إيضاح الفرائد - ج2

- السيد محمد التنكابني المزيد...
1069 /
1

-

2

[المقصد الثالث من مقاصد الكتاب فى الشك ...]

مباحث اصل البراءة

ربّ يسّر و لا تعسّر

[المقدمة]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة على اشرف الأوّلين و الآخرين محمّد و اهل بيته الطّيّبين الطّاهرين و لعنة اللّه على اعدائهم و منكرى فضائلهم و مناقبهم اجمعين الى يوم الدّين‏

قوله و الظنّ يمكن ان يعتبر فى متعلّقه‏

قد ذكر فى اوّل الكتاب انّ الظنّ موضوع دائما و ليس مثل العلم الّذى قد يكون موضوعا و قد يكون طريقا فقد يكون موضوعا للحكم الظّاهرى طريقا الى الحكم الواقعى فيكون حجّة فى باب الأدلّة بمعنى انه يكون وسطا لاثبات حكم هو من سنخ حكم متعلّقه و قد يكون موضوعا للحكم الواقعى و لا يقال له الحجّة فى باب الأدلّة و ان كان حجّة بمعنى الوسط مطلقا و المراد هنا القسم الأوّل لقوله و لكنّ العمل به و الاعتماد عليه فى الشرعيّات موقوف على وقوع التعبّد به اه اذ هذا القسم و ان كان كشفه ذاتيّا كالعلم الّا انّ حجّيته و اعتباره بمعنى جعل المظنون بمنزلة الواقع و ترتيب جميع الآثار الشرعيّة المترتبة على الواقع عليه سواء كانت بلا واسطة او معها لا بدّ ان يكون من جهة دليل دالّ على ذلك من عقل او شرع و مع عدمه فيحكم بعدم حجّيته من جهة الأدلّة الأربعة كما سلف جميع ذلك و امّا الظنّ الموضوعىّ فليس فيه التعبّد و ترتيب آثار الواقع فى مرحلة الظاهر بل هو موضوع لنفس الحكم الواقعى فهو كسائر الموضوعات الواقعيّة من الحضر و السّفر و غيرهما

قوله و امّا الشكّ فلما لم يكن فيه كشف اصلا

صريح هذا الكلام انّ المراد بالشكّ هو تساوى‏

3

الطّرفين كما هو مصطلح اهل المعقول و المراد فى باب مشكوك الصّلاة و قيل انّه المعنى المعروف عند اهل اللّغة ايضا و قد جعله موضوعا للأصول الأربعة مع ان موضوع الأصول سواء كانت شرعيّة او عقلية امّا الشكّ بمعنى خلاف اليقين او عنوان ينطبق عليه و قد ذكرنا ما به يتمحّل لدفع الإيراد المذكور فى اوّل الكتاب فراجع و قد أشار المصنّف ره هنا حيث ذكر فيما سيأتى ثم انّ الظنّ الغير المعتبر حكمه حكم الشكّ الى دفع الأشكال المذكور ايضا مع عدم اندفاع الأشكال به لأنّ المأخوذ فى الاستصحاب مثلا هو الشكّ بمعنى خلاف اليقين سواء فيه الظنّ الغير المعتبر (1) ايضا لأنّه المعنى اللّغوى المعروف على ما فى القاموس و غيره و لذا يكون تقديم الدّليل الظنّى الاجتهادي على الاستصحاب و اصل البراءة اذا كان شرعيّا بالحكومة الّتى تكون تخصيصا بلسان التّفسير لا بالورود على ما سيجى‏ء عن قريب‏

قوله و يسمّى الدّليل الدال على هذا الحكم الظاهرى اصلا

الدّليل الدالّ على الحكم الظاهرى ان لم يكن ناظر الى الواقع او كان ناظرا اليه لكن كانت جهة النظر ملغاة كان اصلا و ان كان ناظرا الى الواقع و كان اعتباره لأجل نظره يسمّى دليلا و امارة بقول مطلق و دليلا اجتهاديا عند بعضهم و هذا مع وضوحه قد اشار اليه المصنّف ره فى باب الاستصحاب فى موضع تقديمه على الأصول الثلاثة و صرّح به شيخنا (قدس سره) فى هذا المقام فعلم انّ مقصود المصنّف هذا ليس حصر الدّليل الدالّ على الحكم الظاهرى فى الأصل فتامّل‏

قوله و هذان القيدان اصطلاحان ماخوذان اه‏

قال (قدس سره) فى فوائده الجديدة فائدة المجتهد و الفقيه و المفتى و القاضى و حاكم الشّرع المنصوب عبارة الآن عن شخص واحد لأنّه بالقياس الى الأحكام الشّرعيّة الواقعيّة يسمّى مجتهدا لما عرفت من انسداد باب العلم و بالقياس الى الأحكام الظّاهريّة يسمّى فقيها لما عرفت من كونه عالما بها على سبيل اليقين و بالقياس الى انّه يفتى يسمّى مفتيا و باعتبار انّه يرفع خصومة المترافعين اليه يسمّى قاضيا و مع قطع النّظر عن التّرافع يسمّى حاكم الشّرع بالنّسبة الى ولاية الأيتام و الغائبين و غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة و مذكورة فى الفقه و بالقياس الى شرائط الاجتهاد و يسمّى متكلّما و محدّثا اصوليّا رجاليّا الى غير ذلك انتهى كلامه‏

____________

(1) و الظن المعتبر

4

دفع مقامه و امّا المناسبة الّتى اشار اليها المصنّف فهى انّهم عرّفوا الاجتهاد باستفراغ الوسع فى تحصيل الظنّ بالحكم الشّرعى الفرعى فلا بدّ ان يكون الحكم الّذى تعلّق به الظنّ حكما واقعيّا فالدّليل الظنّى الّذى تعلّق بالواقع يناسب ان ينسب الى الاجتهاد و يسمّى دليلا اجتهاديّا و قد عرفوا الفقه بالعلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة فعلى تقدير كون العلم بمعناه الحقيقى كما هو الظاهر يكون المراد بالأحكام هى الظاهريّة لأنّ الأحكام الواقعيّة غير معلومة غالبا لابتناء الفقه غالبا على ما هو الظنّى الدّلالة او السّند فلمّا كان المطلوب فى الفقه هو العلم بالأحكام الظاهريّة فناسب ان يسمّى الدّليل المثبت للحكم الظاهرى دليلا فقاهيّا لكنه كما ترى موقوف على كون العلم بمعناه لا بمعنى الظنّ و لا بالمعنى الأعمّ و جعل الأحكام ظاهريّة فقط لا الأعمّ منها و من الواقعيّة و فيما ذكر كلام معروف لكن لا مشاحة فى الاصطلاح هذا و لا يخفى انّ المستفاد من كلام الوحيد ره تسمية الدّليل الظنّى فقط بالدّليل الاجتهادي لا مطلقا فما يستفاد من كلام المصنّف من جعل الوحيد ره مطلق ما يدلّ على الحكم الواقعى علما او ظنّا دليلا اجتهاديّا حيث قال و قد يقيّد اى ما دلّ على الحكم الاوّل علما او ظنّا بالاجتهادى ثم قال و هذان القيدان اصطلاحان اه ليس بوجيه و لعلّه (قدس سره) قد ظفر بكلام آخر له يدلّ على ما ذكره و اللّه العالم‏

قوله لا ينفع بعد قيام الإجماع‏

على عدم الفرق يعنى انّ الإجماع قائم على عدم الفرق فى حجّية الخبر مثلا بين كون الأصل على خلافه و عدمه فلو لم يعمل به فى الصورة الاولى لزم العمل به فى الصّورة الثانية لمكان الاجماع المذكور بملاحظة الإجماع المذكور يكون حكم الأصل و الدّليل الظنّى المعتبر حكم العام و الخاص المطلقين للزوم محذور العام و الخاصّ المطلقين و هو كون جعل الخاصّ لغوا لو عمل بالعام فى مورد التعارض فى مثل المقام ايضا كما لا يخفى‏

قوله بحكمه الواقعى الثابت له‏

من دون مدخليّة العلم و الجهل يعنى انّ الحكم الواقعى لا بدّ ان يكون لا بشرط بالنّسبة الى العلم و الجهل به لعدم امكان اعتبار العلم به فى ثبوته الواقعى للزوم الدّور كما سلف و سيأتي و امّا بالنّسبة الى موضوعه فلا يلزم ان لا يكون بشرط اذ كما يحتمل ان يكون لا بشرط يحتمل ان يكون العلم او الظنّ او غيرهما ماخوذا فيه كما

5

سبق تفصيل ذلك فى اوّل الكتاب‏

قوله كانا متعارضين لا محالة

لأنّ كلّ من الأصل و الدّليل الظنّى يثبت حكما ظاهريّا فى مورد عدم العلم بالواقع و الشكّ فيه فيكون كلّ منهما فى عرض الأخر و ان كان بينهما فرق من جهة انّ الأوّل يثبت حكما ظاهريّا فى مورد عدم النظر الى الواقع او الغاء جهة النظر فيه و الثانى يثبت حكما ظاهريّا فى مورد النظر الى الواقع مع اعتبار جهة النظر فيه فاذا كان احدهما فى عرض الأخر يكون تقديم الدّليل على الأصل من باب التخصيص لا من باب الورود و لا من باب الحكومة

قوله و لكن التّحقيق انّ دليل تلك الأمارة اه‏

فاذا كان الأصل شرعيّا كما اذا قلنا بحجّية اصل البراءة من باب الأخبار لا من باب العقل و كذلك اذا قلنا بالرّجوع الى الاحتياط من باب الاخبار بان تثبت حكما شرعيّا تاسيسيّا لا بان تكون تاكيد الحكم العقل من باب وجوب دفع الضّرر المحتمل و كذلك اذا قلنا بالاستصحاب من باب الاخبار كما هو الحق يكون الدّليل الظنّى المعارض له بملاحظة دليل اعتباره حاكما عليه لأنّ مثل قوله صدّق العادل معناه ترتيب آثار الواقع على خبره و عدم الاعتناء باحتمال العدم و لا شكّ انّ معنى الاعتناء باحتمال العدم هو الرّجوع الى الأصول فيكون معنى عدم الاعتناء باحتمال العدم و احتمال الكذب عدم الرّجوع الى الأصول فيكون بهذا الاعتبار شارحا و مفسّرا و مبيّنا و هو معنى الحكومة على ما سيجى‏ء شرحه مفصّلا و بمثل هذا البيان يكون جميع التنزيلات الشرعيّة مقدّمة على الاصول مثل قوله (عليه السّلام) الرّضا(ع)لحمة كلحمة النسب و قوله (عليه السّلام) الطّواف بالبيت صلاة و قوله (عليه السّلام) الفقاع خمر مجهول استصغره الناس و غير ذلك اذ ليس فى الاصول ترتيب آثار الواقع بل البناء على مؤدّياتها فى مرحلة الظاهر فهى فى الحقيقة احكام عذريّة نعم فى الاستصحاب ترتيب آثار اليقين السّابق كما ينادى اليه قوله(ع)لأنّك كنت على يقين من طهارتك اه فهو و ان لم يكن امارة لكنّه قريب منهما فهو و ان لم يكن فى عرض ساير الأمارات لكنّه مقدم على ساير الأصول كاصل البراءة و الاشتغال و التّخيير لما ذكرنا من انّ لسانه لسان ترتيب آثار الواقع و ح ففى تقديم ساير التنزيلات الشرعيّة ممّا ليست ناظرة الى الواقع بل تكون من باب التعبّد من الامثلة الّتى ذكرنا و غيرها على الاستصحاب خفاء و اشكال‏

قوله و امّا الأدلّة العقليّة

القائمة

6

فاذا قلنا باصل البراءة من باب قاعدة قبح العقاب بلا بيان و قلنا بانّ الأخبار مؤكّدة لهذا الحكم العقلى و كذلك اذا قلنا باصل الاشتغال من باب وجوب دفع الضّرر المحتمل و قلنا بانّ اخبار الاحتياط مؤكّدة له فحينئذ يكون الدّليل الظنّى واردا عليهما لارتفاع موضوع اصل البراءة و الاشتغال به اذ لا يكون العقاب حينئذ بلا بيان لأنّ الدّليل الظنّى مع فرض اعتباره يكون بيانا و لا يجرى قاعدة وجوب دفع الضّرر المحتمل مع قيام الدّليل الظنّى على خلافها لعدم احتمال العقاب مع وجوده و كذلك حكم العقل بالتّخيير فى صورة التردّد و التحيّر و من المعلوم ارتفاع التحيّر مع وجود الدّليل الظنّى المعتبر

قوله و امّا اصل التّخيير فهو اصل عقلى لا غير

الرّجوع الى التّخيير فى صورة دوران الأمر بين المحذورين على ما هو المشهور انّما هو بحكم العقل من باب وجوب الالتزام بحكم اللّه الواقعى فلمّا لم يمكن الالتزام به تعيينا وجب الالتزام به تخييرا و هذا المطلب و ان كان محلّ نظر عند المصنّف (قدس سره) بل سيصرّح فى موضعه بانّ المتعيّن الرّجوع الى التوقّف فى الصورة المفروضة لكن الثابت عند المشهور هو الرّجوع الى التّخيير العقلى و جعل الأصول اربعة من جملتها اصل التّخيير انّما هو على رايهم لا على راى المصنّف و غيره ممّن حكم بالتوقّف او بالرّجوع الى اصل الإباحة او بترجيح جانب التحريم و امّا توهّم كون التخيير المذكور شرعيّا مستفادا من حكم الشّارع بالتخيير عند تعارض الخبرين بتقريب انّ دلالة الخبرين على نفى الثالث ظنّية فاذا وجب العمل بهما فى نفى الثالث و عمل بكلّ منهما مخيّرا ففى المقام الّذى يكون نفى الثالث قطعيّا لا بدّ ان يعمل بكلا الاحتمالين تخييرا بطريق اولى فمضعّف بانّه قياس مع الفارق مع انّ القياس بطريق اولى ليس بحجّة كما يدلّ عليه رواية أبان و غيره و تسمية القياس المذكور بالفحوى و ادراجه فى الدّلالة اللّفظيّة الالتزاميّة ممنوعة و سيجي‏ء شرح المطلب مفصّلا حين تعرّض المصنّف له إن شاء الله اللّه تعالى قوله ثمّ انّ انحصار موارد الاشتباه فى الاصول الاربعة عقلىّ قد ذكرنا فى صدر الكتاب انّ انحصار موارد الاشتباه فى الأصول الأربعة استقرائى لا عقلى فلا بدّ ان يكون المراد ان الانحصار عقلى بمئونة الاستقراء و فيه تكلّف و الأظهر انّ المراد انحصار موارد الاشتباه فى موارد الاصول الأربعة

7

لا فى انفسها بقرينة قوله (قدس سره) و الاوّل مورد الاستصحاب و الثّانى مورد التّخيير و هكذا و وجه كونه عقليّا دورانه بين النفى و الأثبات و امّا توهّم وجود اصول أخر غير الأربعة كاصل الطّهارة و اصل العدم و اصل الاباحة و الخطر و غير ذلك فقد ذكرنا اندفاعه فى صدر الكتاب فراجع‏

قوله و الاوّل امّا ان يدلّ دليل عقلى‏

قد ذكرنا انّ هذه العبارة اولى ممّا فى صدر الكتاب من عبارة الاصل و من عبارة اخرى اذ ليس فى هذه العبارة تخصيص اصل البراءة بمورد الشكّ فى التّكليف و لا تخصيص اصل الاشتغال بمورد الشكّ فى المكلّف به كما فى عبارتى صدر الكتاب حتّى يناقش فيها بعدم اختصاص اصل البراءة بالأوّل و لا اصل الاشتغال بالثّانى‏

[اما المقام الاول و هو حكم الشك فى الحكم الواقعى من دون ملاحظة الحالة السابقة]

قوله لأنّ الشكّ امّا فى نفس التكليف‏

لا يخفى انّ فى العبارة حزازتين حيث حاول فيها بيان موارد الاصول المثلثة الاولى ان المستفاد منها كون مورد البراءة هو الشك فى التكليف فقط و مجرى الاشتغال هو الشكّ فى المكلّف به فقط على طبق ما ذكر فى اوّل الكتاب و هذا هدم لما بنى عليه الأمر عن قريب بقوله و الأوّل امّا ان يدلّ دليل عقلىّ اه حيث انّ وجه التعبير به عدولا عمّا ذكره فى اوّل الكتاب بيان عدم استقامة ما هناك و استقامة ما هنا كما اشرنا الى ذلك عن قريب و الثانية ان المستفاد منها انحصار مجرى التخيير فى الشكّ فى التكليف فقط مع عدم صحّته و جريانه فى الشكّ فى المكلّف به ايضا كما اذا كان الدّوران بين الواجب و الحرام و يمكن دفع هذا الاشكال بانّ متعلّق التّكليف اذا كان مشكوكا قد يكون متعلّقا للتكليف الوجوبى و قد يكون متعلّقا للتكليف التّحريمى و قد يكون متعلّقا للتكليف المردّد بين الوجوب و التّحريم و هذا الاخير ايضا من موارد اصل التخيير و انّما اجمل هنا اتّكالا على ما سيظهر منه فى مباحث الشكّ فى المكلّف به فلا اشكال و بعبارة اخرى التكليف المشكوك متعلّقه امّا ان يكون وجوبا مشتبها بغير الحرمة و امّا ان يكون تحريما مشتبها بغير الوجوب و امّا ان يكون وجوبا مشتبها بالتّحريم و هذا الاخير من الشبهة الّتى اشتبه الواجب و الحرام فيهما و يكون من موارد اصل التخيير على ما سيأتي من المصنّف فى المطلب الثالث من الموضع الثانى و بعبارة ثالثة متعلّق التكليف اذا كان ذلك المتعلّق مشكوكا قد يكون‏

8

حراما مشتبها بغير الواجب و قد يكون واجبا مشتبها بغير الحرام و قد يكون حراما مشتبها بالواجب و هذا الأخير من الشكّ فى المكلّف به الّذى يجرى فيه اصالة التّخيير حتّى عند المصنّف مثال الاوّل ما اذا علم بوجوب شرب ما فى احد الإناءين و اباحة ما فى الآخر و اشتبه مثال الثانى ما اذا علم بحرمة شرب ما فى احد الإناءين و اباحته ما فى الآخر و اشتبه مثال الثالث ما اذا علم بوجوب شرب ما فى احد الإناءين و حرمة شرب ما فى الآخر و تردّد بين كون هذا واجبا و الآخر حراما و بين العكس فالتّخيير فى الشكّ فى المكلّف به يوجد كثيرا فيما اذا كان متعلّق التّكليف مشكوكا و على هذا فقوله ره و امّا فى متعلّق التكليف مع العلم بنفسه بيان لبعض الافراد و قد وقع منه (قدس سره) فى مقام ابطال الرّجوع فى كلّ واقعة الى ما يقتضيه الاصل فيها فى مقام توضيح دليل الانسداد مسامحة فى بيان مورد اصل التخيير فى العبارة قد اصلحناها بقدر الوسع فراجع ثم انّ المراد بالتّكليف المشكوك فيه المقصود منه نوع التكليف مقابلا للمكلّف به المشكوك فيه هو المحمولات فقط لا المحمولات المنتسبة من حيث هى كذلك ضرورة انّ العلم بها كذلك موقوف على العلم بالموضوع و المحمول و النّسبة و يكون الشكّ فيها ح تارة من جهة الشكّ فى المحمول فقط و تارة من جهة الشكّ فى الموضوع فقط و تارة من جهة الشكّ فيهما كليهما فلا يكون الشكّ فى متعلّق التكليف مقابلا للشكّ فيه بالمعنى الثّانى و انّما تتصوّر المقابلة باعتبار المعنى الاول كما هو ظاهر

