بدائع الأفكار

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
463 /
1

-

2

[خطبة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

نحمدك يا من بحكمته أبدع الأكوان و أودع فيها أسرار ما يكون و ما كان و شرف نوع الإنسان فعلّمه البيان و عرّفه مناهج الشّرائع و معالم الأديان و جعلها فروعا مبنيّة على أصول و أركان منبعثة عنها انبعاث الأغصان عن الأشجار متطلّعة منها تطلع الثّمار من الأكمام و الأزهار حمدا لا تدرك نهاية مبادئه الأوهام و الأفكار و لا تحيط بعده ألسنة الأقلام و الاعتبار و نشهد أنّك الرّبّ المنزّه شأنه عن النّظير و المولى الذي رجع طرف الوهم عن كنهه حسير المنعم على عباده بتسهيل كل بغية خيبة و الجاعل لهم من عقولهم أفضل هدايته و غنية شهادة تعدها خير عدة يوم الحساب و أقوى ذريعة لنيل السّعادة و الثواب و نصلّي على خير من أرسلته بشيرا و نذيرا و زبدة من بعثته في الورى سراجا منيرا و آله الطيّبين المطهّرين من الرّجس تطهيرا (أما بعد) فإنّ شرف فن الأصول مما لا يخفى على ذوي التّميز و العقول فهو لعمري من أجل العلوم الدينية و أعظم ما ابتنى عليه الأحكام الشرعيّة و أهمّ ما يلزم الفقيه الاهتمام به و أقوم ما سعت الهمم لتحصيله و طلبه و من هنا اشتدت عنايتهم بتهذيب أصوله و إحكام قوانينه و ترتيب فصوله و إتقان مطالبه و تقريب محصوله فكم لهم فيه من مختصر كاف في إحراز فوائده و مطول وافي في جميع فرائده و تحريرات باعثة على ارتفاع معارجه و ظهور معالمه و وضوح مناهجه إلى أن انتهت النوبة إلى ذي العلم المنيف و عضد الدين الحنيف و مالك أزمة التأليف و التصنيف الغوث الآمل و الغيث الهامل و الغياث للراجي و السائل البحر الذي ما له من ساحل و الجهيد الذي من نفسه عليه دلائل بحر تمد بلا جزر مواهبه و البحر عقيب المد قد جزرا بل هو بحر علمها المتلاطم الأمواج و بدر فضلها المشرقة بنوره الفجاج الإمام الهمام و المولى القمقام العالم العامل و الفاضل الكامل بحر الفواضل و الفضائل و فخر الأواخر و الأوائل فاتح صحيفة السداد و الرشاد و خاتم وقيمة الفضل و الفقاهة و الاجتهاد رئيس المحققين و المدققين و أسوة العلماء الراسخين و شمس الفقهاء و المجتهدين نجم أهل الفضل و الحجى و محط أرباب العلم و النهى قطب رحى المجد الأثيل و محيط دائرة الفعل الجميل شيخنا الأكمل الأجل و أستاذنا الأوحد الأفضل العلم العلامة الأواه مولانا الأجل الميرزا حبيب الله مد الله تعالى أطناب ظلاله على مفارق الأنام و عمر الله بوجوده الشريف دوارس شرع الإسلام ما دامت الفروع مترتبة على الأصول و الشمس لها الطلوع و الأفول و عقد المشكلات منحلة بأنامل الدلائل و ظلم الشبهات منجلية بأنوار العقول فأجرى في ميدان هذا التدوين كميت فضل لا يعدل بقرين فكان به لتصديق المثل السائر شاهد عدل كم ترك الأول للآخر فحرر ما بنور بيانه انجلت حنادس الشبهات و انحلت بتحقيقاته الرائقة عقد المشكلات و انفتحت ببنان تدقيقاته الفائقة مغالق العضلات فكم أبدع فيها من أفكار ثاقبة و أودع في طيها من أنظار صائبة تشهد لها الفطرة الصحيحة السليمة بإحراز الفضل على كل حادثة و قديمة حتى تلقاها العقول بأنعم القبول و أذعنت لها فحول المعقول و المنقول و حيث إنها انطوت على مكنون المنافع حسن رسمها كما رسمها دام مجده بالبدائع و قال سلمه الله تعالى‏

القول في أصول الفقه‏

و مقاصده خمسة و قبل الخوض فيها لا بد من تمهيد

مقدمة مشتملة على أمور

تسمى بالمبادئ اقتفاء لآثار القوم و المقدمة بفتح الدال منقول إلى مقدمة الجيش و هي في هذا الإطلاق و اسم جنس يطلق على الكثير و القليل ثم إلى كل ما يتوقف عليه الغرض الأصلي و منه إطلاقه على ما لا يتم الواجب إلا به و على طائفة من المطالب المذكورة أمام المقصود من العلوم المدونة لتوقفها عليها و لو جعل الإطلاقان الأخيران من جزئيات النقل الأول لم يكن بعيدا و هي مأخوذة من قدم بمعنى تقدم لأنها متقدمة على المقصود الأصلي من علم أو فعل أو غيرهما أو من قدم المتعدي لأنها تقدم صاحبها على غيره و فتح الدال خلف على ما ذكره غير واحد من الأفاضل و لعل نظرهم إلى أنها إن أخذت من اللازم فالقياس كسر الدال ليس إلا و إن أخذت من المتعدي فمقتضى المناسبة المذكورة كسر الدال أيضا و فيه نظر لعدم انحصار المناسبة فيما ذكر فيقرأ بفتح الدال بملاحظة أنها

3

أمور يقدمها الإنسان أمام المقصود لتوقفه عليها أو لفائدة أخرى ثم من عادة القوم جعل المقدمة تارة ظرفا لما يذكر فيها من الأمور و أخرى مظروفا مع أن كلا منهما عين الآخر و الظرفية تستدعي المغايرة كما لا يخفى و لعل المغايرة هنا اعتبارية كما أن أصل الظرفية كذلك و هي بملاحظة هذه الأمور تارة بالإجمال و تارة بالتفصيل فيجعل ظرفا بأحد الاعتبارين و مظروفا بالآخر و من هنا جعل الواحد الشخصي تارة ظرفا و أخرى مظروفا لشخص آخر و استعمال كلمة في في الظروف الاعتبارية كما في قولهم الكرم في العرب و نحوه ليس على وجه الحقيقة الواقعية بل ادعائية بتنزيل الظرف و المظروف الغير الحسيين بمنزلة المحسوسين بضرب من التوسع و التسامح نظير إطلاق ألفاظ المقادير على ما ينقص يسيرا من مقاديرها المعينة على ما هو المختار فيها لأن المتبادر من الظرفية المصرح بكونها معنى في هي الظرفية الحقيقية كما أن المتبادر من كلمة في أيضا ذلك بناء على جريان التبادر في أوضاع الحروف و توهم كون استعمال كلمة في في أمثال هذا المقام مجازا لغويا بمكان من السقوط و المبادئ جمع مبدأ و المراد بها في المقام جملة من المطالب العلمية المذكورة في المقدمة بين ما يزيد في البصيرة و بين ما يتوقف عليه تحصيل العلم و هي على ضربين أحدهما التصورية و الأخرى التصديقية أما الأولى فقد جعل منها جماعة منهم العضدي تصور العلم و تصور الموضوع و تصور الأحكام و التحقيق أن جملة من المبادئ الأحكامية المذكورة في كتبهم تصديقية كمسألة مقدمة الواجب و نسخ الوجوب و وجود المباح و لعل غرضهم من جعل المبادئ الأحكامية من المبادئ التصورية ما عداها و في كلام العضدي إشارة إلى ذلك حيث صرح بأن المعدود منها تصور الأحكام و أما الثانية فينقسم إلى المبادئ الكلامية و المنطقية و العربية و منها أيضا ذكر فائدة العلم و مرتبته و شرفه و في كون جميع ما ذكر في المبادئ اللغوية تصديقية أيضا نظر فإن جملة منها كتعريف الحقيقة و المجاز و تعريف اللغة و تقسيم الألفاظ و نحوها تصورية كما لا يخفى ثم إن هاهنا إشكالات متعلقة بالمبادئ تنبه على جملة منها بعض المحققين الأول ما نبه عليه المحقق الكاظمي في المحصول أن المبادئ ما يتوقف عليه العلم بمعنى امتناع حصوله بدونه أو ما يتوقف عليه الشروع و البصيرة و قد جعلوا من الأول المبادئ اللغوية و المنطقية و الأحكامية و الكلامية مع أن علم الأصول غير متوقف عليها أصلا و لعله لأجل ذلك اعتذر التفتازاني عن إطلاق العضدي عليها ما يتوقف عليه العلم بأن المراد أنها ما يتوقف عليه البصيرة في العلم لا أنه يمتنع بدونها و الجواب أن هذه الأمور مما لا بد منها في تحصيل الفقه كما لا يخفى فهي مقدمة للفقه كما أن الأصول أيضا مقدمة له فالمراد بكونها مبادئ أنها كذلك بالنسبة إليه لكنها ذكرت أمام المقاصد الأصولية تنزيلا لها منزلة الفقه لشدة توقفه عليها و قد أجاد صاحب المعالم حيث جعل المبادئ اللغوية و مقاصد الأصول مقدمتين للفقه الثاني أن المبادئ معدودة من أجزاء العلم فكيف تذكر في المقدمة مع خروجها عن العلم و الجواب أن للمبادئ إطلاقين أحدهما ما يتوقف عليه تحصيل العلم و ثانيهما ما يتوقف عليه نفس العلم كتصور الموضوع و المحمول و القضايا المؤلف منها الأقيسة المستدل بها على المسائل و المعدود من أجزاء العلوم منزل على الإطلاق الأخير دون الأول الثالث أنه إذا كان المبادئ بمعنى الموقوف عليه من أجزاء العلم لزم كون العلوم الأدبية و غيرها من المقدمات من أجزاء الفقه و الأصول و الكلام لأنها تتوقف على علم الأدب و المنطق و البيان و مثله الكلام في بعض مسائل الهيئة و الحساب بالنسبة إلى علم الفقه و جوابه ظهر من الجواب الثاني لأن صدق الموقوف عليه عليها مبني على الإطلاق الأول الخارج عن حقيقة العلم جدا و تخلص بعض المحققين عن ذلك بالفرق بين الابتناء القريب و البعيد فجعل من أجزاء العلم الأول و هو تصور الموضوع و المحمول و الأقيسة الرابع أن تصور الموضوع من أجزاء العلم و قد ذكره القوم مع تصور ماهية العلم في المقدمة لا يقال المعدود من أجزاء العلم تصورات موضوعات المسائل و المذكور في المقدمة تصور موضوع العلم فتغاير لأنا نقول موضوعات المسائل هي جزئيات موضوع العلم أو أجزائها لأن العلم يبحث عن عوارض موضوعه فاتحدا و الجواب أن تصور موضوعات المسائل بالعنوان الإجمالي من أجزاء المقدمة و الذي هو جزء من العلم هو تصوراتها التفصيلية

الأمر الأول [الكلام في تعريف أصول الفقه‏]

من الأمور المشتمل عليها المقدمة في تعريف العلم علم هذا العلم له اعتباران إضافي و علمي و قد جرى دأب القوم على البحث عنه بكلا الاعتبارين مع عدم كون الاعتبار الأول مزيدا للبصيرة إبداء للمناسبة بينهما و لنقدم الكلام في الاعتبار الإضافي أيضا تطبيقا للوضع على الطبع نظرا إلى كون الاعتبار العلمي منقولا من الإضافي و إن كان للعكس كما فعله ثلة أيضا وجه و هو كون البحث في العلمي أخصر فاستحق التقديم لأجله أو لأجل كونه المقصود بالذات كما قيل فنقول الأصول جمع أصل و له في العرف و اللغة إطلاقات المبني عليه و هو الأشهر و أسفل الشي‏ء كما عن القاموس و أسفل المحسوسات و مرجع الأخيرين واحد و إن توهم مغايرتهما بالعموم و الخصوص لأن العلو و السفل من عوارض الأجسام فلا يعم غير المحسوسات و السابق كما نقول هذا الأسود في الأصل كان أبيض و الشرف و توهم جماعة أن هذه إطلاقات متغايرة فزعم بعضهم أن المقام موضع تعارض أقوال النقلة و أمارات الوضع فاستعمل فيه ما يقتضيه القاعدة عند تعارض الأمارات و آخر إلى أن المقام من دوران الأمر بين النقل و المجاز و ثالث إلى أنه من دوران الأمر بين الاشتراك و المجاز و التحقيق أن تغاير هذه الإطلاقات مع قرب بعضها من بعض لا يوجب القول بتعدد المعاني و الأصل في ذلك أن دأب العرب التوسع و التسامح في المعنى الحقيقي و استعمال اللفظ في ما يقربها من المفاهيم من غير الالتزام بتجوز أو اشتراك أو نقل بل بنحو من التوسع كما ذكرناه في نظائر المقام مثل لفظ الإجماع و الحيض ثم‏

4

على تقدير اختلاف المعاني فليس من مقام تعارض أقوال النقلة لأن المثبتين لا تعارض بينهما إلا بعد تضاد المحمولين و لا مضادة بين الأوضاع المتعددة إلا على القول بامتناع الاشتراك و كذا ليس من دوران الأمر بين النقل و المجاز لاستدعائه الهجر المعلوم انتفائه في المعاني المزبورة كلا بل من دوران الأمر بين الاشتراك و المجاز و سيجي‏ء التحقيق فيه و في الاصطلاح ذكروا له معان مرجعها إلى الأربعة المعروفة الدليل و القاعدة و الاستصحاب و الراجح و في كون لفظ الأصل موضوعا لخصوص كل من هذه الأربعة نظر لإمكان إرجاع الاستصحاب إلى القاعدة و إلا لزم الالتزام بوضعها لجميع الأصول العملية فردا فردا و دعوى أكثرية استعماله في الاستصحاب بالنسبة إلى سائر الأصول غير معلومة بل المعلوم خلافه نعم لو قيل بوضعه لمجموع الأصول العملية حتى أصالة الصحة مثلا بوضع واحد جامع للكل لم يكن بعيدا خصوصا في ألسنة المتأخرين بل لا يبعد القول بعدم إطلاقهم الأصل بلا قرينة إلا عليها و أما الراجح فلم نجد له استعمالا إلا في قولهم الأصل في الاستعمال الحقيقة بناء على ما ذكره الكل أو الجل من أن المراد به الراجح و الظاهر و هو مبني على كون أصالة الحقيقة مرجعها إلى الظن النوعي و لو قيل بأن مرجعها إلى أصالة عدم القرينة أمكن إدراجها في إطلاقات الثاني أعني القاعدة و منه يظهر حال الأصل في قولهم الأصل في أفعال المسلمين الصحة نعم الظاهر أنه غلب في الأولين على سبيل الاشتراك لأنهما متباينان إذ القاعدة عبارة عن قضية كلية و الدليل سواء أخذ باصطلاح أهل الميزان أعني القول المؤلف من القضايا أو من اصطلاح الأصولي أعني ما يمكن التوصل إلى آخره مباين لها كما لا يخفى تباين الكل و الجزء أو تباين المفرد و المركب ثم إنهم اختلفوا في المراد من لفظ الأصول في هذا التركيب الإضافي بين من فسره بالمبني عليه و بين من فسره بالأدلة أو بالقواعد و التحقيق أن الاختلاف في مثل المقام لا يكاد يعقل لأن البحث عن الإرادة بعد تبين الوضع الاصطلاحي يستدعي استعماله في كتاب أو سنة أو كلام متكلم و إلا فاللفظ المفرد بعد العلم بوضعه غير متعلق به الإرادة حتى يسأل عن المراد به و إن أرادوا تعيين المعنى المنقول منه فالخلاف له وجه لكنه لا يلائم كلام جماعة منهم حيث يعللون ما اختاروه من التفاسير بأنه سالم عن النقل و إن أرادوا بيان معنى ينطبق على المعنى العلمي استراحة من النقل فهو أيضا جيد لكنه لا يوافق ظاهر مقالة الآخرين حيث يصرحون بأنهم اختاروا ما اختاروا لكونه أنسب بالنقل كما ستعرف إن شاء الله تعالى إلا أن يقال إن المختلفين نظيرهم في هذا الخلاف أيضا مختلف فغرض جماعة منهم و هم الذين لا يرون لزوم النقل إبداء معنى ينطبق على المعنى العلمي و غرض آخرين إبداء المناسبة بين المنقول إليه و المنقول منه و كيف كان‏

فلنتكلم في أمور يتضح بها حقيقة الحال‏

الأول‏

أن ظاهر العضدي و المحكي عن غيره دعوى التطابق بين المعنى الإضافي و العلمي و هو مشكل لأن الأصول إن فسرت بالاستصحاب أو الراجح فلا مساس له بهذا العلم كما لا يخفى و كذا إن فسرت بالأدلة لأن أسامي العلوم موضوعة لنفس المسائل أو لملكاتها على الخلاف الآتي و أدلة الفقه موضوع لعلم الأصول فكيف ينطبق على حقيقته و ما يقال من اعتبار حيثية الدلالة و البحث عنها حينئذ في الأدلة فينطبق على هذا العلم الباحث عن دلالة الأدلة يدفعه أن ملاحظة هذا الاعتبار لا يخرجها عن كونها موضوعا لهذا العلم باعتبار أن نفس الأدلة أمور تصورية و لو ملحوظا معها تلك الحيثية و حقيقة العلم تصديقات معهودة أو ملكة هذه التصديقات أو باعتبار أن الأدلة من حيث البحث عن دلالتها نفيا و إثباتا تندرج في المبادئ التصديقية بناء على ما يظهر من جماعة من كون موضوع علم الأصول هي الأدلة معنونة بعنوان كونها أدلة لأن التصديق بموضوعية الموضوع خارج عن حقيقة العلم جدا داخل في المبادئ التصديقية بين نفسه أو مبين في علم آخر فبقي من المعاني أمران المبني عليه و القاعدة أما الأول فانطباقه على هذا العلم جيد من غير ارتكاب خلاف أصل من نقل أو إضمار بشروط ثلاثة أحدها أن لا يكون أسامي العلوم موضوعة لملكات المسائل و هو خلاف المشهور و إن كان يقتضيه التحقيق الآتي وجه الاشتراط واضح لأن أصول الفقه على هذا التفسير عبارة عن مباني الفقه و المعنى العلمي عبارة عن ملكة المباني إلا أن يقال إن المباني أعم من أن يكون نفس القضايا الموقوف عليها الفقه أو ملكاتها فيتحقق الانطباق و فيه أن مباني الفقه لا يتناول المتبادر منه سوى العلوم المتوقف عليه الفقه و أما غيرها مما لا بد منه في تحقيق الفقه كملكة هذه العلوم أو وجود صاحب الملكة و وجود سائر أسباب الاستنباط من الكتب و غيره فلا يذهب إلى دخولها تحت المباني ذاهب فتدرب و ثانيها أن تفيد الإضافة الاختصاص أو تكون للعهد حتى يرجع الأصول المفسرة بالمباني إلى المباني المختصة بالفقه أو المعهودة المراد بها المسائل الأصولية خاصة و إلا فمن الواضح شمول المباني للعلوم العربية و غيرها مما يتوقف عليه الفقه فكيف ينطبق على هذا العلم خاصة و ستعرف ما في هذين الشرطين من المنع و إن ذكرهما الأكثر و ثالثها أن يكون المراد بالأصول المفسرة بالمباني المباني الإجمالية لئلا يتناول المباني التفصيلية التي هي من أجزاء الفقه أعني الأدلة المفصلة المستدلة بها على المسائل الفقهية و هو أيضا ممنوع و ما يقال في إثبات هذا الشرط من أن المضاف إليه أعني الفقه لما كان ملحوظا فيه الأدلة التفصيلية فلا جرم يكون المراد بالمضاف أي الأصول المباني الإجمالية فمما لا كراهة فيه لأن الفقه عبارة عن نفس المسائل الفقهية أو ملكاتها و أما الأدلة التفصيلية فهي غير مراد من لفظه في هذا التركيب الإضافي و إن قلنا إن الأدلة المستدل بها على المسائل من أجزاء العلوم فافهم و تأمل فيتناول أصول الفقه المباني الإجمالية و التفصيلية كليهما و مما ذكرنا ظهر ما في كلام العضدي و البهائي فإن الأول حاول الفرار من النقل‏

5

بتفسير الأصول بالمباني بدون الالتزام بخلاف أصل آخر و الثاني أيضا كذلك مع الالتزام بالإضمار حين إطلاق أصول الفقه و إرادة هذا العلم منه بأن يقال علم أصول الفقه و إن كان الشرط الأول من الشروط الثلاثة مستغنى عنه بناء على مقالة الأخير كما لا يخفى لكن الفرار من النقل إلى الإضمار في هذا المقام غير مطبوع و إن كان الإضمار أرجح من النقل نوعا لإمكان دعوى الاتفاق على ثبوت الاصطلاح لهذا التركيب الإضافي في هذا العلم و أما الثاني أعني القاعدة فيظهر من بعض المحققين امتناع تفسير الأصول بها في التركيب الإضافي مع الاعتراف بإمكان إرادة المعنى اللغوي بل بتعينه و وجهه غير واضح و لعله مبني على كون المتبادر من الأصول المفسر بالقواعد في حال الإضافة نفس القواعد الفقهية بناء على ظهور الإضافة حينئذ في البيانية كما هو المتبادر في مثل قولهم قواعد النحو و التصرف و الأصول و نحن نقول على هذا التفسير أن الكلام فيه مثل الكلام على تقدير تفسيره بالمباني جعلا للإضافة بتقدير اللام إلا أن الشرط الثالث لعله غير محتاج إليه على هذا التقدير كما لا يخفى فيكون أولى من التفسير بالمباني كما لا يخفى بقي شي‏ء و هو أنه على تقدير الانطباق بين المعنيين لا حاجة إلى النقل جدا لأن الغرض منه هو الغرض من وضع الألفاظ أعني إفادة تأدية المراد بسهولة و هو حاصل بدون النقل حينئذ و هل يمكن تصحيح النقل مع قضاء الضرورة بوجوب المغايرة بين المنقول إليه و المنقول منه قد يقال نعم بملاحظة اشتراط الحضور الذهني في ذلك المعنى الإضافي حين وضع المركب له ثانيا بالعلمية فيستحق المغايرة الاعتبارية بين المعنيين و هي كافية في تعدد الوضع كما في اسم الجنس و علمه لكنه إنما يتم في الوضع التعييني لا في أمثال المقام الثابت فيه الوضع بالتعين‏

الأمر الثاني‏

في تعين المنقول منه على تقدير عدم انطباق المعنيين و ثبوت الاصطلاح في هذا العلم فنقول لا إشكال في أن النقل من أصول الفقه بمعنى الاستصحاب غير صالح في المقام و كذا المعنى الراجح كما لا يخفى فبقي كونه منقولا من الأصول بمعنى المباني و القواعد أو الأدلة و لعل المشهور هو الأخير حيث يفسرون الأصول في حال الإضافة بمعنى الأدلة لكن الأنسب النقل من أحد الأولين لأن النسبة بين أدلة الفقه و هذا المعنى العلمي تباين كلي سواء فسرناه بنفس المسائل الأصولية أو بملكاتها فيكون النقل حينئذ نقلا مرجوحا لأن أغلب المنقولات منقولة من العام إلى الخاص الأصوليين أو المنطقيين بخلاف النسبة بينه و بين الأولين فإنها عموم مطلق ضرورة أعمية مباني الفقه عن هذا العلم سواء فسر بنفس المسائل لأن مسائل هذا العلم بعض مباني الفقه بناء على عدم إفادة الإضافة الاختصاص أو بملكاتها إما لأن ملكة المسائل عبارة عن عالم إجمالها الحاصل من مزاولتها في الخواطر أو لأن ملكة سائر الأصول أيضا من المباني و إن لم يكن تصديقا و كذا الكلام في القواعد على تقدير كون الإضافة لامية كما مر هذا و في حاشية القوانين تعليل الأولوية بوجه آخر و هو لزوم النقل في مدخول لفظ العلم إذا أطلق علم أصول الفقه و أريد منه العلمي يعني إذا جعل أصول الفقه بمعنى مباني الفقه أمكن أن يقال إن معناه العلمي ملكة إدراك تلك المباني بخلاف ما لو فسر بالأدلة فإن تفسير المعنى العلمي حينئذ بأنه ملكة إدراك الأدلة غلط فلا بد من العدول عما فسر به أولا إلى ما يكون ملكة إدراكه منطبقا مع هذا المعنى العلمي و أنت خبير بأنه ليس لا مساس له بمراد من فسر الأصول بالمباني و جعله أولى من التفسير بالأدلة كالعضدي و البهائي و الكاظمي كما ظهر إجمالا مما ذكرنا في الأمر الأول و مع ذلك فلم نحصل منه شيئا مع أن تسمية ذلك بالنقل أمر مخترع منه (رحمه الله) كيف و النقل أمر مخالف الأصل بل الأصول و ليس في ذلك مخالفة أصل أصلا هذا مع ما في سائر ما ذكره في تلك الحاشية من وجوه الفساد التي لا جدوى لتعرضها غير إساءة الأدب‏

الأمر الثالث‏

في أن تركيب أصول الفقه حين كونه علما هل هو مزجي أو إضافي و على الثاني فهل الموضوع هو مجموع المركب من الجزءين كعبد الله حال العلمية أو المضاف حين الإضافة على أن يكون التقييد داخلا و القيد خارجا و الغرض التنبيه على غفلة جملة من المحققين هنا حيث ذهبوا أو مالوا إلى الأخير و إلا فالأمر واضح ضرورة عدم كونه مزجيا لأن لفظ الأصول في هذا التركيب و لو في حال العلمية لا يجري مجرى الحروف فتعين الثاني و أما الأخير الذي ذهب إليه الجماعة فمرجعه إلى اجتماع الإضافة و العلمية و هو كما ترى و أما نظير بعضهم له بماء العنب و ماء الرمان فلم أتحصل معناه فإن أراد أن ماء العنب علم في العرف لذات الماء المعهودة من غير ملاحظة الإضافة فعلى تقدير تسليمه ينافي مقصوده و هو لحوق الواضع العلمي له حين الإضافة مع أن القول بأنه و نظائره كماء الورد من أعلام الأجناس عرفا نقلا من معناه الإضافي كما ترى ثم قياس العلم الشخصي أعني أصول الفقه بناء على ما صرح به بعض و إن كان فيه تأمل بعلم الجنس فيه أيضا ما فيه و إن أراد أن المستعمل في الماء المعهود هو المضاف بقيد الإضافة فهو مسلم لكن جميع المركبات الإضافية كذلك كما لا يخفى هذا تمام الكلام في المضاف‏

[الكلام في تعريف الفقه‏]

و أما المضاف إليه و هو الفقه فهو في العرف و اللغة مفسر بالفهم و الظاهر أنه مرادف للعلم و يمكن القول بأن الثاني أعم من حيث اختصاص الأول بالإدراك الحاصل بآلة أعني القوة الدراكة و لذا يصدق العالم على الله تعالى دون الأول و قد يفرق بينهما بوجوه منها اعتبار سرعة الانتقال في الفهم دون العلم و منها اختصاص الفهم بما يعتبر عنه المتكلم و فيه نظر يظهر من ملاحظة عدم صحة سلبه عما ينتفي فيه الأمران كما لا يخفى و لعل الاعتبار الأول نشأ من قياس المبدإ ببعض المشتقات كما هو ظاهر كلامه كالفهيم فإنه لا يطلق إلا على الفطن الذكي و هو سهو لأن ذلك من خواص الصيغة دون المادة و أما

6

الاعتبار الثاني فلا وجه له غير ملاحظة استعمال الفهم غالبا خصوصا في ألسنة أهل التصنيف و التأليف في إدراك غرض المتكلم فتوهم لذلك اعتبار هذه الخصوصية في أصل مفهومه اللغوي أو العرفي و هو كما ترى و أضعف من الفرقين تفسيره بالإدراك المطلق فإن التصور ليس بفهم جدا كما أنه ليس بعلم لغة و عرفا و في اصطلاح علماء المتشرعة عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية و هذا هو المشهور في حد الفقه الاصطلاحي و لو بزيادة بعض القيود في بعض الكتب كالزبدة و هو قوله فعلا أو قوة و لعل الاحتياج إلى هذه الزيادة غير ثابت على ما يأتي الإشارة إليه‏

[الكلام في بيان المراد من لفظ العلم المذكور في التعريف‏]

(و العلم) له إطلاقات التصديق الجازم المطابق الثابت على إشكال ضعيف في اعتبار الثاني و قوي في الثالث و هذا معناه العرفي و اللغوي و قد يتضمن معنى الشعور فيتعدى بالباء و إلا فهو متعد بنفسه يقال علمته و علمت به بمعنى شعرت به و هذا الإطلاق أيضا كثير و لا تجوز فيه و إن قلنا بأن بعض أقسام التضمين يرجع إلى التجوز في المضمن فيه و الإدراك المنقسم إلى التصور و التصديق و عليه جرى اصطلاح أهل الميزان و المعقول بل قيل إنه من إطلاقاته العرفية الشائعة و جعل منه قوله تعالى‏ وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها و فيه تأمل (و ملكة) التصديق و هذا الإطلاق شائع عند الإضافة إلى أحد العلوم المدونة كقولهم علم النحو و علم الكلام و قولهم فلان يعلم النحو و قد يجعل منه ما ورد في حق الأئمة الطاهرين من أن الله تعالى علمهم علم ما كان و ما يكون بدليل استدراك قيد العلم لو كان المراد التصديق الفعلي إذ يكفي حينئذ أن يقال علمهم و ما كان و بذلك يدل الحديث على كونهم عالمين بالقوة لا بالفعل إلا أن يجعل لفظ العلم المفعول المطلق و مطلق الملكة أي القوة القابلة للفعلية كما في صورة إضافته إلى الصناعات مثل الخياطة للثوب كما يقال فلان يعلم الخياطة فإن الخياطة لا يتعلق بها التصديق فعلم الخياطة مراد به ملكتها أو القوة التي يقتدر بها على فعلها كذا استظهر بعض المحققين و فيه نظر لأن مجرد الملكة أي القوة لا يطلق عليها العلم فلا يقال علم العدالة و علم التجارة و أما قولهم فلان يعلم الفقه فالمراد أنه يعرف القواعد التي لا بد منها في تلك الصنعة و لذا لا ينسب إلى الأفعال الفطرية التي لا تتوقف على بعض القواعد فلا يقال علم الأكل أو فلان يعلم الأكل و أمثالها فافهم (و المسائل) كما قيل و منه إطلاق العلم على العلوم المدونة كما يقال النحو علم يعرف به إلى آخره بناء على كون أساميها موضوعة لمسائلها لا لملكات تصديقها و إلا رجع إلى الثالث و الإنصاف عدم معلومية استعماله في نفس المسائل المراد بها المحمولات المنتسبة أو مجموع القضية لأن البناء المشار إليه مع كونه خلاف المشهور حيث زعموا أن أسامي العلوم موضوعة لملكاتها ليس بمستلزم لإرادة المسائل بالمعنى المشار إليه منه لإمكان إرجاعه إلى الإطلاق الأول بإرادة التصديقات المعهودة و كيف كان فلفظ العلم ليس منزلا على الإدراك المطلق كما زعمه جماعة منهم صاحب المعالم في ظاهر كلامه لأنه مبني على اصطلاح أهل الميزان و اللفظ لا يحمل على غير عرف المتكلم إلا لضرورة معدومة في المقام مع أنه لو أريد به الإدراك تناول التصورات و معلوم أن الفقه تصديق لا تصور و غاية ما يقال إن القيود المتأخرة تكفي مؤنة إخراجها عن الحد و فيه أن المطلق عند المشهور على ما نسب إليهم مجاز في المقيد حتى في القيود المتصلة فيثبت المطلوب و هو كون المراد بالعلم خصوص التصديق و هذا هو عين حمل العلم على التصديق بالأخرة مع ارتكاب مجازين أحدهما حمل العلم على مطلق الإدراك أولا كما بينا ثم تقييده بالعلم التصديقي ثانيا على المشهور اللهم إلا أن يصار إلى ما هو المختار من عدم كون التقييد مطلقا خصوصا في المتصل مجازا فيستراح عن التجوز الثاني فافهم كل ذلك مضافا إلى غناء العلم بمعنى الإدراك في التعدي عن حرف الجر و تضمين معنى الإشعار حينئذ سبك مجاز عن المجاز كما لا يخفى و لا على المعنى الأخير أعني المسائل كما هو واضح و أما الملكة فقد فسره بها جماعة من المتأخرين لكن الظاهر من كلام جملة من المتقدمين تفسيره بالتصديق و هو الأظهر لأنه معناه المتبادر منه المعروف في العرف و اللغة و أما الملكة فهي و إن صح إرادتها في المقام لكنه لا ضرورة داعية إليه (توضيح) ذلك أن إطلاق العلم على ملكة التصديق إما مبني على تنزيل القوة القريبة بمنزلة الفعل تسامحا كما أشرنا إليه آنفا حتى يكون حقيقة ادعائية مثل سائر المسامحات العرفية أو مبني على التجوز بعلاقة السببية مثلا و إلا فلفظ العلم ليس مشتركا بينها و بين التصديق حتى يكون من لغات الأضداد ضرورة تقابل القوة و الفعل و على التقديرين فلا بد من نصب قرينة صارفة و لا قرينة هنا إلا ما ربما يتوهم تارة من اشتهار كون أسامي العلوم موضوعا لملكاتها و أخرى من توقف تصحيح عكس التعريف و طرده على ذلك و كلاهما غير مجدين أما الأول فلعدم الاشتهار أولا و لكذب الشهرة ثانيا لأنا لم نجد موضعا يراد فيه من أسامي العلوم الملكة إلا

و يمكن حمله فيه على إرادة التصديقات المعهودة و على تقدير الاستعمالات فلا يثبت الوضع مع الاستعمال في المسائل أيضا كما في قولهم فلان يعلم النحو ضرورة عدم صلاحية إرادة غير المسائل أو التصديقات منه في هذا الإطلاق فيدور الأمر بين الاشتراك اللفظي لعدم الجامع بين القوة و الفعل و الحقيقة و المجاز نعم إذا قيل فلان نحوي مثلا يراد به كونه ذا ملكة و لكنه من خواص النسبة و أما الثاني ففيه منع الصغرى و الكبرى لأن تصحيح التعريف طردا أو عكسا لا يتوقف على تفسير العلم بالملكة و إن زعمه جماعة كما سنبينه سننبه عليه إن شاء الله تعالى و بعد تسليم التوقف فالأمر يدور بين الخروج عن ظاهر

7

ما يقتضيه لفظ العلم و التزام عدم اختلال التعريف و بين فساده و من الواضح عدم أولوية الأول عن الثاني بل الأمر بالعكس لوجوب متابعة الظواهر قبل ثبوت الصارف بخلاف تصحيح الحد فإنه ليس يندرج تحت أصل يقتضيه و إلا انسد باب الإيراد على الحدود و لزم تصحيحها بالحمل على أي معنى ينطبق على المحدود و إن كان مرجوحا فاقدا للقرينة و هو كما ترى فإن قلت تفسير العلم بالتصديق يوجب استدراك ذكر الأحكام لوضوح عدم تعلق العلم بمعنى التصديق إلا بالحكم فيجب تفسيره بالإدراك كما فعله جماعة محافظته لقيود التعريف عن الاستدراك قلت لا كراهة في حمل اللفظ على المعنى المجازي مع ما فيه من وجوه البشاعة المشار إليها التي منها ارتكاب التضمين لأجل التعدية بالباء فرارا عن كون القيد توضيحيا مع غلبته في غير الحدود و عدم ندرته فيه خصوصا إذا كان التوضيح مقرونا بفائدة كما في المقام و هي عدم إمكان توصيف العلم بالشرعي على وجه ينطبق على تصديقات الفقيه إلا بتكلف ركيك في النسبة كما لا يخفى‏

[الكلام في بيان المراد من الأحكام المذكورة في التعريف‏]

(و الحكم) في اللغة بمعنى الإلزام و التصديق المقرون بالبيان و هو الإخبار و منه قوله تعالى‏ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ* لا مطلق التصديق كما ذكره غير واحد و إن كان محتملا لكن الأول أقرب باستعمالاته العرفية فإن صدق الحكم على مجرد الإذعان القلبي عرفا لا يخلو عن خفاء و النسبة الجزمية و المسائل و المحمول المنتسب و الحق أنها بمعنى الخبرية لأن الخبرية إن أريد بها مجرد النسبة المرددة بين الثبوتية و السلبية فعدم صدق الحكم عليه واضح و إن أريد بها النسبة الثبوتية و السلبية فمرجعها إلى المحمول المثبت لأن القيام الثابت لزيد و ثبوته له بمعنى و إن أمكن الفرق بينهما باللحاظ و أما المسائل فإن أريد بها مجموع القضية فعدم كونه حكما معلوم و إن أريد بها المحمول المنتسب فهو الذي قلنا إن مرجعها إلى معنى واحد و هو مضمون القضية فإن إطلاق الحكم على مضامين الأخبار شائع و جعل منه غير واحد من الفقهاء قوله (عليه السلام) خمسة أشياء يجب الأخذ فيها بظاهر الحكم و في اصطلاح الفقهاء و الأصوليين فسره الغزالي بالخطاب إلى آخره و البهائي (رحمه الله) بالأحكام الخمسة على نحو الاشتراك اللفظي أو المعنوي و ظاهر جماعة هو الثاني و يشكل بعدم الجامع القريب بينهما كما لا يخفى و الأحكام الوضعية على الاحتمالين و إن كان ظاهر الكل أو الجل فيها هو الثاني كما يفصح عن ذلك اختلافهم في حصرها في الخمسة أو العشرة و عدم الحصر و فيه الإشكال المتقدم و قد يطلق على ما يعم التكليفية و الوضعية و يلزم على القول بالاشتراك المعنوي في الموضعين القول بوضع الحكم لهذا المعنى العام لأن الجامع بينهما ليس بأبعد من الجامع بين التكليفية أو الوضعية كما لا يخفى و كيف كان فالمراد بالحكم في التعريف ليس هو المعنى الأول كما هو واضح و لا المعنى الثاني و إن زعمه المحقق الشريف لأن علم الفقيه بتصديقات نفسه و بتصديقات الشارع ليس من الفقه جدا إلا بعد الالتزام بخروج هذا العلم عن حد سائر العلوم المعلوم كونها عبارة عن العلم بمسائلها المعهودة أو ملكاتها مع أن قيد عن الأدلة إن رجع إلى العلم لم يستقم لوضوح عدم كون علم الفقيه بتصديقاته أو بتصديقات الشارع مستفادا من الأدلة بل المستفاد منها تصديقات الفقيه بمصدقات الشارع كذا قيل و فيه تأمل (و التحقيق) أن تصديقات الشارع غير مرتبطة بالأفعال كما سنشير إليه فالعلم بها ليس علما بما يعرضها من الأحكام و يمكن تصحيح التعريف على هذا التفسير بتكلفات ركيكة أشار إلى بعضها المدقق الشيرواني في الحاشية و هو أن يجعل الباء سببية ليرجع إلى أن الفقه هو التصديق الحاصل بسبب تصديقاتها المعهودة الشرعية و أما النسب الخبرية فقد فسرها بها جملة من أهل التدقيق و التحقيق لأجل مناسبة ذلك للعلم بمعنى التصديق و أورد عليه تارة بعدم حصول التعريف حينئذ لمعرفة مثل قوله تعالى‏ أَقِمِ الصَّلاةَ* من النسب الإنشائية فيختل عكسا و أخرى بخروج معرفة الموضوعات المخترعة أيضا كالصلاة و نحوها مع أن معرفتها وظيفة الفقيه و أجيب عن الأول بأن النسبة الإنشائية تتبع نسبة خبرية لا محالة فإن طلب الشارع للفعل يوجب اتصافه بالمطلوبية فيندرج العلم بها تحت التعريف باعتبار الثاني و عن الثاني بأنه إن أريد من معرفة الموضوعات الشرعية تصورها فلا ضير في خروجها لأن تصور الموضوع من المبادئ فالعلم بها بهذا المعنى خارج عن العلم جدا و إن أريد بها التصديق بصحة حدود تلك الموضوعات فخروجها بهذا الاعتبار ممنوع لاشتمالها على النسبة حينئذ و لا غائلة فيه بناء على عدم حصر الأحكام الوضعية بل يجب مراعاة دخوله لكون العلم بتلك النسبة علما بالحكم الوضعي الشرعي هذه خلاصة ما هو المستفاد من ظاهر كلامه و أنت خبير بأن صحة الحدود عبارة عن انطباق لحاظ المحدود تفصيلا على ملاحظته إجمالا و ليس مرجع ذلك إلى نسبة خبرية يتعلق بها التصديق كما أن فساد التحديد عبارة عن عدم انطباق اللحاظين و لعل نظره إلى صورة التحديد فإنها تنتظم على قضية لفظية صورية كما يقال الإنسان حيوان ناطق فزعم صلاحيته للإذعان بالصحة و السقم لذلك و هو سهو باتفاق أهل التحقيق على عدم اشتمال هذه القضية الصورية على النسبة الخبرية و أنها تنحل إلى الجمع بين اللحاظين لا إلى الإذعان بثبوت شي‏ء لشي‏ء كيف و الضرورة قاضية بمغايرة المحكوم عليه و المحكوم به حقيقة (و التحقيق) أن ما زعمه الجماعة من تفسير الأحكام بالنسب الخبرية و إن كان مناسبا للعلم لكنه بعيد عن النظر الصحيح لأن الفقه عبارة عن العلم بما يتعلق بأفعال المكلفين و النسب الخبرية الشرعية سواء كانت توقيفية مثل ما

يتعلق بأوضاع الآخرة و أحوالها كقوله الصراط حق و الجنة كذلك و ما يتعلق بأوصاف‏

8

الأنبياء و الصفات الثبوتية و السّلبية و ما يتعلّق بالمواعظ أو غير توقيفية كالعاديّات و جملة ما يتعلّق بالإطلاق و التّخصيص لا مساس لمصاديقها بفعل المكلّف بل المتعلق بها هي النّسب الإنشائية الشرعية أعني الأحكام الخمسة و غيرها من الأحكام الوضعية على القول بكونها أيضا أحكاما شرعيّة اللّهمّ إلاّ أن يكون المراد بالنّسب الخبريّة ما يتولّد من الإنشائية فإنّ كلّ نسبة إنشائية يتولد منها نسبة خبرية كما نبهنا عليه و فيه أنّ المحمول في تلك القضايا الخبرية أمور من جملة من جعل الشارع فالعلم بها ليس علما بمجعولاته الّتي هي أحكامه تعالى فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا بد من تفسير الحكم بالمعنى الاصطلاحي مع كونه مقتضى قاعدة حمل ألفاظ المتكلّم على مصطلحاته أعني الأحكام التكليفية و الوضعية على القول بجعلها أو الخطاب المتعلّقة بأفعال المكلفين أمّا الأوّل فهو أظهر التفاسير و أحسنها لأنّ العلم بالأحكام التكليفية و الوضعية علم بعوارض أفعال المكلفين و حقيقة كل علم على ما سيجي‏ء إن شاء الله هي معرفة عوارض الموضوع نعم يلزم حينئذ استدراك قيد الشرعية لاعتبار هذا القيد في الحكم الاصطلاحي فيكون توضيحيّا أو مبنيا على تجريد الأحكام عما اعتبر فيه من القيد بإرادة نفس الإنشاءات الخمس منها من غير إضافتها إلى الشارع و لا ضير في شي‏ء منهما إذا دار الأمر بينهما و بين ما يرد على التفاسير الأخر من العيوب الّتي ذكرنا بعضها و يأتي بعضها الآخر فإن قلت العلم لا يتعلق بنفس تلك الإنشاءات لأنّها أمور تصوّرية كما لا يتعلّق بالتّصورات قلت نعم لكن المراد من العلم بها العلم بتحققها و صدورها من الشارع الجاعل لا ماهياتها كما يقال علمت بزيد أي بوجوده و إرادة ذلك من العلوم المضافة إلى التصوّرات أمر شائع كأنه حقيقة عرفية فافهم و بذلك يظهر ما في تفسيرها بالنّسب الخبريّة ففيه ما عرفت و كذا لو أريد الأعمّ منها و من النسب الإنشائية و إن أريد الأحكام الخمس أي النسب الإنشائية فهو الّذي ذكرنا و أمّا الثاني أعني خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين من حيث الاقتضاء و التخيير و الوضع فالمراد بالخطاب هو الكلام الموجه لا توجيه الكلام بالاتفاق و إن اختلفوا في نقل الخطاب إلى الكلام الموجّه أو استعماله فيه مجازا و يرد عليه أمور يرجع كلّها أو جلّها إلى تفسير الحكم الشّرعي بذلك لا إلى إرادته في التّعريف على تقدير الصّحة و نحن نتعرّض ما ذكروه من المناقشات مزيدا عليها بعض ما بدا لنا من وجوه فساده تبعا لجماعة من المتأخّرين و إن كان لذكرها محلّ آخر الأوّل عدم صدقه على خطاب الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) و مداليل الأدلّة اللّبيّة كالقياس و الاستحسان و الاستدلال و الإجماع على طريقة العامة مع أنّها أحكام شرعيّة بالبداهة و لو تكلّف في إدخال خطاب الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) تحت خطاب اللّه بقي البحث في الأدلة بحاله الثّاني أنّ من جملة الأدلّة آيات الأحكام و هي خطابات الله المتعلّقة بأفعال المكلفين فيلزم اتحاد الدّليل و المدلول و لو عمم خطاب اللّه على وجه يشمل خطاب الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) لزم المحذور في خطابات الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) و هذا الإيراد إنّما يتوجّه على من لا يقول بالكلام النّفسيّ و أمّا القائلون به الّذين منهم الغزالي صاحب هذا التّعريف للحكم فقد ذكروا أنه غير وارد لأنّ المدلول أعني الحكم الشرعي حينئذ عبارة عن النّفسي و الدّليل هو اللّفظي و يمكن التفصي به عن الأوّل أيضا و لذا قال العضدي بعد ذكر الأدلّة أعني الكتاب و السنة و الإجماع و القياس و الاستحسان و الاستدلال أنّ مرجعها إلى الكلام النّفسي أراد به دلالتها عليه و تنقيح المقام يستدعي نقل بعض الكلام في توضيح الكلام النّفسي ليتبيّن أنّ الالتزام به هل ينفع في التفصّي عن الإيراد المذكور أم لا

[القول في الكلام النفسي‏]

