أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية - ج2

- السيد روح الله الموسوي الخميني المزيد...
488 /
7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله رب العالمين و صلى اللَّه على محمد و آله الطاهرين‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مباحث الشك‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الأُصول العمليّة

قوله: المقصد السابع: في الأُصول العمليّة .. إلخ‏

(1)

.

ينبغي التنبيه على أُمور:

الأمر الأول في ترتيب مباحث الأُصول‏

(1) أنّه قد جرى ديدنهم في أوّل مبحث القطع‏ (2) بتقسيم حالات المكلّف:

من أنّه إمّا أن يحصل له القطعُ، أو الظنّ، أو الشكُّ، و ذكرِ مجاري الأُصول، و لقد أطالوا الكلام في النقض و الإبرام، و الإشكال في الطرد و العكس فيها.

و بعد اللَّتيّا و التي لا يخلو شي‏ء منها من إشكال أو إشكالات؛ لأنّ أحسن ما قيل في المقام ما أفاده شيخنا العلّامة (3) أعلى اللّه مقامه-: من أنّ‏

____________

(1) الكفاية 2: 165.

(2) انظر فرائد الأُصول: 190 سطر 14- 16، فوائد الأُصول 3: 2- 3، مقالات الأُصول 2: 2، نهاية الأفكار- القسم الأوّل من الجزء الثالث: 2.

(3) درر الفوائد 2: 2.

12

المكلّف إذا التفت إلى حكم: فإمّا أن يكون قاطعاً به، أو لا.

و على الثاني: فإمّا أن يكون له طريق منصوب من قِبَل الشارع، أو لا.

و على الثاني: إمّا أن يكون له حالة سابقة ملحوظة، أو لا و على الثاني: إمّا أن يكون الشكّ في حقيقة التكليف، أو في متعلّقه.

و على الثاني: إمّا أن يتمكّن من الاحتياط، أو لا [1] انتهى.

و فيه أوّلًا: أنّ المراد بالقطع: إمّا أن يكون قطعاً تفصيليّاً، أو أعمّ منه و من الإجماليّ.

فعالي الأوّل: يرد عليه أوّلًا: أنّ الاختصاص به ممّا لا وجه له؛ فإنّ المختار عدم الفرق بين القطع التفصيليّ و الإجماليّ في وجوب المتابعة.

و ثانياً: بناءً على الاختصاص لا وجه لذكر القطع الإجماليّ في مبحث القطع.

____________

[1] كان الأولى في ترتيب مباحث الأُصول أن يبحثوا عن القطع بقسميه- التفصيليّ، و الإجماليّ- في مبحث، و يدرجوا فيه بعض مباحث الاشتغال و التخيير ممّا كان الحكم معلوماً إجمالًا بالعلم القطعيّ، ثمّ يردفوه بمبحث الظنّ و الأمارات، سواء كانت الأمارة تفصيليّة أو إجماليّة، و يدرجوا فيه سائر مباحث الاشتغال و التخيير، و يدرجوا بحث التعادل و التراجيح في ذيل حجّيّة الخبر الواحد، ثمّ يردفوه ببحث الاستصحاب، ثمّ مبحث البراءة؛ حتّى يكون ترتيب المباحث حسب ترتيب حالات المكلّف؛ فإنّه إمّا قاطع بالحكم إجمالًا أو تفصيلًا، أو ظانّ بظنّ معتبر تفصيلًا أو إجمالًا، أو شاكّ و قامت حجّة على الحكم الواقعيّ أو لا، فالأوّل مبحث القطع بقسميه، و الثاني مبحث الظنّ و الطرق بقسميها من التفصيليّ و الإجماليّ، و مبحث التعادل مناسب لمبحث الظن، و الثالث مبحث الاستصحاب، فإنه حجة على الحكم الواقعيّ من غير أن يكون طريقاً، و الرابع مبحث البراءة. و الأمر سهل [منه (قدّس سرّه)‏]

13

و على الثاني: [يحصل‏] تداخل بينه و بين الشكّ في المتعلّق، فإنّ جميع أقسام الشكّ إنّما هو في مقابل القطع، و المفروض أنّه أعمّ من الإجماليّ، فالشكّ في المتعلّق من القطع، و لا بدّ و أن يذكر في مبحث القطع. هذا حال القطع.

و كذلك الإشكال وارد على الطريق المنصوب من قِبَل الشارع إذا عرض الإجمال لمتعلَّقه، فيتداخل مع الشكّ في المتعلَّق بما ذكرنا.

و ثانياً: أنّ الظاهر من هذا التقسيم أن يكون إجمالًا لما فصّل في الكتاب من المباحث، فيلزم أن يكون جُلّ مباحث الظنّ- لو لم يكن كلها- مستطرَداً، فإنّ الطريق المنصوب من قِبَل الشارع: إمّا مفقود رأساً؛ بناءً على ما هو الحقّ من أنّ حجّيّة الخبر الواحد إنّما هي إمضائيّة لا تأسيسيّة، فلا يكون نصب طريق من قبله أصلًا.

و إمّا مختصّ بخبر الثقة إن قلنا بتأسيسيّة الحجّية له، فيكون سائر المباحث استطراداً، و الظنّ على الانسداد لا يكون حجّة شرعيّة كما عرفت‏ (1).

و ثالثاً: أنّ قيد اللحاظ في الاستصحاب- لأجل تخصيصه بما اعتبره الشارع- يجعله كالضروريّ بشرط المحمول، فكأنّه قيل: المختار في مجرى الاستصحاب ما هو معتبر شرعاً، و هو كما ترى.

و الأولى أن يقال: إنّ التقسيم إجمال المباحث الآتية في الكتاب تفصيلًا، و بيان لسرّ تنظيم الكتاب على هذه المباحث، فإنّ هذا التنظيم لأجل‏

____________

(1) انظر الجزء الأول صفحة: 347 و ما بعدها.

14

حالات المكلّف بالنسبة إلى الحكم الشرعيّ، فإنّه لا يخلو من القطع بالحكم أو الظنّ أو الشكّ به، و الشكّ لا يخلو: إمّا أن يكون له حالة سابقة أو لا، و الثاني لا يخلو: إمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو المكلَّف به، و الثاني لا يخلو: إمّا أن يمكن الاحتياط فيه أولا، فرُتِّبت مباحث الكتاب على حسب حالات المكلَّف من غير نظر إلى المختار فيها.

فللقطع مباحث تأتى في محلّها، و كذلك للظنّ و الشكّ بأقسامه، فلا يرد عليه إشكال؛ لعدم التداخل بين المباحث و عدم الاستطراد.

نعم يرد عليه: إشكال التداخل بين القطع و الشكّ في المتعلّق، فإنّه- أيضا- من القطع الإجماليّ.

و يمكن أن يقال: إنّ ما ذكر في مبحث القطع هو حيثيّة حجّيّة القطع و ما يرتبط بها، و ما ذكر في مباحث الاشتغال هو أُمور أُخر مربوطة بالشكّ، فلا يتداخلان؛ لاختلاف اللحاظ، و على ما ذكرنا لا احتياج [إلى‏] تقييد الحالة السابقة بالملحوظة.

الأمر الثاني وجه تقديم الأمارات على الأُصول‏

قد أشرنا سابقاً (1) إلى ضابطة الحكومة، و أنها هي كون الدليل الحاكم متعرّضاً للمحكوم نحوَ تعرّض و لو بنحو اللزوم العرفيّ أو العقليّ ممّا لا يرجع‏

____________

(1) انظر الجزء الأول صفحة: 370- 372.

15

إلى التصادم في مرحلة الظهور، أو كون دليل الحاكم متعرّضاً لحيثيّةٍ من حيثيّات دليل المحكوم ممّا لا يتكفّله دليل المحكوم توسعةً و تضييقاً.

و بما ذكرنا من الضابط يظهر وجه تقديم الأمارات على الأُصول.

لكن لا بدّ من التعرّض لنكتة: و هي أنّ الحكومة لم تكن بين نفس الأمارات و الأُصول، بل تكون بين دليليهما، فالحكومة إنّما تتقوّم بكيفيّة التأدية و لسان الدليل، فلم تكن بين الأدلّة اللُّبّية الصِّرفة. نعم قد يكون أحد الدليلين اللُّبّيين وارداً على الدليل الآخر اللُّبّي، لكنّ الدليل الحاكم لا بدّ و أن يكون دليلًا لفظيّاً يتصرّف في المحكوم نحوَ تصرّف، على ما فصّلناه سالفاً.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ أدلّة الأمارات مختلفة: فقد يكون دليلها هو البناء العقلائيّ أو الإجماع؛ مثل أصالة الصحّة في فعل الغير بناءً على أماريّتها، فإنّ دليلها السيرة العقلائيّة أو الإجماع، دون الدليل اللفظيّ، فتقديم دليلها على الاستصحاب لم يكن بنحو الحكومة، بل بنحو الورود أو التخصيص أو غير ذلك، و سيأتي في محلّه‏ (1).

و مثل أدلّة حجّيّة خبر الثقة، فإنّها مختلفة؛ فإن كان المستند هو مفهوم آية النبأ- بناءً على المفهوم- فلا يبعد أن يكون بنحو الحكومة؛ لأنّ [مفهوم‏] قوله: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ (2) أنّ خبر العادل‏

____________

(1) رسالة الاستصحاب المطبوعة ضمن كتاب (الرسائل) للسيد الإمام (قدّس سرّه): 236- 244.

(2) الحجرات: 6.

16

متبين، و لم يكن الإقدام معه جهالة، فيقدّم على أدلّة الأُصول التي يكون موضوعها عدم العلم و الجهالة.

و إن كان المستند هو الأخبار، فلسان بعضها يكون بنحو الحكومة، و إن كان غالبها لم تكن بتلك المثابة.

و إن كان المستند هو بناء العقلاء، فلا يبعد أن يكون التقديم بنحو الورود.

و أمّا أدلّة قاعدة الفراغ و التجاوز فهي حاكمة على الاستصحاب و لو قلنا بأماريّة الاستصحاب، فإنّ أدلّته- بناءً على أماريّته- و إن كان لسانها هو إطالة عمر اليقين- كما أشرنا إليه سابقاً (1)- لكن الشكّ أيضا مأخوذ فيها، لا بنحو الموضوعيّة و ترتّب الأحكام عليه حتّى يكون أصلًا، بل اعتبر الشكّ لكن بما أنّه أمر غير مُبرَم لا يُنقَض به اليقين الّذي هو أمر مُبرَم مستحكم.

