بحوث في علم الأصول - ج1

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
128 /
3

الإهداء

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

إذا كان حقّا على المؤلفين، جعل مؤلفاتهم هدية إلى عظيم من عظماء البشر، فأيّ عظيم، أجدر بها من أشرف ولد آدم و سيد الأنبياء، محمد (صلوات اللّه و سلامه عليه و على آله) الهداة المعصومين، فأرجو يا سيدي أن تتقبل مني جهدي هذا، هدية لروحانيتك المقدسة و عظمتك الشامخة ثم التفضّل، بجعل ثوابها إلى روح حفيدك شهيد رسالتك، شهيد الإسلام في هذا القرن السيد محمد باقر الصدر، (قدّس سرّه)، الذي سأبقى مدينا له في كل ما أعرف و أكتب ..

فبلّغها اللّهمّ روحه الطاهرة بلاغا حسنا، و انفعني بها يوم الوفود عليك.

عبدك حسن‏

4

[مقدمة المؤلف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيد خلقه محمد و على آله الطاهرين، و بعد فقد لاحظت ما كتبه العلّامة الجليل ثقة الإسلام الشيخ حسن عبد الساتر دامت بركاته تقريرا لبحوثنا الأصولية فوجدتها تمثّل دروسنا و آراءنا في تلك المسائل و البحوث الأصولية التي كتبها بدقة و عمق و استيعاب و حسن بيان و بالتالي فهي تعبير عن جهد فكري و علمي جليل بذله الكاتب الفاضل من أجل توضيح معالم هذه المدرسة الأصولية و طبيعة بحوثها مضمونا و منهجا و هو جدير ببذل هذا الجهد الموفق لأنه من نوابغ أبنائها نباهة و فضلا و تدقيقا و اجتهادا. فنسأل المولى تعالى أن يتقبل منه جهده و يحفظ به و بالنابغين من جيله تراث أهل البيت (عليهم السلام) إنه ولي التوفيق.

14 محرم الحرام 1397 ه محمد باقر الصدر

5

[مقدمة الشارح‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

نفثة مصدور إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا و شفيعنا محمد و آله الهداة الطاهرين.

أما بعد: فإن ثلّة من الرجال لا يعيشون بين أممهم كأفراد، و إنما يعيشون و يموتون و هم يشكلون قضية، تلوّن مسيرة أممهم، بل تطبع سلوك هذه الأمم في الفكر، و العمل، و التوجهات.

إن اختراق هذا النموذج من الرجال، لحواجز و قوانين (الفردية)، لا يتأتى إلّا بعد توفر مواصفات و شروط صعبة، يندر أن تتوفر إلّا للأبدال من الناس، بل حتى هذه الشروط التي تسبب اختراق قوانين الفردية، تختلف و تتفاوت فيما بين مفردات هذه الثلة من الأبدال و لذا:

فمنهم: من يبرز في أمته كبطل وطني يفجر قضية الصراع بين أمته و أعدائها من غزاة خارجيين، أو طغاة محليين، و بهذا يرسم لشعبه طريق الخلاص.

و منهم: من يبرز في أمته كمفكر وطني، عند ما برسم لأمته أطروحة خلاصها من أعدائها، عبر صيغ فكرية تحدد مواقف الأمة، و تثرى مسيرتها، و تشحذ عزيمتها، و توفر لها بالتالي أسباب التحرر و الانعتاق.

شهد التاريخ مثل هذين النموذجين في أكثر أطواره و مراحله، و لكن قلّ و ندر أن شهد التاريخ نموذجا من الرجال، يقدم لأمته أطروحة تحررها، و وثيقة

6

شخصيتها و هويتها، ثم هو يتحرك على مستوى الترجمة لمضمون هذه الأطروحة، و قيادة أمته بهذا الاتجاه للوصول بها إلى أهدافها، و بهذا النموذج تبرز ظاهرة المفكر البطل القائد، بوضوح و قوة.

لقد كان السيد الشهيد، محمد باقر الصدر، (رضوان اللّه عليه)، مصداقا و ترجمة حيّة لظاهرة، المفكر القائد البطل، و ما انفكّ يتحرك على مستوى هذه الظاهرة، حتى توّج حياته بالشهادة في سبيل اللّه تعالى، كما كان الشهيد السيد الصدر علما في الفكر الإسلامي و الإنساني، قلّما يجود الزمان بمثله.

و إذا كان لم يتيسر للأمة الإسلامية بعد أن تفهم قيمة هذا الرجل العملاق في فكره و عطائه و خصبه، لظروف ذاتية و موضوعية، فإنّ السيد الشهيد الصدر، (قدّس سرّه)، سيتحول في المستقبل من أيام أمتنا الإسلامية، و على امتداد الوطن الإسلامي الكبير، إلى (قضية) من قضاياها الكبرى، و مصدر كما كان، تنهل منه الأجيال، و يستلهم منه مفكرو الأمة و أبطالها، الأصالة و الوضوح، و الثبات و الشموخ.

و إذا كانت شهادة محمد باقر الصدر (قده) و مظلوميته، و ما لاقى من العنت في سبيل اللّه تعالى، ستعجل في تحويله إلى قضية إسلامية، فإنّ محمد باقر الصدر (قده) سيتحول إلى ثأر تاريخي، تماما كما تحول جده الحسين سبط رسول اللّه (ص) في بداية تاريخ التجربة الإسلامية.

و يبدو أنّ توابي هذا العصر سيحملون راية المختار الثقفي، كي لا تتكرر سلبيات (عين الوردة) من جديد، و لكي لا يكون الزحف من أجل التكفير عن ذنب يؤنب ضمائرهم فقط، و إنما سيكون الزحف هذه المرة من أجل تحقيق أهداف السيد الشهيد الصدر (قده) في إعادة الأمة إلى أصالتها، و تحقيق هويتها الربانية و الإنسانية، و إرساء بنائها الشامخ، لتكون بالتالي كما أرادها اللّه تعالى، أمة وسطا، و شهيدة على الإنسانية، وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.

هذا مع يقين توّابي هذا العصر، بأن قضية الشهيد الصدر قد أضافت إلى قضيتهم الكبرى قضية، و أضافت إلى إصرارهم إصرارا و قوة، و هم واثقون بأن‏

7

اللّه تعالى سينصر رسله و الذين آمنوا، لا سيما المجاهدين الصادقين، في معركة الإسلام الكبرى التي يخوضونها ضد أعداء الإنسان و الإسلام و الحرية.

وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.*

و بعد: فقد قدّر لي أن أتشرف بحضور و كتابة البحوث العالية في الأصول في الدورة الأخيرة التي ختم بها السيد الشهيد الصدر حياته عام (1979) و من ثم توجّها بالشهادة.

و قد كان لتقريظ السيد الشهيد، و تشجيعه لي على المثابرة في كتابة هذه البحوث، و توفيق اللّه بحضورها على امتداد اثنتي عشرة سنة،- لا سيّما بعد أن رأى سماحته نموذجا منها- الفضل الأول و الأخير في نشرها، و إن حالت ظروف قاسية جدا دون إخراجها قبل هذا الوقت. و قد كان لاستشهاد سماحته الذي توّج به قمة عطاءاته المناقبية، ذروة القساوة، و قوة الصاعقة في نفسي، لما كان يمثل على الصعيدين الفكري و العملي في العالم الإسلامي أجمع.

و قد أجاد أستاذنا و رفيقنا السيد محمود الهاشمي في تقييمه المختصر لأبعاد شخصية سماحة السيد الشهيد الصدر (قده) حيث قال:

إن استيعاب أبعاد عظمة هذا العالم الرباني العامل، لا يتيسّر لأحد في مثل هذه الدراسة العاجلة لشخصيته، و لكن ذلك لا يعفينا من التعرض لأبرز معالم مدرسته العلمية و الفكرية التي أنشأها، و خرّج على أساسها جيلا من العلماء الرساليين و المثقفين الواعين و العاملين في سبيل اللّه، رغم قصر حياته الشريفة، و التي ابتلاه اللّه فيها بما ابتلى به العظماء من الصديقين و الشهداء و الصالحين.

و نحن نستعرض أهم مميزات هذه المدرسة التي ستبقى رائدة و خالدة في تاريخ العلم و الإيمان معا:

1- الشمول و الموسوعية:

لقد اشتملت مدرسة السيد الشهيد (قده) على معالجة كافة شعب المعرفة الإسلامية و الإنسانية، و لم تقتصر على الاختصاص بعلوم الشريعة الإسلامية من الفقه و الأصول فحسب. و رغم أن هذا المجال كان هو المجال الرئيس و الأوسع‏

8

من إنجازاته و ابتكاراته العلمية، فقد اشتملت مدرسته على دراسات في الفقه، و أصول الفقه، و المنطق، و الفلسفة، و العقائد، و العلوم القرآنية، و الاقتصاد، و التاريخ، و القانون، و السياسة المالية و المصرفية، و مناهج التعليم و التربية الحوزوية، و غيرها و مناهج العمل السياسي، و أنظمة الحكم و الإدارة، و غيرها كثير من مفردات المعرفة الإنسانية و الإسلامية المختلفة.

و قد كانت هذه الشمولية بالنسبة لسيدنا الشهيد، نتيجة طبيعية لما كان يتمتع به (قده) من ذهنية موسوعية و عملاقة، يمكن اعتبارها نكتة في جبين هذا القرن، لعلّ تاريخ العلم و العلماء قد حظي بمثلها في بعض القرون مما كان يشكل منعطفا تاريخيا في توجيه حركة العلم و المعرفة و ترشيدها، إذ كان (قده) آية في النبوغ العلمي، و اتساع الأفق، و قمة العبقرية الفذة كما شهد بذلك أساتذته و زملاؤه و تلامذته، و كل من اتصل به بشكل مباشر، أو التقاه من خلال مصنفاته و بحوثه.

2- الاستيعاب و الإحاطة:

من الخصائص ذات الأهمية البالغة في اتفاق النظرية أية نظرية بالمتانة و الصحة، خصيصة- الشمول و الاستيعاب، أي مدى ما تستوعبه النظرية من احتمالات متعددة، و ما تعالجه من جهات شتّى، مرتبطة بموضوع البحث، فإن هذه الخصيصة هي الأساس الأول في انتظام الفكر و المعرفة في أي باب من الأبواب، بحيث يؤدي فقدانها إلى أن تصبح النظرية مبتورة ذات ثغرات، ينفذ من خلالها النقد و التفنيد. و هذه الخصيصة كانت السمة البارزة في فكر السيد الشهيد (قده) بدرجة عالية، إذ إنه لم يتعرض لمسألة من المسائل العلمية، خصوصا في الفقه و الأصول و الفلسفة، إلّا و ذكر فيها من الصور و الاحتمالات ما يبهر العقول، حتى كانت هذه السمة بارزة حتى في أحاديثه الاعتيادية، فكان عند ما يتناول أي موضوع، و مهما كان بسيطا و اعتياديا، يصوغه صياغة علمية، و يخلع عليه نسجا فنيا، و يطبعه بطابع منطقي، مستوعبا لكل الاحتمالات و التفريعات حتى أنه يخيل لمن يستمع إليه أنه تحليل نظرية علمية، تستمد القوة و الأصالة و المتانة من مبرراتها، و أدلتها المنطقية.

9

3- الإبداع و التجديد:

إن حركة العلوم و المعارف البشرية و تطورها، ترتكز على ظاهرة التجديد و الإبداع التي تمتاز بها أفكار العلماء و المحققين في كل حقول المعرفة، و قد كان سيدنا الشهيد (قده) يتمتع في هذا المجال بقدرة فائقة على التجديد و التطوير فيما كان يتناوله من أبحاث علمية و نظرية، سواء على صعيد المعطيات، أو في الطريقة و الاستنتاج.

و لقد كان من ثمرات هذه الخصيصة أنه استطاع أن يفتح آفاقا للمعرفة الإسلامية لم تكن مطروقة قبله، بل كان هو رائدها الأول، و فاتح أبوابها، و مؤسس مناهجها، و واضع معالمها و خطوطها العريضة، و من ثمّ ستبقى المدرسة الإسلامية مدينة لهذه الشخصية العملاقة في شتّى فنون المعرفة الإسلامية و الإنسانية، لا سيّما في بحوث الفلسفة و الاستقراء، و منطق الاستقراء و اليقين الرياضي، و بحوث الاقتصاد، و التاريخ السياسي، في صدر الدولة الإسلامية.

