التفسير الكبير - ج32

- الفخر الرازي‏ المزيد...
380 /
205

الجزء الثاني و الثلاثون‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

سورة ألم نشرح‏

ثمان آيات مكية يروى عن طاوس و عمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان هذه السورة و سورة الضحى سورة واحدة و كانا يقرءانهما في الركعة الواحدة و ما كانا يفصلان بينهما ببسم اللّه الرحمن الرحيم و الذي دعاهما إلى ذلك هو أن قوله تعالى: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ كالعطف على قوله: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً [الضحى: 6]و ليس كذلك لأن الأول: كان نزوله حال اغتمام الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم من إيذاء الكفار فكانت حال محنة و ضيق صدر و الثاني: يقتضي أن يكون حال النزول منشرح الصدر طيب القلب، فأنى يجتمعان.

استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح و إيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك، و في شرح الصدر قولان:

الأول: ما

روي أن جبريل عليه السلام أتاه و شق صدره و أخرج قلبه و غسله و أنقاه من المعاصي ثم ملأه علما و إيمانا و وضعه في صدره.

و اعلم أن القاضي طعن في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن الرواية أن هذه الواقعة إنما وقعت في حال صغره عليه السلام و ذلك من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته و ثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، و المعاصي ليست بأجسام فلا يكون للغسل فيها أثر ثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علما، بل اللّه تعالى يخلق فيه العلوم و الجواب: عن الأول: أن تقويم المعجز على زمان البعثة جائز عندنا، و ذلك هو المسمى بالإرهاص، و مثله في حق الرسول عليه السلام كثير.

و أما الثاني و الثالث: فلا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول عليه السلام علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي، و يحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لكون صاحبه مواظبا على الطاعات محترزا عن السيئات، فكان ذلك كالعلامة للملائكة على كون صاحبه معصوما، و أيضا فلأن اللّه تعالى يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد.

206

و القول الثاني: (إن المراد من شرح الصدر ما يرجع إلى المعرفة و الطاعة، ثم ذكروا فيه وجوها أحدها:

أنه عليه السلام لما بعث إلى الجن و الإنس فكان يضيق صدره عن منازعة الجن و الإنس و البراءة من كل عابد و معبود سوى اللّه، فآتاه اللّه من آياته ما اتسع لكل ما حمله و صغره عنده كل شي‏ء احتمله من المشاق، و ذلك بأن أخرج عن قلبه جميع الهموم و ما ترك فيه إلا هذا الهم الواحد، فما كان يخطر بباله هم النفقة و العيال، و لا يبالي بما يتوجه إليه من إيذائهم، حتى صاروا في عينه دون الذباب لم يجبن خوفا من وعيدهم، و لم يمل إلى مالهم، و بالجملة فشرح الصدر عبارة عن علمه بحقارة الدنيا و كمال الآخرة، و نظيره قوله: فَمَنْ يُرِدِ اَللََّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [الأنعام: 125]و

روي أنهم قالوا: يا رسول اللّه أ ينشرح الصدر؟قال: نعم، قالوا: و ما علامة ذلك؟قال: «التجافي عن الغرور، و الإنابة إلى دار الخلود، و الإعداد للموت قبل نزوله»

و تحقيق القول فيه أن صدق الإيمان باللّه و وعده و وعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا و الرغبة في الآخرة و الاستعداد للموت و ثانيها: أنه انفتح صدره حتى أنه كان يتسع لجميع المهمات لا يقلق و لا يضجر و لا يتغير، بل هو في حالتي البؤس و الفرح منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف به، و الشرح التوسعة، و معناه الإراحة من الهموم، و العرب تسمي الغم و الهم ضيق صدر كقوله: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ [الحجر: 97] و هاهنا سؤالات:

الأول: لم ذكر الصدر و لم يذكر القلب؟ و الجواب: لأن محل الوسوسة هو الصدر على ما قال:

يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنََّاسِ [الناس: 5]فإزالة تلك الوسوسة و إبدالها بدواعي الخير هي الشرح، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب، و قال محمد بن علي الترمذي: القلب محل العقل و المعرفة، و هو الذي يقصده الشيطان، فالشيطان يجي‏ء إلى الصدر الذي هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكا أغار فيه و نزل جنده فيه، و بث فيه من الهموم و الغموم و الحرص فيضيق القلب حينئذ و لا يجد للطاعة لذة و لا للإسلام حلاوة، و إذا طرد العدو في الابتداء منع و حصل الأمن و يزول الضيق و ينشرح الصدر و يتيسر له القيام بأداء العبودية.

السؤال الثاني: لم قال: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ و لم يقل أ لم نشرح صدرك؟ و الجواب: من وجهين أحدهما: كأنه تعالى يقول لام بلام، فأنت إنما تفعل جميع الطاعات لأجلي كما قال: إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي [طه: 14]فأنا أيضا جميع ما أفعله لأجلك و ثانيها: أن فيها تنبيها على أن منافع الرسالة عائدة إليه عليه السلام، كأنه تعالى قال: إنما شرحنا صدرك لأجلك لا لأجلي.

السؤال الثالث: لم قال: أَ لَمْ نَشْرَحْ و لم يقل أ لم أشرح؟ و الجواب: إن حملناه على نون التعظيم، فالمعنى أن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة، فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة لا تصل العقول إلى كنه جلالتها، و إن حملناه على نون الجميع، فالمعنى كأنه تعالى يقول: لم أشرحه وحدي بل أعملت فيه ملائكتي، فكنت ترى الملائكة حواليك و بين يديك حتى يقوي قلبك، فأديت/الرسالة و أنت قوي القلب و لحقتهم هيبة، فلم يجيبوا لك جوابا، فلو كنت ضيق القلب لضحكوا منك، فسبحان من جعل قوة قلبك جبنا فيهم، و انشراح صدرك ضيقا فيهم. ثم قال تعالى:

207

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال المبرد: هذا محمول على معنى أ لم نشرح لا على لفظه، لأنك لا تقول أ لم وضعنا و لكن معنى أ لم نشرح قد شرحنا، فحمل الثاني على معنى الأول لا على ظاهر اللفظ، لأنه لو كان معطوفا على ظاهره لوجب أن يقال: و نضع عنك وزرك.

المسألة الثانية: معنى الوزر ثقل الذنب، و قد مر تفسيره عند قوله: وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزََارَهُمْ [الأنعام: 31]و هو كقوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اَللََّهُ مََا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مََا تَأَخَّرَ [الفتح: 2].

المسألة الثالثة و أما قوله: أَنْقَضَ ظَهْرَكَ فقال علماء اللغة: الأصل فيه أن الظهر إذا أثقل الحمل سمع له نقيض أي صوت خفي، و هو صوت المحامل و الرحال و الأضلاع، أو البعير إذا أثقله الحمل فهو مثل لما كان يثقل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من أوزاره.

المسألة الرابعة: احتج بهذه الآية من أثبت المعصية للأنبياء عليهم السلام و الجواب: عنه من وجهين الأول: أن الذين يجوزون الصغائر على الأنبياء عليهم السلام حملوا هذه الآية عليها، لا يقال: إن قوله: اَلَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ يدل على كونه عظيما فكيف يليق ذلك بالصغائر، لأنا نقول: إنما وصف ذلك بإنقاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اغتمام النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بوقوعه منه و تحسره مع ندمه عليه، و أما إنما وصفه بذلك لأن تأثيره فيما يزول به من الثواب عظيم، فيجوز لذلك ما ذكره اللّه تعالى. هذا تقرير الكلام على قول المعتزلة و فيه إشكال، و هو أن العفو عن الصغيرة واجب على اللّه تعالى عند القاضي، و اللّه تعالى ذكر هذه الآية في معرض الامتنان، و من المعلوم أن الامتنان بفعل الواجب غير جائز الوجه الثاني: أن يحمل ذلك على غير الذنب، و فيه وجوه أحدها: قال قتادة: كانت للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم ذنوب سلفت منه في الجاهلية قبل النبوة، و قد أثقلته فغفرها له و ثانيها: أن المراد منه تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها و حفظ موجباتها و المحافظة على حقوقها، فسهل اللّه تعالى ذلك عليه، و حط عنه ثقلها بأن يسرها عليه حتى تيسرت له و ثالثها: الوزر ما كان يكرهه من تغييرهم لسنة الخليل و كان لا يقدر على منعهم إلى أن قواه اللّه، و قال له: أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ [النحل: 123].

و رابعها: أنها ذنوب أمته صارت كالوزر عليه، ماذا يصنع في حقهم إلى أن قال: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33]فأمنه من العذاب في العاجل، و وعد له الشفاعة في الآجل و خامسها: معناه عصمناك عن الوزر الذي ينقض ظهرك، لو كان ذلك الذنب حاصلا، فسمى العصمة وضعا مجازا، فمن ذلك ما

روي أنه حضر وليمة/فيها دف و مزامير قبل البعثة ليسمع، فضرب اللّه على أذنه فلم يوقظه إلا حر الشمس من الغد

و سادسها: الوزر ما أصابه من الهيبة و الفزع في أول ملاقاة جبريل عليه السلام، حين أخذته الرعدة، و كاد يرمي نفسه من الجبل، ثم تقوى حتى ألفه و صار بحالة كاد يرمي بنفسه من الجبل لشدة اشتياقه و سابعها: الوزر ما كان يلحقه من الأذى و الشتم حتى كاد ينقض ظهره و تأخذه الرعدة، ثم قواه اللّه تعالى حتى صار بحيث كانوا يدمون وجهه، و[هو]

يقول: «اللهم اهد قومي»

و ثامنها: لئن كان نزول السورة بعد موت أبي طالب و خديجة، فلقد كان فراقهما عليه وزرا عظيما، فوضع عنه الوزر برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك و حياة فارتفع له الذكر، فلذلك قال: وَ رَفَعْنََا لَكَ ذِكْرَكَ و تاسعها: أن المراد من الوزر و الثقل الحيرة التي كانت له قبل البعثة، و ذلك‏

208

أنه بكمال عقله لما نظر إلى عظيم نعم اللّه تعالى عليه، حيث أخرجه من العدم إلى الوجود و أعطاه الحياة و العقل و أنواع النعم، ثقل عليه نعم اللّه و كاد ينقض ظهره من الحياء، لأنه عليه السلام كان يرى أن نعم اللّه عليه لا تنقطع، و ما كان يعرف أنه كيف كان يطيع ربه، فلما جاءته النبوة و التكليف و عرف أنه كيف ينبغي له أن يطيع ربه، فحينئذ قل حياؤه و سهلت عليه تلك الأحوال، فإن اللئيم لا يستحي من زيادة النعم بدون مقابلتها بالخدمة، و الإنسان الكريم النفس إذا كثر الإنعام عليه و هو لا يقابلها بنوع من أنواع الخدمة، فإنه يثقل ذلك عليه جدا، بحيث يميته الحياء، فإذا كلفه المنعم بنوع خدمة سهل ذلك عليه و طاب قلبه. ثم قال تعالى:

و اعلم أنه عام في كل ما ذكروه من النبوة، و شهرته في الأرض و السموات، اسمه مكتوب على العرش، و أنه يذكر معه في الشهادة و التشهد، و أنه تعالى ذكره في الكتب المتقدمة، و انتشار ذكره في الآفاق، و أنه ختمت به النبوة، و أنه يذكر في الخطب و الأذان و مفاتيح الرسائل، و عند الختم و جعل ذكره في القرآن مقرونا بذكره:

وَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: 62]، وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ* [النساء: 13]و أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ* [النور: 54]و يناديه باسم الرسول و النبي، حين ينادي غيره بالاسم يا موسى يا عيسى، و أيضا جعله في القلوب بحيث يستطيبون ذكره و هو معنى قوله تعالى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ اَلرَّحْمََنُ وُدًّا [مريم: 96]كأنه تعالى يقول: أملأ العالم من أتباعك كلهم يثنون عليك و يصلون عليك و يحفظون سنتك، بل ما من فريضة من فرائض الصلاة إلا و معه سنة فهم يمتثلون في الفريضة أمري، و في السنة أمرك و جعلت طاعتك طاعتي و بيعتك بيعتي مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اَللََّهَ [النساء: 80] إِنَّ اَلَّذِينَ يُبََايِعُونَكَ إِنَّمََا يُبََايِعُونَ اَللََّهَ [الفتح: 10]لا تأنف السلاطين من أتباعك، بل جراءة لأجهل الملوك أن ينصب خليفة من غير قبيلتك، فالقراء يحفظون ألفاظ منشورك، و المفسرون يفسرون معاني فرقانك، و الوعاظ يبلغون وعظك/بل العلماء و السلاطين يصلون إلى خدمتك، و يسلمون من وراء الباب عليك، و يمسحون وجوههم بتراب روضتك، و يرجون شفاعتك، فشرفك باق إلى يوم القيامة.

و فيه مسائل:

}المسألة الأولى: وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن المشركين كانوا يعيرون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بالفقر، و يقولون: إن كان غرضك من هذا الذي تدعيه طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فشق ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حتى سبق إلى وهمه أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيرا حقيرا عندهم، فعدد اللّه تعالى عليه مننه في هذه السورة، و قال: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ*`وَ وَضَعْنََا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: 1، 2]أي ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل عن قلبه ما حصل فيه من التأذي بسبب أنهم عيروه بالفقر، و الدليل عليه دخول الفاء في قوله: فَإِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً كأنه تعالى قال لا يحزنك ما يقول و ما أنت فيه من القلة، فإنه يحصل في الدنيا يسر كامل.

209

المسألة الثانية: قال ابن عباس: يقول اللّه تعالى: خلقت عسرا واحدا بين يسرين، فلن يغلب عسر يسرين، و

روى مقاتل عن النبي عليه الصلاة و السلام أنه قال: «لن يغلب عسر يسرين» و قرأ هذه الآية،

و في تقرير هذا المعنى وجهان الأول: قال الفراء و الزجاج: العسر مذكور بالألف و اللام، و ليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة، فيكون المراد بالعسر في اللفظين شيئا واحدا. و أما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير، فكان أحدهما غير الآخر، و زيف الجرجاني هذا و قال: إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفا، إن مع الفارس سيفا، يلزم أن يكون هناك فارس واحد و معه سيفان، و معلوم أن ذلك غير لازم من وضع العربية الوجه الثاني:

أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى، كما كرر قوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المطففين: 10]و يكون الغرض تقرير معناها في النفوس و تمكينها في القلوب، كما يكرر المفرد في قولك: جاءني زيد زيد، و المراد من اليسرين: يسر الدنيا و هو ما تيسر من استفتاح البلاد، و يسر الآخرة و هو ثواب الجنة، لقوله تعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنََا إِلاََّ إِحْدَى اَلْحُسْنَيَيْنِ [التوبة: 52]و هما حسن الظفر و حسن الثواب، فالمراد من‏

قوله: «لن يغلب عسر يسرين»

هذا، و ذلك لأن عسر الدنيا بالنسبة إلى يسر الدنيا و يسر الآخرة كالمغمور القليل، و هاهنا سؤالان.

الأول: ما معنى التنكير في اليسر؟ جوابه: التفخيم، كأنه قيل: إن مع اليسر يسرا، إن مع العسر يسرا عظيما، و أي يسر.

السؤال الثاني: اليسر لا يكون مع العسر، لأنهما ضدان فلا يجتمعان الجواب: لما/كان وقوع اليسر بعد العسر بزمان قليل، كان مقطوعا به فجعل كالمقارن له. ثم قال تعالى:

وجه تعلق هذا بما قبله أنه تعالى لما عدد عليه نعمه السالفة، و وعدهم بالنعم الآتية، لا جرم بعثه على الشكر و الاجتهاد في العبادة، فقال: فَإِذََا فَرَغْتَ فَانْصَبْ أي فاتعب يقال: نصب ينصب، قال قتادة و الضحاك و مقاتل: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء و ارغب إليه في المسألة يعطك، و قال الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك و آخرتك، و قال مجاهد: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب وصل، و قال عبد اللّه: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، و قال الحسن: إذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة، و قال علي بن أبي طلحة: إذا كنت صحيحا فانصب، يعني اجعل فراغك نصبا في العبادة يدل عليه ما روي أن شريحا مر برجلين يتصارعان، فقال: الفارغ ما أمر بهذا إنما قال اللّه: فَإِذََا فَرَغْتَ فَانْصَبْ و بالجملة فالمعنى أن يواصل بين بعض العبادات و بعض، و أن لا يخلي وقتا من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى. و أما قوله تعالى:

ففيه وجهان أحدهما: اجعل رغبتك إليه خصوصا و لا تسأل إلا فضله متوكلا عليه و ثانيها: ارغب في سائر ما تلتمسه دينا و دنيا و نصرة على الأعداء إلى ربك، و قرئ فرغب أي رغب الناس إلى طلب ما عنده، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

210

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة التين‏

(و هي ثمان آيات مكية)

قوله تعالى و التين و الزيتون‏ اعلم أن الإشكال هو أن التين و الزيتون ليسا من الأمور الشريفة، فكيف يليق أن يقسم اللّه تعالى بهما؟ فلأجل هذا السؤال حصل فيه قولان:

الأول: أن المراد من التين و الزيتون هذان الشيئان المشهوران، قال ابن عباس: هو تينكم و زيتونكم هذا، ثم ذكروا من خواص التين و الزيتون أشياء. أما التين فقالوا إنه غذاء و فاكهة و دواء، أما كونه غذاء فالأطباء زعموا أنه طعام لطيف سريع الهضم لا يمكث في المعدة يلين الطبع و يخرج بطريق الترشح و يقلل البلغم و يطهر الكليتين و يزيل ما في المثانة من الرمل و يسمن البدن و يفتح مسام الكبد و الطحال و هو خير الفواكه و أحمدها، و

روى أنه أهدي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم طبق من تين فأكل منه، ثم قال لأصحابه: «كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير و تنفع من النقرس»

و

عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام: التين يزيل نكهة الفم و يطول الشعر و هو أمان من الفالج،

و أما كونه دواء، فلأنه يتداوى به في إخراج فضول البدن. و اعلم أن لها بعد ما ذكرنا خواص: أحدها: أن ظاهرها كباطنها ليست كالجوز ظاهره قشر و لا كالتمر باطنه قشر، بل نقول: إن من الثمار ما يخبث ظاهره و يطيب باطنه، كالجوز و البطيخ و منه ما يطيب ظاهره دون باطنه كالتمر و الإجاص.

أما التين فإنه طيب الظاهر و الباطن و ثانيها: أن الأشجار ثلاثة: شجرة تعد و تخلف و هي شجرة الخلاف، و ثانية تعد و تفي و هي التي تأتي بالنور أولا بعده بالثمرة كالتفاح و غيره، و شجرة تبذل قبل الوعد، و هي التين لأنها تخرج الثمرة قبل أن تعد بالورد، بل لو غيرت العبارة لقلت هي شجرة تظهر المعنى قبل الدعوى، بل لك أن تقول: إنها شجرة تخرج الثمرة قبل أن تلبس نفسها بورد أو بورق، و التفاح و المشمش و غيرهما تبدأ بنفسها ثم بغيرها، أما شجرة التين فإنها تهتم بغيرها/قبل اهتمامها بنفسها، فسائر الأشجار كأرباب المعاملة في‏

قوله عليه السلام: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»

و شجرة التين كالمصطفى عليه السلام كان يبدأ بغيره فإن فضل صرفه إلى

211

نفسه، بل من الذين أثنى اللّه عليهم في قوله‏ وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كََانَ بِهِمْ خَصََاصَةٌ [الحشر: 9]، و ثالثها:

أن من خواص هذه الشجرة أن سائر الأشجار إذا أسقطت الثمرة من موضعها لم تعد في تلك السنة، إلا التين فإنه يعيد البذر و ربما سقط ثم يعود مرة أخرى و رابعها: أن التين في النوم رجل خير غني فمن نالها في المنام نال مالا و سعة، و من أكلها رزقه اللّه أولادا و خامسها:

روي أن آدم عليه السلام لما عصى و فارقته ثيابه تستر بورق التين، و روي أنه لما نزل و كان متزرا بورق التين استوحش فطاف الظباء حوله فاستأنس بها فأطعمها بعض ورق التين، فرزقها اللّه الجمال صورة و الملاحة معنى و غير دمها مسكا، فلما تفرقت الظباء إلى مساكنها رأى غيرها عليها من الجمال ما أعجبها، فلما كانت من الغد جاءت الظباء على أثر الأولى إلى آدم فأطعمها من الورق فغير اللّه حالها إلى الجمال دون المسك،

و ذلك لأن الأولى جاءت لآدم لا لأجل الطمع و الطائفة الأخرى جاءت للطمع سرا و إلى آدم ظاهرة، فلا جرم غير الظاهر دون الباطن، و أما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة فاكهة من وجه و إدام من وجه و دواء من وجه، و هي في أغلب البلاد لا تحتاج إلى تربية الناس، ثم لا تقتصر منفعتها غذاء بدنك، بل هي غذاء السراج أيضا و تولدها في الجبال التي لا توجد فيها شي‏ء من الدهنية ألبتة، و قيل: من أخذ ورق الزيتون في المنام استمسك بالعروة الوثقى، و قال مريض لابن سيرين: رأيت في المنام كأنه قيل لي:

كل اللامين تشف، فقال: كل الزيتون فإنه لا شرقية و لا غربية، ثم قال المفسرون: التين و الزيتون اسم لهذين المأكولين و فيهما هذه المنافع الجليلة، فوجب إجراء اللفظ على الظاهر، و الجزم بأن اللّه تعالى أقسم بهما لما فيهما هذه المصالح و المنافع.

القول الثاني: أنه ليس المراد هاتين الثمرتين، ثم ذكروا وجوها أحدها: قال ابن عباس: هما جبلان من الأرض المقدسة، يقال لهما: بالسريانية طور تينا، و طور زيتا، لأنهما منبتا التين و الزيتون، فكأنه تعالى أقسم بمنابت الأنبياء، فالجبل المختص بالتين لعيسى عليه السلام و الزيتون الشأم مبعث أكثر أنبياء بني إسرائيل، و الطور مبعث موسى عليه السلام، و البلد الأمين مبعث محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، فيكون المراد من القسم في الحقيقة تعظيم الأنبياء و إعلاء درجاتهم و ثانيها: أن المراد من التين و الزيتون مسجدان، ثم قال ابن زيد: التين مسجد دمشق و الزيتون مسجد بيت المقدس، و قال آخرون: التين مسجد أصحاب أهل الكهف، و الزيتون مسجد إيليا، و عن ابن عباس التين مسجد نوح المبني على الجودي، و الزيتون مسجد بيت المقدس، و القائلون بهذا القول إنما ذهبوا إليه لأن القسم بالمسجد أحسن لأنه موضع العبادة و الطاعة، فلما كانت هذه المساجد في هذه المواضع التي يكثر فيها التين و الزيتون، لا جرم اكتفى بذكر التين و الزيتون و ثالثها: /المراد من التين و الزيتون بلدان، فقال كعب: التين دمشق و الزيتون بيت المقدس، و قال شهر بن حوشب: التين الكوفة، و الزيتون الشام، و عن الربيع هما جبلان بين همدان و حلوان، و القائلون بهذا القول، إنما ذهبوا إليه لأن اليهود و النصارى و المسلمين و مشركي قريش كل واحد منهم يعظم بلدة من هذه البلاد، فاللّه تعالى أقسم بهذه البلاد بأسرها، أو يقال: إن دمشق و بيت المقدس فيهما نعم الدنيا، و الطور و مكة فيهما نعم الدين.

