بحوث في علم الأصول - ج6

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
362 /
1

-

2

مباحث الحجج و الأصول العملية

الجزء الثالث الاستصحاب‏

3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على خير الأنام محمد و آله البررة الكرام الطيبين الطاهرين ..

و بعد .. فهذا هو الجزء السادس من كتابنا في أصول الفقه الّذي يمثل الجزء الثالث من مباحث الحجج و الأصول العملية المشتمل على مبحث الاستصحاب منها و حيث انا كنا قد أصدرنا الجزء السابع- تعارض الأدلة الشرعية- قبل اثني عشر عاما، فقد تم بذلك تقرير دورة كاملة من بحوث هذا العلم و التي استفدناها من دروس أستاذنا الأعظم الإمام الشهيد السيد الصدر (قدس سره الشريف) ).

و قد قدر اللَّه سبحانه و تعالى ان تخرج هذه الدورة إلى النشر بعد استشهاد ذلك الرّجل الرباني الصالح و في ظروف الهجرة إلى بلاد إيران الإسلام في ظل الحكومة الإسلامية المباركة و بقيادة قائد الأمة و أمل المستضعفين في العالم الإمام الخميني «متع اللَّه الإسلام و المسلمين بطول عمره الشريف».

و كان من جراء ذلك ان بقيت جملة من كتاباتي لبحوث هذا الجزء في العراق لدى السيد الشهيد نفسه عند ما كان يكتب على ضوئها الحلقات الأصولية الدراسية الثلاث و التي ذهبت تلك الكتابات مع غيرها من مؤلفات السيد الشهيد الخطية الثمينة و جملة معتد بها من كتاباتي لبحوثه الفقهية على العروة الوثقى ضمن ما سلبته يد الخيانة و الطغيان البعثي الفاشي حيثما أقدمت على الجناية التاريخية العظمى في هذا العصر فاعتقلت أستاذنا إلى محراب شهادته‏

6

و صادرت مكتبته و كل ما كان فيها من نفائس الفكر و التراث و التي ما أحوج الإسلام في عصرنا الحاضر إليها و من أنفس ما كان ضمن تلك الكتابات دراسة حديثة تفصيلية عن الفلسفة الإسلامية المعمقة مقارنا مع أدق و أحدث نظريات الفكر الفلسفي القديم و المعاصر كان قد شرع في تحريرها في ضوء منطق الاستقراء الّذي أسس مناهجه و قواعده، من أجل ذلك اضطررت في مل‏ء نقاط الفراغ من بحوث هذا الجزء ان أستعين بجملة من كتابات إخواني و أحبتي من فضلاء تلاميذ سيدنا الشهيد الذين هيئوا لي هذه الفرصة الثمينة فأتحفوني بكتاباتهم في نقاط الفراغ، و أخص بالذكر منهم أخي الكبير العلامة حجة الإسلام و المسلمين السيد كاظم الحائري «حفظه اللَّه تعالى» و أخي العزيز العلامة حجة الإسلام الشيخ محمد الأصفهاني «حفظه اللَّه تعالى» فجزاهم اللَّه عنا و عن سيدنا الأستاذ الشهيد خيرا و حشرنا و إياهم مع صاحب هذه المدرسة العلمية و الرسالية الفريدة في مستقر رحمته الواسعة مع الأولياء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا ..

و الحمد اللَّه رب العالمين السيد محمود الهاشمي قم المقدسة 1406 ه-

7

الاستصحاب‏

المقدمة

- شرح حقيقة الاستصحاب جعلا و استدلالا و اصطلاحا.

- البحث عن الاستصحاب مسألة أصولية.

- الفرق بين الاستصحاب و قواعد أخرى مشابهة.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الاستصحاب و البحث عن قاعدة الاستصحاب نورده ضمن مقدمة و فصول و خاتمة.

المقدمة و تشتمل على مباحث ثلاثة:

المبحث الأول- في شرح حقيقة الاستصحاب جعلا و استدلالا و اصطلاحا

، و يظهر من خلال البحث ما يراد بكل واحد من هذه العناوين، فالحديث يقع ضمن ثلاث نقاط:

النقطة الأولى- في بيان الكيفية المعقولة ثبوتا لجعل الاستصحاب كحكم شرعي ظاهري‏

، و بهذا الصدد لا بد و ان نستذكر حقيقة الحكم الظاهري إجمالا ضمن امرين:

1- ان الحكم الظاهري حكم شرعي طريقي يجعله المولى نتيجة التزاحم الواقع بين الأحكام الإلزامية و الأحكام الترخيصية الواقعية المشتبهة في مقام الحفظ التشريعي فيرجح المولى ما هو الأولى منها ملاكا و أهمية على غيره بجعل حكم ظاهري على طبقه إلزاما أو ترخيصا، و قد سمينا هذا النحو من التزاحم بالتزاحم الحفظي في قبال التزاحم الامتثالي الّذي نقحه الميرزا (قده)، و التزاحم الملاكي الّذي سار عليه المحقق الخراسانيّ (قده).

2- ان ترجيح الأحكام الواقعية المتزاحمة تارة يكون على أساس كيفي أي قوة نوع المحتمل و أهميته كما إذا كانت الأغراض الواقعية اللزومية أهم لدى‏

10

المولى من أغراضه الترخيصية فيجعل إيجاب الاحتياط عند الشك، و أخرى يكون على أساس كمي أي قوة الاحتمال بلحاظ مجموع الأحكام التي تتضمنها تلك الدائرة كما إذا كانت الأغراض اللزومية في دائرة الشبهات قبل الفحص أكثر من الترخيصية مثلا و ان كانت نوع غرض لزومي واحد ليس بأهم من غرض ترخيص واحد فيجعل إيجاب الاحتياط فيها أيضا تحفظا على الكمية الأكبر من تلك الأغراض، و ثالثة يكون على أساس كمي أي قوة الاحتمال و لكن لا بلحاظ النّظر المجموعي إلى ما ضمن تلك الدائرة من الأحكام بل بلحاظ النّظر الاستغراقي إلى كل مورد فيرى ان هناك قوة لأحد الاحتمالين على الآخر فيجعل الحكم الظاهري على طبق ذلك الاحتمال و الّذي قد يكون إلزاميا و قد يكون ترخيصيا كعنوان ما أخبر به الثقة، و هذا القسم من جعل الحكم الظاهري هو الّذي تكون مثبتاته حجة على القاعدة كما سوف يأتي البحث عنه مفصلا في موضعه بخلاف القسمين السابقين.

ثم انه ربما لا يوجد مرجح كيفي و لا كمي في شبهة فحينئذ قد تصل النوبة إلى إعمال المولى لمرجحات ذاتية أي غير مربوطة بالواقع المشتبه بل لخصوصيات نفسية و نحوها فيرجح أحد الحكمين على أساس ذلك و لا محذور في ذلك، و لا ينافي ذلك مع طريقية الحكم الظاهري كما لا يستلزم التصويب لأن هذا الترجيح كان في طول التساوي بين الحكمين الواقعيين المتزاحمين في مقام الحفظ.

و على ضوء ذلك نقول في المقام بان جملة من الأصحاب ذكروا ان الاستصحاب غير ناظر إلى الأحكام الواقعية و ملاكاتها و انما هو مجرد تعبد ظاهري صرف كأصالة الإباحة.

و هذا الكلام غير صحيح لما عرفت من ان مثل أصالة الإباحة أيضا مجعول لحفظ الملاكات و الأغراض الواقعية الترخيصية المتزاحمة مع الأغراض اللزومية و لكن لا على أساس قوة الاحتمال بل على أساس نوعية المحتمل- المرجح الكيفي-.

و ذكر آخرون ان الاستصحاب كأصالة الاحتياط في التحفظ على الواقع بقطع النّظر عن مسألة الأمارية و الكاشفية.

و هذا التعبير يرجع بحسب تعبيراتنا إلى ان الاستصحاب جعل على أساس المرجح الكيفي لا الكمي. و هذا أيضا غير صحيح، لأن جعل حكم ظاهري على‏

11

أساس المرجح الكيفي انما يعقل في مثل أصالة الاحتياط أو الحل لا الاستصحاب الّذي لا يكون نوع المحتمل مشخصا فيه لأن الاستصحاب قد يكون استصحابا لحكم إلزاميّ و قد يكون استصحابا لحكم ترخيصي فلا تميز لنوع الحكم في موارد جريان الاستصحاب ليعقل ان يكون الترجيح على أساسه.

و الصحيح: انه يمكن ان يكون جعل الاستصحاب كحكم ظاهري على أساس الترجيح بقوة الاحتمال بالنظر المجموعي بان يكون المولى معتقدا بقاء أكثر الحالات السابقة المتيقنة في دائرة اليقين السابق و الشك اللاحق. و يمكن ان يكون على أساس الترجيح بقوة الاحتمال بالنظر الاستغراقي أي أمارية الحالة السابقة أو اليقين السابق على البقاء في نفسه. و يمكن ان يكون على أساس الترجيح بعامل ذاتي لا موضوعي بعد فرض التساوي في المرجحات الموضوعية الكيفية و الكمية في موارد اليقين السابق و الشك اللاحق و لتكن النكتة الذاتيّة للترجيح هي الانسجام مع الميل و الرغبة الشخصية للمكلف للسير على وفق يقينه السابق.

النقطة الثانية- اعتاد الأصحاب على جعل الحجة في مقام الاستدلال بالاستصحاب نفس الاستصحاب‏

كما يجعل خبر الثقة دليلا في مقام الاستدلال على حكم و لم يجعلوا صحيحة زرارة الدالة على الاستصحاب مثلا دليلا على الحكم.

و هذا التعبير ليس جزافا بل قد يرتب عليه أثر عملي هو انه عند ما يكون الدليل نفس خبر الثقة فإذا وجد في قباله معارض فلا بد و ان تلحظ النسبة بينه و بين الخبر لا دليل حجيته كآية النبأ فإذا كان الخبر أخص منه قدم عليه و لو كانت النسبة بينه و بين آية النبأ العموم من وجه مع انه لا يكون الأمر كذلك في باب الاستصحاب فان المعارض تلاحظ نسبته إلى صحيحة زرارة لا إلى نفس الاستصحاب الّذي جعل دليلا على الحكم.

و نقل عن السيد بحر العلوم (قده) انه لا وجه للتفكيك بين خبر الواحد و الاستصحاب بل اللازم فيه أيضا اعتبار الاستصحاب معارضا مع الدليل الآخر فنخصص قاعدة الحل بالاستصحاب و لا نلحظ النسبة بين كل شي‏ء حلال و بين صحيحة زرارة. و كأنه يرى إلحاق خصوص الاستصحاب بخبر الثقة دون الأصول‏

12

العملية الأخرى و قد يكون بارتكازه يرى فرقا بينهما سوف يأتي شرحه عن بعض المتأخرين.

و اعترض الشيخ الأعظم (قده) على كلام السيد بحر العلوم (قده) بان قياس الاستصحاب بخبر الواحد غير سديد، لأن الاستصحاب بنفسه الحكم ببقاء ما كان لا الدليل على الحكم و هذا بخلاف خبر الثقة (1).

و هذا الكلام بهذا المقدار لا يكفي لحل الإشكال إذ يمكن للسيد ان يجعل اليقين السابق دليلا على الحكم و مخصصا للقاعدة فيكون بمثابة خبر الثقة.

و ذهب بعض الاعلام من المتأخرين إلى ان الاستصحاب ان كان فيه شوب أمارية كان حاله حال خبر الثقة فلا بد و أن تلاحظ النسبة بينه و بين معارضه، و ان جردناه عن الأمارية و كان أصلا صرفا كأصالة الحل لم يكن حاله حال خبر الثقة لأنه حكم صرف و ليس كاشفا و دليلا على الحكم لتلحظ نسبته إلى دليل حكم آخر، و حيث ان الاستصحاب فيه نحو كاشفية و لو بنحو التنزيل فهو كخبر الثقة يكون دليلا على الحكم و بهذا حاول ان يوافق السيد بحر العلوم (قده) في كلامه‏ (2).

أقول: تقديم خبر الثقة على العام المعارض له ليس على أساس كونه أمارة فحسب، كيف و هناك أمارات لا تتقدم على معارضاتها كما إذا تعارضت بينتان إحداهما أخص من الأخرى فانه لا يقدم الأخص منهما على الأعم. و انما الملاك في التقديم ان الخبر الواحد ينقل كلام المعصوم الصادر منه العام و كل كلامين صادرين عن شخص واحد يكون الأخص منهما قرينة على المراد من الأعم فيقدم عليه، و هذه النكتة لا تكون محفوظة في البينتين و لا في الاستصحاب إذا تعارض مع دليل آخر.

و هكذا يتضح ان المسألة غير مرتبطة بكون الدليل أصلا أو أمارة، بل مرتبطة بما إذا كان هناك كلامان صادران من متكلم واحد و كان الدليلان ينقلان ذلك، فالصحيح ما مشى عليه الأصحاب بحسب ارتكازهم من عدم ملاحظة النسبة بين الاستصحاب و بين معارضه العام بل بين صحيحة زرارة و بين العام كما هو الحال‏

____________

(1)- فرائد الأصول ص 320.

(2)- الرسائل ج 1، ص 74.

13

أيضا في أدلة سائر الأصول و الأمارات بعضها مع البعض، و أما التعبير عن الاستصحاب بالدليل فباعتبار كاشفيته أو منجزيته و معذريته للحكم الواقعي المحفوظ في مورده فانه دليل عليه و مثبت له و لو إثباتا تنجيزيا أو تعذيريا.

