التفسير الكبير - ج31

- الفخر الرازي‏ المزيد...
201 /
5

الجزء الواحد و الثلاثون‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

سورة النبأ

أربعون آية مكية

في قوله تعالى عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ فيه مسائل:

المسألة الأولى: عَمَّ أصله حرف جر دخل ما الاستفهامية، قال حسان رحمه اللّه تعالى:

على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في رماد

و الاستعمال الكثير على الحذف و الأصل قليل، ذكروا في سبب الحذف وجوها أحدها: قال الزجاج لأن الميم تشرك الغنة في الألف فصارا كالحرفين المتماثلين و ثانيها: قال الجرجاني إنهم إذا وصفوا ما في استفهام حذفوا ألفها تفرقة بينها و بين أن تكون اسما كقولهم: فيم و بم و لم و علام و حتام و ثالثها: قالوا حذفت الألف لاتصال ما بحرف الجر حتى صارت كجزء منه لتنبئ عن شدة الاتصال و رابعها: السبب في هذا الحذف التخفيف في الكلام فإنه لفظ كثير التداول على اللسان.

المسألة الثانية: قوله عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ أنه سؤال، و قوله عَنِ اَلنَّبَإِ اَلْعَظِيمِ جواب السائل و المجيب هو اللّه تعالى، و ذلك يدل على علمه بالغيب، بل بجميع المعلومات. فإن قيل ما الفائدة في أن يذكر الجواب معه؟ قلنا لأن إيراد الكلام في معرض السؤال و الجواب أقرب إلى التفهيم و الإيضاح و نظيره‏ لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ [غافر: 16].

المسألة الثالثة: قرأ عكرمة و عيسى بن عمر (عما) و هو الأصل، و عن ابن كثير أنه قرأ عمه بهاء السكت، و لا يخلو إما أن يجري الوصل مجرى الوقف، و إما أن يقف و يبتدئ بـ يَتَسََاءَلُونَ‏`عَنِ اَلنَّبَإِ اَلْعَظِيمِ على أن يضمر يتساءلون لأن ما بعده يفسره كشي‏ء مبهم ثم يفسره.

المسألة الرابعة: (ما) لفظة وضعت لطلب ماهيات الأشياء و حقائقها، تقول ما الملك؟و ما الروح؟و ما الجن؟و المراد طلب ماهياتها و شرح حقائقها، و ذلك يقتضي كون ذلك المطلوب مجهولا. ثم إن الشي‏ء العظيم الذي يكون لعظمه و تفاقم مرتبته و يعجز العقل عن أن يحيط بكنهه يبقى مجهولا، فحصل بين الشي‏ء المطلوب‏

6

بلفظ ما و بين الشي‏ء العظيم مشابهة من هذا الوجه و المشابهة إحدى أسباب المجاز، فبهذا الطريق جعل (ما) دليلا على عظمة حال ذلك المطلوب و علو رتبته/و منه قوله تعالى‏ وَ مََا أَدْرََاكَ مََا سِجِّينٌ [المطففين: 8]، وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْعَقَبَةُ [البلد: 12]و تقول زيد و ما زيد.

المسألة الخامسة: التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضا كالتقابل، و قد يستعمل أيضا في أن يتحدثوا به، و إن لم يكن من بعضهم لبعض سؤال، قال تعالى: وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ يَتَسََاءَلُونَ* [الطور: 25] قََالَ قََائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كََانَ لِي قَرِينٌ*`يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُصَدِّقِينَ [الصافات: 51، 52]فهذا يدل على معنى التحدث فيكون معنى الكلام عم يتحدثون، و هذا قول الفراء.

المسألة السادسة: أولئك الذين كانوا يتساءلون من هم، فيه احتمالات: الاحتمال الأول: أنهم هم الكفار، و الدليل عليه قوله تعالى: كَلاََّ سَيَعْلَمُونَ*`ثُمَّ كَلاََّ سَيَعْلَمُونَ [النبأ: 4، 5]الضمير في يتساءلون، و هم فيه مختلفون و سيعلمون، راجع إلى شي‏ء واحد و قوله: كَلاََّ سَيَعْلَمُونَ تهديد و التهديد لا يليق إلا بالكفار، فثبت أن الضمير في قوله: يَتَسََاءَلُونَ عائد إلى الكفار، فإن قيل فما تصنع بقوله: هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ مع أن الكفار كانوا متفقين في إنكار الحشر؟قلنا لا نسلم أنهم كانوا متفقين في إنكار الحشر، و ذلك لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحاني، و هم جمهور النصارى، و أما المعاد الجسماني فمنهم من كان شاكا فيه كقوله: وَ مََا أَظُنُّ اَلسََّاعَةَ قََائِمَةً وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى‏ََ رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى‏ََ [فصلت: 50]و منهم من أصر على الإنكار، و يقول: إِنْ هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا نَمُوتُ وَ نَحْيََا وَ مََا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [المؤمنون: 37]و منهم من كان مقرّا به، لكنه كان منكرا لنبوة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، فقد حصل اختلافهم فيه، و أيضا هب أنهم كانوا منكرين له لكن لعلهم اختلفوا في كيفية إنكاره، فمنهم من كان ينكره لأنه كان ينكر الصانع المختار، و منهم من كان ينكره لاعتقاده أن إعادة المعدوم ممتنعة لذاتها و القادر المختار إنما يكون قادرا على ما يكون ممكنا في نفسه، و هذا هو المراد بقوله: هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ .

و الاحتمال الثاني: أن الذين كانوا يتساءلون هم الكفار و المؤمنون، و كانوا جميعا يتساءلون عنه، أما المسلم فليزداد بصيرة و يقينا في دينه، و أما الكافر فعلى سبيل السخرية، أو على سبيل إيراد الشكوك و الشبهات.

و الاحتمال الثالث: أنهم كانوا يسألون الرسول، و يقولون ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة.

أما قوله تعالى: عَنِ اَلنَّبَإِ اَلْعَظِيمِ ففيه مسائل.

المسألة الأولى: ذكر المفسرون في تفسير النبأ العظيم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه هو القيامة و هذا هو الأقرب و يدل عليه وجوه أحدها: قوله: سَيَعْلَمُونَ و الظاهر أن المراد منه أنهم سيعلمون هذا الذي يتساءلون عنه حين لا تنفعهم تلك المعرفة، و معلوم أن ذلك هو القيامة و ثانيها: أنه تعالى بين كونه قادرا على جميع الممكنات بقوله: أَ لَمْ نَجْعَلِ اَلْأَرْضَ مِهََاداً إلى قوله: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ [طه: 102]و ذلك يقتضي أنه تعالى إنما قدم هذه المقدمة لبيان كونه تعالى قادرا/على إقامة القيامة، و لما كان الذي أثبته اللّه تعالى بالدليل العقلي في هذه السورة هو هذه المسألة ثبت أن النبأ العظيم الذي كانوا يتساءلون عنه هو يوم القيامة و ثالثها: أن العظيم اسم لهذا اليوم بدليل قوله: أَ لاََ يَظُنُّ أُولََئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ*`لِيَوْمٍ عَظِيمٍ*`يَوْمَ يَقُومُ اَلنََّاسُ لِرَبِ‏

7

اَلْعََالَمِينَ [المطففين: 4، 6]و قوله: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ*`أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: 67، 68]و لأن هذا اليوم أعظم الأشياء لأن ذلك منتهى فزع الخلق و خوفهم منه فكان تخصيص اسم العظيم به لائقا و القول الثاني: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ [الواقعة: 77]و احتج القائلون بهذا الوجه بأمرين الأول: أن النبأ العظيم هو الذي كانوا يختلفون فيه و ذلك هو القرآن لأن بعضهم جعله سحرا و بعضهم شعرا، و بعضهم قال إنه أساطير الأولين، فأما البعث و نبوة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم فقد كانوا متفقين على إنكارهما و هذا ضعيف، لأنا بينا أن الاختلاف كان حاصلا في البعث الثاني: أن النبأ اسم الخبر لا اسم المخبر عنه فتفسير النبأ بالقرآن أولى من تفسيره بالبعث أو النبوة، لأن ذلك في نفسه ليس بنبإ بل منبأ عنه، و يقوى ذلك أن القرآن سمي ذكرا و تذكرة و ذكرى و هداية و حديثا، فكان اسم النبأ به أليق منه بالبعث و النبوة و الجواب: عنه أنه إذا كان اسم النبأ أليق بهذه الألفاظ فاسم العظيم أليق بالقيامة و بالنبوة لأنه لا عظمة في الألفاظ إنما العظمة في المعاني، و للأولين أن يقولوا إنها عظيمة أيضا في الفصاحة و الاحتواء على العلوم الكثيرة، و يمكن أن يجاب أن العظيم حقيقة في الأجسام مجاز في غيرها و إذا ثبت التعارض بقي ما ذكرنا من الدلائل سليما القول الثالث: أن النبأ العظيم هو نبوة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، قالوا و ذلك لأنه لما بعث الرسول عليه الصلاة و السلام جعلوا يتساءلون بينهم ما ذا الذي حدث؟فأنزل اللّه تعالى: عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ و ذلك لأنهم عجبوا من إرسال اللّه محمدا عليه الصلاة و السلام إليهم كما قال تعالى: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جََاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقََالَ اَلْكََافِرُونَ هََذََا شَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ [ق: 2]و عجبوا أيضا أن جاءهم بالتوحيد كما قال: أَ جَعَلَ اَلْآلِهَةَ إِلََهاً وََاحِداً إِنَّ هََذََا لَشَيْ‏ءٌ عُجََابٌ [ص: 5]فحكى اللّه تعالى عنهم مساءلة بعضهم بعضا على سبيل التعجب بقوله: عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ .

المسألة الثانية: في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه أحدها: و هو قول البصريين أن قوله: عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ كلام تام، ثم قال: عَنِ اَلنَّبَإِ اَلْعَظِيمِ و التقدير: يَتَسََاءَلُونَ‏`عَنِ اَلنَّبَإِ اَلْعَظِيمِ إلا أنه حذف يتساءلون في الآية الثانية، لأن حصوله في الآية الأولى يدل عليه‏}و ثانيها: أن يكون قوله: عَنِ اَلنَّبَإِ اَلْعَظِيمِ استفهاما متصلا بما قبله، و التقدير: عم يتساءلون أ عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، إلا أنه اقتصر على ما قبله من الاستفهام إذ هو متصل به، و كالترجمة و البيان له كما قرئ في قوله: أَ إِذََا مِتْنََا وَ كُنََّا تُرََاباً وَ عِظََاماً أَ إِنََّا لَمَبْعُوثُونَ* [الصافات: 16]بكسر الألف من غير استفهام لأن إنكارهم إنما كان للبعث، و لكنه لما ظهر الاستفهام في أول الكلام اقتصر عليه، فكذا هاهنا و ثالثها: و هو اختيار الكوفيين أن الآية الثانية متصلة بالأولى على تقدير، لأي شي‏ء يتساءلون عن النبأ العظيم، و عم كأنها في المعنى لأي شي‏ء، و هذا قول الفراء.

} قال القفال: كلا لفظة وضعت لرد شي‏ء قد تقدم، هذا هو الأظهر منها في الكلام، و المعنى ليس الأمر كما يقوله هؤلاء في النبأ العظيم إنه باطل أو إنه لا يكون، و قال قائلون كلا معناه حقا، ثم إنه تعالى قرر ذلك الردع و التهديد، فقال: كَلاََّ سَيَعْلَمُونَ و هو وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون أن ما يتساءلون عنه و يضحكون منه حق لا دافع له، واقع لا ريب فيه، و أما تكرير الردع، ففيه وجهان الأول: أن الغرض من التكرير التأكيد

8

و التشديد، و معنى ثم الإشعار بأن الوعيد الثاني أبلغ من الوعيد الأول و أشدو الثاني: أن ذلك ليس بتكرير، ثم ذكروا وجوها أحدها: قال الضحاك الآية الأولى للكفار و الثانية للمؤمنين أي سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم و سيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم و ثانيها: قال القاضي: و يحتمل أن يريد بالأول سيعلمون نفس الحشر و المحاسبة، و يريد بالثاني سيعلمون نفس العذاب إذا شاهدوه و ثالثها: كَلاََّ سَيَعْلَمُونَ ما اللّه فاعل بهم يوم القيامة ثُمَّ كَلاََّ سَيَعْلَمُونَ أن الأمر ليس كما كانوا يتوهمون من أن اللّه غير باعث لهم و رابعها: كَلاََّ سَيَعْلَمُونَ ما يصل إليهم من العذاب في الدنيا و كما جرى على كفار قريش يوم بدر ثُمَّ كَلاََّ سَيَعْلَمُونَ بما ينالهم في الآخرة.

المسألة الثالثة: جمهور القراء قرءوا بالياء المنقطة من تحت في (سيعلمون) و روي بالتاء المنقطة من فوق عن ابن عامر. قال الواحدي: و الأول أولى، لأن ما تقدم من قوله: هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [النبأ: 3]على لفظ الغيبة، و التاء على قل لهم: ستعلمون، و أقول: يمكن أن يكون ذلك على سبيل الالتفات، و هو هاهنا متمكن حسن، كمن يقول: إن عبدي يقول كذا و كذا، ثم يقول لعبده: إنك ستعرف وبال هذا الكلام.

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم إنكار البعث و الحشر، و أراد إقامة الدلالة على صحة الحشر قدم لذلك مقدمة في بيان كونه تعالى قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع المعلومات، و ذلك لأنه مهما ثبت هذان الأصلان ثبت القول بصحة البعث، و إنما أثبت هذين الأصلين بأن عدد أنواعا من مخلوقاته الواقعة على وجه الإحكام و الإتقان، فإن تلك الأشياء من جهة حدوثها تدل على القدرة، و من جهة إحكامها و إتقانها تدل على العلم، و متى ثبت هذان الأصلان و ثبت أن الأجسام متساوية في قبول الصفات و الأعراض، ثبت لا محالة كونه تعالى قادرا على تخريب الدنيا بسماواتها و كواكبها و أرضها، و على إيجاد عالم الآخرة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية النظم.

و اعلم أنه تعالى ذكر هاهنا من عجائب مخلوقاته أمورا فأولها: قوله: أَ لَمْ نَجْعَلِ اَلْأَرْضَ مِهََاداً و المهاد مصدر، ثم هاهنا احتمالات أحدها: المراد منه هاهنا الممهود، أي أ لم نجعل الأرض ممهودة/و هذا من باب تسمية المفعول بالمصدر، كقولك هذا ضرب الأمير و ثانيها: أن تكون الأرض و صفت بهذا المصدر، كما تقول: زيد جود و كرم و فضل، كأنه لكماله في تلك الصفة صار عين تلك الصفة و ثالثها: أن تكون بمعنى ذات مهاد، و قرئ مهدا، و معناه أن الأرض للخلق كالمهد للصبي، و هو الذي مهد له فينوم عليه.

و اعلم أنا ذكرنا في تفسير سورة البقرة عند قوله: جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً [البقرة: 22]كل ما يتعلق من الحقائق بهذه الآية. و ثانيها: قوله تعالى:

أي للأرض‏[كي‏]لا تميد بأهلها، فيكمل كون الأرض مهادا بسبب ذلك قد تقدم أيضا. و ثالثها: قوله تعالى:

9

و فيه قولان: الأول: المراد الذكر و الأنثى كما قال: وَ أَنَّهُ خَلَقَ اَلزَّوْجَيْنِ اَلذَّكَرَ وَ اَلْأُنْثى‏ََ [النجم: 45]، و الثاني: أن المراد منه كل زوجين و[كل‏]متقابلين من القبيح و الحسن و الطويل و القصير و جميع المتقابلات و الأضداد، كما قال: وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََا زَوْجَيْنِ [الذاريات: 49]و هذا دليل ظاهر على كمال القدرة و نهاية الحكمة حتى يصح الابتلاء و الامتحان، فيتعبد الفاضل بالشكر و المفضول بالصبر و يتعرف حقيقة كل شي‏ء بضده، فالإنسان إنما يعرف قدر الشباب عند الشيب، و إنما يعرف قدر الأمن عند الخوف، فيكون ذلك أبلغ في تعريف النعم. و رابعها: قوله تعالى:

طعن بعض الملاحدة في هذه الآية فقالوا: السبات هو النوم، و المعنى: و جعلنا نومكم نوما، و اعلم أن العلماء ذكروا في التأويل وجوها أولها: قال الزجاج: سُبََاتاً موتا و المسبوت الميت من السبت و هو القطع لأنه مقطوع عن الحركة و دليله أمران أحداهما: قوله تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي يَتَوَفََّاكُمْ بِاللَّيْلِ إلى قوله: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ [الأنعام: 60]و الثاني: أنه لما جعل النوم موتا جعل اليقظة معاشا، أي حياة في قوله: وَ جَعَلْنَا اَلنَّهََارَ مَعََاشاً [النبأ: 11]و هذا القول عندي ضعيف لأن الأشياء المذكورة في هذه الآية جلائل النعم، فلا يليق الموت بهذا المكان و أيضا ليس المراد بكونه موتا، أن الروح انقطع عن البدن، بل المراد منه انقطاع أثر الحواس الظاهرة، و هذا هو النوم، و يصير حاصل الكلام إلى: إنا جعلنا نومكم نوما و ثانيها: قال الليث: السبات النوم شبه الغشي يقال سبت. المريض فهو مسبوت، و قال أبو عبيدة: السبات الغشية التي تغشى الإنسان شبه الموت، و هذا القول أيضا ضعيف، لأن الغشي هاهنا إن كان النوم فيعود الإشكال، و إن كان المراد بالسبات شدة ذلك الغشي فهو. باطل، لأنه ليس كل نوم كذلك و لأنه مرض فلا يمكن ذكره في أثناء تعديد النعم و ثالثها: أن السبت في أصل اللغة هو القطع يقال سبت الرجل رأسه يسبته سبتا إذا حلق شعره، و قال ابن الأعرابي في قوله:

سُبََاتاً أي قطعا/ثم عند هذا يحتمل وجوها الأول: أن يكون المعنى: و جعلنا نومكم نوما متقطعا لا دائما، فإن النوم بمقدار الحاجة من أنفع الأشياء. أما دوامه فمن أضر الأشياء، فلما كان انقطاعه نعمة عظيمة لا جرم ذكره اللّه تعالى في معرض الإنعام الثاني. أن الإنسان إذا تعب ثم نام، فذلك النوم يزيل عنه ذلك التعب، فسميت تلك الإزالة سبتا و قطعا، و هذا هو المراد من قول ابن قتيبة: وَ جَعَلْنََا نَوْمَكُمْ سُبََاتاً أي راحة، و ليس غرضه منه أن السبات اسم للراحة، بل المقصود أن النوم يقطع التعب و يزيله، فحينئذ تحصل الراحة الثالث:

قال المبرد: وَ جَعَلْنََا نَوْمَكُمْ سُبََاتاً أي جعلناه نوما خفيفا يمكنكم دفعه و قطعه، تقول العرب: رجل مسبوت إذا كان النوم يغالبه و هو يدافعه، كأنه قيل: و جعلنا نومكم نوما لطيفا يمكنكم دفعه، و ما جعلناه غشيا مستوليا عليكم، فإن ذلك من الأمراض الشديدة، و هذه الوجوه كلها صحيحة. و خامسها: قوله تعالى:

قال القفال: أصل اللباس هو الشي‏ء الذي يلبسه الإنسان و يتغطى به، فيكون ذلك مغطيا له، فلما كان‏

10

الليل يغشى الناس بظلمته فيغطيهم جعل لباسا لهم، و هذا السبت سمي الليل لباسا على وجه المجاز، و المراد كون الليل ساترا لهم. و أما وجه النعمة في ذلك، فهو أن ظلمة الليل تستر الإنسان عن العيون إذا أراد هربا من عدو، أو بياتا له، أو إخفاء ما لا يحب الإنسان إطلاع غيره عليه، قال المتنبي:

و كم لظلام الليل عندي من يد # تخبر أن المانوية تكذب‏

و أيضا فكما أن الإنسان بسبب اللباس يزداد جماله و تتكامل قوته و يندفع عنه أذى الحر و البرد، فكذا لباس الليل بسبب ما يحصل فيه من النوم يزيد في جمال الإنسان، و في طراوة أعضائه و في تكامل قواه الحسية و الحركية، و يندفع عنه أذى التعب الجسماني، و أذى الأفكار الموحشة النفسانية، فإن المريض إذا نام بالليل وجد الخفة العظيمة. و سادسها: قوله تعالى:

في المعاش وجهان أنه مصدر يقال: عاش يعيش عيشا و معاشا و معيشة و عيشة، و على هذا التقدير فلا بد فيه من إضمار، و المعنى و جعلنا النهار وقت معاش و الثاني: أن يكون معاشا مفعلا و ظرفا للتعيش، و على هذا لا حاجة إلى الإضمار، و معنى كون النهار معاشا أن الخلق إنما يمكنهم التقلب في حوائجهم و مكاسبهم في النهار لا في الليل. و سابعها: قوله تعالى:

أي سبع سموات شدادا جمع شديدة/يعني محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الزمان، لا فطور فيها و لا فروج، و نظيره‏ وَ جَعَلْنَا اَلسَّمََاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء: 32]فإن قيل لفظ البناء يستعمل في أسافل البيت و السقف في أعلاه فكيف قال: وَ بَنَيْنََا فَوْقَكُمْ سَبْعاً ؟قلنا البناء يكون أبعد من الآفة و الانحلال من السقف، فذكر قوله: وَ بَنَيْنََا إشارة إلى أنه و إن كان سقفا لكنه في البعد عن الانحلال كالبناء، فالغرض من اختيار هذا اللفظ هذه الدقيقة. و ثامنها: قوله تعالى:

كلام أهل اللغة مضطرب في تفسير الوهاج، فمنهم من قال الوهج مجمع النور و الحرارة، فبين اللّه تعالى أن الشمس بالغة إلى أقصى الغايات في هذين الوصفين، و هو المراد بكونها وهاجا، و روى الكلبي عن ابن عباس أن الوهاج مبالغة في النور فقط، يقال للجوهر إذا تلألأ توهج، و هذا يدل على أن الوهاج يفيد الكمال في النور، و منه قول الشاعر يصف النور:

نوارها متباهج يتوهج‏

و في كتاب الخليل: الوهج، حر النار و الشمس، و هذا يقتضي أن الوهاج هو البالغ في الحر و اعلم أن أي هذه الوجود إذا ثبت فالمقصود حاصل. تاسعها: قوله:

11

أما المعصرات ففيها قولان: الأول: و هو إحدى الروايتين عن ابن عباس، و قول مجاهد، و مقاتل و الكلبي و قتادة إنها الرياح التي تثير السحاب و دليله قوله تعالى: اَللََّهُ اَلَّذِي يُرْسِلُ اَلرِّيََاحَ فَتُثِيرُ سَحََاباً [الروم: 48]فإن قيل على هذا التأويل كان ينبغي أن يقال و أنزلنا بالمعصرات، قلنا: الجواب: من وجهين الأول: أن المطر إنما ينزل من السحاب، و السحاب إنما يثيره الرياح، فصح أن يقال هذا المطر إنما حصل من تلك الرياح، كما يقال هذا من فلان، أي من جهته و بسببه الثاني: أن من هاهنا بمعنى الباء و التقدير، و أنزلنا بالمعصرات أي بالرياح المثيرة للسحاب و يروى عن عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن الزبير و عكرمة أنهم قرءوا (و أنزلنا بالمعصرات) و طعن الأزهري في هذا القول، و قال الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر، و قد وصف اللّه تعالى المعصرات بالماء الثجاج و جوابه: أن الإعصار ليست من رياح المطر، فلم لا يجوز أن تكون المعصرات من رياح المطر؟ القول الثاني: و هو الرواية الثانية عن ابن عباس و اختيار أبي العالية و الربيع و الضحاك أنها السحاب، و ذكروا في تسمية السحاب بالمعصرات وجوها أحدها: قال المؤرج: المعصرات السحائب بلغة قريش و ثانيها: قال المازني يجوز أن تكون المعصرات هي السحائب ذوات الأعاصير فإن السحائب إذا عصرتها الأعاصير لا بد و أن ينزل المطر منها و ثالثها: أن المعصرات هي السحائب التي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك: أجز الزرع إذا حان له أن يجز، /و منه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض، و أما الثجاج فاعلم أن الثج شدة الانصباب يقال: مطر ثجاج و دم ثجاج أي شديد الانصباب.

