بدائع الأصول

- السيد علي الموسوي البهبهاني المزيد...
256 /
3

-

4

المقدمة: [للمؤلف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذي لا إله غيره و لا معبود سواه. و الصلاة و السلام على سيدنا محمد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رسوله و مصطفاه. و على ابن عمه علي (عليه السلام) خليفته و مرتضاه. و على آله و عترته التابعين لسنته و هداه.

أما بعد. فهذا الذي يقدّم (أيها القارئ الكريم) اليك و يعرض في هذه المجموعة عليك هو قسم كبير من دورة علم أصول الفقه تلقّيته من أبحاث سيدنا الأستاذ المحقق العلّامة الفقيه الأصولي الأديب المفسّر المتكلم الحكيم مثال الورع و التقوى و المعرض عن زخارف الدنيا المرجع الكبير آية اللّه العظمى المرحوم المغفور له الحاج السيد علي الموسوي البهبهاني (قدس اللّه أسراره) و أبقى اللّه آثاره. ألقاها في مجلس درسه الشريف في حوزته العلمية ببلدنا (الأهواز) مركز محافظة (خوزستان) الايرانية الاسلامية. كتبتها و جمعتها ثم حرّرتها و دوّنتها و لكن لم تتهيأ الظروف لطبعها و نشرها (و الأمور مرهونة بأوقاتها) و الآن قد وفقني اللّه سبحانه و تعالى لذلك تعميما لفائدتها و تخليدا لذكرى هذا الأستاذ العظيم و أداء لبعض ما علىّ من حقوقه الكثيرة و عناية بما له (قدّس سرّه) من المباني الرقيقة و النظرات الرائعة التي لم تنشر في الأرجاء العلمية و الحوزات الدينية كما هو حقها و يليق بأهلها. فارجوا أن تقع هذه الصحائف من قبل أهل العلم و الفضيلة موقع البحث و التنقيب و النقد و التحقيق.

هذا و إنّي أرى من المناسب في هذه التقدمة ذكر عدة نكات:

1- إنّني قد استفدت من درس أستاذنا المحقق (قدّس سرّه) سنين عديدة في العلوم الأدبية و السطوح العالية و قسما من المعقول و ذلك قبل هجرتي الى النجف الأشرف و كان بدء حضوري عليه في الدرس الخارج و كتابة إفاداته و تقريراته عقيب رجوعي و عودتي‏

5

الأولى من العراق الى ايران و لكن حيث كنت بين آونة و أخرى أعود الى تلك الحوزة المقدسة العلوية فكنت أحضر مجلس الأستاذ (قدّس سرّه) ما دمت في حوزة الأهواز العلميّة و منقطعا عن الحضور عليه في أزمنة عودتي الى جوار أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين و لهذا و ذاك يرى المطالع في كتابنا هذا ان العديد من مباحث الأصول غير موجود فيه. منها ما يلي:

الأول. انه بعد مبحث الصحيح و الأعم (ص 99) ينتقل الكلام الى مبحث العموم و الخصوص و بذلك يفقد بين المبحثين عدة من مباحث الألفاظ.

الثاني. بعد ذكر مسائل من العموم و الخصوص تواجه مبحث حجية الظن (ص 190) مع ان ما بينهما كثير من مباحث الألفاظ الى المطلق و المقيد و المجمل و المبين و كذا مبحث القطع و مسائله.

الثالث. آخر المسائل الأصولية في هذا الكتاب هو مبحث الظن في أصول الدين اذ كان هناك آخر حضوري المستمر على مائدة الأستاذ (قدّس سرّه) العلمية حيث انقطعت عنها لأجل اشتغاله (قدّس سرّه) بأمور أخرى من مشاغله العلمية و المرجعية أوجبت اختلال درسه الخارج ثم انتقاله (قدّس سرّه) الى اصفهان باستدعاء أهالي ذلك المكان كل سنة حوالي ستة أشهر ثم لا أدري الى متى وصل بحثه الشريف في تدريسه و ظنّي انّه (قدّس سرّه) لم يصل الى آخر الأصول.

2- كان ابتداء هذه الدورة من الأصول باستدعاء منّي و اقتراحي على سماحة الأستاذ فوقع منه موقع القبول و بعد فراغه من مبحث القطع من رسائل الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) الذي كان يشتغل بتدريسه كالسطح العالي على تلامذته شرع بالتدريس الاجتهادي من مبحث الظن على أن يكون محور الدرس و مداره هو كتاب الرسائل نفسه.

و بعد مدة دام الأمر كذلك فجع السيد الأستاذ بوفاة ولده الشاب الصالح التقي المرحوم السيد محمد تقي فانقطع الدرس و البحث لمدة أثناء مسائل الظن في أصول الدين. ثم لما عاد الأستاذ المحقق الى مشاغله و شئونه العلمية صار نظره الشريف الى الشروع من أول مباحث الألفاظ على ترتيب كتاب قوانين الأصول للمحقق القمي (قدّس سرّه) فاستفدنا و كتبنا درسه الى‏

6

بعض مباحث العموم و الخصوص و بعد ذلك حرمنا من مداومة الاشتغال حسبما أشرنا اليه آنفا. و لكني في مقام تدوين هذه المباحث جعلت المسائل المحررة و المقررة على ترتيب كتب الأصول فقدمت ذكر مباحث الألفاظ و أخّرت باب الظنون و الامارات و الأصول كما يشاهده المراجع الى محتويات الكتاب.

3- إنّني في عهد اشتغالي و دراساتي كنت أكتب إفادات الأساتيذ العظام في حين الدرس و المحاضرة ثم أجدّد النظر و المراجعة اليها في كتابتها و تبييضها (و منها هذه المجموعة) و لذلك فإنّي واثق بأنه لم يشذ مني شي‏ء من إفاضات أساتيذي الكرام- و الحمد للّه- إلّا ما لم أكتبه من أصله أو لم أوفق لحضوره.

4- حينما شرعت بالتلقي و الكتابة لدروس الأستاذ المحقق (قدّس سرّه) كنت أقرأ على سماحته- ليلا- ما أكتبه من دروسه نهارا و كان (قدّس سرّه) يفرح و يبتهج بها مصرحا باستيعابها لنكات الدرس و دقائقه لكن لم يطل العهد بذلك لأجل حوادث و سوانح عرضت فحالت بيننا و بين هذا الأمر. و لكن فيما وقع كفاية. و الحمد للّه على التوفيق و الهداية.

5- بما ان هذه الدروس و المحاضرات قد ألقيت ثم كتبت قبل مدة تقرب من أربعين سنة قبل هذا (عام 1384 ه. و ما بعده) فكان من اللازم المراجعة اليها من جديد و اضافة بعض النكات و النقاط اليها، لكني اكتفيت بمراجعة اجمالية اعدادا لنشر الكتاب و طبعه فأضفت بعض التعليقات الطفيفة توضيحا مع ذكر مواضع الآيات القرآنية و الروايات الشريفة و منابع الأقوال و الكلمات لا بالنحو الكامل و ذلك لعدم وجود بعض الكتب و المنابع عندي عاجلا و عدم الحاجة الماسّة الى ذلك في البعض الآخر كما انّي أغمضت عن التطويل و عن ذكر ما عندي من وجهات النظر و المناقشات في مختلف البحوث و مسائل الكتاب.

و الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه و السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين.

المؤلف المقرر: السيد علي الشفيعي 12 شعبان المعظم 1422 ه.

7

[المقصد الأول: مباحث الألفاظ]

الفقه في اللغة و الاصطلاح‏

ينبغي التبرك و التيمن بتقديم تعريف الفقه‏ (1) على الأصول حتى يتزيّن الثاني بالأول فنقول:

قد عرف الفقه بعضهم بأنّه في اللغة الفهم و لا يخفى أن هذا لا يصح لو أرادوا بذلك انّهما مترادفان حيث أنه قد يستعمل في مورد لم يكن لاستعمال الفهم فيه مجال أصلا.

أما الفهم فيطلق بالنسبة الى دقايق الأمور فلا يكون عبارة عن مطلق الادراك و أما الفقه فهو الحذاقة و البصيرة التامة على ما يظهر من موارد استعمالاته و منه قوله (عليه السلام) في الحديث (لا يفقه العبد كل الفقه. الخ) أي لا تحصل له البصيرة التامة إلّا بعد مراحل و هذا هو الوجه في تقسيم المتقدمين له الى الفقه الأكبر و الفقه الأصغر يعنون بالأول أصول الدين و بالثاني فروعه اذ المطلوب في المسائل الاعتقادية إنّما هو بصيرة زائدة على البصيرة المطلوبة في ساير الفنون.

و أما الفقه في الاصطلاح فقد عرّف بأنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية (2) فهنا مقدمة و مباحث.

المقدمة.

ان أرباب الفنون أخذوا العلم في التعاريف إلّا المنطق حيث عرفوه بأنّه آلة قانونية مع أن الفنون عبارة عن نفس القواعد لا العلم بها و المبحوث عنه هي‏

____________

(1 و 2). راجع للتعرف على ذلك كتب اللغة و مجاميع الأصول كالمعالم و القوانين و الفصول و غيرها.

8

المسائل لا العلم بها و العلم بقواعد التصريف و النحو و الفقه و الأصول و غيرها ليس نفس هذه الفنون بل نفس القواعد و مما يدلك على هذا انّه لو صح ما ذكروه لكان معنى قولك فلان يعلم النحو أي يعلم العلم فكل ما أخذ العلم في تعريفه غير منطبق على المحدود و قد تنبّه لذلك شارح الشمسية حيث أفاد أن الفنون ليست إلّا مسائلها و هي حقيقة كل علم و العجب من السيد الشريف حيث ذكر في تعليقته عليه ان لأسامى الفنون اطلاقين أحدهما على المسائل كقولك علمت النحو أي مسائله و الثاني على العلم بها.

أقول. ان وضع الأسامي للفنون انما هو باعتبار مسائلها فلا بد و ان يكون التعريف ناظرا الى المسائل التي هي المبحوث عنها و لو لا غرض البحث لما كان لجعل أسامي الفنون مجال و هذا هو الوجه في جعل الكلمة و الكلام موضوعا للنحو فانّ النحو هو المسائل لا العلم بها و إلّا لزم ان يكون موضوعه العالمين به و لكن لما كان العلم سببا للبحث عن المسائل كان اطلاق العلم على المسائل تجوزا فانّه قد يكون عبارة عن مسائل ليس النظر العلمي اليها و لم يؤسس لأن يدرك لغاية و هذا بخلاف قواعد النحو حيث تأسست للاطلاع عليها حتى يحصل العلم بحال الفروع فهذا الذي ذكر مجاز من باب اطلاق العدل على زيد للمبالغة فانه لو قطع النظر عن العلم كانت المسائل كأنها ساقطة عن الفنية. و المقام كذلك أيضا. و الحاصل ان هذا خلط من متصدى التعاريف بين العلم و المعلوم نعم انه قد تنبه الشارح الرضي فانه لما قال ابن الحاجب (الصرف علم بأصول) قال الشارح في ذيله الحق أن التصريف هي الأصول لا العلم بها.

و أما المباحث فهي ثمان أو تسع:

الأوّل. قد ذكر للعلم معاني عديدة.

منها اليقين و العرفان و الادراك الجامع‏

9

بينهما و الحال و الملكة و الحق انّها ليست معاني متعددة للفظ واحد و العجب انهم قد جعلوا هذه خصوصيات مستقلة. بل ان للعلم معنى جامعا و المذكورات مصاديقه أما الادراك فليس معنى له اذ الأصل فيه هو الوصول كما في الحديث من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت كله و في الدعاء يا مدرك الهاربين و الصبي بلغ و أدرك أي وصل الى حد التكليف و أما اطلاقه على العلم فانّما هو باعتبار الوصول المعنوي في قبال الجاهل البعيد عن الحقائق فالادراك منطبق على العلم لا ان العلم هو الادراك.

و أما اليقين و العرفان فهما قسمان من العلم اذ الانكشاف قسمان ثبوتي و تميزي فان الشي‏ء قد يكون مبهما غير متميز عن غيره فلمّا ارتفع الابهام و حصلت المعرفة به صار متميزا فالعرفان هنا راجع الى الانكشاف التميزي و أما في القضايا كقولك زيد عادل فما لم يثبت كان مبهما مترددا بين ثبوتها له و عدمه و اذا انكشف انكشف ثبوتها له و الجامع هو الانكشاف و هكذا الحال في الملكة و الحال بل هو أعجب فيهما فانّه لو كان العلم راسخا كان ملكة و إلّا كان حالا و لا معنى لتوهم انّهما معنيان.

و أما الصورة الحاصلة. فهذا باطل برأسه فانّ العلم لغة هو الانكشاف في مقابل الجهل و لا يصح ان يقال علمت بمجرد تصور شي‏ء و إلّا لكان كل جاهل عالما بمسائل الفقه لتصوره الحلال و الحرام. نعم. قد توهم التفتازاني ان هذا المعنى للعلم اصطلاح المنطقيين و ان العلم هو الصورة الحاصلة من الشي‏ء فادرج فيه الظن و الشك و الوهم بل و حتى الجهل- و لكن لا يخفى أن تبديل المنطقي المعنى من عام الى خاص أو بالعكس انّما هو باعتبار ان المفهوم عنده غير مطابق للمفهوم اللغوي و إلّا فلو كانا مطابقين لم يجز التبديل و من المعلوم ان موضوع البحث للمنطقي هو المعرّف و الحجة و لذا ليس مجرد تصور المنطق هو الصورة الحاصلة فان التصور نظري و ضروري و إلّا فلو كان التصور هو الخطور لكان خطور الملك و الجنّ بديهيا و الحال ان المعرفة هو الحقيقة بمعنى أن حقيقتهما مخفية. و أما الحرارة و البرودة فحقيقتهما واضحة. و الحاصل‏

10

ان تفسير المعنى اللغوي للعلم بالصورة الحاصلة كما صنعه التفتازاني ليس إلّا باعتبار ذهابه الى ثبوت دلالة الألفاظ على المعاني بلا فرق بين ارادة المتكلم و عدمها خلافا للمحققين حيث جعلوها تابعة للارادة على ما سيجي‏ء تفصيله فهو قد زعم ان المراد بالعلم هو مطلق التصور فإذا قيل زيد فقد خطر في الذهن اراده المتكلم أو لم يرده.

