الغدير - ج2

- الشيخ عبد الحسين الأميني النجفي المزيد...
386 /
1

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

نجز الجزء الأول (ولله الحمد) من هذا الكتاب بعد أن ألمسك باليد حقيقة ناصعة هي من أجلى الحقايق الدينية. ألا ؟ وهي : مغزى نص الغدير ومفاده، ذلك النص الجلي على إمامة مولانا أمير المؤمنين، بحيث لم يدع لقائل كلمة، ولا لمجادل شبهة في تلك الدلالة، وقد أوعزنا في تضاعيف ذلك البحث الضافي إلى أن هذا المعنى من الحديث هو الذي عرفته منه العرب منذ عهد الصحابة الوعاة له وفي الأجيال من بعدهم وإلى عصرنا الحاضر، فهو معنى اللفظ اللغوي المراد لا محالة قبل القراين المؤكدة له وبعدها، وقد أسلفنا نزرا من شواهد هذا المدعى، غير أنه يروقنا هيهنا التبسط في ذلك بإيراد الشعر المقول فيه، مع يسير من مكانة الشاعر وتوغله في العربية، ليزداد القارئ بصيرة على بصيرته .

ألا ؟ إن كلا من أولئك الشعراء الفطاحل (وقل في أكثرهم : العلماء) معدود من رواة هذا الحديث، فإن نظمهم إياه في شعرهم القصصي ليس من الصور الخيالية الفارغة، كما هو المطرد في كثير من المعاني الشعرية، ولدى سواد عظيم من الشعراء، ألم ترهم في كل واد يهيمون ؟ لكن هؤلاء نظموا قصة لها خارج، وأفرغوا ما فيها من كلم منثورة أو معان مقصودة، من غير أي تدخل للخيال فيه، فجاء قولهم كأحد الأحاديث المأثورة، فتكون تلكم القوافي المنضدة في عقودها الذهبية من جملة المؤكدات لتواتر الحديث .

ومن هنا لم نعتبر في بعض ما أوردناه أن يكون من علية الشعر، ولا لاحظنا تناسبه لأوقات نبوغ الشاعر في القوة، لما ذكرناه من أن الغاية هي روايته للحديث وفهمه المعنى المقصود منه، ولن تجد أي فصيح من الشعراء والكتاب تشابهت ولائد فكرته في القوة والضعف في جميع أدواره وحالاته .

2

الشعر والشعراء

ونحن لا نرى شعر السلف الصالح مجرد ألفاظ مسبوكة في بوتقة النظم، أو كلمات منضدة على أسلاك القريض فحسب، بل نحن نتلقاه بما هناك من الأبحاث الراقية في المعارف من علمي الكتاب والسنة، إلى دروس عالية من الفلسفة والعبر والموعظة الحسنة والأخلاق، أضف إليها ما فيه من فنون الأدب، ومواد اللغة، و مباني التاريخ، فالشعر الحافل لهذه النواحي بغية العالم، ومقصد الحكيم، ومأرب الأخلاقي، وطلبة الأديب، وأمنية المؤرخ وقل : مرمى المجتمع البشري أجمع .

وهناك للشعر المذهبي مآرب أخرى هي من أهل ما نجده في شعر السلف .

ألا ؟ وهي الحجاج في المذهب، والدعوة إلى الحق، وبث فضايل آل الله، ونشر روحيات العترة الطاهرة في المجتمع، بصورة خلابة، وأسلوب بديع، يمازج الأرواح، و ويخالط الأدمغة، فيبلغ هتافه القاصي والداني، وتلوكه أشداق الموالي والمناوئ مهما علت في الكون عقيرته، ودوخت الارجاء شهرته، وشاع وذاع وطار صيته في الأقطار، وقرطت به الآذان .

مهما صار أحدوة تحدو بها الحداة، وأغاني تغني بها الجواري في أندية الملوك والخلفاء والأمراء، وتناغي بها الأمهات الرضع في المهود، ويرقصنها بها بعد الفطام في الحجور، ويلقنها الآباء أولادهم على حين نعومة الأظفار، فينمو ويشب وفي صفحة قلبه أسطر نورية من الولاء المحض بسبب تلك الأهازيج، وهذه الناحية (الفارغة اليوم) لا تسدها خطابة أي مفوه لسن، ولا تلحقه دعاية أي متكلم، كما يقصر دون إدراكها السيف والقلم .

وأنت تجد تأثير الشعر الرائق في نفسيتك فوق أي دعاية وتبليغ، فأي أحد يتلو ميمية الفرزدق فلا يكاد أن يطير شوقا إلى الممدوح وحبا له ؟ أو ينشد هاشميات الكميت فلا يمتلئ حجاجا للحق ؟ أو يترنم بعينية الحميري فلا يعلم أن الحق يدور علي الممدوح بها ؟ أو تلقى عليه تائية دعبل فلا يستاء لاضطهاد أهل الحق ؟ أو تصك سمعه ميمية الأمير أبي فراس فلا تقف شعرات جلدته ؟ ثم لا يجد كل عضو من يخاطب

3

القوم بقوله :

يا باعة الخمر كفوا عن مفاخركم * لعصبة بيعهم يـوم الهيـاج دم

وكم وكم لهذه من أشباه ونظاير في شعراء أكابر الشيعة، وسوف تقف عليها في طيات أجزاء كتابنا هذا إنشاء الله تعالى .

وبهذه الغاية المهمة كان الشعر في القرون الأولى مدحا وهجاءا ورثاءا كالصارم المسلول بيد موالي أئمة الدين، وسهما مغرقا في أكباد أعداء الله، ومجلة دعاية إلى ولاء آل الله في كل صقع وناحية، وكانوا (صلوات الله عليهم) يضحون دونه ثروة طايلة ويبذلون من مال الله للشعراء ما يغنيهم عن التكسب والاشتغال بغير هذه المهمة، وكانوا يوجهون الشعراء إلى هذه الناحية، ويحتفظون بها بكل حول وطول، ويحرضون الناس عليها، ويبشرونهم عن الله و (هم أمناء وحيه) بمثل قولهم : من قال فينا بيت شعر بنى الله له بيتا في الجنة . ويحثونهم على تعلم ما قيل فيهم وحفظه بمثل قول الصادق الأمين (عليه السلام). علموا أولادكم بشعر العبدي .

وقوله : ما قال فينا قائل بيت شعر حتى يؤيد بروح القدس (1) .

وروى الكشي في رجاله ص 160 عن أبي طالب القمي قال : كتبت إلى أبي جعفر بأبيات شعر وذكرت فيها أباه وسألته أن يأذن لي في أن أقول فيه، فقطع الشعر وحبسه وكتب في صدر ما بقي من القرطاس : قد أحسنت فجزاك الله خيرا .

وعنه في لفظ آخر : فأذن لي أن أرثي أبا الحسن أعني أباه وكتب إلي : أن اندبه واندب لي .

____________

(1) عيون أخبار الرضا، رجال الكشي ص 254 .

الشعر والشعراء في السنة والكتاب

كل ما ذكرنا عنهم (صلوات الله عليهم) كان تأسيا بقدوتهم النبي الطاهر (صلى اللّٰه عليه و آله) فإنه أول فاتح لهذا الباب بمصراعيه مدحا وهجاءا بإصاخته للشعراء المادحين له ولأسرته الكريمة، وكان ينشد الشعر ويستنشده ويجيز عليه ويرتاح له ويكرم الشاعر مهما وجد في شعره هذه الغاية الوحيدة كارتياحه لشعر عمه شيخ الأباطح أبي طالب (سلام الله عليه) لما استسقى فسقي قال : لله در أبي طالب

____________

(1) عيون أخبار الرضا، رجال الكشي ص 254 .

4

لو كان حيا لقرت عيناه، من ينشدنا قوله ؟ فقام عمر بن الخطاب فقال : عسى أردت يا رسول الله ؟ .

وما حملت من ناقة فوق ظهرها * أبر وأوفـى ذمـة مـن محمد

فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) : ليس هذا من قول أبي طالب هذا من قول حسان بن ثابت .

فقام علي بن أبي طالب (عليه السلام)وقال : كأنك أردت يا رسول الله ؟

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عـصمة للأرامل

تلوذ به الهلاك من آل هـاشم * فهل عـنده في نعـمة وفواضل

فقال رسول الله : أجل فقام رجل من بني كنانة فقال :

لك الحمد والحمـد ممن شكر * سقينا بوجـه النبي المطـر

دعا الله خالقـه دعـوة * وأشخـص منه إليـه البصر

فلم يـك إلا كإلقـا الـردا * وأسـرع حـتى أتانـا الدرر

دفاق العـزالي جم البعاق(1) * أغـاث به الله عـليا مضـر

فكـان كـما قـاله عـمـه:* أبـو طالـب ذا رواء غـزر

به الله يسـقي صيـوب الغمام * فهـذا العـيان وذاك الخـبـر

فقال رسول الله : يا كناني ؟ بوأك الله بكل بيت قلته بيتا في الجنة(2).

ولما نظر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يوم بدر إلى القتلى مصرعين قال لأبي بكر : لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا أخذت بالأماثل وذلك لقول أبي طالب :

وإنما لعمر الله إن جد ما أرى * لتلتبسن أسيافـنا بالأماثـل

وكارتياحه (صلى اللّٰه عليه و آله) لشعر عمه العباس بن عبد المطلب لما قال : يا رسول الله ؟ أريد أن أمتدحك . فقال رسول الله : قل لا يفضض الله فاك . فأنشأ يقول :

من قبلها طبت في الظلال وفي * مستـودع حيث يخصف الورق

ثم هـبطـت البلاد لا بـشـر * أنـت ولا مضـغـة ولا عـلق

____________

(1) العزالي جمع العزلاء : مصب الماء . والبعاق بالضم : السحاب الممطر بشدة .

(2) أمالي شيخ الطايفة ص 46 .

5

بل نطفة تركب السفيـن وقـد * ألجم نسـرا وأهله الغـرق

تنقل من صالب إلـى رحـم * إذا مضى عالـم بـدا طبـق

حتى احتوى بيتك المهيمن مـن * خندف علياء تحتهـا النطـق

وأنت لما ولدت أشرقت الأرض * وضـاءت بنـورك الأفـق

فنحن في ذلك الضيـاء وفـي * النور وسبل الرشـاد نخترق(1)

وكارتياحه (صلى اللّٰه عليه و آله) لشعر عمرو بن سالم وقوله له: نصرت يا عمرو بن سالم لما قدمه وأنشده أبياتا أولها (2):

لا هم إني ناشـد محـمدا * حلف أبينا وأبـيـه الأتـلد

كنت لنا أبا وكنـا ولـدا * ثمـت أسلمنـا فلم ننزع يد

فانصر رسول الله نصرا عتدا * وادع عباد الله يأتـوا مـدد

... إلخ .

وكارتياحه (صلى اللّٰه عليه و آله) لشعر النابغة الجعدي ودعائه له بقوله : لا يفضض فاك، لما أنشده أبياتا من قصيدته مائتي بيت أولها :

خـليلي غـضا ساعة وتهجـرا * ولوما على ما أحدث الدهر أو ذر

ومما أنشده رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله):

أتيت رسول الله إذ جاء بالهـدى * ويتلو كتابـا كالمجـرة نـير

وجاهدت حتى ما أحس ومن معي * سهيلا إذا مـا لاح ثـم تحور

أقيم على التقوى وأرضـى بفعلها * وكنت من النار المخوفـة أحذر

ولما بلغ إلى قوله :

بلغنا السماء مجـدنا وجـدودنا * وإنا لنـرجو فوق ذلك مظهر

فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) : أين المظهر يا أبا ليلى ؟ قال : الجنة . قال : أجل إن شاء الله تعالى .

ثم قال :

ولا خير في حلم إذا لم يكن لـه * بوادر تحـمي صفوه أن يكدر

ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الأمر أصدر

____________

(1) مستدرك الحاكم 3 ص 327، أسد الغابة 1 ص 119 .

(2) تاريخ الطبري 3 ص 111 أسد الغابة 4 ص 104 .

6

فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) : أجدت لا يفضض الله فاك .

مرتين فكانت أسنانه كالبرد المنهل ما انفصمت له سن ولا انفلتت وكان معمرا (1) وكارتياحه (صلى اللّٰه عليه و آله) لشعر كعب بن زهير لما أنشده في مسجده الشريف لاميته التي أولها :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم أثرها لم يفد مكبول

فكساه النبي صلى الله وآله بردة إشتراها معاوية بعد ذلك بعشرين ألف درهم وهي التي يلبسها الخلفاء في العيدين (2) وفي مستدرك الحاكم 3 ص 582 : لما أنشد كعب قصيدته هذه رسول الله وبلغ قوله :

إن الرسول لسيف يستضاء به * وصارم من سيوف الله مسلول

أشار (صلى اللّٰه عليه و آله) بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه . ويروى أن كعبا أنشد (من سيوف الهند) فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) : من سيوف الله (3) .

وكارتياحه (صلى اللّٰه عليه و آله) لشعر عبد الله بن رواحة، قال البراء بن عازب : رأيت النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ينقل من تراب الخندق حتى وارى التراب جلد بطنه وهو يرتجز بكلمة عبد الله بن رواحة:

لاهم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقـنا ولا صلـين

فأنزلن سكينـة عـلينا * وثبت الأقـدام إن لاقين

إن أولاء قد بغوا علينـا * وإن أرادوا فتنة أبينا (4)

ويظهر من رواية ابن سعد في طبقاته وابن الأثير إن الأبيات لعامر بن الأكوع روى الثاني في أسد الغابة 3 ص 72 إن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال لعامر في مسيره إلى خيبر : انزل يا بن الأكوع واحد لنا من هناتك (5) قال : نزل يرتجز رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله):

لا هم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلين

...إلخ

____________

(1) الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 96، الاستيعاب 1 ص 311، الإصابة 3 ص 539 .

(2) الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 62، الامتاع للمقريزي 494، الإصابة 5 ص 296 .

(3) شرح قصيدة : بانت سعاد . لجمال الدين الأنصاري ص 98 .

(4) مسند أحمد 4 ص 302 .

(5) أي كلماتك وأراجيزك وفي رواية : هنيأتك . على التصغير، وفي أخرى : هنيهاتك .

7

فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) : يرحمك ربك .

وفي لفظ : رحمك الله .

وفي الطبقات لابن سعد 3 ص 619 : غفر لك ربك .