و اعلم أن الثج قد يكون لازما، و هو بمعنى الانصباب كما ذكرنا، و قد يكون متعديا بمعنى الصب و

في الحديث «أفضل الحج العج و الثج»

أي رفع الصوت بالتلبية و صب دماء الهدي، و كان ابن عباس مثجا أي يثج الكلام ثجا في خطبته و قد فسروا الثجاج في هذه الآية على الوجهين، و قال الكلبي و مقاتل و قتادة الثجاج هاهنا المتدفق المنصب، و قال الزجاج معناه الصباب كأنه يثج نفسه أي يصب. و بالجملة فالمراد تتابع القطر حتى يكثر الماء فيعظم النفع به.

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: كل شي‏ء نبت من الأرض فإما أن لا يكون له ساق و إما أن يكون، فإن لم يكن له ساق فإما أن يكون له أكمام و هو الحب و إما أن لا يكون له أكمام و هو الحشيش و هو المراد هاهنا بقوله: وَ نَبََاتاً و إلى هذين القسمين الإشارة بقوله تعالى: كُلُوا وَ اِرْعَوْا أَنْعََامَكُمْ [طه: 54]و أما الذي له ساق فهو الشجر فإذا اجتمع منها شي‏ء كثير سميت جنة، فثبت بالدليل العقلي انحصار ما ينبت في الأرض في هذه الأقسام الثلاثة، و إنما قدم اللّه تعالى الحب لأنه هو الأصل في الغذاء، و إنما ثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات إليه، و إنما أخر الجنات في الذكر لأن الحاجة إلى الفواكه ليست ضرورية.

المسألة الثانية: اختلفوا في ألفافا، فذكر صاحب «الكشاف» أنه لا واحد له كالاوزاع و الأخياف، و الأوزاع الجماعات المتفرقة و الأخياف الجماعات المختلطة. و كثير من اللغويين أثبتوا له واحدا، ثم اختلفوا فيه، فقال

12

الأخفش و الكسائي: واحدها لف بالكسر، و زاد الكسائي: لف بالضم، و أنكر المبرد الضم، و قال: بل واحدها لفاء. و جمعها لف، و جمع لف ألفاف، و قيل يحتمل أن يكون جمع لفيف كشريف و أشراف نقله القفال رحمه اللّه، }إذا عرفت هذا فنقول قوله: وَ جَنََّاتٍ أَلْفََافاً أي ملتفة، و المعنى أن كل جنة فإن ما فيها من الشجر تكون مجتمعة متقاربة، ألا تراهم يقولون امرأة لفاء إذا كانت غليظة الساق مجتمعة اللحم يبلغ من تقاربه أن يتلاصق.

المسألة الثالثة: كان الكعبي من القائلين بالطبائع، فاحتج بقوله تعالى: لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَبََاتاً و قال: إنه يدل على بطلان قول من قال إن اللّه تعالى لا يفعل شيئا بواسطة شي‏ء آخر.

اعلم أن التسعة التي عددها اللّه تعالى نظرا إلى حدوثها في ذواتها و صفاتها، و نظرا إلى إمكانها في ذواتها و صفاتها تدل على القادر المختار، و نظرا إلى ما فيها من الإحكام و الإتقان تدل على أن فاعلها عالم، ثم إن ذلك الفاعل القديم يجب أن يكون علمه و قدرته واجبين، إذ لو كانا جائزين لافتقر إلى فاعل آخر و يلزم التسلسل و هو محال، و إذا كان العلم و القدرة واجبين وجب تعلقهما بكل ما صح أن يكون مقدورا و معلوما و إلا لافتقر إلى المخصص و هو محال، و إذا كان كذلك وجب أن يكون قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع المعلومات، و قد ثبت الإمكان و ثبت عموم القدرة في الجسمية فكل ما صح على واحد منها صح على الآخر، فكما يصح على الأجسام السلفية الانشقاق و الانفطار و الظلمة وجب أن يصح ذلك على الأجسام، و إذا ثبت الإمكان و ثبت عموم القدرة و العلم، ثبت أنه تعالى قادر على تخريب الدنيا، و قادر إيجاد عالم آخر، و عند ذلك ثبت أن القول بقيام القيامة ممكن عقلا و إلى هاهنا يمكن إثباته بالعقل، فأما ما وراء ذلك من وقت حدوثها و كيفية حدوثها فلا سبيل إليه إلا بالسمع، ثم إنه تعالى تكلم في هذه الأشياء بقوله: إِنَّ يَوْمَ اَلْفَصْلِ كََانَ مِيقََاتاً ثم إنه تعالى ذكر بعض أحوال القيامة فأولها: قوله: إِنَّ يَوْمَ اَلْفَصْلِ كََانَ مِيقََاتاً و المعنى أن هذا اليوم كان في تقدير اللّه، و حكمه حدا تؤقت به الدنيا، أو حدا للخلائق ينتهون إليه، أو كان ميقاتا لما وعد اللّه من الثواب و العقاب، أو كان ميقاتا لاجتماع كل الخلائق في فصل الحكومات و قطع الخصومات.

و ثانيها: قوله تعالى:

اعلم أن يَوْمَ يُنْفَخُ بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان، و هذا النفخ هو النفخة الأخيرة التي عندها يكون الحشر، و النفخ في الصور فيه قولان: أحدهما: أن الصور جمع الصور، فالنفخ في الصور عبارة عن نفخ الأرواح في الأجساد و الثاني: أن الصور عبارة عن قرن ينفخ فيه. و تمام الكلام في الصور و ما قيل فيه قد تقدم في سورة الزمر، و قوله: فَتَأْتُونَ أَفْوََاجاً معناه أنهم يأتون ذلك المقام فوجا فوجا حتى يتكامل اجتماعهم. قال عطاء كل نبي يأتي مع أمته، و نظيره قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ [الإسراء: 71]و قيل جماعات مختلفة،

روى صاحب «الكشاف» عن معاذ أنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عنه، فقال عليه السلام: يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور، ثم أرسل عينيه و قال: يحشر عشرة أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة، و بعضهم على‏

13

صورة الخنازير، و بعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، و بعضهم عمى، و بعضهم صم بكم، و بعضهم يمضغون ألسنتهم و هي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، و بعضهم مقطعة أيديهم و أرجلهم، و بعضهم مصلبون على جذوع من نار، و بعضهم/أشد نتنا من الجيف، و بعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم. فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس. و أما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت. و أما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا، و أما العمى فالذين يجورون في الحكم، و أما الصم و البكم فالمعجبون بأعمالهم، و أما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء و القصاص الذين يخالف قولهم أعمالهم، و أما الذين قطعت أيديهم و أرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران و أما المصلبون على جذوع من النار فالسعاة بالناس إلى السلطان، و أما الذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات و اللذات و منعوا حق اللّه تعالى من أموالهم، و أما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر و الفخر و الخيلاء.

و ثالثها: قوله تعالى:

قرأ عاصم و حمزة و الكسائي فتحت خفيفة و الباقون بالتثقيل و المعنى كثرت أبوابها المفتحة لنزول الملائكة قال القاضي: و هذا الفتح هو معنى قوله: إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْشَقَّتْ [الإنشقاق: 1]و إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْفَطَرَتْ [الإنفطار: 1]إذ الفتح و التشقق و التفطر، تتقارب، و أقول: هذا ليس بقوي لأن المفهوم من فتح الباب غير المفهوم من التشقق و التفطر، فربما كانت السماء أبوابا، ثم تفتح تلك الأبواب مع أنه لا يحصل في جرم السماء تشقق و لا تفطر، بل الدلائل السمعية دلت على أن عند حصول فتح هذه الأبواب يحصل التشقق و التفطر و الفناء بالكلية، فإن قيل قوله: وَ فُتِحَتِ اَلسَّمََاءُ فَكََانَتْ أَبْوََاباً يفيد أن السماء بكليتها تصير أبوابا، فكيف يعقل ذلك؟قلنا فيه وجوه: أحدها: أن تلك الأبواب لما كثرت جدا صارت كأنها ليست إلا أبوابا مفتحة كقوله: وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً [القمر: 12]أي كأن كلها صارت عيونا تتفجر و ثانيها: قال الواحدي هذا من باب تقدير حذف المضاف، و التقدير فكانت ذات أبواب و ثالثها: أن الضمير في قوله: فَكََانَتْ أَبْوََاباً عائد إلى مضمر و التقدير فكانت تلك المواضع المفتوحة أبوابا لنزول الملائكة، كما قال تعالى: وَ جََاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22].

و رابعها: قوله تعالى:

اعلم أن اللّه تعالى ذكر في مواضع من كتابه أحوال هذه الجبال على وجوه مختلفة، و يمكن الجمع بينها على الوجه الذي نقوله: و هو أن أول أحوالها الاندكاك و هو قوله: وَ حُمِلَتِ اَلْأَرْضُ وَ اَلْجِبََالُ فَدُكَّتََا دَكَّةً وََاحِدَةً [الحاقة: 14].

و الحالة الثانية لها: أن تصير كَالْعِهْنِ اَلْمَنْفُوشِ [القارعة: 5]و ذكر اللّه تعالى ذلك في قوله: يَوْمَ يَكُونُ اَلنََّاسُ كَالْفَرََاشِ اَلْمَبْثُوثِ*`وَ تَكُونُ اَلْجِبََالُ كَالْعِهْنِ اَلْمَنْفُوشِ [القارعة: 4، 5]و قوله: يَوْمَ تَكُونُ‏

14

اَلسَّمََاءُ كَالْمُهْلِ*`وَ تَكُونُ اَلْجِبََالُ كَالْعِهْنِ [المعارج: 8، 9].

و الحالة الثالثة: أن تصير كالهباء و ذلك أن تتقطع و تتبدد بعد أن كانت كالعهن و هو قوله: / إِذََا رُجَّتِ اَلْأَرْضُ رَجًّا*`وَ بُسَّتِ اَلْجِبََالُ بَسًّا*`فَكََانَتْ هَبََاءً مُنْبَثًّا [الواقعة: 4-6].

و الحالة المسألة الرابعة: أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها و الأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها و هو المراد من قوله: فَقُلْ يَنْسِفُهََا رَبِّي نَسْفاً [طه: 105].

و الحالة الخامسة: أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعا في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساما جامدة و هي الحقيقة مارة إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها[صيرها]مندكة متفتتة، و هي قوله: تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحََابِ [النحل: 88]ثم بين أن تلك الحركة حصلت بقهره و تسخيره، فقال:

وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ اَلْجِبََالَ [الطور: 10] وَ تَرَى اَلْأَرْضَ بََارِزَةً [الكهف: 47].

الحالة السادسة: أن تصير سرابا، بمعنى لا شي‏ء، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا، كما أن من يرى السراب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه فيه لم يجده شيئا و اللّه أعلم.

و اعلم أن الأحوال المذكورة إلى هاهنا هي: أحوال عامة، و من هاهنا يصف أهوال جهنم و أحوالها.

فأولها: قوله تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن يعمر: أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة، بأن جهنم كانت مرصادا للطاغين، كأنه قيل كان كذلك لإقامة الجزاء.

المسألة الثانية: كانت مرصادا، أي في علم اللّه تعالى، و قيل صارت، و هذان القولان نقلهما القفال رحمه اللّه تعالى، و فيه وجه ثالث ذكره القاضي، فإنا إذا فسرنا المرصاد بالمرتقب، أفاد ذلك أن جهنم كانت كالمنتظرة لمقدومهم من قديم الزمان، و كالمستدعية و الطالبة لهم.

المسألة الثالثة: في المرصاد قولان: أحدهما: أن المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه، كالمضمار اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل، و المنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه، و على هذا الوجه فيه احتمالان:

أحدهما: أن خزنة جهنم يرصدون الكفار و الثاني: أن مجاز المؤمنين و ممرهم كان على جهنم، لقوله: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا [مريم: 71]فخزنة الجنة يستقبلون المؤمنين عند جهنم، و يرصدونهم عندها.

القول الثاني: أن المرصاد مفعال من الرصد، و هو الترقب، بمعنى أن ذلك يكثر منه، و المفعال من أبنية المبالغة كالمعطار و المعمار و المطعان، قيل إنها ترصد أعداء اللّه و تشق عليهم، كما قال تعالى: تَكََادُ تَمَيَّزُ مِنَ اَلْغَيْظِ [الملك: 8]قيل ترصد كل كافر و منافق، و القائلون بالقول الأول. استدلوا على صحة قولهم بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصََادِ [الفجر: 14]و لو كان المرصاد نعتا لوجب أن يقال: إن ربك لمرصاد.

15

المسألة الرابعة: دلت الآية على أن جهنم كانت مخلوفة لقوله تعالى: إِنَّ جَهَنَّمَ كََانَتْ مِرْصََاداً أي معدة، و إذا كان كذلك كانت الجنة أيضا كذلك، لأنه لا قائل بالفرق.

و ثانيها: قوله:

و فيه وجهان: إن قلنا إنه مرصاد للكفار فقط كان قوله: لِلطََّاغِينَ من تمام ما قبله، و التقدير إن جهنم كانت مرصادا للطاغين، ثم قوله: مَآباً بدل من قوله: مِرْصََاداً و إن قلنا بأنها كانت مرصادا مطلقا للكفار و للمؤمنين، كان قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كََانَتْ مِرْصََاداً [النبأ: 21]كلاما تاما، و قوله: لِلطََّاغِينَ مَآباً كلام مبتدأ كأنه قيل إن جهنم مرصاد للكل، و مآب للطاغين خاصة، و من ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله مرصادا أما من ذهب إلى القول الثاني وقف عليه، ثم يقول المراد بالطاغين من تكبر على ربه و طغى في مخالفته و معارضته، و قوله: مَآباً أي مصيرا و مقرا.

و ثالثها:

اعلم أنه تعالى لما بين أن جهنم مآب للطاغين، و بين كمية استقرارهم هناك، فقال: لاََبِثِينَ فِيهََا أَحْقََاباً و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: قرأ الجمهور: لاََبِثِينَ و قرأ حمزة لبثين و فيه وجهان قال الفراء هما بمعنى واحد يقال لابث و لبث، مثل طامع. و طمع، و فاره، و فره، و هو كثير، و قال صاحب الكشاف و اللبث أقوى لأن اللابث من وجد منه اللبث، و لا يقال: لبث إلا لمن شأنه اللبث، و هو أن يستقر في المكان، و لا يكاد ينفك عنه.

المسألة الثانية: قال الفراء أصل الحقب من الترادف، و التتابع يقال أحقب، إذا أردف و منه الحقيبة و منه كل من حمل وزرا، فقد احتقب، فيجوز على هذا المعنى: لاََبِثِينَ فِيهََا أَحْقََاباً أي دهورا متتابعة يتبع بعضها بعضا، و يدل عليه قوله تعالى: لاََ أَبْرَحُ حَتََّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ اَلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً [الكهف: 60]يحتمل سنين متتابعة إلى أن أبلغ أو آنس، و اعلم أن الأحقاب، واحدها حقب و هو ثمانون سنة عند أهل اللغة، و الحقب السنون واحدتها حقبة و هي زمان من الدهر لا وقت له ثم نقل عن المفسرين فيه وجوه: أحدها: قال عطاء و الكلبي و مقاتل عن ابن عباس في قوله: أَحْقََاباً الحقب الواحد بضع و ثمانون سنة، و السنة ثلاثمائة و ستون يوما، و اليوم ألف سنة من أيام الدنيا، و نحو هذا روى ابن عمر مرفوعا و ثانيها:

سأل هلال الهجري عليا عليه السلام. فقال الحقب مائة سنة، و السنة اثنا عشر شهرا، و الشهر ثلاثون يوما، و اليوم ألف سنة

و ثالثها: قال الحسن الأحقاب لا يدري أحد ما هي، و لكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون:

فإن قيل قوله أحقابا و إن طالت إلا أنها متناهية، و عذاب أهل النار غير متناه، بل لو قال لابثين فيها الأحقاب لم يكن هذا السؤال واردا، و نظير هذا السؤال قوله/في أهل القبلة: إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ* قلنا: الجواب من وجوه: الأول: أن لفظ الأحقاب لا يدل على مضي حقب له نهاية و إنما الحقب الواحد متناه، و المعنى أنهم‏

16

يلبثون فيها أحقابا كلما مضى حقب تبعه حقب آخر، و هكذا إلى الأبد و الثاني: قال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذوقون في الأحقاب بردا و لا شرابا، فهذه الأحقاب توقيت لنوع من العذاب، و هو أن لا يذوقوا بردا و لا شرابا إلا حميما و غساقا، ثم يبدلون بعد الأحقاب عن الحميم و الغساق من جنس آخر من العذاب و ثالثها: هب أن قوله: أَحْقََاباً يفيد التناهي، لكن دلالة هذا على الخروج دلالة المفهوم، و المنطوق دل على أنهم لا يخرجون. قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ اَلنََّارِ وَ مََا هُمْ بِخََارِجِينَ مِنْهََا وَ لَهُمْ عَذََابٌ مُقِيمٌ [المائدة: 37]و لا شك أن المنطوق راجح، و ذكر صاحب «الكشاف» في الآية وجها آخر، و هو أن يكون أحقابا من حقب عامنا إذا قل مطره و خيره، و حقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب و جمعه أحقاب. فينتصب حالا عنهم بمعنى لابثين فيها حقبين مجدبين، و قوله: لاََ يَذُوقُونَ فِيهََا بَرْداً وَ لاََ شَرََاباً [النبأ: 24]تفسير له.

و رابعها: قوله تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: إن اخترنا قول الزجاج كان قوله: لاََ يَذُوقُونَ فِيهََا بَرْداً وَ لاََ شَرََاباً متصلا بما قبله، و الضمير في قوله: فِيهََا عائدا إلى الأحقاب، و إن لم نقل به كان هذا كلاما مستأنفا مبتدأ، و الضمير في قوله عائدا إلى جهنم.

المسألة الثانية: في قوله: بَرْداً وجهان الأول: أنه البرد المعروف، و المراد أنهم لا يذوقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة، أو ظل يمنع من نار، و لا يجدون شرابا يسكن عطشهم، و يزيل الحرقة عن بواطنهم، و الحاصل أنهم لا يجدون هواء باردا، و لا ماء باردا و الثاني: البرد هاهنا النوم، و هو قول الأخفش و الكسائي و الفراء و قطرب و العتبي، قال الفراء: و إنما سمى النوم بردا لأنه يبرد صاحبه، فإن العطشان ينام فيبرد بالنوم، و أنشد أبو عبيدة و المبرد في بيان أن المراد النوم قول الشاعر:

بردت مراشفها علي فصدني # عنها و عن رشفاتها البرد

يعني النوم، قال المبرد: و من أمثال العرب: منع البرد البرد أي أصابني من البرد ما منعني من النوم، و اعلم أن القول الأول أولى لأنه إذا أمكن حمل اللفظ على الحقيقة المشهورة، فلا معنى لحمله على المجاز النادر الغريب، و القائلون بالقول الثاني تمسكوا في إثباته بوجهين الأول: أنه لا يقال ذقت البرد و يقال ذقت النوم الثاني: أنهم يذوقون برد الزمهرير، فلا يصح أن يقال إنهم ما ذاقوا/بردا، وهب أن ذلك البرد برد تأذوا به، و لكن كيف كان، فقد ذاقوا البرد و الجواب عن الأول: كما أن ذوق البرد مجاز فكذا ذوق النوم أيضا مجاز، و لأن المراد من قوله: لاََ يَذُوقُونَ فِيهََا بَرْداً أي لا يستنشقون فيها نفسا باردا، و لا هواء باردا، و الهواء المستنشق ممره الفم و الألف فجاز إطلاق لفظ الذوق عليه و الجواب عن الثاني: أنه لم يقل لا يذوقون فيها البرد

17

بل قال لا يذوقون فيها بردا واحدا، و هو البرد الذي ينتفعون به و يستريحون إليه.

المسألة الثالثة: ذكروا في الحميم أنه الصفر المذاب و هو باطل بل الحميم الماء الحار المغلي جدا.

المسألة الرابعة: ذكروا في الغساق وجوها.

أحدها: قال أبو معاذ كنت أسمع مشايخنا يقولون الغساق فارسية معربة يقولون للشي‏ء الذي يتقذرونه خاشاك‏ (1) و ثانيها: أن الغساق هو الشي‏ء البارد الذي لا يطاق، و هو الذي يسمى بالزمهرير و ثالثها: الغساق ما يسيل من أعين أهل النار و جلودهم من الصديد و القيح و العرق و سائر الرطوبات المستقذرة، و في كتاب الخليل غسقت عينه، تغسق غسقا و غساقا و رابعها: الغساق هو المنتن، و دليله ما

روي أنه عليه السلام قال: لو أن دلوا من الغساق يهراق على الدنيا لأنتن أهل الدنيا

و خامسها: أن الغاسق هو المظلم قال تعالى: وَ مِنْ شَرِّ غََاسِقٍ إِذََا وَقَبَ [الفلق: 3]فيكون الغساق شرابا أسود مكروها يستوحش كما يستوحش الشي‏ء المظلم، إذا عرفت هذا فنقول إن فسرنا الغساق بالبارد كان التقدير: لا يذوقون فيها بردا إلا غساقا و لا شرابا إلا حميما، إلا أنهما جمعا لأجل انتظام الآي، و مثله من الشعر قول امرئ القيس:

كأن قلوب الطير رطبا و يابسا # لدي و كرها العناب و الحشف البالي‏

و المعنى كأن قلوب الطير رطبا العناب و يابسا الحشف البالي. أما إن فسرنا الغساق بالصديد أو بالنتن احتمل أن يكون الاستثناء بالحميم و الغساق راجعا إلى البرد و الشراب معا، و أن يكون مختصا بالشراب فقط.