و النتيجة انّ الخطور ليس معنى لغويا للعلم و تفسير المنطقي له بذلك لا ربط له بالمفهوم اللغوي فانّ بحثه انّما هو عن المعرف و الحجة نعم ان المنشأ في وروده هو اطلاق التصور الذي يطلق على كل من الخطور و المعرفة و لذا كان موضوعه المعرف و الحجة لتعلق غرضه باستكشاف الأمور النظرية من الضرورية تصورا كان أو تصديقا لا استكشاف خطور عن خطور. فقد تبين من ذلك كله ان المعنى الجامع للعلم هو الانكشاف و ما دون ذلك فهو مصداق لهذا المعنى و فرد له.

الثاني. ذكروا للحكم معاني عديدة.

و لكن كل ذلك مصاديق لمعنى واحد و ليست متباينة اذ المحكم في اللغة هو المتقن الغير المتزلزل و الإحكام هو الاتقان تقول جدار محكم أي مصون عن الخلل و الحكيم من أتقن أفعاله و أقواله و الحاكم من يتقن الحكم و يخرجه عن الترديد و الحكمة تطلق على المطالب المتقنة الواقعية فلا اختصاص لها بالفلسفة و حكمت أي اتقنت الأمر و هذا هو الوجه في اطلاق الحكم على العلم اذ الجاهل متزلزل في القضايا و المباحث و لا يستحكمها إلّا بعد صيرورته عالما و هكذا الأحكام التكليفية في الفقه فانّ الأفعال بعد خروجها عن التردد بين الوجوب و الحرمة و غيرهما و استقراره في أحدها تتصف بصفة الحكم و هكذا باقي المعاني فاللازم هو التأمل التام حتى لا يختلط الأمر بين الانطباق على الموارد و بين كونها معاني مختلفه.

و أما الحكم الشرعي فالمراد منه على ما فسروه هو ما من شأنه أن يؤخذ من‏

11

الشارع و الأخذ هنا البيان أي مأمن شأنه أن يبيّنه الشارع و هذا إما تأسيس منه أو تقرير أو ارشاد و التعريف المذكور أعم من الثلاثة و المقصود هو ان الحكم الشرعي ما كان منسوبا بأحد الوجوه الى الشارع من حيث انّه شارع و على هذا فالأحكام العقلية الصرفة خارجة عن التعريف. و أما تفسير الأمور الثلاثة المذكورة فالتقرير عبارة عما للشارع أن يتصرف فيه امضاء وردا كما في اقراره البيع و رده الربا و أما الارشاد فهو في مورد ليس فيه للتقرير مجال كالتوحيد و الرسالة و الإمامة لاستقلال العقل بلزوم ارسال الرسول لابلاغ الشريعة و يترتب عليه لزوم الوصي بعده.

الثالث. [المقصود بالفرعية في تعريف السابقين لعلم الأصول‏]

المقصود من الفرعية هو ما يتعلق بالعمل بلا واسطة فتخرج بها الأصلية التي هي ما لا يتعلق بالعمل بلا واسطة بأن لم يكن هناك تعلق أو كان لكن مع الواسطة. و هنا اشكالان.

[ورود اشكالين على تفسير (الفرعية)]

الاشكال الأول.

ان بعضا من الفرعيات ما لا تعلق له بالعمل مثلا انّ الماء مطهر من الخبث (و أما مطهريته من الحدث فترجع الى الغسل و الوضوء و التيمم) مع ان ازالة الماء للخبث لا يتوقف على عمل انسان فإنّ الماء طاهر و مطهر و هكذا الحال في نجاسة الاعيان النجسة كالكلب و أخويه و كذلك باب ارث الأولاد مثلا و كمية استحقاقهم منه.

و الاشكال الثاني.

ان العمل اما أعم من عمل الجوارح و القلب أو يخص الجوارح و على الثاني يلزم خروج بعض الفرعيات كالتكبر و الحسد و نية العبادات.

و على الأول. تدخل الأحكام الأصولية لتعلقها بالاعتقاد.

و الجواب. أما عن الأول.

فالذي يوقع في الاشكال هو تفسير التعلق هنا بالعروض فيستشكل بأن معروض بعض الفرعيات ليس هو العمل فانّ الكلب مثلا معروض النجاسة لا العمل. و لكنا نقول انه ليس التعلق عبارة عن العروض بل هو

12

عبارة عن حصول العلقة بين شي‏ء و آخر فيكون العمل متعلقا به و توضيح ذلك أن التعلق قد يكون بالعروض و قد يكون بالغاية و المراد به هنا الثاني فيكون المقصود هنا أن المنظور من الحكم هو العمل به فالغاية من كون الكلب نجسا ليست هي الاعتقاد بذلك بل المقصود منه العمل أعنى الاجتناب. و كذا بالنسبة الى ساير الموارد و الأمثله.

و أما الجواب. عن الاشكال الثاني.

فبأنّ المراد بالعمل هو ما يطابق الاعتقاد كما هو الشائع فالعمل و ان كان عاما بالنسبة الى عمل القلب و الجوارح إلّا أن ما يطابقه هو خصوص الاعتقاد فيكون المراد بالعمل هنا ما كان غير اعتقاد سواء كان في مورد القلب أو الجوارح غايته انّه ان كان عبارة عن ايجاد شي‏ء خارجا فيكون من الفرعية و أما الأحكام الأصلية فالغرض الأصلي منها هو الاعتقاد و لو بنحو التعلق الغائي حتى مع الواسطة الكثيرة. و الحاصل. ان العمل هنا هو ما يقابل الاعتقاد فإن كان الغرض من الحكم الشرعي هو العمل لا الاعتقاد فيتعلق بالعمل بلا واسطة و إن كان تعلقه بالاعتقاد مع الواسطة حيث ان الاعتقاد بها لازم لئلا يئول الأمر الى الرد على الشارع. و لكن الأحكام الأصلية بعكس ذلك حيث ان التعلق يكون بالاعتقاد ابتداء و ان تعلق بالعمل ثانيا لتوقف العمل على الاعتقاد فهذا يكون مع الواسطة.

فاتضح ان التعريف المذكور جامع مانع و الاعتراضات مردودة.

المبحث الرابع. [تقييد العلم بحصوله من الأدلة]

قالوا ان التقييد بالأدلة إنما هو لاخراج بعض العلوم كالوحي و الالهام حيث أنها ليست حاصلة من الدليل. أقول. الفقه بمعناه اللغوي يشمل علم الامام و غيره إلّا أنه لا يطلق عليهم الفقيه بالمعنى الاصطلاحي فهم فقهاء بل هم أظهر مصاديق ذلك إلّا أن ذلك حيث كان دون شأنهم الرفيع و مقامهم السامي لم يطلق عليهم و هم عالمون بجميع الصنائع و لكن اطلاق (الصانع) عليهم تجاسر بمقامهم‏

13

المنيع و لا يتوهم أن اطلاق الفقيه على الجامع لشرائط الفقه انّما هو لأجل نيابته عن الامام (عليه السلام) فلا بد و أن يطلق عليه أيضا فان ذلك و إن كان حقا صحيحا إلّا أنه لو كان الوجه فيه ذلك فلم لا يطلق على النبي مع نيابته عن اللّه سبحانه و تعالى؟

و الحاصل ان عدم اطلاق الفقيه عليهم (عليهم السلام) ليس من جهة أن علمهم الهامي فان اطلاق الفقه على العلم صحيح من غير فرق بين أن يكون الهاميا أو استدلاليا لكن حيث ان مقام الامام أرفع من ذلك كان اطلاق الفقيه عليه دون شأنه.

نعم. قد ورد تلقيب أبي الحسن مولانا الكاظم (عليه السلام) بالفقيه في سند الروايات‏ (1) إلّا أن ذلك كان في جهة التقية و إرادة المعنى اللغوي منه.

المبحث الخامس. [تقييد الأدلة بالتفصيلية]

الاتيان بقيد التفصيلية مخرج لعلم المقلد. كما ذكروه.

حيث قالوا انّه أيضا عالم و لكن من دليل اجمالي.

هذا. و لكن لا بد من بيان أمر- و هو ان المقلد هل له علم بالحكم الشرعي الفرعي حتى يكون قيد التفصيلية مخرجا له؟ و قولهم فتوى المفتي دليل اجمالي.

نقول. لا بد أولا من بيان معنى الدليل.

[تعريف الدليل و تفسيره‏]

فالدليل. على ما ذكر في محله اما انّى أو لمى فإن كان العلم من العلة بالمعلول فهو لم و عكسه انّ و عن أحد معلولي علة واحدة بالمعلول الآخر مركب- و حينئذ نقول هل فتوى المفتي علة للحكم الشرعي أو معلول له أو هو من القسم الثالث-؟

نعم انّ الكتاب كلام اللّه سبحانه و تعالى و هو دليل على مراده و كذا السنة و الاجماع أيضا كذلك لرجوعه الى السنة بناء على الظن أو الكشف و العقل أيضا بناء على ما هو الحق من الحسن و القبح العقليين كذلك اذ هو علم من العلة بمعلول فيكون لميا. و من المعلوم أن فتوى المفتي ليس كذلك أصلا و لا يكون دليلا و لذا لو سئل المقلّد ان فتوى هذا

____________

(1) يراجع في ذلك مصادر الحديث و الرواية و الدراية و تراجم الائمة المعصومين (عليهم السلام).

14

المقلد حق أو فتوى من قلّدته سابقا و أيّهما موافق للواقع لم يعلم ذلك بوضوح. و أما قولهم هذا ما أفتى به المفتي و كلما أفتى به فهو حكم اللّه في حقّي. فليس هذا قياسا بل هو ليس إلّا ترتيب قياس و صورته و المعلوم أن القياس يحتاج الى شرط آخر مفقود في المقام. و بعبارة أخرى اذا قيل هذا بول و كل بول يجب الاجتناب عنه ان البول موضوع و ليس دليلا للحكم و هكذا في المقام فما أفتى به المفتي ليس إلّا موضوعا للتقليد و أما دليل الحكم أي جواز التقليد فهو ليس إلّا الأدلة المجوزة للتقليد لا شي‏ء آخر.

و المتحصل ان فتوى المفتي ليس بدليل ذاتا إلّا أنه حجة من قبل الشارع فهو موضوع للحكم و المراد من الحكم هو جواز العمل لا الحكم الواقعي فيرجع قوله (حكم اللّه في حقي) الى الحكم الظاهري الذي هو منشأ للتنجز و العذر فهو مأمور بالعمل و ليس بعالم و فتوى المفتي في حقه لا يكون دليلا لجواز عمله حتى يقال بأنه عالم بل هو موضوع الحكم الظاهري كما تبين- و النتيجة الحاصلة من هذا المبحث انه لا احتياج الى قيد التفصيلية لاخراج علم المقلد اذ لا علم له حتى يتكلف في اخراجه.

المبحث السادس- في اشكال اتحاد الدليل و المدلول.

ذكر في القوانين‏ (1) أنه بناء على أن يكون الحكم الشرعي عبارة عن خطاب اللّه المتعلق بأفعال المكلفين يلزم اتحاد الدليل و المدلول. حيث قال في تقريره (مع كون الكتاب من أدلة الأحكام و هو أيضا خطاب اللّه فيلزم اتحاد الدليل و المدلول).

أقول. بل و يلزم أيضا اشكال آخر أفظع من الأول و هو لزوم أن يكون دين اللّه عبارة عن عدة ألفاظ و عبارات مثل لفظة أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و غير ذلك‏

____________

(1) القوانين المحكمة: ج 1 ص 5، الطبعة الحجرية القديمة.

15

و لو كان كذلك (بالفرض المحال) لزم أيضا أن تكون الأحكام كلها ضرورية فان الخطاب اللفظي من المسموعات فيدخل في المحسوسات. و لو كانت ضرورية لما احتاجت حتى الى النظر و الاستدلال مع أن موردهما هي الجهات النظرية لا الضرورية. الى غير ذلك من التوالي الفاسدة المترتبة على ذلك.

[اشارة اجمالية إلى الكلام النفسي‏]

ثم انه (قدّس سرّه) قال: و استراح الأشاعرة بجعل الحكم هو الكلام النفسي و الدليل هو اللفظي و رد (قدّس سرّه) عليه بأنه مع أن الكلام النفسي فاسد في أصله ان الكتاب مثله حينئذ كاشف عن المدعى لا أنه مثبت للدعوى فلا يكون دليلا في الاصطلاح‏ (1).

أقول. يلزم أولا بيان ما سماه الأشاعرة كلاما نفسيا مع الوجه في القول به ثم البحث في انه هل يمكن أن يستريحوا به عن الاشكال؟ ثم بيان ما هو الحق في الجواب. فنقول:

ذكروا ان من جملة صفات الباري عزّ اسمه كونه متكلما (2) و المتكلم في الأصل فاعل و يطلق الفاعل على من قام به المبدا فالمتكلم هو من قام به التكلم و عليه فيصدق ان يقال أنه سبحانه و تعالى قام به التكلم مع ان التكلم فعل يحدث و يزول و يصدر و ينقضي و ذلك مستلزم للقول بأن اللّه محل للحوادث و هو غير معقول فلذا ذهبت الأشاعرة الى أن المراد بالكلام في المقام هو الكلام النفسي و قالوا انه مدلول للكلام اللفظي و هو أمر مغاير للعلم و الارادة و الكراهة و الخبر و الانشاء و قد قال شاعرهم:

ان الكلام لفي الفؤاد و انّما جعل اللسان على الفؤاد دليلا.