(و اعلم) أنّ البحث في الكلام النّفسي من حيث هو ليس من مسائل الكلام لجريانه في كلام غير الله تعالى أيضا و لذا تعرض له المحقق الطّوسي (رحمه الله) في التجريد (الطّبيعي) في مبحث المسموعات نعم يندرج تحته مسألة كلاميّة لأنّ كلام اللّه من جزئيات موضوع هذه المسألة فتعرض الأكثر له في علم الكلام باعتبار تعلّقه به في الجملة كأكثر مباحث هذا الفنّ الغير المختصة به و محصّل النزاع فيه أنّ الأشاعرة زعموا أنّ الإنسان إذا تكلّم بكلام خبري فهنا أمور ثلاثة أحدها الألفاظ و الأصوات المتقاطعة على حسب ما يقتضيه أوضاعها اللّغوية من التقديم و التأخير و الثّاني اعتقاد المتكلّم بمضمونه و علمه به و الثالث تزوير مداليل الألفاظ في الخواطر و نظمها على حسب انتظام الألفاظ و الأوّل هو الكلام اللّفظي و الثّالث هو الكلام النفسي و فسّره العضدي بالنّسبة الثابتة بين المفردين القائمة بالنّفس و شارح التجريد بأنّه مدلول الكلام اللفظي و التفتازاني بما حاصله يرجع إلى الأوّل أعني التكلم القلبي الّذي هو غير العلم بمضمونه و إذا تكلّم بكلام إنشائي فهاهنا أيضا أمور ثلاثة اللّفظ و الإرادة و الطّلب الّذي هو مدلول الصّيغة و استدلّوا عليه بالوجدان و بأنّه لولاه لما حصل الفرق بين كلام المجنون و الكاذب نظرا إلى اشتراكهما في إيجاد الألفاظ و عدم الإذعان و الاعتقاد و إن كان الأول باعتبار عدم شعوره و الثاني باعتبار شكّه في مضمون الخبر و إذعانه بخلاف مضمونه و كذا يلزم أن لا يكون الأمر المقصود به الامتحان أمرا لعدم تعلّق الإرادة فيه بالمطلوب و ذهب الإمامية و المعتزلة قاطبة إلى عدم معقوليّة ذلك المعنى الثالث في الإخبار و الإنشاء و هذا هو النزاع المعروف في كتب الأصول من أنّ الطلب عين الإرادة أو غيره و كان الكلام النّفسي اسم لخصوص ما أثبتوه في الإخبار حيث عبّروا عما اختلفوا في الإنشاء بلفظ آخر و المراد بعدم المعقوليّة نفي ذلك المفهوم و الثّالث لا استلزام القول به أمر غير معقول كاجتماع النقيضين و إن استلزم بعض ما يقتضي [يقضي‏] صريح العقل بخلافه في خصوص كلام الباري و تفصيل المسألة مطلوب من مظانه و الغرض الإشارة الإجمالية إليها ليعرف الحال في ما أوردوه‏

9

في المقام إذا تحقق ذلك فنقول إنّ القول بالكلام النّفسي على تقدير صحّته و إن كان يندفع به اتحاد الدّليل و المدلول لكنه ارتكاب لمحذور آخر أشار إليه المحقّق القمي (رحمه الله) من خروج الكتاب حينئذ عن كونه دليلا مصطلحا و هو الّذي يتوصل به إلى مطلوب خبري نظرا إلى عدم كون الألفاظ برهانا على مضامينها بل موجبا للانتقال إليها انتقالا تصوّريا (و توضيح المقام) أنّ السّامع العارف بأوضاع اللغة إذا سمع من المتكلم كلاما فله انتقالات ثلاثة أحدها الانتقال إلى مداليلها اللّغوية فينتقل من قوله زيد قائم إلى زيد و قيام و ثبوته له انتقالا تصوّريا و ثانيها الالتفات إلى إرادة المتكلّم بمدلول اللّفظ من دون الإذعان بها نفيا و إثباتا و هو أيضا انتقال تصوّري و ثالثها العلم بتلك الإرادة و الإذعان بها و من الواضح عدم اتّصاف اللّفظ بالدليلية المصطلحة بالنّسبة إلى الانتقالين الأوّلين كوضوح اتصافه به بالنّسبة إلى الأخير لكن دلالته عليه ليست ناشئة من العلاقة الحاصلة من الوضع بل من ملازمة عادية ظنية إذ لو لا جريان العادة و بناء أهل العرف على إرادة المعاني عند التكلّم بالألفاظ الموضوعة لما حصل العلم بها للعالم بأوضاع الألفاظ و لذا لو كثر الكذب أو التجوّز بلا قرينة أو التورية في كلام شخص لما حصل العلم و الظنّ بإرادته معنى اللّفظ حين تكلّمه و مع ذلك فهو أمر خارج عن مدلول اللّفظ لأنّ اللّفظ موضوع لنفس المعنى لا لإرادة المتكلّم له نعم هي الغرض الملحوظ في وضع الألفاظ و من هنا علم أن معنى تبعيّة الدّلالة الوضعية للإرادة ليس اعتبارها في نفس الموضوع له كما قد يزعمه بعض القصار (قاصرين) و سيجي‏ء إن شاء تحقيق ذلك في محلّه فظهر ممّا ذكرنا أنّ اللّفظ من حيث هو و لو مع العلم بالوضع و ملاحظة العلاقة الوضعية ليس بموصل تصديقي إلى شي‏ء و مع ملاحظة بعض الأمور الخارجيّة كجريان العادة فهو موصل و دليل مصطلح على شي‏ء آخر غير مدلوله الخارجي أو الذهني القائم بالنّفس عند الأشعري و إنّما هو بالنّسبة إلى المدلول مطلقا موصل تصوريّ و هذا المحذور أشدّ من اتّحاد الدّليل و المدلول لعدم معقولية استناد مسائل العلم إلى ما يوجب مجرّد التصوّر و الكشف التصوّري كما ذكره القمي (رحمه الله) هذا و قد أجيب عن هذا المحذور أيضا بوجهين (الأوّل) ما أشار إليه بعض المحققين و حاصله أنّ اللّفظ ليس دليلا مصطلحا على الكلام النّفسيّ لو فسّر بأنّه مدلول الكلام اللّفظي و أمّا لو فسّر بالمعنى القائم بالذّات الأزليّة كما هو الأظهر حيث يزعمون أنّه من الصّفات فاللّفظ دليل عليه لأنّه كما يدلّ على مدلوله الخارجي كذلك يدل على انطباقه لما في نفس المتكلّم و فيه أوّلا أنّ الكلام النّفسي ليس له إلاّ تفسير واحد و هو المعنى الثالث الّذي يزعمون أنه غير العلم و الإرادة كما لا يخفى على من لاحظ كلمات العارفين بالنّزاع المعروف و تفسير جماعة له بالمعنى القديم ليس في قبال تفسيره بمدلول الكلام اللفظي بل في تطبيقه على كلام اللّه و الحاصل أنّ ذلك المعنى الثالث في كلام البشر عبارة عن النّسبة بين المفردين القائمة بذهن المتكلّم و في كلام الله عن المعنى القائم بالذّات الأزلية فليس تفسيره به قسيما لتفسيره بالمدلول بل قسما له و الّذي يفصح عن ذلك عموم نزاعهم لمطلق الكلام إذ لا يعقل العموم مع كون المتنازع فيه من خواصّ كلام الباري و ثانيا أنّ غاية ما يلزم من صحّة هذا الكلام كون خصوص كلام اللّه دليلا على الكلام النّفسي لا السّنة فضلا عن مطلق الكلام و هذا عين المدّعى لأنّ قصر الحكم على الخاص دليل على عدم ثبوته العام و ثالثا أنّ ما ذكره في تقرير المدعى لو تمّ لتم على تقدير تفسيره بمدلول الكلام اللفظي أيضا فيقال إنّ اللّفظ كما يدلّ على مدلوله اللّغوي كذلك يدلّ على انطباق ذلك المدلول لما في نفس المتكلّم فزيد قائم مثلا يدل دلالة تصورية على مدلوله اللّغوي أعني ثبوت القيام لزيد و يدلّ أيضا دلالة تصديقية على مطابقة هذا المدلول لما في نفس المتكلّم و حاصله أنّ الصّورة الحاصلة في ذهن المتكلم ليست هي النّسبة السلبيّة أو ثبوت القيام لغير زيد مثلا بل هي النّسبة الثبوتية المدلول عليها بقوله زيد قائم فيلزم استدراك ما زعمه من البناء و لغوية توسيط ما مهّده من المقدّمة و رابعا أنّ دلالة اللّفظ على انطباق مدلوله الخارجي لما في نفس المتكلّم عبارة أخرى عن دلالته على إرادة المتكلم لمدلول اللّفظ و قد عرفت أنّ هذا ليس دلالة على نفس المدلول بل على شي‏ء آخر و مع ذلك فمنشؤها أمر خارج عن حاق اللّفظ كما

عرفت (الثّاني) ما ذكره بعض الأجلّة اقتباسا من الجواب المزبور و حاصل ما ذكره من التّرديد و الاستفصال في فهم غرض المورد أنّ الألفاظ لم تعتبر أدلة على المعاني النّفسية من حيث اقتضائها تصوّرها بل من حيث التّصديق بثبوتها عند المتكلّم و إرادته لها و أنت إذا تأمّلت فيما ذكرنا خصوصا الإيراد الرابع على الجواب الأوّل تعرف ما فيه من وجوه الفساد ثم إنّ ما ذكره المحقّق القمّي (رحمه الله) في حلّ الإشكال إن أراد به رفع الإشكال الأوّل أعني اتحاد الدّليل و المدلول فجيد من غير الالتزام بالكلام النّفسي فتأمل و إن أراد به رفع الإشكال الثّاني أعني عدم كون الألفاظ مثبتة للدعوى بل كاشفة عن المدّعى فغير واضح لأنّ تفضيل الشي‏ء ليس دليلا عليه بمعنى الحجّة بل بمعنى المعرّف كما لا يخفى بقي شي‏ء و هو أنّ الإشكال الأخير لا يبتني على تفسير الأحكام بالخطابات على القول بالكلام النّفسي إذ لو فسّرت بالأحكام الخمسة أو بالنسب الخبريّة فالإشكال أيضا بحاله لأنّ الحكم الشرعي كائنا ما كان عبارة عن مداليل الأدلّة الشّرعية الّتي منها الكتاب و السنة فيلزم الإشكال فيها بل في الإجماع على طريقته الخاصّة أيضا و حلّه أن عدم كون الألفاظ مثبتة للدّعوى بل كاشفة عنها لا ينافي كون الكتاب‏

10

و السّنة دليلين على مداليلهما ظنّا لأنّك عرفت أنّ الألفاظ يدل على إرادة المتكلّم لمعانيها بحكم العادة و لو ظنّا و إذا كان المتكلّم مفروض الصّدق بالبراهين القاطعة دلّت دلالة عقلية على تحقق مضامينها هذا في إخبارات الكتاب و السّنة و أمّا إنشاءاتها فيستغنى فيها عن المقدّمة الأخيرة إذ يكفي في كون الكلام الإنشائي دليلا على مدلوله إفادته العلم أو الظن بإرادة المتكلّم لمضمونه من غير اعتبار صدق المتكلّم لأنّ الصّدق و الكذب إنّما يتعقّلان في الأخبار دون الإنشاء هذا و خرج بقيد الأحكام العلم بالذوات كما في المعالم و هذا مبني على جعل العلم بمعنى الإدراك و أمّا لو حمل على التّصديق كما فعلنا فالعلم بها أي تصوراتها خارج عن جنس التّعريف لكن يكون ذكر الأحكام حينئذ توضيحيا كما مرّ

الكلام في بيان المراد من لفظ (الشرعية) في التعريف‏

و المراد بالشّرعيّة ما كان منسوبا إلى الشّرع القويم و الدّين المستقيم و هو في الأصل الطّريق الواضح نقل منه عرفا أو في اصطلاح أهل الأديان إلى الإسلام بل كلّ ما جاء به أحد من الأنبياء من الأديان و الدّين عبارة عن مجموع ما يجي‏ء به النّبي من الإنشاءات و الإخبارات التوقيفية الغيبيّة أو عن مجموع خصوص الإنشاءات أي الأحكام الأصلية و الفرعية أو عن مطلق ما جاء به النّبي قليلا أو كثيرا و يؤيّده صحة جمع الشريعة بالشّرائع و إضافته إلى الإسلام فيقال شرائع الإسلام لأنّ الشرع و الشريعة و الدّين بمعنى أو عن أمر مباين للكلّ أخذا بظاهر الإضافة القاضية بالمغايرة و على الأوّل فنسبة الأحكام إلى الشّرع نسبة الجزء إلى الكلّ و كذا على الثاني بناء على حمل الأحكام على الجنس أو الاستغراق و لو أريد به المجموع من حيث المجموع كان كنسبة الشي‏ء إلى نفسه و هو باطل إلاّ أن يفرق بين المنسوب و المنسوب إليه بالاعتبار بجعل الأوّل عبارة عن التفصيل و الثّاني عن الإجمال لأنّ الشّرع اسم للأحكام المجعولة ملحوظة بالإجمال دون التفصيل و مع ذلك ففي كفايته لتصحيح النّسبة نظر مضافا إلى فساد حمل الأحكام على المجموع من حيث المجموع كما يأتي إن شاء الله و على الثالث تكون النّسبة أيضا كنسبة الشّي‏ء إلى نفسه و على الرّابع و هو أبعد الاحتمالات يكون كنسبة الشي‏ء إلى متعلّقه تعلّق أحكام كل دين به و ربّما احتمل كون النّسبة كنسبة الشي‏ء إلى وصفه و هو مع ركاكته و عدم مساعدة شي‏ء من الأمثلة العرفية له و منافرة الطّبع السّليم عن قول القائل زيد الكاتبي مبني على حمل المنسوب أعني الشرع على المعنى اللّغوي الّذي هو الطريق و هو كما ترى هذا كلّه لو لم يكن المراد بالشّرع هو الشارع و إلاّ كان كنسبة الفعل إلى فاعله و الأثر إلى مؤثره لأنّ الأحكام الشرعية كلّها عبارة عن إنشاءات الشارع ثمّ المراد بكون الحكم شرعيّا على ما صرّح به غير واحد كونه مأخوذا من الشّرع (و قال) سلطان العلماء و لعلّ المراد بها ما ينبغي أن يؤخذ من الشارع و لو لم يكن مأخوذا كبعض المستقلات العقلية و تبعه غير واحد و قد يناقش في هذا التعميم بأنّه مبني على خلوّ المستقلات كلاّ أو بعضا عن البيان الشّرعي و هو ممنوع عند جماعة زعموا عدم فائدة المسألة الملازمة لاشتمال الكتاب و السّنة على جميع المستقلاّت العقلية إلاّ أن يقال بأنّ المستقلات غير مأخوذة من الشّارع و لو كانت مقرونة بالبيانات الشرعية لأنّ المتبادر من الأخذ التأسيس دون التأكيد و هو جيد لكن الخطب في الضّرورة الدّاعية إلى تفسير الشرعيّة بكونه مأخوذا من الشارع فليفسّر بما كان من الشّرع أو الشارع فإنّه يشمل كل حكم من الشّارع علمنا به حتى مثل وجوب النّظر في معجزة النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و إن لم يكن من شأنه الثبوت بالبيان الشرعي لاستلزامه بعض المحال بقي شي‏ء و هو أنّ ظاهر التعريف يشمل العلم بأحكام سائر الأديان مع أنّ الاصطلاح لا يساعده فإنّ الفقه اسم لخصوص العلم بأحكام هذا الدّين و لذا تصدّى بعضهم لتصحيحه بحمل الأحكام على الأحكام الفعلية للتبادر و يمكن أن يقال إنّ قضية وضع الفقه في الاصطلاح على وجه التعيّن و إن كان اختصاصه بعلم أحكام هذا الدّين لبداهة عدم استعمالاته السّابقة على [إلى‏] بلوغها حد النّقل إلاّ في ذلك لكن يمكن دعوى عموم الموضوع له باعتبار المناط و إن كان الوضع خاصّا على ما سننبّه عليه في بعض المباحث الآتية من أنّ الوضع قد يكون خاصّا و الموضوع له عاما عكس الوضع العام مع خصوص الموضوع له فلا ضير في إبقاء التعريف على ظاهره نظرا إلى عموم الموضوع له لا إلى خصوص الوضع كيف ما كان فقيد الشرعية احتراز عن العلم بالأحكام الغير الشّرعيّة و هو مبني على حمل الأحكام على غير الأحكام الخمسة أو على التجريد على تقدير حملها عليها و إلاّ فهو قيد توضيحي كما لا يخفى‏

الكلام في بيان المراد بالفرعية

و المراد بالفرعية ما يتعلّق بفروع الدّين في مقابل الأصولية على ما اختاره بعض المحققين إعراضا عن التعريف المشهور الآتي فرارا عمّا زعمه من المناقشة في طرده و عكسه بوجوه شتى و أنت خبير بأنّه تعريف دوريّ و لا يمكن التفصّي عنه بحمل تلفظ الفرع المشتمل عليه الحدّ على المعنى اللّغوي كما لا يخفى خصوصا مع ملاحظة قوله في مقابل الأصول فإنّه صريح في إرادة المعنى الاصطلاحي الّذي هو المقصود بالتعريف مضافا إلى عدم اشتماله على شي‏ء من فوائد التحديد من البصيرة الإجمالية النّافعة في تمييز ما يتشابه من إفراد المحدود من غيره لأنّ هذا المقدار من التصوّر حاصل لكلّ من عرف الأحكام الشرعية كما لا يخفى نعم لا يرد على طرده و عكسه شي‏ء ممّا يرد على التعريف المشهور و إن أراد بهذا التعريف الإشارة إلى أنّ عدم التحديد أولى تعريضا على القوم المتصدين له كما يأتي كما قد يظهر من بعض ما ذكره في تضاعيف الكلام ففيه مع عدم مساعدة ظاهر مقالته له حيث جعله مقابلا للتّفسير المشهور أنّ وجه الأولويّة إن كان هو بداهة الفرعيّة و كما وضوحه المغني عن تكلّف التحديد فمجازفة واضحة لأنّ وضوح الفرعية

11

ليس بأزيد من وضوح الشرعيّة التي تصدّى لتفسيرها و أطال الكلام فيه بل لا يبعد القول بأنّها من الموضوعات الخفية الّتي لا يتيسر تميز أفراده الخفية إلاّ التماهر الأوحدي في فنّ الفقه و الأصول حتّى إن هذا المحقّق مع كمال تدربه و مهارته في الفنّين قد خلط مسائل الفنين خلطا فاحشا و التبس عليه جملة من مسائل الفروع بمسائل الأصول كما يأتي الإشارة إليه و إن كان هو عدم الحدود و ترتب الفائدة على التحديد و لو بالرّسم المتميّز فهو أيضا غير سديد لأنّ ثمرة تحديد أجزاء التعريف هي ثمرة أصل التعريف فما يترتب على تفسير الفقه فهو بعينه يترتب على نفس ما في التعريف من الألفاظ خصوصا هذه اللّفظة الّتي وقع في مقام الفصل الاحترازي عن أنواع العلوم و مثله في عدم الجدوى تعريفه بالمسائل المدوّنة الّتي دونت أمّهاتها في الكتب الفقهيّة المعهودة أو بما دونت الكتب الفقهية لأجله أو بما اشتملت عليه تلك الكتب فإنّ جميع ذلك لا مساس لها بمقام التفسير و التحديد و لو بالرّسم المعطي لبعض البصيرة بحقيقة المحدود و لا تنفع فيما يشكل من المسائل و يلتبس كونها من الفروع و الأصول كما لا يخفى مضافا إلى ما في أخذ الفقه في بعضها من استلزام الدّور و إلى ما في خصوص الأخير أيضا من عدم سلامة العكس لخروج الفروع المتجدّدة عنها كما لا يخفى و قد يفسّر بأنّها كلّ حكم شرعي ينتفع به المقلّد و المجتهد غير الاعتقاد كما استظهرناه من بعض كلمات شيخنا الأستاذ دام ظلّه تقريرا و تحريرا و هو أحسن مما تقدم لأنّ جميع مسائل الأصول مما لا ينتفع بها إلاّ المجتهد المستنبط لكونها من مقدمات الاستنباط حتّى ما ثبت من الشرع تعبدا كحجّية خبر الواحد مثلا بخلاف مسائل الفروع مثل حرمة الخمر و حلية الغنم و وجوب الصّلاة و الزّكاة و نحوها فإنّها تعم المكلّفين نفعا مجتهدهم و مقلدهم لكن قد يشكل فيه بأنّ المراد بالانتفاع إن كان هو بعد معرفة طرفي القضية من الموضوع و المحمول و رفع إجمالها و إحراز سائر ما يعتبر في النّفع الفعلي انتقض طرده بدخول المسائل الأصولية الشّرعيّة لأنّ حجّية خبر الواحد ممّا ينتفع به الكلّ بعد معرفته و إحراز شرائط العمل به و هكذا غيرها و إن كان المراد به انتفاع المقلّد به نفعا فعليا غير متوقف على شي‏ء انتقض عكسه بخروج القواعد الفرعيّة العامة مثل قاعدة لا ضرر و لا حرج و قاعدة البراءة و الاحتياط على أظهر الوجهين فيهما و كذا مثل الصّلاة واجبة ممّا يكون موضوعة أمرا شرعيّا توقيفيا فتأمل و مثل هذا التعريف تعريفها بأنّه حكم مجعول لعامة المكلّفين غير العقائد بناء على جعل الأحكام الأصولية لخصوص المجتهدين فإنّ المجتهد و المقلّد ليسا صنفين من المكلّفين حتّى يكون لكلّ منهما حكم مخصوص به بل هما يتشاركان في جميع الأحكام أصلا و فرعا من غير فرق إلاّ من حيث القدرة و العجز بالنّسبة إلى بعض الأحكام كوجوب العمل بخبر الواحد فإنّ المجتهد يقتدر على العمل بإحراز شرائطه دون المقلّد و قد يفسّر بما يتعلّق بكيفية العلم بلا واسطة كما صنعه سلطان العلماء في حاشية المعالم و المراد بالموصول التصديق الشّرعي بقرينة كونه تفسيرا للفرعيّة الّتي هي صفة للشّرعية المفسّرة في كلامه بالتّصديقات الشرعيّة و حينئذ فالمراد بالكيفية هي الأحكام الشرعية لأنّها من الأحوال و الكيفيات الّتي تعرض لأعمال المكلّفين و صالح لمتعلّق التّصديق بثبوتها لموضوعاتها و من فسّرها بما يتعلّق بالعمل كالمحقق القمي (رحمه الله) فهو مبني على ما صنعه من تفسير الأحكام بالنسب فإن المتعلّق بالعمل بنفسه لا يصلح أن يكون هو التصديق إلاّ بتكلّف بارد و منه يظهر أن من فسّر الحكم بالنّسب فعليه ترك ذكر الكيفية فما في حاشية المدقّق الشّيرواني من الجمع بينهما ليس في محلّه إلاّ بتعسف ركيك بأن تكون إضافة الكيفية إلى العمل إضافة بيانيّة بعد ادعاء صدق الكيفية على نفس العمل و هو كما ترى و ظاهر كلام السّلطان أو صريحه شمول التعريف للاعتقادات على تقدير عدم ذكر القيد الأخير أعني بلا واسطة حيث صرّح بخروجها به و هو مبني على أحد الأمرين أحدهما تعميم العمل للأفعال القلبيّة و رجوع الأمر بالاعتقادات إلى التّكليف بعمل قلبيّ و هو الإذعان و الاعتراف المقرونين بعدم الجحود و الاستكبار المنافيين للانقياد و التديّن (و توضيحه) أنّ حقيقة الإسلام تحصل بأمرين أحدهما الإذعان و الاعتراف القلبي بالمعارف و الأمر به في الأدلّة الأربعة ليس أمرا بمقدّماته كما قد يتوهّم في الأمور التوليدية لأنّ المقدور بالواسطة و هي المقدمات الّتي منها مجاهدة النّفس في التّخلية عن الشّبهات فيما نحن فيه مقدور جدّا قابل للتكليف به نفيا و إثباتا

و الثاني التدين بذلك الإذعان و الالتزام به في الظّاهر و هو أمر غير راجع إلى التعرض لامتثال الفروع جدّا و لذا نجد في العصاة التاركين للفروع رأسا ما لا نجد في الجاحدين و المستكبرين كفرعون و الشيطان مع اتصافهما بذلك الإذعان جدّا كما ينطق به الكتاب العزيز لكونه أمرا قهريا حاصلا من المقدمات البديهية و التّكليف بذلك أيضا تكليف بالفعل الباطني دون الظّاهري و إن أمكن إرجاعه إليه بجعله عبارة عن عدم الجحود القولي أو الفعلي فوجوب الاعتقادات عبارة عن مطلوبية طائفة خاصة من الأفعال الباطنة و بذلك يندرج تحت التعريف و يحتاج في إخراجها إلى ذكر قيد آخر مثل قوله بلا واسطة و من تركه كالعضدي فهو مبني على إرادة العمل الظّاهري المتقوّم بالجوارح دون الأعم و ثانيهما تعميم التعلّق لما يكون بواسطة و بدونها مع تخصيص العمل بالعمل الظّاهري و الأوّل أقرب معنى لما فيه من محافظة التعريف عن جملة من وجوه الاختلال الآتية لكن إخراج العقائد حينئذ بقيد بلا واسطة

12

غير صحيح و الثاني لفظا كما لا يخفى على من لاحظ كلامه فإنّه صريح في أنّ تعلّق العقائد بالعمل تعلّق مع الواسطة و من الواضح أنه على تقدير تعميم العمل ليس الأمر كذلك لأنّ تعلّقها بالأعمال القلبيّة تعلّق قريب بلا واسطة كتعلّق التصديق بوجوب الصّلاة و كان السّلطان حاول بذكر القيد الأخير التّعريض على من أهمله أو كشف عن مراده من التعلّق و حينئذ فلا بدّ من التأمّل في أنّ المراد بعدم الواسطة ما ذا و كذا المراد من التعلّق حتّى يعلم كيفية تعلّق العقائد بكيفيّة الأعمال الظّاهرية و صرّح بعض الأجلّة بأنّ المراد بالتعلّق تعلّق المحمولات بالموضوعات و لم يبيّن المراد من عدم الواسطة إلاّ أنّه ذكر في تضاعيف ما أورده على هذا التفسير ما يظهر منه أنّ المراد بالتعلّق بلا واسطة هو العروض الذّاتي المقابل للعرض القريب العارض بواسطة و هو الظّاهر المتبادر منه و يشكل ذلك بأنّ العقائد غير عارضة للأفعال الظّاهرية عروض المحمولات للموضوعات مطلقا لا مع الواسطة و لا بدونها مع أنّ صريح كلام السّلطان أنّها متعلّقة بها مع الواسطة بقرينة إخراجها بقيد بلا واسطة و الحاصل أنّ العمل في كلام السّلطان لا بدّ أن يحمل على العمل الظّاهري و إلاّ لم يصحّ إخراجها بالقيد الأخير و حينئذ فإنّ جعل المراد بالتعلّق بلا واسطة تعلّق المحمول بالموضوع لذاته استغنى عن ذلك القيد لأنّ العقائد لا تعلّق لها بالأفعال الظّاهرية هذا التعلّق أصلا مع أنّ صريح كلامه الاحتياج إلى القيد المزبور و أنه لولاه لدخلت العقائد و الّذي يساعده النّظر الصّحيح جعل التعلّق في كلامه مجرّد الارتباط و العلقة الّتي يمكن تصورها بين الضّدّين فضلا عن المتماثلين و جعل عدم الواسطة عبارة عن قرب ذلك الارتباط و تأكده كارتباط المعلول الأوّل بالعلّة مثلا و المضاف بالمضاف إليه إذ نحوهما و كونه مع الواسطة عبارة عن بعده كارتباط آخر المعلومات بالعلّة الأولى مثلا كما يشعر به ذيل كلامه حيث عدل في التّعبير عن تعلّق العقائد بكونه تعلّقا مع الواسطة إلى التعلّق البعيد و بذلك يتم ما رامه من إدخال العقائد أولا ثم الإخراج لأنّ الاعتقادات الأصولية متعلّقة بفروع الأحكام جدّا لأنها أصولها و هي فروعها و العلاقة بين الأصل و الفرع لا تكاد تخفي فإن شئت جعلت تلك العلاقة و علاقة السّببيّة لتوقف التّصديق بالفروع على العقائد الدّينية لكن ليس تعلّقها بها كتعلّق التّصديق بفروع الأحكام فإنّه آكد و أقرب من تلك العلاقة السّببيّة كما لا يخفى فكلّ من الإدخال و الإخراج حينئذ في محلّه من غير ركاكة غير أنّ التعبير عن قرب العلاقة و بعدها بالواسطة و عدمها لا يخلو عن اعوجاج في الكلام إذا تحقق ما هو الميسور في فهم تعريف السّلطان فاعلم أنه أورد على طرده بدخول جملة من المسائل الأصولية كصحّة عمل المجتهد برأيه و وجوب رجوع المقلّد إلى المجتهد و وجوب التّأسي و وجوب تسليم العقائد الدّينية لعدم كفاية مجرّد الإذعان في الإسلام و مسألة أصل البراءة و أصل الإباحة لأنّها أحكام أصولية مع تعلّقها بالعمل بلا واسطة (أقول) الظّاهر عدم ورود شي‏ء من هذه على التعريف لأنّ هذه المسائل الظاهر أنّها من الفروع إلاّ وجوب تسليم العقائد فلا بأس بتناوله لها بل يجب و قد عرفت أنّ وجوب تسليم العقائد أعني الانقياد و الالتزام الزائدين من مجرّد الإذعان قد خرج بالقيد الأخير نعم على تقدير كون التّأسي وجوبه من حيث كون فعل المعصوم دليلا عقليا على الحكم الشّرعي بملاحظة العصمة لا من حيث كونه موضوعا كما هو الظاهر من التهذيب و غيره فهو من مسائل الأصول لكن وجوب العمل به حينئذ عقلي لا شرعي فيخرج بقيد الشرعية فافهم بل تأمّل و على عكسه بخروج الأحكام الوضعية كلاّ و الأحكام المتعلّقة بمثل الحسد و البخل و نحوهما من الأفعال القلبيّة و فيه أنّ خروج الأحكام الوضعية على ما هو التحقيق من عدم كونها أحكاما شرعيّة غير قادح مضافا إلى منع خروجها للفرق الواضح بين تعلّقها بكيفية العمل و تعلّق العقائد فإنّ للأول تعلّقا قريبا بالمعنى الّذي ذكرنا و للثّاني تعلّقا بعيدا بالنّسبة إليه فافهم و أمّا تحريم الحسد و البخل إن سلم مع عدم دليل عليه و إن دلّ على بعد الحسود و البخيل عن رحمة اللّه كولد الزنا و ناقص الخلقة فمرجعه إلى تحريم ما يقتضيانه من الأفعال الظّاهرية كالغيبة مثلا فإنّ الحسود يغتاب لا محالة أو يقتضيهما كبعض الأفعال المذكورة في علم الأخلاق أو يرفعهما كبعض المعالجات الّتي ذكرها علماء الأخلاق بشهادة العقل المستقلّ على استحالة تعلّق التّكليف بالصّفات و الحاصل أنّ الملكات الرّديّة إنّما يتعلّق التّكليف بها باعتبار الجري على مقتضياتها من القبائح كالغيبة و المشي في سعاية المؤمن‏

أو باعتبار إمكان إزالتها و معالجتها بالأفعال الحسنة أو باعتبار الأفعال الاختيارية الّتي تولدها كما ذكروها في علم الأخلاق لا من حيث أنفسها فلا يرد بها نقض على عكس التعريف جدا نعم يرد على عكسه مثل حرمة عزم المعصية أو كراهته و وجوب قصد القربة فيما يعتبر فيها كما يرد على طرده دخول المسائل التوقيفية الأصولية كحجية الظّنون الخاصّة على القول بها و وجوب الأخذ بالأرجح من الخبرين المتعارضين أو التخيير بينهما فالصواب تعريف الفرعية بالحكم الشّرعي الّذي لم يقصد منه الاعتقاد لا معرفة حكم شرعي آخر فيخرج بالأول أصول العقائد و بالثاني التّعبّديات من مسائل الأصول و أمّا غير التّعبّدية كأكثر مسائلها مثل حجّية العقل و الفعل و التقرير و العام المخصّص و نحوها فهي خارجة بالجنس أعني الحكم الشّرعي و يدخل فيه الأحكام الظاهرية الثابتة في مؤدى طريق الموضوعات كالبيّنة و اليد و الاستصحاب و نحوها و كذا يدخل فيه الأحكام الوضعية على القول بجعلها كما لا يخفى فغير الفرعي ما كان المقصود منه الاعتقاد أو كان مقدمة لاستنباط الحكم‏

13

الشّرعي و معرفته و الأوّل يسمّى بأصول الاعتقاد و الثّاني بأصول الفقه و العمل فكل مسألة تكون مقدمة للاستنباط فهي من أصول الفقه سواء كانت توقيفيّة شرعيّة كحجية الخبر الواحد و نحوها من تعبّديات مسائل الأصول أو غير توقيفية من الشّارع كسائر المباحث العقليّة أو النقلية أو العرفية الّتي لها دخل في معرفة الحكم الشّرعي الواقعي أو الظّاهري مدخليّة قريبة أو بعيدة و ينطبق ذلك على ما هو المقرر في تشخيص مسائل العلوم من كونها أبحاثا عن عوارض الموضوع لأنّ كلّما يتوقف عليه الاستنباط يرجع إلى البحث عن أحوال الدّليل بوجه و لا أرى بعد ذلك أن يشتبه حال المسائل من حيث دخولها في الأصول و الفروع نعم قد يشكل الأمر في الأصول العملية المشتركة بين الموضوعات المشتبهة و الأحكام المشتبهة و لا يختصّ بالشّبهات الموضوعية كالاستصحاب و أصالة البراءة و أصالة الطهارة لجريانها في الشّبهات الحكمية أيضا فيشكل الأمر فيها من حيث إنها لا يستنبط منها الحكم الشّرعي عند الشّك فيه و إنما تفيد فائدة عمليّة محضة نظرا إلى أن مؤدّاها بناء على أخذها من الشّارع ليس إلاّ جعل حكم ظاهري عملي فتدخل في الفرعيّة و تخرج عن الأصولية و من أنّ الاستنباط من الطّرق الشرعيّة المجعولة أيضا يرجع إلى التعبّد بالآثار في مجاريها بناء على عدم إناطة حجيتها بالظّن الّذي هو أقلّ مراتب الاستنباط كما عليه الكلّ أو الجلّ فيلزم حينئذ خروج مسألة حجّية الكتاب و الخبر الواحد و أمثالها ممّا يناط اعتبارها بالظّن النّوعي عن الأصول و دخولها في الفروع فينتقض كلّ من الحدّين طردا و عكسا مع وضوح فساده فلا بد من التعميم في الاستنباط و جعله أعمّ من العلم و الظّن و التّعبّد و الجامع هو الانتفاع في الشّبهة الحكميّة فيكون ضابط المسألة الأصولية أن ينتفع به النّاظر في الحكم الكلّي الشّرعي انتفاع المستنبط و حينئذ تدخل فيها الأصول الجارية في الشّبهة الحكمية لاندراجها تحت الضّابط المزبور على تقدير التعميم في الاستنباط و جعله عبارة عن مجرّد انتفاع النّاظر في حكم شي‏ء شرعا إلاّ أن يقال بأنّ هنا واسطة لأنّ التّعبّد بالحكم الظّاهري قد يكون على وجه البناء على أنه هو الواقع الأوّلي و قد يكون على غير هذا الوجه فجعل الاستنباط المأخوذ في ضابط الأصولي ما يشمل الأوّل دون الثّاني فيشمل مسألة حجية الكتاب و حجية خبر الواحد لأنّ الاستنباط أو المتحقق في مجاريها يرجع إلى التّعبّد على الوجه الأوّل دون الثاني بخلاف الأصول العملية فإنّ مفادها لا يزيد على صرف التّعبّد نظير التّعبّد بوجوب الصلاة و حرمة الخمر و فيه أنّ الالتزام بهذا التكلّف ليس بأولى من الالتزام بعموم الاستنباط و جعله عبارة عن مطلق التّعبّد و الانتفاع عند الشّك في الحكم الشّرعي و النّظر فيه مضافا إلى ما فيه من الموافقة لطريقة السّلف و الخلف حيث يبحثون عن الأصول الشرعية في الأصول و دعوى أنّ الوجه اعتماد الباحثين فيها على الظّن غير مطرّدة على هذا فيندرج في المسائل الأصولية كما أنّه على تقدير الأخذ بالواسطة تكون من الفروع كما ظهر و كيف كان فهنا بحث آخر يطرد على الوجهين في معنى الاستنباط و هو أنّ مدخليّة المسألة في الاستنباط لا يراد بها المدخلية التامة بل المراد مدخليتها في الجملة و لو بأن تكون إحدى مقدّمتي الاستنباط و حينئذ فيشكل في القواعد العامة الفقهية كقاعدة لا ضرر و نحوها لأنّها أيضا يستنبط منها الحكم الشرعي الكلّي في مجاريها الكلية كما يقال في الصّبر على العيب في المبيع مثلا أنه ضرر و كلّ ضرر منفي فالصّبر على المعيب منفي فيختل الضابطان كما لا يخفى و الجواب أنّ النّتيجة الحاصلة من ضمّ الكبرويات الكلية الشّرعيّة إلى الصّغرويات الجزئية ليست من الحكم الكلي المجعول كما هو الشأن في جميع الأحكام و جميع مسائل العلوم فإنّ الحكم النّحوي مثلا هو رفع الفاعل فقولنا كلّ فاعل مرفوع مسألة نحوية و أمّا مرفوعية زيد في قولنا جاءني زيد فليست من الأحكام النحوية و لا من مسائلها و الأمر في المقام أيضا كذلك لأنّ الحكم المجعول من الشّارع إنّما هو وجوب الصّلاة و أمّا وجوب هذه الصّلاة المستفاد من قولنا هذه صلاة و كلّ صلاة واجبة فليس من مسائل الفقه و لا من المجعول لله عزّ و جل إلاّ بملاحظة كونه من جزئيات ذلك الجعل الكلّي و كونه كذلك منوط بصغرى وجدانية مختلفة باختلاف الوجدانات و الحكم الشّرعي لا يختلف باختلاف الأداء و الوجدان و كذا الحال في النتيجة المستفادة من ضمّ الكبرى إلى صغرى وجدانية يكون موضوعها جزئيا إضافيا لموضوع الكبرى مثل نفي الصبر على المعيب فإنّ نفي الصّبر على المعيب جزئي من جزئيات موضوع قولنا كلّ ضرر منفي‏

و لو كان كليا فهو إنما يسمّى بالحكم الشّرعي باعتبار انطباقه عليه لا باعتبار نفسه فهو في نفسه ليس من المجعولات الشرعيّة و لا من المسائل الفقهية الباحثة عن الأحكام الكلّية الشّرعيّة المعارضة لأفعال العباد على وجه لا يتطرق إليه الاجتهاد و لا يتبدّل بتبدّل الآراء فقولنا كلّ ضرر منفي و إن كان يستنبط منها الحكم الّذي يسمّى بالحكم الشرعي لكنّه لا يستنبط منها الحكم الشّرعي الكلّي الغير الملحوظ فيه سوى نفس الموضوع و هو الضّرر و لا يقدح في ذلك كون البحث عن هذا الحكم أيضا وظيفة الفقيه لأنّ النّسبة بين وظائف الفقيه و المسائل الفقهية لعلّها عموم من وجه فقد صرّح غير واحد بأنّ التعرض لحدود الموضوعات المستنبطة كالصّلاة ليس من نفس مسائل الفقه و إن كان الفقيه لا بدّ له من ذلك ثمّ على تقدير الإغضاء عن ذلك و تسليم أنّ البحث عن الجزئيات الإضافية داخل في المباحث نقول أيضا لا نقض على ما ذكرنا من الضّابط لأنا نقول إنّ المسألة الأصولية ما كانت مقدّمة لاستنباط الحكم الكلّي الغير المحتاج إلى ضميمة

14

الصّغرى الوجدانية فكلّ ما ليس كذلك فهو خارج عن الأصول داخل في الفقه فاحفظ و اغتنم و حيث اختفي ما قلناه على بعض الأصوليين أخذ في التفصّي عن الإشكال بإبداء ما يبادر إلى ردّه بادي الرّأي فبعضهم فرق بين الاستنباط و الاستنتاج و تفصى الآخر بما هو أوضح فسادا و الصّواب ما ذكرنا

[الكلام في بيان المراد من لفظ الأدلة في التعريف‏]

(و الأدلّة) جمع الدّليل و هو في اللّغة المرشد و إطلاقه على ما به الإرشاد كنسبة الشّي‏ء إلى الآلة كما ذكره بعض و فيه تأمّل و في اصطلاح أهل الميزان قولان فصاعدا يلزم منهما قول آخر و في اصطلاح الأصوليين ما يمكن التوصل بصحيح النّظر فيه إلى مطلوب خبري و المراد بالتّوصل الانتقال العلمي و الظنّي لأنّ الأمارة دليل أيضا في اصطلاح الأصولي بل المنطقي أيضا عند من بدل يلزم في تعريفه بقوله يكون و قيد الإمكان لإدخال المغفول عنه و الصّحة لإخراج ما لا يحتوي على شرائط النّظر فإنّه و إن كان قد يتوصّل به النّاظر إلى مطلوب خبري لكنّه ليس بدليل في أحد الاصطلاحين كذا قيل و فيه نظر يظهر من التأمل في كون الدّليل موضوعا للصّحيح و إلاّ لم يتجه تقسيمه إلى الصّحيح و الفاسد و الصّواب أنّه لإدخال ما هو دليل واقعي مع عدم مراعاة النّاظر لشرائط النظر قصورا أو تقصيرا فإنّ الدّليل في الاصطلاح يطلق على الموصل الواقعي سواء غفل عنه أو نظر فيه بنظر غير موصل و النّظر هنا عبارة عن حركة الذّهن في المبادئ لا المركب منها و من الحركتين المتعاكستين (توضيحه) إنّ العلم النظري يحصل من حركات الذّهن الثلاثة بحيث إذا انتفي إحداها خرج عن كونه نظريا و دخل في الضروريات أو الحدسيات أحدها حركة الذّهن من المطلوب الإجمالي إلى المبادئ الموصلة و ثانيها الحركة في نفس المبادئ تحصيلا لما يناسب منها بالمطلوب و الشّرائط و ثالثها منها الحركة إلى المطلوب تفصيلا و هي الانتقال من المبادئ المنتظمة إلى النّتيجة و المراد بالنّظر في هذا التّعريف لا بدّ أن يكون هي الحركة الوسطانية لأنّ الحركتين الأخيرتين تستفادان من لفظ التّوصل مع ملاحظة كون المتبادر من الأفعال الاختياريّة فمن حيث إشعاره بذلك دلّ على الحركة النازلة و من حيث إنّ التوصّل عبارة أخرى عن الانتقال الذهني دل على الحركة الصّاعدة فافهم و أمّا تفسيره بأنّه تأمّل معقول لكسب مجهول كما في الزّبدة أو بالفكر الّذي يطلب منه علم أو ظنّ كما في المختصر فلعلّهما تفسير لمطلق النّظر لا لما أريد به في تعريف الدّليل فلا مؤاخذة عليهما و يمكن تطبيق ما في الزبدة على ما قلنا بتأمّل و النّسبة بين الاصطلاحين تباين كلّي ظاهرا تباين الكلّ و الجزء لعدم انطباق الدّليل الأصولي إلاّ على نفس الوسط الّذي هو جزء من القياس الّذي هو دليل في اصطلاح أهل الميزان و أيضا المناط في الدّليل الأصولي هو قوة الإيصال و شأنيته سواء اقترنت بالفعليّة أم لا و مناطه في مصطلح أهل الميزان هي فعلية الإيصال فإن قلت يلزم حينئذ عدم كون الموصل الفعلي أعني القياس المنتظم دليلا عند الأصولي و هو بديهيّ الفساد و دعوى أنّ كونه دليلا أصوليا حينئذ إنّما هو من حيث شأنية الإيصال لا من حيث الفعليّة مدفوعة بأنّ الشّأنية و الفعليّة لا يجتمعان في شي‏ء واحد جدّا و بعد تحقق الإيصال الفعلي فلا شأنية حتّى ينتفع في تسميته دليلا أصوليا بملاحظة الحيثية قلت نمنع استحالة اجتماع القوّة و الفعل في مثل المقام لأنا نجد بالوجدان أن الدخان إذا اتّصف بالإيصال الفعلي إلى النّار لم يخرج عن شأنية الإيصال بمعنى صلاحيّته لذلك لو فرض زوال ذلك العلم الحاصل بغفلة و نحوها على أن الممتنع إنّما هو اجتماع الفعلية و الشأنية في حقّ شخص واحد و أمّا بالقياس إلى شخصين فليس بممتنع جديا فتسمية الموصل الفعلي دليلا أصوليّا يمكن أن يكون باعتبار شأنيته للإيصال في حقّ شخص آخر نعم قوة الشّي‏ء الجزئي لا يجتمع مع فعليّته و أما قوة نوع الشي‏ء فلا تزول بفعلية بعض أفراده لأنّ قوة الأكل مثلا في الإنسان لا تنافي بقائها مع فعلية في الخارج و نظير هذه الشّبهة ما خلج ببال بعض الأجلّة في تفسير أسامي العلوم بالملكات و سيأتي الإشارة إليها و إلى دفعها و يظهر من حاشية القوانين أنّ الدّليل الأصولي أعمّ و لا وجه له سوى ما ذكره الفاضل الكاظمي (رحمه الله) في غاية المأمول من أنّ النّظر في الشي‏ء أعمّ من أن يكون في صفاته و أحواله كالنظر في المفرد أو في نفسه كالنّظر في القضيّتين الغير المترتبتين لتحصيل الترتيب فيعمّ الدّليل المنطقي و فيه أنّ الدّليل المنطقي عبارة عنهما مع ملاحظة التّرتيب و سائر شرائط الإنتاج بدليل تصريحهم بأن للدليل مادة و هي المبادئ و صورة هو الترتيب فلو سلّم أنّ المراد من النّظر أعمّ من النظر في نفس الشي‏ء حتّى يشمل ترتيب القضيّتين الحاصلتين فلا يستلزم المطلوب أيضا و هو صدق التعريف على الدّليل المنطقي إلاّ أن يجعل الدّليل الأصولي عبارة عن مجموع المنظور فيه و ما يحصل بعد النظر من المبادئ‏