أما الاحتمال الأول: فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شرابا إلا الحميم البالغ في الحميم و الصديد المنتن.

و أما الاحتمال الثاني: فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شرابا إلا الحميم البالغ في السخونة أو الصديد المنتن و اللّه أعلم بمراده، فإن قيل الصديد لا يشرب فكيف استثنى من الشراب؟قلنا: إنه مائع فأمكن أن يشرب في الجملة فإن ثبت أنه غير ممكن كان ذلك استثناء من غير الجنس و وجهه معلوم.

المسألة الخامسة: قرأ حمزة و الكسائي و عاصم من رواية حفص عنه غساقا بالتشديد فكأنه فعال بمعنى سيال، و قرأ الباقون بالتخفيف مثل شراب و الأول نعت و الثاني اسم.

و اعلم أنه تعالى لما شرح أنواع عقوبة الكفار بين فيما بعده أنه: جَزََاءً وِفََاقاً و في المعنى/وجهان:

الأول: أنه تعالى أنزل بهم عقوبة شديدة بسبب أنهم أتوا بمعصية شديدة فيكون العقاب وِفََاقاً للذنب، و نظيره قوله تعالى: وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا [الشورى: 40]و الثاني: أنه وِفََاقاً من حيث لم يزد على قدر الاستحقاق، و لم ينقص عنه و ذكر النحويون فيه وجوها: أحدها: أن يكون الوفاق و الموافق واحدا في اللغة و التقدير جزاء موافقا و ثانيها: أن يكون نصبا على المصدر و التقدير جزاء وافق أعمالهم وِفََاقاً و ثالثها: أن يكون وصف بالمصدر كما يقال فلان فضل و كرم لكونه كاملا في ذلك المعنى، كذلك هاهنا لما كان ذلك الجزاء كاملا في كونه على وفق الاستحقاق وصف الجزاء بكونه وِفََاقاً و رابعها: أن يكون بحذف المضاف و التقدير

____________

(1) وجه الدلالة على هذا خفي و لعل الكلمة مصحفة و صوابها «غاساك» بالغين المعجمة و السين المهملة أو «غاساق» ثم عربت إلى «غساق» .

18

جزاء ذا وفاق و قرأ أبو حيوة وِفََاقاً فعال من الوفق، فإن قيل كيف يكون هذا العذاب البالغ في الشدة الغير المتناهي بحسب المدة وِفََاقاً للإتيان بالكفر لحظة واحدة، و أيضا فعلى قول أهل السنة إذا كان الكفر واقعا بخلق اللّه و إيجاده فكيف يكون هذا وفاقا له؟و أما على مذهب المعتزلة فكان علم اللّه بعدم إيمانهم حاصلا و وجود إيمانهم مناف بالذات لذلك العلم فمع قيام أحد المتنافيين كان التكليف بإدخال المنافي الثاني في الوجود ممتنعا لذاته و عينه، و يكون تكليفا بالجمع بين المتنافيين، فكيف يكون مثل هذا العذاب الشديد الدائم وفاقا لمثل هذا الجرم؟قلنا يفعل اللّه ما يشاء و يحكم ما يريد.

و اعلم أنه تعالى لما بين على الإجمال أن ذلك الجزاء كان على وفق جرمهم شرح أنواع جرائمهم، و هي بعد ذلك نوعان:

أولهما: قوله تعالى:

و فيه سؤالان:

الأول: و هو أن الحساب شي‏ء شاق على الإنسان، و الشي‏ء الشاق لا يقال فيه إنه يرجى بل يجب أن يقال:

إنهم كانوا لا يخشون حسابا و الجواب من وجوه: أحدها: قال مقاتل و كثير من المفسرين قوله لا يرجون معناه لا يخافون، و نظيره قولهم في تفسير قوله تعالى: مََا لَكُمْ لاََ تَرْجُونَ لِلََّهِ وَقََاراً [نوح: 13]و ثانيها: أن المؤمن لا بد و أن يرجو رحمة اللّه لأنه قاطع بأن ثواب إيمانه زائد على عقاب جميع المعاصي سوى الكفر، فقوله:

إِنَّهُمْ كََانُوا لاََ يَرْجُونَ حِسََاباً إشارة إلى أنهم ما كانوا مؤمنين و ثالثها: أن الرجاء هاهنا بمعنى التوقع لأن الراجي للشي‏ء متوقع له إلا أن اشرف أقسام التوقع هو الرجاء فسمى الجنس باسم أشرف أنواعه و رابعها: أن في هذه الآية تنبيها على أن الحساب مع اللّه جانب الرجاء فيه أغلب من جانب الخوف، و ذلك لأن للعبد حقا على اللّه تعالى بحكم الوعد في جانب الثواب و للّه تعالى حق على العبد في جانب العقاب، و الكريم قد يسقط حق نفسه، و لا يسقط ما كان حقا لغيره عليه، فلا جرم كان جانب الرجاء أقوى في/الحساب، فلهذا السبب ذكر الرجاء، و لم يذكر الخوف.

السؤال الثاني: أن الكفار كانوا قد أتوا بأنواع من القبائح و الكبائر، فما السبب في أن خص اللّه تعالى هذا النوع من الكفر بالذكر في أول الأمر؟الجواب: لأن رغبة الإنسان في فعل الخيرات، و في ترك المحظورات، إنما تكون بسبب أن ينتفع به في الآخرة. فمن أنكر الآخرة، لم يقدم على شي‏ء من المستحسنات، و لم يحجم عن شي‏ء من المنكرات، فقوله: إِنَّهُمْ كََانُوا لاََ يَرْجُونَ حِسََاباً تنبيه على أنهم فعلوا كل شر و تركوا كل خير.

و النوع الثاني: من قبائح أفعالهم قوله:

اعلم أن للنفس الناطقة الإنسانية قوتين نظرية و عملية، و كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته و الخير لأجل العمل به، و لذلك قال إبراهيم: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصََّالِحِينَ [الشعراء: 83] هَبْ لِي‏

19

حُكْماً [الشعراء: 83]إشارة إلى كمال القوة، النظرية وَ أَلْحِقْنِي بِالصََّالِحِينَ إشارة إلى كمال القوة العملية، فههنا بين اللّه تعالى رداءة حالهم في الأمرين، أما في القوة العملية فنبه على فسادها بقوله: إِنَّهُمْ كََانُوا لاََ يَرْجُونَ حِسََاباً [النبأ: 27]أي كانوا مقدمين على جميع القبائح و المنكرات، و غير راغبين في شي‏ء من الطاعات و الخيرات.

و أما في القوة النظرية فنبه على فسادها بقوله: وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا كِذََّاباً أي كانوا منكرين بقلوبهم للحق و مصرين على الباطل، و إذا عرفت ما ذكرناه من التفسير ظهر أنه تعالى بين أنهم كانوا قد بلغوا في الرداءة و الفساد إلى حيث يستحيل عقلا وجود ما هو أزيد منه، فلما كانت أفعالهم كذلك كان اللائق بها هو العقوبة العظيمة. فثبت بهذا صحة ما قدمه في قوله: جَزََاءً وِفََاقاً [النبأ: 26]فما أعظم لطائف القرآن مع أن الأدوار العظيمة قد استمرت، و لم ينتبه لها أحد، فالحمد للّه حمدا يليق بعلو شأنه و برهانه على ما خص هذا الضعيف بمعرفة هذه الأسرار.

و اعلم أن قوله تعالى: وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا كِذََّاباً يدل على أنهم كذبوا بجميع دلائل اللّه تعالى في التوحيد و النبوة و المعاد و الشرائع و القرآن، و ذلك يدل على كمال حال القوة النظرية في الرداءة و الفساد و البعد عن سواء السبيل و قوله: كِذََّاباً أي تكذيبا و فعال من مصادر التفعيل و أنشد الزجاج:

لقد طال ما ريثتني عن صجابتي # و عن حوج قضاؤها من شفائنا

من قضّيت قضاء قال الفراء هي لغة فصيحة يمانية و نظيره خرّقت القميص خرّاقا، و قال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني: الحلو أحب إليك أم العصّار؟و قال صاحب «الكشاف» كنت أفسر آية فقال بعضهم: لقد فسرتها فسّارا ما سمع به، و قرئ بالتخفيف و فيه وجوه: أحدها: أنه مصدر كذّب بدليل قوله:

فصدقتها أو كذبتها # و المرء ينفعه كذابه‏

و هو مثل قوله تعالى: أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبََاتاً [نوح: 17]يعني و كذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا و ثانيها: أن ينصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب و ثالثها: أن يجعل الكذاب بمعنى المكاذبة، فمعناه و كذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة. أو كذبوا بها مكاذبين. لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين، و كان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة و قرئ أيضا كذلك و هو جمع كاذب، أي كذبوا بآياتنا كاذبين، و قد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب، يقال رجل كذاب كقولك حسان و بخال، فيجعل صفة لمصدر كذبوا أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه.

و اعلم أنه تعالى لما بين أن فساد حالهم في القوة العملية و في القوة النظرية بلغ إلى أقصى الغايات و أعظم النهايات بين أن تفاصيل تلك الأحوال في كميتها و كيفيتها معلومة له، و قدر له ما يستحق عليه من العقاب معلوم له، فقال:

و فيه مسائل:

20

المسألة الأولى: قال الزجاج: كُلَّ منصوب بفعل مضمر يفسره أَحْصَيْنََاهُ و المعنى: و أحصينا كل شي‏ء و قرأ أبو السمال، و كل بالرفع على الابتداء.

المسألة الثانية: قوله: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنََاهُ أي علمنا كل شي‏ء كما هو علما لا يزول و لا يتبدل، و نظيره قوله تعالى: أَحْصََاهُ اَللََّهُ وَ نَسُوهُ [المجادلة: 6]و اعلم أن هذه الآية تدل على كونه تعالى عالما بالجزئيات، و اعلم أن مثل هذه الآية لا تقبل التأويل: و ذلك لأنه تعالى ذكر هذا تقريرا لما ادعاه من قوله: جَزََاءً وِفََاقاً [النبأ: 26]كأنه تعالى يقول: أنا عالم بجميع ما فعلوه، و عالم بجهات تلك الأفعال و أحوالها و اعتباراتها التي لأجلها يحصل استحقاق الثواب و العقاب، فلا جرم لا أوصل إليهم من العذاب إلا قدر ما يكون وفاقا لأعمالهم، و معلوم أن هذا القدر إنما يتم لو ثبت كونه تعالى عالما بالجزئيات، و إذا ثبت هذا ظهر أن كل من أنكره كان كافرا قطعا.

المسألة الثالثة: قوله: أَحْصَيْنََاهُ كِتََاباً فيه وجهان: أحدهما: تقديره أحصيناه إحصاء، و إنما عدل عن تلك اللفظة إلى هذه اللفظة، لأن الكتابة هي النهاية في قوة العلم، و لهذا

قال عليه السلام «قيدوا العلم بالكتابة»

فكأنه تعالى قال: و كل شي‏ء أحصيناه إحصاء مساويا في القوة و الثبات و التأكيد للمكتوب، فالمراد من قوله كتابا تأكيد ذلك الإحصاء و العلم، و اعلم أن هذا التأكيد إنما ورد على حسب ما يليق بأفهام أهل الظاهر، فإن المكتوب يقبل الزوال، و علم اللّه بالأشياء لا يقبل الزوال لأنه واجب لذاته القول الثاني: أن يكون قوله كتابا حالا في معنى مكتوبا و المعنى و كل شي‏ء أحصيناه حال كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ، كقوله: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنََاهُ فِي إِمََامٍ مُبِينٍ أو في صحف الحفظة.

ثم قال تعالى:

و اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال العقاب أولا، ثم ادعى كونه‏ جَزََاءً وِفََاقاً [النبأ: 26]ثم بين تفاصيل أفعالهم القبيحة، و ظهر صحة ما ادعاه أولا من أن ذلك العقاب كان‏ جَزََاءً وِفََاقاً لا جرم أعاد ذكر العقاب، و قوله: فَذُوقُوا و الفاء للجزاء، فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم، فهذا الفاء أفاد عين فائدة قوله: جَزََاءً وِفََاقاً .

المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على المبالغة في التعذيب من وجوه: أحدها: قوله: فَلَنْ نَزِيدَكُمْ و كلمة لن للتأكيد في النفي و ثانيها: أنه في قوله: كََانُوا لاََ يَرْجُونَ حِسََاباً [النبأ: 27]ذكرهم بالمغايبة و في قوله: فَذُوقُوا ذكرهم على سبيل المشافهة و هذا يدل على كمال الغضب و ثالثها: أنه تعالى عدد وجوه العقاب ثم حكم بأنه جزاء موافق لأعمالهم ثم عدد فضائحهم، ثم قال: فَذُوقُوا فكأنه تعالى أفتى و أقام الدلائل، ثم أعاد تلك الفتوى بعينها، و ذلك يدل على المبالغة في التعذيب‏

قال عليه الصلاة و السلام: «هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار، كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه»

بقي في الآية سؤالان:

السؤال الأول: أ ليس أنه تعالى قال في صفة الكفار: وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ اَللََّهُ وَ لاََ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ [آل عمران: 77] فهنا لما قال لهم: فَذُوقُوا فقد كلمهم؟الجواب: قال أكثر المفسرين: تقدير الآية فيقال لهم: فذوقوا،

21

و لقائل أن يقول على هذا الوجه لا يليق بذلك القائل أن يقول: فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاََّ عَذََاباً بل هذا الكلام لا يليق إلا باللّه، و الأقرب في الجواب أن يقال قوله: وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ أي و لا يكلمهم بالكلام الطيب النافع، فإن تخصيص العموم غير بعيد لا سيما عند حصول القرينة، فإن قوله: وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ إنما ذكره لبيان أنه تعالى لا ينفعهم و لا يقيم لهم وزنا، و ذلك لا يحصل إلا من الكلام الطيب.

السؤال الثاني: دلت هذه الآية على أنه تعالى يزيد في عذاب الكافر أبدا، فتلك الزيادة إما أن يقال: إنها كانت مستحقة لهم أو غير مستحقة، فإن كانت مستحقة لهم كان تركها في أول الأمر إحسانا، و الكريم إذا أسقط حق نفسه، فإنه لا يليق به أن يسترجعه بعد ذلك، و أما إن كانت تلك الزيادة غير مستحقة كان إيصالها إليهم ظلما و إنه لا يجوز على اللّه الجواب: كما أن الشي‏ء يؤثر بحسب خاصية ذاته، فكذا إذا دام ازداد تأثيره بحسب ذلك الدوام، فلا جرم كلما كان الدوام أكثر كان الإيلام أكثر، و أيضا فتلك الزيادة مستحقة، و تركها في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء و الإسقاط، و اللّه علم بما أراد.

و اعلم أنه تعالى لما ذكر و عيد الكفار أتبعه بوعد الأخيار و هو أمور:

أولها: قوله تعالى:

أما المتقي فقد تقدم تفسيره في مواضع كثيرة و مَفََازاً يحتمل أن يكون مصدرا بمعنى فوزا و ظفرا بالبغية، و يحتمل أن يكون موضع فوز و الفوز يحتمل أن يكون المراد منه فوزا بالمطلوب، و أن يكون المراد منه فوزا بالنجاة من العذاب، و أن يكون المراد مجموع الأمرين، و عندي أن تفسيره بالفوز بالمطلوب أولى من تفسيره بالفوز بالنجاة من العذاب، و من تفسيره بالفوز بمجموع الأمرين أعني النجاة من الهلاك و الوصول إلى المطلوب، و ذلك لأنه تعالى فسر المفاز بما بعده و هو قوله: حَدََائِقَ وَ أَعْنََاباً [النبأ: 32]فوجب أن يكون المراد من المفاز هذا القدر. فإن قيل الخلاص من الهلاك أهم من حصول اللذة، فلم أهمل الأهم و ذكر غير الأهم؟قلنا: لأن الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز باللذة و الخير، أما الفوز باللذة و الخير فيستلزم الخلاص من الهلاك، فكان ذكر هذا أولى.

و ثانيها: قوله تعالى:

و الحدائق جمع حديقة، و هي بستان محوط عليه. من قولهم: أحدقوا به أي أحاطوا به، و التنكير في قوله: وَ أَعْنََاباً يدل على تعظيم حال تلك الأعناب.

و ثالثها: قوله تعالى:

كواعب جمع كاعب و هي النواهد التي تكعبت ثديهن و تفلكت أي يكون الثدي في النتوء كالكعب و الفلكة.

22

و رابعها: قوله تعالى:

و في الدهاق أقوال الأول: و هو قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة و الزجاج و الكسائي و المبرد، و دِهََاقاً أي ممتلئة، دعا ابن عباس غلاما له فقال: اسقنا دهاقا، فجاء الغلام بها ملأى، فقال ابن عباس: هذا هو الدهاق قال عكرمة، ربما سمعت ابن عباس يقول: اسقنا و ادهق لنا القول الثاني: دهاقا أي متتابعة و هو قول أبي هريرة و سعيد بن جبير و مجاهد، قال الواحدي: و أصل هذا القول من قول العرب: أدهقت الحجارة إدهاقا و هو شدة تلازمها و دخول بعضها في بعض، ذكرها الليث و المتتابع كالمتداخل القول الثالث: يروى عن عكرمة أنه قال:

دِهََاقاً أي صافية، و الدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع داهق، و هو خشبتان يعصر بهما، و المراد بالكأس الخمر، قال الضحاك: كل كأس في القرآن فهو خمر، التقدير. و خمرا ذات دهاق، أي عصرت و صفيت بالدهاق.

و خامسها: قوله:

في الآية سؤالان:

الأول: الضمير في قوله: فِيهََا إلى ما ذا يعود؟الجواب فيه قولان الأول: أنها ترجع إلى الكأس، أي لا يجري بينهم لغو في الكأس التي يشربونها، و ذلك لأن أهل الشراب/في الدنيا يتكلمون بالباطل، و أهل الجنة إذا شربوا لم يتغير عقلهم، و لم يتكلموا بلغو و الثاني: أن الكناية ترجع إلى الجنة، أي لا يسمعون في الجنة شيئا يكرهونه.

السؤال الثاني: الكذاب بالتشديد يفيد المبالغة، فوروده في قوله تعالى: وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا كِذََّاباً [النبأ:

28]مناسب لأنه يفيد المبالغة في وصفهم بالكذب، أما وروده هاهنا فغير لائق، لأن قوله: لاََ يَسْمَعُونَ فِيهََا لَغْواً وَ لاََ كِذََّاباً يفيد أنهم لا يسمعون الكذب العظيم و هذا لا ينفي أنهم يسمعون الكذب القليل، و ليس مقصود الآية ذلك بل المقصود المبالغة في أنهم لا يسمعون الكذب البتة، و الحاصل أن هذا اللفظ يفيد نفي المبالغة و اللائق بالآية المبالغة في النفي و الجواب: أن الكسائي قرأ الأول بالتشديد و الثاني بالتخفيف، و لعل غرضه ما قررناه في هذا السؤال، لأن قراءة التخفيف هاهنا تفيد أنهم لا يسمعون الكذب أصلا، لأن الكذاب بالتخفيف و الكذب واحد لأن أبا علي الفارسي قال: كذاب مصدر كذب ككتاب مصدر كتب فإذا كان كذلك كانت القراءة بالتخفيف تفيد المبالغة في النفي، و قراءة التشديد في الأول تفيد المبالغة في الثبوت فيحصل المقصود من هذه القراءة في الموضعين على أكمل الوجوه، فإن أخذنا بقراءة الكسائي فقد زال السؤال، و إن أخذنا بقراءة التشديد في الموضعين و هي قراءة الباقين، فالعذر عنه أن قوله: لاََ يَسْمَعُونَ فِيهََا لَغْواً وَ لاََ كِذََّاباً إشارة إلى ما تقدم من قوله:

وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا كِذََّاباً و المعنى أن هؤلاء السعداء لا يسمعون كلامهم المشوش الباطل الفاسد، و الحاصل أن النعم الواصلة إليهم تكون خالية عن زحمة أعدائهم و عن سماع كلامهم الفاسد و أقوالهم الكاذبة الباطلة.

23

ثم إنه تعالى لما عدد أقسام نعيم أهل الجنة قال:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الزجاج: المعنى جازاهم بذلك جزاء، و كذلك عطاء لأن معنى جازاهم و أعطاهم واحد.

المسألة الثانية: في الآية سؤال و هو أنه تعالى جعل الشي‏ء الواحد جزاء و عطاء، و ذلك محال لأن كونه جزاء يستدعي ثبوت الاستحقاق، و كونه عطاء يستدعي عدم الاستحقاق و الجمع بينهما متناف و الجواب عنه: لا يصح إلا على قولنا: و هو أن ذلك الاستحقاق إنما ثبت بحكم الوعد، لا من حيث إن الفعل يوجب الثواب على اللّه، فذلك نظرا إلى الوعد المترتب على ذلك الفعل يكون جزاء، و نظرا إلى أنه لا يجب على اللّه لأحد شي‏ء يكون عطاء.

المسألة الثالثة: قوله: حِسََاباً فيه وجوه الأول: أن يكون بمعنى كافيا مأخوذ من قولهم: أعطاني ما أحسبني أي ما كفاني، و منه قوله: حسبي من سؤالي علمه بحالي، أي كفاني من سؤالي، و منه قوله:

فما حللت به ضمني # فأولى جميلا و أعطى حسابا

أي أعطى ما كفى و الوجه الثاني: أن قوله: حسابا مأخوذ من حسبت الشي‏ء إذا أعددته و قدرته فقوله:

عَطََاءً حِسََاباً أي بقدر ما وجب له فيما وعده من الإضعاف، لأنه تعالى قدر الجزاء على ثلاثة أوجه، وجه منها على عشرة أضعاف، و وجه على سبعمائة ضعف، و وجه على ما لا نهاية له، كما قال: إِنَّمََا يُوَفَّى اَلصََّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسََابٍ [الزمر: 10]، الوجه الثالث: و هو قول ابن قتيبة: عَطََاءً حِسََاباً أي كثيرا و أحسبت فلانا أي أكثرت له، قال الشاعر:

و نقفي وليد الحي إن كان جائعا # و نحسبه إن كان ليس بجائع‏

الوجه الرابع: أنه سبحانه يوصل الثواب الذي هو الجزاء إليهم و يوصل التفضل الذي يكون زائدا على الجزء إليهم، ثم قال: حِسََاباً ثم يتميز الجزاء عن العطاء حال الحساب الوجه الخامس: أنه تعالى لما ذكر في وعيد أهل النار: جَزََاءً وِفََاقاً ذكر في وعد أهل الجنة جزاء عطاء حسابا أي راعيت في ثواب أعمالكم الحساب، لئلا يقع في ثواب أعمالكم بخس و نقصان و تقصير و اللّه أعلم بمراده.