و بعبارة أخرى أنهم قد تصرفوا في صغرى القياس فذهبوا الى أن الكلام لفظي و نفسي و المناسب للصقع الربوبي هو الثاني و هو قديم فلا يلزم قيام الحادث‏

____________

(1) نفس المصدر.

(2) يراجع الكتب الكلامية كشروح التجريد و غيرها.

16

بالقديم اذ ليس كلامه سبحانه و تعالى من مقولة اللفظ كما ان منهم من منع الكبرى و جوّز قيام الحادث بالقديم و زعم بعضهم ان الكلام اللفظي قديم أيضا كما ربما يظهر من بعض الحنابلة حتى قالوا بقدم جلد القرآن و قال بعضهم: ان الكلام اللفظي في المقام حق و لكن ليس له قيام بالباري و عزّ جل بل انّما قيامه بالملك و لكن يستند اليه تعالى مجازا فينسب اليه الكلام اللفظي لا على وجه القيام به.

و الحاصل انّ الأشاعرة لم يقولوا إلّا بالكلام النفسي.

[بطلان الكلام النفسي‏]

و الجواب- أما أولا. فانّ الكلام النفسي غير معقول فانّ الإخبار في الجمل الخبرية يكون قيامه بالعلم و هو المدلول الذهني له و أما الانشاء في الجمل الانشائية فقيامه بالارادة و الكراهة و ليس في البين ما كان خارجا عن الخبر و الانشاء أي عن العلم و الارادة و الكراهة مع انهم صرحوا بأن الكلام النفسي مغاير لذلك كله. و على دعواهم هذه فإنّا لا نعقل ذلك و لا نتصوره.

و ثانيا. فمع الغض عن صحته و استحالته لا يكون ذلك دافعا للاشكال و لا يمكنهم الاستراحة به بل الاشكال باق حتى على الكلام النفسي سواء كان الكلام اللفظي كاشفا عنه أو مثبتا له. و الوجه في عدم اندفاع الاشكال على رأيهم. هو انه لما أنكروا الكلام اللفظي في حقه تعالى و تعظم و لم يتصوروه فكل ما هنالك لا يكون نفسيا فالمدلول نفسي و الدليل أيضا نفسي اذ ليس مطلق الخطاب خطابا للّه بل ما كان خطاب اللّه و هو عند الأشاعرة ما أحضر في النفس فرجع اشكال الاتحاد لكن هذا الاتحاد يكون نفسيا على مقتضى رأي الأشاعرة و لفظيا على صورة انكار الكلام النفسي.

[التحقيق في دفع أصل الاشكال في المقام‏]

و التحقيق. أما في أصل الاشكال. فنقول: انه مبنى على أن يكون الحكم الشرعي عبارة عن خطاب اللّه و من البديهي انه ليس كذلك و ليس الحكم الشرعي هو قوله سبحانه و تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ* بل الحكم هو مضمون ذلك و تعريف الحكم‏

17

بخطاب اللّه انّما هو في الأصل مأخوذ من أبي حامد الغزالي و هو كان من الأشاعرة و مراده من خطاب اللّه هو الكلام النفسي و هو خطاء في أصله كما عرفت. نعم قيل:

انه استبصر في آخر عمره و رجع الى مذهب الحق. و على ما ذكرنا فلا نرى وجها لتعرض المحقق القمي في القوانين لهذا الأمر الخالي عن الصحة و التعقل و التكلف في البحث عنه و ردّه.

و أمّا بالنسبة الى الكلام. فان قولهم الفاعل من قام به المبدا. ليس المقصود ما تخيلوه بل أن قيام الفاعل بالمبدإ قد يكون على وجه الاتصاف و تارة يكون على وجه الصدور اذ مبادي الأفعال قسمان أوصاف و أفعال. و الأول كالعلم و الجهل و القدرة و الحياة و هذه المبادي و أشباهها قائمة بالذات و الثاني كالضرب و الجرح و القتل و هذه مبادئ صادرة عن الذات فالجرح فعل يصدر عن الذات و يقوم بالمجروح و من هذا القبيل التكلم فهو فعل يصدر عن الذات و لا يقوم بها حتى يرد من المباحث ما عرفت. فالقيام في الفاعل لا يصح بإطلاقه بل قد يكون صدوريا و كان الأولى ان يقال: انّ الفاعل منشأ الفعل أو ما يعطى هذا المعنى ليشمل القسمين.

و الاشكال في التكلم قد نشأ من أخذه قائما بالمبدإ و عليه فيلزم تعميمه بالنسبة الى الخلق و الرزق و الاحياء و الامانة فيقال ان الخالق من قام به الخلق الخ و هذا مما لا يكون. فالحق ما ذكرناه من ان قيام الأفعال صدوري لا اتصافي.

[تعريض بالمحقق القمي في جوابه عن الاشكال الوارد في المقام بالاجمال و التفصيل‏]

و أما ما أجاب به المحقق القمي (قدّس سرّه) عن الكلام النفسي في المقام (مضافا الى عدم معقوليته في أصله) من ان الكلام اللفظي حينئذ كاشف عن المدعي لا انه مثبت للدعوى فلا يكون دليلا في الاصطلاح ...

فقد يقال: (الاثبات) و يراد به الايجاد و قد يطلق على ما يوجب العلم كما تقول شهادة الفلاني هل مثبتة لهذا الحق أولا-؟ فلا يراد ان الشهادة توجد الحق بل انّما هي سبب لثبوته و هذا عين الكشف و الحاصل ان الاثبات ليس معناه ايجاد ما لم يكن.

18

لا يقال ان مورد الكشف هو ما كان مغفولا عنه و أما الاثبات فمورده غير ذلك.

فانه يقال. اما أولا- فان دعوى الملازمة بين القول بالكلام النفسي و بين ان يكون الكلام اللفظي كاشفا عنه لا مثبتا له غير مسموعة و ان قلت: ان الكلام النفسي ينكشف باللفظي مع ان الدليل ما يثبت و لازمه وجود النتيجة في الذهن قبلا ثم كون المقدمات واسطة في الاثبات. قلت: ان كلام الأشعري غير ملازم مع الغفلة حتى يناقش بالكشف دون الاثبات بل يقول ان الحكم المثبت هو الدليل على الكلام النفسي فكلامه غير ملازم مع الغفلة. هذا أولا. و أما ثانيا. فنحن نسلم ان الدليل هو المنشأ لثبوت النتيجة و لكن نقول انه لو عرض دليل غفلة و حصل التوجه اليه لفتة لم يخرج عن كونه دليلا فدعوى الملازمة بين الدليل و بين أن لا يكون مورده إلّا الاثبات غير مقبولة بل أن اللازم في البين هو وجود استدلال يطلب النتيجة من المقدمات و اللازم في الاستدلال ان تكون النتيجة معلومة و أما في دلالة الدليل فلا يجب تذكر النتيجة من قبل.

و الذي يسهل الخطب فان التعريف كما قلنا سابقا ليس تعريفا أساسيا بل هو من الغزالي و على طبق مسلكه و مذهبه أو انه ذكره على نحو من التوسعة.

و أما ما ذكره صاحب القوانين في حل الاشكال من الاجمال و التفصيل فلم نقف له على وجه فانّه لو كان الخطاب هو المجمل و المراد هو المفصل لزم ان تكون الأحكام هي الخطابات المجملة و التفصيلات هي الخطابات المفصلة و المعلوم ان المجملات لا تستنتج من المفصلات بل انما تحصل منها فلا يكون استدلالا و لا يرفع غائلة اتحاد الدليل و المدلول.

19

المبحث السابع. اشكال أخذ العلم في تعريف الفقه‏

ذكروا أن أدلة الفقه بين ظنّي الدلالة أو السند (1) و النتيجة تتبع أخس المقدمات فما ذكر من التعريف للفقه غير منطبق على زمان الانسداد. فلا يكون التعريف المشار إليه جامعا.

[اشارة الى مسئلة انفتاح باب العلم‏]

أقول: انه نسب الى السيد المرتضى القول بالانفتاح‏ (2) و ذلك لا ينكره الفقهاء و لكن يقولون انه (قدّس سرّه) كان قريب العصر الى الائمة من أهل البيت (سلام اللّه عليهم أجمعين) و حينئذ فللتعريف وجه و أما في زماننا الذي بعد عن عصرهم (عليهم السلام) فلعله قد خفى علينا ما كان واضحا عند المرتضى من القرائن.

و التحقيق. ان دعوى السيد ليس هو انفتاح باب العلم القطعي فانّه قد صرح في موضعين من الذريعة أن مرادنا بالعلم ما يقتضى الاطمينان و سكون النفس. و لا يخفى أن هذا لا يختص بزمان السيد (قدّس سرّه) و ذلك بشهادة الأجلّة من العلماء كالشهيدين و الشيخ البهائي (قدّس سرّهم) حيث ذهبوا الى أن الأخبار الواردة في الكتب الأربعة بل مطلق الروايات الموجودة بأيدينا مما في كتب الصدوق و غيره قد أخذ كل ذلك من الأصول الأربعمائة و هذا كالشمس في رائعة النهار فهي صحيحة الاسناد و ان كان بعض رواتها ضعيفا فالسند في الأصول الأربعمائة إمّا القطع تحقيقا أو سكون النفس فالكتب الأربعة مأخوذة من تلك الأصول و لم تقع بعد ذلك صدمة في الاسلام و في ذخائرنا العلميه بل انه قد أجاز العلماء يدا بيدا سلفهم لخلفهم و كانوا يقرءونها على المشايخ و قد صرح الجواهر في بعض كلماته ان نصّ الروايات التي كانت فيها خصوصيات بحيث احتمل فيها الطرفان قد قرأت على المشايخ و صححوها و نقحوها.

____________

(1) معالم الأصول: صفحة 23.

(2) راجع فرائد الأصول للشيخ الأعظم الأنصاري مبحث حجية الظن و ما بعده.

20

و على هذا فإذا علم أن العلم هو العلم العادي و هذا علم عرفا و ان لم يكن تحقيقا إلّا أنه ملحق بذلك في الاعتبار بحكم العرف و العقلاء و انّه لا فرق بين زمان السيد و زماننا حيث انحصر المستند في هذه الأخبار و لم يقع فيها تصرف فالقول بالانفتاح بهذا المعنى في محله أي وصلت بمرحلة الاطمينان و سكون النفس فالمقدمات من حيث الطريقية قطعية بهذا المعنى. فلا اشكال في مرحلة السند.

و أما في مرحلة الدلالة. فالحال فيها بعين ما سبق لعدم الفرق في ذلك بين زماني الانفتاح و الانسداد بالنسبة الى المداليل كأصالة الاطلاق و العموم و الحقيقة و نحو ذلك حيث أنها كانت و هي لا تزال موجودة بأيدينا و ما يقال من الابتناء على الظن النوعي فإطلاقه محل نظر فان مرجع أصالة الاطلاق و العموم و الحقيقة الى الأخذ بالمقتضى و عدم الاعتناء بالمانع‏ (1) و هكذا غيرها فلا ابتناء على الظن لا في الطريق و لا في الدلالة فاشكال أخذ العلم غير وارد من أصله و أساسه. و التعبير بالظن النوعي ليس إلّا مجرد عبارة حيث قالوا ان معناه انه لو خلى و طبعه كان مفيدا للظن. و فيه انه لو خلى و طبعه يفيد العلم فانّه اذا زال المانع كالتقييد و المجاز و الخاص فيبقى العام و الاطلاق و الحقيقة مفيدة للعلم.

و لو سلمنا ورود الاشكال على التعريف و لكن نقول: ان الفقه علم ليس إلّا و دعوى انسداد باب العلم لا توجب على فرض صحتها زوال معنى الفقه فانّه حين‏

____________

(1) هذا على المبنى الذي اختاره سيدنا الأستاذ المحقق (قدّس سرّه) وفاقا لأساتيذه العظام و تبعا للشيخ العلامة المدقق المرحوم الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي (من أكابر تلاميذ الشيخ الأعظم الأنصاري الكبير) (قدس اللّه أسرارهم) حيث جعلا قاعدة المقتضى و المانع أصلا و مبنى لهما في جلّ أبواب الأصول سواء مباحث الألفاظ و الأصول العلميه. راجع كتبهم الأصولية كمحجة العلماء للشيخ الطهراني و القواعد الكلية و المقالات للأستاذ المحقق و غير ذلك و في هذا الابتناء نقود و بحوث ليس هاهنا محل ذكرها.

21

يرجع الأمر الى ما نزل منزلة الفقه و هو العمل بالظنون فيطلق الفقيه على العامل بها تنزيلا. و بعبارة أخرى إنّ التعريف لأصل الفقه و هو محفوظ باق على حاله و إن كنا نحن غير واصلين اليه في زمان الانسداد على حسب ما يذهب اليه قائله و عدم التوصل اليه حقيقة لا يوجب زوال معناه و ذهابه حتى يورد على تعريفه بما ذكرناه مع الجواب عنه.

و قد أجيب عن أصل الاشكال بوجوه.

أحدها. [و الايراد عليه‏]

ان العلم أعم من الاعتقاد الجازم المانع من النقيض و الراجح غير المانع منه و المراد منه في التعريف هو الثاني فيكون مجازيا من باب استعمال الخاص في العام.