و أمّا دليل القاعدة فمفاده عدم شيئيّة الشكّ مع التجاوز، و ما كان مفاده عدم الشكّ مقدّم على ما كان مفاده تحقّق الشكّ، لكن لا يكون بمثابة يُنقَض به اليقين: فإنّ قوله: (إنّما الشكّ في شي‏ء لم تَجُزهُ-) (2)، و قوله: (فشكُّك ليس بشي‏ء) (3) لسانهما الحكومة على قوله: (لا تنقض اليقين بالشكّ) (4) و لو قلنا

____________

(1) انظر الجزء الأول صفحة: 37.

(2) التهذيب 1: 10- 111 باب 4 في صفة الوضوء ..، مستطرفات السرائر: 25- 3 من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الوسائل 1: 331- 2 باب 42 من أبواب الوضوء.

(3) نفس المصدر السابق.

(4) التهذيب 1: 8- 11 باب 1 في الأحداث الموجبة للطهارة، الوسائل 1: 174- 1 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

17

بأماريّة الاستصحاب، و لا غَروَ في ذلك بعد أن يكون المناط في الحكومة هو لسان الأدلّة، فتقدّم أمارة على أمارة لأجل ذلك.

و أمّا إن كان الاستصحاب أصلًا فلا إشكال في حكومة أدلّتها على أدلّته، فإنّ مفاد أدلّة الاستصحاب: أنّه إذا شككت فابنِ على اليقين عملًا، و رتِّب آثار اليقين الطريقي، فموضوعه الشكّ، و لسان أدلّة الفراغ و التجاوز هو عدم شيئيّة الشكّ، و هو لسان الحكومة كما لا يخفى.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ الحكومة إنّما تكون بين أدلّة الأمارات و الأُصول، فلا بدّ من ملاحظة الأدلّة و كيفيّة تأديتها، فربما لا تكون الحكومة بحسب دليل، و تكون بحسب دليل آخر، و ربما يكون دليل الأصل حاكماً على دليل الأمارة، فتدبّر جيِّداً.

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر- (رحمه اللّه)- نسب إلى ظاهر كلام الشيخ- (قدّس سرّه)- في المقام و في مبحث التعادل و الترجيح: أنّ الوجه في التنافي بين الأمارات و الأُصول العمليّة هو الوجه في التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري، و ما هو المناط في الجمع بين الأمارات و الأُصول هو المناط في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري.

ثمّ ردّه: بأنّ المناطَينِ مُختلفان في الجمع و التنافي، و الجمع بين الأمارات و الأُصول إنّما بالحكومة، لا بما أفاد الشيخ‏ (1) انتهى.

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 326.

18

و لا ينقضي منه العجب، فإنّ كلامَ الشيخ (قدّس سرّه)- في المقام و في مبحث التعادل و الترجيح- عارٍ عمّا نسبه إليه، بل صرّح الشيخ بأنّ وجه تقديم الأمارات على الأُصول هو الحكومة (1).

و ظنّي أنّ المحقّق المعاصر لحُسن ظنِّه بضبطه و حفظه لم يراجع كلام الشيخ حين الإلقاء و التدريس، و الفاضل المقرّر- (رحمه اللّه)- أيضا لحسن ظنِّه بضبط أُستاذه و إتقانه لم يراجع حين التقرير، فوقعا فيما وقعا، فراجع كلامهما.

الأمر الثالث وحدة مناط البحث في أقسام الشبهات‏

لا يخفى أنّ المناط واحد في البحث عن جميع أقسام الشبهات، موضوعيّة كانت أو حكميّة وجوبيّة و تحريميّة، تكون الشبهة لأجل فقدان النصّ أو إجماله أو تعارض النصَّين، و اختصاص بعض الأقسام بالخلاف دون غيره، أو بحكم من دليل خارج، لا يوجب إفراد البحث فيها؛ ضرورة أنّ ذلك خارج عمّا هو مناط البحث، فالأولى عدم إفراد البحث فيها، و عطف النّظر إلى ما هو محطّ الكلام و مناط البحث إشكالًا و حلا و دليلًا. نعم بعض الأدلّة عامّ لجميع الشبهات و بعضها مخصوص ببعضها.

____________

(1) فرائد الأُصول: 191- 192 و 432 سطر 4.

19

أدلة القول بالبراءة

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

الاستدلال بالكتاب‏

إذا عرفت ذلك، فقد استدلّ على البراءة بالأدلّة الأربعة:

أما الكتاب فبآيات:

الآية الأُولى‏

منها: قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1).

و تقريب الاستدلال بها على وجه يدفع الإشكالات عنها أن يُقال، إنّه لا إشكال في أنّ المتفاهَم العُرفي من الآية الشريفة- و لو بمناسبة الحكم و الموضوع- أنّ بعث الرسل يكون طريقاً إلى إيصال التكاليف [إلى‏] العباد، لا أنّ له جهة موضوعيّة- خصوصاً مع انتخاب لفظ الرسول المناسب للرسالة و التبليغ- فلو فرضنا أنّه تعالى بعث رسولًا، لكنّه لم يُبلِّغ الأحكام إلى العباد في شطر من الزمان لجهة من الجهات و مصلحة من المصالح،

____________

(1) الإسراء: 15.

22

لا يمكن أن يقال: إنّه تعالى يُعذِّبهم لأنّه بعث الرسول؛ ضرورة أنّ المُتفاهم من الآية أنّ البعث لأجل التبليغ و إتمام الحجّة يكون غاية لعدم التعذيب، و هذا واضح.

و كذا لو فرضنا أنّه بلّغ بعض الأحكام دون بعض، كان التعذيب بالنسبة إلى ما لا يبلّغه مخالفاً للوعد في الآية الشريفة، و كذا لو فُرض أنّه بلّغ إلى أهل بلد خاصّ دون سائر البلدان، و انقطع بالنسبة إليها لأجل حوادث، أو بلّغ جميع الأحكام إلى جميع البلدان في عصره، ثمّ عرض الاشتباه، و انقطع وصول التبليغ على ما هو عليه بالنسبة إلى سائر الأعصار، فإنّ في جميع تلك الصور يُفهم عُرفاً من الآية الشريفة: أنّ الغاية- التي هي إيصال الأحكام إلى العباد و إتمام الحجّة عليهم- لم تحصل، فكما أنّ مجرّد وجود الرسول بين الأُمّة قبل تبليغه الأحكام لا يصحِّح العقاب، كذلك التبليغ الغير الواصل إلى العباد في حكم عدم التبليغ في ذلك عند العقل و العرف.

فإذا اشتبه حكم موضوع، و عمل العبد ما تقتضي وظيفته من التفتيش و الفحص، و لم يصل إلى حكم المولى، و لم يكن له علم إجماليّ أو تفصيليّ بالإلزام، يكون مشمولًا لقوله تعالى: ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1)؛ لِما عرفت من أنّ البعث ليس له جهة موضوعيّة، بل هو لأجل إيصال الحكم إلى العباد جُعل غاية للوعد بحسب الفهم العرفي.

فما أفاده بعض أعاظم العصر- (قدّس سرّه)- من أنّ مفاد الآية أجنبيّ عن‏

____________

(1) الإسراء: 15.

23

البراءة؛ فإنّ مفادها الإخبار بنفي التعذيب قبل إتمام الحجّة؛ فلا دلالة لها على حكم مشتبه الحكم من حيث إنّه مشتبه‏ (1) ليس في محلّه؛ لأنّ المشتبه الّذي لم يصل حكمه من اللَّه تعالى إلى العباد بعد الفحص مشمول للآية: إمّا بما ذكرنا من أنّ البعث كناية عن إيصال الحكم، أو بإلغاء الخصوصيّة بنظر العرف بمناسبة الحكم و الموضوع.

ثمّ اعلم أنّ التعبير بقوله: ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ ..- دون قوله: ما عَذّبنا- ممّا يشير إلى معنىً آخر بحسب المتفاهم العرفي: و هو أنّ التعذيب قبل البيان منافٍ لمقام الربوبيّة، و أنّه تعالى أجلّ من أن يعذِّب قبل تبليغ الحكم إلى العباد و إتمام الحجّة عليهم، فكأنّه تعالى قال: ما كُنّا مرتكبين لهذا الأمر الّذي ينافي مقامنا الأرفع و جنابنا الأمنع.

و من هذا التركيب و البيان: إمّا أن يفهم عرفاً أنّ التعذيب قبل البيان منافٍ لمقام عدله، و يكون أمراً قبيحاً مستنكراً منه تعالى كما لا يبعد، و إمّا أن يفهم أنّه منافٍ لمقام رحمته و لطفه بالعباد.

فعلى الأوّل: يفهم منه عدم الاستحقاق أيضا؛ فإنّه مع الاستحقاق لا يكون التعذيب منكَراً منافياً لعدله تعالى و حينئذٍ يكون الاستدلال بها للبراءة ممّا لا إشكال فيه.

و على الثاني: لا يفهم منه إلّا رفع فعليّة العقاب، و هو لا ينافي الاستحقاق.

فأُورد على الاستدلال بها:

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 333- 334.

24

تارةً: بأنّها مربوطة بنفي تعذيب الأُمم السالفة قبل بعث الرسل‏ (1) فهي أجنبيّة عمّا نحن فيه.

و أُخرى: بأنّ الاستدلال بها لما نحن فيه متقوّم بكونها في مقام نفي الاستحقاق، لا نفي الفعليّة؛ لأنّ النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق العقاب على ارتكاب المشتبه و عدمه، لا في فعليّة العقاب‏ (2).

هذا، و يرد على الإشكال الأوّل:

أوّلًا:

بمنع كونها مربوطة بالأُمم السالفة، بل الظاهر من الآيات المتقدّمة عليها أنّه عند الحساب يقال للإنسان الّذي أُلزم طائره في عُنُقه: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى‏ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (3) و ترى أن الجزاء على ميزان العدل، من غير أن تزر وازرةٌ وزر أُخرى، و من غير أن يكون التعذيب بلا تماميّة التبليغ و إرسال الرسول و إيصال التكليف، فلا دلالة فيها على كونها راجعة إلى الأُمم. و لا دلالة لقوله: ما كُنَّا بصيغة الماضي على ذلك، فإنّ النّظر إلى يوم الحساب، و يعتبر المضيّ بالنسبة إليه، و لذا قال: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ‏ (4) مع أنّ زمان صدور الآية لم يكون كذلك إلّا بتأويل.

