بحوث في علم الأصول - ج4

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
449 /
5

-

6

مباحث الحجج و الأصول العملية

الجزء الأول الحجج و الأمارات‏

7

مقدمة في تقسيم مباحث الحجج و الأصول العملية

ذكر الشيخ (قده) في تقسيم مباحث الحجج و الأصول العملية: ان المكلف إذا التفت إلى الحكم الشرعي فاما أن يحصل له القطع أو الظن أو الشك ... إلخ، ثم فرع باحكام كل من الأقسام.

و كلامنا حول هذا التقسيم لمباحث هذا القسم يقع ضمن جهات:

الجهة الأولى- في المقسم.

و فيه بحثان.

البحث الأول: ان الشيخ جعل المقسم المكلف.

بينما عدل عن ذلك صاحب الكفاية (قده) فجعله (البالغ الّذي وضع عليه القلم) و كأنه لمناقشة لفظية حاصلها: ان المكلف ظاهر في فعلية التلبس بالمبدإ و هو التكليف مع ان الواقعة الملحوظة قد لا يكون فيها تكليف بل ترخيص و إباحة و من هنا بدله بالبالغ الّذي وضع عليه القلم و أريد بالقلم قلم التشريع و الجعل و لو على غير نحو الإلزام [1]. و كأن هذا الإشكال ناشئ من حمل‏

____________

[1]- قد يكون الترخيص من باب عدم الجعل، على ان عنوان وضع القلم عليه ظاهر في التشريع الإلزامي، و الظاهر أن تكون هذه العبارة منه كناية عن غير المجنون و الصغير المرفوع عنهما القلم فكأن نظره إلى ذات المكلف لا المكلف بما هو مكلف كما قد يشعر به تعبير الشيخ (قده) أيضا مع انه في الأقسام ما لا يثبت فيه التكليف بعد و لو لكونه مشكوكا، مضافا إلى ان قيد إذا التفت يكون مستدركا حينئذ بناء على المسالك المشهورة.

8

عنوان المكلف على المكلف في شخص الواقعة لا المكلف في نفسه أي من كان ملزما من قبل الشريعة بما يلزم به الناس من دون نظر إلى خصوص الواقعة الملتفت إليها.

و أيا ما كان فهذه و أمثالها مناقشة لفظية لا طائل تحتها. و الّذي له مضمون علمي جدير بالبحث هو أن نتكلم في ان هذه الوظائف المقررة في الأقسام هل تختص بالمكلف البالغ حقيقة- سواء عبرنا عنه بتعبير الشيخ (قده) أو بتعبير صاحب الكفاية- أو أنها لا تختص بالبالغ المكلف بل تجري في حق من لم يكن بالغا فحينئذ ينبغي تغيير المقسم على التقدير الثاني و ذلك بجعله الأعم من البالغ و غيره أي المكلف العقلي.

و الصحيح هو عدم الاختصاص و إمكان تصوير جريان هذه الوظائف في حق غير البالغ و ذلك في جملة من الموارد نذكر على سبيل المثال ثلاثة أنحاء منها.

1- ان أصل اختصاص الأحكام بالبالغ و ارتفاعها عن غيره و إن كان من ضروريات الدين بل عند العقلاء أيضا فيكون خارجا عن المقسم الملحوظ في الأقسام خصوصا مع كون مسألة حجية القطع ليست أصولية، إلا ان إطلاق ذلك في بعض الأحكام ربما يقع مورد الشك و الشبهة فيشك بنحو الشبهة الحكمية لا محالة في ثبوت ذلك الحكم على غير البالغ المميز- أي القابل للتكليف عقلا- كما لو فرض الشك في ثبوت الأحكام الثابتة بمقتضى الملازمة بين ما حكم به العقل و حكم به الشرع في حق غير البالغين فيتعين عليه حينئذ أن يسلك طريق الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط لتحديد وظيفته بالنسبة إلى ذلك الحكم حاله في ذلك حال غيره، و الوظيفة في هذه الشبهة بالرجوع إلى إطلاق أدلة رفع القلم عن الصبي الحاكم على إطلاقات أدلة الأحكام الواقعية لو فرض الإطلاق فيها ما لم يثبت مقيد لنفس هذا الإطلاق و لو كان نفس حكم العقل و قانون الملازمة لو فرض عدم قابليتها للتخصيص. نعم لو ثبت بأدلة الرفع رفع فعلية العقاب عن غير البالغ و لو كان مستحقا له فلا بأس بالتمسك به حينئذ.

2- أن يشك في تحقيق البلوغ بنحو الشبهة الحكمية و هل انه بدخول الخامس عشر أو بإكماله مثلا. و منهج البحث هنا أن يقال: إن كان في دليل الحكم إطلاق في نفسه فهو حجة لإثبات فعلية و دليل الرفع لا يصلح للمقيدية بعد فرض إجماله و إلا لحكم بلا إشكال.

و لو فرض عدم الإطلاق في دليل الحكم فالمرجع الأصول العملية من الاستصحاب أو البراءة

9

النافيين للتكليف.

3- أن يكون الشك في البلوغ بنحو الشبهة المفهومية كما لو شك في صدق الشعر الخشن مثلا على مرتبة من الشعر النابت. و هنا أيضا لا بد من الرجوع إلى الوظائف المقررة و هذه الشبهة ترجع في أكثر الحالات إلى وجود عام فوقاني و مخصص مجمل مفهوما دائر بين الأقل و الأكثر.

فالعام يقول مثلا (أقيموا الصلاة) و المخصص دل على أن غير البالغ- و هو من لم ينبت عليه شعر خشن- لا تجب عليه الصلاة و هو مجمل مفهوما لا يعلم شموله لهذه المرتبة.

و حينئذ بناء على ما هو الصحيح من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية في نفسه كاستصحاب عدم نبات الشعر الخشن في المقام يرجع إلى عمومات التكليف.

البحث الثاني- في اختصاص المقسم بالمجتهد أو شموله لمطلق المكلفين‏

، ذهب بعض الاعلام- كالمحقق النائيني- إلى الأول مستندين في ذلك إلى ان هذا التقسيم انما هو من أجل تحديد الوظائف المقررة في كل قسم من أقسام الشك و الظن و اليقين. لاستنباط الحكم الشرعي و هي وظائف للمجتهد لأنه المخاطب بها فينبغي أن يكون المقسم المجتهد، و ذهب آخرون إلى التعميم.

و تحقيق الحال في هذا البحث يقع في مقامين:

المقام الأول- في منهجية هذا التقسيم و إن المقسم هل ينبغي أن يكون خصوص المجتهد أو الأعم منه و من المقلد؟

و يكفي في هذا المقام لإثبات عموم المقسم أن نثبت موردية غير المجتهد للوظائف المقررة و لو في الجملة و هذا ثابت توضيحه: ان غير المجتهد يعلم بأنه مكلف باحكام اللَّه سبحانه فإذا التفت إلى واقعة فاما أن يحصل له القطع بالحكم سلبا أو إيجابا و لو لكون المسألة ضرورية كحرمة الخمر أو يقينية بإجماع و نحوه كحرمة العصير العنبي المغلي قبل ذهاب الثلثين أو لا يحصل له ذلك، فعلى الأول يكون قطعه حجة في حقه كقطع المجتهد، و على الثاني فاما يحصل له الظن المناسب في شأنه و هو فتوى المجتهد و يحصل له القطع بحجيته من ضرورة أو إجماع فأيضاً يعلم بقطعه و يكون ظنه حجة، و إن لم يحصل له لا قطع و لا قطعي اما لأنه لم يتمكن من الوصول إلى فتوى المجتهد أو لا مجتهد لكي يصل إلى فتواه أو لم يقطع بحجية الفتوى فينتهي لا محالة إلى الشك فلا بدّ و أن يستقل عقله بوظيفة اما البراءة أو الاشتغال أو التفصيل‏

10

حسب الموارد. فنفس المراحل المتحققة في حق المجتهد تتحقق في غير المجتهد أيضا و لكن مع فرق بينهما في عدم توفر بعض مصاديق العلم أو العلمي في حق غير المجتهد و هو لا يجعله خارجا عن المقسم و لا يؤدي إلى تخصيص منهجة التقسيم بخصوص المجتهد.

المقام الثاني- في البحث عن اختصاص خطابات الوظائف المقررة بألسنتها المختلفة- من جعل الحجية و الطريقية أو الوظيفة العملية- بالمجتهد و عدمه و ما ينشأ من ذلك و يتفرع عليه من النتائج مع قطع النّظر عن التقسيم و صحته.

و لا إشكال في انه لم يؤخذ عنوان المجتهد في الخطابات فدعوى الاختصاص لا تنشأ من ذلك بل من جهة ان تلك الوظائف بحسب موضوعها تكون مقيدة بقيود و شروط لا تتحقق إلا في حق المجتهد عادة، فحجية الظهور مثلا مقيدة بالفحص عن المخصص و المقيد، و الحاكم، و حجية الخبر موقوفة على عدم وجود المعارض، و حجية الاستصحاب متقومة باليقين السابق و هكذا. و من هنا ينشأ الإشكال في عملية الإفتاء و كيفية تحليله بعد الفراغ عن أصل جواز رجوع المقلد إلى المجتهد. و هذا بحث جليل ينبغي التعرض له. فنقول:

المركوز في الأذهان ان عملية الإفتاء تكون من باب رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة كالرجوع إلى الطبيب مثلا و هذا موقوف على وجود واقع محفوظ مشترك بين الخبير و غيره يدركه الخبير بنظره و لا يدركه غيره فيرجع إليه، و هذا انما ينطبق في باب الرجوع إلى المجتهد فيما إذا كان الحكم الواقعي مقطوعا للمجتهد لأنه بذلك قد أدرك ما يكون مشتركا بينهما ثابتا في الواقع و يكون نظره مجرد خبرة و طريق إليه.

و اما لو فرض عدم القطع الوجداني بالحكم و انما انتهى إليه عن طريق وظيفة ظاهرية مقررة كرواية معتبرة سندا أو ظهور حجة أو أصل عملي أو نحو ذلك فكيف يفتي غيره الّذي لا يشترك معه في مقومات تلك الوظيفة، فانه إن أراد أن يفتي بالحكم الواقعي فهو إفتاء بما لا يعلم و إن أراد أن يفتي بالحكم الظاهري فهو مخصوص بالمجتهد بحسب الفرض لأن موضوعه متقوم به لا بغيره. و يتزايد الإشكال فيما لو فرض ان الواقعة كانت خارجة عن ابتلاء المجتهد كأحكام النساء فانه حينئذ لا يوجد في الواقعة علم بحكم واقعي لكي يفتي به و الحكم الظاهري غير ثابت في حقه أيضا لكونه ليس محل ابتلائه، و لهذا سمينا هذه المسألة بتحليل‏

11

عملية الإفتاء، فانه بعد الفراغ عن ثبوت حجية الفتوى فقهيا نبحث عن كيفية تعقلها و تخريجها صناعيا بنحو لا نحتاج إلى إثبات عناية زائدة علاوة على كبرى حجية الفتوى الراجعة إلى كبرى حجية رأي أهل الخبرة في حق غيره.

و تحقيق الحال في ذلك يكون بالبحث في ثلاث مراحل نتكلم في أولاها عن انه لو فرضنا الاختصاص في الوظائف الظاهرية فهل يحتاج تصحيح عملية الإفتاء إلى افتراض مئونة زائدة نثبتها و لو من نفس دليل جواز الإفتاء التزاما أم لا نحتاج إلى ذلك بل يمكن تخريج الحكم على القواعد؟ و نتحدث ثانيا عن تلك مئونة الزائدة المحتاج إليها و كيفية إمكان إثباتها. و ثالثا عن أصل مسألة اختصاص الوظائف الظاهرية بالمجتهد و عدمه.

اما البحث في المرحلة الأولى، فقد يقرب تخريج عملية الإفتاء في موارد الوظائف الظاهرية على القاعدة حتى على فرض اختصاصها بالمجتهد، بأن الحكم الظاهري و إن كان مختصا بالمجتهد لتحقق موضوعه فيه دون المقلد و لكنه بذلك يصبح عالما بالحكم الواقعي المشترك بين المجتهد و المقلد تعبدا فيكون حاكما على دليل الإفتاء بالعلم و الخبرة بمقتضى دليل التعبدية فيفتي المجتهد مقلديه بالحكم الواقعي المعلوم لديه بهذا العلم، و هذا أمر على القاعدة لا يحتاج فيه إلى عناية زائدة بعد فرض دلالة دليل الحجية على الحجية و العلمية التعبدية. و فيه:

أولا- انما يتم هذا التخريج لو تمت أصوله الموضوعية في خصوص باب الأمارات المجعولة فيها الحجية و الطريقية دون غيرها من موارد الأحكام الظاهرية.

و ثانيا- انه في الأمارات أيضا لا يتم هذا البيان إلا على بعض المسالك أي بناء على أن تكون الحجية بمعنى جعل ما ليس بعلم علما.

و ثالثا- حتى بناء على مسالك جعل الطريقية و العلمية أيضا لا يتم ذلك، لأن القطع الموضوع للحكم بجواز التقليد انما هو القطع الحاصل عن خبرة و بصيرة و كونه من أهل الفن لا مطلق القطع و لو كان حاصلا من الرؤيا أو الجفر، و من الواضح ان دليل الحجية لا يعبد المفتي بكونه أهل خبرة و أهل الفن و ان جعله عالما تعبدا نعم جواز الإفتاء و الإسناد موضوعه مطلق العلم فيكفي قيام الحجة منزلة القطع الموضوعي في ترتيبه هذا لو قيل بأخذ العلم موضوعا فيه و إلا بان كان الموضوع نفس الواقع فالامر أوضح.

12

ثم ان هنا اعتراضات على أصل مبنى جعل الطريقية و قيام الحجج مقام القطع الموضوعي من قبيل ان هذه الحكومة لا تتم في الأحكام الثابتة بدليل لبي كحجية الخبر أو الفتوى بناء على ان مدرك الحجية فيها السيرة العقلائية، و من قبيل ان بعض الحجج كالاستصحاب لا يكون حجة و قائما مقام القطع الموضوعي- لو قيل بقيامه مقامه- إلا في طول قيامه مقام القطع الطريقي بحيث يكون للمستصحب أثر عملي في حق المجتهد نفسه و هذا لا يكون في موارد أحكام النساء مثلا أو غيرها مما هو خارج عن محل ابتلاء المجتهد و لا يكون ذا أثر عملي في حقه، و سوف يأتي التعرض لها في محلها.