4- المنهجية و التنسيق:

و من خصائص فكر سيدنا الشهيد (قده) منهجيته الفنية الفريدة و المتماسكة في جميع بحوثه التي تناولها بالدرس و التنقيح. و من هنا نجد أن طرحه للبحوث الأصولية و الفقهية يمتاز عن كافة ما جاء في دراسات و بحوث المحققين السابقين عليه، من حيث المنهجة و الترتيب الفني للبحث، فتراه يفرز الجهات و الجوانب المتداخلة و المتشابكة في كلمات الآخرين، خصوصا في المسائل المعقّدة التي تعصى على الفهم، و يكثر فيها الالتباس و الخلط، و يوضح الفكرة، و ينظمها و يحللها بشكل موضوعي و علمي، حتى تضحي من الواضحات، حيث لا يجد الباحث المختص نظيره في بحوث الآخرين.

و كان مما يميزه بجلاء الدقة في طريقة الاستدلال في كل موضوع، حيث كان يعتمد إلى جانب البرهان بالاستقراء و الوجدان، و لم يكن يكتفي و يقتصر على دعوى وجدانية المدّعى المطلوب إثباته فحسب، و إنما كان يستعين بتحريك‏

10

و إثارة هذا الوجدان في نفوس الباحثين و الطلاب، و ذلك من خلال منهج إقامة المنبهات الوجدانية عليه، كما ستواجه هذا بوضوح في تقريراتنا الأصولية.

5- النزعة المنطقية و الوجدانية:

و من مميزات فكر سيدنا الشهيد (قده) نزعته المنطقية و البرهانية في التفكير و الطرح، لا سيّما عند ما تكون تلك المعطيات البرهانية تنسجم و تتطابق مع الوجدان، و تحتوي على درجة كبيرة من قوة الإقناع و تحصيل الاطمينان النفسي بالفكرة. و لذلك لم يكن ليكتفي بسرد النظرية بلا دليل، أو كمصادرة، بل كان يقيم البرهان مهما أمكن على كل فرضية يحتاج إليها البحث حيث لم يتعسّر عليه، و لو مرة واحدة، صياغة البرهان الموضوعي عليه، و ذلك كالبحوث اللغوية، و العقلائية، و المعرفية.

و هذه الميزة، جعلت آراء و معطيات هذه المدرسة الفكرية ذات صبغة علمية و منطقية فائقة، ممّا يتعذّر توجيه أي نقد إليها بسهولة، كما جعلتها أبلغ في الإقناع و القدرة على إفهام الآخرين و تفنيد النظريات و الآراء الأخرى، مضافا إلى جعلها قادرة على تربية فكر روّادها، و بنائه بناء منطقيا و علميا، بعيدا عن مشاحة النزاعات اللفظية، أو التشويش و الخبط، و اختلاط الفهم، ذلك الخطر الذي تمنى به الدراسات و البحوث العلمية و العقلية العالية في أكثر الأحيان.

و في الوقت نفسه لم يكن يتمادى في هذا الفكر البرهاني المنطقي، في اعتماد الصياغات و الاصطلاحات الشكلية التي قد تربك تفكير الباحث و طريقته، فيبتعد عن الواقع، فيضطر لتبني نظريات يرفضها الوجدان السليم، خصوصا في البحوث ذات الملاك الوجداني و الذاتي التي تحتاج إلى منهج خاص للاستدلال و الإقناع.

فكنت تجده ينتهي من البراهين إلى النتائج الوجدانية، فلا يتعارض عنده البرهان مع مدركات الوجدان الذاتي السليم و كان في طريقة بحثه يدرك المسألة بحسّه الوجداني و الذاتي، ثم يصوغ لها من البرهان و الاستدلال المنطقي ما يكفي لدعمها علميا، و من ثمّ لا يشعر الباحث بثقل البراهين و تكلّفها، أو عدم تطابقها مع الذوق و الحسّ الوجداني للمسألة، كما وقع في هذا الخبط الكثير من‏

11

الأصوليين و الفقهاء المتأثرين بمناهج العلوم العقلية الأخرى.

و بهذا فقد استطاع بهذا الفكر العملاق، و بما أوتي من قدرة على التوفيق بين خصيصته المنطقية و العلمية في الاستدلال، و بين مراعاة المنهجية الصحيحة المنسجمة مع كل علم، أن يتناول في كل حقل من حقول المعرفة المنهج العلمي المناسب مع طبيعة ذلك العلم، من دون تأثر بالمناهج الغريبة عن ذلك العلم و طبيعته، و هذه خصيصة أساسية سوف نواجهها بجلاء أيضا في بحوثنا الأصولية القادمة.

6- الذوق الفني و الإحساس العقلائي:

الذوق حاسة ذاتية في الإنسان، يدرك بها جمال الأمور، و الذهنية العقلائية هي الأخرى التي يدرك بها الإنسان الطباع و الأوضاع و المرتكزات التي يبني عليها العرف و العقلاء، و يبني على أساسها الكثير من النظريات و الأفكار في مجال البحوث المختلفة كالدراسات التشريعية، و القانونية، و الأدبية، و هي غالبا ما تكون مجالا للبحث لا يمكن إخضاعها للبراهين المنطقية، أو الرياضية، أو التجريبية. و إنما تحتاج إلى حاسة الذوق الفني، و الذهنية العقلائية، و الحس العرفي الأدبي، و لأن هذه الخصائص كانت مائزا، و سمة بارزة لازمة في مدرسة السيد الشهيد (قده) بين هذه المفردات و غيرها من العلوم و المعارف، و من ثمّ تجده (قده) يتناول المسائل في المجال الأول معتمدا على الذوق الموضوعي، و الإدراك العقلائي المستقيم.

و بذلك استطاع أن يؤسس منهجا فريدا يتناسب مع مفردات هذا المجال و أن يؤسّس و يبدع طرائق الاستدلال الذوقي التي تعتمد الاستظهارات العرفية، و المرتكزات العقلائية.

و بذلك أبدع نهجا فقهيا موضوعيا في مجال الاستظهار الفقهي، خرجت على أساسه الاستظهارات من مجرد كونها مدّعيات و مصادرات ذاتية، إلى كونها مدّعيات و نظريات يمكن الإقناع و الاقتناع بها على أسس موضوعية.

أضحى من نافلة الكلام أن نقول:

12

إنه قلّما تجتمع النزعة البرهانية المنطقية في الاستدلال، مع الذوق الفني، و الحسّ العقلائي، و الذهنية العرفية في شخصية علمية واحدة، في الوقت الذي نجد أن العلماء الذين مارسوا و يمارسون المناهج العقلية و البرهانية من المعرفة، و يتفاعلون مع تلك المناهج و طرائق البحث، نجد أنهم لا يلتفتون، و قد لا يحسون بدقائق النكات العرفية، و الذوقية، و العقلائية، بينما يبنون معارفهم و آراءهم على أساس تلك المصطلحات البرهانية المكرورة التي اعتادوا عليها في تلك البحوث العقلية و غيرها، و هكذا الباحثون في العلوم الأدبية و القانونية و ما شابهها، قلّما يمارسون أو يجيدون صناعة البرهنة و الاستدلال المنطقي، بينما كان هذا مائزا و خصيصة قد امتازت بها مدرسة السيد الشهيد (قده) فهي في الوقت الذي جمعت فيه بين هاتين الخصيصتين اللتين قلّما اجتمعتا، فقد تمكنت من التوفيق الدقيق بينهما، و استخدمت كلّا منهما في مجاله المناسب دون ما تخبط أو إقحام ما هو خارج موردهما في مجالهما.

7- القيمة الحضارية لمدرسة السيد الشهيد الصدر (قده):

ليس عجيبا ممّن عرف السيد الشهيد (قده) و تلمّذ عليه فترة كبيرة، أن يدعي له أنه مجدد أو باعث هذا الدين في هذا القرن، مصداقا لما ورد، و مضمونه أن اللّه تعالى يبعث على رأس كل قرن من يجدد هذا الدين، أو يبعثه، أو كما قال، لا سيّما و قد ادعي هذا المضمون لمن يصح أن يكون تلميذا للسيد الشهيد (قده) من علماء المسلمين.

و لذلك فنحن و بقية الطليعة الفكرية في المسلمين قاطبة بل و فئة يعتد بها من غير المسلمين، نعتقد أن سيدنا الشهيد (قده) كان تحديا حضاريا معاصرا عند ما استطاع بمدرسته التصدّي لنسف أسس الحضارة المادية لإنسان العصر الحديث، بينما قدّم الحضارة الإسلامية شامخة نقية على أسس علمية ثابتة، ضمن بناء شامل و متماسك، استطاع من خلاله أن ينازل الفكر الحضاري الآخر كأقوى و أمتن من خاض غمار هذا المعترك، كما عبّر عنه المفكر العربي أكرم زعيتر.

و قد وفق سيدنا الشهيد (قده) لتفنيد كل مزاعم و أسس الحضارة المادية

13

المعاصرة، و أن يخرج من هذا ظافرا مظفرا، و بانيا لصرح المدرسة الإسلامية العتيدة، و المستمدة من منابع الإسلام الأصيلة و المتصلة بوحي السماء و لطف اللّه بهذا الإنسان.

هذه نبذة مختصرة عن معالم مدرسة هذا الفقيه المرجع، و الفيلسوف، و العارف الرباني، و المجاهد الشهيد، هذه المدرسة التي أسسها و أشادها لبنة لبنة، بفكره، و نماها مرحلة مرحلة بجهوده العلمية المتواصلة، و هي بمجموعها تعبر عن البعد العلمي الذي هو أحد أبعاد هذه الشخصية العظيمة الفريدة في تاريخنا المعاصر.

أمّا أنا يا سيدي، يتيمك، فإن وجداني يعجز عن استيعاب كل أبعاد شخصيتك، و قد لا يجوز لأمثالي الغوص في محيطك اللجي، و إنما مثلي يتعلم السباحة على شاطئ بحرك، و إن قلمي لعاجز كالأطفال عن رسم مناقبك و فضائلك القدسية. و إنما مثلي معها كمن يتلمس السحاب البعيدة الثقال، و عذري في ذلك يا سيدي قصور في ذهني أن يوفيك بعض خصائصك و خصالك، و محدودية في طاقتي أن أبلغ بعض شموخك، و يقيني يا سيدي أنك:

ستبقى القمة الشامخة، التي يتقزّم إلى جانبها أدعياء الحضارة و الكلمة.

و ستبقى النبع الخالد الثرّ الذي يمد الحضارة و الفكر بما يلزم.

و ستبقى الصدر و المصدر في توجيه طلائع الفكر و الحركة الإسلامية.

هكذا و أكثر من ذلك، سيبقى فكرك و منهجك متجذرا في وجدان طلابك و أيتامك، يتحدّى الفكر، و الحضارة، و الكلمة، و الزمن.

فعذرا إليك سيدي إن اقتصرت على جانب واحد من جوانب عظمتك، ذلك لأنني عشت معه ردحا من الزمن، و عرفته معرفة مباشرة، و تغذيت من ينبوعه الثرّ ما وسعني التزود العلمي و الفكري و الروحي.

و أين مني يا سيدي بلوغ الجوانب الأخرى من حياتك المباركة، و جهادك المقدّس، و تقواك العلوية، و زهدك في دنياك، و استعدادك للتضحية في سبيل‏

14

رسالتك و أمتك، و دورك القيادي الرائد في حمل أعباء الإسلام الذي ختمته ببذل دمك الطاهر في سبيل اللّه تعالى.

أين مني كل هذا يا سيدي، و لا أبلغ عشر عشره!.

أجل يا سيدي، كنت عظيما على العظماء و سيدا حقا في كل منقبة، و قد حكيت أجدادك المعصومين في كل بطولة، كما تحكي الفروع الأصول.

و هكذا عشت عظيما و استشهدت عظيما!.

فسلام اللّه عليك أيها الإمام الشهيد، يوم ولدت، و يوم نشرت الحق، و أسّست أصول العلم و المعرفة و الإيمان، و يوم جاهدت أعداء الإنسانية للذّود عن كرامة الأمة، و يوم استشهدت بيد أخسّ و أنجس خلق اللّه في هذا العصر.

و سلام عليك يا سيدي يوم تبعث حيّا مع آبائك و أجدادك رسول اللّه (ص)، و علي و الحسين (ع) و سائر الشهداء و الصدّيقين و حسن أولئك رفيقا.

