أنوار الأصول‏ - ج3

- الشيخ أحمد القدسي المزيد...
615 /
9

المقصد السابع في مباحث الشك و الاصول العلمية

7- في مباحث الشكّ و الاصول العمليّة

بعد الكلام عن أحكام القطع و الظنّ تصل النوبة إلى البحث في أحكام الشكّ، و بتعبير القوم أنّه إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي كان المرجع هو الاصول العمليّة، و حينئذٍ لا بدّ من البحث في امور:

1- في تعريف الاصول العمليّة.

2- في أنّها داخلة في مسائل علم الاصول أو لا؟

3- في انحصارها في الأربعة.

4- في حكومة الأمارات و الأدلّة الاجتهاديّة عليها.

5- في عدم اختصاص الأمارة بموارد الظنّ.

أمّا الأمر الأوّل: و هو تعريف الاصول العمليّة فالصحيح منه ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الكفاية من أنّها «هى التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الظفر بالدليل» نعم لا بدّ من إضافة قيد «على الحكم الواقعي» في ذيله لإخراج الدليل على الحكم الظاهري فإنّ الذي ينتهي المجتهد إلى الاصول العمليّة بعد اليأس عنه إنّما هو الدليل على الحكم الواقعي لا مطلقاً.

ثمّ‏ إنّه ينبغي الالتفات إلى أنّ تمامية هذا التعريف مبنى على مذهب أصحابنا الإماميّة من عدم الخلأ القانوني في الشريعة و عدم خلوّ موضوع من الموضوعات الخارجيّة عن الحكم الواقعي، و إن لم تصل أيدينا إليها أحياناً، و أمّا بناءً على مذهب طائفة من العامّة من عدم وجود حكم واقعي لبعض الوقائع و أنّ ما لا نصّ فيه لا حكم فيه فلا معنى للشكّ في الحكم الواقعي الذي أخذ الشكّ فيه في موضوع الاصول العمليّة في التعريف المزبور.

و أمّا الأمر الثاني: و هو كون مسائل الاصول العمليّة جزءاً من علم الاصول فقد يبدو في النظر الأوّل أنّها من القواعد الفقهيّة، لأنّ مسائل علم الاصول ما تقع في طريق استنباط

10

الحكم، و القاعدة الفقهيّة ما تكون بنفسها حكماً كلّياً فرعياً، و المسألة الفقهيّة عبارة عن الأحكام الفرعيّة الجزئيّة، أي ما يتعلّق به عمل المكلّف (و إن كان كلّياً في نفسه)، و الاصول العمليّة إنّما هى من القسم الثاني لأنّها بنفسها أحكام كلّية فرعيّة.

و لكن عند الدقّة و التأمّل يظهر أنّها من القسم الأوّل، و ذلك لعدم اشتمالها على حكم من الأحكام الخمسة، أمّا البراءة فلأنّها في الشبهات الوجوبيّة عبارة عن عدم الوجوب، و في الشبهات التحريميّة عبارة عن عدم الحرمة، فليست هى بنفسها حكماً معيّناً من الأحكام الخمسة (لا وجوداً و لا عدماً).

و أمّا الاستصحاب فلأنّه عبارة عن العمل بالحالة السابقة المتيقّنة، و لا يخفى أنّ المعلوم سابقاً تارةً يكون وجوباً و اخرى تحريماً، و ثالثة حكماً وضعيّاً، كما أنّه قد يكون موضوعاً خارجياً، فلا يندرج في تعريف القواعد الفقهيّة.

و هكذا الاحتياط لأنّه في الشبهات الوجوبيّة عبارة عن الوجوب، و في الشبهات التحريميّة عبارة عن الحرمة، فليس في جميع الموارد حكماً من الأحكام الخمسة، بل إنّه يدلّ على مطلق الإلزام، و ليس الإلزام نوعاً من الأحكام الخمسة.

و هكذا التخيير لأنّه سيأتي أنّ المراد منه في مباحث الاصول العمليّة إنّما هو التخيير العقلي، و عبارة عن نفي البأس و العقاب باختيار المكلّف أحد الأطراف، فليس حكماً شرعيّاً من الأحكام الخمسة.

أمّا الأمر الثالث: و هو انحصار الاصول العمليّة في الأربعة فيستفاد من كلمات المحقّق الخراساني (رحمه الله) نفي انحصارها العقلي في الأربعة مع اعترافه بأنّ المهمّ منها أربعة، و أنّ مثل قاعدة الطهارة و إن كان ممّا ينتهي إليها فيما لا حجّة على طهارته، و لا على نجاسته، إلّا أنّ البحث عنها ليس بمهمّ لأنّها ثابتة بلا كلام من دون حاجة إلى نقض و إبرام بخلاف الأربعة فإنّها محلّ الخلاف بين الأصحاب، و يحتاج تنقيح مجاريها و توضيح ما هو حكم العقل أو مقتضى عموم النقل فيها إلى مزيد بحث و بيان، و مئونة حجّة و برهان، هذا مع جريانها في كلّ الأبواب و اختصاص تلك القاعدة ببعضها.

و صرّح شيخنا الأعظم (رحمه الله) في موضعين من رسائله (أوائل مباحث القطع و أوّل البحث عن البراءة) بحصر مجاريها في الأربعة عقلًا.

11

و هذا هو المختار، لأنّ مثل قاعدة الطهارة ليست أساساً من الاصول العمليّة حتّى تصل النوبة إلى البحث عن وضوحها و عدم وضوحها، بل هى من القواعد الفقهيّة لكونها حكماً كلّياً وضعيّاً يستفاد منها الأحكام الجزئيّة الفقهيّة بتطبيقها على موارد الشكّ في الطهارة، مضافاً إلى أنّ اعتذار المحقّق الخراساني (رحمه الله) بأنّها واضحة لا تحتاج إلى نقض و إبرام في غير محلّه، لأنّها أيضاً تحتاج إلى البحث و الدراسة كما يظهر لمن راجعها، فالوجه في عدم ذكرها في الاصول العمليّة هو دخولها في القواعد الفقهيّة و عدم وجود المناسبة بينها و بين المسائل الاصوليّة.

ثمّ‏ إنّ أحسن ما قيل في بيان حصر مجاري الاصول العمليّة في الأربعة هو ما أفاده شيخنا الأعظم (رحمه الله)، و حاصله إنّ المشكوك إمّا له حالة سابقة ملحوظة (1) أو لا، و الأوّل مورد الاستصحاب، و الثاني (و هو ما إذا لم تكن له حالة سابقة أو كانت و لم تكن ملحوظة) إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكناً أو لا، و الأوّل‏ (2) إمّا قام دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول أو لا، و الأوّل مورد الاحتياط، و الثاني مورد البراءة.

أقول: إنّ كلامه أدقّ ما افيد في هذا المجال، و لكنّه في نفس الحال ليس سليماً عن الإشكال، و عمدة الإشكال أنّ ظاهره أنّ مجرى قاعدة التخيير هو عدم إمكان الاحتياط مطلقاً، أي كلّ ما كان الاحتياط فيه غير ممكن يكون المجرى لقاعدة التخيير مع أنّه ليس كذلك بالنسبة إلى بعض الموارد، كما إذا دار الأمر مثلًا (كما في صلاة العيد في زمن الغيبة) بين الوجوب و الحرمة و الاستحباب، فإنّ المجرى فيه هو البراءة مع عدم إمكان الاحتياط فيه.

ثمّ إنّ للمحقّق النائيني (رحمه الله) في فوائد الاصول بياناً في هذا المقام، و إليك نصّه: «إمّا أن يلاحظ الحالة السابقة للشكّ أو لا، و على الثاني إمّا أن يكون التكليف معلوماً بفصله‏ (3) أو نوعه‏ (4) أو جنسه‏ (5) أو لا، و على الأوّل إمّا أن يمكن فيه الاحتياط أو لا، فالأوّل مجرى‏

____________

(1) بخلاف ما إذا كانت للمشكوك حالة سابقة، و لكن لم تكن ملحوظة كما في موارد الشكّ في المقتضي فليس الاستصحاب فيه حجّة.

(2) و هو ليس منحصراً في الشبهات المحصورة في الشكّ في المكلّف به، بل يعمّ الشكّ في التكليف في الشبهات قبل الفحص.

(3) كما إذا علمنا أنّ لهذا العمل المنع من الترك و هو فصل الوجوب.

(4) كما إذا كان المعلوم هو الوجوب.

(5) كما إذا كان المعلوم هو أصل اللزوم.

12

الاستصحاب، و الثاني مجرى الاحتياط، و الثالث مجرى التخيير، و الرابع مجرى البراءة» (1).

و الفرق بين هذا البيان و بيان الشيخ الأعظم (رحمه الله) هو تقديمه للشكّ في التكليف و المكلّف به على إمكان الاحتياط و عدمه على عكس ما ذكره الشيخ الأعظم (رحمه الله).

و الظاهر أنّ بيانه أيضاً غير تامّ من ناحيتين:

الاولى: إنّ ملاك جريان البراءة في بيانه إنّما هو عدم العلم بالتكليف، و هو ينتقض بالشبهات قبل الفحص فإنّ التكليف فيها ليس معلوماً مع كونه مجرى الاحتياط لا البراءة.

و لا يخفى أنّ هذا الإشكال لا يرد على الشيخ (رحمه الله) لأنّ ملاك جريان البراءة في كلامه هو عدم قيام دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب، و المفروض إنّه غير صادق في الشبهات قبل الفحص فقد قام الدليل فيها على وجوب الاحتياط.

الثانية: إنّ ملاك قاعدة الاحتياط في كلامه عبارة عن العلم بالتكليف، و هو ينتقض بالشبهات غير المحصورة لأنّ التكليف فيها معلوم مع أنّها مجرى قاعدة البراءة.

و لا يخفى أنّ كلام الشيخ الأعظم في فسحة من هذه الناحية أيضاً لأنّ ملاك قاعدة الاحتياط فيه قيام دليل على العقاب و هو غير صادق في الشبهات غير المحصورة.

و الأحسن أن يقال: مورد الشكّ إمّا أن يكون اليقين السابق فيه ملحوظاً أو لا، و الأوّل مورد الاستصحاب، و الثاني إمّا أن يكون الشكّ فيه في التكليف و لم يقم دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب في مورده أو لا (سواء كان الشكّ في المكلّف به أو كان الشكّ في التكليف، و قام دليل كذلك) و الأوّل مورد البراءة (2)، و الثاني إمّا أن يمكن الاحتياط فيه أو لا، و الأوّل مورد الاحتياط و الثاني مورد التخيير.

و هذا الحصر عقلي، و العجب من المحقّق النائيني (رحمه الله) حيث قال: «عمدتها أربعة» مع اعترافه بأنّ الحصر عقلي.

أمّا الرابع: فلا إشكال في تقدّم الأمارات و الأدلّة الاجتهاديّة على الاصول العمليّة لأنّ أدلّتها حاكمة عليها.

و لتوضيح معنى الحكومة يناسب هنا بيان الحالات الأربعة لتقديم دليل على دليل، و إن كان محلّه المقرّر له مبحث التعادل و التراجيح.

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 325.

(2) و لا يخفى شموله لمورد الدوران بين الوجوب و الحرمة و الاستحباب لكونه من موارد الشكّ في التكليف.

13

فنقول‏- و من اللَّه التوفيق و الهداية-: يتصوّر للدليل المقدّم على دليل آخر حالات أربعة:

أحدها: التخصّص، و هو خروج مورد عن موضوع دليل خروجاً ذاتيّاً بلا حاجة إلى دليل مخرج، كخروج زيد الجاهل عن دليل وجوب إكرام العلماء.

ثانيها: التخصيص، و هو إخراج مورد عن موضوع دليل إخراجاً حكميّاً بواسطة تعبّدٍ و دليل، كاخراج العالم الفاسق بقول المولى: «لا تكرم الفسّاق من العلماء» عن قوله: «أكرم العلماء».

ثالثها: الورود، و هو عبارة عن الخروج الموضوعي كالتخصّص لكنّه خروج بواسطة ورود دليل يوجب انعدام موضوع الدليل السابق حقيقة، نظير ورود أدلّة الأمارات على الاصول العمليّة العقليّة فيكون دليل حجّية خبر الواحد مثلًا وارداً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان لأنّ موضوعها هو عدم البيان، و دليل حجّية خبر الواحد يجعل مفاد خبر الواحد بياناً.

رابعها: الحكومة، و هى كون أحد الدليلين مفسّراً لدليل آخر، و ناظراً إليه نظر تفسيرٍ بالمطابقة أو التضمّن أو الالتزام، بالتصرّف في موضوعه أو حكمه أو متعلّقه، بالتوسعة أو التضييق، فهى على ستّة أقسام:

1- أن يكون التصرّف في الموضوع بالتضييق كما إذا قال المولى (بعد قوله أكرم العلماء):

«العالم الفاسق ليس بعالم».

2- أن يكون التصرّف في الموضوع بالتوسعة، كما إذا قال: «العامي العادل عالم».

3- أن يكون التصرّف في المتعلّق بالتضييق، كما إذا قال: «الإطعام ليس بإكرام» (مع كونه إكراماً عرفاً).

4- أن يكون التصرّف في المتعلّق بالتوسعة كما إذا قال: «مجرّد السلام إكرام» (مع أنّه ليس بإكرام عرفاً على الفرض).

5- أن يكون التصرّف في الحكم بالتضييق، كما إذا ورد في دليل: «إذا شككت في الصّلاة فابنِ على الأكثر» و ورد في دليل آخر: «إنّما عنيت بذلك خصوص الشكّ بين الثلاث و الأربع».

6- عكس الخامس، كما إذا قال: «إذا شككت بين الثلاث و الأربع فابنِ على الأكثر» ثمّ ورد في دليل آخر: «إنّ المراد منه مطلق الشكّ و أنّ ذكر الثلاث و الأربع من باب المثال».

14

هذا- و قد ظهر ممّا ذكر الفرق بين التخصيص و الحكومة، حيث إنّ لسان التخصيص لسان التعارض، و لسان الحكومة هو التفسير و التوضيح مطابقة أو التزاماً، و المراد من التفسير أنّ الدليل الثاني لا يكون له معنى قابلًا للفهم بدون الدليل الأوّل، بخلاف التعارض، فإنّ لكلّ من الدليلين المتعارضين معناً مستقلًا و لا يتوقّف فهم أحدهما على الآخر، و من هنا يشترط في التخصيص أقوائيّة الدليل المخصّص خلافاً للحكومة.

ثمّ إنّه لا يعتبر في الحكومة كما أشرنا إليه كون الدليل الحاكم بصيغة تدلّ بالمطابقة على التفسير كقولك: «إنّما عنيت» أو «افسّر» بل تكفي الدلالة عليه بالالتزام كما في كثير من الأمثلة السابقة.

إذا عرفت هذا نقول: إنّ أدلّة الأمارات حاكمة على الاصول العمليّة لأنّ موضوع الاصول قد أخذ فيه الشكّ، و دليل الأمارة كآية النبأ يلغى احتمال الخلاف، و ينفى الحكم بلسان نفي الموضوع و كأنّه يقول: شكّك ليس بشكّ.