و هناك تقريب ثان لعلاج مشكلة الإفتاء بناء على اختصاص موضوع الحكم الظاهري بالمجتهد من دون افتراض عناية زائدة حاصله:

ان المقلد بالرجوع إلى المجتهد في موضوع الحكم الظاهري و الوظيفة العملية يصبح حقيقة موضوعا للرجوع إليه في نفس الوظيفة فيشترك معه فيها، فشمول دليل التقليد له بلحاظ المسألة الأولى ينقح له موضوعا حقيقة و وجدانا لشموله ثانيا بلحاظ الحكم الظاهري و الوظيفة العملية، و هذا من هذه الناحية نظير شمول دليل حجية الخبر للخبر مع الواسطة حيث يتنقح موضوع اخبار الواسطة بشمول دليل الحجية للخبر المباشر، فمثلا في مورد الاستصحاب يرجع المقلد إلى المجتهد أولا في إثبات الحالة السابقة- و لنفرضها معلوما بالعلم الوجداني للمجتهد- فيصبح بذلك عالما تعبدا بنجاسة الماء المتغير حدوثا مثلا و بما انه شاك في نجاسته بعد زوال التغير فيتنقح بذلك في حقه موضوع الحكم بالنجاسة الاستصحابي كالمجتهد نفسه، غاية الأمر أن يقين المجتهد السابق وجداني و يقينه تعبدي و قد ثبت في محله قيام اليقين التعبدي مقام اليقين الوجداني في الحكم بجريان الاستصحاب، و كذلك الحال في موارد احتياط المجتهد لحصول علم إجمالي له فان حجية علمه هذا للمقلد يجعله عالما إجمالا بالحجة على الحكم و هو كالعلم بالواقع في المنجزية، و كذلك في موارد الأمارات و الأدلة الاجتهادية و الأصول العملية الأخرى. غاية الأمر تبقى مسألة الاختصاص من ناحية عدم الفحص و في هذه النقطة يقال بان دليل الفحص يدل على لزوم فحص كل مكلف بحسبه و فحص المقلد ليس بالرجوع إلى كتب الفقه بل بالرجوع إلى المجتهد فبرجوعه إليه و عدم وجدان ما يدل منه على الخلاف يكون قد أكمل الفحص حقيقة فصار صغرى لكبرى الوظيفة الظاهرية المقررة

13

بسبب قيام الأمارة أو الأصل الشرعي أو العقلي. و الحاصل من غير ناحية الفحص يكون الاشتراك بين المجتهد و المقلد في الوظيفة الظاهرية المقررة ثابتا لكون المجتهد عالما بموضوعه وجدانا و بذلك يكون المقلد أيضا بالرجوع إليه في ذلك عالما بالموضوع تعبدا على القاعدة، و من ناحية الفحص يقال بالاشتراك باعتبار ان فحص كل إنسان بحسبه فبالنسبة إلى المجتهدين يكون فحصهم بالرجوع إلى وسائل الشيعة مثلا و اما بالنسبة إلى المقلد ففحصه بالرجوع إلى المجتهد و ملاحظة انه لم يجد معارضا أو حاكما، فالمقلد لا يجوز له الرجوع إلى استصحاب بقاء النجاسة في مسألة حكم الماء الّذي زال عنه تغيره بمجرد مراجعة مسألة نجاسة الماء المتغير ما دام متغيرا بل لا بد له أيضا أن يرجع إلى المسألة الأولى في رسالة المجتهد ليرى هل هناك ما يكون حاكما على هذا الاستصحاب في رأي المجتهد أم لا. و هذا الوجه أيضا غير تام فانه:

أولا- ان مجرد مراجعة رسالة المجتهد في المسألة الثانية لا يكون فحصا عن الحاكم على الحكم الظاهري ليتنقح بذلك موضوعه في حق المقلد.

و ثانيا- يلزم منه عدم جواز الإفتاء من قبل المجتهد الّذي لا يكون رأيه حجة في حق العامي لأن هذه الوظيفة الظاهرية انما تثبت في حق العامي إذا جاز له الرجوع إلى المجتهد في المسألة الأولى لكي يتنقح بذلك موضوع الحكم الظاهري فإذا كان المجتهد من لا يكون رأيه حجة في حق العامي فلا يكون الحكم الظاهري الثابت في حق ذلك المجتهد ثابتا في حق العامي فكيف يجوز للمجتهد الإفتاء به له مع انه بحسب الارتكاز لا إشكال في عدم حرمة ذلك و إن كان لا يجوز للعامي تقليده.

المرحلة الثانية- انه لو فرض عدم إمكان تخريج رجوع العامي إلى المجتهد على أساس قاعدة الرجوع إلى أهل الخبرة بلا ضم مئونة زائدة، فما هي تلك مئونة التي بضمها يتم المطلب ثبوتا و يندفع الإشكال و كيف يمكن استفادتها من دليل التقليد إثباتا؟.

الصحيح: ان تلك مئونة يمكن أن تكون افتراض التنزيل أي تنزيل حال المجتهد منزلة حال العامي، ففحصه منزلة فحص العامي و كذلك يقينه بالحالة السابقة أو بالمعلوم الإجمالي ينزل منزلة يقين العامي فتشمله حينئذ الوظائف المقررة التي انتهى إليها المجتهد لا محالة. نعم بالنسبة إلى الوظائف العقلية كقاعدة قبح العقاب بلا بيان أو منجزية العلم الإجمالي لا بد و أن يفترض جعل حكم مماثل لحكم العقل بحيث ينتج البراءة و الاحتياط الشرعيين في حق‏

14

العامي لأن التنزيل بلحاظ الحكم العقلي غير معقول كما هو واضح.

و اما كيفية استفادة ذلك إثباتا فببيان: ان المركوز في أذهان المتشرعة و المتفاهم من أدلة التقليد رجوع العامي إلى المجتهد ليطبق على نفسه نفس ما يطبقه المجتهد على نفسه بحيث يثبت في حقه نفس ما يثبت في حق المجتهد من درجات إثبات الواقع أو التنجيز و التعذير عنه لا أكثر، و هذا لا يكون إلا مع فرض التنزيل المذكور فيستكشف من دليل التقليد لا محالة ثبوت هذا التنزيل و التوسعة في موضوع تلك الوظائف الظاهرية بالدلالة الالتزامية.

و هذا التخريج له لازمان يصعب الالتزام بهما.

أحدهما- ما أشرنا إليه سابقا من ان لازم مثل هذا التخريج عدم جواز إفتاء المجتهد الّذي لا يجوز تقليده، لأن جواز إفتائه برأيه فرع انطباق الوظائف الثابتة في حق العامي و هو فرع تنزيل فحصه أو يقينه السابق أو علمه الإجمالي منزلة فحص العامي أو يقينه أو علمه الإجمالي و هذا انما نستفيده من دليل جواز التقليد بحسب الفرض فإذا لم يكن شاملا له لعدم عدالته أو لكون غيره أعلم منه فلا تثبت تلك الوظيفة في حق العامي لكي يمكن أن يفتي به. نعم لو كان مقتضى الوظيفة الثابتة في حق المجتهد اعتباره عالما بالواقع جاز له الإفتاء به.

الثاني- انه بناء على هذا نخسر أهم الأدلة على التقليد و هو السير العقلائية لأنها لا تقتضي أكثر من رجوع الجاهل إلى العالم و أهل الخبرة لتشخيص الحكم المشترك و لا تدل على التنزيل. اللهم إلا أن يضم إلى ذلك شي‏ء يشبه الإطلاق المقامي فيقال: بان هذه السيرة بحسب طبعها توجب الرجوع إلى المجتهدين على حد الرجوع إلى غيرهم من أهل الخبرة و لو من باب الغفلة عن الفرق، و سكوت الشارع عن ذلك مع كون الغفلة نوعية بنفسه دليل على الإمضاء و القبول.

و اما المرحلة الثالثة- ففي أصل منشأ الشبهة و الإشكال و هو دعوى اختصاص الوظائف المقررة بالمجتهد فنقول: ان هذه الدعوى تكون بلحاظ مواضع عديدة لا بد من علاج كل واحد منها مستقلا.

1- دعوى الاختصاص من جهة أخذ لزوم الفحص في موضوع دليل الحكم الظاهري سواء كان ذلك الحكم الظاهري أمارة أو أصلا.

و يمكن دفعها بان الفحص بعنوانه غير مأخوذ في دليل الحكم الظاهري و انما الثابت عدم‏

15

شمول أدلة الأحكام الظاهرية لموارد يكون فيها حجة على الخلاف في معرض الوصول، و المقصود من الوصول هو الوصول إلى أهله أي إلى الخبير البصير لا إلى كل أحد و هذا أمر موضوعي يمكن إحرازه في حق الجميع فإذا فحص المجتهد و لم يجد حجة على الخلاف فيتحقق شرط الحجية في حق الجميع بأحد تقريبين:

أ- ان الشرط هو فحص الخبير البصير و عدم وجدانه و المفروض ان المجتهد قد فحص بالفعل و لم يجد حجة على الخلاف فموضوع الوظيفة الظاهرية محقق بالنسبة إلى الجميع لا محالة.

و هذا التقريب فيه إشكال فني، فانه إن أريد بالخبير البصير المجتهد الأعلم الّذي يجوز تقليده خاصة لزم من ذلك عدم جواز إفتاء المجتهد الّذي لا يجوز تقليده للعامي حتى لو فحص و لم يجد لأن شرط الحجية فحص الخبير البصير و هو غيره، بل لا يجوز له أيضا العمل بتلك الوظيفة لأن الشرط بحسب الفرض فحص المجتهد الأعلم و عدم وجدانه لا فحص من ليس بأعلم، و إن أريد بالخبير مطلق المجتهد و لو كان ممن لا يجوز تقليده فيلزم انه لو فحص مجتهد واحد و لم يجد مخصصا ثبتت تلك الوظيفة الظاهرية الثابتة بأصل أو أمارة للجميع حتى في حق المجتهدين الآخرين الذين لم يفحصوا بعد بلا حاجة إلى فحص فضلا عن العوام و هذا أيضا واضح البطلان.

ب- ان الشرط أمر واقعي نفس الأمري و هو أن لا يتواجد في معرض الوصول ما يكون حجة على الخلاف- سواء فحص أحد أم لا- و يكون فحص كل مجتهد طريقا إلى إحراز هذه المرتبة من عدم الوجدان لا موضوعا للحجية و الوظيفية، و على هذا تكون الوظيفة الظاهرية حكما و موضوعا امرا واقعيا مشتركا بين المجتهد و العامي و يكون نظر المجتهد مجرد طريق إلى إحرازه موضوعا و حكما و يكون تقليد العامي له من باب رجوعه إلى أهل الخبرة و العلم بهذا الحكم المشترك لا الحكم الواقعي بالخصوص.

2- دعوى الاختصاص من جهة ان الحجية و الحكم الظاهري منوط بالوصول و العلم فيختص بالعالم و لا يعم كل أحد كما في الأحكام الواقعية، و الوجه في هذا الاختصاص يمكن أن يقرب بتقريبين:

أ- استظهار ذلك من دليل الحجية الدال على انه إذا جاءك خبر من الثقة مثلا فهو حجة و عنوان جاءك انما يصدق على من وصله الخبر لا الخبر بوجوده الواقعي.

16

و الجواب: ان هذه العناوين محمولة كلا على الطريقية لا الموضوعية في ألسنة الأدلة بحسب مناسبات الحكم و الموضوع العرفية. على ان هناك في أدلة الأحكام الظاهرية ما لم يؤخذ فيه عناوين من هذا القبيل.

ب- ان إطلاق الحكم الظاهري لغير العالم به لغو فيكون مستحيلا، و لا يقاس بالحكم الواقعي فان إطلاقه له انما هو من أجل الاحتياط بالنسبة إليه و اما الحكم الظاهري فطريقي محض.

و الجواب: لو سلمت اللغوية و سلم استلزامها عدم الإطلاق مع كل ذلك قلنا في المقام ان الوصول لا يراد منه الوصول بالعلم الوجداني بالخصوص بل مطلق الوصول و لو التعبدي و هو حاصل في المقام بفتوى المجتهد فلا يكون جعله في العامي لغوا.

3- الاختصاص من جهة أخذ اليقين بالحالة السابقة موضوعا في بعض الوظائف الظاهرية كالاستصحاب و هو لا يكون إلا في حق المجتهد فيكون يقينه في ذلك محققا لموضوع الوظيفة لا طريقا إلى إحرازه.

و الجواب- ان الصحيح عندنا كفاية ثبوت نفس الحالة السابقة واقعا لاستصحابها على ما سوف يأتي تحقيقه في محله. فيكون يقين المجتهد بثبوت الحالة السابقة- و هو الحكم المشترك- طريقا إلى إحراز موضوع الوظيفة الظاهرية الاستصحابية في حق المقلدين، على انه لو فرض أخذ نفس اليقين موضوعا للاستصحاب فلا إشكال أيضا بناء على قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي و اليقين السابق فان يقين المجتهد بثبوت الحكم في الحالة السابقة بنفسه يكون دليلا و علما تعبديا للعامي في إثبات الحالة السابقة فيكون الرجوع إليه في هذه المسألة محققا لموضوع الاستصحاب في المسألة اللاحقة.

و الصحيح: انه لا يمكن الاستغناء عن هذا الجواب أعني التقليدين الطوليين، إذا أردنا أن لا نخرج على مقتضى القاعدة في باب التقليد و كونه من باب الرجوع إلى العالم. و ذلك في كل مسألة يكون فتوى المجتهد فيها بوظيفة هي من شئون منجزية علم ثابت في المرتبة السابقة لا من شئون الواقع المعلوم كما في موارد العلم الإجمالي بالتكليف فنحتاج فيها إلى افتراض تقليدين طوليين بالنحو الّذي تقدم شرحه [1].

____________

[1]- لا يقال: على هذا فيمكن للمجتهد في مثل هذه الموارد أن لا يفتيه بعلمه الإجمالي أولا لكي لا يتحقق في حق العامي موضوع‏

17

ثم انه يمكن أن يستشكل في حجية رأي المجتهد المفضول في حق نفسه فضلا عن حجيته في حق الآخرين بأنه كيف يحصل له اليقين بالوظيفة و الحكم الأعم من الواقعي و الظاهري- حيث انه الحجة دائما- مع اعترافه بالمفضولية للأعلم و افترض انه خالف في الرّأي، فهو بمقتضى ذلك يحتمل انه لو تباحث مع الأعلم و عالج المسألة على ضوء نظره لتغيرت النتيجة التي انتهى إليها، و هذا الاحتمال يعني عدم جزمه بالنتيجة النهائيّة و الوظيفة العملية فلا يمكنه العمل بنظره فضلا عن تقليده.

و دعوى: ان المفضول إذا تباحث مع الأعلم فسوف ينقلب حكمه الظاهري من باب انقلاب موضوعه لا التخطئة لأنه سوف يرتفع عدم وجدانه للحجة على الخلاف مثلا بوجدانه لها فمن‏

____________

المنجزية حقيقة فتجري في حقه البراءة عن الطرفين واقعا. و هذا بنفسه خلاف المرتكز في باب التقليد إذ معناه اختلاف حكم المقلد عن حكم المجتهد فلا بد من الالتزام بالتنزيل.

فانه يقال- ان ما هو حجة واقع علم المجتهد و نظره لا الاخبار و الإفتاء، و عليه فعلم المجتهد الإجمالي حجة و منجز على العامي قبل فحصه و سؤاله عنه فيمنع عن إجراء البراءة في الطرفين.