[و الموضع الاول و هو الشك فى نفس التكليف‏]

قوله و صور الاشتباه‏

كثيرة فانّ الصّور الثنائيّة فى كلّ من اشتباه الحرمة بغير الوجوب و اشتباه الوجوب بغير الحرمة ثلث و الصّور الثلاثيّة ايضا ثلث فى كلّ منهما و الرّباعيّة واحدة فى كلّ منهما فمع انضمام اشتباه الوجوب و الحرمة اليها تكون الأقسام و الصّور خمسة عشر هذا على تقدير عدم ملاحظة كون كل واحد منهما منقسما الى اقسام اربعة من جهة كون منشإ الاشتباه فقد النصّ او اجماله او تعارض النصّين او اشتباه الأمور الخارجيّة اذ تزيد الأقسام بملاحظتها عمّا ذكر بكثيرة

قوله و هذا مبنى على اختصاص التكليف بالالزام‏

بناء على انّ التكليف من الكلفة بمعنى المشقّة الّتى لا تتاتى الّا فى الواجب و الحرام و إن كان بحسب الاصطلاح اعمّ من ذلك و لذا قسّموا الاحكام التكليفيّة الى الأحكام الخمسة المشهورة

قوله او اختصاص الخلاف فى البراءة و الاحتياط به‏

يعنى و ان كان‏

9

لفظ التكليف اعمّ من الالزام و غيره لكن الخلاف فى البراءة و الاحتياط مخصوص بنوع منه و هو التكليف الالزامى و وجه اختصاص الخلاف اختصاص ادلّتهم الآتية به لانّ ادلّتهم العقليّة من قبح العقاب بلا بيان و وجوب دفع الضّرر المحتمل لا تتاتى الّا فيه و كذلك الأدلّة النقليّة للبراءة و الاشتغال كتابا و سنّة و اجماعا مثل قوله تعالى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ‏ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ و الأخبار باسرها مثل رفع عن امّتى ما لا يعلمون و ما حجب اللّه علمه عن العباد و النّاس فى سعة كلّ شي‏ء لك حلال كلّ شي‏ء مطلق و من اجتنب الشّبهات نجا من المحرّمات و غيرها مما سيذكره المصنّف نعم يمكن ادّعاء كون مثل قوله (عليه السّلام) اخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت فى الاعمّ من التكليف الالزامى فتدبّر

قوله يظهر حالهما من الوجوب و الحرمة

لا بمعنى انّه يرجع فى نفى الاستحباب او الكراهة الى اصل البراءة بل بمعنى انه اذا دار الامر بين الاباحة و الاستحباب ينفى الخصوصيّة باصل العدم و اذا دار الأمر بين الاباحة و الكراهة ينفى ايضا به و اذا دار بين الاستحباب و الكراهة تنفى الخصوصيّتان به ايضا و يلتزم بالاباحة مع جواز الرّجوع الى الحكم الثّالث فى مثله ففى العبارة ادنى مسامحة

قوله كدوران الامر فى قوله تعالى‏

جعل ذلك مثالا لاجمال النصّ المراد منه ما لم يتضح دلالته امّا لتعدّد المعنى الموضوع له او لتعدّد مجازاته او لعدم العلم بمرجع الضّمير او لغير ذلك ممّا شابهه مع انّ التمثيل به مبنى على عدم تواتر القراءات و عدم جواز الاستدلال بكلّ قراءة لا تخلو عن مسامحة و الشّبهة التحريميّة الحاصلة منها عدم العلم بكون القرآن هو قوله حتّى يطهرن حتّى يستظهر منه جواز المقاربة بعد النقاء و لو لم تغتسل او انّه حتّى يطهّرن حتّى يستظهر منه عدم جواز المقاربة بعد النقاء الى ان تغتسل و على اىّ تقدير فاللّفظ ظاهر فى معنى و يمكن ارادته كونه فى حكم المجمل‏

[فالمطلب الاول فى ما دار الامر فيه بين الحرمة و غير الوجوب‏]

[المسألة الاولى فى ما لا نص فيه‏]

قوله و الاوّل منسوب الى المجتهدين‏

لكن قال السيّد المحقق الكاظمى فى شرح الوافية انّ صاحب الحدائق حكى عن جميع الاخباريين و بعض الاصوليين التوقّف فى الشبهة التحريميّة و كانّه اراد ببعض الاصوليّين الشيخين و هو الّذى صرّح به صاحب الفوائد المدنيّة و شيخنا الحرّ و انت خبير بانّهما توقّفا فى العقليّة دون الشرعيّة فانّهما قطعا بالاباحة شرعا انتهى كلامه دفع مقامه‏

قوله و لا يبعد ان‏

10

يكون تغايرها باعتبار تغاير العنوان‏

بان يكون مرجع الأقوال الى شي‏ء واحد و ان يكون القول بالتوقف لأجل اخبار التوقف و القول بالاحتياط لأجل اخباره و التّحريم ظاهر الأجل انّه فى مورد الجهل بالواقع و القول بالتّحريم واقعا لاجل انّ الحكم ثابت فى المرحلة الثانويّة الواقعيّة فى موضوع الجهل ليس له حكم غيره بوصف الجهل و سيأتى بيانه فى كلام المصنّف (قدس سره)

[احتج للقول الاول بالادلة الربعة]

[فمن الكتاب آيات‏]

قوله قيل و دلالته واضحة

ذكره صاحب الفصول و المناهج‏

قوله فامّا ان يراد بالموصول المال‏

و هذا المعنى هو الاظهر بقرينة الآية السّابقة و اللّاحقة و هما قوله تعالى‏ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ‏ و قوله تعالى‏ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً و المعنى لا يكلّف اللّه نفسا الّا انفاق ما ايتها بالنّسبة الى المرضعة و غيرها و لازمه عدم التّكليف الّا بقدر الوسع و قوله تعالى فلينفق ممّا آتاه اللّه بالنّسبة الى المرضعة فيصحّ كون قوله تعالى لا يكلف اللّه نفسا الّا ما آتاها بمنزلة التعليل و الكبرى الكليّة و لا يكون كالتّكرار لما سبق كما ذكره شيخنا المحقّق (قدس سره) فى مقام توهين هذا الوجه قال الرّازى فى التفسير الكبير ثمّ بيّن قدر الانفاق بقوله لينفق ذو سعة من سعته امر اهل التّوسعة ان يوسّعوا على نسائهم المرضعات على قدر سعتهم و من كان رزقه بقدر القوت فلينفق على مقدار ذلك و نظيره على الموسع قدره و على المقتر قدره و قوله تعالى لا يكلّف اللّه نفسا الّا ما اتاها اى ما اعطاها من الرّزق قال السدى لا يكلّف الفقير مثل ما يكلّف الغنى انتهى و قيل قوله تعالى فلينفق ممّا آتاه اللّه اى و ان قلّ يعنى لينفق كلّ واحد من الموسر و المعسر ما يبلغه وسعه لا يكلّف اللّه نفسا الّا ما اتاها جلّ او قلّ فانّه لا يكلّف اللّه نفسا الّا وسعها و فى الصّافى و من قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه اللّه اى فلينفق كلّ من الموسر و المعسر ما بلغه وسعه لا يكلّف اللّه نفسا الّا وسعها و فيه تطييب القلب المعسر سيجعل اللّه بعد عسر يسرا عاجلا او آجلا و هذا الحكم يجرى فى كلّ انفاق انتهى و بما ذكر ظهر انّ سبيل الآية سبيل الآيات النافية للحرج مثل قوله تعالى ما جعل عليكم فى الدّين من حرج يريد اللّه بكم اليسر و لا يريد بكم العسر و مثل قوله تعالى و لا يكلّف اللّه نفسا الّا وسعها بناء على ما فى تفسير الفخر من ان الوسع ما يسع‏

11

الانسان و لا يضيق عليه و لا يحرج فيه و غيرها من الآيات و لذا جمع بينهما فى رواية عبد الاعلى فلا يثبت بها الرّجوع الى اصل البراءة فى الشّبهات التحريميّة الّا ان يكون الاحتياط فيها حرجيّا و سيأتى فى كلام المصنّف ره ضعفه‏

قوله و هذا المعنى اظهر

وجه اظهريّته عنده عدم احتياجه الى التقدير كالمعنى السّابق حيث انّه محتاج الى تقدير الدّفع و الانفاق و نحوهما لكن قد عرفت قوّة دلالة السّياق على المعنى الاوّل بحيث لا يعارضها وجوب التقدير المذكور مع انّ التقدير المدلول عليه بدلالة الاقتضاء فى غاية الكثرة فى الآيات مثل‏ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ‏ اه و انّما حرّم عليكم الميتة و الدّم و لحم الخنزير و غير ذلك ما لا يحصى و قد عرفت تفسير اكثر المفسّرين للآية بما ذكرنا مع انّ المعنى الاوّل هو المناسب للامتنان على العباد بخلاف عدم التكليف بغير المقدور مع انّ المعنى الأوّل هو المناسب تأسيس و الثّانى تاكيد اذ هو ممّا يحكم به بديهة العقل و لذا وردت آيات متعدّدة فى مقام نفى التكليف الحرجى دون التكليف بغير المقدور و سيأتى فى كلام المصنّف ره فى بيان حديث الرّفع انّ المراد بما لا يطيقون هو الحكم الحرجى دون التكليف بغير المقدور و ان المراد بالآية ربّنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به هو معنى آخر لا التكليف بغير المقدور فانتظر

قوله و من المعلوم ان ترك ما يحتمل التحريم اه‏

نعم قد قيل ان الترك بعنوان الامتثال فى المجهول كالفعل بعنوانه غير مقدور و لذا استدل السّيد ابو المكارم على البراءة بقبح التّكليف بما لا يطاق و كذلك المحقق فى المعارج و المحقق القمّى فى القوانين و سيأتى ما فيه إن شاء الله اللّه تعالى‏

قوله و الّا لم ينازع فى وقوع التكليف به اه‏

يعنى انّ ترك محتمل التحريم ليس غير مقدور لانّ عدم وقوع التكليف به فى الشّرع اجماعى عند المسلمين قاطبة فضلا عن الاخباريين فكيف يقول الاخباريّون بوقوعه فى الشّرع و ما نقله (قدس سره) عن الاشاعرة من انّهم و ان قالوا بامكان التكليف بغير المقدور امّا مطلقا و امّا فى غير الممتنع الذّاتى على اختلاف مذاهبهم لكنّهم لم يقولوا بوقوعه فى الشّرع و ان نقل عن بعضهم فى بيان مذهبهم الّا انّ الّذى نقله فى الفصول عن الاشاعرة يدلّ على قولهم بالوقوع فى الشرع قال (قدس سره) حجّة القائلين بجواز التكليف بالمحال مطلقا انّه تعالى كلّف الكافر

12

بالايمان مع انه ممتنع فى حقّه لأنّه لم يرده منه و لأنّه تعالى علم بكفره و يمتنع الجهل فى علمه تعالى و انّ اللّه تعالى كلّف أبا لهب بالايمان بجميع ما جاء به مع انّ من جملة ما جاء به النبىّ(ص)انّه لا يؤمن به فيجب عليه الايمان بانّه لا يؤمن و انّه محال بل صرّح امامهم فى التفسير الكبير عند بيان قوله تعالى‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها بانّ جميع التكاليف المتوجهة الى العباد من قبيل التكليف بغير المقدور و اقام ادلّة ستّة على ذلك من جملتها ما نقله فى الفصول و التزم لذلك بتاويل الآية المذكورة و امثالها فعلى ما نقله المصنف عنهم ما يكون من قبيل الطّيران فى الهواء و الجمع بين الضدّين و غير ذلك لا مثل افعال العباد فتبصّر

قوله ينافى مورد الآية

لأنّ مورد الآية اعطاء المال بقدر الوسع لا الاعلام للتكليف‏

قوله اذ لا جامع‏

و ان امكن ان يقال بانّ المراد بكلمة ما هو الشي‏ء العام و نحوه لكن القدر المشترك ليس بموجود فى الصّلة لأنّ الايتاء بالنّسبة الى المال هو الاعطاء و بالنّسبة الى الحكم هو الاعلام و لا جامع بينهما مع امكان ان يقال بعدم وجود القدر المشترك فى الموصول ايضا و لو اريد به الشي‏ء و نحوه لأنّ المقدر على تقدير كون المراد به المال الاعطاء و على تقدير كون المراد به الحكم الاطاعة و الامتثال و نحوهما ثمّ على تقدير وجود الجامع فى الموصول و الصّلة ليست الآية ظاهرة فيه و مع عدم الظهور لا ينفع وجود القدر المشترك ضرورة لزوم الاخذ بالظّواهر دون المحتمل مع انّك قد عرفت ظهور الآية فى اعطاء المال فقط

قوله نعم فى رواية عبد الأعلى اه‏

يمكن ان يكون المراد بالمعرفة معرفة الصّفات الثبوتية و السلبيّة للواجب و كونها عين الذّات و معرفة صفات النبى(ص)و الائمّة (عليهم السّلام) بطريق التفصيل من الادلّة العقليّة و النقليّة المفيدة للعلم و غير ذلك من تفاصيل المعاد و غيره ممّا يكون فهمهما فى غاية المشقّة و الحرج على غالب عقول العامّة القاصرى العقول الناقصى الادراك فان معرفة ذلك كذلك موضوع عنهم لانّه خارج عن وسعهم و قد سمعت ما ذكره ثقة الاسلام فى ديباجة الكافى من انّ التكليف موضوع عن اهل الضّرر و الزّمانة و يدلّ عليه الاخبار ايضا و اوضحنا ذلك فيما تقدم فح لا تكون الرّواية منافية لما قدّمنا من ظهور الآية فى عدم التكليف الحرجى‏

قوله و منها

13

قوله تعالى‏

وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏ الآية فى سورة بنى اسرائيل‏

قوله او يلتزم بوجوب التاكيد

هذا الالتزام ممّا يرفع ثمرة النزاع بين الاصولى و الاخبارى فى باب الملازمة اذ ثمرته انّما تظهر فى مورد عدم التاكيد و انفراد العقل بحكم كما لا يخفى و مع وجوب التاكيد من باب اللطف الممتنع اخلاله تعالى به كيف يتحقق انفراده به و لاجل هذا صرّح فى القوانين فى مقام ردّ الدليل الثالث للاخباريّين المبنىّ على قاعدة اللّطف بمنع وجوب هذا اللطف الخاصّ يعنى تاكيد العقل بالنقل هذا لكن قال فيها فى بعض كلماته السّابقة على هذا و ينادى بذلك قولهم فى الكتب الكلاميّة بوجوب اللّطف و انّ اللطف انّما هو لتعاضد العقل بالنقل حتى يكمل به البيان و يثبت به الحجّة فبين كلامه تناقض صريح الّا ان يكون هذا الكلام المبنىّ على وجوب كلّ لطف مبنيّا على راى الأصحاب لا على رايه هذا و يمكن تحقق انفراد العقل بالحكم و حصول ثمرة النّزاع بانّ اللّطف حاصل مع بيان النبىّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جميع الاحكام حتى ارش الخدش للنّاس كما هو قول بعضهم و دلّ عليه الاخبار الكثيرة و اختفاء الاحكام انّما حصل بتقصير الوسائط او مع نصب الامام الغائب ارواح العالمين له الفداء الّذى بيان الاحكام قطرة من بحار فوائده (عجّل اللّه فرجه) و خفائه و غيبته الباعثان على اختفاء الأحكام انّما حصل بتقصيرنا و لذا قال المحقّق الطّوسى بانّ عدمه منّا

قوله و فيه انّ ظاهره الاخبار بوقوع اه‏

و فيه انّه ذكر بعض المفسّرين و نقل عن الكشاف ايضا فى معناها انّه و ما صحّ و استقام منّا بل استحال فى سنّتنا المبنيّة على الحكم البالغة ان نعذّب قوما الّا بعد ان نبعث رسولا فيلزمهم الحجّة و هذا المعنى يشمل العذاب الاخروى ايضا و ايضا فلفظة كان هنا بمعنى الاستمرار مثل قوله تعالى‏ وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً الى غير ذلك فيشمل العذاب الاخروى ايضا و ايضا رحمته و كرمه تعالى اذا اقتضى عدم العذاب الدنيوى الّا بعد البيان فاقتضاؤهما لعدم العذاب الاخروى‏ (1) بدونه بطريق اولى و من العجب انّه (قدس سره) اشار فى الآية الثانية الى الفحوى و لم يشر اليها هنا اصلا و ممّا ذكر ظهر دلالة الآية على الرّجوع الى البراءة عند الشكّ و عدم البيان و مثل الآية المزبورة قوله تعالى‏

____________

(1) الاشد

14

وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى‏ حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى‏ إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ‏ على ما نبّه عليه شيخنا (قدس سره) فى الحاشية و قوله تعالى ذلك‏ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى‏ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها غافِلُونَ‏ و قوله تعالى‏ وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏ و قوله تعالى‏ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏ و قوله تعالى‏ وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ‏ و قوله تعالى‏ وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً و قوله تعالى‏ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏ الى غير ذلك من الآيات الّتى تدلّ او تشعر بعدم الاهلاك و التعذيب الّا بعد اتمام الحجّة عموما او خصوصا فهى مؤكّدة لحكم العقل بقبح العقاب من غير بيان‏

قوله ثمّ انه ربما يورد التناقض على من جمع اه‏

الجامع بين الاستدلال بالآية لأصل البراءة و ردّ من استدلّ بها لعدم الملازمة بين حكم العقل و الشّرع هو الفاضل التّونى (قدس سره) و تقريب الاستدلال بالآية لاصل البراءة قد مضى فى كلام المصنّف و الاستدلال بها لنفى الملازمة مبنى على جعل الرّسول بمعناه الظاهر لا كناية عن البيان سواء كان بلسان العقل او بالنّقل و على انّ معنى الآية عدم وقوع التعذيب فى الآخرة بدون بيان الرّسول و ان حكم به العقل المستقلّ ايضا فتدلّ الآية على عدم حجّية العقل اذ لو كان حجّة لوقع التعذيب على مخالفته و لو فى الجملة كالاحكام النقليّة و قد ردّ الفاضل التّونى هذا الاستدلال بانّ المستفاد من الآية نفى فعليّة التعذيب فى الأحكام الالزاميّة العقليّة و نفى ترتّب فعليّة التعذيب على مخالفة الواجب و الحرام العقلى لا يستلزم عدم كونه حجّة و ما حكم بوجوبه واجبا و ما حكم بحرمته حراما علينا اذا الواجب ما استحق فاعله الثواب و تاركه العقاب و الحرام بالعكس فمع الاستحقاق يترتّب الوجوب و التّحريم و ان لم يكن العذاب متحقّقا فعلا و يمكن ردّ الاستدلال بها لنفى الملازمة ايضا بانّ الحكم الصّادر من اللّه تعالى للرّسول قد يكون مستفادا من الكتاب و السنّة و غيرهما و قد يستفاد من العقل اذ بعد ما