وكارتياحه (صلى اللّٰه عليه و آله) لشعر حسان بن ثابت يوم غدير خم ودعائه له بقوله : لا تزال يا حسان ؟ مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك .

وكان (صلى اللّٰه عليه و آله) يضع لحسان منبرا في مسجده الشريف يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله، ويقول رسول الله : إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله (1) وكارتياحه لشعر أبي كبير الهذلي .

قالت عايشة : كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يخصف نعله وكنت جالسة أغزل فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وعرقه يتولد نورا قالت : فبهت فنظر إلي فقال : مالك بهت ؟ فقلت يا رسول الله ؟ نظرت إليك فجعل جبينك يعرق وعرقك يتولد نورا، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره، قال : وما يقول أبو كبير ؟ قلت : يقول :

ومبرئ من كل غبر حيضـة * وفساد مرضعة وداء معضل

وإذا نظرت إلى أسرة وجهه * برقت كبرق العارض المتهلل

قالت : فوضع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما كان بيده وقام وقبل ما بين عيني وقال : جزاك الله خيرا يا عايشة ؟ ما سررت مني كسروري منك(2).

وكان (صلى اللّٰه عليه و آله) يحث الشعراء إلى هذه الناحية، ويأمرهم بالاحتفاظ بها، ويرشدهم إلى أخذ حديث المخالفين له وأحسابهم وتأريخ نشئاتهم ممن يعرفها وهجاءهم كما كان يأمرهم بتعلم القرآن العزيز، وكان يراه نصرة للاسلام، وجهادا دون الدين الحنيف، وكان يصور للشاعر جهاده وينص به ويقول : اهجوا بالشعر إن المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفس محمد بيده كأنما تنضحونهم بالنبل . وفي لفظ آخر : فكأن ما ترمونهم به نضح النبل . وفي ثالث : والذي نفس محمد بيده فكأنما تنضحونهم بالنبل فيما تقولون لهم من الشعر (3).

____________

(1) مستدرك الحاكم 3 ص 477 وصححه هو والذهبي في تلخيصه .

(2) حلية الأولياء لأبي نعيم 2 ص 45، تاريخ الخطيب البغدادي 13 ص 253 .

(3) مسند أحمد 3 ص 460، 456، ج 6 ص 387 .

8

وكان (صلى اللّٰه عليه و آله) يثور شعراءه إلى الجدال بنبال النظم وحسام القريض ويحرضهم إلى الحماسة في مجابهة الكفار في قولهم المضاد لمبدءه القدسي، ويبث فيهم روحا دينيا قويا، ويؤكد فيهم حمية تجاه الحمية الجاهلية، وكان يوجد فيهم هياجا ونشاطا في النشر والدعاية، وشوقا مؤكدا إلى الدفاع عن حامية الاسلام المقدس، ورغبة في المجاهدة بالنظم بمثل قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) للشاعر : اهج المشركين فإن روح القدس معك ما هاجيتهم (1) وقوله : اهجهم فإن جبريل معك (2) قال البراء بن عازب : إن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قيل له : إن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يهجوك، فقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله ؟ إئذن لي فيه فقال : أنت الذي تقول : ثبت الله ؟ قال : نعم يا رسول الله ؟ :

فثبت الله مـا أعـطاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا مثل ما نصرو

قال (صلى اللّٰه عليه و آله) : وأنت يفعل الله بك خيرا مثل ذلك . قال : ثم وثب كعب فقال : يا رسول الله ؟ إئذن لي فيه . قال : أنت الذي تقول : همت ؟ قال : نعم، قلت يا رسول الله ؟:

همت سخينة أن تغالب ربها * فليغـلبن مغـالب الغـلاب

قال (صلى اللّٰه عليه و آله) : إن الله لم ينس ذلك لك. قال ثم قام حسان فقال : يا رسول الله ؟ إئذن لي فيه وأخرج لسانا له أسود فقال : يا رسول الله ؟ إئذن لي إن شئت أفريت به المزاد (3) فقال : إذهب إلى أبي بكر ليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم ثم اهجهم وجبريل معك (2).

وهذه الطائفة من الشعراء هم المعنيون بقوله تعالى : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثير وانتصروا من بعد ما ظلموا . وهم المستثنون في صريح القرآن من قوله تعالى : والشعراء يتبعهم الغاوون . الآية سورة الشعراء . ولما نزلت

____________

(1) مسند أحمد 4 ص 298، مستدرك الحاكم 3 ص 487 .

(2) مسند أحمد 4 ص 299، 302، 303 .

(3) أي شفقته . كناية عن إسقاطه بالفضيحة .

(4) مستدرك الحاكم 3 ص 488 .

9

هذه الآية جاءت عدة من الشعراء إلى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) وهم يبكون قائلين إنا شعراء والله أنزل هذه الآية فتلا النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) : وسلم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . قال : أنتم . وذكروا الله كثيرا، قال : أنتم .

وانتصروا من بعد ما ظلموا، قال : أنتم(1).

وإن كعب بن مالك أحد شعراء النبي الأعظم حين أنزل الله تبارك وتعالى في الشعر ما أنزل أتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال : إن الله تبارك وتعالى قد أنزل في الشعر ما قد علمت وكيف ترى فيه ؟ فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه (2) على أن في وسع الباحث أن يقول : إن المراد بالشعراء في الآية الكريمة كل من يأتي بكلا شعري منظوما أو منثورا فتكون مصاديقها أحزاب الباطل وقوالة الزور، فعن مولانا الصادق (عليه السلام): إنهم القصاصون .

رواه شيخنا الصدوق في عقايده، وفي تفسير علي بن إبراهيم ص 474 أنه قال : نزلت في الذين غيروا دين الله وخالفوا أمر الله، هل رأيتم شاعرا قط تبعه أحد ؟ إنما عني بذلك الذين وضعوا دينا بآرائهم فتبعهم على ذلك الناس، ويؤكد ذلك قوله : ألم ترهم في كل واد يهيمون . يعني يناظرون بالأباطيل ويجادلون بالحجج وفي كل مذهب يذهبون .

وفي تفسير العياشي عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال : هم قوم تعلموا وتفقهوا بغير علم فضلوا وأضلوا .

فليس في الآية حط لمقام الشعر بما هو شعر وإنما الحط على الباطل منه و من المنثور، وقد ثبت عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) عند فريقي الاسلام قوله : إن من الشعر لحكمة .

م - وإن من البيان لسحرا (3) ] .

____________

(1) تفسير ابن كثير 3 ص 354 .

(2) مسند أحمد 3 ص 456 .

(3) مسند أحمد 1 ص 269، 273، 303، 332، سنن الدارمي 2 ص 296، صحيح البخاري كتاب الطب، باب : إن من البيان سحرا، المجني لابن دريد ص 22، تاريخ بغداد للخطيب 3 ص 98، 258، و ج 4 ص 254، و ج 8 ص 18، 314، البيان والتبيين للجاحظ 1 ص 212، 275، رسائل الجاحظ ص 235، مصابيح السنة للبغوي 2 ص 149، الروض الأنف 2 ص 337، تاريخ ابن كثير 9 ص 45، تاريخ ابن عساكر 1 ص 348، و ج 6 ص 423، الإصابة 1 ص 453، و ج 4 ص 183، تهذيب التهذيب 9 ص 453) .

الهواتف بالشعر

وهناك هتافات غيبية شعرية في الدعاية الدينية، خوطب بها أناس في بدء

____________

(1) تفسير ابن كثير 3 ص 354 .

(2) مسند أحمد 3 ص 456 .

(3) مسند أحمد 1 ص 269، 273، 303، 332، سنن الدارمي 2 ص 296، صحيح البخاري كتاب الطب، باب : إن من البيان سحرا، المجني لابن دريد ص 22، تاريخ بغداد للخطيب 3 ص 98، 258، و ج 4 ص 254، و ج 8 ص 18، 314، البيان والتبيين للجاحظ 1 ص 212، 275، رسائل الجاحظ ص 235، مصابيح السنة للبغوي 2 ص 149، الروض الأنف 2 ص 337، تاريخ ابن كثير 9 ص 45، تاريخ ابن عساكر 1 ص 348، و ج 6 ص 423، الإصابة 1 ص 453، و ج 4 ص 183، تهذيب التهذيب 9 ص 453) .

10

الاسلام فاهتدوا بها، وهي معدودة من معاجز النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) وتنم عن أهمية الشعر في باب الالقاء والحجاج وإفهام المستمع، وإن أخذه بمجامع القلوب والأفئدة آكد من الكلام المنثور، فليتخذ دستورا في إصلاح المجتمع، وبث الدعاية الروحية.

ومنها :

1 - سمعت آمنة بنت وهب في ولادة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) هاتفا يقول:

صلى الإله وكـل عـبد صـالـح * والطيبون على السراج الواضح

المصطفى خـير الأنام محـمـد * الطاهـر العلم الضـياء اللايـح

زين الأنام المصطفى علم الهدى * الصادق البـر التـقي النـاصح

صلى عـليه الله ما هـبت الصبا * وتجاوبت ورق الحمام النايح(1)

2 - هتف هاتف من صنم بصوم جهير ليلة مولد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) وقد خرت فيها الأصنام وهو يقول :

تـردى لمولـود أنـارت بـنـوره * جميع فجاج الأرض بالشرق والغرب

وخرت له الأوثـان طـرا وأرعـدت * قـلوب ملوك الأرض طرا من الرعب

ونار جـميع الفـرس باخت وأظلمت * وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب

وصدت عن الكهـان بالغـيب جـنها * فلا مخـبر منهـم بحـق ولا كـذب

فيال قصي ارجعـوا عـن ضلالـكم * وهبوا إلى الاسلام والمنزل الرحب(2)

3 - قال ورقة : بت ليلة مولد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) عند صنم لنا إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول :

ولـد النبي فـذلت الأمـلاك * ونأى الضلال وأدبر الاشراك

ثم انتكس الصنم على رأسه(3) .

4 - قال العوام بن جهيل (مصغرا) الهمداني سادن (يغوث) : بت ليلا في بيت الصنم : وسمعت هاتفا من الصنم يقول : يا ابن جهيل ؟ حل بالأصنام الويل، هذ

____________

(1) بحار الأنوار 6 ص 73 .

(2) تاريخ ابن كثير 2 ص 341، الخصايص الكبرى للسيوطي 1 ص 52 .

(3) الخصايص الكبرى 1 ص 52 .

11

نور سطع من الأرض الحرام، فودع يغوث بالسلام .

فكلمت قومي ما سمعت فإذا هاتف يقول:

هل تسمعن القول يا عوام ؟ * أم أنت ذو وقـر عن الكلام؟

قد كشـف دياجـر الظـلام * وأصفق الناس على الاسلام

فقلت:

يا أيها الهـاتف بالعـوام * لست بذي وقر عن الكلام

فبينن عن سنة الاسلام

قال: وما كنت والله عرفت الاسلام قبل ذلك فأجابني يقول:

أرحل على اسم الله والتوفيق * رحـلـة لا وان ولا مشيـق

إلى فريق خـير ما فـريـق * إلى النبي الصـادق المصدوق

فرميت الصنم وخرجت أريد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فصادفت وفد همدان يدور بالنبي فدخلت عليه فأخبرته خبري فسر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم قال : أخبر المسلمين : وأمرني بكسر الأصنام فرجعت إلى اليمن وقد امتحن الله قبلي بالاسلام وقلت في ذلك:

من مبـلغ عـنا شـآم قـومنا * ومـن حل بالأجواف سرا وجهر

بأنـا هـدانا الله للحـق بعـدهـا * تهـود مـنا حـائر وتـنـصـر

وإنا سرينا مـن يغـوث وقـربـه * يعوق وتابعناك يا خير الورى(1)

5 - أخرج أبو نعيم في دلايل النبوة 1 ص 34 عن العباس بن مرداس السلمي قال : دخلت على وثن يقال له (الضمار) فكنست ما حوله ومسحته وقبلته فإذا بصايح يصيح يا عباس بن مرداس؟

قل للقبايل مـن سـليم كـلهـا :* هـلك الأنيس وفاز أهل المسجد

أودى " ضمار " وكان يعبد مرة * قبل الكـتاب إلى النـبي محـمد

إن الـذي ورث النـبوة والهدى * بعـد ابن مـريم من قريش مهتد

فخر العباس في ثلثمائة راكب من قومه إلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فلم

____________

(1) أسد الغابة 4 ص 193، الإصابة 3 ص 41 .

12

رآه النبي تبسم ثم قال : يا عباس بن مرداس كيف كان إسلامك ؟ فقص عليه القصة فقال : صدقت وسر بذلك(1).

6 - أخرج أبو نعيم في دلايله 1 ص 33 عن رجل خثعمي قال : إن قوما من خثعم كانوا مجتمعين عند صنم لهم إذ سمعوا بهاتف يهتف :

يا أيها النـاس ذوو الأجسام * ومسندوا الحكم إلى الأصنام

ما أنتـم وطـائش الأحـلام * هـذا نـبي سـيـد الأنـام

أعـدل ذي حـكم من الحكام * يصـدع بالـنور وبـالاسلام

ويردع النـاس عـن الآثـام * مستعـلن فـي البلد الحرام

وأخرج أبو نعيم عن عمر قال : سمعت هاتفا يهتف ويقول :

يا أيها الـناس ذوو الأجسام * ومسندوا الحكم إلى الأصنام

ما أنتم وطـائش الأحـلام * فكـلكم أوره كـالنعـام(2)

أمـا ترون ما أرى أمامي ؟ * قـد لاح للناضر مـن تهـام

أكـرم بـه لله مـن إمـام * قـد جاء بعـد الكفر بالاسلام

والبر والصلات للأرحام (3)

ورواه الخرائطي كما في تاريخ ابن كثير 2 ص 343 بإسناده واللفظ فيه :

يا أيها النـاس ذوو الأجسام * مـن بين أشيـاخ إلى غلام

ما أنتم وطـائـش الأحـلام * ومسنـد الحكم إلى الأصنام

أكـلكم فـي حـير النـيام ؟ * أم لا ترون ما الذي أمامي ؟

من ساطع يجلو دجى الظلام * قـد لاح للناظـر من تهـام

ذاك نـبـي سـيـد الأنـام * قـد جـاء بعد الكفر بالاسلام

أكـرمه الرحمن من إمـام * ومـن رسول صادق الكـلام

____________

(1) ابن شهر آشوب في المناقب 1 ص 61، تاريخ ابن كثير 2 ص 341 .