ثم ان هنا إشكالا آخر في التقليد نواجهه في خصوص موارد فتاوى المجتهد القائمة على أساس الوظائف العقلية كأصالة الاشتغال و البراءة العقليتين أو حجية الظن الانسدادي على الحكومة، و حاصله انه إن كان التقليد في ذلك من باب كون فتوى المجتهد حجة على المقلد في نفي الحكم الواقعي فمن الواضح ان المجتهد ليس عالما بعدم الحكم الواقعي و انما هو عالم بالوظيفة العقلية، و إن كان من باب ان فتواه حجة في إثبات تلك الوظيفة في حق المقلد صغرى و كبرى فمن الواضح ان الحجية الشرعية في مثل ذلك يجعل وظيفة العامي مباينا مع وظيفة المجتهد حيث يكون في حقه ترخيص ظاهري شرعي لا عقلي لأن الشارع لا يمكنه جعل البراءة العقلية أو الاحتياط العقلي و تحديدهما في حق العامي فلا بدّ و ان تكون هذه الوظيفة في حق العامي حكما ظاهريا شرعيا على طبق نظر المجتهد بنحو يكون نظره موضوعا لهذا الحكم الظاهري الشرعي و هذا خلاف كون الرجوع إليه من باب الخبرة بالحكم المشترك بينهما، نعم يمكن أن يكون فتوى المجتهد مجرد منبه للمقلد إلى إدراك عقله العملي لتلك الوظيفة المقررة فيما إذا تحقق موضوعها عنده و لو بتقليد في المرتبة المتقدمة كما في موارد العلم الإجمالي إلا ان هذا ليس تقليدا حقيقة.

و الصحيح في الجواب: ان دليل التقليد يجعل نظر المجتهد خبرة للعامي في تشخيص موارد التأمين الشرعي و اما التنجيز و الاشتغال فهو ثابت في حق المقلد أول الأمر في كل شبهة لكونها قبل الفحص فحينئذ ان أنكرنا قاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا موضوع لهذا الإشكال فان المؤمن دائما يكون شرعيا و دور المجتهد و نظره طريقيا إليه و ان قلنا بالبراءة العقلية أيضا كان نظر المجتهد طريقا إلى إحراز شرطها للمقلد و هو الفحص و عدم وجود منجز شرعي في معرض الوصول فيكون تقليد العامي له في الصغرى بحسب الحقيقة و اما الكبرى فلا بد و أن يحتاج إلى تقليدين طوليين بل يقلده في عدم حصوله على ما يكون مؤمنا شرعيا عن الحكم الواقعي المنجز في نفسه على المقلد و اما الرجوع إلى المجتهد في التأمينات الظاهرية فأيضا يكون من باب الخبرة اما بالنسبة إلى كبرى الترخيص الظاهري فواضح و اما بلحاظ صغراه فلأن موضوع الحكم الظاهري الشك و هو حاصل للمكلف و ان لا يكون على خلافه حاكم أو معارض و نظر المجتهد طريق إليه أيضا. فالحاصل نظر المجتهد و وصوله إلى الحكم الواقعي و الظاهري من حيث الكبرى و الصغرى في الشبهات الحكمية نظر طريقي و رجوع العامي إليه من باب الرجوع إلى أهل الخبرة، كما ان اليقين السابق في الاستصحاب في الشبهات الحكمية يكون ثابتا في حق المجتهد بالحجة عادة أيضا لا بالوجدان، فلا إشكال إلا من ناحية الفحص و الّذي قد عرفت انه بمعنى لا ينافي مع كون رجوع المقلد إلى المجتهد فيه من باب الخبرة.

18

دون ذلك يكون موضوعا للوظيفة العقلية على كل حال.

مدفوعة: أولا- بان ما ينكشف بالرجوع إلى الأعلم قد لا يكون من باب رفع الموضوع بل رفع المحمول مع انحفاظ الموضوع، كما إذا كان هناك خطأ في تشخيص الحكم الواقعي أو الظاهري بان كان قطعه به خاطئا و هذا له أمثلة، منها- أن تكون المسألة عقلية كما إذا قال باستحالة الترتب و الأعلم يرى إمكانه. و منها- أن يكون جازما بظهور عرفي و هو غير صحيح و هكذا.

و ثانيا- ان اللازم في الوظائف المقررة الفحص عن وجود الحجة على الخلاف و ما دام احتمال وجودها لدى الأعلم قائما في نفس المفضول فلا تجري تلك الوظيفة المقررة في حقه.

و بهذا يثبت ان المجتهد المفضول لا يقين و لا علم له بوظيفته فيجب عليه التقليد و الرجوع إلى الأعلم من باب رجوع الجاهل إلى العالم. و بهذا تبطل أيضا العبارة المشهورة في إجازات الاجتهاد من انه يحرم عليه التقليد.

هذا كله إذا كان المجتهد المفضول يعترف بكونه المفضول، و اما إذا كان لا يرى نفسه مفضولا فبالنسبة إليه لا إشكال و لكن الإشكال حينئذ في تقليد العامي و رجوعه إليه فانه ليس من أهل الخبرة لكونه جاهلا بالنسبة إلى الأعلم فما يتيقن به من الحكم الأعم من الواقعي و الظاهري قد يكون نتيجة جهله المركب و مثل هذا العلم المستند إلى الجهل المركب لا يكون مشمولا لدليل رجوع الجاهل إلى العالم.

و الواقع ان هذه الشبهة ليس لها جواب حاسم بل جوابه بنحو الموجبة الجزئية و توضيحه:

ان الشبهة تفترض ان ما يمتاز به الأعلم من الانتباهات و الالتفاتات التي هي معنى أعلميته كلها واقعة في موارد الاختلاف بين الأعلم و غيره في الفتوى و اما موارد الاتفاق فيكون بنفسه دليلا على التفاتهما معا إلى جميع النكات. مع ان هذا الافتراض بلا موجب فانه ربما يتفقان في النتيجة مع خطأ غير الأعلم في منهج الاستدلال و طريقته، و حينئذ من المعقول أن يحصل للمجتهد غير الأعلم يقين بالحكم الأعم من الواقعي و الظاهري في مسألة بنحو يخالف رأي الأعلم رغم اعترافه بالمفضولية و ذلك لعدم احتمال أن يكون شي‏ء من تلك الالتفاتات و الانتباهات في تلك المسألة التي خالف فيها الأعلم بالخصوص و ذلك لعدة جهات:

19

1- أن يفرض مجموع المسائل و عمليات الاستدلال المستنبطة في كل منها كثيرة بحيث لا تشكل موارد الاختلاف بينهما إلا جزء ضئيلا بحيث يكون احتمال وقوع خطئه فيها نتيجة عدم انتباهه ضعيفا بدرجة يكون الاطمئنان على خلافه فمثلا لو فرضنا مجموع المسائل الشرعية (9) و فرضنا ان كل مسألة تحتوي على خمسة أدلة و عمليات استدلال فكان مجموع عمليات الاستدلال الفقهية (45) عملية و افترضنا اختلافهما في ثلاث مسائل من التسع و كانت نسبة الأعلمية 3/ 1 أي في كل ثلاث عمليات استدلال يتنبه الأعلم إلى نكتة لا يتنبه إليها غيره. فسوف يكون نسبة امتيازات الأفضل في مجموع الاستدلالات الفقهية المفترضة 45/ 15 أي انه قد فاتته (15) انتباهة في مجموع الفقه، و لكن بما ان كل مسألة تحتوي على خمس عمليات استدلال فاحتمال وجود غفلة و عدم انتباه من قبل المفضول في كل واحدة منها 3/ 1 في نفسه و لكن بلحاظ جميع العمليات الخمس في كل مسألة تكون قيمة احتمال (3/ 1) 5 أي 243/ 1 و هو احتمال ضعيف جدا يقابله الاطمئنان [1].

2- و مما يضعف هذا الاحتمال أكثر ما إذا فرضنا ان المجتهد المفضول في موارد الاختلاف مع الأعلم كان منتبها إلى نظر الأعلم و مع ذلك خالفه لأنه بذل مزيد جهد كثير حتى استقر رأيه على الخلاف، خصوصا إذا كان قد التفت إلى ما هو المبرز و المبين من الدليل الّذي أقامه الأعلم و هو يراه مدخولا فيه، أو كان نظره هو الموافق مع المشهور.

3- ان جملة من الخلافات ترجع إلى نكات ذاتية غير قابلة للحل بالبحث، كما إذا كان من باب القطع الوجداني الحاصل من مزاج في فهم الأدلة و التعدي من مدلولها أو الجمود عليها، أو كان من باب الخلاف في استظهارات عرفية قد لا يمكن تخريج نكات موضوعية لها كما نصنع ذلك في أكثر الاستظهارات، أو يرجع الخلاف إلى الخلاف في فهم الذوق العقلائي و ارتكازاتهم في باب العقود و المعاملات.

ففي ضمن مجموع هذه الأمور يمكن أن يفرض حصول الجزم و اليقين للمفضول بما هو وظيفته المقررة شرعا أو عقلا في مسألة معينة رغم اعترافه بأعلمية المجتهد الّذي خالفه في‏

____________

[1] و لكن الاطمئنانات الحاصلة من كثرة أطراف المعلوم بالإجمال ليست بحجة و لهذا يجب الاجتناب عن قطيع شياة يبلغ عددها ألف و يعلم بغصب واحد منها مع ان كل واحد منها لو يلحظ يكون احتمال كونه هو المغصوب 1- 999.

20

الرّأي، و لكن ذلك شريطة ان لا تكثر مسائل الخلاف بينه و بين الأعلم و أن لا يكون الفارق بينهما كبيرا و إلا فكلما كثر هذا أو ذاك كبر احتمال الخطأ في رأيه بنحو لا يمكن أن يحصل له الجزم و تتمة الكلام في ذلك موكول إلى محله.

الجهة الثانية- في الأقسام:

و قد جعلها الشيخ ثلاثة كما هو معروف.

و قد يستشكل فيه: بان المراد من القسم الثاني منها- و هو الظن- إن كان خصوص المعتبر منه فهو خلاف إطلاق كلمة الظن و إن أريد الأعم منه و من غير المعتبر تداخل هذا القسم مع القسم الثالث- و هو الشك- فان الظن غير المعتبر كالشك من حيث الحكم.

و قد يجاب باختيار الشق الثاني، و يدفع الإشكال بان الحكم الملحوظ للاقسام الثلاثة إمكان الحجية و امتناعها أو ضرورتها فالقطع يكون حجة بالضرورة و الظن يمكن جعله حجة و الشك يمتنع فيه ذلك فلا تداخل في الأحكام.

و فيه: إن أريد من الشك مجموع الاحتمالين فلا معنى لجعل الحجية فيه إلا انه بلا ملزم و لهذا لم يرد من الظن أيضا إلا أحد الاحتمالين و هو الراجح منهما، و إن أريد منه أحدهما فيعقل جعل الحجية له بنكتة طريقية نوعية أو بنكتة نفسية كما هو واضح.

و لعل الأولى من ذلك أن يقال: بان الشيخ يقصد من التقسيم المذكور فهرسة مواضيع كتابه و بحوثه فلا بدّ من جعل موضوع القسم الثاني الظن لكي يبحث فيه عن اعتباره و عدمه لا الظن المعتبر بالخصوص. و إن كان هذا يخالف ظاهر عبارته في التقسيم في الأصول العملية، و على كل حال فالمناقشة لفظية.

و قد يستشكل ثانيا- بان تثليث الأقسام مبني على أن يكون المراد بالحكم في المقسم خصوص الواقعي مع انه لا موجب له لأن المهم جامع الحكم الأعم من الواقعي و الظاهري فيكون التقسيم ثنائيا كما صنع في الكفاية.

و فيه- ان المهم ليس هو تحصيل جامع لتقليل الأقسام و إلا لأمكن الاستغناء عن ذلك إلى عنوان واحد و هو تشخيص الوظيفة الفعلية سواء كانت حكما شرعيا واقعيا أو ظاهريا أو حكما عقليا. و انما المقصود بيان ملاكات و مناطات كل وظيفة بإبراز موضوعاتها و ملاكاتها.

نعم يبقى هنا بحث في نفسه عن ان الحكم الّذي أخذ في المقسم بعد الفراغ عن‏

21

تثليث الأقسام هل ينبغي أن يراد به خصوص الواقعي أو الأعم منه و من الظاهري؟

و الكلام في ذلك من جهتين:

1- في منهجة التقسيم و ما تقتضيه، و الصحيح ان مقتضى منهجة التقسيم أن يراد بالحكم خصوص الواقعي لا الأعم و إلا لزم تداخل الأقسام، لأن الظن بالحكم الواقعي المعتبر مثلا يدخل في القسم الأول من حيث هو قطع بالحكم الظاهري و في القسم الثاني من حيث هو ظن بالحكم الواقعي مع ان هذه واقعة واحدة بمعنى ان فيها تنجيزا واحداً و عصياناً و إطاعة واحدة، و ظاهر التقسيم التقابل بين الأقسام بلحاظ واقعة واحدة فمثل هذا لا يناسب التقسيم.

2- من ناحية ثبوتية، و هنا نبحث عن ان إجراء الوظائف هل يكون بلحاظ الأحكام الواقعية فقط أو يمكن أن يكون بلحاظ الأحكام الظاهرية أيضا، و الكلام هنا أولا في الأصول غير التنزيلية، و ثانيا في الأمارات و الأصول التنزيلية.

اما الأصول غير التنزيلية- أي البراءة و الاشتغال- فبالنسبة إلى أصالة البراءة قد يتوهم إمكان إجراءها عن الحكم الظاهري الإلزامي المحتمل كما تجري عن الإلزام الواقعي، فإذا شك في جعل الشارع لوجوب الاحتياط في شبهات معينة كاللحوم مثلا أمكن إجراء البراءة عنه.

و الصحيح التفصيل بين المسالك المشهورة في حقيقة الحكم الظاهري و بين المسلك المختار، فانه بناء على المسلك المشهور القائل بعدم وجود مبادئ للحكم الظاهري و ان الملاك في نفس جعله ليكون منجزا للواقع فقط- و لهذا أيضا لا يكون تناف بين الأحكام الظاهرية بوجوداتها الواقعية غير الواصلة- فالبراءة لا تجري إلا بلحاظ الحكم الواقعي و لا معنى لإجرائها عن الحكم الظاهري المشكوك إذ لا منجزية له و لا أثر في التنجيز و التعذير و انما المنجز هو الحكم الواقعي المحتمل فبإجراء البراءة عنه يحصل التأمين عن الواقع، و اما بناء على مسلكنا القائل بوجود ملاك في الحكم الظاهري محفوظ حتى مع الشك فيه و عدم وصوله- و من هنا يكون هناك تناف بين الأحكام الظاهرية بوجوداتها الواقعية- فالبيان المذكور غير تام لأن الحكم الواقعي و ان حصل التأمين عنه بما انه مشكوك إلا ان هذا لا يمنع عن عدم المعذرية و ثبوت اهتمام المولى به في المرتبة الطولية التي يحتمل فيها جعل حكم ظاهري منجزا أي بما انه يشك في جعل حكم ظاهري إلزامي لحفظه، إذ لا مانع من أن يجعل التأمين عند الشك في‏

22

الواقع و يجعل الاحتياط عند الشك في اهتمام المولى بالواقع و لكن بناء على هذا المسلك لا يحتاج إلى البراءة عن الحكم الظاهري في أغلب الموارد و إن كان موضوعها تاما بالتمسك بدليل البراءة في الشك في الحكم الواقعي ننفي احتمال جعل الحكم الظاهري الإلزامي لأن الأحكام الظاهرية متنافية بوجوداتها الواقعية بحسب الفرض و إطلاق دليل الأصل دليل اجتهادي لا يحتاج معه إلى الأصل العملي و إن كان موضوعه تاما أيضا. نعم نحتاج إلى ذلك فيما إذا كانت الشبهة مصداقية لدليل البراءة و ذلك فيما إذا احتمل وجود أحد مصاديق حكم ظاهري إلزاميّ ثابت كبرويا، كما إذا أخبر من يشك بوثاقته بالحرمة و لم يجر استصحاب وثاقته أو عدم وثاقته لكونه من توارد الحالتين مثلا فانه بناء على هذا المسلك لا يمكن التمسك بدليل البراءة ابتداء، لأنه من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية فلا بد من إجراء البراءة الطولية أي البراءة عن الحكم الظاهري الإلزامي المحتمل فانه بلحاظ هذا الشك لا تكون الشبهة مصداقية كما لا يخفى، و بذلك نؤمن عن منجزية الواقع في هذه المرتبة من الشك.

