أنيس المجتهدين في علم الأصول‏ - ج1

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
585 /
5

دليل الجزء الأوّل‏

مقدّمة التحقيق 7

المبحث الأوّل: في المقدّمات 27

الباب الأوّل في نبذ من أحواله 29

الباب الثاني في المبادئ اللغويّة 36

الباب الثالث في المبادئ الأحكاميّة 95

المبحث الثاني: في الأدلّة الشرعيّة 181

الباب الأوّل في الكتاب 183

الباب الثاني في السنّة 202

الباب الثالث في الإجماع 336

الباب الرابع في الأدلّة العقليّة 386

الباب الخامس في القياس 434

فهرس الموضوعات 575

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مقدّمة التحقيق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين أبي القاسم محمّد، و على آله الطيّبين الطاهرين.

و بعد؛ بين يديك- أيّها القارئ الكريم- كتاب أنيس المجتهدين أحد مؤلّفات المحقّق الفاضل المولى محمّد مهدي النراقي، المتوفّى سنة 1209 ه، التي قام بتحقيقها مركز إحياء التراث الإسلامي في مركز العلوم و الثقافة الإسلاميّة. و ذلك مع مجموعة من آثار الفاضلين النراقيّين التي أحيل تحقيقها إلى هذا المركز من قبل المؤتمر التكريمي لهذين العلمين، و الذي انعقد في مدينة قم المقدّسة سنة 1382 ش/ 1424 ه.

ترجمة المؤلّف‏

وردت ترجمته بشكل مفصّل- أو مختصر- في كثير من كتب التراجم و التاريخ في القرنين الثاني عشر و الثالث عشر من الهجرة النبويّة. و كذا في مقدّمة بعض كتبه أو كتب ولده المولى أحمد النراقي المصحّحة مؤخّرا. و قد كتب سماحة الشيخ رضا الاستادي تأليفا مستقلّا في ترجمة النراقيّين بالفارسيّة تحت عنوان شرح أحوال و آثار ملّا مهدى نراقى و ملّا أحمد نراقى و خاندان ايشان، فإنّ فيما ورد فيه غنى و كفاية.

و لذلك لم نتعرّض هنا لترجمة المولى محمّد مهدي النراقي. و ما نقدّمه هنا ما هو إلّا لمحات عن حياته المباركة، و قبسات من أنواره الملكوتيّة، و نشير إلى نقاط عن حياته بقيت مجملة.

8

اسمه و نسبه‏

قال (قدّس سرّه) في مقدّمة كتابه جامعة الاصول: «أمّا بعد؛ فيقول المحتاج إلى غفران ربّه السرمدي محمّد بن أبي ذرّ النراقي، المعروف بمهدي، بصّره اللّه بعيوبه، و نجّاه من أحزانه و كروبه ...» (1).

و قال في مقدّمة رسالة الإجماع: «أمّا بعد، فيقول المتمسّك بلطف اللّه الأبديّ و المتشبّث بفضله السرمديّ محمّد بن أبي ذرّ النراقي المعروف بمهدي، نوّر اللّه قلبه بالأنوار العليّة و ...» (2).

و قد ذكر ولده المولى أحمد في أكثر كتبه، و الإجازة التي كتبها لأخيه الصغير محمّد مهدي الثاني الملقّب ب «آقا بزرك»، اسم أبيه ب «محمّد مهدي»، و قال في الإجازة:

«فمنها ما أخبرني به ...، والدي و استاذي، و من إليه في جميع العلوم استنادي، مولانا محمّد مهدي بن أبي ذرّ بن الحاجّ محمّد النراقي» (3).

و في إنهاء الإجازة كتب: «كتبه بيمناه الداثرة ... أحمد بن محمّد مهدي بن أبي ذرّ ابن الحاجّ محمّد القمّي النراقي الكاشاني مسكنا» (4).

كما أنّه ذكر نسبه ب «أحمد بن محمّد مهدي بن أبي ذرّ النراقي»، في افتتاح و انتهاء جميع مؤلّفاته.

فالمنتج من هذه الذكريات و العبارات:

أوّلا: أنّ اسمه محمّد بن أبي ذرّ و المعروف بمهدي، أو محمّد مهدي.

و ثانيا: أنّ اسم جدّه أيضا كان محمّد، المعروف بالحاجّ محمّد القمّي النراقي.

و ذلك لأنّ قصبة نراق كانت في سالف الزمان من توابع مدينة قم. و بعد الحقت بمدينة

____________

(1). جامعة الأصول: 10.

(2). المصدر: 85.

(3). راجع عوائد الأيّام: 70، مقدّمة التحقيق.

(4). عوائد الأيّام: 84، مقدّمة التحقيق.

9

كاشان. كما ذكره أبو الحسن المستوفي في كتابه تاريخ گلشن مراد (1).

و احتمل سماحة الشيخ رضا الاستادي في ابتداء شرح أحوال و آثار ملّا مهدي نراقي و ملّا أحمد نراقي أن يكون جدّه «الفاضل نصير الدين القمّي» صاحب رسالة الزكويّة. و ذكر في الهامش احتمالا آخر بأنّه يمكن أن يكون نصير الدين جدّه لامّه لا جدّه لأبيه‏ (2).

لقبه‏

يلقّب المولى محمّد مهدي ب «المحقّق النراقي» و «العلّامة النراقي». و قد يعبّر عنه ب «النراقي الأوّل»، كما يلقّب ولده المولى أحمد ب «الفاضل النراقي» و قد يعبّر عنه ب «النراقي الثاني»، كما و يعبّر عنهما ب «النراقيّان» (3)، و صاحب الجواهر يعبّر عنهما ب «الفاضل النراقي» (4).

ولادته‏

لم يرد تاريخ ولادته في أيّ من كتب التراجم و المصادر المتوفّرة لدينا، و لكن ورد في الكتيبة التي كتبها ولده المولى أحمد النراقي بخطّه، في آخر إحدى النسخ من كتاب لؤلؤة البحرين ما يلي:

تاريخ وفاة الوالد الماجد ... في أوّل ليلة السبت ثامن شهر شعبان المعظّم من شهور سنة ألف و مائتين و تسع ... و كان عمره الشريف يبلغ ستّين سنة تقريبا (5).

و قد ذكر العلّامة المحقّق الرجالي المرحوم ميرزا محمّد حسن الزنوزي (م 1218 ه) معاصر النراقي في كتاب رياض الجنّة أنّ عمره كان ما يقارب الثلاث و ستّين سنة، و بالنظر إلى أنّ وفاته كانت سنة 1209؛ لذا وجب أن تكون ولادته في أواخر النصف الأوّل من القرن الثاني عشر، أي في سنة 1149. و بناء على ذلك فلا يصحّ ما ذكره‏

____________

(1). راجع شرح أحوال و آثار ملّا مهدى نراقى و ملّا أحمد نراقى و ...: 21- 22.

(2). راجع المصدر: 12.

(3). راجع أنيس الموحّدين: 14، مقدّمة التحقيق؛ عوائد الأيّام: 30- 31، مقدّمة التحقيق.

(4). راجع المصدرين.

(5). راجع عوائد الأيّام: 66، مقدّمة التحقيق.

10

المرحوم الشيخ محمّد رضا المظفّر في مقدّمة كتاب جامع السعادات بأنّ ولادته كانت سنة 1128.

مكانته العلميّة

تميّز المحقّق النراقي عن أقرانه بموسوعيّة المعرفة، و حظي بمكانة علميّة و اجتماعيّة ممتازة، و لم يقتصر على الفقه و الاصول و مقدّماتهما، فقد كان جامعا لأكثر العلوم و الفنون.

فنراه عالما في الأدب و اللغة و الفقه و الاصول و الحديث و الرجال و الدراية و الحكمة و الكلام و الآداب و الأخلاق و الرياضيّات و النجوم، حيث يتجلّى ذلك من خلال تأليفاته الكثيرة المتنوّعة، فلقد أتاحت له نشأته في الأوساط العلميّة فرص التعلّم المبكّر، و وفّرت له عقليّته الكبيرة و ذكاؤه الوقّاد، القدرة على استيعاب العلوم و الفنون المتعدّدة بسهولة، و ارتقى سلّم العلم فبلغ حدّا يكاد يعدّ من علماء الطراز الأوّل للقرنين الثاني عشر و الثالث عشر الهجري.

و لقد وصفه العلماء المحقّقين من أصحاب التراجم بما لم يصفوا به غيره. و إليك بعض ما قالوا فيه:

1- قال أبو الحسن المستوفي الغفاري في كتاب تاريخ گلشن مراد:

فريد عصره و وحيد دهره، مولانا محمّد مهدي بن أبي ذرّ النراقي، حكيم استندت الشريعة إلى آرائه القويمة، و عالم تفوّقت آراؤه الصائبة على المستدلّين في كلّ حال، و فقيه اعترف بفضله و تقدّمه فقهاء عصره، و عالم يغترف أرباب اليقين من بحر علمه، نحرير أسرت آراؤه قلوب الأحرار من طلّابه، و كان لجامع أفكاره الفضل في إظهار عظمة النقد المحصّل و ما احتوى من إفادات العلماء العظام، فيلسوف تتباهى روحي أفلاطون و أرسطو بوجوده، و يلهج لسان حال ابن سينا بشكر مساعيه الحميدة.

فيلسوف بحقّ و حكيم مطلق، جامع المعقول و المنقول، حاوي الفروع و الاصول، المولى الأعظم و الحبر الأعلم، مظهر الحقائق، مبدع الدقائق، أستاذ البشر، أعلم أهل البدو و الحضر، متمّم علوم الأوائل و الأواخر، كاشف مشكلات المسائل‏

11

بالمآثر، قدوة الحكماء و أفضل العلماء، سلطان المحقّقين و برهان المدقّقين، ينبوع العلم، مقنّن الرسوم، مدّ اللّه ظلال إفاداته على رءوس العباد، متّع اللّه المستفيدين بطول بقائه بمحمّد و آله. كان ماهرا في جميع العلوم، و مفسّرا لدقائق آراء الأوائل و الأواخر، بل كان له سهم في تكامل العلوم‏ (1).

2- و قال الزنوزي في كتاب رياض الجنّة:

المولى الجليل محمّد مهدي بن أبي ذرّ الكاشاني النراقي.

كان عالما كاملا فاضلا صالحا جليلا محقّقا مدقّقا ثقة عدلا ثبتا ضبطا متضلّعا نحريرا متبحّرا فقيها حكيما متكلّما مهندسا معاصرا، ماهرا في أكثر العلوم و الفنون و الكتب، إسلاميّة كانت أم غيرها من الملل و الأديان. و كان جليل القدر عظيم الشأن، كريم الأخلاق حسن الآداب، كثير التأليف، جيّد التحرير و التعبير، له مؤلّفات كثيرة لطيفة (2).

3- و قال الخوانساري في روضات الجنّات:

العالم البارع و الفاضل الجامع، قدوة خيل أهل العلم بفهمه الإشراقي، مولانا مهدي بن أبي ذرّ الكاشاني النراقي ...

كان من أركان علمائنا المتأخّرين و أعيان فضلائنا المتبحّرين، مصنّفا في أكثر فنون العلم و الكمال، مسلّما في الفقه و الحكمة و الاصول و الأعداد و الأشكال‏ (3).

4- و كتب العلّامة الطهراني في أعلام الشيعة:

المولى محمّد مهدي بن أبي ذرّ النراقي الكاشاني المتوفّى سنة 1209 هو جامع السعادات و مصنّفها، و معتمد الشيعة و مؤلّفها، صاحب اللوامع و أنيس المجتهدين و التحفة الرضويّة، حلّال مشكلات العلوم في المنثور و المنظوم، رئيس الأبرار و أنيس التجّار و الموحّدين، في المعاملات و العبادات و أصول الدين، هذّب بتجريده أصول الأحكام، و أحرق بمحرقه قلوب الأنام بعد تكميله‏

____________

(1). راجع شرح أحوال و آثار ...: 21- 22.

(2). المصدر: 24.

(3). روضات الجنّات. راجع شرح أحوال و آثار ...: 34.