15

حكم العقل بشي‏ء من جهة قطعه بالمصلحة او بالمفسدة فبالضّرورة يقطع بانّ الحكم الصّادر من اللّه للرّسول ايضا هو ما ادركه العقل لأنّ اللّه تعالى يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذى القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و هذا الّذى ذكرنا مستفاد من كلمات المصنّف فى باب حجّية القطع و غيره و مستفاد من القوانين ايضا و امّا المورد للتناقض على صاحب الوافية فهو المحقق القمّى ره فى القوانين حيث قال فى باب اصل البراءة و العجب من بعض الأعاظم حيث جمع فى كلامه بين الاستدلال بالآية لاصل البراءة و دفع الاشكال الوارد من جهة الآية على الأحكام العقليّة الالزاميّة بجواز العفو عن اللّه تعالى انتهى و وجه ايراد التناقض عليه ما اشار اليه المصنّف بقوله فانّ الأخبار بنفى التّعذيب اه يعنى انّ الاخبار بنفى التعذيب فى الآية ان دلّ على عدم استحقاق التعذيب اصلا المستلزم للاباحة فلا وجه لردّ الاستدلال بها لعدم الملازمة اذ يكون ح دلالتها على عدم الملازمة تامة اذ يكون المستفاد منها ح كون ما لم يحكم الشّرع بلزومه مباحا و ان حكم العقل بلزومه و ان لم يدلّ على ذلك بل دلّ على عدم فعليّة العذاب و ان بقى الاستحقاق له فلا تدلّ الآية على اصل البراءة لأنّ مقتضاه عدم استحقاق العقاب الملازم لعدم الوجوب و التّحريم فى مرحلة الظاهر فقول المصنّف فانّ الاخبار بنفى التعذيب لا يراد التناقض كما انّ قوله بان نفى فعليّة التعذيب متعلّق بردّ من استدلّ اه هذا و العجب من المحقّق المزبور حيث قال فى مقام ردّ الاستدلال بالآية لنفى الملازمة فى بعض كلماته و دلالة نفى التعذيب على الاباحة فيه منع ظاهر و قال بعد ذلك فى مقام الاستدلال بالآية لاصل البراءة و عدم التعذيب كناية عن انّه ليس هناك ايجاب و تحريم حتّى نبعث رسولا و الّا فيلزم انفكاك اللّازم عن الملزوم و الاخبار عن العفو عن المؤاخذة عن جميع المحرّمات و ترك الواجبات الى زمان يستلزم الغاء الايجاب و التحريم الّا ان يقال انّ ما ذكره (قدس سره) فى السّابق ليس مذهبا له و انّما ذكره على سبيل المماشاة و لذا قال اخيرا فالتحقيق فى الجواب انّ الآية من قبيل قوله تعالى‏ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ

قوله بانّ عدم الفعليّة يكفى اه‏

الّا انّه يخرج التمسّك بالآية

16

من الاستدلال الى الجدل الّذى اشير اليه فى الكتاب الالهى بقوله ادع الى سبيل ربّك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالّتى هى احسن مع انّ ظاهر كثير منهم و صريح الآخرين هو الاستدلال دون الجدل فما ذكره المصنّف تبعا لصاحب الفصول من التّوجيه غير مطابق لظاهر كلماتهم‏

قوله الوقوع فى العقاب و الهلاك فعلا اه‏

لا على سبيل الحتم بل يكون سبيل ارتكاب الشبهة سبيل ارتكاب ساير المحرّمات حيث انّها يترتّب عليها العقاب مع عدم العفو بشفاعة الشفعاء و غير ذلك من الحسنات الّتى يذهبن السّيئات بل ستعرف عن الوحيد نقلا عن بعضهم انّ من ارتكب الشّبهة و اتّفق مصادفتها للحرام الواقعى يهلك لا مطلقا بل هو المستفاد من حديث التثليث و نحوه الّذى هو عمدة ادلّتهم اذ يظهر منها انّ ارتكاب الشّبهات قد يوجب مصادفة المحرّمات الواقعيّة الّتى قد توجد فى ضمن المشتبهات لا دائما

قوله كما يظهر من بعض ما فرّعوا

عليه و هو الثواب و العقاب بل القول به اولى من القول به فى مقام وجوب الاحتياط لأنّ الأمر به ارشادى و فيه احتمال المفسدة بخلاف المقام بل هو الظاهر من مساق كلماتهم و استدلالاتهم مثل قوله (عليه السّلام) انّ للّه حجّتين حجّة فى الظّاهر و هى الأنبياء و الرّسل و حجّة فى الباطن و هى العقل و قوله تعالى على ما نقله المعصوم (عليه السّلام) بك اثيب و بك اعاقب و غيرهما فانّ المستفاد منها انّ المحرّم العقلى مثلا و المحرّم الشّرعى على السّواء فكما انّ مرتكب المحرّم الشّرعى مستحق للعقاب و يحتمل عدم فعليّته امّا من جهة العفو عن اللّه تعالى ابتداء او بعد شفاعة الشفعاء او من جهة غير ذلك كذلك المحرّم العقلى و صرّح بما ذكرنا المحقق القمّى ره حيث قال فى بعض الحواشى على القوانين انّ مقتضى ما تقدّم من الرّد ان يسلم عدم العقاب فعلا و المدّعى انّ العقل يحكم بالعقاب الّا مع غفران اللّه تعالى‏

قوله و جاز التمسّك به هناك‏

يعنى فى مقام نفى الملازمة

قوله لا دلالة لها على المطلب فى المقامين‏

امّا فى مقام اصل البراءة فلما ذكره المصنّف من انّ الآية واردة فى مقام نفى العذاب الدنيوى لا الاخروى و امّا فى مقام نفى الملازمة فلما ذكره ايضا من انّ نفى العذاب فعلا لا ينافى استحقاقه و المطلوب فى باب الملازمة هو ثبوت الاستحقاق فقط و قد عرفت ضعف كلا الوجهين فالانصاف دلالة الآية و امثالها على حجّية اصل البراءة و امّا فى مقام نفى الملازمة فالانصاف عدم دلالة الآية عليه كما ذكره لا لما ذكره لما ذكرنا مضافا الى انّ ما ذكره من ظهور الآية فى نفى العذاب الدنيوى ينافى تسليمه لدلالة الآية على نفى العذاب الاخروى‏

17

فعلا لا استحقاقا الّا ان يكون على سبيل التنزّل بل لما ذكره من كون بعث الرّسول كناية عن بيان التكليف او كون العموم مخصّصا بغير المستقلّات العقليّة

قوله و منها قوله تعالى‏

وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً الآية فى سورة البراءة

قوله و فيه ما تقدّم فى الآية اه‏

يعنى انّ الآية اخبار بعدم وقوع الخذلان الدنيوىّ من اللّه تعالى الّا بعد البيان و لا ربط له بتوقّف الخذلان الاخروى على البيان مع انّ دلالة هذه الآية اضعف من الآية السّابقة لأنّ مفادها توقّف العذاب على البيان و مفاد هذه الآية توقّف الخذلان على البيان و هو غير المدّعى الّا ان يقال بانّ توقّف الخذلان على البيان يستلزم توقّف العذاب الدنيوى على البيان بطريق اولى لأنّ العذاب اشدّ من الخذلان و بهذا التقرير يظهر لك عدم اضعفيّة الآية الثانية عن الاولى لكن يكون ضعف الدّلالة باقيا فيهما من جهة الاختصاص بالخذلان و العذاب الدنيوى هذا و بما ذكرنا فى الآية السّابقة يظهر لك دلالة هذه الآية ايضا على المطلوب اوّلا بانّ لفظ كان للاستمرار فيشمل الخذلان الاخروى ايضا و يتاتى فيه اولويّة توقّف العذاب الاخروى عليه و ثانيا بانّه على تقدير ظهور الآية فى الخذلان الدّنيوى فقط يتم دلالتها على توقّف العذاب الاخروى على البيان ايضا بطريق اولى فتدبّر

قوله و فى دلالتها تامّل ظاهر

لاحتمال كون المراد بالبيّنة المعجزة الدالّة على صدق الرّسول(ص)و كون المراد بالهلاكة الكفر الّذى يوجب الهلاك الدّائم و كون المراد بالحياة الاسلام فتدبّر

قوله طريق الرّد على اليهود

كذا فى ما عندنا من نسخ الكتاب و الصّواب ذكر المشركين و اهل الجاهليّة و قد نصّ المفسّرون فيما عندنا من كتب التّفسير كتفسير الفخر الرّازى و مجمع البيان و البرهان على انّ هذه الآية ردّ عليهم حيث قالوا بتحريم بعض الأشياء مثل البحيرة (1) و الحام و الوصيلة و قالوا انّ ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لذكورهم دون الاناث و ان كانت ميتة فهم فيه شركاء و غير ذلك من عقايدهم الفاسدة و يدلّ على ذلك كون السّورة مكيّة و اكثر آياتها حجاج على المشركين و على من كذّب بالبعث و النشور كما صرّح به فى مجمع البيان مع انّ سياق الآيات السّابقة ايضا يدلّ على ذلك حيث قال اللّه تعالى‏ وَ كَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ‏ الى قوله تعالى‏ وَ قالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ‏ (2) وَ أَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً الى قوله‏ وَ قالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَ مُحَرَّمٌ عَلى‏ أَزْواجِنا الى غير ذلك من الآيات‏

قوله فيما صدر من اللّه من الأحكام‏

يعنى الأحكام الواقعيّة او الاعمّ منها و من الظّاهريّة مع عدم‏

____________

(1) و السّائبة

(2) و انعام حرّمت ظهورها

18

عروض اختفاء شي‏ء منها و من المعلوم انّ عدم وجدان التّحريم ح مع شدّة الفحص و البحث يوجب العلم بعدمه مع انّه لو كان عدم الوجدان غير موجب للعلم و موجبا للاخذ بالعدم فى الصّورة المفروضة لا موجب للاخذ به فى مفروض بحثنا فى مورد اختفاء كثير من الأحكام‏

قوله لا يجوز الحكم بحرمة ما لم يوجد اه‏

فلعلّ الاخبارى لا يقول بالتزام الحكم بالحرمة بل بالتزام الترك فى مقام العمل لكن سيأتى فى مقام حكاية ما ذكره بعضهم من المذاهب الاربعة للاخباريّين القول بالاحتياط و القول بالتوقف و القول بالحرمة الظّاهريّة و القول بالحرمة الواقعيّة انّه لا يبعدان يكون تغايرها اعتباريّا و باعتبار تغاير العنوان فعليه يكون جميع الاخباريين قائلين بالحرمة امّا واقعيّة و امّا ظاهريّة

قوله و هذه تدلّ على انّه لا يجوز الالتزام اه‏

لا يخفى انّ التزام المشركين بترك الاكل انّما كان من جهة الالتزام بالتحريم فلا وجه لقوله قدّه و ان لم يحكم بحرمته و يشير اليه قوله تعالى و قد فصّل لكم ما حرّم عليكم‏

[اما السنة فيذكر منها فى المقام اخبار كثيرة]

قوله بسند صحيح فى الخصال كما عن التوحيد

فى مرآة العقول روى الصّدوق بسند صحيح فى الخصال و التّوحيد عن أبي عبد اللّه(ع)قال قال رسول اللّه(ص)رفع عن امّتى تسعة اه و انّما خصّ الحكم بالصّحة بالخصال و التوحيد لأنّ الحديث المذكور منقول فى اصول الكافى بسند فيه رفع كما سيأتي فى كلام المصنّف ايضا

قوله رفع آثارها او خصوص المؤاخذة

لا يتوقّف تقريب الاستدلال على كون المراد رفع الآثار او خصوص المؤاخذة اذ يتم الاستدلال على تقدير كون المراد رفع الأثر المناسب فانّ الاثر المناسب المرفوع فيما لا يعلمون هو المؤاخذة و ان امكن كونه غيرها فى غيره كلّا ام بعضا فكما انّه على تقدير خصوص المؤاخذة فى الجميع يتم المطلب كذلك على تقدير كون الاثر المناسب خصوص المؤاخذة فيما لا يعلمون و يرد على الاستدلال المزبور ايضا ان رفع المؤاخذة و العذاب فعلا لا ينافى الاستحقاق بل المناسب للامتنان و التفضّل كما هو مقتضى الاختصاص بالأمّة المرحومة هو كونهم مستحقين للعقاب و المؤاخذة عند المصادفة لكن اللّه تعالى دفعه عنهم لشرف النبىّ(ص)فيخرج الحديث عن الدلالة على حجّية اصل البراءة لأنّ مقتضاها عدم الحرمة فى مرحلة الظّاهر و عدم استحقاق العقاب اصلا و يردّه انّ الحديث المذكور يكون ح مساقا للجدل و الرّد على الاخباريّين حيث التزموا بالعقاب امّا مطلقا او على تقدير المصادفة و لا يكون برهانا و ظاهر الاستدلال هو الثّانى لا الأوّل‏

قوله بانّ الظاهر من الموصول إلى قوله هو فعل المكلف اه‏

يمكن ان يورد عليه بانّ الظّاهر و ان كان هو فعل المكلّف بقرينة الاخوات‏

19

لكن لا مانع من الالتزام بالتّعميم فانّ شرب التتن و امثاله من الشبهات الحكميّة ايضا ممّا لا يعلمون فانّ تحريمه غير معلوم كما انّ شرب المائع المردّد ممّا لا يعلمون من جهة عدم العلم بكونه شرب خمر او خلّ و المستفاد من الرّواية رفع المؤاخذة عن كلّ فعل لا يعلمونه حكما او موضوعا و من المعلوم انّ منشأ تطرّق المؤاخذة فى المائع المردّد هو احتمال حرمته لأحتمال كونه خمرا فالمرتفع اوّلا و بالذّات هو التحريم فى مرحلة الظّاهر فقط فيما لا يعلمون او فى مرحلة الواقع ايضا كما فى مورد التّكليف الشّاق و الاضطرار و امثالهما فالالتزام بالتّعميم الموجب لتماميّة الاستدلال بالحديث ممّا لا ضير فيه كما قرّرنا و ليس المراد التعميم حسب ما قرّره المصنّف (قدس سره) من كون المراد بما لا يعلمون هو الحكم فى الشبهات الحكميّة و فعل المكلّف فى الشبهات الموضوعيّة حتى يرد بما ذكره من انّه لا معنى للمؤاخذة على الحرمة المجهولة بل بالمعنى الّذى ذكرنا من كون المراد هو فعل المكلّف الاعمّ من مشتبه الحكم و مشتبه الموضوع و يؤيّد ما ذكرنا ما ذكره العلامة المجلسى فى مرآة العقول حيث قال بعد ذكر الحديث المرفوع الآتي المطابق لهذا الحديث ظاهره معذوريّة الجاهل مطلقا و يدلّ عليه فحاوى كثير من الآيات و الاخبار و لا يبعد العمل به الّا فيما اخرجه الدليل و لكن اكثر الأصحاب اقتصروا فى العمل به على مواضع مخصوصة ذكروها فى كتب الفروع كالصّلاة مع نجاسة الثوب و البدن او موضع السّجود او فى الثوب و المكان المغصوبين او ترك الجهر و الإخفات فى موضعهما اه‏

قوله و لا معنى للمؤاخذة على نفس الحرمة المجهولة

لأنّ المؤاخذة انّما هى على فعل المكلّف و الحرمة حكم شرعى صدر انشائه من الشارع و لا معنى للمؤاخذة على ما صدر من الشّارع‏

قوله فلو جعل المقدر فى كلّ من هذه التّسعة اه‏

مقصوده (قدس سره) ابداء الفرق بين كون المقدر المؤاخذة و بين كونه الأثر المناسب بانّه على التقدير الاوّل يكون مفاد الحديث عدم المؤاخذة على نفس الحكم الشّرعى و لا معنى له و على التقدير الثانى يكون مفاده رفع الاثر للحكم الغير المعلوم فيقال بانّ المؤاخذة كما تكون اثر الفعل الحرام كذلك تكون اثرا للحرمة و نهى الشّارع اذ لو لا النّهى لم يتحقق المؤاخذة كما انّه لو لا الارتكاب للمنهىّ عنه لم يتحقق المؤاخذة فتكون نتيجة رفع الاثر المناسب رفع المؤاخذة فيستقيم ح كون المراد ممّا لا يعلمون هو الحكم الشّرعى المشتبه لكن تقدير الاثر المناسب على النّهج المذكور خلاف الظاهر فانّ الظاهر عرفا تقدير المؤاخذة لا الأثر

20

المناسب و فيه اوّلا انّ ارتكاب الحرام سبب قريب او جزء اخير للعلّة التامّة بخلاف نهى الشّارع فانّه ليس كذلك و الشّي‏ء انّما يستند الى السّبب القريب او الجزء الاخير من العلّة التامّة لا الى غيره و ثانيا انّ المراد بتقدير الأثر المناسب ليس تقدير لفظ الأثر كما يفهم من ملاحظة النظائر مثل قوله حرّمت عليكم امّهاتكم اه و انّما حرّم عليكم الميتة و الدّم و لحم الخنزير حيث انّ الأثر المناسب فى الاوّل الوطى و فى الميتة الاكل و فى الدّم الشّرب او الاكل و غير ذلك فيكون المقدر فيها احد المذكورات لا الاثر فيكون المراد من تقدير الاثر المناسب بالنّسبة الى الخطاء و النسيان و ما لا يعلمون و جملة ممّا ذكر فى الحديث المؤاخذة و فى بعضها كالطّيرة التاثير و فى بعضها غير ذلك فيعود المحذور من انّه لا معنى للمؤاخذة على نفس الحرمة المجهولة و لعلّ ذلك ظاهر

قوله باعتبار دلالة الاقتضاء

و المدلول بدلالة الاقتضاء هو ان يكون صدق الكلام او صحّته عقلا او شرعا او عرفا موقوفا عليه قوله و هو الاقرب اعتبارا اى بحسب الاعتبار العقلى لانّ نفى جميع الآثار اقرب الى نفى الحقيقة من نفى الاثر المناسب و من تقدير المؤاخذة فى الكلّ‏

قوله و الظاهر ان يقدر المؤاخذة فى الكلّ‏

سيأتي فى مقام نقل بعض الرّوايات ان رفع الخطاء و النّسيان و الإكراه و ما لا يطاق هى الّتى استوهبها النّبى(ص)من اللّه تعالى و حكى اللّه ذلك فى القرآن بقوله‏ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا اه فيكون التعبير بقوله لا تؤاخذنا ممّا يمكن ان يكون قرينته على انّ المقدّر فى حديث الرّفع هو المؤاخذة لكن بالنّسبة الى الخطاء و النّسيان و امّا بالنّسبة الى الى التكاليف الشاقّة و ما لا يطاق فالمستفاد من الآية حيث قال ربّنا و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الّذين من قبلنا ربّنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به كون السّؤال عن رفع التكليف الواقعى و المستفاد من الرّواية اجابة اللّه تعالى للرّسول(ص)فى ذلك كلّه فالحكم بلزوم تقدير المؤاخذة فى الكلّ غير واضح‏

قوله فعن المحاسن عن ابيه اه‏

فى الوسائل هكذا فى المحاسن عن ابيه عن صفوان بن يحيى و احمد بن محمّد بن ابى نصر جميعا عن ابى الحسن (عليه السّلام)

قوله فتامّل‏

وجه التامّل ان ما ذكر تفكيك ركيك فى الرّواية لا يسوغ ارتكابه الّا ان يقال ان النّبوى المحكى فى كلام الإمام غير ما نحن فيه قوله اشكل الامر فى كثير من هذه الامور كما فى الاضطرار و الإكراه و الخطاء و النسيان و غيرها

قوله و ما اضطروا اليه‏

ذكر الاضطرار لا يناسب المقام اذ ليس ممّا استوهبها النبىّ(ص)و لذا ضرب فى بعض النّسخ و هو

21

الصّواب‏

قوله هى بعينها ممّا استوهبها النّبىّ(ص)