و اما أصالة الاشتغال، فقد يتوهم انه لا يمكن تطبيقها على الواقع ابتداء بل لا بد من إجرائها بلحاظ الحكم الظاهري في موارد قيام الحجة على أحد التكليفين بنحو الترديد و الإجمال لأنه بلحاظ الحكم الواقعي المشكوك الشبهة بدوية فلا تكون مجرى لأصالة الاشتغال.

و لكن الصحيح ثبوت الاشتغال بلحاظ الحكم الواقعي المشكوك ابتداء بلا توسيط أصالة الاشتغال بلحاظ الحكم الظاهري المعلوم إجمالا، و ذلك لأنه بعد فرض ثبوت الحجة الإجمالية على الإلزام تتساقط الأصول المؤمنة الجارية بلحاظ الواقع في الطرفين معا لاستحالة اجتماع مؤمنين تعيينين في الطرفين مع الحكم الظاهري التنجيزي المعلوم بالإجمال في أحد الطرفين، و بعد التساقط يثبت الاشتغال اما لإنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان رأسا- كما هو الصحيح- أو لأن العلم الإجمالي بالحجة بنفسه يمنع عن جريانها حتى لو قيل بجريانها في الشبهة البدوية، فان البيان المأخوذ في موضوعها أعم من العلم بالواقع أو العلم بالحجة، فنفس العلم بالحجة موجب للاشتغال و تنجز الواقع المحتمل و عدم جريان الأصول المؤمنة بلحاظه.

23

و اما الأصول التنزيلية و الأمارات فلا مانع من إجرائها في الأحكام الظاهرية كما إذا علمنا بحجية خبر الثقة ثم شك في بقائها اما لاحتمال النسخ أو للشك في سعة المجعول كما لو احتمل ان الظن بالخلاف مانع عن حجية الظن، فانه لا بد من استصحاب الحجية الّذي هو حكم ظاهري و اما بلحاظ الحكم الواقعي فلا ثبوت للحالة السابقة كي تستصحب لا وجدانا كما هو واضح و لا تعبدا بعد فرض الشك في الحجية بقاء فلا بدّ من إثبات حجية ذلك الخبر بالاستصحاب، و كذلك يصح العكس حيث نثبت الاستصحاب بخبر الثقة الّذي هو حكم ظاهري أيضا.

هذا و ليعلم بان الأصول التنزيلية و الأمارات و إن كانت تجري بلحاظ الأحكام الظاهرية إلا انها بحسب الحقيقة تكون منجزة للواقع أو مؤمنة عنه لا لنفس الحكم الظاهري فانه لا تنجيز له و لا تعذير فإجراء هذه الأصول التنزيلية و الأمارات بلحاظ الحكم الظاهري بحسب الحقيقة تنجيز للواقع أو تأمين عنه في حق من تحقق عنده موضوع جريانها و لو بلحاظ شكه في الحكم الظاهري، و لهذا لو فرض ان استصحاب الحجية كان مخالفا للواقع بمعنى ان الحجية لم تكن موسعة و لكن الحكم الواقعي كان ثابتا في ذلك المورد كان المكلف إذا خالف الاستصحاب عاصيا لا متجريا فتأمل جيدا.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

مباحث الحجج‏

مبحث القطع‏

حجية القطع مبحث التجري أقسام القطع و قيام الأمارة مقامها أخذ القطع بالحكم في موضوعه وجوب المرافقة الالتزامية حجية الدليل العقلي منجزية العلم الإجمالي الامتثال الإجمالي‏

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

مبحث القطع و قد وقع الكلام عن أصولية هذه المسألة و عدمها، و هذا بحث شرحناه مفصلا في أول البحوث الأصولية عند التعرض لضابط المسألة الأصولية فهو موكول إليه و انما المهم البحث عن حجية القطع و هو يقع في جهات:

«حجية القطع»

الجهة الأولى- في أصل حجية القطع و هي هنا يمكن أن يراد بها معان عديدة:

1- الحجية المنطقية: و مقصودنا منها البحث عن مدى ضمان حقانية القطع و موضوعيته و انه إذا حصل من أي المناشئ يكون مضمون الحقانية منطقيا، و هذا بحث منطقي يسمى بنظرية المعرفة و ليس بحثا أصوليا و إن كان قد يقع التعرض إليه في الجملة عند التعرض لكلمات بعض المحدثين في علم الأصول.

2- الحجية التكوينية: و نقصد بها دافعية القطع و محركيته نحو المقطوع على النحو المناسب لغرض القاطع و هذه محركية طبيعة تكوينية و ليست هي مقصود الأصولي في المقام أيضا.

3- الحجية بمعنى التنجيز و التعذير: و نقصد بها انه في علاقات العبيد بالموالي هل يكون القطع منجزا و معذرا في مقام الامتثال أم لا؟ و هذه هي الحجية المبحوث عنها في الأصول.

28

و قد جاء في كلماتهم الاستدلال على حجية القطع بهذا المعنى بان العمل بالقطع عدل و مخالفته ظلم للمولى فتكون حجية القطع من صغريات قاعدة حسن العدل و قبح الظلم و استحقاق فاعل الأول للمدح و الثواب و مرتكب الثاني للذم و العقاب، و من هنا اختلفت مبانيهم في حجية القطع باختلافهم في مباني تلك المسألة، فمن جعل منهم قبح الظلم و حسن العدل امرا واقعيا يدركه العقل من قبيل الإمكان و الامتناع كانت حجية القطع عنده كذلك أيضا، و من ذهب منهم مذهب الفلاسفة من ان حسن العدل و قبح الظلم حكم عقلائي حكم به العقلاء حفظا لنظامهم كانت حجية القطع لديه من القضايا المشهورات بحسب مصطلح المناطقة و هي القضايا المجعولة من قبل العقلاء.

و الصحيح: ان هذا الاستدلال غير منهجي لأنه إن أريد به مجرد تنبيه المرتكزات و إلفات الخصم إلى استحقاق المثوبة و العقوبة في مخالفة القطع فلا مشاحة في ذلك.

و اما إن أريد به الاستدلال فقاعدة قبح الظلم قد أخذ في موضوعها عنوان الظلم و هو عبارة عن سلب ذي الحق حقه، ففي المرتبة السابقة لا بد من افتراض حق الآمر على المأمور لكي تفترض مخالفته سلبا لحقه و إلا لم يكن ظلما، فان أريد إثبات ذلك بنفس تطبيق قاعدة قبح الظلم كان دورا، و إن أريد بعد الفراغ عن ثبوت حق الطاعة و المولوية على العبد تطبيق هذه القاعدة فهو مستدرك و حشو من الكلام، إذ بعد الفراغ عن حق الطاعة للمولى على العبد و بعد افتراض وجدانية القطع لدى القطع فلا نحتاج إلى شي‏ء آخر، إذ لا يراد بالمنجزية إلا حق الطاعة و لزوم الامتثال و المفروض اننا قطعنا بذلك صغرى و كبرى.

و الحاصل: ان حجية القطع بمعنى التنجيز و التعذير ليس إلا عبارة عما يتحقق كبراه بفرض مولوية المولى و صغراه بنفس القطع بحكم المولى، و النتيجة تتم بتمامية الصغرى و الكبرى فلا نحتاج إلى توسيط عنوان قبح الظلم و زجه في الاستدلال و الّذي جريانه فرع ثبوت مولوية المولى و حق الطاعة له. اللهم إلا أن يراد به مجرد تنبيه المرتكزات إلى وجود الحق المذكور كما أشرنا.

ثم ان المولوية و حق الطاعة تكون على ثلاثة أقسام:

1- المولوية الذاتيّة الثابتة بلا جعل و اعتبار و الّذي هو امر واقعي على حد واقعيات لوح الواقع، و هذه مخصوصة باللّه تعالى بحكم مالكيته لنا الثابتة بملاك خالقيته، و هذا مطلب‏

29

ندركه بقطع النّظر عن مسألة شكر المنعم الّذي حاول الحكماء أن يخرجوا بها مولوية اللَّه سبحانه و لزوم طاعته، فان ثبوت الحق بملاك المالكية و الخالقية شي‏ء و ثبوته بملاك شكر المنعم شي‏ء آخر [1]. بل هذا حذوه حذو سيادة اللَّه التكوينية، فكما ان إرادته التكوينية نافذة في الكون كذلك إرادته التشريعية نافذة عقلا على المخلوقين. و هذا النحو من المولوية كما أشرنا لا تكون إلا ذاتية و يستحيل أن تكون جعلية، لأن نفوذ الجعل فرع ثبوت المولوية في المرتبة السابقة فلو لم تكن هناك مولوية ذاتية لا تثبت الجعلية أيضا لأن فاقد الشي‏ء لا يعطيه.

و بناء العقلاء على هذه المولوية ليس بمعنى جعلهم لها- كما توهم- بل بمعنى إدراكهم لها على حد إدراكهم للقضايا الواقعية الأخرى.

2- المولوية المجعولة من قبل المولى الحقيقي، كما في المولوية المجعولة للنبي أو الولي، و هذه تتبع في السعة و الضيق مقدار جعلها لا محالة.

3- المولوية المجعولة من قبل العقلاء أنفسهم بالتوافق على أنفسهم، كما في الموالي و السلطات الاجتماعية و هذه أيضا تتبع مقدار الجعل و الاتفاق العقلائي.

ثم ان المولوية الأولى دائما يحقق القطع صغراها الوجدانية لأن ثبوت القطع لدى القاطع وجداني و ثبوت مولوية المولى الحقيقي في موارد القطع بديهي أيضا لأنه القدر المتيقن من حدود هذه المولوية، إذ لا يعقل أن تكون اكتمال درجة الكشف عن حكم المولى موجبا لارتفاع مولويته و قلتها موجبة لمولويته و لكن نحن ندعي ثبوت هذه المولوية في موارد الظن و الاحتمال بل الوهم أيضا و بهذا ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان في الشبهات البدوية خلافا لما ذهب إليه المشهور و هذا الاختلاف سوف يكون أساسا لكثير من الثمرات في البحوث القادمة.

و تفصيل ذلك: ان المشهور ميزوا بين امرين مولوية المولى و منجزية أحكامه فكأنه يوجد عندهم بابان أحدهما باب مولوية المولى الواقعية و هي عندهم امر واقعي مفروغ عنه لا نزاع فيه و لا يكون للبحث عن حجية القطع و منجزيته مساس به، و باب آخر هو باب منجزية

____________

[1]- لو كان المقصود من المالكية الاختصاص و السلطنة الاعتبارية فهو واضح البطلان و ان كان المقصود السلطنة و القدرة التكوينية فيلزم ان لا يكون له حق الطاعة فيما إذا كان خالقا و لم يكن قادرا و مسلطا عليه بقاء مع وضوح بقاء حقه، و ان كان المقصود نفس الخالقية رجع إلى مقالة الحكماء فانهم لا بد و ان يريدوا بالمنعم الواهب لنعمة الوجود و الخلق للإنسان.

30

القطع و حجيته و انه متى يكون تكليف المولى منجزا، و في هذا الباب ذكروا ان التكليف يتنجز بالوصول و القطع و لا يتنجز بلا وصول و لهذا حكموا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و يقولون هذا و كأنهم لا يفترضون ان هذا تفصيل بحسب روحه في الباب الأول و في حدود مولوية المولى و حق طاعته، و قد اتضح مما سبق ان هذا المنهج غير صحيح و ان المنجزية التي جعلوها بابا ثانيا انما هي من لوازم أن يكون للمولى حق الطاعة على العبد في مورد التنجيز و أي تبعيض عقلي في المنجزية بحسب الحقيقة تبعيض في المولوية، فلا بدّ من جعل منهج البحث ابتداء عن دائرة مولوية المولى و انها بأي مقدار، و هنا فرضيات:

1- أن تكون مولوية المولى امرا واقعيا موضوعها واقع التكليف بقطع النّظر عن الانكشاف و درجته، و هذا باطل جزما لأنه يستلزم أن يكون التكليف في موارد الجهل المركب منجزا و مخالفته عصيانا، و هو خلف معذرية القطع و واضح البطلان.

2- أن يكون حق الطاعة في خصوص ما يقطع به و يصل إلى المكلفين من تكاليف المولى، و هذا هو روح موقف المشهور الّذي يعني التبعيض في المولوية بين موارد القطع و الوصول و موارد الشك، و لكنا نرى بطلان هذه الفرضية أيضا لأنا نرى ان مولوية المولى من أتم مراتب المولوية على حد سائر صفاته، و حقه في الطاعة على العباد أكبر حق لأنه ناشئ من المملوكية و العبودية الحقيقية.

3- المولوية في حدود ما لم يقطع بالعدم، و هذه هي التي ندعيها و على أساسها ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي على أساسها ذهب المشهور إلى التبعيض في المولوية، و كأنهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي لا تثبت في غير موارد وصول التكليف، نعم لو قيل بان الشارع أمضى السيرة و الطريقة المعتادة في المولويات الثابتة عند العقلاء و بمقدار ما تستوجبها من الحق فلا بأس به و يكون مرجع هذا بحسب الحقيقة إلى البراءة الشرعية المستكشفة عن طريق إمضاء السيرة العقلائية.

و على هذا الأساس يكون الفرق بين القطع و بين غيره من درجات الاحتمال و الرجحان في امرين:

1- ان القطع حجة في جانبي التنجيز و التعذير معا بخلاف المراتب الأخرى التي لا يكون في مواردها إلا التنجيز، و النكتة في ذلك ما أشرنا إليه من ان حق الطاعة لا يشمل موارد القطع‏

31

بالترخيص و ليس هذا تبعيضا في مولوية المولى بل تخصصا و ذلك باعتبار ما سوف يأتي من استحالة محركية المولوية في مورد القطع بالترخيص.

2- ان منجزية غير القطع من الظن و الاحتمال قابلة للردع عنها شرعا بجعل ترخيص ظاهري على الخلاف- بعد الجواب على شبهة ابن قبة في كيفية الجمع بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي و امتداداتها- و اما منجزية القطع فغير قابلة لذلك و هذا هو الّذي وقع موردا للخلاف بين الأصوليين و المحدثين في خصوص القطع الحاصل من غير الكتاب و السنة.

و على ضوء ما تقدم يقع البحث عن إمكان جعل حكم على خلاف الحكم المقطوع به في مورد القطع من حجية أو منجزية أو معذرية كما تجعل الأحكام الظاهرية في موارد الشبهات.

و قد ادعي استحالة ذلك من قبل الأصوليين و استدلوا عليه ببراهين ثلاثة:

1- ان الردع عن القطع يستلزم اجتماع الضدين واقعا في فرض الإصابة أو في نظر القاطع في فرض الخطأ و كلاهما محال لأن القطع بوقوع المحال محال أيضا.

2- ان الردع مناقض لحكم العقل بحجية القطع و منجزيته و هو مستحيل لأنه إن أريد بذلك إزالة الحجية الذاتيّة فهو تفكيك بين الذات و الذاتي، و إن أريد جعل ما يخالفها رغم ثبوت الحجية الذاتيّة عقلا فهذا تناقض مع حكم العقل.