و هو مع بعده عن ظاهر التعريف أو صريحه يوجب اتحاد الاصطلاحين الّذي صرّحوا بخلافه و لعلّ الفاضل المذكور لم يقصد ممّا ذكره بيان صدق التعريف على الدليل المنطقي و أنّ التّعريف حينئذ يطلق على المفرد و المركب بل بيان المراد من النّظر فإن قلت الدّليل الأصولي أعمّ من المنظور فيه و المغفول عنه فيصدق على الدّليل المنطقي صدق العام على الخاصّ قلت الدّليل المنطقي ليس هو المنظور فيه على وجه التقييد بل على وجه التركيب و الدّليل الأصولي أعمّ من الأوّل دون الثّاني فافهم ثمّ على تقدير صدقه على المركب فلا ريب في عدم صدقه على قضيّة واحدة بل على القضيّتين لأنّ القضيّة الواحدة لا يتعلّق النظر بنفسها و لا بأحوالها كما لا يخفى فما في الحاشية أيضا من صدقه على قضية واحدة غير معلوم الوجه ثمّ إن الدليل عندهم ينقسم إلى شرعي و عقليّ و عرّف جماعة من متأخري المتأخرين الدليل العقلي بأنّه حكم عقلي بالاستقلال أو بواسطة خطاب‏

15

شرعي يتوصّل به إلى حكم شرعي و لم نجد منهم تحديدا و ميزانا نافعا للدليل الشّرعي غير أنهم قسموه إلى الكتاب و السنة بأقسامها الثّلاثة و أنت خبير بأنّ الدليل الشّرعي ليس منحصرا فيهما عقلا أو اصطلاحا حتّى يقال إنه موضوع للقدر المشترك بينهما و لو بعيدا أو لكلّ منهما بالاشتراك فيستغنى به عن التحديد و لو بالرّسم و التعريف بالتمثيل إنّما يجدي إذا استفيد من المثال ضابطة كلّية سواء كانت ذاتية أو عرضية و لا يكاد يستفاد من جعل الكتاب و السّنة دليلا شرعيّا تلك الضّابطة لأنّ تسمية الكتاب بالدّليل الشّرعي إن كان باعتبار كون ما يحصل بعد النّظر فيه من المقدّمتين الموصلتين كلاّ أو بعضا شرعيّا فهو ممنوع لأنّا إذا انظرنا في مثل قوله أقام الصّلاة نظرا صحيحا انتظم قياس على الشكل الأوّل و هو أن وجوب الصّلاة ممّا دل عليه الكتاب و كل ما دلّ عليه الكتاب فهو ثابت و لا ريب أنّ صغراه و كبراه ليس شي‏ء منهما شرعيّة بل عقلية محضة لأن دليلية الكتاب على الحكم الشرعي ليس بأمر توقيفي ثبت من الشّرع تأسيسا بل مبنية على مقدمات بعضها عقلي و بعضها عادي و بعضها وضعي و لو سلّم فلا مسرح لهذا الاعتبار في مثل الفعل و التقرير لأنّ دلالتهما في مقدار ما يدلان عليه عقليّة كما لا يخفى و بعبارة أخرى أنّ وجه التّسمية إن كان هو كون الملازمة بين الكتاب و مدلوله شرعيّة فهو ممنوع إلاّ أن يقال إنّ الملازمة بين الكتاب و قول المعصوم و مدلوليهما إنّما تتوقف على حجّية الظّواهر شرعا و لو على نحو الإمضاء و إلاّ فهو أمارة ظنية لا يجوز الاستدلال به على الحكم الشّرعي و أما حجية الفعل و التقرير فهي متوقفة على ثبوت العصمة و الدّليل عليها إنّما هو الشّرع دون العقل فافهم و إن كان وجه التّسمية هو كون الكتاب نفسه شرعيا بمعنى كونه أمرا صادرا من الشارع فيكون الدّليل الشرعي ما كان صادرا من الشّارع أو من وسائطه بخلاف العقليّ فإنّه صادر من العقل دون الشّرع فهو و إن كان يصحّح مقابلة الدليل الشّرعي بالعقلي لكنه منقوض عليه طرد الصدقة على وجوب الشّي‏ء بالنّسبة إلى وجوب مقدّماته مع أنّهم عدّوه من الدّليل العقلي الغير المستقل و عكسا بمثل خبر الواحد و الإجماع على القول بحجّية فإنّهما دليلان شرعيّان و لو على غير الحكم الشرعي مع أنّ الخبر ليس ممّا صدر من الشارع كالكتاب و شرعيّته إنما هو بالاعتبار الأوّل أعني انتهاء الملازمة إلى جعل الشارع و الحاصل أن مناط كون الشّي‏ء دليلا شرعيّا إن كان هو ثبوت الملازمة بينه و بين المدلول عليه شرعا خرج الكتاب و السّنة عن كونهما شرعيين إلاّ أن يتكلّف في إرجاع الملازمة بينهما إلى الشّرع بالاعتبار المشار إليه و إن كان هو صدوره من الشارع خرج مثل خبر الواحد من الأمور الّتي ليست نفسها كذلك و دخل فيه أيضا مثل وجوب الشّي‏ء بالنّسبة إلى وجوب مقدّمته و حرمة ضدّه مع كونه معدودا في الأدلّة العقلية و لعلّ تفسير العميدي للدليل النّقلي بما كان أحد مقدّمتيه نقلية ثم تمثيله بمثل القياس المشار إليه مع الاعتراف بكون كبراه عقلية و أنّ وجه كونه نقليّا إنّما هو كون صغراه نقلية مبني على هذا الوجه دون الوجه الأوّل ضرورة أنّ قولنا هذا ما قال الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) بوجوبه الّذي هو صغرى للقياس الّذي كبراه هو قولنا كل ما قال الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) بوجوبه فهو واجب ليس ممّا كان الحاكم به هو النقل لأنّها قضية وجدانية نعم المحمول في تلك الصّغرى الّذي هو الدليل الأصولي لكونه وسطا أمر شرعي بالمعنى الثّاني أي شي‏ء صادر من الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) فيكون مناط نقلية الدّليل عنده كونه أمرا صادرا من الشارع أو من الوسائط و قد عرفت ما فيه ثم لا يخفى ما في هذا التّفسير للدّليل النّقلي من الدّور إذ لا يتحصّل منه مفهوم الدّليل النّقلي كما لا يخفى فافهم و يمكن إرجاع هذا التعريف إلى ما نختاره بتعميم كون إحدى المقدّمتين نقلية للاعتبارين فإنّ هذا التعميم يستلزم صدق التعريف على الصّغرى إذا كان نفس الوسط أمرا نقليا و على الكبرى إذا كان الحاكم بها هو النّقل فافهم هذا و يمكن أن يقال إن الدّليل الشرعي ما يعمّ الاعتبارين فهو ما كانت الملازمة بينه و بين المدلول شرعية أو ما كان نفسه شرعيّا صادرا من الشارع و يدلّ عليه عند العامة الإجماع من الأدلة الشرعية فإنّه مبني على الاعتبار الأوّل و لا غائلة فيه سوى صدق الدليل الشّرعي حينئذ على مثل وجوب الشي‏ء بالنّسبة إلى وجوب المقدمة

بوجود الاعتبار الأوّل فيه و هو غير معيب و إن جعله القوم من الأدلة العقليّة إذ لا مانع من كون الشي‏ء دليلا شرعيّا من حيثية و عقليّا من حيثية أخرى إذا كان مرجع الشرعيّة و و العقليّة إلى مجرّد الاصطلاح فالنّسبة بين الدّليل الشرعي و العقلي حينئذ عموم من وجه بحسب المورد كما لا يخفى و حينئذ فيخرج الإجماع عن الدّليل الشرعي لعدم كون شي‏ء من الاعتبارين موجودا فيه فمن جعله من الأدلة الشرعيّة فقد بنى في ذلك على طريقة العامة في حجيته و كونه حجة من الشّرع لا من العقل أو على تسمية الشّي‏ء باسم المدلول لأنّه كاشف عن السّنة الّتي هي دليل شرعي بالبيان المتقدم إذا تحقق معنى الدّليل (فاعلم) أن الظرف يحتمل أن يكون لغوا متعلّقا بالعلم أو بالأحكام أو بالشّرعية أو بالفرعية و أن يكون مستقرا صفة لكل من هذه الثلاثة لكن التعين منها هو الرابع أعني كونه صفة للعلم و ما عداه احتمالات سخيفة لا يلتفت إليه النّظر المستقيم و إن احتمل بعضها سلطان المحققين آمرا بالتدبر مشعرا بالتمريض خصوصا احتمال كونه متعلّقا أو صفة للشرعية لبعده لفظا باعتبار تخلّل الفرعية بينهما و معنى باعتبار عدم كون شرعيّة الحكم عن الأدلة و إن كان حكمية الحكم بمعنى التّصديق عن الأدلّة فافهم و كذا احتمال تعلّقه أو وصفيته للفرعيّة و إن كان سالما عن المحذور الأوّل أعني البعد اللّفظي و لذا احتمله السّلطان دون الاحتمال السّابق و أمّا الاحتمال الأوّل أعني كونه ظرفا لغوا متعلقا بالعلم فهو و إن ذكره جملة من المعتبرين من غير إشكال فيه لكن الذي يظهر من كلام السّلطان أيضا سقوط احتمالات اللّغويّة رأسا و لعل وجهه مع أنّ الأصل في الظروف اللّغوية إذا

16

دار الأمر بينها و بين الاستقرار لأصالة عدم التقدير و لو معنى أنّ العلم سواء فسر بالملكة أو بالإدراك التصديقي يتمّ معناه بمفعول واحد و هو المعلوم بحيث لو سكت عما عداه صحّ من غير ذكر سببه و منشئه و لو تقديرا لأنّ حاق معنى العلم بمعنى التّصديق غير معتبر فيه أن يكون حاصلا من شي‏ء و إلاّ لامتنع العلم الوجداني و الضّروري الغير الحاصل من شي‏ء و الّذي يعتبر فيه ذلك خصوص العلم النّظري و متعلّقات الفعل لا بدّ أن تكون ممّا يفتقر إليه حاق معنى الفعل كالزّمان و المكان و الآلة فيما لا يتم إلاّ بها و الغاية في الأفعال الاختيارية لما ما يفتقر إليه بعض أفراده فإنّه يذكر حيثما يراد من الفعل ذلك الفرد على وجه التوصيف أو الحالية هذا إذا فسّر العلم بالتّصديق و أمّا لو فسّر بالملكة فعدم تعلّق الظّرف به حينئذ أوضح و هكذا الكلام في كونه متعلّقا بالأحكام فإنه إن صحّ فإنّما هو بعد فرض صحّة تعلّقه بالعلم بمعنى التّصديق لابتناء تعلّقه بالأحكام على تفسير الحكم بالتّصديق إذ لو فسّر بغيره من النّسب أو الحكم التّكليفي لم يتعقل لتعلّق الظّرف به وجه كما لا يخفى و قد يشكل في التّوجيه المزبور بمثل قول القائل علمت كذا من كذا فإنه صحيح بلا إشكال مع أنّ الظّرف فيه لغو متعلّق بعلمت إلاّ أن يقال إنّه من خواص الصّيغة دون المادّة فافهم و كيف كان فإن تم التوجيه المزبور و إلاّ تعيّن الاحتمال الأوّل أعني كون الظّرف لغوا لأنه الأصل كما عرفت و على التقديرين فلا بدّ من تفسير العلم بغير الملكة لعدم حصولها عن الأدلّة كما لا يخفى إلاّ باعتبار ما أضيف إليه أعني التّصديق و هو كما ترى سخيف في الغاية و منه يظهر ضعف ما قد يعتذر به عن السلطان في العدول عن جعل الظرف لغوا متعلّقا بالعلم إلى جعله صفة له من أنّه مبني على ظاهر المعالم من جعل العلم عبارة عن الملكة فإنّه على هذا التقدير لا مجال لاحتمال لغوية الظرف وجه الضّعف أنّ تفسير العلم بالملكة كما لا يلائم كون الظّرف لغوا متعلّقا به كذلك لا يلائم كونه صفة له لأنّ الملكة غير حاصلة عن الأدلّة كما نبهنا عليه و إن لوحظ في ذلك ما أبدينا من الاعتبار السخيف فلا يتفاوت فيه أيضا بين كونه لغوا أو صفة كما يظهر بالتدبّر و كيف كان فلا عذر للسّلطان في العدول عن اللّغوية مع كونه الأصل إلى الوصفية و كذا ضعف ما هو ظاهر المعالم من تفسير العلم بالملكة مع جعل الظّرف متعلّقا به إلاّ أن يقال إن ملكة التّصديق عبارة عن التّصديق الشأني و التّصديق سواء كان فعليّا أو شأنيا يتصف بكونه من الأدلة و الّذي لا يتّصف به إنّما هي الملكة أي القوّة و بينهما يمكن أن يكون بعض الفرق و لذا عمم في الزبدة العلم بقوله قوة أو فعلا فتدبّر و بقي من الاحتمالات ما احتمله السّلطان أيضا في ظاهر عبارته أعني كونه صفة للأحكام و هو مع بعده مبني على اعتبار بعيد و هو تفسير الحكم بالتّصديق كما مرّ أنه الظاهر منه في تفسير الشّرعية و حينئذ يسقط احتمال رجوعه إلى العلم بكلا الاعتبارين لأنّ رجوعه إليه كما ظهر مبني على تفسيره بالتّصديق أو الإدراك و هذا التّفسير لا يجامع تفسير الحكم بالتصديق كما ظهر سابقا فالجمع بين الاحتمالين أعني احتمال كونه صفة للعلم أو الحكم مبني على ما هو ظاهر بنائه في لفظ العلم من جعله عبارة عن الملكة و في لفظ الأحكام من تفسيرها بالتّصديقات و لو حمل الأحكام على ما يعمّ الخمسة التكليفية أو الوضعية أمكن تصحيح هذا الاحتمال أيضا بأحد وجهين إما حملها على الأحكام الواقعية و تقدير بعض الأفعال الخاصّة كالمعلومة أو المأخوذة أو حملها على الأحكام الظاهرية و تقدير بعض أفعال العموم مثل الكون و الثبوت و الحصول لأنّ الأحكام الظّاهرية حاصلة و كائنة من الأدلّة تكون الشّي‏ء من علّته و مؤثرة كما لا يخفى و إنّما لم نجوّز تقدير أفعال العموم على الأوّل لأنّ الأحكام الواقعية ليس نفسها حاصلة من الأدلة لأنّها من آثارها فكيف تتحصّل هي منها و قد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّ الاحتمال الخالي من وجوه البشاعة ما اخترنا ثمّ إنّ إضافة الأدلة إلى ضمير الأحكام جنسيّة و إن كان جمع المضاف بظاهره يفيد الاستغراق كالجمع المحلّى بقرينة ارتباطها بالأحكام بأحد الوجوه السّابقة فإنّ المراد بها جنس الأحكام قطعا على ما سننبه عليه و لا ينسب استفادة جنس إلاّ إلى جنس الأدلّة و إن كان كلّ من المستفاد و المستفاد منه هو الفرد و أمّا ما ذكر

في المقام من الاحتمالات مثل كون كلّ منهما للاستغراق أو للعموم الجمعي فلا مسرح لشي‏ء منهما لأنّ تحصيل مجموع الأحكام من مجموع الأدلّة أو تحصيل كلّ فرد منها من كلّ فرد منها أمر محال عقلا أو عادة مضافا إلى معلومية عدم كون شي‏ء من الأمرين مناط الفقه و الفقاهة و أردأ من ذلك التّفكيك بين الجمعين بحمل الأحكام على الجنس و الأدلّة على العموم الاستغراقي أو الجمعي أو بالعكس و إن كان فساده دون فساد الأصل و محصّل الكلام في هذا المقام أنّ مجموع الاحتمالات تسعة حاصلة من ضرب احتمالات الأدلّة الثلاثة في احتمالات الأحكام الجنس و الاستغراق و العموم الجمعي لكن المعقول منها في نفسه مع قطع النظر عن القرائن الخارجية ثلاثة حمل الأحكام على الجنس أو الاستغراق و على الأوّل فحمل الأدلّة على الجنس أو الاستغراق لكن يرد على الأخير نظير الإشكال المشهور في حمل الأحكام على الاستغراق كما يظهر وجهه بالتّأمّل و على الثاني فحمل الأدلّة على الجنس و باقي الاحتمالات باطلة بين مستحيل عقلا أو عادة أو أجنبية عن معنى الفقه الاصطلاحي بقي الكلام في فائدة هذا القيد و اعلم أنّهم ذكروا له فوائد بين مصحّحة و مزيفة منها إخراج علم الله تعالى بأحكامه المجعولة فإنه و إن كان علما بالأحكام إلاّ أنّه ليس ناشئا عن الأدلّة و مستفادا منها و هذا الاحتراز مبني على ما هو المختار عندنا و عند جملة من المحقّقين من تفسير العلم بغير الملكة من التّصديق أو الإدراك و إلاّ فهو خارج عن أصله و لا فرق في ذلك الاحتراز بين ما اخترناه من كون الظّرف راجعا إلى العلم لغوا أو مستقرا و بين رجوعه إلى الأحكام أمّا على الأول فواضح و ربما يناقش فيه بما أشار إليه بعض أهل التدقيق من أنّ العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول استلزاما عقليّا من غير فرق بين كون العالم‏

17

بالمقدّمات هو اللّه عزّ و جلّ أو غيره لأنّ الذّاتي غير متخلّف و مقتضى ذلك أن يكون علمه تعالى بالأحكام ناشئا عن العلم بأسبابها و عللها لأنّ المفروض أنّه تعالى عالم بالسّبب فيكون عالما بالمسبّب باعتبار علمه بالسّبب لما بين العلمين من الملازمة العقليّة و حينئذ فيحتاج في إخراج علمه تعالى إلى اعتبار العهد في الإضافة أو اعتبار الحيثية بأن يقال المتبادر من قولنا العلم عن الأدلّة هو العلم الحاصل عن الأدلّة من حيث إنها أدلّة أي بالنّظر لا بالخاصية هذه خلاصة كلامه و فيه أنّ استلزام العلم بالعلّة للعلم بالمعلول لا يستلزم توقف العلم بالمعلول على العلم بالعلّة لأنّ توقف الشّي‏ء على الشّي‏ء لا يستلزم توقف علمه به أيضا فيجوز حصول العلم بالمعلول قبل العلم بالعلّة أو معه و حينئذ فيخرج علم اللّه تعالى ضرورة عدم التّرتيب في مراتب علمه تعالى و إن كان المعلومات مترتبة كيف و التّرتيب في العلمين فصاعدا يستلزم الجهل بالمعلول في مرتبة العلم بالعلّة و استحالته في العلم التام العام الإلهي واضحة و إن لم يستحلّ الترتيب بين المعلومين عقلا لأنّ عدم تعلّق القدرة على المعلول في مرتبة القدرة على العلّة ليس لنقصان في القدرة العامة بل لعدم قابلية المقدور لتعلّق القدرة به فظهر أنّ احتمال حصول علم الله تعالى بسبب الّذي صار منشأ لاعتبار الحيثية ساقط في صريح العقل البديهي و أمّا على الثّاني فلأنّ المتبادر من قولنا العلم المتعلّق بالأحكام المستنبطة أو الحاصلة عن الأدلّة أن يعتبر الاستنباط و الحصول بالنّسبة إلى العالم بها لا غيره و هو عبارة أخرى عن كون العلم بها عن الأدلّة فلا يرد ما قيل من صدقه حينئذ على علم اللّه تعالى لكونه علما بالأحكام الحاصلة للمجتهدين من الأدلّة و لا حاجة أيضا إلى ما تمحّل بعض أهل التدقيق من اعتبار الحيثية أيضا لإخراج علمه تعالى بأن يقال إنّ تعليق الحكم بالوصف يدلّ على مدخليّته في الحكم فيستفاد من توصيف الأحكام بكونها عن الأدلّة علّية الأدلّة لنفس العلم و يمكن إرجاعه إلى ما قلنا لأنّه مبني على ملاحظة التوصيف بالقياس إلى العالم بالأحكام لا إلى غيره و هو حسن و بعض من حمل هذا التحمل على غير وجهه أورد عليه بأنّ الحيثية المزبورة إن ارتبطت بالعلم تمّ ما ذكر و أما إن ارتبطت بالأحكام فلا إذ يصدق على علمه تعالى أنّه علم بالأحكام المستنبطة عند المجتهدين عن الأدلّة من حيث إنّ تلك الأحكام المستنبطة عند المجتهدين كذلك ثمّ استدلّ على ارتباطه بالأحكام بما حاصله أن الحيثية إنّما ترتبط بما أخذت قيدا فيه لا بشي‏ء آخر متعلّق بالمقيد و بما ذكرنا يظهر أنه لا مساس له بكلام المتحمل لأنّ كلامه مبني على ملاحظة الاستنباط عن الأدلّة بالقياس إلى العالم بها لا إلى غيره فافهم و الظّاهر أنّ غرض المورد الإيراد على هذا المتحمّل كما يستفاد من كلامه فيتوقف البحث في صحّته و سقمه على غير هذا المتمحّل (و منها) خروج علم الملائكة لأن علومه على نحو من الضّرورة و البداهة و إن كان لذوات الأدلّة نحو مدخليّة في علومهم فلا يرد ما يتوهّم من أنّ الكتاب مثلا له مدخليّة في إفادة العلم بمدلوله و لو عند الملائكة فكيف يقال بأنّ علومهم غير مستفادة من الأدلّة وجه عدم الورود أنّ مجرّد المدخليّة ليس مفاد كلمة عن النشوية لأنها تدلّ على كون الاستفادة على وجه النّظر و التأمّل و لعلّه مراد بعض أهل التّدقيق حيث ذكر أنّ علوم الملائكة إنما تخرج بالمتبادر من قولنا العلم عن الأدلّة أعني مدخليّة الحيثية و كون العلم ناشئا عن الأدلّة من حيث كونها أدلة أقول خروج علم الملائكة و إن صرّح به أكثر المحقّقين لكنه مبنيّ على قيام البرهان على فقدانهم للقوّة الاكتسابيّة بناء على كون كمالاتهم بأسرها فعلية كما ذكره أيضا في أهل الجنّة بعض الحكماء و العرفاء فيستحيل حصول العلم لهم على حدّ حصوله للآدمي القابل لبعض الصّفات الكمالية و الواجد للبعض الآخر أعني بالنظر الّذي هو من أفعال الذّهن الّذي لم يعلم ثبوته للملائكة و أنت خبير بأنّه لا سبيل لنا في إدراك ذلك و لا أخبرنا بأنه أيضا صادق يحصل العلم بقوله فمن الجائز حصول العلم ببعض الأحكام الشّرعية للملائكة كلاّ أو بعضا بالنّظر إلى بعض الأدلّة نحو حصوله للمجتهد و منه يعلم أنّ اعتبار الحيثية أيضا غير مجد فالصّواب أن يقال فخرج علم الملائكة لأنّا لا نعلم إمكان أن يكون علمهم بالأحكام ناشئا عن الأدلّة على وجه النّظر لأنّ العلم بإمكانه في حقّهم موقوف على الإحاطة التّامة بحقائقهم و دعوى أنّه لا بدّ في التحديد من العلم بسلامة الطّرد و لا يكفي مجرّد عدم العلم بالفساد غير ثابتة (و

منها) خروج علم الأنبياء و الأئمة (صلوات اللّه عليهم أجمعين) على التقريب المذكور و في علم الملائكة لأنّ علومهم ليست حاصلة من النّظر في الأدلّة كعلوم المجتهدين و إن كان لذوات بعض الأدلّة مدخلية في بعض هذه العلوم كالكتاب بالنّسبة إلى علم النّبي و كقول النبي (صلى اللَّه عليه و آله) بالنّسبة إلى علم الوصيّ و قول آحاد المعصومين (عليهم السلام) بالنّسبة إلى المعصوم المتأخر فإنّ استفادة النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) من الكتاب على نحو آخر من الاستفادة غير راجع إلى نحو استفادتنا منه بالنظر و كذا استفادة الوصي من قول النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الوصيّ من قول وصيّ آخر كذا أفاد بعض المحققين وفاقا لما هو الظاهر من كلام بعض المدققين قال في توضيح المقام ما هذا لفظه فإنّ علومهم ضرورية حاصلة من أسباب باعثة عليه قد ذكر عدة منها في الأخبار و ليس قول جبرئيل أو سائر الملائكة للنبي (صلى اللَّه عليه و آله) أو للإمام بمنزلة قول النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أو الإمام بالنّسبة إلينا إذ إفادة كلامهم العلم لنا إنّما يكون على سبيل النظر و الاستدلال و ملاحظة عصمتهم عن الكذب و السّهو و ليس كذلك الحال بالنّسبة إليهم (صلوات الله عليهم) بل إنّما يستفيد النّبي من الوحي علما ضروريّا بالحكم و كذا الإمام (عليه السلام) من قول الملك العلام أو الإلهام أو غيرهما من وجوه العلم على نحو ما يحصل لنا العلم الضّروري بالفطريات و كذا ما يستفيده الوصيّ عن النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) أو الأوصياء بعضهم من بعض بطريق الوراثة انتهى موضع الحاجة من كلامه أحسن اللّه في إكرامه و الظّاهر أنّه أراد من الأسباب المذكورة بعضها في الأخبار مثل بعض الأعمال و الأوراد المورثة للعلم بالمجهول التي يكون العلم بها

18

من خواص النبوة و الإمامة و الظّاهر أيضا أنّ علم النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الوصي (عليه السلام) بالأشياء عنده ليس فعليّا حضوريّا بل شأنيا موقوفا على مشيّتهم كما هو المشهور بين الأصوليين و حينئذ فيرد عليه أنّه إذا جاز أن يكون علمهم بالأشياء على سبيل الاستعداد و القابلية جاز أن يكون على وجه النظر أيضا و إنّما يمتنع ذلك على القول الآخر من كون علمهم بالأشياء على وجه الانكشاف الفعلي الغير المتوقف على شي‏ء و تحصيلهم العلم باستعمال بعض الأسباب الغيبيّة على ما تنطق به الأخبار بادّعائه لا ينافي التحصيل من النّظر أيضا أحيانا عدولا من تلك الأسباب إلى الأسباب العادية لمصلحة أو نكتة أو داعية كما هو ظاهر جملة من الأخبار الواردة في استنباط الإمام من الكتاب بعض الأحكام استنباطا نظريّا لا يدركه إلاّ الأوحدي العارف بطرق الاستنباط كما لا يخفى على المتدرب الماهر ثمّ إنّ صريح كلام هذا المحقق كظاهر كلام بعض المدققين الاعتراف باستفادة النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) من الكتاب و استفادة الأوصياء بعضهم من بعض و لكنّه يدعي الفرق بين استفادتهم و استفادتنا من كلماتهم و هو تحكم لأنّه إن أراد باستفادتنا استفادتنا من السّنة الظنيّة الثابتة بطريق الآحاد فالفرق مسلّم و لكنّا ننقل الكلام في استفادتنا من الكتاب و السّنة القطعيّة فإنه لا فرق بيننا و بين استفادة الإمام من الكتاب أو من كلام إمام آخر إلاّ من حيث إن استفادتنا ظنيّة لابتنائها على إعمال بعض الأصول و القواعد الظنية و استفادتهم (عليهم السلام) قطعيّة لحصولها من غير الاحتياج إلى شي‏ء منها و هذا لا يصلح فرقا إلا على القول بخروج القطعيّات عن الفقه و هو مرغوب عنه سيّما عند هذا المحقق حيث شدد الإنكار على من زعم خروج الضّروريات كلّية فضلا عن القطعيات عن الفقه و إن أراد من استفادة الإمام (عليه السلام) من الكتاب غير معناها المتبادر مثل مجرّد مدخلية الكتاب في علم الإمام (عليه السلام) من غير أن يرجع إلى التّوصّل و النّظر المذكورين في تعريف الدّليل فهو و إن ذكره بعض من سبقه من المدققين حيث قال إنّ علم الملائكة و الأنبياء (عليهم السلام) إنّما هو بالضّرورة و إن كان لذوات الأدلّة مدخل في حصول العلم لهم لكن لا من حيث إنّها أدلّة بل من حيثية أخرى إلاّ أنّ هذا الكلام لا محصّل له لأنّا لا نفهم معنى له سوى أن يقال إنّ العلم الحاصل من الدّليل قد يكون مسبوقا بطلبه كالعلم الحاصل من التّواتر الّذي يطلبه الإنسان في المطالب السّمعيّة و يحصّله ثم ينتقل منه إلى ملزومه و قد لا يكون كذلك بل يحصل من الدّليل الغير المطلوب مثل العلم الحاصل ضرورة من التّواتر الّذي يعثر به الشخص من غير طلب بل من غير تصوّر لحصوله أوّلا و هذا غير مجد في المقام لوضوح أنّ المراد بكون العلم حاصلا عن الدليل في تعريف الفقه يعمّ القسمين إذ لم يشترط أحد في كون العلم بالأحكام عن الدليل فقها أن يكون ذلك العلم مسبوقا بطلب دليله و إن كان غالب ما يقع منه في الخارج كذلك و إن أرادوا أنّ الكتاب مثلا له مدخل في علم الإمام بالخاصية مثل بعض الأوراد و الأسباب الغيبيّة و كذا قول النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) بالنسبة إلى الإمام أو قول بعض الأئمة (عليهم السلام) لبعض آخر فهو و إن يتمّ به الفرق إلاّ أنه ادّعاء لخلاف البديهي لأنّ كل أحد يعلم أن استفادة الإمام (عليه السلام) من قول النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) ليس على بعض الوجوه الخارجة من معتاد التّحاور و التخاطب نعم يمكن منع الاستفادة و المدخلية رأسا حملا لظاهر ما ورد في استنباط الإمام (عليه السلام) من الكتاب على الاستدلال دون الاستنباط و هو جيّد على القول بكون علومهم فعليّة و أمّا على القول الآخر فلا بدّ من إقامة الدّليل على استحالة حصول العلم للإمام (عليه السلام) من الكتاب على حدّ العلم الحاصل من المحاورات (و منها) إخراج الضّروريات لأنّها غير مستفادة من الأدلّة بل من الضّرورة صرّح به في القوانين و أورد عليه بعض المحقّقين بأنّ الضروريات أيضا مستفادة من الأدلّة لأنّ العلم بالضّروريّات يتوقف على أمرين أحدهما ثبوتها عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الثّاني صدق النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و حقية ما جاء به و الذي يعلم بالضّرورية في الضّروريات إنما هو الأوّل لا الثّاني لتوقفه على ثبوت النّبوة المتوقف على النّظر و أجيب عنه بوجوه كلّها أو جلّها ركيكة ضعيفة و التّحقيق في الجواب أنّ النّتيجة تتبع في النظرية و الضّرورية المقدّمة الغير المفروغ عنها لا المجموع‏

إذا كانت إحدى المقدّمتين كذلك و المقدّمة الأخيرة أمر مفروغ عنه في جميع الأحكام الشّرعية فالعبرة في ضروريتها و نظريتها بحال المقدّمة الأولى أعني الثبوت من النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و توضيح ذلك أنه لا شبهة في أنّ العلم النظريّ بعد حصول المقدّمتين ضروري جدّا لأنّه في هذا اللّحاظ لا يحتاج إلى دليل و نظر آخر و بهذا الاعتبار جعل الأكثر المتواترات من الضّروريات نظرا إلى عدم توقفها بعد التّواتر على وسط و نظر آخرين و قبل حصولهما نظرية قطعا و أمّا بعد حصول إحداهما و الفراغ عنها فلينظر إلى المقدّمة الأخرى فإن كانت ضروريّة كان العلم الحاصل منها ضروريّا مثل ما قلنا في العلم الملحوظ بعد حصول المقدمتين و إن كانت تلك المقدّمة الحاصلة نظرية لأنّ العلم إذا لاحظناه في مرتبة حصول بعض مقدّماته استحال اتصافه بالنظرية بالنّسبة إلى تلك المقدّمة لأنّ الشّي‏ء لا يتوقف على مقدّمته الحاصلة بالبداهة و لذا قالوا إنّ الواجب المشروط بعد حصول شرطه مطلق و إن كانت نظريّة كان الحاصل منهما نظريّا و هذا مثل تسمية الدليل بالشرعي و العقلي مع أنّ بعض مقدمات الدّليل في القياسات الشرعيّة عقليّة فإنّ هذه التسمية أيضا تابعة للمقدمة الغير المفروغ عنها فإن كانت شرعية سمّي الدليل شرعيا و إلاّ سمّي عقليّا و حينئذ نقول إنّ العلم بوجوب الصّلاة ضروري في حقّ الفقيه و إن كان بالنسبة إلى غير المعترف بالرّسالة نظريا لأنّ الفقيه لم يعلم به عن النظر في دليل قولك علم به من الدّليل الدّال على النبوة قلنا الفقيه لم يعلم به عن ذلك الدّليل و إنّما علم به عنه غيره كالشّاك في صدق النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الحاصل أنّ كلامنا في العلم بالأحكام‏

19

الشرعية لما كان بعد الفراغ عن الإسلام فلا جرم يكون العلم بضرورياتها غير حاصل من الدّليل في حق الفقيه و إن اعتبرت الاعتراف صدق النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) في المقسم حين تريد تقسيم العلم بالأحكام الشرعية إلى الضّروريّة و النظرية و قلت إنّ علم المعترف بالرّسالة بما جاء به الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) و الأحكام قد تكون ضروريّا غير حاصل من الدّليل كعلمه بالضّروريات مثل وجوب الصّلاة مثلا فإنّ المعترف بالرّسالة عالم ضرورة بحقيقة وجوب الصّلاة و واقعيّته لا بمجرّد إخبار الرّسول من غير دليل كان حسنا و قد يكون نظريا فافهم فالحق استناد خروج الضّروريات إلى هذا القيد و العلامة في التهذيب أخرجها بقوله لا يعلم كونها من الدّين ضرورة و هو حسن في تعريفه و أمّا في هذا التّعريف فلا حاجة إليه كما توهم ثمّ إنّ الأحكام الشّرعيّة تنقسم إلى ظنّي و قطعيّ و الثاني إلى نظريّ و ضروريّ و الأخير إلى ضروري الدين أو المذهب و إلى ما كان ضروريّا عند بعض لا إشكال في كون العلم بالأول فقها بحسب الاصطلاح كما لا إشكال في خروج ضروري الدّين و المذهب و أمّا النّظري القطعي فظاهر الزّبدة خروجه أيضا و فيه تأمّل أو منع لعدم مساعدة الاصطلاح عليه بل لا يبعد كون الضّروري بالمعنى الأخير أيضا فقها لصدق التعريف عليه إذ لا ينافي كونه ضروريّا حصوله من الدّليل على وجه الحدس و البداهة و دعوى أنّ المتبادر من كلمة المجاوزة كون العلم حاصلا عن الأدلّة على وجه النظر و الفكر كما ادّعاه غير واحد يدفعها ما هو المعلوم من صدق الفقه على العلم الحاصل من العثور بالمتواترات اللّفظية بغتة (توضيح) ذلك أن الضّروري قد يطلق و يراد به ما لا يحتاج إلى وسط كالوجدانيات مثل علمنا بقبح الظّلم و حسن الإحسان و إدراكنا للجوع و الألم و قد يراد به ما يحصل بغير نظر سواء حصل من الوسط على وجه الضّرورة أو الحدس كالمتواترات عند من يرى أنّها ضرورية لاستناد العلم بها إلى الوسط أعني التواتر و إن لم يكن على وجه النظر أم لا و القسم الأوّل مستحيل في الأحكام الشّرعية التّوقيفية إذ لا مسرح للوجدان فيها و إن كان قد يستدل على بعضها بالقضايا الوجدانية و الثاني هو الذي ينبغي أن يتنازع فيه و نحن نقول بدخوله تحت الفقه أيضا لمساعدة عدم صحّة السّلب عليه في هذا الاصطلاح و حينئذ فيشكل في التعريف لو بنينا على دلالة كلمة المجاوزة على كون العلم على وجه النظر لخروج هذا من التعريف مع إمكان منع الدّلالة رأسا

[الكلام في بيان المراد من التفصيلية في التعريف‏]

و المراد بالتفصيلية أن يكون كلّ حكم حكم له دليل مخصوص به غير جار في غيره لا ما يقابل الإجمال بمعنى الإبهام لأنّ الدليل لا يعقل أن يكون دلالته على وجه الإبهام نعم يمكن أن يكون المدلول مجملا محتملا لأمور كمداليل الأفعال الصادرة عن المعصوم (عليه السلام) و لكنّه غير مراد في المقام قطعا و المراد بمقابلها استناد العلم بجميع الأحكام إلى دليل واحد إجمالي أي كلّي سار في الجميع فخرج بهذا القيد علم المقلّد كما في المعالم و غيره لأنّ علمه بالأحكام الشرعيّة حاصل من دليل واحد إجمالي في الكلّ و هو قول المفتي بخلاف المجتهد فإنّ علمه بالأحكام مستند إلى تفاصيل الأدلة الاجتهادية المتفرقة في أبواب الفقه و أورد عليه المحقّق القمي (رحمه الله) بما توضيحه إنّ أريد باختصاص كلّ مسألة بدليل مختص به اختصاص شخص الدليل بالمسألة فعلم المقلد بالأحكام أيضا كذلك لأنّ علمه بكلّ مسألة مستند إلى جزئي من جزئيات الفتوى لا يجري في غير تلك المسألة و إن أريد به الاختصاص من حيث الجنس أيضا فأدلّة المجتهد أيضا ليس كذلك لأنّه إن كان يعمل بالظّن الخاص كالخبر مثلا فالقدر الجامع بين أدلّته التفصيلية حينئذ هو عنوان ذلك الظنّ الخاص و إن كان يعمل بالظن المطلق فمستنده في الكل هو مطلق الظّنّ و اختصاص آحاد المسائل بجزئيات الظنّ لا ينافي كون علمه بالجميع عن دليل إجمالي سار في الجميع كما في المقلّد و هذا لا يراد بهذا البيان لا مدفع له و العجب أن جملة من الأفاضل زعموا عدم وروده مع عدم إفادتهم شيئا يحسم الإشكال ثم نقول إن الدّليل المذكور لا يفيد علم المقلّد بالحكم الشّرعي الكلّي لأنّ الأحكام الكلّية إمّا معلومة له بالضّرورة أو مجهولة رأسا نعم هو عالم بالحكم الجزئي الفعلي عن ذلك القياس المنتظم له في جزئيات المسائل بملاحظة حكم الله الظاهري في حقه أعني وجوب متابعة الفتوى كقوله نجاسة الغسالة ممّا أفتى به المفتي و كلّما كان كذلك فهو حكم الله في حقّي و الحكم الجزئي ليس من مجعولات الشّارع و الأصل في ذلك أنّ المسائل الشرعيّة كمسائل سائر العلوم عبارة عن الأحكام الشّأنية الكلية الّتي يحصل من ضمّها إلى صغرى وجدانية حكم جزئي فعلي و ليس عبارة عن تلك الأحكام الجزئية مثلا الحكم الشّرعي هو حرمة الخمر الّتي نسمّيها بالحكم الثّاني الّذي هو مدلول الكتاب و السّنة لا حرمة هذا المائع الذي اعتقد المكلّف بكونه خمرا الذي يحصل من صغرى وجدانية و كبرى شرعيّة و يمكن أن يكون هذا هو مراد المحقّق القمي (رحمه الله) حين عدل عن المماشاة مع القوم إلى ما هو الصّواب عنده من أنّ ذلك القياس المنتظم للمقلّد في جزئيات المسائل لا يفيد علمه بالحكم الشّرعي بل العمل به يعني أنّ نتيجة هذا القياس ليس هو العلم بالحكم المجعول الشرعي بل بالحكم الجزئي الفعلي الّذي فائدته المبادرة إلى الامتثال و العمل فلا يرد عليه ما أورده غير واحد من النّاظرين في كلامه من أنّ العمل يتوقف على العلم فلو لا إفادة ذلك الدليل الإجمالي علمه بالحكم لم يفد جواز عمله على أنّ نتيجة القياس لا يعقل أن يكون أمرا غير العلم فكيف يقال إنّه يفيد جواز العمل دون العلم و وجه عدم الورود أنّ المقصود عدم إفادة ذلك الدّليل الإجمالي العلم بالحكم الشّرعي لا مطلق العلم كيف و هو يفيد العلم بالحكم الجزئي الّذي قد عرفت عدم كونه حكما مجعولا شرعيّا من حيث هو و لكن فائدته ليست إلاّ وجوب العمل لأن ترتيب القياس المنتظم من الكبرويات الشرعية و الصّغرويات الوجدانية ليس إلاّ في مقام وجوب المبادرة إلى الامتثال نعم يرد عليه أنّ المجتهد أيضا كذلك لو حملنا الأحكام في التعريف على الأحكام‏

20

الفعليّة كما يساعده القيد الأخير لأنها التي يستند العلم بها إلى الأدلّة التفصيلية لا الأحكام الواقعية لعدم علم المجتهد بها غالبا و لا الأحكام الظاهريّة الكلّية لاستنادها إلى الأدلّة الإجمالية فالنقض بحاله لأنّ مناط الفقاهة حينئذ هو العلم بالحكم الفعلي عن الدليل الجزئي التفصيلي و هو موجود في حق المقلّد أيضا و لو أبقى الأحكام على ظاهرها أعني الأحكام الواقعية الثّانية و حمل لفظ العلم على الظّن لم ينفع أيضا لأنّ المقلّد ظانّ بالحكم الواقعي من فتوى المجتهد كظن المجتهد من خبر الواحد اللّهمّ إلاّ أن يكون غرضه أن نتيجة ذلك الدليل الإجمالي ليس هو الظنّ بالحكم الشرعي لأنّ المقلّد ليس بظانّ به أو يقال إنّ المراد بالأحكام في التعريف الثّانية من الواقعية أو الظاهرية دون الأحكام الفعلية الجزئية و يمنع عدم استناد الأحكام الواقعية و الظّاهرية إلى الأدلّة التّفصيلية بل الإجمالية كما يأتي توضيحه إن شاء الله هذا و قد يستند في إخراج علم المقلّد بحمل الإضافة على العهد و جعل قيد التفصيلية للتوضيح و هو جيّد لو لم يكن المراد بالأدلّة ما يعم الأدلّة الأربعة و أمّا على تقدير العموم فلا معنى للعهد و العجب ممّن غفل عن منافاة التعميم للعهد فصرّح تارة بالتعميم محافظة لعكس التعريف عن خروج العلم الحاصل من مثل الشهرة و القياس على القول بهما و أخرى بالعهد احترازا عن علم المقلّد و دعوى أنّ التّعميم إلى الشّهرة و القياس لا ينافي العهدية لأنّهما من الأدلّة المعهودة بين المجتهدين أيضا مدفوعة بأن ذكره الشّهرة على ما يساعده ظاهر كلامه أو صريحه وقع مثالا عن كلّ أمارة ناظرة إلى الواقع و مثل هذا التعميم لا يجامع العهدية كما لا يخفى و الّذي أراه في إخراج علم المقلّد هو أنّ المراد بالأحكام إمّا الأحكام الواقعية أو ما يعمّها و الظّاهرية على ما سيجي‏ء الإشارة إلى كونه أحسن وجوه التفصّي عن الإشكال المشهور و على التقديرين فيخرج علم المقلّد عن قيد عن أدلّتها لأن علم المقلّد بالأحكام الشأنية الكلّية الواقعيّة أو الظّاهريّة ليس إلاّ على وجه الضّرورة حتّى علمه بالحكم الظّاهري المجعول في حقّه خاصّة أعني وجوب التّقليد و إنّما يعلم بواسطة ذلك الدّليل الإجمالي الأحكام الجزئية الفعليّة دون الكلية الشّأنية كما مرّ و هذا أحسن وجوه إخراج علم المقلّد عن التعريف و لا غائلة فيه سوى أنّه قد يقال إنّ المراد بالتفصيلية هي جزئيات الأدلّة الكلّية المتفرقة في أبواب الفقه و العلم الحاصل من جزئيات السّنة و الكتاب بل الشّهرة أيضا على القول بحجّيتها تعبدا من الشارع علم بالحكم الجزئي لا بالحكم الكلّي إذ العلم الحاصل من جزئي الخبر مثلا بعد الفراغ عن حجية نوع خبر الواحد ليس إلاّ علما بالحكم الجزئي كما لا يخفى و جزئيات ما عداهما من الأمارات الظنيّة كالقياس و الأولويّة و الشّهرة على القول الآخر لا يفيد العلم بالحكم مطلقا نعم الإجماعات التفصيلية و نحوها من الأدلّة القطعيّة مفادها العلم بالحكم الكلّي و هو غير مجد في تصحيح القيد لأنّ مناط الفقاهة أوسع من ذلك بالبداهة و الجواب أن مفاد الأدلّة الظّنية حتّى الظّن الذي لم يقم على اعتباره دليل أيضا هو العلم بالحكم الكلّي الإلهي لكن من حيث إنه مدلول ذلك الدّليل الظّني لا من حيث إنه أمر واقعي و سيأتي أنّ تصحيح التعريف على وجه سالم عن اختلال الطّرد و العكس لا يتمّ إلاّ على هذا الوجه فافهم هذا هو الفراغ عن البحث في قيود تعريف الفقه‏

بقي هنا إشكالان مشهوران‏

لا بدّ من تعرّضهما و الإشارة إلى وجوه التفصي عنهما

الأوّل‏

أنّ الأحكام إن حمل على ما يقتضيه وضعه العرفي أعني الاستغراق الحقيقي انتقض عكسه بعلم الفقهاء جلاّ أو كلاّ لأنّهم لا يعلمون كلّها بل بعضها و إن حمل على أقرب مجازاته بعد تعذر الحقيقة أعني جنس المفرد انتقض طرده بدخول المتجزّي و أجاب عنه صاحب المعالم (رحمه الله) تارة باختيار الأوّل مع حمل العلم على التهيّؤ أي الملكة و أخرى باختيار الثّاني مع التزام صدق الفقيه على المتجزّي على تقدير إمكانه و إلاّ فالعلم بالبعض لا ينفكّ عن العلم بالكلّ حتى يرد النّقض على التّعريف و أورد على الأوّل بأنّ التّهيؤ القريب لاستنباط جميع الأحكام غير ميسور للفقيه لثبوت لا أدري و استنصره بعض المحقّقين في كلام طويل بما حاصله بعد التّحرير و التهذيب أنّ ملكة معرفة الأحكام الواقعية كلا بشرط أن يكون على كل حكم دليل واضح الدلالة ليست بفقه جدّا لأنّ الفقاهة تستدعي قوة أزيد من ذلك لأنّ مثل هذه القوة لا يبعد حصولها للعوام أيضا فضلا عن الخواص لكونها من لوازم أوّل درجة الإدراك و بغير هذه الشرط متعسّر أو متعذر عادة سواء أريد بها ملكة استنباط الأحكام المتداولة من الأدلّة الموجودة أو استنباط القدر الميسور الممكن من الأحكام من هذه الأدلّة و استنباط ما عداها من أمثال هذه الأدلّة في وجوه خفاء الدلالة و صعوبة الاستنباط إذ الحكم قد لا يكون عليه دليل أصلا و قد يكون دليله مبتلى بمعارض و قد يكون دلالته في مرتبة من الخفاء لا يلتفت إليها إلا الماهر في طرق الاستنباط و لذا يتجدّد الرّأي لفقيه واحد بالنّظر الثاني في الدّليل ثمّ زعم أنّ حمل الأحكام على الأحكام الظّاهريّة يصحّح إرادة ملكة العلم بالكلّ لأنّ الفقيه بعد فقده الدّليل أو فقد المرجح ينتهي أمره إلى حكم من الأحكام الظّاهرية لا محالة كالبراءة أو الاحتياط و التخيير و نحوها أقول أمّا ما ذكره أولا من عدم صدق الفقه على قوة معرفته الأحكام على تقدير أن يكون على كلّ واحد دليل واضح و عدم صدق الفقيه على صاحبها فهو مجازفة واضحة و شطط مبيّن لأنّ ملاك الفقاهة عند من يعتقد كون أسامي العلوم موضوعة لملكاتها ليس إلا قوة استنباط الأحكام بشرط وجود الدّليل على كلّ واحد لا مطلقا لأنّ قوّة الشي‏ء يجامع امتناعه بالعرض كملكات الصّناعات فإن العبرة في تحققها بمقدار من الاستعداد لو اجتمع مع سائر الشّرائط الوجودية الّتي منها وجود الأدلّة كان علّة للفعليّة ضرورة معلومية عدم كون القوة إلاّ شرطا من شروط