و أمّا هذه البحوث التي بين يديك، فهي مجموعة الدراسات التي ألقاها سيدنا الشهيد الصدر (قده) في علم الأصول، في الدورة الثانية، حسب منهج الدراسات العليا لبحوث هذا العلم خلال ما يقارب الاثنتي عشرة سنة، قدّر لي أن أوفق لحضورها و تلقيها و تقريرها، من أولها إلى آخرها.

أسأل اللّه تعالى أن يوفقني لنشرها، عساها تكون رائدة في حركة هذا العلم، مساهمة في تطويره، ينتفع بها العلماء و المحققون الذين سوف يجدون فيها الكثير من التجديد و الإبداع في المنهج و المعطيات.

و قد رأيت أن أفرد هذا التمهيد، و تقسيم مباحث هذا العلم، و هذا التقييم الموجز لمدرسة السيد الشهيد الصدر (قده) في جزء خاص، و من ثمّ أتبعه بالجزء الثاني مستوعبا فيه تمام بحوث الوضع، و معاني الحروف و النسب و الأسماء، و من ثمّ تتلاحق بقية البحوث في مجموعتين لتستوعب في المجموعة الأولى مباحث الدليل اللفظي، و في المجموعة الثانية مباحث الأصول العملية.

15

و هنا أسأل اللّه تعالى أن يوفقني لإكمال هذه الدراسة، كما أسأله تعالى أن يتغمّد سيدنا الشهيد العظيم بواسع رحمته، و فسيح جنانه، و أن يجمعني معه في مستقر رحمته، مع جده رسول اللّه (ص) و آبائه الأئمة المعصومين، و الأنبياء و الشهداء و الصديقين، و حسن أولئك رفيقا.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

حسن عبد الساتر بيروت في 1 شعبان المعظم 1411 هجرية

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

تمهيد:

بسمه تعالى‏ جرى ديدن علمائنا أن يبحثوا في مقدمات العلم الذي يراد بحثه، و من هنا فقد بحثوا في مقدمة علم الأصول عن عدة أمور تمهيدا للدخول في مسائله:

الأمر الأول:

يتكفّل جهات ثلاث يحدد في أولاها تعريف علم الأصول، و في الثانية موضوعه، و في الثالثة تقسيمات مباحثه.

الجهة الأولى: [تعريف علم الأصول‏]

أما البحث في الجهة الأولى فقد وقع النزاع فيها بين المحققين في إعطاء صيغة محددة، و تعريف جامع مانع لمسائل هذا العلم، و ذلك لأنّ عملية الاستنباط التي يمارسها الفقيه، تعتمد على مقدمات عديدة لا بدّ له من تحقيقها، و الفراغ من صحتها، كيما يتوصل إلى النتيجة الفقهية، و يحصّل الحجة على الحكم الشرعي، و هذه المقدمات الدخيلة في عملية الاستنباط مختلفة في طبيعتها، و مختلفة في مصادرها التي تؤخذ منها.

فهنالك مقدمات تطلب من علم الحديث كما لو كان المدرك الذي يستند إليه الفقيه في عملية الاستنباط رواية خاصة، فإنها لا بدّ و أن تؤخذ من كتب الحديث و مصادره.

و هنالك مقدمات تطلب من علوم اللغة فيما إذا احتاج إلى تحديد المعنى اللغوي لكلمة معينة ورد ذكرها في النص الذي توقفت عليه عملية الاستنباط.

و هنالك مقدمات يستمدها الفقيه من علم الرجال، كما في الروايات التي‏

18

ينقلها آحاد الرواة، حيث لا بد من إثبات وثاقتهم و ضبطهم في النقل، كي تتم عملية الاستنباط.

و هنالك غير ذلك من المقدمات التي يواجهها الفقيه، و هو يمارس عملية الاستنباط بسلام، و لا تبقى ثغرة فيها.

و بإزاء هذه المقدمات كلها يواجه الفقيه مقدمات من نوع آخر أكثر ارتباطا بعملية الاستنباط، و دنوّا منها، و هي المصطلح عليها بالمسائل الأصولية، و التي تكفّل علم الأصول بتجميعها، و تنسيقها، و توفيرها في يد الفقيه.

فيا ترى هل أن هذه المقدمات الدخيلة في عملية الاستنباط اجتمعت في هذا العلم من غير معاد، و من غير رابط حقيقي يربط فيما بينها، و يميزها عن غيرها من مقدمات الاستنباط.

و إنما جمعت تحت هذا العنوان نتيجة عدم تكفّل سائر العلوم و المصادر للبحث عنها، فاضطرّ إلى لمّ شتاتها، و جمع متفرقاتها، في إطار موحد، و إن لم يكن بينها وحدة في المضمون؟.

أو إنّ هنالك مائزا حقيقيا لهذه المقدمات، يقوّمها و يميّزها عمّا عداها ممّا يحتاج إليه الفقيه في عملية الاستنباط، و بذلك تستحق أن تكون علما برأسه، له تعريفه الخاص، و طبيعته المتميزة عن سائر العلوم!؟.

إذن فالتعريف الصحيح لهذا العلم، لا بدّ و أن يقوم على أساس إبراز المائز و المقوّم الحقيقي لمسائل هذا العلم عن غيرها من المسائل التي ترتبط بها عملية الاستنباط، كي يكون تعريفا جامعا مانعا، و في هذا المجال نستعرض أهم التعريفات التي ذكرها المحققون لتعريف هذا العلم، و تمييز مسائله:

19

التعريف المشهور

و نبدأ بالتعريف الرئيس و المشهور الذي أورده المحقق الخراساني في كفايته، حيث عرف الأصول بأنه:

العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي.

و قد اعترض على هذا التعريف باعتراضات ثلاث:

... الاعتراض الأول على التعريف المشهور:

إنّ هذا التعريف لم يأت بمائز لمسائل علم الأصول عن المقدمات الأخرى التي تشترك مع مسائل علم الأصول في عملية الاستنباط، فإنها جميعها قواعد ممهدة لاستنباط الحكم الشرعي سواء أ كانت تطلب من علم الرجال مثلا، كالمقدمة المتكفلة لإثبات وثاقة الراوي، أو كانت تطلب من علم الأصول كمسألة حجية خبر الواحد الثقة.

و قد حاول المحقق النائيني أن ينتصر لهذا التعريف، فأجاب على هذه المناقشة بأنه يمكن إضافة قيد الكبروية في التعريف‏ (1)، فيقال:

إنّ علم الأصول هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي، و التي تقع كبرى في. قياس الاستنباط. و هذا القياس هو الذي يترتب عليه النتيجة المستنبطة أي الحجة على الحكم الشرعي.

فكل مقدمة من مقدمات الاستنباط، تحتل مركز الكبرى في القياس الاستنباطي، فهي من مسائل علم الأصول، نظير مسألة حجية خبر الثقة التي تقع‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي ج 1 ص 3، فوائد الأصول: ج 1 ص 3 العلامة الكاظمي.

20

كبرى في القياس لصغرى يأخذها الفقيه من علم الحديث و الرجال.

و كل مقدمة لا تحتل مركز الكبرى فهي ليست من مسائل علم الأصول من قبيل مسألة وثاقة الراوي التي لا تكون إلّا صغرى في القياس.

و هكذا حاول المحقق النائيني أن يدخل تعديلا لإصلاح التعريف المشهور، إلّا أن هذا التعديل لا ينفع في المقام، لأنه و إن أصلح التعريف هذا من جهة إخراج بعض المقدمات الغير أصولية، لأنها لا تقع كبرى في قياس الاستنباط، كمسألة وثاقة هذا الراوي أو ذاك، إلّا أنه أخرج كثيرا من المسائل الأصولية، و التي تتدخل في عملية الاستنباط. فقد أخرج:

أولا: المسائل المرتبطة بتشخيص ظواهر بعض الألفاظ أو الصيغ: كصيغة الأمر، أو النهي، أو الجملة الشرطية، أو أدوات العموم أو الإطلاق، و نحو ذلك، فهي مسائل من صميم علم الأصول، مع أنها لا تقع كبرى في قياس الاستنباط، بل غايتها أنها تثبت صغرى الظهور التي تحتاج إلى ضم كبرى حجية الظهور إليها، كي يتوصل إلى النتيجة الفقهية، و الحجة على الحكم الشرعي.

ثانيا: مسألة اجتماع الأمر و النهي: فإنها ممّا يبحث عنها في علم الأصول، على الرغم من أنها لا تشكل إلّا صغرى القياس الاستنباطي، سواء قلنا بامتناع الاجتماع أو بجوازه، فإنّ نتيجة القول بالامتناع، و عدم إمكان عروض الأمر و النهي على مورد واحد، هي أن خطابي الأمر بالصلاة مثلا، و النهي عن الغصب، متعارضان لا يجتمعان في مورد واحد هو مورد الاجتماع، و هذا لا يكون إلّا صغرى تحتاج إلى تطبيق كبرى التعارض بين الدليلين عليها، لإنتاج الحكم الشرعي. كما أن نتيجة القول بالإمكان و جواز الاجتماع هو عدم التعارض بين الخطابين، و بالتالي تمامية الإطلاق فيهما، و هذا يكون صغرى محتاجة إلى تطبيق كبرى حجية الإطلاق في التوصل إلى الحكم الشرعي.

ثالثا: مسألة أن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده: فإنها من مباحث علم الأصول مع أنها لا تقع كبرى في قياس الاستنباط.

و ثمرة هذه المسألة أن الضدّ فيما إذا كان عبادة مزاحمة بواجب آخر

21

كالصلاة في وقت الإزالة، هل يقع صحيحا مع فعلية الأمر بالإزالة- الضد الآخر- أو يقع من دون أمر، و يكون فاسدا باعتبار أن الأمر بالضد يقتضي النهي الغيري عن الضد الآخر، و هو يقتضي ارتفاع الأمر بالعبادة و فسادها؟.

فمن يقول بالاقتضاء: يحقق بهذه المسألة صغرى لتوجه النهي الغيري إلى العبادة المحتاجة إلى تطبيق كبرى فوقها، كي يتوصل إلى الحكم الشرعي، و هذه الكبرى هي أن النهي عن العبادة مفسد لها.

و من ينكر الاقتضاء: يحقق صغرى، هي بقاء الأمر الشامل للضد بإطلاقه و التي لا بد و أن ينضم إليها كبرى يتوصل بها إلى الحجة على الحكم الشرعي، و هذه الكبرى هي حجية الإطلاق في المقام، فإنه و إن قلنا بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده، لكن هذا لا يوصل إلى حكم شرعي إلّا بتوسط مسألة أصولية أخرى، و هي مسألة أنّ النهي عن العبادة يقتضي فسادها، فمسألة الأمر بالشي‏ء تحقق صغرى لمسألة أنّ النهي عن العبادة يقتضي فسادها.

و هكذا يتضح أن التعديل الذي أورده المحقق النائيني على التعريف، لا يجدي في تصحيحه، و دفع المؤاخذة عليه.

و ربما يحاول في بعض الكلمات أن يوجّه صحة التعريف من دون إدخال قيد الكبروية، و ذلك عن طريق الاستعانة بكلمة (ممهدة). فالمسائل الأصولية هي تلك المقدمات التي قد مهدت لغرض الاستنباط خاصة. فيخرج بذلك ما لم يكن قد مهّد لذلك، و إنما مهد لأغراض أخرى كعلم العربية و نحوها.

و لكن هذا الاستدراك لو استطاع أن يفي بإصلاح التعريف، و إخراج كل تلك المقدمات حتى ما كان من قبيل قواعد الحديث و الرجال التي قد يقال إنّ الغرض من تمهيدها هو الاستنباط أيضا، فهو غير مجد أيضا، و ذلك لأنه لا يتضمن إعطاء مائز موضوعي، و قاسم مشترك- جامع- حقيقي لمسائل علم الأصول، بحيث يكون ثابتا لها في نفس الأمر و الواقع، و إنما كانت من الأصول لأنها قد جمعت من قبل علماء الأصول.

22

... الاعتراض الثاني على التعريف المشهور:

إنّ هذا التعريف لا يشمل المسائل الأصولية التي تنتج حكما شرعيا، و إنما تنتهي إلى ثمرة عملية للمكلفين من قبيل مباحث الأصول العملية التي هي من أمهات المباحث الأصولية، على الرغم من أنها لا تكون في طريق إثبات الأحكام الواقعية، و إحرازها، لأنها ليست ناظرة إلى الواقع، بل هي معذرة لا أكثر.