فى الصّافى عن القمّى و العيّاشى عن الصّادق (عليه السّلام) انّ هذه الآية مشافهة اللّه لنبيّها لما اسرى به الى السّماء قال النبىّ(ص)لما انتهيت الى سدرة المنتهى الى ان قال فقلت ربّنا لا تؤاخذنا ان نسينا او أخطأنا فقال اللّه لا أؤاخذكم فقلت ربّنا لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الّذين من قبلنا فقال لا احملك فقلت ربّنا و لا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به و اعف عنّا و اغفر لنا و ارحمنا انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين فقال اللّه تبارك و تعالى قد اعطيتك ذلك لك و لأمّتك الحديث و فيه عن الاحتجاج عن الكاظم عن آبائه عن امير المؤمنين(ع)يذكر فيه مناقب رسول اللّه(ص)الى ان قال فقال النبىّ(ص)اذا سمع ذلك اما اذا فعلت ذلك بى و بامّتى فزدني قال سل قال ربّنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا قال اللّه تعالى لست أؤاخذ امّتك بالنّسيان و الخطاء لكرامتك علىّ و كانت الامم السّالفة اذا نسوا ما ذكّروا به فتحت عليهم ابواب العذاب و قد رفعت ذلك عن امّتك و كانت الامم السّالفة اذا أخطئوا اخذوا بالخطاء و عوقبوا عليه و قد رفعت ذلك عن امّتك لكرامتك علىّ فقال النبىّ(ص)اللّهمّ اذا اعطيتنى ذلك فزدنى فقال اللّه تعالى له سل قال‏ رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا يعنى بالإصر الشّدائد الّتى كانت على من قبلنا فاجابه اللّه الى ذلك فقال تبارك اسمه قد رفعت عن امّتك الآصار الّتى كانت على الأمم السّالفة كنت لا اقبل صلاتهم الّا فى بقاع من الارض معلومة اخترتها لهم و ان بعدت و قد جعلت الارض كلّها لك و لامّتك مسجدا و طهورا و كانت الأمم السّالفة اذا اصابهم أذى من نجاسة قرضوها من اجسادهم و قد جعلت الماء طهورا لأمّتك و كانت الأمم السّالفة تحمل قرابينها على اعناقها الى بيت المقدّس الى ان قال و قد جعلت قربان امّتك فى بطون فقرائها و مساكينها الى ان قال فقال النبى(ص)اذا اعطيتنى ذلك كلّه فزدنى قال سل قال ربّنا و لا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به قال تبارك اسمه قد فعلت ذلك بك و بامّتك و قد رفعت عنهم عظيم بلايا الامم و ذلك حكمى فى جميع الأمم ان لا اكلّف خلقا فوق طاقتهم الحديث‏

قوله (قدس سره) فانّ الخطاء و النسيان الصّادرين اه‏

ما ذكره (قدس سره) قد جعله فى مجمع البيان المعنى الثانى للآية قال (قدس سره) و الثانى انّ معنى قوله تعالى ان نسينا ان تعرضنا لأسباب يقع عندها النسيان عن الأمر او الغفلة عن الواجب او أخطأنا اى تعرضنا الاسباب يقع عندها الخطاء و يحسن الدّعاء بذلك‏

22

كما يحسن الاعتذار منه انتهى و فى مرآة العقول قال بعضهم معنى الآية ربّنا لا تؤاخذنا بما ارى منّا الى خطاء او نسيان من تقصير و قلّة مبالاة فانّ الخطاء و النّسيان اغلب ما يكونان من عدم الاعتناء بالشّي‏ء انتهى‏

قوله و كذا المؤاخذة على ما لا يعلمون مع امكان الاحتياط

لا يخفى انّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان انّما هو مع امكان الاحتياط فلا بدّ من توجيه العبارة بان يقال انّه لا يقبح المؤاخذة مع امكان ايجاب الاحتياط و شأنيّته فمع انه كان مقتضى ايجاب الاحتياط موجودا لم يوجبه الشّارع و رفعه صرّح بهذا شيخنا (قدس سره) فى مجلس البحث‏

قوله و كذا فى التكليف الشاقّ الناشى اه‏

لا يخفى عدم صحّة التقيد بالقيد المذكور فان التكليف الشّاق اذا لم يبلغ درجة اختلال النظام ليس قبيحا اصلا و لذا وقع فى الشّرائع السّابقة بل فى هذه الشّريعة المطهّرة ايضا فى الجملة كالحجّ و الجهاد و غير ذلك غاية الأمر انّ المثبت للتكليف الشّاق فى هذه الشريعة دليل خاصّ يكون مقدّما على حديث الرّفع و غيره لكونها عامّة نعم يمكن عدم الغناء عن القيد المذكور على مذهب الفاضل النراقى (قدس سره) من قبح التكليف الشّاق و عدم وروده فى الشّريعة بضرب من البيان فيمكن على قوله التّفصيل بين ما اذا كان التكليف الشاق ناشيا عن اختيار المكلّف فلا قبح و امّا اذا كان ناشيا عن غير اختياره فيقبح لكن ما اختاره (قدس سره) مضعّف فى محلّه و انت خبير بان التّوجيه الّذى ذكره المصنّف ره ضعيف من جهة اخرى ايضا فان رواية الاحتجاج صريحة فى وقوع التكاليف الشاقّة الّتى لم تنشأ عن اختيار المكلّف ايضا فى الشّرائع السّابقة مثل كون صلاتهم فى بقاع معلومة و ان بعدت و حمل قرابينهم على اعناقهم الى بيت المقدّس و قرض اجسادهم عن النجاسة اذا اصابتها و غير ذلك‏

قوله (قدس سره) فلا يبعد ان يراد به العذاب و العقوبة

لا يخفى انّ ما ذكره ينافى استشهاد الامام (عليه السّلام) بالآية فى مقام نقل حديث الرّفع ففى اصول الكافى عن عمرو بن مروان قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول قال رسول اللّه(ص)رفع عن امّتى اربع خصال خطاؤها و نسيانها و ما اكرهوا عليه و ما لم يطيقوا و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ‏ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ و قوله‏ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ لكن ما ذكره (قدس سره) موافق لبعض التفاسير للآية ففى مجمع البيان قوله‏ رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ قيل فيه وجوه الاوّل‏

23

ما يثقل علينا تحمّله من انواع التكاليف و الامتحان و الثّانى انّ معناه ما لا طاقة لنا به من العذاب عاجلا و آجلا و الثالث انّه على سبيل التعبّد و ان كان سبحانه لا يكلّف احدا ما لا يطيقه انتهى و المعنى الاوّل مطابق لما نقلنا من الرّواية فيكون قوله‏ رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ عطفا تفسيريّا و المعنى الثّانى مطابق لما ذكره المصنّف و قد سمعت ما فى رواية الاحتجاج من قوله تعالى و قد فعلت ذلك بك و بامّتك و قد رفعت عنهم عظيم بلايا الامم و ذلك حكمى فى جميع الامم ان لا اكلّف خلقا فوق طاقتهم فذيله يدلّ على انّ المراد به المعنى الثالث الّذى ذكره فى مجمع البيان و ان المراد به هو المعنى الظاهر منه و قوله تعالى و قد رفعت عنهم عظيم بلايا الامم يفهم منه انّ المراد المعنى الثانى الّذى ذكره فى مجمع البيان و ذكره المصنّف (قدس سره) و اللّه العالم قوله و ان ذكرها بعض الفحول هو العلّامة على ما حكاه فى مفتاح الكرامة قال بعد نقل مذهب ابن ادريس بصحّة الصّلاة فى الثوب المغصوب نسيانا مستدلّا بانّه قد رفع النّسيان عن الأمّة و معناه رفع جميع احكامه لانّه اقرب المجازات الى الحقيقة من رفع بعضها كالعقاب عليه و ردّه المصنّف بمنع العموم فى احكام النسيان لأنّه يلزم زيادة الاضمار و هو محذور مع الاكتفاء بالاقلّ قوله و هو كما ترى اذ كثرة الأضمار انما يلزم لو قدّر كلّ اثر على حدّة و ليس بلازم بل يمكن ان يقدّر لفظ واحد مثل لفظ الآثار او اللّوازم او ما يجرى مجراهما فلا يلزم ما ذكر قوله و فيه انّما يحسن الرّجوع اليه يعنى انّ المدّعى اثبات ظهور الرّواية فى رفع المؤاخذة و لا ربط له بالاخذ بالقدر المتيقّن لأنّ الاخذ بالقدر المتيقّن انّما هو فى صورة اجمال الرّواية و تردّدها بين الأقلّ و الأكثر و الّا فلو كان اللّفظ ظاهرا فى شي‏ء يجب الاخذ به سواء كان قدرا متيقّنا ام لا فالطّريقة المذكورة لا تلائم ما هو المدّعى قوله يوجب عدم التخصيص فى عموم الادلّة اه الأدلّة المثبتة للآثار على ضربين قسم يثبت الآثار الّتى لا تنافى ثبوت المؤاخذة كالأدلّة الدالّة على الضّمان و الدّية و الكفارة و نحوها فى موضوعاتها مطلقا فى الخطاء و النسيان و الجهل و الاضطرار و فى مورد الحرج و غيرها و قسم يثبت الآثار الّتى تكون لازمها العقلى لو لم يكن مانع هو ثبوت المؤاخذة مثل ما دلّ على وجوب شي‏ء او حرمته او جزئيّته شي‏ء او شرطيّته فى الموضوعات اللّابشرط من العلم و الجهل و الخطاء و النّسيان و العمد و الحرج و غيرها و حديث الرّفع لا يوجب التخصيص فى شي‏ء منهما على‏

24

تقدير المؤاخذة امّا القسم الاوّل فظاهر لانّها لا تنافى ثبوت المؤاخذة و لا عدمها فلا يكون حديث رفع المؤاخذة مخصّصا لها امّا القسم الثّانى فهو و ان كان لازمه لو لا المانع ثبوت المؤاخذة لكن استحقاق المؤاخذة اثر عقلى مترتّب عليه و حديث الرّفع على التقدير المذكور انّما يرفع ما هو لازم الادلّة المذكورة و لا يكون مخصّصا لها فى شي‏ء و انّما يكون مخصّصا لو ارتفع به اثر من الآثار الشرعيّة و المفروض عدمه هذا و لكن لا يخفى انّه لا بدّ من التخصيص بناء على تقدير المؤاخذة بناء على ما سيجي‏ء من المصنّف عن قريب من انّ المرفوع لا بدّ ان يكون حكما شرعيّا يكون الرّفع متوجّها اليه بالذّات و الى المؤاخذة ثانيا و بالعرض كوجوب التحفّظ فى الخطاء و النسيان و وجوب الوضوء و الغسل و غيرهما و الحرمة و غيرها فى موارد الحرج و الاضطرار و ما لا يطاق و وجوب الاحتياط فى مورد ما لا يعلمون و غير ذلك بل الرّفع فى بعضها واقعىّ لا ظاهرىّ غاية الأمر ان التّخصيص على تقدير المؤاخذة اقلّ منه على تقدير جميع الآثار فلا يشمل موارد الضّمانات و الكفارات و الدّيات و كذلك غيرها ممّا يشبهها و ممّا ذكرنا يظهر انّ ما يستفاد من ظاهر كلام المصنّف هنا لا وجه له و لعلّه الوجه فى عدوله عن ذلك بقوله فانّ المخصّص اذا كان مردّدا بين ما يوجب قلة الخارج اه و بالجملة فكلام المصنّف هنا مختلّ النّظام قوله و حملها على العموم يوجب التخصيص فيها اذ لا بدّ من حمل الادلّة المثبتة للآثار المزبورة على غير صورة الخطاء و النّسيان و الجهل و الاضطرار و امثالها فيكون تخصيصا لا محالة قوله فتامّل وجه التامّل ان قوله السّابق من حيث ان حملها على خصوص المؤاخذة يوجب عدم التخصيص فى عموم الأدلّة يدلّ على ان الكلام فى الشكّ فى اصل التخصيص و التعليل بقوله فانّ المخصّص اذا كان مجملا من جهة تردّده اه انّما يتاتى فى الشكّ فى مقدار التخصيص بعد الفراغ عن ثبوت اصل التخصيص و يمكن دفعه بانّ المقصود بيان المطلب فى المقام بطريق اولى لأنّ ظهور اللّفظ فى العام فى الأوّل ظهور وضعىّ بخلافه فى الثانى و الظهور الوضعى اقوى فاذا كان ظهور اللّفظ فى تمام الباقى فى الثانى موجبا لرفع اجمال الخاصّ فكونه موجبا لرفع اجماله فى الاوّل اقوى و يمكن ان يكون وجه التامّل ان ما يصلح للتخصيص اذا كان مجملا بالاجمال المفهومى فقد يكون مردّدا بين معنيين متباينين يكون باحدهما مخصّصا دون الآخر مثل قوله اكرم العلماء الّا زيدا

25

و اشترك زيد بين العالم و الجاهل و حكم هذا القسم الاخذ بظهور العام و الحكم بكونه مبيّنا لاجمال زيد و حمله على زيد الجاهل كما صرّح به المصنّف فى باب ظواهر الألفاظ و قد يكون مردّدا بين معنيين كذلك و لكن يصلح كونه بكل واحد منهما على سبيل البدل مخصّصا كما فى المثال المذكور على تقدير كون زيد مشتركا بين شخصين كلاهما عالم و حكم هذا القسم سراية اجمالا الى العام فيحكم بعدم حجّيته بقدر الإجمال و لا فرق فى هذا الأخير بين كون الإجمال مفهوميّا كالمثال او مصداقيا كاقتلوا المشركين الّا بعض اليهود و قد يكون مردّدا بين الاقلّ و الاكثر و هو على ضربين ضرب يكون الاقلّ غير داخل فى الاكثر مثل اكرم العلماء الّا الزّيدين مع اشتراكه بين شخص مسمّى به و شخصين مسمّيين بزيد و حكم هذا حكم المتباينين و ضرب يكون الاقلّ داخلا فى الاكثر مثل اكرم العلماء الّا فسّاقهم او لا تكرم فسّاقهم اذا شكّ فى كون الفاسق مرتكب الكبائر فقط او يعمّه و مرتكب الصّغائر و حكمه انّه اذا كان المخصّص متّصلا يسرى اجماله الى العام فيخرج العام عن الحجيّة بقدر الإجمال و امّا اذا كان منفصلا كما فى المقام لا يسرى اجماله الى العام بل يحكم بظهوره و لكن يكون الخاصّ باقيا على اجماله و لا يكون العام موجبا لظهوره و رفع اجماله خصوصا اذا كان المخصّص المزبور حاكما فى المقام اذ لا معنى لكون المحكوم مبيّنا لاجمال الحاكم و شارحا له فيكون التامّل على هذا التقدير فى كون العام مبيّنا لاجمال الخاصّ و موجبا لظهوره فلا يصحّ قوله الّا ان يراد اثبات ظهورها فى رفع المؤاخذة هذا لكن ذكر شيخنا ره فى الحاشية فى مقام بيان وجه التامّل انّ التمسّك بظهور العام فى رفع اجمال الخاصّ محلّ كلام فيما لو ورد هناك عام و ورد دليل منفصل مجمل يوجب تخصيصه على تقدير و لا يوجبه على تقدير آخر كما اذا ورد من المولى امر باكرام العلماء و ورد منه نهى عن اكرام زيد و كان مشتركا بين عالم و جاهل فانه لا اشكال فى انّ اجماله لا يسرى فى ظهور العام و امّا سراية ظهوره فى اجماله و دفعه و الحكم بانه ظاهر من جهة اصالة العموم فى ارادة الجاهل فهو محلّ تامّل و من هنا امر شيخنا بالتأمّل و ان كان الاظهر عندنا رفع العموم للإجمال اه و قد عرفت شرح الكلام فى ذلك مضافا الى منافاته لما صرّح به المصنّف فى باب حجّية ظواهر الألفاظ من تسليم رفع العموم لاجمال الخاصّ فى الصّورة المزبورة كما عرفت منا عن قريب هذا لكن ما ذكر فى وجه التامّل مناف لما ذكر فى التقريرات المنسوبة اليه من تسليم بقاء

26

العام على ظهوره و رفعه لاجمال الخاصّ المردّد بين الاقلّ و الاكثر اذا كان منفصلا و يمكن ان يكون وجه التامّل ما اشرنا اليه عن قريب من انّ المخصّص اذا كان حاكما و شارحا لا يكون العام المحكوم ظاهرا و مبيّنا لاجمال الخاصّ و رافعا لاجماله لكونه تعليقيّا بالنّسبة اليه و لو كان المخصّص المزبور منفصلا كما فى المقام و اللّه العالم و هو الحاكم فتامّل فى ذلك‏

قوله اذ لا يعقل رفع الآثار الشرعيّة المترتبة على الخطاء و السّهو اه‏

انّما لا يعقل اذا كان المراد من الرّفع هو المعنى الحقيقى و امّا اذا كان المراد منه الاعمّ من الدّفع كما سيأتي التّصريح به منه (قدس سره) فلا شكّ فى صحّة دفع الآثار الشرعيّة المترتبة على الخطاء و السّهو من حيث هذين العنوانين كما لا شك فى صحّة رفع الآثار الشرعيّة المترتبة على الموضوعات لا بشرط العنوانين المذكورين مع انّه يشبه ان يكون الحق فى معنى الحديث رفع ما كان ثابتا فى الامم السّابقة من الأحكام المترتّبة على الخطاء و النسيان و غيرهما فيكون الرّفع بمعناه الحقيقى و ينبه عليه الاختصاص بالأمّة المرحومة و انّ الاصل الحقيقة و قد صرّح بذلك فى رواية الاحتجاج و قد ذكرنا ما ذكر فيها بالنّسبة الى التكاليف الشاقّة و فيها ايضا و كانت الامّة السّالفة اذا نسوا ما ذكّروا به فتحت عليهم ابواب العذاب و قد رفعت ذلك عن امّتك و كانت الامم السالفة اذا أخطئوا اخذوا بالخطاء و عوقبوا عليه و قد رفعت ذلك عن امّتك الحديث و يجرى ذلك بالنّسبة الى جميع الفقرات التسع المذكورة فى الرّواية فيكون المراد رفع ما كان منها ثابتا و لو فى الجملة فى الامم السّابقة و ما سيأتي من رواية متضمّنة لعدم نجاة احد من النّبى(ص)و من دونه من الحسد و الطيرة و التفكّر فلا بدّ من طرحها او تاويلها بما لا ينافى ما ذكرنا و سيأتى الكلام فيه و يدلّ على ما ذكرنا فى معنى الحديث ما سيأتى من الأشكال فى رفع الأحكام اللّابشرطية بالنّسبة الى النّسيان و ما لا يعلمون و الخطأ فانتظر و على ما ذكرنا يكون المراد رفع الآثار المترتّبة على الخطاء و النسيان من حيث هذين العنوانين من غير اشكال و يفهم من كلامه فى المقام حيث حكم بعدم المعقوليّة و مثل بما ذكر انّ المراد رفع الآثار الثابتة فى هذه الشّريعة و هو مناف لما صرّح عن قريب من انّ رفع الامور المذكورة من خواصّ امة النبىّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو من مثله غريب‏

قوله ثم انّ المراد بالآثار الآثار الشرعيّة اه‏

انّما يكون المراد ذلك لأنّ الشارع من حيث انّه شارع شانه بيان اثبات الاحكام الشرعيّة و رفعها و انّما يكون المراد الآثار الشرعيّة بلا واسطة لقصور

27

اخبار البراءة عن اثباتها و كذلك الامر فى ساير الاصول العمليّة حتّى الاستصحاب حيث انّه لا يكون مشيته كمشيتها حجّة لقصور اخباره كاخبارها و ادلتها على اثبات الحكم الشرعى مع الواسطة و كذلك اثبات الملزومات لمواردها لأنّ لسان اخباره اثبات اللّوازم لا الملزومات و ليس السّبب فى ذلك تعارض الأصل فى الثابت و المثبت فى الاستصحاب كما ذكره فى الفصول لما سيأتى بل لما ذكرنا و كذلك الاصول الموضوعيّة كاصالة الصّحة و قاعدة الشكّ بعد الفراغ و بعد المحلّ و سيأتى التّصريح بذلك منه (قدس سره) فى تضاعيف كلماته فى باب الاستصحاب فانتظر