21

الوجود و دعوى حصول هذه القوة لكل أحد ادّعاء لخلاف البديهي و لعلّه أراد من الدّليل ما كان دلالته على الحكم غير موقوفة على مراعاة شي‏ء من القواعد العربيّة و الأصولية و الأمر حينئذ كذلك لكن نقول إنّ ملكة الفقاهة عبارة عن قوة استنباط الحكم عن الدّليل الّذي كانت دلالته موقوفة على مراعاة تلك القواعد كالتخصيص و التقييد و نحوهما إلا الدّليل الّذي لا يتوقف على شي‏ء من رءوس المسائل الأصولية و العربيّة كما أن ادّعاء اعتبار فوق هذه القوّة في صدق الفقاهة أيضا مصادمة للبديهي و إلاّ خرج علم أكثر القدماء عن التعريف لأنّهم كانوا يستنبطون الأحكام عن الأدلّة من غير مراعاة المداقات الّتي بلغ إليها أفهام المتأخّرين في فهم مداليل الألفاظ بل يلزم أيضا عدم صدق الفقيه على الأخباريين حيث يزعمون أنّ تميز الدّلالة المطابقة من وجوه الدّلالات لا عبرة بها في فهم الأحكام عن الأخبار حتى إنّ بعض من مال إلى طريقتهم كالفاضل التوني صرّح بعدم جواز تقليد من يراعي الالتزام و التضمّن في مداليل الأخبار فكيف يدعى أنّ الفقه المصطلح لا يكفي في صدقه قوة معرفة الأحكام عن الأدلّة الواضحة و أمّا ما ذكره ثانيا من عدم الإشكال لو حمل الأحكام على الظّاهرية ففيه من الخطإ الّذي لا ينسب إلاّ إلى طغيان القلم لوضوح أن مناط الفقاهة ليس هي ملكة معرفة خصوص الأحكام الظّاهرية و لو أراد بالأحكام الظّاهرية مما يعمّها و الواقعيّة على احتمال بعيد في عبارته فما زعمه من الإشكال يرد حينئذ بطريق أولى لأنّه إذا امتنع عادة حصول ملكة معرفة جميع الأحكام الواقعية خاصّة فامتناع حصول ملكتها مع ملكة معرفة الأحكام الظّاهرية بطريق أولى نعم لو أريد بملكة معرفة الأحكام الواقعية و الظّاهرية ملكة أحد الأمرين إمّا الواقعية إن تيسّر باعتبار وجود مدركها أو الظّاهرية على تقدير عدم وجود المدرك الواضح كان الفرق بينه و بين إرادة خصوص الأحكام الواقعية من حيث تيسّر الملكة و تعسّرها واضحا و لكن هذا المعنى إرادته من الجمع المحلى باللام غلط فاحش كما لا يخفى إلا أن يلتزم بحمل اللاّم على الجنس و هو خروج عن الفرض و إن أراد مجرّد تصحيح حمل العلم على الملكة على تقدير كون المراد بالأحكام الظّاهرية و إن كان هذا التقدير ممتنعا في التّعريف فالإيراد عليه ساقط لكنّه كلام لا ينبغي صدوره من مثل هذا المحقق لأن إبداء أمر بديهي البطلان لتصحيح أمر نظري البطلان خارج عن دأب المحصّلين فالحق أن جواب صاحب المعالم (رحمه الله) هذا الّذي يوافقه ما في غاية المرام سالم عن إشكال شيخنا البهائي و لذا لم يلتفت إليه محشوّ المعالم من المحقّقين و المدققين نعم فيه أنّه مبني على كون الفقه كسائر العلوم اسما للملكة و قد عرفت فساده سابقا مضافا إلى عدم ملائمة حمل العلم في التعريف على الملكة للتّعدي بالباء و قيد عن أدلّتها إلاّ بتكلّف بارد أشرنا إليه سابقا ثم إن المحقق المشار إليه تفصّى عن الإشكال المزبور بحمل الجمع على الاستغراق العرفي و بنى ذلك على ما زعمه و قرّره فيما تقدّم من كلماته من مقدّمتين إحداهما عدم كون أسامي العلوم موضوعة لملكاتها و الأخرى اعتبار الكثرة الّتي يترتب عليها فائدة وضع العلم في مفهومها و عدم كفاية العلم ببعض مسائلها و لو في ضمن واحد في صدق أساميها (أقول) أمّا المقدّمة الأولى فقد ساعدهما نظرنا أيضا قبل العثور بكلامه و أما المقدّمة الأخيرة فللمنع فيها مجال لأنّا نمنع اعتبار الكثرة في صدق اسم الفقه أو النّحو مثلا و ندّعي أن كلّ مسألة من مسائل النحو أو العلم بها مندرج تحت الاسم و أنّه اسم جنس يطلق على القليل و الكثير و دعوى عدم مساعدة الاستعمالات لذلك غير ثابتة بل الثابت صدق الفقه مثلا على آحاد المسائل أو العلم بها و كذلك النحو و دعوى عدم صدق الفقيه و النّحوي على من علم مسألة من العلمين أيضا ممنوعة بل الظّاهر الصّدق و لو مع عدم معرفة شي‏ء من المسائل إذا كان له قوة المعرفة و احتمال كون ذلك مجازا تنزيلا لقوة معرفة الكلّ أو القدر الكثير منه منزلة الفعليّة لا دليل عليه إذ لا منافاة بين مجازيّة الفقه في الملكة و حقيقية الفقيه في صاحبها بناء على ما قدّمنا من أنّ الملكة تستفاد من الصّيغة لا من المادة و على تقدير كونه مجازا فالمناسبة المصححة للتجوّز تمنع كونها تنزيل قوة الكلّ أو القدر الكثير منزلة الفعليّة بل ندعي كونها تنزيل قوة البعض منزلة الفعليّة و على تقدير تسليم اعتبار الكثرة في صدق الفقيه لا يستلزم مدّعاه أيضا من اعتبارها في صدق الفقه لأنّ مفاد الهيئات ربّما تزيد عن مداليل المواد كما لا

يخفى ثمّ العجب من هذا المحقّق أيضا حيث اعتبر مع الكثرة قوة معرفة الكلّ و ادّعى تلازمهما في الخارج و لم يتفطّن إلى ما سبق منه في انتصار البهائي (رحمه الله) من امتناع حصول ملكة الكلّ عادة و أورد على الثّاني أيضا بوجوه الأوّل أنّ الفقه على تقدير حمل الأحكام على الجنس يصدق على العلم بمسألة واحدة مع أنّ الكثرة معتبرة في أسامي العلوم و الثاني أنّ عدم انفكاك العلم بالبعض عن العلم بالكلّ على القول بعدم جواز التجزي مبني على كون المراد بالجواز الإمكان العقلي و أمّا لو كان المراد به عدم الجواز الشرعي أعني ترتب الأثر كما هو الظّاهر من بعض أدلّة الطرفين حيث يستدلّون على حجية ظنّ المتجزي و عدمه فالانفكاك معقول مسلّم عند المانعين أيضا و الثالث أنّ القائل بعدم التجزّي بكلا المعنيين إنّما يقول به في المسائل الاجتهاديّة النظريّة و أمّا العلم ببعض الأحكام ضرورة فلا كلام في حجّيته و لا في إمكانه لغير المجتهد المطلق أيضا و دعوى أنّ العلم الحاصل ضرورة ليس من الفقه على إطلاقها ممنوع لأنّ بعض الضروريات كضروريات المذهب مندرج في الفقه و الرابع أنّ إمكان علم الاجتهادي ببعض الأحكام دون بعض في عصر الإمام (عليه السلام) أمر متفق فيه و لو على القول بعدم التجزي لأن القائل به إنّما يقول به في هذه الأعصار لتوقف معرفة الأحكام حينئذ على الاجتهاد من صاحب الملكة و أمّا بالنّسبة إلى عصر الإمام (عليه السلام) فلا ريب في إمكان العلم ببعض الأحكام دون‏

22

الباقي و لا في جواز العمل به فإنّ من أخذ بعض الأحكام عن الإمام (عليه السلام) بالمشافهة أيضا مثلا يجوز له العمل به قطعا إذ لا يقصر الإمام (عليه السلام) عن المجتهد هذا ما بدا إلي من النظر في كلام بعض المحققين في الإيراد على الجواب الأخير و لا وقع لشي‏ء منها أمّا الأول فلما عرفت من منع اعتبار الكثرة في أسامي العلوم و أمّا الثاني فلأنّ الانفكاك على تقدير كون المراد بالجواز الحجية و إن كان ممكنا لكنّه غير قادح في الجواب المزبور لاندراجه تحت الشّق الأخير من الترديد أعني إمكان التجزّي فنقول نلتزم كون ظن المتجزّي أو علمه على تقدير إمكانهما على وجه يعتد بهما عرفا لا مطلقا لأنّ الظّن قد يكون في مرتبة من الضّعف يلحق بالشكّ فقها و يجب محافظة دخولهما في الحدّ لأنّ عدم حجية ظنّ الاجتهادي لا يوجب صحّة سلب الفقه عنه لأنّ التعريف ليس تعريفا للفقه الصّحيح المترتّب عليه الأثر الشرعي أعني الحجية و إلاّ لزم خروج فقه المجتهد الفاسق و الأنثى و المحدود و غيرهم ممّن لا يجوز تقليدهم لأنّ اجتهاد هؤلاء ليس باجتهاد صحيح يترتب عليه جميع الآثار و إن ترتب عليه بعضها أعني حجيته في حقهم و لو قيل إنّه يكفي في صدق الفقه كون الظّن في الجملة حجّة أمكن النّقض بالاجتهاد الناشئ من استعمال الأدلّة المنتهى عنها فإنّه مندرج تحت اسم الفقه جدّا كما يدلّ عليه عدم صحّة سلب الفقه عن المجتهد العامل بالقياس و الاستحسان مع عدم حجيته مطلقا و أمّا الثالث و الرّابع فلأنّ العلم بضروريات المذهب أو بعض الأحكام عن الإمام (عليه السلام) مشافهة إن كان على وجه يتوقف على إعمال بعض القواعد النظرية من الأصول و العربية فلا نمنع انفكاكها عن إمكان العلم بالباقي و إلا فلا نمنع دخولها في الفقه بل هما خارجان بكلمة المجاوزة كما صرّح به غير واحد نعم يرد على هذا الجواب أنّ علم الفقيه بالحكم من الدّليل على غير وجه النظر كالحدس و نحوه داخل في الفقه كما مرّ مع عدم استلزام هذا النحو من العلم الإمكان العلم بالكلّ حتّى عند القائلين بعدم التجزي في الاجتهاد أيضا اللّهمّ إلا أن يمنع ما قدمنا من صدق الفقه على هذا النّحو من العلم النّاشئ من مثل الحدس و حينئذ فيتم الجواب بلا إشكال و لا بعد فيه و إن ادّعينا سابقا خلافه فصار الحاصل أن العلم الحاصل من دون نظر و اجتهاد يخرج بكلمة المجاوزة و الحاصل من النّظر داخل في الفقه جدّا سواء قلنا بإمكان انفكاك هذا النّحو من العلم عن إمكان العلم بالباقي كما يقوله أصحاب التجزّي أو قلنا بامتناع الانفكاك و سواء قلنا بحجيته في حقّه و في حق المقلّد على تقدير الانفكاك أم لا

الإشكال الثاني‏

إنّ أخذ العلم في تعريف الفقه مع كون أكثره ظنيا يوجب فساد التعريف رأسا أي كونه تعريف بالمباين على القول بخروج القطعيات و اختلال عكسه بخروج المسائل الظنية على القول الأكثر بعدم الخروج و أجيب عنه بوجوه أحدها أن المراد بالعلم هو الظنّ كما في الزبدة أو القدر المشترك بينه و بين العلم كما في المعالم و في غاية المرام أن حمل العلم على الظّن أحسن الأجوبة عن هذا الإشكال و أنّه و إن كان مجازا لكنّه مع شيوعه محفوف بالقرينة و هو قول عن أدلّتها لأنّ المراد بها هي الأدلّة الظنية و فيه مضافا إلى ابتنائه على أصل فاسد و هو خروج القطعيات عن الفقه كما زعمه شيخنا البهائي (رحمه الله) أولا أنّ استعمال العلم في الظن مجاز غير مأنوس و دعوى شيوعه في الشّرعيات غير ثابتة بل لم نجد له استعمالا لم يتطرق إليه احتمال آخر كما اعترف به المدقق الشّيرواني (رحمه الله) و ثانيا أن المحذور و هو عدم انعكاس التعريف بحاله لأنّ فتاوى الفقيه و علمه غالبا ينشأ من التعبّد بالأصول و الأمارات النوعيّة فيخرج كلّ الفقه أو جلّه و لو حمل الظن على الظنّ النوعي فمع ما فيه من سبك المجاز عن المجاز إذ لا مناسبة بين العلم و الظنّ النوعي ابتداء من غير توسيط ملاحظة الظنّ الفعلي الشّخصي كما يظهر بالتأمل و خروج فتاوى الفقيه في مجازي الأصول التعبدية أيضا أنّ تصحيح هذا المجاز دونه خرط القتاد لأن التعبد بالظنّ النّوعي يجامع الشك و الوهم أيضا و إطلاق العلم على الحالة الموجودة في مجاري الظنون النوعية من الشكّ و الوهم مثلا إطلاق خال عن إحدى العلائق المأنوسة حتّى لو التزم بكونه مجازا عن المعنى المجازي أعني الظنّ الفعلي لأنّ الشك و الظنّ لا مناسبة بينهما أيضا كما لا مناسبة بينه و بين العلم و دعوى أنّ المناسبة هي وجوب العمل واضحة الفساد لأنّ الشكّ لا يتصوّر وجوب العمل به كما لا يخفى نعم هو يتصوّر في الوهم لكن وجوب العمل حكم شرعي لا يصلح علاقة للتجوّز المبني على ما يرجع إلى ذات المعنيين من المناسبة و توضيح المقام أنه إذا قام خبر صحيح محكم شرعيّ فلا ريب أنّ فتوى الفقيه بمدلوله داخل في الفقه سواء كان ظانّا بمدلوله أو شاكّا فيه أو ظانا بخلافه ظنّا شخصيّا غير حاصل من أمارة معتبرة أخرى فأما أن يقال إن العلم مجاز في مدلول ذلك الخبر أو في الحالة الموجودة في النّفس بعد قيامه من الظنّ أو الشك أو الوهم أو في نفس الجزء و الكلّ باطل في المقام و لو أمكن إبداء بعض العلاقة الركيكة في كلّها بعد توسيط ملاحظة الظن كما يظهر للمتأمّل لأن حمل العلم على أحد الأمور الثلاثة يوجب أغلاطا معنوية فاحشة في ترجمة التعريف كما لا يخفى و ثالثا أنّ التجوز في ألفاظ التعريف معيب إلاّ مع القرينة العلميّة و هي و إن كانت دعوى الشّيوع ففيه مضافا إلى ما عرفت من المنع أن الحقّ الموافق لقول الأكثر التوقف في المجازات المشهورة على تقدير إمكان مصادمتها مع الحقيقة لا ترجيح المجاز على الحقيقة خصوصا فيما يطلب فيه مزيد البيان و كثرة التوضيح كما في التعاريف و إن كانت ما زعمه في غاية المرام أعني قيد عن أدلّتها ففيه أنّ الأدلة بحسب مفهومها الاصطلاحي يشمل الدليل العلمي و الظني و تخصيصها بالثاني يحتاج إلى قرينة أخرى و لا قرينة عليه و قد يدعى انصراف الأدلّة إلى الظنية لا العلمية خصوصا على العهد سوى دعوى كون الإضافة للعهد و الإشارة إلى الأدلة الظنية الّتي يستعملها الفقهاء أو دعوى دلالة قيد التّفصيلية عليه بناء على كون المراد بها جزئيات الأمارات‏

23

الاجتهادية المتفرقة في أبواب الفقه و كلتا الدعويان فاسدتان لأنّ الأدلّة المعهودة و كذا جزئيات الأمارات الاجتهادية مشتملة على الأدلّة القطعيّة أيضا نعم لو قيل إن قيد عن أدلّتها قرينة على ما زعمه صاحب المعالم (رحمه الله) من كون المراد بالعلم القدر المشترك بينه و بين الظّنّ كان أحسن لأنّ الدّليل في مصطلح الأصولي يشمل الأمارة الظّنية أيضا و إن كانت تلك القرينة ما أشار إليه في الزّبدة من الاتفاق على اعتبار الظّن في تعريف الاجتهاد الّذي هو مقدّمة للفقه ففيه أنّ اعتبار الظّنّ في تعريفه كما صرّح به غير واحد ليس لأجل الاحتراز عن الاجتهاد المؤدّي إلى العلم و إن كان الأصل في قيود التّعريف أن تكون احترازية بل لأجل بيان أنّ الفرض الدّاعي للاستفراغ و بذل الوسع في معرفة الأحكام الشرعية الّذي هو عبارة عن الاجتهاد ليس سوى تحصيل الظّنّ لأنّ الاجتهاد المقصود به تحصيل العلم أو المنجرّ إليه و لو كان الغرض هو الظّنّ لا يعد اجتهادا فإن قلت ما ذكرت إبداء احتمال في مقابل الظاهر أعني كون القيد احترازيّا فلا يصار إليه إلاّ بدليل قلت الدّليل عليه أمران أحدهما أنّ القيد الوارد مورد الغالب قاصر عن إفادة الاحتراز بالاتفاق و لا ريب أنّ غالب الاجتهادات لا يقصد فيها سوى الظنّ فلو كان الغرض منه الاحتراز في هذه الحالة عن العلم خرج حدّ الاجتهاد عمّا هو الأصل في الحدود من محافظتها عن الألفاظ الغير الواضحة الدّلالة فافهم و الثاني أنّ تحصيل الظّنّ في تعريف الاجتهاد حيث قالوا إنّه استفراغ الوسع له لتحصيل الظنّ بالحكم الشرعي وقع علّية غائية للاستفراغ فلا يكون احترازيا بالاتفاق حتى عند من يرى خروج القطعيات لأنّا لو فرضنا اجتهادا يكون الغرض منه تحصيل العلم و لكن لم يحصل منه ما هو المقصود أعني العلم بل حصل الظن فهذا اجتهاد قطعا و الحاصل منه فقه جدّا و لو بني على كون تلك الغاية مخصّصة و احترازية خرج هذا الفرد عن التعريف نعم لو كان ذكر الظنّ في حدّ الاجتهاد على وجه تقيد به الاستفراغ بأن يقال إنّ الاجتهاد عبارة عن الاستفراغ المؤدّي إلى الظن كان وافيا بمقصود من يرى خروج القطعيات ثم إنّ سبب ذكر الغاية المزبورة بعد ما لم تكن للاحتراز أمّا ما أشرنا إليه من ندرة الغاية الأخرى أعني العلم أو لأنّ الشي‏ء إذا كان له غايتان مترتّبتان غالبا كالعلم و الظّن النّاشئين من الاجتهاد حيث إن العلم الاجتهادي غالبا مسبوق بالظّن الاجتهادي كان ذكر الغاية المسبوقة مستقلّة أو منضمّة مع الغاية السّابقة معدودا من سفه الكلام نظير استناد الشي‏ء إلى العرضي مع ثبوته للذّاتي أيضا و رابعا أنّ الأمارات الظنية على القول بالتخطئة كما لا تفيد العلم بالحكم الواقعي كذلك لا تفيد الظّن به و إنّما تفيد الظّن بأنّ مدلولها حكم واقعي و نبّه على هذه الدّقيقة المدقق الشّيرواني (رحمه الله) و لقد أحسن الدّقة و أجاد في التأمّل لأنّ الحكم بأنّ الواقع مظنون لمن قام عنده الأمارة لا يتصوّر إلاّ في حقّ العالم بالواقع و أمّا غير العالم به فليس له الحكم بأنّ الواقع مظنون بسبب الأمارة و إنما يحكم بأن مؤدّى الأمارة مظنون المطابقة للواقع سواء كان الحاكم هو الّذي قام عنده الأمارة أم غيره أ لا ترى أنّه لو قام عند شخص أمارة ظنية غير مصيبة للواقع عند العالم به كما إذا قام على حرمة شرب التّتن واقعا أمارة ظنية لأحد فالعالم بأنّ حكم شرب التّتن هو الإباحة لا يحكم بأن من قام عنده أمارة الحرمة قد ظنّ بحكمه الواقعي و إنما يحكم بأنّه ظنّ بمطابقة مدلولها أي الحرمة للواقع و الحاصل أن القائم عنده الأمارة الظنية على حكم اللّه الواقعي لا يجد من نفسه الظنّ بالحكم الواقعي كيف و إثبات شي‏ء بشي‏ء فرع العلم بالمثبت له فإثبات الظّن للحكم الواقعي فرع العلم به و إنّما يجد من نفسه الظنّ بمطابقة مدلول تلك الأمارة الظنية للواقع و بينهما فرق لا يخفى على المتدرب فإن قلت إنّه شبهة في قبال البديهي لأنّا إذا وجدنا مركوب القاضي بباب الحمام مثلا ظننا بوجوده في الحمام بالبديهة و كذا إذا وجدنا اشتهار حرمة العصير العنبي مثلا عند العلماء ظننا أيضا بحرمته واقعا إذ لا فرق بين الأمارات العادية و الأمارات الشرعية قلنا لا فرق بينهما و إن كان الكلام في الأمارات الشرعية أوضح لأن مركوب القاضي بباب الحمام لا يفيد أيضا الظّن بما عليه القاضي من الحال الواقعية و إنّما يفيد الظّن بأنّ مؤداه أعني وجود القاضي في الحمام مطابق لحال القاضي في نفس الأمر و كذا اشتهار حرمة العصير العنبي لا يفيد الظنّ بحكمه الواقعي بل معنى الظنّ بالحرمة الظنّ بأنها

هي الواقع لا الظنّ بالواقع و بعبارة أخرى الشهرة تفيد الظن بثبوت الحرمة للخمر واقعا و الظنّ بثبوتها لها واقعا ليس ظنّا بثبوت ما هو ثابت لهما واقعا بل هو ظنّ بأن الحرمة هو ذلك الثابت الواقعي و الأوّل أي الظّن بثبوت ما هو ثابت للخمر واقعا لا يتيسر عن غير العالم بالثابت الواقعي بخلاف الثاني فإنّه وظيفة غير العالم الّذي هو الظّان فإن قلت إذا كان الحكم بتعلق الظّن بالواقع موقوفا على العلم به كان الحكم بثبوت الواقعية للمظنون أيضا موقوفا على العلم بالواقع لأنّ الشي‏ء المجهول كما لا يحكم عليه بشي‏ء أعني الظنّ مثلا في ما نحن فيه كذلك لا يحكم به على شي‏ء أعني المظنون فينبغي أن يقال إنّ الأمارة لا تفيد الظن بأن مدلولها هو الواقع أيضا قلت فرق دقيق بين الحكم على الواقع بأنّه مظنون و بين الحكم على المظنون بأنّه واقعي فإنّ الأوّل يستدعي العلم التفصيل بالواقع فلا يتعقل تحققه في الظّان و الثاني يكفي فيه العلم الإجمالي فإنّ مرجع الأوّل إلى أنّ ثبوت ما هو ثابت للخمر واقعا مظنون و الحكم بأنّ ثبوت ما هو ثابت للخمر واقعا من الحكم مظنون إن أريد به الظن من غير العلم بذلك الثابت تفصيلا فهو غلط لأنّ ثبوت ما هو ثابت لشي‏ء واقعا من غير تعيينه بل على نحو إجماله أمر ضروري لا يحتمل النقيض حتى يتصف بالظنّ و إن أريد الظن به على وجه التعيين و العلم التفصيل بذلك الأمر الثابت فهو أمر غير معقول في حق غير العالم به إلا أن يرجع إلى الوجه الثاني أعني الظن بأنّ‏

24

ذلك الثابت هو الّذي ظنّ بثبوته له واقعا أعني مدلول الأمارة كالحرمة في المثال المزبور و منه علم أنّ الحكم بأنّ المظنون أعني ثبوت الحرمة للخمر واقعي لا يستدعي العلم بذلك الثابت على وجه التفصيل بل يكفي العلم به إجمالا هذا ما بلغ إليه جهدي في كشف مراده (رحمه الله) فإن ساعده نظر الناظر و إلا فالمتهم هو فكري و ممّا ذكرنا ظهر ما في حمل العلم على القدر المشترك بين اليقين و الظنّ كما في المعالم فإنّ جميع ما ذكرناه من الإيرادات واردة عليه عدا الأوّل لأنّ استعمال العلم في القدر المشترك ليس على حدّ ندرة استعماله في خصوص من الظنّ بل يمكن أن يقال إنّ إطلاق العلماء على الفقهاء مبني على هذا الاستعمال نعم يمكن أن يقال بالفرق بين إطلاق العلم و العالم كما مرّ غير مرّة و عدا الثالث لأنّ الأدلة باعتبار شمولها للقطعيّة و الظنية يصلح قرينة على تفسير العلم بالقدر المشترك لكن فيه كلام آخر و هو أنّ مجرّد وجود شي‏ء صالح للقرينة لا يكفي في التجوز بل لا بدّ معه من عدم صلوح إرادة الحقيقة فعلى تقدير تصحيح التعريف بوجه يجوز معه إبقاء لفظ العلم على حقيقة لا يمكن الاعتماد على تلك القرينة نعم ربّما يتوقف في نظائر المقام لو تكافأ احتمال الحقيقة و المجاز كما سنبيّنه إن شاء الله في محلّه لكن الكلام في تكافؤ الاحتمالين هنا و سيأتي أنّه لا ضرورة إلى صرف العلم عن ظاهره و الجواب الثّاني ما في المنية و الزبدة أيضا من أنّ المراد من العلم بالأحكام العلم بوجوب العمل بها لا بنفسها فلا يخرج الظنيّات لأنّها أيضا يجب العمل بها و فيه أنّه إن رجع إلى جواب الأوّل بناء على أن المراد به إبداء وجه المناسبة لإطلاق العلم على الفقه و أنه من قبيل إطلاق اسم المتعلّق أي العمل على المتعلّق أي الفقه كما قيل فقد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه و إن أريد به استعمال لفظ العلم في العلم بوجوب العمل أو إضمار الوجوب في البين قبل الأحكام أو استعمال الأحكام في وجوب العمل بها فمع ما فيه من البشاعة خصوصا في الحدود أنه إن تعلّق قيد عن أدلّتها حينئذ بلفظ العلم فسد المعنى جدّا لأن العلم بوجوب العمل بالأحكام التي هي مداليل الأدلّة ليس حاصلا من نفس تلك الأدلّة الدّالة عليها كما لا يخفى بل من دليل عقلي أو شرعي قائم على حجيتها و مع ذلك فهذا العلم من المسائل الكلامية أو الأصولية دون الفقهيّة و إن تعلّق بالأحكام اختلّ طرف التعريف لأنّ العلم بوجوب العمل بالأحكام الحاصلة عن الأدلّة أمر ضروري في أمثال هذا الزّمان حاصل للمقلّد و المجتهد على حدّ سواء و إن سلّمنا كونه نظريّا فهو من المسائل الكلاميّة أو الأصولية و الثالث أنّ المراد بالأحكام الظّاهرية فلا تخرج المسائل الظنية لأن الأحكام الظاهرية في مجاري الظنون معلومة و إن كانت نفس الأحكام الواقعية الّتي هي مداليل الأدلّة مظنونة و هذا أحد احتمالي بعض أجوبة الزبدة و اختاره بعض المحققين و ربّما يظهر من الكلام المحكي عن المحقق الشّريف و فيه أنّه إن أريد بالأحكام الظّاهريّة ما كان ثابت الفعل المكلّف من حيث إنه مظنون الحكم و مشكوكه كما هو المتبادر من الظّاهري مقابل الواقعي ففيه أولا خروج العلم بالأحكام الواقعية عن الأدلة القطعية و قد عرفت وجوب محافظة دخولها في التعريف خصوصا على مذاق هذا المحقّق و دعوى صدق الظّاهري على الواقعي في صورة إصابة الطّريق للواقع كما زعمه المحقق المزبور حيث زعم أن النّسبة بين الظّاهري و الواقعي عموم من وجه بديهة الفساد ضرورة تقابلهما بناء على كون المراد بالظّاهري ما ذكرنا و كذا دعوى عدم انفكاك العلم بالظّاهري من العلم الواقعي فيندرج صور العلم بالواقعي تحت التّعريف باعتبار العلم بالظّاهري لأن الحكم الظّاهري غير متصور مع العلم بالواقع كما لا يخفى و ثانيا أنّه إن أريد بالأحكام الظّاهرية الكلية الّتي بيانها وظيفة الشارع ففيه ما مرّ سابقا من أنّ الأدلة التفصيلية ليس لها مدخليّة في العلم بالأحكام الظّاهريّة الكلية لا من حيث الإن و لا من حيث اللّم بل الدّخيل في العلم بها مثل الضّرورة و الإجماع و العقل من الأدلّة الإجمالية و إن أريد بها الأحكام الظّاهرية الجزئية الفعليّة فهي أيضا غير مستفادة من جزئيّات الأدلّة المتفرقة في أبواب الفقه بل منها بعد ضم كبرى كلية شرعية إليها كما مر و لو اكتفي في مدخليّة الأدلّة بالمدخلية النّاقصة مثل أن يكون بعض مقدّمات الدليل و أريد من المدخلية أيضا ما يعم الإنية و اللّمية صحّ أن يقال إنّ العلم بالأحكام الظّاهرية الجزئية حاصل عن الأدلّة التفصيلية

لكن يرد عليه حينئذ أنّ هذا خارج عن حقيقة الفقه كما عرفت سابقا لأنّ مناط الفقاهة هو العلم بالأحكام الكلية الّتي من شأنها الوصول من الشّارع لا الأحكام الجزئية الّتي ليست كذلك و مع ذلك ينتقض بعلم المقلّد كما لا يخفى فيحتاج في إخراجه إلى اعتبار العهد في الأدلّة فإنهم و إن أريد بالأحكام الظّاهريّة غير معناه المتبادر أعني ما يظهر من الأدلّة الظنيّة من الأحكام الواقعية ففيه أنّ الإشكال غير مرتفع بذلك لأنّ ما يظهر منها مظنون لا معلوم نعم إنّ الظّاهري بهذا المعنى أعمّ من الواقعي لأنّه قد يكون عينه و قد يكون غيره فالنّسبة بينهما عموم من وجه فافهم و إن أريد بها ما يجب البناء عليه من الأحكام الخمسة سواء كان موضوعه نفس الفعل أو الفعل من حيث إنّه مشكوك الحكم أو مظنونه أعني القدر الجامع بين الأحكام الظّاهريّة و الواقعيّة فمع أنّه ممّا صرّح بخلافه و أنّه لا حاجة إلى حملها على الأعمّ من الأحكام الواقعية و الظّاهريّة يرد عليه ما ذكرنا في الاحتمال الأوّل فتفطن و من جميع ما ذكرنا يظهر الكلام فيما جعله أوجه الوجوه في القوانين و ما في الحاشية الّتي علّقها على ذلك الخامس ما ذكره في التهذيب و لعلّه موافق للمحكي عن المحقّق الشّريف من أنّ ظنية الطّريق لا ينافي قطعيّة الحكم و هذا الجواب لا يخلو عن إجمال لأن المراد به بعد القطع بعدم إرادة التّصويب الباطل إمّا الجواب الثاني كما فهمه شيخنا البهائي (رحمه الله) و يظهر من العميدي أيضا أو الثالث أي التّصويب في الحكم‏

25

الظّاهري كما احتمله السّلطان (رحمه الله) و صرّح به في القوانين و على التّقديرين فقد ظهر ما فيه هذا و أورد عليه المدقّق الشيرواني بما حاصله أنّ العلم بالأحكام الواقعية على التصويب و بالأحكام الظّاهريّة على التخطئة ليس حاصلا من الأدلّة التفصيلية بل من الدّليل الإجمالي القائم على حجية الظن المطلق أو الخاصّ و قد عرفت توضيح الحال فيه و أنّه يتمّ لو كان المراد بالأحكام الظّاهرية الكلية و أمّا الجزئية منها فقد تبيّن أنّ للأدلّة التفصيليّة مدخلا في العلم بهما على وجه اللّم السّادس ما نقله في غاية المرام عن بعض و جعله قريبا من بعض ما ذكره في الزّبدة من أنّ المراد هو العلم بمدلول الأدلّة و على هذا فجميع ألفاظ التعريف تبقى على ظاهرها فيراد من العلم الاعتقاد اليقيني و من الأحكام الشرعية الكلية سواء كانت ظاهريّة أو واقعية لكن مع ملاحظته حيثيّة استفادتهما عن الأدلّة الظنية فيرجع حاصل التعريف إلى أن الفقه هو معرفة الأحكام الواقعية من حيث كونها مداليل للأدلّة العلميّة أو الظنية لا من حيث تقررها و ثبوتها في نفس الأمر حتى لا يتصور في الأدلة الظنية و هذا أجود وجوه التفصّي عن الإشكال المزبور و لا أرى فيه عيبا سوى اعتبار الحيثية المزبورة و أنت خبير بأن ذكر الأدلّة التّفصيلية مع علمنا باشتمالها على الأدلّة الظنية أقوى قرينة على ذلك و العجب أن المحقق القمي (رحمه الله) جعله أردأ الوجوه وفاقا للجل أو الكلّ و علّل وجه الأردئية في الحاشية بأنّ الفقه عبارة عن العلم أو الظّن بمراد الشارع و العلم بمداليل الأدلّة غير مستلزم للعلم أو الظن بأنّها مرادات الشارع و فيه أنّه إن أراد عدم الظّن الشّخصي بالإرادة فمسلم و لكنّه غير قادح لأنّ مناط الفقاهة ليس هو الظنّ الشخصي بالحكم الشّرعي و إن أراد عدم الظنّ النّوعي أيضا فممنوع جدّا كما ذكرنا سابقا ثم إن مجاري الأصول أيضا تندرج تحت التعريف على هذا الوجه لأنّ حكم اللّه الظّاهري فيها معلوم بالأدلّة العلميّة و ليس في هذا الوجه تجوزا و استعارة في شي‏ء من الألفاظ فيما زعمه أيضا من أن مبني هذا الوجه على كون العلم استعارة عن الظّن مستدرك و يؤيد هذا الوجه أيضا ما اشتهر في ألسنة المتأخّرين من تقسيم الدّليل إلى الاجتهادي و الفقاهتي إذ لو كان مناط الفقاهة هو الظنّ أو العلم بخصوص الأحكام الواقعية كان أدلّة الفقه كليها أدلّة اجتهاديّة أيضا بقي شي‏ء و هو أن تفسير الفقه بالعلم بالأحكام لا يجامع ما اشتهر من أن أجزاء علوم الثلاثة المعروفة و دعوى امتياز علم الفقه من سائر العلوم في ذلك بمكان من الضّعف و الجواب على ما صرّح به بعض المحققين أنّ أسامي العلوم لها إطلاقان فتطلق تارة على العلم المدوّن في الكتب فيراد من النحو مثلا ما اشتملت عليه كتبه و أخرى على نفس المسائل أو على العلم بها و القضيّة المشهورة ناظرة إلى كشف حقائق العلوم بالإطلاق الأوّل دون الثّاني فافهم هذا هو الكلام في الجزءين المادّيين و أمّا الكلام في مدلول الجزء الصّوري و مفاد الإضافة فقد ذكروا أنّ إضافة الأصول إلى الفقه تفيد اختصاصها بالفقه في كونها أصولا فيخرج عن المعنى الإضافي العلوم العربيّة و نحوها ممّا يتوقّف عليها غير الفقه من العلوم أيضا و أمّا بعض المسائل الأصوليّة الّتي تنفع في الفقه و غيرها أيضا كأكثر المسائل المتعلّقة بمشتركات الكتاب و السّنة فهي و إن كانت أصولا لغيره أيضا لكن الغرض من تمهيدها لما كان هو معرفة الفقه جرى مجرى الأصول المختصّة في الاندراج تحت هذا المركّب و بنوا ذلك على أنّ إضافة اسم المعنى تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه في المعنى الّذي عيّن له المضاف أي في وصفه العنوان كقولنا مكتوب زيد فإنّه يفيد اختصاص المكتوب بزيد في وصفه العنواني أعني المكتوبية لا في شي‏ء آخر خارج عنه بخلاف إضافة اسم العين كقولنا دار زيد فإنه تفيد اختصاصه بزيد في معنى خارج عن مفهومه الملكية و السكنى و فسر الأكثر اسم المعنى بما دل على معنى موجود في غيره سواء دل على ذلك الغير أيضا كالمشتقّ أم لا و قيل إن اسم المعنى ما يكون مسمّاه غير جثة سواء كانت صفة كصادق و كاذب أو غير صفة و اسم العين ما يكون مسماه جثة سواء كانت صفة أيضا كقائم أو غير صفة و بينه و بين التّفسير المشهور عموم مطلق كما لا يخفى و ذهب التفتازاني في شرح الشّرح و كذا المحقّق الشّريف و غير واحد ممّن تبعها إلى اختصاص الحكم المزبور بالمشتق نظرا إلى أنّ اسم المعنى على التفسير الأوّل يتناول مثل الدّق مع أنّ إضافته إلى الثّواب في‏

قولك دق الثوب لا يفيد الاختصاص في معنى المضاف بل في المتعلّق الّذي هو خارج عن مفهومه و عندي أنّ ما ذكره من الفرق بين اسم المعنى و اسم العين على إطلاقه ليس بجيّد لأن كثيرا من أسماء المعاني تفيد إضافتها الاختصاص في مفهوم المضاف أيضا كقولك جسد زيد و عين زيد و مكان زيد و نحوها مما يصلح رجوع الاختصاص إلى مفهوم المضاف و إنّما يرجع الاختصاص المدلول عليه بالإضافة إلى أمر خارج عن مفهوم المضاف في مثل فرس زيد و دار زيد لأجل عدم صلاحيّة معنى الداريّة و الفرسيّة للاختصاص رأسا فالتحقيق أن الإضافة على وضع واحد في الجميع و أنّها تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه في أقرب المعاني القابلة للاختصاص عرفا فإن كان المعنى الذي عين له لفظ المضاف قابلا لذلك رجع ذلك الاختصاص إليه لا إلى معاني أخر خارجة عنها سواء في ذلك اسم المعنى و اسم العين و لقد أجاد الآمدي في محكي المحصول حيث أطلق القول بإفادة الإضافة الاختصاص في المعنى الّذي عين له لفظ المضاف فإنّ هذا الإطلاق الشّامل للاسم المعنى و اسم العين لا ينافي التقييد بصورة الصّلاحية و رجوع الاختصاص إلى معنى آخر عنده عدم قابليّة مفهوم المضاف و الحاصل أن الإطلاق بالنّسبة إلى اسم المعنى و اسم العين في محلّه و إن كان أصل الإطلاق في الموضعين مقيدا بصورة القابليّة و دعوى اطّراد القابليّة في أسماء المعاني قد عرفت منعها و عدم جريانها في مثل دقّ الثّوب و مثل كلّ مصدر متعدّ مضاف إلى مفعوله كضرب زيد و قتل عمرو فإنّ الاختصاص في هذه يرجع إلى غير مفهوم المضاف‏

26

أعني المتعلّق و بعض من خفي ذلك عليه من الأجلّة اعترض على المحقق الشّريف و نظر في كلامه بأنّه إن اعتبر الاختصاص من حيث الوجود كما هو الظاهر من إطلاق الاختصاص صح دخول المصادر في الحكم المذكور و لا حاجة إلى اعتبار المتعلّق و إلاّ لم يستقيم اعتبار الاختصاص في المشتقات أيضا إذ لا معنى لاختصاص الكاتبيّة بزيد ما لم تؤخذ باعتبار الوجود (أقول) لا يخفى عليك ما فيه لأنّ وجود كلّ شي‏ء مختصّ به و لا معنى لاختصاص وجود شي‏ء بشي‏ء و إنّما المعقول اختصاص موجود بموجود فالدّق لا اختصاص له بشي‏ء من حيث وجوده بل من حيث مفهومه أو من حيث تعلّقه و عروضه فإن أضيف إلى فاعله أعني الدّاق أفاد الاختصاص من حيث مفهومه و عنوانه لأنّ فعل كلّ فاعل يختصّ به من حيث كونه فعلا و تاثيرا أو إن أضيف إلى مفعوله أعني المدقوق أفاد الاختصاص من حيث تعلّقه و عروضه و إن كان ظرف الاختصاص هو الخارج فافهم و تأمّل و إن لم يستدع الكلام إلى كثير تأمل نعم الظّاهر أنّ ما ذكره التفتازاني و المحقّق الشّريف و ثلاثة أخر من اطّراد الحكم في المشتق في محلّه لأن المشتق باعتبارات اشتماله على معنى نسبي يرجع الاختصاص المستفاد من إضافته إلى ذلك المعنى النسبي فقولنا كاتب القاضي يفيد الاختصاص باعتبار الكاتبيّة و هو ممّا يدلّ عليه لفظ المضاف و دعوى النّاظر أنه لا معنى لاختصاص الكاتبيّة بزيد ما لم تؤخذ باعتبار الوجود لا معنى لها فإن أراد أنّ مفهومها الذّهني لا يختصّ بشخص خارجي فمسلّم و لا يجديه و إن أراد أنّ مفهومها الخارجي غير مختصّ بزيد أيضا فشطط من الكلام و ممّا ذكرنا ظهر أنّ إطلاق الحكم المذكور في اسم المعنى بالتّفسير المشهور متّجه مع تقييد الإضافة لا مطلقا كما يظهر بالتأمل هذا هو الكلام في المبني و أمّا البناء فالظّاهر أنّ ما ذكروه فيه على إطلاقه أيضا غير سديد بمعنى أنّ اختصاص اسم المعنى بالمضاف إليه في المفهوم لا يقتضي بدلالة أصول الفقه على خروج القواعد العربيّة و نحوها ممّا يتوقف عليها غير الفقه أيضا لأنّ الاختصاص المستفاد من الإضافة ليس على حدّ الحضر المستفاد من أدواته أو المفهوم الثابت فيما له مفهوم من القيود بل على حدّ التقييد و التّخصيص اللّذين لا يفيدان سوى تعيين الكلّي أو العامّ في فرد أو أفراد فالمراد من دلالة الإضافة على الاختصاص لا دلالتها على تعيين مفهوم المضاف في فرد يكون بينه و بين المضاف إليه أحد أنحاء الانتساب و أما دلالتها على انحصار تلك النّسبة في المضاف إليه فموكول إلى قرينة المقام مثل أن يكون المضاف ممّا لا يصلح انتساب فرده إلى اثنين مثل الأمثلة الّتي دعتهم إلى إطلاق القول به في مطلق الإضافة كقوله زوجة زيد و دار زيد و فرس عمرو و نحوها ممّا لا يتصوّر فيه الاختصاص المطلق إلاّ بواحد فلو لم يكن كذلك بأن كان انتساب المضاف إلى المضاف إليه ممكن الاجتماع مع الانتساب إلى آخر فلا دلالة في الإضافة حينئذ على سلبه عمّا عداه جديا فإنّ قولك والد زيد و أخو زيد و مكان زيد و وطن زيد و صاحب زيد و مجالس زيد و نحوها ممّا لا يخفى كثرة لا تفيد سلب والديّة المضاف و أخويته أو مكانيّته أو وطنيّته أو صاحبيّته أو مجالسيّته عن غير زيد و إلاّ كان قول القائل اللّه خالقي بحسب معناه العرفي كفرا و الحاصل أنّ فائدة الإضافة الدلالة على ثبوت الحكم بشي‏ء منتسب إلى المضاف إليه بانتساب خاصّ بحسب خصوصيّة المقام لا ثبوته لشي‏ء غير منتسب إلاّ به حتّى يكون قول القائل جلست مكان زيد مجازا أو كذبا إذا كان المكان مكان غيره أيضا و يكون المأمور بإكرام صاحب زيد أو مالك عبد غير ممتثل بإكرام من صاحب زيد أو عمرو أو ملك عبدين و لا فرق في ذلك بين إضافة اسم المعنى و اسم العين و إنّما الفرق بينهما على ما زعموا في المختصّ به ثمّ اعلم أنّ المراد بإفادة اسم العين الاختصاص مطلقا كما في بعض العبارات إفادتها الاختصاص في عنوان خارج عن مفهوم المضاف مختلف بحسب المقامات مثل الملكية و السّكنى و نحوهما و أنت خبير بأنّه لو أريد به الإطلاق الحقيقي دون الإضافي بأن يكون المراد ما قلنا من إفادتها الاختصاص إمّا في مفهوم المضاف أو في أمر خارج عن مفهومه مختلف باختلاف المقامات كان أحسن هذا هو بعض الكلام في الحدّ الإضافي‏