3- ان الردع يلزم منه نقض الغرض و لو بحسب نظر القاطع.

و فيما يلي التعليق على هذه البراهين.

اما بالنسبة إلى البرهان الأول فسنخ هذا البرهان قد أورد كشبهة في موارد جعل الحكم الظاهري من الأمارات و الأصول العملية غاية الأمر ان المحذور هناك كان في احتمال اجتماع الضدين الّذي هو على حد القطع باجتماعهما محال أيضا.

و الجواب- ان التضاد بين الحرمة المقطوعة مثلا و الترخيص تارة يدعى بلحاظ المبادئ و عالم الملاكات و أخرى بلحاظ عالم التنجيز و المحركية في مقام الامتثال، فان ادعي الأول فلا بدّ من ملاحظة الأجوبة التي بها عولجت شبهة التضاد في الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية، فان بعض المسالك في ذاك العلاج جار هنا، و إن كان المسلك الصحيح و المختار لا يمكن تتميمه هنا على ما سوف يتضح من خلال هذا البحث، فيكون هذا البرهان غير قابل للتكميل على جملة من المسالك، فمثلا المسلك القائل باختلاف مرتبة الحكم الظاهري عن‏

32

الواقعي و كفاية ذلك في رفع التضاد لاشتراط وحدة الضدين في المرتبة من الواضح جريانه هنا أيضا، فانه كما يكون الشك في الحكم الواقعي متأخرا عنه و في طوله كذلك القطع به متأخر رتبة. و كذلك المسلك القائل بان الحكم الظاهري لا مبادئ فيه و انما المصلحة في نفس جعله، فان هذا المسلك أيضا جار هنا- بل وجدانية عدم إمكان جعل حكم ظاهري على المقطوع به على خلاف الحكم الواقعي المقطوع به بنفسه من دلائل قصور تلك المسائل في التوصل إلى حقيقة الحل و العلاج بين الأحكام الظاهرية و الواقعية- و إن ادعي الثاني أي التضاد بلحاظ عالم التنجيز و المحركية فالموقف هنا أشد غموضا منه في موارد الأحكام الظاهرية المجعولة في موارد الأمارات و الأصول، لأنه هناك كان يمكن رفع التضاد في هذه المرتبة بدعوى ان الحكم الواقعي باعتباره غير واصل لا يكون منجزا و لا يكون محركا، و اما في المقام فالمفروض وصول الحكم الواقعي بالقطع و تنجزه.

إلا انه مع ذلك التضاد في هذه المرتبة فرع حساب مقدار محركية التكليف الواقعي المقطوع به الّذي هو فرع محركية القطع و هي فرع منجزيته، فإذا كان الترخيص الشرعي بالخلاف صالحا لرفع منجزية القطع فلا يكون له مقام عمل و محركية ليلزم التضاد في هذا العالم، نعم لو لم يكن الترخيص الشرعي صالحا لإزالة حجية القطع و منجزيته وقع التضاد لا محالة، و هذا معناه الرجوع إلى البرهان الثاني و ان منجزية القطع هل تكون تنجيزية أو تعليقية.

و بهذا يتضح ان البرهان الثاني بالمقدار المذكور غير تام أيضا، لأن ما ذكر فيه ان إزالة الحجية عن القطع تفكيك بين الذات و الذاتي و العلة و المعلول فرع أن تكون علية القطع للتنجيز علية تامة لا علية اقتضائية معلقة على عدم الترخيص الشرعي بالخلاف، أي أن يكون حكم العقل بالحجية و التنجيز تنجيزيا لا تعليقيا كما هو الحال في موارد الاحتمال المنجز في موارد الشك في الامتثال أو الشك قبل الفحص بل مطلق الشك و الشبهة بناء على إنكار البراءة العقلية.

و اما البرهان الثالث و هو برهان نقض الغرض فالجواب عليه: انه إن أريد بالغرض الملاك الواقعي و المفسدة الموجودة في الحرام الواقعي فهذا يرجع إلى برهان‏

33

التضاد المتقدم.

و إن أريد به الداعي إلى الجعل و هو التحريك فان الداعي من الجعل التحريك و جعل الداعي في نفس المكلفين فإذا جعل بعد ذلك ترخيصا كان نقضا لذلك، فالجواب ان الغرض من الخطاب انما هو التحريك بحسب ما يستقل به العقل من التحريك و يراه قابلا للتنجيز و التحريك فإذا فرض ان العقل يستقل بحجية القطع بنحو تنجيزي فسوف تكون محركية الخطاب تنجيزية فلا يمكن جعل ترخيص على الخلاف لأنه نقض للغرض، و اما إذا كانت منجزية القطع تعليقية و مشروطة بعدم ترخيص من قبل المولى نفسه فلا نقض للغرض، كما هو في موارد الشك و الاحتمال المنجز كالاحتمال قبل الفحص مثلا، فلا بدّ من تنقيح هذه النقطة.

و التحقيق: انه لا يمكن جعل حكم على خلاف الحكم المقطوع به على حد ما يجعل في موارد الشك و الظن من الأحكام الظاهرية.

اما إذا كان القطع بحكم ترخيصي و أريد جعل حكم ظاهري إلزاميّ نظير إيجاب الاحتياط في الشبهات، فهذا الحكم إذا فرض نفسيا لزم التضاد على ما تقدم توضيحه في البرهان، الأول، و إن فرض طريقيا، و الحكم الطريقي عندنا الحكم الناشئ بملاك التزاحم بين الأحكام الترخيصية و الإلزامية في مرحلة الحفظ لا في نفسها مما يدعو المولى إلى أن يجعل حكما طريقيا يبرز به اهتمامه بما هو المهم من تلك الملاكات المتزاحمة- فهي أحكام ناشئة عن مبادئ و لكن لا في متعلقات نفسها بل في متعلقات الأحكام النفسيّة و لهذا لا تضاد بينهما بلحاظ المبادئ- فهذا أيضا لا يعقل جعله في المقام لأن الحكم الطريقي لا يتنجز بنفسه و انما ينجز غيره أي ينجز الحكم الواقعي و ملاكه النفسيّ و المفروض ان المكلف يقطع بعدم الملاك الإلزامي الواقعي فكيف يتنجز الإلزام الواقعي بهذا الحكم الطريقي؟.

و اما إذا كان القطع بحكم إلزاميّ و أريد جعل حكم ظاهري ترخيصي فأيضاً غير معقول، لأنه إن كان نفسيا ففيه مشكلة التضاد في المبادي، و إن كان طريقيا ناشئا عن التزاحم بين الملاكات الواقعية الترخيصية و الإلزامية و تقديم مصلحة الترخيص على الإلزام فمثل هذا الحكم الطريقي لا يمكن أن يكون مؤمنا و معذرا للمكلف، لأن‏

34

القاطع يرى ان قطعه يصيب الواقع دائما فهو بهذا يرى انه يستطيع أن يحفظ الملاك الإلزامي للمولى من دون تزاحم، أي انه يرى عدم شمول الخطاب له روحا و ملاكا و إن كان شاملا خطابا و من باب ضيق الخناق على المولى بحيث لو كان يمكنه أن يستثنيه لاستثناه- بحسب نظره- و مثل هذا الخطاب لا يكون معذرا عقلا [1].

و الحاصل: جعل الخطاب الظاهري في مورد القطع لا يعقل لا نفسيا لاستلزامه التضاد، و لا طريقيا لأن القاطع يرى نفسه مستثنى عن الخطاب روحا و ملاكا و إن كان مشمولا له صورة، و كل خطاب يكون شموله للمكلف من باب ضيق الخناق و بحسب الصورة فقط لا يكون منجزا أو معذرا.

____________

[1] ليس هذا من باب ضيق الخناق بل من باب الاشتباه و التزاحم بين الملاكات بحسب نظر المولى، و إن شئت قلت ان مثل هذا الضيق للخناق لا يكون إدراكه رافعا لأثر الحكم الشرعي الظاهري بعد ان كان حكم العقل بالمنجزية تعليقيا دائما مشروطا بعدم ترخيص في قبل المولى نفسه كما يشهد به الوجدان.

35

مبحث التجري‏

الجهة الثانية- في التجري:- و موضوع هذا البحث: ان أي تكليف يتنجز على المكلف سواء كان بمنجز عقلي كما في موارد القطع و الاحتمال المنجز، أو شرعي كما في الأمارات و الأصول المنجزة، فان صادف الواقع بأن كان التكليف الواقعي الإلزامي موجودا في البين و خالفه المكلف فهذا عصيان قبيح يستحق فاعله العقاب بلا كلام، و إن لم يصادف و خالفه المكلف فهو التجري الّذي يبحث في هذه الجهة عن قبحه و استحقاق فاعله للعقاب أو حرمته.

و منه يظهر ان البحث لا يختص بموارد القطع و إن كان هو أظهر افراده و مصاديقه.

و قد يتوهم: عدم شمول هذا البحث موارد الحكم الظاهري الشرعي بدعوى تحقق العصيان فيها على كل حال بلحاظ مخالفة نفس الحكم الظاهري الإلزامي.

و لكن هذا التوهم باطل على جميع المباني في تفسير حقيقة الحكم الظاهري، لأن الحكم الظاهري لا إشكال عند أحد في انه حكم طريقي غير ناشئ عن مصلحة في متعلقه و انما يحفظ به الملاك النفسيّ في الحكم الواقعي، فهو يحافظ على ملاكات الأحكام الواقعية سواء كان لسان جعله جعل الطريقية و الكاشفية أو جعل الحكم المماثل أو جعل المنجزية و الحجية أو أي شي‏ء آخر، فان هذه مجرد صياغات في مقام‏

36

الجعل لا تغير من حقيقة الحكم الظاهري و روحه.

و منه اتضح ان ما هو ظاهر كلام الميرزا (قده) من ان الأحكام الظاهرية ليست تكليفية بل تتميم للكشف و الطريقية فليس فيها عصيان مستقل عن الواقع، غير صحيح فان الحكم حتى لو كان بلسان التكليف و الحكم المماثل لا يكون له عصيان مستقل عن الحكم الواقعي لأنه خال عن المبادئ غير مبادئ الحكم الواقعي.

و اما البحث عن التجري و حكمه فيقع في عدة مقامات:

«قبح التجري»

المقام الأول- في قبح الفعل المتجرى به و عدم قبحه عقلا، و إن شئت قلت: ان حكم العقل بالقبح هل يختص بالمعصية أو يشمل التجري أيضا؟.

و الّذي ينبغي أن يقال: انه بعد أن عرفنا ان حكم العقل يرجع بحسب تحليلنا إلى حق المولى على العبد فلا بد من الفحص عن دائرة هذه المولوية و حق الطاعة و هل يشمل ذلك موارد التجري أم لا و من هنا نطرح ثلاثة تصورات.

1- أن يكون موضوع هذا الحق تكاليف المولى الواقعية. و بناء على هذا الاحتمال يلزم أن يكون حق الطاعة للمولى غير ثابت في موارد التجري لأن تمام موضوع هذا الحق هو التكليف بوجوده الواقعي و المفروض عدم وجوده في موارد التجري إلا ان هذا الاحتمال ساقط في نفسه، باعتبار ما تقدم من ان لازمه تحقق المعصية في موارد مخالفة التكليف الواقعي و لو لم يكن منجزا بل حتى إذا كان قاطعا بالعدم و هو واضح البطلان.

2- أن يكون موضوعه إحراز التكليف بمنجز شرعي أو عقلي سواء كان هناك تكليف في الواقع أم لا، فالإحراز المذكور هو تمام الموضوع. و بناء عليه تكون موارد التجري أيضا مما فيه للمولى حق الطاعة لأن المفروض إحراز التكليف فيها بالقطع المنجز عقلا.

3- أن يكون موضوعه مركبا من التكليف بوجوده الواقعي و من إحرازه بمنجز عقلي أو شرعي و هذا وسط بين السابقين، و بناء عليه يثبت عدم الحق في موارد

37

التجري لعدم تمامية موضوعه.

و لنا في المقام كلامان. أولا- ان الصحيح هو التصور الثاني لا الأول و لا الثالث.

و ثانيا- انه بناء على التصورين الآخرين أيضا نقول بقبح التجري.

اما الكلام الأول فحاصله: ان حق الطاعة تارة يكون حقا مجعولا و أخرى يكون حقا ذاتيا، و محل كلامنا هو الثاني لا الأول. و هذا الحق الذاتي ليس شأنه شأن الحقوق الأخرى التي لها واقع محفوظ بقطع النّظر عن القطع و الشك نظير الحقوق الأخرى و التكاليف الشرعية، بل يكون للانكشاف و القطع دخل فيه، لأن هذا الحق بحسب الحقيقة حق للمولى على العبد ان يطيع مولاه و يقوم بأدب العبودية و الاستعداد لأداء الوظيفة التي يأمره بها و ليس بملاك تحصيل مصلحة له أو عدم إضرار به كما في حقوق الناس و أموالهم، ففي حق المالك في ملكه قد يقال بان من أتلف مالا يتخيل انه لزيد ثم تبين انه مال نفسه لم يكن ظالما لزيد لأنه لم يخسره شيئا و لم يتعد على ماله، و اما هنا فالاعتداء بلحاظ نفس حق الطاعة و أدب العبودية، و من الواضح ان مثل هذا الحق الاحترامي يكون تمام موضوعه نفس القطع بتكليف المولى أو مطلق تنجزه لا واقع التكليف، فلو تنجز التكليف على العبد و مع ذلك خالف مولاه كان بذلك قد خرج عن أدب العبودية و احترام مولاه و لو لم يكن تكليف واقعا.

و هذا هو معنى صحة التصور الثاني من التصورات المتقدمة.

و اما كلامنا الثاني فهو انه لو فرض صحة أحد الاحتمالين الأول أو الثالث مع ذلك نقول بقبح الفعل المتجرى به، و ذلك لبديهية أخرى ندعيها و هي ان الإقدام على الظلم و سلب الحق قبيح عقلا و إن لم يكن ظلما واقعا لعدم ثبوت حق كذلك، و ذلك ببرهان حكم العقل بالقبح في ارتكاب الخلاف في موارد تخيل أصل المولوية كما إذا تصور زيد ان عمرا مولاه و مع ذلك أهانه و لم يحترمه بما يناسب مقام مولاه من أدب الشكر و التقدير، فانه لا إشكال ان صدور مثل هذا الفعل يعتبر في نظر العقل قبيحا و فاعله يعد مذموما و لو انكشف بعد ذلك ان عمراً لم يكن مولى له بل انكشف انه لا مولى له أصلا، و موارد التجري من هذا القبيل، فانه و إن لم يكن قد سلب حق المولى- بعد التنزل عن الكلام الأول- إلا انه كان قد أقدم عليه فيكون فعله بهذا

38

الاعتبار قبيحا، و انما يستحق من المولى الحقيقي العقاب- مع انه لم يظلمه- بملاك ان مقتضى مولوية المولى الحقيقي أن يكون ذمه و تأنيبه لعبده الفاعل للقبيح بذلك و ان لم يكن فعله القبيح ظلما في حق مولاه.

و قد يتساءل: انه إذا كان الظلم قبيحا و الإقدام على الظلم قبيح أيضا لزم في موارد المعصية و إصابة القطع للواقع تعدد القبيح و هو خلاف الوجدان.