النقطة الثالثة- عرف الاستصحاب اصطلاحا بأنه إبقاء ما كان أي الحكم ببقائه‏

، و قد أثير حول هذا التعريف إشكالات عديدة نشير إلى أهمها و هو اثنان:

1- ما أفاده السيد الأستاذ من ان تعريف الاستصحاب يختلف باختلاف المباني في حجيته فلا وجه لإعطاء تعريف عام، و التعريف المذكور ينسجم مع مبنى كون الاستصحاب أصلا عمليا و لا ينسجم مع كونه أمارة، فانه حينئذ ليس حكما شرعيا ببقاء ما كان بل ينبغي تعريفه بأنه اليقين السابق و الشك اللاحق.

و فيه: أولا- كان ينبغي له على هذا المنهج ان يعرف الاستصحاب بناء على الأمارية بالحدوث أو الثبوت في الحالة السابقة، لأنه الملازم غالبا مع البقاء، و اليقين كاشف عنه كاليقين بخبر الثقة، و اما الشك اللاحق فهو موضوع لكل حكم ظاهري.

و ثانيا- ان أريد بهذا الكلام دعوى ان مبنى الأمارية يستلزم جعل الاستصحاب اسما لليقين السابق و مبنى الأصلية يستلزم جعله اسما للحكم بالبقاء فمن الواضح عدم وجود مثل هذه الملازمة، فانه يمكن ان يجعل اليقين السابق أمارة على البقاء و مع ذلك يسمى نفس الحكم بالبقاء ظاهرا بالاستصحاب و يمكن ان يجعل الحكم بالبقاء في مورد اليقين السابق و مع ذلك يسمى اليقين السابق بالاستصحاب. و ان أريد بهذا الكلام استظهاره من كلام الأصحاب الذين قالوا مثلا ان الاستصحاب أمارة فتعبيراتهم لا يترتب عليها أثر مهم في المقام على انه قد يكون تعبيرهم بالاستصحاب عن حرمة النقض و الحكم بالبقاء و قد يكون تعبيرهم به عن اليقين السابق حتى عند النافين لأماريته.

2- ما اعترضه المحقق الأصفهاني من ان المراد بالإبقاء ان كان هو الإبقاء العملي فهذا لا ينسجم مع حكم العقل الّذي هو أحد مدارك الاستصحاب لأنه يدرك البقاء ظنا مثلا و ليس للعقل أحكام عملية، و ان كان المراد الإبقاء الحكمي التشريعي فهو لا ينسجم مع البناء العقلائي الّذي هو مدرك آخر من مدارك الاستصحاب فانهم انما يبنون عمليا على البقاء و يسيرون عليه.

14

و الجواب: إمكان اختيار الإبقاء العملي و افتراض ان العقل يدرك لزوم الإبقاء العملي بمعنى حق الطاعة و المولوية في مورد الاستصحاب الإلزامي و إمكان اختيار الإبقاء الحكمي التشريعي و مع ذلك يستدل عليه بالبناء العقلائي لأن المقصود من بنائهم العملي بناؤهم بما هم موالي فيكون لهم أحكام و تشريعات، على ان الحجة عندنا ليس هو نفس البناء العملي العقلائي بل إمضاؤه من قبل الشارع و هو يستبطن الحكم الشرعي لا محالة.

و التحقيق: انه ان أريد بتعريف الاستصحاب تعريف ما اصطلح عليه الأصحاب بالاستصحاب فهذا يتوقف على تتبع كلماتهم و هي مختلفة و متطورة تدريجا حسب تطور تاريخ هذا البحث الأصولي. و ان أريد بذلك تحديد ما يصلح ان يكون محورا للبحث و موردا للنفي و الإثبات على اختلاف المباني و المشارب في فهم الأدلة المستدل بها في هذا البحث فأفضل تعبير يصلح لذلك هو مرجعية الحالة السابقة و لعله المراد أيضا من التعبير بإبقاء ما كان [1].

المبحث الثاني: وقع البحث بينهم في أصولية هذه المسألة

، و الواقع ان هذه النقطة ترتبط بالتعريف الّذي يتبنى في تعريف علم الأصول و قواعدها فبناء على تعريفها بما يقع كبرى في طريق الاستنباط يكون الاستصحاب قاعدة أصولية لأنه في الشبهات الحكمية تقع كبرى لذلك. كما انه بناء على مختارنا في تعريف علم الأصول من انه العلم بالقواعد المشتركة في الأبواب الفقهية المتنوعة يكون الاستصحاب منها أيضا لعدم تقييده بباب فقهي خاص بل يجري في تمام الأبواب، و عليه فلا ينبغي الإشكال في أصولية هذا البحث.

المبحث الثالث: في الفرق بين الاستصحاب و قواعد أخرى مشابهة له‏

و هي قاعدة الاستصحاب القهقرائي المسمى بأصالة الثبات في اللغة و قاعدة اليقين و قاعدة المقتضي و المانع.

اما الاستصحاب القهقرائي- أصالة الثبات- و الّذي هو أصل عقلائي في‏

____________

[1]- و ان كان المقصود تعريف ما هو المجعول في مورد الاستصحاب من حقيقة الحكم الظاهري ثبوتا فلا بد من الرجوع إلى ما بيناه في النقطة الأولى من هذا المبحث و التي عقدناها لشرح حقيقة الاستصحاب جعلا. و ان كان المقصود تعريف ما هو المجعول في الاستصحاب بحسب مقام الإثبات و لسان الأخبار فالأنسب التعبير بحرمة النقض العملي لليقين أو التعبد ببقائه على ما سوف يأتي في شرح مفاد الأخبار.

15

اللغة فقد ذكروا في وجه الفرق بينه و بين الاستصحاب بان المتيقن في الاستصحاب سابق على المشكوك بينما يكون المشكوك هو المتقدم زمانا على المتيقن في أصالة الثبات حيث يعلم بالمدلول اللغوي في الحال و يشك فيه في زمان صدور النص فيبنى على الثبات و ان هذا المعنى بنفسه كان ثابتا في السابق.

و الواقع ان هذا الأصل العقلائي مرجعه إلى أصالة الثبات و غلبة بقاء اللغة على معناها و لو من جهة بطء تغير المداليل اللغوية عبر الحياة المنظورة لإنسان واحد، فمرجع هذا الاستصحاب إلى استصحاب بقاء الحالة السابقة غاية الأمر باعتبار أمارية ذلك عند العقلاء و ثبوت لوازمها إذا كان المدلول اللغوي معلوما اليوم و شك في مدلوله في الزمن السابق ثبت بالملازمة انه كان نفس المدلول و إلّا لزم وقوع النقل و التغيير في اللغة.

و اما قاعدة اليقين فقد ذكروا ان فرقها عن الاستصحاب ان الأخير متقوم بالشك في البقاء بعد القطع بالحدوث و اما قاعدة اليقين فيسري الشك فيها إلى نفس ما تعلق به اليقين أي المتيقن السابق و يصيره مشكوكا.

و هذا الفرق صحيح و ان كان ينبغي تمحيصه بان الاستصحاب لا يتقوم بالشك في البقاء بل بالشك في شي‏ء فرغ عن ثبوته، و ثمرته تظهر فيما إذا علمنا إجمالا بحدوث شي‏ء اما الآن أو قبل ساعة و على تقدير حدوثه قبل ساعة يحتمل بقاؤه فانه هنا يجري الاستصحاب رغم ان الشك في البقاء ليس فعليا على كل تقدير، لأنه شك في ثبوت شي‏ء فرغ عن ثبوته و هو يكفي لصدق نقض اليقين بالشك، نعم لو كان الشي‏ء اما ثابتا في الزمن الأول فقط أو في الزمن الثاني لم يمكن إجراء الاستصحاب لإثبات وجوده في الزمن الثاني لأن هذا الشك يرى عرفا مقوما للعلم الإجمالي حيث ان أحد طرفي العلم الإجمالي ثبوته في الآن الأول المساوق بالفرض لعدم ثبوته في الآن الثاني فلا يصدق نقض اليقين بالشك إذا ما رفع يده عن ذلك [1].

كما ان هناك فرقا بين قاعدة اليقين و الاستصحاب في ملاك الاعتبار

____________

[1]- سوف يأتي في استصحاب اليوم الأول من الشهر كفاية هذا المقدار أيضا في جريان الاستصحاب و صدق نقض اليقين بالشك فلا يحتاج إلى البقاء على أحد التقديرين.

16

و الحجية، فان الملاك في الاستصحاب بناء على أماريته هو الملازمة الغالبة بين نفس الحدوث و البقاء بينما الملاك في قاعدة اليقين غلبة مطابقة اليقين السابق للواقع و عدم الاعتناء بالتشكيكات اللاحقة الطارئة عليه.

و اما قاعدة المقتضي و المانع فذكروا ان الفرق بينها و بين الاستصحاب وحدة متعلق اليقين و الشك ذاتا في الاستصحاب و انما الاختلاف في الحدوث و البقاء و تعدده في القاعدة، حيث ان اليقين فيها يتعلق بالمقتضي للحكم و الشك في اقترانه بالمانع عن تأثيره في إيجاد المقتضى- بالفتح-.

و هذه التفرقة صحيحة أيضا و ان كانت بحاجة إلى تعميق من ناحية انه قد يتصور عدم الفرق بين القاعدة و بين استصحاب عدم المانع عند الشك فيه المثبت للحكم بعد إحراز مقتضيه- بناء على الأمارية-.

و الصحيح في الإجابة عن ذلك بان ملاك الحجية في قاعدة المقتضي و المانع على القول بها أمارية ثبوت المقتضي بنفسه على ثبوت الحكم و لو لغلبة عدم اقتران المقتضيات مع موانعها بينما ملاك حجية الاستصحاب غلبة البقاء على تقدير الثبوت و حينئذ إذا لاحظنا القاعدة مع استصحاب عدم المانع أو استصحاب بقاء الممنوع عند الشك في انقطاعه بالمانع بعد سبق وجوده بوجود مقتضيه من دون مانع فهما متوافقان و ان كانا بنكتتين، و اما إذا لاحظنا استصحاب عدم الممنوع المسبوق بالعدم و قسناه بقاعدة المقتضي و المانع فيما إذا وجد مقتضيه و لكن احتمل اقتران المانع معه فسوف يكونان متعارضين و لكنه تقدم القاعدة على الاستصحاب لكونها في طرف العلة و حسابها مقدم على حساب المعلول و حاكم عليه.

و بهذا ينتهي البحث عن المقدمة و نشرع في صلب الموضوع من خلال ما يلي:

1- الفصل الأول- في استعراض الأدلة على حجية الاستصحاب.

2- الفصل الثاني- الأقوال في حجية الاستصحاب.

3- الفصل الثالث- مقدار ما يثبت بالاستصحاب.

4- الفصل الرابع- تطبيقات للاستصحاب وقع البحث فيها.

5- خاتمة- في النسبة بين الأمارات و الأصول العملية

17

الاستصحاب أدلة حجية الاستصحاب 1- حجيته على أساس افادته للظن.

2- حجيته على أساس السيرة العقلائية.

3- حجيته على أساس الاخبار المعتبرة.

- صحيحة زرارة الأولى و كيفية الاستدلال بها- صحيحته الثانية و كيفية الاستدلال بها.

- جهات من البحث حول هذه الصحيحة و ما يستفاد منها في باب الطهارة الخبثية.

- صحيحة زرارة الثالثة و كيفية الاستدلال بها.

- جريان الاستصحاب في الشك في الركعات- الاستدلال برواية محمد بن مسلم و أبي بصير في الخصال على الاستصحاب.

- الاستدلال بمكاتبة القاساني على الاستصحاب.

- الاستدلال بصحيحة عبد اللَّه بن سنان على الاستصحاب.

- الاستدلال بروايات الطهارة و الحل الظاهريتين على الاستصحاب.

4- أركان قاعدة الاستصحاب.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الفصل الأول «أدلة حجية الاستصحاب»

و يمكن تصنيف الأدلة التي يستدل بها على حجية الاستصحاب إلى ثلاثة أنواع كما يلي:

1- حجيته على أساس إفادة الظن.

2- حجيته على أساس السيرة العقلائية.

3- حجيته على أساس الاخبار المعتبرة.

الدليل الأول [انه يورث الظن‏]

- و تقريبه ان الحالة السابقة تورث الظن بالبقاء فيكون حجة اما من باب حجية الظن الشخصي أو الظن النوعيّ فيكون معتبرا حتى إذا لم يورث الظن في مورد لمانع.

و نقطة الفراغ الواضحة في هذا الاستدلال هي كبرى حجية مثل هذا الظن فانها بحاجة إلى دليل فلا بد اما من ضم دليل الانسداد على حجية كل ظن أو ضم أحد الأدلة القادمة، و اما صغرى حصول الظن من الحالة السابقة فقد يستشهد عليها بالسيرة العقلائية القادمة فانهم لا يبنون عادة على شي‏ء من باب التعبد الصرف بل من باب الأمارية و الكاشفية و لو النوعية فتكون شاهدا على إفادة الاستصحاب للظن و لو النوعيّ.

20

و يرد على هذا الاستدلال منع الصغرى و الكبرى معا.