المسألة الرابعة: قرأ ابن قطيب: حسابا بالتشديد على أن الحساب بمعنى المحسب كالدراك بمعنى المدرك، هكذا ذكره صاحب «الكشاف» .

و اعلم أنه تعالى لما بالغ في وصف وعيد الكفار و وعد المتقين، ختم الكلام في ذلك بقوله:

و فيه مسائل:

24

المسألة الأولى: رب السموات و الرحمن، فيه ثلاثة أوجه من القراءة الرفع فيهما و هو قراءة ابن كثير و نافع و أبي عمرو، و الجر فيهما و هو قراءة عاصم و عبد اللّه بن عامر، و الجر في الأول مع الرفع في الثاني، و هو قراءة حمزة و الكسائي، و في الرفع وجوه أحدها: أن يكون رب السموات مبتدأ، و الرحمن خبره، ثم استؤنف لا يملكون منه خطابا و ثانيها: رب السموات مبتدأ، و الرحمن صفة و لا يملكون خبره و ثالثها: أن يضمر المبتدأ و التقدير هو: رَبِّ اَلسَّمََاوََاتِ هو اَلرَّحْمََنِ ثم استؤنف: لاََ يَمْلِكُونَ و رابعها: أن يكون اَلرَّحْمََنِ و لاََ يَمْلِكُونَ خبرين و أما وجه الجر فعلى البدل من ربك، و أما وجه جر الأول، و رفع الثاني فجر الأول بالبدل من ربك، و الثاني مرفوع بكونه مبتدأ و خبره لا يملكون.

المسألة الثانية: الضمير في قوله: لاََ يَمْلِكُونَ إلى من يرجع؟ فيه ثلاثة أقوال: الأول: نقل عطاء عن ابن عباس إنه راجع إلى المشركين يريد لا يخاطب المشركون أما المؤمنون فيشفعون يقبل اللّه ذلك منهم و الثاني:

قال القاضي: إنه راجع إلى المؤمنين، و المعنى أن المؤمنين لا يملكون/أن يخاطبوا اللّه في أمر من الأمور، لأنه لما ثبت أنه عدل لا يجور، ثبت أن العقاب الذي أوصله إلى الكفار عدل، و أن الثواب الذي أوصله المؤمنين عدل، و أنه ما يخسر حقهم، فبأي سبب يخاطبونه، و هذا القول أقرب من الأول لأن الذي جرى قبل هذه الآية ذكر المؤمنين لا ذكر الكفار و الثالث: أنه ضمير لأهل السموات و الأرض، و هذا هو الصواب، فإن أحدا من المخلوقين لا يملك مخاطبة اللّه و مكالمته. و أما الشفاعات الواقعة بإذنه فغير واردة على هذا الكلام لأنه نفى الملك و الذي يحصل بفضله و إحسانه، فهو غير مملوك، فثبت أن هذا السؤال غير لازم، و الذي يدل من جهة العقل على أن أحدا من المخلوقين لا يملك خطاب اللّه وجوه الأول: و هو أن كل ما سواء فهو مملوكه و المملوك لا يستحق على مالكه شيئا و ثانيها: أن معنى الاستحقاق عليه، هو أنه لو لم يفعل لاستحق الذم.

و لو فعلة لاستحق المدح، و كل من كان كذلك كان ناقصا في ذاته، مستكملا بغيره و تعالى اللّه عنه و ثالثها: أنه عالم بقبح القبيح، عالم بكونه غنيا عنه، و كل من كان كذلك لم يفعل القبيح، و كل من امتنع كونه فاعلا للقبيح، فليس لأحد أن يطالبه بشي‏ء، و أن يقول له لم فعلت. و الوجهان الأولان مفرعان على قول أهل السنة، و الوجه الثالث يتفرع على قول المعتزلة فثبت أن أحدا من المخلوقات لا يملك أن يخاطب ربه و يطالب إلهه.

و اعلم أنه تعالى لما ذكر أن أحدا من الخلق لا يمكنه أن يخاطب اللّه في شي‏ء أو يطالبه بشي‏ء قرر هذا المعنى، و أكده فقال تعالى:

و ذلك لأن الملائكة أعظم المخلوقات قدرا و رتبة، و أكثر قدرة و مكانة، فبين أنهم لا يتكلمون في موقف القيامة إجلالا لربهم و خوفا منه و خضوعا له، فكيف يكون حال غيرهم. و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: لمن يقول بتفضيل الملك على البشر أن يتمسك بهذه الآية، و ذلك لأن المقصود من الآية أن الملائكة لما بقوا خائفين خاضعين وجلين متحيرين في موقف جلال اللّه، و ظهور عزته و كبريائه، فكيف يكون حال غيرهم، و معلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا إذا كانوا أشرف المخلوقات. ـ

25

المسألة الثانية: اختلفوا في الروح في هذه الآية، فعن ابن مسعود أنه ملك أعظم من السموات و الجبال.

و عن ابن عباس هو ملك من أعظم الملائكة خلقا، و عن مجاهد: خلق على/صورة بني آدم يأكلون و يشربون، و ليس بناس، و عن الحسن و قتادة هم بنو آدم، و على هذا معناه ذو الروح، و عن ابن عباس أرواح الناس، و عن الضحاك و الشعبي هو جبريل عليه السلام، و هذا القول هو المختار عند القاضي. قال: لأن القرآن دل على أن هذا الاسم اسم جبريل عليه السلام، و ثبت أن القيام صحيح من جبريل و الكلام صحيح منه، و يصح أن يؤذن له فكيف يصرف هذا الاسم عنه إلى خلق لا نعرفه، أو إلى القرآن الذي لا يصح وصفه بالقيام. أما قوله: صَفًّا فيحتمل أن يكون المعنى أن الروح على الاختلاف الذي ذكرناه، و جميع الملائكة يقومون صفا واحدا، و يجوز أن يكون المعنى يقومون صفين، و يجوز صفوفا، و الصف في الأصل مصدر فينبئ عن الواحد و الجمع، و ظاهر قول المفسرين أنهم يقومون صفين، فيقوم الروح وحده صفا، و تقوم الملائكة كلهم صفا واحدا، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم، و قال بعضهم: بل يقومون صفوفا لقوله تعالى: وَ جََاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:

22].

المسألة الثالثة: الاستثناء إلى من يعود؟ فيه قولان:

أحدهما: إلى الروح و الملائكة، و على هذا التقدير؛ الآية دلت على أن الروح و الملائكة لا يتكلمون إلا عند حصول شرطين إحداها: حصول الإذن من اللّه تعالى، و نظيره قوله تعالى: مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاََّ بِإِذْنِهِ [البقرة: 255]و المعنى أنهم لا يتكلمون إلا بإذن اللّه.

و الشرط الثاني: أن يقول: صوابا، فإن قيل: لما أذن له الرحمن في ذلك القول، علم أن ذلك القول صواب لا محالة، فما القائدة في قوله: وَ قََالَ صَوََاباً ؟و الجواب من وجهين: الأول: أن الرحمن أذن له في مطلق القول ثم إنهم عند حصول ذلك الإذن لا يتكلمون إلا بالصواب، فكأنه قيل: إنهم لا ينطلقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام، ثم بعد ورود ذلك الإذن يجتهدون، و لا يتكلمون إلا بالكلام الذي يعلمون أنه صدق و صواب، و هذا مبالغة في وصفهم بالطاعة و العبودية الوجه الثاني: أن تقديره: لا يتكلمون إلا في حق مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ وَ قََالَ صَوََاباً و المعنى لا يشفعون إلا في حق شخص أذن له الرحمن في شفاعته و ذلك الشخص كان ممن قال صوابا، و احتج صاحب هذا التأويل بهذه الآية على أنهم يشفعون للمذنبين لأنهم قالوا صوابا و هو شهادة أن لا إله إلا اللّه، لأن قوله: وَ قََالَ صَوََاباً يكفي في صدقه أن يكون قد قال صوابا واحدا، فكيف بالشخص الذي قال القول الذي هو أصوب الأقوال و تكلم بالكلام الذي هو أشرف الكلمات القول الثاني: أن الاستثناء غير عائد إلى الملائكة فقط بل إلى جميع أهل السموات و الأرض، و المقول الأول أولى لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى.

و اعلم أنه تعالى لما قرر أحوال المكلفين في درجات الثواب و العقاب، و قرر عظمة يوم القيامة قال بعده:

ذََلِكَ اَلْيَوْمُ اَلْحَقُّ ذلك إشارة إلى تقدم ذكره، و في وصف اليوم بأنه حق وجوه أحدها: أنه‏

26

يحصل فيه كل الحق، و يندمغ كل باطل، فلما كان كاملا في هذا المعنى قيل: إنه حق، كما يقال: فلان خير كله إذا وصف بأن فيه خيرا كثيرا، و قوله: ذََلِكَ اَلْيَوْمُ اَلْحَقُّ يفيد أنه هو اليوم الحق و ما عداه باطل، لأن أيام الدنيا باطلها أكثر من حقها و ثانيها: أن الحق هو الثابت الكائن، و بهذا المعنى يقال إن اللّه حق، أي هو ثابت لا يجوز عليه الفناء و يوم القيامة كذلك فيكون حقا و ثالثها: أن ذلك اليوم هو اليوم الذي يستحق أن يقال له يوم، لأن فيه تبلى السرائر و تنكشف الضمائر، و أما أيام الدنيا فأحوال الخلف فيها مكتومة، و الأحوال فيها غير معلومة.

قوله تعالى: فَمَنْ شََاءَ اِتَّخَذَ إِلى‏ََ رَبِّهِ مَآباً أي مرجعا، و المعتزلة احتجوا به على الاختيار و المشيئة، و أصحابنا رووا عن ابن عباس أنه قال: المراد فمن شاء اللّه به خيرا هداه حتى يتخذ إلى ربه مآبا.

في قوله تعالى إِنََّا أَنْذَرْنََاكُمْ عَذََاباً قَرِيباً ثم إنه تعالى زاد في تخويف الكفار فقال: إِنََّا أَنْذَرْنََاكُمْ عَذََاباً قَرِيباً يعني العذاب في الآخرة، و كل ما هو آت قريب، و[هو]كقوله تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهََا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاََّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحََاهََا [النازعات: 46]و إنما سماه إنذارا، لأنه تعالى بهذا الوصف قد خوف منه نهاية التخويف و هو معنى الإنذار.

ثم قال تعالى: يَوْمَ يَنْظُرُ اَلْمَرْءُ مََا قَدَّمَتْ يَدََاهُ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ما في قوله: مََا قَدَّمَتْ يَدََاهُ فيه وجهان الأول: أنها استفهامية منصوبة بقدمت، أي ينظر أي شي‏ء قدمت يداه الثاني: أن تكون بمعنى الذي و تكون منصوبة ينتظر، و التقدير: ينظر إلى الذي قدمت يداه، إلا أن على هذا التقدير حصل فيه حذفان أحدهما: أنه لم يقل: قدمته، بل قال: قَدَّمَتْ فحذف الضمير الراجع الثاني: أنه لم يقل: ينظر إلى ما قدمت، بل قال: ينظر ما قدمت، يقام نظرته بمعنى نظرت إليه.

المسألة الثانية: في الآية ثلاثة أقوال: الأول: و هو الأظهر أن المرء عام في كل أحد، لأن المكلف إن كان قدم عمل المتقين، فليس له إلا الثواب العظيم، و إن كان قدم عمل الكافرين، فليس له إلا العقاب الذي وصفه اللّه تعالى، فلا رجاء لمن ورد القيامة من المكلفين في أمر سوى هذين، فهذا هو المراد بقوله: يَوْمَ يَنْظُرُ اَلْمَرْءُ مََا قَدَّمَتْ يَدََاهُ فطوبى له إن قدم عمل الأبرار، و ويل له إن قدم عمل الفجار و القول الثاني: و هو قول عطاء: أن المر هاهنا هو الكافر، لأن المؤمن كما ينظر إلى ما قدمت يداه، فكذلك ينظر إلى عفو اللّه و رحمته/و أما الكافر الذي لا يرى إلا العذاب، فهو لا يرى إلا ما قدمت يداه، لأن ما وصل إليه من العقاب ليس إلا من شؤم معاملته و القول الثالث: و هو قول الحسن، و قتادة أن المرء هاهنا هو المؤمن، و احتجوا عليه بوجهين الأول: أنه تعالى قال بعد هذه الآية، وَ يَقُولُ اَلْكََافِرُ يََا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرََاباً فلما كان هذا بيانا لحال الكافر، وجب أن يكون الأول بيانا لحال المؤمن و الثاني: و هو أن المؤمن لما قدم الخير و الشر فهو من اللّه تعالى على خوف و رجاء، فينتظر كيف يحدث الحال، أما الكافر فإنه قاطع بالعقاب، فلا يكون له انتظار أنه كيف يحدث الأمر، فإن مع القطع لا يحصل الانتظار.

المسألة الثالثة: القائلون: بأن الخير يوجب الثواب و الشر يوجب العقاب تمسكوا بهذه الآية، فقالوا:

27

لو لا أن الأمر كذلك، و إلا لم يكن نظر الرجل في الثواب و العقاب على عمله بل على شي‏ء آخر و الجواب عنه:

أن العمل يوجب الثواب و العقاب، لكن بحكم الوعد و الجعل لا بحكم الذات.

أما قوله تعالى: وَ يَقُولُ اَلْكََافِرُ يََا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرََاباً ففيه وجوه: أحدها أن يوم القيامة ينظر المرء أي شي‏ء قدمت يداه، أما المؤمن فإنه يجد الإيمان و العفو عن سائر المعاصي على ما قال: وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* و أما الكافر فلا يتوقع العفو على ما قال: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ* [النساء: 48]فعند ذلك يقول الكافر: يََا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرََاباً أي لم يكن حيا مكلفا و ثانيها: أنه كان قبل البعث ترابا، فالمعنى على هذا.

يا ليتني لم أبعث للحساب، و بقيت كما كنت ترابا، كقوله تعالى: يََا لَيْتَهََا كََانَتِ اَلْقََاضِيَةَ [الحاقة: 27] و قوله: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا اَلرَّسُولَ لَوْ تُسَوََّى بِهِمُ اَلْأَرْضُ [النساء: 42]و ثالثها: أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرناء ثم يقال لها بعد المحاسبة: كوني ترابا فيتمنى الكافر عند ذلك أن يكون هو مثل تلك البهائم في أن يصير ترابا، و يتخلص من عذاب اللّه و أنكر بعض المعتزلة ذلك. و قال: إنه تعالى إذا أعادها فهي بين معوض و بين متفضل عليه، و إذا كان كذلك لم يجز أن يقطعها عن المنافع، لأن ذلك كالإضرار بها، و لا يجوز ذلك في الآخرة، ثم إن هؤلاء قالوا: إن هذه الحيوانات إذا انتهت مدة أعواضها جعل اللّه كل ما كان منها حسن الصورة ثوابا لأهل الجنة، و ما كان قبيح الصورة عقابا لأهل النار، قال القاضي: و لا يمتنع أيضا إذا و فر اللّه أعواضها و هي غير كاملة العقل أن يزيل اللّه حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ذلك ضررا و رابعها: ما ذكره بعض الصوفية فقال قوله: يََا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرََاباً معناه يا ليتني كنت متواضعا في طاعة اللّه و لم أكن متكبرا متمردا و خامسها: الكافر إبليس يرى آدم و ولده و ثوابهم، فيتمنى أن يكون الشي‏ء الذي احتقره حين قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* [ص: 76]و اللّه أعلم بمراده و أسرار كتابه، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبة.

28

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة النازعات‏

(و هي أربعون و ست آيات مكية)

فيه مسألتان:

المسألة الأولى: اعلم أن هذه الكلمات الخمس، يحتمل أن تكون صفات لشي‏ء واحد، و يحتمل أن لا تكون كذلك، أما على الاحتمال الأول فقد ذكروا في الآية وجوها أحدها: أنها بأسرها صفات الملائكة، فقوله:

وَ اَلنََّازِعََاتِ غَرْقاً هي الملائكة الذين ينزعون نفوس بني آدم فإذا نزعوا نفس الكفار نزعوها بشدة، و هو مأخوذ من قولهم نزع في القوس فأغرق يقال: أغرق النازع في القوس إذا بلغ غاية المدى حتى ينتهي إلى النصل، فتقدير الآية: و النازعات إغراقا، و الغرق و الإغراق في اللغة بمعنى واحد، }و قوله: وَ اَلنََّاشِطََاتِ نَشْطاً النشط هو الجذب يقال: نشطت الدلو أنشطها و أنشطتها نشطا نزعتها برفق، و المراد هي الملائكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها، و إنما خصصنا هذا بالمؤمن و الأول بالكافر لما بين النزع و النشط من الفرق فالنزاع جذب بشدة، و النشط جذب برفق و لين فالملائكة، تنشط أرواح المؤمنين كما تنشط الدلو من البئر فالحاصل أن قوله:

وَ اَلنََّازِعََاتِ غَرْقاً*`وَ اَلنََّاشِطََاتِ نَشْطاً قسم بملك الموت و أعوانه إلا أن الأول إشارة إلى كيفية قبض أرواح الكفار، و الثاني إشارة إلى كيفية قبض أرواح المؤمنين، }أما قوله: وَ اَلسََّابِحََاتِ سَبْحاً فمنهم من خصصه أيضا بملائكة قبض الأرواح، و منهم من حمله على سائر طوائف الملائكة، أما الوجه الأول:

فنقل عن علي عليه السلام، و ابن عباس و مسروق، أن الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلا رفيقا،

فهذا هو المراد من قوله:

وَ اَلنََّاشِطََاتِ نَشْطاً ثم يتركونها حتى تستريح رويدا، ثم يستخرجونها بعد ذلك برفق و لطافة كالذي يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق و لطافة لئلا يغرق، فكذا هاهنا يرفقون في ذلك الاستخراج، لئلا يصل إليه ألم و شدة

29

فذاك هو المراد من قوله: وَ اَلسََّابِحََاتِ سَبْحاً و أما الذين حملوه على سائر طوائف الملائكة فقالوا: إن الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، فجعل نزولهم من السماء كالسباحة، و العرب تقول للفرس الجواد، إنه السابح، }و أما قوله: فَالسََّابِقََاتِ سَبْقاً فمنهم من فسره بملائكة قبض الأرواح يسبقون بأرواح الكفار إلى النار، و بأرواح المؤمنين إلى الجنة، و منهم من فسره بسائر طوائف الملائكة، ثم ذكروا في هذا السبق وجوها أحدها:

قال مجاهد و أبو روق إن الملائكة سبقت ابن آدم بالإيمان و الطاعة، و لا شك أن المسابقة في الخيرات درجة عظيمة قال تعالى: وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ‏`أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ [الواقعة: 10]و ثانيها: قال الفراء و الزجاج: إن الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء لأن الشياطين كانت تسترق السمع و ثالثها: و يحتمل أن يكون المراد أنه تعالى وصفهم فقال: لاََ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [الأنبياء: 27]يعني قبل الإذن لا يتحركون و لا ينطقون تعظيما لجلال اللّه تعالى و خوفا من هيبته، و هاهنا وصفهم بالسبق يعني إذا جاءهم الأمر، فإنهم يتسارعون إلى امتثاله و يتبادرون إلى إظهار طاعته، فهذا هو المراد من قوله: فَالسََّابِقََاتِ سَبْقاً ، }و أما قوله: فَالْمُدَبِّرََاتِ أَمْراً فأجمعوا على أنهم هم الملائكة: قال مقاتل يعني جبريل و ميكائيل، و إسرافيل و عزرائيل عليهم السلام يدبرون أمر اللّه تعالى في أهل الأرض، و هم المقسمات أمرا، أما جبريل فوكل بالرياح و الجنود، و أما ميكائيل فوكل بالقطر و النبات، و أما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس، و أما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم، و قوم منهم موكلون بحفظ بني آدم، و قوم آخرون بكتابة أعمالهم و قوم آخرون بالخسف و المسخ و الرياح و السحاب و الأمطار، بقي على الآية سؤالان:

السؤال الأول: لم قال: فَالْمُدَبِّرََاتِ أَمْراً ، و لم يقل: أمورا فإنهم يدبرون أمورا كثيرة لا أمرا واحدا؟ و الجواب: أن المراد به الجنس، و إذا كان كذلك قام مقام الجمع.

السؤال الثاني: قال تعالى: إن الأمر كله للّه فكيف أثبت لهم هاهنا تدبير الأمر. و الجواب: لما كان ذلك الإتيان به كان الأمر كأنه‏ (1) له، فهذا تلخيص ما قاله المفسرون في هذا الباب، و عندي فيه وجه آخر: و هو أن الملائكة لها صفات سلبية و صفات إضافية، أما الصفات السلبية فهي أنها مبرأة عن الشهوة و الغضب و الأخلاق الذميمة، و الموت و الهرم و السقم و التركيب من الأعضاء و الأخلاط و الأركان، بل هي جواهر روحانية مبرأة عن هذه الأحوال، فقوله: وَ اَلنََّازِعََاتِ غَرْقاً إشارة إلى كونها منزوعة عن هذه الأحوال نزعا كليا من جميع الوجوه و على هذا التفسير: اَلنََّازِعََاتِ هي ذوات النزع كاللابن و التامر، و أما قوله: اَلنََّاشِطََاتِ نَشْطاً إشارة إلى أن خروجها عن هذه الأحوال ليس على سبيل التكليف و المشقة كما في حق البشر، بل هم بمقتضى ماهياتهم خرجوا عن هذه الأحوال و تنزهوا عن هذه الصفات، فهاتان الكلمتان إشارتان إلى تعريف أحوالهم السلبية، و أما صفاتهم الإضافية فهي قسمان أحدهما: شرح قوتهم العاقلة أي كيف حالهم في معرفة ملك اللّه و ملكوته و الاطلاع على نور جلاله فوصفهم في هذا المقام بوصفين/أحدهما: قوله: وَ اَلسََّابِحََاتِ سَبْحاً فهم يسبحون من أول فطرتهم في بحار جلال اللّه ثم لا منتهى لسباحتهم، لأنه لا منتهى لعظمة اللّه و علو صمديته و نور جلاله و كبريائه، فهم أبدا في تلك السباحة و ثانيهما: قوله: فَالسََّابِقََاتِ سَبْقاً و هو إشارة إلى مراتب الملائكة في تلك السباحة فإنه كما أن مراتب معارف البهائم بالنسبة إلى مراتب معارف البشر ناقصة، و مراتب

____________

(1) في الأصل الذي أراجع عليه (كان الأمر كله له) و (قولهم) و لعل ما ذكرته هو الصواب في الموضعين.

30

معارف البشر بالنسبة إلى مراتب معارف الملائكة ناقصة، فكذلك معارف بعض تلك الملائكة بالنسبة إلى مراتب معارف الباقين متفاوتة، و كما أن المخالفة بين نوع الفرس و نوع الإنسان بالماهية لا بالعوارض فكذا المخالفة بين شخص كل واحد من الملائكة و بين شخص الآخر بالماهية فإذا كانت أشخاصها متفاوتة بالماهية لا بالعوارض كانت لا محالة متفاوتة في درجات المعرفة و في مراتب التجلي فهذا هو المراد من قوله: فَالسََّابِقََاتِ سَبْقاً فهاتان الكلمتان المراد منهما شرح أحوال قوتهم العاقلة.