و الجواب- على ضوء مصطلحات القوم في المقام، ان موضوع القبح عقلا بحسب الحقيقة دائما هو الإقدام على الظلم لا نفس الظلم، غاية الأمر الظلم يستبطن الإقدام عليه لكونه متقوما بالقصد و الاختيار، فالإقدام على الظلم مع الظلم بينهما العموم المطلق فلا يوجد تعدد في مركز القبح. نعم هناك فرق بين مورد الإقدام و مورد تحقق الظلم خارجا انه في مورد تحقق الظلم يستحق فاعله العقاب التأديبي من كل عاقل و إضافة إلى ذلك يوجد له مظلوم و هو له حق التعويض و القصاص عليه بحكم العقل، و هذا بخلاف موارد تحقق الإقدام على الظلم بلا ظلم واقعا. هذا و سوف يأتي مزيد تحقيق و تعديل لهذه النقطة.

و في مقابل هذا المسلك الّذي سرنا عليه. يوجد مسلكان آخران:

أحدهما- مسلك الشيخ (قده) في الرسائل حيث أنكر القبح رأسا في موارد التجري و انما الموجود فيها مجرد سوء السريرة المنكشفة بالفعل نظير الكلمات القبيحة الكاشفة عن معانيها القبيحة.

و قد عرفت ان هذا الكلام غير تام على ضوء ما تقدم، و اما القياس على الألفاظ القبيحة فمع الفارق لأن الفعل في المقام يكشف كشفا تصديقا عن عدم احترام العبد لمولاه و هذا بنفسه ظلم لأنه كشف عن احتقار المولى فيكون بنفسه مصداقا للتحقير و الإهانة الّذي هو تمام موضوع القبح في هذا الباب.

ثانيهما- مسلك المحقق النائيني (قده) فانه بعد تسليمه بأصل القبح حاول التمييز بين قبحين، القبح الفعلي و القبح الفاعلي، و ادعى ان التجري من الثاني و المعصية من الأول، و رتب على ذلك نفس ما انتهى إليه الشيخ من عدم استحقاق العقاب لأنه من شئون القبح الفعلي لا الفاعلي.

39

و هذا الكلام لا يخلو من تشويش بل من اختلاف في النقل بين تقريري بحثه، و نحن نطرح فيما يلي محتملاته مع المناقشة فيها.

1- أن يقصد إنكار قبح التجري رأسا و ان قبحه بالعرض و المجاز و هذا رجوع إلى كلام الشيخ.

2- أن يقصد تصور نحوين من القبح ثبوتا، أحدهما مركزه ذات الفعل، في نفسه بقطع النّظر عن إضافته إلى فاعله و يقابله الحسن كذلك و هذا هو القبح و الحسن الفعليان، و الآخر مركزه الفعل بما هو مضاف إلى فاعله و صادر منه و يقابله الحسن كذلك و هما القبح و الحسن الفاعليان، فكنس الشارع مثلا حسن في نفسه و لكن صدوره من العالم قبيح بخلاف ضرب اليتيم، و في باب المعصية الفعل في نفسه قبيح و اما في التجري فصدوره من القاطع قبيح لا في نفسه. و يرد عليه:

أولا- انه لا معنى لهذا التقسيم منهجيا، لأن القبيح و الحسن لا يضافان إلى الأفعال في أنفسها بل بلحاظ صدورها من الفاعل، و كأن هذا التفصيل خلط بين باب المصلحة و المفسدة و باب الحسن و القبح فان المصلحة و المفسدة موضوعهما الفعل في نفسه و اما الحسن و القبح فليس موضوعه إلا الفعل بما هو مضاف إلى فاعله، لأن القبح و الحسن عبارة عما يذم عليه الفاعل و يمدح و هذا لا يكون إلا بعد إضافة الفعل إلى الفاعل لا الفعل في نفسه كما هو واضح.

و ثانيا- لو سلمنا التفصيل فلما ذا لا يستحق الفاعل العقاب على التجري ما دام الفعل بما هو مضاف إليه قبيح فان العقاب و التبعة يكفي فيه هذا المقدار من القبح بلا إشكال، و لهذا لو كنس العالم الشارع و كان فعله قبيحا كان مذموما لا محالة.

و الحاصل: لم يعرف وجه حينئذ لتخصيص استحقاق العقاب بخصوص صدور القبيح في نفسه و بقطع النّظر عن الفاعل.

3- أن يقصد ان القبح الفاعلي مركزه نفس الإضافة و النسبة بين الفعل و الفاعل لا الفعل ذاتا و لا الفعل بما هو مضاف.

و يرد عليه: أولا- ان التفكيك بين الإضافة و الفعل المضاف أمر تحليلي لا واقعي و مثل هذه الأمور التحليلية سواء قلنا بأنها اعتبارية كما هو المشهور أو واقعية كما هو

40

الصحيح لا تكون هي مصب و مركز المسئولية و التبعة، و إلا لزم إمكان ثبوت تبعات إلى ما لا نهاية لأن كل واحدة منها أيضا باعتبار ثان طولي لها نسبة و إضافة إلى الفاعل متسلسلا بناء على معقولية التسلسل في الأمور الاعتبارية حتى لو كانت واقعية، مع ان الوجدان قاض بعدم وجود أكثر من مسئولية واحدة تجاه الفعل.

و ثانيا- لو فرض ثبوت التعدد بين الإضافة و الفعل المضاف فلما ذا لا يكون المتجري مستحقا للعقاب باعتبار انه قد صدر منه قبيح لأن هذه النسبة و الإضافة أمر اختياري للفاعل أيضا.

4- ان القبح الفعلي يتعلق بالفعل بعنوانه الأولي و القبح الفاعلي يتعلق به بالعنوان الثانوي ككونه إقداما على المعصية أو الظلم مثلا.

و فيه: أولا- انا لا نسلم تعلق القبح حتى في المعصية بالعنوان الأولي بل الثانوي بالنحو المقدم شرحه.

و ثانيا- لو سلم تعلق القبح بالعنوان الثانوي في موارد التجري و الأولي في موارد العصيان، فلما ذا يستوجب ذلك عدم استحقاق العقاب على التجري طالما هو فعل صادر من المكلف خارجا بعنوان قبيح اختيارا.

فهذا المسلك على جميع محتملاته لا يمكن المساعدة عليه.

ثم انه بهذه المناسبة لا بأس بالتعرض لمسألة الحسن و القبح العقليين و مسالك القوم و أثر تلك المسالك في محل الكلام فنقول:

هناك نزاعان في باب الحسن و القبح.

أحدهما- النزاع الأشعري المعروف و هو نزاع في كون الحكم بالحسن أو القبح عقليا أو شرعيا. و هذا خارج عن محل الكلام.

الثاني- النزاع بين عموم الفلاسفة و المحققين بعد الفراغ عن ان مسألة التحسين و التقبيح عقلية لا شرعية في تشخيص هوية هذه القضايا و نوعها في قائمة الصناعات الخمس من المنطق. و هذا النزاع هو المقصود بالبحث في المقام. فنقول هناك مسلكان و اتجاهان في تشخيص هوية قضايا الحسن و القبح العقليين.

المسلك الأول- انها قضايا واقعية دور العقل فيها دور المدرك الكاشف على حد

41

القضايا النظرية الأخرى، غاية الأمر: ان هذه القضايا قضايا واقعية تحققها بنفسها لا بوجودها الخارجي نظير مقولات الإمكان و الاستحالة و الامتناع من مدركات العقل النظريّ هذا هو المجمل، و تفصيل الحال في المقام ان هنا مطلبين:

أحدهما- حسن الفعل و قبحه. و الآخر: استحقاق العقاب. و قد يختلط أحدهما بالآخر فيتصور ان أحدهما عين الآخر فالقبح ما يستحق فاعله الذم و العقاب و الحسن ما يستحق عليه المدح و الثواب إلا ان هذا خطأ، فان الحسن و القبيح معناها ما ينبغي أن يقع و ما لا ينبغي كأمرين واقعيين تكوينيين من دون جاعل، و حينئذ تارة يطبق ذلك على فعل الإنسان نفسه فيقال انه ينبغي في نفسه أو لا ينبغي، و أخرى يطبق على فعل الآخرين و مواقفهم تجاه فاعل القبيح فيقال ان عقابه أو ذمه مما ينبغي أو لا ينبغي، فاستحقاق العقاب و الثواب تطبيق آخر لنفس الأمر الواقعي المدرك على مواقف الآخرين تجاه فاعل الفعل الحسن أو القبيح فهناك قضيتان لا قضية واحدة.

اما القضية الأولى- فانهم أرجعوها إلى قضية قبح الظلم و حسن العدل، و لكن هذه القضية رغم صحة مضمونها فيها خطأ منطقي فان قضية الظلم قبيح يعني انه لا ينبغي و الظلم عبارة عن سلب ذي الحق حقه، و هذا يعني افتراض ثبوت الحق في موضوع القضية و هذا الحق ليس جعليا إذ الكلام في مدركات العقل العملي التي هي أمور واقعية بحسب هذا المسلك، و هذا الحق الواقعي لا معنى له إلا أن يرجع إلى ما ينبغي فعله و ما لا ينبغي، و هذا يعني ان الحكم بعدم الانبغاء مأخوذ في الظلم الواقع موضوعا لقضية الظلم قبيح أي لعدم الانبغاء فتكون القضية بشرط المحمول، فلا يمكن أن تكون هذه القضية إلا تجميعا للقضايا الأولية و إشارة إليها، و إلا فالصحيح أن يقال مثلا الخيانة قبيحة و الكذب قبيح و هتك المولى قبيح و هكذا.

و اما القضية الثانية- فقد جعلوها عين القضية الأولى، و قد عرفت انها قضية أخرى موضوعها فعل العقلاء و مواقفهم تجاه من صدر منه القبيح.

ثم ان القضية الأولى- الفعل القبيح- قد يقع الخطأ في تشخيصه، و هذا الخطأ قد يكون بنحو التضييق و قد يكون بنحو التوسعة، و نقصد بالخطإ بنحو التضييق أن يتصور عدم ثبوت القبح مع ثبوته، و الخطأ بنحو التوسعة بالعكس. و على كلا

42

التقديرين قد يكون الخطأ في الكبرى بمعنى انه لا يرى حسنا و قبحا في مخالفة شخص أصلا أو في حالة معينة كحالة عدم البيان مثلا، و قد يكون في الصغرى بأن يشتبه فيتصور ان فلانا هو المنعم عليه و ليس كذلك أو بالعكس. و السؤال هنا- هل هذا الخطأ بأحد هذه الأقسام الأربعة يوجب ارتفاع القبح عن الفعل و كون المكلف معذورا عقلائيا أم لا؟.

و الجواب- هو التفصيل بين الخطأ في الكبرى و الخطأ في الصغرى، فانه في الأول لا يمكن افتراض أخذ العلم بالقبح كبرويا في موضوع القبح لاستلزامه أخذ العلم بشي‏ء في موضوعه و هو مستحيل لأنه دور أو خلف و لا يقاس ذلك بأخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول الّذي اخترنا إمكانه، لأن هذا انما يعقل فيما إذا كان هناك امران جعل و مجعول كما في الإنشائيات فيمكن أخذ العلم بالإنشاء في موضوع المنشأ و اما الأمور الواقعية نفس الأمرية فليست الا مطلبا واحدا و لا يعقل أخذ العلم بها في ثبوتها بل لا بد من افتراض واقعيتها و ثبوتها مع قطع النّظر عن العلم بها، فمن تصور عدم ثبوت كبرى المولوية و قبح المخالفة لشخص إطلاقا أو في مورد- كمن يقول بقاعدة قبح العقاب بلا بيان- كانت المخالفة الصادرة منه قبيحة واقعا و إن كان مخطئا- بنحو التضييق- و غير عالم به، لعدم إمكان أخذ العلم بذلك في موضوع القبيح، و كذلك من يخطئ بنحو التوسعة فيعتقد مولوية الجار مثلا و ثبوت حق الجوار و هو مخطئ.

نعم في الخطأ بنحو التضييق الكبروي نلتزم بعدم ثبوت القضية الثانية و هي استحقاق العقوبة بشهادة الوجدان العقلي و العقلائي بمعذورية المخطئ المذكور فيستكشف أخذ العلم بقبح الفعل في موضوع هذه القضية، و لا إشكال فيه بعد أن عرفت انها قضية أخرى و في موضوع آخر هو فعل العقلاء فلا مانع من أن يؤخذ فيه علم الفاعل بقبح فعله و إلا لما استحق العقاب و الذم منهم.

كما انه في الخطأ بنحو التوسعة كبرويا نلتزم بثبوت قبح آخر طولي لا بعنوان انه خالف مولاه واقعا ليقال بأنه مخالفة من تخيل انه مولاه بل بعنوان الإقدام على مخالفة مولاه، و ذلك بشهادة حكم الوجدان الّذي تقدمت الإشارة إليه من اعتبار مثل هذا الفاعل مرتكبا لعمل قبيح و مذموم عند العقلاء، و بما ان هذا القبح لا يمكن أن يكون‏

43

هو نفس القبح الأولي المحفوظ في موارد عدم الخطأ فلا محالة يستكشف كونه قبحا ثانويا طوليا [1].

و اما الخطأ في الصغرى، فالصحيح أخذ العلم و عدم الخطأ فيها في موضوع القبح، فمن تخيل ان زيدا ليس هو الّذي أنعم عليه، أو تخيل ان هذا ليس بحرام عند اللَّه تعالى- و هذا من الخطأ بنحو التضييق- أو تخيل ان زيدا قد أنعم عليه أو ان هذا حرام عند اللَّه تعالى- و هو التجري و الخطأ بنحو التوسعة- لا يكون ارتكابه في الأول قبيحا و لا مستحقا للعقاب و في الثاني قبيح يستحق عليه العقاب، لأن العلم بالصغرى مأخوذ في موضوع الحكم بالقبح بمخالفة المولى، بل هو تمام الموضوع فيه- كما تقدم في التصور

____________

[1]- هذه المنهجة في تحليل قضايا الحسن و القبح بناء على المسلك الأول يستلزم بعض المفارقات التي يصعب الالتزام بها وجدانا.

منها- وجدانية عدم قبح الفعل في موارد الخطأ بنحو التضييق كمن يعتقد بقاعدة قبح العقاب بلا بيان في الشبهات البدوية بعد الفحص خطا.

و منها- أن يكون ذم العقلاء و حكمهم بالعقوبة غير مرتبط بقبح الفعل الّذي ارتكبه الفاعل أي لا يكون حكم العقل العملي بانبغاء العقوبة و صحة الذم مبنيا و مترابطا من حيث النكتة و الحيثية بحكمه بعدم انبغاء صدور الفعل فهو بالرغم من حكمه بقبح الفعل لا يحكم بصحة العقاب و الذم عليه و هذا خلاف الوجدان جدا فانه يقضي بان كل ما لا ينبغي صدوره و يقبح فعله يصح العقاب عليه و يذم فاعله بل لا يراد بالذم إلا نفي الانبعاث و ليست العقوبة إلا تصعيدا له.

و منها- يلزم ان من يخطأ في كبرى المولوية لشخص بنحو التوسعة كمن يتصور مولوية الزوجة فيخالفها يكون فعله قبيحا بل ظلما بعد إرجاع الظلم إلى القبح و عدم الانبغاء مع حكم الوجدان بعدم كونه ظالما لها و عدم قبح في فعله أصلا.