و قد أدّى هذا الاعتراض لدى صاحب الكفاية، إلى أن يضيف قيدا- أو التي ينتهي إليها في مقام العمل- (1) على التعريف كي يكون شاملا لمسائل الأصول العملية. إلّا أنّ هذه الإضافة ليست في واقعها تعديلا في التعريف، و إصلاحا له، لأنّ إضافة هذا القيد لا يحقق جامعا، و ضابطا حقيقيا، تنطوي فيه مسائل علم الأصول، بل غاية ما تعني هذه الإضافة أن التعريف كان ناقصا غير شامل لقسم من مسائل الأصول فأريد إدراجها في التعريف مستقلا بكلمة- (أو)- و هذا ليس علاجا للتعريف، و لم يجعله جامعا مانعا، و إلّا لأمكن من أول الأمر عطف كل المسائل المبحوث عنها في الأصول، و درجها في التعريف بكلمة (أو). فيقال بأن الأصول علم بمسائل الألفاظ، أو الملازمات العقلية، أو الأصول العملية، أو غير ذلك من مسائل علم الأصول و كيف كان، هنالك محاولتان لدفع هذه المناقشة عن التعريف:

المحاولة الأولى: ما أفاده المحقق النائيني (قده)، من أن المقصود باستنباط الحكم الشرعي ليس هو استنباط الحكم الواقعي في الشريعة، و إنما المراد الأعم من الحكم الواقعي و الظاهري الذي يثبت في موارد الأصول العملية التي لا تثبت الواقع.

و عليه فالتعريف جامع لمسائل الأصول العملية أيضا (2). و لكن هذه المحاولة غير تامة لأنها و إن أصلحت التعريف في شموله للأصول العملية

____________

(1) حقائق الأصول: ج 1 ص 15- 16 للسيد الحكيم.

(2) أجود التقريرات: ج 1 ص 4 للخوئي.

23

الشرعية التي هي أحكام شرعية، و لكنها لا تدفع المناقشة كاملة إذ تبقى الأصول العملية العقلية التي ليست بأحكام شرعية، لا واقعية و لا ظاهرية، على الرغم من أنها مسائل أصولية.

المحاولة الثانية: ما أفاده المحقق الخوئي (قده) و هي أن ندخل تعديلا على التعريف، و ذلك بأن نقصد بكلمة- الاستنباط- التوصل إلى الحجة على الحكم الشرعي، و يكون المراد بالحجة الأعم مما يكون حجة في مقام التنجيز للحكم الشرعي، أو التعذير عنه. و إذا أردنا التحفظ على معنى كلمة الاستنباط- فنتصرف في متعلقه و هو الحكم الشرعي المستنبط، فنريد به الحجة على الحكم، لا نفس الحكم‏ (1).

و بذلك تدخل الأصول العقلية باعتبارها حججا و منجزات و معذرات عن الأحكام الشرعية.

و قد ذكر هذا التعديل المحقق الأصفهاني، و أشكل عليه السيد الأستاذ- دام ظله- (2) بأنه لا يشمل إلّا ما كان الحكم الواقعي إلزاميا، و كان الأصل موافقا له، أو مخالفا فيكون منجزا أو معذرا، و أما إذا كان الواقع ترخيصا، أو عدم حكم، فلا يكون الأصل حجة على حكم شرعي. و لكن هذا الإشكال غريب في بابه، فإن الفقيه إذا ما استنبط الحجة على إثبات الأحكام الإلزامية، كذلك ينبغي أن يستنبط الحجة على الترخيص و انتفائها.

و علاوة على ذلك فإنّ صياغة الإشكال في غير محلها، إذ ليس المقصود بالحجة على الحكم، الحجة على الحكم الموجود في الواقع حتى إذا ما فرض عدمه واقعا يخرج الحجة عن كونه حجة على الحكم الشرعي.

ثم إنّ كلا هذين التعديلين لتصحيح التعريف، و إدخال الأصول العملية، يؤديان إلى اندراج مبحث القطع في مسائل علم الأصول، لأنه بحث عن الحجة

____________

(1) الأصفهاني- الأصول على النهج الحديث: ص 4.

(2) محاضرات في أصول الفقه: ج 1 ص 10 فياض.

24

و المنجز و المعذر، و إن كانت الحجية ذاتية مع أنهم ملتزمون بخروج مبحث القطع منها.

... الاعتراض الثالث على التعريف المشهور:

إنّ هذا التعريف يشمل ما ليس من مسائل علم الأصول من قبيل القواعد الفقهية التي يستنبط منها أحكام فرعية (1)، كقاعدة التجاوز و الفراغ، و قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، قاعدة نفي العسر و الحرج و الضرر، و نحو ذلك من القواعد الفقهية، و التي لا يبحث عنها في علم الأصول، فإنها كلها قواعد تمهد لاستنباط الحكم الشرعي منها.

و هذه المؤاخذة على التعريف غير صحيحة أيضا، و ذلك باعتبار أن هذه القواعد الفقهية على قسمين:

أ- منها ما يكون قواعد للانتهاء إلى إحراز صغرى الحكم الشرعي من قبيل قاعدة الفراغ و التجاوز، و أصالة الصحة و نحوها، فإنها لا تنتج أحكاما كلية، و إنما تنتج موضوعات الأحكام، و بذلك يكون إخراجها عن التعريف واضحا، لأنها ليست لاستنباط الحكم الشرعي كما هو المفروض في التعريف.

ب- و منها القواعد الفقهية التي يستفاد منها أحكاما شرعية كلية، من قبيل قاعدة نفي العسر و الحرج التي يستفاد منها عدم وجوب الوضوء إذا كان حرجا على المكلف.

و كذلك قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، و التي تنتج أن المقبوض بالبيع الفاسد فيه الضمان، لأنّ البيع يضمن بصحيحه فيثبت الضمان في فاسده أيضا.

و هذه القواعد أيضا خارجة عن التعريف لأنّ المأخوذ في التعريف القواعد التي يستنبط منها حكم شرعي، و المقصود بالحكم الشرعي الجعل الشرعي، فلا بد أن تكون القاعدة التي يمهدها الفقيه في طريق إثبات جعل شرعي أو إقامة

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه: ج 1 ص 10 فياض.

25

الحجة و هذا يرد بناء على تعديل التعريف في رفع المفارقة السابقة- و هذا يستتبع أن يكون ذلك الجعل الشرعي مغايرا مع تلك القاعدة التي وقعت في طريق استنباطه، و هذا لا يصدق على القواعد الفقهية، و إنما يصدق على القواعد الأصولية فقط، كحجية خبر الثقة، و الأصول اللفظية و العملية، و نحوها ممّا تكون قواعد في طريق استنباط جعول واقعية، و إلّا فنفس هذه القواعد الشرعية هي جعول، و المفروض أن تنتج جعولا، و نوضح ذلك في مثالين للقواعد الفقهية:

المثال الأول:

قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده: فإنها و إن كانت يستفاد منها كبرى الضمان في البيع الفاسد، لكن هذه الكبرى ليست جعلا آخر استنبط من خلال تلك القاعدة، و إنما هي نفس تلك القاعدة، و جزء من مدلولها الضمني أفرزناه بالتحليل و التطبيق على حصص الموضوع، فلا يصدق عليها أنها قاعدة مهدت لاستنباط جعل آخر ورائها، كما كان ذلك في المسائل الأصولية.

المثال الثاني:

قاعدة نفي العسر و الحرج: فإنها أيضا لا تقع في طريق استنباط جعل آخر ورائها، و إنما هي بنفسها حكم شرعي كلي مجعول لنفي الأحكام الحرجية و رفعها، و يستخلص منها بالتطبيق و التحليل لمدلولها الضمني، حصصا متعددة دون أن تكون تلك الحصص جعولا أخرى يتوصل إلى إثباتها، أو إقامة الحجة عليها بتلك القاعدة.

نعم ربما تقع هذه القاعدة في طريق إثبات مسألة أصولية كما يستدلّ بها لإثبات البراءة، و عدم الاحتياط التام على فرض انسداد باب العلم و العلمي، و حينئذ بهذا اللحاظ تكون في طريق استنباط حكم شرعي لا محالة، و لا بأس باندراجها في مسائل علم الأصول، و البحث عنها في مثل ذلك‏ (1).

____________

(1) و هذا يستدعي منهم أن يبحثوا ضمن مسائل الأصول عن قاعدة نفي العسر و الحرج، بل-

26

و أما قاعدة الطهارة فهي على ضوء هذا التعريف ينبغي إدراجها في مسائل علم الأصول أيضا، لأنها يستفاد منها في الشبهات الحكمية، الحجة على الحكم الشرعي المجهول، كأصالة الحل و البراءة.

و على هذا الأساس التزم بعضهم بكونها من مسائل هذا العلم أيضا، و إنما لم يبحث عنها فيها لوضوحها و التسالم عليها، و هكذا اتّضح أن الاعتراض الموجّه على هذا التعريف المشهور، هو الاعتراض الأول فقط، و الذي كان يقول إنّ التعريف يعمّ جميع المقدمات و القواعد التي تقع في طريق إثبات الحكم الشرعي، و إقامة الحجة عليه، و هي أعم من مسائل علم الأصول.

و لعلّه من أجل ذلك عدل بعضهم عن هذا التعريف المشهور إلى تعريفات أخرى، و أدخلوا فيها تعديلات و إصلاحا للعيب الذي استبطنه هذا التعريف.

و نحن نتعرّض فيما يلي لما ذكره كل من السيد الأستاذ- دام ظله- و المحقق العراقي في مقام إصلاح صيغة التعريف، و إعطاء جامع حقيقي لمسائل علم الأصول يميزها عن غيرها من المقدمات التي تدخل في عملية الاستنباط.

____________

- عن كل قاعدة فقهية تستطيع أن تثبت أو تنفي حكما ظاهريا، فإنها تكون في طريق حكم واقعي ورائها، فتكون أصولية مع أنهم لا يعترفون بذلك. (المؤلف).

27

ما ذكره السيد الأستاذ- دام ظله- لتعريف علم الأصول‏

و أما السيد الأستاذ- دام ظله- فقد حاول أن يميز المسائل الأصولية بأنها القواعد التي تمهد للاستنباط، و التي يصلح كل منها أن يقع بمفرده، و من دون حاجة إلى ضم أي قاعدة أصولية أخرى في طريق استنباط الحكم‏ (1)، و على هذا الأساس حكم بالأصولية لكل مسألة لا تحتاج إلى ضم مسألة أصولية أخرى إليها في مجال الاستنباط و إنتاج الحكم، من قبيل مسألة حجية خبر الثقة التي تصلح بمفردها أن يستنبط منها الحكم الشرعي من رواية الثقة، دون حاجة إلى مسألة أصولية أخرى. و كذلك من قبيل أصالة البراءة و ظهور الأمر في الوجوب و نحوها من المسائل التي تصلح أن تكون بمفردها، و من دون حاجة إلى قاعدة أصولية أخرى، أن تقع في طريق إثبات الحكم الشرعي.

فمثل هذه القواعد و المسائل الصالحة بانفرادها لاستنباط الحكم تكون داخلة في علم الأصول لدى السيد الأستاذ.

أما إذا كانت المسألة بحاجة إلى ضم مسألة أخرى أصولية إليها، لكي يمكن استنباط الحكم منها، فلا تكون مسألة أصولية من قبيل وثاقة الراوي، فإنها بمفردها لا تنتج الحكم بل لا بدّ من أن يضمّ إليها قاعدة أصولية أخرى مثل حجية خبر الثقة التي هي من مسائل علم الأصول، كي يتم إنتاج الحكم الشرعي، و كذلك دلالة كلمة الصعيد على المعنى الأعم، و غيرها من أبحاث اللغة العربية- فإنها بمفردها لا تصلح لأن تقوم بعملية الاستنباط. بل لا بد علاوة على ذلك من الاستعانة بمسألة أصولية أخرى من قبيل ظهور صيغة الأمر في قوله تعالى‏ فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* و دلالته على الوجوب.

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه: ج 1 ص 8 فياض.

28

هذا ما أفاده السيد الأستاذ- دام ظله- في إعطاء المائز الحقيقي بين مسائل علم الأصول و المسائل الأخرى، ثم أورد على نفسه بعض الاعتراضات، و أجاب عليها، نقتصر في المقام على ذكر اثنين منها:

الاعتراض الأول‏ (1):

أ- هو أنه بناء على هذا التفسير يلزم أن لا تكون مسألة دلالة الأمر على الوجوب، و ما يناظرها من مباحث الدلالات، داخلة في مباحث علم الأصول، لأنها بحاجة دائما إلى ضمّ كبرى حجية الظهور إليها، لكي ينتهي بها إلى استنباط الحكم، إذ لا يمكن الاكتفاء بها وحدها في ذلك.