قوله فان قلت على ما ذكرت‏

يعنى من ان المراد الآثار الشرعيّة اللّابشرطيّة الثابتة لموضوعاتها بلا واسطة

قوله و امّا المؤاخذة فليست اه‏

مع انّها متفرعة على المخالفة بقيد العمد اذ مناطها و هو المعصية لا تتحقق الّا بذلك فاللّازم ذكره ايضا

قوله و الحاصل ان المرتفع فيما لا يعلمون‏

تصوير المرتفع فيما لا يخلو عن صعوبة و اشكال اذ هو امّا الحكم الواقعى فمن المعلوم انّه غير صحيح لان الحكم الواقعى لا يمكن تغييره بالعلم و الجهل لاستلزامه الدّور و التّصويب الباطل و امّا الحكم الفعلى و هو ايضا غير صحيح لانّه ليس شيئا وراء الحكم الواقعى غاية الامر انّه حكم واقعى منجّز و ليس مجعولا بجعل على حدة حتى يرتفع بحديث الرّفع و ايضا العقل مستقلّ بقبح العقاب من غير بيان فلا مقتضى للحكم الفعلى حتى يرتفع بحديث الرّفع و ايضا الحكم الفعلى على تقدير تسليم كونه مجعولا بجعل على حدة ليس لازما للحكم الواقعى اللّابشرط حتى لا يتخلّف عنه فكم من حكم واقعى ثابت فى مرحلة الواقع و لم يصل الى مرتبة الفعليّة و التنجّز فى أوائل البعثة و فى امثال زماننا ايضا و امّا وجوب الاحتياط و هو ايضا غير صحيح لأنّه ثابت فى موضوع الجهل و الشكّ و ليس لا بشرط حتى يرتفع بحديث الرفع و ايضا هو ليس لازما للحكم الواقعى اللابشرط لتخلّفه عنه كثيرا مع استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان فلا مقتضى لثبوته و ما سيأتى فى باب الشكّ فى الجزئيّة من كفاية توهّم ثبوت المقتضى ايضا غير مسلّم و ايضا على تقدير كون وجوب الاحتياط لازما و اثرا للحكم الواقعى فهو ليس اثرا شرعيّا بل هو حكم عقلى و قد اشار الى ذلك حيث امر بالتامّل فى اوائل الكتاب فى فروع العلم الاجمالى و سيأتى التصريح به منه (قدس سره) فى هذا الجزء من الكتاب و بما ذكر ظهر الخلل فى ما ذكره‏

28

المصنّف و امّا ما يمكن ان يقال فى تصحيح المطلب من ان المرتفع هو الحكم الواقعى لكن لا مطلقا بل باعتبار بعض مراتبه و هو الحكم الفعلى فليس المرتفع اوّلا هو الحكم الفعلى حتّى يرد الأشكال او انّ المرتفع هو الحكم الواقعى باعتبار بعض آثاره و هو وجوب الاحتياط او انّ المرتفع شأنيّة وجوب الاحتياط لا نفسه ففساده غنّى عن البيان سيّما الأخير و يأتى بعض ما ذكر فى الخطاء و النّسيان فالمناسب التشبّث بذيل ما ذكرنا عن قريب من انّ الحديث اشارة الى نسخ قبض ما كان ثابتا فى الشّريعة السّابقة ممّا لا ينافى حكم العقل بقبح التكليف مع ترتبه على العنوانات المذكورة فتدبّر

قوله و نظير ذلك ما ربما يقال‏

اى نظير الأشكال الّذى ذكر فى قوله فان قلت ما يقال فى ردّ من تمسّك اه و كون هذا نظيرا له من جهة كونه توهّما ناشيا ممّا ذكر من انّ المرفوع هو الآثار الشرعيّة اللابشرطيّة بلا واسطة كالتوهّم المذكور فى قوله فان قلت و الّا فهذا ليس نظيرا له فى الحقيقة لانّ ما سبق مبنىّ على عدم امكان رفع المؤاخذة و لا الآثار الشرعيّة بلا واسطة و هذا التوهّم مبنىّ على تماميّة دلالة الحديث و عدم تطرقه فى مقام التمسّك به على عدم وجوب الاعادة فالفرق بينهما بيّن و جعل هذا الكلام اشارة الى ما سيذكر بقوله و يردّه ما تقدم فى نظيره من ان الرّفع اه يصلح المطلب لانّه نظير ما ذكره هنا من انّ المرتفع هو ايجاب التّحفظ الّذى هو امر مجعول بالذّات و يلزمه ارتفاع امر غير مجعول لكن العبارة لا تساعد هذا المعنى اصلا بل لا بدّ ان يقال و نظير ذلك ما ربما يقال فى ردّ من تمسّك اه كما لا يخفى ثمّ انّ قوله من انّ اه بيان لما يقال‏

قوله ما تقدّم فى نظيره‏

و هو ما ذكره عن قريب من انّ المرتفع هو ايجاب التّحفظ و يلزمه ارتفاع العقاب و استحقاقه فالمرتفع امر مجعول بالذّات مترتّب عليه امر غير مجعول‏

قوله فتامّل‏

وجه التامّل انّ الشرطيّة و الجزئيّة ليستا من المجعولات الشرعيّة و سيأتي فى باب الاستصحاب نقلا عن السيّد الصّدر (قدس سره) انّه الّذى استقرّ عليه رأى المحقّقين الّا ان يقال انّ الرّفع متعلّق بالحكم الشّرعى اعنى وجوب السّورة او الاستقبال مثلا و هو ايضا محلّ منع لانّ خطاب الناسى غير معقول لانّ المكلّف اذا التفت الى الخطاب يرتفع النسيان فلا يمكن تعلّق حكم به و جعل النّسيان و العمد من قبيل الحضر و السّفر بان يكونا منوّعين للاحكام غير صحيح لما ذكرنا من عدم امكان‏

29

جعل النّاسى موضوعا للخطاب و لانّ الحكم الواقعى ثابت فى الموضوع اللابشرط من العلم و النسيان و الّا لزم كون العلم بالحكم شرطا فيه و هو الدّور المحال و التصويب الباطل و وجوب الاعادة او القضاء حيث قلنا به انّما هو بعد الالتفات لا حين النسيان و ليس الحكم الشرعى الفرعى كالشرطيّة و الجزئية على القول بالمجعوليّة اذ هما لا يستلزمان الخطاب فيمكن تعلّق الرّفع بهما حين النسيان بخلاف الوجوب المستلزم للخطاب نعم اذا فعل الناسى الصّلاة مثلا بلا سورة بعد فرض قصد القربة و امتثال الأمر الواقعى مع استمرار النسيان كانت صلاته بدلا عن الصّلاة المأمور بها مشتملة على مصلحتها مسقطة لامرها و ان لم تكن مامورا بها اذا قاد الدّليل الى ذلك فتكون نظير التوصّليات من جهة ان الاتيان بها و ان كانت بمقدّمات محرّمة تسقط الوجوب و المقام مثلها من جهة الاسقاط لا من جهة الحرمة كما لا يخفى و كذا الكلام فى الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام حيث انّ الجاهل فيها معذور فانّه بعد قصد القربة ايضا بدل عن المامور به مسقط عنه مع انّ التكليف الواقعى ثابت لم يتغيّر عن حاله و كذلك الوضوء لأجل غايات اخرى لا لأجل الصّلاة فانّه يكون مسقطا للرّجحان الذّاتى بعد فرض عدم كونه للصّلاة و عدم وجوبه لغايات اخرى هذا و قد ذكر بعض المحقّقين فى هذا المقام انّ انتزاعيّة الاحكام الوضعيّة لا ينافى كونها شرعيّة اذ المراد من الشرعيّة فى المقام ما يناله يد التصرّف بالرّفع و الوضع و لو بالواسطة و هى كذلك بتبعيّة ما ينتزع منها من الاحكام التكليفيّة ثم قال و ان ابيت الّا عن كون الاحكام الوضعيّة ليست بشرعيّة فنقول انّ المرفوع نفس ما انتزع عنه الجزئيّة و الشرطيّة و هو وجوب المركّب منه او المقيّد به الى آخر ما قال و يظهر فساد ما ذكره اخيرا ممّا ذكرنا من انّ الناسى ليس قابلا للخطاب وضعا و رفعا و ما ذكره اوّلا ممنوع بانّ الاحكام الوضعيّة اذا كانت انتزاعيّة فكيف تكون من الاحكام و الإنشاءات الشرعيّة و على تقدير جواز تسميتها بالشرعيّة فاذا كانت تابعة للاحكام التكليفيّة فامّا ان ترتفع المنتزع عنها و امّا ان لا ترتفع فعلى الاوّل لا اشكال فى ارتفاع الاحكام الوضعيّة ايضا لكن بتبعيّتها فيكون المرتفع اولا و بالذّات هو الاحكام التكليفيّة و على الثانى لا معنى لارتفاع الاحكام الوضعيّة مع بقاء ما انتزعت منه و اللّه العالم‏

قوله نظير ساير المحرّمات الإلهيّة اه‏

مثل اكل الدّم‏

30

و الميتة و لحم الخنزير و غير ذلك فى حال المخمصة و الضّرورة الشّديدة و التداوى و غير ذلك نعم هناك كلام فى جواز التّداوى بالخمر او شربه لدفع ضرر الجوع و العطش فقد ذهب الشيخ فى محكى خلافه و مبسوطه على عدم جوازه مع انّ المصرّح به فى كثير من الاخبار جوازه ايضا و التفصيل فى محلّه‏

قوله عدم وجوب تحمّل الضّرر لدفع الضّرر عن الغير

و يستثنى من ذلك القتل فانّه لا يجوز ارتكابه بل يجب عليه تحمّل الضّرر و ان كان نفسيّا و كذلك استثنى فى بعض الاخبار البراءة عن امير المؤمنين (عليه السّلام) و ان جوز السبّ فى مقام التقيّة و التفصيل فى محلّه ايضا

قوله و ظاهره رفع المؤاخذة عن الحسد

امّا ان يكون المرفوع حرمة الحسد شرعا و إن كان حراما خلقيّا و امّا ان يكون المؤاخذة بان يكون حراما فى الشّرع لكن اخبر الشّارع بالعفو عنه نظير الظّهار و غيره و احتمال العفو و ان كان حاصلا فى جميع المعاصى غير الكفر الّا انّ الشّارع اذا اخبر بالعفو عن معصيته فيقطع به لامتناع الكذب عليه هذا اذا كان اخبار الشّارع قطعيّا و الّا فلا يحصل القطع بالعفو و يكون مظنونا و الظاهر الاوّل كما فى نظائره من الخطاء و النسيان و غيرهما ممّا ذكر فى الحديث اذ المرفوع فيها هو الحرمة و انّ المؤاخذة مرتفعة بتبعيّتها

قوله مع مخالفته لظاهر الاخبار اه‏

فانّ ظاهرها بل ظاهر كثير من الآيات كونه حراما شرعيّا

قوله و يمكن حمله على ما اذا لم يظهر اه‏

و هذا الحمل قوىّ متين قد ذكره المجلسى ره فى البحار ايضا كما سيأتي نقله و يؤيد هذا الحمل ان اصل الحسد حاصل بغير الاختيار و قلما يخلو احد عنه ان لم نقل بعدم خلو احد منه كما سيأتى فكيف يكون حراما مطلقا

قوله فى مرفوعة الهندى عن أبي عبد اللّه(ع)

هكذا ما عندنا من النسخ و فى نسختنا من الكافى النّهدى بتقديم النّون على الهاء و كذا فى الوسائل عنه و فى الرّجال محمّد بن احمد النّهدى بتقديم النّون و هو حمدان القلانسى كوفىّ فقيه ثقة خيّر

قوله و روى ثلاثة لا يسلم منها

احد رواه ابن الاثير فى محكى النّهاية

قوله و سيأتى فى رواية الخصال ان المؤمن اه‏

لم يذكر ذلك فيما سيأتى فى مقام نقلها فكانه سهو من قلمه الشّريف و فى الوسائل نقل الرّواية عن الخصال كما نقله المصنّف و ليس فيها الّا انّ المؤمن لا يستعمل حسده نعم فى الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن علىّ بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابى عمير عن ابى مالك الحضرمى عن حمزة بن حمران عن ابى عبد اللّه(ع)قال ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه التفكّر فى الوسوسة فى الخلق و الطيرة و الحسد الّا انّ‏

31

المؤمن لا يستعمل حسده‏

قوله و لاجل ذلك عدّ فى الدّروس‏

(1) لما ذكره مبنى على انّ الحسد مع عدم التظاهر لا يكون معصية عنده و ليس فى كلامه دلالة على ذلك‏

قوله و فى الشّرائع انّ الحسد معصية

و كذا فى القواعد ايضا و لا دلالة فى كلامه ايضا على ما ذكره المصنّف ففى كشف اللّثام فى شرح كلام العلّامة و لما كان كلّ منهما قلبيّا كان التظاهر بذلك قادحا فى العدالة و فى المبسوط انّه ان ظهر منه سبّ و قول فحش فهو فاسق و الّا ردّت شهادته للعداوة انتهى و قد نسب فى مرآة العقول حرمة الحسد مطلقا الى المشهور بل فى المسالك فى شرح كلام المحقّق لا خلاف فى تحريم هذين الامرين و التّهديد عليهما فى الأخبار و هما من الكبائر فيقدحان فى العدالة مطلقا و انّما جعل التظاهر بهما قادحا لأنّهما من الاعمال القلبيّة فلا يتحقق تاثيرهما فى الشهادة الّا مع اظهارهما و إن كانا محرّمين بدون الاظهار و مع ذلك فما ذكره المصنّف من الحمل تبعا للعلّامة المجلسى (قدس سرهما) لا يخلو عن قوّة كما اشرنا اليه قال العلّامة المجلسى فى البحار بعد ان نقل عن العلّامة فى المختلف انّ الشيخ ره جعل الحسد ما الاولى تركه و انّ ابن ادريس قال بوجوب تركه و انّه الاقرب اقول ان نظر الشيخ ره جعل الحسد الى ما اومأنا اليه سابقا انّ الحسد المحرّم انّما هو مع اظهاره لا مع عدم الاظهار و امّا اصل الحسد فهو مكروه اه و قال فى مرآة العقول فى مقام شرح رواية النّهدى المرويّة فى الكافى الى قوله (عليه السّلام) ما لم يظهر بلسان أو يد قوله و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد يدلّ على انّ الحسد ليس بمعصية مع عدم الإظهار و هو خلاف المشهور و يؤيّده قوله فى خبر الرّوضة لم يخل منها نبىّ فمن دونه و هو انسب بسعة رحمة اللّه و نفى الحرج فى الدّين فانّه قلّ من يخلو من ذلك فما ورد من ذمّ الحسد و عقوباته يمكن حمله على ما اذا كان مع الاظهار انتهى‏

قوله و امّا الطيرة

قال فى محكى النّهاية الاثيريّة فيه لا عدوى و لا طيرة الطيرة بكسر الطّاء و فتح الياء و قد تسكن هى التشام بالشّي‏ء و هو مصدر تطير يقال تطيّر طيرة و تخير خيرة و لم يجئ من المصادر هكذا غيرهما و اصله فيما يقال التطير بالسّوانح و البوارح من الطّير و الظباء و و نحوهما و كان ذلك يصدّهم عن مقاصدهم فنفاه الشّرع و ابطله و نهى عنه و اخبر انه ليس له جلب نفع و دفع ضرّ و قد تكرّر ذكرها فى الحديث اسما و فعلا و منه الحديث ثلث لا

____________

(1) تأييد ما فى الدّروس‏

32

يسلم منها احد الحسد و الطيرة و الظنّ قيل فما نضع قال اذا تطيّرت فامض و اذا حسدت فلا تبغ و اذا ظننت فلا تتحقق و منه الحديث الآخر الطيرة شرك و ما منّا الّا و لكنّ اللّه يذهبه بالتوكّل هكذا جاء الحديث مقطوعا و لم يذكر المستثنى ثمّ قال و انّما جعل الطيرة من الشرك لانّهم كانوا يعتقدون ان التطير يجلب لهم نفعا او يدفع عنهم ضرّا اذا عملوا بموجبه كانّهم اشركوه مع اللّه فى ذلك و قوله و لكن اللّه يذهبه بالتوكّل معناه اذا خطر له عارض من التطيّر فتوكّل على اللّه و سلّم اليه و لم يعمل بذلك الخاطر غفره اللّه و لم يؤاخذه به‏

قوله و المراد امّا رفع المؤاخذة

و هذان المعنيان ممّا يستفاد ممّا ذكره ابن الاثير فى النهاية على ما حكينا عنه و ذكرهما المجلسى (قدس سره) فى مرآة العقول ايضا قال (قدس سره) كون الطيرة موضوعة يحتمل ثلاثة معان الاوّل وضع المؤاخذة و العقاب عن هذا الخطور و الثانى رفع تاثيرها عن هذه الامّة ببركة ما وصل اليهم من الرّسول(ص)و الأئمّة (عليهم السّلام) و الثالث انّ المراد بوضعها دفعها و المنع و الزّجر عن العمل بها فلا يكون على سياق ساير الفقرات و الاوّل اظهر انتهى باختصار و ما جعله (قدس سره) اظهر هو المتعيّن ان قلنا بانّ المرفوع هو الاثر الشّرعى فيكون رفع المؤاخذة تبعيّته و ان قلنا بامكان رفع الاثر العادى و العقلى فللثّانى ايضا وجه‏

قوله و المراد به كما قيل وسوسة الشّيطان فى امر الخلقة

قال العلّامة المجلسىّ ره فى مرآة العقول و الوسوسة فى التفكّر سيأتي إن شاء الله اللّه عن أبي عبد اللّه ثلث لم ينج منها نبىّ فمن دونه التفكر فى الوسوسة فى الخلق و الطيرة و الحسد الّا انّ المؤمن لا يستعمل حسده و على التقديرين يحتمل هذه الفقرة وجوها الاوّل ان يكون المراد وساوس الشيطان بسبب التفكّر فى احوال الخلق و سوء الظن بهم بما يشاهد منهم فان هذا الشي‏ء لا يمكن دفعه عن النّفس لكن يجب عليه ان لا يحكم بهذا الظنّ و لا يعمل بموجبه من القدح فيهم و ردّ شهادتهم و نحو ذلك و يؤيّده الخبر الّذى رواه فى النهاية حيث ذكر مكانها الظّنّ و قال و اذا ظننت فلا تحقق الثّانى التفكر فى الوساوس الّتى تحدث فى النّفس فى مبدا خلق الاشياء و انّ اللّه سبحانه من خلقه و كيف وجد و اين هو ممّا لو تفوّه به لكان كفر او يؤيّده الاخبار الّتى مضت فى باب الوسوسة و حديث النفس و قد روت العامة فى صحاحهم انّه سئل النبىّ(ص)عن الوسوسة فقال تلك محض‏