اما الصغرى فلعدم كون الحالة السابقة لو خليت و طبعها مورثة للظن، فان هذا الظن ينشأ من حساب احتمالات مختلفة جدا باختلاف الموارد و الأشخاص و مقدار البقاء و غير ذلك من الأمور على ما تقدم في بحوث سابقة عن كيفية نشوء الظن في الأمارات و ملاكه و اما الاستدلال بالسيرة العقلائية على حصول الظن فغير سديد، لأن ذلك لا يعلم كونه على أساس الكاشفية الموضوعية و حصول الظن بل من المحتمل قويا ان يكون على أساس الحالة الذاتيّة الوهمية و الأنس الذهني ببقاء الحالة السابقة و لهذا قيل بثبوت الجري على الحالة السابقة حتى في الحيوانات و لهذا أيضا تتأكد هذه الحالة الذاتيّة كلما كانت الحالة السابقة أكثر التصاقا بالإنسان و كان أكثر ابتلاء بها و ممارسة لها.

و اما الكبرى فلعدم دليل على حجية مثل هذا الظن لو سلم حصوله لا بدليل الانسداد العام لعدم تماميته و لا بدليل خاص لعدم ثبوته، اللهم إلّا ان يراد الرجوع إلى أحد الأدلة القادمة و هي غير متوقفة على الظن.

الدليل الثاني: التمسك بالسيرة و بناء العقلاء عملا على بقاء الحالة السابقة.

و قد ناقش في ذلك جملة من المحققين بان هذه السيرة ليست على أساس مرجعية الحالة السابقة و اعتبارها بل يكون العمل و البناء على الحالة السابقة لو فرض على أساس نكتة أخرى كالاطمئنان بالبقاء كما في التاجر الّذي يرسل الأموال إلى وكيله في بلاد بعيدة فانه مطمئن عادة ببقائه و لهذا لو شكك في ذلك لما أرسلها أو الرجاء و الاحتياط في بعض الموارد أو الغفلة عن انتقاض الحالة السابقة رأسا كالخارج من داره حيث يرجع إليه من غير توجه منه إلى احتمال خرابه أصلا.

و لكن الصحيح ثبوت أصل السيرة و البناء العقلائي على العمل طبق الحالة السابقة في الجملة و لو على أساس الوهم و الأنس الذهني الّذي يميل الإنسان على أساسه إلى افتراض بقاء الحالة السابقة، بل نفس ما ذكروه من الغفلة يكون منشؤها عادة ذلك الوهم و الأنس الذهني، و لهذا نجد انهم يجرون على طبق الحالة السابقة في موارد قد لا يكتفى فيها حتى بالظن فكأن ذلك الأنس الذهني أوجب سكون النّفس و عدم اعتنائها باحتمال الخلاف، و يشهد على ثبوت أصل البناء العقلائي ذكر كثير من‏

21

العلماء لها حتى قال بعضهم انه لولاه لاختل نظام المعاش و هو كذلك إذ كثير من الأمور تمشي ببركة هذه الغفلة و لولاه لاضطرب نظام المعاش بين الناس لو أريد إقامته على أساس الاحتياط أو الظن المعتبر.

هذا و لكن لا بد من البحث في ان هذه السيرة كيف يمكن تصويرها بحيث يكون عدم الردع عنها دليلا على إمضاء الاستصحاب شرعا، فنقول بالإمكان تصوير ذلك بأحد أنحاء ثلاثة:

1- دعوى سريان السيرة و الجري العملي الثابت لدى العقلاء في أغراضهم التكوينية إلى موارد الأفعال و الأحكام الشرعية بعد دخولها في محل ابتلاء الناس و إن هذا حصل في عصر الشارع نفسه.

2- دعوى إن تلك السيرة و ان فرض عدم الجزم بسريانها إلى دائرة الأحكام الشرعية إلّا انها على أية حال تشكل خطرا على أغراض المولى لكونها في معرض أن تسري إليها فلو لم يرض الشارع بذلك لردع عنها في هذا المجال.

3- دعوى ثبوت هذه السيرة عند العقلاء في دائرة الأحكام الثابتة بين الموالي العرفية كأوامر الأب لابنه أو السيد لعبده، و هذا أيضا بنفسه يهدد الأغراض الشرعية المولوية فلو لم يكن الشارع راضيا بذلك لردع عنها.

و التحقيق: ان الدعوى الأولى و الثالثة لا جزم بهما، و قد يستشهد على ذلك بدعوى الأخباريين الإجماع على عدم حجية الاستصحاب إلّا ان التقريب الثاني يكفي لإثبات صغرى السيرة.

هذا كله في صغرى السيرة، و اما الكلام في الكبرى فما يتصور كونه رادعا عن السيرة انما هو الأدلة الناهية عن العمل بغير العلم و أدلة البراءة أو الاحتياط، و المحقق الخراسانيّ (قده) قد اعترف في المقام بإمكان رادعية هذه الأدلة عن السيرة رغم إنكاره ذلك في بحث حجية خبر الواحد، و من هنا اعترض المحقق النائيني (قده) عليه بأنه لا وجه للتفرقة بين المقامين.

أقول: اما البحث عن رادعية هذه الأدلة فقد فصلنا الكلام فيه في مبحث خبر الواحد، و انما نبحث هنا عن إمكان رادعيتها عن السيرة المدعاة على الاستصحاب بعد الفراغ عن عدم رادعيتها عن السيرة على حجية خبر الواحد لإثبات الفرق بين‏

22

المقامين، و هذا ما يمكن تصويره بأحد وجوه:

الأول- ان السيرة كلما كانت أعمق و أكثر رسوخا في وجدان العقلاء و ارتكازهم كانت بحاجة إلى ردع أقوى و أوضح بحيث قد لا يكتفى لبعض مراتبها بمثل العمومات و المطلقات الكلية بل لا بد من الصراحة و التنصيص، و يدعى ان السيرة العقلائية على حجية خبر الثقة قد بلغت من الرسوخ و الارتكاز إلى تلك الدرجة بخلاف السيرة على الاستصحاب.

الثاني- ما أفاده السيد الأستاذ من ان الأدلة المذكورة بعد عدم إمكان جعلها رادعة للسيرة و لا مخصصة بها يشك في حجية خبر الثقة فيمكن استصحابها لثبوت الإمضاء في أول التشريع و قبل صدور تلك الأدلة [1] فتثبت الحجية هناك، و اما هنا فحيث ان البحث في حجية الاستصحاب فبعد الشك و التردد لا يمكن إثبات نتيجة الحجية بالاستصحاب.

و هذا الوجه غير تام إذ يرد عليه:

أولا- ان مدرك الاستصحاب خبر الثقة فكيف يمكن إثبات حجية خبر الثقة به.

و ثانيا- ان خصوص أصالة عدم النسخ ثابتة بالإجماع و نحوه من الأدلة اللبية حتى إذا أنكرنا حجية كبرى الاستصحاب فيمكن التعويل عليه في المقامين.

الثالث- ان أدلة النهي عن العمل بالظن لا ربط لها بنفي الحجية الثابتة بالسيرة لا في المقام و لا في خبر الثقة لأنها تطلب الركون في النهاية إلى العلم و هذا حاصل في موارد الحجج أيضا و انما المهم في الردع مثل اخبار البراءة و هي باعتبارها ثابتة بخبر الواحد فلا يمكن ان يكون رادعا عن حجيته بخلاف المقام بعد الفراغ عن حجية خبر الثقة.

و هذا الوجه مبني على القول بكفاية عدم ثبوت الردع في حجية السيرة و إلّا لم تثبت حجية خبر الثقة أيضا لاحتمال رادعية اخبار البراءة.

الرابع- ان السيرة على العمل بخبر الثقة على ما يستفاد من كلام المحقق‏

____________

[1]- يمكن ان يناقش في ثبوت الإمضاء في صدر التشريع خصوصا لمثل السيرة على الاستصحاب الّذي لا يحرز ثبوته في الأحكام المولوية و الشرعية، نعم الثابت في صدر التشريع عدم الردع و هو غير الإمضاء، فأصل هذا الوجه محل إشكال.

23

الخراسانيّ (قده) نفسه كانت سارية إلى مجال الأحكام الشرعية و معمولا بها لدى أصحاب الأئمة، و هذا بنفسه يكون كاشفا عن عدم الردع و عدم صلاحية الأدلة المذكورة لذلك، و اما في المقام فحيث ان السيرة على الاستصحاب لم يعلم سريانها إلى مجال الأحكام الشرعية و عمل العقلاء بها في الأحكام فلا يمكن إثبات عدم الردع بذلك بل يحتمل ان تكون هذه الأدلة رادعة عنها.

الخامس- إمكان دعوى ان ارتكازية حجية خبر الثقة في زمن المعصومين (عليهم السلام) يوجب على الأقل إجمال دليل البراءة و عدم إطلاقها لمورد قيام خبر الثقة على الإلزام فيثبت الإلزام بناء على مسلك حق الطاعة و مثل هذا الارتكاز غير ثابت في حق الاستصحاب.

السادس- ما هو ظاهر بعض عبائر الكفاية من ان السيرة العقلائية بين الموالي و العبيد على حجية خبر الثقة و كفايته في مقام التنجيز و التقدير توجب قصورا في حق الطاعة بحيث لا يثبت ذلك في موارد وجود خبر ثقة على الترخيص، نعم لو تم الردع عن السيرة و ثبت ذلك كان التعويل على خبر الثقة مخالفة قطعية مشمولة لحق الطاعة. و هكذا يثبت انه في باب خبر الثقة لا حاجة إلى إثبات عدم الردع بخلاف الاستصحاب الّذي لم يثبت ارتكاز العمل به في باب الموالي و بلحاظ التنجيز و التعذير و انما كان من جهة احتمال سريان خطر العمل به إلى مجال الأحكام فانه لا بد من إثبات عدم الردع فيه، و هذا الوجه و ان كان مبناه غير تام عندنا إلّا ان المظنون أنه المقصود للمحقق الخراسانيّ (قده).

السابع- ما يناسب مباني مدرسة المحقق النائيني (قده) من دعوى ان المجعول في باب حجية خبر الثقة عند العقلاء هو الطريقية و العلمية فيكون حاكما على أدلة الردع و رفع ما لا يعلمون بخلاف الاستصحاب الّذي لم يجعل فيه الا المنجزية و المعذرية فلا يكون حاكما على تلك الأدلة فتصلح للرادعية عنه.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

«الاستدلال بالأخبار على قاعدة الاستصحاب»

الدليل الثالث: الروايات العديدة الواردة في أبواب فقهية مختلفة و التي يستفاد منها كبرى كلية هي قاعدة الاستصحاب و عدم جواز نقض اليقين بالشك، و فيما يلي نستعرض هذه الروايات:

الرواية الأولى- صحيحة زرارة الواردة في باب الوضوء

(قلت له: الرّجل ينام و هو على وضوء، أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء، فقال: يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن فإذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء، قلت فان حرك على جنبه شي‏ء و لم يعلم به؟ قال: لا، حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك امر بين و إلّا فانه على يقين من وضوئه، و لا تنقض اليقين أبدا بالشك و انما تنقضه بيقين آخر) [1].

و دلالتها على الاستصحاب و البناء على الحالة السابقة واضحة، و انما نوقش فيها بإبداء احتمال اختصاص مدلولها بباب الوضوء مطلقا أو عند الشك في النوم فتدل على حجية الاستصحاب فيه بالخصوص لا مطلقا.

و للتفصي عن هذا الإشكال و حله كلمات و تعبيرات مختلفة من قبل المحققين في المقام:

منها- ما ذكره المحقق الخراسانيّ (قده) من أن الأصل في اللام ان يكون للجنس ما لم تقم قرينة على خلافه.

____________

[1]- وسائل الشيعة ج 1، أبواب نواقض الوضوء 14، و قد يناقش في السند بالإضمار، و لكن سوف يأتي في التعليق على سند الصحيحة الثانية لزرارة علاج هذه النقطة.

26

و فيه: انه انما يتم لو فرض ان اللام موضوع للاستغراق الجنسي و هو ممنوع على ما حقق في محله، و لهذا لا يكون اسم الجنس المحلى باللام دالا على العموم و الاستغراق وضعا و هذا يعني انه يتردد معناه بين ان يكون موضوعا للتزيين- كما ذكر المحقق الخراسانيّ (قده)- أو انه مشترك لفظي أو معنوي بين التعيين الجنسي و العهدي، و على كل حال لا يمكن إثبات الاستغراق حتى بالإطلاقات و مقدمات الحكمة لأنه في خصوص المقام محفوف بما يصلح للقرينية و هو سياق العهد و الإشارة إلى اليقين بالوضوء في الحديث.

و منها- دعوى ان قوله (و لا ينقض اليقين بالشك) تعليل لجزاء محذوف فان قوله (و إلّا فانه على يقين من وضوئه) ليس جزاء بل الجزاء مستتر، أي و إلّا فلا يجب عليه الوضوء لأنه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالشك، و التعليل يقتضي التعميم و عدم الاختصاص بالمورد فتكون كبرى كلية.

و هذا المقدار من البيان لا يكفي لإثبات التعميم، لأن الكلام في اليقين إذا كان للعهد و الإشارة إلى اليقين بالوضوء فالعلة مخصوصة بباب الوضوء لا محالة كما إذا صرح بان اليقين بالوضوء لا ينقض بالشك لأن العلة انما تعمم بمقدارها لا أكثر فلا بد في المرتبة السابقة من تحديد المراد من العلة.

هذا و لكن المحقق العراقي (قده) غير الصياغة و أفاد ان المنساق عرفا من التعليل في المقام هو الشكل الأول من القياس فيجب ان يكون اليقين المحكوم عليه بعدم النقض أوسع من اليقين بالوضوء ليتم الشكل الأول.