نعم تكون النسبة بينها و بين الاصول العقليّة نسبة الورود، فإنّ الموضوع في البراءة العقليّة (قاعدة قبح العقاب بلا بيان) إنّما هو عدم الحجّية، و دليل حجّية خبر الواحد مثلًا يقول: إنّ مفاد خبر الواحد حجّة فيوجب انعدام موضوع اللّاحجّة بالحجّة، و هكذا بالنسبة إلى الاحتياط العقلي فإنّ موضوعه عدم الأمن من العقاب و دليل حجّية خبر الواحد يبدّل عدم الأمن إلى الأمن، و كذلك في التخيير العقلي فإنّ الموضوع فيه عدم وجود الرجحان لأحد الدليلين، و خبر الواحد يكون مرجّحاً.

أمّا الخامس:- و هو عدم اختصاص الأمارة بموارد الظنّ- فالمعروف في ألسنة الاصوليين أنّه لا يوجد في مورد الشكّ أمارة لأنّ الشكّ ظلمة محضة لا يكون له كشف عن الواقع فلا يمكن جعله أمارة.

لكنّه ينتقض بمثل القرعة فقد وردت فيها روايات خاصّة تدلّ على أماريتها على الواقع، و أنّها توجب الوصول إلى الواقع إذا فوّض الأمر فيه إلى اللَّه تعالى (مع أنّه لا شكّ في أنّها ظلمة و شكّ محض).

و من هذه الروايات ما رواه الشيخ عن جميل قال: قال الطيار لزرارة: «ما تقول في المساهمة أ ليس حقّاً؟ فقال زرارة: بل هى حقّ، فقال الطيار: أ ليس قد ورد أنّه يخرج سهم‏

15

المحقّ؟ قال: بلى، قال: فتعال حتّى أدّعي أنا و أنت شيئاً ثمّ نساهم عليه و ننظر هكذا هو؟ فقال له زرارة: إنّما جاء الحديث بأنّه ليس من قوم فوّضوا أمرهم إلى اللَّه ثمّ اقترعوا إلّا خرج سهم المحقّ، فأمّا على التجارب، فلم يوضع على التجارب، فقال الطيار: أ رأيت إن كانا جميعاً مدّعيين ادّعيا ما ليس لهما من أين يخرج سهم أحدهما؟ فقال زرارة: إذا كان كذلك جعل معه بينهم مبيح فإن كان ادّعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح» (1).

فإنّها واضحة الدلالة على كون القرعة أمارة على الواقع.

أضف إلى ذلك ما ورد في الكتاب الكريم في قصّة يونس: «وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ» (2).

فإنّ هذه الآية أيضاً تدلّ على أنّه يمكن جعل أحد طرفي الشكّ الذي وافقته الأمارة أمارة على الواقع.

بل يدلّ عليه ما ورد في باب الاستخارات حيث إنّها في الواقع نوع من القرعة و أمارة على الواقع، و لم توضع لمجرّد رفع التحيّر في مقام العمل فحسب.

فظهر أنّ كون الشكّ بمنزلة الظلمات إنّما هو بالنسبة إلى أنظارنا، و أمّا عند الشارع العالم بالشهادة و الغيب فقد يكون لأحد الطرفين (و هو الطرف الذي توافقه القرعة) نور و ضياء، فيجعله أمارة و طريقاً إلى الواقع.

هذا كلّه هى الامور الخمسة التي ينبغي ذكرها قبل الورود في أصل البحث عن مسائل الاصول الأربعة، و نشرع الآن بحول اللَّه تعالى في أصالة البراءة في الشبهات التحريميّة الحكميّة (كالشكّ في حرمة العصير العنبي إذا غلى، أو الشكّ في حرمة بعض أجزاء الذبيحة أو حرمة التدخين). و نستمدّ منه التوفيق و الهداية.

____________

(1) وسائل الشيعة: الباب 13، من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، ح 4.

(2) سورة الصافات: الآية 139- 141.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

1- أصالة البراءة

أدلّة الاصوليين على البراءة:

1- الآيات:

«وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»

«لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلّا مَا آتَاهَا»

«وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً ...»

2- الروايات:

حديث الرفع‏

حديث الحجب‏

حديث الحلّ‏

حديث السعة

حديث الاطلاق‏

3- العقل‏

4- الإجماع‏

- أدلّة الأخباريين على وجوب الاحتياط:

1- الآيات‏

2- الروايات‏

3- العقل:

- هل الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة؟

- تنبيهات أصالة البراءة:

1- اشتراط عدم وجود أصل موضوعي في جريان البراءة:

أصالة عدم التذكية

2- حسن الاحتياط، ترتّب الثواب عليه، إمكانه في العبادات:

التسامح في أدلّة السنن (أخبار من بلغ)

3- جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة

4- حسن الاحتياط مطلقاً حتّى مع قيام الحجّة على العدم‏

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

1- أصالة البراءة

إذا شكّ في حرمة شي‏ء لإجمال نصّ أو عدمه أو تعارض النصّين، فالمعروف بين الاصوليين هو البراءة، و عند الأخباريين الاحتياط، و هو عمدة الفرق بين الطائفتين، و الحقّ مع الطائفة الاولى، أي الاصوليين، و استدلّ لذلك بالأدلّة الأربعة:

أدلّة الاصوليين على أصالة البراءة:

الأوّل: الآيات‏

منها: قوله تعالى: «مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (1).

حيث إنّه وردت فيها ثلاث فقرات:

أحدها: أنّ نتيجة عمل كلّ إنسان تعود إلى نفسه: «من اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه و من ضلّ فإنّما يضلّ عليها».

ثانيها: ما يكون بمنزلة المفهوم للحكم الأوّل، أي: «وَ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى»، و كلّ واحد من هذين الحكمين إرشاد إلى ما يحكم به العقل.

ثالثها: البراءة في موارد عدم البيان و البعث: «وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» و هى تؤكّد بالآية التالية لها، أي قوله تعالى: «وَ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً» حيث إنّه بيّنت فيها كيفية العذاب المذكور في تلك الآية و أنّه يقع بعد الأمر و وقوع الفسق، كما أنّ المراد من بعث الرسل في تلك الآية إنّما

____________

(1) سورة الإسراء: الآية 15.

20

هو إتمام الحجّة على الناس، فهو كناية عن بيان التكليف، فلا موضوعيّة للبعث كما يشهد عليه أنّه لا يعقل العذاب في صورة البعث مع عدم البيان.

ثمّ إنّ هاهنا آيتين اخريين توافقان الآية المذكورة في الدلالة على البراءة في ما نحن فيه، و قد غفل عنهما في كلماتهم:

الاولى‏: قوله تعالى: «وَ مَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَ مَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلّا وَ أَهْلُهَا ظالِمُونَ» (1) حيث لا يخفى إنّ دلالة هذه الآية أظهر ممّا ذكره القوم، لما ورد فيها من التعبير ب «يتلوا عليهم آياتنا» الذي يدلّ صريحاً على بيان التكليف و إنّه لا عقاب إلّا بعد البيان، فلا حاجة فيها إلى التوجيه المذكور في تلك الآية من أنّ البعث كناية عن البيان.

الثانية: قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْ لَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزَى» (2) حيث إنّ المراد من كلمة «قبله» هو قبل بعث الرسل، فتدلّ على البراءة بناءً على أنّ نقل كلام الكفّار مشعر بالقبول.

و بالجملة، إنّ لهذه الآيات الثلاثة مدلولًا واحداً مشتركاً، و هو البراءة في الشبهات الحكميّة مطلقاً.

المناقشة:

و لكنّه قد يناقش في دلالتها بأُمور عديدة، و ما قيل أو يمكن أن يقال فيها امور خمسة:

الأمر الأوّل: ما أورده المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و حاصله: إنّ الآية تدلّ على نفي فعلية العذاب لا نفي استحقاقه، و نفي الفعليّة ليس لازماً مساوياً لنفي الاستحقاق حتّى يدلّ نفيها على نفيه، بل هو أعمّ من كونه من باب عدم الاستحقاق أو من باب تفضّله تبارك و تعالى على عباده مع استحقاقهم للعذاب، فلا يصحّ الاستدلال بالآية على البراءة.

ثمّ أورد على نفسه بأنّ المخالفين يعترفون بالملازمة بين نفي الفعليّة و نفي الاستحقاق.

و أجاب عنه أوّلًا: بأنّ قبول الخصم لا يوجب صحّة الاستدلال بها إلّا جدلًا مع أنّنا

____________

(1) سورة القصص: الآية 59.

(2) سورة طه: الآية 134.

21

نطلب الحجّة بيننا و بين اللَّه تعالى سواء قبل الخصم أو لم يقبل.

و ثانياً: بأنّ عدم وجود الملازمة بين الأمرين أمر واضح، ضرورة أنّ ما شكّ في وجوبه أو حرمته ليس عند الخصم بأعظم ممّا علم بحكمه، فإذا لم تكن ملازمة بينهما في المخالفة القطعيّة فعدمها في المخالفة الاحتماليّة بطريق أولى.

أقول: يمكن الجواب عنه بأنّ ما يهمّنا في الفقه إنّما هو الأمن من العذاب، و هو حاصل بنفي الفعليّة سواء لزمه نفي الاستحقاق أم لا.

الأمر الثاني و الثالث: ما أفادهما الشيخ الأعظم (رحمه الله) من أنّ ظاهر الآية الإخبار بوقوع العذاب سابقاً بعد البعث فيختصّ بالعذاب الدنيوي الواقع في الامم السابقة، فمحصّل كلامه:

أوّلًا: أنّ الآية مختصّة بالامم السابقة، و ثانياً: أنّ اللَّه تعالى قد أخبر بنفي خصوص العذاب الدنيوي، و ليس في الآية دلالة على أنّه تعالى لم يعذّبهم لعدم استحقاقهم له كي يكون دليلًا على نفي العقاب قبل البيان مطلقاً، أي الدنيوي و الاخروي جميعاً بل لعلّه لم يفعل ذلك منّة منه تعالى في خصوص الدنيا.

و الجواب عنهما واضح، أمّا بالنسبة إلى الأوّل منهما فلأنّ لحن الآية الشريفة إنّما هو لحن قوله تعالى: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً» (1)، فيدلّ على أنّه لا يكون العذاب من دون بعث الرسول لائقاً بشأنه تعالى، و لا معنى لاختصاص هذا المفهوم بالامم السابقة كما تشهد عليه الفقرتان السابقتان على هذه الفقرة (أي قوله تعالى‏ «مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا» و قوله تعالى: «وَ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى») حيث إنّه لا إشكال في عدم اختصاصهما بالامم السابقة.

و أمّا بالنسبة إلى الثاني منهما فلأنّه إذا لم يعذّبهم في الدنيا فعدم تعذيبه في الآخرة بطريق أولى، و هو عذاب يدوم بقاؤه و لا يخفّف عن أهله، و الشاهد عليه الآية اللاحقة و هى قوله تعالى: «وَ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً».

الأمر الرابع: «إنّ أقصى ما تدلّ عليه الآية المباركة هو أنّ المؤاخذة و العقوبة لا تحسن إلّا

____________

(1) سورة مريم: الآية 64.

22

بعد بعث الرسل و إنزال الكتب و تبليغ الأحكام و التكاليف إلى العباد، و هذا لا ربط له بما نحن فيه من الشكّ في التكليف بعد البعث و الإنزال و التبليغ و عروض اختفاء التكليف لبعض الموجبات التي لا دخل للشارع فيها» (2).

و الجواب عنه: أنّ بعث الرسل في الآية كناية عن إتمام الحجّة كما مرّ، فتدلّ على نفي العذاب ما لم تتمّ الحجّة بعد البعث، و الشاهد عليه قوله تعالى في الآية اللاحقة: «وَ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ...» فهى تدلّ على أنّ الميزان في العذاب هو صدور الأمر و وقوع الفسق بعده، كما يشهد عليه أيضاً ما مرّ من قوله تعالى في سورة القصص: «وَ مَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ...» لأنّها تصرّح بأنّ الملاك هو تلاوة الآيات لا مجرّد البعث.

الخامس: النقض بالمستقلّات العقليّة، فإنّه لا إشكال (كما مرّ في بعض الأبحاث السابقة) في تعذيبه تعالى على ترك المستقلّات العقليّة، كقبح قتل النفس المحترمة و السرقة و الخيانة و غيرها من المعاصي التي يحكم بقبحها العقل مستقلًا، و لو وقعت قبل بعث الرسل.

و الجواب عنه: أنّ الآية منصرفة إلى أحكام تحتاج إلى البيان، و لا حاجة إلى البيان في المستقلّات العقليّة التي لا يصحّ فيها الاعتذار بقولهم: «لَوْ لَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزَى»، و لذلك يقال في مباحث العقائد أنّ من فوائد وجود النبي (صلى الله عليه و آله) تأكيده المستقلّات العقليّة و التأسيس بالنسبة إلى غيرها.

فتلخّص ممّا ذكر أنّ جميع الإشكالات الواردة مندفعة، و إنّ الآية صالحة للاستدلال على أصالة البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة.

نعم إنّ النسبة بين هذه الآية و الأخبار التي استدلّ بها الأخباريون على الاحتياط هى نسبة الورود، فهى مورودة بتلك الأخبار لأنّ لسانها لسان قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو بلا حجّة، و تلك الأخبار على فرض دلالتها بيان و حجّة، لكن تظهر ثمرتها في تأسيس الأصل الأولي في المسألة و أنّ الأصل هو البراءة، فيرجع إليها إذا ناقشنا في دلالة تلك الأخبار على الاحتياط.

____________

(2) فوائد الاصول: ج 3، ص 333.

23

و منها: قوله تعالى: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلّا مَا آتَاهَا» (1)، و تقريب الاستدلال بها أنّ «ما آتاها» بمعنى «ما أعلمها» أي لا يكلّف اللَّه نفساً إلّا ما آتاها من العلم، فدلالتها على البراءة واضحة.

و قد يناقش في الاستدلال بها بأنّ المراد من الموصول فيها إنّما هو المال بقرينة ما ورد في صدرها من قوله تعالى: «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَ إِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلّا مَا آتَاهَا» فيكون المعنى حينئذٍ: لا يكلّف اللَّه نفساً إلّا مالًا آتاها، أي أعطاها، و هو أجنبي عن البراءة كما هو واضح.

و لكن في اصول الكافي عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أصلحك اللَّه هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟ قال: فقال «لا»، قلت: فهل كلّفوا المعرفة؟ قال «لا، على اللَّه البيان، لا يكلّف اللَّه نفساً إلّا وسعها، و لا يكلّف اللَّه نفساً إلّا ما آتاها»، قال: و سألته عن قوله: «وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ»، قال: «حتّى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه» (2).

فهذه الرواية تؤكّد أنّ الآية ناظرة إلى العلم و المعرفة، و لا يخفى أنّ المراد من المعرفة فيها ليست معرفة أصل وجود اللَّه تبارك و تعالى، لأنّه لا ريب في أنّ أحسن الأدلّة على وجوده تعالى و أوّلها هو العقل من دون اعتماد على البيان، فليكن المراد معرفة الصفات التي لا تصاب بالعقول، و لذا اشتهر بين العلماء أنّ أسماء اللَّه تعالى و صفاته توقيفية.