33

الايمان ثم قال الثالث ان يتفكّر فى القضاء و القدر و خلق اعمال العباد و الحكمة فى خلق بعض الشّرور فى العالم كخلق ابليس و الموذيات و غير ذلك كلّه معفوّ عنه اذا لم يستقر فى النفس و لم يحصل بسببه شكّ فى حكمة الخالق و عدله و لعلّ الاوّل هنا اظهر و ان كان للثانى شواهد كثيرة انتهى و ما ذكره المصنّف اوّلا هو المعنى الثانى الّذى ذكره (قدس سره) و ما ذكره ثانيا هو المعنى الاوّل الّذى ذكره و المعنيان الاخيران مبنيّان على تقدم التفكر على الوسوسة و المعنى الاوّل على العكس و ان كان يمكن ابتناء الكلّ على الكل و قد اشار اليه المصنّف بقوله و هما واحد و قد ورد فى النّبوىّ الاوّل تقديم التفكّر على الوسوسة و كذا فيما نقل فى مرآة العقول و الوسائل عن الكلينى ثلث لم ينج منها نبيّ فمن دونه التفكّر فى الوسوسة فى الخلق الى قوله(ص)الّا انّ المؤمن لا يستعمل حسده و كذلك فى رواية الخصال الّتى سينقله المصنّف ثلاثة لم يعر منها نبىّ فمن دونه الى قوله و الحسد و مع ما عرفت من المعنى الصّحيح و وجوده فى روايتين او ثلث كيف يذكر المصنّف ان الثّانى لعلّه اشتباه من الرّاوى‏

قوله و قد استفاضت الاخبار بالعفو عنه ففى صحيحة اه‏

قد ذكر المصنّف خمس روايات كلّها مذكورة فى الكافى و قد اقتصر عليها كما انّه اقتصر عليها و فى فقه الرّضا على ما حكى اروى انه سئل العالم (عليه السّلام) عن حديث النّفس فقال من يطيق ان لا تحدث نفسه و سألت العالم عن الوسوسة و ان كثرت قال لا شي‏ء فيها يقول لا إله الّا اللّه و اروى انّ رجلا قال للعالم يقع فى قلبى امر عظيم فقال قل لا إله الّا اللّه و فى خبر آخر لا حول و لا قوّة الّا باللّه و روى عنه انّ اللّه تبارك و تعالى عفى لامّتى عن وساوس الصّدور و اروى عنه انّ اللّه تجاوز لامّتى عمّا تحدث به انفسها الّا ما كان يعقد عليه و اروى اذا خطر ببالك فى عظمته و جبروته او بعض صفاته شي‏ء من الأشياء فقل لا إله الّا اللّه محمّد رسول اللّه علىّ امير المؤمنين اذا قلت ذلك عدت الى محض الايمان و كثير من هذه الرّوايات مطابقة لما فى الكافى و قد سمعت رواية العامّة عن النبىّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) انه سئل عن الوسوسة فقال تلك محض الايمان و رووا ايضا عنه(ص)قال انّ اللّه تجاوز لى عن امّتى ما حدّثت به انفسهم ما لم يتكلّم به او يعمل به قيل امره بالتوحيد لوجوه الاوّل ان لا ياتيه الموت و هو على تلك الحال الثّانى نفى ما القى فى نفسه ان للاله الها آخر الثالث انّ‏

34

تلك الكلمة تطرد الخبيث و تدفعه الرابع ان سلسلة الممكنات منتهية اليه فلا يوجد له موجد

قوله الوسوسة فى امور النّاس و سوء الظنّ بهم‏

قد سمعت انّ المجلسى (قدس سره) قد ذكر هذين المعنيين مع المعنى الثالث فى مرآة العقول و قد ذكر هذين المعنيين فى السّماء و العالم قال بعد الذكر المعنى الثانى و يؤيّده ما رواه الجزرى فى النّهاية مشيرا به الى قوله و اذا صليت فلا تحقق‏

قوله و فى الخصال بسند فيه رفع‏

قال صاحب الوسائل فى الخصال عن ابيه عن احمد بن ادريس و محمّد معا عن الاشعرى رفعه الى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) ثلث لم يعر منها نبىّ الى قوله و التفكّر فى الوسوسة فى الخلق و فى الوسائل ايضا محمّد بن يعقوب عن علىّ بن إبراهيم عن ابيه عن ابن ابى عمير عن ابى مالك الحضرمى عن حمزة بن حمران عن أبي عبد اللّه(ع)ثلاثة لم ينج منها نبيّ فمن دونه التفكر فى الوسوسة فى الخلق و الطيرة و الحسد الّا انّ المؤمن لا يستعمل حسده و قد نقله المجلسىّ ره ايضا عن الكافى بهذه العبارة فيمكن كونهما حديثين و يمكن كونهما حديثا واحدا ورد بطريقين مسند و مرفوع لكن العمل بالخبرين بالنّسبة الى الانبياء و الأئمّة المعصومين مشكل اذ المشهور كما عرفت على كون الحسد حراما مطلقا و على تقدير كونه مكروها او خلاف الاولى لا يليق نبيّنا و الأئمّة (عليهم السّلام) و التفكّر فى الوسوسة قد عرفت ان له ثلاثة معان كلّها لا يليق بالانبياء خصوصا نبيّنا(ص)و كذلك الأئمّة (عليهم السّلام) و ما ذكره الصدوق فى معنى الحديث و ان كان موجبا لتنزيه الانبياء و الأئمّة (عليهم السّلام) و حسنا من هذه الجهة الّا انّه لا يتاتّى فى كلمة فمن دونه و حمل الحديث على المعنى الظّاهر بالنّسبة الى فمن دونه و على خلافه بالنّسبة الى المعصومين(ع)يوجب تفكيكا ركيكا فطرح الحديث او تاويله بحمل الامور الثلاثة بالنّسبة اليهم (عليهم السّلام) الى امر غير اختيارى يمر كالبرق الخاطف و لا يستقرّ اصلا بحيث لا يمكن التحرّز عنه لاحد من المخلوقين متعيّن و اللّه العالم‏

قوله قوله التطيّر بالنبىّ او المؤمن‏

ليس لفظ المؤمن فى الخصال فان فى محكيّه الطّيرة فى هذا الموضع هو ان يتطيّر منهم قومهم و امّا هم (عليهم السّلام) فلا يتطيّرون و ذلك كما قال اللّه عزّ و جلّ عن قوم صالح‏ قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ‏ و كما قال آخرون لانبيائهم‏ إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ‏ الآية و امّا الحسد فهو ان‏

35

يحسدوا لا ان يحسدوا الى ان قال و امّا التفكّر فى الوسوسة فى الخلق فهو بلواهم (عليهم السّلام) باهل الوسوسة لا غير ذلك و ذلك قوله تعالى‏ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ يعنى قال للقرآن ان هذا الّا سحر يؤثر و المجلسى فى السّماء و العالم ايضا نقله هكذا فلعلّ ذكر لفظ المؤمن سهو من قلمه الشريف او كان فى نسخته‏ (1) هكذا

قوله ما حجب اللّه علمه عن العباد

الظاهر من نسبة الحجب الى اللّه كون المحجوب مشتبه الحكم فان شان الشارع بيان الحكم الكلّى لا الجزئى فلا تشتمل الرّواية الشبهة الموضوعيّة

قوله و فيه ان الظاهر

يمكن ادّعاء شموله للحكم الّذى اختفى بعد البيان فانّه ايضا ممّا حجب اللّه علمه عنّا بعد تقصير المقصّرين و على تقدير ظهوره فيما ذكره المصنّف فالاجماع المركّب آت هنا اذ لم يقل احد من الاخباريّين بالفصل بينهما اذ هم يقولون بوجوب الاحتياط مطلقا سواء لم يبيّنه اصلا او عرض الجهل بعد البيان و لا يخفى انّه يتاتى فيه ايضا ما سيذكره فى الناس فى سعة اه من انّ الاخباريّين لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط اه فالمناسب ذكره فى هذا المقام ايضا

قوله و منها قوله النّاس فى سعة ما لا يعلمون‏

و قد نقله فى القوانين بكلمة لم و على التقديرين تحتمل كلمة ماء الموصولة و المصدرية الزّمانية و على التقدير الاوّل لا بد من التلفّظ بكلمة سعة بدون التّنوين و الاضافة الى ما و على الثانى بالتنوين فيكون المعنى النّاس فى سعة عزة عدم علمهم و لعلّ الثانى بالثّانى و الاوّل بالاوّل انسب و على التقديرين فالظاهر من الرّواية انشاء الحكم الظاهرى فى مورد عدم العلم بالحكم الواقعى فمعنى الحديث انّ النّاس فى وسعة شرب التّتن مثلا من حيث كون حكمه الواقعى غير معلوم لهم اى تكون ذمّتهم بريئة فحكمهم البراءة و الاباحة دون الاحتياط و هذا يعارض اخبار الاحتياط و لا يكون من قبيل الاصل بالنّسبة الى الدّليل مع انّك ستعرف عدم دلالة اخبار الاحتياط على وجوبه فى المقام فمن هذه الجهة ايضا يكون دلالته تامّة

قوله و فيه انّ الظّاهر من الرّواية اه‏

ظهور الرّواية فى ما ذكر مستفاد من الباء السببيّة اذا السببيّة فى صورة الجهل المركّب قويّة بخلاف صورة الجهل البسيط

قوله فتامّل‏

وجه التامّل ان التخصيص بصورة الشاكّ الغير المقصّر ممّا لا بدّ منه سواء كان الجهل بسيطا او مركّبا بل هذا التخصيص لازم فى جميع اخبار الباب و لا ينحصر فيما نحن فيه‏

قوله فى مرسلة الفقيه كلّ شي‏ء مطلق اه‏

و على ما روى عن الشيخ (قدس سره) فى الامالى حتى يرد امر او نهى و وقع للمحقق القمّى ره هنا

____________

(1) من الخصال‏

36

ما هو ظاهر الفساد قال (قدس سره) فى مقام ذكر الدليل العقلى المبنىّ على التحسين و التّقبيح العقليين و ما اورد عليه من قوله تعالى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏ و غيره فى بيان ما حقّقه فى كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهى فى عداد كلماته قلت لا يصحّ حمل المعنى الثانى على الاباحة الواقعيّة لانّه لا يصحّ جعله مغيّا بغايته و يدفعه كلمة حتّى و هذا اعتراف منه بالصّواب و مر الحقّ ثمّ قال بعد دفع اشكال تسبيع الاحكام لزيادة الإباحة الظاهرية و المحضر الظّاهرى نعم قد يتّضح هذا الاشكال اذا استدلّ على هذا المطلب بقولهم كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهى و يمكن ان يقال فيه ايضا انّه مباح لمن لم يطلع على النّهى فى نفس الامر و حرام على من اطلع عليه فى نفس الامر لا انّه لغير المطّلع مباح ظاهرا و حرام واقعا نظير ذلك ما بيّنا فى الواجب المشروط بالنّسبة الى الواجد للشرط و الفاقد كما بيّنا مرارا و هذا الكلام مع مناقضته لما سلف منه ظاهر الفساد لأنّه انكار للحكم الظّاهرى رأسا لجريان ما ذكر فى جميعها و مع ذلك فلم يعرف ذلك من احد منهم سوى المحدّث البحرانى و قد نقلنا عبارته فى صدر الكتاب فيما علقنا عليه مع ان ما ذكره فى الواجب المشروط فى باب امر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه و فى باب الخطاب الشفاهى و غيرهما من انحلاله الى حكمين ثبوتى للواجد و سلبى للفاقد غير صحيح ايضا لانّ الوجوب المشروط هو الإنشاء على بعض التقادير (1) و لا يخفى انّ الانشاء على بعض التّقادير ثابت للواجب سواء ثبت المعلّق عليه او انتفى اذ الشرطيّة لا تستلزم صدق الشرط بل تجتمع مع كذبه ايضا كما ذكره المنطقيّون فما ذكره من الانحلال غير مستقيم و اللّه العالم‏

قوله و قد يحتج بصحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج اه‏

فى الوسائل محمّد بن يعقوب عن ابى على الاشعرى عن محمّد بن عبد الجبّار و عن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن صفوان عن عبد الرّحمن بن الحجاج عن ابى ابراهيم (عليه السّلام) قال سألته عن الرّجل يتزوّج المرأة فى عدّتها بجهالة أ هى ممّن لا تحل له ابدا قال لا امّا اذا كان بجهالة فليتزوّجها اه و فيها بعد قوله فانّه لا يقدر على الاحتياط معها فقلت فهو فى الاخرى معذور قال نعم اذا انقضت عدّتها فهو معذور فى ان يتزوّجها فقلت فان كان احدهما متعمّدا و الآخر بجهل فقال الّذى تعمّد لا يحلّ له ان يرجع الى صاحبه ابدا ففى نسخة الكتاب و الحدائق و القوانين باى الجهالتين اعذر و كذا فى فوائد الوحيد ره و

____________

(1) و الوجوب المطلق هو الانشاء على جميع التقادير

37

فى نسخة الوسائل و الكافى و الجواهر باىّ الجهالتين يعذر بالفعل المضارع و هذا هو الظّاهر اذ لا معنى للسّؤال عن المعذوريّة فى صورة الجهل بكونها فى العدّة بعد السّؤال عن الاعذر خصوصا من مثل عبد الرّحمن الرّاوى للرّواية الّذى قال فى حقّه الصادق (عليه السّلام) على ما فى الرّجال الكبير يا عبد الرّحمن كلّم اهل المدينة فانّى احبّ ان يرى فى الرّجال الشّيعة مثلك و قال فى حقّه علماء الرّجال ثقة ثقة وجيه و كان وكيلا لابى عبد اللّه (عليه السّلام) له كتاب و على ما ذكرنا فلا حاجة الى ما ذكره بعض المحشين فى هذا المقام من احتمال كون اعذر فعل ماض من باب الافعال اى صار ذا عذر و انّه لا يبعد ان يكون هذا انسب حيث لا وقع للسّؤال عن المعذوريّة فى الجهالة الاخرى بعد السّؤال عن الاعذر منهما كما لا يخفى فان قيل لا وقع للسّؤال عن المعذورية بجهل كونها فى العدّة مطلقا بعد قوله (عليه السّلام) احدى الجهالتين اهون من الاخرى الجهالة بانّ اللّه حرّم عليه ذلك قلنا اهونيّة الجهل بالتّحريم انّما تقتضى معذورية الجاهل به دون الأخر فيناسب السّؤال عنه هذا و قد استدلّ بالصحيحة المزبورة لاصل البراءة فى الشبهة التحريميّة الحكمية الوحيد البهبهانى على ما نقله عنه فى مفاتيح الاصول و قال فى فوائده العتيقة فى مقام ردّ استدلال الاخباريّين فى ضمن كلماته الّتى ساقها بل ورد فى صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج التصريح بانّ الجهل بنفس الحكم اعذر من الجهل بموضوع الحكم و قال العلامة المجلسىّ فى مرآة العقول فى شرح الصّحيحة المرقومة الثالث صحيح و يدلّ على معذورية الجاهل بالحكم مطلقا فيمكن ان يريد به ما ذكره الوحيد (قدس سرهما) و فيه ان سؤال الراوى انّما كان عن الحكم الوضعى اعنى سببيّة التزويج للحرمة الابديّة فيكون الجواب منزّلا عليه سواء كان الجهل بالعدّة او بالحرمة الّتى هى حكم تكليفى و يدلّ عليه ايضا قوله امّا اذا كان بجهالة فليتزوّجها بعد ما تنقضى عدّتها و قوله فهو معذور فى ان يتزوّجها و قوله فى آخره الّذى تعمّد لا يحلّ له ان يرجع الى صاحبه ابدا و على هذا فلا معنى لحمل المعذوريّة و الاعذريّة على الحكم التكليفى مضافا الى انّ الجهل بالتحريم لا بدّ ان يحمل على الجهل المركّب او الغافل لقوله (عليه السّلام) و ذلك لانّه لا يقدر معها على الاحتياط و لا يعقل فيهما انشاء الحكم الظّاهرى بالإباحة فكيف يمكن الحكم بشمول الاعذريّة للحكم التكليفى ايضا و على ما ذكرنا تكون الرّواية دالّة على معذوريّة الجاهل‏

38

بالتحريم بالمعنيين المزبورين فى الحكم الوضعى المزبور فان كان هناك اجماع بسيط او مركّب على الحاق الجاهل البسيط بالجاهل المركّب فيحكم بالمعذوريّة فى الحكم الوضعى فيه ايضا و الّا فلا و امّا الجهل بالعدّة باقسامها فلا بدّ ان يحمل على البسيط بقرينة المقابلة فانّ تعليل معذوريّة الجاهل بالتّحريم بانّه لا يقدر معها على الاحتياط يدلّ على قدرة الجاهل بالعدّة عليه و الّا لكان تعليلا بالعلّة المشتركة للفرق و هو قبيح فتدلّ الرّواية على معذوريّته بحسب الحكم الوضعى و تدلّ على معذوريّة الجاهل المركّب بالعدّة فى الحكم الوضعىّ ايضا بالطّريق الاولى نعم يمكن فى الصّورة الاولى الحكم بالمعذورية بحسب الحكم التكليفى ايضا بمعنى عدم المؤاخذة ان كان غافلا و كذا ان كان معتقدا للجواز مع القصور لا التقصير لكنّه خارج عن مسئلة البراءة و الاشتغال لانّهما انما يكونان فى مورد الشكّ و لعدم قدرتهما على الاحتياط كما اشار اليه المصنّف ره و مقصود المستدل الرّجوع الى البراءة الّتى لا تتأتّى الّا فى مورد الشكّ و بمثل ما ذكرنا ينبغى تحرير ردّ الاستدلال لا ما ذكره المصنّف كما لا يخفى على من تدبّر

قوله و فيه انّ الجهل بكونها فى العدّة اه‏

بقى قسم آخر و هو الشكّ فى كونها فى العدّة من جهة عدم العلم بحالها من انّها فى سنّ من تحيض او يائسة متوفى عنها زوجها او مطلقة مدخولا بها او غير مدخول بها و يمكن ادّعاء ظهور الرّواية فيه فقط و لا يجرى فيه استصحاب بقاء العدّة بل يمكن ادّعاء جريان استصحاب عدم كونها فيها كما قيل لكنّه ايضا شبهة موضوعيّة خارجة عن محلّ الخلاف مع فرض عدم جريان الاستصحاب ايضا و كان الاولى للمصنّف ذكر هذا القسم ايضا

قوله مع انّ مقتضى الاستصحاب اه‏

و كذلك اصل الفساد المسلّم فى المعاملات و لا يعارضه عموم اوفوا بالعقود و غيره لأنّه فى الشبهة الحكميّة دون الشبهة الموضوعيّة و مع جريان الاستصحابين او احدهما لا يجرى اصل البراءة لوروده او حكومته عليه و يرد على استصحاب الّذى ذكره المصنّف بانّه مخالف لمذهبه فانّ الشكّ فى المقام شكّ فى المقتضى و الاستصحاب انّما يكون حجّة عنه فى الشكّ فى الرّافع دون المقتضى و يمكن دفعه بانّ استصحاب اللّيل و النّهار من المسلّمات حتّى عند الاخباريّين ايضا و لا فرق بينهما و بين غيرهما من استصحاب الشهر و غيره فيكون هذا القسم من الشكّ فى المقتضى ملحقا بالشكّ فى الرّافع فى جريان الاستصحاب فيه ايضا لكن هذا انّما يتمّ اذا كان انقضاء

39

العدّة بالشّهور و امّا اذا كان بالاقراء فلا يتمّ التّوجيه و يرد على الاستصحاب المذكور ايضا بانّه اذا كانت الرّواية ظاهرة فى المعذوريّة فى الحكم التكليفى ايضا فى الصّورة المزبورة فلا يمكن ردّ الرّواية من جهة مخالفتها للاستصحاب لانّه انّما يجرى فى مورد عدم الدّليل على الخلاف و كذلك اصل الفساد