و أما قوله: فَالْمُدَبِّرََاتِ أَمْراً فهو إشارة إلى شرح حال قوتهم العاملة، و ذلك لأن كل حال من أحوال العالم السفلي مفوض إلى تدبير واحد من الملائكة الذين هم عمار العالم العلوي و سكان بقاع السموات، و لما كان التدبير لا يتم إلا بعد العلم، لا جرم قدم شرح القوة العاقلة التي لهم على شرح القوة العاملة التي لهم، فهذا الذي ذكرته احتمال ظاهر و اللّه أعلم بمراده من كلامه.

و اعلم أن أبا مسلم بن بحر الأصفهاني طعن في حمل هذه الكلمات على الملائكة، و قال: واحد النازعات نازعة و هو من لفظ الإناث، و قد نزه اللّه تعالى الملائكة عن التأنيث، و عاب قول الكفار حيث قال: وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً [الزخرف: 19].

و اعلم أن هذا طعن لا يتوجه على تفسيرنا، لأن المراد الأشياء ذوات النزع، و هذا القدر لا يقتضي ما ذكر من التأنيث.

الوجه الثاني في تأويل هذه الكلمات: أنها هي النجوم و هو قول الحسن البصري و وصف النجوم بالنازعات يحتمل وجوها: أحدها: كأنها تنزع من تحت الأرض فتنجذب إلى ما فوق الأرض، فإذا كانت منزوعة كانت ذوات نزع، فيصح أن يقال: إنها نازعة على قياس اللابن و التامر و ثانيها: أن النازعات من قولهم نزع إليه أي ذهب نزوعا، هكذا قاله الواحدي: فكأنها تطلع و تغرب بالنزع و السوق و الثالث: أن يكون ذلك من قولهم: نزعت الخيل إذا جرت، فمعنى: وَ اَلنََّازِعََاتِ أي و الجاريات على السير المقدر و الحد المعين و قوله: غَرْقاً يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون حالا من النازعات أي هذه الكواكب كالغرقى في ذلك النزع و الإرادة و هو إشارة إلى كمال حالها في تلك الإرادة، فإن قيل: إذا لم تكن الأفلاك و الكواكب أحياء ناطقة، فما معنى وصفها بذلك قلنا: هذا يكون على سبيل التشبيه كقوله تعالى: وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: 33]فإن الجمع بالواو و النون يكون للعقلاء، ثم إنه ذكر في الكواكب على سبيل التشبيه و الثاني: أن يكون معنى غرقها/غيبوبتها في أفق الغرب، فالنازعات إشارة إلى طلوعها و غرقا إشارة إلى غروبها أي تنزع، ثم تغرق إغراقا، و هذا الوجه ذكره قوم من المفسرين.

أما قوله: وَ اَلنََّاشِطََاتِ نَشْطاً فقال صاحب «الكشاف» : معناه أنها تخرج من برج إلى برج من قولك:

ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد. و أقول يرجع حاصل هذا الكلام إلى أن قوله: وَ اَلنََّازِعََاتِ غَرْقاً إشارة إلى حركتها اليومية وَ اَلنََّاشِطََاتِ نَشْطاً إشارة إلى انتقالها من برج إلى برج و هو حركتها المخصوصة بها في أفلاكها الخاصة، و العجب أن حركاتها اليومية قسرية، و حركتها من برج إلى برج ليست قسرية، بل ملائمة لذواتها، فلا جرم عبر عن الأول بالنزع و عن الثاني بالنشط، فتأمل أيها المسكين في هذه الأسرار.

31

و أما قوله: وَ اَلسََّابِحََاتِ سَبْحاً فقال الحسن و أبو عبيدة رحمهما اللّه: هي النجوم تسبح في الفلك، لأن مرورها في الجو كالسبح، و لهذا قال: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ* [الأنبياء: 33].

و أما قوله: فَالسََّابِقََاتِ سَبْقاً فقال الحسن و أبو عبيدة: و هي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير بسبب كون بعضها أسرع حركة من البعض، أو بسبب رجوعها أو استقامتها.

و أما قوله تعالى: فَالْمُدَبِّرََاتِ أَمْراً ففيه وجهان أحدهما: أن بسبب سيرها و حركتها يتميز بعض الأوقات عن بعض، فتظهر أوقات العبادات على ما قال تعالى: فَسُبْحََانَ اَللََّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ* `وَ لَهُ اَلْحَمْدُ [الروم: 17، 18]و قال: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوََاقِيتُ لِلنََّاسِ وَ اَلْحَجِّ [البقرة: 189] و قال: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسََابَ* [يونس: 5]و لأن بسبب حركة الشمس تختلف الفصول الأربعة، و يخلف بسبب اختلافها أحوال الناس في المعاش، فلا جرم أضيفت إليها هذه التدبيرات و الثاني: أنه لما ثبت بالدليل أن كل جسم محدث ثبت أن الكواكب محدثة مفتقرة إلى موجد يوجدها، و إلى صانع يخلقها، ثم بعد هذا لو قدرنا أن صانعها أودع فيها قوى مؤثرة في أحوال هذا العالم، فهذا يطعن في الدين ألبتة، و إن لم نقل بثبوت هذه القوى أيضا، لكنا نقول: أن اللّه سبحانه و تعالى أجرى عادته بأن جعل كل واحد من أحوالها المخصوصة سببا لحدوث حادث مخصوص في هذا العالم، كما جعل الأكل سببا للشبع، و الشرب سببا للري، و مماسة النار سببا للاحتراق، فالقول بهذا المذهب لا يضر الإسلام ألبتة بوجه من الوجوه، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

الوجه الثالث: في تفسير هذه الكلمات الخمسة أنها هي الأرواح، و ذلك لأن نفس الميت تنزع، يقال فلان في النزع، و فلان ينزع إذا كان في سياق الموت، و الأنفس نازعات عند السياق، و معنى غَرْقاً أي نزعا شديدا أبلغ ما يكون و أشد من إغراق النازع في القوس و كذلك تنشط لأن النشط معناه الخروج، ثم الأرواح البشرية الخالية عن العلائق الجسمانية المشتاقة إلى الاتصال العلوي بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة، و منازل القدس على أسرع الوجوه في روح و ريحان، فعبر عن ذهابها على هذه الحالة بالسباحة، ثم لا شك أن مراتب الأرواح/في النفرة عن الدنيا و محبة الاتصال بالعالم العلوي مختلفة فكلما كانت أتم في هذه الأحوال كان سيرها إلى هناك أسبق، و كلما كانت أضعف كان سيرها إلى هناك أثقل، و لا شك أن الأرواح السابقة إلى هذه الأحوال أشرف فلا جرم وقع القسم بها، ثم إن هذه الأرواح الشريفة العالية لا يبعد أن يكون فيها ما يكون لقوتها و شرفها يظهر منها آثار في أحوال هذا العالم فهي فَالْمُدَبِّرََاتِ أَمْراً أ ليس أن الإنسان قد يرى أستاذه في المنام و يسأله عن مشكلة فيرشده إليها؟أليس أن الابن قد يرى أباه في المنام فيهديه إلى كنز مدفون؟أ ليس أن جالينوس قال: كنت مريضا فعجزت عن علاج نفسي فرأيت في المنام واحدا أرشدني إلى كيفية العلاج؟أ ليس أن الغزالي قال: إن الأرواح الشريفة إذا فارقت أبدانها، ثم اتفق إنسان مشابه للإنسان الأول في الروح و البدن، فإنه لا يبعد أن يحصل للنفس المفارقة تعلق بهذا البدن حتى تصير كالمعاونة للنفس المتعلقة بذلك البدن على أعمال الخير فتسمى تلك المعاونة إلهاما؟و نظيره في جانب النفوس الشريرة وسوسة، و هذه المعاني و إن لم تكن منقولة عن المفسرين إلا أن اللفظ محتمل لها جدا.

الوجه الرابع: في تفسير هذه الكلمات الخمس أنها صفات خيل الغزاة فهي نازعات لأنها تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب و هي ناشطات لأنها تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، ـ

32

من قولهم: ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد، و هي سابحات لأنها تسبح في جريها و هي سابقات، لأنها تسبق إلى الغاية، و هي مدبرات لأمر الغلبة و الظفر، و إسناد التدبير إليها مجاز لأنها من أسبابه.

الوجه الخامس: و هو اختيار أبي مسلم رحمه اللّه أن هذه صفاة الغزاة فالنازعات أيدي الغزاة يقال: للرامي نزع في قوسه، و يقال: أغرق في النزع إذا استوفى مد القوس، و الناشطات السهام و هي خروجها عن أيدي الرماة و نفوذها، و كل شي‏ء حللته فقد نشطته، و منه نشاط الرجل و هو انبساطه و خفته، و السابحات في هذا الموضع الخيل و سبحها العدو، و يجوز أن يعني به الإبل أيضا، و المدبرات مثل المعقبات، و المراد أنه يأتي في أدبار هذا الفعل الذي هو نزع السهام و سبح الخيل و سبقها الأمر الذي هو النصر، و لفظ التأنيث إنما كان لأن هؤلاء جماعات، كما قيل: المدبرات، و يحتمل أن يكون المراد الآلة من القوس و الأوهاق، على معنى المنزوع فيها و المنشوط بها.

الوجه السادس: أنه يمكن تفسير هذه الكلمات بالمراتب الواقعة في رجوع القلب من غير اللّه تعالى إلى اللّه فـ اَلنََّازِعََاتِ غَرْقاً هي الأرواح التي تنزع إلى اعتلاق العروة الوثقى، أو المنزوعة عن محبة غير اللّه تعالى:

وَ اَلنََّاشِطََاتِ نَشْطاً هي أنها بعد الرجوع عن الجسمانيات تأخذ في المجاهدة، و التخلق بأخلاق اللّه سبحانه و تعالى بنشاط تام، و قوة قوية: وَ اَلسََّابِحََاتِ سَبْحاً ثم إنها بعد المجاهدة تسرح في أمر الملكوت فتقطع في تلك البحار فتسبح فيها: فَالسََّابِقََاتِ سَبْقاً إشارة إلى تفاوت الأرواح في درجات سيرها إلى اللّه تعالى:

فَالْمُدَبِّرََاتِ أَمْراً إشارة إلى أن آخر مراتب/البشرية متصلة بأول درجات الملكية، فلما انتهت الأرواح البشرية إلى أقصى غاياتها و هي مرتبة السبق اتصلت بعالم الملائكة و هو المراد من قوله: فَالْمُدَبِّرََاتِ أَمْراً فالأربعة الأول هي المراد من قوله: يَكََادُ زَيْتُهََا يُضِي‏ءُ [النور: 35]و الخامسة: هي النار في قوله: وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نََارٌ [النور: 35].

و اعلم أن الوجوه المنقولة عن المفسرين غير منقولة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم نصا، حتى لا يمكن الزيادة عليها، بل إنما ذكروها لكون اللفظ محتملا لها، فإذا كان احتمال اللفظ لما ذكرناه ليس دون احتماله للوجوه التي ذكروها لم يكن ما ذكروه أولى مما ذكرناه إلا أنه لا بد هاهنا من دقيقة، و هو أن اللفظ محتمل للكل، فإن وجدنا بين هذه المعاني مفهوما واحدا مشتركا حملنا اللفظ على ذلك المشترك: و حينئذ يندرج تحته جميع هذه الوجوه. أما إذا لم يكن بين هذه المفهومات قدر مشترك تعذر حمل اللفظ على الكل، لأن اللفظ المشترك لا يجوز استعماله لإفادة مفهومية معا، فحينئذ لا نقول مراد اللّه تعالى هذا، بل نقول: يحتمل أن يكون هذا هو المراد، أما الجزم فلا سبيل إليه هاهنا.

الاحتمال الثاني: و هو أن لا تكون الألفاظ الخمسة صفات لشي‏ء واحد، بل لأشياء مختلفة، ففيه أيضا وجوه الأول: النازعات غرقا، هي: القسي، و الناشطات نشطا هي الأوهاق، و السابحات السفن، و السابقات الخيل، و المدبرات الملائكة، رواه واصل بن السائب: عن عطاء الثاني: نقل عن مجاهد: في النازعات، و الناشطات، و السابحات أنها الموت، و في السابقات، و المدبرات أنها الملائكة، و إضافة النزع، و النشط، و السبح إلى الموت مجاز بمعنى أنها حصلت عند حصوله الثالث: قال قتادة: الجميع هي النجوم إلا المدبرات، فإنها هي الملائكة.

المسألة الثانية: ذكر فالسابقات بالفاء، و التي قبلها بالواو، و في علته وجهان الأول: قال صاحب «الكشاف» : إن هذه مسيبة عن التي قبلها، كأنه قيل: و اللاتي سبحن، فسبقن كما تقول: قام فذهب أوجب الفاء

33

أن القيام كان سببا للذهاب، و لو قلت: قام و ذهب لم تجعل القيام سببا للذهاب، قال الواحدي: قول صاحب «النظم» غير مطرد في قوله: فَالْمُدَبِّرََاتِ أَمْراً لأنه يبعد أن يجعل السبق سببا للتدبير، و أقول: يمكن الجواب عن اعتراض الواحدي رحمه اللّه من وجهين: الأول: لا يبعد أن يقال: إنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيرها و إصلاحها، فتكون هذه أفعالا يتصل بعضها ببعض، كقولك قام زيد، فذهب، فضرب عمرا، الثاني: لا يبعد أن يقال: إنهم لما كانوا سابقين في أداء الطاعات متسارعين إليها ظهرت أمانتهم، فلهذا السبب فوض اللّه إليهم تدبير بعض العالم الوجه الثاني: أن الملائكة قسمان، الرؤساء و التلامذة، و الدليل عليه أنه سبحانه و تعالى قال: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ [السجدة: 11]ثم قال: حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا [الأنعام: 61]فقلنا في التوفيق بين الآيتين: أن ملك الموت هو الرأس، و الرئيس و سائر الملائكة هم التلامذة، إذا عرفت هذا فتقول: النازعات، و الناشطات/و السابحات، محمولة على التلامذة الذين هم يباشرون العمل بأنفسهم، ثم قوله تعالى: فَالسََّابِقََاتِ ... فَالْمُدَبِّرََاتِ إشارة إلى الرؤساء الذين هم السابقون، في الدرجة و الشرف، و هم المدبرون لتلك الأحوال و الأعمال.

في قوله تعالى يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة فيه مسائل:

المسألة الأولى: جواب القسم المتقدم محذوف أو مذكور فيه وجهان الأول: أنه محذوف، ثم على هذا الوجه في الآية احتمالات:

الأول: قال الفراء التقدير: لتبعثن، و الدليل عليه ما حكى اللّه تعالى عنهم، أنهم قالوا: أَ إِذََا كُنََّا عِظََاماً نَخِرَةً [النازعات: 11]أي أ نبعث إذا صرنا عظاما نخرة الثاني: قال الأخفش و الزجاج: لننفخن في الصور نفختين و دل على هذا المحذوف ذكر الراجفة و الرادفة و هما النفختان الثالث: قال الكسائي: الجواب المضمر هو أن القيامة واقعة و ذلك لأنه سبحانه و تعالى قال: وَ اَلذََّارِيََاتِ ذَرْواً [الذاريات: 1]ثم قال: إِنَّمََا تُوعَدُونَ لَصََادِقٌ [الذاريات: 5]و قال: وَ اَلْمُرْسَلاََتِ عُرْفاً ... * إِنَّمََا تُوعَدُونَ لَوََاقِعٌ [المرسلات: 1، 7]فكذلك هاهنا فإن القرآن كالسورة الواحدة القول الثاني: أن الجواب مذكور و على هذا القول احتمالات الأول: المقسم عليه هو قوله: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وََاجِفَةٌ*`أَبْصََارُهََا خََاشِعَةٌ و التقدير و النازعات غرقا أن يوم ترجف الراجفة تحصل قلوب واجفة و أبصارها خاشعة الثاني: جواب القسم هو قوله: هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ََ [النازعات: 15]فإن هل هاهنا بمعنى قد، كما في قوله: هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ اَلْغََاشِيَةِ [الغاشية: 1]أي قد أتاك حديث الغاشية الثالث:

جواب القسم هو قوله: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى‏ََ [النازعات: 26].

34

المسألة الثانية: ذكروا في ناصب يوم بوجهين أحدهما: أنه منصوب بالجواب المضمر و التقدير لتبعثن يوم ترجف الراجفة، فإن قيل كيف يصح هذا مع أنهم لا يبعثون عند النفخة الأولى و الراجفة هي النفخة الأولى؟قلنا المعنى لتبعثن في الوقت الواسع الذي يحصل فيه النفختان، }و لا شك أنهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع و هو وقت النفخة الأخرى، و يدل على ما قلناه أن قوله: تَتْبَعُهَا اَلرََّادِفَةُ جعل حالا عن الراجفة و الثاني: أن ينصب يوم ترجف بما دل عليه: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وََاجِفَةٌ أي يوم ترجف و جفت القلوب.

المسألة الثالثة: الرجفة في اللغة تحتمل وجهين أحدهما: الحركة لقوله: يَوْمَ تَرْجُفُ/اَلْأَرْضُ وَ اَلْجِبََالُ [المزمل: 14]. الثاني: الهدة المنكرة و الصوت الهائل من قولهم: رجف الرعد يرجف رجفا و رجيفا، و ذلك تردد أصواته المنكرة و هدهدته في السحاب، و منه قوله تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ* [الأعراف:

91]فعلى هذا الوجه الراجفة صيحة عظيمة فيها هول و شدة كالرعد، و أما الرادفة فكل شي‏ء جاء بعد شي‏ء آخر يقال ردفه، أي جاء بعده، و أما القلوب الواجفة فهي المضطربة الخائفة، يقال: وجف قلبه يجف وجافا إذا اضطرب، و منه إيجاف الدابة، و حملها على السير الشديد، و للمفسرين عبارات كثيرة في تفسير الواجفة و معناها واحد، قالوا: خائفة وجلة زائدة عن أماكنها قلقة مستوفزة مرتكضة شديدة الاضطراب غير ساكنة، أبصار أهلها خاشعة، و هو كقوله: خََاشِعِينَ مِنَ اَلذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى: 45]إذا عرفت هذا فنقول، اتفق جمهور المفسرين على أن هذه الأمور أحوال يوم القيامة، و زعم أبو مسلم الأصفهاني أنه ليس كذلك و نحن نذكر تفاسير المفسرين ثم نشرح قول أبي مسلم.

أما القول الأول: و هو المشهور بين الجمهور، أن هذه الأحوال أحوال يوم القيامة فهؤلاء ذكروا وجوها أحدها: أن الراجفة هي النفخة الأولى، و سميت به إما لأن الدنيا تتزلزل و تضطرب عندها، و إما لأن صوت تلك النفخة هي الراجفة، كما بينا القول فيه، و الراجفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء على ما ذكره تعالى في سورة الزمر، ثم‏

يروى عن الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم أن بين النفختين أربعين عاما، و يروى في هذه الأربعين يمطر اللّه الأرض و يصير ذلك الماء عليها كالنطف، و أن ذلك كالسبب للإحياء، و هذا مما لا حاجة إليه في الإعادة، و للّه أن يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد

و ثانيها: الراجفة هي النفخة الأولى و الرادفة هي قيام الساعة من قوله: عَسى‏ََ أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [النمل: 72]أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعادا لها فهي رادفة لهم لاقترابها و ثالثها: الراجفة الأرض و الجبال من قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ اَلْأَرْضُ وَ اَلْجِبََالُ و الرادفة السماء و الكواكب لأنها تنشق و تنتثر كواكبها على أثر ذلك و رابعها: الراجفة هي الأرض تتحرك و تتزلزل و الرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض و تفنى القول الثاني: و هو قول أبي مسلم أن هذه الأحوال ليست أحوال يوم القيامة، و ذلك لأنا نقلنا عنه أنه فسر النازعات بنزع القوس و الناشطات بخروج السهم، و السابحات بعدو الفرس، و السابقات بسبقها، و المدبرات بالأمور التي تحصل أدبار ذلك الرمي و العدو، ثم بنى على ذلك فقال الراجفة هي خيل المشركين و كذلك الرادفة و يراد بذلك طائفتان من المشركين غزوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فسبقت إحداهما الأخرى، و القلوب الواجفة هي القلقة، و الأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين كقوله: اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ اَلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَوْتِ [محمد: 20]كأنه قيل لما جاء خيل العدو يرجف، و ردفتها أختها اضطرب قلوب المنافقين خوفا،

35

و خشعت أبصارهم جبنا و ضعفا، ثم قالوا: / أَ إِنََّا لَمَرْدُودُونَ فِي اَلْحََافِرَةِ [النازعات: 10]أي نرجع إلى الدنيا حتى نتحمل هذا الخوف لأجلها و قالوا أيضا: تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خََاسِرَةٌ [النازعات: 12]فأول هذا الكلام حكاية لحال من غزا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من المشركين و أوسطه حكاية لحال المنافقين و آخره حكاية لكلام المنافقين في إنكار الحشر، ثم إنه سبحانه و تعالى أجاب عن كلامهم بقوله: فَإِنَّمََا هِيَ زَجْرَةٌ وََاحِدَةٌ*`فَإِذََا هُمْ بِالسََّاهِرَةِ [النازعات: 13، 14]و هذا كلام أبي مسلم و اللفظ محتمل له و إن كان على خلاف قول الجمهور.

قوله تعالى: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وََاجِفَةٌ*`أَبْصََارُهََا خََاشِعَةٌ اعلم أنه تعالى لم يقل: القلوب يومئذ واجفة، فإنه ثبت بالدليل أن أهل الإيمان لا يخافون بل المراد منه قلوب الكفار، و مما يؤكد ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: أَ إِنََّا لَمَرْدُودُونَ فِي اَلْحََافِرَةِ [النازعات: 10]و هذا كلام الكفار لا كلام المؤمنين، }و قوله:

أَبْصََارُهََا خََاشِعَةٌ لأن المعلوم من حال المضطرب الخائف أن يكون نظره نظر خاشع ذليل خاضع يترقب ما ينزل به من الأمر العظيم، و في الآية سؤالان:

السؤال الأول: كيف جاز الابتداء بالنكرة؟ الجواب: قلوب مرفوعة بالابتداء و واجفة صفتها و أبصارها خاشعة خبرها فهو كقوله: لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ [البقرة: 221].