فلا بدّ حينئذٍ من الجمع بين مورد الآية و هذه الرواية، فنقول: يحتمل في المراد من الموصول في الآية ثلاثة وجوه:

أحدها: أن يكون المراد المال.

ثانيها: أن يكون المراد المعارف و التكاليف.

ثالثها: الجامع بين المعنيين، فاستعمل الموصول في مطلق الاعطاء أعمّ من الاعطاء المالي و اعطاء الحجّة و العلم.

____________

(1) سورة الطلاق: الآية 7.

(2) اصول الكافي: ج 1، باب «البيان و التعريف و لزوم الحجّة» من كتاب الحجّة.

24

فقد يقال: إنّ الموصول استعمل في المعنى الثالث، فيكون كلّ واحد من الموردين (مورد الآية و مورد الرواية) من مصاديق هذا المعنى الجامع فتكون دلالته على المراد تامّة.

لكن أورد عليه أوّلًا: بأنّ «إرادة الأعمّ منه (من الإعلام بالحكم و التكليف) و من المورد (مورد الآية) يستلزم استعمال الموصول في معنيين، إذ لا جامع بين تعلّق التكليف بنفس الحكم و بالفعل المحكوم عليه» (1).

و إن شئت قلت: «المفعول المطلق هو المصدر أو ما في معناه المأخوذ من نفس الفعل، و المفعول به ما يقع عليه الفعل المباين معه و لا جامع بين الأمرين حتّى يصحّ الإسناد» (2).

و الجواب عنه: أنّ الموصول في الآية يكون مفعولًا به في كلتا الصورتين، أي سواء اريد منه نفس التكليف أو اريد منه الأمر الخارجي الذي يقع عليه التكليف، لأنّ المراد من التكليف في الصورة الاولى معناه اسم المصدري، أي ما كلّف به (لا المعنى المصدري)، فيكون المعنى: «لا يكلّف اللَّه نفساً بتكليف كمعرفة صفات اللَّه أو الإمام أو الأحكام كما ورد في سؤال الراوي في الرواية: «هل كلّف الناس بالمعرفة».

فعلى أي تقدير يكون الموصول مفعولًا به و يصير المعنى: «لا يكلّف اللَّه نفساً إلّا تكليفاً أو مالًا آتاها» فاستعمل الموصول في القدر الجامع بينهما، و هو مطلق المعطى أعمّ من الامور المادّية كالمال أو المعنوية كالمعرفة، و يكون هذا الجامع هو المفعول به، كما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) بما نصّه: «لكن الإنصاف أنّه يمكن أن يراد من الموصول الأعمّ من التكليف و موضوعه، و إيتاء كلّ شي‏ء إنّما يكون بحسبه، فإنّ إيتاء التكليف إنّما يكون بالوصول و الإعلام، و إيتاء المال إنّما يكون بإعطاء اللَّه تعالى و تمليكه، و إيتاء الشي‏ء فعلًا أو تركاً إنّما يكون بإقدار اللَّه تعالى عليه فإنّ للإيتاء معنىً ينطبق على الاعطاء و على الاقدار، و لا يلزم أن يكون المراد من الموصول الأعمّ من المفعول به و المفعول المطلق، بل يراد منه خصوص المفعول به» (3).

و ثانياً: بما مرّ في آية البعث من المحقّق النائيني (رحمه الله) أيضاً من أنّ أقصى ما تدلّ عليه الآية هو

____________

(1) أورده الشيخ الأعظم (رحمه الله) في رسائله.

(2) تهذيب الاصول: ج 2، ص 143، طبع جماعة المدرّسين.

(3) فوائد الاصول: ج 3، ص 332، طبع جماعة المدرّسين.

25

أنّ المؤاخذة و العقوبة لا تحسن إلّا بعد تبليغ الأحكام و التكاليف إلى العباد، و هذا لا ربط له بما نحن فيه من الشكّ في التكليف بعد التبليغ و عروض اختفاء التكليف ببعض الموجبات التي لا دخل للشارع فيها.

و الجواب عنه: هو الجواب من أنّ المراد من الإيتاء هو إتمام الحجّة، فتدلّ الآية على نفي العذاب ما لم تتمّ الحجّة بعد التبليغ، و هو المطلوب.

و ثالثاً: بأنّ المقصود في الآية و كذلك في الرواية التكليف بما لا يطاق، فإنّ معرفة صفاته تعالى مثلًا خارجة عن طاقة البشر، و لا يمكن حصولها له إلّا من ناحية البيان، فالآية تنفي التكليف بما لا يطاق لا التكليف بالاحتياط في مثل التدخين الذي يكون ممكناً للإنسان، و ليس خارجاً عن طاقته، و الشاهد على ذلك أنّ الإمام (عليه السلام) ذكر هذه الآية في جنب قوله تعالى: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَهَا» التي لا إشكال في أنّ المقصود منها التكليف بما لا يطاق، فالآية حينئذٍ أجنبية عمّا نحن فيه.

و رابعاً: بأنّ سند الرواية ضعيف من ناحية عبد الأعلى المجهول في كتب الرجال، اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّه وقع بعد حمّاد و هو من أصحاب الإجماع، و لكن المختار عندنا عدم تماميّة هذه القاعدة.

و بهذا يظهر أنّ الآية غير صالحة للاستدلال بها في المقام.

و منها: قوله تعالى: «وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» (1)، و دلالتها على المدّعى تتمّ إذا كانت «يضلّ» بمعنى «يعذّب» لأنّ مفادها حينئذٍ عدم العقاب بلا بيان، فالمهمّ في المقام تعيين معنى «يضلّ» بعد عدم تصوّر معناها اللغوي المعروف بالنسبة إلى الباري تعالى، فنقول: يحتمل فيها أربعة وجوه:

1- أن يكون بمعنى التعذيب كما مرّ آنفاً.

2- أن يكون بمعنى الحكم بالضلال.

3- أن يكون بمعنى الخذلان أي ترك العون و الإمداد و سلب التوفيق.

4- أن يكون بمعناه الحقيقي مع حقيقة الإسناد بالنسبة إليه تعالى من باب إنّه مسبّب‏

____________

(1) سورة التوبة: الآية 115.

26

الأسباب و سبب في تأثير عمل العبد في ضلالته، فهو الذي جعل العمل السيّئ و الذنوب الكبار سبباً للضلالة عن طريق الحقّ، فيصحّ إسناده إليه تعالى حقيقة كما يصحّ إسناده كذلك إلى الفاعل بلا واسطة، و هذا نظير من قتل نفسه بشرب السمّ حيث يصحّ إسناد القتل إليه حقيقة لأنّه شرب السمّ باختياره، و إلى الباري تعالى كذلك لأنّه خلق السمّ بحيث يوجب القتل.

و لا يخفى أنّ الإسناد في الوجوه الثلاثة الاول مجازاً، فلا وجه للذهاب إليها مع إمكان حفظ الكلمة على معناه الحقيقي بالوجه الأخير، كما أنّه كذلك في الآيات المشابهة التي استند الاضلال فيها إلى اللَّه تعالى.

منها: قوله تعالى: «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ فِي الآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ» (1).

و منها: قوله تعالى: «كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ» (2) فاستناد الاضلال إليه تعالى أمر مأنوس في القرآن الكريم، و لا ريب في عدم مجازيته، لأنّ كلّ فعل يصدر من العباد يصحّ إسناده إليه تعالى حقيقة «لأنّه المالك لما ملّكك و القادر على ما عليه أقدرك» كما ورد في حديث الاحتجاج‏ (3).

و بالجملة الآية تدلّ على عدم اضلال اللَّه تعالى للعباد حتّى يبيّن لهم الحلال و الحرام لقوله تعالى فيها: «حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ» و بما أنّ الاضلال منشأ للعذاب بل هو نوع من العذاب الإلهي فدلالة الآية على عدم العذاب من دون البيان تكون بالأولوية أو بإلغاء الخصوصيّة.

و مما ذكرنا يظهر الجواب عمّا أورده بعض على دلالة الآية من أنّها تدلّ على نفي العذاب الدنيوي لا الاخروي، و ذلك لأنّ دلالتها على نفي العذاب الاخروي- و هو عذاب تطول مدّته و يدوم بقاؤه- بطريق أولى كما مرّ ذلك بالنسبة إلى آية البعث.

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّ جميع هذه الآيات إنّما تأسّس لنا الأصل الأوّلي و تدلّ على عدم العذاب بلا بيان،

____________

(1) سورة إبراهيم: الآية 27.

(2) سورة المؤمن: الآية 34.

(3) راجع تفسير الميزان: ج 1، ص 101.

27

و حينئذٍ تكون أدلّة الأخباري على فرض تماميتها واردة عليها، لأنّها حينئذٍ تكون بمنزلة البيان، لكن سيأتي عدم تماميتها فالمرجع هو ما يستفاد من هذه الآيات.

هذا كلّه في الآيات التي استدلّ بها على البراءة.

الثاني: الروايات‏

و هى عديدة:

1- حديث الرفع‏

و هو أهمّها، و البحث فيه يقع في مقامين:

1- إسناد الحديث.

2- كيفية دلالته على المطلوب.

المقام الأوّل: في إسناد الحديث‏

أمّا المقام الأوّل‏ فقد روي هذا الحديث من طريقين:

أحدهما: ما ورد في توحيد الصدوق و خصاله بسند معتبر عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): رفع عن امّتي تسعة أشياء: الخطأ و النسيان و ما اكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق، و ما لم ينطقوا بشفة» (1).

و قد تؤيّد هذه الرواية بمرفوعة محمّد بن أحمد النهدي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): وضع عن امّتي تسع خصال: الخطأ، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و ما استكرهوا عليه، و الطّيرة، و الوسوسة في التفكّر في الخلق، و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد» (2).

و بين الروايتين فرق بالنسبة إلى ما جاء في ذيلهما، فورد في الرواية الاولى «و التفكّر في‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1، أبواب جهاد النفس، الباب 56، ح 3.

(2) المصدر السابق.

28

الوسوسة في الخلق» و في الثانية «و الوسوسة في التفكّر في الخلق» و بما أنّ من المستبعد جدّاً كونهما روايتين مستقلّتين نستكشف وقوع خطأ من جانب الراوي في إحداهما، و لكن الذي يسهل الخطب عدم كون الذيل مورداً للاستناد في المقام.

ثانيهما: معتبرة إسماعيل الجعفي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: وضع عن هذه الامّة ستّ خصال: الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه» (1).

فقد وردت فيها ستّ خصال بدلًا عن التسع الوارد في الرواية الاولى، و لكن لا ضير فيه و لا منافاة بينهما بعد كونهما من قبيل المثبتين.

فتحصّل من ما ذكرنا أنّ السند في الجملة معتبر يجوز الإسناد إليه.

المقام الثاني: في كيفية دلالة الحديث على المطلوب‏

و يقع الكلام فيه في عدّة امور:

الأمر الأوّل: في المراد من الموصول في قوله (صلى الله عليه و آله): «ما لا يعلمون» فهل يشمل الشبهات الحكميّة أيضاً، و هل تكون الرواية صالحة للاستدلال بها في ما نحن فيه أو لا؟

استدلّ الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) في بعض كلماته لاختصاص الموصول بالشبهة الموضوعيّة بوحدة السياق، إذ إنّ المراد بالموصول في غير فقرة «ما لا يعلمون» هو الفعل الإكراهي و الاضطراري و نحوهما، إذ لا معنى لتعلّق الإكراه و الاضطرار بنفس الحكم، فليكن المراد بالموصول في «ما لا يعلمون» أيضاً هو الفعل المجهول لا الحكم.

و قال المحقّق الخراساني (رحمه الله): إنّ المراد منها مطلق الإلزام المجهول سواء كان في الشبهة الحكميّة كحرمة شرب التتن أو الموضوعيّة كحرمة المائع الخارجي المشكوك كونه خمراً.

و الأعلام المتأخّرون عن هذين العلمين كلٌّ أخذ جانباً، فبعض تبع الشيخ الأعظم (رحمه الله) و بعض آخر ذهب إلى مقالة المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و التحقيق في المقام يستدعي تحليل المراد من المرفوع في «ما لا يعلمون» فهل هو الفعل المتعلّق به الحكم كشرب الخمر مثلًا في مثال المائع‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16، أبواب كتاب الإيمان، الباب 16، ح 3.

29

المشكوك، أو المرفوع هو الموضوع الخارجي، أي نفس الخمر في المثال، أو الحكم، أي الحرمة؟

و لا بدّ للجواب عن هذا السؤال من ملاحظة التعبيرات الواردة في الآيات و الروايات بالنسبة إلى صيغة الوضع، حيث إنّها تقابل الرفع و تضادّه، و الأشياء تعرف بأضدادها، فإذا عرفنا ما هو الموضوع في التكاليف الشرعيّة في الكتاب و السنّة عرفنا المرفوع فيها بالتبع.

و بعبارة اخرى: ما هو الثقل و الكلفة التي يشتقّ منها كلمة التكليف، و من أين يجي‏ء و يوضع على عهدة المكلّف حتّى يكون هو المرفوع؟

فنقول في الجواب: إنّ الموضوع و المحمول على المكلّف في لسان الآيات إنّما هو الفعل كالرزق (بمعناه المصدري) و الكسوة الموضوعين على عهدة الأب في قوله تعالى: «وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (1)، فالموضوع في هذه الآية فعل الرزق و فعل الكسوة كما هو واضح، و كالفدية في قوله تعالى: «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ» (2)، و الصيام في قوله تعالى‏ «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» و حجّ البيت في قوله تعالى: «وَ للَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ».

و هكذا في الروايات كقوله (عليه السلام): «عليك القضاء» أو «عليك الإعادة» أو «عليك الحجّ من قابل» فالموضوع على عهدة المكلّف إنّما هو القضاء أو فعل الإعادة أو الحجّ، فكأنّ للأفعال ثقلًا في عالم التشريع يضعه الشارع على عاتق المكلّفين، نعم إنّه كناية عن الإيجاب، و هى غير تقرير الوجوب، و لا يلزم فيها مجاز، بل يستعمل كلّ لفظ في معناه الموضوع له، ففي قولك:

«زيد كثير الرماد» استعمل كلّ واحد من «زيد» و «كثير الرماد» في معناه الموضوع له و إن لم يكن المستعمل فيه مراداً جدّياً للمتكلّم، فوضع فعل كالصيام و الحجّ و الإعادة و القضاء على عاتق المكلّف كناية عن وجوبه.

فإذا كان متعلّق الوضع هو الفعل فليكن متعلّق الرفع أيضاً كذلك، ففي قوله (صلى الله عليه و آله): «رفع ما لا يعلمون» إنّما رفع الفعل المجهول كما أنّ المرفوع في «ما اضطرّوا إليه» و «ما استكرهوا عليه» هو الفعل الاضطراري أو الإكراهي الذي كان يثقل على عاتق المكلّف لو لا حديث الرفع، لا أن يكون المرفوع هو الحكم حتّى نحتاج إلى تقدير.

____________

(1) سورة البقرة: الآية 233.

(2) سورة البقرة: الآية 184.

