بدائع الأفكار في الأصول

- الشيخ آقا ضياء الدين العراقي المزيد...
414 /
1

-

2

[الجزء الاول‏]

من كتاب بدائع الافكار فى الاصول‏

[تصدير]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه الذي لا تحصى آلاؤه عدا و لا تجزي نعماؤه شكرا و حمدا و أفضل الصلاة و السلام على أفضل الخلق و الأنام خاتم الأنبياء محمد و آله الكرام و اللعنة الدائمة على اعدائهم شرار الخلق و اعداء الحق اما بعد فهذا هو الجزء الأول من كتابنا الموسوم «ببدائع الأفكار» الذي هو محصل ما استفدته من بحث شيخنا الاستاذ المقدم و العلامة العليم و الامام الذي يقتدى به و العلم الذي يهتدى به الى محكمات المعارف الدينية اذا عمت متشابهاتها و فرقان الحقائق الروحية إذا اشتبهت آياتها و كيف لا يكون كذلك و قد أشرقت بتحقيقه حقائق علم الفقه و اصوله كواكب سيارة في الآفاق أو مصابيح وهاجة في مشاكي الصحف و الاوراق حتى استولى على علم الفقه و أصوله بحثا و تدريسا و تهذيبا و تأسيسا في مرات عديدة و دورات غير محدودة و كما أبدع في هذين العلمين الواسعين تحقيقا و تقريرا توسع فيهما تصنيفا و تحريرا فانتج سعيه الحميد و رأيه السديد في علم الأصول دائرة تحتوي على لبابه و فصل خطابه و بنات أفكاره الأبكار التي اشرأبت؟؟؟ اليها أعناق الفضلاء و شدوا اليها الرحال من اقاصي الامصار و في علم الفقه دوائر استوفى فيها ابوابه تحقيقا بالأدلة الوثيقة و الأنظار الدقيقة و توسع فى بعض أبوابه فلم يقتنع فيه بمصنف واحد بل كرر النظر و التأليف فيه إلى غير ذلك من الرسائل الجمة في المسائل المهمة مقتصرا في جميعها على خلاصة الأفكار و سلالة الابحاث و الأنظار و أيم اللّه تعالى ان تلك المصنفات السامية لا يعوزها من كمال الفن إلا البيان السهل‏

3

لهذا أصبحت تلك الانظار الثمينة من الكنوز الدفينة لا يهتدي اليها إلا من ترعرع على تربية شيخنا الاستاذ أو توسع في النظر في هذه الفنون و هذا هو الذي حملني على تحرير تقريري لدروسه و محاضراته التي تلقيتها منه شفاها في حلقة تدريسه و غيرها لأجتلى أسرار أنظاره الخفية بشي‏ء من العبائر الجلية خدمة مني للعلم و اهله و برا بالاستاذ و اظهارا لفضله و قد رتبت هذا الكتاب على مقدمة و مقاصد و خاتمة.

أما المقدمة ففي بيان امور

[الامر] الأول في تعريف العلم و موضوعه و فائدته و رتبته. و توضيح هذه الامور الاربعة يتحقق في جهات‏

الجهة الأولى: [فى التعريف العلم‏]

لا يخفى أن لفظ العلم كثيرا ما يطلق و يراد به أحد معنيين (الأول) هو معناه الأولي الحقيقي أعني به انكشاف الواقع للنفس الذي يمكن انقسامه الى التصور و التصديق في نظر الفن (و الثاني) هي القواعد الممهدة لتحصيل الفوائد المترتبة عليها و بالاعتبار الثاني يطلق لفظ العلم على مثل علم النحو و الصرف و الأصول و غيرها و بهذا الاعتبار يتعلق به العلم بالمعنى الأول و الجهل فيقال فلان يعلم علم النحو مثلا أو لا يعلم علم المنطق و بهذا الاعتبار أيضا يقال الأمر الفلاني موضوع علم كذا و المسألة الفلانية من مسائل علم كذا و هكذا لو قيل مثلا فائدة علم النحو هو صون اللسان عن الخطأ في المقال فانه يراد بها الفائدة التي لا تنفك عن تلك القواعد بحسب العادة فالعلم بهذا المعنى هي القواعد أي القضايا المتشتتة ذاتا التي يجمعها تدوينا و اعتبارا غرض واحد (و مما) ذكرنا ظهر اعتبار الموضوع في القضايا التي هي القواعد الممهدة و قد يظهر من كلام بعض الحكماء أن العلم بالمعنى الثاني هي المحمولات المنتسبة و هو يشعر بخروج موضوعات القضايا عن نظام العلم بالاعتبار الثاني و لا يخفى ما فيه لوضوح أن الموضوعات مقومة للقضايا كالمحمولات و القضايا بأجزائها تكون من قوام العلم بالاعتبار الثاني.