قوله و منه يعلم انّه لو كان الشكّ الخ‏

كون الشبهة فى المقدار حكميّة ممّا لا شبهة فيه لأنّ ازالة الجهل فيهما وظيفة الإمام (عليه السّلام) فقط و ليست من جهة الأمور الخارجيّة و يفهم من قوله و منه مضافا الى تصريحه فيما بعد جريان الاستصحاب فى هذه الصّورة ايضا و فيه اشكال لانّ المقام مثل الغروب الّذى يشكّ فيه من انّه استتار القرص او ذهاب الحمرة فاذا شكّ فى الجزء الأخير انّه آخر اليوم ام لا فان اجرى الاستصحاب فى الجزء المذكور لم يكن له حالة سابقة و ان استصحب اليوم يكون الأصل بالنّسبة اليه مثبتا اذا لم نقل بكون الواسطة خفيّة لكن على تقدير عدم جريان الاستصحاب المذكور يجرى اصل الفساد و لا يعارضه عموم اوفوا بالعقود و ان كانت الشّبهة حكميّة لعدم جريانه قبل الفحص اجماعا و على تقدير عدم جريان الاستصحاب بين المذكورين لا بدّ من الرّجوع الى الاحتياط و قاعدة الاشتغال بل الحكم كذلك فى جميع الموارد قبل الفحص حتّى فى الشبهات الوجوبيّة الحكميّة

قوله لاصالة بقاء العدّة و احكامها

عدم المعذوريّة ليس لأجل اصالة بقاء العدّة و احكامها بل لأجل وجوب الاحتياط فى الشّبهات الحكميّة قبل الفحص مطلقا كما اشرنا حتّى لو لم يجرى الاستصحاب ايضا مع ما عرفت من الاشكال فى جريان الاستصحاب المذكور عن قريب ثمّ انّ الجمع بين الاستصحاب الموضوعى و الحكمى غير سديد لانّ معنى الاستصحاب الموضوعى هو ترتيب الاحكام فلا معنى لاستصحاب الحكم ايضا و سيجي‏ء فى باب الاستصحاب تحقيقه فلعلّه على راى الغير

قوله بل فى رواية انّه اذا علمت اه‏

و هى حسنة يزيد الكناسى عن ابى جعفر (عليه السّلام) ففيها قلت و إن كانت تعلم انّ عليها عدّة و لا تدرى ما هى قال اذا علمت انّ عليها عدّة لزمتها الحجّة فتسأل حتى تعلم‏

قوله و كذا مع الجهل باصل العدّة

يعنى باصل تشريع العدّة فتكون الشّبهة ح حكميّة ايضا و يجب فيه الاحتياط قبل الفحص مع انّ الاصل فيه الفساد و لا يعارضه عموم اوفوا لما ذكر عن قريب‏

قوله و عليه يحمل تعليل اه‏

قد ذكر فى الحدائق انّ الرّواية متكفلة لحكم امرين الجاهل بالحكم‏

40

جهلا ساذجا و الجاهل بالموضوع قال الجاهل بالحكم جهلا ساذجا غير متصور له بالمرّة لا يتصوّر الاحتياط فى حقّه بالكلّية لعدم تصوّره الحكم بالمرّة كما عرفت و امّا الجاهل بكونها فى عدّة مع علمه بتحريم التزويج فى العدّة فهو جاهل بموضوع الحكم مع معلوميّة اصل الحكم له و هذا يمكنه الاحتياط بالفحص و السّؤال من كونها ذات عدّة ام لا الّا انه غير مكلّف به بل ظاهر جملة من الاخبار مرجوحيّة الفحص و السّؤال كما حقّقناه فى محلّ اليق و الظّاهر من كلامه هذا حمل الجهل بالعدّة المذكور فى الرّواية على القسم الاوّل الّذى لم يذكره المصنّف و ذكرنا انّه الظاهر من الرّواية اعنى الجهل بالعدّة من جهة عدم العلم بحالها الّذى هو من الشبهة الموضوعيّة و حمل الجهل بالحكم على القسم الثانى و هو الغافل فتبصّر

قوله الّا انّه اشكال يرد على الرّواية على كلّ تقدير

يعنى انّ الأشكال يرد على الرّواية على جميع التقادير سواء اريد من الجاهلين فى الرّواية الشاكان او الغافلان او الاوّل فى الاوّل و الثانى فى الثّانى اذ على الاوّل يلزم الكذب بداهة قدرة الشاك على الاحتياط و على الثّانى يلزم التعليل بالعلّة المشتركة للفرق و الأولويّة و على الثالث يلزم التفكيك كذا قيل فى بيان ورود الاشكال على كلّ تقدير لكنّه مناف لظاهر العبارة لانّ مرجع الضّمير فى قوله الّا انّه هو تخصيص الجاهل بالتّحريم بهذا التعليل الّذى يدلّ على قدرة الجاهل بالعدّة على الاحتياط فلا يجوز حمله على الغافل فيفهم منه كون الاشكال هو هذا فقط و اصرح منه قوله و محصّله لزوم التفكيك بين الجهالتين حيث جعل الاشكال منحصرا فى لزوم التّفكيك فالاولى فى حلّ العبارة ان يقال ان اشكال لزوم التفكيك وارد على كلّ تقدير سواء حمل الجهل بالعدّة على الجهل فى الشّبهة الموضوعيّة فقط او على الجهل فى الشبهة الحكميّة فقط او عليهما

قوله فتدبّر فيه و فى دفعه‏

وجه رفع الاشكال المذكور ان ظاهر الباء فى قوله و امّا اذا كان بجهالة هو السببيّة فيكون السّؤال و الجواب واردين فى الجهالة الّتى تكون سببا للتّزويج و الجهل بالحرمة انّما يكون سببا للتزويج اذا كان جهلا مركّبا لوجوب الفحص مع التردّد و الجهل البسيط بخلاف الشبهة الموضوعيّة اعنى الجهل بالعدّة فان الاستناد الى الجهل فيها لا ينحصر فى الجهل المركّب بل يحيى فى الجهل البسيط ايضا لعدم وجوب الفحص فى الشبهة الموضوعيّة و لذا علّل الإمام (عليه السّلام) الاهونيّة بقوله لأنّه لا يقدر على الاحتياط معها لانحصار الاوّل فى الجهل المركّب دون الثانى كذا قال شيخنا

41

(قدس سره) فى مجلس البحث و ذكر فى الحاشية انه ليس فى الرّواية تفكيك بعد حمل الجهل فيها على المعنى الاعمّ اى عدم العلم بالواقع مع ارادة الخصوصيّة من الخارج فاللّفظ استعمل فى الجامع و يعلم ارادة الخصوصيّة فى الموردين بقرينة التّعليل و الى ما ذكرنا اشار بقوله فتدبر فيه و فى دفعه و هو كما ترى و ان كان هو يرفع التفكيك كما انّ ما ذكره فى مجلس البحث و ان كان تفكيكا لكنّه ليس تفكيكا ركيكا اذ قاد اليه الدّليل‏

قوله و قد يستدلّ على المطلب اخذا من‏

الشهيد فى الذكرى قال الشهيد فى مقدّمات الذكرى الاصل الرّابع دليل العقل و هو قسمان الاوّل قسم لا يتوقف على الخطاب و هو خمسة الاوّل ما يستفاد من قضية العقل كوجوب ردّ الدّين الثانى التمسّك باصل البراءة عند عدم دليل خاصّ و يسمّى استصحاب حال العقل و قد نبّه عليه فى الحديث بقولهم (عليهم السّلام) كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه و شبه هذا انتهى و ليس فى كلامه الاستدلال بالحديث لاصل البراءة فى الشبهة الحكميّة بل لعلّ مراده التمسّك به فى الجملة و فى الشبهة الموضوعيّة و قد ذكر و شبه هذا فلعلّ مراده الاستدلال بجميع الاخبار لجميع اقسامه و ممّا نقلنا يظهران ما فى حاشية شيخنا (قدس سره) من انّ الحديث ما رواه فى الذكرى عن الكافى فى باب نوادر المعيشة بسنده الصّحيح عن عبد اللّه بن سنان لا يخلو عن مسامحة فلعلّه وجده فى غير الموضع المزبور

قوله و تقريب الاستدلال كما فى شرح الوافية

(1) بيان ما يتعلّق بالحديث المذكور فى الكتاب الّذى ذكره صاحب الوافية فى مقام نقل استدلال القائلين بالاباحة و البراءة اقول الموصوف بالذّات للحكم الشّرعى من الحلّ و الحرمة هو بعض الافعال الاختيارية الّذى ليس ممّا يضطرّ اليه الانسان فى بقائه الى ان قال ثم ان بعضا من هذا البعض من الافعال ان لم يرد لحكمه نصّ لا بلفظ خاصّ و لا عام علم كونه فردا له يصدق عليه انه من جملة الاشياء الّتى تنقسم الى الحلال و الحرام سواء كان متعلّقه مندرجا تحت جنس له نوعان او تحت نوع له صنفان و علم من النصّ حلّية احد النّوعين او الصنفين و حرمة الأحرام لا فالاوّل كاكل اللحم المشترى من السّوق مثلا و الثانى كاستعمال الحشيشة الّتى اشتهرت فى هذه الازمنة مثلا فالشارع جعل اكل اللّحم المذكى حلالا و اكل الميتة حراما و ليس لنا نصّ فى حكم اللّحم الّذى اشتريناه و يحتمل ان يكون فردا من الصّنف المذكى كما يحتمل ان يكون من الصّنف الآخر و امّا

____________

(1) قال السيّد الصّدر ره فى شرح الوافية فى مقام‏

42

الحشيشة فلم نظفر بنصّ يدل على الحلّ و الحرمة فى نوعين او صنفين يحتمل كونها فرد الواحد منهما حتى ينقسم استعمالها من جهة متعلّقه الى الحلال و الحرام و لا ريب انّه يصدق على كلّ من القسمين انّه شي‏ء فيه حلال و حرام عندنا بمعنى انه يجوز لنا ان نجعله مقسما لحكمين فنقول هذا شي‏ء امّا حلال و امّا حرام و انّه من جملة الافعال الّتى يكون بعض انواعها او اصنافها حلالا و بعضها حراما و اشترك القسمان ايضا فى ان الحكم الشّرعى المتعلّق بهما غير معلوم و يفترقان فى انّ الاوّل حكم متعلّقه معلوم بخلاف الثّانى فلو سئلنا عن هذا اللّحم المشترى المتردّد بين الميتة و المذكى هو حلال او حرام لقلنا لا نصّ فيه بخصوصه و لكنه ان كان من المذكى فحلال و ان كان من الميتة فحرام بالنصّ الوارد فيهما و لو سئلنا عن الحشيشة لقلنا مثل الاوّل من غير عقد القضيّة الشرطيّة و العقل لا يرجح اباحة القسم الاول و حرمة الثانى او التوقّف فيه بل لو فرضنا حصر اللّحوم مع القطع بان فيها ميتة و اكلنا الجميع لجزمنا باكل الحرام و لو فرضنا استعمال جميع افراد تلك الحشيشة ما جزمنا بفعل محرّم اذا عرفت هذه المقدّمات فنقول الى ان قال فقوله كل شي‏ء فيه حلال او حرام يحتمل احد معان ثلاثة الاوّل ان كلّ فعل من جملة الافعال الى قوله لعلم حكمه ام لا على ما نقله المصنّف ره الثّانى ان كلّ شي‏ء فيه الحلال و الحرام عندك بمعنى انّك تقسمه الى هذين و تحكم عليه باحدهما لا على التّعيين و لا ندرى المعيّن منهما فهو لك حلال الثّالث ان كلّ شي‏ء نعلم له نوعين او صنفين نصّ الشارع على احدهما بالحلّ و على الآخر بالحرمة و اشتبه عليك اندراج فرد فلا تدرى من اىّ النوعين او الصّنفين فهو لك حلال فيكون معنى قوله فيه حلال و حرام انه ينقسم اليهما و يمكن ان يكون المراد بالشّي‏ء الجزئى المعيّن و حينئذ يكون المعنى انّه يحتمل فيه الحلّ و الحرمة للاشتباه فى كونه فردا للحلال و الحرام مع العلم بهما لنصّ الشّارع عليهما و حاصل المعنيين امر واحد و المعنى الثالث اخصّ من الاوّلين و الثانى مرجعه الى الاوّل و هو الّذى ينفع القائلين بالإباحة و الثالث هو الّذى حمل القائل بوجوب التوقّف و الاحتياط هذه الاحاديث عليه انتهى كلامه رفع مقامه‏

قوله من الافعال الاضطراريّة و الاعيان الّتى لا تتعلّق بها اه‏

لانّ الافعال الاضطراريّة كالتّنفس فى الهواء و هضم الغذاء لا يتّصف بحكم حقّ الحلّية مطلقا حتّى عقلا كما هو واضح و كذا

43

الاعيان المذكورة كجابلقا و جابرسا بداهة انّ موضوع الحكم هو فعل المكلّف‏

قوله و ليس الغرض من ذكر الوصف مجرّد الاحتراز

يعنى انّ الغرض من الوصف و هو جملة قوله فيه حلال و حرام لأنّها صفة نحويّة لشي‏ء شيئان احدهما الاحتراز عمّا ذكر من الافعال الاضطراريّة و غيرها و ثانيهما بيان ما فيه الاشتباه و انّ ما فيه الاشتباه الحلّية و الحرمة لا شي‏ء آخر غيرهما و يرد عليه ما قيل بان كلتا الخاصتين تستفادان من قوله حتى تعلم انه حرام اذ يستفاد منه انّ المقصود بيان حكم المشتبه لأنّ الحكم الواقعى لا يتقيّد بمثل القيد المذكور فيستفاد منه الاحتراز المذكور و انّ الاشتباه فى الحليّة و الحرمة لا فى غيرهما

قوله سواء علم حكم لكلّى فوقه اه‏

هذا بكلا شقّيه ناظر الى الشبهة الموضوعيّة و قوله ام لا ناظر الى الشبهة الحكميّة و الشق الاوّل على تقدير كون المراد بالشي‏ء الّذى فيه حلال و حرام الجزئى الخارجى و الشق الثانى على تقدير كونه الكلّى كما يفهم ممّا نقلنا عنه و سيأتى فى كلام المصنّف ايضا و مثال الاوّل اللحم الخارجى الجزئى المشترى من السّوق المردّد بين كونه فردا من المذكى و بين كونه فردا من الميتة فقد علم حكم الكلّى الفوق اى المذكّى بانّه حلال و الميتة بانّها حرام و يكون الاشتباه فى اندراج المشتبه تحت المذكى او الميتة و مثال الثّانى لحم الغنم مثلا او لحم الغنم المشترى من السّوق مثلا الّذى له نوعان او صنفان المذكى منه و الميتة فقد علم حكم الكلّى الّذى تحت ذلك اللحم من المذكّى و الميتة و يكون الشكّ فى اللحم من جهة الشكّ فى تحقّقه فى ضمن ايّهما فلو علم تحقّقه فى ضمن المذكّى كان حكمه معلوما بانّه حلال و كذا لو علم اندراجه تحت الميتة علم كونه حراما و المقصود من معلوميّة حكمه مع العلم بالتحقّق هو معلوميّة الحصّة المتحقّقة لا مطلقا كما هو واضح كما انّ مراده من الكلّى‏ (1) فى الشقّ الاوّل كونه اعم من المشتبه مطلقا و مراده من الكلّى التحت كونه اخصّ منه مطلقا و المقصود فى كلا الشقّين بيان حكم المشتبه الخارجى و المعنيان متغايران بالاعتبار و قد سمعت فيما نقلنا عنه انّ حاصل المعنيين امر واحد يعنى حاصل جعل الشي‏ء جزئيّا و كليّا و من التّأمّل فيما ذكرنا ظهر بطلان ما ذكره بعض محشى القوانين من ان قوله او تحته لا فائدة فيه لأنّ المشتبه الّذى يكون تحته شي‏ء يكون كليّا لا محالة و هذا الكلّى الفوقانى اذا تحقق فى ضمن التحتانى المعلوم الحكم لا يعلم حكمه من حيث انّه كلّى بذلك‏

____________

(1) الفوق‏

44

و انّما يعلم حكم الحصّة المتحقّقة منه فى ضمن التحتانى و هو لا يرفع الجهالة عن اصل الكلّى و كذا ما ذكره البعض الآخر من محشّيه من التمثيل للكلى المعلوم حكمه الّذى تحت المشتبه بالفقاع بالقياس الى كلى المسكر المشتبه حكمه مع معلوميّة حرمة الفقاع المشكوك فى كونه مسكرا فهو بحيث لو علم تحقق المسكر فيه لعلم حكم المسكر ايضا لانّه يعلم انّ الفقاع انّما حرم لاجل كونه مسكرا و هو كلّى تحته و الّا فلا يعلم حكم المسكر لانّه يعلم انّه انّما حرّم لأجل عنوانه انه الخاصّ اذ فيه مع انّه مجرّد فرض لا تحقق له فى الخارج و لذا رماه بالتكلّف انّه خارج عن موضوع البحث لأنّه فيما اذا كان هناك كلى له صنفان او نوعان صنف او نوع منه حلال و صنف او نوع منه حرام و لم يعلم تحقق الكلّى فى الصّنف الاوّل حتّى يحكم بكونه اى الحصّة المتحقّقة فيه حلالا او فى الصّنف الآخر مثلا حتّى يحكم بكونه حراما و ما ذكره قدّه خارج عن ذلك بالمرّة مع عدم معلوميّة كون الفقاع صنفا او نوعا من المسكر كما فرضه فكيف يكون مثالا لما نحن فيه و كذا ما ذكره بعض محشى الكتاب من انّ المراد بالكلّى الفوق ان يكون بين عنوان المشتبه و الكلّيين الّذين علم حكمهما عموما من وجه كلحم الغنم المشترى من السّوق المردّد بين المذكّى و الميتة مع العلم باباحة المذكّى و حرمة الميتة و المراد بالكلّى التحت ان يكون بين عنوان المشتبه و بين العنوانين الذين علم حكمهما عموم و خصوص مطلقا كما المائع المردد بين الخمر و الخلّ مع العلم بحرمة الخمر و حلّية الخل وجه الفساد انّه مناف لظاهر لفظ الفوق مع انّ فيه تفكيكا مضافا الى تصريح السيّد (قدس سره) فى الشبهة الموضوعيّة بانقسامه الى القسمين اذا كان كليّا و انقسام نوعه اليهما اذا كان جزئيا و القسم لا بدّ ان يكون اخصّ من المقسم و النقض بجواز تقسيم الحيوان مثلا الى الابيض و الاسود مع انّ كلّا منهما اعمّ منه من وجه مندفع بان التقسيم ليس الى مطلق الابيض و الاسود بل الى الحيوان الابيض و الحيوان الاسود نبّه بذلك القوشجى فى شرح التّجريد نعم يرد على السيّد ره انّ نفس الكلىّ المنقسم الى القسمين ليس مشتبها لأنّه يعلم ان قسما منه حرام و قسما منه حلال فيرجع الى كون الحصّة او الفرد الخارجى مشكوكا و لذا قال فى مقام بيان المعنى الثالث مع كون المراد بالشي‏ء الكلى الثالث ان كلّ شي‏ء تعلم له نوعين او صنفين نصّ الشّارع على احدهما بالحلّ و على الآخر بالحرمة

45

و اشتبه عليك اندراج فرد فلا تدرى من اىّ النوعين او الصنفين فهو لك حلال فيكون معنى قوله حلال او حرام انّه ينقسم اليهما اه و يرد عليه غير ذلك ممّا سنذكره فى كلام المصنف عند اخذ الشي‏ء كليّا