و لعل الأوفق أن يقال: بان القبح غير الظلم فهناك حكمان عقليان عمليان طوليان يشهد بتعددهما الوجدان:

أحدهما- الظلم و هو سلب الحق و الّذي يكون بنفسه مدركا عقليا عمليا و هو عبارة عن السلطنة و الولاية كحقيقة نفس أمرية يدركها العقل العملي على حد القدرة التكوينية التي يدركها العقل النظريّ.

الثاني- القبح و هو المعبر عنه بلا ينبغي أو استحقاق العقاب و الذم، و الحكم العقلي الثاني أخذ في موضوعه العلم بالحكم العقلي الأول أي بالحق فمن لم يكن يعلم بحق الطاعة لشخص عليه سواء كان خطأ في كبرى الحق أو صغراه و خالفه فلا يحكم العقل بقبح مخالفته فالخطأ في الحكم الأول بنحو التضييق رافع لموضوع الحكم الثاني.

و اما الخطأ فيه بنحو التوسعة فان كان في كبرى الحق كمن تصور ولاية الزوجة على الزوج فلا ينبغي الإشكال في عدم صدق الظلم بالمخالفة نعم تكشف المخالفة عن سوء سريرته و استعداده له حتى إذا كانت المولوية ثابتة واقعا. و اما قبحه بملاك آخر ذاتي و هو قبح الإقدام على ما يتصور أنه ظلم على حد قبح الكذب مثلا و لو لم يكن ظلما على أحد فمبني على عدم إرجاع كل قبيح إلى قبح الظلم.

و ان كان الخطأ بنحو التوسعة في صغرى الحق كما في مسألة التجري كان عمله ظلما و قبيحا لما تقدم من ان ملاك هذا الحق انما هو أدب العبودية و الاحترام للمولى و هو يصادر و يهتك بمخالفة معلوم الحرمة لا واقع الحرام.

و ان أبيت إلا من إرجاع الحكم الأول أعني الحق و السلطنة إلى الحسن و القبح بمعنى ينبغي له الأمر و الإلزام قلنا بان حكم العقل العملي بانبغاء الإطاعة و قبح المخالفة على العبد مشروط بعلمه بالمولوية أي بأن الآمر ينبغي له الأمر و النهي و إحدى القضيتين غير الأخرى موضوعا و محمولا فلا يلزم الدور و لا الخلف و لا يكون الفعل قبيحا في موارد الخطأ بنحو التضييق.

44

الثاني- فإذا تخيل العدم ارتفع و إذا تخيل الثبوت ثبت القبح و لو لم تكن الصغرى في الواقع ثابتة.

و دليلنا على الأول حكم الوجدان بان أكبر الناس و أكثرهم أخلاقية أيضا قد يفرض له الخطأ في الصغرى بنحو التضييق فيخالف مولاه خطا و لا قبح في ذلك.

و على الثاني ما تقدم من ان حق المولى انما هو من أول الأمر حق أن لا يهتك و ذلك بارتكاب ما يقطع بأنه مخالفة لا خصوص المخالفة الواقعية.

و هكذا نستنتج: انه قد يثبت في مورد القبح بالعنوان الأولي الواقعي فقط كما في المخطئ في الكبرى بنحو التضييق و هذا لا عقاب عليه، و قد يثبت القبح بالعنوان الثانوي فقط و هو المخطئ في الكبرى بنحو التوسعة إذا خالفها، و قد يثبت كلا القبحين و ذلك فيمن لم يخطئ في الكبرى و قد خالف قطعه بالحكم- سواء كان قطعه بالحكم معيبا و هو المعصية أو مخطئا و هو التجري لأن القطع بالصغرى مأخوذ في الكبرى بحسب الفرض- لأن لازم ما ذكرناه من وجود قبح ثانوي طولي بعنوان مخالفة المولوية المقطوع بها غير القبح الأولي الواقعي ان يكون في حالة الإصابة بلحاظ الكبرى قبحان قبح أولي ثابت ثبوتا واقعيا لا يمكن أن يكون العلم به مأخوذا فيه، و قبح ثانوي بعنوان الإقدام على مخالفة المولى.

و من هنا يظهر ان صاحب التصور الثالث أي من يقول بان مخالفة التكليف واقعا من حيث الصغرى دخيلة كجزء الموضوع في القبح زائدا على القطع بها لا بد و ان أن يلتزم بالفرق بين المتجري و العاصي في درجة القبح، و إلا فلو سلم وجدانا عدم الفرق بينهما في درجة القبح كان لا بد له التنازل عن الوجه الثالث و اختيار الثاني الّذي هو الصحيح و المختار. و ما ذكرناه هناك من إلزامه بالقبح حتى على التصورين الأول و الثاني كان جدليا مبنيا على المصطلحات المشهورة في قبح الظلم و حسن العدل، و اما حيث حللناها بالنحو المذكور فلا بدّ من الرجوع إلى التصور الثاني لأن قبح الإقدام على المعصية إن كان غير القبح الأولي لزم صدور قبحين من العاصي و إن كان نفس قبح الظلم فلا بدّ من افتراض ان موضوعه يشمل القاطع أي ان تمام موضوعه القطع و هو التصور الثاني.

45

المسلك الثاني- هو المسلك الّذي يدعي أصحابه بان الحسن و القبح من القضايا المشهورة الداخلة في صناعة الجدل لا القضايا البرهانية. و هناك فرضيتان لتفسير هذا المسلك.

الفرضية الأولى- ما يتراءى من كلمات السيد الأستاذ في شرح هذا المسلك، و هو يرجع إلى دعوى ان الحسن و القبح قضية إنشائية من قبل العقلاء لا خبرية، فهي على حد ساير المجعولات العقلائية غاية الأمر قد تطابق العقلاء عليها باعتبار إدراكهم للمصالح و المفاسد من ورائها. و مثل هذه الفرضية أيضا مدعى من فسر الحسن و القبح بأنهما موقفان عقلائيان عمليان مدحا أو قدحا.

إلا ان هذه الفرضية لا تنطبق على كلمات أصحاب هذا المسلك من الحكماء، فانهم يصرحون بان المشهورات قضايا مقرونة بالتصديق الجازم كالقضايا الضرورية غاية الأمر ان التصديق الجازم في الضروريات مضمون الحقانية بخلافه هنا، و من الواضح ان فرض التصديق الجازم يستلزم افتراض القضية خبرية تصديقية لا إنشائية جعلية.

ثم ان هذه الفرضية أعني دعوى ان قضايا الحسن و القبح مجعولات عقلائية قد يكون مبررها دعوى ثبوتية هي إقامة البرهان على استحالة كونها قضايا خارجية، لأنها لو كانت كذلك لاحتاجت إلى محل تعرض عليه كما في البياض مثلا مع وضوح ان الفعل الحسن أو القبيح قبل وجودهما متصفان بذلك.

و الجواب حينئذ ما تقدم مرارا من ان لوح الواقع أوسع من لوح الوجود.

و قد يكون مبررها دعوى إثباتية حاصلها: انا لا ندرك شيئا آخر في الخارج وراء المصلحة و المفسدة في الأفعال، نعم نجد ذم العقلاء و مدحهم تبعا للمفسدة و المصلحة.

و قد حاول السيد الأستاذ النقض على هذه الدعوى بأنها لو كانت قضايا مجعولة من قبل العقلاء فما شأن العاقل الأول قبل وجود العقلاء و تشريعاتهم فانه ينبغي أن يقال بعدم قبح الظلم و حسن العدل في حقه مع انه خلاف الوجدان، فلا بدّ و أن تكون هذه القضايا واقعية.

و لكن هذا الكلام لا بد من إرجاعه إلى تكذيب وجداني للشبهة من ان هناك من‏

46

وراء مواقف العقلاء قضايا واقعية يدركها العقل العملي هي قضايا الحسن و القبح و إلا فان أريد إقامة البرهان على الخلاف فمن أين يعرف حال العاقل الأول و انه كان يدرك الحسن و القبح أو لا؟ فلعل إحساسنا بهذا الوجدان من تأثير بناء العقلاء.

و الصحيح: بعد وجدانية ان قضايا الحسن و القبح ليست مدركة على أساس انها تشريعات لمواقف اعتبارية عقلائية، ان هذه الفرضية تربط بين القبح و الحسن و المفسدة و المصلحة و تجعل إدراك الأخيرين سببا لجعل الأولين و هذا لا ينسجم مع الوجدانات الأخلاقية في باب الحسن و القبح لأنها تبرهن على انهما باب مستقل و مفصول عن باب المصلحة و المفسدة، و لهذا كان التجري قبيحا رغم عدم المفسدة في نفس الفعل و هناك كثير من موارد الحسن و القبح قد لا يكون في الفعل مفسدة أو مصلحة، و مما ينبه إلى هذا عدم إجراء باب التزاحم بين القبيح و المصلحة أو الحسن و المفسدة، فالظلم لا يكون حسنا مهما ترتب عليه مصلحة و العدل لا يكون قبيحا مهما نتج منه ضرر و خسارة خارجا طالما هو عدل.

الفرضية الثانية- ان الحسن و القبح قضايا مشهورة بمعنى انها تصديقات جازمة و لكن غير مضمونة الحقانية، أي ليس التصديق الجازم فيها ناشئا من أحد المناشئ في القضايا المضمونة التي حصروها في القضايا الست الأولية المعروفة في المنطق، فان إدراك العقل لحسن العدل و قبح الظلم ليس من المدركات الأولية لا للعقل و لا للحس و لا للوهم، و انما يحصل التصديق الجازم بها نتيجة التأديب و التربية الاجتماعية العقلائية. و قد صرح ابن سينا بان الإنسان لو خلق فريدا وحيدا لما أدرك بعقله حسن العدل أو قبح الظلم.

و تقريب عدم كونها من القضايا الأولية المضمونة مبني على تشخيص الميزان في كون قضية أولية أم لا، و هذا الميزان يمكن أن يجعل أحد امرين.

1- ان القضية الأولية هي التي تكون جهة القضية ضرورية أي ضرورية المدرك لا الإدراك نفسه، فان القضية إذا كان ثبوت الحكم فيها للموضوع بالضرورة كما في الأربعة زوج قضية أولية مضمونة الحقانية.

و هذا الميزان منطبق في قضايا العقل العملي فان العدل حسن بالضرورة و الظلم‏

47

قبيح كذلك، على ان الميزان ليس بصحيح لأنه لا ينطبق على أكثر ما اعتبروه من القضايا الأولية الست.

2- ان الضرورة تلحظ بالنسبة إلى الإدراك نفسه لا المدرك، فمتى ما كان إدراك قضية ناشئا من حاق القوة العاقلة لا بأسباب غير عقلائية كالفرح و الغضب و العاطفة و التلقين كانت القضية ضرورية.

و هذا الميزان يدعى عدم انطباقه على قضايا الحسن و القبح اما للقطع أو احتمال أن تكون هذه القضايا نتيجة تلقين العقلاء و تأديبهم لنا- كما يشعر بذلك كلام ابن سينا المتقدم- و اما لأنا بسير القضايا الست و ملاحظتها لا نجد ان شيئا منها يمكن أن ينطبق على المقام، لأن ما يحتمل أن تندرج فيه هذه القضايا العملية من تلك القضايا الست انما هو الأوليات و الفطريات لا التجربيات و المتواترات و الحسيات و المشاهدات، و الفطريات هي ما يكون قياسها مستبطنا في القضية كما في قولك الأربعة زوج باعتبارها تنقسم إلى متساويين، و هذا من الواضح عدم انطباقه على العدل حسن و الظلم قبيح لعدم استبطان برهان فيهما و الأوليات ما يكون مجرد إدراك الطرفين و النسبة فيها كافيا للتصديق الجازم بها، و هذا أيضا غير منطبق عليهما بدليل وقوع الاختلاف فيهما من قبل الناس مع ان الأوليات لا يقع فيها اختلاف لكون تصور أطرافها كافيا للتصديق بها.

و كلا الدعويين و التطبيقين مما لا يمكن المساعدة عليهما:

اما الأول- فبأنه لو فرض القطع أو احتمال كون منشأ قضايا الحسن و القبح التلقين لزم من ذلك زوال التصديق عندنا بمجرد الالتفات إلى ذلك مع انه خلاف الوجدان و خلاف تصريحهم و اعترافهم بكونها قضايا فيها تصديق جازم، إلا أن يقصدوا انها جازمة عند غيرهم.

و اما الثاني فممنوع كبرى و صغرى.

اما الكبرى، فلان القضية الأولية النابع إدراكها من حاق القوة العاقلة لا يلزم فيها تطابق الناس على إدراكها لأن القوة العاقلة لا تكون بدرجة واحدة عند الجميع بل تكون ذات مراتب مشككة كما هو الحال في القوة الحسية، فكما لا يشترط في حسية

48

القضية إحساس الكل بها حتى من يكون بصره مثلا ضعيفا كذلك الحال في القوة العاقلة. أضف إلى ان ارتباط قضايا الحسن و القبح كثيرا بمواقف الناس و مساسها بمصالحهم و عواطفهم يجعلها في معرض التشكيك فيها و التكذيب لها خلافا للقضايا النظرية البحتة، فلا يكون الاختلاف فيهما اختلافا موضوعيا حقا.

و اما منع الصغرى، فنحن ندعي انه لا خلاف بين العقلاء في كبريات و مقتضيات الحسن و القبح و انما الخلاف و النقاش في صغرياتها أو في موارد التزاحم بين مقتضياتها، على ما سوف نعود إلى الحديث عن ذلك في بعض البحوث القادمة.

ثم انه على ضوء ما تقدم في مسلكنا لإثبات قبح التجري لا يختلف الحال بين المسلكين، أي بين أن تكون قضايا العقل العملي مضمونة الحقانية أم لا طالما هي قضايا مصدقة. نعم لو قيل بالفرضية الأولى في تفسير المسلك الثاني من انها قضايا مجعولة فالامر يتبع حينئذ مقدار ما هو المجعول فقد تجعل القضية بنحو تكون مخصوصة بموارد المعصية و لا تعم التجري.

هذا كله فيما هو التحقيق في مسألة قبح التجري عقلا.

و اما البراهين و الكلمات التي ذكرها الأصحاب لإثبات عدم قبح الفعل المتجرى به ففيما يلي نتعرض لأهمها مع مناقشتها.

البرهان الأول- ما أفاده صاحب الكفاية (قده) في حاشيته على الرسائل من انه يستحيل اتصاف التجري بالقبح لأن القبح و الحسن لا يتصف بهما الفعل إلا إذا كان اختياريا، و اختيارية أي عنوان فرع أن يكون ذلك العنوان مصبا لإرادة الإنسان و شوقه المؤكد المستتبع لتحريك العضلات و في موارد التجري كمن شرب ماء بتخيل انه خمر توجد ثلاثة عناوين، شرب الخمر، و شرب الماء، و شرب مقطوع الخمرية، و الأول منها غير متحقق بحسب الفرض و الثاني ليس بقبيح في نفسه و لو صدر عن إرادة و الثالث ليس باختياري، لأن المتجري كان قد تعلقت إرادته بشرب الخمر لا بشرب مقطوع الخمرية.

و المحقق الأصفهاني (قده) أورد عليه بنقضين و أجاب عن كل منهما:

النقض الأول- ان لازمه لو شرب الخمر لا لشوق و إرادة له بما هو خمر بل بما هو بارد

49

مثلا فلا يكون شربه للخمر اختياريا لأنه لم يكن يقصده و انما قصد التبريد.