الجهة الثانية [فائدة]

قد اشتهر أن فائدة الشي‏ء هو ما يترتب على وجوده في الخارج بحسب العادة و عليه فقد يعترض الاشكال في صحة تطبيق هذه الكبرى على بعض‏

4

صغرياتها بنظر اهل الفن مثل العلوم المدونة لبعض الفوائد التي زعموا ترتبها عليها مثلا علم (النحو) فائدته هو صون اللسان عن الخطأ في المقال كما هو مشهور بينهم مع أنا نرى بالوجدان أن هذه الفائدة لا تترتب على هذا العلم بلا أعمال مقدمات أخرى كتعلم ذلك العلم و ارادة تطبيق قواعده في مقام الابتلاء بها (و الجواب) عنه بوجهين (الأول) أن وجود هذه الفائدة في الخارج معلول لجملة من المقدمات إحداها و هو اهمها القواعد المسماة بعلم كذا فجميع هذه المقدمات تشترك في تحصيل تلك الفائدة فكل منها له نصيب في التأثير فيه و بما أن التأثير و الأثر و الايجاد و الوجود متحد ان ذاتا و ان اختلفا اعتبارا يكون لكل من تلك المقدمات ايضا نصيب من وجود الفائدة و اثرها (فان قلت) لا ريب في أن وجود كل واحدة من المقدمات التي تترتب هذه الفائدة على جميعها في حال اجتماعها لا يوجب وجود تلك الفائدة في حال انفراده و لا بعض وجودها فما معنى أن يكون لكل واحدة من تلك المقدمات نصيب في وجود تلك الفائدة (قلت) نحن لا ندعى أن وجود تلك الفائدة يترتب على كل واحدة من المقدمات مطلقا و لو في حال الانفراد كما لا ندعى أن وجود الفائدة تتقسط على المقدمات كذلك بل ندعى أن كل واحدة من المقدمات المزبورة تنفي بوجودها عدم الفائدة الذي يستند الى عدمها لو انتفت و تحفظ حصة من وجود الفائدة في حين اقترانها بباقي اخواتها من المقدمات ففي هذا الحال يكون لكل من المقدمات المزبورة نصيب من التأثير و الاثر في وجود الفائدة و عليه تكون قواعد كل علم فى حين اقترانها بباقي المقدمات مستلزمة للفائدة التي نسبت اليها و بهذا الملاك قلنا إنما تجب المقدمة حين انضمامها الى باقي المقدمات الاخرى التي يترتب الواجب على جميعها فى حال اجتماعها و لم نقل بوجوبها مطلقا و لا بوجوبها مقيدا بالايصال و توضيح الكلام فيها يأتي فى محله إن شاء اللّه تعالى.

(الثاني) أن الغرض من كل علم يدون هو كونه مقياسا يستكشف به حال الجزئيات التي يرجع فى مثلها اليه من حيث الصحة و عدمها بمطابقتها إياه و عدم مطابقتها فان علم النحو مثلا مقياس يرجع اليه فى مقام استكشاف صحة الكلام الجزئي و عدمها فانطباق المقياس المزبور على الكلام يكشف عن صحته و عدم انطباقه يكشف عن الخطأ فيه و كون علم النحو مثلا بهذا الشأن امر ذاتي له لا يكاد

5

ينفك عنه و يترتب عليه بخصوصه و بهذا الاعتبار صح أن يقال فائدة علم النحو هو صون اللسان عن الخطأ فى المقال و أما ايجاد الكلام صحيحا اي مطابقا للمقياس المزبور فله مباد أخر من إرادة المتكلم و علمه بما يوجب مطابقة الكلام له و غير ذلك و قد انقدح بما ذكرنا صحة القول بأن تمايز العلوم بتمايز الأغراض و أنه لا يرد عليه ما قيل من أن الغرض من العلم قد يترتب عليه و قد لا يترتب و ما كان بهذه الصفة لا يصح جعله مميزا و فارقا بين أمر و آخر و ذلك لأنا قد بينا بالتقريب السابق فى كلا الوجهين أن الغرض المزبور لا يكاد ينفك عن العلم و معه يصح جعله مميزا و لا يرد عليه الايراد المذكور.

الجهة الثالثة [وحدة العلم مستندة إلى ...]