30

و إذن يختصّ الحديث بالشبهات الموضوعيّة لأنّ شموله للشبهات الحكميّة يحتاج إلى تقدير الحكم، أي رفع ما لا يعلمون حكمه، و الأصل عدم التقدير.

فظهر أنّ طريق إثبات اختصاص الرواية بالشبهات الموضوعيّة لا ينحصر في ما ذهب إليه الشيخ الأعظم (رحمه الله) من قضية وحدة السياق، بل يمكن إثباتها من طريق تحليل معنى الرفع و ملاحظة موارد استعمال ما يقابله من كلمة الوضع.

ثمّ إنّ هذا (أي اختصاص حديث الرفع بالشبهة الموضوعيّة) قد يؤيّد بالرجوع إلى عصر صدور هذا الحديث من النبي (صلى الله عليه و آله) حيث لم تكن الشبهة الحكميّة محلًا للابتلاء في ذلك العصر إلّا قليلًا لأنّهم كانوا مستغنين بأرباب الشريعة، يأخذون منهم الأحكام مشافهة، و يعرفون ما يريدون بالسؤال عن نفس المعصوم بلا واسطة، فالحديث منصرف إلى ما كان محلًا للابتلاء.

الأمر الثاني: قد ظهر ممّا ذكرنا عدم تقدير شي‏ء في الحديث لا الحكم و لا المؤاخذة، و لا الأثر المناسب و لا جميع الآثار، بل المرفوع هو نفس الفعل في عالم الاعتبار، و هو كناية عن عدم حرمته، و إذا ارتفعت الحرمة ارتفعت جميع آثارها، و حينئذٍ لا تصل النوبة إلى ما ذكره الأعلام و اختلفت فيه الآراء من أنّ المقدّر في الحديث ما ذا؟

كما ظهر أيضاً أنّ الرفع إخبار عن الواقع (كما أنّ الوضع في مثل قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ» إخبار عن الوضع في الواقع) لا إنشاء من جانب الرسول (صلى الله عليه و آله) فلا تصل النوبة إلى البحث عن إمكان التشريع للرسول (صلى الله عليه و آله) و عدمه، و لو فرض كونه إنشاء من جانبه (صلى الله عليه و آله) فلا إشكال فيه أيضاً لما أثبتناه في البحث عن ولاية الفقيه في الفقه من صدور تشريعات جزئية من ناحية الرسول (صلى الله عليه و آله) و إمضائه من جانب الباري تعالى، فما ذهب إليه في تهذيب الاصول من عدم وجود هذا الحقّ للرسول (صلى الله عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) مطلقاً في غير محلّه.

الأمر الثالث: في شمول حديث الرفع للأحكام الوضعيّة و عدمه، فإذا تحقّق بيع عن إكراه مثلًا فهل يكون نافذاً شرعاً أو لا؟ فقد يقال بعدم نفوذه لأجل هذا الحديث بل هو ممّا استدلّ به على اعتبار الاختيار في باب المعاملات، و كيف كان فقد ذكر للعموم و الشمول وجوه:

الأوّل: اطلاق الرفع، إمّا بناءً على وجود تقدير في الحديث، فلأنّ المقدّر هو جميع الآثار، و إمّا بناءً على ما اخترناه من كون الرفع كناية فلأنّه كناية عن رفع الحكم الجزئي، و هو في مثل‏

31

المقام عبارة عن نفوذ البيع.

الثاني: معتبرة صفوان بن يحيى و أحمد بن محمّد بن أبي نصر جميعاً عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك أ يلزمه ذلك؟ فقال: «لا، قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): وضع عن امّتي ما اكرهوا عليه و ما لم يطيقوا و ما أخطئوا» (1).

فلا إشكال في أنّ هذه الرواية تشير إلى حديث الرفع، و حينئذٍ إذا كانت إحدى فقراته شاملة للأحكام الوضعيّة تكون سائر الفقرات أيضاً شاملة لها بمقتضى وحدة السياق.

إن قلت: إنّ التمسّك بهذا الحديث لإثبات كون المرفوع بحديث الرفع جميع الآثار حتّى الوضعيّة ضعيف لأنّ الحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك باطل عندنا من الأساس حتّى مع الاختيار فكيف مع الإكراه؟، فمقتضى القاعدة أن يبيّن الإمام (عليه السلام) بطلانه مطلقاً و لم يفعل، فيكون الجواب حينئذٍ مبنيّاً على التقيّة، فكأنّ الإمام (عليه السلام) لم يتمكّن من إظهار الحقّ و هو بطلان الحلف بتلك الامور مطلقاً و لو مع الاختيار، فاقتصر على بيان بطلانه في مورد السؤال فقط، و هو الإكراه من باب التقيّة لا من باب أنّ الإكراه رافع للأثر الوضعي واقعاً.

قلت: إنّه كذلك أي الإمام كان في مقام التقيّة، لكنّه غاية ما يقتضيه كون تطبيق الكبرى (أعني عموم حديث الرفع) على مورد السؤال (أي الحلف بالطلاق و العتاق) تقيّة لكون المورد باطلًا من الأساس و إن لم يكن عن إكراه، و لا دليل على كون أصل الكبرى من باب التقيّة، إذن فالحديث تامّ سنداً و دلالة.

الثالث: ما ذكره الشيخ الأعظم (رحمه الله) من أنّ مقتضى كون الحديث في مقام الامتنان على امّة النبي (صلى الله عليه و آله) شموله للأحكام الوضعيّة، لأنّ الأحكام التكليفيّة كانت مرفوعة في الامم السابقة أيضاً.

و لكن يرد عليه: أنّ المستفاد من بعض الأخبار اختصاص رفع المؤاخذة في الأحكام التكليفيّة أيضاً بامّة النبي (صلى الله عليه و آله)، منها ما رواه عمرو بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): رفع عن امّتي أربع خصال: خطؤها و نسيانها و ما اكرهوا عليه و ما لم يطيقوا، و ذلك قول اللَّه عزّ و جلّ: «رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَ لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16، أبواب كتاب الإيمان، الباب 12، ح 12.

32

كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَ لَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ» و قوله: «إِلّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ»» (1).

فالظاهر من هذا الحديث و الآيات التي استشهد بها فيه اختصاص رفع المؤاخذة أيضاً بهذه الامّة.

إن‏ قلت: العقل حاكم بقبح المؤاخذة على الخطأ و الإكراه و الاضطرار و النسيان و غيرها ممّا هو خارج عن طاقة الإنسان من دون فرق بين الامم.

قلنا: المعروف في الجواب عن هذا الإشكال أنّ الخطأ و النسيان مثلًا على قسمين: قسم لا يكون الإنسان قادراً على الاجتناب عنه بوجه من الوجوه، فهذا القسم مرفوع عن جميع الامم، و قسم آخر يمكن التحفّظ عنه بالمراقبة و إن كان ذات مشقّة، فهذا القسم لا تكون المؤاخذة عليه قبيحاً، و رفع المؤاخذة عنه امتناناً مختصّ بهذه الامّة، و هو المراد في حديث الرفع كما يدلّ عليه نفس طلب النبي (صلى الله عليه و آله) إيّاه في ليلة المعراج، و إلّا كان طلبه (صلى الله عليه و آله) تحصيلًا للحاصل.

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّه هل يشمل حديث الرفع الأجزاء و الشرائط و الموانع أو لا؟ فإذا طرأ النسيان على السورة مثلًا فلم يأت بها فهل تكون الصّلاة صحيحة بمقتضى حديث الرفع أو لا؟

التحقيق في الجواب أن يقال: إنّ الشبهة تارةً تكون بنحو الشبهة الموضوعيّة كما إذا نسى السورة مع علمه بوجوبها، و اخرى تكون بنحو الشبهة الحكميّة كما إذا كان المكلّف حديث العهد بالإسلام فنسى أصل وجوب السورة، فإن كانت الشبهة موضوعيّة فشمول الحديث لها مبنى على جريانه في الأحكام الوضعيّة إذ إنّ الجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة من الأحكام الوضعيّة، و قد مرّ جريانه فيها، و إن كانت حكميّة فشمول الحديث لها مبنى على جريانه في الشبهات الحكميّة، و قد مرّ عدمه بناءً على ما اخترناه من أنّ المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» الفعل المجهول، فلا بدّ في شموله للشبهة الحكميّة من تقدير الحكم (أي ما لا يعلمون حكمه) و هو خلاف الظاهر.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 11، أبواب جهاد النفس، الباب 56، ح 2.

33

نعم لا ينبغي الإشكال في شموله لها بناءً على مذاق المشهور من أنّ المراد من الموصول هو الحكم حيث لا حاجة حينئذٍ إلى تقديره.

إن قلت: إنّ الجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة من الأحكام الوضعيّة الانتزاعيّة التي ينتزعها العقل من الأمر المتعلّق بالكلّ أو المتعلّق بنفس الجزء أو الشرط، أو النهي المتعلّق بالمانع، و ليست من الأحكام الوضعيّة المجعولة الاعتباريّة التي تعتبر من جانب الشارع أو العقلاء، كالضمان و الملكية فإذا لم تكن قابلة للوضع و الاعتبار لم تكن قابلة للرفع أيضاً.

قلنا: يمكن للشارع رفعها باعتبار أنّ جعل منشأ انتزاعها (أي الأمر بالأجزاء و الشرائط و النهي عن الموانع) بيد الشارع.

نعم هنا إشكال آخر بالنسبة إلى الشبهات الموضوعيّة، و هو أنّه لا يمكن التمسّك فيها بحديث الرفع لتصحيح الصّلاة، مثلًا لأنّ الإعادة ليست من آثار النسيان حتّى ترفع برفعه، بل هى من آثار الأمر بالكلّ، و هو لم يمتثل، فتجب الإعادة لأن يحصل الامتثال.

هذا كلّه بالنسبة إلى الأجزاء و الشرائط، و أمّا الموانع فيمكن أن يقال برفع أثرها و هو البطلان بمقتضى حديث الرفع، و القول بأنّ المانع يرجع إلى شرطيّة عدمه كما ترى.

الأمر الرابع: أنّ حديث الرفع حيث ورد في مقام الامتنان فلا يجري فيما لم يكن في رفعه منّة على المكلّف كما إذا اضطرّ إنسان إلى بيع داره لإنجاء ولده المريض، فعدم صحّة بيعه هذا- لأنّه ممّا اضطرّ إليه- لا يكون منّة عليه بل هو خلاف الامتنان و هذا واضح، و إنّما الكلام في منشأ هذا الاستظهار، فمن أيّ شي‏ء يستفاد أنّ الحديث في مقام الامتنان؟

قد يقال: أنّه يستفاد من التعبير ب «عن امّتي» الوارد في الحديث، حيث لا إشكال في ظهوره في الامتنان عرفاً، لكن يمكن أن يستفاد ذلك أيضاً من نفس التعبير بالرفع فإنّ الرفع يستعمل في الموارد التي رفع فيها ثقل و كلفة عن المكلّف لا ما إذا وضع ثقل على عاتقه، و لا يخفى أنّ بطلان المعاملة في المثال المذكور ممّا يوجب وضع ثقل على أثقاله لا رفعه.

الأمر الخامس: ربّما يستشكل في رفع المؤاخذة بحديث الرفع بأنّ المؤاخذة من الأحكام العقليّة لا من القوانين و الأحكام المجعولة من ناحية الشرع حتّى يمكن رفعها بيد الشارع.

و يجاب عنه: بأنّها و إن كانت من الأحكام العقليّة، و لكن بما أنّ حكم العقل هذا ينشأ من وجوب الاحتياط هو ناشٍ من الحكم الواقعي المجعول من ناحية الشارع فيمكن له رفعها

34

برفع منشأها، و هو الوجوب الواقعي.

و يمكن أن يقال أيضاً: أنّ حكم العقل في المقام إنّما هو استحقاق المؤاخذة لا فعليتها إذ إنّ الفعليّة من شئون الشارع و المقنّن، و لذا نرى صدور أحكام العفو من الولاة و الحكّام و من بيده رحى التشريع و التقنين في كثير من الأحايين و الشارع المقدّس أولى منهم بذلك.

الأمر السادس: الآثار المترتّبة على الخطأ و النسيان و سائر العناوين الواردة في الحديث الشريف على قسمين: منها ما يترتّب عليها بما هى هى، أي يترتّب على العناوين الثانوية كعنوان الخطأ و النسيان، و منها ما يترتّب على متعلّقاتها الخارجيّة أي على العناوين الأوّلية، فإنّ الآثار المترتّبة على نسيان السورة مثلًا على قسمين: قسم يترتّب على نفس السورة كبطلان الصّلاة بتركها، و قسم يترتّب عليه بما أنّها متعلّقة للنسيان كسجدتي السهو، و المقصود من الآثار المرفوعة بحديث الرفع إنّما هو القسم الأوّل لا الثاني، و إلّا يلزم التناقض في كلام الشارع المقدّس، لأنّ المفروض كون السهو كالسبب لتشريع سجدتي السهو فكيف يكون رافعاً لهما؟

الأمر السابع: في شمول الحديث للُامور العدميّة و عدمه، كما إذا نذر أن يشرب من ماء الفرات فاضطرّ إلى تركه أو اكره عليه فلو قلنا بالشمول لم تتحقّق مخالفة النذر فلا حنث و لا كفّارة.

و قد وقع البحث فيه بين الأعلام، و الظاهر من كلمات المحقّق النائيني (رحمه الله) اختصاصه بالامور الوجوديّة، و استدلّ لذلك «بأنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود، لأنّ تنزيل المعدوم منزلة الموجود إنّما يكون وضعاً لا رفعاً» (1).

و أجاب عنه في تهذيب الاصول: «بأنّ ترك الشرب بعد ما تعلّق به النذر و صار ذات أثر يكون له ثبوت في عالم الاعتبار، إذ ما لا ثبوت له و لو بهذا النحو من الثبوت لا يقع تحت دائرة الحكم و لا يصير موضوعاً للوفاء و الحنث ... و بعد الثبوت الاعتباري لا مانع من تعلّق الرفع عليه بما له من الآثار» (2).

أقول: و إن شئت قلت في الجواب: قد وقع الخلط في كلام المحقّق النائيني (رحمه الله) بين عالم‏

____________

(1) راجع فوائد الاصول: ج 3، ص 353، طبع جماعة المدرّسين.

(2) راجع تهذيب الاصول: ج 2، ص 159، طبع جماعة المدرّسين.

35

التكوين و عالم التشريع، و كون ترك الشرب أمراً عدميّاً إنّما هو بلحاظ عالم التكوين، و أمّا في عالم التشريع فلا إشكال في أنّ لترك الشرب أثراً و ثقلًا و كلفة لو لا حديث الرفع بلحاظ ترتّب الكفّارة عليه، فيمكن للشارع رفعه بهذا الحديث.

الأمر الثامن: قد ورد في ذيل الحديث ثلاثة عناوين ينبغي فهمها و توضيحها و إن كانت خارجة عن موضوع البراءة، و هى: الحسد، و الطيرة، و الوسوسة في التفكّر في الخلق (بناءً على ما ورد في مرفوعة محمّد بن أحمد الهندي المذكورة سابقاً) أو التفكّر في الوسوسة في الخلق (بناءً على ما ورد في معتبرة حريز بن عبد الله المذكورة سابقاً أيضاً).