و عكس المحقق الأصفهاني (قده) ذلك فأفاد في المقام ان الأوسط في الكبرى يجب ان يكون مساويا مع الأوسط في الصغرى، و في المقام الأوسط المتكرر هو اليقين و هو في الصغرى مقيد بالوضوء فيجب ان يكون المراد باليقين في الكبرى المقيد به أيضا فإذا أريد استفادة كبرى الاستصحاب من الحديث فلا يكفي دعوى ان اللام في اليقين للجنس بل لا بد من إثبات ان اليقين في قوله (فانه على يقين من وضوئه) أيضا غير مقيد بالوضوء فعندئذ يتجه الاستدلال بالحديث على الاستصحاب.

و الحق مع المحقق العراقي (قده)، و توضيح ذلك يكون بذكر مقدمتين:

الأولى- ان الشكل الأول له ثلاثة حدود متغايرة و لا يمكن ان يكون الحد الأصغر

27

منها نفس الحد الأوسط كقولك الإنسان إنسان، و الإنسان حيوان، فالإنسان حيوان، فان هذا ليس استدلالا و انما مرده إلى قضية واحدة هي الإنسان حيوان.

الثانية- ان العرف في موارد وضوح ثبوت الأوسط للأصغر قد يقلب التعبير فبدل ان يثبت الحد الأوسط للأصغر بنحو مفاد كان الناقصة يثبت الحد الأصغر بنحو مفاد كان التامة مثال ذلك قولنا الحيوان الناطق حيوان، و الحيوان يجوع، فالحيوان الناطق يجوع، فان العرف يبدله إلى قوله هو حيوان ناطق، و الحيوان يجوع، فهو يجوع.

و في ضوء هاتين المقدمتين يتضح في المقام ان الحد الأوسط ان فرض هو اليقين لا اليقين بالوضوء تم الشكل الأول بالنحو الّذي ذكرناه، لأن الصغرى كانت هكذا (اليقين بالوضوء يقين) و حيث ان ثبوت مثل هذا الأوسط للأصغر كان واضحا لكونه مستبطناً فيه بدل ذلك بمقتضى ما ذكرناه في المقدمة الثانية إلى إثبات الحد الأصغر بنحو مفاد كان التامة فقيل (فانه على يقين من وضوئه) فيتم الشكل الأول للقياس كما أفاد المحقق العراقي (قده)، و اما إذا فرضنا الحد الأوسط اليقين بالوضوء فانه لا يتم قياس إذ ما ذا يكون الحد الأصغر حينئذ؟ فان كان هو اليقين بوضوئه أيضا المفروض في سؤال الراوي لزم ان تكون الصغرى (اليقين بوضوئه يقين بوضوئه) و هذا كما ذكرنا في المقدمة الأولى لغو لا معنى له، و ان كان الحد الأصغر اليقين الجزئي في مورد شخصي معين فهذا لا وجه له فانه لم يسبق في الحديث ذكر يقين جزئي معين و انما المذكور فرضية لليقين و كونه متعلقا بالوضوء و هذا نفس الحد الأوسط [1].

و منها- ان مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي التعميم، لأن النقض انما أسند لليقين باعتبار ما لليقين من جهة استحكام و إبرام، و هذه خصوصية في ذات اليقين مع قطع النّظر عن متعلقه و انه الوضوء أو غيره فيتعدى إلى مطلق اليقين السابق.

و فيه: انه خلط بين مناسبة الحكم و الموضوع و مناسبة استعمال كلمة النقض و اسناده إلى اليقين بحسب عالم اللغة، فان هذه المناسبة تصحيح للإسناد و الاستعمال سواء كان المسند إليه جامع اليقين (اليقين بلا قيد) أو حصة منه (اليقين بالوضوء)

____________

[1]- يمكن ان يقال: ان المفروض في مورد السؤال اليقين بالوضوء و الشك في النوم أي اليقين بالوضوء في مورد الشك بطرو النوم بالخصوص فهذا يرجع إلى نحو تقييد لليقين بالوضوء في مورد احتمال هذا الناقض فيمكن حينئذ جعل الحد الأوسط مطلق اليقين بالوضوء في قبال الحصة الخاصة منه و تستفاد قاعدة خاصة بباب الوضوء أيضا و لكنه أوسع من مورد الشك في ناقضية النوم.

28

فعدم دخالة القيد في تلك المناسبة لا يبطل صحة اسناده إلى المقيد كما هو واضح.

نعم هناك بيان آخر لهذه المناسبة سوف تأتي الإشارة إليها، و لعلها المقصود من هذا الوجه.

و منها- ان التعبير بعدم نقض اليقين بالشك و نحوه قد تعدد وروده في أبواب عديدة من الفقه فيستكشف من ذلك انها قاعدة كلية و ان المقصود من اليقين فيها جنس اليقين لا خصوص اليقين بالوضوء.

و الإنصاف ان هذا و ان أوجب الظن بكبرى الاستصحاب لدى الشارع إلّا انه ما لم يشكل ظهورا في خطاب شرعي لا فائدة فيه، إذ لا دليل على حجية مثل هذا الظن الحاصل من استقراء ناقص.

و منها- ان سياق التعليل سياق التقريب إلى الذهن، و هو انما يفهم في المقام بلحاظ خصوصية في نفس اليقين السابق و اقتضائه للثبوت مع قطع النّظر عن متعلقه، فان اليقين بالوضوء بما هو يقين بالوضوء لا اقتضاء له لعدم النقض فبهذا الاعتبار تلغى خصوصية الوضوء.

و فيه ان هذا المقدار غير كاف لاستفادة التعميم أيضا، إذ يمكن ان يكون ملاك التعليل إعطاء قاعدة أعم من مورد السؤال لا أكثر و هي في المقام قاعدة الاستصحاب في باب الوضوء خاصة أي حرمة نقض اليقين بالطهور بالشك فيه سواء كان من ناحية الشك في النوم- كما هو المورد للصحيحة- أو غيره.

و الصحيح: تتميم هذا الوجه ببيان ان التعليل إذا كان بشي‏ء مركوز في أذهان العرف فلا محالة يكون ظاهرا في التقريب و الإشارة إلى النكتة المركوزة بحدودها سعة و ضيقا، و المركوز في الأذهان هو عدم نقض اليقين بما هو يقين بلا خصوصية لتعلقه بالوضوء أو بغيره، و من هنا يستفاد الإطلاق و التعميم.

إلّا ان هذا البيان غير واضح بناء على إنكار صغرى انعقاد السيرة و الارتكاز على الاستصحاب كما تقدم عن السيد الأستاذ.

و عند ما أوردنا عليه ذلك في مجلس بحثه حاول التخلص عنه بان المقصود ارتكازية قاعدة عقلية هي عدم رفع اليد عن سلوك طريق قطعي مطمئن به بطريق مشكوك لأن التعبير ورد بعنوان لا ينقض اليقين بالشك و هذا امر مركوز مقبول عند كل أحد و لا خصوصية فيه لمتعلق اليقين.

29

و يرد على هذا الجواب أولا- ان أريد تطبيق هذه القاعدة العقلية على مورد الاستصحاب حقيقة فمن الواضح ان اليقين السابق منقوض فيه، و ان أريد تطبيقه تعبدا فهذا خلاف ظهور التعليل في انه تعليل بأمر حقيقي لا تعبدي فانه لا يناسب التعليل.

و ثانيا- على فرض كون التطبيق تعبديا فلا يمكن التعدي من المورد إلى غيره و ان كانت القاعدة المطبقة ارتكازية، إذ لعل هذا التطبيق خاص بباب الوضوء و حيث انه تعبدي لا حقيقي فلا يكون ملاكه مفهوما ليصح التعدي إلى غيره.

هذا و لكن يمكن ان يقال في المقام بان الاستصحاب و ان لم نحرز انعقاد السيرة على العمل به كدليل إلّا انه لا إشكال في ان الميل النفسيّ إلى البناء على الحالة السابقة- و لو لم يبلغ مرتبة العمل الفعلي- لا يفرق فيه بين كون اليقين متعلقا بالوضوء أو بغيره، و الصحيحة على كل حال تريد إثبات اعتبار ذلك فيكون ظاهرها التعميم و جعل اليقين السابق حجة.

و منها- دعوى ان التعليل ظاهر عرفا في التعميم و إلغاء خصوصية المورد فإذا قال لا تشرب الخمر لأنه مسكر أو لإسكاره استفيد من ذلك حرمة كل مسكر و ألغيت خصوصية المورد و هو الخمر فكذلك في المقام تلغى خصوصية الوضوء المنتزعة من المورد.

و فيه: ان كبرى هذا الاستظهار لو سلمت فصغراها غير متحققة في المقام، لأن الحكم المعلل هو عدم وجوب الوضوء المستفاد من قوله (و إلّا فانه على يقين من وضوئه) فكأنه قال (و إلّا فلا يجب عليه الوضوء لأنه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالشك) و هذا يعني ان خصوصية كون اليقين متعلقا بالوضوء ليس هو الحكم المعلل بل هو التعليل نفسه لعدم وجوب الوضوء في المورد فلا وجه لإلغاء هذه الخصوصية الواردة في التعليل.

و منها- ما ذكره المحقق النائيني (قده) من ان اليقين من الصفات الحقيقية ذات الإضافة التي يستحيل انفكاكها عن المضاف إليه، و لذا ذكر له في المقام مضاف إليه و هو الوضوء، و هذا الكلام لا ينبغي ان يحمل على ان عدم ذكر الوضوء في المقام‏

30

يوجب انفكاك المضاف عن المضاف إليه ليشكل عليه بأنه من الخلط بين وجود اليقين في عالم النّفس و ذكر مفهوم اليقين في عالم اللفظ، بل المقصود ان ذكر الوضوء ليس ظاهرا في خصوص المقام في التقييد لمفهوم اليقين بل لعله من جهة كون اليقين من الصفات ذات الإضافة فلا يرى في ذكره مئونة تقييد، و على هذا الأساس يكون قوله (و لا ينقض اليقين بالشك) باقيا على عمومه لأن مجرد ذكر اليقين بالوضوء قبله- و لو فرض مجملا- لا يصلح لأن يجعل اللام للعهد عرفا.

و منها- ما ذكره المحقق الخراسانيّ (قده) من احتمال ان يكون (من وضوئه) متعلقا بالظرف لا باليقين فكأنه قال (فانه من وضوئه على يقين) و معه لا وجه لاحتمال التقييد في جملة (فانه على يقين من وضوئه) فضلا من جملة (و لا ينقض اليقين بالشك).

و هذا الوجه ينحل إلى مطلبين:

الأول- عدم رجوع (من وضوئه) إلى اليقين بل إلى الظرف.

الثاني- إجداء ذلك في استفادة التعميم من الصحيحة.

اما المطلب الأول فهو صحيح، لأن الظاهر من أمثال هذا التركيب في اللغة كقوله (على سلامة من ديني، على بينة من ربي، على بصيرة من ديني) ان الجار و المجرور متعلق بالظرف لا بالمجرور الأول فكذلك قوله (على يقين من وضوئه)، بل اليقين لا يضاف إلى متعلقه بمن فلا يقال أتيقن من وضوئي و انما يقال أتيقن بوضوئي، و جعل من بمعنى الباء خلاف الظاهر، بل في بعض هذه التراكيب لا يمكن ان يكون الجار و المجرور متعلقا بالمجرور لعدم استقامة المعنى بذلك فقوله (على بينة من ربه) لا يقصد به بينة الرب و ظهور وجوده له و كذلك (على سلامة من ديني) فان السلامة لا تضاف إلى الدين بل إلى الإنسان من ناحية دينه.

و اما المطلب الثاني، فقد حاول المحقق العراقي (قده) المناقشة فيه بان الجار و المجرور إذا تعلق بالظرف لا باليقين فعلى كل حال يكون قيدا لليقين و لو من ناحية منشئه لا متعلقه و هذا يوجب عدم الإطلاق في قوله (لا ينقض اليقين بالشك) لاحتمال عهدية اللام و الإشارة به إلى اليقين الخاصّ و لو من ناحية منشئه.

و فيه: إذا كان الجار و المجرور متعلقا بالظرف لا باليقين كان معنى الجملة ان‏

31

الظرف- و هو الكون- قد طرأ عليه قيدان أحدهما من وضوئه و الآخر على يقين، و القيدان عرضيان، و لو فرض ان التقييدين طوليان أي تقييد الكون على يقين بأنه من ناحية وضوئه، و مع عرضية القيدين لا يكون هناك تقييد لمفهوم اليقين و معه يبقى اللام في لا ينقض اليقين بالشك على إطلاقه حتى إذا حمل على العهد و الإشارة إلى اليقين المذكور سابقا، و مما يشهد على ذلك اننا إذا قدمنا الجار و المجرور و قلنا (فانه من وضوئه على يقين، و لا ينقض اليقين بالشك) استفيد منه الإطلاق من دون تردد.

و هكذا يتضح تمامية دلالة الصحيحة على كبرى الاستصحاب كقاعدة عامة غير مختصة بباب الوضوء و ان كان مورد الصحيحة ذلك.

و في ختام البحث عن دلالة هذه الصحيحة ينبغي الإشارة إلى أمور.

الأمر الأول- في فقه قوله (فانه على يقين من وضوئه) من حيث انها جملة خبرية أو إنشائية و انها هي الجزاء أو ما بعدها و هو قوله (و لا تنقض اليقين بالشك أبدا) هو الجزاء أو ان الجزاء محذوف، و ان هذه الاحتمالات و الفروض هل لها تأثير على الاستدلال بالحديث لكبرى الاستصحاب أم لا، فهذه نقاط ثلاث لا بد من معالجتها في هذا الأمر.