و ثانياً: لو سُلّم بأنّ موردها نفي تعذيب الأُمم السالفة، لكن يُفهم منها- و لو

____________

(1) فرائد الأُصول: 193 السطر الأخير.

(2) الفصول: 353 سطر 7- 8.

(3) الإسراء: 14.

(4) الإسراء: 13.

25

بمناسبة الحكم و الموضوع، و كيفيّة التعبير- أنّ التعذيب قبل البيان منافٍ لمقامه الشامخ، و هو منّة ثابتة و سُنّة جارية إلى نفخ الصُّور، فهل ترى أنّه تعالى رفع العقوبة الدنيويّة- من مثل تسليط الوزغة في أيّام معدودة محدودة- منّة على عباده، ثمّ أخبر بأنّ ذلك أي هذه التعذيبات اليسيرة مُنافية لمقام رحمته و إفضاله، ثمّ عذّب العباد قبل البيان بالنار التي تطّلع على الأفئدة و بأنواع العقوبات العجيبة الخالدة الأُخروية؟! و بالجملة: يفهم من الآية- و لو بإلقاء الخصوصيّة و مئونة مناسبة الحكم و الموضوع- أنّ التعذيب قبل البيان لم يقع، و لا يقع أبداً.

و على الإشكال الثاني:

أنّ توقُّف الاستدلال بها على ما ذكر- و كون النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق العقوبة لا فعليّتها- غير مُسلَّم، فإنّ نزاع الأُصوليّ و الأخباريّ إنّما هو في لزوم الاحتياط في الشبهات و عدمه، و بعد ثبوت المُؤَمِّن من قِبَل اللَّه لا نرى بأساً في ارتكابها، فشُرب التتن المشتبه حرمته إذا كان ارتكابه ممّا لا عقاب فيه- و لو بمؤَمِّن شرعيّ و ترخيص إلهي- ليس في ارتكابه محذور عند العقل.

و بالجملة: رفع العقوبة الفعليّة و حصول المُؤمِّن من عذاب اللَّه يكفي القائل بالبراءة في تجويز ارتكاب الشبهات و إن لم يثبت بها الإباحة، و لذا ترى يستدلّون بحديث الرفع و أمثاله للبراءة و لو مع تسليم كون مفاده‏

26

رفع المؤاخذة (1).

و بما ذكرنا من تقريب الاستدلال يظهر: أنّه لا وقع لما زعمه الأخباريون من دلالتها على نفي الملازمة بين حكم العقل و الشرع‏ (2) بل لا وقعَ لكثيرٍ ممّا ذُكر في المقام إشكالًا و دفعاً، تدبّر.

كما يظهر- ممّا قربنا [به‏] وجه الدلالة- أنّها أظهر الآيات التي استُدِلّ بها في المقام.

نعم لا يزيد دلالة الآية هذه- كما أفاده الشيخ الأعظم‏ (3) على حكم العقل، فلو دلّ دليل على لزوم التوقّف أو الاحتياط يكون وارداً عليها، كما لا يخفى.

و قد استدلّ بآيات أُخر:

الآية الثانية

منها: قوله تعالى‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها (4).

و الاستدلال بها يتوقّف على كون المرادِ من الموصول التكليفَ، و من الإيتاء الإيصالَ و الإعلام، أو كون الموصول و الإيتاء مستعمَلَين في معنىً أعمّ‏

____________

(1) انظر فرائد الأُصول: 196- 197، درر الفوائد 2: 104، مقالات الأُصول 2:

58- 59، نهاية الأفكار- القسم الثاني من الجزء الثالث: 225 سطر 5- 8.

(2) انظر فرائد الأُصول: 194 سطر 1- 2، القوانين 2: 5 سطر 7- 10.

(3) فرائد الأُصول: 194 سطر 13- 16 و 195 سطر 5- 10.

(4) الطلاق: 7.

27

شامل للتكليف و الإيصال.

و أنت خبير بأنّ إرادة خصوص التكليف منه مُخالف لمورد الآية و ما قبلها و بعهدها، و هو قوله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً و هو- كما ترى- آبٍ عن الحمل المذكور.

نعم الظاهر أنّ قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها هو الكبرى الكلّيّة بمنزلة الدليل على ما قبلها، و هي أنّ اللّه تعالى لا يُكلّف نفساً إلّا بشي‏ء أعطاها و أقدرها عليه، كما يظهر من استشهاد الإمام (عليه السلام) بها حين سُئل عن تكليف الناس بالمعرفة (1) فإنّ العرفان باللَّه- و هو العلم الشهوديّ الحضوريّ بوجوده الخارجيّ- لا يمكن للعباد إلّا بإقداره و تأييده تعالى و مطلق العلم بوجود صانع للعالم- الّذي هو فطري- لا يكون معرفة و عرفاناً، و التعبير عن الإقدار- لإعطاء الكبرى- بالإيتاء الّذي بمعنى الإعطاء، لا يبعد أن يكون للمناسبة و المشاكلة مع قوله- قبيل ذلك-: فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ‏.

و أمّا كون الموصول أعمّ من التكليف فالظاهر عدم إمكانه؛ لأنّ نحو تعلّق الفعل بالمفعول المطلق- أعمّ من النوعيّ منه و غيره- يُباين نحو تعلُّقه بالمفعول مع الواسطة؛ أي المنصوب بنزع الخافض أو المفعول به؛ لعدم الجامع بين التكليف و المكلّف به بنحوٍ يتعلّق التكليف بهما على نعت واحد، فإنّ البعث‏

____________

(1) الكافي 1: 163- 5 باب و التعريف و لزوم الحجة من كتاب التوحيد، توحيد الصدوق: 414- 11 باب 64 في التعريف و البيان و الحجّة.

28

لا يصير مبعوثاً إليه، و لا العكس، و فيه قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها تكون كلمة النّفس مفعولًا به، و الموصول منصوباً بنزع الخافض- على الظاهر- أو المفعول به، و لا يمكن أن يكون الموصول هو المعنى الأعمّ الشامل له و للمفعول المطلق- نوعيّاً كان أو غيره- لأنّ المفعول المطلق هو المصدر أو ما في معناه المأخوذ من نفس الفعل- إمّا نوعاً منه أو غيره- و المفعول به ما يقع الفعل عليه، و لا جامع بينهما، كما لا جامع بين المفعول المطلق و المنصوب بنزع الخافض في المقام [1].

____________

[1] و العجب من بعض أهل التحقيق؛ حيث زعم رفع الإشكال: بأنّ الموصول لم يستعمل إلّا في معناه الكلّي العامّ، و أنّ إفادة الخصوصيّات إنّما هي بتوسيط دالّ آخر خارجيّ، و كذا في تعلّق الفعل بالموصول؛ حيث لا يكون إلّا نحو تعلّق واحد، و التعدّد بالتحليل إلى نحو التعلّق بالمفعول به و المفعول المطلق لا يقتضي تعدّده بالنسبة إلى الجامع- أي الموصول- غاية الأمر يحتاج إلى تعدّد الدالّ و المدلول‏ (1) انتهى.

و أنت خبير بما فيه، فإنّ مباينة نحو تعلّق الفعل بمفعول به- أي المبعوث إليه- و بمفعول مطلق؛ بحيث يكون أحدهما مفروض الوجود قبل الفعل، و الآخر من كيفيّات نفس الفعل، تمنع عن إرادتهما باستعمال واحد. و المراد من تعدّد الدالّ و المدلول إن كان دالّين آخرين و مدلولين آخرين غير مفاد الآية، فهو كما ترى، و إن كان القرينتين الدالّتين على المعنى المراد منها، فمع عدم إمكان إرادتهما منها معاً لا معنى لإقامة القرينةِ و الجامعُ بينهما مفقود، بل غير ممكن؛ حتّى تكون الخصوصيّات من مصاديقه.

نعم لو كان المراد من التكليف هو المعنى اللغوي- أي الكُلفة و المشقّة- لأمكن تعلّقه بالحكم تعلّق المفعول به، فيرتفع الإشكال كما أفاد (2).

لكن بعد إمكان إرادة الجامع الانتزاعي لا يجوز التمسّك بالإطلاق على المطلوب، لا لما أفاد من أنّ القدر المتيقَّن في مقام التخاطب مانع منه‏ (3) فإنّه غير مانع،

____________

(1) نهاية الأفكار- القسم الثاني من الجزء الثالث: 202- 203.

(2) نهاية الأفكار- القسم الثاني من الجزء الثالث: 203 سطر 2- 13

(3) نهاية الأفكار- القسم الثاني من الجزء الثالث: 203- 204.

29

...........

____________

كما حُقِّق في محلّه‏ (1).

و لا من جهة ما أفاد أيضا- تبعاً للشيخ‏ (2)-: من أنّ مفاد الآية مساوق لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، فلا يضرّ الأخباريّ؛ لإثباته الكُلفُ من جهة جعل إيجاب الاحتياط (3) لأنّ جعل الاحتياط لأجل حفظ التكاليف الواقعيّة ينافي سوق الآية؛ حيث منَّ اللّه تعالى على المكلّفين بأن لم يجعلهم في الضيق و الكلفة [من جهة التكليف‏] إلّا مع الإيصال، و الاحتياطُ ضيق بلا إيصال بالضرورة؛ لأنّه لم يكن طريقاً إلى الواقع، فلاحتياط في الشبهات البدويّة- على فرض وجوبه- كُلفة من قبل اللّه من غير إيصال الواقعيّات، و هو منافٍ للآية.

و لا لما أفاد ثالثاً: بأنّ سوق الآية يكون مساق قوله: (إنّ اللّه سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً (4) فكانت دلالتها ممحّضة في نفي الكُلفة عمّا لم يوصل علمه إلى العباد لمكان سكوته و عدم بيانه‏ (5)؛ ضرورة أنّ ذلك بعيد عن مساق الآية غاية البعد، بل تعرّض لمثل ما هو ضروريّ، فيرجع مفاد الآية: بأنّ اللّه لا يكلّف نفساً بما هو ساكت عنه و لم يكلّف العباد، و هو كما ترى.