(2) في البحار 6 ص 319 . فكلكم أوره كالكهام . وروه فهو أوره . أي حمق . الكهام : الكليل . البطئ . المسن .

(3) الخصايص الكبرى 1 ص 133 .

13

أعدل ذي حـكم من الحـكام * يأمر بالصـلاة والصـيـام

والبـر والصلات للأرحـام * ويـزجر النـاس عن الآثام

والرجس والأوثان والحرام * من هاشم فـي ذروة السنام

مستعلنا في البلد الحرام

7 - أخرج أبو نعيم عن يعقوب بن يزيد بن طلحة التيمي عن رجل قال : كنا بقفرة من الأرض إذا هاتف من خلفنا يقول:

قـد لاح نجـم فأضـاء مشرقة * يخرج من ظلماء عسوف موبقه

ذاك رسـول مفـلح مـن صدقه * الله أعـلى أمـره وحقـقـه(1)

8 - أخرج البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس إن رجلا قال : يا رسول الله ؟ خرجت في الجاهلية أطلب بعيرا شرد فهتف بي هاتف في الصبح يقول :

يا أيها الراقد في الليل الأجـم * قد بعـث الله نبـيا فـي الحرم

من هاشم أهل الوفاء والكرم * يجلو دجنات الديـاجي والظلم

فأدرت طرفي فما رأيت له شخصا فقلت :

يا أيها الهاتف في داجي الظلم * أهـلا وسهلا بك من طيف ألم

بين هداك الله في لحـن الكلم * مـاذا الذي يدعو إليه ؟ يغتنم

فإذا أنا بنحنحة وقائل يقول : ظهر النور، وبطل الزور، وبعث الله محمدا بالخيور . ثم أنشأ يقول :

الحـمـد لله الـذي * لم يخلق الخلق عبث

أرسـل فيـنا أحـمدا * خـير نبي قـد بعـث

صلى عليه الله مـا * حج له ركب وحث(2)

9 - أخرج أبو سعد في (شرف المصطفى) عن الجعد بن قيس المرادي قال : خرجنا أربعة أنفس نريد الحج في الجاهلية فمررنا بواد من أودية اليمن إذا بهاتف يقول:

ألا أيها الراكب المعرس بلغوا * إذا ما وقفـتم بالحطيم وزمزم

____________

(1) الخصايص الكبرى 1 ص 104 .

(2) الخصايص الكبرى 1 ص 109 .

14

محـمـد المبعـوث منـا تحـيـة * تشيعـه من حـيث سـار ويـمم

وقولـوا له : إنا لـدينك شيـعـة * بذلك أوصانا المسيح بن مريم(1)

10 - أخرج الحاكم في المستدرك 3 ص 253 عن عيش بن جبر قال : سمعت قريش في ليلة قائلا يقول على أبي قبيس:

فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خـلاف مخالف

فظنت قريش أنهما سعد تميم، وسعد هذيم، فلما كانت الليلة الثانية سمعوه يقول :

أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجيـن الغطارف

أجـيبا إلـى داعـي الهـدى وتمنيا * عـلى الله في الفردوس منية عارف

فإن ثـواب الله يا طالـب الهـدى ؟ * جـنان من الفـردوس ذات رفارف

فلما أصبحوا قال سفيان : هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة (2)

11 - روى ابن سعد في طبقاته الكبرى 1 ص 215 - 219 ما ملخصه : لما هاجر سول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من مكة إلى المدينة ومر هو ومن معه بخيمتي أم معبد الخزاعية وهي قاعدة بفناء الخيمة فسألوها تمرا أو لحما يشترون، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وإذا القوم مرملون (3) مسنتون (4) فقالت : والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، فنظر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إلى شاة في كسر الخيمة، فقال : ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ قالت : هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال : هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد من ذلك، قال : أتأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت : نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا، فدعا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله وقال : أللهم ؟ بارك لها في شاتها .

قال : فتفاجت (5) ودرت واجترت (6) فدعا بإناء لها يربض (7) الرهط فحلب فيه ثجا (8)

____________

(1) الخصايص الكبرى 1 ص 109 .

(2) ورواه ابن شهر آشوب في المناقب 1 ص 59 .

(3) نفد زادهم وافتقروا .

(4) مجدبون .

(5) من التفاج هو المبالغة في تفريج ما بين الرجلين، وهو من الفج أي الطريق .

(6) من الجرة وهي : ما يخرجه البعير من بطنه فيمضغه ثانيا .

(7) أي يرويهم حتى يناموا ويأخذوا راحتهم .

(8) ثج الماء ثجوجا : سال .

15

حتى غلبه الثمال (1) فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب (صلى اللّٰه عليه و آله) آخرهم وقال : ساقي القوم آخرهم، فشربوا جميعا عللا بعد نهل (2) حتى أراضوا (3) ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها .

الحديث .

وأصبح صوت بمكة عاليا بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقول وهو يقول :

جرى الله رب الناس خير جزائه * رفيقـيـن حلا خيمتي أم معـبد

هما نـزلا بالبـر وارتحلا بـه * فأفـلح من أمـسى رفيق محمد

فيال قـصي مـا زوى الله عنكم * به من فعال لا يجـازى وسـؤدد

سـلوا أختكم عن شاتها وإنائها * فإنكم إن تسألـوا الشـاة تشهـد

دعـاها بشـاة حائـ فتحـلبت * له بصريح ضرة الشـاة مزبد (4)

فغادره رهنـا لديهـا لحـالـب * تدر بها في مصـدر ثم مورد (5)

12 - أخرج ابن الأثير في أسد الغابة 5 ص 188 عن أبي ذؤيب الهذلي الشاعر إنه سمع ليلة وفاة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) هاتفا يقول :

خطب أجل أنـاخ بالاسـلام * بين النخيل ومعقد الآطام (6)

قبض النـبي محـمد فعـيوننا * تذري الدموع عليه بالتسجام

وهناك هواتف في شؤون العترة النبوية منها :

13 - أخرج الحافظ الكنجي في كفايته ص 261 : لما ولد في الكعبة علي " أمير المؤمنين " دخل أبو طالب الكعبة وهو يقول:

يا رب هذا الغـسق الدجي * والقـمر المـنبلج المـضي

بـين لـنا من أمرك الخفي * ماذا ترى في إسم ذا الصبي

____________

(1) الثمال بضم الثاء واحدة ثمالة : الرغوة . وما بقي في الإناء من ماء غيره .

(2) عللا . بالتحريك : شربا بعد شرب . نهل بالتحريك : أول الشرب .

(3) من أراض إراضة : روى .

(4) الصريح : الخالص . الضرة : أصل الثدي . المزبد : القاذف بالزبد .

(5) ورواها أبو نعيم في دلايل النبوة 2 ص 118.

(6) واحده الأطم بالضم : الأبنية المرتفعة كالحصون .

16

قال : فسمع صوت هاتف وهو يقول :

يا أهل بيت المصطفى النبي * خصصتم بالولـد الـزكـي

إن اسـمه من شامخ العلي * عـلي اشتـق مـن العـلي

ثم قال : هذا حديث تفرد به مسلم بن خالد الزنجي وهو شيخ الشافعي .

14 - ذكر الشبلنجي في نور الأبصار ص 47 : إن عليا " أمير المؤمنين " كان يزور قبر فاطمة في كل يوم فأقبل ذات يوم فانكب على القبر وبكى وأنشأ يقول :

مالي مررت على القبور مسلما * قبر الحبـيب فـلا يرد جـوابي

يا قبر ما لك لا تجيـب مناديا ؟ * أمللت بعـدي خـلة الأحباب ؟

فأجابه هـاتف يـسمع صوته * ولا يرى شخـصه وهـو يقول :

قال الحبيب: وكيف لي بجوابكم * وأنا رهـين جـنادل وتـراب ؟

أكل التـراب محاسني فنسيتكم * وحجبت عن أهلي وعـن أترابي

فعليكم مني السلام تـقطعـت * مني ومـنكم خـلة الأحـبـاب

15 - روى ابن عساكر في تاريخه 4 ص 341، والكنجي في الكفاية عن أم سلمة قالت : لما كانت ليلة قتل الحسين (الإمام السبط) سمعت قائلا يقول:

أيها القـاتلون جـهلا حسينا * أبشروا بالعـذاب والتـنكيل

كل أهل السماء يدعو عليكم * من نـبي ومـرسل وقبيل

قد لعنتم على لسان بن داود * وموسى وحامل الانجـيل(1)

____________

(1) ذكر ابن حجر منها بيتين، ورواها شيخنا ابن قولويه المتوفى 367 ر 8 في كامله ص 30 .

موكب الشعراء

فمن هنا وهنا جاء بيمن السنة والكتاب من الصحابة الواكبين على الشعر مواكب بعين سيدهم نبي العظمة كالأسود الضارية تفترس أعراض الشرك والضلال، وصقور جارحة تصطاد الأفئدة والمسامع، وتلك المواكب كانت ملتفة حوله في حضره، وتسري معه في سفره، ورجالها فرسان الهيجاء ومعهم حسام الشعر ونبل القريض، يجادلون دون مبدء الاسلام المقدس، ويجاهدون بألسنتهم في سبيل الله،

____________

(1) ذكر ابن حجر منها بيتين، ورواها شيخنا ابن قولويه المتوفى 367 ر 8 في كامله ص 30 .

17

وفيهم نظراء :

العباس عم النبي ، كعب بن مالك ، عبد الله بن رواحة ، حسان بن ثابت ، النابغة الجعدي ، ضرار الأسدي ، ضرار القرشي ، كعب بن زهير ، قيس بن صرمة ، أمية بن الصلت ، نعمان بن عجلان ، العباس بن مرداس ، طفيل الغنوي ، كعب بن نمط ، مالك بن عوف ، صرمة بن أبي أنس ، قيس بن بحر ، عبد الله بن حرب ، بحير بن أبي سلمى ، سراقة بن مالك.

وقد أخذت هذه الروح الدينية بمجامع قلوب أفراد المجتمع، ودبت في النفوس ودبجتها، وخالطت الأرواح، حتى مازجت نفوس المسلمات، فأصبحت تغار على الدين وتكلأه، وهن ربات الحجال تذب عن نبي الأمة ببديع النظم وجيد الشعر نظيرات : 1 - أم المؤمنين (الملكة) خديجة بنت خويلد زوج النبي الطاهر (صلى اللّٰه عليه و آله) وكانت رقيقة الشعر جدا، ومن شعرها في تمريغ البعير وجهه على قدمي النبي ونطقه بفضله كرامة له (صلى اللّٰه عليه و آله) قولها :

نطـق البعـير بفـضـل أحمد مخبرا * هذا الـذي شـرفت بـه أم الـقـرى

هـذا محـمد خـيـر مبعـوث أتـى * فهو الشفيع وخـير مـن وطئ الثرى

يا حـاسديه تمزقـوا من غـيضـكم * فهو الحبيب ولا سواه في الـورى (1)

2 - سعدى بنت كريز خالة عثمان بن عفان، ومن شعرها في الدعاية الدينية :

عثمان يا عثمان يا عثمان ؟ * لك الجـمال ولـك الشـان

هـذا نبي معـه الـبرهـان * أرسـلـه بحـقـه الديـان

وجـاءه التـنزيل والبرهان * فاتبعـه لا تغـيا بك الأوثان

فقالت : إن محمد بن عبد الله رسول الله، جاء إليه جبريل يدعوه إلى الله .

مصباحه مصباح ، وقوله صلاح ، ودينه فلاح ، وأمره نجاح ، لقرنه نطاح ، ذلت له البطاح ، ما ينفع الصياح ، لو وقع الرماح ، وسلت الصفاح ، ومدت الرماح ،

____________

(1) بحار الأنوار 6 ص 103 .

18

وتقول في إسلام عثمان :

هـدى الله عـثمان الصفـي بقـوله * فـأرشده والله يهـدي إلـى الحـق

فـتـابـع بالـرأي السديـد محـمدا * وكان ابـن أروى لا يصـد عن الحق

وأنكحـه المبعـوث إحـدى بـناتـه * فكان كبدر مـازج الشمس في الأفق

فـداءك يا بن الهاشميين ؟ مهجتي * فأنت أمين الله أرسلت في الخلق (1)

3 - الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت النبي الأقدس من الرضاعة، تقول في النبي (صلى اللّٰه عليه و آله):

يا ربـنا ؟ أبـق لنـا محمدا * حـتى أراه يـافعـا وأمرد

ثـم أراه سيـدا مـسـددا * وأكبت أعاديه معا والحسد

وأعطه عزاً يدوم أبداً (2)

4 - هند بنت أبان (3) بن عباد بن المطلب، لها عدة قواف في النبي الطاهر (صلى اللّٰه عليه و آله) توجد في الطبقات الكبرى لابن سعد 4 ص 148 وهي تجابه هند بنت عتبة في وقعة أحد في قولها تفتخر بقتل حمزة ومن أصيب من المسلمين:

نحـن جـزيناكم بـيوم بـدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر

ما كان عن عتبة لي من صبر * أبي وعـمي وشقـيق بـكري

شفـيت وحشي ؟ غليل صدري * شفيـت نفسي وقضيـت نذري

فأجابتها هند بنت أبان بقولها :

جـزيت فـي بـدر وغير بدر * يا بـنت وقـاع عـظيم الكفر

صبحـك الله غـداة الفـجـر * بالهـاشميين الطـوال الزهر

بكل قطـاع حـسام يـفـري * حمزة ليثي وعلي صقري (4)

5 - خنساء بنت عمرو حفيدة امرؤ القيس، قد أكثرت من الشعر، وأجمع أهل

____________

(1) الإصابة 4 ص 372 و 328 .

(2) الإصابة 4 ص 344 .

(3) في الطبقات الكبرى لابن سعد وأسد الغابة : أثاثة بن عباد .

(4) أسد الغابة 5 ص 559، الإصابة 4 ص 421 .

19

العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها وكان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) يعجبه شعرها ويستنشده (1) .

6 - رقيقة (بقافين مصغرة) بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد المطلب بن هاشم هي التي أخبرت رسول الله بأن قريشا قد اجتمعت تريد شأنك الليلة فتحول رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) عن فراشه وبات فيه علي أمير المؤمنين (2) لها شعر جيد منها قولها في استسقاء عبد المطلب لقريش ومعه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يافعا أوله :

بشيـبة الحمد أسـقى الله بلدتـنا * وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر(3)

7 - أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) وصاحبة الاحتجاج المشهور على معاوية يأتي في ترجمة عمرو بن العاص، ولها شعر في رثاء النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) منه أبيات أولها.