و أجاب عن ذلك:

بأن الأمر و إن كان كذلك، غير أن مسألة حجية الظهور ليست من مسائل علم الأصول، و لا يبحث فيها عن كبراها أصلا، بل هي قاعدة عقلائية واضحة مركوزة بالبداهة لدى كل شخص، فليست مسألة دلالة الأمر على الوجوب مثلا، محتاجة إلى مسألة أصولية كي يكون نقضا على ما ذكرناه لتميّز علم الأصول.

الاعتراض الثاني:

ب- و أورد ثانيا على نفسه النقض بمسألة اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده، فإنها مسألة أصولية رغم افتقارها إلى مسألة أصولية أخرى و هي مسألة أن النهي عن العبادة يقتضي الفساد كي يتم الاستنباط، و لا تكفي بمفردها لذلك.

و أجاب عن ذلك:

إنّ هذه المسألة و إن كانت بحاجة إلى مسألة أصولية أخرى في إنتاج الحكم ببطلان عبادة الضد، و لكن على القول بعدم الاقتضاء لا تحتاج إلى ضم مسألة أصولية أخرى، بل تكفي نفس هذه المسألة و هي أن الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضده، كي تنتج بمفردها الحكم بصحة عبادة الضد.

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه: ج 1 ص 9. فياض‏

29

و يكفي لصيرورة المسألة أصولية أن تحتوي على خصائص المسألة الأصولية على أحد التقادير و الأقوال فيها، أي يكفي في صحة إدراج مسألة في مسائل علم الأصول، أن تكون صالحة لأن تقع بمفردها في طريق الاستنباط و لو على أحد القولين، أي النفي و الإثبات.

و هكذا حاول السيد الأستاذ- دام ظله- أن يتخلص مما كان قد ورد عليه من النقض على المائز الذي أفاده في تعريف مسائل علم الأصول‏ (1).

____________

(1) و يكفي في الرد عليه: إنّ هذا التعريف تعريف دوري، بجعل المسألة الأصولية ما لا تحتاج إلى مسألة أصولية أخرى، و مثل هذا التعريف لا يجدي إلّا لمن يحدّد مسبقا ما يكون من مسائل الأصول و ما لا يكون.

أما أن يتحدد بهذا التعريف مسائل علم الأصول فهو غير ممكن، لأنه يدور في حلقة مفرغة، حيث لا بد في التعريف أن يفهم ما هي مسائل الأصول ليتبنّى احتياج المسألة الأصولية إلى مسألة أصولية أخرى، أو عدم احتياجها إلى مسألة أصولية أخرى.

و لكن قد يجاب على هذا الإشكال بأن المقصود هو أن المسألة الأصولية إذا لم تكن بحاجة إلى مسالة أخرى غير صغراها التي تنقح موضوعها فهي مسألة أصولية و هذا لا دور فيه. (المؤلف).

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

نقض ما ذكره السيد الأستاذ- دام ظله- على ضوء الاعتراضات الثلاث التي وجهت للتعريف المشهور

و لنأخذ ما ذكره السيد- دام ظله- بالدرس على ضوء الاعتراضات الثلاث التي وجهت إلى التعريف المشهور، لنرى هل يسلم منها هذا التعريف و يتخلص من مشاكلها أم لا؟.

و هل يمنى بشي‏ء منها كما مني التعريف المشهور أم لا؟.

الاعتراض الأول:

و لنبدأ بالاعتراض الأول الذي كان يقول إنّ التعريف ليس جامعا مانعا، لأنه لا يبرز مائزا محددا يلمّ بمسائل الأصول كلها، و يمنع من دخول غيرها، فنقول:

إنّ هذه المؤاخذة متوجهة أيضا على ما ذكره- دام ظله- للتميز بين مسائل علم الأصول و غيرها ممّا يتدخل في عملية الاستنباط.

و لتوضيح ذلك نذكر فيما يلي تعليقات ثلاث على كلامه- دام ظله- تبرز انثلام المائز الذي أفاده في جهة من الجهات، و عدم صلاحيته، لكي يكون تعريفا لعلم الأصول:

التعليقة الأولى:

و نتساءل فيها ما المقصود من كون المسألة تقع بمفردها و من دون حاجة إلى مسألة أصولية أخرى في طريق الاستنباط؟ هل المقصود أن تكون كذلك دائما في جميع الحالات، أو يكفي كونها كذلك و لو في مرة واحدة بنحو الموجبة الجزئية؟.

32

فإن قيل بالأول: لزم منه خروج أكثر مسائل الأصول عن علم الأصول، لأنها في أكثر الأحيان يحتاج بعضها إلى بعض في مجال الاستنباط.

فمثلا: لو كانت ثمة رواية ظنية السند و ظنية الدلالة على وجوب الجمعة، فحينئذ تكون مسألة دلالية الأمر على الوجوب التي هي من مسائل علم الأصول محتاجة في مثل هذا المورد إلى مسألة حجية خبر الثقة- التي هي أيضا من مسائل علم الأصول- كي تتم عملية الاستنباط، فينبغي أن لا تكون مسألة أصولية، و كذلك مسألة حجية الخبر حيث احتاجت إلى مسألة دلالية الأمر على الوجوب فلا تكون أصولية أيضا.

و إن قيل بالثاني، على أن يكون المقصود، صلاحية المسألة لكي تقع بمفردها في الاستنباط و لو في مورد واحد تكون فيه سائر نواحي البحث و الاستنباط قطعية، كما إذا كانت سنة قطعية، فتكون مسألة ظهور الأمر في الوجوب كافية بمفردها لاستنباط الحكم، فهذا جوابه:

إنّ كثيرا من المسائل غير الأصولية أيضا تصلح أن تقع بمفردها و من دون حاجة إلى مسألة أصولية في طريق الاستنباط في بعض الموارد، و ذلك حيث تكون سائر الجهات قطعية، فكلمة (الصعيد) لو افترضنا ورودها في لسان دليل قطعي سندا و دلالة كما لو كان كتابا، أو كما لو صرّح بالوجوب حينئذ يكفي تشخيص مدلولها و لكي تقوم بعملية الاستنباط بمفردها. و عليه فلا بد من أن تكون مسألة أصولية حسب هذا المائز.

التعليقة الثانية:

إنّ هناك بعض المباحث التي هي من مسائل هذا العلم، على رغم أنها تحتاج إلى مسألة أصولية أخرى، كي تنتج الحكم الشرعي، من قبيل المباحث التي يراد بها تشخيص أقوى الظهورين، أو كالبحث عن الإطلاق الحكمي أو العموم الشمولي أو العموم البدلي، أو كالبحث عن الدلالة المنطوقية أو الدلالة المفهومية، و ما إلى ذلك من أشباهها، فإنها كلها لا تكون منتجة في مجال الاستنباط، إلّا بعد ضم كبرى الجمع العرفي، و تقديم الأظهر على الظاهر في‏

33

الحجية، و هي مسألة أصولية. و لكن السيد الأستاذ لم يخرجها عن كونها مسائل أصولية كما أخرج مسألة حجية الظهور، و ذلك بدعوى أن مسألة الجمع العرفي من المسائل الارتكازية البديهية التي لا نقاش فيها، و لكن من الواضح أن هذا الكلام في نفسه باطل إذ إنّ كون المسألة واضحة المدرك، و بديهية البرهان، لا تغير من كونها مسألة من هذا العلم، و لهذا كانت بديهيات مسائل علم الحساب من علم الحساب بلا إشكال.

التعليقة الثالثة:

و هي ترجع إلى ما أفاده في جواب النقض الثاني الذي أورده على نفسه، من- إنّ مسألة اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده- لا تصلح على أساس الميزان الذي أفاده- دام ظله- أن تكون من مسائل علم الأصول، سواء في ذلك أن يقال بالاقتضاء، أو بعدمه، فإن من الخطأ أن يتصور ثبوت الحكم و استنباط صحة عبادة الضد بمجرد القول بعدم الاقتضاء من دون حاجة إلى مقدمة أصولية أخرى، إذ حتى على التقدير في المسألة، لا بد للفقيه في مقام استنباط الحكم بصحة الضد المأمور به، من أن يضم إحدى مقدمتين كلتاهما من مسائل الأصول حتى يثبت صحة العبادة.

فإنّ الأمر بالإزالة مثلا، و ان لم يقتض حرمة العبادة للضد، لكنه موجب لزوال الأمر بها في عرض الأمر بالإزالة، باعتبار أنه طلب للضدين، فلا بد إمّا من إثبات الأمر الترتبي و هذه مسألة أصولية- أو إثبات أن سقوط الخطاب و الأمر لا يستتبع سقوط الملاك، و هو وحده كاف في مقام التقرّب و التعبد- و هي مسألة أصولية أيضا-، و من دون ضم إحدى هاتين المسألتين لا يمكن تصحيح عبادة الضد.

و عليه: فكما أنه على القول بالاقتضاء نحتاج إلى ضم مسألة أن- النهي عن العبادة يوجب الفساد- لكي نتوصل إلى استنباط الحكم بفساد العبادة، و عدم إجزائها، كذلك على القول بعدم الاقتضاء نحتاج إلى ضم مسألة أصولية كي نستنبط الحكم بالصحة.

فمسألة اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده، بكلا طرفيها و تقديريها

34

الإثباتي و السلبي، لا تصلح أن تقع بمفردها مع الاستغناء عن مسألة أصولية في طريق الاستنباط، فلا بد من إخراجها عن مسائل علم الأصول.

و هكذا يتضح أن ما أفاده الأستاذ- دام ظله- في التمييز بين مسائل علم الأصول و غيرها، لا يسلم من الاعتراض الأول الذي كان يرد على التعريف المشهور.

الاعتراض الثاني:

و الذي كان يدعي خروج مباحث الأصول العملية عن التعريف المشهور، لعدم إنتاجها أحكاما شرعية واقعية، فقد أجاب عنه الأستاذ- دام ظله- بأنا نقصد من الحكم الأعم من الظاهري و الواقعي، أي مطلق الوظيفة العملية و تحصيل المنجز و المعذر، فيشمل التعريف الأصول اللفظية، و العملية، و الشرعية، و العقلية (1).

و لكن هذا الجواب الذي كان صحيحا صالحا لتعديل التعريف المشهور كما تقدم، لا ينسجم مع تصورات السيد الأستاذ- دام ظله- عن مسائل علم الأصول، لأنه ينبثق منه نتيجتان طوليتان، تترتب إحداهما على الأخرى، و كلاهما مما لا يرضى بها الأستاذ.

أولا: ينتج منه أن تكون مسألة حجية القطع، مسألة أصولية، لأنها تقع في طريق استنباط الحجة، و المنجز أو المعذر للحكم الشرعي، مع أنه يصرح هناك بأنها ليست من مسائل علم الأصول.

ثانيا: لو كانت مسألة حجية القطع أصولية، فسوف تخرج كل مسائل علم الأصول أو جلّها عن التعريف بناء على الميزان الذي أفاده الأستاذ، لأنّ مسائل من قبيل حجية خبر الثقة، أو الاستصحاب، أو أصالة البراءة، أو غيرها، بحاجة في مقام الانتهاء إلى الوظيفة العملية إلى أن تنضم إليها مسألة حجية القطع، حيث يقطع فيها بالحكم الظاهري، و بذلك تخرج عن تعريف علم الأصول بناء

____________

(1) المصدر السابق.

35

على تصور السيد الأستاذ من أن كل مسألة تحتاج إلى ضم مسألة أخرى دائما، فهي ليست من مسائل علم الأصول‏ (1).

الاعتراض الثالث:

و الذي كان يدعي اندراج القواعد الفقهية في التعريف، فلقد أجاب عنه السيد الأستاذ- دام ظله- تبعا للمحقق الأصفهاني، بسنخ ما أجبنا به على هذه المؤاخذة في التعريف المشهور، حيث أفاد الأستاذ بأن الاستنباط له معنيان:

أ- الاستنباط التوسيطي: و هو أن تكون المقدمة مغايرة للنتيجة المستنبطة، و لكن ملازمة لها، من قبيل دلالة الأمر على الوجوب المغاير لوجوب السورة، و لكن ملازم له في مجال الاستنباط.

ب- الاستنباط التطبيقي: و هو أن تكون المقدمة غير مغايرة للنتيجة، و إنما النتيجة تطبيق من تطبيقاتها، كتطبيق قاعدة ما يضمن بصحيحه على البيع الفاسد، و استنتاج الضمان فيه.