بل عدم جواز التمسّك بالإطلاق لأنّ الاحتجاج بالإطلاق إنّما هو بعد ظهور اللفظ و دلالته، و حينئذٍ لو جعل طبيعة دالّة على معنىً موضوعاً لحكم، و احتملنا دخالة قيد في الحكم بحسب اللُّبّ و الجدّ، لدفع الاحتمال بأصالة الإطلاق، و في مثل المقام الّذي لا يثبت ظهور اللفظة- و أنّه هل أراد المعنى الجامع الانتزاعيّ الّذي نحتاج في تصوّر إرادته إلى تكلّف، أو أراد أحد المعاني الأُخر؟- لا مجال للتمسّك بالإطلاق، كما لا يخفى.

[منه (قدّس سرّه)‏].

____________

(1) فوائد الأُصول 1: 574- 576

(2) فرائد الأُصول: 193- 194 سطر 13- 16.

(3) نهاية الأفكار- القسم الثاني من الجزء الثالث: 204 سطر 2- 6.

(4) الفقيه 4: 53- 15 باب 17 في نوادر الحدود، الوسائل 18: 129- 61 باب 12 من أبواب صفات القاضي.

(5) نهاية الأفكار- القسم الثاني من الجزء الثالث: 204 سطر 22- 24.

30

مضافاً إلى أنّ مجرّد الإمكان لا يوجب ظهور اللفظ، و لا إشكال في أنّ الظاهر- بمناسبة الصدر و الذيل في الآية الشريفة- هو أنّ [مفاد] قوله:

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها (1) أنّه لا يُكلِّف نفساً إلّا بما أقدرها عليه و أعطاها.

و بما ذكرنا يظهر النّظر فيما أفاده بعض أعاظم العصر (رحمه اللّه): من أنّ المراد بالموصول خصوص المفعول به، و يكون مع ذلك شاملًا للتكليف و موضوعه، و أنّ إيتاء كلّ شي‏ء بحسبه، و أنّ المفعول المطلق النوعيّ و العدديّ يصحّ جعله مفعولًا به بنحو من العناية، و أنّ الوجوب و التحريم يصحّ تعلّق التكليف بهما باعتبار ما لهما من المعنى الاسم المصدري [1] فراجع كلامه‏ (2)

____________

[1] لا يخفى أنّ كلامه هذا مع عدم رجوعه إلى محصَّل- ضرورة أنّ تعلق البعث بالبعث بنحو المفعول به لا معنى له- أنّ لازمه الجمع بين الاعتبارين المتنافيين؛ فإنّ حاصل المصدر في رتبة متأخِّرة عن المصدر، و المفعولُ به في الاعتبار مقدَّم على المصدر؛ لأنه إضافة إليه، فيلزم مما ذكره اعتبار المتأخِّر في الاعتبار متقدِّماً بالاعتبار في حال كونه متأخِّراً، فتدبَّر. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) الطلاق: 7.

(2) فوائد الأُصول 3: 332.

31

فإنّه لا يخلو من تكلُّف أو تكلُّفات.

و أمّا ما أفاده بقوله: ثانياً: في مقام الإشكال على دلالة الآية من الخدشة في دلالتها- بعد تسليم كون الموصول بمعنى التكليف، و الإيتاء بمعنى الإيصال و الإعلام-: بأنّ أقصى ما تدلّ عليه الآية هو أنّ المؤاخذة لا تحسن إلّا بعد بعث الرسل و تبليغ و الأحكام، و هذا لا ربط له بما نحن فيه من الشكّ في التكليف بعد البعث و الإنزال و عروض اختفاء التكليف بما لا يرجع إلى الشارع، فالآية لا تدلّ على البراءة، بل مفادها مفاد قوله تعالى: ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1) (2).

فقد عرفت ما فيه عند تقرير دلالة هذه الآية. مع أنّه بعد التسليم المذكور في الآية يكون دلالتها على البراءة ظاهرة غير محتاجة إلى ما قرّرنا في آية: ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ .. من إلقاء الخصوصيّة و غيره من البيان، كما لا يخفى.

____________

(1) الإسراء: 15.

(2) فوائد الأُصول 3: 333.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

الاستدلال بالسنة

حديث الرفع‏

قوله: و أمّا السُّنّة فروايات: منها: حديث الرفع‏

(1) (2)

.

(1) تقريب الاستدلال به واضح، فالمهمّ بيان أُمور يتمّ بها ما يستفاد من الحديث الشريف:

الأمر الأول في شموله للشبهات الحكمية

قد استشكل في الاستدلال به للشبهات الحكميّة التي [هي‏] محلّ البحث بوجوه:

____________

(1) الكافي 2: 463- 2 باب ما رفع عن الأُمة، توحيد الصدوق: 353- 24 باب 56 في الاستطاعة، الخصال 2: 417- 9 باب التسعة، الوسائل 11: 295 باب 56 من أبواب جهاد النّفس ...

(2) الكفاية 2: 168.

34

أحدها: أنّ دلالة الاقتضاء تقتضي تقديراً في الكلام؛ لشهادة الوجدان على وجود الخطأ و النسيان في الخارج، و كذا غيرهما، فلا بدّ من تقدير أمرٍ صوناً لكلام الحكيم عن الكذب و اللَّغوية، و الظاهر أنّ المقدّر هو المؤاخذة، و هي في (ما لا يطيقون)، و (ما اضطُرّوا إليه)، و (ما استُكرِهوا عليه) على نفس هذه المذكورات، و لو قلنا بشمول الموصول في (ما لا يعلمون) الحكمَ- أيضا- لما أمكن مثل هذا التقدير؛ إذ لا معنى للمؤاخذة على نفس الحكم، فيخصّص بالشبهة الموضوعيّة (1).

و أجاب عنه بعض أعاظم العصر- على ما في تقريرات بحثه-: بأنّه لا حاجة إلى التقدير، فإنّ التقدير إنّما يحتاج إليه إذا توقّف تصحيح الكلام عليه، كما إذا كان الكلام إخباراً عن أمر خارجيّ، أو كان الرفع رفعاً تكوينيّاً فلا بدّ في تصحيح الكلام من تقدير أمر يخرجه عن الكذب، و أمّا إذا كان الرفع رفعاً تشريعيّاً فالكلام يصحّ بلا تقدير، فإنّ الرفع التشريعيّ كالنفي التشريعيّ ليس إخباراً عن أمر واقع، بل إنشاء لحكم يكون وجوده التشريعي بنفس الرفع و النفي‏ (2) انتهى.

و أنت خبير بما فيه، فإنّ الفرق بين الإخبار و الإنشاء في احتياج أحدهما إلى التقدير دون الآخر في غاية السقوط؛ فإنّ المصحح لنسبة الرفع إلى المذكورات إن كان متحقِّقاً، يخرج الكلام عن اللَّغويّة و البطلان إخباراً كان‏

____________

(1) فرائد الأُصول: 195 سطر 16- 21.

(2) فوائد الأُصول 3: 342.

35

أو إنشاءً، كما يخرج الإخبار عن الكذب، و إلّا يصير الكلام لغواً باطلًا إنشاءً كان أو إخباراً، و الإخبار يصير كذباً، ففي كلّ مورد تصحّ النسبة إلى غيرِ ما هو له ادّعاءً تصحّ في الإخبار و الإنشاء، فيصحّ الإخبار بأنّ الشارع رفع ما لا يطيقون و ما اضطرّوا إليه، كما يصحّ الإنشاء، و إلّا فلا يجوز في الإخبار و الإنشاء [1].

هذا، و أمّا رفع أصل الشبهة فكما قال: بأنّه لا يحتاج إلى التقدير، لكن لا بما أفاده: من أنّ الرفع رفع تشريعي فلا يحتاج إلى التقدير؛ فإنّه- مع كونه خلاف الاصطلاح- لا محصَّل له، فإنّه يرجع إلى رفع الآثار و الأحكام الشرعيّة، و هو عين التقدير. بل بمعنى أنّ الرفع رفع ادّعائيّ، و ادّعاء [كون‏] ما لا يقبل الرفع ممّا يقبله.

اللّهمّ إلّا أن يرجع الرفع التشريعيّ إلى ذلك، فيَرِد عليه: أنّ ذلك خلاف اصطلاح علماء فنّ البيان.

فتحصّل ممّا ذُكر: أنّ نسبة الرفع إلى المذكورات غير محتاجة إلى التقدير،

____________

[1] مضافاً إلى منع كون حديث الرفع إنشاء، بل هو إخبار عن الواقع الثابت و هو رفع اللَّه تعالى هذه التسعة مِنّةً على هذه الأُمّة، و ليس رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله) مُشرِّعاً؛ حتّى يُحمل إخباره على الإنشاء.

مع أنّ الإخبارات التي تكون بدواعي الإنشاءات لا تنسلخ عن الإخباريّة، و لا تكون من قبيل استعمال الإخبار في الإنشاء، بل تكون باقية على إخباريتها، و يكون الإخبار بداعي البعث، كما هو الحال في الاستفهام بداعي أمر آخر، فخروجها عن الكذب إنّما هو لأجل تلك الدواعي. [منه (قدّس سرّه)‏].

36

بل هذه النسبة حقيقة ادّعائيّة سيأتي مصحّحها (1) إن شاء اللّه.

ثانيها: أنّ وحدة السياق تقتضي أن يكون المراد من الموصول في (ما لا يعلمون) الموضوع المشتبه؛ لأنّ المراد من الموصول في (ما استُكرِهوا عليه) و (ما لا يطيقون) و (ما اضطُرّوا إليه) هو الفعل الخارجيّ، لا الأحكام الشرعيّة؛ لعدم عروض هذه العناوين لها، فيختصّ الحديث بالشبهات الموضوعية (2).

ثالثها: أنّ إسناد الرفع إلى الحكم إسناد إلى ما هو له، و إسناده إلى الموضوع إلى غير ما هو له، و لا جامع بين الحكم و الموضوع، و لا يجوز أن يُراد كلّ منهما مستقلًا؛ لاستلزام استعمال اللفظ في معنيين، فلا بدّ أن يُراد من الموصول في الكلِّ الشبهاتُ الموضوعة؛ لوحدة السياق‏ (3).