ألا يا عين ويحك أسعديني * بدمعك ما بقـيت وطاوعيني

ومنها أبيات مستهلها:

ألا يا رسول الله ؟ كنت رجاءنا * وكنت بنا بـرا ولم تـك جـافي

وتقول فيها :

أفاطـم ؟ صلى الله رب محـمد * عـلى جـدث أمسى بيثرب ثاوي

أبا حـسن ؟ فـارقته وتركتـه * فبك بحزن آخر الدهر شاجي(4)

8 - عاتكة بنت عبد المطلب 9 - صفية بنت عبد المطلب 10 - هند بنت الحارث 11 - زوج النبي أم سلمة 12 - عاتكة بنت زيد بن عمرو 13 - خادمة النبي أم أيمن (5) وكانت عايشة زوج النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) تحفظ الشعر الكثير، وكانت تقول:

____________

(1) الاستيعاب (هامش الإصابة) 4 ص 295، 296، أسد الغابة 5 ص 441 .

(2) الإصابة 4 ص 303 .

(3) أسد الغابة 5 ص 455، الخصايص الكبرى 1 ص 80 .

(4) توجد بقية الأبيات في الطبقات الكبرى لابن سعد 4 ص 142، 143 .

(5) تجد شعر هؤلاء في طبقات ابن سعد 4 ص 144 - 148، مناقب ابن شهر آشوب 1 ص 169 وغيرهما .

20

أرويت للبيد اثنى عشر ألف بيت (1) وكان (صلى اللّٰه عليه و آله) يستنشدها الشعر ويقول : أبياتك . ومما أنشدت:

إذا ما التبر حـك عـلى محك * تبين غـشه من غـير شـك

وبان الزيف والذهب المصفى * "عـلي" بيننا شبه المحك (2)

____________

(1) الاستيعاب (هامش الإصابة) 3 ص 328 .

(2) الكنز المدفون للسيوطي 236 .

الشعـر والشعراء عند الأئمة

هذه الدعاية الروحية، والنصرة الدينية، المرغب فيها بالكتاب والسنة، والمجاهدة دون المذهب بالشعر ونظم القريض، كانت قائمة على ساقها في عهد أئمة العترة الطاهرة تأسيا منهم بالنبي الأعظم، وكانت قلوب أفراد المجتمع تلين لشعراء أهل البيت فتتأثر بأهازيجهم حتى تعود مزيجة نفسياتهم .

وكان الشعراء يقصدون أئمة العترة من البلاد القاصية بقصايدهم المذهبية، وهم (صلوات الله عليهم) يحسنون نزل الشاعر وقراه، ويرحبون به بكل حفاوة وتبجيل، و يحتفلون بشعره ويدعون له، ويزودونه بكل صلة وكرامة، ويرشدونه إلى صواب القول إن كان هناك خلل في النظم، ومن هنا أخذ الأدب في تلك القرون في التطور و التوسع حتى بلغ إلى حد يقصر دونه كثير من العلوم والفنون الاجتماعية .

وقد يكسب الشعر بناحيته هذه أهمية كبرى عند حماة الدين أهل بيت الوحي حتى

يعد الاحتفال به، والاصغاء إليه، وصرف الوقت النفيس دون سماعه واستماعه من أعظم القربات وأولى الطاعات، وقد يقدم على العبادة والدعاء في أشرف الأوقات وأعظم المواقف، كما يستفاد من قول الإمام الصادق (عليه السلام)وفعله بهاشميات الكميت لما دخل عليه في أيام التشريق بمنى فقال له : جعلت فداك ألا أنشدك ؟ قال : إنها أيام عظام قال : إنها فيكم، فلما سمع الإمام (عليه السلام)مقاله بعث إلى ذويه فقر بهم إليه وقال : هات فأنشده لاميته من الهاشميات فحظي بدعائه (عليه السلام)له وألف دينار وكسوة .

وسنوقفك على تفصيل هذا الاجمال في ترجمة كميت والحميري ودعبل .

ونظرا إلى الغايات الاجتماعية كان أئمة الدين يغضون البصر من شخصيات الشاعر

____________

الاستيعاب (هامش الإصابة) 3 ص 328 .

(2) الكنز المدفون للسيوطي 236 .

21

المذهبي وأفعاله، ويضربون عنها صفحا إن كان هناك عمل غير صالح يسوئهم مهما وجدوه وراء صالح الأمة، وفي الخير له قدم، وصرح به الحق عن محضه، وصرح المحض عن الزبد، وصار الأمر عليه لزام (1) وكانوا يستغفرون له ربه في سوء صنعه، ويجلبون له عواطف الملأ الديني بمثل قولهم : لا يكبر على الله أن يغفر الذنوب لمحبنا ومادحنا، وقولهم أيعز على الله أن يغفر الذنوب لمحب علي، وإن محب علي لا تزل له قدم إلا تثبت له أخرى(2).

وفي تلك القدم الثابتة صلاح المجتمع، وعليها نموت ونحيى .

وهناك لأئمة الدين (صلوات الله عليهم) فكرة صالحة صرفت في هذه الناحية، وهي كدستور فيها تعاليم وإرشادات إلى منهاج الخدمة للمجتمع، وتنوير أفكار المثقفين وتوجيهها إلى طرق النشر والدعاية، ودروس في توطيد اسس المذهب، و كيفية احتلال روحيات البلاد وقلوب العباد، وبرنامج في صرف مال الله، وتلويح إلى أهم موارده .

تعرب عن هذه الفكرة المشكورة إيصاء الإمام الباقر ابنه الإمام الصادق (عليه السلام)بقوله : يا جعفر أوقف لي من مالي كذا وكذا النوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى (3) وفي تعيينه (عليه السلام)ظرف الندبة من الزمان والمكان لأنهما المجتمع الوحيد لزرافات المسلمين من أدنى البلاد وأقاصيها من كل فج عميق، وليس لهم مجتمع يضاهيه في الكثرة، دلالة واضحة على أن الغاية من ذلك إسماع الملأ الديني مآثر الفقيد " فقيد بيت الوحي " ومزاياه، حتى تنعطف عليه القلوب، وتحن إليه الأفئدة، ويكونوا على أمم من أمره، وبمقربة من اعتناق مذهبه، فيحدوهم ذلك بتكرار الندبة في كل سنة إلى الالتحاق به، والبخوع لحقه، والقول بإمامته، والتحلي بمكارم أخلاقه، والأخذ بتعالميه المنجية، وعلى هذا الأساس الديني القويم أسست المآتم والمواكب الحسينية، ليس إلا .

ونظرا إلى المغازي الكريمة المتوخاة من الشعر كان شعراء أهل البيت ممقوتين

____________

(1) كل من هذه الجمل مثل يضرب .

لزام بكسر الميم مثل حذام، أي : صار هذا الأمر لازما له .

(2) توجد هذه الأحاديث في ترجمة أبي هريرة الشاعر والسيد الحميري وغيرهما .

(3) رواه بطريق صحيح رجاله ثقات شيخنا الكليني في الكافي 1 ص 360 .

22

ثقيلين جدا على مناوئيهم، وكانت العداء عليهم محتدمة، والشحناء لهم متشزنة، وكان حامل ألوية هذه الناحية من الشعر لم يزل خائفا يترقب، آيسا من حياته مستميتا مستقتلا، لا يقر له قرار، ولا يأواه منزل .

وكان طيلة حياته يكابد المشاق، ويقاسي الشدايد من شنق وقتل وحرق وقطع لسان وحبس وعذاب وتنكيل وضرب وهتك حرمة وإقصاء من الأهل والوطن إلى شدايد أخرى سجلها لهم التاريخ في صحايفه .

الشعر والشعراء عند أعلام الدين

اقتفى أثر الأئمة الطاهرين فقهاء الأمة، وزعماء المذهب، وقاموا لخدمة الدين الحنيف بحفظ هذه الناحية من الشعر كلاءة لناموس المذهب، وحرصا لبقاء مآثر آل الله، وتخليدا لذكرهم في الملأ، وكانوا يتبعون منهاج أئمتهم في الاحتفاء بشاعرهم وتقديره، والإثابة على علمه والشكر له بكل قول وكرامة، وكانوا يحتفظون بهذه المغازي بالتأليف في الشعر وفنونه، ويعدونه من واجبهم كما كانوا يؤلفون في الفقه و ساير العلوم الدينية، مهما كان كل منهم للغايات حفيا .

هذا : شيخنا الأكبر الكليني الذي قضى من عمره عشرين سنة في تأليف الكافي أحد الكتب الأربعة مراجع الإمامية، له كتاب ما قيل من الشعر في أهل البيت .

والعياشي الذي ألف كتبا كثيرة في الفقه الإمامي لا يستهان بعدتها، له كتاب " معاريض الشعر " .

وشيخنا الأعظم الصدوق الذي بذل النفس والنفيس دون التأليف والنشر في الفقه والحديث، له كتاب الشعر .

وشيخ الشيعة بالبصرة الجلودي ذلك الشخصية البارزة في العلم وفنونه، له كتاب ما قيل في علي (عليه السلام)من الشعر .

وشيخ الإمامية بالجزيرة أبو الحسن الشمشاطي مؤلف مختصر فقه أهل البيت، له كتب قيمة في فنون الشعر .

ومعلم الأمة شيخنا المفيد الذي لا تخفى على أي أحد أشواطه البعيدة في خدمة الدين، وإحياء الأمة، وإصلاح الفاسد، له كتاب مسائل النظم .

وسيد الطايفة المرتضى علم الهدى، له ديوان، وتآليف في فنون الشعر . إلى زرافات آخرين من حملة الفقه وأعضاد العلم الإلهي من الطبقة العليا . ولم يزالوا يعقدون الحفلات والأندية في الأعياد المذهبية من مواليد أئمة

23

الدين (عليهم السلام)ويوم العيد الأكبر (الغدير) ومجالس تعقد في وفياتهم، فتأتي إليها الشعراء شرعا فيلقون ولايد أفكارهم من مدايح وتهاني وتأبينات ومراثي فيها إحياء أمرهم، فتثبت لها القلوب، وتشتد بها العلائق الودية بين أفراد المجتمع ومواليهم (عليهم السلام)، ويتبعها الحفاوة والتكريم والإثابة والتعظيم لمنضدي تلك العقود و جامعي أوابدها، هذا وما عند الله خير وأبقى .

وكانت الحالة في بعض تلك القرون الخالية أكيدة، والنشاط الروحي بالغا في رجالاته فوق ما يتصور، والأمة بيمن تلك النفوس الطاهرة سعيدة جدا كعصر سيد الأمة آية الله بحر العلوم والشيخ الأكثر كاشف الغطاء، وأما اليوم فإن تلك المحتشدات الروحية :

أمست خلاءا وأمسى أهلها احتملوا * أخنى عليها الذي أخـنى على لبـد

نعم بالأمس كان بقية العترة الطاهرة الإمام المجدد الشيرازي نزيل سامراء المشرفة ذلك العلم الخفاق للأمة جمعاء، الذي طنبت زعامته الدينية على أطراف العالم كله، لا تنقطع حفلاته في الأيام المذكورة كلها فتقصدها صاغة القريض بأناشيدهم المبهجة من شتى النواحي، فتجد عنده فناءا رحبا، وانبساطا شاملا، وتقديرا معجبا، ونائلا جزيلا، وبشاشة مرغبة .

ولكن :

ذهب الذين يعاش في أكنافهم ..................

ومن نماذج هاتيك الأحوال أن شاعر أهل البيت المفلق السيد حيدر الحلي قصده بشعر في بعض وفداته إليه فأضمر السيد المجدد في نفسه أن يثيبه بعشرين ليرة عثمانية فأفضى بعزمه إلى ابن عمه العلم الحجة (1) الحاج ميرزا إسماعيل فاستقل ذلك المبلغ وقال : إنه شاعر أهل البيت، وإنه أجل وأفضل من أمثال دعبل والحميري و نظرائهما، وكان أئمة الدين يقدمون إليهم الصرر والبدر فاستحفاه عن مقتضى الحال فقال له : إن الحري أن تعطيه مائة ليرة بيدك الشريفة .

هناك قصد السيد المجدد زيارة السيد حيدر وناوله المبلغ المذكور بكل حفاوة وتبجيل وقبل يد شاعر أهل البيت . حكاه جمع ممن أدرك ذلك العصر الذهبي ومنهم خلفه الصالح آية الله ميرز

____________

(1) تأتي ترجمته في شعراء القرن الرابع عشر .

24

علي آغا الذي خلف والده على تلك المجالس والمجتمعات واستنشاد الشعر والإصاخة إليه والتقدير والترحيب في النجف الأشرف .

ولا يسعنا بسط المقال حول هذه كلها، وليس هذا المجمل إلا نفثة مصدور، ولهفة متحسر، على فراغ هذه الناحية في اليوم، وإهمال تلك الغاية المهمة، وإقلاق تلك الطمأنينة، وضياع تلك الفوائد الجمة على الأمة، فالأيام عوج رواجع (1)، فكأن الدنيا رجعت إلى ورائها القهقري، واكتسى الشعر كسوة الجاهلية الأولى، وذهب أمس بما فيه، (2) فلا فقيه هناك كأولئك، ولا شاعر كهؤلاء، ولا رأي لمن لا يطاع .

ومهما نتلقى شعر السلف (في القرون الأولى) تلقي الحديث والسنة نذكر في شعرهم المقول في فضايل آل الله بعض ما وقفنا عليه من الحديث الوارد هناك من طرق العامة، ولعل الباحث يقف بذلك على سعة باع الشاعر في علمي الكتاب و السنة .

عبد الحسين الأميني

آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

____________

(1) مثل يضرب يعني : الدهر تارة يعرج عليك وتارة يرجع إليك .

(2) مثل ساير يضرب .

25

شعراء الغدير في القرن الأول


أمير المؤمنين (عليه السلام)

نتيمن في بدء الكتاب بذكر سيدنا أمير المؤمنين علي خليفة النبي المصطفى صلى الله عليهما وآلهما، فإنه أفصح عربي، وأعرف الناس بمعاريض كلام العرب بعد صنوه النبي الأعظم، عرف من لفظ المولى في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من كنت مولاه فعلي مولاه .