قوله و بعبارة اخرى‏

هذا هو المعنى الثانى الّذى ذكره الشّارح السيّد الصّدر (قدس سره) و قد سمعت انّه جعله راجعا الى الاوّل و قد عبّر المحقّق القمّى بهذه العبارة اشارة الى ما ذكره و الّا فليس فى عبارته ذلك اللّفظ فراجع‏

قوله فيقال ح‏

ان الرواية صادقة قد سمعت انّ عبارة السيّد هكذا و لا ريب انّه يصدق على كلّ من القسمين انّه شي‏ء فيه حلال و حرام عندنا الى قوله و اشترك القسمان ايضا فى انّ الحكم الشّرعى المتعلّق بهما غير معلوم و ان هذه العبارة ذكرها فى المقدّمات قبل بيان المعانى الثلاثة لا بعدها و انّه ليس فى عبارته التمثيل بلحم الحمير فراجع فما ذكره (قدس سره) تبعا للمحقّق القمّى فى مقام بيان عبارة السيّد لا يخلو عن خلل ثم انّك تعرف بالتامّل فى عبارات السيّد ره ان قوله و انّه من جملة الافعال الّتى تكون بعض انواعها او اصنافها اه راجع الى الشبهتين الحكميّة كالحشيشة و الموضوعيّة كاللحم المشترى فجعله اشارة الى الشبهة الموضوعيّة فقط كما ذكره بعض محشى الكتاب ليس بالوجه مضافا الى اختلال العطف فى قوله و انه يكون من جملة اه على قوله انه شي‏ء فيه حلال و حرام عندنا اذ العطف يقتضى اشتراك الامثلة الثلاثة فى ذلك ثم ان شمول قول السيّد و انّه يكون من جملة الافعال اه للشبهة الحكمية ايضا حسب ما رامه لا خفاء فيه لأنّ شرب التتن داخل فى افعال المكلّفين الّتى تكون بعض انواعها او اصنافها حلالا او بعض انواعها او اصنافها حراما و ان لم يكن نوعا او صنفا لشرب التتن مثلا

قوله اذ لا يستقيم ارجاع الضّمير فى منه اليهما

لانّ كلمة من الظاهرة فى التبعيض ظاهرة فى وجود القسمين فى الشي‏ء بالفعل لا ما يكون محتملا لهما

قوله اذ لا تقسيم مع التّرديد اصلا اه‏

و المراد بالتقسيم الذهنى تقسيم الكلّى الى الافراد الذّهنية كشريك البارى و المراد بالتقسيم الخارجى تقسيمه الى الافراد الخارجيّة كالإنسان و ذكر بعض المحققين انّ المراد بالأوّل تقسيم الكلى الى افراده و المراد بالثانى هو تقسيم الكلّ الى اجزائه فكيّة او فرضيّة و ما ذكرناه اولى‏

قوله و على ما ذكرنا

يعنى من انه ليس المراد خصوص المشتبه‏

قوله فالمعنى و اللّه العالم كلّ كلّى اه‏

ما ذكره (قدس سره) و ان كان ظاهرا من وجه الّا انه لا يصحّ لانّ القضيّة مسوقة

46

لبيان الحكم الظّاهري و الحلّية الظاهريّة فان كان المراد انّ الكلّى الّذى فيه حرام و حلال فهو حلال سواء كان فى ضمن الفرد المعلوم الحلّية او فى ضمن مشكوكها فيلزم استعمال لفظ حلال فى معنيين الظاهرى و الواقعى مع ان قوله حتّى تعلم يدلّ على انّ ما قبله لبيان الحلّية الظاهرية فقط و ان كان المراد بيان الحلية الظاهريّة فقط بحمل قوله (عليه السّلام) فهو لك حلال على الظاهرى فقط بحمله على الاستخدام او كونه معلوما من السّياق و لذا قال السيّد فى مقام اخذ الشي‏ء كلّيا و اشتبه اندراج فرد منه فى احد الكلّيين كما سمعت فهو بعيد موجب لخلاف الظاهر ايضا و المفهوم من كلام المصنّف سلامة اخذ الكلّى عن خلاف الظاهر لكن الظاهر تعيّن جعل الشّي‏ء كليّا مع ذلك لانّ فى اخذه جزئيّا حقيقيّا مخالفتين للظواهر كما ستعرف و من المعلوم ان تقليل ارتكاب الظواهر لازم‏

قوله و على الاستخدام‏

فى اخذ الشي‏ء جزئيّا حقيقيّا استخدامان احدهما الاستخدام فى ضمير فيه و الثانى الاستخدام فى ضمير منه‏

قوله فهو مخالف لظاهر القضيّة

لما عرفت من كون القضيّة ظاهرة فى وجود القسمين بالفعل مع انّ ما ذكره السيّد الشارح فيه مخالفة للفظ الحرام و الحلال من جهة جعلهما بمعنى الحلّية و الحرمة و من جهة تقدير الاحتمال و امّا مخالفته لضمير منه و لو على الاستخدام فلانّه على الاستخدام يكون الضّمير راجعا الى النّوع و لا يمكن شموله لمثل شرب التتن لعدم النّوع له‏ (1) و على تقدير جعل الحرام بمعنى الحرمة لا يستقيم فى مثله ايضا اذ لا معنى للشمول بيان كلمة من الّتى هى للتّبعيض المقتضى للتجزية و التقسيم مع انه خلاف الظاهر ايضا

قوله مع بيان منشإ الاشتباه‏

يعنى لو كان المقصود بيان حكم مطلق المشتبه سواء كان موضوعيّا او حكميّا لاكتفى بذكر كلّ شي‏ء كما فى رواية اخرى فعلم ان المقصود فى الرّواية بيان حكم مشتبه خاص و هو المشتبه بالشبهة الموضوعيّة اذ منشأ الاشتباه و سببه فيها وجود القسمين فى الخارج فيه او فى نوعه لا مطلق المشتبه فالمراد بمنشإ الاشتباه فى كلام المصنّف ره غير ما فيه الاشتباه فى كلام السيّد الشارح اذ المراد هنا هو السّبب الباعث على الاشتباه و المراد هناك ما فيه الاشتباه من الحلّية و الحرمة من غير نظر الى انّ سبب الاشتباه فى الخارج ما هو ذكره السيّد الشارح فى مطلق الشبهة و ذكره المصنّف فى الشبهة الموضوعيّة و قد

____________

(1) و على تقدير كون مطلق الشرب نوعه فلا شك ان تحقق الشرب فى ضمن البنج مثلا لا يكون غاية لحلية شرب التتن على ما سيأتي فى نظير المثال‏

47

اشتبه ذلك على بعض المعاصرين ثمّ انّ قول المصنّف الاشتباه الّذى يعلم من قوله حتى تعرف ناظر الى ما ذكرنا سابقا من ان جعل الغاية العلم و المعرفة دليل على كون الحلال ظاهريا لانّ الحكم الواقعى لا يتقيد بذلك‏

قوله ما انتصر بعض المعاصرين‏

هو الفاضل النراقى فى المناهج على ما حكى‏

قوله منشأ لاشتباه لحم الحمار

اذ لو فرض العلم بحكم جميع اللّحوم غير لحم الحمار لكان اشتباه حكم لحم الحمار باقيا لبقاء منشئه و هو فقد النصّ او اجماله او تعارض النصّين قوله و لا دخل له فى هذا الحكم اصلا اى فى الحكم بحلية المشتبه و لا فى تحقق الموضوع يعنى فى كون الشّي‏ء مشتبها امّا عدم دخله فى الحكم المذكور فلانّ الحكم بالحلّية على تقدير شمول الرّواية للشّبهة الحكميّة مترتّب على مطلق المشتبه لا على خصوص ما وجد فيه القسمان و امّا عدم دخله فى الموضوع فقد ظهر من ذلك الّذى ذكر من كون الموضوع مطلق المشتبه لا شي‏ء خاصّ منه‏

قوله فممّا لا ينبغى ان يصغى اليه‏

لانّ كون الشرب جنسا بعيدا او اللّحم جنسا قريبا غير معلوم و على تقديره فالرّواية شاملة للجنس القريب و البعيد كليهما

قوله مضافا الى انّ الظاهر من قوله حتّى تعرف الحرام‏

يعنى انّ الظاهر من الرّواية الحكم بحلّية المشتبه الى ان يعلم تحقق الكلّى فى ضمن الحرام المعلوم المندرج فى ضمنه فيكون حاصل المعنى بناء على فرض المنتصر الحكم بحلّية لحم الحمار حتى يعلم تحقق اللحم فى ضمن الخنزير المعلوم الحرمة و لا يصحّ بوجهين الاوّل انّه لا علاقة بين حرمة لحم الخنزير و حلّية لحم الحمار و ان هى الّا مثل سائر المحرمات الإلهيّة الّتى لا ارتباط بينها و بين حلّية لحم الحمار فكيف يكون تحقق مثلها موجبة للارتفاع الحلّية فى لحم الحمار بخلاف العلم بحرمة لحم الحمار فانّه موجب لارتفاع الحلّية الظاهرية الثابتة له و الثانى ان العلم بتحقق اللحم الكلّى فى ضمن لحم الخنزير و حرمته من جهة ذلك حاصل ابدا فيكون ارتفاع الحلّية للحم الحمار ثابتا ابدا فانشاء الحلّية له الى حصول العلم بالحرمة المزبورة لغو يجب تنزيه كلام الحكيم منه و يمكن ان يورد على المصنّف ره بناء على جعل الشي‏ء كلّيا ان المعنى على التقدير المذكور الحكم بحلّية المشتبه و لحم الغنم المتحقق فى ضمنه الى ان يعلم بتحقق لحم الغنم فى ضمن الميتة فيرد عليه ما ذكره حرفا بحرف بل يرد ذلك على تقدير جعل الشي‏ء جزئيّا خارجيّا و التزام الاستخدام فى ضمير فيه و منه فالاولى فى الجواب ان يقال بان الظاهر من الرّواية كون الشي‏ء مشكوكا من جهة الشكّ‏

48

فى اندراجه تحت الحرام المعلوم او تحت الحلال المعلوم و يكون الحكم بالحلّية فى الظاهر حكما باندراجه تحت الحلال الّذى هو قسم من الشي‏ء الكلّى فى الظاهر كما انّ الحكم بحرمته فى معنى الحكم باندراجه تحت الحرام المندرج فى الشّي‏ء فى الظاهر و من المعلوم ان لحم الحمار فى مثال المنصرم ليس كذلك اذ الحكم بحلّية فى الظاهر ليس من جهة انه من افراد لحم الغنم و لو فى الظاهر كما انّ الحكم بحرمته لو فرض ليس من جهة انه من افراد لحم الخنزير و لو فى الظاهر و الى هذا الجواب اشار فى الفصول حيث قال بعد ذكر ما ذكره المنتصر المزبور و فى كلا الوجهين تعسّف فان المتبادر من الرّواية حلّية المشتبه من معلوم احد النوعين بالآخر فى الشي‏ء المشتمل عليهما كما لا يخفى و لعلّ هذا مراد المصنّف ايضا فلا اشكال‏

قوله فليتأمّل‏

وجهه واضح فانه يمكن ادّعاء استعمال فيه حلال و حرام على ما يحتمل ان يكون حلالا و حراما و هو عام شامل للمعنيين و كذلك يمكن ادّعاء استعمال حتى تعرف فى مطلق المعرفة سواء سواء حصلت من الخارج او من الادلّة الشرعيّة فلا يلزم استعمال اللّفظ فى معنيين فى شي‏ء منهما

[اما الاجماع فتقريره من وجهين‏]

قوله الثانى دعوى الاجماع على ان الحكم ره‏

و هذا الإجماع تنجيزى و الاجماع السّابق عليه تعليقى لا ينفع الّا بعد عدم تمامية دليل الاحتياط كما ذكره المصنّف و تحصيل الاجماع بهذا النّحو من جهة الحدس و عدم قدح من خرج لكون خروجهم بل و اضعافهم لا يقدح فى استكشاف قول المعصوم(ع)او فعله او تقريره و على تقدير كون الاجماع المزبور دخوليّا لا يقدح مخالفتهم لكونهم معلومى النّسب ثم انّ ادعاء الإجماع فى مقابل الاخباريين لا يقدح غاية الامر عدم كونه الزاميّا و الجدل اخسّ الدّلائل فكونه برهانا يكفى بل هو اشرف الدّلائل ثم انّ الاجماع المذكور اعمّ من القولى و العملى و لذا جعله ثلاثة اقسام من جملتها الإجماع العملى‏

قوله مع ما ورد من الاخبار بوجوب الاحتياط فيما تعارض فيه النّصان اه‏

يعنى انّه قد ورد اخبار خاصّة بوجوب الاحتياط فى خصوص ما تعارض فيه النّصان مثل ذيل مقبولة عمر بن حنظلة و مرفوعة زرارة و غيرهما فاذا لم يقل بوجوب الاحتياط فيما تعارض فيه النّصان مع ورود اخبار خاصه بوجوبه فيه فلا بد ان لا يقال بوجوب الاحتياط فيما لم يرد فيه نص مع عدم ورود اخبار خاصة بوجوب الاحتياط فيه بطريق اولى و بالإجماع المركّب لكن يمكن ان يقال بورود اخبار تدلّ على وجوب الاحتياط فى خصوص ما لا نصّ فيه مثل رواية عبد الرّحمن الحجاج‏

49

الواردة فى جزاء الصّيد حيث قال انّ بعض اصحابنا سألني عن ذلك فلم ادر ما عليه فقال(ع)اذا اصبتم بمثل هذا و لم تدروا فعليكم بالاحتياط و غير ذلك‏

قوله رجعنا فيها الى حكم العقل‏

قد ذكرنا عند نقل المصنّف ره كلام الشيخ ره المعتبر بهذه العبارة ان مراده ليس خصوص اصل البراءة كما ذكره المصنّف بل يرجع كلّ الى مذهبه من الاباحة و الخطر و الوقف فى مسئلة انّ الاشياء قبل العثور على الشرع على ما ذا و بمثل ذلك نقول فى كلام السيّدين نعم اذا احرز من الخارج كون المذهب الإباحة فى المسألة المزبورة يرجع اليها فى مسئلة خبر الواحد ايضا و العبارة التى نقلها المصنّف عنهما تدلّ على رجوعهما الى الإباحة فى المسألة المزبورة فيستكشف منها كون مرادهما بالاصل هو اصل الاباحة فى مسئلة خبر الواحد

قوله عمّا فى المعارج اه‏

من الرّجوع الى اصل البراءة و عدم لزوم الاحتياط مطلقا

قوله و سيجي‏ء الكلام فى هذه النّسبة

سيجي‏ء ان نسبة التفصيل الى المحقق فى مسئلة اصل البراءة غير صحيح بل مراده التفصيل فى مسئلة عدم الدّليل دليل على العدم فانتظر لتمام الكلام فيه‏

قوله و مراده من دليل العقل اه‏

و ح فعدم ذكر العقل المستقلّ فى عداد الادلّة مع انّه ايضا دليل من جهة ان اغلب الاحكام مستفادة من الادلّة الثلاثة المذكورة و ما يستفاد من العقل المستقل مع عدم دلالة الأدلّة الثلاثة او عدم وجودها قليل فى الغاية و يمكن على بعد ان يكون مراده بدليل العقل هو العقل المستقل الّذى هو احد الادلّة المعروفة بقرينة عدم ذكره فى عداد الادلّة الشرعيّة الّا ان يقال انّ الاعتماد عليه ليس فى مقام فقد الثلاثة بل هو فى عرض الادلّة الثلاثة لا فى طولها و يمكن توجيهه بانه مع وجود الثلاثة لا حاجة اليه لكفاية سائر الادلّة و لذا فرض الرجوع اليه فى صورة فقدها فتدبّر

قوله و ممّن ادّعى اطباق العلماء المحقق اه‏

و ممّن ادّعى اطباق العلماء على البراءة العلامة ره حكاه الوحيد فى محكى رسالته على ما يظهر عن قريب و فى محكى التنقيح اصالة البراءة حجّة عندنا ما لم يثبت دليل على خلافها و فى محكى رسالة الوحيد البهبهانى ادّعوا الاجماع على اصل البراءة ادعاه جمع منهم الصّدوق فى اعتقاداته و المحقق و العلّامة و يظهر ذلك من طريقة الفقهاء و فى رسالة اخرى فى جملة كلام له و مع ذلك اتفقوا على البراءة غاية الاتفاق و اطبقوا عليها نهاية الاطباق و عمل جميع المسلمين كان عليها كما اشرنا اليه و فى مقام آخر

50

اعلم ان المجتهدين ذهبوا الى ان ما لا نصّ فيه و الشبهة فى موضوع الحكم الاصل فيهما البراءة دليل المجتهدين الإجماع قال فى مفاتيح الاصول و يؤكّد الإجماع و يحقّقه انا نقطع ان المسلمين من زمن الرّسول الى زمان القائم(ع)ما كانوا يتوقفون فى كلّ واحد واحد من حركاتهم و سكوناتهم و ماكولهم و مشروبهم و غير ذلك على الرّخصة

قوله فلو لا كون الاصل اجماعيّا لم يحسن اه‏

قد فهم من توجيه المحقق لكلام السيّد حيث نسب جواز ازالة النجاسة بغير الماء من المائعات الى اصلنا كون اصل الاباحة اجماعيّا عند السيّد و عند المحقّق ايضا فيتم ما دامه المصنّف من كون الرّجوع الى اصل الاباحة عند المحقّق اجماعيّا فكان المناسب بناء على التوجيه المذكور جعل السيّد ايضا من الناقلين للاجماع لتكثير نقلة الإجماع و قد سمعت ممّا نقلنا عن الوحيد ان العلامة ايضا من نقله الاجماع و ينبغى ان يعلم انّ اصل الاباحة لا يجرى فى الفرض المزبور اذ قد ثبت اشتغال الذمّة بازالة النجاسة فيجرى استصحاب النجاسة و على تقدير عدم جريان الاستصحاب كما يراه السيّد (قدس سره) يجرى اصل الاشتغال لكن الغرض و هو كون الرجوع الى اصل الاباحة اجماعيا يحصل من ذلك الّذى نقل من التوجيه و ان حكم بخطائهما فى الرّجوع اليه فى الفرض كما لا يخفى‏

قوله من دون بيان التكليف‏

يعنى من دون وصول البيان الى المكلّف سواء لم يكن هناك بيان اصلا او كان و لكن لم يصل اليه مع عدم تقصيره فى الفحص و البحث‏

[الرابع من الادلة حكم العقل بقبح العقاب على شي‏ء من دون بيان التكليف‏]

قوله مدفوعة بان الحكم المذكور على تقدير ثبوته لا يكون بيانا اه‏

لا يخفى ان موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو عدم العلم بالتكليف الواقعى فلو كان هناك دليل متكفل لبيان الحكم الواقعى قطعا او ظنّا خاصّا او مطلقا يكون واردا على الدليل العقلى المذكور و كذلك اذا كان دليل مثبت للحكم الظاهرى فى مورد احتمال الحرمة يكون واردا على قاعدة القبح المذكور فاذا فرض دلالة اخبار الاحتياط على وجوبه عند احتمال الحرمة او دلّ العقل على وجوب رفع احتمال التحريم يكونان واردين عليها كما سيصرّح به المصنّف عن قريب بقوله و اعلم ان هذا الدّليل العقلى كبعض اه و السرّ فيه ان حكم العقل او النقل بوجوب الاحتياط إرشادا لئلّا يقع فى مخالفة الواقع بيان ايضا للحكم الواقعى فى الجملة و موجب لتجويز العقاب على مخالفته اذا كان مصادفا للواقع و هذا المقدار يكفى فى كونه بيانا و امّا اذا كان موضوع وجوب الاحتياط عقلا و نقلا هو احتمال‏