أمّا الحسد فلا إشكال في أنّ المراد منه في الحديث تلك الحالة النفسانية التي توجب عدم تحمّل الإنسان نعمة أعطاها اللَّه تعالى أخاه المؤمن قبل إظهارها عملًا، و أمّا إذا أقدم على عمل لإزالتها فلا إشكال أيضاً في كونه معصية و لا يكون حينئذٍ مشمولًا للحديث الشريف.

إن قلت: هذه الحالة النفسانيّة قبل إبرازها في مقام العمل أمر غير اختياري فلا معنى لحرمتها لو لا الحديث حتّى ترفع امتناناً.

قلنا: يمكن عادةً رفع هذه الحالة بالمجاهدات و الرياضات النفسانيّة و التفكّر في أنّها ملكة رذيلة توجب خسّة النفس و دناءتها فيكون رفعها تحت اختيار الحاسد، و يمكن للشارع عدم رفعها بوجوب تهذيب النفس فيكون رفعه للوجوب منّة على العباد.

أمّا الطيرة فهى من مادّة الطير، بمعنى التشؤّم و قراءة الطالع بالطيور، ثمّ توسّع في ذلك حتّى عمّت سائر طرق التشؤّم، فإنّ العرب في الجاهلية كانت تلتزم و تعتني بما يتشأّم بالطيور و غيرها، و كانت الطيور تسدّهم عن مقاصدهم، فللشارع المقدّس أن يمضي تلك الالتزامات، و لكنّه ردع عنها امتناناً حتّى لا يتعطّل حياتهم لُامور لا واقع لها.

و أمّا الوسوسة في التفكّر في الخلق (أو التفكّر في الوسوسة في الخلق) فالمراد من الخلق في هذه الجملة يمكن أن يكون على أحد معنيين:

الأوّل: أن يكون بمعنى الخالق، أي خالق اللَّه عز و جل، فيتفكّر في أنّه مَن خَلَقَ الباري تعالى؟

و هو سؤال يشكل جوابه على العوام (و إن كان واضحاً عند المحقّقين لأنّ الحاجة إلى الخالق تتصوّر بالنسبة إلى كلّ حادث أو ممكن الوجود، و اللَّه تبارك و تعالى لا يكون حادثاً أو

36

ممكناً) و مع ذلك كان أمراً شائعاً في عصر صدور الحديث و كانوا يتوهّمون حصول الكفر به فرفع الشارع أثره المتوهّم امتناناً.

الثاني: أن يكون في مقابل الخالق، و المراد منه حينئذٍ الوسوسة في التفكّر في البلايا و الشرور، و تكرار القول ب «لِمَ» بالنسبة إليها، أي القول بأنّ اللَّه تعالى لِمَ خلق الشي‏ء الفلاني، و لِمَ خلق العالم كذا و كذا، فرفع الشارع حرمة هذه الوساوس امتناناً.

و إن قيل: بعض هذه الامور مرفوع من جميع الامم.

قلنا: نعم و لكن الامتنان إنّما هو بالمجموع من حيث هو المجموع.

الأمر التاسع: لا يخفى أنّ النسبة بين هذا الحديث و أدلّة الأخباريين نسبة التعارض لا الحكومة لأنّ تلك الأدلّة مثل قوله (عليه السلام): «أخوك دينك فاحتط لدينك» تدلّ بزعم الأخباري على وجوب الاحتياط و عدم ارتفاع الإلزام المجهول المحتمل، بينما حديث الرفع يدلّ على رفعه و عدم وجوب الاحتياط، فهو حينئذٍ يعارض تلك الأدلّة حتّى بعد فرض تماميتها، فتصل النوبة إلى محاولة المرجّحات و أنّه أي الدليلين أقوى؟ خلافاً لما مرّ من الآيات إذ إنّ أدلّة الأخباري كانت واردة عليها كما ذكرنا.

2- حديث الحجب:

و هو ما رواه أبو الحسن زكريا بن يحيى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما حجب اللَّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (1).

و هو من حيث‏ السند تامّ حيث إنّ رجاله معروفون، و الظاهر أنّ المراد من ابن فضّال فيه هو علي بن فضّال الثقة الذي ينقل عن داود بن فرقد و كان معاصراً له، و داود ثقة بتوثيق علماء الرجال، و هكذا زكريا بن يحيى.

و أمّا الدلالة فتقريب الاستدلال به أنّ الإلزام المجهول ممّا حجب اللَّه علمه عن العباد فيكون موضوعاً عنهم.

____________

(1) وسائل الشيعة: أبواب صفات القاضي، الباب 12، ح 28.

37

لكن استشكل عليه الشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني و المحقّق النائيني رحمهما الله بأُمور عديدة نلخّصها في أمرين:

أحدهما: أنّ الحديث أسند الحجب إلى اللَّه تعالى، و هو حينئذٍ ظاهر فيما سكت اللَّه عنه و لم يأمر نبيّه بالإبلاغ، لا ما بيّنه و اختفى عنهم بعروض الحوادث الذي هو المبحوث عنه في المقام.

ثانيهما: أنّ كلمة «العباد» ظاهرة في العموم المجموعي، أي جميع المكلّفين و الحجب عن العباد صادق في الموارد التي يكون الحكم محجوباً عن مجموع المكلّفين لا عن بعضهم دون بعض، و محلّ النزاع في ما نحن فيه من النوع الثاني كما لا يخفى.

لكن في تهذيب الاصول يصرّ على تمامية الدلالة، و المعتمد في كلامه كلمة «موضوع عنهم» فيقول: «إنّ الظاهر المتبادر من قوله «موضوع عنهم» هو رفع ما هو المجهول، لا رفع ما لم يبيّن من رأس و لم يبلغ، بل لم يأمر الرسل بإظهاره فإنّ ما كان كذلك غير موضوع بالضرورة، و لا يحتاج إلى البيان مع أنّه مخالف لظاهر «موضوع عنهم» (1).

و قال في مقام الجواب عن الإشكال الأوّل: «إنّ الظاهر من الحجب هو الحجب الخارج عن اختيار المكلّف لا الحجب المستند إلى تقصيره و عدم فحصه ... و عندئذٍ يكون إسناد الحجب إليه على سبيل المجاز، و مثله كثير في الكتاب و السنّة، فإنّ مطلق تلك الأفعال يسند إليه تعالى بكثير من دون أن يكون خلاف الظاهر في نظر العرف».

و في مقام الجواب عن الإشكال الثاني قال: «إنّ المطابق للذوق السليم هو أن يكون المراد: كلّ من حجب اللَّه على شي‏ء عنه فهو مرفوع عنه سواء كان معلوماً لغيره أو لا (لا أن يكون المراد ما حجب اللَّه علمه عن مجموع المكلّفين و لا أن يكون المراد ما حجب اللَّه علمه عن كلّ فرد فرد من أفراد المكلّفين) كما هو المراد من قوله (صلى الله عليه و آله) في حديث الرفع: «رفع عن امّتي ما لا يعلمون» على أنّ مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي ذلك، فإنّ الظاهر أنّ المناط للرفع هو الحجب عن المكلّف، و حجبه عن الغير و عدمه لا دخل له لذلك كما لا يخفى» (2).

لكن الحقّ أنّ ظهور كلمة العباد في العموم الاستغراقي و ظهور الحجب في الإسناد الحقيقي مقدّم على ظهور كلمة «موضوع عنهم» في رفع ما هو المجعول (لا رفع ما لم يبيّن من رأس و لم‏

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 173، طبع جماعة المدرّسين.

(2) تهذيب الاصول: ج 2، ص 172- 173، طبع جماعة المدرّسين.

38

يبلغ) لأنّ استعمال كلمة الوضع في ما لم يكن مجعولًا من رأس كثير، كما أنّ كلمة الرفع استعمل في حديث الرفع في معنى الرفع و عدم الجعل من أصله (لا ما وضع أوّلًا ثمّ رفع ثانياً) و هذا نظير ما إذا قيل: هذا البلاء وضع عن هذه الامّة، فإنه استعمل حينئذٍ في بلاء لم ينزل من رأس لا ما نزل ثمّ رفع.

أضف إلى ذلك أنّ الوضع إذا تعدّى ب «عن» (خلافاً لما إذا تعدّى ب «على») يكون بمعنى الرفع، فيأتي حينئذٍ في هذا الحديث كلّ ما قلناه في حديث الرفع، و كيف كان: الأمر دائر مدار ارتكاب أحد الأمرين: رفع اليد من ظهورين (ظهور العباد في العموم المجموعي و ظهور الحجب في الإسناد الحقيقي) و رفع اليد من ظهور واحد (ظهور كلمة «موضوع عنهم» في رفع ما هو المجعول) و لا يخفى أنّ الثاني أهون من الأوّل.

مضافاً إلى أنّ الأوّل يستلزم كون الإسناد إلى العباد مجازاً لأنّ العباد حينئذٍ يستعمل في بعض العباد كما هو واضح.

3- حديث الحلّ:

و هو ما رواه عبد الله بن سنان بسند معتبر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» (1).

و نظيره ما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول: «كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهراً أو امرأة تحتك و هى اختك أو رضيعتك و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة» (2) و كذلك ما رواه عبد الله بن سنان قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن فقال لي: «لقد سألتني عن طعام يعجبني ثمّ أعطى الغلام درهماً فقال يا غلام ابتغ لنا جبناً، ثمّ دعا بالغداء فتغدّينا معه فأتى بالجبن فأكل و أكلنا فلمّا فرغنا من الغداء قلت: ما تقول في الجبن؟ قال: أو لم ترني آكله؟

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 12، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، ح 1.

(2) المصدر السابق: ح 4.

39

قلت: بلى و لكنّي أُحبّ أن أسمعه منك فقال: سأخبرك عن الجبن و غيره، كلّ ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه» (1).

و البحث في هذه الروايات تارةً يقع في السند و اخرى في الدلالة:

أمّا السند فلا إشكال في اعتبار رواية عبد الله بن سنان كما أشرنا إليه آنفاً، و أمّا رواية عبد الله بن سليمان فالمراد من عبد الله بن سليمان هو عبد الله بن سليمان النخعي بقرينة نقله عن عبد الله بن سنان، و هو مجهول في كتب الرجال، و أمّا رواية مسعدة بن صدقة فهى أيضاً ضعيفة من ناحية السند لأنّ مسعدة مجهول، فإن وجدت فيها خصوصية لم توجد في الأوليين لا تكون حجّة، و العجب من المحقّق الخراساني (رحمه الله) حيث استند إلى هذه الرواية لما فيها من بعض الخصوصيات من دون اعتنائه بسندها كما هو دأبه في كتابه الكفاية.

فالمعتبر من هذه الروايات الثلاثة إنّما هو الرواية الاولى، و هى رواية عبد الله بن سنان.

أمّا الدلالة: فلا إشكال في أنّ رواية عبد الله بن سنان ظاهرة في خصوص الشبهات الموضوعيّة لمكان فقرة «فيه حلال و حرام» حيث إنّها تتصوّر في الموضوعات كالمائع الذي بعض افراده خمر و بعضها الآخر غير خمر فاشتبه الخمر فيه بغير الخمر، لا في الأحكام، فلا معنى لأن يقال مثلًا: «في شرب التتن حلال و حرام» بل لا بدّ فيها حينئذٍ من تقدير كلمة الاحتمال، أي فيه احتمال الحرمة و احتمال الحلّية، و هو تكلّف و خلاف للظاهر.

و بعبارة اخرى: المقصود من كلمة «الشي‏ء» في قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام» هو الشي‏ء الخارجي و الموضوع الخارجي المشكوك، أي متعلّق الشي‏ء إنّما هو الموضوع الخارجي لا الحكم، بينما متعلّق الشكّ في مثل شرب التتن إنّما هو حكم الشرب لا نفس الشرب الخارجي.

و أمّا رواية مسعدة فالتعبير الوارد فيها «كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه» فليس فيها التعبير ب «فيه حلال و حرام» حتّى تكون من هذه الجهة ظاهرة في الشبهات الموضوعيّة، نعم كلمة «بعينه» الواردة في ذيلها ظاهرة في الشبهة الموضوعيّة لأنّها بمعنى التشخّص و التعيّن الخارجي، لكن يمكن التوجيه بأنّها تأكيد لقوله (عليه السلام): «تعرف» أي حتّى تعلم‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 17، أبواب الأطعمة المباحة، الباب 6، ح 1.

40

علماً قطعيّاً، و سيأتي بيان الخصوصية الموجودة في «تعرف» بدل «تعلم» في هذه الرواية.

و بهذا تكون الرواية تامّة من حيث الدلالة، و لكنّها ضعيفة من ناحية السند كما مرّ، مضافاً إلى أنّ الظاهر سوق الروايات الثلاثة على مساق واحد، أي بيان الحلّية في الشبهة الموضوعيّة، و ذلك لوجود قرائن عديدة فيها:

منها: الأمثلة الواردة في رواية مسعدة فإنّ جميعها من الشبهة الموضوعيّة كما هو واضح.

و منها: كون مورد بعضها و هى رواية عبد الله بن سنان الجبن المشكوك حلّيته من ناحية الأنفحة التي تعقد اللبن جبناً حيث إنّ وجه ترديد الراوي و تأمّله في أكل الجبن في هذه الرواية هو احتمال وجود الميتة فيه لأنّ الأنفحة التي تعقد اللبن جبناً ربّما كانت تؤخذ في ذلك العصر من الميتة.

منها: التعبير ب «تعرف» بدل «تعلم» فإنّه يستعمل غالباً في الشبهات الموضوعيّة لأنّ التعريف بمعنى تشخيص المصداق و تعيينه، بخلاف «تعلم» التي تستعمل في كلا الموردين.

و منها: كلمة «بعينه» الواردة في رواية عبد الله بن سليمان أيضاً فإنّها أيضاً ظاهرة في الشبهة الموضوعيّة كما مرّ.

و منها: كلمة «منه» الواردة في رواية عبد الله بن سنان فهى على وزان كلمة «بعينه» كما لا يخفى.

و لو تنزّلنا عن هذه القرائن فإنّ المهمّ في المقام أنّ ما يكون من هذه الروايات تامّة دلالة- ليست صالحة من ناحية السند، و ما تكون تامّة من حيث السند لا تكون صالحة من ناحية الدلالة.

4- حديث السعة:

و المعروف منه في كتب الأعلام «الناس في سعة ما لا يعلمون» و لكنّا لم نظفر به بهذا التعبير في الجوامع الروائيّة بل الوارد فيها تعبيران آخران:

أحدهما: ما ينتهي سنده إلى النوفلي و السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكّين‏

41

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يقوّم ما فيها ثمّ يؤكل، لأنّه يفسد، و ليس له بقاء، فإذا جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل له: يا أمير المؤمنين لا يدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسيّ؟ فقال: هم في سعة حتّى يعلموا» (1).

و لكن من الواضح أنّه لا دلالة لها على المطلوب لأنّها قضية خارجية، و الحكم فيها أيضاً خاصّ بمورده و أمثاله، مضافاً إلى ما فيها من الإشكال السندي من جهة النوفلي و السكوني.