و فيه. ان العلائق المرسلة على ما ذكرنا في محله لا يكون شي‏ء منها مصححا للتجوز و قد ابتدع أهل المعاني هذه العلائق و ليس إلّا اشتباها منهم مع انهم أنفسهم قد اعترفوا بعدم اطرادها في جميع الموارد و قد تنبهوا الى أنها لو كانت منشأ لصحة الاستعمال للزم ان تكون مطردة فلذا ذكر بعضهم انه ليست هذه العلائق مما يلزم ان تكون دائرتها وسيعة شاملة مطردة بل اللازم هو صنف منها و ان لم نعلمه بعينه و أنت ترى ان هذا العلة أشنع فانّه إحالة الى المجهول و الصحيح ما أوضحناه ان في بعض موارد العلائق المرسلة لا يكون في البين إلّا الحقيقة و بعضها من باب الاستعارة المقيدة و بعضها من التجوز في الاسناد و سيأتي توضيح ذلك في مبحث الحقيقة و المجاز إن شاء اللّه تعالى.

ثانيها. [و هو للعلامة (قدّس سرّه) و توجيهه‏]

ما عن العلامة (قدّس سرّه) من أن ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم‏ (1). و قد حمل بعضهم كلامه (قدّس سرّه) على الحكم الظاهري فالظنية هي الحكم الظاهري و القطعية

____________

(1) معالم الأصول: ص 24.

22

هي الواقعي و لكن ذلك خلاف ظاهر عبارة العلامة نعم يمكن حمل كلامه على الحكم الواقعي و لكن ببيان لا يترتب عليه ايراد و ذلك ببيان مراتب الحكم التي أوضحناها تفصيلا و بنينا عليها في كثير من المباحث و هي انّ الحكم التكليفي له ثلث مراحل التحقق و التعلق و التنجز.

[بيان مراحل الحكم التكليفي (التحقق و التعلق و التنجز)]

و بناء على ذلك فمن الممكن ان يكون الحكم الواقعي معلوما في مرحلة مجهولا في أخرى كما اذا ثبت حكم ثم شك في نسخه فالأصل عدم النسخ أو ثبت التكليف و تردد أمره بين طرفين فيعلم اجمالا بثبوته فيجب الاحتياط ان أمكن الجمع و إلّا فالتخيير و كذا في مورد الاستصحاب و حتى نقول: ان قوله ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم يقصد به ان الحكم في مرحلة التنجز ثابت معلوم و ليس ذلك حكما آخر بل التنجز انّما هو وظيفة المكلف بالنسبة الى الحكم الواقعي فهو في مرحلة التنجز معلوم و في مرحلة التحقق مجهول أو بالعكس فالتنجز قسمان واقعي و ظاهري و مورد الأول هو العلم بثبوت الحكم إلّا أنه لو شك في زواله فالوظيفة هو الاستصحاب و العمل بالتنجز فالعذر و التنجز انّما هما صفتان بالنسبة الى الحكم الواقعي و الحاصل ان ظنية الطريق انّما هي في مرحلة التحقق أو التعلق و أما في مرحلة التنجز و العذر فالعلم حاصل ثابت.

ثالثها. [ (تقسيم الحكم الى الواقعي و الظاهري و المناقشة فيه)]

ان الأحكام قسمان واقعية و ظاهرية فلو لم يحصل العلم القطعي بالحكم الواقعي و لكن لا شك انّه يتعلق بالحكم الظاهري.

و فيه انه لا مجال للتفكيك بين الحكم بالواقعية و الظاهرية. بيان ذلك. انّه لا ريب في وجود أحكام واقعية ثانوية كالجلوس في الصلاة بدلا عن القيام و التيمم بدلا عن الغسل و الوضوء. و أما مجرد الأصول العقلية و كذا الامارات فهل هي أحكام واقعية ثانوية فتكون بدلا عن الواقعية الأولية أو أنّها أحكام ظاهرية؟ أقول: ان من الواضح المعلوم ان قوام البدلية و ملاكها ليس هو الشك و غيره من الظن أو الجهل بل‏

23

اعتبارها انّما هو بالعجز مع انّ في هذه الموارد المعبر عنها بالأحكام الظاهرية يكون الشك أو الظن مأخوذا في الموضوع سواء في ذلك الأصول أو الامارات من البيّنة و خبر الواحد و اليد بناء على كون الأخير امارة فلا بد حينئذ من النظر في ان الأصول و الامارات هل هي من أحكام الشك و نحوه أو أنّها من أحكام العلم اذ الموجود في مواردها علم و شك فمورد الاستصحاب هو العلم بالسابق و الشك في اللاحق و مورد البراءة هو العلم بالعدم الأزلي و الشك في حدوث التكليف و الاحتياط هو العلم الاجمالي بالحكم و الشك في ان المأمور به أو المنهى عنه هذا أو ذاك و هكذا في باقي الموارد.

أما الاحتياط و التخيير و الاستصحاب فهي آثار العلم دون الشك أما البراءة فهي كما ذكرنا علم سابق و شك لا حق فمرجع الأصول الأربعة انّما هو الى العلم و المعلوم ان أثر العلم ليس تكليفا جديدا و أما الامارات. فمرجعها الى تنزيل الدليل غير العلمي منزلة العلمي و الدليل العلمي أثره اعطاء العلم و أثر العلم هو التنجيز فالامارات التي تقوم مقام الدليل العلمي أثرها أيضا أثره و لكن تنزيلا فخبر الواحد مثلا يكون أثره تنجز مؤداه و ثبوته و هكذا غيرها فالمرجع فيها أيضا هو التنجيز.

فالمتحصل ان مرجع الأصول و الامارات هو العلم و التنجز و العذر فلا حكم في مقابل الحكم الواقعي فلا مجال للتفكيك بين الحكم الواقعي و الظاهري و ما أجاب‏ (1) صاحب المعالم عن الجواب الذي تقدم من العلامة. انما يتفرع على التفكيك المذكور و ليس كذلك. نعم. ما ذكرنا سابقا هو الحق في توجيه كلام العلامة من أن الأحكام الواقعية في مرحلة الثبوت و التنجز معلومة و إن كانت في مرحلة أخرى مظنونه.

____________

(1) معالم الأصول: ص 24.

24

«تتميم» [تنجز الحكم يتوقف على أمور أربعة]

إنّ تنجز الحكم يتوقف على أمور أربعة: العلم و القدرة و الالتفات و عدم الابتلاء بالأهم. فإذا اختل أحد هذه و انقلب يثبت العذر إلّا أن آثار العذر مختلفة في هذه الموارد فانّ أثر العذر في مورد الحكم التكليفي الحاصل عن جهل أو غفلة لا يكون منشأ لصحة العمل فلو فات عنه جهلا أو غفلة لم يكن هنا مقتض للحكم بالصحة و هكذا في مورد العجز فإنّه عذر إلّا أنه لا يوجب الحكم بصحة العمل المأتي به في حاله إلّا ما خرج و أما في المورد الرابع فلو ابتلى بالأهم صار معذورا عن اتيان المهم لكن لو عصى الأهم و فعل المهم كان صحيحا اذ المهم في مرحلة التعلق باق بحاله و لم يتغير و المزاحمة الواقعة بينه و بين الأهم انّما هي في مرحلة التنجز لا التعلق و اشتراط التنجز لا يكون منشأ لفساد العمل اذ الوجه في تقديم الأهم ليس منشؤه إلّا وجود كمال فيه لا لوجود نقص في المهم و على هذا فلا احتياج الى مسئلة الترتب مثل ما اذا كان مديونا قادرا على الأداء و طالبه الدائن لكن عصى و اشتغل بالصلاة في سعة الوقت و غير ذلك من المصاديق. فلا حاجة الى تجشم تطبيقها على القواعد من أنه لو كان الأمر بشي‏ء مقتضيا للنهي عن ضده الخاص للزم أن يكون الأهم منهيا و إلّا أوجب سقوط الأمر بالمهم لا أقل فإذا سقط المهم لم يكن مجال للحكم بصحته لو أتى به فتمسكوا بالترتب. اذ إنّا نقول لو كان المستند هو البقاء في مرحلة التعلق فلا مانع و إن لم يكن في هذه المرحلة بل في التنجز فنحن نوافق في النتيجة و هي الحكم بصحة اتيان المهم حين عصيان الأهم لكن لا من حيث أن المنجز هو الأهم و قد ارتفع تنجزه بعصيانه.

25

و قولهم انّ سقوط الأمر بالمهم انّما هو بسبب الأمر بالأهم فإذا عصى الأهم كان المهم باقيا. يرد عليه أن العصيان لم يوجب سقوط الأمر بالمهم فالأمر به باق حتى في مورد العصيان فتنجز الأهم هو المانع من الأمر بالمهم فالمزاحمة انّما هي في مرحلة التنجز و أما في مرحلة التعلق فلا مزاحمة فهو أي المهم باق في تلك المرحلة فالحكم بصحته حتى عصيان الأهم مستند الى بقاء المهم في مرحلة التعلق و لا احتياج الى التنجز إلّا أن يكون في البين خلل من ناحية أخرى و إلّا فمن ناحية تقديم الأهم على المهم ليس إلّا العذر عن المهم لا لنقص فيه.

[اشكال و جواب‏]

و لكن هنا اشكال قد تعرض له بعضهم و هو انّ بقاء التكليف في مرحلة التعلق مع العذر عن اتيانه أمر غير متصوّر فانّه لو كان ثابتا في هذه المرحلة فقد توجه الحكم اليه كذلك مع أنه لا يجوز الاتيان به عند اشتغال الذمة بتنجز الأهم و كيف يجوز انشاء الحكم و الأمر به تعلقا مع عدم القدرة عليه شرعا فمع المنع و النهي كيف يبقى تعلق؟

و الجواب. انّ هذا يصح فيما لو كان الحكم الشرعي التكليفي من مقولة الانشاء و المنشئات و حينئذ فلا مجال للانشاء و الخطاب و التعلق و لكن لا نقول بذلك و الطريق الى التوصل بأنّ الحكم هل هو من مقولة المنشئات أم لا؟ يحصل من قبل آثار الحكم التكليفي فانّ ما كان من هذه المقولة لا أثر له إلّا اذا كان هنا انشاء كالبيع و النكاح و الطلاق و العتق و أما ما كان أثره استحقاق الثواب و العقاب فلا يستند الى الانشاء بل الى الارادة النفسانية الموجودة في نفس الآمر الحاكم و من البديهي انّه لو علم العبد بأنّ ارادة المولى في نفسه حتمية و لكنه لم ينشئ لمصلحة أو لالتفاته الى علم العبد بذلك ثم ترك العبد و لم يأت بمراد مولاه لما قبل ذلك عنه و لم يسمع منه عذر بل انه قد يكون في بعض الأوقات انّ الارادة الشأنية النفسية كافية و لو لم تكن فعلية كما اذا كمن العدو للمولى و التفت العبد و لم يدافع عن مولاه بل ادعى ان المولى لم يأمره‏

26

بالدفاع لما كان هذا العذر منه مقبولا عند العقلاء. و المتحصل انه قد علم بهذا البيان انّ الحكم التكليفي ليس من مقولة المنشئات بل ان الانشاء متأخر عن الحكم و لا مانع من الأمر النفسي الموجود في مرحلة التعلق فالتعلق باق و هو منشأ لصحة العمل و لا خلل في ناحية الامتثال نعم لو كان خلل كذلك لم يكن العمل صحيحا مثل صوم المريض و المسافر.

[المفاهيم و المرادات ثلاثة أقسام‏]

و إن شئت تفصيل هذا فنقول: إنّ المفاهيم على ثلاثة أقسام: قسم يتمخض في القضية الخبرية فلا يحصل المؤدى فيه إلّا بالإخبار و قسم لا يحصل مؤداه إلّا بالانشاء كالعقود و الايقاعات و قسم يحصل بكل من الأخبار و الانشاء كما يقول الطبيب للمريض الدواء الفلاني نافع و الطعام الفلاني ضار و قد يقول له اشرب ذلك الدواء و لا تأكل ذاك الطعام فمؤدى الأمرين واحد و لا يخفى أن الانشاء في القسم الأخير طريق و لا موضوعية له.

و أما الأوامر و النواهي فهل هي من قبيل القسم الثاني أو من الثالث؟ من البديهي ان الموضوعية و الطريقية تستكشف من ترتب الآثار فالأوامر الصادرة من الطبيب انّما هو لبيان الضرر و النفع ليس إلّا فهو لا ولاية له على المريض حتى يجعل حكما عليه اذ الحكم المولوي يتبع الولاية من الحاكم و هذا هو معنى العلو و الاستعلاء في الأمر فإنّ الآمر قد يأمر بأمر بما أنّه له الولاية و قد يأمر لا بهذا العنوان كقوله (صلّى اللّه عليه و آله) لبريرة: ارجعي الى زوجك. و هي فهمت ذلك حيث قالت أ تأمرني؟

قال: لا بل أنا شافع فانشاء الطبيب طريق لا موضوع و أما العقود و الايقاعات فلا تتحقق إلّا بالانشاء فلا بد للمنشئ من سلطنة و إلّا فلا بد و ان ينتهي الى من له ذلك كالفضولي حيث أنه لا بد من انتهاء بيعه الى الأصيل- و أما الطلب المولوي فلا يكون فرع البعث أو الزجر الخارجي فيثبت حتى بالخبر بل قد يتحقق بدون الطلب النفسي كما مرّ من المثال.

27

و لكن حيث تخيلوا أن الحكم التكليفي من مقولة المنشا أو الانشاء و قالوا في الانشاء بالموضوعية فقد وقعوا في الاشكال و الحيرة بالنسبة الى بعض الفروع الفقهية و من ذلك، اذا توسط الأرض المغصوبة فهنا خطابان أحدهما بلا تغصب و الثاني بالخروج فذهب بعضهم الى أنه لا مجال للخطاب الأول مع أن استحقاق العقاب ثابت بقى فيها أم خرج و لذا قام بعضهم بدفع الاشكال و ذكر أن العقاب انّما هو بسبب النهي الحاصل قبل الدخول مع أنه يرد عليه أن النهي المفروض قد انقطع حين الدخول فإذا دخل لزم أن لا يبقى عقاب و الحاصل انّه مع عدم تصور الخطاب و الانشاء كيف تتحقق حرمة الغصب و ثبوت العقاب فلذا اضطر بعض منهم الى القول بنفي العقاب. و الحق في الجواب أن الحكم موجود في كل من مرحلتي التعلق و التنجز من دون لزوم التعبير عنه بخطاب حيث عرفت أن الحكم يتحقق حتى بالطلب النفسي و لا يتفرع على البعث و الزجر الخارجي. و هكذا بالنسبة الى فرع آخر أعني الصوم في حق المريض و المسافر مثلا. و المتحصل ان هذه الموارد يسهل حلّها بما ذكرناه في حال الحكم التكليفي.