اما النقطة الأولى- فلا شك في ان الظاهر الأولي للجملة هو الاخبار عن وجود اليقين له كما اعترف به المحقق النائيني (قده) نفسه الّذي حملها على الإنشاء نعم هي صالحة للحمل على الإنشاء خلافا لما ذكره السيد الأستاذ من ان الجملة الخبرية التي تستعمل للإنشاء ينبغي ان تكون فعلية و هذه جملة اسمية.

و يرد عليه- ان هذا الكلام ان تم ففي موارد الإنشاء الطلبي كما في قوله (يسجد سجدتي السهو) بمعنى اسجد، و اما في الجمل الخبرية المستعملة لإنشاء الأمور الاعتبارية فيمكن ان تكون الجملة اسمية كما في مثل (أنت طالق) لإنشاء الطلاق و المدعى في المقام الإنشائية بهذا المعنى أي اعتبار المكلف على يقين من وضوئه تعبدا، نعم هذا خلاف الظاهر الأولي للجملة الخبرية كما ان حمل اليقين على التعبدي لتكون الجملة اخبارا عنه أيضا خلاف الظاهر في نفسه فلا بد لمدعي الإنشائية من إبراز قرينة على ذلك، و ما يمكن ان يكون مبررا لهذا الحمل هو ظهور الجملة في فعلية اليقين المخبر عنه و هذا لا ينسجم مع الاخبار عن اليقين الوجداني إذ لا يقين وجداني بالوضوء فعلا

32

و انما كان له اليقين سابقا و ان شئت قلت: ان لوحظ اليقين مضافا إلى متعلقه مع تجريد الذهن عن حيثية الحدوث و البقاء فبهذا اللحاظ لا يقين بالفعل للمكلف لأنه قد زال يقينه بذات الوضوء، و ان لوحظ اليقين مضافا إلى متعلقه مع أخذ الزمان فيه أي اليقين بالحدوث فاليقين بالحدوث و ان كان فعليا إلّا ان هذا لا ينسجم مع ما بعده من قوله (و لا تنقض اليقين بالشك أبدا) إذ لا بد و ان يراد باليقين فيه نفس اليقين بالجملة الأولى أي اليقين بالحدوث و معه لا يصح اسناد النقض إليه لأن الشك لا ينقض اليقين بالحدوث لعدم وحدة متعلقهما عند لحاظ الحدوث و البقاء فيهما، و هذا بخلاف ما إذا حملنا الجملة على الإنشاء أو اليقين التعبدي.

و يرد على هذا البيان:

أولا- ما سيأتي من صحة اسناد النقض إلى اليقين و الشك حتى مع ملاحظة حيثيتي الحدوث و البقاء في متعلقهما بعناية سوف يأتي بيانها.

ثانيا- ان غاية ما يلزم مما ذكر وقوع التعارض بين الظهور في فعلية اليقين و الظهور في الاخبار عن اليقين الوجداني و لو لم ندع أقوائية الظهور الثاني بحيث يرفع اليد به عن الأول فلا أقل من الإجمال.

ثالثا- عدم صحة الحمل على الإنشاء في نفسه، إذ لو حمل اليقين على التعبدي منه فما ذا يقال عن اليقين في الجملة الثانية؟ فهل يحمل على اليقين الوجداني أو التعبدي، و الأول خلاف ظاهر السياق بل خلاف صراحة التركيب في تأليف قياس من صغرى و كبرى و هذا لا يكون إلّا مع وحدة المعنى المراد باليقين في الجملتين بل على هذا تكون الجملتان بمعنى واحد و تكون الجملة الثانية تكرارا صرفا للجملة الأولى و لكن بلسانين.

و الثاني يلزم منه ركاكة الجملة الثانية إذ ترجع إلى ان اليقين التعبدي أي الحجة لا ينبغي نقضه بالشك و هذا أشبه بالقضية بشرط المحمول بل يلزم نحو تهافت في اللحاظ، فان فرض شك المكلف يقينا تعبديا أولا يناقض التعبير عنه بالشك ثانيا كما لا يخفى. فالصحيح هو التحفظ على ظهور الجملة في الاخبار عن اليقين الوجداني خلافا لما ذهب إليه المحقق النائيني (قده).

و اما النقطة الثانية- فالاحتمالات في قوله (فانه على يقين من وضوئه) ثلاثة:

33

1- ان يكون جوابا كما يناسبه دخول الفاء عليه.

2- ان يكون متمما للشرط أو من مقدمات الجواب، و اما الجواب فهو قوله (لا تنقض اليقين بالشك).

3- ان يكون الجواب محذوفا و الأصل هكذا (و إلّا فلا يجب عليه الوضوء فانه على يقين من وضوئه) فتكون الجملة من متممات الجواب المحذوف و أدلته.

و لا بد من ملاحظة هذه الاحتمالات على كل من التقديرين السابقين في النقطة الأولى أي تقدير خبرية الجملة و إنشائيتها فنقول:

اما بناء على الخبرية فالاحتمال الثالث موافق مع الذوق و أساليب التعبير العرفي فيكون هو المتعين، و ما قد يثار بوجهه من الإشكال تارة بأنه يلزم تكرار الجواب لأنه ذكر أولا نفي الوضوء بقول (لا حتى يستيقن انه قد نام)، و أخرى بان التقدير خلاف الأصل. مدفوع بعدم لزوم التكرار الفعلي مع الحذف بل هذا هو موجب التقدير و مصححه و بأن ما هو خلاف الأصل انما هو اعتماد تقدير غير مفهوم مما تقدم من الكلام لا مثل المقام الّذي يفهم الجواب المقدر من التصريح أولا بعدم الوجوب بقوله (لا حتى يستيقن انه قد نام) و من التعبير بقوله (و إلّا) الظاهر في الشرطية و النّظر إلى نفس الجواب المتقدم فلا مئونة في هذا الاحتمال أصلا.

و اما الاحتمال الثاني، فبعيد عن الذوق العرفي إذ لو فرضت الجملة مقدمة للجواب، و الجواب قوله (و لا تنقض اليقين بالشك) لزم دخول الواو على جواب الشرط، و لو فرضت تتمة للشرط لزم مضافا إلى ذلك دخول الفاء على متمم جملة الشرط، و كلا الأمرين على خلاف أساليب المحاورة العرفية.

و اما الاحتمال الأول- فقد ناقش فيه المحقق الخراسانيّ (قده) بان الجزاء لا بد و ان يكون مرتبطا بالشرط و كونه على يقين من وضوئه غير مرتبط بعدم استيقانه بالنوم.

و علق عليه المحقق الأصفهاني (قده) بان الربط بينهما من جهة ملازمة اليقين بالوضوء لعدم اليقين بالنوم و ترتبه عليه.

و التحقيق ان يقال: ان أريد باليقين اليقين بالوضوء حدوثا أو اليقين بذات الوضوء فهذا ثابت في نفسه بمجرد اليقين بالحدوث سواء فرض الشك في النوم أو اليقين به أو بعدمه، و ان أريد اليقين بالوضوء بالفعل أي بقاء فهذا غير محفوظ على كل‏

34

حال إلّا ان يراد من اليقين اليقين التعبدي و هو خلف فرض خبرية الجملة الّذي نتحدث بناء عليه الآن. و هذا يعني انه لا يمكن افتراض الاحتمال الأول بناء على الخبرية.

نعم يمكن ان يفترض مجموع الجملتين جزاء للشرط المقدر و لكن لا بلحاظ مرحلة الثبوت بل بلحاظ مرحلة الإثبات و الاستدلال فكأنه يقول (و ان لم يستيقن انه قد نام فسوف يصدق في حقه القياس المذكور) و لكنه لا يخلو من العناية أيضا.

و اما بناء على الإنشائية فالاحتمال الأول هنا معقول من دون حاجة إلى التوجيه الأخير و ملاحظة مرحلة الإثبات، لأن ثبوت اليقين التعبدي الإنشائي فرع عدم اليقين بالنوم فالربط بين الشرط و الجزاء محفوظ على هذا التقدير و لكنه مبتلى بما ذكرناه في النقطة الأولى من لزوم التكرار المخل و من عدم الانسجام مع اليقين في الجملة الثانية إلّا أن هذين الإشكالين كما عرفت لا زمان لإنشائية الجملة الأولى «فانه على يقين من وضوئه» على كل المحتملات الثلاثة و المفروض في هذه النقطة التنزل عنهما.

و اما الاحتمال الثاني فهو غير عرفي أيضا بنفس النكتة المشار إليها بناء على الخبرية.

و اما الاحتمال الثالث- فقد يقال في مقام التعليق عليه بأنه مع إنشائية الجملة لا وجه لافتراض الجزاء مقدرا و الجملة من متمماته بل يمكن جعلها بنفسها الجزاء لأن التقدير خلاف الأصل مهما أمكن، فيكون الاحتمال الأول هو المتعين بناء على الإنشائية.

إلّا ان الإنصاف عدم العناية في تقدير الجزاء على هذا التقدير أيضا، لما تقدم من ظهور التعبير بقوله (و إلّا) في النّظر إلى نفس الجواب و الحكم المبين أولا فان هذا من أساليب التقدير و الإشارة إلى الحكم المذكور فيما تقدم من الكلام فهذا الاحتمال هو المستظهر على كل تقدير.

و اما النقطة الثالثة- فحاصلها دعوى عدم إمكان اقتناص كبرى كلية من الحديث بناء على جعل (لا تنقض اليقين بالشك) جوابا للشرط لأن الجزاء انما يكون بمقدار الشرط سعة و ضيقا لا أكثر من ذلك فتختص قاعدة الاستصحاب بباب الوضوء.

35

و يرد على هذه الدعوى:

أولا- عدم تماميتها بناء على جعل الجزاء مجموع الجملتين بحسب مرحلة الإثبات، إذ يكون قوله (و لا تنقض اليقين بالشك) غير مربوط بخصوص اليقين بالوضوء كما تقدم شرحه.

و ثانيا- من وجوه اقتناص الكبرى الكلية إعمال المناسبات و الارتكازات المقتضية لانعقاد ظهور في الحديث في إمضاء كبرى كلية مركوزة و لو بمرتبة ضعيفة فحتى لو لم يكن في النص إطلاق بحسب ما هو حاق اللفظ كفانا ذلك في اقتناص كبرى كلية من مثل هذا السياق. و هكذا يتضح ان هذه الاحتمالات التي أبرزت في كلمات المحققين في فقه الحديث لا أثر لها في استفادة قاعدة الاستصحاب منه.

الأمر الثاني: قد يناقش في الاستدلال بالحديث على الاستصحاب بإبراز احتمال نظره إلى قاعدة المقتضي و المانع لا الاستصحاب و لا أقل من الإجمال و مأخذ هذه الدعوى يمكن ان يكون أحد تقريبين:

التقريب الأول- اسناد اليقين في الحديث إلى الوضوء حيث قال (فانه على يقين من وضوئه) و من الواضح ان الوضوء ليس شيئا يمكن ان يدوم ليشك في بقائه و عدمه، نعم هو مقتض لأثر الطهارة التي يعقل فيها الحدوث و البقاء طالما لم يأت المانع و هو النوم و هذا يعني ان موضوع القاعدة المبينة في الحديث انما هو اليقين بمقتضى الحكم الشرعي و الشك في طرو مانعة و هذا يناسب قاعدة المقتضي و المانع لا الاستصحاب.

و يرده: ان الوضوء على ما يستفاد من إطلاقه الشرعي و المتشرعي في الروايات قد اعتبر بنفسه امرا قابلا للدوام و الاستمرار فالمكلف بعد إيقاع فعل الوضوء يكون على وضوء بحيث يعتبر نفس وضوئه امرا باقيا تعبدا و اعتبارا و من هنا يسند إليه النقض في أدلة النواقض و أيضا في نفس الحديث قد عبر في صدره الرّجل ينام و هو على وضوء فكلمة الوضوء في ألسنة الروايات لا بد و ان تحمل على هذا المعنى و معه تكون أركان الاستصحاب أعني اليقين و الشك مما يمكن افتراض تعلقهما بالوضوء بهذا المعنى.

بل حمل الحديث على قاعدة المقتضي و المانع خلاف الظاهر، لأن مقتضى سياق‏

36

حذف متعلق اليقين و الشك في الجملة الثانية و كذلك اسناد النقض إليهما وحدة متعلقهما، و في قاعدة المقتضي و المانع لا يكون المتعلق واحدا كما لا يخفى.

التقريب الثاني- لو كان النّظر إلى الاستصحاب كان مقتضى القاعدة إجراء استصحاب عدم النوم الّذي هو أصل موضوعي حاكم على استصحاب الطهارة الحكمي، و هذا بخلاف ما لو كان النّظر إلى قاعدة المقتضي و المانع فانه لا يوجد أصل موضوعي حاكم عليه.

و قد يجاب عليه: بان الصحيحة ناظرة إلى فرض الشبهة المفهومية في تحقق النوم حيث قيل فيها (فان حرك في جنبه شي‏ء و هو لا يعلم) و في الشبهة المفهومية لا يجري الاستصحاب الموضوعي و انما يتعين الاستصحاب الحكمي.

إلّا ان هذا الجواب لا يمكن المساعدة عليه، لأن السائل سأل أولا عن الشبهة المفهومية و أجابه الإمام (عليه السلام) بتفصيل و انه قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن فجعل الميزان نوم القلب و الاذن، ثم سأل السائل عن فرضية شبهة مصداقية فأجابه الإمام (عليه السلام) بالاستصحاب، و لو كان السؤال الثاني عن الشبهة المفهومية أيضا كان اللازم على الإمام (عليه السلام) ان يبين للسائل حدود المفهوم المأخوذ في الحكم الواقعي و لا معنى لإحالته إلى الاستصحاب لأن الشبهة المفهومية شبهة حكمية من وظيفة الإمام (عليه السلام) بيان الحكم الواقعي فيها لا الإحالة إلى القواعد الظاهرية كما لا يخفى.