و إذا كان الاستنباط على نحوين: توسيطي و تطبيقي، فالذي يكون من مسائل علم الأصول هو القاعدة التي تقع في مجال الاستنباط التوسيطي لا التطبيقي، فالقواعد الفقهية، و التي لا يستنبط منها الحكم إلّا بنحو التطبيق، خارجة عن تعريف علم الأصول.

و تعليقا على هذا الكلام الذي أفاده الأستاذ- دام ظله- نقول:

بأن القاعدة الفقهية أيضا تقع في مجال الاستنباط التوسيطي، بحيث يكون الحكم و النتيجة المستنبطة مغايرا للمقدمة التي استنبطناه منها، و ذلك عن طريق توسطها لإثبات موضوع حكم آخر.

فمثلا قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، تحقق موضوعا لحكم آخر

____________

(1) لو كان المقصود من الحجة، الحجة الأعم من الذاتية و الجعلية، فلا يرد هذا الإشكال في المقام، لأنّ تلكم المسائل الأصولية تصلح بمفردها أن تقع في طريق استنباط الحجة و لو الجعلية على الحكم الشرعي. (المؤلف).

36

هو الحكم التكليفي بوجوب أداء الدين و ما اشتغلت به الذمّة. فكما أن المسائل الأصولية تقع في طريق الاستنباط التوسيطي، كذلك القاعدة الفقهية أيضا، و لكن الفارق بينهما فارق من ناحية أن المسألة الأصولية تقع في طريق الاستنباط التوسيطي للحكم الشرعي الكلي، كوجوب السورة مثلا المستنبط من دلالة الأمر على الوجوب، و أما القاعدة الفقهية فيستنبط منها حكم جزئي، لأنها تنقح موضوع حكم آخر يثبت بدليله لا بهذه القاعدة. فوجوب وفاء الدين مثلا، حكم ثابت بدليله، و قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده لا ينتج أصل هذا الحكم، و إنما ينتج انطباقها و فعليتها في مصداق و مورد معين و هو البيع الفاسد مثلا.

فإذا اتضح أن الاستنباط التوسيطي على نحوين، حينئذ نسأل الأستاذ- ما ذا يقصد بالاستنباط التوسيطي؟.

فإن كان يقصد ما يعم كلا المعنيين للاستنباط التوسيطي، إذن فالتعريف شامل للقواعد الفقهية أيضا، لأنها تقع في مجال الاستنباط التوسيطي بالنحو الثاني.

و إن كان يقصد المعنى الأول من التوسيط خاصة، كما هو الذي ينبغي أن يلتزم به، لأنّ المفروض من مسائل علم الأصول استنباط الحكم الكلي لا الجزئي، فسوف يخرج بعض مسائل الأصول على بنائه عن التعريف، فمسألة أن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده لا يستنبط منها حرمة الضد- التي تكون حكما كليا- لأنها ليست بحكم فقهي يقبل التنجيز و التعذير، و إنما النتيجة المترتبة عليها على مباني الأستاذ هي صحة الصلاة و بطلانها، فإنه على القول بالاقتضاء تقع الصلاة فاسدة فتبطل، و على القول بعدم الاقتضاء تصح.

لكن من الواضح أنّ صحة الصلاة- الضد- أو بطلانها، ليس حكما كليا استنبط من قاعدة الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن الضد، بل الحكم الكلي بالعبادة و شرائطها أمر ثابت بدليله، و إنما هذه القاعدة الأصولية تنقح موضوع ذلك الحكم و التعبد به مثلا، فتقع صحيحة، أو أنها محرمة فتقع فاسدة، فشأنها شأن القواعد الفقهية التي تقع في مجال الاستنباط التوسيطي بالنحو الثاني.

37

على أن هذه الثمرة في نفسها غير تامة بعد الالتفات إلى أنّ حرمة الضد ليست حرمة قابلة للتنجيز و التعذير، و التعبد و التقرب إلى المولى، لأنها غيرية، فإذا التفتنا إلى أنها ليست حكما فقهيا- و لذلك لم يعتبرها الأستاذ أنها الحكم الشرعي المستنبط- كذلك نلتفت إلى أنها لا تكون موجبة لبطلان العمل، لأنها ليست حرمة حقيقية مبعدة كي تمنع عن الصحة، كما اعترف بذلك الأستاذ في مسألة الضد.

و عليه: فأصل هذه النتيجة التي تصورها- دام ظله- لمسألة الضد ليست بصحيحة.

و لكن هذا النقض بمسألة الضد إنما يتوجه على مباني السيد الأستاذ.

و أما على مبانينا: فنحن نتصور لهذه المسألة نتيجة فقهية هي حكم شرعي كلي، و بذلك تكون كسائر مسائل الأصول، واقعة في طريق الاستنباط للحكم الشرعي الكلي، فتتميز من القواعد الفقهية التي لا تكون في طريق الاستنباط التوسيطي للحكم الكلي. و لهذا نحن أجبنا أيضا على النقض بالقواعد الفقهية، و اندراجها في التعريف المشهور لعلم الأصول بسنخ الجواب الذي أفاده الأستاذ دون أن نلتزم بهذا النقض.

و توضيح ذلك: إن مسألة الضد تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي الترتبي على العبادة بناء على القول بعدم الاقتضاء، و إمكان الترتب، و واضح أن ثبوت الأمر الترتبي في إطلاق الأمر بعبادة الضد، حكم شرعي استنبطناه بقاعدة الضد بالتوسيط على النحو الأول، أعني باستنباط الحكم الشرعي ابتداء لا باستنباط موضوعه كما هو واضح.

هذا تمام الكلام حول التعريف الذي أفاده الأستاذ- دام ظله-.

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

ما ذكره المحقق العراقي ((قدّس سرّه)) في تعريف علم الأصول‏

و أما المحقق العراقي فقد حاول أن يعرف علم الأصول و يميز مسائله عن المقدمات الأخرى التي يحتاجها الفقيه في عملية الاستنباط، بإعطاء ميزان آخر، و حاصله: إن المدار في المسألة الأصولية على وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي بنحو يكون ناظرا إلى إثبات الحكم بنفسه، أو بكيفية تعلقه بموضوعه‏ (1) فكل مقدمة من مقدمات الاستنباط تكون بصدد إثبات أصل الحكم أو كيفيته- و نقصد بالإثبات ما يعم الإثبات التنجيزي و التعذيري فهي مسألة أصولية، فمسألة دلالة الأمر على الوجوب مثلا، مسألة أصولية باعتبار أنها ناظرة و راجعة إلى إثبات الحكم، و كذلك مسألة حجية خبر الثقة، أو الاستصحاب، أو غيره من الأصول العملية، فإنها كلها ترجع إلى إثبات الحكم إثباتا تنجيزيا، أو تعذيريا. و مثل هذا لا يكون في المقدمات الأخرى للاستنباط، من قبيل مدلول كلمة الصعيد، أو وثاقة الراوي، فإنها مسائل مستقلة في ذاتها، لا ترتبط بالحكم أو بكيفيته، و إن كانت قد تقع موضوعا للحكم، و يكون لها دخل في الاستنباط.

و لقد أسي‏ء فهم هذا الميزان الذي أفاده المحقق العراقي من قبل بعضهم، فاعترض عليه بأنه يلزم من ذلك خروج مثل مباحث العموم و الإطلاق، و الجملة الشرطية و نحوها عن مسائل الأصول، لأنها من قبيل البحث عن مدلول كلمة (الصعيد) مثلا، لا تكون ناظرة إلى الحكم، و إنما ترجع إلى تحديد متعلق الأحكام و موضوعاتها.

و مثل هذا الاعتراض ناتج من عدم التوصل إلى حاقّ مقصود المحقق‏

____________

(1) بدائع الأفكار بتصرف: ج 1 ص 24- منهاج الأصول: ج 1 ص 21.

40

العراقي، فإنّه من الواضح الفرق بين مسائل الإطلاق و المفهوم و العموم عن مسألة مدلول كلمة (الصعيد) مثلا.

فالإطلاق و إن كان بحثا عن موضوع الحكم و متعلقه، كما أن كلمة (الصعيد) موضوع للحكم، غير أنه ليس بحثا عن ذات الموضوع في نفسه، و إنما بحث عن الموضوع بما هو موضوع للحكم، أي بحث عن علاقة الحكم بموضوعة، و كيفية تعلقه به، فهو بحث عن خصوصية في الحكم، و لذلك لا يتصور الإطلاق من دون افتراض تعلق الحكم بالموضوع. و أما البحث عن مدلول كلمة (الصعيد)، و أنه لمطلق وجه الأرض أم لا، فليس بحثا عن الموضوع بما هو موضوع، و إنما هو بحث عن ذات الموضوع في نفسه كما هو واضح.

و كذلك الحال في المفهوم، فإنه أيضا بحث عن كيفية تعلق الحكم، و أنه بنحو ينتفي عند الانتفاء، فهو بحث عن العلاقة بين الحكم و ما تعلق به، و ليس بحثا عن مدلول مستقل في نفسه لا علاقة له بالحكم.

و بهذا البيان ظهر أيضا وجه خروج بحث المشتق عن مسائل الأصول، فإنه ليس مسألة أصولية، إذ لا يبحث فيه إلّا عن مدلول ذات الموضوع المشتق في نفسه، لا عن كيفية تعلق الحكم به.

و أمّا العموم و أدواته التي يبحث عنها في علم الأصول كالبحث عن مدلول كلمة (كل)، فهو أيضا بحث عن كيفية تعلق الحكم بموضوعه، بناء على أن هذه الأدوات موضوعة للدلالة على استيعاب الحكم تمام أفراد مدخولها، فإنه بحث في علاقة الحكم بموضوعه، و ليس بحثا عن ذات الموضوع‏ (1).

____________

(1) إنّما قيدنا بهذا المبنى، لأنه بناء على المبنى الصحيح، و الذي يختاره المحقق العراقي نفسه أيضا، من أن أدوات العموم موضوعة للدلالة على تجمع الأفراد تحت العنوان المفروض في نفسه، و لهذا نتعقّل العموم في قولنا- كل رجل- من دون حكم أيضا، لأنه بناء على ذلك لا ينطبق الميزان الذي أفاده في تعريف علم الأصول على بحث العموم، لأنّه بحث عن ذات الموضوع لا الموضوع بما هو موضوع، كي يكون راجعا إلى البحث عن علاقة الحكم بموضوعه، و لذلك يعقل هذا البحث في- كل رجل- دون احتياج إلى افتراض حكم عليه، أو تعلق حكم به. (المؤلف).

41

نقض التعريف الذي ذكره المحقق العراقي لعلم الأصول‏

تقدم في كلام المحقق العراقي أن المسألة الأصولية هي كل مسألة تكون ناظرة مباشرة إلى إثبات حكم شرعي، أو خصوصية فيه، فهي قاعدة أصولية، و كل قاعدة لا تكون كذلك فهي ليست قاعدة أصولية إلّا أن يكون لها نظر مباشر إلى الحكم، أو خصوصية فيه، فمثلا صيغة (افعل) و ظهورها في الوجوب ناظرة مباشرة إلى إثبات أصل الحكم الشرعي، و هذا غير كلمة (الصعيد) فإنه يبحث فيها هل أن هذه الكلمة موضوعة في لغة العرب للتراب، أو موضوعة لمطلق وجه الأرض في قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً،* فإنّ البحث في هذه الكلمة على ما تقدم، و إن كان دخيلا في استنباط الحكم الشرعي، و ذلك فيما إذا كانت كلمة (الصعيد) موضوعا لحكم شرعي، إلّا أنه لا ينفع في كونها قاعدة أصولية، لأنّ البحث في نفس كلمة (صعيد) غير متعرض مباشرة لإثبات أصل الحكم، أو خصوصية فيه.

بل تمام ما تتعرض له هذه الكلمة هو تشخيص مدلول هذه الكلمة من حيث هي، بقطع النظر عن وقوعها موضوعا لحكم شرعي.

إذن فهي مسألة لغوية صرفة. و هكذا الحال في وثاقة زرارة مثلا، فإنّ وثاقته بنفسها غير متعرضة لإثبات أصل الحكم، أو خصوصية فيه، و إن كان لها دخل في مقدمات استنباط الحكم.