معنى الإمامة المطلقة، وفرض الطاعة التي كانت لرسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) وقال (عليه السلام).

محمد النـبي أخـي وصنوي (1) * وحـمزة سيـد الشهـداء عـمـي

وجعـفر الذي يـضحي ويـمـسي * يـطير مـع المـلائكة ابـن أمي

وبنت محـمد سكـني وعـرسـي * منـوط لـحمها بـدمي ولحـمـي

وسبطـا أحـمد ولـداي مـنهـا * فـأيكم لـه سـهـم كـسهـمـي

سبقـتـكم إلـى الاسـلام طـرا * على ما كان من فهمي وعـلمي(2)

فـأوجب لـي ولايـته عـليـكـم * رسـول الله يـوم غـدير خـم (3)

فـويل ثـم ويـل ثـم ويـل * لمـن يلـقى الإلـه غـدا بظـلمي

____________

(1) في تاريخ ابن عساكر وغير واحد من المصادر : صهري .

(2) في رواية ابن أبي الحديد وابن حجر وابن شهر آشوب : غلاما ما بلغت أوان حلمي . وفي رواية ابن الشيخ وبعض آخر: صغيرا ما بلغت أوان حلمي . وفي رواية الطبرسي بعد هذا البيت :

وصليت الصلاة وكنت طفلا * مقرا بالنـبي في بطن أمي

(3) وذكر الدكتور أحمد رفاعي في تعليقه على معجم الأدباء :

وأوصاني النبي على اختيار * ببـيعـتـه غـداة غدير خم

وهناك في هذا البيت تصحيف سنوقفك عليه .

26

ما يتبع الشعر

هذه الأبيات كتبها الإمام (عليه السلام)إلى معاوية لما كتب معاوية إليه : إن لي فضايل كان أبي سيدا في الجاهلية، وصرت ملكا في الاسلام، وأنا صهر رسول الله، وخال المؤمنين، وكاتب الوحي، فقال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) : أبا الفضايل يبغي علي ابن آكلة الأكباد ؟ اكتب يا غلام ؟ :

محمد النبي أخي وصنوي * ..........

إلى آخر الأبيات المذكورة.

فلما قرأ معاوية الكتاب قال : اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلوا إلى ابن أبي طالب .

والأمة قد تلقتها بالقبول، وتسالمت على روايتها، غير أن كلا أخذ منها ما يرجع إلى موضوع بحثه، من دون أي غمز فيها، بل ستقف على أنها مشهورة، ورواها النقلة الاثبات، ونقلها الحفظة الثقات، وذكر جمع من أعلام السنة والجماعة عن البيهقي : إن هذا الشعر مما يجب على كل متوال لعلي حفظه، ليعلم مفاخره في الاسلام .

فرواها من أصحابنا :

1 - معلم الأمة شيخنا المفيد المتوفى 413، رواها بأجمعها في " الفصول المختارة " 2 ص 78 وقال : كيف يمكن دفع شعر أمير المؤمنين في ذلك ؟ وقد شاع في شهرته على حد يرتفع فيه الخلاف، وانتشر حتى صار مذكورا مسموعا من العامة فضلا عن الخاصة، وفي هذا الشعر كفاية في البيان عن تقدم إيمانه (عليه السلام)وإنه وقع مع المعرفة بالحجة والبيان، وفيه أيضا : إنه كان الإمام بعد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) بدليل المقال الظاهر في يوم الغدير الموجب له للاستخلاف .

2 - شيخنا الكراجكي المتوفى 449، رواها في " كنز الفوائد " ص 122 .

3 - أبو علي الفتال النيسابوري، في " روضة الواعظين " ص 76 .

4 - أبو منصور الطبرسي أحد مشايخ ابن شهر آشوب، في " الاحتجاج " ص 97 .

5 - ابن شهر آشوب المتوفى 588، في " المناقب " 1 ص 356 .

6 - أبو الحسن الأربلي المتوفى 692، في " كشف الغمة " ص 92 .

27

7 - ابن سنجر النخجواني، في " تجارب السلف " ص 42 وقال ما تعريبه : لعلي ديوان (1) لا مجال للترديد والشك فيه .

8 - الشيخ علي البياضي المتوفى 877، في " الصراط المستقيم " .

9 - المجلسي العظيم المتوفى 1111، في " بحار الأنوار 9 ص 375 .

10 - السيد صدر الدين علي خان المدني المتوفى 1120، في درجاته الرفيعة .

11 - الشيخ أبو الحسن الشريف، في " ضياء العالمين " المؤلف 1137 .

* (ورواها من أعلام العامة) * :

1 - الحافظ البيهقي المتوفى 458 (المترجم 1 ص 110) رواها برمتها وقال : إن هذا الشعر مما يجب على كل أحد متوال في علي حفظه، ليعلم مفاخره في الاسلام .

2 - أبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي المالكي الشهير بابن الشيخ المتوفى حدود 605، قال في كتابه " ألف باء " 1 ص 439 : وأما علي رضي الله عنه فمكانه علي، وشرفه سني، أول من دخل في الاسلام، وزوج فاطمة (عليه السلام)بنت النبي، وقد نظم في أبيات المفاخرة، وذكر فيها مآثره حين فاخره بعض عداه ممن لم يبلغ مداه، فقال رضي الله عنه يفخر بحمزة عمه وبجعفر ابن عمه رضي الله عنهم :

محمد النبي أخي وصنوي * ..........

وذكر إلى آخر بيت الغدير.

فقال : يريد بذلك قوله (عليه السلام): من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم ؟ وال من والاه، وعاد من عاده .

3 - أبو الحسين الحافظ زيد بن الحسن تاج الدين الكندي الحنفي المتوفى 613، رواه من طريق ابن دريد في كتابه " المجتنى " ص 39 ذكر منها خمسة أبيات .

4 - ياقوت الحموي المتوفى 626 (المترجم ج 1 ص 119) ذكر ستة أبيات منها في " معجم الأدباء " 5 ص 266 وزاد الدكتور أحمد رفاعي المصري بيتين في التعليق .

5 - أبو سالم محمد بن طلحة الشافعي المتوفى 652، يأتي ترجمته في شعراء القرن السابع، رواها برمتها في " مطالب السئول " ص 11 (ط ايران) فقال : هذه الأبيات نقله

____________

(1) لعله يريد ما دونه الفنجكردي من شعره (عليه السلام)مما يبلغ مائتي بيت كما يأتي في ترجمته، لا هذا الديوان الكبير المطبوع المنتشر فإن فيه كل الشك .

28

عنه (عليه السلام)الثقات، ورواها النقلة الاثبات .

6 - سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 (المترجم ج 1 ص 120) رواها بجملتها في [ تذكرة خواص الأمة ] ص 62 وفي بعض أبياته تغيير يسير .

7 - ابن أبي الحديد المتوفى 658، ذكر منها في شرح نهج البلاغة 2 ص 377 بيتين مكتفيا عن البقية بشهرتها .

8 - أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي المتوفى 658، رواها في " المناقب " المطبوع بمصر ص 41، وقال في الاستدلال على سبق أمير المؤمنين إلى الاسلام، وقد أشار علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) إلى شيء من ذلك في أبيات قالها رواها عنه الثقات : ثم ذكر البيت الأول والثالث والخامس والسابع .

9 - سعيد الدين الفرغاني المتوفى 699 (المترجم ج 1 ص 123) ذكر في شرح تائية ابن الفارض في قوله:

وأوضح بالتأويل ما كان مشكلا * عـلي بعـلم نالـه بـالوصيـة

بيتين وهما :

وأوصاني النبي على اختيار * لأمته رضـى منه بحـكمي

وأوجب لي ولايته عـليكـم * رسـول الله يـوم غدير خم

10 - شيخ الاسلام أبو إسحاق الحموي المتوفى 722 (المترجم 1 ص 123) رواها في " فرايد السمطين " وذكر من أولها إلى آخر بيت الولاية وزاد قبله:

وأوصاني النبي على اختيار * لأمته رضى منه بحـكـمي

11 - أبو الفداء المتوفى 732، أخذ منها في تاريخه 1 ص 118 ما يرجع إلى إسلامه (عليه السلام).

م 12 - جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي المتوفى بضع و 750 ذكرها برمتها غير البيت الأخير : فويل ثم ويل ثم ويل .

إلخ في كتابه [ نظم درر السمطين ] .

13 - ابن كثير الشامي المتوفى 774 (المترجم 1 ص 126) رواها في " البداية والنهاية " 8 ص 8 عن أبي بكر ابن دريد عن دماد عن أبي عبيدة وذكر منها خمسة أبيات .

29

14 - خواجة پارسا الحنفي المتوفى 822 (المترجم ص 1 ص 129) رواها برمتها في " فصل الخطاب " عن الإمام تاج الاسلام الخدابادي البخاري في أربعينه .

15 - ابن الصباغ المكي المالكي المتوفى 855 (المترجم 1 ص 131) رواها في " الفصول المهمة " ص 16 وذكر منها أربعة أبيات وقال : رواها الثقات الاثبات .

16 - غياث الدين خواندمير (1) رواها في " حبيب السير " 2 ص 5 نقلا عن " فصل الخطاب " لخواجة پارسا .

17 - ابن حجر المتوفى 974 (المترجم 1 ص 134) ذكر خمسة أبيات منها في " الصواعق " ص 79 ونقل كلام الحافظ البيهقي المذكور .

توجد في المخطوط من الصواعق سبعة أبيات، وكذلك في المنقول عنه كينابيع المودة للقندوزي ص 291، ويؤيد صحة نقله عن البيهقي فإنه ذكرها برمتها، لكن يد الطبع الأمينة حرفت عنه بيت الولاية وما بعده .

18 - المتقي الهندي المتوفى 975 (المترجم 1 ص 135) روى كتاب معاوية في " كنز العمال " 6 ص 392 وذكر من الأبيات خمسة .

19 - الاسحاقي روى كتاب معاوية باللفظ المذكور في [ لطايف أخبار الدول ] ص 33 وذكر الأبيات كلها، ولفظ بيت الولاية فيه كذا :

وأوجب طاعتي فرضا عليكم * رسول الله يـوم غـدير خـم

فـويـل ثم ويـل ثـم ويـل * لمن يرد القيامة وهو خصمي

20 - الحلبي الشافعي المتوفى 1044 (المترجم 1 ص 139) أخذ منها في " السيرة النبوية " 1 ص 286 ما يرجع إلى إسلامه (عليه السلام).

21 - الشبراوي الشافعي شيخ جامع الأزهر المتوفى 1172 رواها في [ الإتحاف بحب الأشرف ] ص 181، وفي طبع ص 69 وذكر منها خمسة أبيات .

22 - السيد أحمد قادين خاني رواها في " هداية المرتاب " وحكى عن البيهقي قوله المذكور .

23 - السيد محمود الآلوسي البغدادي المتوفى 1270 (المترجم 1 ص 147)

____________

(1) مذهبه يحتاج إلى إمعان النظر فيه .

30

رواها غير البيت الأول والأخير في شرح عينية الشاعر المفلق عبد الباقي العمري ص 78، وقال : هي مما رواها الثقات عنه (عليه السلام).

24 - القندوزي الحنفي المتوفى 1293 (المترجم 1 ص 147) رواها في " ينابيع المودة " ص 291 نقلا عن ابن حجر، وص 371 نقلا عن أربعين الإمام تاج الاسلام الخدابادي البخاري .

25 - السيد أحمد زيني دحلان المتوفى 1304 (المترجم 1 ص 147) ذكر منها في " السيرة النبوية " - هامش السيرة الحلبية - 1 ص 190 ما يرجع إلى إسلامه وقال : وهي مما كتبه علي (عليه السلام)لمعاوية ثم ذكر كلام البيهقي المذكور .

26 - الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي المالكي ذكرها برمتها في " كفاية الطالب " ص 36 وعدها مما وثق به أنه من شعر أمير المؤمنين .

(لفت نظر) * :

أخذ منها ابن عساكر في تاريخه 6 ص 315 بيتا في بيان الفرق بين الصهر والختن وقال : قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) :

محمد النبي أخي وصهري * أحب النـاس كلهم إليّ

وذهل عن أن الشطر الثاني المذكور هو لأبي أسود الدؤلي من قوله :

بنو عم النبي وأقربوه * أحب الناس كلهم إلي

(تصحيح غلط) *

لا أحسب أن أساتذة مصر يخفى عليهم صحيح لفظة (غدير خم) أولا يوقفهم السير عن مسماها وقصتها، وإن قال قائلهم : إنها واقعة حرب معروفة أو يكون لهم معها حساب آخر دون ساير الألفاظ، أو يروقهم أن تكون الأمة على جهل منها، لكن أسفي على إغضائهم عن تصحيح هذه اللفظة في غير واحد من التآليف بل تركوها بصورة يتيه بها القارئ .

هذا الدكتور أحمد رفاعي ذلك الأستاذ الفذ فإنه يذكر في تعليقه على (معجم الأدباء) - ط مصر 1357 ه ج 14 ص 48 من شعر أمير المؤمنين بيت الولاية بهذه الصورة :

31

وأوصاني النبي على اختيار * بيعـتـه غـداة غد برحم

وأعجب من ذلك أنه جعل للكتاب فهرس البلدان والبقاع والمياه في 47 صحيفة وأهمل فيها غدير خم وقد ذكرت في عدة مواضع من المعجم.

والأستاذ محمد حسين مصحح " ثمار القلوب " (ط مصر 1326 ه) فإنه يقف على هذه اللفظة في صحيفة واحدة ص 511 وهي مذكورة فيها غير مرة س 6 و 8 و 12 ويدعها (غدير حم) وهذا " ثمار القلوب " المخطوط بين أيدينا وفيها : (غدير خم) .

ومصحح لطايف أخبار الدول (ط مصر 1310 ه) فإنه يترك البيت المذكور من شعر أمير المؤمنين في ص 33 هكذا :

وأوجب طاعتي فرضا عليكم * رسول الله يوم غـدا برحمي

وأنت تجد في مطبوعات غير مصر لدة هذا التصحيف أيضاً.

(شكر ونقد) *

لا أفتئ معجبا بكتابين فخمين هما من حسنات العصر الحاضر، عني بجمعهما بحاثة كبير حظي به هذا القرن، أولاهما : كتاب جمهرة خطب العرب . وجمهرة رسائل العرب . للكاتب الشهير أحد زكي صفوت .