12

على الأركان الأعلام مثل صاحب الحدائق، و المولى الخاجوئي، و الوحيد البهبهاني و المحدّث الفتوني، و علّامة الزمان محمّد بن محمّد زمان، و المولى مهدي الهرندي و المولى محمّد جعفر القاساني ... إلى أن ركب طائر القدس و لحق بمحلّ الانس و توسّد التراب خلف مرقد مولاه أبي تراب (عليه السلام)، و دفن من ورائه ولده أحمد، سمي صاحب المستند عليه صلوات اللّه الملك الأحد. و خلّف تصانيفه الرائقة، و فيها نخبة البيان البديع في بابي الاستعارة و التشبيه من فنّ البيان، و توضيح الإشكال ... و شرح لتحرير أقليدس ... و كتاب الرجال الذي رأيت النقل عنه في تأليفات بعض المعاصرين‏ (1).

5- و جاء في لباب الألقاب:

العارج أعلى المراقي، الحاجّ الملّا مهدي بن أبي ذرّ بن الحاجّ محمّد القمّي النراقي كان عالما عيلوما محقّقا مدقّقا، أستاذ الكلّ في الكلّ، جامعا لجميع العلوم العقليّة، ماهرا حاذقا في العلوم الشرعيّة، كاشفا عن أسرار دقائق لم يطّلع عليها من قبله، مبيّنا لقواعد حقائق لم يؤسّسها سواه، فلو قال قائل إنّه بحر العلوم على الحقيقة لما كان في هذا القول متجوّزا بل تكلّم بالحقيقة، و لو قال قائل: إنّه العلّامة لما استحقّ الملامة. و لقّبه بعض الأفاضل ب «خاتم الحكماء و المجتهدين» و هو في محلّه. و قد تلمذ في الرياضيّات و الحكمة على الملّا إسماعيل الخاجوئي في أصفهان ثلاثين سنة، و في الشرعيّات على الوحيد البهبهاني مدّة مديدة ...

و حكايات مشقّته في التحصيل، و تحميله للفقر و الفاقة، و صبره على نوائب الدهر و حوادث الجمّة معروفة، و رياضاته و عباداته مشهورة حتّى أنّ بعض الصوفيّة ادّعى أنّه من مشايخ السلسلة، ترويجا لعقيدته الفاسدة، كلّا إنّه كان رئيس الحكماء الإلهيّين، و أعلم الفقهاء و المجتهدين، و أصل الزهّاد و قدوة العابدين و لعمري إنّه كان ناصرا للملّة و الدين، بل آية من آيات اللّه داعيا إلى الحقّ المبين‏ (2).

____________

(1). أعلام الشيعة، القرن الثالث عشر. راجع شرح أحوال و آثار ...: 42- 43.

(2). لباب الألقاب: 92. راجع شرح أحوال و آثار ...: 43- 44.

13

6- و كتب العلّامة حسن زادة الآملي:

منار شامخ للعلم و التحقيق، استاذ الكلّ في الكلّ، العلّامة المولى مهدي- أو محمّد مهدي- بن أبي ذرّ بن الحاجّ محمّد النراقي (رحمه اللّه). أحد نوابغ الدهر، و جامع أزمّة العلوم و الفنون، السابق في كلّ فنّ، و دائرة المعارف الناطقة، و المكتبة العظيمة الحيّة المتحرّكة.

بلا شكّ فإنه يعتبر في الطراز الأوّل من علماء الإسلام الكبار، في التبحّر و المهارة في جميع العلوم العقليّة و النقليّة بما فيها الأدبيّات و الرياضيّات العالية، و من نوادر العصر في تحلّيه بالفضائل الأخلاقيّة و الملكات الملكوتيّة.

له مصنّفات بارزة و مؤلّفات قيّمة في العلوم المختلفة، تلقّى العلم في كاشان و أصفهان، و العتبات المقدّسة في العراق، على يد عظماء أمثال الملّا إسماعيل الخاجوئي، و الملّا محمّد جعفر بيدگلي، و الآغا محمّد باقر الوحيد البهبهاني و غيرهم، و يعتبر من الأشخاص الذين يشار إليهم حين تذكر الفضائل‏ (1).

7- و كتب الاستاذ المرحوم السيّد جلال الدين الآشتياني رحمة اللّه عليه:

المجتهد البارع، و الحكيم المحقّق، الملّا محمّد مهدي النراقي.

من أكابر علماء الشيعة الذين يمتازون بالشمول و الإحاطة و التبحّر و التخصّص في العلوم النقليّة و العقليّة، و الذين يقلّ نظيرهم: الآخوند الملّا محمّد مهدي النراقي الكاشاني، المتوفّى سنة 1209 ه، مجتهد و حكيم عارف و رياضي، عاش في أواخر القرن الثاني عشر و أوائل القرن الثالث عشر الهجري القمري، يعتبر من خرّيجي الحوزة العلميّة في أصفهان، كما استفاد لفترة من محضر الأساتذة المشهورين العظام في العتبات المقدّسة في كربلاء و النجف. كان النراقي في العلوم العقليّة و النقليّة من تلاميذ الفقيه و الحكيم المحقّق الملّا إسماعيل الخاجوئي و العالم البارع الشيخ محمّد، و العالم المحقّق الملّا مهدي الهرندي، و الاستاذ المحقّق الرياضي الآغا ميرزا نصير الأصفهاني‏ (2).

____________

(1). مقدّمة خزائن. راجع شرح أحوال و آثار ...: 59.

(2). راجع شرح أحوال و آثار ...: 69- 70.

14

8- و قال تلميذه محمّد بن الحاج طالب طاهرآبادي، في إنهاء نسخة أنيس المجتهدين:

المولى الأعظم و الحبر الأعلم، سلطان العلماء الإلهيّين و برهان الحكماء الراسخين، رئيس المجتهدين، مشيّد قواعد الاصوليّين و مسدّد أركان المهندسين، كشّاف حقائق المتقدّمين، صرّاف نقود المتأخّرين، أفضل الأوائل المتبحّرين و أكمل الأواخر المسترشدين، ثالث المعلّمين بل أوّلهم لو كشف الغطاء من البين، عالم معالم التحقيق، واقف مواقف التدقيق، كاشف أستار المسائل، مجمع إحراز الأواخر و الأوائل، استاذنا بل استاذ البشر و العقل الحادي عشر، مولانا محمّد مهدي النراقي دام ظلّه العالي‏ (1).

و قال في إنهاء نسخة جامع الأفكار و ناقد الأنظار:

قد تمّ تسويد هذا الكتاب ... من مصنّفات استاذي بل استاذ الكلّ في الكلّ، أفضل أعاظم المدقّقين و أكمل أفاخم المحقّقين، الفائق على الأوائل و الأواخر و الأوّلين و الآخرين، الوحيد في عصره و الفريد في دهره، جامع المعقول و المنقول، حاوي الفروع و الأصول، الجامع بين مرتبتي العلم و العمل، الحافظ نفسه الشريفة عن الخطأ و الزلل، خاتم الحكماء و المجتهدين في أوانه، و زبدة الفضلاء و المتبحّرين في زمانه، محمّد مهدي أيّده اللّه و أبقاه‏ (2).

9- و قال ولده المولى أحمد النراقي:

والدي و استاذي و من إليه في جميع العلوم العقليّة و النقليّة استنادي، كشّاف قواعد الإسلام و حلّال معاقد الأحكام، ترجمان الحكماء و المتألّهين، و لسان الفقهاء و المتكلّمين، الإمام الهمام، و البحر القمقام، اليمّ الزاخر و السحاب الماطر، الراقي في نفائس الفنون إلى أعلى المراقي‏ (3).

مؤلّفاته في أصول الفقه‏

1. رسالة في الإجماع؛ ألّفها في كربلاء، سنة 1178.

____________

(1 و 2). راجع شرح أحوال و آثار ...: 93 و 107.

(3). المصدر: 37.

15

2. جامعة الاصول؛ فرغ من تأليفها سنة 1180.

3. أنيس المجتهدين؛ تمّ تأليفه سنة 1186.

4. تجريد الاصول؛ فرغ من تأليفه سنة 1190.

أنيس المجتهدين‏

لا ريب في نسبة الكتاب إلى مؤلّفه المحقّق المولى محمّد مهدي النراقي.

يقول (رحمه اللّه) في مقدّمة الكتاب: «أمّا بعد؛ فيقول الحقير في أنظار أرباب العقول، مهديّ بن أبي ذرّ النراقي ... و سمّيته أنيس المجتهدين».

و ذكره ولده الفاضل المولى أحمد النراقي في تأليفات والده، في رسالة كتبه في فهرس مؤلّفات والده و مؤلّفات نفسه‏ (1).

كما و ينقل، أو يستند إلى بعض الآراء و الأقوال، عنه في مؤلّفاته الاصوليّة، مثل أساس الأحكام و شرح تجريد الاصول و مناهج الأحكام.

و نسبه إليه المترجمون له‏ (2) قاطبة.

تأريخ تأليفه‏

كتب المؤلّف في إنهاء نسخة الكتاب بخطّه الشريف ما نصّه:

قد تمّ كتاب أنيس المجتهدين، و الحمد للّه على إتمامه. و قد فرغت عنه [كذا] في يوم الثامن من العشر الاول من الشهر الخامس من السنة السادسة من العشر التاسع من المائة الثانية من الألف الثاني من الهجرة النبويّة، على مهاجرها ألف صلاة و تحيّة. أسأل اللّه أن يقيل به بعض عثراتي، و يكتبه في صحائف حسناتي، و يجعله ممّا ينتفع به الأذكياء، و يوصل إليّ آخرة في دار الجزاء.

____________

(1). راجع عوائد الأيّام: 66، مقدّمة التحقيق.

(2). راجع: الذريعة إلى تصانيف الشيعة 2: 464، الرقم 1804؛ ريحانة الأدب 6: 165؛ تاريخ كاشان: 280؛ لباب الألقاب: 92.

16

فعلى ذلك فرغ المؤلّف من تأليفه يوم الثامن من شهر جمادى الأولى سنة 1186 من الهجرة النبويّة.

ماهيّته‏

قال (رحمه اللّه) في مقدّمة الكتاب:

إنّ علم الاصول ممّا لا يخفى علوّ رتبته و سموّ مرتبته ... و توقّف المباحث الشرعيّة عليه، و افتقار المسائل الفرعيّة إليه، و هو عمدة ما يحصل به الاجتهاد، و الوصول إليه دونه خرط القتاد.

و إنّي بعد ما سرّحت النظر في مراتع مسائله، و أجلت الفكر في ميادين دلائله ظفرت على فوائد جمّة خلت عنها كتب أكثر العلماء، و عثرت على قواعد مهمّة لم يأت بها أولوا الأيدي الأذكياء، فجمعتها في هذا الكتاب؛ تبصرة للأحباب و تذكرة لاولي الألباب، لعلّ اللّه ينفعني به يوم الحساب، إنّه هو الكريم الوهّاب.

و دأبي في هذا الكتاب تحقيق ما هو الحقّ من المسائل، و ذكر ما هو الأتمّ من الدلائل، و لا أتعرّض لذكر ما هو تطويل بلا طائل ... و كذا لا أتعرّض لنقض جميع أدلّة الخصوم. بل لما يستصعب على المفهوم، و اشير في كلّ أصل إلى مسألة فرعيّة تتفرّع عليه؛ ليحصل بذلك الوقوف على كيفيّة التفريع.

و قد رتّب الكتاب على مباحث ذوات أبواب، ذوات فصول. و أشار في ذيل كلّ أصل إلى مسألة أو مسائل فرعيّة تتفرّع عليه للوقوف على كيفيّة التفريع للفقيه.

فرتّب الكتاب على مباحث خمسة:

المبحث الأوّل في المقدّمات، و فيه ثلاثة أبواب، و مجموع فصولها خمسون.

المبحث الثاني في الأدلّة الشرعيّة: الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و الأدلّة العقليّة. في خمسة أبواب، و مجموع فصولها ثمانون.

المبحث الثالث في مشتركات الكتاب و السنّة، و فيه سبعة أبواب. و مجموع فصولها مائة و خمسة عشر.

17

المبحث الرابع في الاجتهاد و التقليد، و فيه بابان في سبعة عشر فصلا.

المبحث الخامس في التعادل و التراجيح، و فيه ثلاثة فصول.

عملنا في الكتاب‏

أ- نسخ الكتاب‏

1. نسخة مكتبة الحاج الشيخ محمّد، سلطان المتكلّمين في طهران.

2. نسخة مكتبة الحاج الشيخ علي أكبر النهاوندي في مشهد الرضا. سنة تحريرها 1205 ه.