و أمّا حدّ أصول الفقه‏

باعتبار معناه العلمي المقصود الأصلي من تمهيد هذه المقدّمة فهو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعيّة و لا حاجة إلى ذكر عن أدلّتها التفصيلية لإخراج علم المقلّد بالأحكام النّاشئ عن الدّليل الإجمالي كما زعم إذ ليس تعلم الأحكام عن ذلك الدّليل الإجمالي بتوسيط قاعدة ممهّدة و المراد بالعلم التّصديق و بالقواعد القضايا الكلية الواقعية و توهّم بعضهم جريان الإشكال المشهور المتقدّم هنا أيضا فتكلّف في دفعه بمثل ما تكلف به هنالك فحمل القواعد على الأعم من الواقعيّة و الظّاهرية أو العلم على القدر المشترك بينه و بين الظّن و لعلّه من طغيان القلم لأنّ قواعد الأصول الّتي بني عليها الفقه لا يعقل أن يكون ظنية كما لا يخفى ثمّ كون بعض القواعد الأصولية ظاهرية أيضا لا محصل له لأن القاعدة لا معنى لكونها ظاهرية و إنما المتصف بالظاهري هو الحكم دون القاعدة و إن فسرت القاعدة الظاهرية بما كان موضوعها الظن أمكن و لكن قواعد الأصول كلها أو جلها كذلك لأن أكثرها أحوال الأدلة الظنية و مع ذلك فلا أرى جدوى لهذا التفسير من غير إبداء اصطلاح جديد من غير فائدة و لا مشاحة فيه و بالتمهيد الاستدلال و النظر و بالاستنباط المعرفة و بالأحكام ما مر في تعريف الفقه و كذا القيدين الأخيرين فخرج من الجنس التصورات و من القواعد العلم بالقضايا الجزئية و من الممهدة القواعد البديهية لا يقال بعض مسائل الأصول بديهية فينتقض التعريف لأنا نقول لا نسلم أن البديهيات من الأصول نظير ما قلنا في الفقه مع أن البديهيات الأصول‏

27

غير حاضرة عندي الآن و باستنباط الأحكام الشرعية خرج العلم بالقواعد الممهدة لغير الاستنباط كالعلوم الغير الآلية مثل الحكمة و الكلام و الرياضيات و نحوها و كالقواعد العلمية مثل قواعد الموسيقى و سائر الصنائع فإنها قواعد ممهدة للعمل دون العلم أو الاستنباط غير الأحكام الشرعية كالقواعد العربية و الميزانية المقررة في بحث الأقيسة فإن الأولى ممهدة لاستنباط الأوضاع اللغوية في المفردات و المركبات و الثانية لتحصيل المطالب النظرية مطلقا لا لخصوص المطالب الشرعية إذ التمهيد للشي‏ء أن يكون هو المقصود بالتمهيد و قيل و فائدة ذكر الأحكام إخراج العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط التصورات و هذا مع ابتنائه على حمل الأحكام على النسب يرد عليه أن التصورات لم يمهد لاستنباطها شي‏ء من القواعد فافهم و ذكر الشرعية على ما اخترناه في معنى الأحكام توضيح كما مر و بالفرعية قواعد الكلام الممهدة للأحكام الأصولية الشرعية هذا هو الصواب في بيان فوائد القيود و ذكر لها فوائد أخر لا يخلو جلها أو كلها عن النظر ثم إن طرد التعريف و عكسه بظاهره معيبان أما عيوب الأول فمن وجوه الأول دخول علم الله و الأنبياء و الملائكة و تفصي عنه تارة بحمل العلم على الملكة و أخرى على العلم الحصولي و قد عرفت ضعف الأول منهما في تعريف الفقه و أما الثاني فهو تقييد للعلم من غير قرينة لأن العلم معناه مطلق الانكشاف الشامل لعلم الواجب و الممكن و الأولى أن يجاب بأن معنى العلم بالقواعد الممهدة تعلق العلم بها بعد التمهيد لأن المشتق مجاز فيما سيأتي اتفاقا و علمه تعالى متعلق بها قبله و ليس علمه تعالى بها بعد التمهيد علما جديدا مغايرا للأول حتى يلاحظ النقض بالنسبة إليه كما يظهر بالتأمل أو بأن المراد بالممهدة القواعد النظرية المبحوث عنها فالعلم المتعلق بها على غير وجه النظر لا يدخل تحته إلاّ أن يقال أنه يصدق على علمه تعالى أنه متعلق بالقواعد النظرية الممهدة عند الأصوليين و فيه نظير ما عرفت في تعريف الفقه من أن المتبادر منه ملاحظة ما يتعلق بالمعلوم من القيد بالقياس إلى العالم لا إلى غيره أو بأن توصيف القواعد بالتمهيد يشعر بعليته للعلم كما مر و نظيره في تعريف الفقه و منها دخول القواعد الرجالية و فيه أن مسائل علم الرجال جزئيات متعلقة بأحوال الرواة نعم يذكر في مقدماته بعض القواعد لمعرفة الاصطلاحات الرجالية و العلم بها خارجة باللام لاستنباط الأحكام لأن المتبادر منها كون الاستنباط هي الغاية لا غاية الغاية و منها دخول القواعد الفقهية العامة كقاعدة نفي الحرج و الضرر و نحوهما و أجيب عنه بأنها لم تمهد لمعرفة الأحكام بل الغرض من بيانها في الفقه معرفتها لأنفسها و استنباط الفروع منها مما لا ينافيه و هذا الجواب بظاهره غير سديد لاعترافه باستنباط الحكم الفرعي من القواعد الفقهية مع أن القاعدة لا يعقل أن تكون دليلا على حكم جزئياتها و لا مقدمة للدليل فإن القاعدة و كل واحد من جزئياتها مستنبطة من دليل القاعدة نعم بعد الفراغ عن القاعدة تحصل من ضمّها إلى صغرى وجدانية العلم بجزئي من جزئياتها و لكن المراد بالاستنباط ليس ما يعم ذلك بل المراد به ما يرجع إلى نحو الاستدلال و الحاصل أن قاعدة الأصولية ما كان موقوفا عليه لدلالة دليل على حكم شرعي أو لاعتباره و حجيته و قاعدة نفي الضرر مثلا ليست كذلك نعم قاعدة نفي العسر و الحرج قد تكون كذلك فإن الفحص عن معارض الدليل إلى حد يلزم منه العسر منفي بهذه القاعدة لكن لا يستحيل أن يكون بعض القواعد مشتركة بين الفقه و الأصول فيندرج في العلمين فتأمل جيدا و منها دخول ما مهدت في المقدمة من المبادئ اللغوية و الأحكامية و المنطقية في المسائل فإنها مهدت لاستنباط الأحكام كما لا يخفى و تحقيق المقال في هذا الإشكال و سابقه يظهر إن شاء الله فيما يأتي من البحث في المسائل و أما عيوب العكس فمن وجوه أيضا لكنها في غاية الوهن و السقوط و نحن نقتصر على أمتنها و أليقها بالذكر و هو أن المراد بالممهدة إن كان ما مهد سابقا خرج المسائل المتجددة بعد التعريف و إن كان الأعم منها و مما يمهد لاحقا ففيه أن هذا استعمال اللفظ في المعنيين لأنه استعمال للمشتق في المتلبس و ما يتلبس بعد و ليس بينهما جهة جامعة يصح الاستعمال فيهما ثم إنه لم يعتبر في العالم أن يكون مجتهدا فينتقض بعلم المقلد ببعض القواعد الممهدة أو بما يمهده من عند نفسه و الجواب أن المراد بالممهدة ما مهده العالم لا غيره لأن العلم بما مهده الغير تقليد محض فلا محذور كما لا يخفى و اعتبار الاجتهاد في العالم‏

ليس بلازم بل غير صحيح لأن علم المقلد ببعضها موقوف على إمكان التجزي في الأصول و الكلام فيه يعرف مما ذكرنا في تعريف الفقه و الله العالم‏

الأمر الثاني [الكلام في موضوع أصول الفقه‏]

من الأمور المشتمل عليها المقدمة في بيان موضوع العلم و مسائله و فائدته و رتبته و حكمه و اعلم أن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية و الغرض الذاتي للشي‏ء في مصطلح أرباب المعقول عبارة عن كل خارج محمول على ذلك الشي‏ء لذاته أو لأمر يساويه و احترزوا بقيد الخارج عن المحمول الداخلي فإنه و إن كان عارضا للكل بالعروض الحملي المتنازع فيه لكنه ليس بمشمول لهذا الاصطلاح و بالمحمول عن كل خارج غير محمول إما باعتبار قيامه بمحل آخر غير ذلك الشي‏ء أو باعتبار ملاحظته بشرط لا فإن الأعراض بهذه الملاحظة غير محمولة على موضوعاتها أو موصوفاتها فلا يقال للجسم أنه بياض و إنما تحمل عليها لا بشرط هذه الملاحظة و يعبر عنها بالاعتبار الأول بالمصدر و بالاعتبار الثاني بالمشتق إن كان حدثا و بالعرض و العرضي إن كان عرضا كالبياض و مثل هذين الاعتبارين ثابتان في الجواهر أيضا فالجواهر إن لوحظ بشرط لا يستحيل حمله على جوهر آخر و إذا لوحظ لا بشرط أمكن حمله على جوهر آخر سواء كان المحمول جزء للمحمول عليه كما في زيد حيوان أو كانا جزءين لثالث كما في قولك الناطق حيوان و من هنا يقال زيد جسم و لا يقال زيد جسد فإن لفظ الجسد لما

28

كان موضوعا لجثة الإنسان بشرط لا امتنع حمله عليه بخلاف الجسم فإنه موضوع لكل متحيز قابل للأبعاد لا بشرط الملاحظة المزبورة و المراد بقولنا بشرط لا ملاحظة اتحاده مع شي‏ء آخر في الوجود و إن كان متحدا في الواقع و بقولنا لا بشرط عدم هذه الملاحظة و بمثل هاتين الملاحظتين فرقوا بين الصورة و الفصل و بين المادة و الجنس و بين العرض و العرضي و المراد بقولهم لذاته نفي توسيط حمل آمر خارج عن الذات في البين لا نفي مدخلية شي‏ء خارجي في الاقتضاء و يعبرون عن الأول بالواسطة في العروض أي الحمل يريدون به ما يكون واسطة في حمل شي‏ء على شي‏ء آخر بأن يكون حمله على الواسطة مصححا لحمله على ذي الواسطة مثل السطح فإنه واسطة في حمل الأبيض على الجسم بحيث لو لم يلحظ حمله على المسطح و حمل المسطح على الجسم لم يجز حمله على الجسم ابتداء و الدليل على أن المراد ما ذكرنا تصريح رؤساء فن المعقول كالصدر الشيرازي في الأسفار و غيره من المحققين بأن الفصول عوارض ذاتية للأجناس مع أن الجنس ليس مما يقتضي لحوق الفصل به لذاته و إنما يلحقه بواسطة علة وجود النوع التي هي أمر خارج عن حقيقة الجنس نعم حمل الفصل على الجنس لا يفتقر إلى توسيط حمله على شي‏ء آخر أوّلا فيكون عارضا ذاتيا بالمعنى المبحوث عنه و خرج بهذا القيد كل خارج محمول بواسطة أمر في العروض خارج عن الذات و يسمون هذا القسم من العارض بالعرض الغريب سوى العارض للخارجي المساوي فإنه أيضا من الأعراض الذاتية لأن الخارج المساوي مستندا إلى الذات لا محالة و المستند إلى الذات مستند إليها جدا فبقي في العرض الغريب ما يعرض لخارج أعم أو أخص و من أمثلة الأول عروض الحركة بالإرادة للناطق بواسطة كونه حيوانا و من أمثلة الثاني عروض إدراك الكليات للحيوان بواسطة كونه ناطقا و يدخل في العارض لذاته العارض بواسطة الجزء سواء كان أعم أو مساوي كما صرح به غير واحد و من لم يصرح به كجملة من المحققين مثل صدر الشيرازي و غيره فقد اقتنع بالإطلاق و رام الاقتصار لأن العارض للشي‏ء لذاته لا يعقل أن يكون مستندا إلى تمام الذات إلاّ في البسائط التي لا جنس لها و لا فصل إذ ما يكون له جنس و فصل لا يقتضي عروض شي‏ء له بكلا جزئيه ضرورة استحالة استناد شي‏ء من لوازم المهية إلى جنسها و فصلها معا فكل خارج عن الشي‏ء محمول عليه إذا لم يستند إلى أمر خارج عن الذات إما مستند إلى الجنس خاصة و يكون من مقتضياته أو مستند إلى الفصل و زعم بعض المحققين أن العارض بواسطة الجزء الأعم داخل في العرض الغريب و أخذ القوم في عدهم إياه من العرض الغريب الذاتي قال إن عد العارض للجزء الأعم من العوارض الذاتية غير متجه فإن الظاهر عدم كونه من العوارض الذاتية للأخص إذ عروضه تبعية اتحاده مع الأعم و صدقه عليه فهو من العوارض للأعم ثم فرق بين الجزء الأعم و الجزء المساوي بما حاصله أن الجزء المساوي و هو الفصل سبب لتحصيل الجزء الأعم أعني الجنس و به تذوت النوع بخلاف الجزء الأعم فإن تذوت النوع ليس به لأن نسبته إلى كل نوع و غيره على حد سواء فالعوارض اللاحقة للفصل لاحقة لذات النوع و لو بالواسطة بخلاف لواحق الجنس فإنه لا خصوصية لتلك الذات في لحوقها و ليس لحوقها لاستعداد حاصل في خصوصها و مجرد كون الجنس ذاتيا للنوع لا يقتضي كونه عارضا ذاتيا له لعدم ارتباطه إلاّ بالأمر العام (أقول) إن أراد المشاحة في الاصطلاح و النّزاع في مفهوم العرض الذاتي و أن الاصطلاح إنما يساعد على الإطلاق العرض الذاتي للماهيات المركبة على العارض للجزء المساوي أعني الفصل خاصة فهي فرية واضحة لما عرفت من اشتمال كلمات رؤساء الفن تصريحا و تلويحا على دخول العارض للجزء مطلقا في العرض الذاتي و إن أراد النزاع في المعنى و أن مناط العرض الذاتي غير موجود في العارض للجزء الأعم فعليه إبداء ذلك المناط حتى نتكلم فيه و الذي يستفاد من كلماته في وجه تسمية الأعراض الذاتية بالذاتية أن مناط ذاتية العرض استنادها إلى الذات أو إلى أمر تقتضيه الذات بنفسها و هذا المناط كما ترى موجود في العارض للجزء مطلقا قوله إن العارض للجزء عرض ذاتي للأعم لا للأخص فيه أنه لا منافاة بين كونه ذاتيا لهما لأن الذاتي للذاتي للشي‏ء ذاتي له بالبداهة و إلاّ دخل العارض للخارج المساوي في العرض الغريب لعدم استناده إلى الذات ابتداء بل إلى أمر مستند إليها و بهذا البيان جعل العارض للخارج‏

المساوي من الأعراض الذاتية و هو جار في العارض للجزء الأعم بطريق أولى لأن ذاتية الجنس للنوع آكد من ذاتية الخارج المساوي كما لا يخفى و إن زعم أن العارض للجزء الأعم إنما يعرض بواسطة عروض الأعم و صدقه على الأخص فيكون ذا واسطة في العروض فيندرج في العرض الغريب ففيه أولا أن مطلق الواسطة لا ينافي ذاتية العرض كما إذا كانت الواسطة ذاتية جزء كانت أو خارجة و ثانيا أن العارض للجزء المساوي أيضا إنما يعرض الكل و يحمل عليه بواسطة عروض الجزء له و حمله عليه لا بنفسه و مما ذكرنا ظهر أن العرض الذاتي ثلاثة العارض لنفس الذات كما في البسائط مثل عوارض الوجود و أما ما مثل به من إدراك الكليات العارض للناطق ففيه مؤاخذة إن أريد به مفهوم الناطق لأن مفهومه أيضا مركب من جنس و فصل و معروض الإدراك هو الفصل دون الجنس و الفصل و إن أريد وجود الناطق كان حسنا كما قلنا و العارض للجزء مطلقا و العارض لأمر مساوي و العرض الغريب اثنان العارض للخارج الأعم أو الأخص و لو جعل كل من العارض للجنس و الفصل قسما مستقلا تسدس الأقسام و ربما تزيد على الأقسام المزبورة قسما آخر بين من جعله من الأعراض الغريبة مطلقا و بين من فصل و هو العارض لخارج مباين مثل الحرارة العارضة للماء بواسطة النار (أقول) أما كون الواسطة في العروض مباينة غير محمولة على ذي الواسطة فأمر مرغوب عنه نعم وسائط الثبوت لا يلزم أن تكون متصادقة مع المثبت له و ما مثل به من قبيل الثاني دون الأول توضيح ذلك أنهم قسموا الواسطة على ثلاثة أقسام واسطة العروض و واسطة الثبوت و واسطة الإثبات أي العلم و الثالث خارج عن المقام‏

29

و المراد بالأوّل كما أشرنا إليه ما كان واسطة في حمل شي‏ء على شي‏ء و بالثاني ما كان مؤثّرا في اتّصاف شي‏ء بوصف و عرض و النّسبة بين الواسطتين عموم من وجه بحسب المورد فقد يكون الشّي‏ء واسطة في العروض و الثبوت كالحيوان فإنّه واسطة في عروض التحرك للإنسان و ثبوت الحركة له و ميزانه أن يكون وجود الواسطة في الخارج عين وجود المعروض و قد يكون واسطة في الثبوت خاصّة كعلل لحوق الفصول بالأجناس و كالنّار في المثال المزبور و مداره على كون الواسطة مباينة في الصّدق و الوجود معا و قد يكون واسطة في العروض خاصّة كالمسطّح فإنّه واسطة في حمل الأبيض على الجسم و ليس واسطة في ثبوت البياض له لأنّ المتّصف بالبياض هو السّطح دون الجسم و المعيار فيه أن لا يكون وجود الواسطة في الخارج مغايرا لوجود المعروض كالأجزاء و الأعراض الخارجيّة و أمّا بحسب المصداق فالنّسبة تباين كلّي لأن الشي‏ء لا يكون واسطة في العروض إلا بعد ملاحظته لا بشرط بالمعنى المتقدّم فالحيوان مثلا لا يكون واسطة في عروض التحرك بالإرادة للإنسان إلا بعد ملاحظة لا بشرط و كذا السّطح بالنّسبة إلى الأبيض و أمّا الواسطة في الثّبوت فهي الشّي‏ء من غير هذه الملاحظة فالحيوان و لو مع ملاحظته بشرط لا بحيث يصدق عليه المادّة دون الجنس سبب و مؤثر في ثبوت الحركة بالإرادة للإنسان بل مقتضى دقيق النّظر اعتبار بشرط لا في واسطة الثبوت إذ مع ملاحظته لا بشرط يكون عين المثبت له و الشي‏ء لا يؤثر في صفات نفسه إلا في الصّفات الّتي هي من لوازم الذّات مثلا إذا لاحظنا الحيوان لا بشرط كان عين الإنسان الخارجي و الإنسان الخارجي ليس واسطة في ثبوت الحركة بالإرادة لنفسه و إنّما الواسطة في ذلك جزؤه الّذي هو الحيوان و و من الواضح أنّ الحيوان المحكوم بكونه جزء للإنسان ملحوظ فيه حيثية بشرط لا و هي حيثيّة التغاير و من هنا يظهر أنّ ما في عبارة بعض المحقّقين من أنّ الواسطة في الثبوت قد يكون مباينا مع المعروض مشعرا بكونه قد يكون صادقا عليه ليس في محيّزة و كيف ما كان فقد ظهر أنّ الواسطة في العروض لا يكون مباينا لأنّ المفروض عدم صحّة حمل العارض على الذّات ابتداء لعدم كونه من مقتضياتها فلو لم يكن الواسطة المحمولة عليها محمولا على الذّات بل شيئا مباينا معها فكيف يصحّ حمله بملاحظة ذلك الواسطة عليها كما ظهر أيضا أن الواسطة في الثّبوت إنّما يكون كذلك في لحاظ لا تحمل معها على المعروض و أمّا كون العارض لأمر مباين غريبا مطلقا أو إذا كان ذلك المباين مباينا في الوجود أيضا كالحركة الحاصلة لجالس السفينة بواسطة السّفينة لا ما إذا كان مساويا للذّات في الوجود كالسّطح بالنّسبة إلى الجسم فإنّه يكون حينئذ عرضا ذاتيا حسبما زعمه المفصّل فالتحقيق يقتضي خلافهما معا لأنّ المباين لا يكون إلاّ واسطة في الثبوت و وسائط الثّبوت كلها واسطة للأعراض الذاتية لأنّا لا نعني بالعرض الذّاتي ما كان العرض فيه من مقتضيات الذّات كما أوضحنا سابقا بل ما يكون محمولا على الذات حملا غير محتاج إلى الواسطة فالحرارة العارضة للماء أي لجسمه العنصري باعتبار تأثير النّار فيه على هذا التقدير عرض ذاتي لأنّه يصدق عليه حارّ من غير توسيط صدقه أوّلا لا على شي‏ء صادق على الماء إذا عرفت معنى العرض الذاتي و الغير الذاتي‏

[الكلام في الإشكالات الواردة على تحديد موضوعات العلوم‏]

(فاعلم) أنّ تحديد موضوعات العلوم بما يبحث عن عوارضه الذاتية لا يخلو عن الإشكال و المناقشة من وجوه يصعب دفعها و إن تصدى لدفع بعضها المحققون الأوّل أنّ العارض للجزء الأعم عرض ذاتي على ما صرّح به الكلّ أو الجلّ و ليس في شي‏ء من العلوم بحث عن جنس موضوعه بل إنّما يبحث عن جنسه في علم يكون موضوعه ذلك الجنس مثلا لا يبحث في علم يكون موضوعه الجسم الفلكي عن مطلق الجسم و كذا لا يبحث في علم يكون موضوعه الموجود من حيث كونه طبيعيّا أو رياضيّا أو كلاما أو فعلا عن جنس الموجود و إلاّ لاتحدت العلوم و اندرجت الكلّ تحت الحكمة الباحثة عن الأمور العامّة إلاّ أن يقال بأن الوجود عرض عام للماهيات المندرجة تحت الموجود و ليس بذاتيّ لها لكن الخطب في الذّاتيات الّتي هي أعمّ فإنّ البحث عنها في العلم الّذي موضوعه نوع من أنواعه غير معهود في شي‏ء من العلوم حتّى إنّ مسألة باحثة عن جنس موضوع علمها لا تكاد توجد في شي‏ء منها و هذا الإشكال و إن لم نجد له متعرّضا لكنّك خبير بورودها على من عدّ العارض للجزء الأعمّ من العارض الذّاتي و هم الأكثر نعم من جعلها من الأعراض الغريبة كبعض متأخّري المحقّقين ففي مندوحة عن ذلك و قد عرفت أنّ هذا الحسبان هوس بعيد عن الصّواب و عن كلمات الأساطين و يمكن ذبّه بأن العلم لا يجب أن يبحث عن جميع عوارض الموضوع الذاتية بل الواجب أن يكون مسائله عوارض ذاته فالّذي يبحث عنه في العلم عرض ذاتي لموضوع العلم لا أنّ الّذي هو عرض ذاتي للموضوع يجب أن يبحث فيه و فيه أنّه ينافي ما يقتضيه الجمع المضاف من العموم حيث ذكروا أنّ الموضوع ما يبحث عن عوارضه لا عن عارضه و الحاصل أنّ تعريف الموضوع بما يبحث عن جميع عوارضه الذاتية ثم تعريف الذاتي بما يشمل ما لا يبحث عنه في شي‏ء من العلوم يوجب عدم انطباق الحدّ المذكور للموضوع على شي‏ء من الموضوعات إلاّ أن يقال إنّ المراد بالجمع المضاف ما عدا العوارض الّتي يعرض الموضوع لجزئه الأعمّ و القرينة على ذلك كون الجزء الأعم لموضوع كلّ علم موضوعا لعلم آخر فوق ذلك العلم إلى أن ينتهي إلى الحكمة الإلهية فإنّ موضوعه أعمّ من موضوع كل علم فلا بد أن يبحث عن أحوال ذلك الجزء في ذلك العلم الأعلى و بذلك يستغنى عن البحث عنها في العلم الأدنى فصار حاصل الحدّ أن الموضوع ما يبحث عن عوارضه الذّاتية عدا ما يبحث عنه في العلم الأعلى الثّاني أن بعض العلوم لا يبحث فيه عمّا يعرض موضوعه لذاته أو لجزئه المساوي كالكلمة فإنّها موضوعة للعلوم الأدبية مع أنه لا يبحث فيها عن الكلمة بل عن أقسامها كالاسم و الفعل و الحرف و أصنافها

30

و هذا مثل الأوّل و لكن لا ينفع فيه ما قلنا في الأوّل لأنّ العلم الفوق لا يبحث عنها كما لا يخفى و يمكن أن يجاب عنه بوجهين الأوّل أن الواجب هو البحث عن أقسام العوارض كلا على تقدير ثبوتها و ليس للكلمة مع قطع النظر عن أنواعها و فصولها المنقسمة حكم يبحث عنه و الثاني هو تغليط جعل موضوع العلوم الأدبيّة هي الكلمة و جعل موضوعها مصاديقها كالاسم و الفعل و الحرف فنازلا و الثالث أن مسائل بعض العلوم ما يعرض موضوعه لأمر مباين كالأحوال الإعرابية العارضة للكلمة باعتبار الوضع و كالأحكام الشّرعية العارضة لأفعال المكلّفين باعتبار طلب الشارع و قد عرفت أنّ العرض المبحوث عنه في العلم ما كان عارضا لذات الموضوع أو لجزئه أو لخارج مساوي لا لمباين و الجواب عنه هيّن يعرف مما قلنا فيما يعرض للشي‏ء بواسطة أمر مباين من أن المباين لا يكون إلا واسطة في الثبوت و ما يعرض الشي‏ء باعتبار وسائط الثبوت كلّها عرض ذاتي بالمعنى المشار إليه و الرابع أنّ مسائل بعض العلوم كالفقه ممّا يبحث عمّا يعرض موضوعه بواسطة خارج أعمّ كالوجوب و الحرمة العارضين لموضوعهما بواسطة طلب الشارع الذي هو أعمّ منهما و أجيب بأنّ الواسطة أعني طلب الشارع و إن كان أعمّ من موضوع الوجوب و الحرمة و لكنه ليس أعمّ من موضوع العلم أعني فعل المكلّف و ردّ بما حاصله أن الواسطة حينئذ تكون خارجا أخصّ فإن لوحظ موضوع المسألة أعني وجوب شي‏ء أو حرمته فالواسطة أعمّ و إن لوحظ موضوع العلم فالواسطة حينئذ أخصّ لأنّ الوجوب مثلا إنّما يعرض فعل المكلّف بواسطة الطّلب الّذي هو خارج أخص من فعل المكلّف ثم أجاب المورد عن الإشكال بما سمعت في الإشكال الثاني من أنّ الواسطة هنا أعني الطلب واسطة في ثبوت الوجوب للموضوع لا لعروضه (أقول) طلب الشارع ليس واسطة في عروض الحكم الشرعي لفعل المكلّف بل هو حكم شرعيّ عارض للفعل بنفسه كما لا يخفى نعم يجري فيه الإشكال الآتي و لعلّ المجيب حسب الحكم الشّرعي المعنى الّذي ينتزع من الطلب أعني كون الفعل بحيث يعاقب على تركه و يثاب على فعله و قد عرفت في تعريف الفقه التحقيق في ذلك و أن الحكم الشرعي أغنى الإيجاب الّذي هو من الإنشاءات لا الصّفة الّتي ينتزع منه و يعبّر عنه بالوجوب و إطلاق الحكم عليه مبني على نحو من التوسع و المسامحة و منه يظهر ما في جعل الواسطة هنا أمرا مباينا كما عرفت في الإشكال الثالث الخامس و هو أغمض الوجوه أنّ العلوم كلاّ أو جلاّ قد يبحث فيها عن الأحوال و العوارض اللاّحقة لموضوعاتها بواسطة أمر أخصّ بل البحث عمّا يعرضها لذاته أو لأمر مساوي نادر جدا إذ المسائل المبحوث عنها في كلّ علم موضوعها جزئي من جزئيات موضوع العلم و لا تتعدّى محمولاتها إلى غير موضوعاتها الخاصّة مثلا يبحث في النحو عن الأحوال الإعرابيّة و هي ممّا يعرض الكلمة بواسطة كونها اسما منصرفا و غير منصرف أو فعلا أو حرفا و ليس في النحو مسألة يبحث فيها عن جنس الكلمة و كذا الفقه يبحث فيه عن وجوب الصّلاة مثلا و حرمة كذا إلى آخر الأحكام و هي ممّا يعرض فعل المكلّف باعتبار كونه صلاة مثلا و بالجملة ما من علم إلاّ و مسائله كلاّ أو جلاّ باحثة عن أحوال الأنواع أو الأصناف المندرجة تحت موضوعه فهذا التعريف للموضوع لا ينطبق على شي‏ء من الموضوعات فيكون التعريف بالمباين و أجاب عنه المحقّق الدّواني بوجهين الأوّل أنّ ما ذكروه في حدّ الموضوع مسامحة في العبارة و معناه ما يبحث فيه عمّا يعرضه لذاته أو يعرض لنوعه أو لشخصه أو يعرض عرضه الذّاتي و كأنّهم أجملوا في المقام ثقة بما فصلوه في موضوعات المسائل و أورد عليه تارة بأنّه إسناد المسامحة إلى رؤساء الفنّ و أخرى بأنّه يقضي باختلاط العلوم و عدم امتياز علم الأدنى عن الأعلى فإنّ موضوع العلم الأدنى من أنواع موضوع العلم الأعلى كموضوع علم الطّب أعني بدن الإنسان من حيث الصحة و المرض فإنّه من أنواع الجسم الّذي هو موضوع للعلم الطّبيعي و من عوارضه كموضوعات سائر العلوم فإنّها عوارض ذاتية لموضوع العلم الإلهي أعني الموجود و الثّاني الفرق بين محمول العلم و محمول المسألة نظير الفرق بين موضوعهما فمحمول العلم ما يحمل عليه محمولات المسائل و هو المفهوم المردّد بين جميعها و هو عرض ذاتي لموضوع العلم و إن كان كل واحد عرضا غريبا بالنظر إليه و ردّ بأن ذلك المفهوم المردّد غير مقصود بالبحث في العلوم و إنّما هو اعتبار صرف منتزع ممّا هو المقصود بالذّات من وضع العلم أعني الأحوالات الخاصة

اللاّحقة للموضوعات الخاصّة ثم أجاب المورد بمثل ما سبق في الإشكال الثالث و الرابع من الخلط بين واسطة العروض و واسطة الثبوت قال ما حاصله إن أخصية الواسطة أو أعميتها لا ينافي ذاتية العرض إذا كانت الواسطة ثبوتية أ لا ترى أنّ الفصول مع كونها أخصّ من الأجناس أعراض ذاتية لها نعم ما يعرض الذات بواسطة الأخصّ في العروض من الأعراض الغريبة و إن كانت الواسطة ذاتية بل مستندة إلى نفس الذّات بذاتها لأنّ عروض تلك العوارض حينئذ ليس لاستعداد حاصل في ذات المعروض بل في ذات الواسطة هذه خلاصة كلامه بعد التحرير و قد سبقه إلى ذلك الجواب بعض الأساطين المهرة في فنّ المعقول و إنما الفرق بين مقالتيهما بالإجمال و التّفصيل (أقول) ما ذكره في حلّ هذا الإشكال بظاهره غير سديد لأن الإشكال إنّما هو في الأعراض اللاحقة للموضوعات بواسطة تنزّلاتها في ضمن الأنواع و من الواضح أن ما يعرض للجنس باعتبار بعض تنزّلات وجوده و تعيناته إنّما يعرضه بواسطة أمر خارج أخصّ مثلا عروض الانصراف لجنس الكلمة إنّما هو بواسطة اسميّتها التي هي بمنزلة الفصل المقسّم لها و قد مثل المورد وفاقا لغير واحد للواسطة في العروض للأخصّ بما يعرض للجنس باعتبار لحوق الفصل به كالتّعجب العارض للحيوان باعتبار النّاطق و دعوى أن الناطق مثلا في المثال المزبور واسطة في العروض دون الثبوت بخلاف‏

31

الاسميّة مثلا فإنّها واسطة في ثبوت الانصراف للكلمة كما ترى تحكّم بارد و تجشم ساقط نعم ما ذكروه من أن أخصّية العارض لا ينافي ذاتيّته سديد و قد نبهنا عليه موضحين له في ضمن التمثيل بلحوق الفصل و الجنس بلا واسطة في العروض بل في الثبوت و الحاصل أنّ الإشكال هو أنّ الأحوالات المبحوث عنها في العلوم ليست من عوارض ذات الموضوع إلاّ بواسطة الفصول اللاّحقة المنوعة لها و من الواضح أنّ الفصل خارج أخصّ للجنس و التفصيل في الفصول بأنّ بعضها واسطة في عروض عوارضه للجنس و بعضها واسطة في ثبوتها لها شطط من الكلام و الّذي يراه نظر الوطواط في نهار تحقيقات المحققين جسيما للإشكال هو منع كون العارض لخارج أخصّ عرضا غريبا بقول مطلق و اختيار التفصيل في المقام و هو أنّ الخارج الأخصّ المفروض كونه واسطة في العروض إن كان في الوجود الخارجي متّحدا مع المعروض كان ما يعرضه لأجله عرضا ذاتيا بالنّسبة إلى المعروض لما أشرنا إليه من أنّ واسطة العروض إذا كان وجودها الخارجي عين وجود المعروض و كانت المغايرة بينهما بالاعتبار و في لحاظ اللاحظ كالجنس و الفصل كانت واسطة في الثبوت أيضا لا محالة و قد عرفت أنّ ما يعرض الشي‏ء باعتبار وسائط الثبوت كلّها عرض ذاتي و إن لم يكن من مقتضيات الذّات مثل الحرارة العارضة للماء باعتبار النار الّتي هي واسطة في الثبوت فالعارض بواسطة الخارج الأخصّ في العروض إنّما يكون عرضا غريبا بالنّسبة إلى ذات المعروض إذا كان وجودها الخارجي غير وجود الذّات بأن يكونا في الخارج موجودين بوجودين كالعارض و المعروض الخارجين مثل السّطح و الجسم لا بوجود واحد كالجنس و الفصل (و توضيح) ذلك أنّ الواسطة في العروض في لحاظ كونها واسطة لا بدّ أن تكون موجودا بوجود المعروض الخارجي و إلاّ لم يعقل كونه واسطة في الحمل المعتبر فيه اتّحاد وجود المحمول و المحمول عليه و التفاوت بينهما إنّما هو مع ملاحظة مبادئها الملحوظة بشرط لا فإنّ منها ما هو متّحد مع المعروض وجودا في هذا اللّحاظ أيضا كالأجزاء العقليّة الذّهنيّة فإنّ وجود الجزء الذّهني في الخارج كالحيوان مثلا عين وجود الكلّ فهما موجودان خارجيّان بوجود واحد و منها ما هو غير متّحد معه في الوجود الخارجي كالأجزاء و الأعراض الخارجيّة فإنّ وجوداتها مغايرة لوجود المعروضات و الكلّ جدّا فالفرق إنّما هو في اللّحاظ الّذي لا يحمل فيه على المعروض فالجزء الذّهني ليس وجوده مغايرا لوجود الكلّ أو الجزء الآخر في الخارج بخلاف العرض الخارجي فإنّه إذا لوحظ بعنوان كونه عرضا فوجوده مغاير لوجود المعروض جدّا فحينئذ نقول إنّ وسائط العروض إن كان من القسم الأول كان العارض بواسطتها أيضا عرضا ذاتيا إذ المفروض اتّحاد الواسطة و ذي الواسطة و المعروض في الوجود الخارجي و الاتحاد بجعل العرض ذاتيا إذ لو أسقطنا الواسطة حينئذ أمكن حمل العارض على المعروض ابتداء فيمكن أن يقال الحيوان متعجّب من دون توسيط حمل ناطق عليه و إن لم يكن النّطق من مقتضيات ذات الحيوان إذ لم يعتبر في العرض الذاتي الاصطلاحي كونه من مقتضيات ذات المعروض كما أشرنا إليه و أوضحنا و إلاّ لم يصحّ جعل الفصل من الأعراض الذاتية للجنس بخلاف القسم الثاني فإنّه لما فرض فيه مغايرة وجود الواسطة مع المعروض في الخارج كان العارض بواسطتها عرضا غريبا للمعروض عدم ضرورة اتحاده مع المعروض بدون الواسطة مثلا لا يصحّ حمل الأبيض على الجسم إلا بعد ملاحظة حمله على المسطح و حمله على الجسم إذ يمكن أن يقال إن الجسم الخارجي ليس بأبيض و إنّما الأبيض هو الأبيض هو السّطح بخلاف الضّاحك فإنّه محمول على الحيوان من غير توسيط حمل الناطق عليه فلا يصحّ أن يقال إنّ الحيوان الخارجي ليس بضاحك مطلقا فتأمل و حاصل الكلام يرجع إلى أن المحتاج إلى الواسطة في العروض منحصر فيما يعرض لأجل شي‏ء يكون وجوده الخارجي غير وجود المعروض فلا يعمّ ما يعرض لأجل شي‏ء يكون وجوده الخارجي عين وجود المعروض و إن كان ذلك الشّي‏ء خارجا عن الشّي‏ء أخصّ منه أو أعم و بذلك تنحسم مادة الإشكال كما لا يخفى و يظهر صحّة ما أجاب به المحقّق الدّواني أوّلا و إن كان فيه إسناد التّسامح إلى رؤساء الفنّ أو إسناد الخطإ إلى من جعل العارض للحيوان مثلا باعتبار النّاطق عرضا غريبا فإنّ الاشتباه و التسامح غير عزيزين في كلام غير المعصوم (عليه السلام) و أما الإيراد عليه بأنّه يستلزم اختلاط العلوم بعضها ببعض لأنّ الموضوع العلم الأدنى عرض ذاتي لموضوع الأعلى كما مرّ فليس بشي‏ء أمّا أولا فلأنّ العلوم الّتي بأيدينا الآن يبحث فيها عما يعرض أنواع موضوعاتها مع عدم حصول الاختلاط

بينهما في شي‏ء و أمّا ثانيا فلأنّ الاختلاط إنّما يحصل من عدم تميز الموضوعات لا من اندراج موضوع بعض العلوم تحت موضوع العلم الآخر فإنّ غاية ما يترتب عليه صحّة جعل العلم الأدنى من أجزاء العلم الأعلى و هذا لا يمنع عن إفراده و تسميته علما مستقلاّ تقريبا للأذهان إلى محافظة ما بها من المسائل كما جرت عادة المصنفين على ثبوت الأبواب عند البحث عن أحوال موضوع واحد فالعلوم المدوّنة المختصّ كلّ منها باسم الّتي مسائلها عوارض ذاتية لموضوع العلم الإلهي الأعلى لكونها أحوالات أنواع موضوعه أعني الوجود بمنزلة الأبواب المبوّبة في علم واحد باحث عن أحوال شي‏ء واحد و حاصل ما ذكرنا يرجع إلى أن موضوع العلم ما يبحث عن عوارض ذاته أو نوعه أو صنفه إلاّ أن يكون عوارض النوع و الصنف مثلا كثرتها و غموضها و سهولة ضبطها و تعلّمها مسماة باسم آخر مبحوثا عنها في علم مستقل فيختص البحث حينئذ بعوارض ذاته كما هو الحال في العلوم التي بينها ترتب باعتبار ما بين موضوعاتها من الترتيب الطّبيعي فلو لا اختصاص كلّ باب من عوارض الموجود باسم من أسماء العلوم كان الجميع من أجزاء العلم الإلهي و مسمّى باسمه لكنّه لما كان مبعّدا للأذهان من‏

32

الإحاطة التامّة بمسائلها بحث عن كلّ نوع من أنواع الموجود في علم مستقلّ و اختص العلم الإلهي الأعلى بالبحث عمّا يعرض الموجود لذاته فظهر ممّا ذكرنا أن موضوع كل علم ما يبحث عن عوارضه الذّاتية إلا ما كان عارضا لجزئه الأعم فإنّ البحث عنه إنّما هو في علم آخر فوق ذلك العلم فإنّ القرينة على هذا الاستثناء تدوين العلم الفوق و البحث عنه مستقلاّ و منه يظهر أنّ الجزء الأعمّ لو لم يبحث عمّا يعرض الموضوع لأجله في علم آخر فلا بدّ من البحث عنه في ذلك العلم كعلم الأصول فإنّ جملة من مسائلها مثل ما يتعلّق بمشتركات الكتاب و السّنة عارض لها باعتبار أجزائها الأعمّ و إنّ إخراج العارض للجزء الأعمّ عن عداد العرض الذاتي غير سديد و إنّما السّديد إخراجه عمّا يبحث عنه من العوارض الذّاتيّة هذه جملة من القول في تميز موضوعات العلوم بعضها عن بعض و منه يتميز مسائل كلّ علم عن مسائل علم آخر لأنّ المسألة تتميز بتميز الموضوع أو المحمول فمسألة كلّ علم ما يكون محمولها عرضا ذاتيّا لموضوع العلم و موضوعها جزء لموضوع العلم أو فردا له أو عرضا لعرضه الذّاتي مثال الأوّل في هذا العلم مسألة حجية خبر الواحد مثال الثّاني مسائل العام و الخاص المتعلّقة بألفاظ الكتاب و السّنة و مثال الثالث مسائل التّعادل و التراجيح كما يظهر وجه الكلّ للمتدرب‏

بقي شي‏ء

و هو أن تمايز العلوم على ما اشتهر في الألسنة بتمايز الموضوعات بالذات أو بالعرض يعني بملاحظة الحيثية و الاعتبار و المراد بتمايز الموضوعات ذاتا هو التميز بحسب الذّات سواء كان التميز على نحو العموم المطلق أو من وجه أو التّباين الكلّي و أمثلة الكلّ واضحة و أرادوا باعتبار الحيثيّة التميز بين علمين مشتركين في الموضوع مثل العلوم الأدبيّة الباحثة كلا عن أحوال الكلمة و الكلام فإنّ الكلمة و الكلام ليسا موضوعين لها بحيثية واحدة بل بحيثيات مختلفة فموضوع علم النّحو مثلا الكلمة من حيث الإعراب و البناء و موضوع الصرف هي من حيث الصحة و الاعتلال و الاشتقاق و اعترض عليه بعض الأفاضل بأنّ اعتبار الحيثية التقييديّة لا يجدي في التميز لأنّ الكلمة حال تقييدها بحيثية الإعراب و البناء يبحث عنه في علم الفصاحة و البلاغة أيضا و التعليلية لا معنى لها ثم قال إن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات أو بتمايز حيثيات البحث كتمايز علمي النحو و الصّرف فهم و إن أصابوا في اعتبار الحيثية للتمايز بين العلوم لكنهم أخطئوا في أخذها قيدا للموضوعات و الصّواب أخذها قيدا للبحث (أقول) أمّا ما زعمه أولا من أنّ الكلمة حال تقييدها بالإعراب و البناء تلحقه أحكام الفصاحة و البلاغة فهو مبني على عدم الالتفات إلى الفرق بين حال التقييد و شرط التقييد كما لا يخفى و أمّا ما زعمه من أنّ التمايز قد يحصل بتمايز حيثيات البحث فلا محصّل له إن أراد بالبحث معناه المصدري نعم إن أراد المعنى المفعولي أعني المحمولات على أن يكون المراد أن تمايز العلوم قد يحصل بتمايز المحمولات ثم ما ذكره لكن التمايز بين المحمولات أيضا بالذّات لا بالحيثية كما لا يخفى إلا أن يقال إن المحمولات من حيثيات الموضوع فيصح حينئذ أن يقال إنّ التمايز بين الموضوعين بالحيثية أي من حيث المحمول و لعلّه المراد ممّا سمعت من أنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات بالذات أو بالحيثيات هذا ما حضرني من كلمات القوم في تحديد موضوعات العلوم فلنطبقه على موضوع هذا العلم (فنقول) قد اختلف في ذلك فقيل إنه الأدلّة الأربعة المعهودة و هو المشهور بين القوم و تطبيق حدّ المذكور على ذلك لا يخلو عن تعسّف و صعوبة لأنّ المبحوث عنه في هذا العلم أمور مختلفة بعضها غير راجح إلى أحوال الأدلة كمباحث الاجتهاد و التقليد و لذا جعل بعضهم الاجتهاد أيضا من الموضوع و بعضهم تكلّف فأرجع البحث عن الاجتهاد إلى البحث عن أحوال الأدلّة لأنّ البحث عن المستدلّ بحث عن بعض أحوال الدّليل و فيه من التعسّف ما لا يخفى و مثل مباحث التعادل و التّراجيح كما زعم و لذا جعله بعضهم موضوعا آخر غير الأدلّة الأربعة و الاجتهاد و التزموا في كون البحث عن التقليد استطراديا ثم إنّ جملة من المبادئ الأحكاميّة أيضا ليست بعوارض الأدلّة فجعلت الأحكام أيضا من الموضوع و قد يقال إن أصول الفقه ليس له موضوع في عرض موضوعات العلوم لأنّه ليس علما برأسه بل مركبا من مسائل العلوم فأخذ شطرا من المطالب الكلاميّة و شطرا من المطالب اللّغوية و شطرا من المطالب الفقهيّة و أضيف إليها بعض المطالب الجديدة فسمّي الكلّ بأصول الفقه لاشتراك الكلّ في كونها مبادئ الاستنباط فإن أريد معرفة موضوعه فليرجع إلى موضوع العلم الّذي أخذ من مسائله و أدرج في هذا العلم نعم هذه المطالب الجديدة الغير الداخلة في شي‏ء من العلوم مثل مسألة حجية خبر الواحد و الكتاب و الإجماع و أمثالها كمسائل التعادل و التراجيح عوارض ذاتية للأدلّة الأربعة فإن أريد معرفة موضوع هذه المطالب فالموضوع ما ذكره الجمهور و إن أريد موضوع جميع المسائل فليست من عوارض شي‏ء واحد حتّى يقال بأنّه الموضوع (أقول) لا شبهة في أن المقصود من وضع هذا العلم و تدوينه هو معرفة طرق الأحكام الشرعية و ما يتوقف عليه دلالة الطّرق كما لا شبهة في اشتماله على جملة من المطالب الاستطراديّة و إنما الاشتباه في تميز المقصود بالذات عن غيره و من هنا وقعوا في مكان من الاضطراب و التحقيق أنّ موضوع هذا العلم ما ذهب إليه الجمهور أعني أدلّة الأحكام و المسائل الراجعة إلى غيرها الّتي لا بد للفقيه و الأصولي من معرفتها ذكرت في العلم استطرادا كمباحث الاجتهاد و التقليد و لما بينهما من المناسبة التّامة الّتي أوقعت جماعة في خيال أنها من مسائله حقيقة و أمّا مباحث التعادل و التراجيح فمن زعم أنها غير راجعة إلى أحوال الأدلّة حتّى جعله موضوعا مستقلا فقد سها سهوا بيّنا