و أجاب عنهما المحقّق المتقدِّم- على ما في تقريرات بحثه-: بأنّ المرفوع في جميع التسعة إنّما هو الحكم الشرعي، و إضافة الرفع في غير (ما لا يعلمون) إلى الأفعال الخارجيّة لأجل أنّ تلك العناوين إنّما تعرض الأفعال الخارجيّة لا الأحكام، و إلّا فالمرفوع هو الحكم الشرعيّ في الجميع، و هو الجامع بين الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة، و مجرّد اختلاف منشأ الجهل في الشبهات لا يقتضي الاختلاف فيما أُسند الرفع إليه، فإنّ الرفع قد أُسند إلى عنوان (ما لا يعلمون) و لمكان أنّ الرفع التشريعيّ لا بدّ و أن يَرِد على ما يكون قابلًا

____________

(1) انظر صفحة: 40.

(2) فرائد الأُصول: 195 سطر 14- 15.

(3) حاشية فرائد الأُصول: 114 سطر 21- 25.

37

للوضع و الرفع الشرعي، فالمرفوع هو الحكم الشرعيّ في الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة، فكما أنّ قولَه: (لا ينقض اليقين بالشكّ) يعمُّ كلا المشتبِهين بجامع واحد، كذلك قوله: (رُفع عن أُمّتي تسعة أشياء) (1) انتهى.

و فيه: أنّ كونَ المرفوع بحسب الواقع هو الحكم، لا يفي بردّ الإشكالين؛ لأنّ مناط الإشكال الأوّل: أنّ الموصول في أخوات (ما لا يعلمون) إذا كان الأفعال الخارجيّة و الموضوعات، فوحدة السياق تقتضي أن يُراد في (ما لا يعلمون) أيضا الموضوع الخارجيّ الغير المعلوم، فيختصّ بالشبهات الموضوعيّة، فكون رفع تلك العناوين بلحاظ رفع أحكامها و آثارها أجنبيّ عن الإشكال.

و منه يعلم ما في جوابه عن ثاني الإشكالين؛ لأنّ مناطه إنّما هو في الإسناد بحسب الإرادة الاستعماليّة، فإنّ الإسناد إلى الحكم إسناد إلى ما هو له، دون الموضوع، فلا بدّ أن يراد في جميعها الموضوع؛ حتّى يكون الإسناد مجازيّا في الجميع، فكونُ المرفوع بحسب الجدّ هو الحكمَ الشرعيَّ أجنبيُّ عن الإشكال.

و التحقيق في الجواب: هو ما أفاد شيخنا العلّامة- (قدّس سرّه)-: أمّا عن الأوّل: فلأنّ عدم تحقّق الاضطرار و الإكراه في الأحكام لا يوجب التخصيص في قوله: (ما لا يعلمون) و لا يقتضي السياق ذلك، فإنّ عموم الموصول إنّما يكون بملاحظة سعة متعلّقة و ضيقه، فقوله: (ما اضطُرّوا إليه) أُريد منه كلّ ما اضطرّ إليه في الخارج، غاية الأمر لم تحقّق الاضطرار بالنسبة

____________

(1) فوائد الأصول 3: 245.

38

إلى الحكم، فيقتضي اتحاد السياق أن يراد من قوله: (ما لا يعلمون) أيضا كلّ فرد من أفراد هذا العنوان.

أ لا ترى أنّه إذا قيل: «ما يُؤكل و ما يُرى» في قضيّة واحدة، لا يوجب انحصارُ أفراد الأوّل في الخارج ببعض الأشياء تخصيصَ الثاني بذلك البعض [1]

____________

[1] و إن شئت قلت: إنّ الموصول في تمام الفقرات مستعمل في معناه، و كذا الصّلات، و لا يكون شي‏ء منها مستعملًا في المصاديق الخارجية، و الاختلاف بينها إنّما هو في تطبيق العناوين على الخارجيّات، و هو غير مربوط بمقام الاستعمال و وحدة السياق، و كثيراً ما يقع هذا الخلط؛ أي بين المستعمل فيه و ما ينطبق عليه، كما في باب الإطلاق؛ حيث تُوهِّم إفادة العموم لأجل الخلط بين الدلالة و انطباق المدلول على الخارج.

و أمّا ما أفاد بعضهم من إنكار وحدة السياق في الحديث أوّلًا لشهادة الطيرَة و الحسد و الوسوسة، مع أنّها ليست من الأفعال، و بلزوم ارتكاب خلاف وحدة السياق لو أُريد الشبهة الموضوعيّة ثانياً؛ لأنّ الظاهر من الموصول في «ما لا يعلمون» هو ما كان بنفسه غير معلوم، كما في غيره من العناوين؛ حيث كان الموصول فيها معروضاً للأوصاف، مع أنّ تخصيص الموصول بالشبهات الموضوعيّة يُنافي هذا الظهور؛ إذ لا يكون الفعل بنفسه معروضاً للجهل، و إنّما المعروض هو عنوانه، و لازم ذلك حفظاً لظهور السياق أن يحمل الموصول على الشبهات الحكميّة فقط؛ للترجيح العرفي بين السياقين‏ (1) انتهى.

ففيه أوّلًا: أنّ المدّعى وحدة السياق في الموصولات، لا جميع الفقرات.

و ثانياً: أنّ الفقرات الثلاث- أيضا- يراد بها الأفعال، غاية الأمر أنّها من قبيل الأفعال القلبيّة، و لهذا تقع مورداً للتكليف، فالحسد عمل قلبيّ، هو تمنّي زوال النعمة عن الغير، و الطِّيَرَة مصدر، و هي عمل قلبيّ، و هكذا الوسوسة.

و ثالثاً: أنّ الشرب مجهول حقيقةً، و إن كانت الإضافة صارت موجبة لتعلّق الجهل به، فالعنوان من قبيل الواسطة في الثبوت لا العروض، و مثله لا يكون خلاف الظاهر و السياق.

و رابعاً: بعد التسليم لا يوجبُ ذلك الاختصاص بالشبهة الحكميّة؛ لأنّ الرفع ادّعائيّ، و يجوز تعلّقه بنفس الموضوع، فيدّعى رفع الخمر بلحاظ آثاره، فلا وجه للاختصاص بالشبهة الحكميّة. [منه (قدّس سرّه)‏].

____________

(1) نهاية الأفكار- القسم الثاني من الجزء الثالث سطر: 216 15 و ما بعده‏

39

و هذا واضح جدّاً (1).

و أمّا عن الثاني: فإنّ الأحكام الواقعيّة إن لم تكن قابلة للرفع و تكونَ باقية على فعليّتها في حال الجهل، يكونُ الإسناد في كلّ العناوين إسناداً إلى غير ما هو له، و إن كانت قابلة للرفع يكون الإسناد إلى (ما لا يعلمون) إسناداً إلى ما هو له، و إلى غيره إلى غير ما هو له، و لا يلزم محذور؛ لأنّ المتكلّم ادّعى قابليّة رفع ما لا يقبل الرفع تكويناً، ثمّ أسند الرفع إلى جميعها حقيقةً (2).

و بعبارة أُخرى: جعل كلّ العناوين- بحسب الادّعاء- في رتبة واحدة و صفّ واحد في قبولها الرفع، و أسند الرفع إليها حقيقة، فلا يلزم منه محذور [1].

____________

[1] و قد يقال‏ (3). باختصاص الحديث بالشبهة الحكميّة؛ لأنّ الموضوعات الخارجيّة غير متعلّقة للأحكام، و إنّما هي متعلِّقة بنفس العناوين، فرفعُ حكم عن الموضوعات المشتبهة فرعُ و ضع الحكم لها، و هو ممنوع‏ (4).

و فيه أوّلًا: أنّه منقوض بسائر العناوين؛ فإنّ الاضطرار و الإكراه إنّما يحصلان في الموضوع، كالطلاق المُكرَه [عليه‏] مع أنّه مشمول للحديث بلا إشكال، كما في صحيح البزنطي‏ (5).

و ثانياً: أنّ الحديث رَفَع الحكمَ عن العناوين، كالبيع المُكرَه [عليه‏] و الشرب المضطرّ إليه، و الخمر المجهول حكماً أو موضوعاً، إلّا أنّ معنى رفع الحكم هو رفع إيجاب الاحتياط، أو

____________

(1) درر الفوائد 2: 102 سطر 5- 11.

(2) درر الفوائد 2: 102- 103.

(3) موضع التعليقة في المخطوطة غير معيّن، و لعلّ المناسب ما أثبتناه‏

(4) فوائد الأُصول 3: 344

(5) المحاسن للبرقي 2: 339- 124 من كتاب العلل، الوسائل 164- 12 باب 12 من أبواب الأيمان‏

40

الأمر الثاني معنى حديث الرفع‏

قيل إنّ الرفع في الحديث الشريف بمعنى الدفع أو الأعمّ منه، لا بمعناه الحقيقي؛ لعدم تحقّقه في بعض تلك العناوين‏ (1).

و التحقيق: أنّه فيه إنّما هو بمعناه الحقيقي، و هو إزالة الشي‏ء بعد وجوده و تحقّقه، و ذلك لأنّ الرفع إنّما نسب إلى نفس تلك العناوين؛ أي الخطأ و النسيان .. إلى آخر التسعة، و هي عناوين متحقّقة قد نسب الرفع إليها ادّعاءً، و مصحّح هذه الدعوى بحسب الواقع و الثبوت كما يمكن أن يكون رفع الآثار، يمكن أن يكون دفع المقتَضِيات عن التأثير؛ لأنّ رفع الموضوع تكويناً كما يوجب رفع الآثار المترتّبة عليه و المتحقّقة فيه، كذلك يوجب عدم ترتّب الآثار عليه بعد رفعه و إعدامه،

____________

رفع الفعليّة، أو رفع المؤاخذة، على اختلاف المسالك، و رفع الموضوع كذلك إنّ لم نقل برفع الحكم عن الموضوع المجهول حقيقةً كما في سائر العناوين، و الظاهر عدم التزامهم به في بعض الموارد. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) درر الفوائد 2: 104.

41

و لذلك يجوز نسبة الرفع إلى الموضوع ادّعاءً بواسطة رفع آثاره أو دفعها أو دفع المقتَضي عن التأثير، و ذلك لا يوجب أن يكون الرفع المنسوب إلى الموضوع بمعنى الدفع، و لذا ترى أنّ تبديل الرفع الدفع يخرج الكلام عن البلاغة، فإذا قيل: دفع النسيان و الخطأ إلى غير ذلك، يصير الكلام بارداً مبتَذَلًا.

هذا كلّه إذا نسب الرفع إلى نفس تلك العناوين ادّعاء من غير تقدير في الكلام، كما هو التّحقيق.