أما قوله تعالى: وَ طُورِ سِينِينَ فالمراد من الطور الجبل الذي كلم اللّه تعالى موسى عليه السلام عليه، و اختلفوا في سينين و الأولى عند النحويين أن يكون سينين و سينا اسمين للمكان الذي حصل فيه الجبل أضيفا إلى ذلك المكان، و أما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عكرمة: الطور الجبل و سينين الحسن بلغة الحبشة،

212

و قال مجاهد: سينين المبارك، و قال الكلبي: هو الجبل المشجر ذو الشجر، و قال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين و سينا بلغة النبط قال الواحدي: و الأولى أن يكون سينين اسما للمكان الذي به الجبل، ثم لذلك سمي سينين أو سينا لحسنه أو لكونه مباركا، و لا يجوز أن يكون سينين نعتا للطور لإضافته إليه.

أما قوله تعالى: وَ هََذَا اَلْبَلَدِ اَلْأَمِينِ فالمراد مكة و الأمين: الآمن قال صاحب «الكشاف» : من أمن الرجل أمانة فهو أمين و أمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، و يجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل، كما وصف بالأمن في قوله: حَرَماً آمِناً* [العنكبوت: 67]يعني ذا أمن، و ذكروا في كونه أمينا وجوها أحدها: أن اللّه تعالى حفظه عن الفيل على ما يأتيك شرحه إن شاء اللّه تعالى و ثانيها: أنها تحفظ لك جميع الأشياء فمباح الدم عند الالتجاء إليها آمن من السباع و الصيود تستفيد منها الحفظ عند الالتجاء إليها و ثالثها: ما

روي أن عمر كان يقبل الحجر، و يقول: إنك حجر لا تضر و لا تنفع و لو لا أني رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقبلك ما قبلتك، فقال له علي عليه السلام: إما أنه يضر و ينفع إن اللّه تعالى لما أخذ على ذرية آدم الميثاق كتبه في رق أبيض، و كان لهذا الركن يومئذ لسان و شفتان و عينان، فقال: افتح فاك فألقمه ذلك الرق و قال: تشهد لمن وافاك بالموافاة إلى يوم القيامة، فقال عمر: لا بقيت في قوم لست فيهم يا أبا الحسن.

ثم قال تعالى:

المراد من الإنسان هذه الماهية و التقويم تصبير الشي‏ء على ما ينبغي أن يكون في التأليف و التعديل، يقال:

قومته تقويما فاستقام و تقوم، و ذكروا في شرح ذلك الحسن وجوها أحدها: أنه تعالى خلق كل ذي روح مكبا على وجهه إلا الإنسان فإنه تعالى خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده و قال الأصم: في أكمل عقل و فهم و أدب و علم و بيان، و الحاصل أن القول الأول راجع إلى الصورة الظاهرة، و الثاني إلى/السيرة الباطنة، و عن يحيى بن أكثم القاضي أنه فسر التقويم بحسن الصورة، فإنه حكى أن ملك زمانه خلا بزوجته في ليلة مقمرة، فقال: إن لم تكوني أحسن من القمر فأنت كذا، فأفتى الكل بالحنث إلا يحيى بن أكثم فإنه قال: لا يحنث، فقيل له: خالفت شيوخك، فقال: الفتوى بالعلم و لقد أفتى من هو أعلم منا و هو اللّه تعالى فإنه يقول: لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ و كان بعض الصالحين يقول: إلهنا أعطيتنا في الأولى أحسن الأشكال، فأعطنا في الآخرة أحسن الفعال، و هو العفو عن الذنوب، و التجاوز عن العيوب. أما قوله تعالى:

ففيه وجهان: الأول: قال ابن عباس: يريد أرذل العمر، و هو مثل قوله: يرد إلى أرذل العمر، قال ابن قتيبة: السافلون هم الضعفاء و الزمنى، و من لا يستطيع حيلة و لا يجد سبيلا، يقال: سفل يسفل فهو سافل و هم سافلون، كما يقال: علا يعلو فهو عال و هم عالون، أراد أن الهرم يخرف و يضعف سمعه و بصره و عقله و تقل حيلته و يعجز عن عمل الصالحات، فيكون أسفل الجميع، و قال الفراء: و لو كانت أسفل سافل لكان صوابا، لأن لفظ الإنسان واحد، و أنت تقول: هذا أفضل قائم و لا تقول: أفضل قائمين، إلا أنه قيل: سافلين على الجمع لأن الإنسان في معنى جمع فهو كقوله: وَ اَلَّذِي جََاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُتَّقُونَ [الزمر:

213

33]و قال: وَ إِنََّا إِذََا أَذَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنََّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهََا وَ إِنْ تُصِبْهُمْ [الشورى: 48].

و القول الثاني: ما ذكره مجاهد و الحسن ثم رددناه إلى النار،

قال علي عليه السلام: وضع أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض فيبدأ بالأسفل فيملأ و هو أسفل سافلين،

و على هذا التقدير فالمعنى ثم رددناه إلى أسفل سافلين إلى النار.

أما قوله تعالى: إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ فاعلم أن هذا الاستثناء على القول الأول منقطع، و المعنى و لكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم و صبرهم على ابتلاء اللّه إياهم بالشيخوخة و الهرم، و على مقاساة المشاق و القيام بالعبادة و على تخاذل نهوضهم، و أما على القول الثاني فالاستثناء متصل ظاهر الاتصال.

أما قوله تعالى: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ففيه قولان: أحدهما: غير منقوص و لا مقطوع و ثانيهما: أجر غير ممنون أي لا يمن به عليهم، و اعلم أن كل ذلك من صفات الثواب، لأنه يجب أن يكون غير منقطع و أن لا يكون منغصا بالمنة. ثم قال تعالى:

و فيه سؤالان:

الأولى: من المخاطب بقوله: فَمََا يُكَذِّبُكَ ؟ الجواب فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب للإنسان على طريقة الالتفات، و المراد من قوله: فَمََا يُكَذِّبُكَ أن كل من أخبر عن الواقع بأنه لا يقع فهو كاذب، و المعنى فما الذي يلجئك إلى هذا الكذب و الثاني: و هو اختيار الفراء أنه خطاب مع محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و المعنى فمن يكذبك يا أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل بالدين.

السؤال الثاني: ما وجه التعجب؟ الجواب: أن خلق الإنسان من النطفة و تقويمه بشرا سويا و تدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل و يستوي، تم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر دليل واضح على قدرة الخالق على الحشر و النشر، فمن شاهد هذه الحالة ثم بقي مصرا على إنكار الحشر فلا شي‏ء أعجب منه. ثم قال تعالى:

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: ذكروا في تفسيره وجهين أحدهما: أن هذا تحقيق لما ذكر من خلق الإنسان ثم رده إلى أرذل العمر، يقول اللّه تعالى: أ ليس الذي فعل ذلك بأحكم الحاكمين صنعا و تدبيرا، و إذا ثبتت القدرة و الحكمة بهذه الدلالة صح القول بإمكان الحشر و وقوعه، أما الإمكان فبالنظر إلى القدرة، و أما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة، كما قال تعالى: وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا بََاطِلاً ذََلِكَ‏

214

ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا [ص: 27]. و الثاني: أن هذا تنبيه من اللّه تعالى لنبيه عليه السلام بأنه يحكم بينه و بين خصومه يوم القيامة بالعدل.

المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح و لا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه و الظلم، فإنه لو كان الفاعل لأفعال العباد هو اللّه تعالى لكان كل سفه و كل أمر بسفه و كل ترغيب في سفه فهو من اللّه تعالى و من كان كذلك فهو أسفه السفهاء، كما أنه لا حكمة و لا أمر بالحكمة و لا ترغيب في الحكمة إلا من اللّه تعالى، و من كان كذلك فهو أحكم الحكماء، و لما ثبت في حقه تعالى الأمران لم يكن وصفه بأنه أحكم الحكماء أولى من وصفه بأنه أسفه السفهاء. و لما امتنع هذا الوصف في حقه تعالى علمنا أنه ليس خالقا لأفعال العباد و الجواب: المعارضة بالعلم و الداعي، ثم نقول: السفيه من قامت السفاهة به لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك و الساكن من قامت الحركة و السكون به لا من خلقهما، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم بالصواب، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

215

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة العلق‏

(تسع عشرة آية مكية) زعم المفسرون: أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن و قال آخرون: الفاتحة أول ما نزل ثم سورة العلق.

اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اعلم أن في الباء من قوله: بِاسْمِ رَبِّكَ قولين: أحدهما: قال أبو عبيدة: الباء زائدة، و المعنى: اقرأ اسم ربك، كما قال الأخطل:

هن الحرائر لا ربات أخمرة # سود المحاجر لا يقرأن بالسور

و معنى اقرأ اسم ربك، أي أذكر اسمه، و هذا القول ضعيف لوجوه أحدها: أنه لو كان معناه اذكر اسم ربك ما حسن منه أن يقول: ما أنا بقارئ، أي لا أذكر اسم ربي و ثانيها: أن هذا الأمر لا يليق بالرسول، لأنه ما كان له شغل سوى ذكر اللّه، فكيف يأمره بأن يشتغل بما كان مشغولا به أبدا و ثالثها: أن فيه تضييع الباء من غير فائدة.

القول الثاني: أن المراد من قوله: اِقْرَأْ أي اقرأ القرآن، إذ القراءة لا تستعمل إلا فيه قال تعالى: فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: 18]و قال: وَ قُرْآناً فَرَقْنََاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى اَلنََّاسِ عَلى‏ََ مُكْثٍ [الإسراء: 106]و قوله:

بِاسْمِ رَبِّكَ يحتمل وجوها أحدها: أن يكون محل باسم ربك النصب على الحال فيكون التقدير: اقرأ القرآن مفتتحا باسم ربك أي قل: باسم اللّه ثم اقرأ، و في هذا دلالة على أنه يجب قراءة التسمية في ابتداء كل سورة كما أنزل اللّه تعالى و أمر به، و في هذه الآية رد على من لا يرى ذلك واجبا و لا يبتدئ بها و ثانيها: أن يكون المعنى اقرأ القرآن مستعينا باسم ربك كأنه يجعل الاسم آلة فيما يحاوله من أمر الدين و الدنيا، و نظيره كتبت بالقلم، و تحقيقه أنه لما قال له: اِقْرَأْ فقال له: لست بقارئ، فقال: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي استعن باسم ربك و اتخذه آلة في تحصيل هذا الذي عسر عليك و ثالثها: أن قوله: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي اجعل هذا الفعل للّه و افعله لأجله كما تقول: بنيت هذه الدار باسم الأمير و صنعت هذا الكتاب باسم الوزير و لأجله، فإن العبادة /إذا صارت للّه تعالى، فكيف يجترئ الشيطان أن يتصرف فيما هو للّه تعالى؟فإن قيل: كيف يستمر هذا

216

التأويل في قولك قبل الأكل بسم اللّه و كذا قبل كل فعل مباح؟قلنا: فيه وجهان أحدهما: أن ذلك إضافة مجازية كما تضيف ضيعتك إلى بعض الكبار لتدفع بذلك ظلم الظلمة، كذا تضيف فعلك إلى اللّه ليقطع الشيطان طمعه عن مشاركتك،

فقد روي أن من لم يذكر اسم اللّه شاركه الشيطان في ذلك الطعام‏

و الثاني: أنه ربما استعان بذلك المباح على التقوى على طاعة اللّه فيصير المباح طاعة فيصح ذلك التأويل فيه.

أما قوله: رَبِّكَ ففيه سؤالان:

أحدها: و هو أن الرب من صفات الفعل، و اللّه من أسماء الذات و أسماء الذات أشرف من أسماء الفعل، و لأنا قد دللنا بالوجوه الكثيرة على أن اسم اللّه أشرف من اسم الرب، ثم إنه تعالى قال هاهنا: بِاسْمِ رَبِّكَ و لم يقل: اقرأ باسم اللّه كما قال في التسمية المعروفة: بسم اللّه الرحمن الرحيم و جوابه: أنه أمر بالعبادة، و بصفات الذات، و هو لا يستوجب شيئا، و إنما يستوجب العبادة بصفات الفعل، فكان ذلك أبلغ في الحث على الطاعة، و لأن هذه السورة كانت من أوائل ما نزل على ما كان الرسول عليه السلام قد فزع فاستماله ليزول الفزع، فقال:

هو الذي رباك فكيف يفزعك؟فأفاد هذا الحرف معنيين أحدهما: ربيتك فلزمك القضاء فلا تتكاسل و الثاني: أن الشروع ملزم للإتمام، و قد ربيتك منذ كذا فكيف أضيعك؟أي حين كنت علقا لم أدع تربيتك فبعد أن صرت خلقا نفيسا موحدا عارفا بي كيف أضيعك؟.

السؤال الثاني: ما الحكمة في أنه أضاف ذاته إليه فقال: بِاسْمِ رَبِّكَ ؟ الجواب: تارة يضيف ذاته إليه بالربوبية كما هاهنا، و تارة يضيفه إلى نفسه بالعبودية، أسرى بعبده، نظيره‏

قوله عليه السلام: «علي مني و أنا منه»

كأنه تعالى يقول: هو لي و أنا له، يقرره قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اَللََّهَ [النساء: 80]أو نقول:

إضافة ذاته إلى عبده أحسن من إضافة العبد إليه، إذ قد علم في الشاهد أن من له ابنان ينفعه أكبرهما دون الأصغر، يقول: هو ابني فحسب لما أنه ينال منه المنفعة، فيقول الرب تعالى: المنفعة تصل مني إليك، و لم تصل منك إلى خدمة و لا طاعة إلى الآن، فأقول: أنا لك و لا أقول أنت لي، ثم إذا أتيت بما طلبته منك من طاعة أو توبة أضفتك إلى نفسي فقلت: أنزل على عبده‏ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا [الزمر: 53].

السؤال الثالث: لم ذكر عقيب قوله: رَبِّكَ قوله: اَلَّذِي خَلَقَ ؟ الجواب: كأن العبد يقول: ما الدليل على أنك ربي؟فيقول: لأنك كنت بذاتك و صفاتك معدوما ثم صرت موجودا فلا بد لك في ذاتك و صفاتك من خالق، و هذا الخلق و الإيجاد تربية فدل ذلك على أني ربك و أنت مربوبي.

أما قوله تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ*`خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: في تفسير هذه الآية ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون قوله: اَلَّذِي خَلَقَ لا يقدر له مفعول، و يكون المعنى أنه الذي حصل منه الخلق و استأثر به لا خالق سواه و الثاني: أن يقدر له مفعول و يكون المعنى أنه الذي خلق كل شي‏ء، فيتناول كل مخلوق، لأنه مطلق، فليس حمله على البعض أولى من حمله على الباقي، كقولنا: اللّه أكبر، أي من كل شي‏ء، }ثم قوله بعد ذلك: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ تخصيص للإنسان بالذكر من بين جملة المخلوقات، إما لأن التنزيل إليه أو لأنه أشرف ما على وجه الأرض و الثالث: أن يكون قوله: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ مبهما ثم فسره بقوله: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ تفخيما لخلق الإنسان و دلالة على عجيب فطرته.

217

المسألة الثانية: احتج الأصحاب بهذه الآية على أنه لا خالق غير اللّه تعالى، قالوا: لأنه سبحانه جعل الخالقية صفة مميزة لذات اللّه تعالى عن سائر الذوات، و كل صفة هذا شأنها فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، قالوا: و بهذا الطريق عرفنا أن خاصية الإلهية هي القدرة على الاختراع و مما يؤكد ذلك أن فرعون لما طلب حقيقة الإله، فقال: وَ مََا رَبُّ اَلْعََالَمِينَ [الشعراء: 23]قال موسى: رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبََائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ [الشعراء: 26]و الربوبية إشارة إلى الخالقية التي ذكرها هاهنا، و كل ذلك يدل على قولنا.

المسألة الثالثة: اتفق المتكلمون على أن أول الواجبات معرفة اللّه تعالى، أو النظر في معرفة اللّه أو القصد إلى ذلك النظر على الاختلاف المشهور فيما بينهم، ثم إن الحكيم سبحانه لما أراد أن يبعثه رسولا إلى المشركين، لو قال له: اقرأ باسم ربك الذي لا شريك له، لأبوا أن يقبلوا ذلك منه، لكنه تعالى قدم ذلك مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به كما يحكى أن زفر لما بعثه أبو حنيفة إلى البصرة لتقرير مذهبه، فلما ذكر أبو حنيفة زيفوه و لم يلتفتوا إليه، فرجع إلى أبي حنيفة و أخبره بذلك، فقال إنك لم تعرف طريق التبليغ، لكن ارجع إليهم، و اذكر في المسألة أقاويل أئمتهم ثم بين ضعفها، ثم قل بعد ذلك: هاهنا قول آخر، و اذكر قولي و حجتي، فإذا تمكن ذلك في قلبهم، فقل: هذا قول أبي حنيفة لأنهم حينئذ يستحيون فلا يردون، فكذا هاهنا أن الحق سبحانه يقول: إن هؤلاء عباد الأوثان، فلو أثنيت علي و أعرضت عن الأوثان لأبوا ذلك، لكن اذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقة فلا يمكنهم إنكاره، ثم قل: و لا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه، فبهذا التدريج يقرون بأني أنا المستحق للثناء دون الأوثان، كما قال تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ [الزخرف: 87]ثم لما صارت الإلهية موقوفة على الخالقية و حصل القطع بأن من لم يخلق لم يكن إلها، فلهذا قال تعالى: أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاََ يَخْلُقُ [النحل: 17]و دلت الآية على أن القول بالطبع باطل، لأن المؤثر فيه إن كان حادثا افتقر إلى مؤثر آخر، و إن كان قديما فإما أن يكون موجبا/أو قادرا، فإن كان موجبا لزم أن يقارنه الأثر فلم يبق إلا أنه مختار و هو عالم لأن التغير حصل على الترتيب الموافق للمصلحة.

المسألة الرابعة: إنما قال: مِنْ عَلَقٍ على الجمع لأن الإنسان في معنى الجمع، كقوله: إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: 2]. أما قوله تعالى:

ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال بعضهم: اقرأ أولا لنفسك، و الثاني للتبليغ أو الأول للتعلم من جبريل و الثاني للتعليم أو اقرأ في صلاتك، و الثاني خارج صلاتك.

المسألة الثانية: الكرم إفادة ما ينبغي لا لعوض، فمن يهب السكين ممن يقتل به نفسه فهو ليس بكريم، و من أعطى ثم طلب عوضا فهو ليس بكريم، و ليس يجب أن يكون العوض عينا بل المدح و الثواب و التخلص

218

عن المذمة كله عوض، و لهذا قال أصحابنا: إنه تعالى يستحيل أن يفعل فعلا لغرض لأنه لو فعل فعلا لغرض لكان حصول ذلك الغرض أولى له من لا حصوله، فحينئذ يستفيد بفعل ذلك الشي‏ء حصول تلك الأولوية، و لو لم يفعل ذلك الفعل لما كان يحصل له تلك الأولوية، فيكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره و ذلك محال، ثم ذكروا في بيان أكرميته تعالى وجوها أحدها: أنه كم من كريم يحلم وقت الجناية، لكنه لا يبقى إحسانه على الوجه الذي كان قبل الجناية، و هو تعالى أكرم لأنه يزيد بإحسانه بعد الجناية، و منه قول القائل:

متى زدت تقصيرا تزد لي تفضلا # كأني بالتقصير أستوجب الفضلا

و ثانيها: إنك كريم لكن ربك أكرم و كيف لا و كل كريم ينال بكرمه نفعا إما مدحا أو ثوابا أو يدفع ضررا، أما أنا فالأكرم إذ لا أفعله إلا لمحض الكرم و ثالثها: أنه الأكرم لأن له الابتداء في كل كرم و إحسان و كرمه غير مشوب بالتقصير و رابعها: يحتمل أن يكون هذا حثا على القراءة أي هذا الأكرم لأنه يجازيك بكل حرف عشرا أو حثا على الإخلاص، أي لا تقرأ لطمع و لكن لأجلي ودع عليّ أمرك فأنا أكرم من أن لا أعطيك ما لا يخطر ببالك، و يحتمل أن المعنى تجرد لدعوة الخلق و لا تخف أحدا فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشاق ثم لا أنصرك.

المسألة الثالثة: أنه سبحانه وصف نفسه بأنه خلق الإنسان من علق و ثانيا بأنه علقة و هي بالقلم، و لا مناسبة في الظاهر بين الأمرين، لكن التحقيق أن أول أحوال الإنسان كونه علقة و هي أخس الأشياء و آخر أمره هو صيرورته عالما بحقائق الأشياء، و هو أشرف مراتب المخلوقات فكأنه تعالى يقول: انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب فلا بد لك من مدبر مقدر ينقلك من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة، ثم فيه تنبيه على أن العلم أشرف الصفات/الإنسانية، كأنه تعالى يقول: الإيجاد و الإحياء و الإقدار و الرزق كرم و ربوبية، أما الأكرم هو الذي أعطاك العلم لأن العلم هو النهاية في الشرف.

المسألة الرابعة: قوله: بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ*`خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ إشارة إلى الدلالة العقلية الدالة على كمال القدرة و الحكمة و العلم و الرحمة، }و قوله: اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ إشارة إلى الأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع، فالأول كأنه إشارة إلى معرفة الربوبية و الثاني إلى النبوة، و قدم الأول على الثاني تنبيها على أن معرفة الربوبية غنية عن النبوة، و أما النبوة فإنها محتاجة إلى معرفة الربوبية.

المسألة الخامسة: في قوله: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ وجهان أحدهما: أن المراد من القلم الكتابة التي تعرف بها الأمور الغائبة، و جعل القلم كناية عنها و الثاني: أن المراد علم الإنسان الكتابة بالقلم و كلا القولين متقارب، إذ المراد التنبيه على فضيلة الكتابة، يروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتا عن الكلام، فقال: ريح لا يبقى، قال: فما قيده، قال: الكتابة، فالقلم صياد يصيد العلوم يبكي و يضحك، بركوعه تسجد الأنام، و بحركته تبقى العلوم على مر الليالي و الأيام، نظيره قول زكريا: إِذْ نََادى‏ََ رَبَّهُ نِدََاءً خَفِيًّا [مريم: 3]أخفى و أسمع فكذا القلم لا ينطق ثم يسمع الشرق و الغرب، فسبحانه من قادر بسوادها جعل الدين منورا، كما أنه جعلك بالسواد مبصرا، فالقلم قوام الإنسان و الإنسان قوام العين، و لا تقل القلم نائب اللسان، فإن القلم ينوب عن اللسان و اللسان لا ينوب عن القلم، التراب طهور، و لو إلى عشر حجج، و القلم بدل‏[عن اللسان‏]و لو [بعث‏]إلى المشرق و المغرب‏ (1) . أما قوله تعالى:

____________

(1) هذه العبارة كما هي في الأصل، و هي مضطربة، قوله التراب طهور إلخ أي إنه يغني عن الماء في التيمم به، و ما بين الأقواس المعكفة لزيادة الإيضاح، و هو يقصد إلى أن المقارنة بين الماء و التراب كالمقارنة بين القلم و اللسان و اللّه أعلم.