السؤال الثاني: كيف صحت إضافة الأبصار إلى القلوب؟ الجواب: معناه أبصار أصحابها بدليل قوله يقولون، ثم اعلم أنه تعالى حكى هاهنا عن منكري البعث أقوالا ثلاثة:

أولها: قوله تعالى: يَقُولُونَ أَ إِنََّا لَمَرْدُودُونَ فِي اَلْحََافِرَةِ يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها فحفرها أي أثر فيها بمشيه فيها جعل أثر قدميه حفرا فهي في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة، كما قيل: فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ* [الحاقة: 21]و مََاءٍ دََافِقٍ [الطارق: 6]أي منسوبة إلى الحفر و الرضا و الدفق أو كقولهم نهارك صائم، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته، أي إلى طريقته و

في الحديث: «إن هذا الأمر لا يترك على حاله حتى يرد على حافرته»

أي على أول تأسيسه و حالته الأولى و قرأ أبو حيوة في الحفرة، و الحفرة بمعنى المحفورة يقال: حفرت أسنانه، فحفرت حفرا، و هي حفرة، هذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفور، إذا عرفت هذا ظهر أن معنى الآية: أ نرد إلى أول حالنا و ابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا.

و ثانيها: قوله تعالى: أَ إِذََا كُنََّا عِظََاماً نَخِرَةً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و عاصم ناخرة بألف، و قرأ الباقون نخرة بغير ألف، و اختلفت الرواية عن الكسائي فقيل: إنه كان لا يبالي كيف قرأها، و قيل: إنه كان يقرؤها بغير ألف، ثم رجع إلى الألف، و اعلم أن أبا عبيدة اختار نخرة، و قال: نظرنا في الآثار التي فيها ذكر العظام التي قد نخرت، فوجدناها كلها العظام النخرة، و لم نسمع في شي‏ء منها الناخرة، و أما من سواه، فقد اتفقوا/على أن الناخرة لغة صحيحة، ثم اختلف هؤلاء على قولين: الأول: أن الناخرة و النخرة بمعنى واحد قال الأخفش هما جميعا لغتان أيهما قرأت فحسن، و قال الفراء: الناخر و النخر سواء في المعنى بمنزله الطامع و الطمع، و الباخل و البخل، و في كتاب «الخليل» نخرت الخشبة إذا بليت فاسترخت حتى تتفتت إذا مست، و كذلك العظم الناخر، ثم هؤلاء الذين قالوا: هما

36

لغتان و المعنى واحد اختلفوا فقال الزجاج و الفراء: الناخرة أشبه الوجهين بالآية لأنها تشبه أواخر سائر الآي نحو الحافرة و الساهرة، و قال آخرون: الناخرة و النخر كالطامع و الطمع، و اللابث و اللبث و فعل أبلغ من فاعل القول الثاني: أن النخرة غير و الناخرة غير، أما النخرة فهو من نخر العظم ينخر فهو نخر مثل عفن يعفن فهو عفن، و ذلك إذا بلي و صار بحيث لو لمسته لتفتت، و أما الناخرة فهي العظام الفارغة التي يحصل من هبوب الريح فيها صوت كالنخير، و على هذا الناخرة من النخير بمعنى الصوت كنخير النائم و المخنوق لا من النخر الذي هو البلى.

المسألة الثانية: إذا منصوب بمحذوف تقدير إذا كنا عظاما نرد و نبعث.

المسألة الثالثة: اعلم أن حاصل هذه الشبهة أن الذي يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله: أنا هو هذا الجسم المبني بهذه البنية المخصوصة، فإذا مات الإنسان فقد بطل مزاجه و فسد تركيبه فتمتنع إعادته لوجوه أحدها: أنه لا يكون الإنسان العائد هو الإنسان الأول إلا إذا دخل التركيب الأول في الوجود مرة أخرى، و ذلك قول بإعادة عين ما عدم أولا، و هذا محال لأن الذي عدم لم يبق له عين و لا ذات و لا خصوصية، فإذا دخل شي‏ء آخر في الوجود استحال أ يقال بأن العائد هو عين ما فني أولا و ثانيها: أن تلك الأجزاء تصير ترابا و تتفرق و تختلط بأجزاء كل الأرض و كل المياه و كل الهواء فتميز تلك الأجزاء بأعيانها عن كل هذه الأشياء محال و ثالثها: أن الأجزاء الترابية باردة يابسة قشفة فتولد الإنسان الذي لا بد و أن يكون حارا رطبا في مزاجه عنها محال، هذا تمام تقرير كلام هؤلاء الذين احتجوا على إنكار البعث بقولهم: أَ إِذََا كُنََّا عِظََاماً نَخِرَةً و الجواب: عن هذه الشبهة من وجوه أولها: و هو الأقوى: لا نسلم أن المشار إليه لكل أحد بقوله: أنا هو هذا الهيكل، ثم إن الذي يدل على فساده وجهان الأول: أن أجزاء هذا الهيكل في الزوبان و التبدل، و الذي يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله أنا ليس في التبدل و المتبدل مغاير لما هو غير متبدل و الثاني: أن الإنسان قد يعرف أنه هو حال كونه غافلا عن أعضائه الظاهرة و الباطنة، و المشعور به مغاير لما هو غير مشعور به و إلا لاجتمع النفي و الإثبات على الشي‏ء الواحد و هو محال، فثبت أن المشار إليه لكل أحد بقوله: أنا ليس هو هذا الهيكل، ثم هاهنا ثلاث احتمالات أحدها: أن يكون ذلك الشي‏ء موجودا قائما بنفسه ليس بجسم و لا بجسماني على ما هو مذهب طائفة عظيمة من الفلاسفة و من المسلمين و ثانيها: أن يكون جسما مخالفا بالماهية لهذه الأجسام القابلة للانحلال و الفساد سارية فيها سريان النار في الفحم و سريان الدهن في السمسم و سريان ماء الورد/في جرم الورد فإذا فسد هذا الهيكل تقلصت تلك الأجزاء و بقيت حية مدركة عاقلة، إما في الشقاوة أو في السعادة و ثالثها: أن يقال: إنه جسم مساو لهذه الأجسام في الماهية إلا أن اللّه تعالى خصها بالبقاء و الاستمرار من أول حال تكون شخص في الوجود إلى آخر عمره، و أما سائر الأجزاء المتبدلة تارة بالزيادة و أخرى بالنقصان فهي غير داخلة في المشار إليه بقوله أنا فعند الموت تنفصل تلك الأجزاء. و تبقى حية، إما في السعادة أو في الشقاوة، و إذا ظهرت هذه الاحتمالات ثبت أنه لا يلزم من فساد البدن و تفرق أجزائه فساد ما هو الإنسان حقيقة، و هذا مقام حسن متين تنقطع به جميع شبهات منكري البعث. و على هذا التقدير لا يكون لصيرورة العظام نخرة بالية متفرقة تأثير في دفع الحشر و النشر ألبتة، سلمنا على سبيل المسامحة أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل، فلم قلتم: إن الإعادة ممتنعة؟ [أولا]: المعدوم لا يعاد: قلنا: أليس أن حال عدمه لم يمتنع عندكم صحة الحكم عليه بأنه يمتنع عوده،

37

فلم لا يجوز أن لا يمتنع على قولنا أيضا صحة الحكم عليه بالعود، قول: ثانيا: الأجزاء القليلة مختلطة بأجزاء العناصر الأربعة، قلنا لكن ثبت أن خالق العالم عالم بجميع الجزئيات، و قادر على كل الممكنات فيصح منه جمعها بأعيانها. و إعادة الحياة إليها. قوله: ثالثا: الأجسام القشفة اليابسة لا تقبل الحياة. قلنا: نرى السمندل، يعيش في النار، و النعامة تبتلع الحديدة المحماة، و الحيات الكبار العظام متولدة في الثلوج، فبطل الاعتماد على الاستقراء، و اللّه الهادي إلى الصدق و الصواب.

النوع الثالث: من الكلمات التي حكاها اللّه تعالى عن منكري البعث قََالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خََاسِرَةٌ و المعنى كرة منسوبة إلى الخسران، كقولك تجارة رابحة، أو خاسر أصحابها، و المعنى أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا، و هذا منهم استهزاء. و اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه الكلمات قال:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الفاء في قوله: فَإِذََا هُمْ متعلق بمحذوف معناه لا تستصعبوها فإنما هي زجرة واحدة، يعني لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على اللّه فإنها سهلة هينة في قدرته.

المسألة الثانية: يقال: زجر البعير إذا صاح عليه، و المراد من هذه الصيحة النفخة الثانية و هي صيحة إسرافيل، قال المفسرون: يحيهم اللّه في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون، و نظير هذه الآية قوله تعالى: وَ مََا يَنْظُرُ هََؤُلاََءِ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً مََا لَهََا مِنْ فَوََاقٍ [ص: 15].

المسألة الثالثة: الساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لوجهين الأول: أن/سالكها لا ينام خوفا منها الثاني: أن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة جارية الماء، و عندي فيه وجه ثالث: و هي أن الأرض إنما تسمى ساهرة لأن من شدة الخوف فيها يطير النوم عن الإنسان، فتلك الأرض التي يجتمع الكفار فيها في موقف القيامة يكونون فيها في أشد الخوف، فسميت تلك الأرض ساهرة لهذا السبب، ثم اختلفوا من وجه آخر فقال بعضهم: هي أرض الدنيا، و قال آخرون: هي أرض الآخرة لأنهم عند الزجرة و الصيحة ينقلون أفواجا إلى أرض الآخرة و لعل هذا الوجه أقرب.

فيه مسائل: ـ

38

المسألة الأولى: اعلم أن وجه المناسبة بين هذه القصة و بين ما قبلها من وجهين: الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث حتى انتهوا في ذلك الإنكار إلى حد الاستهزاء في قولهم: تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خََاسِرَةٌ [النازعات: 12]و كان ذلك يشق على محمد صلّى اللّه عليه و سلّم فذكر قصة موسى عليه السلام، و بين أنه تحمل المشقة الكثيرة في دعوة فرعون ليكون ذلك كالتسلية للرسول صلّى اللّه عليه و سلّم الثاني: أن فرعون كان أقوى من كفار قريش و أكثر جمعا و أشد شوكة، فلما تمرد على موسى أخذه اللّه نكال الآخرة و الأولى، فكذلك هؤلاء المشركون في تمردهم عليك إن أصروا أخذهم اللّه و جعلهم نكالا.

المسألة الثانية: قوله: هَلْ أَتََاكَ يحتمل أن يكون معناه أ ليس قد أتاك حديث موسى هذا إن كان قد أتاه ذلك قبل هذا الكلام، أما إن لم يكن قد أتاه فقد يجوز أن يقال: هَلْ أَتََاكَ كذا، أم أنا أخبرك به فإن فيه عبرة لمن يخشى.

المسألة الثالثة: الوادي المقدس المبارك المطهر، و في قوله: طُوىً وجوه: أحدها: أنه اسم وادي بالشام و هو عند الطور الذي أقسم اللّه به في قوله: وَ اَلطُّورِ*`وَ كِتََابٍ مَسْطُورٍ [الطور: 1، 2]و قوله:

وَ نََادَيْنََاهُ مِنْ جََانِبِ اَلطُّورِ اَلْأَيْمَنِ [مريم: 52]و الثاني: أنه بمعنى يا رجل بالعبرانية، فكأنه قال: يا رجل اذهب إلى فرعون، و هو قول ابن عباس و الثالث: أن يكون قوله: طُوىً أي ناداه طُوىً من الليلة اِذْهَبْ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ لأنك تقول جئتك بعد طُوىً أي بعد ساعة من الليل و الرابع: أن يكون المعنى بالوادي المقدس الذي طوى أي بورك فيه مرتين.

المسألة الرابعة: قرأ نافع و ابن كثير و أبو عمرو طوى بضم الطاء غير منون، و قرأ/الباقون بضم الطاء منونا، و روي عن أبي عمرو. طوى بكسر الطاء، و طوى مثل ثنى، و هما اسمان للشي‏ء المثنى، و الطي بمعنى الثني، أي ثنيت في البركة و التقديس، قال الفراء: طُوىً واد بين المدينة و مصر، فمن صرفه قال: هو ذكر سمينا به ذكرا، و من لم يصرفه جعله معدولا عن جهته كعمر و زفر، ثم قال: و الصرف أحب إلي إذ لم أجد في المعدول نظيرا، أي لم أجد اسما من الواو و الياء عدل عن فاعلة إلى فعل غير طُوىً .

المسألة الخامسة: تقدير الآية: إذ ناداه ربه و قال اذهب إلى فرعون، و في قراءة عبد اللّه أن اذهب، لأن في النداء معنى القول. و أما أن ذلك النداء كان بإسماع الكلام القديم، أو بإسماع الحرف و الصوت، و إن كان على هذا الوجه فكيف عرف موسى أنه كلام اللّه. فكل ذلك قد تقدم في سورة طه.

المسألة السادسة: أن سائر الآيات تدل على أنه تعالى في أول ما نادى موسى عليه السلام ذكر له أشياء كثيرة، كقوله في سورة طه: نُودِيَ يََا مُوسى‏ََ`إِنِّي أَنَا رَبُّكَ إلى قوله: لِنُرِيَكَ مِنْ آيََاتِنَا اَلْكُبْرى‏ََ*`اِذْهَبْ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ََ [طه: 23، 24]فدل ذلك على أن قوله هاهنا: اِذْهَبْ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ََ من جملة ما ناداه به ربه، لا أنه كل ما ناداه به، و أيضا ليس الغرض أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى فرعون فقط، بل إلى كل من كان في ذلك الطرف، إلا أنه خصه بالذكر، لأن دعوته جارية مجرى دعوة كل ذلك القوم.

المسألة السابعة: الطغيان مجاوزة الحد، ثم إنه تعالى لم يبين أنه تعدى في أي شي‏ء، فلهذا قال بعض المفسرين: معناه أنه تكبر على اللّه و كفر به، و قال آخرون: إنه طغى على بني إسرائيل، و الأولى عندي الجمع‏

39

بين الأمرين، فالمعنى أنه طغى على الخالق بأن كفر به، و طغى على الخلق بأن تكبر عليهم و استعبدهم، و كما أن كمال العبودية ليس إلا صدق المعاملة مع الخالق و مع الخلق، فكذا كمال الطغيان ليس إلا الجمع بين سوء المعاملة مع الخالق و مع الخلق.

و اعلم أنه تعالى لما بعثه إلى فرعون لقنه كلامين ليخاطبه بهما: فالأول: قوله تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: يقال هل لك في كذا، و هل لك إلى كذا، كما تقول: هل ترغب فيه، و هل ترغب إليه، قال الواحدي: المبتدأ محذوف في اللفظ مراد في المعنى، و التقدير: هل لك إلى تزكى حاجة أو إربه، قال الشاعر:

فهل لكم فيها إلي فإنني # بصير بما أعيا النطاسي حذيما

و يحتمل أن يكون التقدير: هل لك سبيل إلى أن تزكى.

المسألة الثانية: الزكي الطاهر من العيوب كلها، قال: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً [الكهف: 74]و قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا [الشمس: 9]و هذه الكلمة جامعة لكل ما يدعوه إليه، لأن المراد هل لك إلى أن تفعل ما تصير به زاكيا عن كل ما لا ينبغي، و ذلك بجمع كل ما يتصل بالتوحيد و الشرائع.

المسألة الثالثة: فيه قراءتان: التشديد على إدغام تاء التفعل في الزاي لتقاربهما و التخفيف.

المسألة الرابعة: المعتزلة تمسكوا به في إبطال كون اللّه تعالى خالقا لفعل العبد بهذه الآية، فإن هذا استفهام على سبيل التقرير، أي لك سبيل إلى أن تزكى، و لو كان ذلك بفعل اللّه تعالى لا نقلب الكلام على موسى، و الجواب عن أمثاله تقدم.

المسألة الخامسة: أنه لما قال لهما: فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً [طه: 44]فكأنه تعالى رتب لهما ذلك الكلام اللين الرقيق، و هذا يدل على أنه لا بد في الدعوة إلى اللّه من اللين و الرفق و ترك الغلظة، و لهذا قال لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم:

وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159]و يدل على أن الذين يخاشنون الناس و يبالغون في التعصب، كأنهم على ضد ما أمر اللّه به أنبياءه و رسله. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: القائلون بأن معرفة اللّه لا تستفاد إلا من الهادي تمسكوا بهذه الآية، و قالوا: إنها صريحة في أنه يهديه إلى معرفة اللّه، ثم قالوا: و مما يدل على أن هذا هو المقصود الأعظم من بعثة الرسل؛ أمران الأول: أن قوله: هَلْ لَكَ إِلى‏ََ أَنْ تَزَكََّى يتناول جميع الأمور التي لا بد للمبعوث إليه منها، فيدخل فيه هذه الهداية فلما أعاده بعد ذلك علم أنه هو المقصود الأعظم من البعثة و الثاني: أن موسى ختم كلامه عليه، و ذلك‏

40

ينبه أيضا على أنه أشرف المقاصد من البعثة و الجواب: أنا لا نمنع أن يكون للتنبيه و الإشارة معونة في الكشف عن الحق إنما النزاع في إنكم تقولون: يستحيل حصوله إلا من المعلم و نحن لا نحل ذلك.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن معرفة اللّه مقدمة على طاعته، لأنه ذكر الهداية و جعل الخشية مؤخرة عنها و مفرعة عليها، و نظيره قوله تعالى في أول النحل: أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا فَاتَّقُونِ [النحل: 2]و في طه: إِنَّنِي أَنَا اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه: 14].

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة. قال تعالى: إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ [فاطر: 28]أي العلماء به، و دلت الآية على أن الخشية ملاك الخيرات، لأن من خشي اللّه أتى منه كل خير، و من أمن اجترأ على كل شر، و منه‏

قوله عليه السلام «من خاف أدلج، و من أدلج بلغ المنزل» .

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: الفاء في فَأَرََاهُ معطوف على محذوف معلوم، يعني فذهب فأراه، كقوله: فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصََاكَ اَلْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ [البقرة: 60]أي فضرب فانفجرت.

المسألة الثانية: اختلفوا في الآية الكبرى على ثلاثة أقوال: الأول: قال مقاتل و الكلبي: هي اليد، لقوله في النمل: وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضََاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل: 12]آية أخرى‏ لِنُرِيَكَ مِنْ آيََاتِنَا اَلْكُبْرى‏ََ [طه: 23]القول الثاني: قال عطاء: هي العصا، لأنه ليس في اليد إلا انقلاب لونه إلى لون آخر، و هذا المعنى كان حاصلا في العصا، لأنها لما انقلبت حية فلا بد و أن يكون قد تغير اللون الأول، فإذا كل ما في اليد فهو حاصل في العصا، ثم حصل في العصا أمور أخرى أزيد من ذلك، منها حصول الحياة في الجرم الجمادي، و منها تزايد أجزائه و أجسامه، و منها حصول القدرة الكبيرة و القوة الشديدة، و منها أنها كانت ابتلعت أشياء كثيرة و كأنها فنيت، و منها زوال الحياة و القدرة عنها، و فناء تلك الأجزاء التي حصل عظمها، و زوال ذلك اللون و الشكل اللذين بهما صارت العصا حية، و كل واحد من هذه الوجوه كان معجزا مستقلا في نفسه، فعلمنا أن الآية الكبرى هي العصا و القول الثالث: في هذه المسألة قول مجاهد: و هو أن المراد من الآية الكبرى مجموع اليد و العصا، و ذلك لأن سائر الآيات دلت على أن أول ما أظهر موسى عليه السلام لفرعون هو العصا، ثم أتبعه باليد، فوجب أن يكون المراد من الآية الكبرى مجموعهما. أحدها: قوله تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: معنى قوله: فَكَذَّبَ أنه كذب بدلالة ذلك المعجز على صدقه. و اعلم أن القدح في دلالة المعجزة على الصدق إما لاعتقاد أنه يمكن معارضته، أو لأنه و إن امتنعت معارضته لكنه ليس فعلا للّه بل لغيره، إما فعل جنى أو فعل ملك، أو إن كان فعلا للّه تعالى لكنه ما فعله لغرض التصديق، أو إن كان فعله لغرض التصديق لكنه لا يلزم صدق المدعي، فإنه لا يقبح من اللّه شي‏ء ألبتة، فهذه مجامع الطعن في دلالة

41

المعجز على الصدق، و ما بعد الآية يدل على أن فرعون إنما منع من دلالته عن الصدق لاعتقاده أنه يمكن معارضته بدليل قوله: فَحَشَرَ فَنََادى‏ََ [النازعات: 23]و هو كقوله: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي اَلْمَدََائِنِ حََاشِرِينَ [الشعرا: 53].

المسألة الثانية: في الآية سؤال و هو أن كل أحد يعلم أن كل من كذب اللّه فقد عصى، فما الفائدة في قوله: فَكَذَّبَ وَ عَصى‏ََ ؟و الجواب: كذب بالقلب و اللسان، و عصى بأن أظهر التمرد و التجبر.

المسألة الثالثة: هذا الذي وصفه اللّه تعالى به من التكذيب و المعصية مغاير لما كان حاصلا قبل ذلك، لأن تكذيبه لموسى عليها لسلام و قد دعاه و أظهر هذه المعجزة. يوفى على ما تقدم من التكذيب و معصيته بترك القبول منه، و الحال هذه مخالفة لمعصيته من قبل ذلك.

و ثانيها: قوله: ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى‏ََ و فيه وجوه أحدها: أنه لما رأى الثعبان أدبر مرعوبا يسعى يسرع في مشيه، قال الحسن كان رجلا طياشا خفيفا و ثانيها: تولى عن موسى يسعى و يجتهد في مكايدته و ثالثها: أن يكون المعنى، ثم أقبل يسعى، كما يقال: فلان أقبل يفعل كذا، بمعنى أنشأ يفعل، فوضع أدبر فوضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال. و ثالثها: قوله:

} فحشر فجمع السحرة كقوله: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي اَلْمَدََائِنِ حََاشِرِينَ فنادى في المقام الذي اجتمعوا فيه معه، أو أمر مناديا فنادى في الناس بذلك، و قيل قام فيهم خطيبا فقال تلك الكلمة، و عن ابن عباس كلمته الأولى: مََا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرِي [القصص: 38]و الآخرة: أَنَا رَبُّكُمُ اَلْأَعْلى‏ََ .

و اعلم أنا بينا في سورة (طه) أنه لا يجوز أن يعتقد الإنسان في نفسه كونه خالقا للسموات و الأرض و الجبال و النبات و الحيوان و الإنسان، فإن العلم بفساد ذلك ضروري، فمن تشكك فيه كان مجنونا، و لو كان مجنونا لما جاز من اللّه بعثة الأنبياء و الرسل إليه، بل الرجل كان دهريا منكرا للصانع و الحشر و النشر، و كان يقول ليس لأحد عليكم أمر و لا نهي إلا لي، فأنا ربكم بمعنى مربيكم و المحسن إليكم، و ليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر و نهي، أو يبعث إليكم رسولا، قال القاضي: و قد كان الأليق به بعد ظهور خزيه عند انقلاب العصا حية، أن لا يقول هذا القول. لأن عند ظهور الذلة و العجز، كيف يليق أن يقول: أَنَا رَبُّكُمُ اَلْأَعْلى‏ََ فدلت هذه الآية على أنه في ذلك الوقت صار كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول. و اعلم أنه تعالى لما حكى عنه أفعاله و أقواله أتبعه بما عامله به و هو قوله تعالى:

و فيه مسألتان:

42

المسألة الأولى: ذكروا في نصب نكال وجهين الأول: قال الزجاج: إنه مصدر مؤكد لأن معنى أخذه اللّه، نكل اللّه به، نكال الآخرة و الأولى. لأن أخذه و نكله متقاربان، و هو كما يقال: أدعه تركا شديدا لأن أدعه و أتركه سواء، و نظيره قوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102]، الثاني: قال الفراء: يريد أخذه اللّه أخذا نكالا للآخرة و الأولى، و النكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم.