3. نسخة مكتبة الشيخ عبد الحسين الحلّي في النجف الأشرف، التي حرّرت في زمان حياة المؤلّف.

4. نسخة مكتبة الحوزة العلميّة في قزوين.

5. نسخة مكتبة آية اللّه الحكيم رحمة اللّه عليه في النجف الأشرف.

6. نسخة مكتبة شاه چراغ في شيراز.

7. نسخة مكتبة مدرسة الآخوند الهمداني في همدان، بخطّ محمّد بن الحاج طالب طاهرآبادي، تلميذ المؤلّف، سنة 1192 ه.

8. نسخة مكتبة جامعة الإلهيّات في مشهد الرضا، حرّرت في سنة 1190 ه.

9. نسخة مكتبة المدرسة الفيضيّة في قم المقدّسة، بخطّ الميرزا مجد الدين بن أبي القاسم النراقي في سنة 1334 ه.

10. نسخة مكتبة المسجد الأعظم في قم المقدّسة.

11. نسخة مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف.

12. نسخة مكتبة آية اللّه الشهيد القاضي الطباطبائي في تبريز (1).

____________

(1). فهرست نسخه‏هاى خطى كتابخانه إمام صادق (عليه السلام) قزوين 1: 43؛ فهرست نسخه‏هاى خطى كتابخانه غرب- مدرسه آخوند همدان: 63- 64؛ فهرست نسخه‏هاى خطى كتابخانه مسجد أعظم قم: 37؛ شرح أحوال و آثار ملّا مهدى نراقى و ملّا أحمد نراقى: 93- 95.

18

13. نسخة مكتبة المرحوم آية اللّه المرعشي النجفي في قم المقدّسة، المرقّمة ب 4216 بخطّ طاهر الحسيني الأنجداني، سنة 1234 ه (؟) في سلطان‏آباد.

و وقع اختيارنا على النسختين التاليتين:

14. نسخة مكتبة المرحوم آية اللّه المرعشي النجفي في قم المقدّسة، المرقّمة ب 379.

حرّرت بيد علي نقي البزّاز، بأمر المؤلّف، في خامس شوّال سنة 1186. أشرنا إليها برمز «أ».

و هذه النسخة من أجود النسخ خطّا، و اعتمدنا عليها؛ لأنّها مصحّحة و في آخرها إشارة إلى مقابلتها مع نسخة المؤلّف:

و قد انتسخت من النسخة التي نسخت من نسخة الأصل بخطّ المصنّف، و قد كنت مأمورا بأمره العالي بانتساخه، و أنا أقلّ عبيد ربّ المشرقين، محمّد حسين بن علي نقي البزّاز الكاشاني.

و من مميّزات هذه النسخة أنّها قوبلت مع نسخة الأصل و أربع نسخ اخرى، و صحّحت مجدّدا بأمر المؤلّف، و بواسطة محمّد ابن الحاجّ طالب الطاهرآبادي، من تلاميذ المؤلّف.

و هذا نصّ عبارته:

و قد أمرني بمقابلة هذه النسخة و أربع نسخ اخرى مع نسخة الأصل التي كتبها بيده الكريمة.

و قد اتّفق الفراغ في سنة (1189) من الهجرة النبويّة المصطفويّة. و المرجوّ من ألطافه أن يدعو لي بصالح الدعاء، و ليتكثّر (1) لي ما عانيت في هذه المقابلة من الكدّ و العناء.

و كتب ذا الفقير إلى اللّه الهادي، محمّد بن الحاجّ طالب الطاهرآبادي في سنة (1189) هجريّة.

15. أيضا نسخة مكتبة المرحوم آية اللّه المرعشي النجفي في قم المقدّسة، المرقّمة ب 10256، و هذه النسخة فيها أغلاط كثيرة و سقط في العبارة، و أشرنا إليها برمز «ب»، و استفدنا منها في بعض الموارد.

____________

(1). كذا.

19

ب- تخريج الأحاديث‏

حاولنا تخريج الأحاديث التي أوردها المؤلّف- طاب ثراه- نصّا أو مضمونا عن طرق الخاصّة و العامّة من المصادر الأصليّة المشار إليها في المتن، كالكتب الأربعة و غيرها.

و خرّجنا أحاديث العامّة عن طرقهم التي ورد ذكرها في غير واحد من كتب الصحاح و السنن، و في بعض الموارد من كتبهم الفرعيّة.

ج- تخريج الأقوال‏

1. حاولنا تخريج الأقوال و الآراء الواردة في المتن تصريحا أو تلويحا، و إرجاعها إلى مصادرها، و بذلنا ما في وسعنا من الجهد لتخريج الأقوال من مصادرها الأصليّة.

و في الموارد التي أشار (رحمه اللّه) فيها إلى أقوال الفقهاء، أو نسب القول إلى الأكثر، ذكرنا لها أكثر من مصدر.

2. خرّجنا الإجماعات المنقولة، أو الشهرة المنقولة من كتب المتقدّمين.

3. خرّجنا الأقوال و الآراء التي لم يسمّ المؤلّف (رحمه اللّه) قائلها و اكتفى بالتعبير عنها بمثل:

نقل، قيل، بعض الأصحاب، بعض الاصوليّين، و غيرها.

د- تقويم النصّ و تنظيم الهوامش‏

1. اعتمدنا في التحقيق على النسختين اللتين مرّ وصفهما، و أشرنا إلى بعض الاختلافات التي تغيّر المعنى في الهامش.

2. ميّزنا نصّ الآيات الشريفة القرآنيّة، بوضعها ما بين القوسين المظهّرتين، هكذا: (...).

و ميّزنا نصّ الأحاديث بوضعها ما بين القوسين المتضايفين، هكذا: «...» و كذا نصّ الأقوال الواردة، و إن كان القول أكثر من سطر وضعناه مصفوفا على اليسار.

3. أمّا الإضافات التي أوردناها- لاستقامة العبارة، أو من المصادر- فقد وضعناها بين معقوفين، هكذا: [...].

و تعميما للفائدة ختمنا التحقيق باستخراج فهارس علميّة و فنّيّة شاملة، تتيح للقارئ الكريم الوصول إلى ما يريد بأقصر الطرق و أيسرها، يجدها القارئ مطبوعة في آخر الجزء الثاني من هذا الكتاب.

20

كلمة شكر

و يسّرنا هنا أن نتقدّم بجزيل الشكر و جميل الثناء إلى كافّة الإخوة الأعزّاء الذين ساهموا في تحقيق و إخراج هذا الكتاب الجليل، نخصّ منهم بالذكر:

الإخوة المحقّقين: فضيلة الشيخ نعمت اللّه جليلي، و الشيخ غلام رضا النقي، و الشيخ ولي اللّه القرباني، فإنّهم تولّوا معا تحقيق الكتاب، من مراجعة المصادر و تقويم النصّ و التقطيع، كما أنّ الشيخ جليلي تصدّى للمراجعة العلميّة لكلّ الكتاب، و الشيخ القرباني تصدّى ثانيا لمراجعة المصادر و تنظيم الهوامش.

و الأخوان إسماعيل بيك المندلاوي و طه النجفي في تصحيح التجارب المطبعيّة.

و الشيخ محسن النوروزي في المراجعة النهائيّة و إصلاح ما زاغ عنه البصر، و وضع الفهارس.

و الأخوان محمّد خازن و رمضان علي القرباني في تنضيد الحروف و تصحيحها، و تنظيم الصفحات و إخراجها على أحسن صورة.

و لا ننسى أن نتقدّم بالشكر الخالص إلى كلّ من أسدى خدمة في إنجاز هذا الكتاب و إخراجه إلى النور، خصوصا مسئولي مركز العلوم و الثقافة الإسلاميّة حيث أتاحوا لنا فرصة تحقيق هذا السفر القيّم. و الإخوة الأعزّاء في قسم النشر حيث بذلوا جهدهم لإخراج الكتاب بهذه الحلّة القشيبة.

نسأل اللّه تعالى لهم التوفيق في أعمالهم، و مضاعفة الأجر و الثواب منه تعالى، و عليه نتوكّل و به نثق و إيّاه نستعين.

علي أوسط الناطقي المشرف على مركز إحياء التراث الإسلامي 15 ربيع الثاني 1429 قم المقدّسة- ايران‏

21

صورة الصفحة الأولى من نسخة «أ»

22

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «أ»

23

صورة الصفحة الأولى من نسخة «ب»

24

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «ب»

25

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذي جعل علم الاصول وسيلة للصعود إلى مدارج حقائق المباحث الشرعيّة، و صيّره ذريعة للعروج إلى معارج دقائق المسائل الفقهيّة.

أحمده على ما ألهمنا من قواعد المعارف و العلوم الأصليّة، و وفّقنا للإرشاد إلى مسالك مدارك دروس الشرائع و الأحكام الفرعيّة.

و الصلاة و السلام على نبيّنا الذي مهّد القوانين و الضوابط الكلّيّة، و لم يدع شيئا من المطالب و المقاصد الجزئيّة. فصلوات اللّه عليه و على آله الذين قرّروا المعالم الدينيّة، و بيّنوا النواميس النبويّة.

أمّا بعد؛ فيقول الحقير في أنظار أرباب العقول، مهديّ بن أبي ذرّ النراقي- حشرهما اللّه مع آل الرسول-: إنّ علم الأصول ممّا لا يخفى علوّ رتبته، و سموّ مرتبته، و جلالة شأنه، و شرافة مكانه، و فخامة فائدته، و جسامة عائدته، و متانة دلائله، و رشاقة مسائله، و وثاقة مبانيه، و حلاوة معانيه، و توقّف المباحث الشرعيّة عليه، و افتقار المسائل الفرعيّة إليه، و هو عمدة ما يحصل به الاجتهاد، و الوصول إليه دونه خرط القتاد (1).

و إنّي بعد ما سرحت النظر في مراتع مسائله، و أجلت الفكر في ميادين دلائله، ظفرت على فوائد جمّة خلت عنها كتب أكثر العلماء، و عثرت على قواعد مهمّة لم يأت بها اولو الأيدي الأذكياء، فجمعتها في هذا الكتاب؛ تبصرة للأحباب، و تذكرة لاولي الألباب، لعلّ‏

____________

(1). مثل يضرب لبيان كون الأمر مشكلا جدّا، كما في المعجم الوسيط: 714، «ق ت د»: «يضرب للشي‏ء لا ينال إلّا بمشقّة عظيمة».

26

اللّه ينفعني به يوم الحساب، إنّه هو الكريم الوهّاب.

و دأبي في هذا الكتاب تحقيق ما هو الحقّ من المسائل، و ذكر ما هو الأتمّ من الدلائل، و لا أتعرّض لذكر ما هو تطويل بلا طائل، كما هو مذكور في بعض كتب‏ (1) اولي الفضائل؛ لأنّي لم أر في مثل ذلك مدحا، و لذلك طويت عنه كشحا.

و كذا لا أتعرّض لنقض جميع أدلّة الخصوم، بل لما يستصعب على الفهوم، و اشير في كلّ أصل إلى مسألة فرعيّة تتفرّع عليه؛ ليحصل بذلك الوقوف على كيفيّة التفريع، و سمّيته أنيس المجتهدين. و رتّبته على مباحث ذوات أبواب ذوات فصول.

____________

(1). في «ب»: «كتب بعض».

27

المبحث الأوّل في المقدّمات و فيه أبواب:

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الباب الأوّل في نبذ من أحواله‏

و فيه فصول:

الفصل الأوّل: في تعريفه‏

اعلم أنّ لفظ «اصول الفقه» لمّا كان مركّبا إضافيّا من «الاصول» و «الفقه»، و لكلّ واحد من جزءيه معنى لغوي و اصطلاحي، ثمّ صارا علما لعلم خاصّ؛ فحصل له تعريفان باعتبارين:

أحدهما: باعتبار التركيب. و تعريفه بهذا الاعتبار إنّما يحصل بتعريف كلّ واحد من جزءيه؛ لأنّ تعريف المركّب إنّما يحصل بتعريف أجزائه.

و ثانيهما: باعتبار العلميّة. و بهذا الاعتبار لا يلتفت إلى الأجزاء من حيث دلالتها على معانيها اللغويّة أو العرفيّة، بل يلتفت إليها من حيث إنّها صارت علما لعلم مخصوص، و لذا ترى الاصوليّين‏ (1) يعرّفون أوّلا كلّ واحد من لفظي: «الاصول» و «الفقه»؛ ليحصل التعريف بالاعتبار الأوّل. ثمّ يعرّفون علم الاصول باعتبار العلميّة.