المشهور بين أهل المعقول أن وحدة العلم مستندة الى وحدة الموضوع و قد استدل على هذه الدعوى بأنه لا ريب فى أن نتيجة كل علم يتوصل به الى غرض واحد هو ذلك الغرض كما أنه لا ريب فى أن الأمر الواحد بما هو واحد لا يعقل أن يتولد من الكثير بما هو كثير و متعدد و لو استند واحد الى متعدد فى الظاهر لاستكشفنا بدليل الإنّ أن المؤثر فى هذا الواحد هي الجهة الجامعة بين تلك الامور المتعددة فلم يكن المتعدد بما هو متعدد علة للأثر الواحد و هكذا الأمر فى الغرض الواحد المتولد من مسائل العلم المتعددة فانه بوحدته يكشف عن أن المؤثر فيه هي الجهة الجامعة بين تلك المسائل المتعددة و بما أن المسألة مركبة من موضوع و محمول فلا بد أن تكون الجهة الجامعة المؤثرة فى ذلك الغرض هي الجهة الجامعة بين موضوعات المسائل لا الجهة الجامعة بين محمولاتها لتقدم الموضوع على المحمول و لكون المحمول من آثار موضوعه و توابع وجوده و عليه تكون الجهة الجامعة بين موضوعات المسائل هو موضوع العلم الذي يبحث فيه عن عوارضه.

و يرد عليه (اولا) أن الغرض من العلم ليس هو نحو أثر يتولد منه و يكون وجوده معلولا لوجوده بل هو ما اشرنا اليه سابقا بأن العلم الذي هو عبارة عن القواعد الكلية مقياس كلي تعرض عليه و تقاس به الامور الجزئية التي أعد ذلك العلم لقياسها و استكشاف صحتها و عدمها بمطابقتها اياه و عدم مطابقتها فكون العلم بهذا الشأن و الاستعداد هو الغرض المترتب عليه و هو أمر اضافى لا لا توليدي ليكون معلولا لامر آخر كي تلزم رعاية شئون العلية و المعلولية فيه‏

6

فالاستدلال ببرهان السنخية لو سلمنا صحته لما كان له ربط بالمقام و (ثانيا) لو سلمنا أن وزان قواعد العلم بالنسبة الى الغرض المترتب عليه وزان العلة و المعلول فلا نسلم حينئذ أن الغرض واحد حقيقة بل نلتزم بأغراض متعددة بتعدد القواعد المؤلف منها ذلك العلم و إنما عنوانها الذي يشار به اليها واحد و وحدة العنوان لا تستلزم وحدة المعنون و عليه فلا وجه لاستكشاف وحدة الموضوع من وحدة الغرض فانها وحدة عنوانية و هي لا تستلزم الوحدة الذاتية الماهوية (و الحاصل) أن وحدة الغرض بالعنوان لا تستلزم وحدته بالذات فضلا عن استلزام وحدة ذاتيه لتلك الامور المترتب عليها ذلك الغرض و «ثالثا» لو سلمنا أن الغرض المترتب على العلم أمر وحداني بسيط لكان اللازم من ذلك أن نقول بجامع واحد بسيط بين الموضوعات و محمولاتها و نسبها ليكون ذلك الجامع بين هذه الأمور المختلفة هو المؤثر فى ذلك الغرض الوحداني البسيط لأن العلم كما تقدم عبارة عن القضايا المركبة من الموضوعات و المحمولات و النسب و من الواضح المسلم أنه لا يعقل وجود جامع ذاتي بين الامور المتباينة بالذات و الماهية مثل موضوعات المسائل و محمولاتها و نسبها فانه و إن امكن فرض الجامع الماهوي بين نفس الموضوعات على حدها و بين نفس المحمولات على حدها و لكن لا يمكن صحة دعوى الجامع بين الموضوعات و المحمولات لكون المحمولات من عوارض الموضوعات و لا جامع ذاتي بين الموضوع و عارضه فضلا عن صحة دعوى الجامع بين المعاني الحرفية اعني النسب و بين المعاني الاسمية و هي الموضوعات و محمولاتها و «رابعا» لو سلمنا كفاية الجامع الذاتى الماهوي بين موضوعات المسائل فقط فى ترتب الغرض الوحدانى؟؟؟ العلم لما أجدى ذلك فى ثبوت المدعي لأنه إما أن يكون الغرض على؟؟؟ نفس الجامع بين الموضوعات أو على نفس الموضوعات «و على الاول» ان يكون البحث عن عوارض موضوعات المسائل استطراديا في ذلك لأنه لا دخل له في تحصيل الغرض المطلوب و هو خلاف الضرورة لكون لا يترتب على البحث عن عوارض الجامع فقط بل عليه و على البحث عن عوارض؟؟؟ موضوعات المسائل و لأن البحث عن عوارض موضوعات المسائل من موضوعات؟؟؟ ذلك العلم في نظر جميع أهل العلم و لا يلتزم أحد منهم باستطراد تلك المباحث باسره؟؟؟ هو ما اشرنا اليه‏