و لو سلّمنا بأنّ التقدير رفع الأحكام و الآثار أمكن أن يقال- أيضا-: أنّه بمعناه الحقيقي لا بمعنى الدفع: أمّا في الخطإ و النسيان و ما استُكرِهوا عليه و ما لا يطيقون و ما اضطُرّوا إليه فالأمر واضح؛ لشمول أدلّة الأحكام- إطلاقاً أو عموماً- مواردَها، فقولُه تعالى: السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (1) و الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (2) يشملُ جميع المُكَلَّفين و لو كانوا مُنطبقين للعناوين المذكورة، فدليل الرفع إنّما يرفع الأحكام عنهم، فالرفع إنّما تعلّق بالأحكام الثابتة المتحقّقة في الموضوعات بحسب الإرادة الاستعماليّة، و إن كان كلّ رفع بحسب الإرادة الاستعماليّة دفعاً بحسب اللُّبّ، كما أنّ كلّ تخصيص تخصص لُبّاً، و لكن ذلك لا يوجب أن يكون الرفع بمعنى، الدفع، و التخصيص و الحكومة بمعنى التخصّص؛ و ذلك لأنّ مناط

____________

(1) المائدة: 38.

(2) النور: 2.

42

حسن الاستعمال هو الإرادة الاستعماليّة و حصول المناسبات في تلك المرحلة، فالرفع إنّما استعمل باعتبار رفع الحكم القانوني العامّ عن مُنطَبَق هذه العناوين، و لا معنى للدفع في هذا المقام.

نعم، بناءً على عدم جواز خطاب الناسي يكون الرفع في الأحكام التكليفيّة البعثيّة بالنسبة إليه في غير مورده بناءً على هذا الوجه.

هذا، و أمّا في الطِّيَرة و الحسد و الوسوسة في الخلق، فالظاهر أنّ استعمال الرفع، فيها- أيضا- بمعناه الحقيقي؛ و ذلك لأنّ الظاهر من الحديث الشريف- من اختصاص رفع التسعة بالأُمّة المرحومة- أنّ لتلك العناوين كانت أحكام في الأُمم السالفة، و معلوم أنّ الأحكام الصادرة عن الأنبياء المشرّعين- على نبيّنا و آله و (عليهم السلام)- لم تكن بحسب الوضع القانوني و الإرادة الاستعماليّة مقيّدةً بزمان، و محدودة بحدّ، بل كان لها الإطلاق أو العموم بالنسبة إلى جميع الأزمنة، و بهذا الاعتبار يقال: إنّها منسوخة، و إن لم يكن بحسب اللُّبّ نسخ و رفع، بل كان أمدُها و أجلها إلى حدّ محدود، فإذا كان للأحكام المترتّبة على تلك الموضوعات إطلاق أو عموم بالنسبة إلى جميع الأزمنة، يكون استعمال الرفع فيها بمعناه الحقيقي، و لا يكون للدفع معنىً بالنسبة إليها إلّا بحسب اللُّبّ و الواقع، و هو ليس مناط صحّة الاستعمالات.

و لا يخفى أنّ هذا الوجه يأتي بالنسبة إلى جميع العناوين؛ فإنّ الظاهر أن لجميعها أحكام رُفعت عن هذه الأُمّة امتنانا، و لو لا ذلك كانت ثابتة لها كالتي قبلها.

43

و أمّا في (ما لا يعلمون) بالنسبة إلى الشبهات الحكميّة، فإن قلنا بإطلاق الأحكام بالنسبة إلى العالم و الجاهل- كما هو التحقيق، و أشرنا إليه فيما سلف‏ (1) فالأمر واضح.

و إن قلنا بعدم الإطلاق فلا إشكال في قيام الإجماع- بل الضرورة- على اشتراكهما في الحكم، فبهذا الاعتبار يصحّ استعمال الرفع فيه، تأمّل فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ الرفع إنّما هو بمعناه الحقيقي، سواء قلنا بتقدير الأحكام- كما قيل- أو لا، كما هو التحقيق.

و بما حقَّقناه يظهر النّظر فيما أفاده بعض أعاظم العصر (رحمه اللّه)- على ما في تقريرات بحثه- من أنّ الرفع في الأشياء التسعة بمعنى الدفع، مضافاً إلى ما ادّعى من أنّ استعمال الرفع مكان الدفع ليس مجازاً، و لا يحتاج إلى عناية أصلًا، فإنّ الرفع في الحقيقة يمنع و يدفع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق؛ لأنّ بقاء الشي‏ء- كحدوثه- يحتاج إلى علّة البقاء، فالرفع في مرتبة وروده على الشي‏ء إنّما يكون دفعاً حقيقةً باعتبار علّة البقاء، و إن كان رفعاً باعتبار الوجود السابق، فاستعمال الرفع في مقام الدفع لا يحتاج إلى علاقة المجاز، بل لا يحتاج إلى عناية أصلًا، بل لا يكون خلاف ما يقتضيه ظاهر اللفظ؛ لأنّ غلبة استعمال الرفع فيما يكون له وجود سابق لا يقتضي ظهوره في ذلك‏ (2) انتهى.

____________

(1) انظر الجزء الأول صفحة: 198- 199.

(2) فوائد الأُصول 3: 337.

44

و أنت خبير بما فيه:

أمّا أوّلًا: فلأنّ إنكار ظهور الرفع في إزالة الشي‏ء عن صفحة الوجود بعد تحقّقه، و عدم احتياج استعماله في الدفع إلى عناية و علاقة، مُكابَرة ظاهرة.

و أمّا ثانياً: فلأنّ كون بقاء الشي‏ء- كحدوثه- محتاجاً إلى العلّة، و كون الرفع- باعتبار دفع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق- دفعاً، ممّا لا محصَّل له؛ لأنّ الرفع لا يصير دفعاً بهذا الاعتبار، بل الرفع عبارة عن إزالة الشي‏ء عن صفحة الوجود، و الدفع عبارة عن منع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق، و هذا لا يوجب أن يكون الرفع بمعنى الدفع، كما أنّ الحدوث عبارة عن جود الشي‏ء بعد العدم وجوداً أوّليّاً، و البقاء عبارة عن استمرار هذا الوجود، و ذلك لا يوجب أن يكون أحدهما بمعنى الآخر.

و أمّا ثالثاً: فلأنّ ما أفاد في المقام يُنافي ما أفاده في التنبيه الأوّل من تنبيهات الاشتغال؛ حيث قال:

إنّ الدفع إنّما يمنع عن تقرّر الشي‏ء خارجاً و تأثير المقتضي في الوجود، فهو يُساوق المانع. و أمّا الرفع فهو يمنع عن بقاء الوجود، و يقتضي إعدام الشي‏ء الموجود عن وعائه. نعم قد يستعمل الرفع في مكان الدفع، و بالعكس، إلّا أنّ ذلك بضرب من العناية و التجوُّز، و الّذي تقتضيه الحقيقة هو استعمال الدفع في مقام المنع عن تأثير المقتضي في الوجود، و استعمال الرفع في مقام المنع‏

45

عن بقاء الشي‏ء الموجود (1) انتهى.

و أمّا رابعاً: فلأنّ ما أفاده في المقام يُنافي ما أفاده في الأمر الخامس في بيان عموم النتيجة: من أنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم، و أنّ الرفع يتوجّه على الموجود فيجعله معدوماً .. إلى غير ذلك من تعبيراته‏ (2).

و في كلامه مواقع أُخر للنظر تركناها مخافة التطويل.

الأمر الثالث حكومة الحديث على أدلّة الأحكام‏

أنّ النسبة بين كلّ واحد من أدلّة الأحكام مع غالب تلك العناوين المأخوذة في الحديث و إن كانت عموماً من وجه، إلّا أنّ الحديث حاكم عليها، فلا تلاحظ النسبة بينهما، كما لا تلاحظ النسبة بين أدلّة الأحكام و بين ما دلّ على نفي الضرر و العُسر و الحَرجَ لحكومتها عليها، إلّا أنّ الشأن في الفرق بين الحكومات الثلاث.

قال بعض أعاظم العصر- على ما في تقريرات بحثه-: و لا فرق بين أدلّة نفي الضرر و العُسر و الحَرَج و بين دليل الرفع، سوى أنّ الحكومة في أدلّة نفي الضرر و الحرج إنّما تكون باعتبار عقد الحمل؛ حيث إنّ الضرر و العسر و الحرج من العناوين الطارئة على نفس الأحكام، فإنّ الحكم قد يكون ضرريّاً أو

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 222.

(2) فوائد الأُصول 3: 353.

46

حَرَجيّاً، و قد لا يكون، و في دليل رفع الإكراه و نحوه إنّما يكون باعتبار عقد الوضع، فإنّه لا يمكن طروّ الإكراه و الاضطرار و الخطإ و النسيان على نفس الأحكام، بل إنّما تعرض موضوعاتها و متعلّقاتها، فحديث الرفع يوجب تضييق دائرة موضوعات الأحكام، نظير قوله: (لا شكّ لكثير الشكّ) (1) و (لا سهو مع حفظ الإمام) (2) (3) انتهى.

و فيه أوّلًا: أنّ الحكومة في أدلّة نفي الضرر و الحرج لم تكن باعتبار عقد الحمل، فإنّ (لا ضرر) (4) نفي نفس الضرر و حقيقته، لا الأمر الضرري، حتّى يقال: أنّ الحكم قد يكون ضرريّاً، و قولُه: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (5) مفاده عدم جعل نفس الحرج، لا الحرجيّ. و قد مرّ كيفيّة الحكومة فيهما، فراجع‏ (6).

و ثانياً: أنّ لسان دليل نفي الضرر و الحرج لم يكن واحداً، و لم تكن‏

____________

(1) هذه قاعدة متصيّدة، راجع الوسائل 5: 329- 330 باب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) هذه قاعدة متصيّدة أيضا، راجع الوسائل 5: 338 باب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(3) فوائد الأُصول 3: 347.

(4) الفقهية 4: 243- 2 باب 171 في ميراث أهل الملل، الوسائل 12: 364- 3- 5 باب 17 من أبواب الخيار.

(5) الحج: 78.

(6) انظر الجزء الأول صفحة: 369.

47

الحكومة فيهما باعتبار واحد، و قد عرفت سابقاً (1) أقسام الحكومة، فدليل الضرر مفاده نفى نفس الضرر، بخلاف دليل الحرج، فإنّه ينفي جعل الحرج، و هما ضربان من الحكومة كما مرّ (2).