و غير خفيّ أنّ ما هو من المبادئ إنّما تعريفه بالاعتبار الثاني لا الأوّل. نعم، فيه زيادة بصيرة، فنحن أيضا نقتدي بهم لذلك، فنقول في تعريفه بالاعتبار الأوّل:

الاصول لغة: ما يبنى عليه غيره‏ (2). و عرفا: عبارة عن الأدلّة؛ لابتناء المدلولات عليها.

____________

(1). راجع: المحصول 1: 78، و نهاية السؤل 1: 5 و 6، و معارج الاصول: 47.

(2). المصباح المنير: 16، «أ ص ل».

30

و الفقه لغة: الفهم‏ (1) و هو جودة الذهن من حيث استعداده لتحصيل المطالب، لا العلم على الأصحّ.

و اصطلاحا: قد عرّف بتعريفات كثيرة أكثرها لا يخلو من اختلال إمّا في العكس، أو الطرد.

و الصحيح منها هو: أنّه العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة.

و فائدة كلّ واحد من القيود الثلاثة ظاهرة.

و فائدة القيد الرابع إخراج علم اللّه و الملائكة و الأنبياء. و القيد الخامس لإخراج علم المقلّد؛ فإنّه ليس مكتسبا من الأدلّة التفصيليّة، بل من دليل إجمالي مطّرد في جميع ما يعلمه، و هو أنّ هذا ما أفتى به المفتي، و كلّ ما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّي؛ فهذا حكم اللّه في حقّي.

و أمّا خروج ما علم كونه من الدين ضرورة- كوجوب الصلاة و الزكاة و الصوم، و حرمة الخمر و الميتة- فيمكن بكلّ واحد من القيدين الأخيرين. فتأمّل.

و هذا التعريف للفقه إنّما هو بحسب اصطلاح المتشرّعة، و الفقيه على هذا هو من حصّل الأحكام بالنحو المذكور، و هو المعبّر عنه بالمجتهد.

و أمّا العرف العامّ، فقد يطلق الفقه على العلم بجملة من الأحكام و لو كان عن تقليد، و الفقيه- على هذا- من حصّل جملة من الأحكام و لو تقليدا.

فحينئذ لو أوصى أحد بمال للفقهاء فهل يحمل «الفقهاء» على المعنى الأوّل أو الثاني‏ (2)؟

الظاهر الثاني؛ لأنّ العرف العامّ مقدّم على الاصطلاح، كذا رجّح الشهيد الثاني‏ (3) و هو كذلك؛ لأنّ المعنى الاصطلاحي ليس من اصطلاح (الشرع، بل من اصطلاح) (4) المتشرّعة، و كذا الحكم في الأوقاف، و الأيمان، و النذور، و التعليقات.

____________

(1). الصحاح 4: 2243، و النهاية في غريب الحديث و الأثر 3: 465، «ف ق ه».

(2). في «ب»: «الأوّل فقط، أو عليه و على الثاني».

(3). تمهيد القواعد: 34، ذيل القاعدة 1.

(4). ما بين القوسين لم يرد في «ب».

31

ثمّ إنّه أورد على التعريف المذكور إيرادان‏ (1):

أحدهما: أنّ «الأحكام» جمع معرّف باللام و هو يفيد العموم، فيلزم منه أن لا يصدق «المجتهد» إلّا على من كان عالما بجميع الأحكام، و هذا لا يتمّ في حقّ أكثر المجتهدين، بل جميعهم.

و أصحّ الأجوبة عنه أنّ المراد بالعلم بالأحكام هو التهيّؤ القريب له، و إطلاق العلم عليه شائع، سيّما في مباحث الفقه.

و لدفع هذا الإيراد زاد بعضهم في التعريف «فعلا أو قوّة قريبة» (2).

و الحقّ عدم الاحتياج إليه؛ لما ذكر (3).

و ثانيهما: أنّ الفقه غالبا من باب الظنّ؛ لابتنائه على أخبار الآحاد، و الإجماعات المنقولة، و الأدلّة الاصوليّة المفيدة للظنّ، فكيف اطلق عليه العلم؟!

و أصحّ الأجوبة عنه أنّ المراد بالعلم معناه الأعمّ، و هو ترجيح أحد الطرفين و إن لم يمنع من النقيض، و هذا الإطلاق في المباحث الفقهيّة شائع.

فائدة

اعلم أنّ الاصوليّين أجمعوا على جواز العمل بظنّ المجتهد في نفس الأحكام و موضوعاتها، و بعض الأخباريّين على عدم جواز العمل به في الأوّل دون الثاني‏ (4)، و بعضهم عليه مطلقا (5).

و استدلّ الأخباريّون بالعمومات و الإطلاقات الدالّة على المنع من الظنّ‏ (6).

ثمّ إنّهم لمّا قالوا بعدم جواز العمل بالظنّ اضطرّوا إلى القول بوجوب تحصيل اليقين في‏

____________

(1 و 2). راجع تمهيد القواعد: 33، القاعدة 1.

(3). أي التهيّؤ القريب له.

(4). منهم الاسترآبادي في الفوائد المدنيّة: 181.

(5). لم نقف عليه من الأخباريّين. و نسبه البهبهاني إلى غير الأخباريّين في الفوائد الحائريّة: 117، الفائدة 6.

(6). هي الآيات العامّة أو المطلقة الناهية عن العمل بالظنّ: منها قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً، النجم (53): 28؛ و منها الآية 36 من الإسراء (17). راجع الفوائد المدنيّة: 185 و 186.

32

الأحكام الشرعيّة (1)؛ فأعرضوا عن الأدلّة الاصوليّة لظنّيّتها، و لم يمكن لهم إنكار حجّيّة أخبار الآحاد؛ لانسداد باب الفقه حينئذ؛ فقالوا: إنّها تفيد العلم‏ (2).

و بما ذكرنا ظهر أنّ مناط الفرق بين المجتهد و الأخباريّ أنّ الأوّل يجوّز العمل بالظنّ في الأحكام، بخلاف الثاني؛ فإنّه يشترط اليقين.

و لا يخفى أنّ حقّيّة مذهب المجتهدين في غاية الظهور؛ فإنّ الإجماع منعقد على جواز العمل بظنّ المجتهد، كما ادّعاه جمع كثير (3). و ليس هذا الإجماع من الشيعة فقط، بل من جميع المسلمين، فخلاف طائفة قليلة من الأخباريّين لا اعتداد به، سيّما مع كونهم من المتأخّرين؛ لأنّ هذا الخلاف نشأ منهم.

و الجواب عمّا استدلّوا به: أنّ الحكم المستنبط من اجتهاد المجتهد ليس من باب الظنون، بل الظنّ في طريقه. و أمّا نفس الحكم فهو معلوم؛ لكونه حكم اللّه يقينا في حقّه، فإذا غلب على ظنّ المجتهد حكم شرعيّ بطريق شرعي، يحصل عنده قياس يقينيّ منتج لمطلوبه، و هو أنّ هذا الحكم مظنون الثبوت عندي بالطريق الشرعيّ، و كلّ مظنون الثبوت عندي بالطريق الشرعيّ حكم اللّه يقينا في حقّي، ينتج، هذا حكم اللّه يقينا في حقّي.

و الصغرى يقينيّة وجدانيّة، و الكبرى ثابتة بالإجماع، فالحكم المستنبط من الاجتهاد و إن لم يكن معلوما يقينا أنّه حكم اللّه الواقعيّ، إلّا أنّه يعلم أنّه حكم اللّه في حقّ المجتهد يقينا، فهو خارج عن باب الظنون الممنوع عنها؛ لأنّ المراد منها الظنون التي لم يكن العمل بها واجبا في حقّ الظانّ. و المخرج هو الإجماع.

ثمّ إنّك إن تأمّلت في حديث الإجماع، فاستمع حتّى يثبت لك المطلوب بطريق برهاني قطعيّ لا ينكر عليه.

فنقول: أدلّة الفقه منحصرة بالكتاب، و الأخبار، و الأدلّة العقليّة الاصوليّة.

و الأدلّة العقليّة، كالاستصحاب، و أصل العدم، و القياس و غيرها لا تفيد إلّا الظنّ، و كذا

____________

(1). الفوائد المدنيّة: 104.

(2). المصدر: 144- 145.

(3). منهم ابن الحاجب في منتهى الوصول: 220، و عضد الدين في مختصر المنتهى: 481، و الشيخ حسن في معالم الدين: 239.

33

أكثر الإجماعات. و القطعيّة منها قليلة، مع أنّ الأخباريّين قالوا بعدم حجّيّة هذه الأدلّة جميعا.

و الكتاب و إن كان قطعيّ المتن إلّا أنّه ظنّي الدلالة.

و الأخبار متواترها قليلة جدّا، حتّى اعترف بعض بعدم وجودها في أخبارنا رأسا (1).

و آحادها لا تفيد إلّا الظنّ؛ لأنّها ظنّيّة السند، بل أكثرها ظنّي الدلالة أيضا، و قد وقع فيها تحريفات و تصحيفات و تقطيعات، و خرج كثير منها مخرج التقيّة، مع أنّه قد كثر عليهم (عليهم السلام) الكذّابة.

و ورد في الاحتجاج أنّ من أسباب اختلاف الأحاديث افتراء أهل الكذب عليهم‏ (2).

و ورد النصّ الصحيح بأنّ المغيرة بن سعيد يدسّ‏ (3) في كتب أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) أحاديث لم يرووها (4)، و كذا أبو الخطّاب‏ (5).

و مع ذلك أخبارنا متعارضة، و لا بدّ لنا من الجمع أو الترجيح و هما موقوفان على الظنون الاجتهاديّة. و الترجيح بالمرجّحات المنصوصة- كما هو دأب الأخباريّين- أيضا ظنّي؛ لأنّها أخبار آحاد، مع أنّها أيضا متعارضة؛ فإنّ بعضها يدلّ على وجوب أخذ الأوفق بالقرآن أوّلا (6)، و بعضها يدلّ على وجوب أخذ المخالف لمذهب العامّة أوّلا (7)، و بعضها على وجوب أخذ الأصحّ سندا أوّلا (8)، و بعضها على وجوب أخذ المجمع عليه أوّلا (9).

و كذا وقع التعارض فيها في وجوب الأخذ ثانيا و ثالثا و رابعا، فهذه المرجّحات المنصوصة أيضا محتاجة في الترجيح إلى الظنون الاجتهاديّة.

فظهر أنّ جميع أدلّة الفقه- إلّا قليلها- لا يفيد إلّا الظنّ، فلو لم يعمل بالظنّ يلزم انسداد باب الفقه مع كون التكليف باقيا، و هذا محال.

____________

(1). قاله كاشف الغطاء في كشف الغطاء 1: 218.

(2). الاحتجاج 1: 626، ح 146، و الفوائد الحائريّة: 123، الفائدة 6.

(3). في هامش «أ»: «يقال: دسّه دسّا: إذا أدخله في شي‏ء بقهر و غلبة و عنف و مكر، و الدسيس: إخفاء المكر». راجع لسان العرب 6: 82، «د س س».

(4 و 5). راجع اختيار معرفة الرجال: 223، ح 401.

(6 و 7). راجع وسائل الشيعة 27: 118، أبواب صفات القاضي، الباب 9، ح 29 و 31.

(8). راجع الكافي 1: 67 و 68، باب اختلاف الحديث، ح 10.

(9). راجع عوالي اللآلئ 4: 133، ح 229.

34

هذا؛ و أمّا تعريف أصول الفقه بالاعتبار الثاني أي العلميّة: فالعلم بالقواعد التي يتوصّل بها إلى استنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة.

الفصل الثاني: في موضوعه‏

اعلم أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، أو عن العوارض الذاتيّة لنوعه، أو لعوارضه الذاتيّة.

و بالترديدين يندفع ما أورد على القوم- حيث سامحوا، و خصّصوا البحث عن عوارضه الذاتيّة فقط- بأنّه يجب على هذا أن يكون جميع موضوعات المسائل موضوع العلم، و ليس كذلك؛ فإنّ أكثر موضوعاتها إمّا أنواعه، أو أعراضه الذاتيّة.