219

فيحتمل أن يكون المراد علمه بالقلم و علمه أيضا غير ذلك و لم يذكر و او النسق، و قد يجري مثل هذا في الكلام تقول: أكرمتك أحسنت إليك ملكتك الأموال وليتك الولايات، و يحتمل أن يكون المراد من اللفظين واحدا و يكون المعنى: علم الإنسان بالقلم ما لم يعلمه، فيكون قوله: عَلَّمَ اَلْإِنْسََانَ مََا لَمْ يَعْلَمْ بيانا لقوله:

عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق: 4].

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أكثر المفسرين على أن المراد من الإنسان هاهنا إنسان واحد و هو أبو جهل، ثم منهم من قال: نزلت السورة من هاهنا إلى آخرها في أبي جهل. و قيل: نزلت من قوله: أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يَنْهى‏ََ`عَبْداً [العلق: 9]إلى آخر السورة في أبي جهل.

قال ابن عباس: كان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يصلي فجاء أبو جهل، فقال: ألم أنهك عن هذا؟فزجره النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال/أبو جهل: و اللّه إنك لتعلم أني أكثر أهل الوادي ناديا، فأنزل اللّه تعالى: فَلْيَدْعُ نََادِيَهُ*`سَنَدْعُ اَلزَّبََانِيَةَ [العلق: 17، 18]

قال ابن عباس: و اللّه لو دعا ناديه لأخذته زبانية اللّه، فكأنه تعالى لما عرفه أنه مخلوق من علق فلا يليق به التكبر، فهو عند ذلك ازداد طغيانا و تعززا بماله و رئاسته في مكة. و يروى أنه قال: ليس بمكة أكرم مني. و لعله لعنه اللّه قال ذلك ردا لقوله: وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ [العلق: 3]ثم القائلون بهذا القول منهم من زعم أنه ليست هذه السورة من أوائل ما نزل و منهم من قال: يحتمل أن يكون خمس آيات من أول السورة نزلت أولا، ثم نزلت البقية بعد ذلك في شأن أبي جهل، ثم أمر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بضم ذلك إلى أول السورة، لأن تأليف الآيات إنما كان يأمر اللّه تعالى، ألا ترى أن قوله تعالى:

وَ اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللََّهِ [البقرة: 281]آخر ما نزل عند المفسرين ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل القول الثاني: أن المراد من الإنسان المذكور في هذه الآية جملة الإنسان، و القول الأول و إن كان أظهر بحسب الروايات، إلا أن هذا القول أقرب بحسب الظاهر، لأنه تعالى بين أن اللّه سبحانه مع أنه خلقه من علقة، و أنعم عليه بالنعم التي قدمنا ذكرها، إذ أغناه، و زاد في النعمة عليه فإنه يطغى و يتجاوز الحد في المعاصي و اتباع هوى النفس، و ذلك وعيد و زجر عن هذه الطريقة، ثم إنه تعالى أكد هذا الزجر بقوله: إِنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلرُّجْعى‏ََ [العلق: 8]أي إلى حيث لا مالك سواه، فتقع المحاسبة على ما كان منه من العمل و المؤاخذة بحسب ذلك.

المسألة الثانية: قوله: كَلاََّ فيه وجوه أحدها: أنه ردع و زجر لمن كفر بنعمة اللّه بطغيانه، و إن لم يذكر لدلالة الكلام عليه و ثانيها: قال مقاتل: كلا لا يعلم الإنسان إن اللّه هو الذي خلقه من العلقة و علمه بعد الجهل، و ذلك لأنه عند صيرورته غنيا يطغى و يتكبر، و يصير مستغرق القلب في حب الدنيا فلا يتفكر في هذه الأحوال و لا يتأمل فيها و ثالثها: ذكر الجرجاني صاحب «النظم» أن كلا هاهنا بمعنى حقا لأنه ليس قبله و لا بعده شي‏ء

220

تكون‏ كَلاََّ ردا له، و هذا كما قالوه في: كَلاََّ وَ اَلْقَمَرِ [المدثر: 32]فإنهم زعموا أنه بمعنى: إي و القمر.

المسألة الثالثة: الطغيان هو التكبر و التمرد، و تحقيق الكلام في هذه الآية أن اللّه تعالى لما ذكر في مقدمة السورة دلائل ظاهرة على التوحيد و القدرة و الحكمة بحيث يبعد من العاقل أن لا يطلع عليها و لا يقف على حقائقها أتبعها بما هو السبب الأصلي في الغفلة عنها و هو حب الدنيا و الاشتغال بالمال و الجاه و الثروة و القدرة، فإنه لا سبب لعمى القلب في الحقيقة إلا ذلك فإن قيل: إن فرعون ادعى الربوبية، فقال اللّه تعالى في حقه:

اِذْهَبْ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ََ* [طه: 24]و هاهنا ذكر في أبي جهل: لَيَطْغى‏ََ فأكده بهذه اللام، فما السبب في هذه الزيادة؟قلنا: فيه وجوه أحدها: أنه قال لموسى: اِذْهَبْ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ََ* و ذلك قبل أن يلقاه موسى، و قبل أن يعرض عليه الأدلة، و قبل أن يدعي الربوبية و أما هاهنا فإنه تعالى ذكر هذه الآية تسلية لرسوله حين رد عليه أقبح الرد و ثانيها: أن فرعون مع كمال سلطته ما كان يزيد كفره على القول، و ما كان ليتعرض لقتل موسى عليها السلام و لا لإيذائه و أما أبو جهل فهو مع قلة جاهه كان/يقصد قتل النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و إيذاءه و ثالثها: أن فرعون أحسن إلى موسى أولا، و قال آخرا: آمَنْتُ [يونس: 90]. و أما أبو جهل فكان يحسد النبي في صباه، و قال في آخر رمقه: بلغوا عني محمدا أني أموت و لا أحد أبغض إلي منه و رابعها: أنهما و إن كانا رسولين لكن الحبيب في مقابلة الكليم كاليد في مقابلة العين، و العاقل يصون عينه فوق ما يصون يده، بل يصون عينه باليد، فلهذا السبب كانت المبالغة هاهنا أكثر. أما قوله تعالى:

ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الأخفش: لأن رآه فحذف اللام، كما يقال: أنكم لتطغون أن رأيتم غناكم.

المسألة الثانية: قال الفراء إنما قال: أَنْ رَآهُ و لم يقل: رأى نفسه كما يقال: قتل نفسه لأن رأى من الأفعال التي تستدعي اسما و خبرا نحو الظن و الحسبان، و العرب تطرح النفس من هذا الجنس فنقول: رأيتني و ظننتني و حسبتني فقوله: أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‏ََ من هذا الباب.

المسألة الثالثة: في قوله: اِسْتَغْنى‏ََ وجهان: أحدهما: استغنى بماله عن ربه، و المراد من الآية ليس هو الأول، لأن الإنسان قد ينال الثروة فلا يزيد إلا تواضعا كسليمان عليه السلام، فإنه كان يجالس المساكين و يقول: «مسكين جالس مسكينا» و عبد الرحمن بن عوف ما طغى مع كثرة أمواله، بل العاقل يعلم أنه عند الغنى يكون أكثر حاجة إلى اللّه تعالى منه حال فقره، لأنه في حال فقره لا يتمنى إلا سلامة نفسه، و أما حال الغنى فإنه يتمنى سلامة نفسه و ماله و مماليكه، و في الآية وجه ثالث: (1) و هو أن سين اِسْتَغْنى‏ََ سين الطالب و المعنى أن الإنسان رأى أن نفسه إنما نالت الغنى لأنها طلبته و بذلت الجهد في الطلب فنالت الثروة و الغنى بسبب ذلك الجهد، لا أنه نالها بإعطاء اللّه و توفيقه، و هذا جهل و حمق فكم من باذل وسعه في الحرص و الطلب و هو يموت جوعا، ثم ترى أكثر الأغنياء في الآخرة يصيرون مدبرين خائفين، يريهم اللّه أن ذلك الغنى ما كان بفعلهم و قوتهم.

____________

(1) لم يذكر الوجه الثاني كما ترى و لعله سقط من الناسخ.

221

المسألة الرابعة: أول السورة يدل على مدح العلم و آخرها على مذمة المال، و كفى بذلك مرغبا في الدين و العلم و منفرا عن الدنيا و المال. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديدا له و تحذيرا من عاقبة الطغيان.

المسألة الثانية: اَلرُّجْعى‏ََ المرجع و الرجوع و هي بأجمعها مصادر، يقال: رجع إليه رجوعا/و مرجعا و رجعي على وزن فعلى، و في معنى الآية وجهان: أحدهما: أنه يرى ثواب طاعته و عقاب تمرده و تكبره و طغيانه، و نظيره قوله: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَللََّهَ غََافِلاً إلى قوله: إِنَّمََا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ اَلْأَبْصََارُ [إبراهيم: 42]و هذه الموعظة لا تؤثر إلا في قلب من له قدم صدق، أما الجاهل فيغضب و لا يعتقد إلا الفرح العاجل و القول الثاني: أنه تعالى يرده و يرجعه إلى النقصان و الفقر و الموت، كما رده من النقصان إلى الكمال، حيث نقله من الجمادية إلى الحياة، و من الفقر إلى الغنى، و من الذل إلى العز، فما هذا التعزز و القوة.

المسألة الثالثة:

روي أن أبا جهل قال للرسول عليه الصلاة و السلام: أ تزعم أن من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال مكة ذهبا و فضة لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندع ديننا و نتبع دينك، فنزل جبريل و قال: إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم مثل ما فعلنا بأصحاب المائدة، فكف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عن الدعاء إبقاء عليهم.

}و فيه مسائل:

المسألة الأولى: روي عن أبي جهل لعنه اللّه أنه قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: فوالذي يحلف به لئن رأيته لأطأن عنقه، ثم إنه رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في الصلاة فنكص على عقبيه، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟فقال: إن بيني و بينه لخندقا من نار و هو لا شديدا. و عن الحسن أن أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة.

و اعلم أن ظاهر الآية هو الإنسان المتقدم ذكره، فلذلك قالوا: إنه ورد في أبي جهل، و ذكروا ما كان منه من التوعد لمحمد عليه الصلاة و السلام حين رآه يصلي، و لا يمتنع أن يكون نزولها في أبي جهل، ثم يعم في الكل، لكن ما بعده يقتضي أنه في رجل بعينه.

المسألة الثانية: قوله: أَ رَأَيْتَ خطاب مع الرسول على سبيل التعجب، و وجه التعجب فيه أمور أحدها:

أنه عليه السلام قال: اللهم أعز الإسلام إما بأبي جهل بن هشام أو بعمر،

فكأنه تعالى قال له: كنت تظن أنه يعز به الإسلام، أمثله يعز به الإسلام، و هو ينهى عبدا إذا صلى و ثانيها: أنه كان يلقب بأبي الحكم، فكأنه تعالى يقول: كيف يليق به هذا اللقب و هو ينهى العبد عن خدمة ربه، أ يوصف بالحكمة من يمنع عن طاعة الرحمن و يسجد للأوثان!و ثالثها: أن ذلك الأحمق يأمر و ينهى، و يعتقد أنه يجب على الغير طاعته، مع أنه ليس‏

222

بخالق و لا رب، ثم إنه ينهى عن طاعة الرب و الخالق، أ لا يكون هذا غاية الحماقة.

المسألة الثالثة: قال: يَنْهى‏ََ`عَبْداً و لم يقل: ينهاك، و فيه فوائد أحدها: أن التنكير في عبدا يدل على كونه كاملا في العبودية، كأنه يقول: إنه عبد لا يفي العالم بشرح بيانه و صفة إخلاصه في/عبوديته يروى: في هذا المعنى أن يهوديا من فصحاء اليهود جاء إلى عمر في أيام خلافته فقال: أخبرني عن أخلاق رسولكم، فقال عمر: اطلبه من بلال فهو أعلم به مني. ثم إن بلالا دله على فاطمة ثم فاطمة دلته على علي عليه السلام، فلما سأل عليا عنه قال: صف لي متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه، فقال الرجل: هذا لا يتيسر لي، فقال علي:

عجزت عن وصف متاع الدنيا و قد شهد اللّه على قلته حيث قال: قُلْ مَتََاعُ اَلدُّنْيََا قَلِيلٌ [النساء: 77]فكيف أصف أخلاق النبي و قد شهد اللّه تعالى بأنه عظيم حيث قال: وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ََ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4]فكأنه تعالى قال: ينهى أشد الخلق عبودية عن العبودية و ذلك عين الجهل و الحمق و ثانيها: أن هذا أبلغ في الذم لأن المعنى أن هذا دأبه و عادته فينهى كل من يرى و ثالثها: أن هذا تخويف لكل من نهى عن الصلاة،

روى عن علي عليه السلام أنه رأى في المصلى أقواما يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يفعل ذلك، فقيل له:

ألا تنهاهم؟فقال: أخشى أن أدخل تحت قوله: أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يَنْهى‏ََ`عَبْداً إِذََا صَلََّى فلم يصرح بالنهي عن الصلاة،

و أخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حيث قال له أبو يوسف: أ يقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفر لي؟قال: يقول ربنا لك الحمد و يسجد و لم يصرح بالنهي و رابعها: أ يظن أبو جهل أنه لو لم يسجد محمد لي لا أجد ساجدا غيره، إن محمدا عبد واحد، و لي من الملائكة المقربين ما لا يحصيهم إلا أنا و هم دائما في الصلاة و التسبيح و خامسها: أنه تفخيم لشأن النبي عليه السلام يقول: إنه مع التنكير معرف، نظيره الكناية في سورة القدر حملت على القرآن و لم يسبق له ذكر أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ [الإسراء: 1] أَنْزَلَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ [الكهف: 1] وَ أَنَّهُ لَمََّا قََامَ عَبْدُ اَللََّهِ [الجن: 19]. ثم قال تعالى:

}و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: أَ رَأَيْتَ خطاب لمن؟ فيه وجهان الأول: أنه خطاب للنبي عليه السلام، و الدليل عليه أن الأول و هو قوله: أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يَنْهى‏ََ`عَبْداً للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم و الثالث و هو قوله: أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلََّى [العلق: 13]للنبي عليه الصلاة و السلام فلو جعلنا الوسط لغير النبي لخرج الكلام عن النظم الحسن، يقول اللّه تعالى يا محمد: أ رأيت إن كان هذا الكافر، و لم يقل: لو كان إشارة إلى المستقبل كأنه يقول: أ رأيت إن صار على الهدى، و اشتغل بأمر نفسه، أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ذو ثروة، فلو اختار الدين و الهدى و الأمر بالتقوى، أما كان ذلك خيرا له من الكفر باللّه و النهي عن خدمته و طاعته، كأنه تعالى يقول: تلهف عليه كيف فوت على نفسه المراتب العالية و قنع بالمراتب الدنيئة.

القول الثاني: أنه خطاب للكافر، لأن اللّه تعالى كالمشاهد للظالم و المظلوم، و كالمولى الذي قام بين يديه عبدان، و كالحاكم الذي حضر عنده المدعي، و المدعى عليه فخاطب هذا مرة و هذا/مرة. فلما قال للنبي:

223

أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يَنْهى‏ََ*`عَبْداً إِذََا صَلََّى [العلق: 9]التفت بعد ذلك إلى الكافر، فقال: أ رأيت يا كافر إن كانت صلاته هدى و دعاؤه إلى اللّه أمرا بالتقوى أ تنهاه مع ذلك.

المسألة الثانية: هاهنا سؤال و هو أن المذكور في أول الآية هو الصلاة و هو قوله: أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يَنْهى‏ََ`عَبْداً إِذََا صَلََّى و المذكور هاهنا أمران، و هو قوله: أَ رَأَيْتَ إِنْ كََانَ عَلَى اَلْهُدى‏ََ في فعل الصلاة، فلم ضم إليه شيئا ثانيا، و هو قوله: أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى‏ََ ؟جوابه: من وجوه أحدها: أن الذي شق على أبي جهل من أفعال الرسول عليه الصلاة و السلام هو هذان الأمران الصلاة و الدعاء إلى اللّه، فلا جرم ذكرهما هاهنا و ثانيها: أن النبي عليه الصلاة و السلام كان لا يوجد إلا في أحد أمرين، إما في إصلاح نفسه، و ذلك بفعل الصلاة أو في إصلاح غيره، و ذلك بالأمر بالتقوى و ثالثها: أنه عليه السلام كان في صلاته على الهدى و آمرا بالتقوى، لأن كل من رآه و هو في الصلاة كان يرق قلبه فيميل إلى الإيمان، فكان فعل الصلاة دعوة بلسان الفعل، و هو أقوى من الدعوة بلسان القول. ثم قال تعالى:

و فيه قولان:

القول الأول: أنه خطاب مع الرسول عليه الصلاة و السلام، و ذلك لأن الدلائل التي ذكرها في أول هذه السورة جلية ظاهرة، و كل أحد يعلم ببديهة عقله، أن منع العبد من خدمة مولاه فعل باطل و سفه ظاهر، فإذن كل من كذب بتلك الدلائل و تولى عن خدمة مولاه بل منع غيره عن خدمة مولاه يعلم بعقله السليم أنه على الباطل، و أنه لا يفعل ذلك إلا عنادا، فلهذا قال تعالى لرسوله: أ رأيت يا محمد إن كذب هذا الكافر بتلك الدلائل الواضحة، و تولى عن خدمة خالقه، أ لم يعلم بعقله أن اللّه يرى منه هذه الأعمال القبيحة و يعلمها، أ فلا يزجره ذلك عن هذه الأعمال القبيحة و الثاني: أنه خطاب للكافر، و المعنى إن كان يا كافر محمد كاذبا أو متوليا، أ لا يعلم بأن اللّه يرى حتى ينتهي بل احتاج إلى نهيك. أما قوله:

ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: المقصود من الآية التهديد بالحشر و النشر، و المعنى أنه تعالى عالم بجميع المعلومات حكيم لا يهمل، عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء، فلا بد و أن يوصل جزاء كل أحد إليه بتمامه فيكون هذا تخويفا شديدا للعصاة، و ترغيبا عظيما لأهل الطاعة.

المسألة الثانية: هذه الآية و إن نزلت في حق أبي جهل فكل من نهى عن طاعة اللّه فهو شريك أبي جهل في هذا الوعيد، و لا يرد عليه المنع من الصلاة في الدار المغصوبة و الأوقات المكروهة، لأن المنهي عنه غير الصلاة و هو المعصية، و لا يرد المولى بمنع عبده عن قيام الليل/و صوم التطوع و زوجته عن الاعتكاف، لأن ذلك لاستيفاء مصلحته بإذن ربه لا بغضا لعبادة ربه.

224

ثم قال تعالى: كَلاََّ و فيه وجوه أحدها: أنه ردع لأبي جهل و منع له عن نهيه عن عبادة اللّه تعالى و أمره بعبادة اللات و ثانيها: كلا لن يصل أبو جهل إلى ما يقول إنه يقتل محمدا أو يطأ عنقه، بل تلميذ محمد هو الذي يقتله و يطأ صدره و ثالثها: قال مقاتل: كلا لا يعلم أن اللّه يرى و إن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بما يعلم فكأنه لا يعلم.

ثم قال تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ أي عما هو فيه: لَنَسْفَعاً بِالنََّاصِيَةِ*`نََاصِيَةٍ كََاذِبَةٍ خََاطِئَةٍ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في قوله: لَنَسْفَعاً وجوه أحدها: لنأخذن بناصيته و لنسحبنه بها إلى النار، و السفع القبض على الشي‏ء، و جذبه بشدة، و هو كقوله: فَيُؤْخَذُ بِالنَّوََاصِي وَ اَلْأَقْدََامِ [الرحمن: 41]و ثانيها: السفع الضرب، أي لنلطمن وجهه و ثالثها: لنسودن وجهه، قال الخليل: تقول للشي‏ء إذا لفحته النار لفحا يسيرا يغير لون البشرة قد سفعته النار، قال: و السفع ثلاثة أحجار يوضع عليها القدر سميت بذلك لسوادها، قال: و السفعة سواد في الخدين. و بالجملة فتسويد الوجه علامة الإذلال و الإهانة و رابعها: لنسمنه قال ابن عباس في قوله:

سَنَسِمُهُ عَلَى اَلْخُرْطُومِ [القلم: 16]إنه أبو جهل خامسها: لنذلنه.

المسألة الثانية: قرى لنسفعن بالنون المشددة، أي الفاعل لهذا الفعل هو اللّه و الملائكة، كما قال:

فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ مَوْلاََهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صََالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ [التحريم: 4]و قرأ ابن مسعود لأسعفن، أي يقول اللّه تعالى يا محمد أنا الذي أتولى إهانته، نظيره: هُوَ اَلَّذِي أَيَّدَكَ [الأنفال: 62]، هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ [الفتح: 4].

المسألة الثالثة: هذا السفع يحتمل أن يكون المراد منه إلى النار في الآخرة و أن يكون المراد منه في الدنيا، و هذا أيضا على وجوه أحدها: ما روي أن أبا جهل لما قال: إن رأيته يصلي لأطأن عنقه، فأنزل اللّه هذه السورة، و أمره جبريل عليه السلام بأن يقرأ على أبي جهل و يخر للّه ساجدا في آخرها ففعل، فعدا إليه أبو جهل ليطأ عنقه، فلما دنا منه نكص على عقبيه راجعا، فقيل له مالك؟قال: إن بيني و بينه فحلا فاغرا فاه لو مشيت إليه لالتقمني، و قيل: كان جبريل و ميكائيل عليهما السلام على كتفيه في صورة الأسد و الثاني: أن يكون المراد يوم بدر فيكون ذلك بشارة بأنه تعالى يمكن المسلمين من ناصيته حتى يجرونه إلى القتل إذا عاد إلى النهي، فلما عاد لا جرم مكنهم اللّه تعالى من ناصيته يوم بدر،

روي أنه لما نزلت سورة الرحمن علم القرآن قال عليه السلام لأصحابه من يقرؤها منكم على رؤساء قريش، فتثاقلوا مخافة أذيتهم، فقام ابن مسعود و قال: أنا يا رسول اللّه، فأجلسه عليه السلام، ثم قال: من يقرؤها عليهم فلم يقم إلا ابن مسعود، ثم ثالثا كذلك إلى أن أذن له، و كان عليه السلام يبقي عليه لما كان يعلم من ضعفه و صغر/جثته، ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة، فافتتح قراءة السورة، فقام أبو جهل فلطمه فشق أذنه و أدماه، فانصرف و عيناه تدمع، فلما رآه النبي عليه السلام رق قلبه و أطرق رأسه مغموما، فإذا جبريل عليه السلام يجي‏ء ضاحكا مستبشرا، فقال: يا جبريل تضحك و ابن مسعود يبكي!فقال: ستعلم، فلما ظهر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في المجاهدين، فأخذ يطالع القتلى فإذا أبو جهل مصروع يخور، فخاف أن تكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح على منخره من بعيد

225

فطعنه، و لعل هذا معنى قوله: سَنَسِمُهُ عَلَى اَلْخُرْطُومِ ثم لما عرف عجزه و لم يقدر أن يصعد على صدره لضعفه فارتقى إليه بحيلة، فلما رآه أبو جهل قال: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعبا، فقال ابن مسعود:

الإسلام يعلو و لا يعلى عليه، فقال أبو جهل: بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إلي منه في حياتي و لا أحد أبغض إلي منه في حال مماتي، فروي أنه عليه السلام لما سمع ذلك قال: «فرعوني أشد من فرعون موسى فإنه قال آمَنْتُ [يونس: 90]و هو قد زاد عتوا» ثم قال لابن مسعود: اقطع رأسي بسيفي هذا لأنه أحد و أقطع، فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله،

و لعل الحكيم سبحانه إنما خلقه ضعيفا لأجل أن لا يقوى على الحمل لوجوه: أحدها: أنه كلب و الكلب يجر و الثاني: لشق الأذن فيقتص الأذن بالأذن و الثالث: لتحقيق الوعيد المذكور بقوله: لَنَسْفَعاً بِالنََّاصِيَةِ فتجر تلك الرأس على مقدمها، ثم إن ابن مسعود لما لم يطقه شق أذنه و جعل الخيط فيه و جعل يجره إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و جبريل بين يديه يضحك، و يقول: يا محمد أذن بأذن لكن الرأس هاهنا مع الأذن، فهذا ما روى في مقتل أبي جهل نقلته معنى لا لفظا، الخاطئ معنى قوله: لَنَسْفَعاً بِالنََّاصِيَةِ .