و أمّا المبادئ الأحكاميّة

فالأظهر فيها أيضا ما ذكره المحقّق الجواد من أنّها تبحث عن أحوال الأدلّة و وجهه أنّ البحث‏

33

عن مدلول الدّليل بحث عن الدّليل لا يقال فمسائل الفقه حينئذ تندرج في هذا العلم لأنّه يبحث عن مداليل الأدلّة من الأحكام لأنّا نقول إنّ الفقه يبحث عن مداليل الأدلّة التّفصيلية و المبادئ الأحكاميّة عن أحوال مداليلها الإجمالية و موضوع الفنّ هي الأدلّة الإجماليّة لكن يرد حينئذ أن تسميتها بالمبادئ صريحة في خروجها عن المقاصد و يمكن جوابه بملاحظة ما قدّمنا في تعريف الفقه من أنّها مبادئ للفقه و الاستنباط حقيقة لا للمسائل الأصولية و أنّ تسميتها بالمبادئ و تسمية مسائل العلم بالمقاصد مبنيّة على ملاحظة آكدية افتقار الفقه إلى مسائل هذا العلم فصارت بالقياس إلى ما عداها مما يتوقف عليه الاستنباط بمنزلة المقصود الأصلي و ممّا ذكرنا يظهر أن المبادئ اللّغوية أيضا داخلة في المقاصد لأنّها عوارض لألفاظ الكتاب و السّنة و البحث عن أجزاء الموضوع و لو كانت أعمّ لا بدّ منه في العلم إذا لم يكن علم آخر متكفلا لذلك البحث و نحن و إن ادّعينا في ما تقدّم عدم بحث العلوم عمّا يلحق موضوعاتها بواسطة الجزء الأعمّ لكنّه كان بملاحظة الغالب و يؤيّد ما قلنا أو يدلّ عليه صدق تعريف العلم على المبادئ أيضا لأنّها قواعد ممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية فظهر أن مسائل العلم ما يبحث عن عوارض الأدلة و لا بدّ أن تكون بعد الفراغ عن كونها أدلّة كما صرّح به المحقق القمي (رحمه الله) في حاشية القوانين فالبحث عن دليليّة الدّليل نفيا و إثباتا داخل في المبادئ التّصديقية الثبوتيّة أو السّلبية لأنّ المراد بالعوارض الذاتيّة على ما عرفت كلّ خارج محمول و لا ريب أنّ الوصف العنواني في الموضوعات كإنسانية الإنسان و كاتبية الكاتب و دليليّة الدّليل بحث عن المحمول الداخلي فالبحث عن دليليّة الشي‏ء في الحقيقة يرجع إلى تشخيص مصاديق الموضوع و من الأفاضل من زعم أنّ البحث عن دليلية الشّي‏ء أيضا داخل في مسائل العلم بجعل الموضوع عبارة عن ذات الأدلّة لا المعنون بالدّليلية و ربما يستظهر له بصدق تعريف العلم على قولنا الكتاب حجّة و هو فاسد لأنّ ذات الشي‏ء بدون تعنونه بعنوان لا يعقل البحث عنه و جعله موضوعا و هذا الحسبان إنّما يتجه لو جعل موضوع العلم الكتاب و السّنة و الإجماع و العقل و بالجملة أمورا معيّنة أربعة أو خمسة فإنّه يستقيم حينئذ جعل الموضوع ذوات هذه الأشياء المعنونة بعناوينها الخاصّة غير جهة كونها أدلّة و هو بديهيّ البطلان لأنّ الموضوع إنّما هو الدّليل على الحكم الشرعي مع قطع النّظر عن انحصاره في شي‏ء و إن كان في الواقع بحسب الاستقراء و التعارف منحصرا و إلاّ لم يستقم عدّ البحث عن حجية مثل الشّهرة من حيث كونها من الظّنون الخاصّة من مسائل العلم و دعوى رجوعها إلى الدّليل الدّال على حجيتها من الأخبار مثلا واضحة الفساد و إلاّ رجع الإجماع إلى الكتاب أو العقل على طريق العامّة و الكتاب إلى العقل و هكذا و أمّا صدق التعريف فهو مسلّم و لكنه من عيوب التعريف كما نبهنا على نحوه فيما تقدّم و لا دلالة أيضا في تخصيص القوم الموضوع بالأربعة المعهودة على المدّعى فإنّ ذلك مبني على انحصار الدّليل في تلك الأربعة بحسب ما رأوه من عدم حجية شي‏ء آخر فلو تجدّد البحث عن كون شي‏ء آخر دليلا ثمّ عن عوارضه الذاتية بعد الفراغ عن دليليّته فهل ترى أحدا يزعم خروجه عن حقيقة العلم نعم ما يبحث عن حجيته بعد الفراغ عن دليليّته أي كونه طريقا ظنيّا أو علميّا إلى الحكم الشرعي كالأمارات و الأدلّة العقليّة فهو داخل في مسائل العلم لأنّ الحجية المبحوث عنها حينئذ ممّا يعرض للطّريق إلى الحكم الشرعي لذاته و من هنا أمكن الجمع بين مقالته و مقالة المحقّق القمّي (رحمه الله) بحمل كلام المحقّق على ما إذا بحث عن كون شي‏ء طريقا إلى الحكم فإنّ هذا البحث حينئذ داخل في المبادئ التّصديقية و حمل كلامه على البحث عن حجية الطّريق الشرعي فمراده بالذّات الّتي جعلها موضوع العلم هي ذات الحجّة أعني الطّريق لا ذات الطّريق على أن يكون الطّريقية من عوارض الموضوع لكن هذا التوجيه لا يستقيم في كثير من المسائل المبحوث فيها عن حجية الشي‏ء لكونه مقيدا للظنّ كالاستصحاب فإنّ البحث عن حجيته عبارة عن البحث عن طريقيّته و كونه مفيدا للظنّ كما صرّح به العضدي حيث جعل النزاع بين القوم في حجية الاستصحاب نزاعا صغرويّا و أنه في إفادته الظّنّ و عدم إفادته فافهم و الله الهادي إلى الصواب في المبدإ و المآب‏

الأمر الثالث [الكلام في بيان فائدة علم الأصول و رتبته و حكمه‏]

من الأمور المشتملة عليها المقدّمة في بيان فائدة العلم و رتبته و حكمه و أمّا فائدته فأظهر من أن تبيّن كيف و ثمرة إتقان هذا العلم و إحسانه و تحصيل ملكته ممّا يستقل بها العقل و النّقل من وجوه منها أن العلم بالأشياء في نفسه صفة كمال بالأدلّة الأربعة و منها أن الاستغناء و عدم الاحتياج ممّا يستقل بمحبوبيّة العقل القاطع و هذا العلم سبب للعروج عن حضيض التّقليد و السّؤال إلى أوج الاجتهاد و الغناء و منها أن معرفته مع مراعاة الشرائط المقررة سبب للتحلّي بحلية الرئاسة الحقة الإلهيّة الّتي خصّ الله تعالى بها أحبّاءه و أصفياءه و الرئاسة ممّا يبذل في تحصيلها النفس و المال العزيزين و منها أنّ في تحصيلها تأهّلا و استعدادا لمعرفة طرق النفع و الضّرر الأخرويّين و دفع المضار سيّما مثل مضار الآخرة و جلب المنافع خصوصا المنافع الجاويديّة ليس في نظر العقل شي‏ء أهمّ منه و أحب بل هما مركوزان في جبلة الحيوانات أيضا و منها أن في معرفتها استعداد الإفاضة و الإفادة و عدم تنهير السائل المأمور به في التنزيل مع القدرة و هو بمكان من المطلوبية في الطّباع العلية و منها مثوبات الله الموعود بها لتحصيل العلوم الدّينية في الأثر و ممّا ذكرنا ظهر تقدّم هذا العلم على جميع العلوم شرفا حتّى علم الكلام عدا الفقه و عليه رتبته لأن الفوائد المشار إليها لا يترتب جلها على معرفة علم الكلام غير أن فيها تحفظ النّفس و التمكن من إزالة بعض الشبهات في الدين الّذي يتيسّر الماهر في هذا الفنّ أيضا و أمّا بقية العلوم فإنّها لا ينفع حصولها و لا يضرّ عدمها كما صرّح به في النبوي في العلم بالأنساب نعم هو مؤخر

34

رتبته عن العلوم العربية و المنطق و الكلام كما أن رتبة الفقه أيضا متأخّرة عنها و عن هذا العلم و أمّا حكمه فالوجوب بالأدلة الأربعة و في كونه عينيّا أو كفائيا خلاف ينشأ من الخلاف في حكم الفقه لأنّ المقدّمة تتصف بحكم ذيها فذهب فقهاء حلب إلى وجوبه العيني و هو محجوج عليه بالأدلّة الأربعة و الله العالم‏

الأمر الرّابع في ذكر جملة من المبادئ اللّغوية

و قد عرفت وجه تسميتها بالمبادئ اللّغوية مع أنّ أكثرها من عوارض الكتاب و السّنة و لو لجزئهما الأعمّ فينبغي أن تعدّ من المقاصد و اللّغة أصلها لغو أو لغي و جمعها لغي كبرة و بري و قيل أصلها لغوة كغرفة مشتقة من لغي بالكسر يلغى إذا لهج بالكلام أي نطق و المراد بها في المقام مطلق الألفاظ التي يتحاور بها الإنسان على حسب اختلاف اصطلاحاتهم لا خصوص ما يقابل العرفين و لا يقابل المجاز فتعم العربي و الفارسي و التركي و غيرها حقائقها و مجازاتها و حده المعروف كلّ لفظ وضع لمعنى و التحديد بالكلّ إشارة إلى ما قلنا من التّعميم و إلاّ فهو معيب من وجوه أشار إليها الفاضل العضدي و يندرج فيه المفرد و المركّب و من زعم اختصاصه بالأوّل فقد بنى على عدم وضع للمركبات و لعلّ المراد بها غير المركبات الّتي غيّر التّركيب معاني مفرداتها كلاّ أو بعضا مثل لم يضرب و الجمع المحلّى باللاّم إلاّ أن يدعى عدم وضع للتركيب هنا أيضا بناء على استناد التغيير إلى وضع المفردات و لو في حال التركيب لا بشرطه فافهم و سيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في وضع المركبات و هذا الحدّ لا يشمل المجازات لعدم ثبوت وضع فيها أو لظهور الوضع في وضع الحقائق كما يفصح عن ذلك تعريف الوضع الآتي فينتقض عكسا و التعريف الجامع أنّه اللّفظ الّذي يتحاور به الإنسان في مقام تفهيم المقصود

ثم إنّ البحث عن اللّفظ الموضوع يقع في مواضع خمسة

الوضع و الواضع و الموضوع و الموضوع له و الدلالة

أمّا الموضع الأول‏

ففيه مطالب الأوّل في حدّ الوضع و الثّاني في فائدته و الغرض الداعي إليه و حكمه و الثالث في بيان أقسامه‏

بديعة [الكلام في حد الوضع‏]

الوضع لغة أطلق على معاني كالسرعة و منه قوله تعالى و لأوضعوا خلالكم أي أسرعوا فيما بينكم بالنمائم و نحوها و كالطّرح و منه الحديث ملعون من وضع رداءه في مصيبة غيره أي طرحه و كالنّقص و التّرك و الإسقاط و نحوها من المعاني المتقاربة و من إطلاقاته أيضا في العرف العامّ أو عرف النّحاة تعيين شي‏ء لشي‏ء أي جعله علامة له و يعتبر في هذا الإطلاق أن يكون الغرض من التّعيين إقعاد قاعدة كلية لإفادة علم أو عمل و حاصله جعل الشي‏ء علامة لشي‏ء و غلب من هذا الإطلاق عند العلماء في تعيين اللّفظ للدلالة على المعنى بنفسه هذا هو المعروف في حدّ الوضع و ربّما اقتصر على ما عدا القيد الأخير فخرج بقيد اللّفظ وضع غيره كالخطوط لكون المراد بالمحدود هو وضع خصوص الألفاظ بناء على كونه حقيقة فيه في مصطلحهم أو على كون الألف و اللاّم عهدية إشارة إلى فرد من الوضع الشامل لوضع الخطوط أيضا و بقيد الدّلالة تعيين اللفظ للوضع أو تعيين أحد المترادفين للاستعمال أو تعيين الحروف لغرض التركيب و فيه نظر لأنّ الأولين قد خرجا بقيد التعيين و ذلك لما عرفت من أنّ المحدود فرد من أفراد الوضع بمعنى جعل الشّي‏ء علامة و قد عرفت أنه يعتبر فيه كون الغرض من التعيين تأسيس قاعدة نافعة في علم أو عمل و إحراز هذا الشرط مفروغ عنه في المحدود فيستغنى في إخراجها من التوصّل إلى زيادة قيد في التعريف لأنّ التعريف إذا كان للفرد فذكر شروط الكلّي في التعريف حينئذ كالمستدرك إذا كان مفهوم الكلّي و فردية المحدود له معلومين و نحن لما علمنا أنّ الوضع الاصطلاحي فرد من الوضع بمعنى جعل الشي‏ء علامة علمنا بأن المراد بالتعيين المذكور في تعريفه الّذي هو بمنزلة الجنس ليس مطلق التعيين بل التعيين الرّاجع إلى التّوسيم فلا حاجة في إخراج ما ليس كذلك كالوضع للوضع أو للتركيب إلى تجشم قيد زائد في التعريف إلا أن يكون توضيحيا نعم التعيين للاستعمال قد يرجع إلى التوسيم كما لو عيّن لفظ لاستعماله في معنى دائما و نصّ عليه نصًّا للقرينة العامّة فإنّه تعيين اللّفظ لغير الدّلالة بل للاستعمال على وجه يوجب كون ذلك اللّفظ علامة لإرادة ذلك المعنى و لكن يمكن أن يقال إن مرجعه إلى إبداء اصطلاح من المستعمل في ذلك اللّفظ فيكون وضعا و إن كان عرفا خاصا و لو سلّم فيرد عليه أيضا ما يأتي و أمّا وضع الحروف لغرض التركيب فهو و إن لم يكن مثل الأولين لرجوعه إلى ما سيجي‏ء قاعدة كلية عملية بخلافهما لكن ذلك أيضا ليس من التوسيم في شي‏ء كلّ ذلك مضافا إلى ما في الجميع من أنّ الاحتراز عنها بقيد للدلالة مبني على كون اللاّم للصّلة إذ لو كانت غائية فهي خارجة بالمقدار المنوي لأنّ التعريف حينئذ في حكم القول بأنّه تعيين اللّفظ للمعنى للدلالة عليه بنفسه فيخرج بقيد للمعنى لوجهين أحدهما أن المعيّن له في هذه التّعينات ليس بموضوع له بل فائدة الوضع عين غرضه و ليس لها محل متعلّق بها بخلاف الوضع للمعنى لغرض الدلالة فإنّ هنا أمورا ثلاثة وضع و موضوع له و غرض الوضع و هناك أمران الوضع و غرض الوضع فتدبّر الثاني أنّ المعنى لا يصدق على مثل الوضع و الاستعمال و التركيب لأنّ الشي‏ء لا يتصف بعنوان المعنى إلا بلحاظ خطوره و حضوره في ذهن ذاهن و هذه الأمور لم تلاحظ بالملاحظة المزبورة حين وضع اللّفظ لها فافهم ثم إنّ في هذا القيد فساد آخر تعرفه إن شاء الله و أمّا إخراج المجازات بواسطة هذا القيد فهو أيضا بعيد عن الصّواب لأنّ القول بأن المجازات تدلّ على المعاني المجازية لكن لا بنفسها بل بواسطة القرينة كلام ظاهري يكشف عن فساده توضيح الحال في دلالة المجازات‏

[الكلام في أن دلالة المجازات مستقلة أو غير مستقلة]

(و اعلم) أن البحث في المجازات يقع من جهات فيبحث تارة عن كون دلالتها وضعية بأحد قسمي الوضع أو عقلية و أخرى عن كونها مطابقية أو التزاميّة و ثالثا عن توقفها على نقل الآحاد أو نقل الأنواع و رابعا عن كونها مستقلّة أو غير مستقلة و تحقيق القول في الجهات الثلاث الأوليّة موكولة إلى المباحث الآتية و المقصود هنا توضيح المقال في الجهة الرابعة (فنقول) إنّ عدم استقلال المجازات‏

35

في الدّلالة و افتقارها إلى ضم القرائن لا يخلو عن احتمالات (الأوّل) أن تكون الدّلالة قائمة بالمجاز و القرينة معا على أن يكون الدال على المعنى المجازي هما معا و يكون كلّ منهما بمنزلة جزء الكلمة مثل أجزاء المركبات المزجيّة في حال العلميّة و هذا هذيان من القول ضرورة عدم كون أسد في قولك أسد يرمي بمنزلة بعض أجزاء المركّبات المزجيّة لعدم استعمالها في شي‏ء بخلاف المجاز فإنّه مستعمل في المعنى المجازي قطعا (و الثاني) أن يكون الدّال هو المجاز و تكون القرينة شرطا وضعيّا لدلالته و هذا أيضا فاسد لأنّ الدّلالة ليست ممّا يقبل الاشتراط لأنّ مرجعه إلى كون اللّفظ مقتضيا للدّلالة و القرينة شرطا لتأثيره الفعلي كسائر الشّرائط فإنّ الفرق بين الشّرط و الجزء هو أنّ الأوّل ما يتوقف عليه التأثير الفعلي كقابلية المحلّ للمقتضي و الثاني ما يتوقف عليه أصل الاقتضاء الثاني مثل كلّ واحد من أجزاء السّبب المركب و من الواضح أنّ لفظ المجاز مع قطع النّظر عن القرينة ليس ممّا يقتضي الدّلالة و لو شأنا لأنّ اقتضاء شي‏ء لشي‏ء إمّا أن يكون ذاتيا أو جعليّا و المفروض أنّ الألفاظ عند الجلّ ليس دلالتها على المعاني بالذات فلا معنى لأن يكون في اللّفظ اقتضاء شأني للدلالة بأن تكون الدّلالة من مقتضيات ذاتها و القرينة شرطا لاقتضائها الفعلي على حدّ سائر الشّروط و الواضع أيضا لم يحدث علاقة بينهما حتى تكون تلك العلاقة الوضعية منشأ لدلالتها الشأنية و إنّما رخّص استعماله فيه مع العربية و مثل هذا الترخيص لا يوجب دلالة شأنية أيضا و لذا لو لم يذكر القرينة لم يكن له دلالة على المعنى المجازي رأسا و الحاصل أن الدلالة الشأنية على القول بعدم كون دلالة الألفاظ ذاتية لا معنى له لأن الواضع إن جعل لفظا علامة لمعنى كان اللّفظ بنفسه دالاّ على ذلك المعنى بالفعل حتّى في المشترك كما سيأتي و إن لم يجعله علامة له بل رخّص في استعماله فيه مع ذكر القرينة الكاشفة لم يكن له بمجرّده دلالة أصلا لا شأنا و لا فعلا لكن و يكون الدّال هي القرينة (و الثالث) أن يكون المعنى المجازي مستفادا من المجاز و القرينة معا لكن لا على الوجه الأوّل السخيف حتى يكونا كالمركبات المزجيّة بل على نحو تعدّد الدال و المدلول فينتقل من أسد مثلا إلى الشّجاعة بالالتزام لأنّها لازم خارجي للحيوان المفترس الّذي هو المعنى الحقيقي و من يرمي مثلا إلى فرد من الإنسان فيكون مدلول قولنا أسد يرمي الإنسان الشجاع بحيث لو اقتصر على ذكر القرينة لم يحصل الانتقال إليه مع وصف الشجاعة فالوصف يستفاد من ذكر المجاز و الموصوف من تعقيبه بالقرينة على حدّ سائر المركبات الإسنادية و ليس في ذلك منافاة لما هو المحقّق من عدم تحقق الالتزام بدون المطابقة لأنّ ذلك إنما هو في ابتداء الأمر فلا يعقل الانتقال إلى المعنى الالتزامي بدون الانتقال إلى المعنى المطابقي الملزوم أولا و أمّا بعد تحقق الانتقالين فلا ملازمة بينهما في إرادة المتكلّم فقد يكون المراد هو المعنى الالتزامي خاصّة و قد ينعكس الأمر و تعيين ذلك موكول إلى مقدار معاندة القرينة فإن كانت المعاندة بالنّسبة إلى المعنى المطابقي كشف ذلك عن إرادة خصوص اللاّزم و هكذا العكس و هذا الاحتمال أوجهها و لا غبار عليه لكن المجاز حينئذ مستقلّ بالدّلالة بالنّسبة إلى المقدار الّذي يدلّ عليه بحيث لو لم يتعقبه القرينة كانت الدلالة أيضا مجالها فأين ما قالوا من أنّ دلالة المجاز إنّما هي بواسطة القرينة لا بنفسه فإن أرادوا أنّ دلالته على تمام المعنى المجازي يتوقف على ذكر القرينة ففيه أن المجاز لا يدلّ على غير ذلك المعنى الالتزامي و لو بعد ذكر القرينة فإنّ الدّال على خصوصيّة الإنسان إنما هي القرينة مستقلاّ و إلى ما ذكرنا يومئ قول بعض السّادة المحققين عن استدراك قيد بنفسه في التعريف لأنّ تعيين اللّفظ للمعنى يقتضي دلالته عليه بنفسه فحيث لا دلالة كذلك فلا تعيين رأسا (فالتحقيق) أنّ المجازات تدلّ على بعض المعنى المجازي بنفسه إما بالالتزام مثل لفظ أسد في قولك أسد يرمي فإنها تدلّ على وصف الشّجاعة دلالة مستقلّة مثل لفظ الميزاب في قولك جرى الميزاب فإنها تدل على كثرة الماء بالالتزام العرفي أو بالمطابقة مثل الكلّي المستعمل في الفرد لخصوصية فإنّه يدلّ على جنس المعنى المراد المجازي بالمطابقة لا بالالتزام أو بنحو آخر حسب اختلاف المجازات و الفرق بينهما أنّ لفظ المجاز في الأوّل لا بد منه في إفادة المعنى المجازي بحيث لو اقتصر على القرينة كما في قولك رأيت راميا لم يستفد منه المقصود بخلاف القسم الثّاني فإنّ القرينة القائمة على إرادة خصوص الفرد قد يكفي في إفادة المقصود و

لا حاجة معها إلى ذكر الكلّي أولا فلا بدّ في مثل هذا النّحو من التجوز من إبداء فائدة بديعيّة و إلاّ خرج الكلام إلى حدّ اللّغو هذا كله إذا كان المحدود خصوص وضع الحقائق و لو كان أعمّ كما يدلّ عليه تعريف اللّغة الّتي هي أعمّ منها و المجاز قطعا بأنّها اللّفظ الموضوع وجب ترك القيد أيضا بناء على ما زعم من استناد إخراجها إليه فهو بين استدراك و إخلال و الصّواب تركه و قد يتوهم إشكالان آخران أيضا بملاحظة ذلك القيد أحدهما خروج المشتركات عن الحدّ لتوقف دلالتها على القرينة المعيّنة و الثاني خروج الحروف و بعدم دلالتها على معانيها بنفسه بل مع ذكر متعلّقاتها الخاصّة و الجواب عن الأوّل أنّ دلالة المشترك غير متوقفة على القرينة و إنّما المتوقف عليها تشخيص المراد فبمجرد سماع لفظ المشترك ينتقل إلى جميع معانيه على سبيل الترديد في الإرادة و القرينة تزيل هذا الإجمال الناشئ من تعدّد الوضع (و الحاصل) أنّ للمشترك دلالتين لأنّ سماع لفظ المشترك سبب للانتقال إلى جميع المعاني مع قطع النظر عن الإرادة و إلى أحدها مع ملاحظة إرادة المتكلّم و النّاشئة عن الوضع إنّما هي الأولى و هي غير متوقفة على نصب القرينة و أمّا الثانية فهي تحصل من مراعاة فائدة الوضع أعني الإرادة و هي على إجمالها أيضا لا تتوقف على القرينة و إذا أريد رفع ذلك الإجمال فلا بدّ من نصبها فالقرينة إنّما يتوقف عليها تحقق فائدة الوضع و هي التّعبير عن المقصود لا الدّلالة المسبّبة

36

عن الوضع و هذا أصل في جميع العلائم المشتركة على وجه التنادب لا الاجتماع مثلا وجود المركوب المشترك بين القاضي و ابنه بالمناوبة دليل على وجود أحدهما على سبيل الترديد و تعيين أحدهما موكول إلى قرينة أخرى معيّنة و ربما يجاب عنه أيضا بأن توقف دلالة المشترك على القرينة إنّما هو لأجل وجود المانع لا لقصور اللّفظ عن الدّلالة و ذلك المانع هو الإجمال النّاشئ عن تعدد الوضع فلولاه لكان المقتضي و هو الوضع كافيا في الدلالة بخلاف المجاز فإنّ القرينة هنا جزء من المقتضي و هذا مع ابتنائه على أصل فاسد كما ظهر وجهه في إبطال الاحتمال الأوّل من الاحتمالات الثلاثة حيث قلنا إنّ القرينة في المجازات ليست جزء من المقتضي مصادقة للبديهة لأن بداهة الوجدان قاضية باستقلال المشترك في الدّلالة على أحد المعاني و هي الّتي يقتضيها الوضع و أمّا القرينة فلا تأثير لها في ذلك و إنّما يؤثر في التعيين و أمّا الثاني فأجاب عنه بعض السّادة المحققين بأنّ معاني الحروف كلّية كمعاني الأسماء و إن كانت آليّة ملحوظة لتعرف حال غيرها غير مستقلّة بنفسها و ليست بجزئية على ما توهّم العضدي و من تبعه و دلالتها على معانيها الكلية لا تتوقف على ذكر المتعلّق و إنّما الموقوف عليه دلالتها على المعنى المراد منها في الاستعمالات و هذا مبني على ما أصله من الأصل الّذي نتكلّم فيه إن شاء الله من إنكار الوضع العام مع خصوصيّة الموضوع له في لغات العرب رأسا و أنّه أمر اخترعه بعض المتأخرين و من تبعه في قبال كافة علماء العربية (أقول) سيأتي الكلام في المبني إن شاء الله و أمّا البناء فهو غير سديد لأنّ دلالة الحروف على معانيها الجزئية في الاستعمالات الشخصيّة أيضا غير مستندة إلى ذكر المتعلّق فهي دالّة على تلك المعاني الجزئية الآليّة بنفسها و إنّما المحتاج إلى ذكر المتعلّق المدلول دون الدلالة و بينهما من الفرق ما لا يكاد يخفى نعم لو قيل بأن معاني الحروف أمور كلية و إن كانت آلية كما ذهب إليه (رحمه الله) كان ذكر المتعلّق محتاجا إليه في الدّلالة على المراد كقرينة المشترك لا في الدلالة على نفس المعنى فإنّ سماع كلمة من حينئذ قبل مجي‏ء ذكر المتعلّق سبب بحكم الوضع للانتقال إلى أحد الابتداءات الخاصة على نحو الإجمال في الإرادة و تعيّن إرادة بعضها يحتاج إلى ذكر المتعلّق فافهم و اغتنم فالإشكال على القول بأنّ معاني الحروف كلّية أولى بالورود و مثل الإشكال في شمول الحدّ للحروف يجري في الموصولات و المبهمات على القول بوضعها للجزئيات و الجواب عنه مثل ما ذكرنا في الحروف (فنقول) إنّ المبهمات يوجب الانتقال إلى أحد معانيها على وجه الإجمال و تعيينه يتوقف على ملاحظة الخصوصيات و ليس كالحروف في استحالة الانتقال إلى المعنى الجزئي المقصود منه قبل ذكر المتعلّق كما يظهر بالتأمّل و من زعم أنّ ذكر المتعلّق شرط اعتبره الواضع في دلالة الحروف على معانيها كالمحقق العضدي و التفتازاني في شرح الشّرح فعليه بالفرق بينها و بين المجاز و أنّى له بذلك مع أنّك قد عرفت أنّ دلالة الشي‏ء على الشي‏ء لا يعقل اشتراطها بشي‏ء و إنّما المعقول هو التركيب في الدّال كالألفاظ المركّبة من الحروف أو الكلمات بالتركيب المزجي و أمّا التقييد فلا و إن أريد أن ذكر المتعلّق شرط وضعي للاستعمال فهو أمر معقول لكن شرط الاستعمال ليس مما يختلّ الدّلالة باختلاله غاية الأمر أنه في صورة مخالفة الشّرط تخرج الدّلالة من قانون الوضع و لا تنعدم رأسا لكونها من خواص العلم بالوضع و قد نقل عن التّفتازاني الاعتراف بأنّ حدّ الوضع غير جامع لوضع الحروف و بناء على الاشتراط المزبور و نعم الاعتراف و ممّا ذكرنا ظهر ما في كلام الحاجبي و العضدي حيث فرقا بين الحروف و الأسماء اللاّزمة الإضافة مثل ذو و فوق و تحت بأنّ ذكر المتعلّق في الحروف يتوقف عليه أصل دلالة الحروف على معانيها الإضافية و في الأسماء يتوقف عليه حصول غرض الوضع إذ لو قيل زيد ذو بدون الإضافة إلى شي‏ء لم يفد فائدة الوضع بل التحقيق أنّ الفرق بينهما من وجه آخر و هو أنّ معاني الحروف مع كونها إضافية آليّة محضة مستدرجة في طيّ الكلام غير قابل للإشارة حتّى يحكم عليها أو بها بخلاف الأسماء اللاّزمة الإضافة فإنّها معاني ملحوظة باللّحاظ الاستقلالي و إن كانت إضافيّة و كذا يشار إليها و يحكم عليها و بها كما حقق ذلك في النّحو سيّما في التحقيقات الشّريفة و تعجّبي ممّن تصدى لتصحيح التعريف على تقدير اشتراط الحروف بذكر المتعلّق تعريضا على التفتازاني و لم يأت ببيان سوى ما ينفي الاشتراط و يفيد الاستقلال في الدلالة و

أعجب منه أنّه مع قوله بأنّ معاني الحروف جزئية ذكر في المقام بأنّ سماع الحروف من حينه سبب للانتقال إلى معناه الآلي قبل ذكر المتعلّق مع أنّ قضية الآليّة عدم تعقّلها إلاّ بعد تحقق المتعلّق فكلّ ما ينتقل الذّهن إليه قبل مجي‏ء المتعلّق أمر قابل للإشارة و إذا كان قابلا لها قبل الحكم عليه و به فيكون كالمعنى الاسمي ثمّ إنّ له إشكالا على التعريف استصعب دفعه و الأمر هيّن و حاصله أنّ الفرق بين المجاز المشهور و المنقول بالغلبة غير واضح فإن أريد بالتعيين ما يختصّ بالوضع القصدي التعييني خرج المنقول بالغلبة و إن أريد الأعمّ دخل المجاز المشهور لأنّه متعيّن للدلالة على المعنى المجازي بسبب الشهرة كتعيّن اللّفظ للدلالة على المعنى بسبب الوضع لأنها سبب للتعيين كما أنّ الوضع أي التّعيين أيضا سبب له و المناط حصول التعيين بأيّ سبب كان و إلاّ خرج المنقول و مثل المجاز المشهور ما لو نصّ المستعمل على إرادته للمعنى المجازي عند إطلاقه اللّفظ و النّقض به وارد على تقدير التخصيص بالتّعييني أيضا و هذا البيان خير ما بيّن به مراده لاشتماله على أمور زائدة ثم أجاب عن الإشكال بوجوه مزيفة كلاّ أو جلاّ و لا يخفى ما فيه أمّا أوّلا فلأنّا نختار اختصاص التعريف بالوضع القصدي التّعييني و نلتزم بخروج المنقول عن الحدّ و لا خير فيه بل هو أمر واجب نظرا إلى اختصاص المحدود و هو الوضع بذلك لبداهة أنّ الوضع فعل للواضع فلا يتناول التعيين الذي هو من صفات اللّفظ و إطلاق الوضع على المنقولات مبني على نحو من التجوز بإرادة اللاّزم من الملزوم أو على الاشتراك اللّفظي مع أنّ المنقول بأنّ التعريف للقدر المشترك بين الوضعين غلط مبنيّ على استعمال لفظ التّعيين في اللازم و الملزوم على نحو الاستقلال الآئل‏

37

إلى استعمال اللّفظ في المعنيين و استعماله في القدر المشترك أغلط إذ لا جامع بين التعين و التّعيين كما لا يخفى نعم يرد عليهم ما أشرنا إليه من أنّ الوضع مأخوذ في تعريف اللّغة فإذا كان المراد ما يخصّ القصدي لم يطّرد تعريف اللّغة كما قلنا إلاّ أن يوجّه بما قلنا سابقا و لا مؤاخذة على القوم في عدم تعرضهم لوضع المنقولات هنا ثقة بما صرّحوا به في مقام آخر و أمّا ثانيا فلمنع تحقق التّعيين في المجاز المشهور كيف و ظاهر الأكثر و منهم المستشكل تقديم الحقيقة و لو أراد النقض على من يقول بالتّوقف أو بتقديم المجاز كصاحب المعالم في ظاهر كلامه في باب الأمر فيمكن أن يجاب أيضا بأنّ المراد بالتعيين على تقدير شمول التعريف له ما يوجب هجر الحقيقة الأولية و يبعدها عن الأذهان مع قطع النّظر عن الشهرة و الأمر في المجاز المشهور ليس كذلك و إلاّ بلغ درجة النّقل و منه يعلم الفرق بينه و بين المنقول بالغلبة و أنّ قياسه به مقرون بالفارق و مرجع كلامنا أنّ التعيّن متى لم يبلغ رتبة تفيد اختصاص جوهر اللّفظ بالمعنى لم نكتفي به في الوضع و من ذلك بان أنّ قياس التعين المتحقق في المجاز المشهور بالتعيّن الموجود في المنقول مبني على الغفلة عن حقيقة المجاز المشهور فإن قلت لو اعتبر في الوضع كون التعيّن بحيث يوجب اختصاص اللّفظ بالمعنى بطل الاشتراك و ثبت قول مستحيله لأن التعينات الحاصلة في المشتركات بواسطة الأوضاع المتعددة ليست بمثابة توجب اختصاص اللّفظ بالمعنى إلا مع قطع النّظر عن تعيّنه للآخر لأنّ تعين اللّفظ بكلّ من المعاني يساوي تعيّنه للآخر و قد اعترفت أنّ مثل هذا التعين حاصل في المجاز المشهور أيضا لمساواته للحقيقة المرجوحة و إلاّ فلا معنى للتوقف فيشمل التعريف حينئذ للمجاز المشهور قلت فرق بين التعيّن الابتدائي و التعيّن الطّارئ و ما ذكرنا معتبر في الثاني دون الأوّل و السّر فيه أن التعيّن المعتبر في الوضع ما كان مع قطع النّظر عن جوهر اللّفظ كالشّهرة و هذا في الوضع التعيني لا يتحقق إلاّ مع هجر الحقيقة الأولية و من هنا حصروا الوضع الحاصل بسبب كثرة الاستعمال في المنقول الّذي يعتبر فيه هجر الحقيقة الأوّلية و لم يقسموا الوضع الحاصل بسبب التعين الناشئ عن الاستعمال إلى المنقول و المشترك و الحاصل أن التعين الّذي يعتبر في الوضع و في كون اللّفظ حقيقة ما كان حاصلا بسبب تعيين الواضع أو بسبب كثرة الاستعمال و الاشتهار و لكن يعتبر في القسم الثاني أن يكون بحيث يوجب اختصاص اللّفظ بالمستعمل فيه و هجر الحقيقة الأولية و سمّوا ما ليس بهذه المثابة بالمجاز المشهور و بما ذكرنا ظهر سقوط إيراد بعض المحققين على صاحب المعالم حيث حصر في ظاهر كلامه الوضع الحاصل بسبب غلبة الاستعمال في المنقول الّذي يعتبر فيه الهجر من أنّ هذا الحصر باطل لأنّ غلبة الاستعمال ربّما توجب الوضع للمعنى المستعمل فيه من غير هجر المعنى الأوّل وجه السّقوط أن هذا الّذي توهم كونه حقيقة بعينه هو المجاز المشهور عند القوم لأنّ المجاز المشهور عبارة عن كلّ لفظ كثر استعماله في المعنى المجازي إلى حدّ التكافؤ مع الحقيقة عند عدم القرينة أو حد الرجحان على اختلاف الآراء من دون هجر الحقيقة الأوّلية فلا بد من محافظة تعريف الوضع عن دخول مثله و لو بقرينة المقام نعم يرد عليهم حينئذ أنّ ملاك الوضع و هو التعيّن موجود في المجاز المشهور أيضا فلم سمّوه بالمجاز لكن الخطب فيه سهل لأنه مناقشة في الاصطلاح و إلا فجميع أحكام الوضع يجري في المجاز المشهور أيضا من التوقّف أو تقديمه على الحقيقة المرجوحة إلاّ أن يقال إنه بملاحظة الشّهرة و كيف كان فالحدّ سليم عن الإشكال و الكلام في تصحيح الحدّ على حسب ما اصطلحوا في الوضع لا في وجه تسمية المجاز المشهور مجازا و بقية الكلام في هذا المرام موكول إلى بعض المباحث الآتية هذا في المجاز المشهور و أما تنصيص المستعمل على إرادة المعنى عند إطلاق اللفظ و حاصله نصب قرينة عامة ففيه أوّلا أنّ هذا هو الوضع لأنّ الوضع ليس إلاّ تعيين اللّفظ للمعنى بحيث يرجع إلى التّوسيم غاية الأمر كونه حقيقة عرفية لا لغويّة و لا ريب أن المحدود ليس خصوص الوضع اللّغوي و ثانيا أن التعيين للإرادة تعيين للاستعمال لا للدّلالة و المناط هو الثاني دون الأوّل و قد اعترف به المستشكل في غير موضع من كلامه و ممّا ذكرنا تعرف الحال في بقية ما ذكره في ذيل الإشكال المزبور إلى آخر المسألة فارجع و تأمّل هذا ثم إن في تعريف المشهور زيادة على ما عرفت من عدم تناوله‏

للمنقول بالغلبة بحث آخر و هو أنّ الوضع ليس عبارة عن تعيين اللّفظ للدلالة كيف و اللّفظ إنما وضع لنفس المعنى لا للدّلالة عليه و جعل اللاّم للتعليل بأن يكون المفعول الثاني مقدّرا مدلولا عليه بالمقام غير صحيح لأنّ غرض الوضع على ما هو المشهور ليس هو الدّلالة على المعنى بل التركيب و يمكن الذّبّ عنه بتكلّف ركيك مضافا إلى أن التقدير مع كونه خلاف ظاهر العبادة مخالف للأصل و التعريف الصّحيح الجامع للوضع بعد حمله على ما يعمّ التّعييني و التعيّني أن يقال إنّه تخصيص لفظ بمعنى أو اختصاصه به مع هجر المعنى الأوّل فينطبق على ما في المعالم و غيره و يخرج المجاز المشهور كما لا يخفى و سيجي‏ء مزيد بيان لهذا المقام إن شاء الله‏

بديعة [الكلام في بيان فائدة الوضع‏]

فائدة الوضع على ما صرّح به غير واحد ليست هي إفادة المعاني المفردة بل الغرض منه تأليف الكلام من الألفاظ الموضوعة لإفادة المعاني المركبة المشتملة على النّسب التامة و النّاقصة و ذكروا في وجهه أن الغرض منه لو كان إفادة المعاني المفردة لزم الدّور و تقرير الدّور على ما في المنية أنّ إفادة الألفاظ لمعانيها موقوفة على العلم بكونها موضوعة لتلك المعاني الموقوف على العلم بتلك المعاني ضرورة تأخّر العلم بأن اللفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني عن العلم بذلك اللّفظ و ذلك المعنى فلو استفيد العلم بتلك المعاني من تلك الألفاظ لزم الدّور ثمّ أورد على نفسه بأن ذلك بعينه وارد في المركبات فأجاب عنه بأنّا لا نمنع أن إفادة المركبات لمعانيها يتوقف على العلم بكونها موضوعة لها بل بوضع المفردات‏

38

لمعانيها (أقول) و لو قيل إنّ الغرض من وضع الألفاظ إفادة معانيها المفردة و إحضارها في ذهن السّامع من حيث كونها مرادة للمتلفّظ بها اندفع الدّور الأوّل كما لا يخفى و أمّا الدّور الثاني فلا يندفع بما ذكره بل بما ذكرنا أو بمنع ثبوت وضع للمركبات الإسنادية و لعلّه أراد ذلك و إن كان ظاهر قوله موضوعة خلافه بدليل تصريحه في موضع آخر بأن المركبات لا وضع لها (و أجاب) التفتازاني عن الدّور بأنّ الموقوف على الوضع هو فهم المعنى من اللّفظ و الموقوف عليه الوضع هو فهم المعنى في الجملة و هو و إن دفع الدّور لكن لا يخفى عدم فائدته في المقام لأنّ الغرض من وضع الألفاظ لا يجوز أن يكون فهم المعنى من اللّفظ أيضا بمعنى مجرّد الانتقال و التصوّر إذ لا يحصل به فائدة التعبير و غرض الكلام لأنّ الغرض منه هو الكشف عمّا في الضّمائر و مجرّد تصوّر المعنى من سماع اللّفظ مع قطع النّظر عن الحكم بإرادة اللاّفظ له لا طائل تحته فتمّ ما ذكره المحققون من استحالة كون الغرض مجرّد إفادة المعنى فإنه بين مستحيل ذاتا كما إذا كان الغرض إفادة المعنى مطلقا للزوم الدّور البين أو عرضا كما إذا كان الغرض إفادة العلم من اللّفظ لا مطلقا لكونه لغوا فيستحيل صدوره من الواضع الحكيم و ممّا ذكرنا ظهر أن ما ذكروه من الاستحالة في محلّه بعد كون مرادهم بالإفادة التصورية دون التصديقية أعني العلم بكونه مراد اللاّفظ و لعلّ ما ذكرنا في دفع الدّور هو الّذي أشاروا إليه من أنّ الغرض من الوضع التّركيب أي التعبير عما في الضّمائر بتأليف الألفاظ الموضوعة فافهم (ثمّ) إنّ الوضع في الحكمة البالغة يتّصف بالأحكام الثلاثة الوجوب و الامتناع و الجواز و الواجب هو الوضع للمعاني التي تشتد الحاجة إلى التعبير عنها و الممتنع هو الوضع لجزئيات المعاني على أن يكون كلّ جزئي حقيقي له لفظ مختصّ به و الجائز هو الوضع للمعاني الكلّية الّتي لا حاجة للإنسان إلى التعبير عنها إلاّ أحيانا و الدّليل على وجوب الأوّل أنّ المقتضي و هو المصلحة الدّاعية إلى الفعل موجود و المانع مفقود فيجب و إلاّ لزم البخل و قبائح آخر لا تخفي و الدّليل على امتناع الثّاني أنّ جزئيات المعاني المتخالفة و المتماثلة أمور غير متناهية لأنّ مراتب السّواد و البياض و جزئيات مراتب كلّ نوع من الرّوائح المختلفة و غيرها من جزئيات أجناس الموجودات أمور غير متناهية كمراتب الأعداد و الأسامي متناهية لتركبها عن أمور متناهية و هي الحروف و مقابلة المتناهي لغير المتناهي مستحيل و يظهر من الوجهين وجه إمكان الثالث و فيهما نظر أمّا في الأوّل فلأن الحكم بالوجوب يتوقف على العلم بعدم المانع مع العلم بالمقتضي و كلاهما ممنوعان أمّا وجود المقتضي فلأنّ المصلحة الّتي نراها إنما هي في وجود الوضع لا في وضع الواجب لإمكان أن يكون ذلك من وضع المخلوق مستقلاّ أو بتوفيق الخالق أو إعانته و مع جواز ذلك لا علم لوجود المقتضي لفعل الخالق و هذا لا ينافي القول بأن واضع الألفاظ هو اللّه لأنّ ذلك نقلي لا عقلي و أمّا وجود المانع فالعلم بعدمه موقوف على الإحاطة التامّة بوجوه الفعل و هو مستحيل للعقول البشرية و لو أريد بالوجوب ما يمتنع عدمه مقابل الامتناع فمع أنه خلاف ظاهر الدليل أوضح منعا كما لا يخفى و من أراد إثبات وجوب الوضع فعليه دعوى استقلال العقل بحسنه الملزم و هي كما ترى ثم إنّ هذا الاستدلال مبني على غير أصول الأشاعرة لأنّه من جزئيات التحسين و التقبيح العقليين و كذا مبني على عدم كون دلالة الألفاظ على المعاني ذاتية كما لا يخفى و أمّا الثاني فلمّا قيل من أنّ المركب من المتناهي نمنع كونه متناهيا مع أن امتناع مقابلة المتناهي لغير المتناهي ممنوعة و هذه أسماء العدد اثنا عشر مع عدم تناهي الأعداد و الأولى الاستدلال على الامتناع بأن الوضع للمعاني الجزئية فردا فردا عبث و لغو لأنّ في الوضع للكليات غنى عنه و كفاية فيستحيل صدوره من الحكيم إلاّ أن يقال احتمال كونه مصلحة من جهة أخرى غير تعبير المعاني يمنع عن الحكم بالعبثية كأكثر المصنوعات الّتي لا تبلغ العقول إلى مصلحة صنعها

بديعة [الكلام في تقسيات الوضع‏]

ينقسم الوضع بملاحظة سببه إلى تعييني و تعيني و بملاحظة عموم المعنى الملحوظ حال الوضع و خصوصه إلى عام مطلق و خاصّ كذلك أو عام من جهة و خاص من جهة أخرى و بملاحظة الموضوع إلى نوعي و شخصي فلتوضيح المقال في التقسيمات الثلاثة فنقول‏

أما القسمة الأولى [تقسيم الوضع إلى التعييني و التعيني‏]