و وجه الاندفاع أنّ هذا مسامحة منهم، و مقصودهم ما ذكرناه، و لذا صرّح به بعض القدماء كالشيخ الرئيس‏ (1) و غيره.

و العرض الذاتي: ما يلحق الشي‏ء لذاته، كالتعجّب للناطق.

أو لجزئه المساوي، كالتعجّب للإنسان.

أو لجزئه الأعمّ- على رأي المتأخّرين‏ (2)- كالتحرّك بالإرادة للإنسان. و هذا القسم لم يعدّه القدماء من الأعراض الذاتيّة، بل الغريبة. و تصفّح مسائل العلوم يؤيّد قول المتأخّرين، مثلا أهل الهيئة يبحثون عن الحركة مع أنّ عروضها للفلك بواسطة الجسم الذي هو جزؤه الأعمّ.

أو لعرض يساوي ذاته، كالضحك للإنسان.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ موضوع علم الاصول هو الأدلّة الشرعيّة؛ لأنّه يبحث فيه:

إمّا عن العوارض الذاتيّة لأنفسها، كما يقال: الكتاب حجّة، أو السنّة حجّة، أو الإجماع حجّة.

____________

(1). راجع الشفاء (المنطق، كتاب البرهان، المقالة الثانية من الفنّ الخامس، الفصل الثاني في المحمولات الذاتيّة)، 3:

125 و ما بعدها.

(2). راجع نهاية الوصول إلى علم الأصول 1: 67.

35

أو عن العوارض الذاتيّة لأنواعها، كما يقال: المحكم من الكتاب كذا، و الناسخ منه كذا، و أخبار الآحاد حجّة، و العامّ كذا، و الخاصّ كذا، و المطلق أو المقيّد أو المجمل أو المبيّن كذا، و الإجماع المنقول كذا.

أو عن العوارض الذاتيّة لعوارضها الذاتيّة، كما يقال: العموم كذا، و الخصوص كذا؛ فإنّهما من العوارض الذاتيّة للأدلّة الشرعيّة، فالبحث عن حالهما بحث عن العوارض الذاتيّة للعوارض الذاتيّة للأدلّة الشرعيّة.

و أمّا البحث عن التراجيح و الاجتهاد، فهو بحث عن العوارض الذاتيّة لذات الموضوع أو أنواعه؛ لأنّهما لمّا كانا معتبرين بالقياس إلى الأدلّة، فهما من عوارضها، أو عوارض أنواعها، بل بعض مسائلهما يكون البحث فيها عن عوارض العوارض أيضا، كما لا يخفى.

ثمّ مسائل كلّ علم لمّا كانت هي المطالب المثبتة فيه- أعني المجموع المركّب من الموضوع و المحمول- فقولنا: الإجماع حجّة، و الأمر يقتضي الوجوب، و أمثالهما من مسائل علم الاصول.

الفصل الثالث: في مرتبته و فائدته و معرفته‏

أمّا مرتبته، فبعد الكلام، و العربيّة، و المنطق، و وجهه معلوم.

و أمّا فائدته، فاستنباط الأحكام الشرعيّة، و هي سبب الفوز بالسعادات.

و أمّا معرفته، فكفائيّة على الأصحّ، و السرّ معلوم.

36

الباب الثاني في المبادئ اللغويّة

و فيه فصول:

فصل [1] اعلم أنّ المبادئ على قسمين‏

: تصوّريّة، و تصديقيّة.

و الاولى: تصوّر أشياء يتوقّف الشروع مع البصيرة عليه، فالمبادئ التصوّريّة لعلم الاصول حدّه، و حدّ موضوعه و أجزائه و جزئيّاته و أعراضه الذاتيّة، و تصوّر غايته و مرتبته.

و قد أشرنا إلى بعضها (1)، و سنشير إلى بواقيها في مواضع تليق بها.

و من جملة المبادئ التصوّريّة لهذا العلم تصوّر الأحكام الخمسة مع ما يتعلّق بها؛ لأنّ الناظر فيه ينظر في أدلّتها، و مقصوده إثباتها و نفيها، فلا بدّ أن يكون متصوّرا لها. و هذا ما يعبّر عنه ب «المبادئ الأحكاميّة». و نذكرها في الباب الآتي‏ (2) إن شاء اللّه.

و الثانية: مقدّمات يتوقّف الاستدلال في هذا العلم عليها. و هي قد تكون بديهيّة، و قد تكون نظريّة مثبتة في علم آخر. فالمبادئ التصديقيّة لهذا العلم طائفة من مسائل: الكلام، و العربيّة، و المنطق. و وجه توقّفه عليها ظاهر.

و قد جرت عادة القوم بذكر بعض مسائل اللغة هنا؛ لشدّة الاحتياج في هذا العلم إليها،

____________

(1). مرّ تعريفه في الفصل الأوّل ص 29، و تعريف موضوعه و ما يرتبط به في الفصل الثاني ص 34، و بيان مرتبته و فائدته و معرفته في الفصل الثالث ص 35.

(2). يأتي في الباب الثالث: 95.

37

و تفريع بعض الفروع عليها، و هو الذي يعبّر عنه ب «المبادئ اللغويّة». و نذكرها في هذا الباب إن شاء اللّه.

فصل [2] اللغة: كلّ لفظ وضع لمعنى.

و الحقّ أنّه ليس بين اللفظ و المعنى مناسبة ذاتيّة- كما ذهب إليه عبّاد بن سليمان الصيمري‏ (1)، و أهل التكسير (2)، و بعض المعتزلة (3)- و إلّا كان كلّ أحد عالما بكلّ لغة، و لم يوضع لفظ واحد للنقيضين و الضدّين، كالقرء للطهر و الحيض، و الجون للأسود و الأبيض.

و استدلّ المخالف: بأنّه لو لم يكن بين اللفظ و المعنى مناسبة طبيعيّة لكان تخصيص هذا اللفظ بهذا المعنى ترجيحا بلا مرجّح‏ (4).

و الجواب: أنّ المرجّح هو سبق المعنى إلى ذهن الواضع.

و هذا الجواب على ما نختاره- من أنّ اللغات اصطلاحيّة و واضعها البشر- صحيح.

و على مذهب التوقيف فالجواب أنّ المرجّح هو إرادة الواضع المختار. و هذا الجواب يتأتّى على ما اخترناه أيضا.

فصل [3] اختلف العلماء في أنّ اللغات توقيفيّة أو اصطلاحيّة؟

فذهب بعضهم إلى أنّها توقيفيّة (5)، أي وضعها اللّه تعالى، و وقّفنا عليه بالوحي إلى الأنبياء، أو بخلق أصوات تدلّ عليه، و أسمعها واحدا أو جماعة، أو بخلق علم ضروريّ بها.

و ذهب بعضهم إلى أنّها اصطلاحيّة (6)، يعني أنّ واضعها البشر واحدا أو جماعة ثمّ حصل‏

____________

(1). حكاه عنه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1: 109.

(2). أي أرباب علم التكسير.

(3 و 4). راجع الإحكام في أصول الأحكام 1: 109.

(5). منهم: ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام 1: 32، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1: 111.

(6). نسبه الفخر الرازي إلى أبي هاشم في المحصول 1: 182.

38

التعريف باعتبار الإشارة، و التكرار، و الترديد بالقرائن، كما في الأطفال يتعلّمون اللغات.

و ذهب بعض إلى أنّ القدر المحتاج إليه في معرفة الاصطلاح توقيفيّ و الباقي اصطلاحيّ‏ (1).

و ذهب جمع إلى التوقّف‏ (2).

و الحقّ المذهب الثاني؛ لأنّا نعلم بالبداهة أنّ كثيرا من اللغات حدثت من الناس في وقت لم يكن بينهم نبيّ، و لم يدّع أحد استماع صوت، و لا علما ضروريّا بأنّ هذا موضوع لذاك.

نعم، يمكن القول بإلهام بعض الناس بأن يضع‏ (3) هذا اللفظ لهذا المعنى، لا بأنّ هذا اللفظ وضعه اللّه لهذا المعنى؛ لأنّه لم يدّع أحد ذلك، و لو كان الأمر كذلك لسمع أو نقل ادّعاؤه من أحد.

و بالجملة، هذا خلاف المعتاد، و نحن نرى أنّ لغة واحدة تتغيّر بحيث تخرج عن الوضع الأوّل، كما هو ظاهر من لغة العرب و الفرس، و هذا التغيير و التبديل لا شكّ في استناده إلى البشر. و بالجملة، استناد وضع اللغات إلى البشر أمر يدلّ عليه الوجدان، و يقتضيه المشاهدة و العيان.

و استدلّ على هذا المذهب أيضا بقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ‏ (4).

و وجه الاستدلال به: أنّه دلّ على أنّ لكلّ قوم لغة سابقة على إرسال الرسول إليهم.

و التوقيف يقتضي كون اللغات مسبوقة بإرسال الرسل‏ (5).

و أجيب عنه: بمنع استلزم التوقيف مسبوقيّة اللغات بالإرسال؛ فإنّ اللّه علّم آدم اللغات- كما تدلّ عليه آية التعليم‏ (6)- و عرّفها آدم لذرّيّته، و لمّا جاء كلّ رسول إلى قومه، كان لهم‏

____________

(1). نسبه الآمدي إلى الإسفرايني في الإحكام في أصول الأحكام 1: 111.

(2). نسبه الفخر الرازي إلى جمهور المحقّقين في المحصول 1: 182 و هو مختاره أيضا في ص 192.

(3). في «أ»: «يوضع».

(4). إبراهيم (14): 4.

(5). نسبه الفخر الرازي إلى أبي هاشم و أتباعه في المحصول 1: 187- 188.

(6). البقرة (2): 31.

39

لغة، و أمّا آدم فلم يكن له قوم حتّى يدخل في عموم الآية (1).

و أنت ستعلم اندفاع هذا الجواب بعد ما نردّ استدلال أهل التوقيف بآية التعليم.

هذا؛ و استدلّ أهل التوقيف على مذهبهم بآيتين: آية تعليم الأسماء (2)، و قوله تعالى:

وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ‏ (3).

و وجه الاستدلال بالآية الاولى ظاهر.

و الجواب عنها: أنّ المراد بالأسماء حقائق الأشياء بدليل الضمير (4)، أو المراد منها أسماء اللّه الحسنى.

و يمكن أن يقال: المراد بالتعليم إلهام آدم و إقداره على وضع الألفاظ بإزاء المعاني.

و وجه الاستدلال بالآية الثانية أنّه لا يمكن أن يراد من «الألسنة» معناها الحقيقي- أعني العضويّ المخصوص- إذ ليس فيه كثير اختلاف، فلا بدّ أن يراد منها معناها المجازي، و هو اللغات، فيكون المعنى: و من آياته خلق اللغات المختلفة و توقيف الناس عليها.

و الجواب عنه: أنّه إذا تعيّن الحمل على المجاز، يمكن أن يراد مجاز آخر، و هو أن يراد بخلق الألسنة إقدار الناس على وضع اللغات، و ليس إرادة أحد المجازين أولى من إرادة الآخر.

و بما ذكرنا ظهر بطلان المذهبين الآخرين.

إذا علمت الحقّ في هذه القاعدة، فاعلم أنّه يتفرّع عليها فروع.

منها: المسألة المعروفة ب «مسألة مهر السرّ و العلانية» و هي ما إذا تزوّج رجل امرأة بألف درهم، و اصطلحا على تسمية الألفين بالألف‏ (5).

و كيفيّة التفريع أنّه بناء على التوقيف يلزم الألف، و لا مدخليّة للاصطلاح.

____________

(1). راجع المحصول 1: 192.

(2). و هي قوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ...، البقرة (2): 31.

(3). حكاه عنهم الفخر الرازي في المحصول 1: 184 و 185. و الآية 22 من سورة الروم (30).

(4). و المراد به ضمير الجمع المذكّر في‏ عَرَضَهُمْ. و الأولى الاستدلال بقوله تعالى: بِأَسْماءِ هؤُلاءِ.

(5). كذا في النسختين. و لكن في التمهيد للإسنوي: 138، و تمهيد القواعد: 82، القاعدة 18: «تسمية الألف بألفين» و هو الصحيح.

40

و على المذهب الحقّ تصير المسألة خلافيّة، بناء على أنّ المناط هل الاصطلاح اللغوي السابق، أو الاصطلاح الحادث؟

و الحقّ: أنّه إن اعتبر اللفظ و القصد معا في العقود يكون العقد باطلا، و إن لم يعتبر القصد فالمناط الاصطلاح السابق، و لا يقاومه الاصطلاح الطارئ، فيلزم الألف.