المسألة الرابعة: الناصية شعر الجبهة و قد يسمى مكان الشعر الناصية، ثم إنه تعالى كنى هاهنا عن الوجه و الرأس بالناصية، و لعل السبب فيه أن أبا جهل كان شديد الاهتمام بترجيل تلك الناصية و تطييبها، و ربما كان يهتم أيضا بتسويدها فأخبره اللّه تعالى أنه يسودها مع الوجه.

المسألة الخامسة: أنه تعالى عرف الناصية بحرف التعريف كأنه تعالى يقول: الناصية المعروفة عندكم ذاتها لكنها مجهولة عندكم صفاتها ناصية و أي ناصية كاذبة قولا خاطئة فعلا، و إنما وصف بالكذب لأنه كان كاذبا على اللّه تعالى في أنه لم يرسل محمدا و كاذبا على رسوله في أنه ساحر أو كذاب أو ليس بنبي، و قيل: كذبه أنه قال: أنا أكثر أهل هذا الوادي ناديا، و وصف الناصية بأنها خاطئة لأن صاحبها متمرد على اللّه تعالى قال اللّه تعالى: لاََ يَأْكُلُهُ إِلاَّ اَلْخََاطِؤُنَ [الحاقة: 37]و الفرق بين الخاطئ و المخطئ أن الخاطئ معاقب مؤاخذ و المخطئ غير مؤاخذ، و وصف الناصية بالخاطئة الكاذبة كما وصف الوجوه بأنها ناظرة في قوله تعالى: إِلى‏ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ [القيامة: 23].

المسألة السادسة: نََاصِيَةٍ بدل من الناصية، و جاز إبدالها من المعرفة و هي نكرة، لأنها وصفت فاستقلت بفائدة.

المسألة السابعة: قرئ ناصية بالرفع و التقدير هي ناصية، و ناصية بالنصب و كلاهما على الشتم، و اعلم أن الرسول عليه السلام لما أغلظ في القول لأبي جهل و تلا عليه هذه الآيات، قال: يا محمد بمن تهددني و أني لأكثر هذا الوادي ناديا، فافتخر بجماعته الذين كانوا يأكلون حطامه، فنزل قوله تعالى:

}و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قد مر تفسير النادي عند قوله: وَ تَأْتُونَ فِي نََادِيكُمُ اَلْمُنْكَرَ [العنكبوت: 29] قال أبو عبيدة: ناديه أي أهل مجلسه، و بالجملة فالمراد من النادي أهل النادي، و لا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه‏

226

أهله، و سمي ناديا لأن القوم يندون إليه ندا و ندوة، و منه دار الندوة بمكة، و كانوا يجتمعون فيها للتشاور، و قيل: سمي ناديا لأنه مجلس الندى و الجود، ذكر ذلك على سبيل التهكم أي: اجمع أهل الكرم و الدفاع في زعمك لينصروك.

المسألة الثانية: قال أبو عبيدة و المبرد: واحد الزبانية زبنية و أصله من زبنية إذا دفعته و هو متمرد من إنس أو جن، و مثله في المعنى و التقدير عفرية يقال: فلان زبنية عفرية، و قال الأخفش: قال بعضهم واحده الزباني، و قال آخرون: الزابن، و قال آخرون: هذا من الجمع الذي لا واحد له من لفظه في لغة الغرب مثل أبابيل و عباديد و بالجملة فالمراد ملائكة العذاب، و لا شك أنهم مخصوصون بقوة شديدة. و قال مقاتل: هم خزنة جهنم أرجلهم في الأرض و رؤسهم في السماء، و قال قتادة: الزبانية هم الشرط في كلام العرب و هم الملائكة الغلاظ الشداد، و ملائكة النار سموا الزبانية لأنهم يزبنون الكفار أي يدفعونهم في جهنم.

المسألة الثالثة: في الآية قولان: الأول: أي فليفعل ما ذكره من أنه يدعو أنصاره و يستعين بهم في مباطلة محمد، فإنه لو فعل ذلك فنحن ندعو الزبانية الذين لا طاقة لناديه و قومه بهم، قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته الزبانية من ساعته معاينة، و قيل: هذا إخبار من اللّه تعالى بأنه يجر في الدنيا كالكلب و قد فعل به ذلك يوم بدر، و قيل: بل هذا إخبار بأن الزبانية يجرونه في الآخرة إلى النار القول الثاني: أن في الآية تقديما و تأخيرا أي لنسفعا بالناصية و سندع الزبانية في الآخرة، فليدع هو ناديه حينئذ فليمنعوه.

المسألة الرابعة: الفاء في قوله: فَلْيَدْعُ نََادِيَهُ تدل على المعجز، لأن هذا يكون تحريضا للكافر على دعوة ناديه و قومه، و متى فعل الكافر ذلك ترتب عليه دعوة الزبانية، فلما لم يجترئ الكافر على ذلك دل على ظهور معجزة الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم.

المسألة الخامسة: قرئ: ستدعى على المجهول، و هذه السين ليست للشك‏ (1) فإن عسى/من اللّه واجب الوقوع، و خصوصا عند بشارة الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم بأن ينتقم له من عدوه، و لعل فائدة السين هو المراد من‏

قوله عليه السلام: «لأنصرنك و لو بعد حين» .

ثم قال: كَلاََّ و هو ردع لأبي جهل، و قيل: معناه لن يصل إلى ما يتصلف به من أنه يدعو ناديه و لئن دعاهم لن ينفعوه و لن ينصروه، و هو أذل و أحقر من أن يقاومك، و يحتمل: لن ينال ما يتمنى من طاعتك له حين نهاك عن الصلاة، و قيل معناه: ألا لا تطعه.

ثم قال: لاََ تُطِعْهُ و هو كقوله: فَلاََ تُطِعِ اَلْمُكَذِّبِينَ [القلم: 8]، وَ اُسْجُدْ و عند أكثر أهل التأويل أراد به صل و توفر على عبادة اللّه تعالى فعلا و إبلاغا، و ليقل فكرك في هذا العدو فإن اللّه مقويك و ناصرك، و قال بعضهم: بل المراد الخضوع، و قال آخرون: بل المراد نفس السجود في الصلاة.

ثم قال: وَ اِقْتَرِبْ و المراد و ابتغ بسجودك قرب المنزلة من ربك، و

في الحديث: «أقرب ما يكون العبد

____________

(1) السين من معانيها التأكيد للوعد و الوعيد، نحو قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اَللََّهُ و نحو سأنتقم منك، و لم أقل على أنها للشك و لعل الإمام أراد التأكيد بنفي مقابله و هو الشك. لأن أبا جهل كان شاكا في الآخرة.

227

من ربه إذا سجد»

و قال بعضهم المراد: اسجد يا محمد، و اقترب يا أبا جهل منه حتى تبصر ما ينالك من أخذ الزبانية إياك، فكأنه تعالى أمره بالسجود ليزداد غيظ الكافر، كقوله: لِيَغِيظَ بِهِمُ اَلْكُفََّارَ [الفتح: 29]و السبب الموجب لازدياد الغيظ هو أن الكفار كان يمنعه من القيام، فيكون غيظه و غضبه عند مشاهدة السجود أتم، ثم قال عند ذلك و اقترب منه يا أبا جهل وضع قدمك عليه، فإن الرجل ساجد مشغول بنفسه، و هذا تهكم به و استحقار لشأنه، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

228

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة القدر

(خمس آيات مكية)

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أجمع المفسرون على أن المراد: إنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، و لكنه تعالى ترك التصريح بالذكر، لأن هذا التركيب يدل على عظم القرآن من ثلاثة أوجه أحدها: أنه أسند إنزاله إليه و جعله مختصا به دون غيره و الثاني: أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة و الاستغناء عن التصريح، ألا ترى أنه في السورة المتقدمة لم يذكر اسم أبي جهل و لم يخف على أحد لاشتهاره، و قوله: فَلَوْ لاََ إِذََا بَلَغَتِ اَلْحُلْقُومَ [الواقعة: 83]لم يذكر الموت لشهرته، فكذا هاهنا و الثالث: تعظيم الوقت الذي أنزل فيه.

المسألة الثانية: أنه تعالى قال في بعض المواضع: إِنِّي* كقوله: إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30]و في بعض المواضع‏ إِنََّا* كقوله: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ . إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ [الحجر: 9]، إِنََّا أَرْسَلْنََا نُوحاً [نوح: 1]، إِنََّا أَعْطَيْنََاكَ اَلْكَوْثَرَ [الكوثر: 1]. و اعلم أن قوله: إِنََّا* تارة يراد به التعظيم، و حمله على الجمع محال لأن الدلائل دلت على وحدة الصانع، و لأنه لو كان في الآلهة كثرة لانحطت رتبة كل واحد منهم عن الإلهية، لأنه لو كان كل واحد منهم قادرا على الكمال لاستغنى بكل واحد منهم عن كل واحد منهم، و كونه مستغنى عنه نقص في حقه فيكون الكل ناقصا، و إن لم يكن كل واحد منهم قادرا على الكمال كان ناقصا، فعلمنا أن قوله: إِنََّا محمول على التعظيم لا على الجمع.

المسألة الثالثة: إن قيل: ما معنى إنه أنزل في ليلة القدر، مع العلم بأنه أنزل نجوما؟ قلنا فيه وجوه:

أحدهما: قال الشعبي: ابتدأ إنزاله ليلة القدر لأن البعث كان في رمضان و الثاني: قال ابن عباس: أنزل إلى سماء الدنيا جملة ليلة القدر، ثم إلى الأرض نجوما، كما قال: فَلاََ أُقْسِمُ بِمَوََاقِعِ اَلنُّجُومِ [الواقعة: 75]و قد ذكرنا هذه المسألة في قوله: شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ [البقرة: 185]لا يقال: فعلى هذا القول لم لم يقل: أنزلناه إلى السماء؟لأن إطلاقه يوهم الإنزال إلى الأرض، لأنا نقول: إن إنزاله إلى السماء كإنزاله إلى الأرض، لأنه لم يكن ليشرع في أمر ثم لا يتمه، و هو كغائب جاء إلى نواحي البلد/يقال: جاء فلان، أو يقال الغرض من تقريبه و إنزاله إلى سماء الدنيا أن يشوقهم إلى نزوله كمن يسمع الخبر بمجي‏ء منشور لوالده أو أمه، فإنه يزداد شوقه إلى مطالعته كما قال:

229

و أبرح ما يكون الشوق يوما # إذا دنت الديار من الديار

و هذا لأن السماء كالمشترك بيننا و بين الملائكة، فهي لهم مسكن و لنا سقف و زينة، كما قال: وَ جَعَلْنَا اَلسَّمََاءَ سَقْفاً [الأنبياء: 32]فإنزاله القرآن هناك كإنزاله هاهنا و الوجه الثالث في الجواب: أن التقدير أنزلنا هذا الذكر في ليلة القدر أي في فضيلة ليلة القدر و بيان شرفها.

المسألة الرابعة: القدر مصدر قدرت أقدر قدرا، و المراد به ما يمضيه اللّه من الأمور، قال: إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]و القدر، و القدر واحد إلا أنه بالتسكين مصدر و بالفتح اسم، قال الواحدي: القدر في اللغة بمعنى التقدير، و هو جعل الشي‏ء على مساواة غيره من غير زيادة و لا نقصان، و اختلفوا في أنه لم سميت هذه الليلة ليلة القدر، على وجوه أحدهما: أنها ليلة تقدير الأمور و الأحكام، قال عطاء، عن ابن عباس:

أن اللّه قدر ما يكون في كل تلك السنة من مطر و رزق و إحياء و إماتة إلى مثل هذه الليلة من السنة الآتية، و نظيره قوله تعالى: فِيهََا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: 4]و اعلم أن تقدير اللّه لا يحدث في تلك الليلة، فإنه تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات و الأرض في الأزل، بل المراد إظهار تلك الليلة المقادير للملائكة في تلك الليلة بأن يكتبها في اللوح المحفوظ، و هذا القول اختيار عامة العلماء الثاني: نقل عن الزهري أنه قال: ليلة القدر ليلة العظمة و الشرف من قولهم لفلان قدر عند فلان، أي منزلة و شرف، و يدل عليه قوله: لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر: 3]ثم هذا يحتمل وجهين أحدهما: أن يرجع ذلك إلى الفاعل أي من أتى فيها بالطاعات صار ذا قدر و شرف و ثانيهما: إلى الفعل أي الطاعات لها في تلك الليلة قدر زائد و شرف زائد، و عن أبي بكر الوراق سميت ليلة القدر لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، على لسان ملك ذي قدر، على أمة لها قدر، و لعل اللّه تعالى إنما ذكر لفظة القدر في هذه السورة ثلاث مرات لهذا السبب.

و القول الثالث: ليلة القدر، أي الضيق فإن الأرض تضيق عن الملائكة.

المسألة الخامسة: أنه تعالى أخفى هذه الليلة لوجوه أحدها: أنه تعالى أخفاها، كما أخفى سائر الأشياء، فإنه أخفى رضاه في الطاعات، حتى يرغبوا في الكل، و أخفى غضبه في المعاصي ليحترزوا عن الكل، و أخفى وليه فيما بين الناس حتى يعظموا الكل، و أخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا في كل الدعوات، و أخفى الاسم الأعظم ليعظموا كل الأسماء، و أخفى في الصلاة الوسطى ليحافظوا على الكل، و أخفى قبول التوبة ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة، و أخفى وقت الموت ليخاف المكلف، فكذا أخفى هذه الليلة ليعظموا جميع ليالي رمضان و ثانيها: كأنه تعالى يقول: لو عينت ليلة القدر، و أنا عالم بتجاسركم على المعصية، فربما دعتك الشهوة في/تلك الليلة إلى المعصية، فوقعت في الذنب، فكانت معصيتك مع علمك أشد من معصيتك لا مع علمك، فلهذا السبب أخفيتها عليك،

روي أنه عليه السلام دخل المسجد فرأى نائما، فقال: يا علي نبهه ليتوضأ، فأيقظه علي، ثم قال علي: يا رسول اللّه إنك سباق إلى الخيرات، فلم لم تنبهه؟قال: لأن رده عليك ليس بكفر، ففعلت ذلك لتخف جنايته لو أبى،

فإذا كان هذا رحمة الرسول، فقس عليه رحمة الرب تعالى، فكأنه تعالى يقول: إذا علمت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر، و إن عصيت فيها اكتسب عقاب ألف شهر، و دفع العقاب أولى من جلب الثواب و ثالثها: أني أخفيت هذه الليلة حتى يجتهد المكلف في طلبها، فيكتسب ثواب الاجتهاد و رابعها: أن العبد إذا لم يتيقن ليلة القدر، فإنه يجتهد في الطاعة في جميع ليالي‏

230

رمضان، على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر، فيباهي اللّه تعالى بهم ملائكته، و يقول: كنتم تقولون فيهم يفسدون و يسفكون الدماء فهذا جده و اجتهاده في الليلة المظنونة، فكيف لو جعلتها معلومة له!فحينئذ يظهر سر قوله: إِنِّي أَعْلَمُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ [البقرة: 30].

المسألة السادسة: اختلفوا في أن هذه الليلة هل تستتبع اليوم؟ قال الشعبي: نعم يومها كليلتها، و لعل الوجه فيه أن ذكر الليالي يستتبع الأيام، و منه إذا نذر اعتكاف ليلتين ألزمناه بيوميهما قال تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ خِلْفَةً [الفرقان: 62]أي اليوم يخلف ليلته و بالضد.

المسألة السابعة: هذه الليلة هل هي باقية؟ قال الخليل: من قال إن فضلها لنزول القرآن فيها يقول انقطعت و كانت مرة، و الجمهور على أنها باقية، و على هذا هل هي مختصة برمضان أم لا؟روي عن ابن مسعود أنه قال:

من يقم الحول يصبها، و فسرها عكرمة بليلة البراءة في قوله: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبََارَكَةٍ [الدخان: 3] و الجمهور على أنها مختصة برمضان و احتجوا عليه بقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ [البقرة: 185]و قال: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ فوجب أن تكون ليلة القدر في رمضان لئلا يلزم التناقض، و على هذا القول اختلفوا في تعيينها على ثمانية أقوال، فقال ابن رزين: ليلة القدر هي الليلة الأولى من رمضان، و قال الحسن البصري: السابعة عشرة، و عن أنس مرفوعا التاسعة عشرة، و قال محمد بن إسحاق: الحادية و العشرون. و عن ابن عباس الثالثة و العشرون، و قال ابن مسعود: الرابعة و العشرون، و قال أبو ذر الغفاري:

الخامسة و العشرون، و قال أبي بن كعب و جماعة من الصحابة: السابعة و العشرون، و قال بعضهم: التاسعة و العشرون. أما الذين قالوا: إنها الليلة الأولى‏[فقد]قالوا: روى وهب أن صحف إبراهيم أنزلت في الليلة الأولى من رمضان و التوراة لست ليال مضين من رمضان بعد صحف إبراهيم بسبعمائة سنة، و أنزل الزبور على داود لثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان بعد التوراة بخمسمائة عام و أنزل الإنجيل على عيسى لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان بعد الزبور بستمائة عام و عشرين عاما، و كان القرآن ينزل على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في كل ليلة قدر من السنة إلى السنة كان جبريل عليه السلام ينزل به من بيت العزة من السماء/السابعة إلى سماء الدنيا، فأنزل اللّه تعالى القرآن في عشرين شهرا في عشرين سنة، فلما كان هذا الشهر هو الشهر الذي حصلت فيه هذه الخيرات العظيمة، لا جرم كان في غاية الشرف و القدر و الرتبة فكانت الليلة الأولى منه ليلة القدر، و أما الحسن البصري فإنه قال: هي ليلة سبعة عشر، لأنها ليلة كانت صبيحتها وقعة بدر، و أما التاسعة عشرة فقد روى أنس فيها خبرا، و أما ليلة السابع و العشرين فقد مال الشافعي إليه لحديث الماء و الطين، و الذي عليه المعظم أنها ليلة السابع و العشرين، و ذكروا فيه أمارات ضعيفة أحدها: حديث ابن عباس أن السورة ثلاثون كلمة، و قوله: هِيَ هي السابعة و العشرون منها و ثانيها: روي أن عمر سأل الصحابة ثم قال لابن عباس: غص يا غواص فقال زيد بن ثابت: أحضرت أولاد المهاجرين و ما أحضرت أولادنا فقال عمر: لعلك تقول: إن هذا غلام، و لكن عنده ما ليس عندكم. فقال ابن عباس: أحب الأعداد إلى اللّه تعالى الوتر أحب الوتر إليه السبعة، فذكر السموات السبع و الأرضين السبع و الأسبوع و دركات النار و عدد الطواف و الأعضاء السبعة، فدل على أنها السابعة و العشرون و ثالثها: نقل أيضا عن ابن عباس، أنه قال: ليلة القدر تسعة أحرف، و هو مذكور ثلاث مرات فتكون السابعة و العشرين و رابعها: أنه كان لعثمان بن أبي العاص غلام، فقال: يا مولاي إن البحر يعذب ماؤه ليلة من الشهر،

231

قال: إذا كانت تلك الليلة، فأعلمني فإذا هي السابعة و العشرون من رمضان. و أما من قال: إنها الليلة الاخيرة قال: لأنها هي الليلة التي تتم فيها طاعات هذا الشهر، بل أول رمضان كآدم و آخره كمحمد، و لذلك‏

روي في الحديث «يعتق في آخر رمضان بعدد ما أعتق من أول الشهر» ،

بل الليلة الأولى كمن ولد له ذكر، فهي ليلة شكر، و الأخيرة ليلة الفراق، كمن مات له ولد، فهي ليلة صبر، و قد علمت فرق ما بين الصبر و الشكر. ثم قال تعالى:

يعني و لم تبلغ درايتك غاية فضلها و منتهى علو قدرها، ثم إنه تعالى بين فضيلتها من ثلاثة أوجه: الأول:

قوله تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في تفسير الآية وجوه أحدها: أن العبادة فيها خير من ألف شهر ليس فيها هذه الليلة، لأنه كالمستحيل أن يقال إنها: خير من ألف شهر فيها هذه الليلة، و إنما كان كذلك لما يزيد اللّه فيها من المنافع و الأرزاق و أنواع الخير و ثانيها: قال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد حتى يمسي فعل ذلك ألف شهر، فتعجب رسول اللّه صلى الله عليه و سلّم و المسلمون من ذلك، فأنزل اللّه هذه الآية، أي ليلة القدر لأمتك خير من ألف شهر لذلك الإسرائيلي الذي حمل السلاح ألف شهر و ثالثها:

قال مالك بن أنس: أري /رسول اللّه صلى الله عليه و و سلّم أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته، و خاف أن لا يبلغوا من الأعمال مثل ما بلغه سائر الأمم، فأعطاه اللّه ليلة القدر و هي خير من ألف شهر لسائر الأمم‏

و رابعها:

روى القاسم بن فضل عن عيسى بن مازن، قال: قلت للحسن بن علي عليه السلام يا مسود وجوه المؤمنين عمدت إلى هذا الرجل فبايعت له يعني معاوية، فقال: إن رسول اللّه صلى الله عليه و سلّم، رأى في منامه بني أمية يطؤن منبره واحدا بعد واحد، و في رواية ينزون على منبره نزو القردة، فشق ذلك عليه فأنزل اللّه تعالى: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ إلى قوله: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يعني ملك بني أمية قال القاسم فحسبنا ملك بني أمية، فإذا هو ألف شهر.

طعن القاضي في هذه الوجوه فقال: ما ذكر من ألف شهر في أيام بني أمية بعيد، لأنه تعالى لا يذكر فضلها بذكر ألف شهر مذمومة، و أيام بني أمية كانت مذمومة.

و اعلم أن هذا الطعن ضعيف، و ذلك لأن أيام بني أمية كانت أياما عظيمة بحسب السعادات الدنيوية، فلا يمتنع أن يقول اللّه تعالى إني: أعطيتك ليلة هي في السعادات الدينية أفضل من تلك السعادات الدنيوية.