7

من كون الغرض الذي يراد تحصيله فى ذلك العلم لا يحصل إلا بالبحث عن عوارض موضوعات جميع المسائل المدرجة فيه (و على الثاني) يلزم أحد محذورين اما صدور الواحد البسيط بما هو واحد عن الكثير المتعدد بما هو متعدد أو دعوى جامع ذاتي بين الامور المتباينة بما هي متباينة و ذلك لأن الغرض الواحد إن كان يدعى ترتبه على موضوعات المسائل بما هي امور متباينة لزم المحذور الأول و إن كان يدعى وجود جامع بين موضوعات المسائل بما هي امور متباينة و الغرض مترتب على ذلك الجامع لزم المحذور الثاني (و خامسا) أن كثيرا من العلوم قد لا يكون جامع ذاتي ما هوي بين موضوعات مسائلها كالفقه و اصوله فان من بعض ابواب الفقه باب الصوم و لا شك فى أن الصوم أمر عدمي و باقي الواجبات كالصلاة و الزكاة و نحوهما أمور وجودية و لا جامع ذاتي بين الأمور العدمية و الامور الوجودية او بين الترك و الفعل (فان قلت) موضوع علم الفقه هو طبيعي فعل المكلف من حيث الاقتضاء و التخيير لا وجوده و عدمه بل فعله الخاص بما هو ذو مصلحة واجب و فعله الخاص الآخر بما هو ذو مفسدة محرم و هذه الافعال الخاصة بينها جامع ذاتي ماهوي و هو كونها فعل المكلف (قلت) هذا التقريب يصح في جملة الواجبات و المحرمات و باقي الاحكام عدا الصوم لان ترك المفطرات واجب لا ان فعلها حرام و اذا كان متعلق الحكم فيه هو الترك و متعلق باقي الاحكام في ابواب الفقه هو طبيعي فعل المكلف امتنع أن يكون هناك جامع ذاتي بين الترك و طبيعي الفعل فانضح انه لا يعقل أن يكون جامع ذاتي بين موضوعات مسائل علم الفقه على النحو المقرر (و كذلك) اصول الفقه فان بعض مسائله لفظية و بعضها عقلية و اي جامع ذاتي بين اللفظية و الامور العقلية (و لو تنزلنا) و قلنا بوجود جامع ذاتي بين موضوعات مسائل علم الفقه لما كان ذلك مجديا في كون ذلك الجامع هو موضوع علم الفقه لأن العوارض المبحوث عنها في مباحث علم الفقه ليست ذاتية لهذا الجامع فان كل نوع من الاحكام الخمسة ليس عارضا على فعل المكلف بما هو فعله مطلقا إذ من الواضح أن الوجوب مثلا لا يعرض على فعل المكلف بما هو فعله المطلق بل بما هو صلاة مثلا فالخصوصية الصلاتية حيثية تقييدية مقومة لمتعلق الوجوب و هكذا بقية العبادات و لهذا لو اتى بالصلاة غير قاصد لعنوانها لما صح فعله هذا صلاة