و كذا الحال في كلّ عقد اصطلاح المتبايعان أو أحدهما على تسمية العوضين أو أحدهما بغير اسمه المعروف، بل يمكن التأتّي في غير العقود أيضا. و كيفيّة التفريع في الجميع على ما ذكرنا.

فصل [4] اعلم أنّ طريق معرفة اللغات إمّا النقل المحض و هو إمّا متواتر، أو آحاد

و مثالهما ظاهر.

و إمّا المركّب من النقل و العقل، كما إذا حصل لنا مقدّمتان نقليّتان، أو إحداهما نقليّة و الاخرى عقليّة، فرتّبهما العقل و حصّل منهما نتيجة دالّة على وضع لفظ لمعنى. مثلا ثبت بالنقل أنّ الجمع المعرّف باللام يصحّ منه الاستثناء، و ثبت أيضا أنّ الاستثناء إخراج أمر لو لا الاستثناء لدخل هذا الأمر في المستثنى منه، فيعلم منه أنّ الجمع المعرّف شامل له و لغيره، و هو معنى الاستغراق؛ فيثبت من هذا أنّ الجمع المعرّف باللام موضوع للاستغراق. و طريق الإثبات من النقل و العقل.

و ذهب بعض العامّة إلى جواز إثبات اللغات بالقياس‏ (1) بأن يسمّى شي‏ء باسم إلحاقا له بشي‏ء مسمّى بذلك الاسم لمعنى يدور معه وجودا و عدما بسبب وجود هذا المعنى في الشي‏ء الأوّل، كما قالوا: تسمية ماء العنب بالخمر دائرة مع التخمير، فقبله لا يسمّى خمرا و معه يسمّى خمرا، فيعلم منه أنّ علّة التسمية بالخمر وجود التخمير، فكلّ شي‏ء وجد فيه التخمير يسمّى خمرا، كالنبيذ و غيره من المسكرات. و كذا تسمية النبّاش بالسارق؛ للأخذ بالخفية، و اللائط بالزاني؛ للإيلاج المحرّم.

____________

(1). قاله الفخر الرازي و نسبه أيضا إلى ابن سريج و غيره في المحصول 5: 339.

41

و الجواب: أنّ علّة التسمية ليست التخمير فقط، بل هو مع المحلّ الخاصّ، أعني ماء العنب، و في النبيذ مثلا وجد أحدهما فقط.

و إذا عرفت هذا، تعلم أنّه يتفرّع عليه عدم إجراء جميع أحكام أشياء معيّنة مسمّاة بأسماء خاصّة على أشياء أخر سمّيت بأسماء الأشياء الاول بسبب الدوران، كإجراء أحكام الخمر على جميع المسكرات، اللهمّ إلّا في بعض ثبت بدليل من خارج.

فائدة

ذهب بعض النحاة إلى أنّ الألفاظ بأسرها موضوعة للحقائق الخارجيّة (1).

و هذا القول لا خفاء في بطلانه؛ لأنّ بعض الألفاظ موضوع للمعدومات الممكنة و الممتنعة.

و ذهب جمع إلى أنّها بأسرها موضوعة للمعاني الذهنيّة (2).

و استدلّوا: بدوران الألفاظ معها وجودا و عدما؛ فإنّ من رأى شبحا من بعيد و ظنّه إنسانا يسمّي به، ثمّ إذا تغيّر ظنّه الأوّل و ظنّه حجرا يسمّي به‏ (3)، و هكذا.

و الحقّ، أنّ هذا الدليل غير تامّ؛ لأنّه يجوز أن يكون لفظا: الإنسان و الحجر موضوعين للإنسان و الحجر الخارجيّين، إلّا أنّ الرائي لمّا ظنّ الشبح المرئيّ إنسانا خارجيّا، أو حجرا خارجيّا سمّاه بأنّه ما وضع له.

ذهب بعض المتأخّرين إلى أنّ الألفاظ موضوعة للماهيّة من حيث هي مع قطع النظر عن كونها موجودة في الخارج أو الذهن‏ (4).

و هذا المذهب عندي أقرب إلى التحقيق؛ فإنّ من يضع لفظا بإزاء شي‏ء قد يلاحظ الشي‏ء الخارجيّ و يضع لفظا بإزائه، و قد يلاحظ ما في ذهنه و لا يلتفت إلى الخارج و يضع‏

____________

(1). راجع: المحصول و هامشه 1: 200، و نهاية السؤل 2: 16.

(2). منهم: الفخر الرازي في المحصول 1: 200، و البيضاوي في منهاج الاصول المطبوع مع نهاية السؤل 2: 11، و العلّامة في تهذيب الوصول: 63.

(3). راجع المحصول 1: 200.

(4). منهم: الأسنوي في نهاية السؤل 2: 16، و ملّا ميرزا جان كما في هامش شرح تجريد الاصول 1: 101 (مخطوط)، و هو مذهب سلطان العلماء.

42

لفظا بإزائه فيعلم منه أنّ منظوره الماهيّة من حيث هي، و لا دخل للخارج و الذهن لذلك.

و على أيّ تقدير، لا كلام في أنّ الألفاظ لم توضع للأشباح المثاليّة، كالصور المرتسمة على الجدار و الماء و المرآة، بل إطلاقها عليها على المجاز.

و يتفرّع على هذا جواز النظر إلى صور النساء الأجنبيّة المرتسمة في الماء و المرآة و الجدار، و عدم الحنث بالنظر إلى شبح زيد- مثلا- في الماء أو المرآة إذا أقسم أن لا ينظر إليه. و كذا الحكم في النذور و العهود و التعليقات.

فصل [5] الكلام يطلق على ما يتلفّظ به حقيقة

، و على النفسي مجازا. و هذا ظاهر من اللغة (1) و العرف.

و كذا الحكم في «الكلمة» و «القول» و «الذكر».

و إذا كان الأمر هكذا، فكلّ حكم علّق على أحد المذكورات نفيا أو إثباتا، فتحقّقه موقوف على تحقّقه كذلك. و الأمثلة ظاهرة.

قاعدة لا يشترط في الكلام أن يكون صادرا من متكلّم واحد

، و هذا لا خلاف فيه، و دليله ظاهر، فلو توافق شخصان على أن يقول أحدهما: «زيد» و الآخر: «قائم» يكون كلاما.

و يتفرّع عليها أنّه إذا وكّل رجل شخصين في إعتاق عبده، أو بيع متاعه، فقال أحدهما:

«أعتقت» أو «بعت»، و قال الآخر: «هذا» كان هذا العتق و البيع صحيحين.

و يلزم من هذه القاعدة أنّه لو قال رجل لآخر: «لي عليك ألف»، فقال المدّعى عليه:

«إلّا عشرة»، يثبت الإقرار بباقي الألف.

و رجّح في التمهيد (2) عدم الثبوت؛ لأنّ المدّعى عليه نفى بعض الألف، و نفي بعض الشي‏ء لا يستلزم ثبوت الباقي و فيه تأمّل.

____________

(1). المعجم الوسيط: 796، «ك ل م»: «الكلام في أصل اللغة: الأصوات المفيدة».

(2). تمهيد القواعد: 330، ذيل القاعدة 101.

43

و كذا لا يشترط في الكلام أن يكون المتكلّم قاصدا للكلام، فاهما له، و هذا أيضا ظاهر.

و يتفرّع عليه وجوب سجود التلاوة عند قراءة الساهي أو النائم آية السجدة.

ضابطة يجب حمل الألفاظ على المعاني المتعارفة المتبادرة المعتادة

؛ لأنّ الفهم العرفي حجّة.

و يدلّ عليه- مضافا إلى الإجماع- قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ‏ (1).

و يتفرّع عليها فروع كثيرة، كعدم نقض الوضوء بالخارج من غير السبيلين إذا لم يصر معتادا؛ لأنّ الأخبار دلّت على نقض الوضوء بالخارج من السبيلين و الطرفين‏ (2)، و المتعارف منهما الموضعان المعتادان، فلا ينقض بالخارج من غيرهما، إلّا إذا اعتيد و انسدّ الطبيعيّان؛ فإنّ النقض حينئذ إجماعي.

و كذا يتفرّع عليها جواز استعمال الأشياء المعمولة من الذهب و الفضّة إذا لم تكن من الأواني المتعارفة.

فصل [6] لا شبهة في وقوع المترادف في اللغات‏

، و إنّما الخلاف في جواز وقوع كلّ من المترادفين مقام الآخر.

فذهب بعضهم إلى الجواز مطلقا (3). و بعضهم إلى المنع مطلقا (4). و بعضهم إلى الجواز في لغة واحدة، و المنع من لغات مختلفة (5).

و الحقّ: أنّ النزاع إن كان في جواز وقوع أحد المترادفين مقام الآخر في جميع الموادّ، فلا يمكن الحكم بالجواز مطلقا إلّا فيما ثبت بدليل من خارج؛ لأنّه يجوز أن يحصل التعبّد

____________

(1). إبراهيم (14): 4.

(2). راجع الكافي 3: 35، باب ما ينقض الوضوء و ما لا ينقضه.

(3). منهم ابن الحاجب في منتهى الوصول: 14.

(4). منهم الفخر الرازي في المحصول 1: 257.

(5). منهم البيضاوي في منهاج الاصول المطبوع مع نهاية السؤل 1: 157.

44

بأحدهما في بعض العبادات، أو الإيقاعات، أو العقود دون الآخر.

و إن كان النزاع فيه في إفادة أصل المعنى فقط، أو في مادّة منوطة به فقط، فلا شبهة في الجواز مطلقا، و لا مانع منه عقلا و شرعا و لغة؛ لأنّ المقصود إذا كان إفادة المعنى- و هو يحصل بكلّ واحد من اللفظين- فأيّ مانع من وقوع أحدهما مقام الآخر؟

و القول بأنّهما إذا كانا من لغتين فلا يجوز؛ للزوم اختلاط اللغات، و لأنّ أحدهما بالقياس إلى لغة الآخر مهمل، فلا يفيد ما أفاده‏ (1).

يرد عليه أنّ الاختلاط ليس فيه مفسدة؛ لأنّ المدلول واحد، و أهل لغة إذا كانوا عارفين بلغة اخرى، فلا تكون تلك اللغة مهملة عندهم.

و يتفرّع عليه جواز رواية الحديث بالمعنى المتعارف؛ لأنّ المقصود من ألفاظ الحديث إفادة أصل المعنى فقط، مع أنّ الجواز عندنا منصوص‏ (2).

و يتفرّع عليه أيضا عدم انعقاد العقود بالصيغ غير العربيّة؛ لإمكان حصول التعبّد بالعربيّة فقط، و إن أمكن أن يقال: انعقاد العقود منوط بما يفيد أصل معنى العقد فقط، و حينئذ يتّجه الانعقاد. فتأمّل.

فصل [7] المشترك: لفظ وضع لمعان متعدّدة

، و لا شبهة في وقوعه، كالقرء للطهر و الحيض، و العين لمعانيها المعروفة، و وقع في القرآن أيضا ك ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (3) و عَسْعَسَ‏ ك «أقبل» و «أدبر» (4).

و خلاف جماعة في الموضعين‏ (5) شاذّ؛ و دليلهم غير ملتفت إليه.

ثمّ إنّ القوم اختلفوا في جواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد و عدمه.

____________

(1). هذا القول و التعليل للبيضاوي في المصدر.

(2). الكافي 1: 51، باب رواية الكتب و الحديث، ح 2 و 3.

(3). البقرة (2): 228.

(4). المصباح المنير: 409، «ع س س». و الآية في سورة التكوير (81): 17.

(5). نسبه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1: 42، و ابن الحاجب إلى المحقّقين في منتهى الوصول: 18.

45

فجوّزه بعض مطلقا (1). و منعه بعض آخر كذلك‏ (2). و ذهب بعض إلى المنع في المفرد و الجواز في التثنية و الجمع‏ (3). و بعض آخر إلى الجواز في النفي دون الإثبات‏ (4).

ثمّ المانعون اتّفقوا على أنّه عند عدم القرينة لا يحمل على شي‏ء من معانيه، بل يجب التوقّف حينئذ؛ لكونه مجملا.