المبحث الثامن: [حرف التعريف في (الأحكام) هل هو للاستغراق أو للجنس؟]

ذكروا أن حرف التعريف في الأحكام إن كان للاستغراق لزوم خروج جلّ الفقهاء لو لا كلهم عن التعريف فلا يكون منعكسا و إن كان للجنس دخل المتجزى فيه فلا يكون مانعا.

و الجواب. أنّ الأحكام عبارة عن القواعد الكلية و اللازم معرفة الفقيه بها و هذا لا ينافي التوقف و التأمل في الجزئيات و المسائل فإذا كان عارفا بها فلا مانع من أن يتوقف احيانا في تطبيق الكبريات على بعض الفروع الجزئية و هذا لا يستلزم عدم كونه فقيها بل و لا ينافي اطلاق اسم الفقيه عليه و كذا في اختلافهم في مرحلة التطبيق بعد اعمال أصل القاعدة فانّ الحكم الشرعي مع ذلك محفوظ. فالاشكال مرتفع من أصله.

28

المبحث التاسع: حول الأصل و أصول الفقه.

الأصول هو جمع الأصل و اذا قلنا أصول الفقه فهنا معنيان لغوي و اصطلاحي.

أما الأصل فقد فسره أكثرهم بما يبتني عليه شي‏ء غيره إلّا أن الجامع له بحسب الاطراد في الموارد هو ما يقابل الفرع فيقال أصل النبات و أصل الشجر في مقابل الفروع و هي الأغصان و الأوراق فهذا المعنى في خصوص النبات حقيقي و أما في غير ذلك فهو تنزيلي كما في القاعدة حيث يعبر عنها بالأصل فإنّها وضعت لاستخراج الحكم الجزئي عنها التي هي بمنزلة الفروع بالنسبة اليها و هكذا في مقابل ساير الموارد التي قد يكون الأصل فيها مطابقا للقاعدة و قد يكون مخالفا لها كالاستصحاب فيعبر بقاعدة الاستصحاب أو أصل الاستصحاب فهنا أيضا تكون الجهة المتقدمة ملحوظة و هي استخراج جزئيات منها و غير ذلك من القواعد الشرعية أو غير الشرعية مستقرئة كانت أو عقلية و هكذا اطلاق الأصل على الدليل و على أساس الجدار فكل هذه الموارد تنزيلي لوضوح أنه لو ابتنى شي‏ء و لم توجد فيه الحيثية المذكورة لم يكن أصلا في الحقيقة فانّه ليس عبارة عن مجرد وضع لبنة على لبنة أو غير ذلك.

و المراد بأصول الفقه قواعده و وجه اضافتها اليه ارتباطها به و هذا في مقابل قواعد الفقه التي هي عين الفقه و هكذا الحال في أصول الدين فالتعبير عن الأصول بالقاعدة و الدليل انّما هو للتنزيل منزلة أصل النبات كما ظهر. و من جملة الموارد الاستيصال أي القطع من أصله و أساسه. و الغدوّ و الآصال و الأصيل هو طرف العصر في مقابل البدوّ و قد ذكر بعضهم في وجه التنزيل هو ان قطع الشي‏ء انّما يكون بقطع أصله و الأخذ و الشروع في القطع انّما هو من الطرف الأعلى الى أن يصل الى منتهاه و أصله.

29

موضوع الأصول‏

[بيان الضابطة في تمايز كل علم عن باقي العلوم‏]

إنّ أصول الفقه قد جعله أرباب الفنون مستقلا بالبحث عنه فهو بهذا الاعتبار و إن كان علما برأسه في قبال ساير العلوم إلّا ان ذلك ليس من جهة أنّه فن مستقل في حد نفسه في مقابل غيره من الفنون و ذلك لعدم صلاحيته لأن يكون فنا واحدا ذا استقلال بل هو عبارة عن عدة مسائل متشتته جمعها ارتباطها بالفقه و تحقيق ذلك يتوقف على بيان الضابطة و الميزان في كل فن حتى يتّضح الحال في هذا المجال فنقول و على اللّه الاتكال في جميع الأقوال و الأفعال:

لا كلام في اشتمال كل فن على عدة مسائل لا تصير تلك المسائل فنا واحدا إلّا بعد رجوعها الى عنوان واحد و إلّا لكان كل مسئلة علما برأسه فجعل الفنون انّما هو باعتبار تصور الجامع بين المسائل المتفرقة حتى يمتاز كل فن عن غيره و تفترق مسائله عن مسائله. و قد ذكروا أن هذا الجامع عبارة عن رجوع المسائل الى موضوع واحد حيث قالوا ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و هذا أمر معقول لوضوح انه و إن كان البحث و السؤال عن أحوال زيد مثلا و انه من أي بلد و من أبوه و أين مسكنه و ما هو حرفته جهات مختلفه إلّا أنّها ترتبط بشخص واحد و ترجع الى موضوع فارد.

ثم انهم قد تفطنوا الى جهة أخرى و هي ان الموضوع أما ابتدائي و أما أعم منه و من الثانوي و غيره فإن كان الملاك في التمايز هو الأول لزم استقلال كل مسئلة و صيرورتها علما واحدا فانّ الموضوع في رفع الفاعل غير الموضوع في نصب المفعول و إن كان الملاك هو الثاني لزم اختلاط الصرف و النحو و المعاني و البيان لرجوع جميعها

30

الى الكلمة و الكلام فلذا قد ارتكبوا في الموضوع تخصيصا فرارا عن المحذور فقالوا موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية اذ هي قسمان ذاتيه و غريبه و عرفوا الأولى بما يعرض بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو و الأول كعروض الاسمية و الفعلية و الحرفية للكلمة فإنّها تعرضها من دون واسطة و الثاني كالتعجب اللاحق للانسان و فسروا الثانية بما يعرض بواسطة أمر أعم أو أخص و الأول كعروض الحركة بالارادة للانسان باعتبار كونه حيوانا و الثاني كعروض الرفع للكلمة باعتبار وقوعها فاعلا مثلا و لم يذكروا العارض بواسطة المباين لعدم وقوعه واسطة نعم ذكره صاحب القسطاس و هذا سهو منه. و لكن لما لم يحصل التمايز بالموضوعات أيضا لا مكان انطباق موضوعات متعددة على أمر واحد كالكلمة فانّها موضوع في التصريف للصحة و الاعلال و في النحو من حيث الاعراب و البناء و في البيان من حيث الفصاحة و البلاغة فلذا فقد جاءوا بتقييد في الموضوعات و قالوا تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات.

[اعتراض صاحب الفصول (قدّس سرّه) و المناقشة في اعتراضه‏]

و قد اعترض على ذلك بعضهم منهم صاحب الفصول (قدّس سرّه) غفلة منه عن حقيقة الحال فانّه قال ما حاصله: انّ الحيثية ان أخذت تقييديه لم يكن لها ربط بالمقام لعدم امكان اجتماع حيثيتين في محل واحد كاعتبار الايمان في الرقبة بالنسبة الى العتق فلا مورد للكفر بعد ذلك و إن أخذت تعليلية لم تكن منشأ حتى للتمايز اذ لا مانع من اجتماع حيثيات متعددة في موضوع واحد كالكلمة فقد عرفت انّها من حيث الصحة و الاعلال موضوع للصرف و من حيث الاعراب و البناء للنحو و من حيث الفصاحة للبيان و هكذا فاجتماع عدة حيثيات كذلك في محل واحد لا يستلزم تعدد المحل حتى يحصل التمايز.

و الجواب عنه. انّه ليس المراد بتمايز الموضوعات بالحيثيات ان لواحق هذه الحيثيات متمايزة بل المراد انّ المتحيّث بحيثية خاصة يكون موضوعا فموضوع الصرف‏

31

هو الصحيح و المعتل و في النحو هو المعرب و المبني و هكذا فهذه هي الموضوعات المتمايزة و كل واحد منها عنوان مستقل و لو كان المعروض أمرا واحدا. و بعبارة أخرى انّ الكلمة و إن كانت معروضة لهذه العوارض و لكن لا يلزم ان يكون المعروض أيضا متمايزا بل التمايز انّما هو في العنوان الكلي فعنوان المعرب و المبنى موضوع للنحو و عنوان الفصيح و البليغ موضوع للمعاني و إن كانت هذه الموضوعات تعرض معروضا واحدا. و بهذا المعنى يتم ما ذكره القوم لا ان يكون المعروض متعددا و توضيح ذلك ان قولك زيد يجوز تقليده لأنّه فقيه و يستحق الخمس لأنّه هاشمي. فليس معناه ان زيدا هو الموضوع بل الموضوع هو الفقيه الهاشمي و انّما انطبق العنوانان عليه فهو موضوع تبعى ثانوي و الحاصل انّه لا مانع من رجوع الموضوعات المتعددة الى معروض واحد.

[تحقيق في موضوع علم الأصول‏]

هذا محصل كلام القوم. فلا بد حينئذ من النظر في ان مسائل الأصول هل ترجع الى موضوع ينطبق على المورد أو لا؟ فقد ذهب بعضهم الى ان موضوعه الأدلة الأربعة بوصف انّها أدلة (1) و بعضهم الى انّه هي بذواتها (2).

أما المذهب الأول.

فيرد عليه. ان لازم ذلك خروج بعض الأدلة العقلية و الأصول العملية كالاحتياط و التخيير و البراءة و الاستصحاب لوضوح ان البحث منها انّما هو عن تحقق الموضوع لا العوارض فقولنا البراءة أصل أي دليل و هكذا يلزم منه خروج عدة من مباحث الألفاظ كالأمر و النهي و العام و الخاص فانّها متقدمة على الدليل اذ البحث عن حقيقة صيغة أفعل سابق على الدليل و ليس من عوارضه اذ الدليلية أمر يعرض الحكم الشرعي بعد صدوره في مقام البيان فيستفاد

____________

(1) و هذا هو المشهور بين الأصوليين على ما ادعي.

(2) و هو المختار لصاحب الفصول، ص 4.

32

منه الوجوب أو الندب أو القدر الجامع و هكذا النهي و العام و الخاص و غير ذلك.

لا يقال. انّ البحث عن مباحث الألفاظ انّما هو من حيث وقوعها في كلام الشارع و هذا هو عنوان الدليلية.

فانّه يقال. كون المقصود بالبحث استفادة الحكم الشرعي شي‏ء و كون المقصود به وقوعها في كلام الشارع شي‏ء آخر و كم فرق بينهما لوضوح ان وقوعه في كلامه لا يكون قيدا للبحث عنه أبدا فانّ البحث لا يكون إلّا عما وضع للفظ الأمر و النهي و صيغتهما لغة فإذا ثبت وضعه كذلك لأحد المعاني حصل المقصود سواء كان في كلام الشارع أو كلام غيره إلّا ان غرض الأصولي هو استفادة الحكم الشرعي من كلام الشارع لا ان وقوعها في كلامه الشريف قيد للبحث. و الحاصل ان هذه المباحث لا ترجع الى عوارض الأدلة إلّا مبحث واحد و هو التعادل و الترجيح اذ مرجعه الى تعارض الدليلين و قد جعلوه خاتمة لمسائل الأصول.

و أما المذهب الثاني.

فمردود أولا بأن أدلة الفقه ليست إلّا أربعا فلا يتم كون موضوع الأصول هي بذواتها و ثانيا بأنه يلزم من ذلك دخول علم التفسير في أصول الفقه لوضوح رجوعه الى الكتاب و لكن قد سبق ان الغرض من البحث ليس هو وقوع المبحوث عنه في الكتاب أو السنة فلا يكون وقوعه فيهما قيدا للبحث عنه قطعا.

ثم. انه قد ذهب الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) الى ان البحث عن حجية خبر الواحد بحث عن السنة و انّه هل تثبت به أو لا (1)- فهذا بحث عن عوارض الدليل و اعترض عليه صاحب الكفاية في تعليقته على الفرائد بأن ثبوت السنة بخبر الواحد ليس من عوارض السنة بل بحث عن وجود السنة الذي هو مفاد كان التامة لا الناقصة فثبوت‏

____________

(1) فرائد الأصول للشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) في أوائل بحثه عن حجية خبر الواحد.

33

السنة بخبر الواحد و عدمه عبارة عن وجودها به و عدمه. و لكنه (قدّس سرّه) عدل في الكفاية الى جواب آخر و هو ان ثبوت الحجية للخبر هو الثبوت التعبدي لا الواقعي فهو وصف في الخبر لا في السنة (1).

أقول. أما الشيخ فيرد عليه ان ما ذكره خلط منه لمحل البحث في المقام فان مورده هنا هو انه هل للخبر وصف الحجية أم لا- لا ان السنة تثبت بالخبر أم لا-؟

و الفرق بينهما واضح فانّه تارة يقال هل هذا الدواء نافع للمريض و يقول آخر انّه ليس البحث عن الدواء بل عن ان المريض هل يحصل له البرء بهذا الدواء أم لا؟

و الارتباط و إن كان واضحا بين الأمرين الى حد إلّا انّ ذلك غير ذاك على أنه لا بد من التحفظ على محل البحث و إلّا فبعد ثبوت الحجية للخبر لم يكن ريب في ثبوت السنة به و لكن البحث راجع الى الخبر لا الى السنة.