المسألة الثانية: هذه الآية فيها بشارة عظيمة و فيها تهديد عظيم، أما البشارة فهي أنه تعالى ذكر أن هذه الليلة خير، و لم يبين قدر الخيرية، و هذا

كقوله عليه السلام لمبارزة علي عليه السلام مع عمرو بن عبد ود[العامري‏] «أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة» ،

فلم يقل مثل عمله بل قال: أفضل كأنه يقول: حسبك هذا من الوزن و الباقي جزاف. ـ

232

و اعلم أن من أحياها فكأنما عبد اللّه تعالى نيفا و ثمانين سنة، و من أحياها كل سنة فكأنه رزق أعمارا كثيرة، و من أحيا الشهر لينالها بيقين فكأنه أحيا ثلاثين قدرا، يروى أنه يجاء يوم القيامة بالإسرائيلي الذي عبد اللّه أربعمائة سنة، و يجاء برجل من هذه الأمة، و قد عبد اللّه أربعين سنة فيكون ثوابه أكثر، فيقول الإسرائيلي:

أنت العدل، و أرى ثوابه أكثر، فيقول: لأنكم كنتم تخافون العقوبة المعجلة فتعبدون، و أمة محمد كانوا آمنين لقوله: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33]ثم إنهم كانوا يعبدون، فلهذا السبب كانت عبادتهم أكثر ثوابا، و أما التهديد فهو أنه تعالى توعد صاحب الكبيرة بالدخول في النار، و أن إحياء مائة ليلة من القدر لا يخلصه عن ذلك العذاب المستحق بتطفيف حبة واحدة، فلهذا فيه إشارة إلى تعظيم حال الذنب و المعصية.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: صح عن رسول اللّه صلى الله عليه و سلم‏

أنه قال: «أجرك على قدر نصبك»

و من المعلوم أن الطاعة في ألف شهر أشق من الطاعة في ليلة واحدة، فكيف يعقل استواؤهما؟و الجواب: من وجوه:

أحدها: أن الفعل الواحد قد يختلف حاله في الحسن و القبح بسبب اختلاف الوجوه المنضمة إليه، أ لا ترى أن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بكذا درجة، مع أن الصورة قد تنتقض فإن المسبوق سقطت عنه ركعة واحدة، و أيضا/فأنت تقول لمن يرجم: إنه إنما يرجم لأنه زان فهو قول حسن، و لو قلته للنصراني فقذف يوجب التعزيز، و لو قلته للمحصن فهو يوجب الحد، فقد اختلفت الأحكام في هذه المواضع، مع أن الصورة واحدة في الكل، بل لو قلته في حق عائشة كان كفرا، و لذلك قال: وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اَللََّهِ عَظِيمٌ [النور: 15]و ذلك لأن هذا طعن في حق عائشة التي كانت رحلة في العلم،

لقوله عليه السلام: «خذوا ثلثي دينكم من هذه الحميراء»

و طعن في صفوان مع أنه كان رجلا بدريا، و طعن في كافة المؤمنين لأنها أم المؤمنين، و للولد حق المطالبة بقذف الأم و إن كان كافرا، بل طعن في النبي الذي كان أشد خلق اللّه غيرة، بل طعن في حكمة اللّه إذ لا يجوز أن يتركه حتى يتزوج بامرأة زانية، ثم القائل بقوله: هذا زان، فقد ظن أن هذه اللفظة سهلة مع أنها أثقل من الجبال، فقد ثبت بهذا أن الأفعال تختلف آثارها في الثواب و العقاب لاختلاف وجوهها، فلا يبعد أن تكون الطاعة القليلة في الصورة مساوية في الثواب للطاعات الكثيرة و الوجه الثاني: في الجواب أن مقصود الحكيم سبحانه أن يجر الخلق إلى الطاعات فتارة يجعل ثمن الطاعة ضعفين، فقال: فَإِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً*`إِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً [الشرح: 5، 6]و مرة عشرا، و مرة سبعمائة، و تارة بحسب الأزمنة، و تارة بحسب الأمكنة، و المقصود الأصلي من الكل جر المكلف إلى الطاعة و صرفه عن الاشتغال بالدنيا، فتارة يرجح البيت و زمزم على سائر البلاد، و تارة يفضل رمضان على سائر الشهور، و تارة يفضل الجمعة على سائر الأيام، و تارة يفضل ليلة القدر على سائر الليالي، و المقصود ما ذكرناه الوجه الثاني: من فضائل هذه الليلة.

قوله تعالى: تَنَزَّلُ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ فِيهََا و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن نظر الملائكة على الأرواح، و نظر البشر على الأشباح، ثم إن الملائكة لما رأوا روحك محلا للصفات الذميمة من الشهوة و الغضب ما قبلوك فقالوا: أ تجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء، و أبواك لما رأوا قبح صورتك في أول الأمر حين كنت منيا و علقة ما قبلوك أيضا، بل أظهروا النفرة، و استقذروا

233

ذلك المني و العلقة، و غسلوا ثيابهم عنه، ثم كم احتالوا للإسقاط و الإبطال، ثم إنه تعالى لما أعطاك الصورة الحسنة فالأبوان لما رأوا تلك الصورة الحسنة قبلوك و مالوا إليك، فكذا الملائكة لما رأوا في روحك الصورة الحسنة و هي معرفة اللّه و طاعته أحبوك فنزلوا إليك معتذرين عما قالوه أولا، فهذا هو المراد من قوله: تَنَزَّلُ اَلْمَلاََئِكَةُ فإذا نزلوا إليك رأوا روحك في ظلمة ليل البدن، و ظلمة القوى الجسمانية فحينئذ يعتذرون عما تقدم و يستغفرون للذين آمنوا.

المسألة الثانية: أن قوله تعالى: تَنَزَّلُ اَلْمَلاََئِكَةُ يقتضي ظاهره نزول كل الملائكة، ثم الملائكة لهم كثرة عظيمة لا تحتمل كلهم الأرض، فلهذا السبب اختلفوا فقال بعضهم: إنها تنزل بأسرها إلى السماء الدنيا، فإن قيل الإشكال بعد باق لأن السماء مملوءة بحيث لا يوجد فيها موضع إهاب إلا و فيه ملك، فكيف تسع الجميع سماء واحدة؟قلنا: يقضي بعموم الكتاب على خبر الواحد، كيف و المروي إنهم ينزلون فوجا فوجا فمن نازل و صاعد كأهل الحج فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة بالكلية لكن الناس بين داخل و خارج، و لهذا السبب مدت إلى غاية طلوع الفجر فلذلك ذكر بلفظ: تَنَزَّلُ الذي يفيد المرة بعد المرة.

و القول الثاني: و هو اختيار الأكثرين أنهم ينزلون إلى الأرض و هو الأوجه، لأن الغرض هو الترغيب في إحياء هذه الليلة، و لأنه دلت الأحاديث على أن الملائكة ينزلون في سائر الأيام إلى مجالس الذكر و الدين، فلأن يحصل ذلك في هذه الليلة مع علو شأنها أولى، و لأن النزول المطلق لا يفيد إلا النزول من السماء إلى الأرض، ثم اختلف من قال: ينزلون إلى الأرض على وجوه: أحدها: قال بعضهم: ينزلون ليروا عبادة البشر وجدهم و اجتهادهم في الطاعة و ثانيها: أن الملائكة قالوا: وَ مََا نَتَنَزَّلُ إِلاََّ بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم: 64]فهذا يدل على أنهم كانوا مأمورين بذلك النزولى فلا يدل على غاية المحبة.

و أما هذه الآية و هو قوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ فإنها تدل على أنهم استأذنوا أولا فأذنوا، و ذلك يدل على غاية المحبة، لأنهم كانوا يرغبون إلينا و يتمنون لقاءنا لكن كانوا ينتظرون الإذن، فإن قيل قوله: وَ إِنََّا لَنَحْنُ اَلصَّافُّونَ [الصافات: 165]ينافي قوله: تَنَزَّلُ اَلْمَلاََئِكَةُ قلنا نصرف الحالتين إلى زمانين مختلفين و ثالثها: أنه تعالى وعد في الآخرة أن الملائكة: يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ*`سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23، 24]فههنا في الدنيا إن اشتغلت بعبادتي نزلت الملائكة عليك حتى يدخلوا عليك للتسلم و الزيارة،

روي عن علي عليه السلام: «أنهم ينزلون ليسلموا علينا و ليشفعوا لنا فمن أصابته التسليمة غفر له ذنبه»

و رابعها: أن اللّه تعالى جعل فضيلة هذه الليلة في الاشتغال بطاعته في الأرض فهم ينزلون إلى الأرض لتصير طاعاتهم أكثر ثوابا، كما أن الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعته هناك أكثر ثوابا، و كل ذلك ترغيب للإنسان في الطاعة و خامسها: أن الإنسان يأتي بالطاعات و الخيرات عند حضور الأكابر من العلماء و الزهاد أحسن مما يكون في الخلوة، فاللّه تعالى أنزل الملائكة المقربين حتى إن المكلف يعلم أنه إنما يأتي بالطاعات في حضور أولئك العلماء العباد الزهاد فيكون أتم و عن النقصان أبعد و سادسها: أن من الناس من خص لفظ الملائكة ببعض فرق الملائكة، عن كعب أن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة مما يلي الجنة، فهي على حد هواء الدنيا و هواء الآخرة، و ساقها في الجنة و أغصانها تحت الكرسي فيها ملائكة لا يعلم عددهم إلا اللّه يعبدون اللّه و مقام جبريل في وسطها، ليس فيها ملك إلا و قد أعطى الرأفة و الرحمة للمؤمنين ينزلون مع جبريل ليلة القدر، فلا تبقى بقعة من الأرض إلا و عليها ملك‏

234

ساجد أو قائم يدعو للمؤمنين و المؤمنات، و جبريل لا يدع أحدا من الناس إلا صافحهم، و علامة ذلك من اقشعر جلده/ورق قلبه و دمعت عيناه، فإن ذلك من مصافحة جبريل عليه السلام، من قال فيها ثلاث مرات: لا إله إلا اللّه غفر له بواحدة، و نجاه من النار بواحدة، و أدخله الجنة بواحدة، و أول من يصعد جبريل حتى يصير أمام الشمس فيبسط جناحين أخضرين لا ينشرهما إلا تلك الساعة من يوم تلك الليلة ثم يدعو ملكا ملكا، فيصعد الكل و يجتمع نور الملائكة و نور جناح جبريل عليه السلام، فيقيم جبريل و من معه من الملائكة بين الشمس و سماء الدنيا يومهم ذلك مشغولين بالدعاء و الرحمة و الاستغفار للمؤمنين، و لمن صام رمضان احتسابا، فإذا أمسوا دخلوا سماء الدنيا فيجلسون حلقا حلقا فتجمع إليهم ملائكة السماء فيسألونهم عن رجل رجل و عن امرأة امرأة، حتى يقولوا: ما فعل فلان و كيف وجدتموه؟فيقولون: وجدناه عام أول متعبدا، و في هذا العام مبتدعا، و فلان كان عام أول مبتدعا، و هذا العام متعبدا، فيكفون عن الدعاء للأول، و يشتغلون بالدعاء للثاني، و وجدنا فلانا تاليا، و فلانا راكعا، و فلانا ساجدا، فهم كذلك يومهم و ليلتهم حتى يصعدوا السماء الثانية و هكذا يفعلون في كل سماء حتى ينتهوا إلى السدرة فتقول لهم السدرة: يا سكاني حدثوني عن الناس فإن لي عليكم حقا، و إني أحب من أحب اللّه، فذكر كعب أنهم يعدون لها الرجل و المرأة بأسمائهم و أسماء آبائهم، ثم يصل ذلك الخبر إلى الجنة، فتقول الجنة: اللهم عجلهم إلي، و الملائكة، و أهل السدرة يقولون: آمين آمين، إذا عرفت هذا فنقول، كلما كان الجمع أعظم، كان نزول الرحمة هناك أكثر، و لذلك فإن أعظم الجموع في موقف الحج، لا جرم كان نزول الرحمة هناك أكثر، فكذا في ليلة القدر يحصل مجمع الملائكة المقربين، فلا جرم كان نزول الرحمة أكثر.

المسألة الثالثة: ذكروا في الروح أقوالا أحدها: أنه ملك عظيم، لو التقم السموات و الأرضين كان ذلك له لقمة واحدة و ثانيها: طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا ليلة القدر، كالزهاد الذين لا نراهم إلا يوم العيد و ثالثها: خلق من خلق اللّه يأكلون و يلبسون ليسوا من الملائكة، و لا من الإنس، و لعلهم خدم أهل الجنة و رابعها: يحتمل أنه عيسى عليه السلام لأنه اسمه، ثم إنه ينزل في مواقفة الملائكة ليطلع على أمة محمد و خامسها: أنه القرآن: وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا [الشورى: 52]و سادسها: الرحمة قرئ: لاََ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ [يوسف: 87]بالرفع كأنه تعالى يقول: الملائكة ينزلون رحمتي تنزل في أثرهم فيجدون سعادة الدنيا و سعادة الآخرة و سابعها: الروح أشرف الملائكة و ثامنها: عن أبي نجيح الروح هم الحفظة و الكرام الكاتبون فصاحب اليمين يكتب إتيانه بالواجب، و صاحب الشمال يكتب تركه للقبيح، و الأصح أن الروح هاهنا جبريل و تخصيصه بالذكر لزيادة شرفه كأنه تعالى يقول الملائكة في كفة و الروح في كفة.

أما قوله تعالى: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ المسألة الأولى‏ فقد ذكرنا أن هذا يدل على أنهم كانوا مشتاقين إلينا، فإن/قيل: كيف يرغبون إلينا مع علمهم بكثرة معاصينا؟قلنا: إنهم لا يقفون على تفصيل المعاصي روي أنهم يطالعون اللوح، فيرون فيه طاعة المكلف مفصلة، فإذا وصلوا إلى معاصيه أرخى الستر فلا ترونها، فحينئذ يقول: سبحان من أظهر الجميل، و ستر على القبيح، ثم قد ذكرنا فوائد في نزولهم و نذكر الآن فوائد أخرى و حاصلها أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات أشياء ما رأوها في عالم السماوات أحدها: أن الأغنياء يجيئون بالطعام من بيوتهم فيجعلونه ضيافة للفقراء و الفقراء يأكلون طعام الأغنياء و يعبدون اللّه، و هذا نوع من الطاعة لا يوجد في السموات و ثانيها: أنهم يسمعون أنين العصاة و هذا لا يوجد في السماوات و ثالثها:

أنه تعالى قال: «لأنين المذنبين أحب‏

235

إلي من زجل المسبحين»

فقالوا: تعالوا نذهب إلى الأرض فنسمع صوتا هو أحب إلى ربنا من صوت تسبيحنا، و كيف لا يكون أحب و زجل المسبحين إظهار لكمال حال المطيعين، و أنين العصاة إظهار لغفارية رب الأرض و السموات‏[و هذه هي المسألة الأولى‏] (1) .

المسألة الثانية: هذه الآية دالة على عصمة الملائكة و نظيرها قوله: وَ مََا نَتَنَزَّلُ إِلاََّ بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم: 64]و قوله: لاََ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [الأنبياء: 27]و فيها دقيقة و هي أنه تعالى لم يقل: مأذونين بل قال:

بإذن ربهم و هو إشارة إلى أنهم لا يتصرفون تصرفا ما إلا بإذنه، و من ذلك قول الرجل لامرأته إن خرجت إلا بإذني، فإنه يعتبر الإذن في كل خرجة.

المسألة الثالثة: قوله: رَبِّهِمْ يفيد تعظيما للملائكة و تحقيرا للعصاة، كأنه تعالى قال: كانوا لي فكنت لهم، و نظيره في حقنا: إِنَّ رَبَّكُمُ اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ* [الأعراف: 54]و قال لمحمد عليه السلام: وَ إِذْ قََالَ رَبُّكَ* [البقرة: 30]و نظيره ما

روي أن داود لما مرض مرض الموت قال: إلهي كن لسليمان كما كنت لي، فنزل الوحي و قال: قل لسليمان فليكن لي كما كنت لي،

و

روي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه فقد الضيف أياما فخرج بالسفرة ليلتمس ضيفا فإذا بخيمة، فنادى أ تريدون الضيف؟فقيل: نعم، فقال للمضيف: أ يوجد عندك إدام لبن أو عسل؟فرفع الرجل صخرتين فضرب إحداهما بالأخرى فانشقا فخرج من إحداهما اللبن و من الأخرى العسل، فتعجب إبراهيم و قال: إلهي أنا خليلك و لم أجد مثل ذلك الإكرام، فماله؟ فنزل الوحي يا خليلي كان لنا فكنا له.

أما قوله تعالى: مِنْ كُلِّ أَمْرٍ فمعناه تنزل الملائكة و الروح فيها من أجل كل أمر، و المعنى أن كل واحد منهم إنما نزل لمهم آخر، ثم ذكروا فيه وجوها أحدها: أنهم كانوا في أشغال كثيرة فبعضهم للركوع و بعضهم للسجود، و بعضهم بالدعاء، و كذا القول في التفكر و التعليم، و إبلاغ الوحي، و بعضهم لإدراك فضيلة الليلة أو ليسلموا على المؤمنين و ثانيها: و هو قول الأكثرين/من أجل كل أمر قدر في تلك السنة من خير أو شر، و فيه إشارة إلى أن نزولهم إنما كان عبادة، فكأنهم قالوا: ما نزلنا إلى الأرض لهوى أنفسنا، لكن لأجل كل أمر فيه مصلحة المكلفين، و عم لفظ الأمر ليعم خير الدنيا و الآخرة بيانا منه أنهم ينزلون بما هو صلاح المكلف في دينه و دنياه كأن السائل يقول: من أين جئت؟فيقول: مالك و هذا الفضول، و لكن قل: لأي أمر جئت لأنه حظك و ثالثها: قرأ بعضهم: من كل امرى أي من أجل كل إنسان، و

روي أنهم لا يلقون مؤمنا و لا مؤمنة إلا سلموا عليه،

قيل: أ ليس أنه‏

قد روي أنه تقسم الآجال و الأرزاق ليلة النصف من شعبان،

و الآن تقولون: إن ذلك يكون ليلة القدر؟قلنا:

عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إن اللّه يقدر المقادير في ليلة البراءة، فإذا كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها»

و قيل: يقدر ليلة البراءة الآجال و الأرزاق، و ليلة القدر يقدر الأمور التي فيها الخير و البركة و السلامة، و قيل: يقدر في ليلة القدر ما يتعلق به إعزاز الدين، و ما فيه النفع العظيم للمسلمين، و أما ليلة البراءة فيكتب فيها أسماء من يموت و يسلم إلى ملك الموت. من فضائل هذه الليلة قوله تعالى:

____________

(1) ما بين القوسين المربعين زيادة دعا إليها عدم ترجمة المؤلف المسألة الأولى، أو لعلها قد سقطت من الناسخ.

236

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في قوله سلام وجوه أحدها: أن ليلة القدر، إلى طلوع الفجر سلام أي تسلم الملائكة على المطيعين، و ذلك لأن الملائكة ينزلون فوجا فوجا من ابتداء الليل إلى طلوع الفجر فترادف النزول لكثرة السلام و ثانيها: وصفت الليلة بأنها سلام، ثم يجب أن لا يستحقر هذا السلام لأن سبعة من الملائكة سلموا على الخليل في قصة العجل الحنيذ، فازداد فرحه بذلك على فرحه بملك الدنيا، بل الخليل لما سلم الملائكة عليه صار نار نمروذ عليه بردا و سلاما أ فلا تصير ناره تعالى ببركة تسليم الملائكة علينا بردا و سلاما لكن ضيافة الخليل لهم كانت عجلا مشويا و هم يريدون منا قلبا مشويا، بل فيه دقيقة، و هي إظهار فضل هذه الأمة، فإن هناك الملائكة، نزلوا على الخليل، و هاهنا نزلوا على أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم و ثالثها: أنه سلام من الشرور و الآفات، أي سلامة و هذا كما يقال: إنما فلان حج و غزو أي هو أبدا مشغول بهما، و مثله:

«فإنما هي إقبال و إدبار» .

و قالوا تنزل الملائكة و الروح في ليلة القدر بالخيرات و السعادات و لا ينزل فيها من تقدير المضار شي‏ء فما ينزل في هذه الليلة فهو سلام، أي سلامة و نفع و خير و رابعها: قال أبو مسلم: سلام أي الليلة سالمة عن الرياح و الأذى و الصواعق إلى ما شابه ذلك و خامسها: سلام لا يستطيع الشيطان فيها سوءا و سادسها: أن الوقف عند قوله: مِنْ كُلِّ أَمْرٍ`سَلاََمٌ فيتصل السلام بما قبله و معناه أن تقدير الخير و البركة و السلامة يدوم إلى طلوع الفجر، و هذا الوجه ضعيف و سابعها: /أنها من أولها إلى مطلع الفجر سالمة في أن العبادة في كل واحد من أجزائها خير من ألف شهر ليست كسائر الليالي في أنه يستحب للفرض الثلث الأول و للعبادة النصف و للدعاء السحر بل هي متساوية الأوقات و الأجزاء و ثامنها: سَلاََمٌ هِيَ ، أي جنة هي لأن من أسماء الجنة دار السلام أي الجنة المصوغة من السلامة.

المسألة الثانية: المطلع الطلوع يقال: طلع الفجر طلوعا و مطلعا، و المعنى أنه يدوم ذلك السلام إلى طلوع الفجر، و من قرأ بكسر اللام فهو اسم لوقت الطلوع و كذا مكان الطلوع مطلع قاله الزجاج: أما أبو عبيدة و الفراء و غيرهما فإنهم اختاروا فتح اللام لأنه بمعنى المصدر، و قالوا: الكسر اسم نحو المشرق و لا معنى لاسم موضع الطلوع هاهنا بل إن حمل على ما ذكره الزجاج من اسم وقت الطلوع صح، قال أبو علي: و يمكن حمله على المصدر أيضا، لأن من المصادر التي ينبغي أن تكون على المفعل ما قد كسر كقولهم علاء المكبر و المعجز، قوله: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْمَحِيضِ [البقرة: 222]فكذلك كسر المطلع جاء شاذا عما عليه بابه و اللّه سبحانه و تعالى أعلم، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

237

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة البينة

(و هي ثمانية آيات مدنية)

قوله تعالى لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ إلى قوله رَسُولٌ مِنَ اَللََّهِ اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي في كتاب «البسيط» : هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما و تفسيرا، و قد تخبط فيها الكبار من العلماء، ثم إنه رحمه اللّه تعالى لم يلخص كيفية الإشكال فيها و أنا أقول: وجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا لكنه معلوم، إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه، فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إن كلمة حتى لانتهاء الغاية فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول، ثم قال بعد ذلك: وَ مََا تَفَرَّقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنَةُ و هذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجي‏ء الرسول عليه السلام، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى و الآية الثانية مناقضة في الظاهر، هذا منتهى الإشكال فيما أظن و الجواب: عنه من وجوه أولها: و أحسنها الوجه الذي لخصه صاحب «الكشاف» و هو أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب و عبدة الأوثان، كانوا يقولون قبل مبعث محمد صلى اللّه عليه و سلّم: لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، و لا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة و الإنجيل و هو محمد عليه السلام، فحكى اللّه تعالى ما كانوا يقولونه، ثم قال: وَ مََا تَفَرَّقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ يعني/أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة و الاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق و لا أقرهم على الكفر إلا مجي‏ء الرسول، و نظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست أمتنع مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني اللّه الغنى، فلما رزقه اللّه الغنى ازداد فسقا فيقول واعظه: لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر، و ما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار بذكره ما كان يقوله توبيخا و إلزاما، و حاصل هذا الجواب يرجع إلى حرف واحد، و هو أن قوله: لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا منفكين عن كفرهم: حَتََّى تَأْتِيَهُمُ‏

238

اَلْبَيِّنَةُ مذكورة حكاية عنهم، و قوله: وَ مََا تَفَرَّقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ هو إخبار عن الواقع، و المعنى أن الذي وقع كان على خلاف ما ادعوا و ثانيها: أن تقدير الآية، لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم و إن جاءتهم البينة و على هذا التقدير يزول الإشكال هكذا ذكره القاضي إلا أن تفسير لفظة حتى بهذا ليس من اللغة في شي‏ء و ثالثها: أنا لا نحمل قوله: مُنْفَكِّينَ على الكفر بل على كونهم منفكين عن ذكر محمد بالمناقب و الفضائل و المعنى لم يكن الذين كفروا منفكين عن ذكر محمد بالمناقب و الفضائل حتى تأتيهم البينة قال ابن عرفة: أي حتى أتتهم، فاللفظ لفظ المضارع و معناه الماضي، و هو كقوله تعالى: مََا تَتْلُوا اَلشَّيََاطِينُ [البقرة: 102]أي ما تلت، و المعنى أنهم ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه، ثم لما جاءهم محمد تفرقوا فيه، و قال كل واحد فيه قولا آخر رديا و نظيره قوله تعالى: وَ كََانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمََّا جََاءَهُمْ مََا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: 89]و القول المختار في هذه الآية هو الأول، و في الآية وجه رابع و هو أنه تعالى حكم على الكفار أنهم ما كانوا منفكين عن كفرهم إلى وقت مجي‏ء الرسول، و كلمة حتى تقتضي أن يكون الحال بعد ذلك، بخلاف ما كان قبل ذلك، و الأمر هكذا كان لأن ذلك المجموع ما بقوا على الكفر بل تفرقوا فمنهم من صار مؤمنا، و منهم من صار كافرا، و لما لم يبق حال أولئك الجمع بعد مجي‏ء الرسول كما كان قبل مجيئه، كفى ذلك في العمل بمدلول لفظ حتى، و فيها وجه خامس: و هو أن الكفار كانوا قبل مبعث الرسول منفكين عن التردد في كفرهم بل كانوا جازمين به معتقدين حقيقته، ثم زال ذلك الجزم بعد مبعث الرسول، بل بقوا شاكين متحيرين في ذلك الدين و في سائر الأديان، و نظيره قوله: كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً فَبَعَثَ اَللََّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ [البقرة: 213]و المعنى أن الدين الذي كانوا عليه صار كأنه اختلط بلحمهم و دمهم فاليهودي كان جازما في يهوديته و كذا النصراني و عابد الوثن، فلما بعث محمد عليه الصلاة و السلام: اضطربت الخواطر و الأفكار و تشكك كل أحد في دينه و مذهبه و مقالته، و قوله: مُنْفَكِّينَ مشعر بهذا لأن انفكاك الشي‏ء عن الشي‏ء هو انفصاله عنه، فمعناه أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد و ما انفصلت عن الجزم بصحتها، ثم إن بعد المبعث لم يبق الأمر على تلك الحالة.