و إن شئت قلت: الوارد في هذا الحديث قضيّة شخصيّة خارجيّة وردت في سفرة مطروحة في الطريق، و المشكوك فيها للسائل إنّما هو طهارة السفرة أو حلّية لحمها فلا يمكن التعدّي عنها إلى سائر الشبهات الموضوعيّة فضلًا عن الشبهات الحكميّة، و التعبير الوارد فيها هو: «هم في سعة حتّى يعلموا» لا «الناس في سعة حتّى يعلموا» لكي يكون على نهج كبرى كلّية فيقال: إنّ المورد ليس مخصّصاً.

ثانيهما: (و هو العمدة) ما ورد في أعيان الشيعة (2) نقلًا عن تحف العقول و عن الشهاب للمحدّث البحراني، و في المستدرك‏ (3) و عوالي اللئالي‏ (4) عن النبي (صلى الله عليه و آله): «الناس في سعة ما لم يعلموا».

و هو من ناحية السند مرسل، و أمّا الدلالة فيحتمل في كلمة «ما» وجهان:

الأوّل: أن تكون موصولة قد اضيفت إليها كلمة «سعة» أي «الناس في سعة شي‏ء لم يعلموا» فتكون بظاهرها عامّة تعمّ الشبهات الموضوعيّة و الحكميّة معاً.

الثاني: أن تكون مصدرية ظرفية متعلّقة بالسعة، أي «الناس في سعة ما داموا لم يعلموا».

و على كلا الوجهين يتمّ المطلوب لظهورها في كون الجهل (بعد الفحص) عذراً.

و استشكل السيّد الحكيم (رحمه الله) في الوجه الثاني بأنّ ما المصدرية تختصّ بالفعل الماضي، و لكنّه يرد بناءً على ما هو المعروف من التعبير ب «لا يعلمون» و لا يرد على ما ظفرنا به من‏

____________

(1) المحاسن للبرقي: ص 452، و الوسائل: ج 2، من أبواب النجاسات، الباب 50، ح 11.

(2) أعيان الشيعة: ج 1، باب طرائف كلمات النبي (صلى الله عليه و آله)، ص 305.

(3) المستدرك: ج 18، ص 20، من الطبع الجديد، الباب 12، من أبواب مقدّمات الحدود، و ص 218، من الطبع القديم.

(4) عوالي اللئالي: ج 1، ص 424.

42

التعبير ب «لم يعلموا» لأنّه في معنى الماضي.

و بالجملة الرواية تامّة من ناحية الدلالة، و لكنّها لا تصلح للاستدلال من ناحية السند.

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّ الإنصاف أنّ النسبة بين هذه الرواية و أدلّة الأخباريين نسبة التعارض و التضادّ لا الورود لأنّها تدلّ على كون الجهل عذراً و تلك الأدلّة تدلّ (بزعم الأخباري) على عدمه.

و بعبارة اخرى: أنّ هذا الحديث يثبت السعة ما لم يعلم الواقع المجهول من الوجوب أو الحرمة، و دليل الاحتياط يثبت الضيق مع كون الواقع مجهولًا فيتعارضان.

نعم لو كان وجوب الاحتياط نفسيّاً لم يكن بينهما تعارض، بل ينتفي حينئذٍ بوجوب الاحتياط موضوع هذا الحديث لأنّ موضوعه شي‏ء قد علم به المكلّف بوجوب الاحتياط، فليس في سعة منه، لكن الصحيح أنّ وجوب الاحتياط طريقي لأجل حفظ الأحكام الواقعية.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ التعبير ب «لم يعلموا» ظاهر من عدم تمامية الحجّة، أي الناس في سعة ما لم تتمّ الحجّة، و دليل الاحتياط حجّة فيكون وارداً عليه.

لكنّه خلاف الظاهر، لأنّ «ما لم يعلموا» ظاهر في عدم العلم بالحكم الواقعي، و الحكم الظاهري إنّما يوجب رفع التحيّر في مقام العمل فحسب لا العلم بالواقع.

5- حديث الاطلاق:

و هو ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال: قال الصادق (عليه السلام): «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (1).

و الحديث مرسل، لكنّه من المرسلات التي يسندها الصدوق (رحمه الله) إلى المعصوم (عليه السلام) بتعبيره «قال» لا «روى»، و ظاهره كون الصدور أمراً مقطوعاً عنده.

و لكن هذا ليس كافياً في إثبات الحجّية عندنا، لأنّه استنباط لشخص الصدوق (رحمه الله) فلعلّه لو ذكر رجال السند لناقشنا في وثاقة بعضهم.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18، الباب 12، من أبواب صفات القاضي، ح 60.

43

اللهمّ إلّا أن يقال: بحصول الوثوق من توثيقه، و لكنّه مشكل، و حينئذٍ لا يخلو السند عن شي‏ء.

و أمّا الدلالة فقال الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) أنّه أظهر من الكلّ في الدلالة على البراءة.

و استشكل فيها المحقّق الخراساني (رحمه الله) بأنّ دلالته تتوقّف على عدم صدق الورود إلّا بعد العلم و الوصول مع أنّه يصدق على الصدور المقابل للسكوت أيضاً، فمعنى الحديث حينئذٍ: أنّ ما لم يصدر فيه نهي واقعاً (بمعنى سكوت اللَّه تعالى عنه) فهو حلال، و لا كلفة على العباد من جهته، في مقابل ما إذا صدر النهي عنه واقعاً فليس حلالًا و إن لم يعلم به المكلّف، فوزان هذا الحديث حينئذٍ وزان حديث السكوت.

إن قلت: نعم يصدق الورود على صدور النهي عن الشارع و إن اختفى علينا لبعض الأسباب و الدواعي، و لكن الأصل عدم صدوره، فإنّه مسبوق بالعدم فيستصحب عدمه فيتمّ الاستدلال بضميمة هذا الأصل.

قلنا: إنّ الاستدلال حينئذٍ و إن كان يتمّ بضميمة الأصل المزبور، ويحكم بإباحة ما شكّ في حرمته، لكن لا بعنوان أنّه مشكوك الحرمة و محتمل النهي بل بعنوان إنّه ما لم يرد فيه نهي.

إن قلت: إنّ عنوان «ما لم يرد فيه نهي» الثابت بالاستصحاب و إن كان مغايراً لعنوان مجهول الحرمة لكن لا تفاوت بينها في الغرض و هو إثبات إباحة مجهول الحرمة كشرب التتن، فهذا الفعل مباح ظاهراً سواء كان بعنوان عدم ورود النهي عنه واقعاً و لو تعبّداً (كما هو مقتضى استصحاب عدم ورود النهي عنه) أو بعنوان كونه مجهول الحكم.

قلنا: إنّ الثمرة بين الصورتين تظهر في توارد الحالتين لأنّه لو كان الحكم بإباحة مجهول الحرمة بعنوان إنّه ممّا لم يرد فيه نهي لاختصّ ذلك بما إذا لم يعلم ورود النهي فيه في زمان، و بورود الإباحة فيه في زمان آخر، و اشتبه السابق باللاحق فلا يكاد يتمّ الاستدلال حينئذٍ، إذ لا مجال للاستصحاب حينئذٍ، و هذا بخلاف ما إذا كان الحكم بإباحته بعنوان إنّه مجهول الحرمة، فيجري الأصل حينئذٍ حتّى في مثل الفرض لأنّه مجهول الحرمة و لو مع العلم الإجمالي المذكور، فيحكم بحلّيته ظاهراً إلى أن يعلم الخلاف، (انتهى ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) بتوضيح منّا).

أقول: يرد على هذا الجواب أوّلًا: أنّه ممّا يهمّ الفقيه في الفقه إذ لا يوجد له مورد في الفقه‏

44

ورد فيه أمر و نهي، و اشتبه تاريخهما.

ثانياً: و لو سلم فإنّه من قبيل النسخ الذي يتوفّر الدواعي على نقله فلا يصير من قبيل مجهولي التاريخ.

فالحاصل أنّ الحديث صالح للاستدلال به و لو بضميمة الاستصحاب، فإنّ المقصود إثبات جواز ارتكاب مشكوك الحرمة بأي دليل كان فإنّه الذي يفيد الفقيه في أبواب الفقه.

و العجب من صاحب الوسائل حيث استشكل بعد نقل الحديث في دلالته على المراد بثمانية امور لا يرد أحد منها:

منها: الحمل على التقيّة، فإنّ العامّة يقولون بحجّية الأصل فيضعف عن مقاومة أدلّة الأخباريين.

و جوابه واضح، فإنّه لا تصل النوبة إلى أعمال هذا المرجّح لأن الترجيح بموافقة الكتاب أولى و أقدم.

و منها: حمله على الشبهات الوجوبيّة التي يكون الأصل فيها الإباحة حتّى عند الأخباري.

و فيه: أنّ صريح الرواية الشبهة التحريميّة فكيف تحمل على الوجوبيّة؟

و منها: حمله على الشبهات الموضوعيّة التي يكون الأصل فيها الإباحة أيضاً حتّى عند الأخباري.

و جوابه أيضاً ظاهر، لأنّ صريح الرواية هو الشبهة الحكميّة.

إلى غير ذلك ممّا ذكره في المقام فراجع‏ (1).

هذا كلّه في الاستدلال بالنسبة للبراءة في الشبهات التحريميّة الحكميّة.

الثالث: دليل العقل‏

قاعدة قبح العقاب بلا بيان:

المعروف بين الاصوليين أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان من‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18، ص 128.

45

المستقلّات العقليّة بعد الفحص و اليأس عن الدليل (و سيأتي مقدار الفحص الواجب)، بل قال شيخنا العلّامة الحائري (رحمه الله) في درره: إنّ هذه قاعدة مسلّمة عند العدليّة لا شبهة لأحد فيها (إلّا أن يكون هناك رافع يعني البيان) (1).

لكن يمكن التشكيك في هذه القاعدة بوصف أنّها قاعدة عقليّة محضة بعد ذكر مقدّمة في ملاك وجوب إطاعة اللَّه و قبح معصيته، فنقول: الملاك في وجوب الإطاعة إمّا أن يكون وجوب شكر المنعم فتجب طاعته تبارك و تعالى بالإطلاق من باب أنّها من مصاديق شكر المنعم الحقيقي المطلق كما تجب طاعة الوالدين في الجملة على الولد من باب أنّهما منعمان له في الجملة، أو يكون الملاك الحكمة فإنّ حكمة الباري تعالى تقتضي وجود مصلحة في أوامره و مفسدة في نواهيه، فيحكم العقل بوجوب الإطاعة عن أوامره و نواهيه للحصول على مصالحها و مفاسدها، أو يكون الملاك المالكية و المولويّة فالعقل يحكم بأنّ ترك الطاعة بالنسبة إلى الموالي العرفيّة فضلًا عن المولى الحقيقي ظلم قبيح.

ثمّ نقول: أمّا الملاك الأوّل: فيمكن النقاش فيه بأنّ مردّه إلى قولنا: هل جزاء الإحسان إلّا الإحسان، أي وجوب الإحسان في مقابل الإحسان، و هو لا يتصوّر بالنسبة إلى الباري تعالى لأنّه يتوقّف على وجوب الفقر و الحاجة، تعالى اللَّه عنها علوّاً كبيراً.

و لذلك أرجع علماء علم الكلام هذه القاعدة إلى قاعدة وجوب دفع الضرر ببيان أنّ عدم شكر المنعم قد يكون لسلب النعمة و حصول الضرر على المنعَم (بالفتح) و حينئذٍ لا تكون هذه القاعدة من المستقلّات العقليّة و من مصاديق قاعدة حسن العدل و قبح الظلم.

و أمّا الملاك الثاني: (و هو الحكمة)، فيناقش فيه أيضاً بأنّ لازمه إرشادية جميع الأوامر و النواهي الشرعيّة كأوامر الطبيب و نواهيه، فيتوجّه إلى المكلّف العاصي نفس المفسدة الموجودة في متعلّق النهي فحسب أو سلب المصلحة اللازمة في الأوامر منه مع إنّا نقول بالمولويّة و استحقاق ثواب و عقاب اخرويّين يترتّبان على الفعل و الترك.

و أمّا الملاك الثالث: فهو الأصل و الصحيح في وجوب الإطاعة و قبح المعصية لأنّ رجوعه إلى قبح الظلم بمعناه الواسع و هو وضع الشي‏ء في غير موضعه.

____________

(1) درر الفوائد: ص 427، طبع جماعة المدرّسين.

46

فظهر أنّ ملاك وجوب طاعة اللَّه و قبح معصيته إنّما هو مولويته و مالكيته فللّه تعالى حقّ الطاعة على العبد لأنّه مولى حقيقي و مالك لجميع شئونه.

إذا عرفت هذا يقع البحث في حدود هذا الحقّ و دائرته.

فنقول: العقل حاكم على أنّ قيمة أغراض المولى ليست أقلّ من قيمة أغراض العبد فكما أنّه يهتمّ بأغراضه حتّى في المحتملات و المشكوكات فيسلك فيها سبيل الاحتياط كذلك يجب عليه الاحتياط في طريق النيل إلى أغراض المولى المحتملة و المشكوكة، ففي صورة الشك و عدم البيان الذي هو محلّ النزاع في المقام يحكم العقل بوجوب الاحتياط و قبح المعصية و حسن العقاب عكس ما ذهب إليه المشهور من قبح العقاب بلا بيان.

نعم‏ إلى هنا ظهر عدم كون القاعدة قاعدة عقليّة، و لكن الحقّ إنّها قاعدة عقلائيّة جرت عليها سيرتهم و أمضاها الشارع بعدم ردعه منها كما نرى بين العبيد و الموالي و الملوك و أتباعهم و الرؤساء و من يكون تحت رياستهم، فإنّ بناءهم على عدم عقاب العبد ما لم يبيّن المولى مقاصده و أغراضه، و على عدم عقاب المرءوسين و الرعايا ما لم يبلغ إليهم أغراضهم، وعليه تكون القاعدة قاعدة عقلائيّة لا عقليّة.

و إن شئت قلت: لو لا بناء العقلاء على عدم العقاب بلا بيان و إمضاء الشارع لهذا البناء لم يقبح في حكم العقل العقاب بدونه، فوقع الخلط هنا بين الأحكام العقليّة المبنية على مسألة الحسن و القبح و الأحكام العقلائيّة الناشئة عن تشريعاتهم و قوانينهم، و الفرق بينهما ظاهر كما أنّ آثارهما مختلفة و ستأتي الإشارة إليها عن قريب إن شاء اللَّه.

لكن للمحقّق النائيني (رحمه الله) هنا بيان حاصله: إنّ الأحكام بوجودها الاحتمالي ليست لها محرّكية و باعثيّة، فيكون المكلّف حينئذٍ كالعاجز و المضطرّ، و تكليفه تكليفاً بما لا يطاق، و إليك نصّ كلامه: «لا يكفي في صحّة المؤاخذة و استحقاق العقوبة مجرّد البيان الواقعي مع عدم وصوله إلى المكلّف فإنّ وجود البيان الواقعي كعدمه غير قابل لأن يكون باعثاً و محرّكاً لإرادة العبد ما لم يصل إليه و يكون له وجود علمي ...» (1).