فقد أسدى بهما إلى الأمة يده الواجبة، أعاد ذكريات قديمة للأمة العربية أتى عليها الدثور، وكابد في ذلك جهودا جبارة، فعلى الأمة جمعاء أن تشكره على تلك المثابرة الناجعة، وتقدر منه ذلك الجهاد المتواصل، فله العتبي على ما أجاد وأفاد .

غير أنا نعاتب الأستاذ على إهماله هذه الرسالة الموجودة في جملة من مصادر كتابه، وغيرها من الكتب القيمة، وقد ذكرها ما هو أخصر منه، وأضعف مدركا، و أقل نفعا، وذكر من التافهات ما لم يقله مستوى الصدق والأمانة كبعض رسايل ابن عباس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)المكذوبة على حبر الأمة خطتها أقلام مستأجرة من زباين الأمويين، هذا ما نعاتبه عليه، وأما هو فلماذا ذكر ؟ ولماذا أهمل ؟ فلنطو عنه كشحا .

ويشبه هذا الاهمال أو يزيد عليه إهمال خطبة الغدير في جمهرة خطب العرب،

32

ولها وليومها المشهود أهمية كبرى في تاريخ الاسلام وقد أثبتتها المصادر الوثيقة بأسانيد تربو على حد التواتر وقفت عليها في الجزء الأول من كتابنا، هب أن تمام الخطبة لم يثبت عنده في كتب يعول عليها إلا أن المقدار الذي أصفق عليه الفريقان، وأنهوا إليه أسانيدهم لا مفر له عن إثباته، لكن الكاتب يعلم أنه لماذا ترك، ونحن أيضا لم يفتنا عرفانه، لكن نضرب عن البيان صفحا .

(ويروى لأمير المؤمنين (عليه السلام)) *

ما أخرجه الإمام علي بن أحمد الواحدي عن أبي هريرة قال : اجتمع عدة من أصحاب رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) منهم : أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، والفضل بن عباس، وعمار، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان، و عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، فجلسوا وأخذوا في مناقبهم فدخل عليهم علي (عليه السلام)فسألهم : فيم أنتم ؟ قالوا : نتذاكر مناقبنا مما سمعنا من رسول الله فقال علي : إسمعوا مني .

ثم أنشأ يقول :

لقد علـم الأناس بأن سهمي * من الاسلام يفـضل كل سهم

وأحمـد النبي أخي وصهري * عـليه الله صـلى وابن عمي

وإني قـائد للنـاس طـرا * إلى الاسلام من عـرب وعجم

وقاتـل كـل صنديد رئـيس * وجـبـار من الكفـار ضخـم

وفي القرآن ألـزمهم ولائي * وأوجـب طاعـتي فرضا بعزم

كما هارون من موسى أخوه * كذا أنـا أخـوه وذاك إسـمي

لذاك أقـامني لهـم إمـامـا * وأخـبرهـم بـه بغـدير خـم

فمـن منكم يعادلني بسهمي * وإسلامي وسـابقتي ورحمي ؟

فـويل ثـم ويـل ثـم ويـل * لمن يلقـى الإلـه غدا بظلمي

وويـل ثـم ويـل ثـم ويـل * لجاحد طاعتي ومـريد هضمي

وويل للذي يشقي سفاها * يريد عـداوتي من غـير جـرمي

وذكره عن الواحدي القاضي الميبذي الشافعي في شرح الديوان المنسوب إلى

33

أمير المؤمنين ص 405 - 407، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة ص 68 .

(الشاعر) *:

أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، وخاتم الوصيين، وأول القوم إيمانا، وأوفاهم بعهد الله، وأعظمهم مزية، وأقومهم بأمر الله، وأعلمهم بالقضية، وراية الهدى، ومنار الإيمان، وباب الحكمة، والممسوس في ذات الله، خليفة النبي الأقدس (1) صلى الله عليهما وآلهما (علي بن أبي طالب) الهاشمي الطاهر، وليد الكعبة المشرفة، ومطهرها من كل صنم ووثن، الشهيد في البيت الإلهي (جامع الكوفة) في محرابه حال صلاته سنة 40، وقد إتصل هاهنا المنتهى بالمبدأ، فوليد البيت فاض شهيدا في بيت هو من أعظم بيوت الله، وبين الحدين لم تزل عرى حياته متواصلة بالمبدأ الأعلى سبحانه .

____________

(1) كل من هذه الجمل الخمس عشر كلمة قدسية نبوية أخرجها الحفاظ، راجع مسند أحمد 1 ص 331، و ج 5 ص 182، 189، حلية الأولياء 1 ص 62 - 68 .

34


حسان بن ثابت

يناديهـم يـوم الغـدير نبـيهـم* بخـم وأسمـع بالرسول منادي

فقال : فمـن مـولاكم ونبيكم؟ * فـقالوا ولم يبدوا هناك التعامي

: إلهـك مـولانا وأنـت نبـينا * ولـم تلق منا في الولاية عاصي

فقـال له : قـم يا علي ؟ فإنني * رضيتـك من بعدي إماما وهادي

فمن كـنت مـولاه فهـذا وليه * فكـونوا له أتباع صدق موالي

هناك دعـا اللهم ؟ وال وليـه * وكن للذي عـادا عـليا معادي

(ما يتبع الشعر) *

هذا أول ما عرف من الشعر القصصي في رواية هذا النبأ العظيم، وقد ألقاء في ذاك المحتشد الرهيب، الحافل بمائة ألف أو يزيدون، وفيهم البلغاء، ومداره الخطابة، و صاغة القريض، ومشيخة قريش العارفون بلحن القول، ومعارض الكلام، بمسمع من أفصح من نطق بالضاد (النبي الأعظم) وقد أقره النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على ما فهمه من مغزى كلامه، وقرظه بقوله : لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك (1) وأقدم كتاب سيق إلى رواية هذا الشعر هو كتاب سليم بن قيس الهلالي التابعي الصدوق الثبت المعول عليه عند علماء الفريقين (كما مر في ج 1 ص 195) فرواه بلفظ يقرب مما يأتي عن كتاب " علم اليقين " للمحقق الفيض الكاشاني، وتبعه على روايته لفيف من علماء الاسلام لا يستهان بعدتهم فرواه من الحفاظ :

1 - الحافظ أبو عبد الله المرزباني محمد بن عمران الخراساني المتوفى 378 (2) أخرج في (مرقاة الشعر) عن محمد بن الحسين عن حفص عن محمد بن هارون عن قاسم بن الحسن

____________

(1) هذا من أعلام النبوة ومن مغيبات رسول الله، فقد علم أنه سوف ينحرف عن إمام الهدى (صلوات الله عليه) في أخريات أيامه، فعلق دعائه على ظرف استمراره في نصرتهم .

(2) لنا في مذهب الرجل نظر .

35

عن يحيى بن عبد الحميد عن قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال : لما كان من غدير خم أمر رسول الله مناديا فنادى الصلاة جامعة فأخذ بيد علي وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم ؟ وال من والاه، وعاد من عاداه.

فقال حسان بن ثابت : يا رسول الله أقول في علي شعرا ؟ فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إفعل، فقال:

يناديهم يوم الغدير نبيهم... الأبيات

2 - الحافظ الخركوشي أبو سعد المتوفى 406 (المترجم 1 ص 108) أخرجه في كتابه (شرف المصطفى) .

3 - الحافظ ابن مردويه الاصبهاني المتوفى 410 (المترجم 1 ص 108) أخرجه بإسناده عن أبي سعيد الخدري حديث الغدير كما مر ج 1 ص 231 وفيه : فقال حسان ابن ثابت : يا رسول الله ؟ أتأذن لي أن أقول أبياتا ؟ فقال : قل على بركة الله فقال :

يناديهم يوم الغدير نبيهم ..... الأبيات

ورواه عن ابن عباس بلفظ مر ج 1 ص 217 .

4 - الحافظ أبو نعيم الاصبهاني المتوفى 430 (المترجم 1 ص 109) أخرجه في كتابه - ما نزل من القرآن في علي - بالسند والمتن الذين أسلفناهما ج 1 ص 232 وفيه : فقال حسان : إئذن لي يا رسول الله ؟ أن أقول في علي أبياتا تسمعهن .

فقال : قل على بركة الله .

فقام حسان فقال : يا معشر مشيخة قريش ؟ أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية ... إلخ.

5 - الحافظ أبو سعيد السجستاني المتوفى 477 (المترجم 1 ص 112) أخرجه في - كتاب الولاية - بسند ولفظ مر 1 ج 1 ص 233 .

6 - أخطب الخطباء الخوارزمي المالكي المتوفى 568، تأتي ترجمته في شعراء القرن السادس، رواه في - مقتل الإمام السبط الشهيد - و " المناقب " ص 80 بسند ولفظ ذكر في ج 1 ص 234 .

7 - الحافظ أبو الفتح النطنزي (المترجم 1 ص 115) رواه في - الخصايص العلوية على ساير البرية - عن الحسن بن أحمد المهري، عن أحمد بن عبد الله بن أحمد،

36

عن محمد بن أحمد بن علي، عن ابن أبي شيبة محمد بن عثمان، عن الحماني عن ابن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري بلفظ أبي نعيم الاصبهاني، وذكر من الأبيات أربعة من أولها .

8 - أبو المظفر سبط الحافظ ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 (المترجم 1 ص 120) رواه في - تذكرة خواص الأمة - ص 20 .

9 - صدر الحفاظ الكنجي الشافعي المتوفى 658 (المذكور ج 1 ص 120) ذكره في " كفاية الطالب " ص 17 بلفظ أبي نعيم المذكور .

10 - شيخ الاسلام صدر الدين الحموي المتوفى 722 (المترجم ج 1 ص 123) رواه في - فرايد السمطين - في الباب الثاني عشر عن الشيخ تاج الدين أبي طالب علي ابن الحب بن عثمان الخازن، عن برهان الدين ناصر ابن أبي المكارم المطرزي، عن أخطب خوارزم بسنده ولفظه المذكورين .

م 11 - الحافظ جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي شمس الدين الحنفي المتوفى بضع و 750 " المترجم ا : 125 " أخرجه في كتابه : نظم درر السمطين ] .

12 - الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى 911 (المترجم 1 ص 133) ذكره في رسالته - الازدهار فيما عقده الشعراء من الأشعار - نقلا عن تذكرة الشيخ تاج الدين ابن مكتوم الحنفي المتوفى 749 .

(ورواه من أعلام الإمامية) :

1 - أبو عبد الله محمد بن أحمد المفجع المتوفى 227، (1) رواه في شرح قصيدته المعروفة بالأشباه عن عبد الله بن محمد بن عايشة القرشي عن المبارك عن عبد الله ابن أبي سلمان عن عطا عن جابر بن عبد الله : إن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) نزل بغدير خم، ونصب بدوحات، وكان يوم حار وإن أحدنا ليستظل بثوبه، ويبل خرقة فيضعها على رأسه من شدة الحر فقام (عليه السلام)فقال : أيها الناس ؟ ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجي أمهاتهم ؟ قلنا : بلى يا رسول الله ؟ فأخذ بيد علي

____________

(1) أحد شعراء الغدير في القرن الرابع يأتي هناك شعره وترجمته .

37

فرفعها ثم قال : اشهدوا من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم ؟ وال من والاه، وعاد من عاداه . يقولها ثلاثا .

فقال عمر : هنيئا لك يا أبا الحسن ؟ أصحبت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فقام رجل إلى رسول الله فقال : يا رسول الله ؟ أتأذن لي في إنشاء أبيات في علي ؟ فقال (عليه السلام): قل يا حسان ؟ فقال :

يناديهم يوم الغدير نبيهم * الأبيات إلى آخره

2 - أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم بن يزيد الطبري رواه في (المسترشد) بإسناده عن يحيى الحماني عن قيس عن العبدي عن أبي سعيد بلفظ الحافظ أبي نعيم الاصبهاني المذكور إلا أن البيت الثالث فيه :

إلهك مـولانا وأنرت ولـيـنا * ولا تجدن منا لك اليوم عاصي

3 - شيخنا أبو جعفر الصدوق محمد بن بابويه القمي المتوفى 381، رواه في " الأمالي " ص 343 بالسند والمتن المذكورين عن الحافظ المرزباني .

4 - الشريف الرضي المتوفى 406 صاحب نهج البلاغة (1) في خصايص الأئمة.

5 - معلم الأمة شيخنا المفيد المتوفى 413، رواه في " الفصول المختارة " 1 ص 87 وقال : ومما يشهد بقول الشيعة في معنى المولى وأن النبي أراد به يوم الغدير الإمامة قول حسان بن ثابت على ما جاء به الأثر : أن رسول الله لما نصب عليا يوم الغدير للناس علما وقال فيه ما قال، استأذنه حسان بن ثابت في أن يقول شعرا فأنشأ يقول :

يناديهم يوم الغدير نبيهم ..... الأبيات

فلما فرغ من هذا القول قال له النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) : لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك، فلولا أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أراد بالمولى الإمامة لما أثنى على حسان بإخباره بذلك، ولأنكره عليه، ورده عنه .

ورواه في رسالته في معنى المولى وقال بعد ذكره : شعر حسان مشهور في ذلك، وهو شاعر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) وقد قال له : لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك .

وهذا صريح في الاقرار بإمامته من جهة القول الكائن في

____________

(1) أحد شعراء الغدير في القرن الرابع يأتي هناك شعره وترجمته .

38

يوم الغدير من رسول الله له، لا يمكن تأويله، ولا يسوغ صرفه إلى غير حقيقته .

ورواه في تأليفه - النصرة لسيد العترة في حرب البصرة - وفي كتابه " الارشاد " ص 31، 64 بلفظ يقرب من رواية الحافظ أبي نعيم الاصبهاني المذكور .

6 - الشريف المرتضى علم الهدى المتوفى 436، في شرح بائية السيد الحميري .

7 - أبو الفتح الكراجكي المتوفى 449 في " كنز الفوائد " ص 123 وقال ما ملخصه : إن شعر حسان هذا قد صارت به الركبان وقد تضمن الاقرار لأمير - المؤمنين (عليه السلام)بالإمامة، والرياسة على الأنام لما مدحه بذلك يوم الغدير بحضرة رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) على رؤس الاشهاد فصوبه النبي في مقاله، وقال له : لا تزال يا حسان ؟ مؤيدا ما نصرتنا بلسانك .