فإذن تعريف المحقق العراقي القائل: بأن كل قاعدة أصولية لا بد و أن تتعرض بنفسها مباشرة إلى إثبات أصل الحكم، أو خصوصية فيه و عليه، فكل قاعدة تكون داخلة في مقدمات الاستنباط دخولا غير مباشر لإثبات أصل الحكم بنفسها، أو خصوصية فيه، فهي ليست قاعدة أصولية.

42

إلّا أنّ هذا التعريف غير جامع، كما أنه غير مانع، و لذلك يتوجه عليه اعتراضات نذكر في المقام بعضها:

الاعتراض الأول:

هو أنه يوجد هنالك قواعد تذكر في الفقه و هذه القواعد تتعرض بنفسها لإثبات أصل الحكم الشرعي، أو خصوصية فيه، فهي إذن واجدة لنفس النكتة التي ذكرها المحقق العراقي و على الرغم من هذا فهي لم تذكر في الأصول، بل من المتفق عليه أنها ليست مسألة أصولية.

فلو كان تمام الملاك في القاعدة الأصولية هي النكتة التي ذكرها المحقق العراقي لكانت هذه القاعدة الفقهية أصولية لا محالة، و على سبيل المثال نذكر اثنتين منها:

أ- المثال الأول: هل أن دليل الأمر إذا نسخ من الوجوب يبقى دالّا على الجواز؟ أو لا يبقى دالّا على الجواز؟.

فهنالك من يقول بأن دليل الأمر بعد نسخ الوجوب تبقى دلالته على الجواز، و ذلك بدعوى أن دليل الأمر يدلّ على شيئين: كلي الجواز، و خصوصية الوجوب. و هنا إذا نسخ الوجوب فنسخه لا يضر ببقاء أصل الجواز، فالجواز إذن يبقى و لا يذهب مع الوجوب في منسوخيته و هذا بحث أصولي قطعا.

و هنا بحث فقهي آخر ذكر في (المكاسب) في بحث المقبوض بالعقد الفاسد، بحث فيه، هل أن أدلة الإمضاء من قبيل‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (2) تثبت كون السلعة مثلا مضمونة بالثمن المقرر في مقام المعاملة؟ فإذا باع كتابا بدينار مثلا، فمقتضى أدلة الإمضاء أن يكون الكتاب مضمونا على المشتري بالدينار.

فالقاعدة هذه تثبت أولا مضمونية الكتاب، و تثبت ثانيا كونه مضمونا بالثمن المقرر و هو الدينار.

فإذا ثبت بطلان المعاملة، و أن الثمن لم يكن ثمنا للكتاب، فهل يمكن أن‏

____________

(1) سورة المائدة: 1.

(2) سورة البقرة: 275.

43

نثبت بدليل الإمضاء أصل الضمان، أو لا يمكن؟.

هنالك من يدّعي إثبات أصل الضمان بدليل الإمضاء و ذلك بدعوى أن دليل الإمضاء يثبت أمرين:

كلي الضمان، و أن السلعة مضمونة بالثمن، فإذا ثبت أن المعاملة فاسدة، يعني ثبت أنها غير مضمونة بالثمن، فيبقى أصل الضمان، أي تبقى السلعة مضمونة بالجملة بدليل الإمضاء و لو بالمثل، أو القيمة.

و هذا البحث سنخ بحث أن دليل الأمر بعد نسخ الوجوب هل يبقى دالّا على إثبات أصل الجواز، أو لا يبقى؟.

فهذا بحث أصولي ناظر إلى إثبات نفس الحكم و كذلك البحث الفقهي التالي و هو: هل أن دليل الإمضاء إذا تبين عدم صحة المعاملة، و عدم الضمان بالثمن، يبقى دالّا على إثبات أصل الضمان، أو لا يبقى؟ و هذا أيضا بحث في قاعدة فقهية استدلالية ناظرة إلى إثبات أصل الحكم.

فلا بد إذن من تحصيل فرق بين القاعدتين. و لا يكفي إبراز تلك النكتة التي ذكرها المحقق العراقي، و هي كون القاعدة الأصولية هي التي تكون ناظرة إلى إثبات أصل الحكم، لأنّ كثيرا من القواعد الفقهية تشترك في النكتة، في حين أنها قواعد فقهية مسلمة. فلا بد من إبراز فارق آخر يكون وحده كافيا لحلّ هذه المشاكل، و بلا حاجة إلى دعوى ضم كون القاعدة الأصولية ناظرة إلى إثبات نفس الحكم.

ب- المثال الثاني: و هو مسألة فقهية تبحث في أنّ الدليل الذي يدلّ على مطهّرية شي‏ء، هل يدلّ ذلك الدليل بالملازمة على طهارة ذلك الشي‏ء، أو لا يدل؟.

ذهب بعضهم إلى أن هذا الدليل يدلّ بالملازمة على طهارة ذلك الشي‏ء.

و بناء عليه تكون هذه المسألة الفقهية ناظرة إلى إثبات أصل الحكم- و هو الطهارة فإنها حكم شرعي وضعي-.

و التعريف الذي اختاره المحقق العراقي شامل لهذه المسألة، فيجب أن‏

44

تكون من مسائل علم الأصول، في حين أنها مسألة فقهية متسالم عليها. فكما أن هذا التعريف شامل لبعض المباحث الأصولية كمسألة أن الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضده، أو لا يقتضي النهي عن ضده، فالقائل بالاقتضاء يثبت فساد العبادة بالملازمة ما بين الأمر بالشي‏ء و النهي عن ضده، و ذلك كالصلاة و الإزالة. فعلى القول بالاقتضاء يأتي القول بفساد الصلاة بالملازمة.

و كذلك بحث مقدمة الواجب فقد بحث فيها بأن الأمر بالشي‏ء هل يستلزم وجوب المقدمة؟ فالقائل بوجوب المقدمة يستدل بمسألة أن الأمر بالشي‏ء أمر بمقدمته، أو يستلزم وجوب مقدمته.

و إذن فكما أن التعريف يشمل مثل هذه المباحث الأصولية التي يكون نظرها إلى إثبات أصل الحكم، فكذلك يشمل هذه المباحث الفقهية و المسائل الفقهية التي تباشر إثبات أصل الحكم، أو خصوصية فيه بنفسها.

الاعتراض الثاني:

و هذا الاعتراض مبني على التصور المشهوري للثمرة في بحث أن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده.

و قد تقدم أن المشهور في مقام تصوير الحكم المستنبط من هذه المسألة، هو أنه إذا كان الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده، فالصلاة تكون باطلة، و ذلك لأنها منهي عنها، و مأمور بالضد الآخر. و تكون صحيحة، لأنّ الأمر بالإزالة لا يقتضي النهي عن العبادة.

و لكن هذا غير صحيح، إذ يمكن أن يقال بأن قاعدة أن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده، أو لا يقتضي النهي عن ضده- ليست ناظرة بنفسها إلى إثبات الصحة و البطلان، و لا تفيد بنفسها صحة الصلاة أو بطلانها، و إنما الصلاة تكون باطلة بمفاد دليل- أن النهي عن العبادة يقتضي فسادها- فالبطلان مدلول هذا القانون، و ليس مدلولا لقانون- أن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده- إذ إن هذا القانون ليس ناظرا إلى بطلان الصلاة، بل بعد وجود هذا القانون نرجع إلى قانون آخر و هو قانون أن- النهي عن العبادة يقتضي فسادها- و هذا القانون‏

45

هو الناظر إلى الصحة و البطلان، و إلى إثبات اصل الحكم.

و كذلك الميزان الذي أفاده المحقق العراقي لا ينطبق على القول بعدم الاقتضاء، فإن عدم اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه، ليس هو المصحح للصلاة، بل الناظر إلى صحة الصلاة حينئذ هو إطلاق خطاب (صلّ) لأنّ هذا الإطلاق لا يمنعه عن إثبات صحة الصلاة إلّا النهي عنها، و المفروض أن لا نهي في المقام.

إذن فعدم الاقتضاء ليس مفاده بنفسه صحة الصلاة، و إنما الصحة مستفادة من إطلاق خطاب (صلّ) بعد فرض عدم المانع من هذا الإطلاق.

و كذلك الاقتضاء ليس مفاده بنفسه بطلان الصلاة، و إنما البطلان مستفاد من قانون أن- النهي عن العبادة يقتضي فسادها-.

إذن فالنكتة التي ذكرها المحقق العراقي ميزانا للقاعدة الأصولية، و هي كونها ناظرة إلى إثبات أصل الحكم بنفسها، هذه النكتة غير موجودة في قاعدة أن- الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده- بناء على أن الحكم المستنبط من هذه القاعدة هو الحكم بالصحة و البطلان، بل الصحة و البطلان مستفادان من قانونين و دليلين آخرين غير هذه القاعدة.

الاعتراض الثالث:

و هذا الاعتراض يقول بأن التعريف شامل للقواعد المنطقية باعتبار أنها تكون ناظرة إلى إثبات أصل الحكم عند ما تقع في مقام الاستنباط، فمثلا حينما يرتب الفقيه قياسا يستنبط به وجوب السورة فيقول: وجوب السورة قام عليه خبر الثقة، و كل ما قام عليه خبر الثقة فهو ثابت تعبدا، فوجوب السورة ثابت تعبدا.

و هذه المقدمة المنطقية قد أثبت بها الحكم فكان نظرها إلى إثبات أصل الحكم باعتبار أن مفاد الشكل الأول هو أنه إذا كان الحدّ الأصغر مصداقا للحدّ الأوسط، و كان الحدّ الأوسط مصداقا للحدّ الأكبر، فيكون الحد الأصغر مصداقا للحدّ الأكبر.

فنظر هذا الشكل إلى إثبات أصل الحكم، أو إلى إثبات نتيجة هي هنا حكم‏

46

شرعي، و عليه: يكون التعريف الذي اختاره المحقق العراقي، شاملا لمثل هذه القواعد المنطقية، باعتبار نظرها إلى إثبات أصل الحكم، و المفروض أنها قواعد منطقية ليست من علم الأصول، فتعريفه غير مانع، بل و غير جامع، كما عرفت.

الاعتراض الرابع:

لقد ذكر المحقق العراقي أن المسألة و القاعدة الأصولية، هي التي تكون ناظرة إلى إثبات أصل الحكم، أو خصوصية فيه.

و نحن نسأل المحقق: ما هو المقصود بالإثبات؟ هل المقصود الإثبات اللفظي، أو مطلق الإثبات سواء أ كان لفظيا، أو معنويا؟.

فإن كان مراده الإثبات اللفظي بالخصوص، فحينئذ تخرج مباحث الاستلزامات عن علم الأصول، و ذلك كاستلزام الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده، و كاستلزام الأمر بالشي‏ء للأمر بمقدمته، و أمثال هذه المباحث، فإنها ليس لها دلالة لفظية، بل دلالتها معنوية مع أنه لا إشكال في أصوليتها.

و إن كان مراده مطلق الإثبات، فحينئذ يلزم دخول بعض المسائل الرجالية في هذا التعريف، و ذلك كوثاقة الراوي، لأنّ وثاقة الراوي دليل على صدقه، و هذا يدلّ على ثبوت الحكم الذي نقله. فوثاقة الراوي ناظرة إلى إثبات أصل الحكم الشرعي إثباتا معنويا لا لفظيا كما هو ظاهر. فيلزم عليه أن تكون مشمولة للتعريف، و تكون من مسائل علم الأصول، في حين أنها خارجة عنه.

و بهذا يتبين أن ما ذكر من التعريفات الثلاثة، لا يمكن المساعدة عليه. فلا بد من تعريف لعلم الأصول يكون جامعا مانعا، لا ترد عليه هذه الإشكالات بكونه جامعا لجميع المسائل الأصولية، و مانعا لدخول غيرها فيه، و مقتدرا على تمييز مسائل هذا العلم عن غيره.

47

تعريف علم الأصول الذي اختاره أستاذنا السيد الصدر- دامت إفاضاته-

قال حفظه المولى:

علم الأصول: هو العلم بالعناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة و التي يستعملها الفقيه أدلة على الجعل الشرعي.

و توضيح ذلك:

إنّ نسبة علم الأصول إلى علم الفقه، هو نسبة علم المنطق إلى جميع مسائل العلوم الأخرى، فإنّ قاعدة الشكل الأول مثلا القائلة بأنه إذا كان الحد الأصغر مصداقا للحد الأوسط، و كان الحد الأوسط مصداقا للحد الأكبر، فالنتيجة: كان الحد الأصغر مصداقا للحد الأكبر، فهذه قاعدة مشتركة بين جميع العلوم لم يؤخذ فيها مادة من هذا العلم دون ذلك العلم.