8

لانخرام الحيثية التقيدية فيه (و كذا) علم النحو فانه ايضا لا جامع ذاتي بين موضوعات مسائله بحيث يكون ذلك الجامع هو موضوع علم النحو و تكون المحمولات المبحوث عنها في العلم عوارض ذاتية لذلك الجامع فان ما فرض موضوعا لعلم النحو إما أن لا يكون جامعا بين جميع موضوعات المسائل مع كون العوارض المبحوث عنها في العلم ليست ذاتية له و إما أن لا تكون العوارض المبحوث عنها ذاتية له و ذلك لأن موضوع علم النحو إما أن تكون الكلمة و الكلام و إما أن يكون هو القول من حيث الاعراب و البناء فان كان موضوعه هو الأول فلا يعقل أن تكون الكلمة و الكلام معا جامعا وحدانيا بين موضوعات مسائل علم النحو بل تكون الكلمة جامعة بين موضوعات بعض المسائل و الكلام جامعا آخرا بين موضوعات بعض المسائل الأخر فيلزم من كون موضوع علم النحو الكلمة و الكلام محذوران أحدهما أن يكون علم النحو علمين لتعدد موضوعه اعني الكلمة و الكلام لانتفاء جامع ذاتي بينهما يكون هو موضوع العلم غير القول و فرض كونه هو موضوع العلم خلاف الفرض و ثانيهما أن تكون العوارض المبحوث عنها في العلم غير ذاتية لما فرض موضوعا فان تلك العوارض لا تعرض على الكلمة أو الكلام بما هي كلمة أو كلام بل بما هو فاعل أو بما هي جملة اسمية و إن كان موضوعه هو الثاني اعني به القول فهو و إن كان جامعا ذاتيا بين جميع موضوعات مسائل العلم إلا أنه يلزم من فرض كونه موضوعا أن تكون العوارض المبحوث عنها في العلم غريبة بالنسبة الى ذلك الموضوع كما اشرنا اليه في المحذور الثاني فتحصل مما تقدم أن وحدة الغرض بالعنوان لا تستلزم وحدة الموضوع بالحقيقة و انما تقتضي وحدته عنوانا و اعتبارا إذ لا يعقل أن تكون المسائل المتباينة موضوعا و محمولا شيئا واحدا حقيقة و بما أن حقيقة كل علم مسائله فلا يعقل أن يكون العلم واحدا حقيقة بل لا محالة يكون واحدا عنوانا و اعتبارا لداع يدعو المدون لتلك الامور المتعددة الى اعتبارها شيئا واحدا و تسميتها باسم واحد و لو لوحدة الغرض عنوانا و اعتبارا فاتضح أن ما فرض موضوعا لجملة من العلوم لا يمكن أن يكون موضوعا لتلك العلوم إذ لا يبحث في شي‏ء منها عن عوارضه الذاتية و قد قيل في تعريف موضوع العلم انه ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية و كذلك قد اتضح أن ما

9

فرض غرضا واحدا للعلم ليس بواحد حقيقة بل هناك أغراض متعددة بعدد المسائل المبحوث عنها في ذلك العلم و إنما انتزع من مجموع تلك الأغراض عنوان واحد يشار به اليها و اذا لم يمكن أن يكون لتلك العلوم موضوع فكيف يمكن أن تستند وحدة العلم الى وحدة موضوعه و كذلك اذا استحال أن يكون الغرض المترتب على العلم واحدا حقيقة امتنع أن يستكشف وحدة العلم حقيقة من وحدة الغرض عنوانا فلا محالة تكون وحدة العلم بوحدة الاعتبار التي يدعو المعتبر اليها وحدة الغرض عنوانا في الغالب و وحدة العنوان المشار به الى الأغراض الكثيرة المترتبة على مسائل العلم قد تنشأ من خصوصية عرضية و قد تنشأ من خصوصية ذاتية تشترك فيها تلك الاغراض الكثيرة المترتبة على مسائل العلم كما هو الغالب مثل صون اللسان عن الخطأ في المقال بالنسبة الى الغرض المترتب على علم النحو.

ثم إن بعض العلوم قد يكون لموضوعات مسائله جامع ذاتي بحيث تكون العوارض المبحوث عنها فيه أعراضا ذاتية له فيكون هو موضوع ذلك العلم كعلم الحساب و الهندسة فان العوارض المبحوث عنها في كل منهما إنما تعرض على نفس موضوع العلم كالعدد أو الجسم التعليمى بسبب الحيثية التي توجب اختلاف العوارض العارضة على ذات الموضوع لكون الحيثية المزبورة حيثية تعليلية لا تقييدية و يتحصص الموضوع الجامع بين موضوعات المسائل بنفس عروض العوارض عليه فتتعدد موضوعات المسائل و تختلف بعروض العوارض نفسها حين عروضها لا في رتبة سابقة عليها كتحصص الموضوع بالحيثيات المنوعة له فيما لو كانت الحيثية المزبورة حيثية تقييدية و عليه فتكون جميع العوارض المبحوث عنها في كل من هذين العلمين عوارض ذاتية لموضوع العلم.

[الجهة الرابعة] فى بيانه موضوع العلوم و العوارض الذاتية

(الجهة الرابعة) قد اشتهر بين أهل الفن أن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية مع أنهم صرحوا بأن العارض للشي‏ء بواسطة أمر أخص أو أعم داخليا كان أم خارجيا عرض غريب و حينئذ يشكل الأمر من حيث إن أغلب محمولات العلوم عارضة لأنواع موضوعاتها فيلزم أن تكون أعراضا غريبة بالنسبة