8 - الشيخ عبيد الله بن عبد الله السدابادي رواه في " المقنع " في الإمامة .

9 - شيخ الطايفة أبو جعفر الطوسي المتوفى 460 في تلخيص الشافي .

10 - المفسر الكبير الشيخ أبو الفتوح الخزاعي الرازي من مشايخ ابن شهر آشوب المتوفى 588، رواه في تفسيره 2 ص 192 بلفظ يقرب من لفظ الحافظ أبي نعيم وزاد فيه(1):

فخص بها دون البرية كلها * عليا وسماه الوزير المواخي

11 - شيخنا الفتال أبو علي الشهيد المترجم في كتابنا " شهداء الفضيلة " ص 37، رواه في " روضة الواعظين " ص 90 .

12 - أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، رواه في " إعلام الورى " ص 81 .

13 - ابن شهر آشوب السروي المتوفى 588، في " المناقب " 3 ص 35 .

14 - أبو زكريا يحيى بن الحسن الحلي الشهير بابن بطريق، رواه في " الخصايص " ص 37 من طريق الحافظ أبي نعيم الاصبهاني .

15 - السيد هبة الدين رواه في كتابه (المجموع الرائق) المخطوط .

16 - رضي الدين سيدنا علي بن طاووس المتوفى 664 في " الطريف " ص 35 .

17 - بهاء الدين أبو الحسن الأربلي المتوفى 692 / 3 في " كشف الغمة " ص 94 .

____________

(1) ستقف على أن هذه الزيادة في محلها من شعر حسان .

39

18 - عماد الدين الحسن الطبري في " الكامل البهائي " ص 152 و 217 .

19 - الشيخ يوسف بن أبي حاتم الشامي في موضعين من كتابه (الدر النظيم).

20 - الشيخ علي البياضي العاملي في كتابه " الصراط المستقيم ".

21 - القاضي نور الله المرعشي الشهيد سنة 1019، المترجم في كتابنا " شهداء الفضيلة " ص 171 ذكره في " مجالس المؤمنين " ص 21 .

22 - مولانا المحقق المحسن الكاشاني المتوفى 1019 في " علم اليقين " ص 142 نقلا عن - التهاب نيران الأحزان - بلفظ يقرب من لفظ سليم بن قيس الهلالي التابعي في كتابه وهو :

ينـاديهم يـوم الغـدير نبيهـم * بخـم وأسمع بالنـبي منادي

وقـد جاءه جبريل عن أمر ربـه * بأنك معـصوم فـلا تـك وانـي

وبلغهم ما أنزل الله ربهم إليـك * ولا تخـش هـناك الأعـادي

فقام به إذ ذاك رافـع كـفـه * بكف علي معـلن الصـوت عالي

فـقال : فـمن مولاكم وولـيكم؟ * فـقال ولـم يبدوا هـناك تعامي

: إلهك مولانـا وأنـت ولـيـنا * ولن تجـدن فينا لك اليوم عاصي

فقال له : قـم يا عـلـي ؟ فإنني * رضيتك من بعدي إمـاما وهـادي

فمن كـنت مـولاه فـهذا وليـه * فكونوا لـه أنصـار صدق موالي

هناك دعـا اللهـم ؟ وال وليه * وكن للذي عـادى عـليا معادي

فيا رب ؟ انصر ناصريه لنصرهم * إمام هـدى كالبـدر يجلو الدياجي

23 - الشيخ إبراهيم القطيفي، في " الفرقة الناجية " بلفظ الكاشاني .

24 - السيد هاشم البحراني المتوفى 1107، في " غاية المرام " ص 87 .

25 - العلامة المجلسي المتوفى 1111 في " بحار الأنوار " 9 ص 234، 259 .

26 - شيخنا البحراني صاحب " الحدايق " المتوفى 1186، في " كشكوله " 2 ص 18 .

وهناك جمع آخرون رووا هذا الحديث وفي المذكورين كفاية .

40

(لفت نظر) *

والذي يظهر للباحث أن حسانا أكمل هذا الأبيات قصيدة ضمنها نبذا من مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)فكل أخذ منها شطرا يناسب موضوعه، وذكر الحافظ ابن أبي شيبة قال : حدثنا ابن فضل، قال : حدثنا سالم بن أبي حفصة، عن جميع بن عمير، عن عبد الله بن عمر، وصدر الحفاظ الكنجي الشافعي في كفايته (ط نجف) ص 38، و (ط مصر) ص 16، و (ط ايران) 21، وابن الصباغ المالكي في فصوله المهمة ص 22 وغيرهم منها قوله :

وكان عـلي أرمـد العـين يبتغي * دواء فـلما لم يحـس مـداوي

شفـاه رسـول الله منـه بتـفلة * فبـورك مـرقيا وبورك راقـي

فقال : سأعطي الراية اليوم ضاربا * كميا محـبا للـرسول مـوالـي

يحـب إلـهي والإلـه يحـبـه * به يفـتح الله الحـصون الأوابـي

فخـص بهـا دون البريـة كلهـا * عـليا وسماه الوزير المـواخي(1)

هذه الأبيات إشارة إلى حديث صحيح متواتر أخرجه أئمة الحديث بأسانيد رجال جلها كلهم ثقات أنهوها إلى:

بريدة بن الخصيب ، عبد الله بن عمر ، عبد الله بن العباس ، عمران بن حصين ، أبي سعيد الخدري ، أبي ليلى الأنصاري ، سهل الساعدي ، أبي هريرة الدوسي ، سعد بن أبي وقاص ، البراء بن عازب ، سلمة بن الأكوع.

فأخرجه البخاري في صحيحه 4 ص 323 عن سهل، وج 5 ص 269 عنه، و 270 عن سلمة، و ج 6 ص 191 عن سلمه وسهل، وأخرجه مسلم في صحيحه 2 ص 324، والترمذي في صحيحه 2 ص 300 وصححه، وأحمد بن حنبل في مسنده 1 ص 99، و ج 5 ص 353، 358 وغيرها، وابن سعد في طبقاته 3 ص 158، وابن هشام في سيرته 3 ص 386، والطبري في تاريخه 2 ص 93، والنسائي في خصايصه 4 - 8، 16، 33، والحاكم في المستدرك 3 ص 190، 116 وقال : هذا حديث دخل في حد

____________

(1) ورواه شيخنا الطبري في " المسترشد " رواية عن الحافظ ابن أبي شيبة المذكور، و أبو علي الفتال في " روضة الواعظين " وغيرهما .

41

التواتر، والخطيب في تاريخه 7 ص 387، وأبو نعيم الاصبهاني في الحلية 1 ص 62، بعدة طرق وصحح بعضها، و ج 4 ص 356، وابن عبد البر في الاستيعاب 2 ص 363 في ترجمة عامر، والحموي (1) في فرايده وقال : قال الإمام محيي السنة : هذا حديث صحيح متفق على صحته، ومحب الدين الطبري في الرياض 2 ص 187، واليافعي في مرآة الجنان 1 ص 109 وصححه، والقاضي الأيجي في المواقف 3 ص 10، 12، وهناك آخرون رووا هذه الأثارة وصححوها لو نذكرهم بأجمعهم لجاء منه كتاب مفرد، ونحن نقتصر من المتون على لفظ البخاري ألا وهو : إن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال يوم خيبر : لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال فبات الناس يدوكون (2) ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كلهم يرجو أن يعطاها، فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل : هو يا رسول الله ؟ يشتكي عينيه، قال : فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في عينيه ودعا له فبرأ حتى لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي : يا رسول الله ؟ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال : انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لإن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم وفي لفظه الآخر : ففتح الله عليه .

(ديوان حسان) *

إن لحسان في مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)مدايح جمة غير ما سبقت الإشارة إليه، وسنوقفك على ما التقطناه من ذلك، فمن هذه الناحية نعرف أن يد الأمانة لم تقبض عليها يوم مدت إلى ديوانه، فحرفت الكلم عن مواضعها، ولعبت بديوان حسان كما لعبت بغيره من الدواوين والكتب والمعاجم التي أسقطت منها مدايح أهل

____________

(1) بفتح المهملة ثم الميم المضمومة المشددة نسبة إلى جده حمويه، ونحن تبعا على المؤلفين ذكرناه في المجلد الأول (الحمويني) وقد أوقفنا السير على كلام ابن الأثير من أن رجال هذه الأسرة يكتبون لأنفسهم (الحموي) وضبطه على ما ذكر فعدلنا عما كنا عليه .

(2) أي يخوضون . يقال : الناس في دوكة . أي : في اختلاط وخوض . وأصله من الدوك . وهو : الحق . وفي كثير من الكتب : يذكرون . وهو : تصحيف .

42

البيت (عليهم السلام)وفضايلهم، والذكريات الحميدة لاتباعهم كديوان الفرزدق الذي أسقطوا منها ميميته المشهورة في مولانا الإمام زين العابدين (عليه السلام)مع إشارة الناشر إليها في مقدمة شرح ديوانه، وقد طفحت بذكرها الكتب والمعاجم، وكديوان كميت فإنه حرفت منه أبيات كما زيدت عليه أخرى، وكديوان أمير الشعراء أبي فراس، وكديوان كشاجم الذي زحزحوا عنه كمية مهمة من مراثي سيدنا الإمام السبط الشهيد (سلام الله عليه)، وكتاب " المعارف " لابن قتيبة الذي زيد فيه ما شاءه الهوى للمحرف و نقص منه ما يلائم خطته، بشهادة الكتب الناقلة عنه من بعده كما مر بعض ما ذكر في محله من هذا الكتاب ويأتي بعضه، إلى غير هذه من الكتب الذي عاثوا فيها لدى النشر، أو حرفوها عند النقل، ونحن نحيل تفصيل ذلك إلى مظانه من مواقع المناسبة لئلا نخرج عن وضع الكتاب، فلنعد الآن إلى ما شذ من شعر حسان عن ديوانه، وأثبتته له المصادر الوثيقة كنفس يائيته السابقة فمن ذلك : في تاريخ اليعقوبي 2 ص 107، وشرح ابن أبي الحديد 3 ص 14 وغيرهما : صعد أبو بكر المنبر عند ولايته الأمر فجلس دون مجلس رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بمرقاة ثم حمد الله وأثنى عليه وقال : إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني، لا أقول إني أفضلكم فضلا، ولكني أفضلكم حملا، وأثنى على الأنصار خيرا وقال : أنا وإياكم معشر الأنصار كما قال القائل :

جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت * بنا نعـلنا في الـواطئين فولت

أبوا أن يملونا ولـو أن أمـنا * تلاقي الذي يلقـون منـا لملت

فاعتزلت الأنصار عن أبي بكر فغضبت قريش وأحفظها ذلك فتكلم خطباؤها وقدم عمرو بن العاص فقالت له قريش : قم فتكلم بكلام تنال فيه من الأنصار، ففعل ذلك، فقام الفضل بن العباس فرد عليهم، ثم صار إلى علي فأخبره وأنشده شعرا قاله، فخرج علي مغضبا حتى دخل المسجد فذكر الأنصار بخير ورد على عمرو بن العاص قوله، فلما علمت الأنصار ذلك سرها وقالت : ما نبالي بقول من قال مع حسن قول علي، واجتمعت إلى حسان بن ثابت فقالوا : أجب الفضل، فقال : إن عارضته بغير قوافيه فضحني فقالوا (1):

____________

(1) في شرح ابن أبي الحديد : فقال له خزيمة بن ثابت : أذكر عليا وآله يكفيك عن كل شيء .

43

فاذكر عليا فقط، فقال:

جزى الله خـيرا والجـزاء بكفه * أبا حـسن عنا ومن كأبي حسن ؟

سبقت قريشا بالـذي أنـت أهله * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن(1)

تمنت رجـال من قريش أعـزة * مكانك هيهات الهزال من السمـن

وأنت من الاسلام في كـل مـنزل * بمنزلة الطرف البطين من الرسـن

غضبت لنا إذ قال عمرو بخصلـة * أمات بها التقوى وأحيى بها الإحـن

وكنت المرجى من لوي بن غالـب * لما كان منه والذي بعـد لم يكـن

حفظت رسول الله فيـنا وعهـده * إليك ومن أولى به منك مـن ومن ؟

ألست أخـاه فـي الهدى ووصيه * وأعلم فهـر بالكـتاب وبالسنـن ؟

فحقك ما دامت بنجـد وشيـجـة * عظيم عـلينا ثم بعـد عـلى اليمن

* (قوله) * : فصدرك مشروح . إشارة إلى ما ورد في قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للاسلام، فإنها نزلت في علي وحمزة. رواه الحافظ محب الدين الطبري في رياضه 2 ص 207 عن الحافظين الواحد وأبي الفرج، وفي ذخاير العقبى ص 88 .

* (قوله) * : وقلبك ممتحن . أشار به إلى النبوي الوارد في أمير المؤمنين : إنه امتحن الله قلبه بالإيمان (2) أخرجه من الحفاظ والعلماء منهم : النسائي في خصايصه ص 11، والترمذي في الصحيح 2 ص 298، والخطيب البغدادي في تاريخه 1 ص 133، م - والبيهقي في المحاسن والمساوي 1 ص 29 ] ومحب الدين الطبري في الرياض 2 ص 191، وذخاير العقبي ص 76 وقال : أخرجه الترمذي وصححه، والكنجي في الكفاية ص 34، وقال : هذا حديث عال حسن صحيح، والحموي في فرايده في الباب ال 33، والسيوطي في جمع الجوامع بعدة طرق كما في كنز العمال 6 ص 393 و 396، والبدخشي في نزل الأبرار ص 11 وغيرهم .

* (قوله) * : ألست أخاه في الهدى ووصيه . أوعز به إلى حديثي الاخاء والوصية وهما من الشهرة والتواتر بمكان عظيم يجدهما الباحث في جل مسانيد الحفاظ والأعلام .

____________

(1) هذان البيتان ذكرهما لحسان شيخ الطايفة المفيد كما في (الفصول) 2 ص 61 و 67 .

(2) كذا في لفظ الخطيب، وفي بعض المصادر : على الإيمان .

وفي بعضها : للإيمان .

44

* (قوله) * : وأعلم فهر بالكتاب وبالسنن .

أراد به ما ورد في علم علي أمير المؤمنين بالكتاب والسنة .