المسألة الثانية: ذكر المفسرون في هذه الآية وجوها أحدها: أن الآخرة و الأولى صفة لكلمتي فرعون إحداهما قوله: مََا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرِي [القصص: 38]و الأخرى قوله: أَنَا رَبُّكُمُ اَلْأَعْلى‏ََ [النازعات: 24]قالوا: و كان بينهما أربعون سنة، و هذا قول مجاهد و الشعبي و سعيد بن جبير و مقاتل، و رواية عطاء و الكلبي عن ابن عباس، و المقصود التنبيه على أنه ما أخذه بكلمته الأولى في الحال، بل أمهله أربعين سنة، فلما ذكر الثانية أخذ بهما، و هذا تنبيه على أنه تعالى يمهل و لا يمهل الثاني: و هو قول الحسن و قتادة:

نَكََالَ اَلْآخِرَةِ وَ اَلْأُولى‏ََ أي عذبه في الآخرة، و أغرقه في الدنيا الثالث: الآخرة هي قوله: أَنَا رَبُّكُمُ اَلْأَعْلى‏ََ و الأولى هي تكذيبه موسى حين أراه الآية، قال القفال: و هذا كأنه هو الأظهر، لأنه تعالى قال: فَأَرََاهُ اَلْآيَةَ اَلْكُبْرى‏ََ*`فَكَذَّبَ وَ عَصى‏ََ*`ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى‏ََ*`فَحَشَرَ فَنََادى‏ََ*`فَقََالَ أَنَا رَبُّكُمُ اَلْأَعْلى‏ََ [النازعات: 20، 24]فذكر المعصيتين، ثم قال: فَأَخَذَهُ اَللََّهُ نَكََالَ اَلْآخِرَةِ وَ اَلْأُولى‏ََ فظهر أن المراد أنه عاتبه على هذين الأمرين.

المسألة الثالثة: قال الليث: (النكال) اسم لمن جعل نكالا لعيره، و هو الذي إذا رآه أو بلغه خاف أن يعمل عمله، و أصل الكلمة من الامتناع، و منه النكول عن اليمين، و قيل للقيد نكل لأنه يمنع، فالنكال من العقوبة هو أعظم حتى يمتنع من سمع به عن ارتكاب مثل ذلك الذنب الذي وقع التنكيل به، و هو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه و يعتبر به غيره، و اللّه أعلم. ثم إنه تعالى ختم هذه القصة بقوله تعالى:

و المعنى أن فيما اقتصصناه من أمر موسى و فرعون، و ما أحله اللّه بفرعون من الخزي، و رزق موسى من العلو و النصر عبرة لمن يخشى و ذلك أن يدع التمرد على اللّه تعالى، و التكذيب لأنبيائه خوفا من أن ينزل به ما نزل بفرعون، و علما بأن اللّه تعالى ينصر أنبياءه و رسله، فاعتبروا معاشر المكذبين لمحمد بما ذكرناه، أي اعلموا أنكم إن شاركتموهم في المعنى الجالب للعقاب، شاركتموهم في حلول العقاب بكم.

في قوله تعالى أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ اَلسَّمََاءُ بَنََاهََا ثم اعلم أنه تعالى لما ختم هذه القصة رجع إلى مخاطبة منكري البعث، فقال: أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ اَلسَّمََاءُ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في المقصود من هذا الاستدلال وجهان الأول: أنه استدلال على منكري البعث فقال:

أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ اَلسَّمََاءُ فنبههم على أمر يعلم بالمشاهدة. و ذلك لأن خلقة الإنسان على صغره و ضعفه، إذا

43

أضيف إلى خلق السماء على عظمها و عظم أحوالها يسير، فبين تعالى أن خلق السماء أعظم، و إذا كان كذلك فخلقهم على وجه الإعادة أولى أن يكون مقدورا للّه تعالى فكيف ينكرون ذلك؟و نظيره قوله: أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ/أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس: 81]و قوله: لَخَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اَلنََّاسِ [غافر: 57]و المعنى أخلقكم بعد الموت أشد أم خلق السماء أي عندكم، و في تقديركم، فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة اللّه واحد و الثاني: أن المقصود من هذا الاستدلال بيان كونهم مخلوقين، و هذا القول ضعيف لوجهين أحدهما: أن من أنكر كون الإنسان مخلوقا فبأن ينكر[ه‏]في السماء كان أولى أن أول السورة كان في بيان مسألة الحشر و النشر، فحمل هذا الكلام عليه أولى.

المسألة الثانية: قال الكسائي و الفراء و الزجاج: هذا الكلام تم عند قوله: أَمِ اَلسَّمََاءُ .

ثم قوله تعالى: بَنََاهََا ابتداء كلام آخر، و عند أبي حاتم الوقف على قوله: بَنََاهََا قال: لأنه من صلة السماء، و التقدير: أم السماء التي بناها، فحذف التي، و مثل هذا الحذف جائز، قال القفال: يقال: الرجل جاءك عاقل، أي الرجل الذي جاءك عاقل إذا ثبت أن هذا جائز في اللغة فنقول: الدليل على أن قوله: بَنََاهََا صلة لما قبله أنه لو لم يكن صلة لكان صفة، فقوله: بَنََاهََا صفة، }ثم قوله: رَفَعَ سَمْكَهََا صفة، فقد توالت صفتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى، فكان يجب إدخال العاطف فيما بينهما، كما في قوله: وَ أَغْطَشَ لَيْلَهََا [النازعات: 29]فلما لم يكن كذلك علمنا أن قوله: بَنََاهََا صلة للسماء، ثم قال: رَفَعَ سَمْكَهََا ابتداء بذكر صفته، و للفراء أن يحتج على قوله بأنه لو كان قوله: بَنََاهََا صلة للسماء لكان التقدير: أم السماء [التي‏] (1) بناها، و هذا يقتضي وجود سماء ما بناها اللّه، و ذلك باطل.

المسألة الثالثة: الذي يدل على أنه تعالى هو الذي بنى السماء وجوه أحدها: أن السماء جسم، و كل جسم محدث، لأن الجسم لو كان أزليا لكان في الأزل إما أن يكون متحركا أو ساكنا، و القسمان باطلان، فالقول بكون الجسم أزليا باطل. أما الحصر فلأنه إما أن يكون مستقرا حيث هو فيكون ساكنا، أو لا يكون مستقرا حيث هو فيكون متحركا، و إنما قلنا: إنه يستحيل أن يكون متحركا، لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، و ماهية الأزل تنافي المسبوقية بالغير و الجمع بينهما محال، و إنما قلنا: إنه يستحيل أن يكون ساكنا، لأن السكون وصف ثبوتي و هو ممكن الزوال، و كل ممكن الزوال مفتقر إلى الفاعل المختار، و كل ما كان كذلك فهو محدث، فكل سكون محدث فيمتنع أن يكون أزليا، و إنما قلنا: إن السكون وصف ثبوتي، لأنه يتبدل كون الجسم متحركا بكونه ساكنا مع بقاء ذاته، فأحدهما لا بد و أن يكون أمرا ثبوتيا، فإن كان الثبوتي هو السكون فقد حصل المقصود، و أن كان الثبوتي هو الحركة وجب أيضا أن يكون السكون ثبوتيا، لأن الحركة عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان في غيره، و السكون عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان فيه بعينه، فالتفاوت بين الحركة و السكون ليس في/الماهية، بل في المسبوقية بالغير و عدم المسبوقية بالغير، و ذلك وصف عارضي خارجي عن الماهية، و إذا كان كذلك فإذا ثبت أن تلك الماهية أمر وجودي في إحدى الصورتين وجب أن تكون كذلك في سورة أخرى، و إنما قلنا: إن سكون السماء جائز الزوال، لأنه لو كان واجبا لذاته لامتنع زواله، فكان يجب أن لا تتحرك السماء لكنا نراها الآن متحركة، فعلمنا أنها لو كانت ساكنة في الأزل،

____________

(1) ما بين القوسين المربعين زيادة اقتضاها الكلام إذ لا معنى له بدونها (عبد اللّه الصاوي) .

44

لكان ذلك السكون جائز الزوال، و إنما قلنا: إن ذلك السكون لما كان ممكنا لذاته، افتقر إلى الفاعل المختار لأنه لما كان ممكنا لذاته، فلا بد له من مؤثر، و ذلك المؤثر لا يجوز أن يكون موجبا، لأن ذلك الموجب إن كان واجبا، و كان غنيا في إيجابه لذلك المعلول عن شرط لزم من دوامه دوام ذلك الأثر، فكان يجب أن لا يزول للسكون و إن كان واجبا و مفتقرا في إيجابه لذلك المعلول إلى شرط واجب لذاته، لزم من دوام العلة و دوام الشرط دوام المعلول، أما إن كان الموجب غير واجب لذاته، أو كان شرط إيجابه غير واجب لذاته كان الكلام فيه كالكلام في الأول، فيلزم التسلسل، و هو محال أو الانتهاء إلى موجب واجب لذاته، و إلى شرط واجب لذاته، و حينئذ يعود الإلزام الأول، فثبت أن ذلك المؤثر لا بد و أن يكون فاعلا مختارا، فإذا كل سكون، فهو فعل فاعل مختار، و كل ما كان كذلك فهو محدث، لأن المختار إنما يفعل بواسطة القصد، و القصد إلى تكوين الكائن، و تحصيل الحاصل محال، فثبت أن كل سكون فهو محدث، فثبت أنه يمتنع أن يكون الجسم في الأزل لا متحركا و لا ساكنا، فهو إذا غير موجود في الأزل، فهو محدث، و إذا كان محدثا افتقر في ذاته، و في تركيب أجزائه إلى موجد، و ذلك هو اللّه تعالى، فثبت بالعقل أن باني السماء هو اللّه تعالى.

الحجة الثانية: كل ما سوى الواجب فهو ممكن و كل ممكن محدث و كل محدث فله صانع، إنما قلنا: كل ما سوى الواجب ممكن، لأنا لو فرضنا موجودين واجبين لذاتيهما لاشتركا في الوجود و لتباينا بالتعيين، فيكون كل منهما مركبا مما به المشاركة، و مما به الممايزة، و كل مركب مفتقر إلى جزئه و جزؤه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، و كل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فكل واحد من الواجبين بالذات ممكن بالذات هذا خلف، ثم ينقل الكلام إلى ذينك الجز أين، فإن كانا واجبين، كان كل واحد من تلك الأجزاء مركبا و يلزم التسلسل، و إن لم يكونا واجبين كان المفتقر إليهما أولى بعدم الوجود فثبت أن ما عدا الواجب ممكن و كل ممكن فله مؤثر و كل ما افتقر إلى المؤثر محدث، لأن الافتقار إلى المؤثر لا يمكن أن يتحقق حال البقاء لاستحالة إيجاد الموجد، فلا بد و أن يكون إما حال الحدوث أو حال العدم، و على التقديرين فالحدوث لازم فثبت أن ما سوى الواجب محدث و كل محدث فلا بد له من محدث، فلا بد للسماء من بان.

الحجة الثالثة: صريح العقل يشهد بأن جرم السماء لا يمتنع أن يكون أكبر مما هو الآن بمقدار خردلة، و لا يمتنع أن يكون أصغر بمقدار خردلة، فاختصاص هذا المقدار بالوقوع دون/الأزيد و الأنقص، لا بد و أن يكون بمخصص، فثبت أنه لا بد للسماء من بان: فإن قيل لم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى خلق شيئا و أعطاه قدرة يتمكن ذلك المخلوق بتلك القدرة من خلق الأجسام فيكون خالق السماء و بانيها هو ذلك الشي‏ء؟الجواب: من العلماء من قال: المعلوم بالعقل أنه لا بد للسماء من محدث و أنه لا بد من الانتهاء آخر الأمر إلى قديم و الإله قديم واجب الوجود لذاته واحد و هو اللّه سبحانه و تعالى، فأما نفي الواسطة فإنما يعلم بالسمع فقوله في هذه الآية: بَنََاهََا يدل على أن باني السماء هو اللّه لا غيره، و منهم من قال بل العقل يدل على بطلانه لأنه لما ثبت أن كل ما عداه محدث ثبت أنه قادر لا موجب، و الذي كان مقدورا له إنما صح كونه مقدورا له بكونه ممكنا، فإنك لو رفعت الإمكان بقي الوجوب أو الامتناع و هما يحيلان المقدورية، و إذا كان ما لأجله صح في البعض أن يكون مقدورا للّه و هو الإمكان و الإمكان عام في الممكنات وجب أن يحصل في كل الممكنات صحة أن تكون مقدورة للّه تعالى، و إذا ثبت ذلك و نسبة قدرته إلى الكل على السوية وجب أن يكون قادرا على الكل، و إذا ثبت‏

45

أن اللّه قادر على الممكنات فلو قدرنا قادرا آخر قدر على بعض الممكنات، لزم وقوع مقدور واحد بين قادرين من جهة واحدة، و ذلك محال، لأنه إما أن يقع بأحدهما دون الآخر و هو محال، لأنهما لما كانا مستقلين بالاقتضاء فليس وقوعه بهذا أولى من وقوعه بذاك أو بهما معا، و هو أيضا محال لأنه يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجا إليهما معا و غنيا عنهما معا و هو محال، فثبت بهذا أنه لا يمكن وقوع ممكن آخر بسبب آخر سوى قدرة اللّه تعالى، و هذا الكلام جيد، لكن على قول من لا يثبت في الوجود مؤثرا سوى الواحد، فهذا جملة ما في هذا الباب.

في قوله تعالى رَفَعَ سَمْكَهََا فَسَوََّاهََا و اعلم أنه تعالى لما بين في السماء أنه بناها، بين بعد ذلك أنه كيف بناها، و شرح تلك الكيفية من وجوه:

أولها: ما يتعلق بالمكان، فقال تعالى: رَفَعَ سَمْكَهََا .

و اعلم أن امتداد الشي‏ء إذا أخذ من أعلاه إلى أسفله سمي عمقا، و إذا أخذ من أسفله إلى أعلاه سمي سمكا، فالمراد برفع سمكها شدة علوها حتى ذكروا أن ما بين الأرض و بينها مسيرة خمسمائة عام، و[قد]بين أصحاب الهيئة مقادير الأجرام الفلكية و أبعاد ما بين كل واحد منها و بين الأرض. و قال آخرون: بل المراد: رفع سمكها من غير عمد. و ذلك مما لا يصح إلا من اللّه تعالى.

الصفة الثانية: قوله تعالى: فَسَوََّاهََا و فيه وجهان الأول: المراد تسوية تأليفها، و قيل: بل المراد نفي الشقوق عنها، كقوله: مََا تَرى‏ََ فِي خَلْقِ اَلرَّحْمََنِ مِنْ تَفََاوُتٍ [الملك: 3]و القائلون بالقول الأول قالوا:

فَسَوََّاهََا عام فلا يجوز تخصيصه بالتسوية في بعض الأشياء، ثم قال هذا يدل على كون/السماء كرة، لأنه لو لم يكن كرة لكان بعض جوانبه سطحا، و البعض زاوية، و البعض خطا، و لكان بعض أجزائه أقرب إلينا، و البعض أبعد، فلا تكون التسوية الحقيقة حاصلة، فوجب أن يكون كرة حتى تكون التسوية الحقيقة حاصلة، ثم قالوا لما ثبت أنها محدثة مفتقرة إلى فاعل مختار، فأي ضرر في الدين ينشأ من كونها كرة؟.

الصفة الثالثة: قوله تعالى: وَ أَغْطَشَ لَيْلَهََا وَ أَخْرَجَ ضُحََاهََا و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أغطش قد يجي‏ء لازما، يقال: أغطش الليل إذا صار مظلما و يجي‏ء متعديا يقال: أغطشه اللّه إذا جعله مظلما، و الغطش الظلمة، و الأغطش شبه الأعمش، ثم هاهنا سؤال و هو أن الليل اسم لزمان الظلمة الحاصلة بسبب غروب الشمس، فقوله: وَ أَغْطَشَ لَيْلَهََا يرجع معناه إلى أنه جعل المظلم مظلما، و هو بعيد و الجواب: معناه أن الظلمة الحاصلة في ذلك الزمان إنما حصلت بتدبير اللّه و تقديره: و حينئذ لا يبقى الإشكال.

المسألة الثانية: قوله: وَ أَخْرَجَ ضُحََاهََا أي أخرج نهارا، و إنما عبر عن النهار بالضحى، لأن الضحى أكمل أجزاء النهار في النور و الضوء.

المسألة الثالثة: إنما أضاف الليل و النهار إلى السماء، لأن الليل و النهار إنما يحدثان بسبب غروب الشمس و طلوعها، ثم غروبها و طلوعها إنما يحصلان بسبب حركة الفلك، فلهذا السبب أضاف الليل و النهار إلى‏

46

السماء، ثم إنه تعالى لما وصف كيفية خلق السماء أتبعه بكيفية خلق الأرض و ذلك من وجوه: الصفة الأولى:

قوله تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: دحاها بسطها، قال زيد بن عمرو بن نفيل:

دحاها فلما رآها استوت # على الماء أرسى عليها الجبالا

و قال أمية بن أبي الصلت:

دحوت البلاد فسويتها # و أنت على طيها قادر

قال أهل اللغة في هذه اللفظة لغتان دحوت أدحو، و دحيت أدحى، و مثله صفوت و صفيت و لحوت العود و لحيته و سأوت الرجل و سأيته و بأوت عليه و بأيت، و في‏

حديث علي عليه السلام «اللهم داحي المدحيات»

أي باسط الأرضين السبع و هو المدحوات أيضا، و قيل: أصل الدحو الإزالة للشي‏ء من مكان إلى مكان، و منه يقال:

إن الصبي يدحو بالكرة أي يقذفها على وجه الأرض، و أدحى النعامة موضعه الذي يكون فيه أي بسطته و أزلت ما فيه من حصى، حتى يتمهد له، و هذا يدل على أن معنى الدحو يرجع إلى الإزالة و التمهيد.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يقتضي كون الأرض بعد السماء، و قوله: في حم السجدة، ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ [فصلت: 11]يقتضي كون السماء بعد الأرض، و قد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ [البقرة: 29]و لا بأس بأن نعيد بعض تلك الوجوه أحدها: أن اللّه تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء ثانيا ثم دحى الأرض أي بسطها ثالثا، و ذلك لأنها كانت أولا كالكرة المجتمعة، ثم إن اللّه تعالى مدها و بسطها، فإن قيل الدلائل الاعتبارية دلت على أن الأرض الآن كرة أيضا، و إشكال آخر و هو أن الجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي، فيستحيل أن يكون هذا الجسم مخلوقا و لا يكون ظاهره مدحوا مبسوطا و ثانيها: أن لا يكون معنى قوله دَحََاهََا : مجرد البسط، بل يكون المراد أنه بسطها بسطا مهيأ لنبات الأقوات و هذا هو الذي بينه بقوله: أَخْرَجَ مِنْهََا مََاءَهََا وَ مَرْعََاهََا [النازعات: 31]و ذلك لأن هذا الاستعداد لا يحصل للأرض إلا بعد وجود السماء فإن الأرض كالأم و السماء كالأب، و ما لم يحصلا لم تتولد أولا المعادن و النباتات و الحيوانات و ثالثها: أن يكون قوله: وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ أي مع ذلك كقوله: عُتُلٍّ بَعْدَ ذََلِكَ زَنِيمٍ [القلم: 13]أي مع ذلك، و قولك للرجل أنت كذا و كذا ثم أنت بعدها كذا لا تريد به الترتيب، و قال تعالى: فَكُّ رَقَبَةٍ*`أَوْ إِطْعََامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ إلى قوله: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا [البلد: 17] و المعنى و كان مع هذا من أهل الإيمان باللّه، فهذا تقرير ما نقل عن ابن عباس و مجاهد و السدي و ابن جريج أنهم قالوا في قوله: وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ دَحََاهََا أي مع ذلك دحاها.

المسألة الثالثة: لما ثبت أن اللّه تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء ثانيا، ثم دحى الأرض بعد ذلك ثالثا، ذكروا في تقدير تلك الأزمنة وجوها.

روي عن عبد اللّه بن عمر «خلق اللّه البيت قبل الأرض بألفي سنة،

47

و منه دحيت الأرض»

و اعلم أن الرجوع في أمثال هذه الأشياء إلى كتب الحديث أولى.

الصفة الثانية: قوله تعالى: أَخْرَجَ مِنْهََا مََاءَهََا وَ مَرْعََاهََا و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: ماؤها عيونها المتفجرة بالماء و مرعاها رعيها، و هو في الأصل موضع الرعي، و نصب الأرض و الجبال بإضمار دحا و أرسى على شريطة التفسير، و قرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء، فإن قيل:

هلا أدخل حرف العطف على أخرج قلنا لوجهين؟الأول: أن يكون معنى دحاها بسطها و مهدها للسكنى، ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المشارب و المآكل و إمكان القرار عليها بإخراج الماء و المرعى و إرساء الجبال و إثباتها أوتادا لها حتى تستقر و يستقر عليها و الثاني: أن يكون أَخْرَجَ حالا، و التقدير و الأرض بعد ذلك دحاها حال ما أخرج منها ماءها و مرعاها.

المسألة الثانية: أراد بمرعاها ما يأكل الناس و الأنعام، و نظيره قوله في النحل: أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرََابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل: 10]و قال في سورة أخرى: أَنََّا صَبَبْنَا اَلْمََاءَ صَبًّا*`ثُمَّ شَقَقْنَا اَلْأَرْضَ شَقًّا إلى قوله: مَتََاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعََامِكُمْ [عبس: 25-32]فكذا في هذه الآية و استعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله: يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ [يوسف: 12]و قرئ نرتع من الرعي، ثم قال ابن قتيبة قال تعالى:

وَ جَعَلْنََا مِنَ اَلْمََاءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30]فانظر كيف دل بقوله: مََاءَهََا وَ مَرْعََاهََا على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا و متاعا للأنام من العشب و الشجر، و الحب و الثمر و العصف و الحطب، و اللباس و الدواء حتى النار و الملح، أما النار فلا شك أنها من العيدان قال تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ اَلنََّارَ اَلَّتِي تُورُونَ*`أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهََا أَمْ نَحْنُ اَلْمُنْشِؤُنَ [الواقعة: 71، 72]و أما الملح فلا شك أنه متولد من الماء، و أنت إذا تأملت علمت أن جميع ما يتنزه به الناس في الدنيا و يتلذذون به، فأصله الماء و النبات، و لهذا السبب تردد في وصف الجنة ذكرهما، فقال: جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ* [البقرة: 25]ثم الذي يدل على أنه تعالى أراد بالمرعى كل ما يأكله الناس و الأنعام قوله في آخر هذه الآية: مَتََاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعََامِكُمْ [النازعات: 33].