و أما كلام المحقق الخراساني في التعليقة ففيه انه ليس المراد في المقام هو الوجود الخارجي بل المراد هو الثبوت الذهني بمعنى الانكشاف و العلم بمعنى انّه هل تنكشف السنة و يحصل العلم بها بالخبر الواحد أم لا؟ و من المعلوم انّ الانكشاف انّما هو من العوارض.

و أما كلامه في الكفاية ففي غير محله. فانّ الثبوت التعبدي اذا كان من حالات الخبر فلا بد و ان يكون الثبوت الواقعي أيضا كذلك اذ الثبوت التعبدي انّما هو باعتبار تنزيل الدليل الغير العلمي منزلة العلمي و اذا لم يكن الثبوت الواقعي من أحواله بل كان من أحوال السنة فالتعبدي أيضا هكذا. فلا وجه للتفصيل.

____________

(1) كفاية الأصول: ص 8 و 9.

34

بحث حول كلام بعض المتأخرين في موضوع العلم‏

ذهب صاحب الكفاية الى أن تمايز العلوم بتمايز الأغراض و هذا القول ينشأ من القول بأن الموضوع في كل علم هو عين موضوع مسائل ذلك العلم فانّه قال في الكفاية (موضوع كل علم و هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية أي بلا واسطة في العروض هو نفس موضوعات مسائله عينا و ما يتحد معها خارجا و إن كان يغايرها مفهوما تغاير الكلي و مصاديقه و الطبيعي و أفراده ...) (1).

و لا يخفى أن هذا الكلام مردود بأمور. منها انّه عدول عما ذهب اليه القوم من تفسير العوارض الذاتية بما يعرض بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو. و منها. عدم حصول التمايز لو أخذ الموضوع هو العنوان الجامع. توضيحه ان اللازم من دعوى الاتحاد بين موضوع العلم و موضوع المسائل هو نفي الواسطة في البين فموضوع النحو الذي هو عبارة عن المعرب و المبنى متحد مع موضوع الفاعل و المفعول و غيرهما من المسائل و هكذا ليس موضوع الأصول هو الأدلة الفقهية بل كلي جامع بين موضوعات الاستصحاب و البراءة و الاشتغال و الأمر و النهي و العام و الخاص و هكذا فالجامع هو الموضوع و إن لم يكن له اسم خاص و عنوان مخصوص كما و انه قد اعترف بذلك و صرح به في الكفاية (2) فالجامع موجود لا محالة و هو بين الأمر و النهي عبارة عن الصيغة و بينهما و بين العام هو اللفظ المستعمل و هكذا فإذا كان العنوان‏

____________

(1) كفاية الأصول: ص 7.

(2) نفس المصدر: ص 8.

35

الجامع هو الموضوع فالأمر واضح و لا ترديد في تصور الموضوع و لكن لازم ذلك هو زوال الامتياز بين الفنون و عدم امكان حصول التمايز فإنّ هذا الجامع الكلي يسهل تصوّره في عدة من العلوم كالصرف و النحو و المعاني و غير ذلك و نظيره جنس الأجناس الجامع بين أقسام الأنواع حتى الجوهر فبهذا ينتفي التمايز بسبب الموضوعات.

و كأنّه (قدّس سرّه). تفطن بأن الموضوع بهذا المعنى لا يكون موجبا للتمييز فلذا ذهب الى أن التمايز انّما هو بالأغراض لا بالموضوعات و لا بغيرها. و لكنه يرد عليه.

أولا- بأن الغرض يستلزم تداخل بعض العلوم في بعض المسائل بل في جميعها احيانا كما و قد التفت هو (قدّس سرّه) الى ذلك و استبعده الى حد المنع العادي و قال انّه على فرض تسليم وقوعه و لكن لا يصح تدوين علمين بل في واحد الفرضين يبحث فيه تارة عن كلا المهمين و أخرى لأحدهما و هذا اقرار منه بوقوع كلامه موقع النقض و مورد الاشكال. و ثانيا- ان هذا القول ناش من الخلط بين الغرض و بين الفائدة مع انّ بينهما عموما من وجه فانّ الغرض ما كان موردا لنظر ذي الغرض ترتب أو لم يترتب و أما الفائدة فهي الأثر المترتب سواء كان موردا لنظر الفاعل أو لم يكن و مواد الاجتماع و الافتراق معلومة و من الواضح ان فنيّة الفن ليس باعتبار تدوينه بل هذا أمر سابق على التدوين مع ان الغرض لا يتعلق إلّا بعد التدوين و القول بدوران فنية الفن مدار التدوين مخالفة للوجدان لعدم متابعتها له كما عرفت و إلّا لزم التعدد فيما اذا اختلف الغرض من التدوين. و بعبارة أخرى. انه لو كان التدوين مما له دخل في فنية الفن لزم اختلاف الفن الواحد باختلاف كيفية التدوين.

36

اشكال و دفع‏

أورد بعضهم بأنّ البحث في كل مسئلة انّما هو بواسطة الأمر الأخص فانّ الفاعلية و المفعولية و غيرهما أمور لا حقه فهذه عوارض بواسطة أمر أخص و العارض بهذه الواسطة غريب فمسائل الفنون خارجة عما ذكر من الميزان و هو كون الموضوع في كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية.

و قد أجاب عن ذلك بعضهم بأنّ هذه اللواحق وسائط في الثبوت لا في العروض لتكون عوارض غريبه اذ ما به يحصل الاشكال هو كون الواسطة بأمر أخص في العروض.

و هذا الجواب منظور فيه فان فيه خلطا بين الواسطة في العروض و الواسطة في الثبوت. بيانه. انّ المراد بالوساطة في العروض هو وقوع الواسطة ابتداء موضوعا لمحمول و محمولا لموضوع آخر و مثاله انّ الموضوع الأوّلي في استحقاق الزكاة هو الفقير و أما زيد الفقير فهو عنوان انطبق عليه ذلك الموضوع فزيد موضوع ثانوي تبعي و انّما انطبق عنوان الاستحقاق عليه باعتبار صدق عنوان الفقر عليه فليس كل واحد من زيد و الفقير معروضين لاستحقاق الزكاة بل أحدهما معروض و الآخر تابع له و لذا لو زال عنوان الفقر زال الثاني أيضا و أما الوساطة في الثبوت فمعناه كون شى‏ء واسطة في حدوث شي‏ء آخر فهذا أعم من الواسطة في العروض باعتبار فانّ الفاعلية مثلا منشأ لرفع الكلمة فالموضوع هو عنوان الفاعل بخلاف مثل الوضوء فانّه منشأ للطهارة و أما الطهارة فليس عنوانا عارضا للمتوضّي و إلّا لزم انتفاء التطهر بمجرد الفراغ عن الوضوء بل هو عارض للشخص. و كذا ليست علقة الازدواج معروضة للايجاب و القبول و إلّا لزم زوالها بعد الفراغ عن الانشاء و المثال الأول‏

37

للواسطة في العروض الآخران للواسطة في الثبوت. و الحاصل ان الواسطة في العروض هو ما وقعت موضوعا لمحمول ثم تقع بعد ذلك موضوعا لمحمول آخر و ليس في البين عروضان بل باعتبار انّ عارض العارض عارض و أما الواسطة في الثبوت فهي ما كان لها التبعية في الوجود و اذا اتّضح لك ذلك علمت ان القول بكون الفاعل و المفعول و الحال و نحوها وسائط في الثبوت في غير محله اذ لازم ذلك انه حينئذ لا تبقى واسطة في العروض أصلا و هو كما ترى. فانّ الرفع عارض لعنوان الفاعل و هو عارض للكلمة و لو تبدل هذا العنوان الى عنوان آخر كالمفعولية تبدل الرفع الى النصب و الحالات المختلفة متفرعة على وجود التراكيب المختلفة.

و أما ما نقل عن بعض من انّ الموضوع ما يبحث فيه عن العوارض الذاتية أو عوارض العوارض فهو واضح الفساد و يظهر فساده و ضعفه مما تقدم فراجع.

فالتحقيق في دفع الاشكال ما أفاده بعض المحققين و هو ابتكار منه في المقام‏ (1).

فعليك بمراجعته و التأمل فيه.

____________

(1) الظاهر أنّ المراد به هو العلامة المحقق المدقق الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي المتوفى 1321 ه. صاحب المباني و الآراء الخاصة به (قدّس سرّه) فراجع كتابه الدقيق العميق المسمى محجة العلماء فإنّا قد أغمضنا عن ايراد ما فيه و تفصيله روما للاختصار و لبعض الجهات الأخرى.

المقرر

38

نتيجة المقال‏

فقد ظهر مما تقدم الى حد الآن انه لا يلزم التكلف في جعل أصول الفقه فنا مستقلا خاصا و استقلاله في البحث عنه لا يلازم كونه فنا برأسه بل انّما هو عبارة عن عدة مسائل مرتبطة بالفقه لم يبحث عنها في مكان آخر أصلا كالبراءة و الاستصحاب و الاشتغال و التخيير أو انّها لم يستوف حقها في باقي العلوم كمسائل الأمر و النهي و نحو ذلك حيث انّهم قد تعرضوا لها في الصرف و النحو و المعاني و البيان إلّا أنها قد أعطى حقها من البحث في أصول الفقه.

39

الوضع‏

الوضع هو تخصيص شي‏ء بشي‏ء أو تخصصه به بحيث اذا أطلق أو أحس الشي‏ء الأول فهم منه الثاني و المراد منه في المقام هو كون اللفظ مرآة لمعنى جعلا و وضعا لا ذاتا لوضوح ان لفظ زيد ليس له في حد ذاته مرآتية بالنسبة الى الشخص المسمى بزيد الّا انّه لما جعل في قباله حصل منه نوع تخصص.

[أقسام الوضع‏]

و قد انقسم الوضع عند القدماء الى قسمين الوضع العام مع الموضوع له كذلك و الوضع الخاص مع الموضوع له كذلك و الأول مثل لفظ (انسان. حيوان. ضرب.

أكل. و نحو ذلك) حيث أنّ الموضوع له فيها عام ذو مصاديق و الثاني مثل زيد و عمرو و الأعلام الشخصية.

و قد نسب الى العضدى احداث قسم ثالث (و لعله أول من قال بذلك) و هو الوضع العام و الموضوع له الخاص. و قال في وجهه بما محصله: إنّا نرى ألفاظا تستعمل في الخاص مع عدم كون ذلك الخاص محدودا بحد كاسم الاشارة حيث وضع للاشارة الى مفرد مذكر (مثلا) و للمفرد المذكر مصاديق الى ما لا نهاية فلو قلنا انّ هذا من القسم الثاني لزم ادّعاء تصور الأمر الغير المتناهي و لو قلنا انه من القسم الأول لزم كون الألفاظ مجازات بلا حقايق لعدم استعمالها حتى في الموضوع له العام أبدا بل في فرد معين. و لكن الأفراد غير المتناهية و إن لم يكن تصورها تفصيلا إلّا انّه يمكن ادراج المفرد المذكر تحت عنوان عام فيقال مثلا بوضع (هذا) لكل فرد فرد من أفراد المفرد المذكر فحينئذ يمكن تصورها باعتبار معنى عام و تقول في الوضع الواحد وضعت هذا لهذا فالوضع عام لكونه عاما بالنسبة الى كل فرد من دون اختصاص بفرد معين و أما الموضوع له فهو خاص فإنّ المعنى العام لا يكون هو الموضوع له بل‏

40

الموضوع له هو كل فرد فرد.

[العجب من بعض المتأخرين‏]

و العجب من بعض المتأخرين حيث ذكروا انّ عموم الوضع انّما هو باعتبار انّ الوضع آلة لملاحظة العام فالمفرد المذكر هو الملحوظ. و يرد عليه. انّ هذا لا يكون منشأ لعموم الوضع فإنّ الوضع هو التخصيص و التخصص و لا ارتباط للعموم و الخصوص به بل ان عموم الوضع انّما هو باعتبار انّه لا ارتباط له بفرد معين و لم يقع هذا الاختصاص بفرد معين فالوضع عام و الموضوع له عام فلا بد و ان يكون في فرده عاما أيضا.

[تحقيق الحق في المقام‏]

و التحقيق. امّا دعوى لزوم مجازات بلا حقيقة أو دعوى الوضع للأفراد الغير المتناهية فيرد عليه ان ذلك انّما هو فيما لو قلنا بالاستعمال في الخاص و لكنا لا نقول بذلك بل نقول بأن المستعمل فيه عام أيضا إلّا انّ الخصوصية من ناحية الاستعمال و فرق بين كون المستعمل فيه خاصا و بين كونه عاما مع وجود خصوصية من ناحية الاستعمال. و توضيح ذلك:

ان معنى الاستعمال في العام هو لحاظ العام على وصف العموم و هذا الوصف مأخوذ في الموضوع له و يكون التعيين من ناحية الاستعمال.

فقولنا ضرب مفهوم عام و لكن اذا دخل عليه حرف العهد و قيل الضرب فيراد منه ضرب زيد لعمرو مثلا فحرف العهد أوجب تعيين الضرب في ضرب مخصوص. فالضرب قد استعمل في معناه العام إلّا انّه لما اقترن بحرف العهد انطبق على المعهود الذكرى فالتطبيق على الخاص انّما هو من ناحية الاستعمال فلم يستعمل اللفظ إلّا في معناه العام و هكذا الحال في أسماء الاشارة و الموصولات و الضمائر.

فقد علم انّه يمكن أن يكون كل من الموضوع له و المستعمل فيه عاما و لكن كان هناك خصوصية من ناحية الاستعمال باعتبار انطباقه على الفرد المعين إذ الاستعمال لا يكون في فرد معين بل كان بالنسبة الى ذلك المفهوم العام إلّا انّه انطبق‏

41

على فرد معين باعتبار الاقتران بحرف التعريف أو الاشارة أو الموصول و الضمير.