و التحقيق في الإجابة على هذا التقريب ان يقال:

أولا- ما سوف يأتي في محله من عدم حكومة الأصل السببي على المسببي إلّا إذا كانا متنافيين و هما في المقام متوافقان.

الثاني- لو سلم حكومة الأصل السببي على المسببي- بناء على تصورات جعل الطريقية- فظهور هذه الصحيحة في جريان استصحاب الطهارة بنفسه يكون دليلا على عدم الحكومة في صورة التوافق على الأقل، إذ لا يمكن رفع اليد عن ظهورها في الاستصحاب.

الثالث- ان يقال بان عدم النوم حد للطهارة المجعولة لا قيد مأخوذ في موضوعها بقاء فاستصحاب عدم النوم لا يثبت الطهارة إلّا بالملازمة العقلية لا بالترتب الشرعي‏

37

فلا يكون أصلا موضوعيا حاكما على استصحاب الطهارة.

و فيه: أولا- ان العرف لا يتعقل التفكيك بين الأمرين بل يستفيد من كون عدم النوم حدا انه دخيل في موضوع الحكم بالطهارة.

و ثانيا- بلحاظ عالم الحب و البغض الّذي هو روح الحكم و يكون هو المنجز، عقلا لا محالة يكون عدم النوم قيدا في الموضوع و إلّا لما جعل النوم نهاية و حدا للحكم فيجري استصحاب عدم النوم بلحاظ روح الحكم [1].

الرابع- ان يقال بان الطهارة من الأمور التكوينية التي كشف عنها الشارع و ليس حكما شرعيا ليترتب بالاستصحاب الموضوعي.

و فيه: بطلان المبنى فقهيا على ما حققناه في محله.

الأمر الثالث- أثار الشيخ الأعظم (قده) شبهة في المقام حاصلها: احتمال ان يكون قوله (و لا تنقض اليقين بالشك) سلبا للعموم لا عموم السلب فلا يدل على الاستصحاب بنحو القضية الكلية، ثم استظهر كونه عموم السلب. و هذه الشبهة في نفسها لم تكن تستحق الذّكر لو لا إشارة الشيخ و تعليق المحقق النائيني (قده) عليه و تفصيل الكلام بشأنه و لعله لإعطاء الضابط الكلي للفرق بين سلب العموم و عموم السلب.

فذكر ان العموم إذا كان مستفادا بنحو المعنى الاسمي أمكن توجيه السلب إليه لأنه يلحظ استقلالا، و اما إذا كان مستفادا بنحو المعنى الحرفي من قبيل اللام بناء على افادته للعموم أو من سياق النفي كما في قوله (لا تنقض اليقين) فلا يمكن ان يكون السلب فيه سلبا للعموم بل يتعين ان يكون عموم السلب، لأن المعنى الحرفي لا يلحظ مستقلا لكي يمكن توجيه السلب إليه، و العموم المستفاد من سياق النفي أو النهي انما هو بحكم العقل و بقانون ان الطبيعة لا تنتفي إلّا بانتفاء تمام افرادها، و مثل هذا العموم يكون في طول السلب.

____________

[1]- بل يجري بلحاظ الحكم المجعول أيضا لأن فعلية المجعول الشرعي عند عدم تحقق غايته و حده ترتب شرعي كفعليته بتحقق موضوعه فانه لم يرد دليل خاص يدل على أن الترتب الشرعي لا بد و ان يكون بملاك ترتب الحكم على الموضوع و المسبب على سببه و ان شئت قلت: كما ان إحراز الموضوع شرط في تنجز الحكم المجعول كذلك يكون إحراز عدم الغاية بهذا المعنى شرطا في تنجزه و الاستصحاب يجري في كل ما يكون إحرازه شرطا في التنجيز إثباتا أو نفيا.

38

و في تقريرات المحقق الكاظمي قرر هذا المطلب بنحو آخر لا يخلو من تشويش حيث ذكر الفرق بين العموم و الإطلاق و ان الأول معنى اسمي مستقل فيصح توجه السلب إليه بينما الثاني معنى حرفي لا يلحظ استقلالا، ثم بين في وجه ذلك ان الإطلاق لكونه بالإطلاق و مقدمات الحكمة فيكون في طول الحكم فيستحيل توجه السلب إليه.

و هذا البيان مضافا إلى التشويش فيه بين الصدر و الذيل على خلاف مباني المحقق النائيني (قده) في باب العموم من انه أيضا في طول الإطلاق و مقدمات الحكمة فإذا كان الإطلاق في طول الحكم استحال سلب العموم في العمومات أيضا.

و أيا ما كان فأصل هذا التفصيل في غير محله، و توضيح ذلك:

ان سلب العموم ليس معناه لحاظ العموم بنحو المعنى الاسمي المستقل و توجيه النفي إليه و انما معناه نفي العام بما هو عام لا بذاته بان تكون حيثية العموم ملحوظة قبل طرو النفي كما هو الحال في نفي أي قيد حرفي كما إذا أريد نفي تقيد الجلوس بالمسجد فقيل ما جلست في المسجد فقد نفى هنا النسبة الظرفية بين الجلوس و المسجد و لكن لا بمعنى توجيه النفي ابتداء إليها ليقال ان المعنى الحرفي لا يلحظ مستقلا بل بمعنى توجيه النفي إلى الجلوس الخاصّ بما هو خاص فينفى التقيد لا محالة.

و منه تعرف الإجابة على الفقرة الثانية في كلامه من ان العموم إذا كان بقانون عقلي و هو انتفاء الطبيعة بانتفاء تمام افرادها فلا يمكن ان يكون بنحو سلب العموم لأنه في طول النفي، فان العقل انما يحكم بان انتفاء ما وقع مدخولا للنفي لا يكون إلّا بانتفاء تمام افراده، و اما كون المدخول ذات الطبيعة أو المقيدة بحيثية- و لو كان هو العموم- فهذا لا ربط له بالقانون العقلي المذكور بل لا بد من تعيينه بدال آخر.

نعم ما ذكر من التفصيل بين الإطلاق و العموم صحيح بمعنى ان السلب في المطلقات لا محالة يتوجه إلى ذات المطلق لا المطلق بما هو مطلق، لأن الإطلاق مدلول تصديقي و ليس تصوريا مأخوذا في مدلول مدخول السلب ليكون النفي سلبا للإطلاق بخلاف العموم.

و منه يظهر ان قوله (و لا تنقض اليقين بالشك) لا يمكن ان يكون سلبا للعموم، بل‏

39

يتعين ان يكون عموم السلب لكون العموم فيه بالإطلاق و مقدمات الحكمة [1].

الأمر الرابع- من جملة ما ذكرناه في مأخذ استفادة قاعدة الاستصحاب الكلية من هذه الصحيحة هو التمسك بالارتكاز العرفي. و بناء عليه قد يقال بعدم إمكان استفادة التعميم منها للزوم الاقتصار فيه على القدر المتيقن من الارتكاز و هو ما إذا لم يكن على خلاف الاستصحاب ظن بالخلاف مثلا لأن الارتكاز دليل لبي.

و فيه: ان الارتكاز العرفي في المقام يلغي خصوصية المورد في مقام فهم الحديث و في طوله يجري الإطلاق و مقدمات الحكمة في نفي اية خصوصية أخرى غير اليقين و الشك في الحكم فيثبت التعميم لا محالة.

الرواية الثانية: صحيحة ثانية لزرارة الواردة في الصلاة

(قال: قلت له أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‏ء من المني فعلمت اثره إلى ان أصيب له الماء فحضرت الصلاة و نسيت ان بثوبي شيئا فصليت ثم أني ذكرت بعد ذلك؟ قال تعيد الصلاة و تغسله، قلت: فان لم أكن رأيت موضعه و علمت انه قد اصابه فطلبته و لم أقدر عليه فلما صليت وجدته؟ قال: تغسله و تعيد، قلت: فان ظننت انه اصابه و لم أتيقن فنظرت و لم أر شيئا فصليت فرأيت فيه؟ قال: تغسله و لا تعيد، قلت: لم ذلك؟ قال لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت و ليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك أبدا، قلت:

فاني علمت انه قد اصابه و لم أدر أين هو فأغسله؟ قال: تغسل ثوبك الناحية التي ترى انها قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك، قلت: فهل علي ان شككت انه اصابه شي‏ء أن انظر فيه؟ قال: لا لكنك انما تريد ان تذهب بالشك الّذي وقع في نفسك، قلت: ان رأيته في ثوبي و انا في الصلاة؟ قال: تنقض الصلاة و تعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته و ان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شي‏ء أوقع عليك فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك) (1).

و هي تتكفل عدة أسئلة سألها زرارة عن الإمام (عليه السلام) و أجاب عنها الإمام‏

____________

[1]- مضافا إلى ان سياق التعليل في الحديث الظاهر في التعميم و تأكيد العموم بقوله (أبدا) يصح ان يكون قرينة على إرادة عموم السلب لا سلب العموم.

____________

(1)- التهذيب، الباب 22 من أبواب تطهير البدن و الثياب من النجاسات، حديث- 8-.

40

نستعرضها فيما يلي لتوضيح فقه الرواية.

السؤال الأول- إذا صلى الإنسان في ثوب نجس نسيانا بعد علمه بالنجاسة أولا؟

و جوابه: وجوب إعادة الصلاة. و قد ورد هذا الحكم في روايات أخرى أيضا و علل في بعضها بان الناسي تهاون في التطهير دون الجاهل.

السؤال الثاني- لو علم إجمالا بالنجاسة في بعض جوانب الثوب و لم يتمكن من تشخيص موضعه بالفحص فهل يكفي ذلك للصلاة فيه بالرغم من علمه الإجمالي بالنجاسة أم لا. و الجواب: وجوب غسل الثوب و إعادة الصلاة أيضا، و المقصود من قوله في هذه الفقرة (لم أقدر عليه) عدم إمكان تشخيصه مع الفراغ عن أصله لا زوال العلم و حصول الشك بخلاف ما لو قال (لم أره) فانه يمكن ان يدعي إرادة ذلك منه.

السؤال الثالث- لو ظن الإصابة ففحص و لم ير النجاسة فصلى فيه و رأى فيه فما هو حكمه؟ و جواب الإمام (عليه السلام) (تغسله و لا تعيد لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت و ليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك). و هذه الفقرة مع فقرة تأتي هما موضوع الاستدلال بالصحيحة على كبرى الاستصحاب. و توجد بشأن هذا السؤال بدوا احتمالات أربعة:

الأول- ان يكون مقصوده من الفحص و عدم الرؤية حصول العلم بعدم الإصابة حيث لم يكن يعلم بها من أول الأمر و انما كان يظن ذلك و يحتملها فيزول الاحتمال بالفحص ثم عند ما وجدها بعد الصلاة علم بأنها نفس النجاسة التي كان قد ظن بها من أول الأمر، إلّا ان هذا الاحتمال غير متجه لأنه بناء عليه لا يكون المورد مصداقا لقاعدة نقض اليقين بالشك و لا صحة الصلاة مستندة إليها سواء أريد بها الاستصحاب أو قاعدة اليقين لأنه لم يكن شاكا لا في حال الصلاة و لا بعدها بل كان عالما بالطهارة في الأثناء و علم بالنجاسة بعد ذلك مع ان الإمام (عليه السلام) يفترض وجود شك ليطبق عليه القاعدة في مقام التصحيح فيعلم عدم إرادة هذا المعنى جزما.

الثاني- ان يحصل له العلم بعدم الإصابة بعد الفحص و لكنه عند ما وجد النجاسة احتمل انها نجاسة طارئة بعد الصلاة و بناء على هذا الاحتمال يكون شاكا بعد الصلاة في وقوعها مع النجاسة و عدمه فيكون موردا لعدم نقض اليقين بالشك سواء أريد به الاستصحاب أو قاعدة اليقين لأنه كان على يقين حين الصلاة بالطهارة أيضا

41

و انما حصل له الشك الساري بعد الصلاة، فالشك الحاصل بعد الصلاة بلحاظ اليقين بالطهارة المتولد من الفحص حين الصلاة يكون موضوعا لقاعدة اليقين و بلحاظ اليقين بالطهارة الثابت قبل ظن الإصابة يكون موضوعا لقاعدة الاستصحاب.

الثالث- ان يفترض عدم حصول العلم له بالطهارة من عدم الرؤية حين الصلاة و لكنه بعد ان وجد النجاسة بعد الصلاة علم بأنها هي التي ظنها من أول الأمر و انها كانت سابقة على الصلاة.

و هنا يصدق في حقه عدم نقض اليقين بالشك بمعنى الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة لأنه كان عالما بالطهارة قبل الصلاة شاكا فيها حين العمل و ان انكشف له خلاف ذلك بعد الصلاة و اما قاعدة اليقين فلا تصدق في حقه لعدم حصول اليقين بالطهارة حين الصلاة بحسب الفرض.

الرابع- ان يفترض عدم حصول العلم بالطهارة حين الصلاة و عدم حصول العلم- بعد الصلاة و وجدان النجاسة- بأنها كانت السابقة على الصلاة و هنا تجري قاعدة الاستصحاب أيضا بلحاظ حال الصلاة و حال السؤال معا و لا تجري قاعدة اليقين كما هو واضح.