المسألة الثانية: الكفار كانوا جنسين أحدهما: أهل الكتاب كفرق اليهود و النصارى و كانوا كفارا بإحداثهم في دينهم ما كفروا به كقولهم: عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللََّهِ [التوبة: 30]و: اَلْمَسِيحُ اِبْنُ اَللََّهِ [التوبة: 30]و تحريفهم /كتاب اللّه و دينه و الثاني: المشركون الذين كانوا لا ينسبون إلى كتاب، فذكر اللّه تعالى الجنسين بقوله: اَلَّذِينَ كَفَرُوا على الإجمال ثم أردف ذلك الإجمال بالتفضل، و هو قوله: مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و من المشركين فهذا يقتضي أن أهل الكتاب منهم كافر و منهم ليس بكافر، و هذا حق، و أن المشركين منهم كافر و منهم ليس بكافر، و معلوم أن هذا ليس بحق و الجواب: من وجوه أحدها: كلمة من هاهنا ليست للتبعيض بل للتبيين كقوله: فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثََانِ [الحج: 30]و ثانيها: أن الذين كفروا بمحمد عليه الصلاة و السلام، بعضهم من أهل الكتاب و بعضهم من المشركين، فإدخال كلمة من لهذا السبب و ثالثها: أن يكون قوله: وَ اَلْمُشْرِكِينَ أيضا وصفا لأهل الكتاب، و ذلك لأن النصارى مثلثة و اليهود عامتهم مشبهة، و هذا كله شرك، و قد يقول القائل: جاءني العقلاء

239

و الظرفاء يريد بذلك قوما بأعيانهم يصفهم بالأمرين و قال تعالى: اَلرََّاكِعُونَ اَلسََّاجِدُونَ اَلْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنََّاهُونَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلْحََافِظُونَ لِحُدُودِ [التوبة: 112]و هذا وصف لطائفة واحدة، و في القرآن من هذا الباب كثير، و هو أن ينعت قوم بنعوت شتى، يعطف بعضها على بعض بواو العطف و يكون الكل وصفا لموصوف واحد.

السؤال الثاني: المجوس هل يدخلون في أهل الكتاب؟ قلنا: ذكر بعض العلماء أنهم داخلون في أهل الكتاب‏

لقوله عليه السلام: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»

و أنكره الآخرون قال: لأنه تعالى إنما ذكر من الكفار من كان في بلاد العرب، و هم اليهود و النصارى، قال تعالى حكاية عنهم: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمََا أُنْزِلَ اَلْكِتََابُ عَلى‏ََ طََائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنََا [الأنعام: 156]و الطائفتان هم اليهود و النصارى.

السؤال الثالث: ما الفائدة في تقديم أهل الكتاب في الكفر على المشركين؟ حيث قال: لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ ؟الجواب: أن الواو لا تفيد الترتيب، و مع هذا ففيه فوائد أن السورة مدنية فكأن أهل الكتاب هم المقصودون بالذكر و ثانيها: أنهم كانوا علماء بالكتب فكانت قدرتهم على معرفة صدق محمد أتم، فكان إصرارهم على الكفر أقبح و ثالثها: أنهم لكونهم علماء يقتدي غيرهم بهم فكان كفرهم أصلا لكفر غيرهم، فلهذا قدموا في الذكر و رابعها: أنهم لكونهم علماء أشرف من غيرهم فقدموا في الذكر.

السؤال الرابع: لم قال مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ و لم يقل من اليهود و النصارى؟ الجواب: لأن قوله: مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ يدل على كونهم علماء، و ذلك يقتضي إما مزيد تعظيم، فلا جرم ذكروا بهذا اللقب دون اليهود و النصارى، أو لأن كونه عالما يقتضي مزيد قبح في كفره، فذكروا بهذا الوصف تنبيها على تلك الزيادة من العقاب.

المسألة الثالثة: هذه الآية فيها أحكام تتعلق بالشرع أحدها: أنه تعالى فسر قوله: اَلَّذِينَ كَفَرُوا بأهل الكتاب و بالمشركين، فهذا يقتضي كون الكل واحدا في الكفر، فمن ذلك قال العلماء: الكفر كله ملة واحدة، فالمشرك يرث اليهودي و بالعكس و الثاني: أن العطف أوجب المغايرة، فلذلك نقول: الذمي ليس بمشرك، و

قال عليه السلام: «غير ناكحي نسائهم و لا آكلي ذبائحهم»

فأثبت التفرقة بين الكتابي و المشرك نبه بذكر أهل الكتاب أنه لا يجوز الاغترار بأهل العلم إذ قد حدث في أهل القرآن مثل ما حدث في الأمم الماضية.

المسألة الرابعة: قال القفال: الانفكاك هو انفراج الشي‏ء عن الشي‏ء و أصله من الفك و هو الفتح و الزوال، و منه فككت الكتاب إذا أزلت ختمه ففتحته، و منه فكاك الرهن و هو زوال الانغلاق الذي كان عليه ألا ترى أن ضد قوله: انفك الرهن، و منه فكاك الأسير و فكه، فثبت أن انفكاك الشي‏ء عن الشي‏ء هو أن يزيله بعد التحامه به، كالعظم إذا انفك من مفصله، و المعنى أنهم متشبثون بدينهم تشبثا قويا لا يزيلونه إلا عند مجي‏ء البينة، أما البينة فهي الحجة الظاهرة التي بها يتميز الحق من الباطل فهي من البيان أو البينونة لأنها تبين الحق من الباطل، و في المراد من البينة في هذه الآية أقوال:

الأول: أنها هي الرسول، ثم ذكروا في أنه لم سمي الرسول بالبينة وجوها الأول: أن ذاته كانت بينة على‏

240

نبوته، و ذلك لأنه عليه السلام كان في نهاية الجد في تقرير النبوة و الرسالة، و من كان كذابا متصنعا فإنه لا يتأتى منه ذلك الجد المتناهي، فلم يبق إلا أن يكون صادقا أو معتوها و الثاني: معلوم البطلان لأنه كان في غاية كمال العقل، فلم يبق إلا أنه كان صادقا الثاني: أن مجموع الأخلاق الحاصلة فيه كان بالغا إلى حد كمال الإعجاز، و الجاحظ قرر هذا المعنى، و الغزالي رحمه اللّه نصره في كتاب «المنقذ» ، فإذا لهذين الوجهين سمي هو في نفسه بأنه بينة الثالث: أن معجزاته عليه الصلاة و السلام كانت في غاية الظهور و كانت أيضا في غاية الكثرة فلاجتماع هذين الأمرين جعل كأنه عليه السلام في نفسه بينة و حجة، و لذلك سماه اللّه تعالى سراجا منيرا. و احتج القائلون بأن المراد من البينة هو الرسول بقوله تعالى بعد هذه الآية: رَسُولٌ مِنَ اَللََّهِ فهو رفع على البدل من البينة، و قرأ عبد اللّه: رسولا حال من البينة قالوا: و الألف و اللام في قوله: اَلْبَيِّنَةُ للتعريف أي هو الذي سبق ذكره في التوراة و الإنجيل على لسان موسى و عيسى، أو يقال: إنها للتفخيم أي هو البينة التي لا مزيد عليها أو البينة كل البينة لأن التعريف قد يكون للتفخيم و كذا التنكير و قد جمعهما اللّه هاهنا في حق الرسول عليه السلام فبدأ بالتعريف و هو لفظ البينة ثم ثنى بالتنكير فقال: رَسُولٌ مِنَ اَللََّهِ أي هو رسول، و أي رسول، و نظيره ما ذكره اللّه تعالى في الثناء على نفسه فقال: ذُو اَلْعَرْشِ اَلْمَجِيدُ [البروج: 15]ثم قال: فَعََّالٌ [البروج: 16]فنكر بعد التعريف.

القول الثاني: أن المراد من البينة مطلق الرسل و هو قول أبي مسلم قال: المراد من قوله: / حَتََّى تَأْتِيَهُمُ اَلْبَيِّنَةُ أي حتى تأتيهم رسل من ملائكة اللّه تتلوا عليهم صحفا مطهرة و هو كقوله: يَسْئَلُكَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتََاباً مِنَ اَلسَّمََاءِ [النساء: 153]و كقوله: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى‏ََ صُحُفاً مُنَشَّرَةً [المدثر: 52].

القول الثالث: و هو قتادة و ابن زيد: البينة هي القرآن و نظيره قوله: أَ وَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مََا فِي اَلصُّحُفِ اَلْأُولى‏ََ [طه: 133]ثم قوله بعد ذلك: رَسُولٌ مِنَ اَللََّهِ لا بد فيه من مضاف محذوف و التقدير: و تلك البينة و حي: رسول من اللّه يتلو صحفا مطهرة.

أما قوله تعالى: يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً`فِيهََا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ فاعلم أن الصحف جمع صحيفة و هي ظرف للمكتوب، و في: المطهرة وجوه: أحدها: مطهرة عن الباطل و هي كقوله: لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: 42]و قوله: مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ [عبس: 14]، و ثانيها: مطهرة عن الذكر القبيح فإن القرآن يذكر بأحسن الذكر و يثني عليه أحسن الثناء و ثالثها: أن يقال: مطهرة أي ينبغي أن لا يمسها إلا المطهرون، كقوله تعالى: فِي كِتََابٍ مَكْنُونٍ*`لاََ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: 78، 79].

و اعلم أن المطهرة و إن جرت نعتا للصحف في الظاهر فهي نعت لما في الصحف و هو القرآن‏}و قوله:

كُتُبٌ فيه قولان: أحدهما المراد من الكتب الآيات المكتوبة في الصحف و الثاني: قال صاحب «النظم» :

الكتب قد يكون بمعنى الحكم: كَتَبَ اَللََّهُ لَأَغْلِبَنَّ [المجادلة: 21]و منه حديث العسيف: «لأقضين بينكما بكتاب اللّه» أي بحكم اللّه فيحتمل أن يكون المراد من قوله: كُتُبٌ قَيِّمَةٌ أي أحكام قيمة أما القيمة ففيها قولان الأول: قال الزجاج: مستقيمة لا عوج فيها تبين الحق من الباطل من قام يقوم كالسيد و الميت، و هو كقولهم: قام الدليل على كذا إذا ظهر و استقام الثاني: أن تكون القيمة بمعنى القائمة أي هي قائمة مستقلة

241

بالحجة و الدلالة، من قولهم قام فلان بالأمر يقوم به إذا أجراه على وجهه، و منه يقال للقائم بأمر القوم القيم، فإن قيل: كيف نسب تلاوة الصحف المطهرة إلى الرسول مع أنه كان أميا؟قلنا: إذا تلا مثلا المسطور في تلك الصحف كان تاليا ما فيها و قد جاء في كتاب منسوب إلى جعفر الصادق أنه عليه السلام كان يقرأ من الكتاب، و إن كان لا يكتب، و لعل هذا كان من معجزاته صلى اللّه عليه و سلم.

و أما قوله تعالى: وَ مََا تَفَرَّقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنَةُ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: في هذه الآية سؤال، و هو أنه تعالى ذكر في أول السورة، أهل الكتاب و المشركين، و هاهنا ذكر أهل الكتاب فقط، فما السبب فيه؟و جوابه: من وجوه أحدها: أن المشركين لم يقروا على دينهم فمن آمن فهو المراد و من لم يؤمن قتل، بخلاف أهل الكتاب الذين يقرون على كفرهم ببذل الجزية و ثانيها: أن أهل الكتاب كانوا عالمين بنبوة محمد صلى اللّه عليه و سلّم بسبب أنهم وجدوها في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق مع العلم كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف.

المسألة الثانية: قال الجبائي: هذه الآية تبطل قول القدرية الذين قالوا: إن الناس تفرقوا في الشقاوة و السعادة في أصلاب الآباء قبل أن تأتيهم البينة و الجواب: أن هذا ركيك لأن المراد منه أن علم اللّه بذلك و إرادته له حاصل في الأزل، أما ظهروه من المكلف فإنما وقع بعد الحالة المخصوصة.

المسألة الثالثة: قالوا: هذه الآية دالة على أن الكفر و التفرق فعلمهم لا أنه مقدر عليهم لأنه قال: إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنَةُ ، ثم قال: أُوتُوا اَلْكِتََابَ أي أن اللّه و ملائكته آتاهم ذلك فالخير و التوفيق مضاف إلى اللّه، و الشر و التفرق و الكفر مضاف إليهم.

المسألة الرابعة: المقصود من هذه الآية تسلية الرسول صلى اللّه عليه و سلم أي لا يغمنك تفرقهم فليس ذلك لقصور في الحجة بل لعنادهم، فسلفهم هكذا كانوا لم يتفرقوا في السبت و عبادة العجل إلا من بعد ما جاءتهم البينة فهي عادة قديمة لهم. أما قوله تعالى:

قوله تعالى وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا اَللََّهَ مُخْلِصِينَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في قوله: و ما أمروا وجهان: أحدهما: أن يكون المراد: وَ مََا أُمِرُوا في التوراة و الإنجيل إلا بالدين الحنيفي، فيكون المراد أنهم كانوا مأمورين بذلك إلا أنه تعالى لما أتبعه بقوله: وَ ذََلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ علمنا أن ذلك الحكم كما أنه كان مشروعا في حقهم فهو مشروع في حقنا و ثانيها: أن يكون المراد:

و ما أمر أهل الكتاب على لسان محمد صلى اللّه عليه و سلم إلا بهذه الأشياء، و هذا أولى لثلاثة أوجه: أحدها: أن الآية على هذا التقدير تفيد شرعا جديدا و حمل كلام اللّه على ما يكون أكثر فائدة أولى و ثانيها: و هو أن ذكر محمد عليه السلام قد مر هاهنا و هو قوله: حَتََّى تَأْتِيَهُمُ اَلْبَيِّنَةُ [البينة: 1]و ذكر سائر الأنبياء عليهم السلام لم يتقدم و ثالثها: أنه تعالى ختم الآية بقوله: وَ ذََلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ فحكم بكون ما هو متعلق هذه الآية دينا قيما فوجب أن يكون شرعا في حقنا سواء قلنا بأنه شرع من قبلنا أو شرع جديد يكون هذا بيانا لشرع محمد عليه الصلاة و السلام و هذا قول مقاتل.

242

المسألة الثانية: في قوله: إِلاََّ لِيَعْبُدُوا اَللََّهَ دقيقة و هي أن هذه اللام لام الغرض، فلا يمكن حمله على ظاهره لأن كل من فعل فعلا لغرض فهو ناقص لذاته مستكمل بذلك الغرض، فلو فعل اللّه فعلا لكان ناقصا لذاته مستكملا بالغير و هو محال، لأن ذلك الغرض إن كان قديما/لزم من قدمه قدم الفعل، و إن كان محدثا افتقر إلى غرض آخر فلزم التسلسل و هو محال و لأنه إن عجز عن تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة فهو عاجز، و إن كان قادرا عليه كان توسيط تلك الواسطة عبثا، فثبت أنه لا يمكن حمله على ظاهره فلا بد فيه من التأويل.

ثم قال الفراء: العرب تجعل اللام في موضع أن في الأمر و الإرادة كثيرا، من ذلك قوله تعالى: يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: 26] يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا [الصف: 8]و قال في الأمر: وَ أُمِرْنََا لِنُسْلِمَ [الأنعام: 71]و هي في قراءة عبد اللّه: و ما أمروا إلا أن يعبدوا اللّه فثبت أن المراد: و ما أمروا إلا أن يعبدوا اللّه مخلصين له الدين و الإخلاص عبارة عن النية الخالصة، و النية الخالصة لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به فلا بد و أن يكون منويا، ثم قالت الشافعية: الوضوء مأمور به في قوله تعالى: إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: 6]و دلت هذه الآية على أن كل مأمور يجب أن يكون منويا، فيلزم من مجموع الآيتين وجوب كون الوضوء منويا، و أما المعتزلة فإنهم يوجبون تعليل أفعال اللّه و أحكامه بالأغراض، لا جرم أجروا الآية على ظاهرها فقالوا معنى الآية: و ما أمروا بشي‏ء إلا لأجل أن يعبدوا اللّه، و الاستدلال على هذا القول أيضا قوي، لأن التقدير و ما أمروا بشي‏ء إلا ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين في ذلك الشي‏ء، و هذا أيضا يقتضي اعتبار النية في جميع المأمورات. فإن قيل: النظر في معرفة اللّه مأمور به و يستحيل اعتبار النية فيه لأن النية لا يمكن اعتبارها إلا بعد المعرفة، فما كان قبل المعرفة لا يمكن اعتبار النية فيه. قلنا: هب أنه خص عموم الآية في هذه الصورة بحكم الدليل العقلي الذي ذكرتم فيبقى في الباقي حجة.

المسألة الثالثة: قوله: أُمِرُوا مذكور بلفظ ما لم يسم فاعله و هو: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ [البقرة: 183] كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ [البقرة: 178]قالوا: فيه وجوه أحدها: كأنه تعالى يقول العبادة شاقة و لا أريد مشقتك إرادة أصلية بل إرادتي لعبادتك كإرادة الوالدة لحجامتك، و لهذا لما آل الأمر إلى الرحمة قال:

كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ [الأنعام: 54]، كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ [المجادلة: 22]و ذكر في الواقعات إذا أراد الأب من ابنه عملا يقول له أولا: ينبغي أن تفعل هذا و لا يأمره صريحا، لأنه ربما يرد عليه فتعظم جنايته، فههنا أيضا لم يصرح بالأمر لتخف جناية الراد و ثانيها: أنا على القول بالحسن و القبح العقليين، نقول: كأنه تعالى يقول: لست أنا الآمر للعبادة فقط، بل عقلك أيضا يأمرك لأن النهاية في التعظيم لمن أوصل إليك‏[أن‏]نهاية الإنعام واجبة في العقول.

المسألة الرابعة: اللام في قوله: وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا اَللََّهَ تدل على مذهب أهل السنة حيث قالوا:

العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنة، أو إلى البعد عن عقاب النار، بل لأجل أنك عبد و هو رب، فلو لم يحصل في الدين ثواب و لا عقاب ألبتة، ثم أمرك بالعبادة وجبت لمحض العبودية، و فيها أيضا إشارة إلى أنه من عبد اللّه للثواب و العقاب، فالمعبود في الحقيقة هو الثواب و العقاب، و الحق واسطة، و نعم ما قيل: من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني‏ (1) /و من آثر العرفان لا للعرفان، بل للمعروف، فقد خاض لجة الوصول.

____________

(1) قوله بالثاني لا معنى له، و لعلها مصحفة عن الفاني.

243

المسألة الخامسة: العبادة هي التذلل، و منه طريق معبد أي مذلل، و من زعم أنها الطاعة فقد أخطأ، لأن جماعة عبدوا الملائكة و المسيح و الأصنام، و ما أطاعوهم و لكن في الشرع صارت اسما لكل طاعة اللّه، أديت له على وجه التذلل و النهاية في التعظيم، و اعلم أن العبادة بهذا المعنى لا يستحقها إلا من يكون واحدا في ذاته و صفاته الذاتية و الفعلية، فإن كان مثل لم يجز أن يصرف إليه النهاية في التعظيم، ثم نقول: لا بد في كون الفعل عبادة من شيئين أحدهما: غاية التعظيم، و لذلك قلنا: إن صلاة الصبي ليست بعبادة، لأنه لا يعرف عظمة اللّه، فلا يكون فعله في غاية التعظيم و الثاني: أن يكون مأمورا به، ففعل اليهودي ليس بعبادة، و إن تضمن نهاية التعظيم، لأنه غير مأمور به، و النكتة الوعظية فيه، أن فعل الصبي ليس بعبادة لفقد التعظيم و فعل اليهودي ليس بعبادة لفقد الأمر، فكيف يكون ركوعك الناقص عبادة و لا أمر و لا تعظيم؟.

المسألة السادسة: الإخلاص هو أن يأتي بالفعل خالصا لداعية واحدة، و لا يكون لغيرها من الدواعي تأثير في الدعاء إلى ذلك الفعل، و النكت الوعظية فيه من وجوه أحدها: كأنه تعالى يقول عبدي لا تسع في إكثار الطاعة بل في إخلاصها لأني ما بذلت كل مقدوري لك حتى أطلب منك كل مقدورك، بل بذلت لك البعض، فأطلب منك البعض نصفا من العشرين، و شاة من الأربعين، لكن القدر الذي فعلته لم أرد بفعله سواك، فلا ترد بطاعتك سواي، فلا تستثن من طاعتك لنفسك فضلا من أن تستثنيه لغيرك، فمن ذلك المباح الذي يوجد منك في الصلاة كالحكة و التنحنح فهو حظ استثنيته لنفسك فانتفى الإخلاص، و أما الالتفات المكروه فذا حظ الشيطان و ثانيها: كأنه تعالى قال: يا عقل أنت حكيم لا تميل إلى الجهل و السفه و أنا حكيم لا أفعل ذلك ألبتة، فإذا لا تريد إلا ما أريد و لا أريد إلا ما تريد، ثم إنه سبحانه ملك العالمين و العقل ملك لهذا البدن، فكأنه تعالى بفضله قال: الملك لا يخدم الملك لكن‏[لكي‏]نصطلح أجعل جميع ما أفعله لأجلك: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة: 29]فاجعل أنت أيضا جميع ما تفعله لأجلي: وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا اَللََّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ [البينة: 5].