فقد عرفت جملة من الكلام فيها و أن إطلاق الوضع على التعيين مبني على نحو من التجوز أو الاشتراك بحسب الاصطلاح لعدم الجامع بين التّخصيص و التخصّص إلا أن يراد بالوضع العلقة الحاصلة بين اللفظ و المعنى تسمية للشي‏ء باسم أحد أسبابه فيعمّ القسمين كما لا يخفى و كيف كان فالمراد بالأوّل اختصاص اللّفظ بالمعنى اختصاصا حاصلا من تخصيص مخصّص و بالثاني الاختصاص النّاشئ من كثرة الاستعمال و إنما يتحقق ذلك بالاستعمالات العادية عن القرائن المتّصلة فلو استعمل اللّفظ في المعنى المجازي أيّ مبلغ من الاستعمال و كان الاستعمالات كلّها أو جلها مع القرينة المتّصلة لم يحصل من مثله النقل إلى ذلك المعنى المجازي (و توضيح المقام) أنّ منشأ ظهور اللّفظ في غير ما وضع له إنما هو الظنّ الناشئ من الغلبة حيث إن السّامع إذا وجد كثرة استعمالات اللّفظ في غير معناه الحقيقي فيغلب على ظنه كون المشكوك فيه من تلك الاستعمالات و من الواضح أن اتحاد الملحق مع الملحوق به في الأمور الّتي يحتمل مدخليتها في الحكم فضلا عن الأمور الّتي علم بمدخليتها كالقرينة فيما نحن فيه شرط في حصول الظنّ من الغلبة فإذا فرض كون الاستعمالات المعلومة مقرونة بالقرائن فكيف يحصل الظن بإلحاق فاقدها بها و من يتوهم حصول الظّنّ من مثله فقد التمس الشي‏ء من فاقده و من ذلك بان ما في كلام بعض المحققين حيث جوّز مثل ذلك خلافا لأكثر الأعلام منهم سلطان المحققين و المحقق القمّي (رحمهما الله) و استظهر لما ذهب إليه بما إذا استعمل المتكلّم لفظا في معنى مجازي في مواضع مع القرينة فإنه يقرب ذلك المعنى المجازي إلى الذّهن بالبداهة حتّى فيما لم يكن هناك قرينة ثم يزداد القرب بزيادة الاستعمالات إلى حيث‏

39

يظهر في ذلك المعنى المجازي و فيه أنّ ذلك القرب إنما هو لأجل ظنّ نصب القرينة إلحاقا للشي‏ء بالأعمّ الأغلب فلو فرض علم السّامع بعدم نصب القرينة كما هو المفروض في المقام فيمنع القرب ثمّ الظّهور الناشئ من الاستعمالات المجرّدة على أنحاء منها ما هو بدوي زائل بمجرّد الالتفات إلى وضعه الأصلي و كون ذلك الظّاهر معنى مجازيّا و منها ما يبلغ إلى حدّ يقف الذّهن معه بين الحكم بإرادته و إرادة المعنى الأصلي الحقيقي توقفا غير زائل بعد التّأمّل و منها ما يزول بعد الالتفات إلى شهرة استعمالاته في المعنى المجازي و يترجح عنده ذلك و منها ما يتبادر منه إلى الذّهن ذلك المعنى المجازي من دون توسيط ملاحظة الشّهرة و لو تقديرا و الّذي يساعده النّظر في كلمات القوم انحصار الوضع في الأخير و خالف فيه أيضا ذلك المحقّق المزبور حيث لم يعتبر في المنقول هجر الحقيقة الأولية و اعترض بذلك على من حمل الغلبة في عبارة المعالم على هجر الحقيقة الأولية فالمنقول عنده قسمان أحدهما ما كان المعنى الحقيقي الأوّلي فيه مهجورا محتاجا في تفهيمه إلى القرينة كسائر المجازات و الثاني ما كان باقيا على حقيقته مع صيرورة اللّفظ حقيقة في المعنى المجازي أيضا بسبب غلبة الاستعمال و حاصله أن يكون مشتركا بينهما و قد عرفت فساد هذا الكلام في البديعة السّابقة و نزيد في البيان أنه إن أراد وجود القسم الأخير بين المنقولات أو قول العلماء به فهو قرينة بيّنة لأنا لم نجد من المنقولات ما كان مشتركا بين الأولي و الثانوي و لم نجد أحدا أيضا أدرجه في أقسام الوضع لأنّه ليس من المرتجل إذ المفروض هنا كون الوضع حاصلا من الاستعمال المجازي المعتبر فيه ملاحظة المناسبة المعنى الحقيقي و ليس من المشترك أيضا لأنّ الاشتراك إنّما يحصل من وضع الواضع دفعة أو في أوقات متقاربة و أمّا ما يحصل من الوضع و من الاستعمال المجازي فليس داخل تحت الاشتراك المعروف فمن زعم أن المنقول قسم من أقسام المشترك كما نسب إلى الأكثر فهو مبني على إرادة معنى آخر من المشترك لأن الاستعمال المجازي ربما يصير سببا لكون اللّفظ حقيقة في المعنى المجازي مع بقاء الحقيقة الأوّلية بحالها فيكون مشتركا بينهما و إطلاق المشترك على المنقول كما يظهر من عبارة التفتازاني في شرح الشّرح ليس مستلزما لقوله بحصول الاشتراك من النّقل بل تعميم الاصطلاح في المشترك بحيث يتناول ما كان أحد معنييه مهجورا نعم يظهر من عبارة السّلطان تجويز الأكثر ما منعناه و لعلّهم أرادوا مجرّد الإمكان العقلي و إن لم يساعدها مجاري العادة و موارد الاستعمالات و ليس من النّقل المعروف أيضا لأنّ مفهوم النّقل آب عن بقاء الحقيقة الأوّلية فإن قلت بلوغ الاستعمال إلى درجة النقل لا بد مسبوق ببلوغه إلى درجة التوقف أعني مقام الاشتراك لبطلان الطّفرة و من ثم أثبتوا المجاز المشهور في قبال من أنكره قلت اللاّبدية ممنوعة و بطلان الطّفرة لا مساس له بالمقام لإمكان بقاء اللّفظ على ظهوره في المعنى الحقيقي مع هذه الاستعمالات إلى أن تبلغ درجة النقل من دون سبق درجة المجاز المشهور و الاشتراك و من ثم أنكره جماعة كما سيأتي إن شاء الله و إن أراد إمكان ذلك فيمكن منعه أيضا لأنّ الوضع عبارة عن العلقة الحاصلة بين اللّفظ و المعنى على وجه يوجب كونه علاقة له و العلقة و إن كانت جعليّة حاصلة من الواضع المطاع فيمكن ثبوتها بين اللّفظ و المعنيين أو أزيد و أمّا إذا لم تكن جعليّة فلا يحصل من الاستعمال المجازي ما لم يغلب على العلاقة الوضعيّة و يهجرها و ممّا يؤيّد ما قلنا أنّا لم نجد لفظا يكون مشتركا بسبب الاستعمالات المجازية بين المعنيين على أن يكون المنقول منه واحدا و المنقول إليه متعدّدا و هذا يدل على أن العلقة الغير الجعليّة متى لم تبلغ درجة توجب اختصاص اللّفظ بالمعنى لم يكف في صيرورة المعنى حقيقيّا و اختصاص اللّفظ بمعنى ينافي اختصاصه بآخر مع أنّ هذا القسم هو بعينه مراد القوم من المجاز المشهور الّذي اختلفوا فيه على أقوال ثلاثة و لعلّ زعم كما يصرح به بعض كلماته أن المجاز المشهور ما كان اللّفظ فيه ظاهرا في المعنى الحقيقي مع قطع النّظر عن الشّهرة و في المعنى المجازي مع ملاحظتها بحيث يكون ملاحظة الشهرة لها مدخلية في تصادم الظهورين فما يتساوى فيه الظّهوران من دون ملاحظة الشهرة فهو قسم من المنقول و قد عرفت الإشكال في إمكانه ثم في وقوعه (فالتحقيق) اعتبار هجر الحقيقة الأولية في الوضع التعيّني كما هو ظاهر الكلّ أو الجلّ و الله الهادي هذا كلّه في النقل المرجوح و أما الرّاجح فالظّاهر عدم اعتبار

سبق الاستعمالات المجازية فيه فيجوز أن يتعيّن المطلق للأفراد الشائعة أو لخصوص بعض الأفراد من غير سبق استعماله في خصوص ذلك الفرد حتّى يكون مجازا كما يتضح ذلك في باب المطلق و المقيد فانتظر

أمّا القسمة الثانية [تقسيم الوضع الخاص و العام و موضوع له كذلك‏]

فمحصّل الكلام فيه أن المعنى الملحوظ حين الوضع إمّا أن يكون جزئيا حقيقيا ممتنع الصدق على كثيرين أو كليّا قابلا للصدق عليها و على الأول فإمّا أن يضع اللّفظ بإزاء ذلك المعنى الجزئي من جهة خصوصيّة أو من جهة كونه مرآة لملاحظة عنوان كلّي و على الثّاني فإمّا أن يضع اللّفظ بإزاء ذلك المعنى الكلّي و يجعله مرآة لملاحظة أفراده المندرجة تحته و يضع اللّفظ بإزائها و الوضع في الأول خاصّ من حيث نفسه و من حيث الموضوع له أيضا و مثاله المعروف وضع الأعلام الشخصيّة لأنّها موضوعة لما يمتنع صدقه على متعدّد إذ المراد بالتعدّد هو التعدّد الفردي دون التعدّد الأحوالي فزيد مثلا موضوع لمعنى لا يقبل التعدّد الفردي و هي الذّات المتشخّصة الخارجية و إن كان قابلا للتعدّد من حيث الأحوال مثل الصّحة و المرض و نحوهما من الأحوالات المتخالفة و من هنا ظهر فساد ما توهّم من كون وضع الأعلام أيضا عامّا كوضع الكليات نظرا إلى كون الموضوع له فيها أمرا عامّا جامعا لتلك الأحوالات وجه الفساد أن المراد بالعموم و الخصوص في المقام ليس ما يعمّ العموم‏

40

و الخصوص الأحواليّين بل خصوص العموم و الخصوص الأفراديين و كذا ظهر أنّ وزان تلك الأحوالات المتعاورة على معاني الأعلام وزان الخصوصيات العارضة لمعاني أسماء الأجناس في عدم اعتبارها رأسا في الموضوع له و إنّما الفرق بينهما أنّ أسماء الأجناس موضوعة للمعاني الكلّية لا في حال الخصوصيّة و لا بشرطها بخلاف الأعلام فإنّها موضوعة للذات الخارجيّة في حال اقترانها لبعض الأحوال لا بشرطها فلا يؤثر تبدل الحال الموجودة حين الوضع في الموضوع له فإطلاق زيد عليه في حال كبره كإطلاقه عليه في حال صغره و ليس مبنيا على تعدّد الأوضاع و لا على نحو من التسامح كما في إطلاق المقادير على ما ينقص عن حقائقها الأولية نقصا يتسامح فيه عادة و بعض من لم يتفطن إلى حقيقة الحال من الأفاضل اضطر في التفصّي عن تعدّد الوضع أو كلّيته إلى تعسّف ركيك و هو اعتبار إحدى المشخّصات المميّزة على وجه كلّي في الموضوع له و هو كما ترى مصادمة للبديهة لأنّ من يضع اسما لابنه لا يخطر بباله التشخص العارض فضلا عن اعتباره في الوضع مضافا إلى أن وضع الأعلام يكون حينئذ كوضع النكرة ضرورة اعتبار إحدى المشخصات لا بعينها في مسمّاها فيكون من القسم الثّالث و أمّا الأعلام الجنسيّة فقد توهّم أنّ الوضع و الموضوع له فيها أيضا خاصّان و الظّاهر أنّها من القسم الرّابع لأنّ علميتها كما صرّح به المحقق الشريف تقديرية أي حكمية و إلاّ فمداليلها مفاهيم كلّية كمداليل أسماء الأجناس (و توضيح المقام) أنه لو قلنا بأنّ علم الجنس موضوعة للماهيّة الحاضرة في الذهن بشرط الحضور الذّهني كان الأمر كما ذكره من كون الوضع فيه شخصيّا ضرورة استحالة صدق المهية بالاعتبار المذكور إلاّ على نفسها فلا يصدق على فرد فضلا عن أفراد كثيرة و أمّا لو قلنا بأنّ العلميّة فيه تقديريّة كما صرّح به المحقّق الشّريف وفاقا لبعض الأفاضل كما هو الظّاهر ضرورة صدق أسامة على الفرد كإطلاق أسد عليه كان من قبيل الثاني في عموم الوضع و الموضوع له و أمّا النكرة فإن قيل بوضعها للمهية أو للفرد المنتشر و قيل إنه كلّي كما ذهب إليه بعض الأعاظم فلا إشكال في كونه من القسم الثالث و أمّا لو قيل بأنها جزئي ففي كونه منه نظر لأنّ المناط في عموم الوضع كون المعنى الملحوظ في حال الوضع كلّيا إلا أن يقال إنّ المناط فيه عدم كون المعنى الملحوظ جزئيا معينا كالأعلام لا على كونه كلّيا قابلا للصّدق على كثيرين و هو جيد هذا كله مبني على أن يكون النكرة وضعها وضعا واحدا و أمّا إذا قيل بأنّ الفرد مستفاد من وضع التنوين و الماهيّة من المادّة جرى ما ذكرنا إلى آخره بالنّسبة إلى وضع التنوين و أمّا المدخول فهو من القسم الثالث الآتي و في الثاني أيضا خاصّ و لكن الموضوع له عام و هذا القسم من الوضع غير معهود عند العلماء و لم نجد مصرحا به و إن حكي عن بعض بل صرّح غير واحد أولهم المحقّق الشريف في حاشية شرح العضدي بامتناعه معلّلا له باستحالة كون الفرد وجها من وجود الكلّي و قيل برجوعه إلى القسم الرّابع إذ المعتبر فيه كون الموضوع له عامّا سواء لوحظ في نفسه أو في ضمن فرده و لكن الظّاهر أنه قسم برأسه و هو أمر شائع ذائع و ليس ببديع و يحتمل أن يكون من هذا القبيل المقادير بناء على كونها حقيقة في القدر المشترك بين التام و النّاقص الّذي يساوق التام في الفائدة المقصودة بل من هذا القبيل وضع أكثر المركّبات الخارجيّة فإن إطلاقها على الناقص الّذي لا يعتنى بنقصانه حقيقة في عرف واضعه جدّا مع عدم تعدّد الوضع و لو بالأصل (و توضيح المرام) أنّ الواضع قد يلاحظ معنى و يضع اللّفظ بإزائه من حيث كونه ذلك المعنى كما إذا وضع لفظا للإنسان من حيث إنه إنسان أو لزيد من حيث كونه زيدا و يتبع الوضع حينئذ ذلك المعنى في العموم و الخصوص فإمّا عام مطلق أو خاصّ كذلك و قد يلاحظ معنى و يجد فيه معنى آخر و يضع اللّفظ بإزائه لا من حيث كونه ذلك المعنى بل من حيث اشتماله على ذلك الآخر كما لو اخترع الطّبيب معجونا مركبا من أمور في علاج مرض و وضع لفظا بإزائه لكن لا من حيث كونه ذلك المركب بل من حيث اشتماله على تلك الفائدة و نظيره في الأحكام الشرعية المنصوصة العلّة فالوضع التوقيفي كالحكم التوقيفي قد يكون ثابتا لموضوع لأنّه ذلك الموضوع و قد يكون ثابتا له باعتبار مناط موجود فيه و إن كان هذا بالمال إثباتا للحكم لذلك المناط فقوله كلّ مسكر حرام مساو لقوله حرمت‏

الخمرة لإسكاره في عموم الموضوع إلا أنّهما متفاوتان في كيفيّة البيان و الجعل فكما أنّ الحكم في مثل قوله حرمت الخمر لإسكاره يسري إلى كلّ مسكر عند الشارع كذلك الوضع لأمر مركب باعتبار اشتماله الفائدة يسري إلى كلّ ما يفيد فائدة الكل من الأجزاء حتى لو فرض أنّ فاقد الجزءين أو الثلاثة مثلا يؤثر النفع المقصود و لو في حال دون حال دخل تحت المسمّى و من هذا القبيل إطلاق السكنجبين مثلا على المركب من الخلّ و السّكر مع كون الموضوع له الأولي هو المركب من الخلّ و العسل و هكذا إطلاق أسامي المعاجين على غير تامة الأجزاء إذا أفاد فائدتها و لو في بعض الأحوال فإنه في تلك الحالة تندرج تحت الاسم حقيقة باعتبار عموم الموضوع له و إن كان الوضع مختصا بالفرد الأوّل التام و من هذا الباب ألفاظ العبادات على المذهب الصّحيحي فإن إطلاقها على العبادات الصحيحة مع ما بها من الاختلافات الفاحشة الواضحة في الحقيقة ليس مبنيا على تعدّد الوضع و لا على الحقيقة و المجاز بل على الوجه الّذي بيّنا من كون الوضع خاصّا و الموضوع له عامّا على أحد الاحتمالين كما سنحققه إن شاء الله تعالى في تلك المسألة و الحاصل أن الوضع إذا تعلّق بالفرد باعتبار وجود صفة فيه سرى إلى كلّ ما تجد فيه تلك الصّفة أمّا على وجه الاشتراك المعنوي بأن يكون غرض الواضع من وضعه للفرد كونه مثالا للكلّي الموجود فيه و جعله مرآة لملاحظة حاله و يكون الموضوع له هو ذلك الكلّي كسائر المشتركات المعنوية و يكون الفرق بينهما مع عموم الموضوع له فيهما في كيفية الوضع و في آلة الملاحظة فإن كان الوجه في عدم‏

41

جعله قسما مستقلا مساواته للمشتركات المعنوية الّتي يكون الوضع و الموضوع له فيها عامين في عموم الموضوع له و إن تفارق عنها في كيفية الوضع و آلة الملاحظة لزم حصر الوضع في قسمين لأنّ القسم الأخير الّذي صرّحوا بأنّ الوضع فيه عام و الموضوع له خاصّ يساوي الأعلام و المشتركات المعنوية في عموم الموضوع له و خصوصه على حسب اختلاف الجزئيات المندرجة تحت العنوان العام الملحوظ في حال الوضع لأن ذلك ينحل إلى أوضاع متعدّدة فيتبع كلّ وضع ما تعلّق به من الجزئيات في العموم و الخصوص و إن كان الوجه عدم الفرق بينهما بوجه فقد عرفت فساده أو على الاشتراك اللّفظي بأن يكون خصوصية الفرد لها مدخليّة في الموضوع له عند الواضع و حصل تعدّد الأوضاع من تصرف تبعة الواضع بأن استعملوه في غير ذلك الفرد الّذي يساويه في الفائدة على وجه المسامحة و الحقيقة الادّعائية دون التجوّز إلى أن صار حقيقة كما هو أحد الوجهين في ألفاظ العبادات على القول بوضعها للصّحيحة فيكون كسائر المشتركات اللّفظية إلا أنّ التعدد في المشتركات جاء من قبل الواضع و هنا جاء من قبل التّبعة فظهر أنّ هذا القسم من الوضع مغاير لبقيّة الأقسام في وجه فلا وجه لإهماله مع ابتناء أصل تقسيم الوضع إلى أقسامها المشار إليها على مراعاة المغايرة في الجملة كما ظهر أنّ مرجعه إلى قسم خاصّ من الاشتراك المعنوي أو اللّفظي و نظير الأوّل المنصوص العلّة على مذهب المشهور و نظير الثاني المنصوص العلّة على مذهب السيد و العلل المسوقة لبيان حكم التشريع كزوال الرّيح في غسل الجمعة و الحاصل أنه لا بدّ من تربيع الأقسام بل تخميسه لأنّ القسم الأوّل ليس على حدّ سائر المشتركات المعنوية و كذا القسم الثاني ليس على حدّ سائر المشتركات اللّفظية لأنّ الاشتراك فيه إنّما حصل من تصرف التبعة و فيها إنّما حصل من تعدّد الوضع من الواضع و كذا ليس على حدّ المنقول لأنّ المنقول قد عرفت كونه مسبوقا بالاستعمالات المجازيّة الّتي لا يرجع إلى المسامحة و الادعاء و منه يظهر أنه لا منافاة بين ما حققنا هنا و بين ما أنكرنا سابقا من عدم وجود الاشتراك الحاصل من الاستعمال المجازي في الأوضاع اللّغوية لأنّ الّذي أنكرنا هو حصول الاشتراك بالتجوز لا بالحقيقة الادعائية فافهم و اللّه الهادي و في الثالث عام من حيث نفسه و من حيث الموضوع له و المناقشة في ذلك بأنّ المعاني الكلية لم توضع لها الألفاظ بملاحظة عمومها على ما هو المختار المحقّق في مسألة المطلق و المقيد بل بملاحظة إهمالها و كونها لا بشرط حتّى من شرط الإهمال ركيكة بعد وضوح المراد و رجوع التّسمية إلى نحو من الاصطلاح مضافا إلى أن عموم الموضوع له لا يستلزم اعتباره فيه و هذا القسم من الوضع لا إشكال فيه و لا خلاف و في الرابع عام من حيث نفسه و خاص من حيث الموضوع له و هذا موضع المشاجرة بين العلماء فذهب أكثر من تأخّر عن العضدي إلى ثبوته و محلّ النّزاع كلّ لفظ لا يستعمل إلاّ في جزئيات مفهوم كلّي باعتبار كونها جزئيات ذلك المفهوم و أمّا ما يستعمل في جزئيات مفهوم واحد لا باعتبار كونها جزئيات له فهو لا يتصوّر إلاّ على وجه الاشتراك اللّفظي و قالوا به في أوضاع المبهمات الثّلاثة و الحروف و الأفعال النّاقصة و التامة بالنّسبة إلى مدلولها النّسبي و من هذا القسم أيضا المركبات الّتي اختلف في ثبوت الوضع لها فإنّها بالنّسبة إلى مداليلها النّسبيّة مثل الأفعال و أمّا المشتقات بالمعنى الأخصّ كاسمي الفاعل و المفعول فصرّح في المعالم بأنها ليست من هذا القسم بل من القسم الثالث و هو الّذي يظهر من إمضاء السّلطان و نقل عن العضدي أنّها من هذا القسم و لعلّه أظهر لأنّ المناط على ما عرفت كلّ لفظ يكون دائم الاستعمال في جزئيات معنى من حيث كونها جزئيات له و هو بعينه موجود في اسم الفاعل أيضا كما يظهر بالتأمل و ربما يفصل في المقام و يقال إنّ وضع هيئة فاعل بالنّسبة إلى جزئياتها الإضافية ممّا نحن فيه و أما وضع تلك الجزئيات الإضافية كضارب بالقياس إلى جزئياتها الحقيقية من قبيل القسم الثالث و هذا التفصيل يمكن استفادته من تعليقة المدقق الشّيرواني على المعالم في مبحث الاستثناء المتعقب للجمل فارجع و لاحظ و هو جيّد لأنّ الضابط الّذي ذكرنا يجري فيها كجريانه في المبهمات فهيئة فاعل مثلا وضعها عام و الموضوع له هي الجزئيات الإضافية من المتلبّس بالمبدإ كالمتلبس بالضّرب و القيام و أمّا تلك الجزئيات الإضافية فالوضع و الموضوع له فيها عامّان و لا غضاضة في أن يتولّد من الوضع العام مع جزئية الموضوع‏

له بالإضافة أوضاع عامة من حيث نفسها و من حيث الموضوع له و ببالي أن هذا التفصيل قد صرّح به المحقق الشّريف في حاشيته على العضدي و كيف كان فقد اختلف في ثبوت هذا القسم من الوضع و نفيه إلى قولين و ذهب من تقدّم على العضدي على ما نسب إليهم إلى عدمه بل قيل إنه إجماع منهم و هو خيرة التفتازاني و بعض أجلّة المحققين من السّادات قال و لا يعرف علماء العربية متقدّمهم و متأخّرهم و كلّ من يرجع إليهم من أهل الأصول و غيرهم سواهما أي ما كان الوضع و الموضوع له فيه خاصّين كالأعلام أو عامّين كأسماء الأجناس إلى أن جاء المحقق العضدي فأبان من ضرب آخر من الوضع و هو ما يكون الوضع فيه عامّا و الموضوع له خاصّا و ذلك أنه و جد الحروف و الضّمائر و أسماء الإشارة و نحوها خارجة عنهما أمّا عن الأوّل فظاهر و أمّا عن الثّاني فلأنها لو وضعت للعام لاستعملت فيه يوما لكنّها لا تستعمل إلاّ في الخصوصيات إجماعا و ظاهر الاستعمال المستمر الحقيقة بل الإجماع منعقد على أنها ليست بمجازات فلم يبق إلا أن تكون وضعت للجزئيات بملاحظة الكليات و تلاه المحقق الشّريف و من جاء بعده و أهل العربيّة يقولون إن وضعها للكلّيات و إن لم يستعمل إلاّ في الجزئيات و هو قولهم كليات وضعا و جزئيات استعمالا (و الحق) أنّ دعوى الوضع و التعيين لكلّ جزئي جزئي دفعة واحدة

42

بملاحظة الكلّي كما يزعم هؤلاء حتّى يكون الوضع عامّا لخاصّ بمكان من البعد عن طرائق الوضع إنّما يعرف الناس في الوضع التعييني و أقصى ما علم من ذلك أنّها لا تستعمل إلاّ في الجزئيات و ذلك كما يحتمل أن يكون الوضع لها ابتداء على ما يقول هؤلاء كذلك يحتمل أن يكون للقدر المشترك بينهما و خصّ بها لداع كما يقول الباقون بل الظّاهر ذلك فإنّ المشتبه يلحق بالأعمّ الأغلب مع أنّ أئمة اللّغة و العربيّة لا يعرفون سواه و هو قولهم أنا للمتكلّم وحده و من الابتداء و لذلك لم يعدّوه في متكثر المعنى فكيف يدعى مع قيام هذا الاحتمال بل ظهوره أنّها موضوعة للجزئيات و هل هذا إلاّ ترجّم على الواضع و كيف يثبت الوضع بمجرّد الاحتمال بل ظهوره و إنّما طريقه النقل و ما يوجب العلم انتهى ما أردنا نقله من كلامه زاد اللّه في إكرامه و إنما لم نقتصر على بعضه لاشتماله على مجموع ما استدلّ به للقول الثاني و زائد مع ما به من البيانات الّتي لا يليق بأحد من أرباب هذا القول سواه و لنقدم على ذكر حجج القولين مقدّمات مشتملة على توضيح مقالة الفريقين و بعض ما يتفرع عليهما ليكون الدخول على بصيرة (الأولى) أنّ ظاهر الفريقين الاتفاق على أنّ هذه الألفاظ دائمة الاستعمال في جزئيات ذلك المعنى العام الملحوظ في حال الوضع فلا يجوز استعمالها في ذلك المعنى العام أبدا و هذا على القول الأوّل لا إشكال فيه لأنّ المعنى إذا لم يكن هو الموضوع له توقف الاستعمال فيه مجازا على الرّخصة الشّخصية و النوعيّة الّتي علم شمولها له و من هنا لم يطرد التجوز في كلّ لفظ بالنّسبة إلى كلّ معنى مجازيّ و أمّا على القول الثّاني ففيه إشكال لأنّ استعمال اللّفظ في المعنى الموضوع له لا يتوقف على رخصة الواضع لأنّ الواضع وظيفته إحداث العلقة الجعلية بين اللّفظ و المعنى و بعد حصول العلاقة الوضعيّة يكون اللّفظ كالعلاقة العقلية في الكشف عن المعنى قهرا و قضية ذلك جواز التعبير به عنه جدّا و قد يوجه ذلك بما ذكره المحقق المتقدّم و نسبه المحقق الشّريف إلى أرباب هذا القول من أنّ عدم الاستعمال إنما جاء من منع الواضع حين الوضع حيث اشترط في وضع الألفاظ المذكورة للمعاني المزبورة الكلية أن لا تستعمل إلا في جزئياتها و خصوصيّاتها الخارجية و مرجع ذلك إلى أن منع الواضع عن الاستعمال في نفس الموضوع له مانع لا أنّ الرخصة شرط حتى يرد ما تقدّم من أن الاستعمال في المعنى الموضوع له ليس بأمر توقيفي مراعى برخصة الواضع في الاستعمال و إلاّ انسد باب التكلّم بالألفاظ الموضوعة خصوصا الألفاظ العربيّة الّتي لم يتعارف استعمالها في العرف لعدم العلم برخصة الواضع في الاستعمال في شي‏ء منها و إنّما المعلوم أو المظنون نفس الوضع فإن قلت إذا كان منع الواضع مانعا كان الرّخصة شرطا لأنّ المراد بالمنع ليس هو المنع الصّوري بل عدم الرّضا الواقعي فإذا كان عدم الرّضا مؤثرا في منع الاستعمال كان نقيضه و هو الرضا و الإذن شرطا فيعود المحذور قلت نعم لكن إذا لم يمنع الواضع فالإذن النوعي معلوم من شاهد حال الوضاع فيستكشف الشّرط و هو الرّخصة حينئذ من شاهد الحال نوعا و هذا مثل عدم توقف التصرف فيما يكون هناك شاهد حال على الإذن مع عدم الجواز في صورة النّهي فتأمّل فإن العلم بالرخصة و الوضع معا يحصلان من تحاور أهل اللّسان لا يقال إذا كان منع الواضع مؤثرا في الاستعمال فلا بدّ من إحراز عدم المنع في جواز الاستعمال و لو بالأصل مع أنّ العلم بالوضع كاف في العرف في جوازه من غير الالتفات إلى منع الواضع فضلا عن إحراز عدمه لأنا نقول يكفي في إحراز عدمه عدم العلم به أو الأصل المركوز في أذهان العقلاء العمل به من حيث لا يشعر و الحاصل أن ما التزم به الفريقان من دوام استعمالها في الجزئيات و عدم استعمالها في المعاني الكلية لا ينافي القول بوضعها لنفس تلك المعاني الكلية لأنّ الوضع شي‏ء و الاستعمال شي‏ء آخر و لا ملازمة بين موردهما في فعل الواضع و جعله فكما أنّ ترخيص الواضع استعمال اللّفظ في المعنى المجازي مشروط عند الواضع بنصب القرينة لئلا يلزم فوت غرض التّرخيص و استعمال الألفاظ اللاّزمة الإضافة في معانيها الحقيقية بذكر متعلّقاتها محافظة لخروج الكلام عن حدّ الإفادة الّتي هو الغرض من وضعها كذلك وضع هذه الألفاظ لمعانيها الكلية مقرون بشرط عدم استعمالها إلاّ في جزئياتها إذ لا فرق بين تعيين اللّفظ للاستعمال و بين تعيينه للمعنى فإذا جاز الاشتراط في الأوّل جاز في الثاني هذه غاية ما يحسن في‏

توجيه الاشتراط المزبور على القول بوضعها للمعنى العام و هو بعد كلام خال عن التحصيل أما أولا فلأنّ هذا الاشتراط لا يتصوّر له فائدة بخلاف اشتراط القرينة في الدّلالة على المعنى المجازي لتوقف الدلالة عليها و كذا اشتراط ذكر المضاف إليه في الأسماء اللاّزمة للإضافة فإنّه ممّا يتوقف عليه كون الكلام مفيدا مع أن ادّعاء اشتراط الواضع نصب القرينة في المجاز و ذكر المتعلّق و المضاف إليه في الأسماء اللاّزمة الإضافة مجازفة إذ الظاهر أنّهما ثبتا من مساس حاجة المتجوّز و المتكلّم بتلك الأسماء إليها ضرورة أنّ الإخلال بها نقض لغرض المتكلّم لا لغرض الوضع فإن قلت فائدته اختيار أخصر الطّريقين في جعل الكاشف و المعبّر عن المعاني الجزئية إذ لولاه لوقع في طريق آخر أطول و هو تعدّد الوضع قلنا أوّلا إن انفتاح باب المجاز في الألفاظ يوجب انسداد بابهما في ترخيص الواضع في أصل المجاز غنى و كفاية عن اختيار أحد الطّريقين و ثانيا أن تعدّد الوضع على نحو الإجمال ليس بأطول من الاشتراط المزبور فاشتراط الاستعمال في الجزئيات بمنزلة الوضع لها و كلّ منهما قائم بغرض الواضع أعني جعل الكاشف من غير تفاوت في الاختصار و الإطالة و ثالثا أنّ الكلام في إبداء الفائدة لهذا الاشتراط من حيث تضمّنه لمنع الاستعمال في المعنى الموضوع له العام لا من حيث اشتماله على جعل الكاشف للجزئيات و ما ذكر لو تمّ فإنما يصلح فائدة له من الحيثية الأخيرة دون الأولى‏

43

كما لا يخفى للمتأمل فإن قلت فائدته عدم الوقوع في محذور التجوز مثل كلفة ذكر القرينة و نحوها و محذور الوضع أيضا لأنّ هذا الاشتراط من الواضع يجعل اللّفظ ظاهرا في المعنى الجزئي كظهور اللّفظ في المعنى الحقيقي من غير حاجة إلى تكلّف القرينة كما نصّ عليه المحقق المقدّم في طي كلماته ففائدته هي فائدة وضع الألفاظ قلنا تلك المعاني الجزئية لا تنفكّ عن القرائن المعيّنة و هي من لوازم وجودها كيف و الجزئي لا يكون جزئيا إلاّ بالمشخصات فلو كان الواضع قد أهمل الاشتراط المزبور و اكتفي بترخيصه الكلّي في التجوز لم يلزم رعيته أزيد ممّا يلزمهم على تقدير الاستعمال عن شرط الواضع و أمّا ثانيا فلأنّ هذا الاشتراط أمر غير معلوم و نصّ الواضع عليه أمر غير ثابت فينفي بالأصل لا يقال أصالة عدم الوضع تعارضه لأنّ الأمر دائر بين الاشتراط المزبور و بين الوضع للجزئيات لأنا نقول لا إشكال و لا خلاف في ثبوت وضع في الجملة و إنّما الإشكال في تعيين الموضوع له و يترتب على الأصل المذكور بطلان القول المزبور أيضا لأنّه لا ينفكّ عن هذا الاشتراط عند الجماعة لا يقال القدر المسلم إنّما هو وضع واحد لا الأوضاع المتعدّدة لتعدّد المعاني الجزئية فأصالة عدمها تعارضه بل تقدّم عليه لأنّا نقول الوضع الواحد المنحل إلى الأوضاع المتعددة حادث واحد و ليس بحوادث متعدّدة و الحاصل أنّ الوضع لمعنى عامّ أو لجزئياته بجعله آلة لملاحظتها في مرتبة واحدة من حيث التعدّد و الاتّحاد و أصالة عدم الوضع في كلّ منهما معارض بالأصل في جانب الآخر نعم على التّقدير الثّاني فالوضع سبب لحصول أوضاع متعدّدة للفظ واحد لكن الأصل في المسبّب لا يجري مع جريانه في السّبب كما تقرّر في محلّه إلاّ أن يقال أن الأصل السّببي في المقام مبتلى بالمعارض فيلاحظ جريان الأصل حينئذ في المسبّب فإن قلت يعلم الاشتراط من محافظة أهل العرف لدوام الاستعمال في الجزئيات و عدم الاستعمال في المعنى العام رأسا و التزامهم بذلك قلت الالتزام أعمّ من أن يكون مستندا إلى الوضع و الاشتراط و العام لا يدل على الخاصّ نعم لو ثبت الوضع للمفاهيم الكلّية أمكن إثبات شرط الاستعمال في الجزئيات من محافظة أهل اللّسان فهذا الكلام له وجه بعد تمامية ما يأتي من الأدلّة فقد تحقّق أنّ القول المذكور أعني القول بوضعها لذلك المعنى العام مشروطا بعدم استعمالها إلاّ في الجزئيات كلام ظاهريّ لا ينبغي صدوره من المحققين و قد يبنى صحّة القول المزبور على جواز المجاز بلا حقيقة مثل الرحمن و الأفعال المنسلخة عن الزّمان فإنّ استعمال هذه الألفاظ في الجزئيات و إن لم يكن على وجه التجوّز على ما يدّعيه بعض كما سيجي‏ء لكن المصحح للمجاز بلا حقيقة يصحّح كون الموضوع له هي المعاني الكلية مع عدم استعماله الألفاظ المذكورة فيها و فيه مضافا إلى ابتنائه على أصل نظر و شاذ أنه إنما يتم لو كان المراد بالمجاز بلا حقيقة المجاز بلا حقيقة سابقة و لاحقة و أمّا إذا كان المراد المجاز بلا حقيقة سابقة فجوازه لا يستلزم صحّة هذا القول كما لا يخفى لأنّه يستلزم مجازا لم يسبقه حقيقة و لا يلحقه أيضا مع أنّ المجاز بلا حقيقة و لو وصل إلى درجة النقل كما هو المقصود في المقام يجوز استعماله في المعنى الموضوع له مجازا و ليس الحال كذلك فيما نحن فيه و الّذي يمكن أن يقال في رفع الإشكال على القول المزبور هو أنّ تلك المعاني الكلية الملحوظة آلة لتعرف جزئياتها إما معاني إنشائية غير قابلة لاستعمال اللّفظ فيها مع محافظة ما يعتبر فيها من حقيقة الإنشاء سواء كانت هي بأنفسها موضوعا لها أو كان الموضوع لها جزئياتها أو متضمّنة للإنشاء بيانه أنّ المعاني على قسمين أحدهما ما ليس حاصلا من فعل المتكلّم و لا داخلا تحت أفعاله بحيث يكون موجده و مخترعه هو المتكلّم و ذلك كالماهيات الكلّية أو الجزئية الّتي تحكي عنها الألفاظ و الثاني ما كان حاصلا من فعله و داخلا تحت أفعاله الاختيارية نظير سائر أفعاله القائمة بجوارحه مثل الحركة و السّكون و الأكل و الشّرب و نحوهما فكما أن للإنسان أفعال اختياريّة يوجدها بجوارحه كذلك له أفعال اختيارية يوجدها بقلبه و نفسه النّاطقة و هذا معنى ما يقال في معنى النّية إنّها فعل تفعل بالقلب و هذه مثل الطّلب و نحوه من المعاني الإنشائية فإنّها حقيقة أفعال للمنشئ يصدر منه حين صدور اللّفظ و المضايقة عن كون الطّلب من مقولة الفعل لأنّه عين الإرادة الّتي هي عبارة عند المحققين عن التّصديق و الإذعان بالنفع و المصلحة لا يضرّ بما نحن بصدده و كما يجب في الحكمة وضع اللّفظ بإزاء

الطّائفة الأولى كذلك يجب بإزاء الطّائفة الثّانية لأنّ التعبير عنها أيضا من أشدّ حوائج الإنسان كالتعبير عن الطّائفة الأولى من غير فرق لكن التعبيرين مختلفان من حيث الكيفيّة لأن التّعبير عن الأولى باللّفظ عبارة عن تصوّرها و إحضارها في الذّهن عند صدور اللّفظ و عن الثانية عبارة عن إيجادها و خلقتها و اختراعها عنده و من الواضح أنّ الإيجاد و الاختراع لا يتعقلان على كلّيتهما و عمومهما فمتى كان اللّفظ موضوعا بإزاء شي‏ء من المعاني الإنشائية امتنع استعمالها في نفس ذلك المعنى الإنشائي على عمومه بل لا بدّ من استعماله في جزئي من جزئيّاته تحقيقا لحقيقة الاستعمال لأنّ الاستعمال في المعنى الإنشائي عبارة عن إيجاده عند التلفظ باللّفظ الموضوع بإزائه و إيجاد المعنى على كليته بمعنى كون ذلك الموجود كلّيا أمر مستحيل لأنّ الكلّية ممّا لا تتصف بها المعاني الموجودة بالبداهة فعدم استعماله صيغة افعل في الطّلب الكلّي الّذي هو آلة لملاحظة أفراده الخارجيّة ليس لأجل رجوعه إلى شرط وضعي على القول بكونه الموضوع له بل لعدم قابليته للاستعمال بالمعنى الّذي عرفت معناه و استوضح الحال من التأمل في مفهوم الطّلب و حقيقته و إيجاده فإنّ مفهوم الطّلب ليس معنى إنشائيا غير قابل للاستعمال على كلّيته و لذا يستعمل فيه اللّفظ الّذي وضع بإزائه من غير اعتباره في‏

44

فرد خارجي و كذا لفظ الإيجاد بخلاف حقيقة الطّلب فإنّه معنى إنشائي لا يقبل الاستعمال على كلّيته فمتى أريد الإتيان بكاشف عن مفهوم الطّلب أتي بلفظ الطلب و متى قصد التّعبير عن حقيقة الطّلب و استعمال لفظ فيه لزم إيجاد الطّلب مقارنا للكاشف و مثل الطّائفة الأخيرة المعاني المركبة من الطّائفتين كمدلول صيغة افعل و مادته فإنه معنى خارجي غير إنشائي مقرون بمعنى إنشائي أعني الطلب فهذه أيضا لا يتصوّر استعمال لفظ فيها على كلّيتها الملحوظة حال وضع اللّفظ لها إذا تحقق ذلك (فنقول) إنّ المبهمات إنّما وضعت لأمور مقرونة بمعاني إنشائية فلفظة هذا موضوعة لمذكر عاقل مقرونا بإنشاء الإشارة الخارجية إليه لا للمشار إليه المذكّر فإن أريد التعبير عن المشار إليه أتي بلفظ المشار إليه و لم يجز استعمال هذا حينئذ و كذا الضّمائر فإنّ هو مثلاً موضوعة لمذكّر غائب مقرون بالعهد الفعلي و مرجعه أيضا إلى نحو إشارة خاصّة و لو كانت على وجه الغيبة لا للمذكر الغائب و أنا مثلا موضوعة للمتكلّم في حال إيجاد الكلام الّذي هو معنى إنشائي كسائر الأفعال و أنت مثلا موضوعة للمخاطب في حال المخاطبة و كذا الموصولات فإنّها موضوعة لشي‏ء مبهم مقرون بذكر صلته الكاشفة عن حقيقته لا للمتعيّن بصلته و إن أريد التعبير عن المشار إليه أو المذكر الغائب أو المتكلّم أو المخاطب أو المتعيّن بصلته لم يجز استعمال تلك المبهمات جدّا بل وجب الإتيان بألفاظ أخر مثل المشار إليه و المذكر الغائب و المتكلّم أو المخاطب و المتعيّن بصلة لأنّها لم توضع لها أنفسهما بل لهما في حال مقارنتها بتلك المعاني الإنشائية على حسب اختلاف كيفيّتها و قول النّحاة إنّ هذا موضوعة للمشار إليه المذكّر و أنا مثلا للمتكلّم بيان لما يتعلّق بها تلك المعاني الإنشائية لا أنّها معانيها مطلقا أ لا ترى أن علماء البيان جعلوا أسماء الإشارة و الموصولات و الضّمائر من أسباب تعريف المسند إليه أو المسند فإنّ ذلك مبني على كون اسم الإشارة و سائر المبهمات مأخوذا في معانيها التّعيين الّذي هو معنى إنشائي على اختلاف كيفيّة لا أنّها موضوعة للمعاني المتعينة كالأعلام فتأمّل و أمّا الحروف فالمعنى العام الملحوظ حال وضعها و إن كانت من قبيل الطّائفة الأولى كما يظهر بالتأمّل إلا أنّها موضوعة على القول المزبور لحقيقة ذلك المعنى العام الخارجية لا لمفهومه و إلا كانت معانيها مستقلة بالمفهومية كما تقدم توضيحه في رد المحقّق المتقدم فالمعنى العام الملحوظ في وضع من مثلا عنوان الابتداء الآلي أي ما كان صفة الآليّة ثابتة له في الخارج لا لمفهوم الابتداء الآلي كلفظ الآلة و من الواضح أنّ الاستعمال في ذلك المعنى العام الملحوظ على كليته أمر مستحيل ضرورة منافاة اعتبار الآليّة الفعلية للكلية كما لا يخفى و هكذا الكلام في مدلول الأفعال و المركّبات الإسنادية فإنّها بالنّسبة إلى مداليلها النّسبية وضعها كوضع الحروف و معانيها كمعانيها أمور إضافية نسبيّة قائمة بالمنتسبين على اختلاف كيفياتها و المعاني النّسبية إنما تكون تلك المعاني بعد ذكر أطرافها فكيف يعقل استعمال لفظ فيها على كلّيتها الملحوظة في حال الوضع كما مرّ توضيحه في البديعة السّابقة و ممّا ذكرنا و أطلنا ظهر أن ما أورد على القول المزبور من عدم استعمال لفظ هذا مثلا في ذلك المعنى العام الملحوظ حين الوضع أعني المشار إليه الكلّي قطّ و عدم استعمال الموصول في الكلي المتعيّن بصلته أبدا و عدم استعمال أنا مثلا في كلّي المتكلّم رأسا فكيف تكون هي الموضوع لها مبني على نحو من الاشتباه و الغفلة عن حقيقة ذلك المعنى العام الملحوظ حيث توهّم أنّه في أسماء الإشارة مثلا المشار إليه و في الضّمائر هو المتكلّم أو المخاطب أو الغائب و في الموصول هو المتعيّن بصلة و لم يتفطّن إلى أن تلك المعاني العامّة الملحوظة في حين الوضع معاني اعتبر فيها المقارنة بالأمور الإنشائية من الإشارة و الخطاب في التّعيين أي حقيقة هذه الأمور و فعليتها الّتي هي أفعال للمتكلّمين و بذلك يظهر وجه بنائها لأنّ هذه المعاني الإنشائية اعتبرت فيها من حيث تعرف حال متعلّقاتها كالمعاني الحرفية فبنيت لأجل تضمّنها للمعاني النّسبيّة الآليّة ثم إنّ بيان معاني المبهمات و الحروف و الأفعال على الوجه الّذي حقّقنا من نفائس التحقيقات و هو قريب ممّا ذكره بعض أكابر المحققين بل يمكن دعوى اتحادهما بالمآل و إن كان ظاهر بعض بياناته يقتضي بالمغايرة و أنت خبير بأنّ مرجع ذلك إلى كون الموضوع له هي الخصوصيات لأنّ الذات المقرونة بالإشارة الفعليّة ليست مفهوما كلّيا قابلا للصّدق على كثيرين و كذا ذات الشّي‏ء المتعيّن بصلة تعيينا فعليا و كذا غيرهما من المبهمات فأين كون الموضوع به كلّيا مع هذا التّحقيق على ما صرّح به‏

المحقّق المزبور توضيح ذلك أنه يقول اعتبر في مدلول لفظة هذا مثلا الإشارة الفعليّة و لهذا لا يستعمل إلاّ في الجزئيات لتوقف الإشارة الفعليّة على متعلّق خاصّ و يرد عليه أنّه إن أريد اعتبار مفهوم الإشارة في مدلوله فهذا لا يتوقف على متعلّق خاص و إن أريد مصداقها فهو جزئي لا محالة و هكذا الكلام في مدلول لفظ الأمر فإنّ المعنى العام الملحوظ في حال وضعه إن كان هو مفهوم الطّلب فهو ليس من قبيل الإنشاء حتى يمتنع استعمال اللّفظ فيه على كلّيته الّتي كانت عليها في حال الوضع و إن كان هو مصداق الطّلب فهو جزئي لا محالة و الحاصل أنّه فرق بين مفهوم الوجود و مصداقه و كذا مفهوم الإيجاد و الإنشاء و مصداقهما و المفاهيم كلّها أمور عامّة قابلة لاستعمال اللّفظ فيها و المصاديق كلّها جزئيات خارجيّة لا عموم فيها و اللّه الهادي (المقدّمة الثانية) إنّه لا ريب و لا خلاف في أن وزان استعمال الألفاظ المزبورة في جزئيات تلك المعاني العامة الملحوظة في حال الوضع ليس على وزان استعمال الألفاظ في معانيها المجازية المتعارفة من حيث تبادرها من الألفاظ و عدم الاحتياج إلى تأوّل أو قرينة كما في المجازات بل قد عرفت في كلام‏