السؤال الرابع- لو علم إجمالا بالإصابة و لم يشخص موضعها فما ذا يصنع؟ و الجواب:

انه لا بدّ و ان يغسل أطراف العلم الإجمالي حتى يحصل اليقين بالطهارة.

السؤال الخامس- عند الشك في أصل الإصابة هل يجب الفحص؟ و الجواب: عدم وجوبه إلّا إذا أراد الاحتياط و نفي الشك من نفسه.

السؤال السادس- لو رأى النجاسة في أثناء الصلاة؟

و قد أجاب الإمام (عليه السلام) بالتفصيل بين صورتين (انه إذا كنت قد شككت في موضع منه أولا ثم رأيته تنقض الصلاة و تعيد و إذا لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شي‏ء أوقع عليك و لا ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك).

و في هذا الجواب احتمالان:

الأول- ان يراد بالشك الشبهة البدوية و يكون المقصود حينئذ إذا كنت قد شككت في موضع منه ثم رأيته فيه بحيث علمت بأنه من السابق أعدت الصلاة

42

و اما إذا لم يكن لك شك ثم رأيته فلعله شي‏ء أوقع عليك في الأثناء فيحكم بصحة ما تقدم من صلاتك بمقتضى قاعدة عدم نقض اليقين بالشك و تغسل الثوب لما تبقى من الصلاة و تبني عليها.

الثاني- ان يراد بالشك الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي أي الشك في موضع من الثوب بعد فرض العلم بأصل النجاسة فيكون المنفي بقوله و ان لم تشك في الشطر الثاني من الجواب أيضا نفي الشبهة المقرونة بالعلم و يفهم على هذا التقدير حكم الشبهة البدوية مع العلم بان ما وجده كان هو المشكوك أولا من مفهوم التعليل في قوله (لأنك لا تدري لعله شي‏ء أوقع عليك) الّذي يعني بطلان الصلاة مع العلم بأنها كانت من أول الأمر.

و يقرب الاحتمال الأول عدة أمور.

منها- ظهور الشك في الشبهة البدوية خصوصا في جملة و ان لم تشك فانه لم يقيده بموضع منه ليتوهم قرينيته على إرادة العلم الإجمالي.

و منها- ظهور الجملة في دخالة رؤية النجاسة بعد الشك في البطلان، و مع فرض العلم الإجمالي بالنجاسة تكون الصلاة باطلة به و لا ربط لرؤية النجاسة في ذلك.

و منها- لزوم التكرار إذا أريد من الشك الشبهة المقرونة بالعلم لأنه قد بين في السؤال الرابع حكم العلم الإجمالي بالنجاسة و لزوم الغسل فيه الّذي هو وجوب شرطي لا نفسي أي يرجع إلى بطلان الصلاة مع العلم الإجمالي بنجاسة الثوب و لا فرق بين ان يكون العلم الإجمالي بذلك حاصلا قبل الدخول في الصلاة أو في أثنائها.

و في قبال ذلك قد يقرب الاحتمال الثاني بإحدى نكتتين:

إحداهما- ظهور تقييد الشك بموضع من الثوب في الفراغ عن أصل النجاسة و انما الشك في موضعها.

الثانية- ان فرضية الشبهة البدوية لا تساوق بطلان الصلاة لو رأى النجاسة بعد ذلك إذ مجرد ذلك لا يستلزم العلم بالنجاسة من أول الأمر بل يعقل فيه أيضا فرضية الشك و انه شي‏ء أوقع عليه في الأثناء، فتخصيص الإمام (عليه السلام) ذكر هذه النكتة في الشطر الثاني أعني ما إذا لم يشك بنفسه قرينة على إرادة الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي و الفراغ عن أصل النجاسة في الشطر الأول.

43

و الإنصاف عدم تمامية شي‏ء من النكتتين.

اما الأولى- فلأنه لو كان المذكور (ان شككت في موضع النجاسة أو في الموضع منه) كان ظاهره ما ذكر من المفروغية عن أصلها و لكن المذكور (ان شككت في موضع منه).

و هذا يناسب الشك البدوي أيضا و تكون نكتة التقييد بموضع منه انه في حال رؤية النجاسة بعد ذلك في نفس الموضع يحصل العلم غالبا بكونها نفس النجاسة المشكوكة من أول الأمر بخلاف ما إذا كان الشك في إصابة النجاسة للثوب إجمالا.

و بهذا ظهر اندفاع النكتة الثانية أيضاً فان فرض الشك في موضع منه ثم رؤيته فيه مساوق عادة مع العلم بكون المرئي نفس النجاسة السابقة هذا مضافا إلى احتمال ورود السؤال السادس من زرارة في مورد سؤاله الخامس أعني ما إذا شك في انه اصابه شي‏ء و كونه تتمة له فالضمير في قوله: ان رأيته في ثوبي و انا في الصلاة راجع إلى نفس ذلك الشي‏ء الّذي شك في اصابته قبل الصلاة و معه يكون ظاهره العلم بأنه رأى فيه نفس النجاسة السابقة و هو الشطر الأول الّذي حكم فيه الإمام بالبطلان و اما الشطر الثاني فيكون فرعا زائدا تبرع به الإمام (عليه السلام).

ثم ان الشيخ الأعظم (قده) ادعى نحو تهافت بين جواب الإمام (عليه السلام) على السؤال السادس ببطلان الصلاة مع انكشاف وقوع جزء منها مع نجاسة مجهولة في الأثناء و بين ما تقدم في جواب السؤال الثالث بناء على الاحتمال الثالث فيه من الحكم بصحة الصلاة مع وقوع تمامها مع النجاسة فانه لا يمكن ان يكون وقوع بعض الصلاة مع النجاسة المجهولة أسوأ حالا من وقوعها بتمامها كذلك.

و أجاب عليه السيد الأستاذ بأنا لا نعلم ملاكات الأحكام التعبدية فلعل المصلحة الواقعية بنحو تقتضي ذلك.

و هذا الجواب لا يشفي الغليل و لا يدفع الإشكال إذا كان المقصود منه دعوى التهافت العرفي بلحاظ الدلالات المستفادة من الرواية بدعوى ان العرف يتعدى من جواب السؤال الثالث إلى حكم السؤال السادس و يفهم كبرى كلية تعم الصورتين معا بنحو بحيث لا يتعقل التفكيك بينهما و بالتالي يحصل نحو إجمال و تهافت بين الفقرتين من الرواية بحسب مقام الإثبات.

و الصحيح في الإجابة على هذا الإشكال إبراز نكتة يحتمل العرف على أساسها

44

الفرق بين الصورتين و في المقام إذا وجد المصلي نجاسة سابقة في أثناء صلاته تكون له عدة خصوصيات:

الأولى- وقوع مقدار من صلاته مع نجاسة مجهولة.

الثانية- علمه بهذه النجاسة و تنجزه عليه في الأثناء.

الثالثة- حالة كونية للصلاة في الثوب النجس مع العلم به من دون الاشتغال بعمل صلاتي.

الرابعة- الإتيان بباقي الصلاة في ثوب طاهر.

و لا إشكال في ان الخصوصية الرابعة لا يعقل دخالتها في البطلان و ان يكون حال هذا المصلي أسوأ ممن أتى بكامل صلاته مع النجاسة جهلا.

و الخصوصية الثالثة و ان كان يحتمل العرف دخالتها في البطلان إلّا ان الشارع قد حكم بصحة الصلاة في صورة عدم العلم بسبق النجاسة مما يعني ان مجرد نجاسة الثوب في حالة كونية للصلاة لا يكون مانعا.

و دعوى: احتمال كون المانع في الكون الصلاتي النجاسة بوجودها البقائي لا الحدوثي يدفعها: أولا- عدم عرفية ذلك فيلزم محذور التهافت إثباتا.

و ثانيا- انه خلاف ظاهر تعليل الإمام (عليه السلام) الحكم بالصحّة في هذه الصورة بالاستصحاب مما يعني ان المصحح هو نفس عدم النجاسة السابقة لا ما يلزم منه من عدم كون النجاسة الفعلية بقائية حتى إذا قلنا بحجية الأصل المثبت في مورد هذه الصحيحة.

و الخصوصية الأولى أيضا لا يحتمل العرف دخالتها في البطلان لأن الأكثر منها حاصل في مورد السؤال الثالث و قد حكم فيه بالصحّة. فيتعين ان تكون الخصوصية الثانية هي الفارق بين الصورتين و هو امر معقول عرفا فان تنجز النجاسة على المكلف في أثناء الصلاة في مورد السؤال السادس و عدم تنجزها و عدم انكشافها الا بعد انتهاء الصلاة في مورد السؤال الثالث يقبل العرف ان يكون له الدخالة في التفصيل المذكور فيكون مقتضى الجمع العرفي بين أدلة مانعية النجاسة و روايات صحة الصلاة مع النجاسة جهلا- و منها الفقرة الثالثة من هذه الصحيحة بناء على نظرها إلى ذلك- ان المانع هو النجاسة المتنجزة على المكلف قبل انتهاء الصلاة و لو بوجودها البقائي و حيث‏

45

ان هذا القيد لم يكن حاصلا في مورد السؤال الثالث حكم الإمام (عليه السلام) بالصحّة فيه و حيث انه كان حاصلا في مورد السؤال السادس فصل الإمام (عليه السلام) بين ما إذا علم بسبق النجاسة فقد تنجزت عليه في الأثناء فتبطل الصلاة و بين ما إذا لم يعلم بذلك فيجري استصحاب عدم النجاسة. و هل يكون الثابت بالاستصحاب حينئذ الصحة الواقعية أو الظاهرية؟ جوابه: ان المانع ان كان هو تنجز النجاسة السابقة و لو بوجودها البقائي بحيث يكون مركبا من جزءين وجود النجاسة سابقا و تنجزها بالعلم و نحوه فالاستصحاب ينفي الجزء الأول ظاهرا فتكون الصحة ظاهرية و ان كان المانع هو تنجز نفس النجاسة السابقة و لا يكفي تنجز وجودها البقائي في المانعية فالاستصحاب يرفع هذا التنجز واقعا فتكون الصحة واقعية لا ظاهرية.

و بعد ان اتضح فقه هذه الرواية يقع البحث في كيفية الاستدلال بها على قاعدة الاستصحاب.

الاستدلال بالصحيحة الثانية على الاستصحاب‏

و قد اتضح ان هناك موضعين فيها يمكن ان يستدل بهما على كبرى الاستصحاب لأن جملة (فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك) قد ورد في موردين من الصحيحة الأول في جواب السؤال الثالث و الثاني في الجواب عن السؤال الأخير.

و لا إشكال في ظهور الصحيحة في إعطاء قاعدة كلية و ظهورها في ذلك أوضح و أصرح من الصحيحة الأولى لكونها صريحة في التعليل بهذه القاعدة لأن زرارة سأل صريحا عن علة الحكم و ضابطته و كذلك التعبير بقوله (ليس ينبغي) أظهر في الدلالة على التعليل بكبرى كلية مركوزة مما تقدم في الصحيحة الأولى. و هذا لا كلام فيه و انما الكلام في ان تلك القاعدة الكلية هل هي الاستصحاب أو قاعدة اليقين و في كيفية استفادة ذلك.

و لا ينبغي الإشكال في ظهور المورد الثاني من الصحيحة في قاعدة الاستصحاب لا اليقين لأن التعبير بقوله (و ان لم تشك ثم رأيته) و ان كان يمكن حمله على إرادة عدم الشك بمعنى العلم بالطهارة في أثناء الصلاة إلّا ان هذا لا قرينة عليه و لا موجب لتقييده بذلك فاليقين الّذي هو ركن قاعدة اليقين لم يفرض لا في كلام السائل و لا الإمام (عليه السلام)

46

في هذا المورد بخلاف اليقين الّذي هو ركن الاستصحاب فان المصلي كان عالما بالطهارة قبل الصلاة يقينا بل لعل ارتكازية قاعدة الاستصحاب دون قاعدة اليقين و ظهور المورد الأول في ذلك- على ما سوف نثبته- قرينتان أيضا على إرادة الاستصحاب لا قاعدة اليقين، فالمورد الثاني لا كلام في دلالته على كبرى الاستصحاب.

و انما البحث في المورد الأول حيث أثير حوله في كلمات المحققين تارة إشكال عدم وضوح دلالته على قاعدة الاستصحاب في قبال قاعدة اليقين و أخرى بان النقض في مورده نقض باليقين لا بالشك للعلم بوقوع الصلاة مع النجاسة فكيف طبق الإمام (عليه السلام) قاعدة نقض اليقين بالشك فيه.

و فيما يلي نتحدث حول هذه الفقرة من الصحيحة ضمن نقاط عديدة:

النقطة الأولى- في أصل دلالتها على قاعدة الاستصحاب في قبال قاعدة اليقين و لا ينبغي الإشكال في ذلك لأن أركان الاستصحاب واضحة في فرض السائل بخلاف أركان القاعدة و جواب الإمام (عليه السلام) انما يتطابق مع سؤال الراوي و بلحاظ ما يفترضه من اليقين و الشك.

اما استفادة أركان الاستصحاب من فرض السائل فاليقين السابق بالطهارة يستفاد فرضه من قوله (ظننت انه قد اصابه) الظاهر في انه كان قبل ذلك عالما بالطهارة بل المفروض ان الثوب قبل إصابة دم الرعاف الّذي محور أسئلة زرارة في هذه الرواية كان طاهرا و انما يجي‏ء المانع من ناحية إصابة الدم المعلومة أو المظنونة حسب اختلاف الفروع التي سأل عنها.