أخرج الحفاظ عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في حديث فاطمة (سلام الله عليها) : زوجتك خير أهلي أعلمهم علما، وأفضلهم حلما، وأولهم إسلاما .

وفي حديث آخر : أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب .

وفي ثالث : أعلم الناس بالله وبالناس .

وفي حديث : يا علي لك سبع خصال وعد منها : وأعلمهم بالقضية (1) وأخرج محب الدين الطبري في رياضه 2 ص 193، والذخاير ص 78، وابن عبد البر في الاستيعاب (هامش الإصابة) 3 ص 40 عن عايشة : إنه أعلم الناس بالسنة .

وفي كفاية الكنجي ص 190 عن أبي أمامة عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) : أعلم أمتي بالسنة والقضاء بعدي علي ابن أبي طالب .

وأخرج الخوارزمي في المناقب ص 49، وشيخ الاسلام الحموي في فرايده في الباب الثامن عشر بإسناده عن سلمان عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) : أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب .

وأخرج الحفاظ عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنه قال : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا (2) و عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قسمت الحكمة عشرة أجزاء فاعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءا أحدا (3) وقال السيد أحمد زيني دحلان في " الفتوحات الإسلامية " 2 ص 337 : كان علي رضي الله عنه أعطاه الله علما كثيرا وكشفا غزيرا قال أبو الطفيل : شهدت عليا يخطب و هو يقول : سلوني (4) من كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل، ولو شئت أوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب، وقال

____________

(1) حلية الأولياء 1 ص 66، كنز العمال 6 ص 153، 156، 398 .

(2) حلية الأولياء 1 ص 28، كفاية الكنجي ص 90، كنز العمال 6 ص 396، إسعاف الراغبين ص 162 .

(3) حلية الأولياء 1 ص 65 .

(4) في الإصابة 2 ص 509 : سلوني سلوني سلوني عن كتاب الله. الحديث.

45

ابن عباس رضي الله عنه : علم رسول الله من علم الله تبارك وتعالى، وعلم علي رضي الله عنه من علم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) وعلمي من علم علي رضي الله عنه، وما علمي وعلم أصحاب محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) في علم علي رضي الله عنه إلا كقطرة في سبعة أبحر، ويقال : إن عبد الله بن عباس أكثر البكاء على علي رضي الله عنه حتى ذهب بصره، وقال ابن عباس أيضا، لقد اعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارك الناس في العشر العاشر، وكان معاوية رضي الله عنه يسأله ويكتب له فيما ينزل به فلما توفي علي رضي الله عنه قال معاوية : لقد ذهب الفقه والعلم بموت علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعوذ من معضلة ليس فيها أبو الحسن (1)، وسئل عطاء أكان في أصحاب محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) أحد أعلم من علي ؟ قال : لا والله ما أعلمه .

إنتهى .

وعن عبد الله ابن مسعود : إن القرآن نزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن، و إن عليا عنده علم الظاهر والباطن (2) وهناك نظير هذه الأحاديث والكلمات حول علم أمير المؤمنين بالكتاب والسنة كثير جدا لو جمعته يد التأليف لجاء كتابا ضخما .

(ومن شعر حسان في أمير المؤمنين) *

ذكر له أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص 115، والكنجي الشافعي في كفايته ص 55، وابن طلحة الشافعي في " مطالب السئول " ص 10 وقال : فشت هذه الأبيات من قول حسان وتناقلها سمع عن سمع ولسان عن لسان :

أنـزل الله والكـتاب عـزيز * في عـلي وفـي الـوليد قران

فتبوأ الوليد مـن ذاك فـسقـا * وعـلي مبـوأ إيـمـان

ليس من كـان مؤمنا عرف الله * كمن كان فـاسقـا خـوان

فعلي يلقـى لـدى الله عـزا * ووليد يلـقى هـناك هـوان

سوف يجزى الوليد خزيا ونارا * وعلي لا شـك يجـزى جـنان

____________

(1) أخرجه كثير من الحفاظ وأئمة الحديث .

(2) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1 ص 65 .

46

ورواها له ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2 ص 103 وفيه بعد البيت الثالث :

سوف يـدعى الوليد بعد قليل * وعـلي إلى الحـساب عيان

فـعـلي يجـزى بذاك جنانا * ووليد يجزى بذاك هوانا (1)

رب جـد لعـقبة بـن أبان * لابس فـي بلادنا تـبّـانا (2)

وذكرها له نقلا عن شرح النهج الأستاذ أحمد زكي صفوت في " جمهرة الخطب " 2 ص 23 .

أشار بهذه الأبيات إلى قوله تعالى : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون .

ونزوله في علي (عليه السلام)والوليد بن عقبة بن أبي معيط فيما شجر بينهما، أخرج الطبري في تفسيره 21 ص 62 بإسناده عن عطاء بن يسار قال : كان بين الوليد وعلي كلام فقال الوليد : أنا أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأرد منك للكتيبة فقال علي : اسكت فإنك فاسق . فأنزل الله فيهما : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا . الآية .

وفي الأغاني 4 ص 185، وتفسير الخازن 3 ص 470 : كان بين علي والوليد تنازع وكلام في شيء فقال الوليد لعلي : اسكت فإنك صبي وأنا شيخ، والله إني أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في الكتيبة .

فقال له علي : اسكت فإنك فاسق . فأنزل الله هذه الآية .

وأخرجه م - الواحدي بإسناده من طريق ابن عباس في " أسباب النزول " ص 263، و ] محب الدين الطبري في الرياض 2 ص 206 عن ابن عباس وقتادة من طريق الحافظين السلفي والواحدي، وفي ذخاير العقبى ص 88، والخوارزمي في المناقب ص 188، والكنجي في الكفاية ص 55، والنيسابوري في تفسيره، وابن كثير في تفسيره 3 ص 462 قال : ذكر عطاء بن يسار والسدي وغيرهما : إنها نزلت في علي بن أبي طالب

____________

(1) في التذكرة : هناك . بدل " بذاك " في الموضعين .

(2) أبان : هو أبو معيط جد الوليد . والتبان : سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة فقط كان يخص بالملاحين .

47

وعقبة (فيه تصحيف لا يخفى)، ورواه جمال الدين الزرندي في " نظم درر السمطين " .

وذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 ص 394، ج 2 ص 103 وحكى عن شيخه : إنه من المعلوم الذي لا ريب فيه لاشتهار الخبر به وإطباق الناس عليه .

وأخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 ص 178 وقال : أخرج أبو الفرج في الأغاني، والواحدي، وابن عدي، وابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر، من طرق عن ابن عباس، وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عطا بن يسار، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه مثله، وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه، وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس .

م - وذكره الحلبي في السيرة 2 ص 85 ] .

* (ومن شعر حسان في أمير المؤمنين) *:

ذكر له أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص 10 :

من ذا بخـاتمه تصـدق راكعـا * وأسـرها في نفسه إسـرار

من كـان بات على فراش محمد * ومحمـد أسرى يـؤم الغـار

من كان في القرآن سمي مؤمنا * في تسع آيات تلين غـزارا (1)

في البيت الأول إيعاز إلى مأثرة تصدقه (صلوات الله عليه) خاتمه للسائل راكعا وفيها نزل قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا . الآية . وسنوقفك على بيانها في شرح البيت الثالث إنشاء الله تعالى .

وبثاني الأبيات أشار إلى حديث أصفقت الأمة عليه من أن عليا (عليه السلام)لبس برد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) الحضرمي الأخضر ونام على فراشه ليلة هرب النبي من المشركين إلى الغار وفداه بنفسه ونزلت فيه : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله (سورة البقرة 207) .

قال أبو جعفر الاسكافي كما في شرح البلاغة لابن أبي الحديد 3 ص 270 : حديث الفراش قد ثبت بالتواتر فلا يجحده إلا مجنون أو غير مخالط لأهل الملة، وقد

____________

(1) وذكرها الكنجي في الكفاية ص 123 ونسبها إلى بعضهم وفيه : في تسع آيات جعلن كبارا .

48

روى المفسرون كلهم : إن قول الله تعالى : ومن الناس من يشري . الآية . نزلت في علي ليلة المبيت على الفراش .

وروى الثعلبي في تفسيره : إن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لما أراد الهجرة إلى المدينة خلف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه وأداء الودايع التي كانت عنده، وأمر ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه وقال له : اتشح ببردي الحضرمي الأخضر ونم على فراشي فإنه لا يصل منهم إليك مكروه إنشاء الله تعالى ففعل ذلك علي (عليه السلام)فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل : إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله تعالى إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب ؟ آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، إهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه .

فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي : بخ بخ من مثلك يا علي ؟ يباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة .

فأنزل الله على رسوله وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله .

وقال ابن عباس : نزلت الآية في علي حين هرب - رسول الله - من المشركين إلى الغار مع أبي بكر ونام على فراش النبي .

وحديث الثعلبي هذا رواه بطوله الغزالي في " إحياء العلوم " 3 ص 238، و الكنجي في " كفاية الطالب " ص 114، والصفوري في " نزهة المجالس " 2 ص 209 نقلا عن الحافظ النسفي .

ورواه ابن الصباغ المالكي في فصوله ص 33، وسبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص 21، والشبلنجي في نور الأبصار ص 86، و في المصادر الثلاثة الأخيرة : قال ابن عباس : أنشدني أمير المؤمنين شعرا قاله في تلك الليلة :

وقيـت بنفسي خير من وطئ الحصا * وأكـرم خـلق طاف بالبيت والحجر

وبت أراعـي منهم ما يسوءنـي * وقد صبرت نفسي على القتل والأسر

وبات رسـول الله في الغـار آمنا * وما زال في حفظ الإله وفي الستر(1)

ويوجد حديث ليلة المبيت في مسند أحمد 1 ص 348، تاريخ الطبري 2 - ص 99 - 101، الطبقات لابن سعد 1 ص 212، تاريخ اليعقوبي 2 ص 529 سيرة ابن هشام 2

____________

(1) وتوجد هذه الأبيات في مناقب الخوارزمي مع زيادة بيت .

49

ص 291، العقد الفريد 3 ص 290، تاريخ الخطيب البغدادي 13 ص 191، تاريخ ابن الأثير 2 ص 42، تاريخ أبي الفدا، 1 ص 126، مناقب الخوازمي ص 75، الامتاع للمقريزي ص 39، تاريخ ابن كثير 7 ص 338، السيرة الحلبية 2 ص 29 .

ويوجد الايعاز إلى هذه المأثرة في حديث صحيح عن ابن عباس أخرجه جمع من الحفاظ الاثبات راجع ما مر ج 1 ص 50 و 51، وهي مروية في حديث عن الإمام السبط الحسن وقال : بات أمير المؤمنين يحرس رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) المشركين وفداه بنفسه ليلة الهجرة حتى أنزل الله فيه : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله (1)

* (البيت الثالث) * أشار به إلى الآيات التسع النازلة في أمير المؤمنين التي سمي فيها مؤمنا، ونحن وقفنا من تلك على عشر (2) آيات ولم نعرف خصوص التسع المراد لحسان في قوله، م - وقال معاوية بن صعصعة في قصيدة له ذكرها نصر بن مزاحم في كتاب صفين ص 31 :

ومـن نزلت فيه ثـلاثون آيـة * تسميه فيها مؤمنا مخلصا فرد

سوى موجبات جئن فيه وغيرها * بهـا أوجب الله الولاية والودا]

والآيات :

1 - أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " سورة السجدة 18 " .

مر الايعاز إلى حديث نزولها في علي (عليه السلام)ص 46 من هذا الجزء .

2 - هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين " سورة الأنفال 62 ".

أخرج الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه قال : أخبرنا أبو الحسن علي ابن مسلم الشافعي، أخبرنا أبو القاسم بن العلا، وأبو بكر محمد بن عمر بن سليمان العريني

____________

(1) تذكرة السبط ص 115، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 103، جمهرة الخطب 2 ص 12 .

(2) وكذا قال الإمام الحسن السبط الزكي في حديث : سمي أبي مؤمنا في عشر آيات .

50

النصيبي، حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المهري، حدثنا عباس بن بكار، حدثنا خالد بن أبي عمر الأسدي، عن الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : مكتوب على العرش لا إله إلا الله وحدي لا شريك لي، و محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي، وذلك قوله عز وجل في كتابه الكريم : هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين علي وحده .

ورواه بإسناده الكنجي الشافعي في كفايته ص 110 ثم قال : قلت : ذكره ابن جرير في تفسير (1) وابن عساكر في تاريخه في ترجمة علي (عليه السلام).

ورواه الحافظ جلال الدين السيوطي في الدر المنثور 3 ص 199 نقلا عن ابن عساكر، والقندوزي في ينابيعه ص 94 نقلا عن الحافظ أبي نعيم بإسناده عن أبي هريرة، ومن طريق أبي صالح عن ابن عباس .

وصدر الحديث أخرجه جمع من الحفاظ منهم : الخطيب البغدادي في تاريخه 11 ص 173 بإسناده عن أنس بن مالك قال : قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) : لما عرج بي رأيت على ساق العرش مكتوبا : لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي، نصرته بعلي .

ومحب الدين الطبري في " الرياض " 2 ص 172 عن أبي الحمراء من طريق الملأ في سيرته، وفي ذخاير العقبى ص 69، والخوارزمي في المناقب ص 254، والحموي في فرايده في الباب السادس والأربعين من طريقين بلفظ : لما أسري بي إلى السماء رأيت في ساق العرش مكتوبا : لا إله إلا الله محمد رسول الله صفوتي من خلقي، أيدته بعلي ونصرته به .

وبإسناد آخر عن أبي الحمراء خادم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بلفظ : ليلة أسري بي رأيت على ساق العرش الأيمن مكتوبا : أنا الله وحدي لا إله غيري، غرست جنة عدن بيدي لمحمد صفوتي أيدته بعلي .

وبهذا اللفظ رواه الحافظ السيوطي كما في كنز العمال 6 ص 158 من غير طريق عن أبي الحمراء .

ومن طريق آخر عن جابر عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) : مكتوب في باب الجنة قبل أن يخلق الله السموات والأرض بألفي سنة : لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي .

م - وذكره الحافظ الهيثمي في المجمع 9 ص 121 من طريق الطبراني عن أبي الحمراء، والسيوطي في الخصايص

____________

(1) لم نجد هذا الحديث في تفسير الطبري تحت هذه الآية .