و المجوّزون بين قائل بأنّه إذا عدم القرينة يجب التوقّف، و عند وجودها يحمل على ما يدلّ عليه القرينة، لكن إن دلّت القرينة على واحد يكون الاستعمال فيه حقيقة، و إن دلّت على متعدّد يكون الاستعمال فيه مجازا.

و قائل بأن المشترك عند عدم القرينة ظاهر في جميع معانيه، فيجب الحمل عليه.

و قائل بأنّه عند عدم القرينة مجمل يجب فيه التوقّف، و عند القرينة يحمل على ما يقتضيه القرينة، و يكون الاستعمال حقيقة و إن كان ما يدلّ عليه القرينة متعدّدا (5).

و هذا هو الحقّ، و تنقيحه موقوف على بيان امور:

[الأمر] الأوّل: إنّما الخلاف في استعمال المشترك في المعاني التي كان الجمع بينها ممكنا، كالقرء في قولنا: «القرء من صفات النساء». و أمّا إذا لم يمكن الجمع بينها، كاستعمال الأمر في الوجوب و التهديد (6)، فلا خلاف في عدم الجواز.

[الأمر] الثاني: لا شبهة في أنّ اللفظ المشترك موضوع لكلّ واحد من معانيه على سبيل لا بشرط شي‏ء، أي لا بشرط الانفراد و لا الاجتماع. فما وضع له اللفظ و استعمل فيه، هو كلّ واحد من المعاني بدون الشرطين على ما هو شأن الماهيّة المطلقة التي تتحقّق حالة

____________

(1). قاله السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 17، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 18، و نسبه الأسنوي إلى الشافعي في التمهيد: 176.

(2). منهم الفخر الرازي في المحصول 1: 271.

(3). منهم البصري في المعتمد في أصول الفقه 1: 304.

(4). نسبه الأنصاري إلى ابن همام في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 201.

(5). راجع التمهيد للإسنوي: 177.

(6). في هامش «أ»: «عند من قال باشتراكه بينهما، و إنّما قيّدنا به؛ لأنّ المصنّف لا يقول به».

46

الانفراد و الاجتماع معا. و الانفراد و الاجتماع ليسا من أجزاء (1) الموضوع له، بل هما من عوارض الاستعمال، و الاستعمال في كلا الحالين على سبيل الحقيقة. هذا إذا دلّت القرينة على أنّ المراد أحد المعاني، أو مجموعها و أمكن الجمع بينها (2).

و أمّا مع فقد القرينة فيكون مجملا، و يجب التوقّف؛ لأنّ اللفظ لمّا كان موضوعا لما هو بمنزلة الماهيّة المطلقة المتحقّقة في ضمن واحد لا بعينه و المجموع، و نسبته إليهما على السواء، فالحمل على أحدهما بدون قرينة ترجيح بلا مرجّح، كما أنّ الحمل على أحد الأفراد المعيّنة أيضا بدون القرينة كذلك.

نعم، يمكن أن يقال: إذا وقع المشترك في كلام الشارع، و لم يقم قرينة على أنّ المراد ما هو، فيمكن الحمل على المجموع، أو أحد الأفراد على سبيل التخيير، و إلّا يلزم الإغراء بالجهل، و التكليف بما لا يعلم، و هو غير لائق بمقنّن القوانين، فتأمّل.

هذا في صورة كون اللفظ المشترك مفردا.

و أمّا إذا كان جمعا أو تثنية و استعمل في أكثر من معنى، فيكون حقيقة أيضا؛ لأنّ الجمع و التثنية في قوّة تكرير المفرد بالعطف، و الاتّفاق في اللفظ دون المعنى؛ فإنّ قولنا:

«زيدون» في قوّة المفردات المتعاطفة المتّفقة في اللفظ، المختلفة في المعنى؛ لكون حقائق الآحاد مختلفة، و حينئذ إذا قلنا: «أعين» يكون في قوّة المفردات المتعاطفة، فكما يمكن حمل كلّ عين على معناه، فكذلك ما في قوّته.

فإن قيل: لا نسلّم أنّهما في قوّة تكرير المفرد بالعطف، بل هما يفيدان تعدّد المعنى المستفاد من المفرد، و لا يدلّان على المعاني المختلفة كما تدلّ عليها المفردات المتعاطفة؛ فإنّ زيدا- مثلا- موضوع للمسمّى به، و زيدين للمسمّيين به لا للمعاني المختلفة، و حينئذ إذا لم يمكن استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى، بل كان استعماله مقصورا على معنى واحد، فيكون المراد من جمعه معاني متعدّدة من نوع المعنى الذي دلّ عليه المفرد. مثلا يكون المراد من «العيون» طائفة متعدّدة من النابعة أو الدامعة، لا جملة مختلفة مشتملة

____________

(1). في «أ»: «أفراد».

(2). في «ب»: «بينهما».

47

على الدامعة و النابعة و عين الذهب و الشمس.

و إن أمكن استعماله في أكثر من معنى و استعمل فيه، فيكون المراد من جمعه جملة مركّبة من الجمل التي كلّ جملة منها مشتملة على معان متعدّدة من نوع المعنى الذي دلّ عليه المفرد. مثل أن يكون المراد من العيون طائفة متعدّدة من النابعة، و طائفة متعدّدة من الدامعة، و هكذا.

قلنا: لا بدّ لنا من تمهيد مقدّمة، ثمّ الإشارة إلى الجواب.

و هي أنّه لا شبهة في أنّ أفراد كلّ جمع مختلفة، إمّا بالاختلاف الشخصي، كآحاد جموع أسماء الأعلام، أو بالصنفي فقط، أو بهما معا، كآحاد بعض جموع أسماء الصفات و الأجناس، أو بالنوعي فقط، أو به مع أحد الأوّلين، أو كليهما، كآحاد بعض آخر من جموع أسماء الصفات، بل الاختلاف الجنسي أيضا في بعضها موجود، و لا شكّ أنّ استعمال كلّ جمع في جميع أفرادها المختلفة بالاختلافات المذكورة على سبيل الحقيقة.

و بعد تمهيد هذه المقدّمة نقول: إذا استعمل «العيون» في النابعة و الدامعة و عين الذهب، يكون آحادها مختلفة بالنوع، و لا ضير فيه من هذه الجهة؛ لتأتّي ذلك في الجموع، كاستعمال «الموجودات» و «المخلوقات» و غيرهما في الأجناس، و الأنواع المختلفة على سبيل الحقيقة.

نعم، بين اسم الصفة و المشترك فرق، بأنّ اسم الصفة ك «الموجود» موضوع لما ثبت له الوجود، فكلّ ما ثبت له الوجود من أيّ نوع كان، معنى حقيقي للموجود، و هذا معنى واحد موجود في جميع الأجناس و الأنواع، و الاختلاف بينها (1) إنّما هو من خارج، فجمعه إنّما يفيد تكرّر هذا المعنى. و كذا الحال في اسم الجنس.

و أمّا المشترك، فإنّه موضوع لكلّ واحد من هذه الحقائق المختلفة التي تدلّ عليها صيغة الجمع، فلا يتحقّق في جمعه تكرّر معنى واحد موجود في المفرد، و لكنّ اسم العلم كالمشترك؛ فإنّه أيضا موضوع لكلّ واحد من الأشخاص المختلفة، فلا يلزم في جمعه‏

____________

(1). في «ب»: «بينهما».

48

تكرّر معنى واحد موجود (1) في المفرد، فلا بدّ من ارتكاب أحد من ثلاثة امور:

أحدها: القول بأنّ المراد من تكرّر ما يستفاد من المفرد تعدّد الموضوع له، سواء كان معنى واحدا أو مختلفا. و هذا هو الحقّ، و لا شكّ في تحقّق ذلك في جمع المشترك إذا اريد منه المعاني المختلفة.

و ثانيها: تأويل اسم العلم بالمسمّى به، و هذا مع بعده آت في المشترك أيضا؛ فإنّه كما يمكن تأويل «زيد» بالمسمّى به، يمكن تأويل «العين» بالمسمّى به، فجمعه يفيد تكرّر هذا المعنى.

و ثالثها: القول بأنّ جمع اسم العلم و إن دلّ على الآحاد المختلفة، إلّا أنّ اختلافها لمّا كان شخصيّا لا مانع فيه، بخلاف جمع المشترك، فإنّه يدلّ على الآحاد المختلفة بالنوع، و لذلك لا يجوز. و هذا مع سخافته لم يقل به أحد.

فظهر أنّه يجوز أن يستعمل المشترك- مفردا كان أو جمعا أو تثنية- في أكثر من معنى على سبيل الحقيقة.

[الأمر] الثالث: استدلّ المانع مطلقا بأنّه لا شكّ في وضع اللفظ المشترك لكلّ واحد من معانيه، فإذا استعمل في مجموعها يجب أن يكون بطريق الحقيقة؛ إذ لا معنى للمجازيّة بعد وضع اللفظ لكلّ واحد منها، و حينئذ يلزم التناقض، أو عدم إرادة الأفراد.

بيان الملازمة: أنّ المشترك إذا استعمل في جميع معانيه و اريد المجموع من حيث هو مجموع، فإمّا أن يراد الأفراد أيضا، أو لا.

فعلى الأوّل يلزم التناقض؛ لأنّ إرادة المجموع تستلزم عدم الاكتفاء ببعض الأفراد، و إرادة الأفراد تقتضي الاكتفاء به، و هو التناقض.

و على الثاني يلزم عدم إرادة الأفراد، و هو يقتضي عدم استعمال اللفظ فيما وضع له؛ لأنّ المفروض أنّه موضوع لكلّ واحد من الأفراد (2).

____________

(1). في «أ»: «لموجود».

(2). تقدّم تخريجه في ص 44.

49

و الجواب: أنّ إرادة الأفراد تقتضي الاكتفاء ببعضها إذا لم يكن باقيها مرادا، و ليس الأمر كذلك؛ فإنّ معنى إرادة المجموع أنّه يقصد المجموع من حيث هو أوّلا، و يقصد كلّ واحد من الأفراد ثانيا، و إرادة الأفراد إن كان المراد (1) كلّ واحد منها بحيث لم يشذّ منها شي‏ء، فمعناه أنّه يقصد كلّ واحد منها أوّلا، و يقصد المجموع من حيث هو ثانيا، و إن كان المراد بعضها، فمعناه أنّه يقصد هذا البعض دون بعض آخر.

و استدلّ من قال بالجواز مع كون الاستعمال مجازيّا بأنّ اللفظ المشترك موضوع لكلّ واحد من المعاني مع قيد الوحدة، فالموضوع له مركّب من شيئين: المعنى، و قيد الوحدة، فإذا استعمل في المجموع يلزم إلغاء قيد الوحدة التي هي أحد الجزءين، و إرادة الجزء الثاني فقط، و هذا إطلاق للكلّ و إرادة الجزء، فيكون مجازا (2).

و الجواب: منع كون الوحدة جزءا للموضوع له، بل هي من عوارض الاستعمال، فإنّ الواضع لم يضع لفظ «زيد» لهذا الشخص مع قيد الوحدة بأن يعتبره في الموضوع له، بل عرض هذا بعد الوضع.

هذا، مع أنّ العلاقة التي اعتبرها هذا القائل للمجازيّة ليست من العلاقات المعتبرة؛ لأنّ علاقة الجزء و الكلّ أن يطلق الكلّ على الجزء فقط، أو بالعكس، كأن يطلق الإنسان- مثلا- على رقبته فقط، لا عليها و على شي‏ء آخر كابنه مثلا، و هنا اطلق الكلّ على الجزء و شي‏ء آخر؛ لأنّ الموضوع له المعنى و قيد الوحدة، و بعد إلغاء قيد الوحدة يستعمل اللفظ في الكثرة، فيتحقّق المعنى- الذي هو جزء الموضوع له- مع الكثرة التي هي شي‏ء خارجي، فكأنّه اطلق اللفظ على جزئه و على شي‏ء آخر.

و استدلّ المانع في المفرد دون التثنية و الجمع: بأنّهما في حكم تكرير المفرد، فيتعدّد مدلولهما، بخلاف المفرد.

و قد عرفت جوابه‏ (3).

____________

(1). في «ب»: «و المراد من إرادة الأفراد إن كان»، بدل: «و إرادة الأفراد إن كان المراد».

(2). تقدّم في ص 45.

(3). أي عدم كون الوحدة جزءا للموضوع له. و قد تقدّم آنفا.