و أجاب: بأنه باعتبار توقف التبريد على شرب الخمر فسوف تترشح إرادة غيرية نحوه أيضا فيكون اختياريا.

و لكن هذا الجواب واضح القصور، إذ يمكن للناقض تبديل نقضه بما إذا كان فعل الحرام معلولا أو ملازما للمراد لا علة له ليقال بترشح إرادة غيرية عليه كما إذا كان غرضه إيصال الكهرباء للتجربة و هو يعلم انه يؤدي بالنتيجة إلى هلاك مؤمن.

النقض الثاني- لو تعلقت إرادته بالجامع بين الحرام و غيره كما لو توقف علاج مرضه على شرب المائع فطبقه على الخمر لا يكون صدور الحرام منه اختياريا.

و أجاب عنه على ضوء مسالكه الفلسفية من انه إذا تعلقت الإرادة بالجامع فتطبيقه على فرد لا يكون إلا لمرجح فيه و إلا لزم الترجيح بلا مرجح فتكون الخصوصية المرجحة مرادة لا محالة.

و فيه- انه قد يفرض اختيار الخمر لأن المائع منحصر فيه لا ان فيه مرجح، و قد يفرض ان المرجح موجود و لكنه ليس هو خصوصية الخمرية بل خصوصية أخرى ملازمة.

و التحقيق: ان المحقق الخراسانيّ تارة يدعي ان إرادة أحد المتلازمين لا تسري إلى ملازماته، و أخرى يفترض انه من القائلين بالسراية قياسا للإرادة التكوينية على التشريعية التي ادعى فيها ذلك.

فعلى الأول ترد النقوض المذكورة و لا مخلص عنها إلا برفع اليد عن مبانيه الفلسفية في باب الاختيار فان الاختيار ليس بمعنى تعلق الإرادة و الشوق بل بمعنى كون الفعل صادرا عن سلطنة الفاعل بحيث كان له أن يتركه و هذا يكفي فيه مجرد الالتفات إلى العنوان و صدوره منه في حالة كان له أن يمتنع عنه على ما تقدم شرحه مفصلا في موضعه من بحوث الطلب و الإرادة.

و على الثاني، فالنقوض كلها مدفوعة لأنه في تمام تلك الموارد يكون الحرام متعلقا للإرادة بالاستلزام و لو لأجل انحصار المراد به، و هذا غير جار في المقام أعني التجري لأن شرب مقطوع الخمرية لا يلازم شرب الخمر بل مباين معه بدليل انه شرب مقطوع‏

50

الخمرية و لم يشرب الخمر. و إن شئت قلت: ان متعلق الإرادة هو شرب الخمر و شرب الخمر واقعا أعم من شرب مقطوع الخمرية إذ قد يتحقق ذلك بلا قطع بخمريته و قصد الأعم لا يستلزم قصد الأخص [1].

و لكن يرد أيضا على هذا الاحتمال.

أولا- عدم تمامية المبنى في معنى اختيارية الفعل كما تقدم على الشق الأول.

و ثانيا- عدم تمامية مبنى استلزام إرادة شي‏ء لإرادة لوازمه و ملازماته كما لم يعترف بذلك صاحب الكفاية نفسه في الإرادة التشريعية.

و ثالثا- لو سلم المبنيان اتجه النقض بالتجري في الشبهة الحكمية كما لو اعتقد حرمة شرب التتن فشربه، فان عنوان شرب معلوم الحرمة يكون أعم حينئذ من شرب التتن عند العالم بحرمته فيكون إرادة الأخص إرادة له بالاستلزام.

و رابعا- حتى التجري بنحو الشبهة الموضوعية قد يتعلق فيه غرض شخصي بشرب معلوم الخمرية فيكون اختياريا لا محالة.

و خامسا- ان التجري في شرب معلوم الخمرية اما أن يفترض فيه صدور حيثية من الفعل الخارجي عن الفاعل بالاختيار أو يدعى عدم صدور فعل اختياري منه أصلا، اما الثاني فهو رجوع إلى البرهان الثالث المتقدم، و اما على الأول فتلك الحيثية الصادرة منه بالاختيار لا محالة ملازمة لعنوان شرب معلوم الخمرية قطعا فبناء على الاستلزام تسري الإرادة إليه أيضا.

البرهان الثاني- ما أفاده صاحب الكفاية (قده) أيضا و هو برهان غالبي لا دائمي‏

____________

[1]- لا يقال الإرادة التكوينية لا تحرك إلا نحو الجزئي لا الكلي بحده و هذا يعني ان إرادته الفعلية متعلقة بشرب هذا الخمر الّذي هو مقطوع الخمرية فيكون عنوان مقطوع الخمرية أعم من الخمر المقصود شربه إذ كل خمر مقصود مقطوع الخمرية فتسري الإرادة إليه بناء على الاستلزام.

فانه يقال: الاستلزام في خصوص الملازمات الأولية للملزوم لا الملازمات الثانوية المنتزعة في طول تعلق العلم و الإرادة، بل لعل ذلك محال لاستلزامه التسلسل فلا يكون مقطوع الخمرية متعلقا للإرادة و لو كان انطباقه لازما.

ثم ان هنا نقضا لطيفا و هو انه بناء على هذا لو فرض حرمة شرب مقطوع الخمرية لا الخمرية الواقعي لزم عدم القبح و عدم حرمة الشرب إذا قصد شرب الخمر و إن صدر منه بالاختيار لأنه ليس بحرام و انما الحرام شرب مقطوع الخمرية و لم يصدر عنه بالإرادة و الاختيار و هذا النقض متجه على جميع براهين المحقق الخراسانيّ الثلاثة.

51

و يتألف من مقدمتين:

الأولى- ان الالتفات إلى العنوان شرط في اختياريته و هذا مطلب صحيح حتى على مبنانا في الاختيارية.

الثانية- ان عنوان مقطوع الخمرية لا يلتفت إليه غالبا في مقام العمل لأن القطع ينظر إليه بنظر آلي لا استقلالي اذن فلم يصدر منه شرب مقطوع الخمرية بالاختيار و الإرادة لكي يكون قبيحا.

و أورد عليه المحقق النائيني (قده): بان لازمه أن لا يعقل أخذ القطع موضوعا لحكم شرعي لاستحالة وصول ذلك الحكم و تنجزه حينئذ لأن تنجز الحكم فرع الالتفات إلى موضوعه و المفروض أخذ القطع فيه و هو لا يلتفت إليه.

و لكن هذا الإيراد غير متجه، لأن صاحب الكفاية (قده) لم يدع انه يستحيل الالتفات إلى القطع نفسه و انما ادعى انه في موارد القطع الطريقي الّذي يكون غرض القاطع في المقطوع به فتمام نظره و التفاته إلى المقطوع به لا إلى القطع نفسه، و اما لو تعلق الغرض بنفس القطع فلا محذور في الالتفات إليه كما في موارد القطع الموضوعي الّذي يكون غرض المكلف إحراز نفس القطع الموضوع للحكم.

و الصحيح في الإجابة على هذا البرهان أن يقال:

أولا- الالتفات المرآتي الآلي إلى القطع كاف في الاختيار، لأن المقصود من الالتفات ما يقابل الغفلة المطلقة التي تنافي السلطنة و الاختيار لا خصوص الالتفات التفصيليّ.

و ثانيا- ان الفاعل كما يحسب حساب العناوين الأولية التي يتعلق بها غرضه كذلك يلتفت إلى العناوين التي سوف تنطبق على فعله و تكون مانعة عن أغراضه و في المقام المكلف المتدين لا محالة يلتفت إلى كون الفعل مقطوع الحرمة و تكون حرمته منجزة عليه أم لا لأن غرضه متعلق بعدم عصيان المولى.

البرهان الثالث- أن في موارد التجري في الشبهة الموضوعية لا يوجد فعل صادر من المكلف اختيارا أصلا فيكون حال من شرب الماء بتخيل انه خمر حال النائم الّذي يشرب الخمر، و ذلك لأن ما قصده و هو شرب الخمر لم يقع منه خارجا و ما وقع و هو

52

شرب الماء لم يقصده و لم يرده لكي يكون فعلا اختياريا له.

ثم أشكل على نفسه بأنه لو ادعي: ان الجامع بين ما وقع و ما قصد و هو شرب مقطوع الخمرية كان مقصودا له فيكون قد صدر منه بالاختيار.

أجبنا عليه: بأن الجامع له حصتان حصة في ضمن الخمر الواقعي و حصة في ضمن الماء المتخيل كونه خمرا، و إرادة القاصد للجامع انما تكون إرادة ضمنية أي إرادة للحصة المتضمنة في الفرد المراد و هي الحصة الأولى و هي لم تقع و انما الّذي وقع الحصة الثانية و هي لم تكن مقصودة لا استقلالًا لا ضمنا.

و لنا هنا كلامان:

الأول- نقض طريف، حيث ان لازم هذا التحليل جواز ارتكاب المعصية في موارد يتعلق قصد العامي ببعض افراد الحرام و يكون الواقع فردا آخر منه، كما إذا كان يريد شرب الخمر العنبي فجي‏ء له بخمر تمري فانه لم يصدر منه فعل اختياري أصلا ليكون محرما أو قبيحا و مثل هذا واضح الفساد.

الثاني- ان بداهة الوجدان تحكم بالفرق بين فعل المتجري و فعل النائم، و هذا بنفسه ينبغي أن ينبهنا إلى أحد امرين طوليين.

أحدهما- أن نرفع اليد عن المبنى الفلسفي في الاختيارية و نختار ما هو الصحيح من كفاية الالتفات و التوجه إلى العنوان المتحقق في الخارج بفعل الإنسان في صيروريته اختياريا يتحمل الفاعل مسئوليته و تبعات إيجاده عقلا و شرعا.

ثانيهما- أن يلتزم بأن الفرد الخارجي صادر منه اختيارا بعد أن طبق مراده عليه و شخصه فيه، فتحركه نحو إيجاد ذلك الفرد المشخص بإرادته و اختياره سواء كان تشخيصه مطابقا للواقع أم لا.

البرهان الرابع- انه لو فرض قبح التجري لزم قبح الفعل و لو صادف مصلحة مهمة لازمة للمولى، كما إذا أنقذ ابن المولى بتصور انه عدوه مع ان كونه محبوبا للمولى من الواضحات، فحينئذ أن التزم بقبح الفعل المتجري به مع كونه محبوبا للمولى و مطلوبا لزم اجتماع الضدين.

و فيه: انه خلط بين باب الحسن و القبح و باب المصلحة و المفسدة و الحب‏

53

و البغض، فان الفعل هنا و إن كان فيه مصلحة أو حب و لكنه ليس بحسن بل قبيح.

العقوبة على التجري‏

المقام الثاني- في استحقاق العقاب على التجري و قد اتضح مما تقدم ان قضية استحقاق العقاب غير قضية قبح الفعل بل قضية ثانية مترتبة على الأولى و الصحيح ان المتجري يستحق العقاب على الفعل المتجري به عقابا تأديبيا من العقلاء و عقابا قصاصيا من قبل المولى لأنه قد سلب حقه الّذي تقدم ان موضوعه الجامع بين العصيان و التجري و هذا مطلب مستنبط مما تقدم في المقام الأول.

و انما عقدنا له مقاما مستقلا باعتبار انهم تعرضوا إلى وجوه مستقلة لإثبات استحقاق المتجري للعقاب.

و قد ذكر المحقق النائيني (قده) أن السيد الشيرازي الكبير (قده) قد ذكر برهانا على استحقاق المتجري للعقاب مركبا من أربع مقدمات، و لكن الأولى و الثانية منهما لا ربط لهما بالمقام على ما يظهر لمن يراجعهما و الثالثة و الرابعة كل منهما يصلح أن يكون برهانا مستقلا نذكرهما فيما يلي مع إضافة الوجه المذكور في الرسائل فتكون البراهين على استحقاق المتجري للعقاب ثلاثة:

البرهان الأول- و هو المقدمة الثالثة من برهان الشيرازي (قده) و حاصله: ان المناط في حكم العقل باستحقاق العقاب هو ارتكاب ما يعلم مخالفته للتكليف لا ما يكون مخالفا واقعا، فالمهم اذن هو العلم بالتكليف لا إصابة ذلك العلم للواقع و إلا لتعطلت الأحكام حيث لا يمكن إحراز الإصابة في مورد، و عليه فالمتجري و العاصي على حد واحد من حيث توفر مناط استحقاق العقوبة فيهما.

و أورد عليه المحقق النائيني (قده): بالفرق من ناحية ان المتجري ليس بعالم حقيقة لأن علمه جهل مركب في الواقع. و هذا الإيراد مع أصل البرهان كلاهما غير تام.

اما أصل البرهان، فلأننا ننكر أن يكون العلم بالتكليف هو المناط بل نختار ان الإصابة للواقع هي المناط و هي محرزة لدى القاطع و المتجري معا، لأن القاطع يرى‏

54

قطعه مطابقا للواقع فهو دائما يحرز التكليف و يرى نفسه مستحقا للعقاب على تقدير المخالفة فلا يلزم تعطيل الأحكام.

و اما الإيراد، فلان الميرزا الشيرازي (قده) يريد دعوى ان المصادقة غير دخيلة بل تمام المناط بحكم العقل القطع بالواقع و عبر عنه بالعلم و ليس النّظر إلى المصطلحات المنطقية لكي يقال ان هذا جهل مركب و ليس بعلم.

و البرهان الثاني- و هو المقدمة الرابعة في كلام الميرزا الشيرازي (قده) ان الميزان في استحقاق العقوبة اما القبح الفعلي أو الفاعلي، و الأول واضح البطلان إذ يلزم استحقاق العقاب على شرب الخمر واقعا باعتقاد انه خل، فيتعين الثاني و هو في التجري و العاصي على حد سواء.

و أورد عليه الميرزا (قده) بان هناك احتمال ثالث و هو أن يكون الميزان في استحقاق العقوبة هو القبح الفاعلي الناشئ من قبل القبح الفعلي، أو بعبارة أخرى:

مجموع القبحين فتكون التفرقة بين العاصي و المتجري صحيحة بلا لزوم النقض.

و التحقيق: ان أصل البرهان مع رده مبنيان على انقسام القبح إلى فعلي و فاعلي و قد عرفت ما فيه مفصلا فلا نعيد.

البرهان الثالث- ما ذكره الشيخ (قده) في الرسائل، من ان عدم استحقاق المتجري للعقوبة معناه ان سبب العقاب في العاصي إصابة قطعه للواقع و إلا فلا فرق بينه و بين المتجري من سائر الجهات، و الإصابة و عدمها امر غير اختياري فكيف يمكن أن تناط به العقوبة؟.

و أجاب عنه بما يرجع إلى التفكيك بين المقتضي للاستحقاق و المانع عنه، فالمقتضي يجب أن يكون امرا اختياريا و اما المانع فلا يلزم فيه ذلك لوجود أمور مانعة غير اختيارية كالعجز مثلا، و عليه فالمقتضي في المقام للاستحقاق هو التصدي للمعصية و هذا اختياري للمتجري و العاصي معا و اما عدم المصادقة فهو مانع عن استحقاق العقوبة و لا ضير في كونه غير اختياري.

و إن شئت تقريب هذا البيان بوجه فني قلت: ان استحقاق عقاب من صادف قطعه الواقع ليس مستندا إلى ما هو خارج عن اختياره و لو فرض اختصاص العقاب به‏