10

الى موضوع العلم و تحقيق هذه المسألة يتوقف على تمهيد مقدمتين (الأولى) أن العناوين المنتزعة عن الشي‏ء (تارة) تنتزع من نفس ذات الشي‏ء كعنواني الأبيض و الموجود المنتزعين من نفس البياض و الوجود (و أخرى) تكون منتزعة عن جهة خارجة عن ذات الموصوف (و على الثاني) فاما أن يكون اتصاف الذات بها باقتضاء نفس الذات لذلك بلا توسط أمر آخر كاتصاف بعض الأنواع و الفصول ببعض خواصها مثل المدركية بالنسبة الى العقل و إما أن يكون اتصاف الذات بها يتوسط أمر آخر و عليه فاما أن تكون الواسطة مع ايجابها اتصاف الذات بالعنوان المزبور غير متصفة به أو تكون متصفة به فالاول كالشروط مثل مماسة النار للجسم و الثاني كالمقتضيات مثل نفس النار الموجبة لسخونة الجسم المقارب لها (ثم إن) العناوين المنتزعة عن الشي‏ء قد تنسب الى ما اتحد مع ما انتزعت منه و تحمل عليه إما حقيقة أو بالعناية مع عدم عروضها عليه بالدقة (فالأول) كعوارض الفصل بالنسبة الى النوع و الجنس فانها بالدقة عارضة للفصل فقط و مع ذلك يصح حملها على النوع و الجنس حقيقة (فان قلت) الفصل متحد مع الجنس وجودا فما يكون من خواص الفصل في العروض لا محالة يعرض على الجنس لوحدة وجودهما و بهذا الملاك صح حمل تلك الخواص على الجنس حقيقة كما هو المفروض (قلت) لا ريب في أن هذا الوجود الواحد مشتمل على جهتين اعني بهما الجنس و الفصل فما يعرض عليه من عوارض الفصل إنما يعرض جهة الفصل الموجودة فيه و ما يعرض عليه من عوارض الجنس إنما يعرض جهة الجنس الموجودة فيه و كون هذا الوجود مجمعا لهذه العوارض الشتى لاجل اشتماله على معروضاتها لا تصحح نسبة كل من هذه العوارض الى كل من الجهتين المجتمعين فيه و إن صح حمل كل من هذه العوارض على نفس الوجود المجتمعة فيه تلك العوارض لوجود ملاك الحمل (و الثاني) اعني ما يحمل عليه بالعناية كالسرعة و البطوء العارضين اولا و بالذات لنفس الحركة و للجسم ثانيا و بالعرض اذ في الدقة لا يكون شي‏ء منهما عارضا على الجسم و لا يحملان عليه إلا بالتجوز و العناية لعروض موضوعهما اعني الحركة للجسم فيصح بنحو الحقيقة أن تقول هذا الجسم متحرك و لا يصح كذلك أن تقول هذا الجسم سريع أو بطي‏ء نعم يصح ذلك بنحو التجوز كما لا يخفى ثم إنه قد ينقسم العارض‏

11

بملاحظة أخرى الى ما يعرض الشي‏ء استقلالا كعوارض النوع بالنسبة اليه و ما يعرض الشي‏ء بالتبع كعوارض النوع بالنسبة الى جنسه و من هذا القبيل ما يعرض الشي‏ء لأجل جهة تقييدية فيه كعروض الوجوب للصلاة مثلا استقلالا و عروضه لفعل المكلف تبعا بما انه جزء من الصلاة لكونه جنسا لها.

(المقدمة الثانية) أنه قد صرح في شرح الاشارات في باب تناسب العلوم بما ملخصه أن كثيرا من العلوم التي لموضوعاتها عنوان وحداني مشترك بين موضوعات مسائلها ربما تختلف موضوعاتها بالعموم و الخصوص فقد يكون موضوع بعضها أعم مطلقا من موضوع العلم الآخر و كونه كذلك يتحقق باحد امور ثلاثة إما بكونه جنسا للاخص كموضوع علم الهندسة الذي هو المقدار و هو جنس بالنسبة الى موضوع علم المجسمات أعني الجسم التعليمي و إما بكونه عرضا عاما للأخص كموضوع علم الفلسفة بالنسبة الى المقدار أو لكونه مطلقا بالنسبة الى الأخص لكونه مقيدا كاكر مطلقة تكون موضوع علم و مقيدة بالحركة تكون موضوع علم آخر انتهى: و الذي يستفاد من هذا الكلام هو أن عوارض الموضوع الأخص غريبة بالنسبة الى الموضوع الأعم و إلا لاندرجت مباحث الأخص في الأعم و لما صح تدوين مباحث الأخص علما مستقلا عن الأعم و الى ذلك اشار (صدر المتالهين) (قدس سره) في اسفاره في مقام تمييز الأعراض الذاتية عن الغريبة بما حاصله أن كل عرض يعرض الشي‏ء بعد تخصصه بخصوصية ما توجب استعداده لعروضه فهو غريب بالنسبة اليه و ذاتي بالنسبة الى المتخصص بما هو متخصص بتلك الخصوصية و كل عرض يعرض الشي‏ء فيكون بعروضه عليه أمرا خاصا فهو عرض ذاتي لذلك الشي‏ء كالبحث عن استقامة الخط و انحنائه انتهى: و لا يخفى أنه يكون من قبيل القسم الثاني ما لو كان العرض عارضا للشي‏ء العام بسبب تخصصه بخصوصية ما على نحو تكون تلك الخصوصية علة لعروضه لا قيدا لمعروضه ليكون المعروض هو المقيد فيكون العرض غريبا بالنسبة الى العام كما اشرنا الى ذلك في كون مباحث علم النحو اعراضا ذاتية بالنسبة الى موضوعه اعني الكلمة بتقريب أن الرفع العارض على الفاعل و النصب العارض على المفعول مثلا و نحوهما إنما عرض كل منهما على ذات الكلمة بسبب اتصافها بعنوان الفاعل أو المفعول لا أن معروض‏