و ثالثاً: أنّ الضرر و الحرج ليسا من العناوين الطارئة على نفس الأحكام، بل من العناوين الطارئة على الموضوعات الخارجيّة، فالوضوء و الصوم الحرجيان و الغَبن في المعاملة ضرر، و المعاملة الغَبنيّة ضرَريّة.

نعم ينسب الضرر و الحرج إلى الأحكام- أيضا- بنحو من العناية و المسامحة، فإنّ الحكم قد يصير منشأ لوقوع المكلّف في الضرر و الحرج، و قد مرّ (3) أنّ نفي نفس الضرر و الحرج إنّما هو بهذه العناية.

و رابعاً: أنّ ما أفاد- من أنّ الخطأ و النسيان لا يمكن طروّهما على نفس الأحكام‏ (4) من عجيب الكلام، و الظاهر أنّه من سبق لسانه أو سهو قلم الفاضل المقرّر رحمهما اللّه.

الأمر الرابع في مصحح نسبة الرفع إلى العناوين المأخوذة في الحديث‏

قد عرفت أنّ نسبة الرفع إلى تلك العناوين التسعة تحتاج إلى ادّعاء

____________

(1) في الجزء الأول صفحة: 370- 371.

(2) في الجزء الأول صفحة: 396.

(3) في الجزء الأول صفحة: 380.

(4) مرّ تخريجه قريباً.

48

و مسامحة، و اعلم أنّ المصحح لهذه المسامحة: إمّا أن يكون رفع جميع الآثار، أو رفع خصوص المؤاخذة في الجميع، أو رفع الأثر المناسب لكلّ من المذكورات، و الفرق بينها واضح.

و التحقيق: أنّ المصحح لها إنّما هو رفع جميع الآثار التي بيد الشارع.

أمّا رفع المؤاخذة فقط فممّا لا وجه له، فإنّها ليست من الآثار الواضحة، الظاهرة التي يدّعى رفع الموضوع لرفعها، و تكون هذه الدعوى و المسامحة مُصحّحتين لنسبة الرفع إلى أصل الموضوع، كما هو واضح.

فما أفاده شيخنا العلّامة أعلى اللّه مقامه- من أنّ الظاهر لو خُلّينا و أنفسنا أنّ نسبة الرفع إلى المذكورات إنّما تكون بملاحظة رفع المؤاخذة (1) ممّا لا ينبغي صدوره منه (قدّس سرّه).

و منه يعلم: أنّ استشهاد الإمام في صحيحة صفوان و البزنطي بحديث الرفع على الاستكراه على اليمين‏ (2) ليس بأمر مُخالف للظاهر في مقابل الخصم، فبقي الاحتمالان الآخران.

و التحقيق: هو رفع جميع الآثار: لا لما أفاد شيخنا العلّامة- أعلى اللّه مقامه-: من استلزام رفع الأثر المناسب في كلّ منها لملاحظات عديدة (3)؛ لأنّ ذلك ممّا لا محذور فيه، بل لأنّ رفع الموضوع ادّعاءً مع ثبوت بعض الآثار

____________

(1) درر الفوائد 2: 103.

(2) المحاسن للبرقي: 339- 124 من كتاب العلل، الوسائل 16: 164- 12 باب 12 من أبواب الإيمان.

(3) درر الفوائد 2: 103.

49

له في نظر المتكلِّم، ممّا لا يجتمعان، و يكون من الجمع بين المتنافيين. إلّا أن يُدّعى: أنّ رفع الأثر الكذائي بمنزلة رفع جميع الآثار، فيرفع الموضوع بادّعاء آخر.

و بعبارة أُخرى: إنّ حمل الكلام على رفع بعض الآثار الخاصّة يحتاج إلى ادّعاءين و مسامحتين:

إحداهما: دعوى أنّ الأثرَ الكذائي جميعُ الآثار.

و ثانيتهما: دعوى أنّ الموضوع الّذي ليس له أثر فهو مرفوع.

و أمّا الحمل على جميع الآثار فلا يحتاج إلّا إلى الدعوى الثانية، فحمله على جميع الآثار أسلم عن مخالفة الظاهر، فافهم، فإنّه لا يخلو عن دقّة [1] مع أنّ إطلاق الدليل- أيضا- يقتضي رفعه لجميع الآثار.

____________

[1] إن قلت: الدعوى الأُولى محتاج إليها بلحاظ الآثار الغير الشرعيّة، فلا بدّ من دعوى كون غير الآثار الشرعيّة في حكم العدم، ثمّ ادُّعي الدعوى الثانية.

قلت: إنّ الرفع في محيط التشريع، و معه لا يكون الآثار التكوينيّة منظوراً إليها، بل هي بهذا اللحاظ مغفول عنها، فلا يحتاج إلى الدعوى.

فإن قلت: إنّ للخطإ و النسيان بعنوانهما آثاراً، و لا شبهة في عدم رفعها و عدم شمول الحديث لها، فلا بدّ من الدعوى الأُولى بلحاظها.

قلت: إنّ الخطأ و النسيان- بما هما من العناوين التي [هي‏] كالعناوين المرآتيّة- أخذا طريقاً إلى المتعلّقات، فلا يفهم العرف من رفعهما إلّا رفع آثار ما أخطئ و المنسيّ. أ لا ترى أنّه لو قيل: (أنّ خطايا الأُمّة معفوّة) لا يفهم منه إلّا ما أخطئوا، لا نفس الخطأ، كما لو قيل: (إنّ جهالاتهم معفوّة).

فحينئذ نقول: إنّ الحديث ناظر آثار الخطأ و النسيان الطريقيين، لا آثار نفسهما، و لهذا

50

الأمر الخامس في شمول الحديث للأُمور العدمية

بناءً على أنّ المرفوع تمام الآثار، هل يشمل الحديث الأُمور العدميّة، أم يختصّ بالوجوديّات؟

مثلًا: لو نذر أن يشرب من ماء دجلة، فأُكره على الترك، أو اضطرّ إليه، أو نسي أن يشرب، و قلنا بعدم اختصاص الكفّارة بصورة تعمّد الحنث، فهل يمكن التمسّك بالحديث لرفع وجوب الكفّارة، أو لا؟

____________

ترى أنّ في صحيحة البزنطي نُقل الحديث بلفظ (ما أخطئوا)، و ليس ذلك إلّا لأجل ما يفهم منه عرفاً، لكن لا بمعنى استعمال اللفظ في غير ما وضع له كما لا يخفى.

و بما ذكرنا يظهر: عدم شمول الحديث لآثار عنوانهما النفسيّ من غير لزوم تكلّف و تخصيص.

و يدفع أيضا: إشكال التفكيك بين فقرات الحديث؛ و ذلك لأنّ العناوين السبعة الأوَل لمّا كانت عناوين طريقيّة، فلا محالة ينتقل ذهن العرف منها إلى المتراءى بها و لو فرض أخذ نفس العناوين في الموضوع، فضلًا عن نسبته الرفع إلى الموصول في أربعة منها، و لا تفكيك بين الخطأ و النسيان و بين ما أخذ الموصول فيه موضوعاً، لما عرفت من طريقية عنوانهما.

و أمّا الثلاثة الأخيرة- أي الحسد و الطِّيَرة و الوسوسة- فعناوين نفسية منظور إليها، فلا محالة يتعلّق الرفع بذاتها. ففي الحقيقة تعلّق الرفع في جميع الفقرات بعناوين نفسيّة، لكن في المخطي و المنسيّ بتوسّط الطريق إليهما، و في غيرهما بتوسّط الموصول أو ذكر نفس العناوين، من غير ارتكاب خلاف كما تُوهِّم‏ (1). [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) نهاية الأفكار- القسم الثاني من الجزء الثالث: 211 سطر 8- 9

51

ذهب بعض أعاظم العصر- على ما في تقريرات بحثه- إلى الثاني.

و حاصل ما أفاد في وجهه:

أنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود؛ لأنّ تنزيل المعدوم منزلة الموجود إنّما يكون وضعاً لا رفعاً، و المفروض أنّ المكلّف قد ترك الفعل عن إكراه أو نسيان، فلم يصدر منه أمر وجوديّ قابل للرفع، و لا يمكن أن يكون عدم الشرب في المثال مرفوعاً و جعله كالشرب؛ حتّى يقال: أنّه لم يتحقّق مخالفة النَّذر، فلا حِنث و لا كفّارة.

و الحاصل: أنّه فرق بين الوضع و الرفع، فإنّ الوضع يتوجّه على المعدوم فيجعله موجوداً، و يلزمه ترتيب آثار الوجود، و الرفع بعكسه، فالفعل الصادر من المكلَّف عن نسيان أو إكراه يمكن ورود الرفع عليه، و أمّا الفعل الّذي لم يصدر من المكلّف عن نسيان أو إكراه فلا محلّ للرفع فيه؛ لأنّ رفع المعدوم لا يمكن إلّا بالوضع و الجعل، و الحديث لا يتكفّل ذلك‏ (1) انتهى.

و أنت خبير بما فيه: فإنّه يَرِد عليه- مضافاً إلى أنّ العدم إذا فرض تعلّق الرفع به يكون له ثبوت إضافيّ بالنسبة إلى عدمه، و ليس عدم العدم هو الوجود، و لا رفع المعدوم هو الوضع كما توهّم- أنّ الكفّارة إذا ترتّبت على ترك الشرب كما هو المفروض، يكون له ثبوت اعتباريّ في عامل التشريع، فإنّ ما لا ثبوت له بوجهٍ لا يمكن أن يصير موضوعاً للحكم، و قد فرض‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 353.

52

أنّ الكفّارة مترتِّبة على الترك، فلا بدّ أن يكون الترك- و لو باعتبار انطباق الحِنث عليه- ملحوظاً و معتبراً عند الشارع؛ حتّى يصير موضوعاً للحكم، و بعد هذا الثبوت الاعتباري لا مانع من تعلّق الرفع به بلحاظ آثاره، و هذا واضح جدّاً، فما أفاد من أنّ الرفع لا يمكن إلّا بالوضع، في غاية السقوط [1].