45

السّيد المتقدم نقل الإجماع على عدم كونها مجازات و الجمع بين هذا و بين القول بأنّها أفراد للموضوع له لا نفسه لا يخلو عن غموض و خفاء و لذا صرّح المدقق الشيرواني في تعليقاته على المعالم بأنّ استعمال الحروف في المعاني الجزئية على القول بوضعها للمعنى العام مجاز و قد يجمع بينهما بأحد وجهين أحدهما ما أورده بعض المحققين و بنى عليه تزييف مقالة الشيرواني من أنّ استعمالها في الجزئيات على هذا القول من قبيل استعمال الكلّي في الفرد نعم استناد فهم الخصوصيّة إلى أمر خارج عن حاق اللّفظ و انتصر لذلك بأنّ المراد من لفظ هذا و نظائرها من المبهمات في سائر الموارد ليس إلاّ أمرا واحدا و إن انطبق ذلك على أمور مختلفة و قال في موضع آخر إنّ المفهوم من الّذي في جميع استعمالاته هو نفس شي‏ء و إنّما الاختلاف في الخصوصيّات المأخوذة معه و ثانيهما ما ذكره السيّد المتقدم الّذي اختار هذا القول قال بعد ما أورد على نفسه بأنّه لو صح ذلك لكان استعمالها في الجزئيات مجازا و ليس كذلك إجماعا ما حاصله أنّ مراد القوم بعدم كونها مجازات عدم افتقار دلالتها عليها إلى نصب القرينة و هو كذلك لأنّ الاستعمال إذا كان عن شرط وضعيّ و عن تعيين الواضع و منعه من غيره مقرونا بما لا يفارق من الخصوصيّات اللاّزمة له جرى عليه حكم الحقيقة و ليس مرادهم بعدم كونها مجازات عدم استعمالها في غير ما وضع له كيف و هم قد صرّحوا بأنّها موضوعة للمعاني الكلية و كيف يجامع ذلك مع القول بأنّها مستعملة فيما وضع له فالجمع بين قولهم هذا و عدم كونها مجازات لا يتيسّر إلاّ بما ذكر ثمّ قال و إن أبيت عن ذلك قلنا إنّها واسطة بين الحقائق و المجازات من حيث وجود خواصّهما فيها فمن حيث عدم كون المتبادر منها سوى الجزئيات تكون كالحقائق و من حيث كونها مستعملة في غير ما وضعت له كالمجازات بل نقول إنّها حقائق أي مشتملة لملاك الحقيقة و مناطها الّذي هو الاستغناء عن القرينة في إفادة المراد و إثبات حقيقة جديدة غير مشمولة لحدّها المعروف ليس بأصعب من إثبات وضع جديد غير معروف عند أهل العربيّة انتهى كلامه رفع مقامه مع تهذيب و تحرير (أقول) أمّا التوجيه الأوّل فالقول به في جميع المبهمات مشكل لأن اسم الإشارة يدلّ بنفسها على الذات المشار إليها من غير الالتفات إلى الخصوصيات المكتنفة لأنّ الوجدان السّليم قاض بأنّ تلك الذات لا تستفاد من طريق تعدد الدّال و المدلول و كذا الضّمائر و أما الحروف فقد عرفت أن خصوصية ذكر المتعلّق ليس دخيلا في الدلالة بل في المدلول كما مرّ نعم ما ذكره يمكن إتمامه في مثل الّذي و نحوه من الموصول لكن الكلام ليس في خصوصه (فإن قلت) ليست لفظة هذا مثلا اسما ثانيا لذات زيد مثلا حتّى يكون دلالتها عليه كدلالة لفظ زيد بل دلالتها على ذات زيد عند الإشارة إليه من قبيل دلالة الكليات المستعملة في الأفراد عليها بقرينة المقام لأنّ هذا في حال الإشارة إلى ذات زيد إنّما تدلّ على ذات مقرونة بالإشارة الفعلية و خصوصيّة الزيديّة تستفاد من الحسّ و الإشارة الحسّية كما أنّ لفظ الرّجل إذا أشير إلى ذات زيد تدلّ على ماهيّة الرّجل و خصوصيّة الزيدية تستفاد من اللاّم العهدية فحال أسماء الإشارة كحال سائر الألفاظ الكلية المستعملة في الفرد مع استناد الخصوصية إلى أمر خارج عن حاق اللّفظ (قلت) الفرق بين هذا و لفظ زيد هو أنّ لفظ زيد يدل على الذّات المشخّصة ساكنا عن جميع الأمور الخارجة عن حاق الذات بخلاف هذا فإن وزانه وزان اللّقب و الكنية في الدّلالة على تلك الذات مع الدلالة على كونها محلّ الإشارة الفعليّة فإشعارهما بأمر خارج عنها من مدح أو ذمّ أو بنوة أو أبوة و ذلك لا يوجب عدم استفادة الخصوصية من حاق اللّفظ كما لا يوجب ذلك في اللقب و الكنية و منه يظهر فساد التنظير بمثل الرجل إذا أريد به زيد بطريق العهد و على هذا القياس حال الضّمائر مضافا إلى أن جعل فهم الخصوصية مستند إلى أمر خارج عن حاق الألفاظ خروج عمّا اتفق عليه الفريقان من كون المستعمل فيه خاصا لأنّ هذه الألفاظ تكون مستعملة في المعنى العام الكلّي حينئذ إلاّ أن يقال الاستعمال في الخصوصية في اصطلاح القوم ما يعمّ مثل ذلك أو يقال إن غرضهم من كون المستعمل فيه خاصا عدم استعمال هذا مثلا في مفهوم المشار إليه على وجه يتعلّق به الحكم على كلّيته و أنّها مستعملة في المفهوم المشار إليه على وجه يتعلّق به الحكم بفرده المستفاد من القرائن اللاّزمة لمجاري استعمالاته‏

و كلاهما كما ترى لا يلائم ظاهر كلامهم و تصريحهم بعدم استعمالها إلاّ في الجزئيات لأنّ الظّاهر منه كون المستعمل فيه هو خصوص الفرد من حيث خصوصيّته و هو المحسوس المشاهد في كثير ما جعلوه من هذا الباب (و أمّا التّوجيه الثاني) فلم نصل إلى لبّه و حقيقته سوى الاعتراف باستفادة الخصوصيّة من اللّفظ لكن بواسطة القرينة اللاّزمة الّتي اشترطها الواضع كما في سائر المجازات و أنّ الفرق بينهما لزوم القرينة و شرط الواضع في المقام دون سائر المجازات و هو موافق لما سمعت عن المدقق الشّيرواني إلاّ أن يقال إنّ غرضه إرجاع القرائن اللاّزمة إلى مقدّمات وجود المدلول لا الدّلالة نظير ما سلكناه و استظهرناه من كلام المحقق الشريف في الحروف بأن يقال إن ذكر الخصوصيات إنّما هو لأجل تحصيل حقيقة الفرد الّتي هي المستعمل فيها لا لأجل توقف الدلالة عليه كتوقف دلالة أسد على الرّجل الشجاع على ذكر يرمي و بالجملة فرق بين توقف الدّلالة على الشي‏ء و بين توقف المدلول عليه فإنّ الدلالة مستندة إلى حاق اللّفظ في الثّاني و إن لم تحصل بدون ذكر ذلك الشي‏ء الّذي يتوقف عليه تحقق المدلول لأنّ مثل ذلك لا يعدّ افتقارا إلى أمر خارج من اللّفظ و لذا ذكرنا وفاقا للمحققين أنّ ذكر المتعلّق في الحروف ليس ممّا يتوقف عليه الدلالة ابتداء بل بواسطة افتقار المدلول و المناط في كون الدلالة مستندة إلى أمر خارج لا إلى حاق اللّفظ هو كون المقصود في‏

46

الدّال ابتداء لا بواسطة قصور المدلول سواء كان ذلك المدلول هو الموضوع له كما في الحروف أو الموضوع له غيره كما في المقام (فنقول) لو لا حضور المشار إليه و تشخصه بالإشارة الحسّية لم يحصل حقيقة المشار إليه الكلّي الّذي هو المعنى العام الملحوظ في الوضع فلا يحصل الاستعمال في ذلك المعنى أيضا و كذا لو لم يذكر الصّلة بعد ذكر الموصول لم يكن الاستعمال في ذلك المعنى العام الملحوظ في حال وضع الموصول أعني الشي‏ء المتعيّن بصلته تعينا فعليا و هكذا إلى سائر المبهمات و ما يضاهيها في هذا القسم من الوضع الّذي نتكلّم فيه و بهذا البيان ينقدح فساد جلّ الإيرادات الموردة على هذا القول بل كلّها فاحفظه و اغتنم (المقدّمة الثالثة) إنّ ترخيص الواضع استعمال اللّفظ في غير المعنى الموضوع له و بالجملة العدول عن الوضع إلى التّرخيص لا بدّ أن يكون لأحد أمرين إمّا الاستراحة عن كلفة الوضع مع توسيع دائرة التعبير أو التوصّل إلى فوائد التجوّز كالمبالغة و نحوها من المزايا الّتي ترجع إلى وجوه البلاغة (أمّا الأوّل) فهو إنّما يتصوّر فيما إذا حصل من ترخيص واحد إجمالي جواز التّعبير بلفظ واحد عن معان متعدّدة و لم يتحصّل ذلك من وضع واحد كذلك كما هو الشّأن في المجازات لأن ترخيص استعمال اللّفظ في جزئيات إحدى العلائق المعهودة على القول بكون المجازات متلقاة من الواضع بالوضع النّوعي الّذي هو عبارة عن الترخيص المزبور تصير منشأ لصحة التعبير بلفظ واحد عن الجزئيات المندرجة تحت تلك العلاقة بذلك الترخيص الواحد الإجمالي و لا يتيسّر ذلك باختيار طريق الوضع لأنّ الوضع للأمور المتخالفة لا يكون إلاّ بأوضاع متعدّدة إلاّ أن يقال إنّ المترتّب على الترخيص المذكور إنّما هو التعبير عن المعنى الكلّي كالمتشابه و المجاور و نحوهما و أمّا الجزئيات المستعملة فيها الألفاظ المجازيّة فإنّما يستفاد من قرائن المقال أو المقام فليس ترخيص الواضع استعمال لفظ أسد مثلا في ما يشابه معناه الحقيقي كالشّجاع سببا لجواز التعبير عن معان متعدّدة بلفظ أسد مجازا بل عن معنى واحد و هو كلّي المشابه و إن كان المستعمل فيه هو خصوص زيد و عمرو و نحوهما من أفراد الشّجاع فإنّ الخصوصيّة ليست ممّا يتعلّق بها التّرخيص تفصيلا أو إجمالا بل من الأمور اللاّزمة للاستعمال و ليست أيضا موردا للاستعمال من حيث الخصوصيّة حتى يلزمه سبك المجاز عن المجاز كما توهم بعض الأجلّة (فقال) إن نحو رأيت أسدا يرمي مجاز منسبك من المجاز و العلاقة في الأوّل المشابهة و في الثاني العموم و الخصوص لأنّ ذلك مبني على إرادة خصوصيّة زيد الشّجاع مثلا من لفظ أسد و للمنع فيه مجال واضح (و لا ريب) أنّ الوضع الواحد مكان الترخيص المزبور أيضا يفيد هذه الفائدة في جميع الألفاظ الكلّية فيكون أولى من الترخيص لإغنائه عن القرينة إلاّ أن يقال إنّ القرينة المعينة اللازمة على هذا التقدير كقرينة التجوّز على تقدير الترخيص فيكافأ الاحتمالان و يتوقف التّرجيح على الثّبوت لكون الوضع و الترخيص كليهما توقيفيّين لكن يمكن ترجيح جانب الوضع لأنه الأصل في الإفادة و الاستفادة و إن كان المجاز أيضا كثيرا فإنّه بالنّسبة إلى الوضع أقل قليل و حينئذ فينحصر فائدة ترخيص الاستعمال في غير ما وضع له في الثاني و هو التوصل إلى المبالغة و نحوها من وجوه البلاغة فحيث لم يترتب على الترخيص المزبور هذه الفائدة كان صدوره من الواضع قبيحا هذه حال اختيار طريق الترخيص (و أمّا) اختيار طريق الوضع فالأصل فيه أن يكون الغرض الاستعمال في الموضوع له و إلاّ فلا طائل تحته نعم بعض من جوّز المجاز بلا حقيقة ذكر أن الوضع قد يكون لأجل الاستعمال فيما يناسب الموضوع له و حاصل التوصل إلى فوائد المجاز فحيث كان الاستعمال في غير الموضوع له لا لأجل ملاحظة المناسبة بينه و بين الموضوع له كان الوضع لأجله لغوا قبيحا إذ لم يترتب عليه الاستعمال في الموضوع له أصلا و الحاصل أن وضع لفظ المعنى إذا لم يقصد منه الاستعمال في ذلك المعنى أو في مناسبه مع ملاحظة المناسبة لتحصيل بعض المزايا لغو صرف لأنّ الاستعمال في ذلك المناسب إن كان ناشئا عن وضع اللّفظ بإزائه فهو أولى من أن يكون ناشئا عن وضع اللّفظ بإزاء ذلك المعنى فلا يصلح الاستعمال المزبور غرضا لفعل الواضع أعني الوضع لذلك المعنى (و منه (رحمه الله)) يظهر أنّ القول بأن الغرض من وضع الألفاظ المتنازع فيها للمعاني الكلّية الاستعمال في جزئياتها من دون أن يكون في الاستعمالات فوائد المجاز في غاية السّخافة (إذا تمهدت المقدمات) قلنا إنّ المختار من القولين هو القول الأوّل و يدل عليه وجوه ثلاثة (الأوّل) أنّه لو كانت تلك الألفاظ موضوعة

للمعاني الكلّية يصحّ استعمالها فيها بلا ريب لأنّ جواز الاستعمال من اللّوازم الظّاهرة للوضع مع أنّ استعمال هذا في كلي المشار إليه المذكّر و استعمال أنا في كلي المتكلم و استعمال الّذي في كلي المتعيّن بصلته أمر غير معهود بين الأوائل و الأواخر بل غير صحيح في العرف و اللّغة و أجيب عنه بوجوه (الأوّل) أنّ عدم استعمال هذه الألفاظ في معانيها الكلّية إنما هو من جهة شرط الواضع ذلك و منعه منه في حال الوضع و الملازمة بين الوضع و الاستعمال إنّما تثبت إذا لم يمنع الواضع منه و أمّا مع المنع فالمتبع هو ما قرّره الواضع و لا يتعدّى عنه (و الثّاني) أن عدم الاستعمال إنما هو من جهة قصور تلك المعاني الكلية عن صلاحيّة الاستعمال فيها لا لمنع المواضع و الاستعمال إنّما يلازم الوضع إذا كان الموضوع له قابلا له و أمّا مع عدمها فالمتعيّن هو الاستعمال في أفراده و قد سبق وجه عدم القابلية بما لا مزيد عليه (أقول) و يرد عليهما أنّ الوضع حينئذ فعل سفهيّ لا ينبغي صدوره من الواضع لأنّ الوضع لمعنى بشرط عدم الاستعمال فيه أو لمعنى غير قابل للاستعمال لا يترتّب عليه فائدة (فإن قلت) فائدته‏

47

التعبير من جزئيات ذلك المعنى (قلت) هذه الفائدة تقتضي وضع اللّفظ لتلك الجزئيات لا لكلّيها ثم الاستعمال فيها بطريق التجوز و أي فائدة في كون الموضوع له شيئا و المستعمل فيه شيئا آخر (فإن قلت) فائدته إدراك مزايا المجاز (قلت) فوائد التجوّز لا تدرك إلاّ إذا احتمل المخاطب حين سماع اللّفظ إرادة المعنى الحقيقي حتّى يكون العدول عنه إلى المعنى المجازي بواسطة القرينة سببا لحصول بعض المعاني و أما مع علم المخاطب بعدم إرادة المتكلّم المعنى الموضوع له في أوّل الأمر فلا يترتّب عليه سوى ما يترتب على العلم بالوضع من محض الانتقال إلى المعنى مع أنك عرفت أن استعمال هذه الألفاظ في الجزئيات ليس مبنيّا على ما يبنى عليه سائر المجازات هذا مضافا إلى ما في الأوّل من الإيرادات الّتي سبقت في المقدّمة الأولى و ما في الثّاني من أنّا لا نعقل كلية المعنى الموضوع له على تقدير عدم قابليّته للاستعمال كما نبّهنا عليه آنفا (و الثالث) أنّ هذه الألفاظ مستعملة في المعاني الكلّية و الخصوصيات مستفادة من القرائن اللاّزمة للاستعمال و مرجعه إلى منع بطلان التّالي كما أنّ مرجع الأوّلين إلى منع الملازمة و جوابه أيضا قد ظهر في المقدّمة الثانية من مصادمته للوجدان في كثير من الألفاظ المزبورة مثل هذا و سائر أسماء الإشارة فإنّا لا نتوصل إلى ما أريد منها من المعاني الجزئية بطريق تعدّد الدّال و المدلول بل ننتقل إلى ذات المشار إليه مثلا من حاق لفظ هذا و أنّ الفرق بينه و بين علم تلك الذّات أنّه يدل على الذات و معنى زائد عليها أعني الإشارة الجزئية بخلاف العلم فإنه يدل على الذّات المجرّدة (و الرابع) أنّ هذا مقلوب على المستدلّ لأنّ هذه الألفاظ لو كانت موضوعة للجزئيات لاستعملت في تلك المقامات الكلّية أيضا بطريق المجاز لأنّ صحّة استعمال اللّفظ في الكلّي مجازا من لوازم وضعه للجزئي مع أنّها لا تستعمل فيها قط و هذا الجواب بمكان من الضّعف و السّقوط و لا حاجة في ردّه إلى ما قيل من منع الملازمة المزبورة نظرا إلى عدم اطّراد التجوز في كلّ لفظ بالنّسبة إلى كلّ خارج لأنه لو تم لدل على عدم وضعها لشي‏ء من المعاني لمكان هذا المحذور و الثّاني أنّ القول بكلية معانيها لو تم فإنّما يتم في غير الحروف و الأفعال و المركّبات كأسماء الإشارة و سائر المبهمات لأنّ القول به فيها يستلزم القول باستقلالها بالمفهوميّة و هو ضروري البطلان (ثمّ) الظّاهر أن أحدا لم يفرق بينها و بين الأسماء من الجهة المبحوث عنها لأنّ الّذي دعا المحققين إلى فتح باب هذا القسم من الوضع مشترك الثبوت بين جميع الألفاظ اللاّزمة الاستعمال في جزئيات مفهوم واحد (و أجاب عنه) بعض المحقّقين بما حاصله أنّ الفرق بين الحروف و الأسماء بعد اشتراكهما في عموم الموضوع له و كلّيته إنما هو من جهة اعتبار المرآتية في معاني الحروف دون الأسماء فعدم استقلال الحروف بالمفهوميّة إنما جاء من جهة الآلية لا من جهة جزئية معانيها كيف و لازم ذلك أن تكون المبهمات غير مستقلة بالمفهومية عند المتأخّرين (أقول) إشكال المسألة في أنّ معاني الحروف على تقدير كلّيتها ملحوظة بالاستقلال و قابل للإشارة المعنوية و يصح الحكم عليها و بها و لو كانت معان آليّة لأنّ الآلة قد تلاحظ بالاستقلال و قد تلاحظ بالتّبع و قد مر شرح ذلك فيما تقدّم عند تحقيق معنى الحروف فمجرّد كونها معان آليّة لا يكفي في عدم استقلالها و قد تقدّم أيضا كلام صاحب المحصول في توضيح عدم استقلال الحروف بالمفهوميّة مع كونها معان كلّية فارجع و تأمّل (و حاصل) الكلام في تزييف الجواب و تزييف ما ذكره صاحب المحصول هو أن كلمة من إن كانت موضوعة لمفهوم الابتداء الآلي فعموم الموضوع له مستقيم حينئذ لكن مفهوم الآلة معنى مستقلّ فضلا عن مفهوم الابتداء الآلي و إن كان موضوعه لمصداق الابتداء الآلي أي للابتداء المتّصف بالآلية الفعليّة فعدم الاستقلال حينئذ مسلم دون الكلّية و قد يجاب أيضا بأن ما اتفق عليه أهل العربية من عدم استقلال معاني الحروف يراد به عدم استقلال ما قصد منها في مجاري الاستعمالات إذ ليس المعنى سوى ما قصد من اللّفظ و إلاّ فنفس الموضوع له مع قطع النّظر عن الاستعمال و الإرادة لا يصدق عليه المعنى و جوابه أيضا قد أسلفناه حيث قلنا إن ظاهر علماء العربية إبداء الفرق بين الحروف و الأسماء في نفس المعنى الموضوع له دون المستعمل فيه (الثالث) أنّ الأصل في الاستعمال المستمرّ الحقيقة و قد اعترف به مدّعيا عليه الإجماع السيّد المتقدّم في محله عند اتحاد المستعمل فيه و الشكّ في كونه الموضوع له أو الموضوع له غيره و

لا ريب في أنّ المقام من مجاري الأصل المزبور (الرابع) أنّ القول بأنّها موضوعة لنفس المعاني الكلية ترجم على الغيب لأنّ طريق العلم به مسدود باعتبار عدم جريان شي‏ء من طرق الوضع الآتية فيه أمّا التّبادر فباعتراف الكلّ و كذا عدم صحّة السّلب نعم قد يتخيل إمكان ثبوته بإخبار أهل اللّسان كما في سائر الألفاظ و هو اشتباه جلي لأن إخبار أهل اللّسان مبني على ما يجدونه في المحاورات و الاستعمالات فإذا علمنا بعدم استعمال اللّفظ في معنى قط كان إخبارهم بوضع اللّفظ له ساقطا عن درجة الاعتبار هذا إذا كان إخبارهم حجّة من غير إفادة العلم و أما على تقدير عدم الحجية كما هو الحق فالأمر أوضح مضافا إلى ما ستعرف من منع حجية إخبارهم بذلك هذه ما استحسنته من وجوه القول المشهور المنصور و ما سنح لي من الوجوه و هذه الوجوه سوى الأخير أدلّة على عدم كون الموضوع له هو المعنى العام و أمّا كون الموضوع له هي الخصوصيات فيثبت بالملازمة كما لا يخفى و أمّا القول الآخر فقد ظهر من كلام السيّد المتقدّم جلّ أدلّته أو كلّه مع الإشارة إلى وجوه فسادها أحدها و هو الأقوى تصريح علماء العربية و أهل اللّسان بأنّ هذا موضوعة للمشار إليه المذكور و أنا للمتكلّم و هكذا إلى آخر المبهمات و تصريح بعضهم فضلا عن إجماعهم حجّة و فيه أولا

48

منع الحجّية ما لم يفد العلم كما سنحققه إن شاء الله تعالى و ثانيا منع التصريح لأنّ كلامهم هذا كما يحتمل أن يكون بيانا لتمام الموضوع له كذلك يحتمل أن يكون بيانا لجنسه فيكون قولهم أنا للمتكلم مثلا قضية مهملة مسوقة لبيان كونها إشارة إلى المتكلّم لا المخاطب و لعلّ الثاني أظهر لأنّ ديدنهم بيان ما هو المفيد في مقام الإفادة و الاستفادة و معلوم أنّ بيان الموضوع له الّذي لا يستعمل فيه اللّفظ أبدا لا يجدي في ذلك المقام أبدا بل المجدي إنّما هو بيان المعاني الّتي يستعمل فيها الألفاظ لأنّه المرجع في الإفادة و الاستفادة و لو حمل كلامهم على بيان تمام الموضوع له و أنّه الكلّي دخل في حدّ اللّغو و خرج عمّا يقتضيه شهادة أحوالهم (فإن قلت) بيان جنس الموضوع له ليس فيه أيضا فائدة لأنّ الإفادة و الاستفادة متوقفان على معرفة تمام الموضوع له (قلت) نعم لكنهم تركوا التّصريح بأنّ الموضوع له هو أفراد ذلك الجنس ثقة بما هو المعلوم من استعمالات هذه الألفاظ أعني إرادة الفرد سلّمنا عدم الظّهور في ذلك لكنّه محتمل قويّا فلا يتم الاستدلال هذا و يمكن دعوى الظّهور في الأوّل بمقتضى القواعد اللفظية و هو الأخذ بإطلاق الكلام لأن ملاحظة الأفراد اعتبار زائد يدفع بالأصل و فيه تأمّل ينشأ من أنّ إحراز مقام البيان شرط في التمسّك بالإطلاق و لا سبيل إليه في المقام كما يظهر للمتدرّب و ثانيها أنّهم قسموا الألفاظ إلى متحد المعنى و متعدّده و المتعدّد إلى المشترك و المنقول و الحقيقة و المجاز و على تقدير وضعها للجزئيات بطل الحصر المزبور لأنّه ليس بمشترك و لا منقول و لا الحقيقة و المجاز (و أجيب) بأنّ هذا التّقسيم من القدماء و لما كان مذهبهم وضعها للمعنى العام حصروا الأقسام فيما ذكر و هذا الجواب قد عرفت ما فيه لأنّ قولهم بذلك ليس بمعلوم و الصّواب أن يقال إنّه داخل في المشترك غاية الأمر أن الأوضاع هنا إجمالية و في المشترك المعروف تفصيلية (و ثالثها) أنّ الوضع للجزئيّات يستلزم إحضار ما لا يتناهى و فيه ما لا يخفى‏

تنبيهان‏

الأوّل‏

ذهب العضدي فيما حكي عنه إلى أن الموضوع له هي الجزئيات الحقيقية و ذهب بعض المحققين وفاقا لظاهر القوانين إلى أنّها على تقدير وضعها للجزئيات فالموضوع لها أعم من الجزئيات الحقيقية و الإضافية قال و لا يجري ذلك يعني ما زعموه من كون الموضوع له جزئيا حقيقيّا في كثير ممّا جعلوه من هذا القسم كالحروف فإنها و إن وضعت عندهم لخصوص المعاني المتعينة بمتعلّقاتها إلاّ أنّها مع ذلك قد تكون مطلقة قابلة للصدق على كثيرين كما في قولك كن على السّطح و كن في البلد و نحوهما فإن كلا من الاستعلاء و الظّرفية المتعينتين لمتعلّقاتها في المثالين قد استعمل فيها لفظة على و في لكنّهما مع ذلك صادقان على أفراد كثيرة لا تحصى إلى أن قال و كذا الحال في أسماء الإشارة إن قلنا بوضعها للأعمّ من الإشارة الحسية و غيرها فإنّ الكلّيّات يشار إليها بعد ذكرها (أقول) الظّاهر أنّ النزاع هنا لفظي لأنّ القائل بوضعها للجزئيات الحقيقية أراد ذلك بالقياس إلى مفاهيمها الكلية فهذا مثلا موضوعة لما هو جزئي حقيقي بالقياس إلى مفهوم المشار إليه بحيث يمتنع صدقه على شي‏ء آخر يكون هو المشار إليه أيضا و إن كان قابلا للصّدق على كثيرين لا من هذه الحيثية و لو في حال كونه مشار إليه فافهم و هكذا الموصول (و أمّا الحروف) فالظّاهر أن كلّيتها و جزئيتها تابعة لحال متعلّقاتها كما اعترف به (قدّس سرّه) فمعاني الحروف على هذا القول يمكن أن يكون كلّيا بالقياس إلى المعنى العام الملحوظ في وضعها أيضا فضلا عن غيرها (و أمّا الموصول) فالحال فيه كما عرفت في أسماء الإشارة و كذا الضّمائر و الذي يفصح عن صدق ما ادّعينا أنّه مرادهم أنّ الضمير و الموصول قد يكون معناهما أفرادا متعدّدة كضمير الجمع و الموصول المستغرق فلا وجه لعدّهما جزئيا حقيقيّا حينئذ إلاّ بالقياس إلى المفهوم الملحوظ في حال وضعهما فافهم‏

الثّاني‏

أنّ النّزاع في هذه المسألة عديمة الجدوى علما و عملا لأنّ مجاري الاستعمالات في هذه الألفاظ ليست إلاّ الجزئيات و المشاجرة في أنها الموضوع لها أو الموضوع لها هي المعاني الكلّية ليس ممّا يهتمّ بشأنه هذا الاهتمام مع أنّ الفاصل في هذا النّزاع لا يكاد يتمّ لأنّ الإخبار عن فعل الواضع حسّا من العلوم الغيبيّة و اجتهاد قطعيا ممتنع هنا لأنّ الطّريق العلمي إلى الوضع بعد علائم الوضع المفقودة في المقام كلا منحصر في إخبار أهل اللّسان و معلوم أنّ إخبارهم مبنيّ على الفهم النّاشئ من تتبع الاستعمالات فحيث كان الاستعمال غير مفيد كان الإخبار أيضا كذلك و إنّما خضنا في المسألة اقتفاء لأثر بعض المحقّقين و مثله المسألة الآتية في عدم الجدوى و اللّه الهادي‏

و أمّا القسمة الثالثة [الكلام في تقسيم الوضع إلى النوعي و الشخصي‏]

فهي كالقسمة الثانية في طرف الموضوع و تفصيل ذلك أنّ الموضوع قد يكون ملحوظا بالتّفصيل و إن كان صادقا على جزئيات متفقة الحقيقة مختلفة من حيث المستعمل و زمان الاستعمال و مكانه و قد يكون ملحوظا بالإجمال في ضمن لفظ كلّ صادق على ألفاظ مختلفة الحقيقة و الوضع في الأوّل يسمّى بالشخصي و في الثاني بالنوعي هذا على أحد الرأيين في المسألة (و أمّا) على الرّأي الآخر المختار فالوضع الشّخصي ما يعرض لموادّ الألفاظ و النوعي مما يعرض لعوارضه من الحركات و السّكنات و الهيئات و المتعاورة على الموادّ فالثاني ثلاثة أنواع المشتقات و المركبات و الأحوال الإعرابيّة و سائر الملحقات كالألف و اللاّم (و المراد) أنّ الوضع النّوعي ليس بخارج عن أحدها (و أمّا) أنّ الوضع فيها لا بدّ أن يكون نوعيّا فليس بمراد بل قد يقال بأنّ وضع بعض المشتقات شخصيّ مثل الماضي و المضارع المجرّدين المعلومين نظرا إلى اختلاف موادّهما فإنّ هيئة فعل تلحق مواد مختلفة لا جامع بينها حتى يلاحظ إجمالا بسببه بل لا بدّ فيها من الملاحظة التفصيلية و المنافية لكون الوضع نوعيّا كما صرّح بعض الأجلّة لكن يمكن أن يصحّح كون الوضع فيهما و أشباههما أيضا نوعيّا كما يقتضيه إطلاق كلامهم في تسمية وضع المشتقات و الهيئات نوعيّا بأنّ وجود الجهة الجامعة بين‏

49

المواد ليس بلازم في كون الوضع نوعيّا إذ المعتبر فيه كون الموضوع صادقا على ألفاظ مختلفة الحقيقة و هو مع عدم الجهة الجامعة بين المواد المختلفة أيضا متحقّق فإنّ زنة فعل يصدق على زنة ضرب و نصر إلى آخر ما على هذا الوزن من الأفعال المجردة فللواضع أن يقول إني وضعت هيئة ثلاث للدّلالة على الماضي و يحيل تعيين مواردها إلى مقام آخر فيكون كلّ واحدة من تلك الهيئات حينئذ موضوعة بالوضع النوعي لعروضها على ألفاظ مختلفة الحقيقة الّتي يعرفها أهل اللّسان غاية الأمر صيرورة الهيئات الثلاث من المترادفات و لا ضير فيه إذ الترادف غير مختص بالوضع الشّخصي (و أمّا ثانيا) فلأنه لو تم لجرى في المزيد أيضا لأنّ هيئة افتعل مثلا لا ضابط لمعروضها من الموادّ بل لا بدّ من السّماع و ليس بقياسي إذ لا يبنى من كل مجرّد هذا المزيد و كذا سائر المزيدات (و الحاصل) أنّ القول بأن وضع فعل مثلا شخصي يرجع إلى أنّ الواضع لاحظ كلّ واحد من مصادر هذا الباب و وضع هيئة ماضيه مثلا بوضع مستقلّ و القول بأنّه نوعيّ يرجع إلى أنّ الواضع وضع أوّلا الهيئات الثلاث للدّلالة على الماضي على نحو التّرادف ثم عيّن معروض كلّ واحدة من الهيئات نعم لو كان معنى الوضع النوعي قابلية الوضع للاستغناء عن اللّحاظ التّفصيلي رأسا لم يتصور ذلك في مثل فعل مما لا جامع بين موادّها ضرورة عدم استغناء وضع هيئة فعل مثلا للماضي عن ملاحظة موادها تفصيلا و لو لأجل تعيّن معروض الموضوع لا لأجل نفس الوضع لكن نمنع مساعدة الاصطلاح على اعتبار ذلك الشّرط في الوضع النّوعي فإنّ الوضع النّوعي اصطلاح من المحقّق الشّريف بعد العضدي و لا إشارة في كلامه إلى هذا الشّرط بل ظاهره أنّ الموضوع الملحوظ حال الوضع إذا كان يندرج تحت الجزئيات الإضافية فالوضع المتعلّق به نوعي و بالجملة لا بدّ للواضع من ملاحظة موادّ فعل مثلا تفصيلا لكن لابدّيتها في حال الوضع ممنوعة فمن الجائز أن يضع هذه الهيئة العارضة للموادّ للماضي ثمّ يعيّن ما يلحقها من المصادر فيصدق حينئذ على الوضع المتعلّق بفعل تعريف الوضع النّوعي و إنّما لم يصدق لو كان الموضوع خصوص كلّ مادة معروضة للهيئة و كيف كان فالكلام في المقام يقع من جهات ثلاث و إن تقدّم إلى بعضها الإشارة (الأولى) أنّ الوضع هل تعلّق بنفس تلك العوارض بأن يكون الموضوع في المشتقات و المركبات نفس الهيئة و في الأحوال الإعرابية نفس الحالة العارضة كالرّفع و النّصب و لازمه التزام وضع آخر للموادّ أو تعلّق بالعارض و المعروض بوضع واحد و لو نوعيا و ظاهر المشهور هو الأوّل بل هو المصرح به في كثير من الكلمات حيث إنّ المعروف أن هيئة فاعل مثلا موضوعة للمتلبّس بالمبدإ و مادته موضوعة للحدث المخصوص فيتعدّد كلّ من الموضوع و الموضوع له لكن صرّح بعض الأجلّة وفاقا لبعض المحققين بالثاني و لعلّ الأقوى و الأظهر هو الأوّل و به صرّح المحقق القمّي (رحمه الله) و الدّليل عليه أمور (أحدها) التبادر لأنّ الوجدان السّليم يعرف أنّ نسبة المادّة إلى صيغة فاعل مثلا ليس كنسبة جزء اللّفظ الموضوع إلى كلّه مثل نسبة ز إلى مجموع زيد بل نسبتها إليها نسبة جزء المركب الإضافي إليه في الدّلالة على معنى مقصود ملحوظ و قد تكلف في الجواب عنه بعض الأجلّة و لم يأت بوجه وجيه و حاصل ما أجاب به أن استفادة المعنى الزائد على المبدإ من صيغة المشتقّ ليس من باب استفادة جزء المعنى من جزء اللّفظ بل من مجموع اللّفظ و حيث إن هذه أيضا مختصّة بالمشتق لعدم ثبوتها في مثل زيد كما لا يخفى (اعتذر عنه) بأن منشأها اشتراك صيغ أخرى معها في هذا الجزء فإن مشاركة ألفاظ متعدّدة في جزء المعنى و جزء اللّفظ توجيه فهم ذلك الجزء المشترك فيه من كلّ واحد من الألفاظ المزبورة و لكنه ليس استفادة جزء المعنى من جزء اللّفظ بل من كلّه الملحوظ و لو إجمالا و قال أيضا إن توقف فهم ذلك الجزء على الالتفات إلى الهيئة و تعيينه مثلا لا يدلّ على وضعها له فإن الهيئة حدّ من حدود الصّيغة الموضوعة بوضع واحد و الالتفات إلى حدّ اللّفظ أي ذاتياته و مقوماته و مشخصاته مما لا بدّ منه في الانتقال إلى المعنى انتهى ما حصّلنا من كلامه (و أنت خبير) بأنّه مع بعده عن الأنظار المستقيمة لا يجديه نفعا لأنّا نستعمل المتبادر في مدلول الجزء المادّي و ندّعي أن استفادة المعنى المصدري من صيغة فاعل مثلا ليس على حدّ استفادة جزء معنى زيد من لفظ زيد بل على نحو استفادة معنى الغلام من لفظه في تركيب‏

غلام زيد و معلوم أن المرجع في مثل المقام ليس سوى الوجدان السّليم ثمّ لا يخفى أن قضيّة الاعتذار الاعتراف باستفادة جزء المعنى من جزء اللّفظ لأنّ اشتراك صيغ متعدّدة إذا كان في جهة واحدة جامعة بينها فلا جرم يستند الانتقال إلى جزء المعنى المشترك فيه إلى تلك الجهة الجامعة الّتي هي جزء اللّفظ لا إلى مجموع اللّفظ فكيف لا يكون ذلك من باب فهم جزء المعنى من جزء اللّفظ (الثّاني) الاستقراء التام في وضع اللّواحق فإنّ أوضاع سائر الملحقات مثل علامة التثنية و الجمع و التنوين و الألف و اللام و نحوها من العوارض المعتورة على الألفاظ موضوعة بالوضع المستقلّ من غير إشكال بل لعلّه بين علماء العربيّة إجماعي بل المحقق المزبور اعترف بذلك و لا ريب أن للهيئات أيضا إحدى لواحق الألفاظ و أيضا من أراد فهم معنى المشتق يطلب معرفة جزئه المادّي فلو لا سريان معناه في حال الانفراد إلى حالة لحوق الهيئات لم ينفع معرفة معناه الانفرادي (الثالث) أنّه لو كان وضع المشتق وجدانيا لزم القول بأنّ الواضع لاحظ كل واحد من المشتقات تفصيلا و وضعه بإزاء المتلبّس بمبدئه فلاحظ صيغة ضارب و وضعه بإزاء المتلبّس بالضّرب و هكذا و هذا لا يجامع القول بأن أوضاعها نوعيّة إذ لا فرق حينئذ بين ضارب و بين الإنسان في كون كلّ منهما لفظا مشخصا معينا و إن كان صادقا على ألفاظ متفقة

50

الحقيقة و قد عرفت أنّ المناط في الوضع النوعي كون الموضوع ما يندرج تحته ألفاظ مختلفة الحقيقة وجه الملازمة أنه ليس بين ألفاظ المشتقات جهة جامعة حتّى تكون آلة لملاحظتها لأنّ صيغة فاعل لا يصدق على صيغة ضارب بخلاف ما لو قلنا بأن الهيئة موضوعة للدلالة على التلبس لأن هيئة فاعل مما يصح أن يكون آلة لملاحظة هيئات عارضة لألفاظ مختلفة الحقيقة و المحقق المتقدّم اعترف في كلامه بأنّ الواضع لم يلاحظ صيغة ضارب تفصيلا بل إجمالا في ضمن اللفظ الكلّي الجامع و هذا كيف يجامع القول بأن مجموع العارض و المعروض موضوع بوضع واحد إجمالي و دعوى أنّ الواضع لاحظ صيغة فاعل و وضع أشباهها و نظائرها كصيغة ضارب و مرجعه إلى وضع ما كان على زنة فاعل و هو مفهوم عام آلة لملاحظة ما تحته من الجزئيات الإضافية مدفوعة بأنّ هذا المفهوم أعني ما كان على زنة فاعل مفهوم انتزاعي و ليس من قبيل الألفاظ و لا من قبيل عوارض الألفاظ و الموضوع بالوضع النوعي ليس بخارج عن أحدهما بل هو إما لفظ أو من عوارضه و كيفيّاته إلاّ أن يقال إنّ الموضوع بالوضع النّوعي في كلّ ما هو من بابه إنّما هو الجزئيّات المندرجة تحت ذلك الكلّي لا نفس الكلّي فالوضع صفة من صفات تلك الجزئيات (و لا ريب) أنّ جزئيات ما هو على زنة فاعل كلّها من قبيل الألفاظ و الّذي دعاهم إلى ما تكلّفوا و تعسّفوا حسبان أن التزام تعدّد الوضع بالنّسبة إلى الهيئة و المادة يستلزم القول بأنّ المادة في حال عروض الهيئة موضوعة بوضع آخر غير وضعه المصدري لأن الوضع المصدري متعلّق بالمادة مع خصوصيّة الهيئة المصدريّة و فيه ما لا يخفى (لأنّا نقول) إن جوهر لفظ المصدر موضوع بالوضع الشخصي لذات الحدث المخصوص لا بشرط و هيئته موضوعة للدّلالة على ملاحظة بشرط لا فيكون لكلّ من المادة و الهيئة المتعلّقين بالمصدر أيضا وضع مستقلّ نظير المشتقّات (أو نقول) إنّ الهيئة شرط للاستعمال نظير لواحق أسماء الأجناس فإنها غير دخيل في وضع مواد الأسماء جدّا على التحقيق الّذي عليه الكلّ أو الجلّ مع مدخليّتها في صحّة الاستعمال و إنّما الفرق بينهما أن لواحق الأسماء مع كونها شروط الاستعمال دالّة على معان زائدة على نفس المعنى أيضا من التّعريف و التنكير و التثنية و الجمع و نحوها بخلاف هيئة المصدر فإنّها شرط للاستعمال خاصّة بل بعض عوارض الأسماء أيضا كذلك مثل تنوين التنكير فإنّها لا تدلّ على معنى زائد على الذّات إذ التنكير أمر عدمي مستند إلى عدم مقتضى التّعريف مع أنّه من شرائط الاستعمال (و الحاصل) أنّ وضع المادّة في حال عروض الهيئات ليس مغاير لوضعه المصدري فلا وجه لاستبعاد التزام وضع للهيئة مستقلا فافهم و اغتنم هذا هو الحال في المشتقّات (و أمّا المركّبات) و الأحوال الإعرابيّة و نحوها من ملحقات الأسماء فقد ظهر حالها أيضا لأنّ الظّاهر أنّ ثبوت الوضع للهيئات التركيبيّة على القول بثبوت الوضع فيها و كذا في ملحقات الأسماء مما لا ينكره أحد من أهل النّظر حتى أن منكر ثبوت الوضع لهيئة المشتقات التزم به فيها (الجهة الثانية) أنّ الموضوع هل هو كلّي الهيئة أو كلّي المجموع المركّب منها و من المادة بأن يكون الوضع و الموضوع كلاهما عامين نظير الوضع و الموضوع له العامين أو أنّهما آلتان لملاحظة ما تحتهما من الجزئيات و الموضوع هي نفس تلك الجزئيات نظير مذهب المتأخّرين في أسماء الإشارة و نحوها صرّح المحقق القمّي (رحمه الله) بجواز كلّ منهما و خالفه بعض المحققين حيث صرّح بالثّاني و أورد على المحقق القمي (رحمه الله) وجوها لا جدوى في ذكرها مع وهنها و عدم متانتها و لم أجد في كلام غيرهما تعرّضا لهذه الجهة في المشتقات إلا أنّ ظاهر المعالم و غيره ممّن تصدى لبيان وضع المشتقّات هو الأوّل و هو الأصحّ لأنّه لا ضرورة إلى اعتبار هذا الأمر الزّائد و هو ملاحظة شي‏ء و جعله آلة لملاحظة حال جزئياته و إنّما صرنا إليه في الحروف و ما شابهها لعدم استقامة وضع الألفاظ اللاّزمة الاستعمال في الجزئيّات إلاّ به إذ قد عرفت أنّ الوضع لشي‏ء لا يستعمل فيه اللّفظ فعل لا يترتب عليه غرض عقلائي بخلاف وضع شي‏ء لا يستعمل في المعنى إلا جزئياته فإنّه أمر ضروري عقلي يجري في جميع الأوضاع حتّى الأعلام و أسماء الأجناس لأنّ الموضوع هو نوع اللّفظ و المستعمل هو جزئياته و من هنا ظهر أنّ المقام من أظهر موارد الاستقراء المستعمل في الأوضاع اللّغوية لأنّ جميع الموضوعات اللّغوية ما عدا محل النّزاع من قبيل ما ذكرناه (الجهة الثالثة) أنّ الموضوع له هل هو الأمر الكلّي الملحوظ حين وضع‏

هذه العوارض أو أنّ الموضوع له جزئياته الحقيقية أو الإضافية و قد ظهر الحال سابقا في مدلول الأفعال و المشتقات و أنّ الأوّل من قبيل عام الوضع و خاص الموضوع له و أنّ الثاني كذلك أيضا بالقياس إلى الجزئيات الإضافية و أما نفس تلك الجزئيات كصيغة ضارب فالوضع و الموضوع له فيه كلاهما عامّان و قد استظهرناه من بعض كلمات المدقق الشّيرواني ثم وجدنا التّصريح به من المحقّق الشّريف و الظّاهر أنّ وضع المركبات على القول بوضعها و كذا الإعراب و سائر اللّواحق وضعها كوضع الأفعال بالنّسبة إلى المدلول النّسبي كما يظهر ذلك كلّه بالتّأمّل‏

تذنيب [الكلام في وضع المجازات‏]

قد اشتهر في الألسنة أنّ المجازات موضوعة بالوضع النوعي الترخيصي و الظّاهر أنّ إطلاق الوضع النوعي هنا يرجع إلى معنى آخر غير ما سبق و هو كون الموضوع له نوعا من أنواع العلائق و القرينة على ذلك أنّهم راموا بهذا الإطلاق التنبيه على عدم اشتراط الرّخصة في آحاد المجاز و ربما قيل برجوعه إلى الاصطلاح المتقدم نظرا إلى عموم الموضوع و الموضوع له في المجازات لأنّ ترخيص الواضع إنّما ثبت في مطلق الألفاظ الموضوعة لا في كلّ فرد فرد منها بالخصوص و يمكن ردّه بعدم اطّراد التجوّز في كلّ لفظ إذ لو كان المرخّص فيه مطلق الألفاظ الموضوعة لاطرد فعدم الاطّراد دليل على ثبوت التّرخيص في كلّ لفظ لفظ و الثمرة بين‏