12

الرفع هي الكلمة المتخصصة بخصوصية الفاعلية أو خصوصية المفعولية و (بالجملة) المستفاد من كلمات هذين العلمين و سائر الأعلام من أهل الفلسفة أن أعراض النوع و المقيد أعراض غريبة بالنسبة الى الجنس و المطلق و لازم ذلك امور (منها) أن عروض العرض على الشي‏ء فى ضمن عروضه على معروضه لا يجعله عرضا ذاتيا بالنسبة الى ذلك الشي‏ء بل لا بد من كونه عارضا عليه استقلالا (و منها) أن صحة حمل العرض على الشي‏ء لا تستلزم كونه عرضا ذاتيا له (و منها) أن اتحاد الواسطة مع ذي الواسطة وجودا لا يكفي فى كون عرض الواسطة عرضا ذاتيا لذيها و ذلك لما عرفت من أن عوارض النوع أعراض غريبة بالنسبة الى الجنس مع أنها تعرض على الجنس حقيقة في ضمن عروضها على النوع و يصح حملها عليه بلا عناية مع اتحاد الواسطة أعني النوع مع ذيها أعني الجنس (و من هنا) ظهر أن عوارض الفصل أعراض غريبة بالنسبة الى الجنس بطريق اولى لأن عوارض النوع تعرض الجنس حقيقة في ضمن عروضها على النوع و مع هذا هي غريبة بالنسبة اليه و أما عوارض الفصل فلا تعرض الجنس اصلا بالدقة كما عرفت فيما سبق (و قد تحصل) مما ذكرنا أن العرض الذاتي عند المشهور من أهل الفن هو ما يعرض الشي‏ء استقلالا اي لا بتبع عروضه على شي‏ء آخر و ليس ملاكه مطلق العروض على الشي‏ء و لو بالتبع و لا صحة حمل العرض على الشي‏ء حقيقة و بلا عناية و لا اتحاد الواسطة مع ذي الواسطة كما ذهب بعض من غير المشهور الى كون ملاك العرض الذاتي بعض هذه الامور الثلاثة فالعارض على الشي‏ء بواسطة امر غير تعليلي سواء كانت الواسطة أعم أم أخص و سواء كانت داخلية أم خارجية يكون عرضا غريبا بالنسبة الى ذلك الشي‏ء (و قد يعبر) عن العرض الذاتي بعبارة أخرى تحتمل موافقة المشهور كما أنها تحتمل موافقة غيره و هي أن العرض الذاتي هو ما يعرض الشي‏ء بلا واسطة في العروض و قد فسر الواسطة في العروض بانها عبارة عما يصح معها سلب العارض عن المعروض ذي الواسطة و لا يصح حمله عليه إلا بالعناية و المجاز فان كان مراده بذلك أن العرض الذاتي هو ما يصح حمله على الشي‏ء حقيقة و بلا عناية فهو قول بغير رأي المشهور كما اشرنا اليه و ان كان مراده بصحة سلب العرض عن ذي الواسطة عدم كون العرض عارضا على الشي‏ء

13

استقلالا سواء كان عارضا عليه بتبع عروض الواسطة كعوارض النوع بالنسبة الى الجنس أم لم يكن عارضا عليه حقيقة بل كان عارضا على ما يعرض عليه اعني الواسطة كالحركة العارضة على السفينة بالنسبة الى الجالس فيها فانها تنسب اليه بالعناية و يصح سلبها عنه فهو موافق للمشهور.