و اعلم أن قوله: مُخْلِصِينَ نصب على الحال فهو تنبيه على ما يجب من تحصيل الإخلاص من ابتداء الفعل إلى انتهائه، و المخلص هو الذي يأتي بالحسن لحسنه، و الواجب لوجوبه، فيأتي بالفعل لوجهه مخلصا لربه، لا يريد رياء و لا سمعة و لا غرضا آخر، بل قالوا: لا يجعل طلب الجنة مقصودا و لا النجاة عن النار مطلوبا و إن كان لا بد من ذلك، و في التوراة: ما أريد به وجهي فقليله كثير و ما أريد به غير وجهي فكثيره قليل.

و قالوا من الإخلاص أن لا يزيد في العبادات عبادة أخرى لأجل الغير، مثل الواجب من الأضحية شاة، فإذا ذبحت إثنتين واحدة للّه و واحدة للأمير لم يجز لأنه شرك، و إن زدت في الخشوع، لأن الناس يرونه لم يجز، فهذا إذا خلطت بالعبادة عبادة/أخرى، فكيف و لو خلطت بها محظورا مثل أن تتقدم على إمامك، بل لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين و المولودين و لا إلى العبيد و لا الإماء لأنه لم يخلص، فإذا طلبت بذلك سرور و الدك أو ولدك يزول الإخلاص، فكيف إذا طلبت مسرة شهوتك كيف يبقى الإخلاص؟و قد اختلفت ألفاظ السلف في معنى قوله: مُخْلِصِينَ قال بعضهم: مقرين له بالعبادة، و قال آخرون: قاصدين بقلوبهم رضا اللّه في العبادة، و قال الزجاج: أي يعبدونه موحدين له لا يعبدون معه غيره، و يدل على هذا قوله: وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا إِلََهاً وََاحِداً [التوبة: 21].

244

أما قوله تعالى: حُنَفََاءَ وَ يُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُوا اَلزَّكََاةَ ففيه أقوال:

الأول: قال مجاهد: متبعين دين إبراهيم عليه السلام، و لذلك قال: ثُمَّ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ حَنِيفاً/وَ مََا كََانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ [النحل: 123]و هذا التفسير فيه لطيفة كأنه سبحانه لما علم أن التقليد مسئول على الطباع لم يستجز منعه عن التقليد بالكلية و لم يستجز التعويل على التقليد أيضا بالكلية، فلا جرم ذكر قوما أجمع الخلق بالكلية على تزكيتهم، و هو إبراهيم و من معه، فقال: قَدْ كََانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرََاهِيمَ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة: 4]فكأنه تعالى قال: إن كنت تقلد أحدا في دينك، فكن مقلدا إبراهيم، حيث تبرأ من الأصنام و هذا غير عجيب فإنه قد تبرأ من نفسه حين سلمها إلى النيران، و من ما حين بذله للضيفان، و من ولده حين بذله للقربان، بل‏

روى أنه سمع سبوح قدوس فاستطابه، و لم ير شخصا فاستعاده، فقال: أما بغير أجر فلا، فبذل كل ما ملكه فظهر له جبريل عليه السلام، و قال: حق لك حيث سماك خليلا فخذ مالك،

فإن القائل: كنت أنا، بل انقطع إلى اللّه حتى عن جبريل حين قال: أما إليك فلا، فالحق سبحانه كأنه يقول: إن كنت عابدا فاعبد كعبادته، فإذا لم تترك الحلال و أبواب السلاطين، أما تترك الحرام و موافقة الشياطين، فإن لم تقدر على متابعة إبراهيم، فاجتهد في متابعة ولده الصبي، كيف انقاد لحكم ربه مع صغره، فمد عنقه لحكم الرؤيا، و إن كنت دون الرجل فاتبع الموسوم بنقصان العقل، و هو أم الذبيح، كيف تجرعت تلك الغصة، ثم إن المرأة الحرة نصف الرجل فإن الاثنتين يقومان مقام الرجل الواحد في الشهادة و الإرث، و الرقيقة نصف الحرة بدليل أن للحرة ليلتين من القسم فهاجر كانت ربع الرجل، ثم انظر كيف أطاعت ربها فتحملت المحنة في ولادها ثم صبرت حين تركها الخليل وحيدة فريدة في جبال مكة بلا ماء و لا زاد و انصرف، لا يكلمها و لا يعطف عليها، قالت آللّه أمرك بهذا؟فأومأ برأسه نعم، فرضيت بذلك و صبرت على تلك المشاق.

و القول الثاني: المراد من قوله: حُنَفََاءَ أي مستقيمين و الحنف هو الاستقامة، و إنما سمي مائل القدم أحنف على سبيل التفاؤل، كقولنا: للأعمى بصير و للمهلكة مفازة، و نظيره قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا* [فصلت: 30] اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: 6].

و القول الثالث: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما حجاجا، و ذلك لأنه ذكر العباد أولا ثم قال: حنفاء و إنما قدم الحج على الصلاة لأن في الحج صلاة و إنفاق مال الرابع: قال أبو قلابة/الحنيف الذي آمن بجميع الرسل و لم يستثن أحدا منهم، فمن لم يؤمن بأفضل الأنبياء كيف يكون حنيفا الخامس: حنفاء أي جامعين لكل الدين إذ الحنيفية كل الدين،

قال عليه السلام: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة»

السادس: قال قتادة: هي الختان و تحريم نكاح المحارم أي مختونين محرمين لنكاح الأم و المحارم، فقوله: حُنَفََاءَ إشارة إلى النفي، ثم أردفه بالإثبات، و هو قوله: وَ يُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ السابع: قال أبو مسلم: أصله من الحنف في الرجل، و هو إدبار إبهامها عن أخواتها حتى يقبل على إبهام الأخرى، فيكون الحنيف هو الذي يعدل عن الأديان كلها إلى الإسلام الثامن: قال الربيع بن أنس: الحنيف الذي يستقبل القبلة بصلاته، و إنما قال ذلك لأنه عند التكبير يقول:

وجهت وجهي للذي فطر السموات و الأرض حنيفا، و أما الكلام في إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة فقد مر مرارا كثيرة، ثم قال: وَ ذََلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال المبرد و الزجاج: ذلك دين الملة القيمة، فالقيمة نعت لموصوف محذوف، و المراد

245

من القيمة إما المستقيمة أو القائمة، و قد ذكرنا هذين القولين في قوله: كُتُبٌ قَيِّمَةٌ و قال الفراء: هذا من إضافة النعت إلى المنعوت، كقوله: إِنَّ هََذََا لَهُوَ حَقُّ اَلْيَقِينِ [الواقعة: 95]و الهاء للمبالغة كما في قوله:

كُتُبٌ قَيِّمَةٌ .

المسألة الثانية: في هذه الآية لطائف إحداها: أن الكمال في كل شي‏ء إنما يحصل إذا حصل الأصل و الفرع معا، فقوم أطنبوا في الأعمال من غير إحكام الأصول، و هم اليهود و النصارى و المجوس، فإنهم ربما اتعبوا أنفسهم في الطاعات، و لكنهم ما حصلوا الدين الحق، و قوم حصلوا الأصول و أهملوا الفروع، و هم المرجئة الذين قالوا: لا يضر الذنب مع الإيمان، و اللّه تعالى خطأ الفريقين في هذه الآية، و بين أنه لا بد من العلم و الإخلاص في قوله: مُخْلِصِينَ و من العمل في قوله: وَ يُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُوا اَلزَّكََاةَ ثم قال:

وَ ذََلِكَ المجموع كله هو دِينُ اَلْقَيِّمَةِ أي البينة المستقيمة المعتدلة، فكمال أن مجموع الأعضاء بدن واحد كذا هذا المجموع دين واحد فقلب دينك الاعتقاد و وجهه الصلاة و لسانه الواصف لحقيقته الزكاة لأن باللسان يظهر قدر فضلك و بالصدقة يظهر قدر دينك، ثم إن القيم من يقوم بمصالح من يعجز عن إقامة مصالح نفسه فكأنه سبحانه يقول: القائم بتحصيل مصالحك عاجلا و آجلا هو هذا المجموع، و نظيره قوله تعالى: دِيناً قِيَماً [الأنعام: 161]و قوله في القرآن: قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً [الكهف: 2]لأن القرآن هو القيم بالإرشاد إلى الحق، و يؤيده‏

قوله عليه السلام: «من كان في عمل اللّه كان اللّه في عمله»

و

أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام: «يا دنيا من خدمك فاستخدميه، و من خدمني فاخدميه» ،

و ثانيها: أن المحسنين في أفعالهم هم مثل الحق سبحانه و ذلك بالإحسان إلى عبيده و الملائكة، و ذلك بأنهم اشتغلوا بالتسبيح لخالقهم فالإحسان من اللّه لا من الملائكة، و التعظيم و العبودية من الملائكة لا من اللّه، ثم إن الإنسان إذا حضر عرصة القيامة فيقول اللّه مباهيا بهم: ملائكتي هؤلاء أمثالكم سبحوا و هللوا، بل في بعض الأفعال أمثالي أحسنوا/و تصدقوا، ثم إني أكرمكم يا ملائكتي بمجرد ما أتيتم به من العبودية و أنتم تعظموني بمجرد ما فعلت من الإحسان، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين، أقاموا الصلاة أتوا بالعبودية و آتوا الزكاة أتوا بالإحسان، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين و هم صبروا على الأمرين، فتتعجب الملائكة منهم و ينصبون إليهم النظارة، فلهذا قال: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ*`سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ بِمََا صَبَرْتُمْ [الرعد: 23، 24]أ فلا يكون هذا الدين قيما و ثالثها: أن الدين كالنفس فحياة الدين بالمعرفة ثم النفس العالمة بلا قدرة كالزمن العاجز، و القادرة بلا علم مجنونة فإذا اجتمع العلم و القدرة كانت النفس كاملة فكذا الصلاة للدين كالعلم و الزكاة كالقدرة، فإذا اجتمعتا سمي الدين قيمة و رابعها: و هو فائدة الترتيب أن الحكيم تعالى أمر رسوله أن يدعوهم إلى أسهل شي‏ء، و هو القول و الاعتقاد فقال:

مُخْلِصِينَ ثم لما أجابوه زاده، فسألهم الصلاة التي بعد أدائها تبقى النفس سالمة كما كانت، ثم لما أجابوه و أراد منهم الصدقة و علم أنها تشق عليهم قال: «لا زكاة في مال يحول عليه الحول» ثم لما ذكر الكل قال:

وَ ذََلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ .

المسألة الثالثة: احتج من قال: الإيمان عبادة عن مجموع القول و الاعتقاد و العمل، بهذه الآية فقال:

مجموع القول و الفعل و العمل هو الدين و الدين هو الإسلام و الإسلام هو الإيمان فإذا مجموع القول و الفعل و العمل هو الإيمان، لأنه تعالى ذكر في هذه الآية مجموع الثلاثة ثم قال: وَ ذََلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ أي و ذلك‏

246

المذكور هو دين القيمة و إنما قلنا: إن الدين هو الإسلام لقوله تعالى: إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللََّهِ اَلْإِسْلاََمُ [آل عمران: 19] و إنما قلنا: إن الإسلام هو الإيمان لوجهين الأول: أن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولا عند اللّه تعالى لقوله تعالى: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاََمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: 85]لكن الإيمان بالإجماع مقبول عند اللّه، فهو إذا عين الإسلام و الثاني: قوله تعالى: فَأَخْرَجْنََا مَنْ كََانَ فِيهََا مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ*`فَمََا وَجَدْنََا فِيهََا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ [الذاريات: 35، 36]فاستثناء المسلم من المؤمن، يدل على أن الإسلام يصدق عليه، و إذا ثبتت هذه المقدمات، ظهر أن مجموع هذه الثلاثة أعني القول و الفعل و العمل هو الإيمان، و حينئذ يبطل قول من قال: الإيمان اسم لمجرد المعرفة، أو لمجرد الإقرار أولهما معاو الجواب: لم لا يجوز أن تكون الإشارة بقوله:

وَ ذََلِكَ إلى الإخلاص فقط؟و الدليل عليه أنا على هذا التقدير لا نحتاج إلى الإضمار أولى، و أنتم تحتاجون إلى الإضمار فتقولون: المراد و ذلك المذكور، و لا شك أن عدم الإضمار أولى، سلمنا أن قوله: وَ ذََلِكَ إشارة إلى مجموع ما تقدم لكنه يدل على أن ذلك المجموع هو الدين القيم، فلم قلتم: إن ذلك المجموع هو الدين، و ذلك لأن الدين غير، و الدين القيم، فالدين هو الدين الكامل المستقبل بنفسه، و ذلك إنما يكون إذا كان الدين حاصلا، و كانت آثاره و نتائجه معه حاصلة أيضا، و هي الصلاة و الزكاة، و إذا لم يوجد هذا المجموع، لم يكن الدين القيم حاصلا، لكن لم قلتم: إن أصل الدين لا يكون حاصلا و النزاع ما وقع إلا فيه؟و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الكفار أولا في قوله: لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ [البينة: 1]ثم ذكر ثانيا حال المؤمنين في قوله: وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا اَللََّهَ [البينة: 5]أعاد في آخر هذه السورة ذكر كلا الفريقين، فبدأ أيضا بحال الكفار، فقال: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و اعلم أنه تعالى ذكر من أحوالهم أمرين أحدهما: الخلود في نار جهنم و الثاني: أنهم شر الخلق، و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: لم قدم أهل الكتاب على المشركين في الذكر؟ الجواب: من وجوه أحدها: أنه عليه الصلاة و السلام، كان يقدم حق اللّه سبحانه على حق نفسه، ألا ترى أن القوم لما كسروا رباعيته‏

قال: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»

و لما فاتته صلاة العصر يوم الخندق‏

قال: «اللهم املأ بطونهم و قبورهم نارا»

فكأنه عليه السلام قال: كانت الضربة ثم على، وجه الصورة، و في يوم الخندق على وجه السيرة التي هي الصلاة، ثم إنه سبحانه قضاه ذلك فقال: كما قدمت حقي على حقك فأنا أيضا أقدم حقك على حق نفسي، فمن ترك الصلاة طول عمره لا يكفر و من طعن في شعرة من شعراتك يكفر. إذا عرفت ذلك فنقول: أهل الكتاب ما كانوا يطعنون في اللّه بل في الرسول، و أما المشركون فإنهم كانوا يطعنون في اللّه، فلما أراد اللّه تعالى في هذه الآية أن يذكر سوء حالهم بدأ أولا في النكاية بذكر من طعن في محمد عليه الصلاة و السلام و هم أهل الكتاب، ثم ثانيا بذكر من طعن فيه تعالى و هم المشركون و ثانيها: أن جناية أهل الكتاب في حق الرسول عليه السلام كانت أعظم، لأن المشركين رأوه صغيرا و نشأ فيما (1) بينهم، ثم سفه أحلامهم و أبطل أديانهم، و هذا أمر شاق، أما أهل الكتاب فقد كانوا يستفتحون برسالته و يقرون بمبعثه فلما جاءهم أنكروه مع العلم به فكانت جنايتهم أشد.

____________

(1) لعل الأولى أن يقال: و نشأ يتيما بينهم، و لعل فيما صحفت عن يتيما.

247

السؤال الثاني: لم ذكر: كَفَرُوا بلفظ الفعل: وَ اَلْمُشْرِكِينَ باسم الفاعل؟ و الجواب: تنبيها على أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة و الإنجيل، و مقرين بمبعث محمد صلى اللّه عليه و سلّم، ثم إنهم كفروا بذلك بعد مبعثه عليه السلام بخلاف المشركين فإنهم ولدوا على عبادة الأوثان و إنكار الحشر و القيامة.

السؤال الثالث: أن المشركين كانوا ينكرون الصانع و ينكرون النبوة و ينكرون/القيامة، أما أهل الكتاب فكانوا مقرين بكل هذه الأشياء إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد صلى اللّه عليه و سلم، فكان كفر أهل الكتاب أخف من كفر المشركين، و إذا كان كذلك فكيف يجوز التسوية بين الفريقين في العذاب؟و الجواب: يقال: بئر جهنام إذا كان بعيد القعر، فكأنه تعالى يقول تكبروا طلبا للرفعة فصاروا إلى أسفل السافلين، ثم إن الفريقين و إن اشتركا في ذلك لكنه لا ينافي اشتراكهم في هذا القدر تفاوتهم في مراتب العذاب، و اعلم أن الوجه في حسن هذا العذاب أن الإساءة على قسمين إساءة إلى من أساء إليك و إساءة إلى من أحسن إليك، و هذا القسم الثاني هو أقبح القسمين و الإحسان أيضا على قسمين إحسان إلى من أحسن إليك، و إحسان إلى من أساء إليك، و هذا أحسن القسمين، فكان إحسان اللّه إلى هؤلاء الكفار أعظم أنواع الإحسان و إساءتهم و كفرهم أقبح أنواع الإساءة، و معلوم أن العقوبة إنما تكون بحسب الجناية، فبالشتم تعزير و بالقذف حد و بالسرقة قطع، و بالزنا رجم، و بالقتل قصاص، بل شتم المماثل يوجب التعزير، و النظر الشزر إلى الرسول يوجب القتل، فلما كانت جناية هؤلاء الكفار أعظم الجنايات، لا جرم استحقوا أعظم العقوبات، و هو نار جهنم، فإنها نار في موضع عميق مظلم هائل لا مفر عنه ألبتة، ثم كأنه قال قائل: هب أنه ليس هناك رجاء الفرار، فهل هناك رجاء الإخراج؟فقال: لا بل يبقون خالدين فيها، ثم كأنه قيل: فهل هناك أحد يرق قلبه عليهم؟فقال: لا بل يذمونهم، و يلعنونهم لأنهم شر البرية.

السؤال الرابع: ما السبب في أنه لم يقل هاهنا خالدين فيها أبدا، و قال في صفة أهل الثواب: خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً [البينة: 8]؟ و الجواب: من وجوه أحدها: التنبيه على أن رحمته أزيد من غضبه و ثانيها: أن العقوبات و الحدود و الكفارات تتداخل، أما الثواب فأقسامه لا تتداخل و ثالثها:

روى حكاية عن اللّه أنه قال: يا داود حببني إلى خلقي، قال: و كيف أفعل ذلك؟قال: اذكر لهم سعة رحمتي،

فكان هذا من هذا الباب.

السؤال الخامس: كيف القراءة في لفظ البرية؟ الجواب: قرأ نافع البريئة بالهمز، و قرأ الباقون بغير همز و هو من برأ اللّه الخلق، و القياس فيها الهمز إلا أنه ترك همزه، كالنبي و الذرية و الخابية، و الهمزة فيه كالرد إلى الأصل المتروك في الاستعمال، كما أن من همز النبي كان كذلك و ترك الهمز فيه أجود، و إن كان الهمز هو الأصل، لأن ذلك صار كالشي‏ء المرفوض المتروك و همز من همز البرية يدل على فساد قول من قال: إنه من البرا الذي هو التراب.

السؤال السادس: ما الفائدة في قوله: هُمْ شَرُّ اَلْبَرِيَّةِ ؟ الجواب: أنه يفيد النفي و الإثبات أي هم دون غيرهم، و اعلم أن شر البرية جملة يطول تفصيلها، شر من السراق، لأنهم سرقوا من كتاب اللّه، صفة محمد صلى اللّه عليه و سلم، و شر من قطاع الطريق، لأنهم قطعوا طريق الحق على الخلق، و شر من الجهال الأجلاف، لأن الكبر مع العلم يكون كفر عناد فيكون أقبح. ـ

248

و اعلم أن هذا تنبيه على أن وعيد علماء السوء أعظم من وعيد كل أحد.

السؤال السابع: هذه الآية هل هي مجراة على عمومها؟ الجواب: لا بل هي مخصوصة بصورتين إحداهما: أن من تاب منهم و أسلم خرج عن الوعيد و الثانية: قال بعضهم: لا يجوز أن يدخل في الآية من مضى من الكفار، لأن فرعون كان شرا منهم، فأما الآية الثانية و هي الآية الدالة على ثواب المؤمنين فعامة فيمن تقدم و تأخر، لأنهم أفضل الأمم.

فيه مسائل:

المسألة الأولى: الوجه في حسن تقديم الوعيد على الوعد وجوه أحدها: أن الوعيد كالدواء، و الوعد كالغذاء، و يجب تقديم الدواء حتى إذا صار البدن نقيا انتفع بالغذاء، فإن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرا، هكذا قاله بقراط في كتاب «الفصول» و ثانيها: أن الجلد بعد الدبغ يصير صالحا للمدارس و الخف، أما قبله فلا، و لذلك فإن الإنسان متى وقع في محنة أو شدة رجع إلى اللّه، فإذا نال الدنيا أعرض، على ما قال: فَلَمََّا نَجََّاهُمْ إِلَى اَلْبَرِّ إِذََا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: 65]و ثالثها: أن فيه بشارة، كأنه تعالى يقول: لما لم يكن بد من الأمرين ختمت بالوعد الذي هو بشارة مني في أني أختم أمرك بالخير، أ لست كنت نجسا في مكان نجس، ثم أخرجتك إلى الدنيا طاهرا، أ فلا أخرجك إلى الجنة طاهرا!.

المسألة الثانية: احتج من قال: إن الطاعات ليست داخلة في مسمى الإيمان بأن الأعمال الصالحة معطوفة في هذه الآية على الإيمان، و المعطوف غير المعطوف عليه.

المسألة الثالثة: قال: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا و لم يقل: إن المؤمنين إشارة إلى أنهم أقاموا سوق الإسلام حال كساده، و بذلوا الأموال و المهج لأجله، و لهذا السبب استحقوا الفضيلة العظمى كما قال: لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قََاتَلَ [الحديد: 10]و لفظة: آمَنُوا أي فعلوا الإيمان مرة.

و اعلم أن الذين يعتبرون الموافاة يحتجون بهذه الآية، و ذلك لأنها تدل على أن من أتى بالإيمان مرة واحدة فله هذا الثواب، و الذي يموت على الكفر لا يكون له هذا الثواب، فعلمنا أنه ما صدر الإيمان عنه في الحقيقة قبل ذلك.

المسألة الرابعة: قوله: وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ من مقابلة الجمع بالجمع، فلا يكلف الواحد بجميع الصالحات، بل لكل مكلف حظ فحظ الغني الإعطاء، و حظ الفقير الأخذ.

المسألة الخامسة: احتج بعضهم بهذه الآية في تفضيل البشر على الملك، قالوا:

روى أبو هريرة أنه عليه السلام قال: «أ تعجبون من منزلة الملائكة من اللّه تعالى!و الذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند اللّه يوم القيامة أعظم من ذلك، و اقرؤا إن شئتم: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا/اَلصََّالِحََاتِ أُولََئِكَ هُمْ خَيْرُ اَلْبَرِيَّةِ .

و اعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لوجوه: أحدها: ما روي عن يزيد النحوي أن البرية بنو آدم من البرا و هو التراب فلا يدخل الملك فيه البتة و ثانيها: أن قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ غير مختص بالبشر بل‏

249

يدخل فيه الملك و ثالثها: أن الملك خرج عن النص بسائر الدلائل، قالوا: و ذلك لأن الفضيلة إما مكتسبة أو موهوبة، فإن نظرت إلى الموهوبة فأصلهم من نور و أصلك من حمأ مسنون، و مسكنهم دار لم يترك فيها أبوك مع الزلة و مسكنكم أرض هي مسكن الشياطين، و أيضا فمصالحنا منتظمة بهم و رزقنا في يد البعض و روحنا في يد البعض، ثم هم العلماء و نحن المتعلمون، ثم انظر إلى عظيم همتهم لا يميلون إلى محقرات الذنوب، و من ذلك فإن اللّه تعالى لم يحك عنهم سوى دعوى الإلهية حين قال: وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلََهٌ مِنْ دُونِهِ [الأنبياء: 29]أي لو أقدموا على ذنب فهمتهم بلغت غاية لا يليق بها إلا دعوى الربوبية، و أنت أبدا عبد البطن و الفرج، و أما العبادة فهم أكثر عبادة من النبي لأنه تعالى مدح النبي بإحياء ثلثي الليل و قال فيهم: يُسَبِّحُونَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ لاََ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 20]و مرة: لاََ يَسْأَمُونَ [فصلت: 38]و تمام القول في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة.

في قوله تعالى جَزََاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنََّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ اعلم أن التفسير ظاهر و نحن نذكر ما فيها من اللطائف في مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن المكلف لما تأمل وجد نفسه مخلوقا من المحن و الآفات، فصاغه من أنجس شي‏ء في أضيق مكان إلى أن خرج باكيا لا للفراق و لكن مشتكيا من وحشة الحبس ليرحم، كالذي يطلق من الحبس يغلبه البكاء ليرحم، ثم لم يرحم بل شدته القابلة و لم يكن مشدودا في الرحم ثم لم يمض قليل مدة حتى ألقوا في المهد و شدوه بالقماط، ثم لم يمض قليل حتى أسلموه إلى أستاذ يحبسه في المكتب و يضربه على التعليم و هكذا إلى أن بلغ الحلم، ثم بعد ذلك شذ بمسامير العقل و التكليف، ثم إن المكلف يصير كالمتحير، يقول: من الذي يفعل في هذه الأفعال مع أنه ما صدرت عني جناية؟فلم يزل يتفكر حتى ظفر بالفاعل، فوجده عالما لا يشبه العالمين، و قادرا لا يشبه القادرين، و عرف أن كل ذلك و إن كان صورته صورة المحنة، لكن حقيقته محض الكرم و الرحمة، فترك الشكاية و أقبل على الشكر، ثم وقع في قلب العبد أن يقابل إحسانه بالخدمة له و الطاعة، فجعل قلبه مسكنا لسلطان عرفانه، فكأن الحق قال: عبدي أنزل معرفتي في قلبك حتى/لا يخرجها منه شي‏ء أو يسبقها هناك فيقول العبد: يا رب أنزلت حب الثدي في قلبي ثم أخرجته، و كذا حب الأب و الأم، و حب الدنيا و شهواتها و أخرجت الكل. أما حبك و عرفانك فلا أخرجهما من قلبي، ثم إنه لما بقيت المعرفة و المحبة في أرض القلب انفجر من هذا الينبوع أنهار و جداول، فالجدول الذي وصل إلى العين حصل منه الاعتبار، و الذي وصل إلى الأذن حصل منه استماع مناجاة الموجودات و تسبيحاتهم، و هكذا في جميع الأعضاء و الجوارح، فيقول اللّه: عبدي جعلت قلبك كالجنة لي و أجريت فيه تلك الأنهار دائمة مخلدة، فأنت مع عجزك و قصورك فعلت هذا، فأنا أولى بالجود و الكرم و الرحمة فجنة بجنة، فلهذا قال: جَزََاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنََّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ بل كأن الكريم الرحيم يقول: عبدي أعطاني كل ما ملكه، و أنا أعطيته بعض ما في ملكي، و أنا أولى منه بالكرم و الجود، فلا جرم جعلت هذا البعض منه موهوبا دائما مخلدا، حتى يكون دوامه و خلوده جابرا لما فيه من النقصان الحاصل بسبب البعضية.

250

المسألة الثانية: الجزاء اسم لما يقع به الكفاية، و منه اجتزت الماشية بالحشيش الرطب عن الماء، فهذا يفيد معنيين أحدهما: أنه يعطيه الجزاء الوافر من غير نقص و الثاني: أنه تعالى يعطيه ما يقع به الكفاية، فلا يبقى في نفسه شي‏ء إلا و المطلوب يكون حاصلا على ما قال: وَ لَكُمْ فِيهََا مََا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [فصلت: 31].

المسألة الثالثة: قال: جَزََاؤُهُمْ فأضاف الجزاء إليهم، و الإضافة المطلقة تدل على الملكية فكيف الجمع بينه و بين قوله: اَلَّذِي أَحَلَّنََا دََارَ اَلْمُقََامَةِ مِنْ فَضْلِهِ [فاطر: 35]و الجواب: أما أهل السنة فإنهم يقولون: إنه لو قال الملك الكريم: من حرك إصبعه أعطيته ألف دينار، فهذا شرط و جزاء بحسب اللغة و بحسب الوضع لا بحسب الاستحقاق الذاتي، فقوله: جَزََاؤُهُمْ يكفي في صدقه هذا المعنى و أما المعتزلة فإنهم قالوا: في قوله تعالى: اَلَّذِي أَحَلَّنََا دََارَ اَلْمُقََامَةِ مِنْ فَضْلِهِ إن كلمة من لابتداء الغاية، فالمعنى أن استحقاق هذه الجنان، إنما حصل بسبب فضلك السابق فإنك لولا أنك خلقتنا و أعطيتنا القدرة و العقل و أزلت الأعذار و أعطيت الألطاف و إلا لما وصلنا إلى هذه الدرجة. فإن قيل: فإذا كان لا حق لأحد عليه في مذهبكم، فما السبب في التزام مثل هذا الإنعام؟قلنا: أ تسأل عن إنعامه الأمسي حال عدمنا؟أو عن إنعامه اليومي حال التكليف؟أو عن إنعامه في غد القيامة؟فإن سألت عن الأمسي فكأنه يقول: أنا منزه عن الانتفاع و المائدة مملوءة من المنافع فلو لم أخلق الخلق لضاعت هذه المنافع، فكما أن من له مال و لا عيال له فإنه يشتري العبيد و الجواري لينتفعوا بماله، فهو سبحانه اشترى من دار العدم هذا الخلق لينتفعوا بملكه، كما

روى: «الخلق عيال اللّه»

و أما اليومي فالنعمان‏ (1) يوجب الإتمام بعد الشروع فالرحمن أولى و أما الغد فأنا مديونهم بحكم الوعد و الإخبار فكيف لا أفي بذلك.

المسألة الرابعة: في قوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ لطائف:

أحدها: قال بعض الفقهاء: لو قال: لا شي‏ء لي على فلان، فهذا يختص بالديون و له أن يدعي الوديعة، و لو قال: لا شي‏ء لي عند فلان انصرف إلى الوديعة دون الدين، و لو قال: لا شي‏ء لي قبل فلان انصرف إلى الدين و الوديعة معا، إذا عرفت هذا فقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ يفيد أنه وديعة و الوديعة عين، و لو قال: لفلان علي فهو إقرار بالدين، و العين أشرف من الدين فقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ يفيد أنه كالمال المعين الحاضر العتيد، فإن قيل: الوديعة أمانة و غير مضمونة و الدين مضمون و المضمون خير مما كان غير مضمون، قلنا: المضمون خير إذا تصور الهلاك فيه و هذا في حق اللّه تعالى محال، فلا جرم قلنا: الوديعة هناك خير من المضمون.

و ثانيها: إذا وقعت الفتنة في البلدة، فوضعت مالك عند إمام المحلة على سبيل الوديعة صرت فارغ القلب، فههنا ستقع الفتنة في بلدة بدنك، و حينئذ تخاف الشيطان من أن يغيروا عليها، فضع وديعة أمانتك عندي فإني أكتب لك به كتابا يتلى في المحاريب إلى يوم القيامة و هو قوله: جَزََاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ حتى أسلمه إليك أحوج ما تكون إليه و هو في عرصة القيامة.

و ثالثها: أنه قال: عِنْدَ رَبِّهِمْ و فيه بشارة عظيمة، كأنه تعالى يقول: أنا الذي ربيتك أولا حين كنت معدوما صفر اليد من الوجود و الحياة و العقل و القدرة، فخلقتك و أعطيتك كل هذه الأشياء فحين كنت مطلقا

____________

(1) يراد بالنعمان الوصفية من الإنعام، أو الاسمية و الاسمية نص الأولى يقصد النعمان بن المنذر بن ماء السماء، و هو.

251

أعطيتك هذه الأشياء، و ما ضيعتك أ ترى أنك إذا اكتسبت شيئا و جعلته وديعة عندي فأنا أضيعها، كلا إن هذا مما لا يكون.

المسألة الخامسة: قوله: جَزََاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنََّاتُ فيه قولان:

أحدهما: أنه قابل الجمع بالجمع‏ (1) ، و هو يقتضي مقابلة الفرد بالفرد، كما لو قال لامرأتيه أو عبديه: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما كذا فيحمل هذا على أن يدخل كل واحد منهما دارا على حدة، و عن أبي يوسف لم يحنث حتى يدخلا الدارين، و على هذا إن ملكتما هذين العبدين، و دليل القول الأول: جَعَلُوا أَصََابِعَهُمْ فِي آذََانِهِمْ وَ اِسْتَغْشَوْا ثِيََابَهُمْ [نوح: 7]فعلى القول الأول بين أن الجزاء لكل مكلف جنة واحدة، لكن أدنى تلك الجنات مثل الدنيا بما فيها عشر مرات كذا روي مرفوعا، و يدل عليه قوله تعالى: وَ مُلْكاً كَبِيراً [الإنسان: 20]و يحتمل أن يراد لكل مكلف جنات، كما روي عن أبي يوسف و عليه يدل القرآن، لأنه قال:

وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ [الرحمن: 26]ثم قال: وَ مِنْ دُونِهِمََا جَنَّتََانِ [الرحمن: 62]فذكر أربعا للواحد، و السبب فيه أنه بكى من خوف اللّه، و ذلك البكاء إنما نزل من أربعة أجفان اثنان دون الإثنين، فاستحق جنتين دون الجنتين، فحصلت له أربع جنات، لسكبه البكاء من أربعة أجفان، ثم إنه تعالى قدم الخوف في قوله: وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ و أخر الخوف في هذه الآية لأنه ختم السورة بقوله: ذََلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ و فيه إشارة إلى أنه لا بد من/دوام الخوف، أما قبل العمل فالحاصل خوف الاختلال، و أما بعد العمل فالحاصل خوف الخلاف، إذ هذه العبادة لا تليق بتلك الحضرة.

المسألة السادسة: قوله: عَدْنٍ يفيد الإقامة: لاََ يُخْرَجُونَ مِنْهََا [الجاثية: 45] وَ مََا هُمْ مِنْهََا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: 48] لاََ يَبْغُونَ عَنْهََا حِوَلاً [الكهف: 108]يقال: عدن بالمكان أقام، و

روي أن جنات عدن وسط الجنة،

و قيل: عدن من المعدن أي هي معدن النعيم و الأمن و السلامة، قال بعضهم: إنها سميت جنة إما من الجن أو الجنون أو الجنة أو الجنين، فإن كانت من الجن فهم المخصوصون بسرعة الحركة يطوفون العالم في ساعة واحدة فكأنه تعالى قال: إنها في إيصال المكلف إلى مشتهياته في غاية الإسراع مثل حركة الجن، مع أنها دار إقامة و عدن، و إما من الجنون فهو أن الجنة، بحيث لو رآها العاقل يصير كالمجنون، لو لا أن اللّه بفضله يثبته، و إما من الجنة فلأنها جنة واقية تقيك من النار، أو من الجنين، فلأن المكلف يكون في الجنة في غاية التنعم، و يكون كالجنين لا يمسه برد و لا حر لاََ يَرَوْنَ فِيهََا شَمْساً وَ لاََ زَمْهَرِيراً [الإنسان: 13].

المسألة السابعة: قوله: تَجْرِي إشارة إلى أن الماء الجاري ألطف من الراكد، و من ذلك النظر إلى الماء الجاري، يزيد نورا في البصر بل كأنه تعالى قال: طاعتك كانت جارية ما دمت حيا على ما قال: وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتََّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ [الحجر: 99]فوجب أن تكون أنهار إكرامي جارية إلى الأبد، ثم قال: مِنْ تَحْتِهَا إشارة إلى عدم التنغيص، و ذلك لأن التنغيص في البستان، إما بسبب عدم الماء الجاري فذكر الجري الدائم، و إما بسبب الغرق و الكثرة، فذكر من تحتها، ثم الألف و اللام في الأنهار للتعريف فتكون منصرفة إلى الأنهار المذكورة في القرآن، و هي نهر الماء و اللبن و العسل و الخمر، و اعلم أن النهار و الأنهار من السعة و الضياء، فلا تسمى الساقية نهرا، بل العظيم هو الذي يسمى نهرا بدليل قوله: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي اَلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْأَنْهََارَ

____________

(1) الصواب أن يقال: قابل المفرد بالجمع فالمفرد هنا لفظ جزاء و الجمع لفظ جنات.

252

[إبراهيم: 32]فعطف ذلك على البحر.

المسألة الثامنة: اعلم أنه تعالى لما وصف الجنة أتبعه بما هو أفضل من الجنة و هو الخلود أولا و الرضا ثانيا، و

روي أنه عليه السلام قال: «إن الخلود في الجنة خير من الجنة و رضا اللّه خير من الجنة» .

أما الصفة الأولى: و هي الخلود، فاعلم أن اللّه وصف الجنة مرة بجنات عدن و مرة بجنات النعيم و مرة بدار السلام، و هذه الأوصاف الثلاثة إنما حصلت لأنك ركبت إيمانك من أمور ثلاثة اعتقاد و قول و عمل.

و أما الصفة الثانية: و هي الرضا، فاعلم أن العبد مخلوق من جسد و روح، فجنة الجسد هي الجنة الموصوفة و جنة الروح هي رضا الرب، و الإنسان مبتدأ أمره من عالم الجسد و منتهى أمره من عالم العقل و الروح، فلا جرم ابتدأ بالجنة و جعل المنتهى هو رضا اللّه، ثم إنه قدم رضى اللّه عنهم على قوله: وَ رَضُوا عَنْهُ لأن الأزلي هو المؤثر في المحدث، و المحدث لا يؤثر في الأزلي.

المسألة التاسعة: إنما قال: رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ و لم يقل رضي الرب عنهم و لا سائر الأسماء لأن أشد الأسماء هيبة و جلالة لفظ اللّه، لأنه هو الاسم الدال على الذات و الصفات بأسرها أعني صفات الجلال و صفات الإكرام، فلو قال: رضي الرب عنهم لم يشعر ذلك بكمال طاعة العبد لأن المربي قد يكتفي بالقليل، أما لفظ اللّه فيفيد غاية الجلالة و الهيبة، و في مثل هذه الحضرة لا يحصل الرضا إلا بالفعل الكامل و الخدمة التامة، فقوله:

رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ يفيد تطرية فعل العبد من هذه الجهة.

المسألة العاشرة: اختلفوا في قوله: رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ فقال بعضهم: معناه رضي أعمالهم، و قال بعضهم: المراد رضي بأن يمدحهم و يعظمهم، قال: لأن الرضا عن الفاعل غير الرضا بفعله، و هذا هو الأقرب، و أما قوله: وَ رَضُوا عَنْهُ فالمراد أنه رضوا بما جازاهم من النعيم و الثواب.

أما قوله تعالى: ذََلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الخوف في الطاعة حال حسنة قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مََا آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون: 60]و لعل الخشية أشد من الخوف، لأنه تعالى ذكره في صفات الملائكة مقرونا بالإشفاق الذي هو أشد الخوف فقال: هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون: 57]و الكلام في الخوف و الخشية مشهور.

المسألة الثانية: هذه الآية إذا ضم إليها آية أخرى صار المجموع دليلا على فضل العلم و العلماء، و ذلك لأنه تعالى قال: إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ [فاطر: 28]فدلت هذه الآية على أن العالم يكون صاحب الخشية، و هذه الآية و هي قوله: ذََلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ تدل على أن صاحب الخشية تكون له الجنة فيتولد من مجموع الآيتين أن الجنة حق العلماء.

المسألة الثالثة: قال بعضهم: هذه الآية تدل على أن المرء لا ينتهي إلى حد يصير معه آمنا بأن يعلم أنه من أهل الجنة، و جعل هذه الآية دالة عليه و هذا المذهب غير قوي، لأن الأنبياء عليهم السلام قد علموا أنهم من أهل الجنة، و هم مع ذلك من أشد العباد خشية للّه تعالى، كما

قال عليه الصلاة و السلام: «أعرفكم باللّه أخوفكم من اللّه، و أنا أخوفكم منه»

و اللّه سبحانه و تعالى أعلم. و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

253

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة الزلزلة

و هي ثمان آيات مكية

هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في المناسبة بين أول هذه السورة و آخر السورة المتقدمة وجوها أحدها: أنه تعالى لما قال: جَزََاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [البينة: 8]فكأن المكلف قال: و متى يكون ذلك يا رب فقال: إِذََا زُلْزِلَتِ اَلْأَرْضُ زِلْزََالَهََا فالعالمون كلهم يكونون في الخوف، و أنت في ذلك الوقت تنال جزاؤك و تكون آمنا فيه، كما قال: وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النمل: 89]و ثانيها: أنه تعالى لما ذكر في السورة المتقدمة و عيد الكافر و وعد المؤمن أراد أن يزيد في و عيد الكافر، فقال: أجازيه حين يقول الكافر السابق ذكره: ما للأرض تزلزل، نظيره قوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: 106]ثم ذكر الطائفتين فقال: فَأَمَّا اَلَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ [آل عمران: 106] وَ أَمَّا اَلَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ [آل عمران: 107]ثم جمع بينهما في آخر السورة فذكر الذرة من الخير و الشر.

المسألة الثانية: في قوله: إِذََا بحثان أحدهما: أن لقائل أن يقول: إِذََا للوقت فكيف وجه البداية بها في أول السورة؟ و جوابه: من وجوه الأول: كانوا يسألونه متى الساعة؟فقال: إِذََا زُلْزِلَتِ اَلْأَرْضُ كأنه تعالى قال: لا سبيل إلى تعيينه بحسب وقته و لكني أعينه بحسب علاماته، الثاني: أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تحدث و تشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد فكأنه قيل: متى يكون ذلك؟فقال إِذََا زُلْزِلَتِ اَلْأَرْضُ .

البحث الثاني: قالوا كلمة: (إن) في المجوز، و إذا في المقطوع به، تقول: إن دخلت الدار فأنت طالق لأن الدخول يجوز، أما إذا أردت التعليق بما يوجد قطعا لا تقول: إن بل تقول: إذا[نحو إذا]جاء غد فأنت طالق لأنه يوجد لا محالة هذا هو الأصل، فإن استعمل على خلافه فمجاز، فلما كان الزلزال مقطوعا به قال:

إِذََا زُلْزِلَتِ .

المسألة الثالثة: قال الفراء: الزلزال بالكسر المصدر و الزلزال بالفتح الاسم، و قد قرئ بهما، و كذلك الوسواس هو الاسم أي اسم الشيطان الذي يوسوس إليك، و الوسواس بالكسر/المصدر، و المعنى:

254

حركت حركة شديدة، كما قال: إِذََا رُجَّتِ اَلْأَرْضُ رَجًّا [الواقعة: 4]و قال قوم: ليس المراد من زلزلت حركت، بل المراد: تحركت و اضطربت، و الدليل عليه أنه تعالى يخبر عنها في جميع السورة كما يخبر عن المختار القادر، و لأن هذا أدخل في التهويل كأنه تعالى يقول: إن الجماد ليضطرب لأوائل القيامة، أما آن لك أن تضطرب و تتيقظ من غفلتك و يقرب منه: لَرَأَيْتَهُ خََاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ [الحشر: 21]و اعلم أن زل للحركة المعتادة، و زلزل للحركة الشديدة العظيمة، لما فيه من معنى التكرير، و هو كالصرصر في الريح، و لأجل شدة هذه الحركة و صفها اللّه تعالى بالعظم فقال: إِنَّ زَلْزَلَةَ اَلسََّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ [الحج: 1].

المسألة الرابعة: قال مجاهد: المراد من الزلزلة المذكورة في هذه الآية النفخة الأولى كقوله: يَوْمَ تَرْجُفُ اَلرََّاجِفَةُ`تَتْبَعُهَا اَلرََّادِفَةُ [النازعات: 6]أي تزلزل في النفخة الأولى، ثم تزلزل ثانيا فتخرج موتاها و هي الأثقال، و قال آخرون: هذه الزلزلة هي الثانية بدليل أنه تعالى جعل من لوازمها أنها تخرج الأرض أثقالها، و ذلك إنما يكون في الزلزلة الثانية.

المسألة الخامسة: في قوله: زِلْزََالَهََا بالإضافة وجوه أحدها: القدر اللائق بها في الحكمة، كقولك:

أكرم التقي إكرامه و أهن الفاسق إهانته، تريد ما يستوجبانه من الإكرام و الإهانة و الثاني: أن يكون المعنى زلزالها كله و جميع ما هو ممكن منه، و المعنى أنه وجد من الزلزلة كل ما يحتمله المحل و الثالث: زلزالها الموعود أو المكتوب عليها إذا قدرت تقدير الحي، تقريره ما روى أنها تزلزل من شدة صوت إسرافيل لما أنها قدرت تقدير الحي. أما قوله:

ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: في الأثقال قولان: أحدهما: أنه جمع ثقل و هو متاع البيت: وَ تَحْمِلُ أَثْقََالَكُمْ [النحل: 7]جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها، قال أبو عبيدة و الأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها، و إذا كان فوقها فهو ثقل عليها، و قيل: سمي الجن و الإنس بالثقلين لأن الأرض تثقل بهم إذا كانوا في بطنها و يثقلون عليها إذا كانوا فوقها، ثم قال: المراد من هذه الزلزلة الزلزلة الأولى يقول:

أخرجت الأرض أثقالها، يعني الكنوز فيمتلئ ظهر الأرض ذهبا و لا أحد يلتفت إليه، كأن الذهب يصيح و يقول: أما كنت تخرب دينك و دنياك لأجلي!أو تكون الفائدة في إخراجها كما قال تعالى: يَوْمَ يُحْمى‏ََ عَلَيْهََا فِي نََارِ جَهَنَّمَ [التوبة: 35]و من قال: المراد من هذه الزلزلة الثانية و هي بعد القيامة قال: تخرج الأثقال يعني الموتى أحياء كالأم تلده حيا، و قيل: تلفظه الأرض ميتا، كما دفن ثم يحييه اللّه تعالى و القول الثاني: أثقالها: أسرارها فيومئذ تكشف الأسرار، و لذلك قال: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبََارَهََا فتشهد لك او عليك.

المسألة الثانية: أنه تعالى قال في صفة الأرض: أَ لَمْ نَجْعَلِ اَلْأَرْضَ كِفََاتاً [المرسلات: 25] ثم صارت بحال ترميك و هو تقرير لقوله: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمََّا أَرْضَعَتْ [الحج: 2]و قوله: يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ [عبس: 34]أما قوله تعالى: