعني أنك إذا كررت نظرك لم يرجع إليك بصرك بما طلبته من وجدان الخلل و العيب، بل يرجع إليك خاسئا أي مبعدا من قولك خسأت الكلب إذا باعدته، قال المبرد: الخاسئ المبعد المصغر، و قال ابن عباس: الخاسئ الذي لم ير ما يهوى، و أما الحسير فقال ابن عباس: هو الكليل، قال الليث: /الحسر و الحسور الإعياء، و ذكر الواحدي‏

583

هاهنا احتمالين أحدهما: أن يكون الحسير مفعولا من حسر العين بعد المرئي، قال رؤبة:

يحسر طرف عيناه فضا

الثاني: قول الفراء: أن يكون فاعلا من الحسور الذي هو الإعياء، و المعنى أنه و إن كرر النظر و أعاده فإنه لا يجد عيبا و لا فطورا، بل البصر يرجع خاسئا من الكلال و الإعياء، و هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: كيف ينقلب البصر خاسئا حسيرا برجعه كرتين اثنتين الجواب: التثنية للتكرار بكثرة كقولهم: لبيك و سعديك يريد إجابات متوالية.

السؤال الثاني: فما معنى ثُمَّ اِرْجِعِ الجواب: أمره برجع البصر ثم أمره بأن لا يقنع بالرجعة الأولى، بل أن يتوقف بعدها و يجم بصره ثم يعيده و يعاوده إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شي‏ء من فطور.

اعلم أن هذا هو الدليل الثاني على كونه تعالى قادرا عالما، و ذلك لأن هذه الكواكب نظرا إلى أنها محدثة و مختصة بمقدار خاص، و موضع معين، و سير معين، تدل على أن صانعها قادر و نظرا إلى كونها محكمة متقنة موافقة لمصالح العباد من كونها زينة لأهل الدنيا، و سببا لانتفاعهم بها، تدل على أن صانعها عالم، و نظير هذه الآية في سورة الصفات‏ إِنََّا زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِزِينَةٍ اَلْكَوََاكِبِ‏`وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطََانٍ مََارِدٍ [الصافات: 7] و هاهنا مسائل.

المسألة الأولى: اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا السماء القربى، و ذلك لأنها أقرب السموات إلى الناس و معناها السماء الدنيا من الناس، و المصابيح السرج سميت بها الكواكب، و الناس يزينون مساجدهم و دورهم بالمصابيح، فقيل:

و لقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح أي بمصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة، أما قوله تعالى:

وَ جَعَلْنََاهََا رُجُوماً لِلشَّيََاطِينِ فاعلم أن الرجوم جمع رجم، و هو مصدر سمي به ما يرجم به، و ذكروا في معرض هذه الآية وجهين: الوجه الأول أن الشياطين إذا أرادوا استراق السمع رجموا بها، فإن قيل: جعل الكواكب زينة للسماء يقتضي بقاءها و استمرارها و جعلها رجوما للشياطين و رميهم بها يقتضي زوالها و الجمع بينهما متناقض، قلنا: ليس معنى رجم الشياطين هو أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن ينفصل من الكواكب شعل ترمى الشياطين بها، و تلك الشعل هي الشهب، و ما ذاك إلا قبس يؤخذ من نار و النار/باقية الوجه الثاني: في تفسير كون الكواكب رجوما للشياطين أنا جعلناها ظنونا و رجوما بالغيب لشياطين الإنس و هم الأحكاميون من المنجمين.

المسألة الثانية: اعلم أن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا، و ذلك لأن السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا أو كانت في سموات أخرى فوقها، فهي لا بد و أن تظهر في السماء الدنيا و تلوح منها، فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا مزينة بهذه المصابيح.

و اعلم أن أصحاب الهيئة اتفقوا على أن هذه الثوابت مركوزة في الفلك الثامن الذي هو فوق

584

كرات‏ (1) السيارات، و احتجوا عليه بأن بعض هذه الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك، و إنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، و ذلك لأن الثوابت التي تكون قريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة، و إنما قلنا: إن هذه الثوابت لما كانت في الفلك الثامن وجب أن تكون كلها هناك، لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلا بد و أن تكون مركوزة في كرة واحدة.

و اعلم أن هذا الاستدلال ضعيف، فإنه لا يلزم من كون بعض الثوابت فوق السيارات كون كلها هناك، لأنه لا يبعد وجود كرة تحت القمر، و تكون في البطء مساوية لكرة الثوابت، و تكون الكواكب المركوزة فيما يقارن القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية، إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر و الكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، و على هذا التقدير لا يمتنع أن تكون هذه المصابيح مركوزة في السماء الدنيا، فثبت أن مذهب الفلاسفة في هذا الباب ضعيف.

المسألة الثالثة: اعلم أن منافع النجوم كثيرة، منها أن اللّه تعالى زين السماء بها، و منها أنه يحصل بسببها في الليل قدر من الضوء، و لذلك فإنه إذا تكاثف السحاب في الليل عظمت الظلمة، و ذلك بسبب أن السحاب يحجب أنوارها، و منها أنه يحصل بسببها تفاوت في أحوال الفصول الأربعة، فإنها أجسام عظيمة نورانية، فإذا قارنت الشمس كوكبا مسخنا في الصيف، صار الصيف أقوى حرا، و هو مثل نار تضم إلى نار أخرى، فإنه لا شك أن يكون الأثر الحاصل من المجموع أقوى، و منها أنه تعالى جعلها علامات يهتدى بها في ظلمات البر و البحر، على ما قال تعالى: وَ عَلاََمََاتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: 16]و منها أنه تعالى جعلها رجوما للشياطين الذين يخرجون الناس من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر،

يروى أن السبب في ذلك أن الجن كانت تتسمع لخبر السماء، فلما بعث محمد صلى اللّه عليه و سلم حرست السماء، و رصدت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقا للسمع رمي بشهاب فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض فيلقيه إلى الناس فيخلط على النبي أمره و يرتاب الناس بخبره،

فهذا هو السبب في انقضاض الشهب، و هو المراد من قوله: وَ جَعَلْنََاهََا رُجُوماً لِلشَّيََاطِينِ و من الناس/من طعن في هذا من وجوه أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، و إذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب و ثانيها:

أن هؤلاء الجن كيف يجوز أن يشاهدوا واحدا و ألفا من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم فإن العاقل إذا رأى الهلاك في شي‏ء مرة و مرارا و ألفا امتنع أن يعود إليه من غير فائدة و ثالثها: أنه يقال في ثخن السماء فإنه مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن نفذوا في جرم السماء و خرقوا اتصاله، فهذا باطل لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور على ما قال: فَارْجِعِ اَلْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ََ مِنْ فُطُورٍ [الملك: 3]و إن كانوا لا ينفذون في جرم السماء، فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، ثم إن جاز أن يسمعوا كلامهم من ذلك البعد العظيم، فلا يسمعوا كلام الملائكة حال كونهم في الأرض و رابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها في اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقفوها من وحي اللّه تعالى إليهم، و على التقديرين فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يتمكن الجن من الوقوف

____________

(1) في الأصل «أكر» و الصواب «كرات» لأنه جمع «كرة» لا «أكرة» .

585

عليها و خامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، و النار لا تحرق النار بل تقويها، فكيف يعقل أن يقال: إن الشياطين زجروا عن استراق السمع بهذه الشهب و سادسها: أنه كان هذا الحذف لأجل النبوة فلم دام بعد وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام و سابعها: أن هذه الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، بدليل أنا نشاهد حركتها بالعين و لو كانت قريبة من الفلك، لما شاهدنا حركتها كما لم نشاهد حركات الكواكب، و إذا ثبت أن هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الأرض، فكيف يقال: إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك و ثامنها: أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة من المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم؟و تاسعها: لم لم يمنعهم اللّه ابتداء من الصعود إلى السماء حتى لا يحتاج في دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب؟.

و الجواب عن السؤال الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صلى اللّه عليه و سلم لأسباب أخر، إلا أن ذلك لا ينافي أنها بعد مبعث النبي عليه الصلاة و السلام قد توجد بسبب آخر و هو دفع الجن و زجرهم.

يروى أنه قيل للزهري: أ كان يرمى في الجاهلية قال: نعم، قيل: أ فرأيت قوله تعالى: وَ أَنََّا كُنََّا نَقْعُدُ مِنْهََا مَقََاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ اَلْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهََاباً رَصَداً [الجن: 9]قال: غلظت و شدد أمرها حين بعث النبي صلى اللّه عليه و سلم.

و الجواب عن السؤال الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى اللّه على طائفة منها الحرق لطغيانها و ضلالتها، قيض لها من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها، تقدم على العمل المفضي إلى الهلاك و البوار.

و الجواب عن السؤال الثالث: أن البعد بين السماء و الأرض مسيرة خمسمائة عام، فأما ثخن الفلك فلعله لا يكون عظيما.

و أما الجواب عن السؤال الرابع: ما

روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى اللّه عليه و سلم جالسا في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: «ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا، قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم» قال عليه الصلاة و السلام: «فإنها لا ترمى لموت أحد و لا لحياته، و لكن ربنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش، ثم سبح أهل السماء، و سبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، و يستخبر أهل السماء حملة العرش، ماذا قال ربكم؟فيخبرونهم، و لا يزال ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، و يتخطف الجن فيرمون، فما جاءوا به فهو حق، و لكنهم يزيدون فيه.

و الجواب عن السؤال الخامس: أن النار قد تكون أقوى من نار أخرى، فالأقوى يبطل الأضعف.

و الجواب عن السؤال السادس: أنه إنما دام لأنه عليه الصلاة و السلام أخبر ببطلان الكهانة، فلو لم يدم هذا العذاب لعادت الكهانة، و ذلك يقدح في خبر الرسول عن بطلان الكهانة.

و الجواب عن السؤال السابع: أن البعد على مذهبنا غير مانع من السماع، فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقفوا في تلك الموضع سمعوا كلام الملائكة.

و الجواب عن السؤال الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة و أعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين.

586

و الجواب عن السؤال التاسع: أنه تعالى يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، فهذا ما يتعلق بهذا الباب على سبيل الاختصار و اللّه أعلم.

و اعلم أنه تعالى ما ذكر منافع الكواكب و ذكر أن من جملة المنافع أنها رجوم للشياطين، قال بعد ذلك:

وَ أَعْتَدْنََا لَهُمْ عَذََابَ اَلسَّعِيرِ أي أعتدنا للشياطين بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عذاب السعير في الآخرة، قال المبرد: سعرت النار فهي مسعورة و سعير كقولك: مقبولة و قبيل، و احتج أصحابنا على أن النار مخلوقة الآن بهذه الآية، لأن قوله: وَ أَعْتَدْنََا إخبار عن الماضي.

اعلم أنه تعالى بين في أول السورة أنه قادر على جميع الممكنات، ثم ذكر بعده أنه و إن كان قادرا على الكل إلا أنه إنما خلق ما خلق لا للعبث و الباطل بل لأجل الابتلاء و الامتحان، و بين/أن المقصود من ذلك الابتلاء أن يكون عزيزا في حق المصرين على الإساءة غفورا في حق التائبين و من ذلك كان كونه عزيزا و غفورا لا يثبتان إلا إذا ثبت كونه تعالى كاملا في القدرة و العلم بين ذلك بالدلائل المذكورة، و حينئذ ثبت كونه قادرا على تعذيب العصاة فقال: وَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذََابُ جَهَنَّمَ أي و لكل من كفر باللّه من الشياطين و غيرهم عذاب جهنم، ليس الشياطين المرجومون مخصوصين بذلك، و قرئ: عذاب جهنم بالنصب عطف بيان على قوله: عَذََابَ اَلسَّعِيرِ [الحج: 4]ثم إنه تعالى وصف ذلك العذاب بصفاته كثيرة. قوله تعالى:

الصفة الأولى: قوله تعالى: إِذََا أُلْقُوا فِيهََا سَمِعُوا لَهََا شَهِيقاً أُلْقُوا طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة و يرمى به فيها، و مثله قوله: حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 98]و في قوله: سَمِعُوا لَهََا شَهِيقاً وجوه أحدها: قال مقاتل: سمعوا لجنهم شهيقاً، و لعل المراد تشبيه صوت لهب النار بالشهيق، قال الزجاج: سمع الكفار للنار شهيقاً، و هو أقبح الأصوات، و هو كصوت الحمار، و قال المبرد: هو و اللّه أعلم تنفس كتنفس المتغيظ و ثانيها: قال عطاء: سمعوا لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها شهيقا و ثالثها: سمعوا من أنفسهم شهيقا، كقوله تعالى: لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ [هود: 106]و القول هو الأول.

الصفة الثانية: قوله: وَ هِيَ تَفُورُ قال الليث: كل شي‏ء جاش فقد فار، و هو فور القدر و الدخان و الغضب و الماء من العين، قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل، و قال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل، و يجوز أن يكون هذا من فور الغضب، قال المبرد: يقال تركت فلانا يفور غضبا، و يتأكد هذا القول بالآية الآتية.

الصفة الثالثة: قوله: تَكََادُ تَمَيَّزُ مِنَ اَلْغَيْظِ يقال: فلان يتميز غيظا،