أقول: الإنصاف أنّ هذه مصادرة على المطلوب، لأنّا نعلم أنّ للأحكام بوجودها

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 5 36، طبع جماعة المدرّسين.

47

الاحتماليّة باعثيّة و محرّكية كما في سائر الأغراض و المصالح و المفاسد و المضارّ و المنافع و إلّا يلزم تعطيل الزراعات و التجارات و الصناعات و غيرها حيث إنّ الحصول على المنفعة فيها أمر احتمالي في الغالب فكما يتحرّك العبد في منافعه الشخصيّة بالاحتمال و الظنّ كذلك يمكن أن يتحرّك و ينبعث في المنافع الاحتماليّة لمولاه.

و للمحقّق الأصفهاني (رحمه الله) هنا بيانان: أحدهما: مبنيّ على ما تبنّاه في حقيقة الحكم فقال:

«إنّ الحكم الحقيقي متقوّم بنحو من أنحاء الوصول لعدم معقوليّة الإنشاء الواقعي في انقداح الداعي، و حينئذٍ فلا تكليف حقيقي مع عدم الوصول فلا مخالف للتكليف الحقيقي فلا عقاب» (1).

الثاني: ما حاصله إنّ الواجب على العبد إنّما هو عدم الخروج عن رسم العبودية، و مخالفة ما قامت عليه الحجّة خروج عن رسم العبوديّة (2).

أقول: أمّا البيان الأوّل فمبناه غير مقبول، لأنّ للحكم مراحل، و كلامه بالنسبة إلى بعض مراحله ليس تامّاً فإنّه إذا تيقّن العبد بغرض المولى فهو مسئول في قباله بحكم العقل و إن لم يبيّن المولى غرضه و لم يصدق عليه عنوان الحكم، و بتعبير آخر: سلّمنا أنّ الحكم متقوّم بالبيان و لكن الأغراض ليست متقوّمة به (على الأقل الأغراض اليقينية) و ما ذهب إليه صحيح إذا دار وجوب الإطاعة مدار الأحكام فقط لا الأحكام و الأغراض كليهما مع أنّ الصحيح هو الثاني لا الأوّل.

و أمّا البيان الثاني فإنّه أيضاً مصادرة على المطلوب لأنّا نعتقد بأنّ لا خروج عن رسم العبوديّة كما يصدق بمخالفة ما قامت عليه الحجّة كذلك يصدق في المحتملات و المشكوكات.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ العقل لا يحكم بقاعدة قبح العقاب بلا بيان بل يحكم بخلافه، نعم إنّها قاعدة عقلائيّة استقرّ عليها بناء العقلاء، و الفرق بين الصورتين إنّه إذا كانت القاعدة قاعدة عقليّة فلا معنى لتحديدها و الاستثناء منها بالنسبة إلى مورد دون مورد لأنّ القاعدة العقليّة لا استثناء فيها و لا تخصيص ما دام الموضوع باقياً بخلاف القاعدة العقلائيّة فإنّه لا بدّ من تعيين حدودها و قيودها، و هى في المقام أربعة على الأقل:

____________

(1) نهاية الدراية: ج 2، ص 190، من الطبع القديم.

(2) نهاية الدراية: ج 2، ص 191، من الطبع القديم.

48

أحدها: أن يكون المولى قادراً على البيان و إلّا لو كان المولى محبوساً مثلًا غير قادر على بيان غرضه و العبد يعلم به أو يحتمله فلا يكون عند العقلاء مرخّصاً بالاعتذار بعدم البيان.

ثانيها: أن لا يكون المورد من المسائل الهامّة الأساسية كما إذا دخل في دار المولى من يحتمل أن يكون هلاك المولى بيده، فعلى العبد منعه بكلّ ما يقدر عليه و إن لم يصدر من المولى بيان فيه.

ثالثها: أن يكون المورد من الموارد التي ممنوعها أقلّ من مجازها، و واجبها أقلّ من مباحها، و إلّا لو كان مشكوك الحرمة من الحيوانات البحرية مثلًا التي أكثرها حرام، فلعلّ بناء العقلاء لم يستقرّ على البراءة في أمثالها، فإنّ الظاهر أنّ بناء العقلاء نشأ من كون الواجبات و المحرّمات في مقابل المباحات قليلًا جدّاً فالمحتاج إلى البيان إنّما هو الواجبات و المحرّمات، و لو انعكس الأمر في مورد و كانت محرّماته أكثر من مباحاته لم يكن لهم بناءً على البيان فيه، و لا أقلّ من الشكّ و عدم ثبوت بناءٍ في أمثال المقام، و معه لا يصحّ الاستدلال به.

رابعها: أن يكون من المسائل المبتلى بها، فلو كان الابتلاء نادراً في مورد لكان الحكم باستقرار بنائهم عليه مشكل فيه جدّاً.

ثمّ إنّ هاهنا إشكالًا معروفاً، و هو أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان مورودة لقاعدة وجوب دفع الضرر، فيكفي في البيان حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فإنّ الشكّ في التكليف يلازم الشكّ في الضرر، و العقل يستقلّ بلزوم دفع الضرر المحتمل فهو بيان عقلي فيرتفع موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.

و اجيب عنه بوجوه:

منها: أنّ المراد بالضرر (الذي هو موضوع القاعدة) أمّا الضرر الدنيوي و أمّا الضرر الاخروي، و المقصود بالضرر الاخروي أمّا العقاب الموعود من جانب الشارع جزاءً للأعمال، و أمّا الآثار الوضعيّة القهريّة للعمل التي يعبّر عنه بتجسّم الأعمال، فإن كان المراد العقاب الاخروي بالمعنى الأوّل فلا موضوع لهذه القاعدة في المقام لأنّ احتمال التكليف لا يلازم احتمال العقاب بل الملازمة إنّما هى ثابتة بين التكليف الواصل و استحقاق العقوبة على مخالفته لا لانّه مع عدم وصول التكليف و البيان يستقلّ العقل بقبح العقاب، و به لا يثبت موضوع قاعدة دفع‏

49

الضرر المحتمل، فتكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان واردة على قاعدة دفع الضرر عكس ما توهّمه المستشكل.

هذا- و هنا جواب آخر في كلمات المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو «أنّ حكم العقل بلزوم دفع المقطوع و المظنون و المحتمل من الضرر يكون للإرشاد لا يستتبع حكماً مولوياً شرعياً على طبقه لأنّ حكم العقل في باب العقاب الاخروي واقع في سلسلة معلولات الأحكام، و كلّ حكم عقلي وقع في هذه السلسلة لا يستتبع الحكم المولوي الشرعي و ليس مورد القاعدة الملازمة و إلّا يلزم التسلسل، فحكم العقل بلزوم دفع الضرر المظنون بل المحتمل يكون إرشادياً و طريقياً لا يترتّب على مخالفته سوى ما يترتّب على المرشد إليه» (1).

و إن كان المراد من الضرر العقاب الاخروي بالمعنى الثاني فاجيب عنه بأنّ هذه الآثار ليست مترتّبة على نفس الأعمال بل إنّها تترتّب على الإطاعة و العصيان لا غير، و الأفعال الطبيعيّة التي لم توجب إطاعة أو معصية و بعداً أو قرباً لا أثر لها من هذه الجهة.

و إن اريد بالضرر الضرر الدنيوي فاجيب عنه أيضاً بأنّ الكبرى و الصغرى كلتيهما ممنوعتان:

أمّا الكبرى: فلأنّه ليس كلّ ضرر ممّا يحكم العقل بلزوم دفعه بل هناك أضرار طفيفة يتحمّلها العقلاء لأجل أغراض دنيوية غير ضرورية و إن كان الضرر من المقطوع فضلًا عن المحتمل.

و أمّا الصغرى: فلأنّه ليس مناطات الأحكام دائماً هى الضرر بل المصالح و المفاسد (التي تكون مناطات الأحكام غالباً) لا تكون من سنخ الضرر، و الذي يلازم احتمال الحرمة إنّما هو احتمال المفسدة لا احتمال الضرر، و لا ملازمة بين الضرر و المفسدة، بل ربّ مفسدة توجب المنفعة فضلًا عن الضرر كما في أكل الربا، و ربّ مصلحة توجب الضرر فضلًا عن المنفعة كما في الإنفاق في سبيل اللَّه تعالى.

لكن الإنصاف أنّ الكبرى و الصغرى كلتيهما تامّتان في الجملة لا بالجملة:

أمّا الكبرى: فلأنّ الأضرار الدنيويّة على قسمين: مهمّة و غير مهمّة، و العقل يحكم فيما إذا

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 217، طبع جماعة المدرّسين.

50

كان الضرر المحتمل مهمّاً بلزوم الدفع كضرر النفس أو العرض أو المال الكثير فلا محالة يستكشف منه حكم شرعي مولوي بلزوم الاجتناب عنه بقاعدة الملازمة، و يصير هذا بنفسه بياناً يرفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان و تكون قاعدة دفع الضرر المحتمل في مثل هذا المورد واردة على هذه القاعدة، و لكن لا تجري هذه القاعدة بالنسبة إلى الأضرار غير المهمّة، فلا يثبت بها مراد المستشكل، هذا بناءً على مبنى القول من كونها قاعدة عقليّة، و أمّا بناءً على ما اخترناه من كونها قاعدة عقلائيّة فالأمر أوضح لأنّ بناء العقلاء جارٍ على عدم الاعتناء باحتمال الضرر إلّا أن يكون ضرراً هامّاً كما مرّ نظيره في حكم العقل بناءً على مبنى القوم.

و أمّا الصغرى: فلوجود الملازمة بين المفسدة و الضرر و بين المصلحة و المنفعة في جميع الموارد، و العجب من مثل شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) حيث قال بعدمها في البحث عن قاعدة لا ضرر، لأنّ مثل الإنفاق في سبيل اللَّه يوجب رفع العداوة و البغضاء و دفع الفوضى في المجتمع الإنساني، و عدم الإنفاق و بالنتيجة وجود الفقر يوجب اختلال النظام و هلاك جميع الأفراد حتّى الممتنع من الإنفاق و ضياع جميع الأموال حتّى أموال الممتنع.

و لذلك قد ورد في الحديث: «حصّنوا أموالكم بالزكاة» و في حديث آخر «إذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه» (و من المعلوم أنّه إذا باع آخرته بدنياه لا يمتنع عن أي جرم من السرقة و قتل النفوس و إضاعة الأموال و غيرها).

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّ بعض الأعاظم أجاب عن الإشكال بالنقض «باتّفاق العلماء من الاصوليين و الأخباريين بل العقلاء أجمع على عدم لزوم الاجتناب عمّا يحتمل وجود المفسدة فيه في الشبهة الموضوعيّة و أنّه لو كان العقل مستقلًا بوجوب دفع المفسدة المحتملة كان الاحتياط واجباً فيها أيضاً إذ لا فرق بين الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة من هذه الجهة» (1).

و قال في تهذيب الاصول: «أضف إلى ذلك: أنّ الشبهة الموضوعيّة و الوجوبيّة مشتركتان مع الشبهة التحريميّة في هذه التوالي المدّعاة، فلو كانت للأفعال لوازم قهرية مؤذية لصاحبها

____________

(1) راجع مصباح الاصول: ج 2، ص 288.

51

لكان على الشارع الرءوف الرحيم إيجاب الاحتياط حتّى يصون صاحبها عن هذه اللوازم القهرية، فالترخيص فيها إجماعاً بل ضرورة دليل على بطلان تلك المزعمة و إنّه ليس هاهنا ضرر اخروي أو دنيوي واجب الدفع كما لا يخفى» (1).

و لكن يمكن الجواب عنه بأنّ ترخيص الشارع في الشبهة الموضوعيّة و الوجوبيّة إنّما يكون من باب تعارض المفسدة المحتملة فيها مع مصلحة أهمّ مثل رفع العسر و الحرج و إيجاد التسهيل للعباد لا من باب التخصيص في قاعدة عقليّة حتّى يقال بأنّ القواعد العقليّة لا يمكن تخصيصها حيث إنّ العقل- أساساً- يحكم بوجوب دفع الضرر المحتمل ما لم يعارض ضرراً أقوى.

هذا كلّه في دليل العقل.

الرابع: الإجماع‏

و يمكن تقريره بوجوه ثلاثة:

الأوّل: الإجماع القولي من العلماء كلّهم على البراءة في ما لم يرد فيه دليل عام أو خاصّ على تحريمه.

و هذا المعنى تامّ و لكن لا ينفع في مقابل دعوى الأخباريين في الحكم بالاحتياط بدليل عام لو تمّ دليلهم.

الثاني: الإجماع القولي على البراءة ما لم يرد دليل خاصّ على التحريم.

و هذا الوجه غير تامّ لأنّ المحدّثين يدّعون وجود دليل عامّ على التحريم.

الثالث: الإجماع العملي على البراءة حيث إنّ العلماء في مقام العمل يطالبون بدليل من مدّعي الحرمة، و هذا دليل على أنّ المركوز في أذهانهم أنّ الأصل هو البراءة ما لم يرد ما يدلّ على الحرمة.

و فيه أيضاً: أنّ هذا صحيح إذا كان المراد عدم ورود الدليل الخاصّ و العام معاً و إلّا لو

____________

(1) راجع تهذيب الاصول: ج 2، ص 192، طبع جماعة المدرّسين.

52

كان المقصود عدم ورود الدليل الخاصّ فقط فيرد عليه ما اورد على الوجه الثاني.

لكن المهمّ في الإشكال أنّ الإجمال في مثل المقام ليس بحجّة لقوّة استناد المجمعين إلى بعض الوجوه العقليّة أو النقليّة المستدلّ بها على البراءة فلا كاشفية له عن قول المعصوم (عليه السلام).

و هاهنا دليل خامس‏ ذكره الشيخ الأعظم (رحمه الله) في الرسائل و هو التمسّك باستصحاب حال الصغر (أو استصحاب ما قبل الشرع) و قد أورد عليه الشيخ (رحمه الله) و غيره بإيرادات عديدة:

منها: أنّ المستصحب أحد امور ثلاثة: إمّا براءة الذمّة، أو عدم المنع من الفعل، أو عدم استحقاق العقاب عليه، و المطلوب في الآن اللاحق هو القطع بعدم ترتّب العقاب على الفعل أو القطع بالجواز المستلزم للقطع بعدم العقاب، و من المعلوم أنّ هذا المطلوب لا يترتّب على المستصحبات المذكورة، أمّا عدم ترتّب العقاب على الفعل فلأنّه ليس من اللوازم المجعولة الشرعيّة لتلك المستصحبات حتّى يحكم به الشرع في الظاهر (بأخبار لا تنقض) بل هو من اللوازم العقليّة يحكم به العقل، و أمّا الجواز المستلزم لعدم العقاب فهو و إن كان أمراً قابلًا للجعل (لأنّه أحد الأحكام الخمسة) و يستلزم انتفاء العقاب واقعاً إلّا أنّه ليس لازماً شرعياً للمستصحبات المذكرة بل هو من المقارنات لها إذ إنّ عدم المنع مثلًا لا ينفكّ عن كون الفعل جائزاً بعد العلم بعدم خلوّ فعل المكلّف عن أحد الأحكام الخمسة نظير إثبات وجود أحد الضدّين بنفي الآخر، فيكون الأصل حينئذٍ مثبتاً.