50

و احتجّ المانع في الإثبات دون النفي: بأنّ النفي يفيد العموم، فيتعدّد، بخلاف الإثبات‏ (1).

و جوابه: أنّ المثبت أيضا يمكن أن يتعدّد مدلوله كما بيّنّاه‏ (2)، و لو لا ذلك لم يمكن التعدّد في النفي أيضا.

و احتجّ القائل بأنّه ظاهر في الجميع عند التجرّد عن القرينة: بظواهر بعض الآيات، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ‏ (3) إلى آخره، و قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (4) إلى آخره.

و الجواب: أنّ الصلاة في الجميع بمعنى واحد و هو التعظيم، و كذا السجود، و هو غاية الخضوع.

و حقيقة الجواب: أنّ القرينة في الآيتين موجودة، فليستا ممّا نحن فيه.

إذا عرفت الحقّ في هذه القاعدة تعلم أنّ كلّ لفظ مشترك- مفردا كان أو غيره- إذا وقع في كلام الشارع أو غيره، فإن دلّت القرينة على المراد، يحمل عليه و إن كان جميع معانيه، و مع فقد القرينة يلزم التوقّف.

اللهمّ‏ (5) إلّا إذا وقع في كلام الشارع، فيمكن الحمل على جميع معانيه، بناء على ما أشرنا إليه‏ (6)، و لذا حمل «الخير» في قوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً (7) على معنييه معا، أعني المال و العمل الصالح، أي الأمانة و الديانة.

و إذا أوصى رجل شيئا لمواليه و كان له موال من أعلى و موال من أسفل، فمع وجود القرينة يعمل بها، و مع فقدها يجب التوقّف.

____________

(1). تقدّم في ص 45.

(2). تقدّم في ص 48.

(3). الأحزاب (33): 56.

(4). الحجّ (22): 18.

(5). استثناء من صورة عدم القرينة و التوقّف. و معنى الاستثناء هو كون وقوع المشترك في كلام الشارع قرينة عامّة على الحمل على جميع المعاني.

(6). أي عدم كون الوحدة جزءا للموضوع له. و قد تقدّم في ص 49.

(7). النور (24): 33.

51

و لا يخفى أنّ تعبير اللفظ بنحو يفيد العموم من القرائن الدالّة على أنّ المراد المجموع.

و الفروع لهذه القاعدة كثيرة. و بعد ما ذكرنا يعرف حقيقة الحال في جميع ما يرد عليك.

فصل [8] الحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب‏

، و هي لغوية، كالأسد للحيوان المفترس، و شرعيّة، كالصلاة للأركان المخصوصة، و عرفيّة، و هي إمّا أن تختصّ بقوم مخصوص من أهل علم خاصّ، أو صناعة معيّنة، فتسمّى بالعرفيّة الخاصّة، و قد تسمّى بالاصطلاحيّة أيضا؛ و مثالها ظاهر. أو لا تختصّ بقوم مخصوص من أهل علم خاصّ، فتسمّى بالعرفيّة العامّة، و تنصرف العرفيّة عند الإطلاق إليها، و هي كالدابّة لذوات الأربع بعد أن كانت في اللغة لكلّ ما يدبّ على الأرض.

ثمّ إنّ الحقيقة الشرعيّة تسمّى بالمنقول الشرعي أيضا، و العرفيّة بالمنقول العرفي أيضا، و الخاصّة منها بالمنقول اللغوي إن اختصّت بطائفة مخصوصة من أهل اللغة كالفاعل.

و المجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لأجل مناسبة بينهما، و تسمّى بالعلاقة.

و من المجاز ما يسمّى بالمجاز الراجح، و هو أن يغلب استعماله على الاستعمال الحقيقي، و يسمّى حقيقته بالحقيقة المرجوحة.

و المشهور في الفرق بين المجاز الراجح و الحقيقة مطلقا- أي سواء كانت أصليّة، أو منقولة- عدم اعتبار الوضع فيه، و اعتباره فيها.

و الحقّ: أنّ اعتبار الوضع في المنقولات ليس لازما، بل يمكن أن يستعمل الشرع أو العرف أو اللغة لفظا في معنى غير الموضوع له بحيث يتبادر منه عند الإطلاق، و يصير الاستعمال فيه غالبا على استعماله فيما وضع له، و حينئذ يصير حقيقة فيه؛ لأنّ التبادر علامة الحقيقة و إن لم يتحقّق وضع و تصريح بالنقل. صرّح به بعض المحقّقين‏ (1).

و حينئذ فالفرق بين المجاز الراجح و المنقولات أنّ المعنى المنقول إليه فيها يجب أن‏

____________

(1). قاله السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 12.

52

يصير غالبا بحيث يهجر المعنى الأوّل بالكلّيّة حتّى لا يكون محتمل الإرادة عند الإطلاق، و المعنى المجازيّ في المجاز الراجح لا يصير غالبا كذلك، بل استعماله غالب على الاستعمال الحقيقي، إلّا أنّ المعنى الحقيقيّ يكون محتمل الإرادة عند الإطلاق بالاحتمال المرجوح.

و بالجملة، إرادة المعنى المنقول إليه يقينيّة، و إرادة المجاز الراجح ظنّيّة.

فائدة (1) يعرف كلّ واحد من الحقيقة و المجاز بامور:

منها: تصريح الواضع باسمه، أو حدّه، أو خاصّته، كأن يقول: إرادة هذا المعنى من هذا اللفظ غير مشروطة بالقرينة، أو مشروطة بها (2).

و منها: التقدّم في الذكر و التأخّر فيه؛ فإنّه إذا ذكر أهل اللغة معاني متعدّدة للّفظ و لم يعلم الاشتراك- سواء علم أنّ بعضها حقيقة و بعضها مجاز من دون التعيين، أو وقع الشكّ في الاشتراك و الحقيقة و المجاز، و كونها جميعا مجازات- فإنّه يحكم حينئذ بالحقيقة و المجاز؛ لأنّه خير من الاشتراك، كما سيجي‏ء (3)، و من كون جميعها مجازات؛ لبعده. و يحكم بأنّ المقدّم في الذكر حقيقة، و المؤخّر فيه مجاز؛ لبعد ذكر المجاز مقدّما على الحقيقة.

و منها: التبادر و عدمه، فالأوّل علامة الحقيقة، و الثاني علامة المجاز. و التبادر الذي من علامة الحقيقة أعمّ من أن يكون مطلقا، أو من حيث الإرادة. فعلى الأوّل يكون جميع معاني المشترك متبادرة على الاجتماع، و على الثاني يكون جميعها متبادرة على البدليّة.

و بعض الاصوليّين جعل علامة الحقيقة عدم تبادر الغير، و علامة المجاز تبادره‏ (4).

____________

(1). في «ب»: «قاعدة».

(2). مثال للأخير أي «خاصّته».

(3). في تعارض أحوال اللفظ، الفصل 16، ص 72- 77.

(4). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 20، و الوحيد البهبهاني في الفوائد الحائريّة: 324، الفائدة 34.

53

و اورد عليه المشترك‏ (1) نقضا. أمّا على علامة الحقيقة، فإذا استعمل في أحد معانيه؛ فإنّه يتبادر حينئذ غيره، أعني المعاني الأخر.

و أمّا على علامة المجاز، فإذا استعمل في معناه المجازي؛ إذ لا يتبادر غيره؛ للتردّد بين معانيه.

و غير خفيّ أنّ النقضين نقيضان فلا يجتمعان؛ لأنّ معاني المشترك جميعا إن كانت متبادرة على الاجتماع أو البدليّة، فيكون النقض الأوّل واردا و الثاني مندفعا، و إن لم يكن كذلك، فبالعكس.

و الحقّ: أنّ جميع معاني المشترك متبادرة على الاجتماع إن أخذ التبادر في الدلالة، و على البدليّة إن أخذ التبادر في المراد؛ فإنّا نعلم أنّ المراد منها أحدها بعينه، إلّا أنّا لا نعلمه‏ (2). و حينئذ يظهر أنّ النقض الأوّل وارد، و الثاني مندفع.

فالحقّ أن لا يجعل عدم تبادر الغير علامة للحقيقة؛ لأنّ المشترك حقيقة بالنسبة إلى كلّ واحد بعينه من معانيه، مع أنّه يتبادر المعاني الأخر أيضا إمّا مطلقا، أو من حيث الإرادة، بل اللازم أن يجعل علامتها التبادر فقط. و المجاز يمكن أن يجعل كلّ واحد من عدم التبادر و تبادر الغير من علائمه.

ثمّ اعلم أنّ تبادر كلّ قوم يدلّ‏ (3) على حقيقتهم فقط، فإذا تبادر معنى من لفظ في عرفنا (4)، دلّ على أنّ هذا المعنى حقيقة عرفيّة بالنسبة إلى هذا اللفظ، و لا يدلّ على أنّه حقيقة لغويّة أيضا.

نعم، إذا لم نجد له في اللغة معنى حقيقيّا سواه، فيمكن الحكم بكونه حقيقة لغويّة أيضا؛ لأصالة عدم التعدّد. و كذا الحكم إذا حصل تبادر معنى من لفظ عند أهل اللغة؛ فإنّه لا يثبت سوى الحقيقة اللغويّة.

____________

(1). و المراد هو المشترك اللفظي. و في الفوائد الحائريّة: 324، الفائدة 34 أورد المشترك المعنوي على علامة الحقيقة.

(2). في «ب»: «لا نعلم».

(3). كذا في النسختين. و حقّ العبارة أن تكون هكذا: «أنّ التبادر عند كلّ قوم يدلّ».

(4). في «ب»: «من لفظ عرفا».

54

و منها: صحّة سلب المعنى الحقيقي للّفظ عن المعنى المستعمل فيه، و عدمها.

فالأوّل علامة المجاز، و الثاني علامة الحقيقة. مثلا إذا قلنا للبليد: إنّه ليس بحمار، سلب فيه المعنى الحقيقي للحمار عمّا استعمل فيه الحمار أعني البليد، و هو جائز، فيعلم منه أنّ استعمال الحمار في البليد مجازيّ.

و إذا قلنا للبليد: إنّه ليس بإنسان، يكون فيه المعنى الحقيقيّ للإنسان مسلوبا عمّا استعمل فيه لفظ الإنسان أعني البليد، هذا غير جائز. فيعلم منه أنّ استعمال الإنسان في البليد على سبيل الحقيقة.

و اورد عليه: بأنّ صحّة السلب لا يجوز أن يراد بها صحّة سلب بعض المعاني الحقيقيّة؛ لأنّه غير مفيد؛ لجواز كون المعنى المستعمل فيه من البعض الذي لا يجوز سلبه، فيجب أن يراد بها صحّة سلب جميع المعاني الحقيقيّة، و العلم به موقوف على العلم بأنّ المعنى المستعمل فيه ليس من المعاني الحقيقيّة، و هو موقوف على العلم بأنّه من المعاني المجازيّة للّفظ، و هو موقوف على صحّة السلب، و هو دور مضمر (1).

و في علامة الحقيقة يلزم دور مصرّح؛ لأنّ العلم بعدم صحّة سلب المعاني الحقيقيّة عن المعنى المستعمل فيه موقوف على العلم بأنّه بعض المعاني الحقيقيّة للّفظ، و هو موقوف على عدم صحّة السلب.

و الجواب: أنّا نجزم بأنّه يصحّ العلم بأنّ الإنسان ليس شيئا من المعاني الحقيقيّة للأسد و إن لم يحصل العلم بالمجازيّة، فيمكن العلم بصحّة سلب المعاني الحقيقيّة للإنسان عن الحيوان المفترس مع عدم العلم بالمجازيّة. و كذا نجزم بأنّه يصحّ العلم بعدم صحّة سلب المعاني الحقيقيّة للإنسان عن البليد و إن لم يعلم أنّه حقيقة فيه. نعم، يستلزمه، فغاية الأمر الاستلزام لا التوقّف. و هذا العلم إنّما يحصل لنا عرفا؛ فإنّ الفهم العرفي حاصل بصحّة السلب و عدمها و إن لم يعلم الحقيقة و المجاز؛ و هو ظاهر.

ثمّ لا يخفى أنّ الشرط المذكور في التبادر آت هنا أيضا؛ فإنّ صحّة السلب و عدمها عند كلّ قوم أمارتان للمجاز و الحقيقة في اصطلاحهم.

____________

(1). راجع الفوائد الحائريّة: 325، الفائدة 34.