و قد ظهر ممّا ذكرنا: أنّ كلَّ أمر عدميّ يكون موضوعاً لأثرٍ شرعيّ أو حكمٍ‏

____________

[1] هذا مضافاً إلى أنّ الرفع الادّعائي لا مانع من تعلّقه بالعدم، و المصحح له هو عدم ترتُّب الآثار عليه، كما أنّ الرفع لم يتعلّق بالوجوديّات حقيقةً، بل ادّعاءً بلحاظ الآثار، فكذا في جانب العدم.

مع إمكان أن يقال: إنّ الرفع تعلّق بالأشياء بمعرِّفيّة العناوين المذكورة في الحديث- أي الاضطرار و غيره- فكما يمكن تعلّق الاضطرار بالعدم بنحو من الاعتبار يمكن تعلّق الرفع به. مع أن الرفع متعلّق بتلك العناوين- أي الموصول المشار به للأشياء- إجمالًا، و لا تكون الواقعيّات المشار إليها في ذهن المخاطب و المتكلِّم بنحو التفصيل حتّى تلاحظ الوجوديّات مستقلّة و العدميّات كذلك.

فتحصّل ممّا ذكر: أنّه لا مانع من الأخذ بإطلاق الحديث.

و أمّا ما أفاد بعضهم في مقام الجواب عنه: من أنّ الرفع مطلقاً متعلّق بموضوعيّة الموضوعات للأحكام، فمعنى رفع ما اضطُرّوا إليه أنّه رفع موضوعيّته للحكم، و كذا في جانب العدم و الترك‏ (1) فلا يخفى ما فيه؛ لأن ذلك أسوأ حالًا من تقدير الآثار. مع أنّ ظاهر الحديث هو الرفع الادّعائي، كما عرفت به هذا القائل‏ (2) و ذلك ينافي ما ذكره من الرجوع إلى رفع الموضوعيّة، إلّا أن يرجع كلامه إلى ما ذكرنا، فتدبّر. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) نهاية الأفكار- القسم الثاني من الجزء الثالث: 219- 220.

(2) نهاية الأفكار- القسم الثاني من الجزء الثالث: 209 سطر 14- 25 و 211 سطر 16- 22.

53

تكليفيّ أو وضعيّ، و يكون في رفعه منّة على العباد، مشمول للحديث، و لا يحتاج رفعه إلى الوضع.

الأمر السادس تصحيح العبادة المنسي منها جزء أو شرط بالحديث‏

بناءً على عموم الآثار لو نسي جزءاً أو شرطاً من العبادات هل يمكن تصحيحها بالحديث، أم لا؟

اختار ثانيهما المحقِّق المتقدِّم- على ما في تقريرات بحثه- و حاصل ما أفاده في وجهه أُمور:

الأوّل: ما تقدّم منه من أنّ الحديث لا يشمل الأُمور العدميّة، لأنّه لا محلّ لورود الرفع على الجزء أو الشرط المنفيّين؛ لخلوّ صفحة الوجود عنهما، فلا يمكن أن يتعلّق الرفع بهما.

الثاني: أنّ الأثر المترتّب على الجزء أو الشرط ليس إلّا الإجزاء و صحّة العبادة، و هما ليسا من الآثار الشرعيّة التي تقبل الوضع و الرفع، بل من الآثار العقليّة.

الثالث: أنّه لا يمكن أن يكون رفع السورة بلحاظ رفع أثر الإجزاء و الصحّة، فإنّ ذلك يقتضي عدم الإجزاء و فساد العبادة، و هو ينافي الامتنان، و ينتج عكس المقصود، فإنّ المقصود من التمسّك بالحديث تصحيح العبادة، لا فسادها. هذا كلّه بالنسبة إلى الأجزاء و الشرائط.

54

و أمّا بالنسبة إلى المركّب الفاقد للجزء أو الشرط المنسيّ، فهو و إن كان أمراً وجوديّاً قابلًا لتوجّه الرفع إليه، إلّا أنّه:

أوّلًا: ليس هو المنسيّ أو المُكرَه عليه ليتوجّه الرفع إليه.

و ثانياً: لا فائدة في رفعه؛ لأنّ رفع المركّب الفاقد للجزء أو الشرط لا يثبت المركّب الواجد له، فإنّ ذلك يكون وضعاً لا رفعاً، و ليس للمركّب الفاقد للجزء أو الشرط أثر يصحّ رفع المركّب بلحاظه، فإنّ الصلاة بلا سورة- مثلًا- لا يترتّب عليها أثر إلّا الفساد و عدم الإجزاء، و هو غير قابل للرفع الشرعي.

و لا يمكن أن يقال: إنّ الجزئيّة و الشرطيّة مرفوعتان؛ لأنّ جزئيّة الجزء لم تكن منسيّة؛ و إلّا كان من نسيان الحكم، و محلّ الكلام إنّما هو نسيان الموضوع، فلم يتعلّق النسيان بالجزئيّة حتّى يستشكل بأنّ الجزئيّة غير قابلة للرفع، فإنّها غير مجعولة، فيجاب بأنّها مجعولة بجعل منشأ انتزاعها (1) انتهى بطوله.

و التحقيق أن يقال: إنّ رفع الجزء و الشرط المنسيّين، كما يمكن أن يكون باعتبار نسيان الجزئيّة و الشرطيّة- أي نسيان الحكم- كذلك يمكن باعتبار نسيانهما مع تذكّر الحكم، فإنّ الجزء إذا صار منسيّاً فَتُرك، يرتفع بالحديث، و كذلك الشرط، فإنّ المُسلَّم من الحديث هن رفع ما نَسُوا- أي ما يكون منسيّاً- و الفرض أنّ الجزء الشرط هو المنسيّ، فالرفع يتعلّق به، فيصير المركّب الفاقد لهما تمام المأمور به.

و بعبارة أُخرى: إذا كان المركّب المأمور به بحسب الجعل الابتدائيّ ذا أجزاء

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 353.

55

و شرائط، و يكون المأمور به هو المركب بجميع أجزائه و شرائطه، و يكون الحديث حاكماً [على‏] أدلّة الأحكام الأوّليّة من أدلّة الأجزاء و الشرائط و أدلّة أصل المركّبات، تصير نتيجة الأدلّة الأوّليّة- بعد إعمال الحكومة- هو اختصاص الأجزاء بغير حال النسيان، فيصير المركّب المأمور به هو الطبيعة فاقداً للجزء أو الشرط المنسيّين، و لا دليل من عقل أو نقل على اختصاص الحديث بنسيان جزئيّة الجزء و شرطيّة الشرط- أي نسيان الحكم- بل يشمل نسيان الموضوع مع تذكّر الحكم، فإذا تُرك جزء أو شرط من المركّب يصير الفرد الفاقد لهما مصداقاً للطبيعة بعد حكومة حديث الرفع، و مسقطاً لأمرها و موجباً للإجزاء [1].

____________

[1] و قد يقال: إنّ ما ذكر غير تامّ؛ لأنّ النسيان إذا تعلّق بالموضوع، و لم يكن الحكم منسيّاً، لا ترتفع جزئيّة الجزء للمركّب؛ لعدم نسيانها، فلا بدّ من التسليم بمصداق واجد للجزء حتّى ينطبق عليه عنوان المأمور به، و لا معنى لرفع الجزء و الشرط من مصداق المأمور به، و مع رفعهما فرضاً لا يكون مصداقاً للمأمور به ما لم يدلّ دليل على رفع الجزئيّة.

و بالجملة: لا يعقل صدق الطبيعة المعتبر فيها الجزء و الشرط على المصداق الفاقد لهما، و لا معنى لحكومة دليل الرفع على الأدلّة الواقعيّة مع عدم النسيان بالنسبة إليها، كما أنّه لا معنى لحكومته على مصداق المأمور به‏ (1).

و فيه: أنّ مقتضى ما ذكرنا من عموم الآثار أنّ المنسيّ إذا كان الجزء يكون مرفوعاً، و معنى رفعه رفع جميع آثاره، و من آثاره الشرعيّة جزئيّته، فهي مرفوعة، و بعد رفعها في حال النسيان، يصدق على المأتيّ به أنّه تمام المأمور به، و لا محالة يسقط الأمر المتعلّق بالطبيعة؛ لأجل إتيانها بمصداقها التامّ، و لا مجال لبقاء الأمر بعد الإطاعة، فلا معنى لبقائه أو حدوثه بعد رفع النسيان، كما توهّم بعض أهل التحقيق؛ بزعم أنّ حديث الرفع لا يتكفّل بتحديد دائرة المأمور به، و لا إطلاق له لرفع الجزء أو الشرط حتّى بعد زوال النسيان‏ (2).

____________

(1) انظر قوامع الفضول: 461 سطر 37- السطر الأخير.

(2) انظر مقالات الأُصول 2: 56 سطر 21- السطر الأخير، نهاية الأفكار- القسم الثاني من الجزء الثالث: 220- 221.

56

و بهذا يظهر الخلل في جميع ما أفاده:

أمّا في أوّل الوجوه: فلأن الجزء المنسيّ متعلَّق للرفع، و معنى تعلّقه به إخراجه عن حدود الطبيعة المأمور بها، و لا يكون ترك الجزء متعلَّقاً للرفع؛ حتّى يقال: إنّ الرفع لا يتعلّق بالأعدام.

و أمّا في ثانيها: فإنّ الجزء و الشرط ممّا تنالهما يد الشارع و لو بواسطة منشأ انتزاعهما، و لا يحتاج رفعهما إلى لحاظ أثر آخر.

و بهذا يظهر الإشكال في ثالثها، و كذا في سائر ما أفاد، مع ما فيها من التكلّف و التعسّف.

فإن قلت: إنّما يصحّح حديث الرفع العبادة الفاقدة للجزء و الشرط إذا أمكن اختصاص الناسي بالتكليف، و أمّا مع عدم إمكانه فلا يمكن تصحيحها.

قلت: أوّلًا: يمكن اختصاصه بالخطاب ببعض التصويرات التي أفادها

____________

و بما ذكرنا يدفع ما ذُكر؛ ضرورة عدم الاحتياج إلى كون الحديث ناظراً إلى بعد رفع النسيان، بل الرفع في حاله يكفي لتطبيق المأتيّ به على المأمور به، و معه يسقط الأمر، و لا معنى لتجديده.

و إن شئت قلت: إنّ الحديث بحكومته على الأدلّة مخصِّص لها بلسان الرفع، فهو تخصيص واقعاً و دفع، استعمال الرفع لأجل الحكم القانوني المجعول على نحو العموم و الإطلاق. [منه (قدّس سرّه)‏]