و لكن يجاب عن هذا بأنّ عدم المنع كافٍ للفقيه في الفقه و لا حاجة إلى عنوان الإباحة كما هو ظاهر.

و منها: عدم بقاء الموضوع للاستصحاب، لأنّ موضوع البراءة في السابق إنّما هو الصغير غير القابل للتكليف، و قد تبدّل بالكبير (و كذلك الكلام بالنسبة إلى ما قبل الشرع و بعده).

أقول: هذا إشكال متين، فإنّ العرف يرى الصغر (و كذلك ما قبل الشرع) من قيود الموضوع، فليس من الحالات المتبادلة بحيث إذا زال لم يزل الحكم.

و منها: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) من «إنّ العدم حال الصغر يكون من جهة عدم قابلية الصغير للتكليف فكونه مرخى العنان- من فعل أو ترك- ليس من قبل ترخيص الشارع و رفع الإلزام منه بل اللاحرجيّة (العقليّة) للصغير من جهة أنّه كالبهائم و المجانين، ما وضع عليه قلم التكليف قبل البلوغ لعدم قابلية المحل لا أنّه رفع عنهم الإلزام امتناناً عليهم، و هذا العدم‏

53

الذي من جهة عدم قابلية المحل و اللاحرجيّة القهريّة يرتفع قهراً بواسطة البلوغ، إذ معنى هذا العدم عدم وضع قلم التكليف عليه و بعد التكليف و البلوغ تبدّل هذا العدم قطعاً و وضع عليه قلم التكليف فلا مورد للاستصحاب» (1).

أقول: إنّ ما ذكره بالنسبة إلى عدم التكليف في غير المميّز صحيح لا غبار عليه إلّا أنّ المستصحب ليس هو هذا العدم بل إنّه العدم المتّصل بزمان البلوغ المتقدّم عليه بزمان يسير.

و إن شئت قلت: إنّه عبارة عن العدم حال كون الصغير مميّزاً و مراهقاً، حيث إنّه لا شكّ في أنّ حال الصبي في هذا الزمان لا يختلف عن حاله أوّل البلوغ من حيث القابلية و عدمها، و لذلك نقول بشرعية عبادات الصبي كما اختاره المحقّقون و إنّه مشمول للخطابات الاستحبابيّة، فإنّه المراد من رفع القلم عند رفع الإلزام عنه، أي رفع الواجبات و المحرّمات، كما أنّه مقتضى التعبير بالرفع المقابل للوضع حيث يناسب وجود أمر ثقيل يثقل على عاتق المكلّف كما مرّ بيانه في حديث الرفع.

و منها: أنّ استصحاب عدم الحرمة معارض مع استصحاب عدم الإباحة، لأنّ المرفوع قبل البلوغ جميع الأحكام الخمسة حتّى الإباحة.

و قد ظهر جوابه ممّا مرّ آنفاً من أنّ المرفوع في حديث رفع القلم إنّما هو خصوص الإلزامات، مضافاً إلى أنّ التعارض يتصوّر فيما إذا كانت الإباحة من الامور الوجودية القابلة للجعل لا ما إذا كانت من الامور العدمية و عبارة عن مجرّد عدم الحرمة و الوجوب كما قيل.

و منها: ما سيأتي من المختار في مبحث الاستصحاب من عدم حجّية الاستصحاب في الشبهات الحكميّة خلافاً لما ذهب إليه مشهور الاصوليين بعد الشيخ (رحمه الله).

هذا كلّه هو أدلّة الاصوليين للبراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة، و حاصل أكثرها عدم العقاب بلا بيان، و لذا لا موضوع لها في صورة تمامية أدلّة الأخباريين، و التعبير بالأكثر يكون في مقابل بعض تلك الأدلّة من قبيل رواية «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» بناءً على أنّ المراد من مرجع الضمير في كلمة «فيه» النهي الخاصّ. إذ إنّه لا حكومة لأدلّة أخباريين على هذا الدليل و أمثاله كما هو واضح.

____________

(1) راجع منتهى الاصول: ج 2، ص 321، للمحقّق البجنوردي (رحمه الله) تقريراً لكلام استاذه.

54

فالمهمّ حينئذٍ التعرّض لأدلّة الأخباريين و البحث حولها.

أدلّة الأخباريين على وجوب الاحتياط:

و قد استدلّ لهم بالأدلّة الثلاثة: الآيات و الروايات و العقل.

الأوّل: الآيات‏

أمّا الآيات: فهى على طوائف:

الطائفة الاولى: ما أمر فيها بالتقوى و هى كثيرة (تسعة و ستّون آية منها وردت بصيغة «اتّقوا»، و خمس آيات بصيغة «اتّقون» و أربع آيات بصيغة «اتّقوه»).

و الأصرح منها قوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» و تقريب الاستدلال بهذه الطائفة أنّ الاحتياط في الشبهات مصداق من مصاديق التقوى و التقوى، واجب بظاهر هذه الآيات لأنّ الأمر ظاهر في الوجوب.

و قبل الجواب عن هذه الطائفة ينبغي بيان معنى التقوى في اللغة فنقول: إنّها اسم مصدر من مادّة الوقاية على وزن فَعْلى، أصلها وَقْى فأُبدلت الواو بالتاء و التاء بالواو (1)، و هى كما في قاموس اللغة بمعنى الاجتناب و الحذر عن كلّ ما يحذر منه، و هذا لا بأس به إذا كان مفعولها غير الباري تعالى، كقوله تعالى: «فاتّقوا يوماً» أو «فاتّقوا النار التي ...» أو «اتّقوا فتنة لا تصيبنّ ...» و أمّا إذا كان المفعول وجود الباري كقوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، فلا بدّ من تقدير فيها كما ذكره المفسّرون لعدم كونه تعالى ممّن يحذر منه كما لا يخفى، و هذا بنفسه قرينة على تقدير شي‏ء نحو عصيان اللَّه (فاتّقوا عصيان اللَّه) أو عذاب اللَّه أو حساب اللَّه، كما ورد في قوله تعالى: «وَ أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ...».

هذا كلّه في معنى الكلمة.

ثمّ نقول: يرد على الاستدلال بالطائفة المزبورة على الاحتياط أنّه يمكن النقاش في‏

____________

(1) راجع شرح الشافية: ج 3، ص 80.

55

صغرى كون الاحتياط في الشبهات من مصاديق التقوى الواجبة، فإنّها عبارة عن الإتيان بالواجبات و الاجتناب عن المحرّمات، و أمّا ترك الشبهات فهو مرتبة عالية من التقوى و لا دليل على وجوبها بجميع مراتبها كما أنّ الاجتناب عن المكروهات أيضاً من مراتبه و هو غير واجب.

الطائفة الثانية: ما دلّ على النهي عن القول بغير علم:

منها قوله تعالى: «إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشَاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ» (1).

و منها قوله تعالى: «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ... وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ» (2).

و تقريب الاستدلال بها أنّ الحكم بترخيص الشارع لمحتمل الحرمة افتراء و قول عليه بغير علم حيث إنّه لم يأذن فيه.

و الجواب عنها: أنّ الترخيص في محتمل الحرمة حكم ظاهري ثابت بأدلّة قطعيّة، فليس هو قول بغير علم بل إنّه صادق في الحكم بوجوب الاحتياط لعدم دليل عليه.

الطائفة الثالثة: ما دلّ على النهي عن الإلقاء في التهلكة، و هى قوله تعالى: «وَ لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» (3) بتقريب أنّ الإقدام في الشبهات مصداق من مصاديق الإلقاء في التهلكة.

و يرد عليه: أنّ الاستدلال بها غير تامّ صغرى و كبرى، أمّا الصغرى، فلأنّ كون ارتكاب المشتبهات من مصاديق الإلقاء في التهلكة أوّل الدعوى و مصادرة بالمطلوب لعدم دليل عليه، و أمّا الكبرى، فلأنّ النهي الوارد في هذه الآية يكون من قبيل النواهي الواردة في باب الإطاعة لأنّ التهلكة عبارة عن العقاب الاخروي الناشئ من العصيان، و قد مرّ في مبحث الأوامر و النواهي أنّ الواردة منها في باب الإطاعة إرشاديّة و إلّا يلزم التسلسل المحال، فلا دلالة لهذه الآية على الحرمة، هذا إذا كان المراد من التهلكة ما ذكرنا من العقاب الاخروي، و أمّا إذا كان بمعنى الهلاكة الدنيويّة فلا ربط لها بالمقام كما لا يخفى.

____________

(1) سورة البقرة: الآية 169.

(2) سورة الأعراف: الآية 33.

(3) سورة البقرة: الآية 195.

56

ثمّ لا يخفى عليك الربط بين صدر الآية «و أنفقوا في سبيل اللَّه» و ذيلها «و لا تلقوا ...» فالمقصود منها ما أشرنا إليه في بعض الأبحاث السابقة من أنّ عدم الإنفاق و بالنتيجة إيجاد الفقر في المجتمع يوجب الفوضى و اختلال النظام و هلاك جميع الأفراد حتّى الممتنع من الإنفاق، فعدم الإنفاق في سبيل اللَّه يوجب إلقاء أنفسكم في الهلكة ضمن إلقاء المجتمع فيها.

هذا كلّه في استدلال الأخباريين على الاحتياط بالآيات.

الثاني: الروايات‏

أمّا الروايات‏ فهى كثيرة جمع عمدتها صاحب الوسائل في كتاب القضاء في الباب الثاني عشر من أبواب صفات القاضي، و هى في الواقع على ثمانية طوائف.

الطائفة الاولى: ما ورد في الشبهات قبل الفحص مثل صحيحة عبد الرحمان بن الحجّاج قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجلين أصابا صيداً و هما محرمان، الجزاء بينها، أو على كلّ واحد منهما؟ قال: «لا بل عليهما أن يجزي كلّ واحد منهما الصيد». قلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه فقال: «إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه فتعلموا» (1) و في هذا المعنى روايات اخرى في نفس الباب كالرواية 3 و 23 و 29 و 31 و 43.

الطائفة الثانية: ما تتضمّن أنّ اجتناب الشبهات يوجب القدرة على ترك المحرّمات، و قد علّل فيها ذلك بأنّ المعاصي حمى اللَّه فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها.

منها: ما رواه الصدوق قال: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الناس فقال في كلام ذكره:

«حلال بيّن و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له اترك، و المعاصي حمى اللَّه فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها».

و في هذا المعنى أيضاً روايات في نفس الباب كالرواية 22 و 39 و 47 و 61.

و الجواب عنها: أنّه لا إشكال في أنّها أوامر استحبابيّة إرشاديّة كما لا يخفى.

الطائفة الثالثة: ما أمر فيها بالورع:

____________

(1) وسائل الشيعة: الباب 12، من أبواب صفات القاضي، ح 1.

57

منها: ما ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا ورع كالوقوف عند الشبهة» (1).

و في هذا المعنى أيضاً روايات عديدة كالرواية 24 و 25 و 33 و 41 و 57.

و الجواب عنها: أنّ التعبير بالورع بنفسه قرينة على الاستحباب لأنّ الورع ليس واجباً كما مرّ آنفاً.

الطائفة الرابعة: ما ورد في الشبهات الموضوعيّة التي لا إشكال في البراءة فيها حتّى عند الأخباري:

منها: ما رواه السيّد الرضي (رحمه الله) في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة: «أمّا بعد يا بن حنيف فقد بلغني أنّ رجلًا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها، تستطاب لك الألوان و تنقل عليك (إليك) الجفان و ما ظننت إنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ و غنيّهم مدعوّ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم فما اشتبه عليك علمه فالفظه و ما أيقنت بطيب وجوهه فَنَل منه» (2).

و في هذا المعنى رواية اخرى و هى الرواية 18 من نفس الباب.

و يرد عليها: مضافاً إلى أنّها ناظرة إلى الشبهات الموضوعيّة (3) إنّها أخصّ من المدّعى لورودها في حقّ الحكّام و القضاة، و لا يخفى الفرق بينهم و بين غيرهم.

الطائفة الخامسة: ما يكون النظر فيها إلى اصول الدين.

منها: ما رواه زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا» (4).

و هناك روايات اخرى في نفس الباب تدلّ على هذا المعنى كالرواية 53.

و الجواب عنها: أنّها أيضاً خارجة عن محلّ الكلام لأنّ الكلام في الأحكام الفرعيّة لا الاصوليّة التي يجب فيها العلم و اليقين.

____________

(1) وسائل الشيعة: الباب 12، من أبواب صفات القاضي، ح 20.

(2) المصدر السابق: ح 17.

(3) و الذي يدلّ على أنّ الرواية الثانية ناظرة إلى الشبهات الموضوعيّة قوله (عليه السلام) فيها: «و آخذهم بالحجج» لأنّ المراد من الحجج هو أدلّة الخصمين لإثبات دعواهما.

(4) وسائل الشيعة: الباب 12 من أبواب صفات القاضي، ح 11.

58

الطائفة السادسة: ما يكون ناظراً إلى حرمة الأخذ بالاستحسان و القياس و الاجتهادات الظنّية في مقام الفتوى:

منها: ما رواه السيّد الرضي (رحمه الله) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة أنّه قال في خطبة له:

«فيا عجباً و ما لي لا أعجب عن خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها لا يقتفون أثر نبي و لا تقتدون بعمل وصي، يعملون في الشبهات و يسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا و المنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، و تعويلهم في المبهمات على آرائهم، كأنّ كلّ امرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات و أسباب محكمات» (1).

و في معناها رواية اخرى و هى الرواية 54 من الباب.

و هذه الطائفة أيضاً خارجة عن محل البحث، فإنّ حرمة العمل بالقياس و الأخذ بالآراء الظنّية و الاستحسانات ثابتة بأدلّة قطعيّة لا كلام فيها.

الطائفة السابعة: ما يدلّ على لزوم السكوت و الكفّ عمّا لا يعلم.

منها: ما رواه هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما حقّ اللَّه على خلقه؟ قال: «أن يقولوا ما يعلمون و يكفّوا عمّا لا يعلمون فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى اللَّه حقّه» (2).

و في هذا المعنى الرواية 32 من نفس الباب.

و الجواب عنها: أنّها ناظرة إلى الأحكام الواقعيّة و لا معنى لعدم العلم بالنسبة إلى الحكم الظاهري.

الطائفة الثامنة: ما يكون خارجاً عن جميع الطوائف السابقة و يدلّ على مدّعى الأخباريين في بدء النظر.

منها: ما رواه أبو شيبة عن أحدهما (عليهما السلام) قال في حديث: «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة» (3).

و بهذا المعنى أيضاً الرواية 15 و 37 و 41 و 56.

و اجيب عنها: بأجوبة بعضها تامّ و بعضها غير تامّ:

____________

(1) وسائل الشيعة: الباب 12 من أبواب صفات القاضي، ح 19.

(2) المصدر السابق: ح 4.

(3) المصدر السابق: ح 13.