فمثل هذه القاعدة من حيث المادة مأخوذة (لا بشرط شي‏ء) فيمكن أن يستدل بها في جميع العلوم، نعم مواد هذه القاعدة تختلف باختلاف العلوم، فالاستدلالات العلمية كلها فيها جهة اشتراك وجهة اختلاف، فجهة الاشتراك عبارة عن القواعد التي تحدد كيفية الاستدلال كقاعدة إنتاج الشكل الأول، وجهة الاختلاف عبارة عن القواعد التي تحدد مواد القياس، فمثلا بالنسبة إلى العلوم الطبيعية يقال: هذا المعدن حديد، و كل حديد يتمدد بالحرارة، فالمعدن يتمدد بالحرارة.

و يقال كذلك بالنسبة للعلوم الرياضية:

عدد سبعة لا ينقسم إلّا على نفسه، و كل ما لا ينقسم إلّا على نفسه فهو عدد أولي، فعدد سبعة هو عدد أولي.

48

فهنا جهة الاشتراك بين القياسين هي قاعدة الشكل الأول وجهة الاختلاف هي المواد المؤلف منها القياس الأول و الثاني.

فإنّ المواد مختلفة، لأنّ مواد القياس الأول هي- الحديد معدن، و مواد القياس الثاني هي- عدد سبعة لا ينقسم إلّا على نفسه-.

فالحاصل: إنّ هناك قواعد مشتركة بين جميع الاستدلالات العلمية، لأنها مأخوذة (لا بشرط) من حيث المادة، و هناك قواعد يتميز بها كل علم عن الآخر، لأنها مأخوذة (بشرط شي‏ء) من حيث المادة.

و علم المنطق وظيفته بيان تلك القواعد المشتركة المأخوذة (لا بشرط) من حيث المادة، هذه هي نسبة علم المنطق إلى سائر العلوم، و نفس هذه النسبة موجودة في علم الأصول بالنسبة إلى علم الفقه.

و بيان ذلك: إن الاستدلال الفقهي في أي باب كان، فيه جهتان:

أ- إحداهما: قواعد مشتركة أخذت (لا بشرط) من حيث المادة.

ب- و الثانية: قواعد أخذت (بشرط شي‏ء) من حيث المادة.

فمثلا: حجية خبر الواحد من مقدمات الاستنباط و رواية زرارة الدالة على وجوب السورة مثلا، هي أيضا من مقدمات الاستنباط، إلّا أنّ حجية خبر الواحد من القواعد المشتركة في الاستدلال، لأنها مأخوذة (لا بشرط) من حيث المادة، لأنه يمكن أن يثبت بحجية خبر الواحد كثير من الأحكام غير وجوب السورة، ففي كل مادة من فعل المكلّف يمكن أن يثبت الحكم فيها بحجية خبر الواحد.

و هذا بخلاف رواية زرارة المتضمنة لوجوب السورة، فلا يثبت بها إلّا وجوب السورة، و لا يثبت بها حكم الصوم مثلا.

فرواية زرارة من المقدمات المادية في الاستدلال الفقهي المأخوذة (بشرط شي‏ء)، و بها يتميز علم الحديث عن غيره من سائر العلوم بخلاف حجية خبر

49

الواحد، فإنها من المقدمات الصورية المشتركة في الاستدلال الفقهي، و هذا معنى قولنا في التعريف: إنّ علم الأصول هو العلم بالقواعد المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة.

فكل مقدمة كانت دخيلة في الاستنباط، و كانت مأخوذة على نحو (اللابشرط) من حيث المادة، بحيث تصلح لأن تجري في كل فعل من أفعال المكلفين، فهي مقدمة أصولية.

و كل مقدمة أخذت (بشرط شي‏ء) من حيث المادة، أي إنها لا تثبت إلّا حكم الموضوع الذي تعرضت له، فهي مقدمة أجنبية عن علم الأصول.

هذا هو توضيح ما ذكرناه في التعريف، و لا بد بعد ذلك من أن نبيّن شمول هذا التعريف لجميع مسائل علم الأصول، و عدم كونه شاملا لغيرها من المسائل الأجنبية عنه.

و الآن سوف نتعرض لكلا المقامين:

المقام الأول: شمولية التعريف لكل مسائل علم الأصول:

و يتضح ذلك بواسطة الاستقراء، أي استقراء جميع القواعد الأصولية، فإنّا لو استقرأناها كلها لوجدناها واجدة للنكتة المذكورة، و هي كونها مأخوذة على نحو (اللابشرط) من حيث المادة، أعني أفعال المكلفين.

ثم إن هذه القواعد و المقدمات المأخوذة على نحو (اللابشرط) من حيث المادة هي على قسمين:

القسم الأول: أن تكون مأخوذة (بشرط شي‏ء) بالنسبة للحكم الذي يثبت بها، فمثلا: ظهور صيغة (افعل) في الوجوب، هي من حيث المادة مأخوذة على نحو (اللابشرط) لأنه يمكن أن يثبت بها وجوب أي فعل من أفعال المكلف، و لكنها مأخوذة (بشرط) من حيث نوعية الحكم، حيث أنه لا يمكن أن يثبت بها إلّا الوجوب، فهي لا تثبت غيره من بقية الأحكام.

القسم الثاني: هو ما كان مأخوذا على نحو (اللابشرط) من الحيثيتين أي‏

50

من حيث المادة، و من حيث نوع الحكم كالاستصحاب مثلا، فيجري في كل فعل من أفعال المكلفين، كما أنه لا يختص بنوع معين من الحكم، فهو كما يثبت الوجوب يثبت الحرمة، و الكراهة، و غيرها من الأحكام الخمسة.

و الجامع بين هذين القسمين هو كونهما مأخوذين في الاستدلال على نحو (اللابشرط) من حيث المادة، و يكفي في أصولية المسألة أن تكون كذلك من حيث المادة فقط، و إن كانت مأخوذة (بشرط شي‏ء) من حيث نوع الحكم.

المقام الثاني: عدم شمولية التعريف لغير المسائل الأصولية:

و يتضح ذلك بما يلي:

فإننا لو أخذنا مسائل علم الحديث، أي المسائل الموجودة في الكتب الأربعة، و هي عبارة عن الروايات، نجد هذه المسائل لها دخل في الاستنباط، إلّا أنّ هذا التعريف لا ينطبق عليها، و ذلك لأنها من حيث المادة مأخوذة على نحو ال (بشرط شي‏ء)، و ذلك لأنّ الرواية الدالة على وجوب السورة، لا يمكن أن يستفاد منها حرمة الصوم في العيدين. و حينئذ لا يصدق عليها أنها قاعدة مشتركة في الاستنباط الفقهي خاصة، حيث قد عرفت أنها مأخوذة (بشرط شي‏ء) من حيث المادة. فالحاصل: إن الرواية لا يستنبط منها إلّا في هذه المادة الخاصة التي تضمنتها، و هي السورة. هذا بالنسبة إلى علم الحديث.

و كذلك بالنسبة لمسائل علم اللغة البحتة: فإنها خارجة عن هذا التعريف، و ذلك كلفظ (الصعيد) و أنه ظاهر في مطلق وجه الأرض، أو خصوص التراب، فإنّ هذه المسألة لا يثبت بها إلّا الحكم الذي أخذ في موضوعه لفظ (الصعيد).

و أمّا ما عداه ممّا لم يؤخذ في موضوعه لفظ (الصعيد)، فلا يثبت بها، فهذه المسألة أيضا (بشرط شي‏ء) من حيث المادة، حيث لا يستنبط منها إلّا في هذه المادة الخاصة- أعني هذا الفعل الذي أخذ في موضوعه لفظ (الصعيد)- و حينئذ فلا يصدق عليها أنها قاعدة مشتركة في الاستنباط الفقهي خاصة.

و هذا هو الذي جعل علماء الأصول يتعرضون لبعض المسائل اللغوية في الأصول دون بعضها الآخر. فنراهم قد تعرضوا لكل مسألة كانت مأخوذة على‏

51

نحو (اللابشرط) من حيث المادة كمسألة ظهور الصيغة في الوجوب، فإنها مسألة لغوية تعرض لها علماء الأصول في كتب الأصول باعتبار أنها مأخوذة على نحو (اللابشرط) من حيث المادة و لم يتعرضوا للمسائل اللغوية المأخوذة (بشرط شي‏ء) من حيث المادة كظهور لفظ (الصعيد) لكونها مأخوذة على نحو (البشرطشي‏ء).

أيضا القواعد الاستدلالية في الفقه و القواعد الفقهية تخرج عن التعريف، فمثلا: هناك قاعدة فقهية بعنوان: أن ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، و هناك قاعدة استدلالية في الفقه تكون مبدأ استدلاليا لتلك القاعدة و هي: إن دليل الصحة هل يثبت به الضمان بالغرامة إذا بطل الضمان بالمعاوضة، أو لا يثبت به ذلك؟.

هذه قاعدة استدلالية في الفقه هي مبدأ لتلك القاعدة الفقهية- و هاتان القاعدتان لا ينطبق عليهما التعريف، لأنهما قد أخذ فيهما مادة معينة. إذ لا يستنبط منهما إلّا الضمان للمأخوذ بالعقد الفاسد دون سائر الأشياء الأخرى.

إذن فالقاعدة الفقهية و القاعدة الاستدلالية في الفقه، هي مقدمة مادية و ليست مقدمة مشتركة بالاستدلال الفقهي، إذن فلا يشملها التعريف.

بقي عندنا قواعد علم الرجال، و مسائل علم المنطق، و قواعد علم الرجال، من قبيل وثاقة زرارة، و وثاقة زرارة أيضا لا تدخل في التعريف، لأنّ وثاقة زرارة، و إن كانت تفيد في استنباط حكم أي مادة، لأن زرارة قد يخبر بوجوب الصوم، كما قد يخبر بوجوب السورة، و لكن وثاقة زرارة ليست من المقدمات الداخلة في الاستدلال الفقهي، لأنّ مرادنا بالاستدلال الفقهي القياس الأخير الذي يباشره الفقيه بما فيه من كبرى و صغرى.

و هنا حينما نريد أن نتصور دخول وثاقة زرارة في مقام الاستنباط، نراها داخلة في قياس ما قبل الأخير، لا في القياس الأخير. لأننا إذا رأينا رواية لزرارة تدلّ على وجوب السورة، فهكذا نرتب قياسين:

نقول في القياس الأول:

52

هذا خبر زرارة، و زرارة ثقة، هذا خبر الثقة. هذا القياس دخلت فيه المقدمة الرجالية و هي أن زرارة ثقة، و نتيجة هذا القياس، أن هذا خبر الثقة.

ثم بعد هذا نرتب القياس الأخير فنقول:

وجوب السورة أخبر به الثقة، و كل ما أخبر به الثقة فهو ثابت، فوجوب السورة ثابت.

إذن وثاقة زرارة التي هي مسألة رجالية، هي بحسب الحقيقة مقدمة قياس ما قبل الأخير، و ليست مقدمة في القياس الأخير، إذن مسائل علم الرجال خارجة عن التعريف بهذا الاعتبار.

و أما القياس الأخير فهو مكوّن من مقدمتين:

الصغرى: هي من علم الحديث و هي إن وجوب السورة أخبر به الثقة، و هذا شغل علم الحديث. فالصغرى إذن هي من مسائل علم الحديث التي هي مقدمات مادية.

و الكبرى: و هي أن كل ما أخبر به الثقة فهو ثابت، مقدمة مشتركة أصولية.

و على هذا الأساس يعرف أن القواعد المنطقية خارجة عن التعريف أيضا لأنّ قاعدة إنتاج الشكل الأول مثلا، لا تشكل مقدمة في القياس الأخير، و إنما هي برهان إنتاج القياس الأخير.

و على هذا الأساس يصح أن يقال بأن علم الأصول هو العلم بالقواعد المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة يعني في القياس الأخير، فالقياس الأخير الذي يستدلّ به على الحكم الشرعي، سواء مقدماته الصغروية، أو مقدماته الكبروية، أي مقدمة من تلك المقدمات كانت مقدمة مشتركة، فهي من علم الأصول سواء وقعت صغرى في القياس الأخير، أو وقعت كبرى في القياس الأخير، و أي مقدمة من المقدمات في القياس الأخير لم تقع مشتركة، و إنما كانت مادية بمعنى أنها مأخوذة (بشرط شي‏ء) بشرط مادة معينة، فمثل هذه لا تكون قاعدة أصولية.