و بعبارة أخرى. انّه فرق بين ما اذا أريد المعنى الخاص ابتداء مع كون الاستعمال في ذلك المعنى و بين ما اذا أخذ مفهوم عام إلّا انّه بسبب الاقتران بأحد المذكورات انطبق ذلك المفهوم العام على فرد معين. فلا احتياج الى قسم ثالث بل لا محل له و لا مجال و لا يتأتى محذور المجازات بلا حقايق فإنّ الاستعمال انّما هو في المفهوم العام و هو الموضوع له و قد حصل الانطباق على الفرد المعين من ناحية الاستعمال.

و أسماء الأجناس قد وضعت للجنس و لكن لا بقيد انّه عام بل لا بشرط و يمكن تقيّده بفرد معين كما انّه يمكن أن يكون بشرط لا بأن لا يكون النظر الى فرد معين كاسم الجنس المعرّف بلام الجنس و الحاصل انه لا منافاة بين كون كل من الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه عاما و بين كون الخصوصية من جهة الاستعمال بتعيينه في فرد معين بواسطة المعنى الحرفي و قد صرّحوا بأنّ أسماء الاشارة و الضمائر و الموصولات أسماء مبهمة تضمنت معاني حرفية و هذا المعنى الحرفي هو السبب لتعين المستعمل فيه في فرد معين- و بالأخرة فانّ اللفظ قد استعمل في معناه العام من دون تناف بين ذلك و بين عموم الموضوع له اذ العموم بقيد انّه عموم ليس جزءا للموضوع له فانّه معنى اسمي فلا مانع من أن يكون التعين من قبل المعنى الحرفي أو ضميمة أخرى.

اكمال. [الأعلام قسمان شخصية و جنسيه‏]

الأعلام قسمان شخصية و جنسيه و قد خفى الفرق بينهما على بعضهم حتى إنّ الشارح الرضي قال بأن التعريف للعلم الجنسي لفظي أي ليس معرفة واقعا كتقسيم المؤنث الى معنوي و لفظي فكما ان حكم التأنيث أعطى للدار و الشمس و الأرض مثلا من دون أن يكون حقيقة تأنيث فكذا التعريف في العلم الجنسي. و لكن بعض النحاة قد تنبه للتحقيق و حاصله ان علم الجنس من قبيل اسم الجنس المعرف بلام الجنس و الفرق بين اسم الجنس و بين اسم الجنس المعرف انّ الثاني‏

42

يعرّف الجنس في مورده من حيث انّها جنس و أما الأول و هو اسم الجنس فهو ما فيه الصلاحية لكل فرد من الأفراد.

و لذا لا يكون المنظور في (الرجل خير المرأة) فردا معينا و لا يصح ارادة ذلك منه و انّما التفضيل بين الجنس من حيث هو جنس على الجنس الآخر كذلك. و علم الجنس عبارة عن جنس يتعين من حيث انّه جنس و لذا فلا تعدد فيه اذ التعدد انما هو باعتبار الأفراد فإذا لم يكن فيه تعدد كان معرفة فحاله في التعريف حال العلم الشخصي.

و حاصل الكلام. انّ كون المستعمل فيه عاما كما في أسماء الأجناس لا ينافي تعينه من ناحية الاستعمال في فرد معين و ذلك باعتبار ان اسم الجنس وضع للجنس لا بشرط. و يظهر وجه ذلك من موارد استعماله و لم يتوهم أحد التجوز في هذه الموارد. فإنّ اليوم في‏ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ (1) قد استعمل في معناه العام و لكن التعين جاء من قبل حرف التعريف و هو معنى حرفي و لا يجامع العموم فالتنافي انّما يكون لو كان الوضع في اسم الجنس بشرط العموم. و هذا الكلام جار بعينه في الاشارة و الموصول و الضمير. فلا مجال لتوهم الخلاف.

____________

(1) سورة المائدة: آية 3.

43

المعنى الاسمي و المعنى الحرفيّ‏

إنّ الوصف المأخوذ في موضوع القضية اللفظية على ثلاثة أقسام. فانّه قد يكون عنوانا يدور الحكم مداره و قد يكون لتعريف الحكم فقط و قد يكون للتنبيه على عموم الحكم و أقوى هذه الأقسام و أكملها هو الأول اذ في هذا القسم يكون مفهوم الوصف المأخوذ موضوعا في الحكم موضوعا للقضية النفس الأمرية بعينه و ليس كذلك القسمان الآخران أما الأول منهما فإنّ الوصف فيه و إن كان معرّفا للحكم إلّا انّه ساكت عن خصوصيات الموضوع و أما الأخير فانّه و إن كان ينبّه على عموم الحكم إلّا أنه لا يعيّن الملاك في التعميم فأكمل القضايا هي القضية المنطبقة على النفس الأمرية انطباقا يشمل جميع الخصوصيات‏ (1).

و بهذا البيان تعرف انّ الحق الصراح في تعريف الاسم ليس إلّا ما ورد في الكلام العلوي الشريف على ما في حديث أبي الأسود الدئلي انّ الاسم ما أنبأ عن المسمى فإنّ المسمى هو العنوان و أما الواسطة في الانباء فهي علقة التسمية كما سيوافيك تفصيله في ذيل البحث عن الحقيقة و المجاز و هذا التعريف للاسم على اختصاره أجمع و أكمل من ساير ما ذكره النحاة في تعريفه و ذلك لعدم سلامتها عن عدة ايرادات سيّما ما اشتهر بينهم من أنّه ما دلّ على معنى مستقل غير مقترن بأحد الأزمنة. و هكذا في الفعل و الحرف حيث قالوا ان الفعل ما دلّ على معنى مستقل‏

____________

(1) راجع للعثور على التفصيل كتاب (كشف الاستار) في شرح حديث أبي الأسود الدئلي. بقلم الأستاذ المحقق البهبهاني (قدّس سرّه).

44

مقترن بأحدها و الحرف ما دل على معنى في غيره. و كل هذه التعاريف مخدوشة و نذكر بعض ما فيها مع مراعاة الاختصار و التحرز عن الاكثار. فنقول:

[تعريف الاسم و الفعل و الحرف و ما يرد على هذه التعريفات‏]

الأول. الاسم. و يرد على التعريف المذكور له أمور:

منها. سكوت التعريف عن بيان ملاك الاسمية أعنى به القضية النفس الأمرية فإنّ الدلالة المشار اليها أمر جامع عندهم لكل من الاسم و الفعل و الحرف مشتركة بين الثلاثة و أما الاستقلال فمخصوص بالأولين على ما سيجي‏ء تفصيله بعد ذلك.

و منها. جعل فصل الاسم هو عدم الاقتران بالزمان و جعل فصل الفعل اقترانه به و هذا فاسد لورود النقض على كل منهما فلا الاقتران يكون ملاكا للفعلية و لا عدمه للاسمية و اليك بعض الموارد:

1- هيئة الفاعل. كالضارب فانّه وضع للذات المتلبس بالمبدإ في الحال مع انّه لا يخرج بذلك عن الاسمية.

2- أسماء الزمان و المكان.

3- الأفعال المنسلخة عن الزمان على ما اعترفوا بها و الاعتذار بأنها موضوعة بالوضع الأولي للمقترن بالزمان و انّما انسلخت عنه بالوضع الثانوي غير مسموع فانّه لو سلم ذلك و لكن هي بعد باقية على الفعلية و انّما الانسلاخ عن الاقتران بالزمان فقط و الحال انّ الاقتران عندهم فصل للفعل مثاله (يحيى. يزيد. يعمر) حيث كانت أفعالا فصارت أسماء بالعلمية فالاقتران بالزمان في الوضع الأول غير نافع حتى يدعى انسلاخه عنها في الوضع الثاني فإنّ الفصل لا بد و ان يكون موجودا بالوضع الثاني و لفظ (شمّر) كان فعلا ثم صار علما لفرس و هكذا الجملة الاسمية مثل (زيد منطلق) فإذا صارت هذه أعلاما كانت أسماء و إن كان الاعراب السابق باقيا فيها. فالاعتذار المذكور غريب و عكس ذلك في أسماء الأفعال حيث قالوا انّها أسماء مع اقترانها بالزمان إلّا انّهم يدّعون عدم اقترانها به في الوضع الأول بل اقترنت‏

45

به في الثاني و أنت ترى أن لازم ذلك ان تصير هذه الأسماء أفعالا كما قالوا في (شمّر) انّها فعل ثم صارت علما فانسلخت عن الزمان.

إن قلت. ان ما ذكر في (شمر) و أمثاله انّما هو باعتبار خروجها عن المعنى الفعلي حدوثا و زمانا و صيرورتها اعلاما.

قلت. لو سلمنا ذلك و لكن نقول فرق بين خروجها عن الجنس و الفصل بالكليّة و بين خروجها عن الفصل فقط فهو مستقل إلّا انّه ليس له معنى حدثي.

فالانسان مثلا فصله الناطق و لو صار انسان حجرا لم يبق على انسانيته أصلا و كذا لو مسخ قردة إلّا ان يقال بتغير الصورة مع انّ حقيقة الانسانية باقية.

و الحاصل انّه لا فرق بين الانسلاخ عن الزمان ابتداء و بين اقترانه به ثم انسلاخه عنه و العجب في عدولهم عن هذا التعريف الجامع الكامل (الاسم ما أنباء عن المسمى) و لم يعلم لهذا العدول وجه سوى عدم التأمل في أطراف هذه الرواية المأثورة الشريفة.

و أما الفعل. فقد ورد تعريفه في الرواية بأنّه ما أنبأ عن حركة المسمى) و تحقيق ذلك أنّ الفعل مشتمل على مادة دالة على المعنى الاسمي الاستقلالي و هو الحدث و على هيئة دالة على نسبة.

و النسبة اللفظية و إن كانت قسمين تامة و ناقصة فقولك زيد قائم تام و زيد القائم ناقص إلّا أن هذا التمامية و النقص ليس في القضية النفس الأمرية بأن يكون نسبة القيام الى زيد نوعين تامة و ناقصة. بل ان منشأ التمام و النقص في القضية اللفظية هو لحاظ المتكلم و ليس المنشأ لهما ما في الخارج من النسبة. بل انه لو لم يكن في اعتقاد المخاطب علم بالقضية قلت زيد قائم على وجه التمام و أما لو علمت انّه عالم بذلك فلا تكون بعده في مقام الأخبار بل تقيدها على وجه التوصيف و تجعلها مقدمة لحكم آخر فتقول زيد القائم جاءني و زارني. فالدخيل هو لحاظ المتكلم و إلّا فحقيقة

46

الخبر و الوصف واحدة و انّما تختلف باعتبار اعتقاد المتكلم بحال المخاطب و لذلك قال أهل المعاني انّ الأوصاف قبل العلم بها أخبار و الأخبار بعد العلم بها أوصاف معناه ان مقام الخبرية قبل مقام الوصفية. هذا هو الحال في النسبة الخبرية.

و أما النسبة فهي بحسب التتبع و الاستقراء على ثلاثة أقسام. حدوثية- حملية- اضافيه. أما الثالث فهي ما كانت بواسطة احدى الحروف الجارّة و تختلف باختلاف مفاد هذه الحروف فزيد في الدار. الدار ظرف لزيد لا انّها متحدة معه أو حادثة عنه.

أو تقول المال لزيد فيفيد اللام اختصاصه به فالإضافية قد تكون ظرفية أو اختصاصية أو ابتدائية نحو سر من البصرة أو بيانية أو غير ذلك.

و أما النسبة الحملية و يعبر عنها بالاتحادية فهي ما كان أحد الطرفين فيها قائما مقام الآخر فتقول زيد قائم. و بعد ذلك تقول رأيت زيدا أو تقول رأيت القائم. كل ذلك صحيح. فالنسبة اتحاديه و أما الحدوثية. فهي ما كان أحد الطرفين فيها حادثا عن الطرف الآخر كما في (ضرب) و يضرب فانّهما يفيدان حدوث الضرب من ضارب و لا بد في هذا القسم ان يكون أحد الطرفين قابلا لحدوثه من الآخر و لذا كان المبدا في الأفعال من الاحداث فلا يكون الحجر مبدأ لفعل و لو ورد مثله كان تنزيليا لا حقيقيّا نحو بال و حاضت و نحو ذلك.

اذا تبين ذلك فنقول. ان النسبة في الفعل انّما هي من قسم الحدوثية منها فتقع الحركة بالنسبة الى المسمى باعتبار هذه النسبة الحدوثية فإذا قلت ضرب زيد فهذا حركة من زيد و لكنّها ليست حسية بل نسبتها اليه باعتبار ظهورها و حدوثها منه و لذا كان مثل سكن و عدم و سكت أفعالا باعتبار ظهورها و حدوثها عنه و نتيجة ذلك ان هذا التعريف أي (الفعل ما أنبأ عن حركة المسمى) جامع لجميع موارد الأفعال من دون احتياج الى الزمان لوجود هذه الحركة في كل مورد و لكن لما لم تكن هذه موجودة في مثل (شمّر) صار اسما و على هذا فلا تعريف أجمع و أكمل من هذا الذي‏

47

ورد في الرواية و لم يقتبس أحد من النحاة من هذا النور الباهر سوى شارح الصمدية حيث انّه في مبحث حصر الكلمات في الاسم و الفعل و الحرف قال ما حاصله (انّه قيل: المعاني ثلثه و لذا كانت الكلمات ثلاثة. ذات و حدث عن ذات و واسطة بينهما).

و هذا كله مضافا الى انّ الزمان الذي ادعوا اقترانه بالفعل معنى اسمي حسب تصريحهم و ليس من قبيل النسب فكيف يجامع الفعل و لذا قد تنبه عصام الدين لذلك فانّه بعد بيان ان نسبة الفعل لها ثلث مداليل الحدث و النسبة الى فاعل، و الزمان. قال بأمر رابع و هو النسبة الى الزمان و لو لا ذلك كان الزمان الخاص في النسبة غلطا. و يرد عليه. انه لا مانع من النسبة الى الزمان و أما الاقتران بالزمان فهو ممنوع فانّ دلالة الفعل عليه ليس بالتضمن بل بالالتزام.