الصفة الثالثة: قوله تعالى: وَ اَلْجِبََالَ أَرْسََاهََا و الكلام في شرح منافع الجبال قد تقدم.

ثم إنه تعالى لما بين كيفية خلقه الأرض و كمية منافعها قال: مَتََاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعََامِكُمْ و المعنى أنا إنما خلقنا هذه الأشياء متعة و منفعة لكم و لأنعامكم، و احتج به من قال: إن أفعال اللّه و أحكامه معللة بالأغراض و المصالح، و الكلام فيه قد مر غير مرة، و اعلم أنا بينا أنه تعالى إنما ذكر كيفية خلقة السماء و الأرض ليستدل بها على كونه قادرا على الحشر و النشر، فلما قرر ذلك و بين إمكان الحشر عقلا أخبر بعد ذلك عن وقوعه. فقال تعالى:

48

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع و في اشتقاقها وجوه، قال المبرد: أخذت فيما أحسب من قولهم: طم الفرس طميما، إذا استفرغ جهده في الجري، و طم الماء إذا ملأ النهر كله، و قال الليث:

الطم طم البئر بالتراب، و هو الكبس، و يقال: طم السيل الركية إذا دفنها حتى يسويها، و يقال للشي‏ء الذي يكبر حتى يعلو قد طم، و الطامة الحادثة التي تطم على ما سواها و من ثم قيل: فوق كل طامة طامة، قال القفال:

أصل الطم الدفن و العلو، و كل ما غلب شيئا و قهره و أخفاه فقد طمه، و منه الماء الطامي و هو الكثير الزائد، و الطاغي و العاتي و العادي سواء و هو الخارج عن أمر اللّه تعالى المتكبر، فالطامة اسم لكل داهية عظيمة ينسى ما قبلها في جنبها.

المسألة الثانية: قد ظهر بما ذكرنا أن معنى الطامة الكبرى الداهية الكبرى، ثم اختلفوا في أنها أي شي‏ء هي، فقال قوم: إنها يوم القيامة لأنه يشاهد فيه من النار، و من الموقف الهائل، و من الآيات الباهرة الخارجة عن العادة ما ينسى معه كل هائل، و قال الحسن: إنها هي النفخة الثانية التي عندها تحشر الخلائق إلى موقف القيامة، و قال آخرون: إنه تعالى فسر الطامة الكبرى بقوله تعالى: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسََانُ مََا سَعى‏ََ*`وَ بُرِّزَتِ اَلْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى‏ََ فالطامة تكون اسما لذلك الوقت، فيحتمل أن يكون ذلك الوقت وقت قراءة الكتاب على ما قال تعالى: وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ كِتََاباً يَلْقََاهُ مَنْشُوراً [الإسراء: 13]و يحتمل أن تكون تلك الساعة هي الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة و أهل النار إلى النار، ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم بوصفين:

الأول: قوله تعالى: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسََانُ مََا سَعى‏ََ يعني إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها، و كان قد نسيها، كقوله: أَحْصََاهُ اَللََّهُ وَ نَسُوهُ [المجادلة: 6].

الصفة الثانية: قوله تعالى: وَ بُرِّزَتِ اَلْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى‏ََ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قوله تعالى: لِمَنْ يَرى‏ََ أي أنها تظهر إظهارا مكشوفا لكل ناظر ذي بصر ثم فيه وجهان أحدهما: أنه استعارة في كونه منكشفا ظاهرا كقولهم: تبين الصبح لذي عينين‏ (1) .

و على هذا التأويل لا يجب أن يراه كل أحد و الثاني: أن يكون المراد أنها برزت ليراها كل من له عين و بصر، و هذا يفيد أن كل الناس يرونها من المؤمنين و الكفار، إلا أنها مكان الكفار و مأواهم و المؤمنون يمرون عليها، و هذا التأويل متأكد بقوله تعالى: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا إلى قوله: ثُمَّ نُنَجِّي اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا [مريم:

71، 72]فإن قيل: إنه تعالى قال في سورة الشعراء: وَ أُزْلِفَتِ اَلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ*`وَ بُرِّزَتِ اَلْجَحِيمُ لِلْغََاوِينَ [الشعراء: 90، 91]فخص الغاوين بتبريرها لهم، قلنا: إنها برزت للغاوين، و المؤمنون يرونها أيضا في الممر، و لا منافاة بين الأمرين.

____________

(1) هذا شطر بيت حرف لفظه و بقي معناه و صوابه: قد وضح الصبح لذي عينين.

49

المسألة الثانية: قرأ أبو نهيك و برزت و قرأ ابن مسعود: لمن رأى ، و قرأ عكرمة: لمن ترى ، و الضمير للجحيم، كقوله: إِذََا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ [الفرقان: 12]و قيل: لمن ترى يا محمد من الكفار الذين يؤذونك.

و اعلم أنه تعالى لما وصف حال القيامة في الجملة قسم المكلفين قسمين: الأشقياء و السعداء، فذكر حال الأشقياء. فقال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في جواب قوله: فَإِذََا جََاءَتِ اَلطَّامَّةُ اَلْكُبْرى‏ََ [النازعات: 34]وجهان الأول: قال الواحدي: إنه محذوف على تقدير إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار، و أهل الجنة الجنة، و دلى على هذا المحذوف، ما ذكر في بيان مأوى الفريقين، و لهذا كان يقول مالك بن معول في تفسير الطامة الكبرى، قال:

إنها إذا سبق أهل الجنة إلى الجنة، و أهل النار إلى النار و الثاني: أن جوابه قوله: فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ و كأنه جزاء مركب على شرطين نظيره إذا جاء الغد، فمن جاءني سائلا أعطيته، كذا هاهنا أي إذا جاءت الطامة الكبرى فمن جاء طاغيا فإن الجحيم مأواه.

المسألة الثانية: منهم من قال: المراد بقوله: طَغى‏ََ*`وَ آثَرَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا النضر و أبوه الحارث فإن كان المراد أن هذه الآية نزلت عند صدور بعض المنكرات منه فجيد و إن كان المراد تخصيصها به، فبعيد لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لا سيما إذا عرف بضرورة العقل أن الموجب لذلك الحكم هو الوصف المذكور.

المسألة الثالثة: قوله صغى، إشارة إلى فساد حال القوة النظرية، لأن كل من عرف اللّه عرف حقارة نفسه، و عرف استيلاء قدرة اللّه عليه، فلا يكون له طغيان و تكبر، و قوله: وَ آثَرَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا إشارة إلى فساد حال القوة العملية، و إنما ذكر ذلك لما

روي عنه عليه الصلاة و السلام أنه قال: «حب الدنيا رأس كل خطيئة»

و متى كان الإنسان و العياذ باللّه موصوفا بهذين الأمرين، كان بالغا في الفساد إلى أقصى الغايات، و هو الكافر الذي يكون عقابه مخلدا، و تخصيصه بهذه الحالة يدل على أن الفاسق الذي لا يكون كذلك، لا تكون الجحيم مأوى له.

المسألة الرابعة: تقدير الآية: فإن الجحيم هي المأوى له، ثم حذفت الصلة لوضوح المعنى كقولك للرجل غض الطرف أي غض طرفك، و عندي فيه وجه آخر، و هو أن يكون التقدير: فان الجحيم هي المأوى، اللائق بمن كان موصوفا بهذه الصفات و الأخلاق. ثم ذكر تعالى حال السعداء فقال تعالى:

ـ

50

و اعلم أن هذين الوصفين مضادات للوصفين اللذين وصف اللّه أهل النار بهما فقوله: وَ أَمََّا مَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ ضد قوله: فَأَمََّا مَنْ طَغى‏ََ [النازعات: 17]و قوله: وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى‏ََ ضد ققوله: وَ آثَرَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا [النازعات: 38]و اعلم أن الخوف من اللّه، لا بد و أن يكون مسبوقا بالعلم باللّه على ما قال:

إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ [فاطر: 28]و لما كان الخوف من اللّه هو السبب المعين لدفع الهوى، لا جرم قدم العلة على المعلول، و كما دخل في ذينك الصفتين جميع القبائح دخل/في هذين الوصفين جميع الطاعات و الحسنات، و قيل: الآيتان نزلتا في أبي عزيز بن عمير و مصعب بن عمير، و قد قتل مصعب أخاه أبا عزيز يوم أحد، و وقى رسول اللّه بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه.

و اعلم أنه تعالى لما بين بالبرهان العقلي إمكان القيامة، ثم أخبر عن وقوعها، ثم ذكر أحوالها العامة، ثم ذكر أحوال الأشقياء و السعداء فيها، قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلسََّاعَةِ أَيََّانَ مُرْسََاهََا .

و اعلم أن المشركين كانوا يسمعون إثبات‏ (1) القيامة، و وصفها بالأوصاف الهائلة، مثل أنها طامة و صاخة و قارعة، فقالوا على سبيل الاستهزاء: أَيََّانَ مُرْسََاهََا فيحتمل أن يكون ذلك على سبيل الإيهام لأتباعهم أنه لا أصل لذلك، و يحتمل أنهم كانوا يسألون الرسول عن وقت القيامة استعجالا، كقوله: يَسْتَعْجِلُ بِهَا اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِهََا [الشورى: 18]ثم في قوله: مُرْسََاهََا قولان أحدهما: متى إرساؤها، أي إقامتها أرادوا متى يقيمها اللّه و يوجدها و يكونها و الثاني: أَيََّانَ منتهاها و مستقرها، كما أن مرسى السفينة مستقرها حيث تنتهي إليه.

ثم إن اللّه تعالى أجاب عنه بقوله تعالى: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرََاهََا و فيه وجهان الأول: معناه في أي شي‏ء أنت عن تذكر وقتها لهم، و تبين ذلك الزمان المعين لهم، و نظيره قول القائل: إذا سأله رجل عن شي‏ء لا يليق به ما أنت و هذا، و أي شي‏ء لك في هذا، و

عن عائشة «لم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يذكر الساعة و يسأل عنها حتى نزلت هذه الآية»

فهو على هذا تعجيب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل: في أي شغل و اهتمام أنت من ذكرها و السؤال عنها، و المعنى أنهم يسألونك عنها، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها و تسأل عنها.

ثم قال تعالى: إِلى‏ََ رَبِّكَ مُنْتَهََاهََا أي منتهى علمها لم يؤته أحدا من خلقه الوجه الثاني: قال بعضهم:

فِيمَ إنكار لسؤالهم، أي فيم هذا السؤال، ثم قيل: أَنْتَ مِنْ ذِكْرََاهََا أي أرسلك‏ (2) و أنت خاتم الأنبياء و آخر الرسل ذاكرا من أنواع علاماتها، و واحدا من أقسام أشراطها، فكفاهم بذلك دليلا على دنوها و وجوب الاستعداد لها، و لا فائدة في سؤالهم عنها.

____________

(1) لعل (إثبات) محرفة عن (أنباء) بمعنى أخبار.

(2) لعل (أرسلك) محرفة عن (إرسالك) .

51

ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: معنى الآية أنك إنما بعثت للإنذار و هذا المعنى لا يتوقف على علمك/بوقت قيام القيامة، بل لو أنصفنا لقلنا: بأن الإنذار و التخويف إنما يتمان إذا لم يكن العلم بوقت قيام القيامة حاصلا.

المسألة الثانية: أنه عليه الصلاة و السلام منذر للكل إلا أنه خص بمن يخشى، لأنه الذي ينتفع بذلك الإنذار.

المسألة الثالثة: قرئ منذر بالتنوين و هو الأصل، قال الزجاج: مفعل و فاعل إذا كان كل واحد منهما لما يستقبل أو للحال ينون، لأنه يكون بدلا من الفعل، و الفعل لا يكون إلا نكرة و يجوز حذف التنوين لأجل التخفيف و كلاهما يصلح للحال و الاستقبال، فإذا أريد الماضي فلا يجوز إلا الإضافة كقوله هو منذر زيد أمس. ثم قال تعالى:

و تفسير هذه الآية قد مضى ذكره في قوله: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مََا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاََّ سََاعَةً مِنْ نَهََارٍ [الأحقاف: 35]و المعنى أن ما أنكروه سيرونه حتى كأنهم أبدا فيه و كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار ثم مضت فإن قيل قوله: أَوْ ضُحََاهََا معناه ضحى العشية و هذا غير معقول لأنه ليس للعشية ضحى:

قلنا الجواب عنه من وجوه أحدها: قال عطاء عن ابن عباس: الهاء و الألف صلة للكلام يريد لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى و ثانيها: قال الفراء و الزجاج: المراد بإضافة الضحى إلى العشية إضافتها إلى يوم العشية كأنه قيل: إلا عشية أو ضحى يومها، و العرب تقول: آتيك العشية أو غداتها على ما ذكرنا و ثالثها: أن النحويين قالوا يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، فالضحى المتقدم على عشية يصح أن يقال: إنه ضحى تلك العشية، و زمان المحنة قد يعبر عنه بالعشية و زمان الراحة قد يعبر عنه بالضحى، فالذين يحضرون في موقف القيامة يعبرون عن زمان محنتهم بالعشية و عن زمان راحتهم بضحى تلك العشية فيقولون: كأن عمرنا في الدنيا ما كان إلا هاتين الساعتين، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

52

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة عبس‏

و هي أربعون و آيتان مكية

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى:

أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ابن أم مكتوم‏

-و أم مكتوم أم أبيه و اسمه عبد اللّه بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي-

و عنده صناديد قريش عتبة و شيبة ابنا ربيعة و أبو جهل بن هشام، و العباس بن عبد المطلب، و أمية بن خلف، و الوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم أقرئني و علمني مما علمك اللّه، و كرر ذلك، فكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قطعه لكلامه، و عبس و أعرض عنه فنزلت هذه الآية، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يكرمه، و يقول: إذا رآه «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي» و يقول: هل لك من حاجة، و استخلفه على المدينة مرتين،

و في الموضع سؤالات:

الأول: أن ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب و الزجر، فكيف عاتب اللّه رسوله على أن أدب ابن أم مكتوم و زجره؟ و إنما قلنا: إنه كان يستحق التأديب لوجوه أحدها: أنه و إن كان لفقد بصره لا يرى القوم، لكنه لصحة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم أولئك الكفار، و كان يسمع أصواتهم أيضا، و كان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمام النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلام النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و إلقاء غرض نفسه في البين قبل تمام غرض النبي إيذاء للنبي عليه الصلاة و السلام، و ذلك معصية عظيمة و ثانيها: أن الأهم مقدم على المهم، و هو كان قد أسلم و تعلم، ما كان يحتاج إليه من أمر الدين، أما أولئك الكفار فما كانوا قد أسلموا، و هو إسلامهم سببا لإسلام جمع عظيم، فإلقاء ابن أم مكتوم، ذلك الكلام في البين كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم، لغرض قليل و ذلك محرم و ثالثها: أنه تعالى قال: إِنَّ اَلَّذِينَ يُنََادُونَكَ مِنْ وَرََاءِ اَلْحُجُرََاتِ أَكْثَرُهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ [الحجرات: 4]فنهاهم عن مجرد النداء إلا في الوقت، فههنا هذا النداء الذي صار كالصارف للكفار عن قبول الإيمان و كالقاطع/على الرسول أعظم مهماته، أولى أن يكون ذنبا و معصية، فثبت بهذا أن الذي فعله ابن أم مكتوم كان ذنبا و معصية، و أن الذي فعله الرسول كان هو الواجب، و عند هذا يتوجه السؤال في أنه كيف عاتبه اللّه تعالى على ذلك الفعل؟.

53

السؤال الثاني: أنه تعالى لما عاتبه على مجرد أنه عبس في وجهه، كان تعظيما عظيما من اللّه سبحانه لابن أم مكتوم، و إذا كان كذلك فكيف يليق بمثل هذا التعظيم أن يذكره باسم الأعمى مع أن ذكر الإنسان بهذا الوصف يقتضي تحقير شأنه جدا؟.

السؤال الثالث: الظاهر أنه عليه الصلاة و السلام كان مأذونا في أن يعامل أصحابه على حسب ما يراه مصلحة، و أنه عليه الصلاة و السلام كثيرا ما كان يؤدب أصحابه و يزجرهم عن أشياء، و كيف لا يكون كذلك و هو عليه الصلاة و السلام إنما بعث ليؤدبهم و ليعلمهم محاسن الآداب، و إذا كان كذلك كان ذلك التعبيس داخلا في إذن اللّه تعالى إياه في تأديب أصحابه، و إذا كان ذلك مأذونا فيه، فكيف وقعت المعاتبة عليه؟فهذا جملة ما يتعلق بهذا الموضع من الإشكالات و الجواب عن السؤال الأول من وجهين الأول: أن الأمر و إن كان على ما ذكرتم إلا أن ظاهر الواقعة يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء و انكسار قلوب الفقراء، فلهذا السبب حصلت المعاتبة، و نظيره قوله تعالى: وَ لاََ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدََاةِ وَ اَلْعَشِيِّ [الأنعام: 52]، و الوجه الثاني:

لعل هذا العتاب لم يقع على ما صدر من الرسول عليه الصلاة و السلام من الفعل الظاهر، بل على ما كان منه في قلبه، و هو أن قلبه عليه الصلاة و السلام كان قد مال إليهم بسبب قرابتهم و شرفهم و علو منصبهم، و كان ينفر طبعه عن الأعمى بسبب عماه و عدم قرابته و قلة شرفه، فلما وقع التعبيس و التولي لهذه الداعية وقعت المعاتبة، لا على التأديب بل على التأديب لأجل هذه الداعية و الجواب عن السؤال الثاني أن ذكره بلفظ الأعمى ليس لتحقير شأنه، بل كأنه قيل: إنه بسبب عماه استحق مزيد الرفق و الرأفة، فكيف يليق بك يا محمد أن تخصه بالغلظة و الجواب عن السؤال الثالث أنه كان مأذونا في تأديب أصحابه لكن هاهنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، و كان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على الدين، فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة.

المسألة الثانية: القائلون بصدور الذنب عن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بهذه الآية و قالوا: لما عاتبه اللّه في ذلك الفعل، دل على أن ذلك الفعل كان معصية، و هذا بعيد فإنا قد بينا أن ذلك كان هو الواجب المتعين لا بحسب هذا الاعتبار الواحد، و هو أنه يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، و ذلك غير لائق بصلابة الرسول عليه الصلاة و السلام، و إذا كان كذلك، كان ذلك جاريا مجرى ترك الاحتياط، و ترك الأفضل، فلم يكن ذلك ذنبا ألبتة.

المسألة الثالثة: أجمع المفسرون على أن الذي عبس و تولى، هو الرسول عليه الصلاة و السلام، و أجمعوا [على‏]أن الأعمى هو ابن أم مكتوم، و قرئ عبس بالتشديد للمبالغة و نحوه كلح في/كلح، أن جاءه منصوب بتولى أو بعبس على اختلاف المذهبين في إعمال الأقرب أو الأبعد و معناه عبس، لأن جاءه الأعمى، و أعرض لذلك، و قرئ أن جاءه بهمزتين، و بألف بينهما وقف على عَبَسَ وَ تَوَلََّى ثم ابتدأ على معنى الآن جاءه الأعمى، و المراد منه الإنكار عليه، و اعلم أن في الأخبار عما فرط من رسول اللّه ثم الإقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانيا جنى عليه، ثم يقبل على الجاني إذا حمى في الشكاية مواجها بالتوبيخ و إلزام الحجة.

54

فيه قولان: الأول: أي شي‏ء يجعلك داريا بحال هذا الأعمى لعله يتطهر بما يتلقن منك، من الجهل أو الإثم، أو يتعظ فتنفعه ذكراك أي موعظتك، فتكون له لطفا في بعض الطاعات، و بالجملة فلعل ذلك العلم الذي يتلقفه عنك يطهره عن بعض ما لا ينبغي، و هو الجهل و المعصية، أو يشغله ببعض ما ينبغي و هو الطاعة أن الضمير في لعله للكافر، بمعنى أنت طمعت في أن يزكى الكافر بالإسلام أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق: وَ مََا يُدْرِيكَ أن ما طمعت فيه كائن، و قرئ فتنفعه بالرفع عطفا على يذكر، و بالنصب جوابا للعل، كقوله: فَأَطَّلِعَ إِلى‏ََ إِلََهِ مُوسى‏ََ [غافر: 37]و قد مر. ثم قال:

قال عطاء: يريد عن الإيمان، و قال الكلبي: استغنى عن اللّه، و قال بعضهم: استغنى أثرى و هو فاسد هاهنا، لأن إقبال النبي عليه الصلاة و السلام لم يكن لثروتهم و مالهم حتى يقال له أما من أثرى، فأنت تقبل عليه، و لأنه قال: وَ أَمََّا مَنْ جََاءَكَ يَسْعى‏ََ*`وَ هُوَ يَخْشى‏ََ [عبس: 8، 9]و لم يقل: و هو فقير عديم، و من قال: أما من استغنى بماله فهو صحيح، لأن المعنى أنه استغنى عن الإيمان و القرآن، بماله من المال. و قوله تعالى:

قال الزجاج: أي أنت تقبل عليه و تتعرض له و تميل إليه، يقال تصدى فلان لفلان، يتصدى إذا تعرض له، و الأصل فيه تصدد يتصدى من الصدد، و هو ما استقبلك و صار قبالتك، و قد ذكرنا مثل هذا في قوله: إِلاََّ مُكََاءً وَ تَصْدِيَةً [الأنفال: 35]و قرئ: (تصدى) بالتشديد بإدغام التاء في الصاد، و قرأ أبو جعفر: تصدى، بضم التاء، أي تعرض، و معناه يدعوك داع إلى التصدي له من الحرص، و التهالك على إسلامه. ثم قال تعالى:

المعنى لا شي‏ء عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى الإسلام، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم إلى أن تعرض عمن أسلم للاشتغال بدعوتهم. /ثم قال:

أن يسرع في طلب الخير، كقوله: فَاسْعَوْا إِلى‏ََ ذِكْرِ اَللََّهِ [الجمعة: 9].

و قوله: وَ هُوَ يَخْشى‏ََ فيه ثلاثة أوجه يخشى اللّه و يخافه في أن لا يهتم بأداء تكاليفه، أو يخشى الكفار و أذاهم في إتيانك، أو يخشى الكبوة فإنه كان أعمى، و ما كان له قائد. [ثم قال‏]:

أي تتشاغل من لهى عن الشي‏ء و التهى و تلهى، و قرأ طلحة بن مصرف. تتلهى، و قرأ أبو جعفر تَلَهََّى أي يلهيك شأن الصناديد، فإن قيل قوله: فَأَنْتَ لَهُ تَصَدََّى ... فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهََّى كان فيه اختصاصا، قلنا نعم،