و اما الشك اللاحق فهو مفروض على كل تقدير في السؤال و لهذا طبق الإمام (عليه السلام) عليه قاعدة من قواعد الشك- مع قطع النّظر عما سوف يأتي في النقطة القادمة-.

و اما عدم استفادة أركان القاعدة من كلام زرارة فلأن ذلك مبني على افتراض ان زرارة يفترض حصول اليقين له بالطهارة عند ما فحص عن النجاسة و لم يجدها، و عند ما وجدها بعد الصلاة شك في انها نفس النجاسة أو شي‏ء جديد. و هذا يعني انه لا بد من حمل قوله (فنظرت و لم أر شيئا) على حصول اليقين بالطهارة و قوله (فصليت فرأيت فيه) على الشك الساري إلى متعلق اليقين.

و الجملة الثانية و ان أمكن دعوى ظهورها في سريان الشك في النجاسة لحال‏

47

الصلاة حيث لم يقل (فرأيته فيه) ليكون ظاهرا في العلم بسبق النجاسة إلّا ان الجملة الأولى لا وجه لحملها على ما إذا حصل له اليقين بالطهارة من مجرد النّظر و عدم رؤية النجاسة الا بافتراض إعمال الإمام لعلمه الغيبي.

و دعوى- غلبة حصول العلم بالعدم عند الفحص و عدم الرؤية.

مدفوعة- مضافا إلى منعها خصوصا مع ظن الإصابة لا يعلم اعتماد السائل على الغلبة المذكورة بنحو بحيث يفهم منه افتراض حصول مثل هذا اليقين و إرادته فالصحيح ان الرواية في هذا المورد أيضا ناظرة إلى قاعدة الاستصحاب لا اليقين.

النقطة الثانية- ان الاستصحاب الّذي أجراه الإمام (عليه السلام) في هذا المورد هل يكون بلحاظ حال الصلاة أي بلحاظ الشك الحاصل أثناء الصلاة في نجاسة الثوب و عدمه و لو علم بعد الصلاة و رؤية النجاسة في الثوب انها كانت من أول الأمر أو يكون الاستصحاب بلحاظ ما بعد الصلاة و الّذي لا ينسجم إلّا مع فرض احتمال طرو النجاسة بعد الصلاة؟

لا يبعد تعين الاحتمال الثاني لما تقدم من ان جملة (فصليت فرأيت فيه) غير ظاهرة في افتراض العلم بان المرئي نفس النجاسة السابقة المحتملة فافتراض ان مقصوده ذلك و ان شكه بلحاظ حال الصلاة لا شاهد عليه من كلام السائل فلو كان نظر الإمام (عليه السلام) إلى ذلك كان من باب إعمال علم الغيب و لا يمكن حمل الخطاب عليه [1].

____________

[1]- لو فرض عدم ظهور السياق في إرادة رؤية نفس النجاسة السابقة فقد يقال: ان مقتضى الإطلاق حينئذ شمول كلا الفرضين أي حالة حصول العلم بسبق النجاسة و حالة الشك كما ان مقتضى الإطلاق في جملة (فنظرت و لم أر شيئا) شمول حالتي حصول العلم و عدمه أثناء الصلاة و نتيجة الإطلاق الأخير نظر الحديث إلى قاعدة الاستصحاب دون اليقين و نتيجة الإطلاق الأول ان يكون الاستصحاب بلحاظ الحالتين معا أي حال الصلاة و لو كان عالما بسبق النجاسة و حال ما بعد الصلاة لو كان شاكا فيه.

إلّا ان التحقيق ان المقام ليس من موارد التمسك بالإطلاق لتعيين المراد لا من جهة ورود الجملتين في كلام السائل دون الإمام (عليه السلام) ليقال بان ظاهر الجواب إمضاء ما افترضه السائل و جعل الحكم عليه فكأنه قد تكرر موضوع السؤال في كلام الإمام (عليه السلام) فيجري فيه الإطلاق، بل لأن الإمام (عليه السلام) في هذه الصحيحة قد طبق قاعدة عدم النقض على ما افترضه السائل من اليقين و الشك فلا بد من تعين يقين و شك مشخصين للسائل لكي يفهم جواب الإمام (عليه السلام) فلا معنى للإطلاق من ناحيتهما و تعين اليقين و الشك المشخصين في المقام انما يكون بلحاظ ما يستظهر من افتراض السائل نفسه من حالتي اليقين و الشك فإذا لم يفترض اليقين بالطهارة أثناء الصلاة زائدا على اليقين بالطهارة قبل ظن الإصابة المفروض على كل حال كان المراد من اليقين الّذي طبقه الإمام (عليه السلام) اليقين الّذي هو ركن الاستصحاب و إذا لم يستظهر رؤيته لنفس النجاسة السابقة بل استظهر شكه بعد الصلاة كان المراد من الشك الّذي لاحظه الإمام (عليه السلام) الشك بلحاظ ما بعد الصلاة.

48

بخلاف ما إذا كان نظره إلى الشك بعد الصلاة فان الجملة الثانية صالحة لأن تكون دالة عليه، بل لعل تغيير السائل لتعبيره الوارد في سؤاله السابق حيث قال فيه (فوجدته) و أما هنا فغير التعبير و قال (فرأيت فيه) و لم يقل فرأيته فيه بنفسه شاهد على إرادة أصل الرؤية للنجاسة من دون العلم بكونها هي النجاسة السابقة و يؤيده مجي‏ء هذه النكتة في كلام الإمام (عليه السلام) في ذيل الرواية.

و دعوى- استبعاد جهل زرارة بحكم المسألة بل استغرابه عنه فيما إذا كان يحتمل وقوع النجاسة عليه بعد الصلاة مدفوعة- بعدم معرفة تاريخ سؤال الراوي فلعله كان في بداية امره- خصوصا و الرواية عن الإمام الباقر (عليه السلام)- كما يشهد عليه سؤاله في نفس الرواية عن أحكام أخرى ربما يدعى وضوحها كعدم وجوب الفحص و منجزية العلم الإجمالي بنجاسة الثوب، كما يحتمل ان يكون زرارة في مقام التدقيق و التشقيق لأجل مزيد الاستفادة من الإمام (عليه السلام) و استدراجه إلى ذكر القواعد و النكات العامة كما تناسبه كثرة التشقيقات و الفروض التي افترضها في نفس الرواية، و لو أبيت عن كل ذلك أمكن توجيه استغراب زرارة من ناحية انه كان يظن عدم الإصابة و كان يعتمد عليه في دخوله في الصلاة و قد سلب منه ذلك بعد رؤية النجاسة بعد الصلاة و لو للظن بأنها نفس النجاسة السابقة.

و هكذا يظهر ان هذا المورد من الصحيحة يتكفل أيضا قاعدة الاستصحاب و بلحاظ الشك في طهارة الثوب الحاصل بعد الصلاة و بذلك لا يبقى موضوع للإيراد المعروف على الصحيحة بعد حمل جملة (فرأيت فيه) على رؤية النجاسة السابقة بان المورد ليس من موارد نقض اليقين بالشك بل باليقين بالنجاسة فكيف طبق الإمام (عليه السلام) الاستصحاب عليه.

النقطة الثالثة- في علاج الرواية بناء على التفسير المشهور لها من حصول العلم بعد الرؤية بوقوع الصلاة مع النجاسة. و البحث في هذه النقطة يقع في جهات ثلاث:

الجهة الأولى- ان هذه المشكلة لو فرض استعصاؤها على الحل بحيث لم نجد تفسيرا لها فهل يضر ذلك بأصل دلالة هذه الفقرة من الصحيحة على كبرى الاستصحاب أم يمكن التفكيك بين دلالتها على الكبرى و تطبيقها في المورد فتبقى الصحيحة حجة من الناحية الأولى و ان فرض إجمالها من الناحية الثانية؟.

49

أفاد صاحب الكفاية (قده) ان الإشكال لو لم يكن حله مع ذلك لم يضر باستفادة كبرى الاستصحاب منها لأن هذا الإشكال ليس مختصا بفرض حملها على الاستصحاب ليكون قرينة على حملها على قاعدة اليقين مثلا لأن المفروض حصول العلم بوقوع الصلاة مع النجاسة فكما لا نقض لليقين بالشك بلحاظ الاستصحاب لا نقض لليقين بالشك بلحاظ القاعدة.

و قد اعترض عليه المحققون بان حمل الرواية على قاعدة اليقين لا يكون إلّا بإرادة الشك بلحاظ ما بعد الصلاة و عدم العلم بسبق النجاسة ليكون الشك ساريا إلى العلم بالطهارة الحاصل حين الصلاة بناء على استفادته من الجملة الأولى و هذا يعني ان حمل الرواية على القاعدة يساوق ارتفاع موضوع الإشكال رأسا.

و هذا الاعتراض غير سديد لأن المقصود ان هذه المشكلة ليست ناشئة من حمل الرواية على الاستصحاب لتكون قرينة على صرفها إلى قاعدة اليقين بل المشكلة تنشأ من دعوى ظهور جملة (فصليت فرأيت فيه) في رؤية نفس النجاسة المظنونة سابقا المساوق مع حصول العلم بعد الصلاة بوقوع الصلاة مع النجاسة فلا يكون نقض اليقين السابق بالشك في النجاسة بل باليقين فهذا الظهور لو سلم به فالإشكال وارد سواء أريد تطبيق الاستصحاب أو القاعدة بل لا يعقل تطبيق القاعدة على هذا التقدير حتى بنحو عنائي و بضم كبرى أخرى، و لو فرض عدم التحفظ على هذا الظهور بان استظهر إرادة الشك في سبق النجاسة كان التطبيق صحيحا سواء أريد قاعدة الاستصحاب أو اليقين فالإشكال لا ربط له بإرادة الاستصحاب من الصحيحة كما ان رفع اليد عن الظهور المستلزم للإشكال لا يعني إرادة القاعدة في قبال الاستصحاب.

إلّا انه كان لا بد لصاحب الكفاية ان يبين وجه بقاء دلالة الرواية على الاستصحاب مع عدم انطباقه في المورد.

و هنا ينبغي ان يقال: بان استفادة الاستصحاب من هذه الفقرة ان كان مستندا إلى الظهور المدعى لجملة (رأيت فيه) في رؤية النجاسة السابقة و لو من جهة انه على هذا التقدير ينتفي احتمال إرادة قاعدة اليقين من قوله (عليه السلام) (لا تنقض اليقين بالشك) بخلاف الاستصحاب إذ يمكن تطبيقه بلحاظ الشك حال الصلاة كان العجز عن حل الإشكال مخلا بالاستدلال لأن الإشكال على نفس هذا الظهور فلو رفعنا اليد عنه‏

50

كانت نسبة الصحيحة إلى الاستصحاب و القاعدة على حد واحد فتكون مجملة على الأقل.

و اما إذا كان الوجه في استفادة الاستصحاب منها ما تقدم منا من ان أركان الاستصحاب مفروضة في كلام السائل بخلاف أركان القاعدة سواء كان المقصود العلم بالنجاسة السابقة أو الشك فيها فبقاء الإشكال لا يضر بظهور الصحيحة في إفادة كبرى الاستصحاب لأن مورد الإشكال ظهور لا ربط له باستفادة الاستصحاب بل سواء كان التطبيق حقيقيا و بلحاظ ما بعد الصلاة برفع اليد عن الظهور المدعى أو كان عنائيا و بلحاظ حال الصلاة فكبرى الاستصحاب مستفادة منها على كل حال.

هذا إلّا ان الإنصاف مع استفحال الإشكال و وقوع التهافت بين كبرى الاستصحاب المبينة و بين مورد التطبيق يطمئن أو يظن بوجود خلل في الرواية بحيث لو لم يكن ذلك الخلل لعله كان يتغير ظهوره و تختلف دلالاته على الكبرى أيضا و مع هذا الظن بالخلل فضلا عن الاطمئنان لا تكون شهادة الراوي حجة في إثبات الدلالة على الكبرى- على ما نقحناه في محله من اشتراط عدم وجود أمارة نوعية على الخلاف في حجية خبر الثقة- [1].

الجهة الثانية- فيما أجاب به المشهور على الإشكال، و قد اشتهرت إجابتان عليه بعد الفراغ عن ان التطبيق بلحاظ الشك حال الصلاة و لتصحيح دخول المكلف في الصلاة عند الشك و الالتفات إلى احتمال النجاسة حيث لا بد له من مؤمن عنها حال الصلاة.

الأولى- ان تعليل عدم الإعادة بذلك انما كان بلحاظ المفروغية عن ان الشرط في الصلاة هو الأعم من الطهارة الواقعية أو الظاهرية كالطهارة الاستصحابية فالطهارة الواقعية و ان لم تكن موجودة في المورد للعلم بسبق النجاسة إلّا ان المكلف حيث كان متيقنا بالطهارة سابقا و شاكا فيها حين الصلاة فتكون له طهارة ظاهرية استصحابية

____________

[1]- لو حصل الاطمئنان بالخلل تم ما ذكر، و اما مجرد الظن فلا يكفي لإسقاط الشهادة بصدور ما ظاهره كبرى الاستصحاب عن الحجية لأن هذا الظن ناشئ من مجرد التهافت الداخليّ في فهم دلالات الحديث و ظهور (فرأيت فيه) في العلم بسبق النجاسة و ليس ناشئا من أمارة نوعية كأعراض المشهور مثلا على خلاف الشهادة فتكون الشهادة حجة و تثبت كبرى الاستصحاب و ان لم يعلم كيفية انطباقها على المورد.