و قد نقل السيد المحدث الجزائري في حاشيته على شرح الجامي ان كلمات القدماء من النحاة في هذا المجال مختلفة مضطربة. و انّ بعضها يوافق ما عليه المتأخرون و بعضها يخالفه. فيظهر من ذلك ان من القدماء من تفطن لذلك.

ثم انه. قد عرفت انّ الاستقلال عندهم جامع بين الفعل و الاسم فهو كالجنس و أما الفصل في الأول فهو الاقتران بالزمان و في الثاني عدمه. و المراد بالاستقلال هو انّ المعنى لو لوحظ من دون أن يكون مرآة لغيره كان مستقلا و أما لو كان مرآة لغيره فهو غير مستقل و قد مثل لذلك بالنظر في المرآة فتارة يكون النظر ملحوظا بالاصالة من دون توطئة لرؤية الصورة فيها و قد يكون آلة لرؤية الصورة. و هكذا المعنى في محل البحث فقد يلاحظ استقلالا بحيث يصلح أن يحكم عليه و به و قد يلاحظ مرآة. و قد تنبه ابن الحاجب من الماضين و صاحب الكفاية من المتأخرين‏ (1) بأنّه لو كان الاستقلال هنا كذلك لزم دوران الاستقلال مدار لحاظ اللاحظ فيترتب‏

____________

(1) كفاية الأصول، ص 11، طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

48

عليه انّ المعنى المستقل الذي يدل عليه الاسم يلزم ان يكون موجودا من قبل و لازم ذلك دلالة لفظ الابتداء على الابتداء الملحوظ أصالة بحيث يكون جزء المستعمل فيه و من البديهي انّه لا يكون جزءا كذلك. بل لا بد و ان يكون كل من الاستقلالية و الآلية في مرحلة الاستعمال فلذا ذكر صاحب الكفاية ان المعنى الاسمي و الحرفي في (من) و في (الابتداء) واحد و الفرق ليس من قبل الموضوع له بل في جهة الاستعمال ثم أورد هو على ذلك بأن لازمه صحة استعمال كل منهما مكان الآخر. و أجاب عنه.

بأنّ الوجه في عدم الصحة هو اشتراط الواضع باستعمال لفظ الابتداء في اللحاظ الاستقلالي و لفظ (من) في الآلي منه‏ (1).

[الرد على صاحب الكفاية في قوله بوحدة المعنى في (من) و (الى)]

و يرد عليه. هل هذا الشرط من قبيل الشروط في ضمن العقد حتى يلزم الوفاء به و هل للواضع حق لأصل هذا الاشتراط. و ما المانع من مخالفة الواضع؟

فهذا غفلة عن حقيقة الحال و عن ما أفاده مولانا (عليه السلام) في تعريف الفعل. و قد اضطربوا في مسئلة المعنى الحرفي و السبب فيه هو ما قالوا انّ الحروف ما أوجد معنى في غيره فلفظ من لا يوجد الربط ابتداء بل اذا كان داخلا على البصرة مثلا في قولك سرت من البصرة مع انّه لو كان المبدئية للسير واقعا و صحيحا كان ذلك ثابتا في قولك سرت سواء قلت من البصرة أو لم تقل و ان لم يصح فقولك من البصرة لا يوجب انقلاب الواقع عما هو عليه.

و حيث انجر الكلام الى هذا المقام فلنشرع بالبحث في تحقيق المعنى الحرفي و بيان ما هو الحق عندنا.

الحرف. انّهم قد ذكروا في تعريف الحرف انّه ما دلّ على معنى في غيره. و لكن لما التفتوا الى ان هذه الدلالة لو كانت على معنى كائن في الغير واقعا لزم كون جميع‏

____________

(1) كفاية الأصول: ص 11 و 12.

49

المقولات التسع معاني حرفية لعدم وجود مستقل لها. فلذا قاموا بالتفصى عن ذلك و قالوا ان المراد بقولنا في غيره هو اللحاظ في غيره بأن يكون مرآة للغير. و لا يخفى انّ هذه المحاذير و التكلفات ليست إلّا من جهة العدول عن التعريف الوارد في الحديث.

نعم. ان شارح الرضي ممن أدرك هذه الحقيقة العالية لالتفاته الى ما أفاضه أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيان الحرف و العجب من السيد الشريف الجرجاني حيث قام بردّ ما ذكره الشارح المذكور. و لا بد لنا من بسط كلام في المقام حتى يتّضح بذلك كنه المقصد و المرام فنقول و على اللّه التوكل و به الاعتصام.

[ان القضية على ثلاثة أقسام النفس الأمرية و المعقولة و اللفظية]

انّ القضية على ثلاثة أقسام. النفس الأمرية. و المعقولة. و اللفظية. و كل منها مشتملة على ثلاثة أجزاء مسند و مسند اليه و اسناد. أما القضية النفس الأمرية فكل من أجزائها الثلاثة من قبل نفس الأمر أي زيد في الخارج و قيام في الخارج و ارتباط الثاني بالأول. فهذا ثابت في الواقع سواء تعقله أحد أو لم يتعقله. و أما القضية المعقولة فالمراد بها تصور هذه الأجزاء الثلاثة في الذهن سواء كانت واقعة أو لم تكن حصل التلفظ بها أو لم يحصل. و أما القضية اللفظية فهي التلفظ بزيد قائم و لا بد ان يكون اسنادها أيضا لفظيا كطرفيها الآخرين فاللازم ان يكون الاسناد و الربط و التأليف و التركيب واقعا في اللفظ و هذا الاسناد إما يكون بالتركيب الحملي مثل زيد قائم. أو بتوسط حروف مثل زيد في الدار أو عمرو كالأسد و نحو ذلك مثل علىّ على السطح و المال لزيد. اذا عرفت هذه المقدمة:

فاعلم. ان المراد بقولنا (الحروف أدوات للايجاد) هو ايجادها الربط في القضية اللفظية فلا تتم هذه القضية إلّا بالحروف التي توجد الربط فيها فهي توجدها فيها بحسب اختلاف الموارد فما به الامتياز بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي هو انّ الأول حاك و منبئ و الثاني آلة للايجاد.

ثم ان الاستقلال الذي صرح به في المعنى الاسمي معناه انّه لا يكون آلة لوجود

50

الغير و ذلك بخلاف الحرف فانّه غير مستقل فيحتاج الى محل حتى يوجد الربط فيما هنالك فلا بد أولا من لحاظ طرفي الربط حتى يكون الحرف موجودا للربط بينهما مثل (زيد و دار) فيحصل الربط بينهما بأداة الظرفيّة. و أما الاستقلال في الاسم فهو عبارة عن الحكاية عن المفهوم فلا يحتاج الى محل ابتداء فالتعريف الصحيح للحرف هو ما في الرواية الشريفة من انّه ما أوجد معنى في غيره.

و مما يرد على تعريف القوم للحرف بأنّه ما دلّ على معنى في غيره (مضافا الى ما ذكر) هو انّهم ذكروا ان المراد بدلالته على معنى في غيره هو انّ المعنى الحرفي لم يلحظ أصالة بل توطئة. لكن يرد عليه. أوّلا- انّ المقصود الأصلي في القضية هو الإخبار بثبوت القيام لزيد أو سلبه عنه و هذا واضح فهذا الثبوت مثلا الذي هو وجه الارتباط يكون محل النظر استقلالا فصار المعنى الحرفي ملحوظا بالاصالة إذ المراد في سرت من البصرة ليس هو مجرد السير بل النظر الأصلي انّما هو الى المبدا و المنتهى و عليه فلا يكون الملحوظ في غيره توطئة. و ثانيا- سلمنا ذلك لكن نقول انّه ما المراد بتوطئة حال الغير؟ و هل انّ الحال في البصرة و الكوفة أمر سوى المبدا و المنتهى فما هو المراد بتوطئة حالهما؟

تفصيل المبحث بعبارة أخرى‏

إنّ كلا من القضايا الثلث المذكورة متوقف على اسناد و مسند و مسند اليه و الاسناد في كل منها انّما هو من سنخ تلك القضية و كيفية التركيب ثلاثة أقسام الاسناد الاتحادي و الحدوثي و الاضافي. أما الأول فهو ما يحصل بين لفظين عند حصول الهيئة التركيبة و الثاني هو حدوث أحد الطرفين عن الآخر فهذا لا يحصل باقتران اللفظين كيف ما كان و بضم كلمة الى أخرى بل يحتاج الى الهيئة الاشتقاقية

51

الفعلية لا بهيئة الاتحاد و لا بهيئة الإضافة. و أما الثالث و هو الاضافي فهو كل ما كان غير اتحادي و لا حدوثي و هو إمّا بصورة الاختصاص كالمال لزيد أو الاستعلاء كزيد على السطح أو الابتداء مثل سرت من البصرة أو غير ذلك فهذا القسم يحتاج في تحققه الى حرف أو ما بمنزلته و إلّا لم يتحقق فالحروف هي المتكفلة لهذا القسم الأخير فيقال الحرف ما أوجد معنى في غيره. أما الفعل الذي هو ما أنبأ عن حركة المسمى فهو مشتمل على جزءين مبدأ و هيئة. و الأول ما يدل على الحدث و هذا المبدا لا بد ان يكون مما يقبل الاسناد الحدوثي مثل علم و ضرب و أكل فلا يصح ذلك في الاعيان فلا يقال (حجر) نعم قد يستعمل الفعل في بعض الأعيان و ذلك تنزيلا مثل (بال) فانّ البول و ان كان عينا خارجيا إلّا انّه حيث كان له مبدأ الاشتقاق لتنزيله منزلة الحدث بلحاظ تجدده و انصرامه. و كذلك (حاضت المرأة) بناء على تفسير الحيض بالدم لا بالحدث. أو (استحجر الطين) فهذا الاسناد الحدوثي الحاصل بسبب الفعل له طرفان مبدأ و ذات. سواء كانت الذات معينة نحو (اسكن) أو مبهمة مثل (ضرب) غائبا لا انّ الغيبة قيد فيه لكنه يدل على ذات نسبت اليها الغيبة حيث انّها ليست مخاطبة بخطاب و لا تكلم. لا الغائب في مقابل الحاضر. و قد عبروا عن الذات بالمسمى لقبولها التسمية و عن الطرف الآخر بالحركة فيقال انّ الفعل ما أنبأ عن حركة المسمى اذ الاسناد الحدوثي بعد انضمامه بالمبدإ يعنون بالحركة و المسمى هو طرف الحركة فالفعل مشتمل على حدث و اسناد و هذا هو مقوّم الفعل اقترن بالزمان أو لم يقترن و لذا كانت الأفعال المنسلخة عن الزمان أفعالا حقيقة و الحاصل ان عنوان الحركة هو طرف الحدث و اذا قلت علم زيد. فحيث يبيّن اتصافه بالعلم فهذا هو عنوان الحركة و كذا نحو سكن. و أمّا هيئة الفعل. فالحروف المرتبة بهذا الترتيب الخاص كعلم و ضرب و غيرهما دالة على الحدث سواء كانت بهذه الهيئة المذكورة أو بهيئة المضارع أو الأمر و الجامع و هو الضرب و العلم مشترك موجود بين الجميع‏

52

فالحدث مستند الى الحروف المترتبة بأي هيئة كانت و انّما الماضي و المضارع و الأمر نسب مختلفه و هيئة فعل دالة على الاسناد التحققي و هيئة يفعل على الاتصافي و هكذا فالمتحصل ان المبدا دال على الحدث و الهيئة دالة على الاسناد إلّا أنّ هذا الاسناد مختلف و الاختلاف بين الماضي و المضارع ليس بالزمان و لذا كان (لم يضرب) ماضيا و (إن ضرب) مستقبلا. توضيح ذلك انّ النسبة تحتاج الى طرفين و قد يقدّم مبدأ على الاسناد و تارة تقدم الذات على الاسناد فإن كان المبدا هو المتقدم فقد تحقق المبدا في الذات لا العكس. و هذا في الماضي حيث أن مبدأه متقدم و علامة الماضوية متأخرة و هذا بخلاف المضارع فإنّ حروف (اتين) التي هي للمضارعة متقدمة على المضارع (و هكذا الحال في اللسان الفارسي مثلا مى‏زند أي يضرب) سواء كان التحقق ماضيا أو حالا أو استقبالا. و هكذا الاتصاف و لذا لم يخل المضارع من الاتصاف لتقوم المضارع به كما انّ التحقق مقوّم للماضي و لذا كانت بلاغة الكلام تختلف باختلاف الخصوصيات كما في العقود و الايقاعات فإنّ ايجابها لا بد و ان يكون بلفظ الماضي مع انّ المضارع الذي يشتمل على الحال و الاستقبال أقرب الى الانشاء المعتبر في العقود و الايقاعات و السرّ في ذلك انّ العاقد في مقام العقد ناظر الى التحقق لا الاتصاف و ذلك بخلاف مقام الحمد و الثناء مثلا فالمضارع هنا أي (أحمد و أثني) مقدم على الماضي (حمدت) حيث انّ النظر هنا الى الاتصاف بالحمد للّه تعالى.

و أما الوجه في‏ وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً فهو ناظر الى الأزل و الأبد لا الماضي وحده و لا في ما بعد الحال كذلك. و لا يخفى انّ الاحاطة بهذه الخصوصيات دقيقة جدا اذ بهذه وصلت مدارج الفصاحة و البلاغة الى مرحلة عجز عن ادراكها العرب مع ما هم عليه من النبوغ في ذلك و لم يقدروا على انشاء مثل ما في القرآن إذ الفصاحة و البلاغة تقبلان الادراك الى حدّ ما و أما الاحاطة التامة بهما فغير متيسّر و الملاحة مما يدرك و لا يوصف.