ثم إن بعض الأعاظم (قدس سره) عرف العرض الذاتي بما يقرب من التعريف الأول فقال: (العرض الذاتي هو ما يعرض الشي‏ء بلا واسطة في العروض و ان كان بواسطة في الثبوت و العرض الغريب هو ما يعرض الشي‏ء بواسطة فى العروض و فسر الواسطة في العروض و الثبوت بأن العرض إن احتاج في عروضه على الشي‏ء الى واسطة ليست محتاجة فى عروضها عليه الى غيرها فالواسطة المزبورة واسطة في الثبوت و العرض العارض بتوسطها على الشي‏ء عرض ذاتي له كالتعجب العارض على الانسان بواسطة إدراكه الكليات و إن احتاجت الواسطة الى غيرها في عروضها على الشي‏ء فالواسطة المحتاجة واسطة فى العروض و العرض العارض على الشي‏ء بتوسطها عرض غريب بالنسبة الى ذلك الشي‏ء كالضحك العارض على الانسان بتوسط التعجب المحتاج في عروضه على الانسان الى أمر آخر و هو إدراك الكليات كما ذكرنا) انتهى: و لا يخفي ما فيه من مواقع النظر (أما اولا) فلأن الواسطة في الثبوت هو ما يقع في صراط ثبوت الشي‏ء فى الخارج سواء كان مقتضيا أم شرطا و هو امر ذاتي لا يتغير عما هو عليه بالتعدد فقد يكون للشي‏ء الواحد واسطتان في الثبوت أو اكثر فكما أن الواسطة الاولى التي يترتب عليها الشي‏ء في الخارج تكون واسطة في الثبوت كذلك واسطة الواسطة الاولى تكون واسطة في الثبوت بالنسبة اليها و الى ذلك الشي‏ء (و اما ثانيا) فلأنه إذا اصطلح على الواسطة الثانية من وسائط الثبوت و سماها واسطة فى العروض فلا يلزم من ذلك أن يكون العرض العارض على الشي‏ء بتوسطها عرضا غريبا بل هو عرض ذاتي له فى نظر أهل الفن اتفاقا (فاتضح) بما ذكرنا أن الميزان فى كون العرض ذاتيا للشي‏ء أو غريبا عنه هو أن العرض إن كان عارضا على الشي‏ء استقلالا سواء كان بواسطة فى الثبوت أم لم يكن بواسطة اصلا فهو عرض ذاتي لذلك الشي‏ء و إن كان عارضا على الشي‏ء بتبع عروض أمر آخر عليه أو لم يكن عارضا عليه حقيقة

14

فهو عرض غريب و عليه فلا وجه لجعل الميزان فى كون العرض ذاتيا أو غريبا هو كون العرض عارضا بواسطة أمر أخص أو أعم أو مساوي داخليا كان أم خارجيا.

إذا عرفت هاتين المقدمتين نقول: قد عرفت فيما سبق أن وحدة العلم غير منوطة بالجامع بين موضوعات مسائله الذي يفرض كونه موضوعا له و أنه يبحث فيه عن عوارضه الذاتية كما أنها غير منوطة بوحدة الغرض بل تدور وحدة العلم مع وحدة الاعتبار كما تقدم (و إن ابيت) ذلك فلا إشكال فى أن وحدة الغرض تستلزم وحدة العلم المترتب ذلك الغرض عليه و إن لم تستلزم جامعا وحدانيا بين موضوعات مسائله و عليه لا تتوقف حقيقة العلم و صيرورته علما على تحقق جامع وحداني بين موضوعات مسائله ليكون ذلك الجامع هو موضوع العلم فيعرف بالتعريف المزبور و يورد عليه بالاشكال المذكور (نعم) قد يتفق لبعض العلوم جامع وحداني بين موضوعات مسائله بنحو يكون البحث فيها بحثا عن عوارضه الذاتية فلا محالة يكون ذلك الجامع هو موضوع ذلك العلم كعلم الفلسفة و الرياضيات و حينئذ يتوجه عليه الاشكال المتقدم.

فنقول في الجواب عنه مع تسليم كون موضوع كل علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية و تسليم كون عوارض النوع غريبة بالنسبة الى جنسه و كذا عوارض كل أخص بالنسبة الى الأعم منه و ذلك أنا قد بينا فيما سبق أن عوارض الأخص لا تكون مطلقا اعراضا غريبة بالنسبة الى الأعم بل فيما اذا كانت الخصوصية حيثية تقييدية و أما اذا كانت حيثية تعليلية فلا يلزم منها أن تكون أعراض الأخص أعراضا غريبة بالنسبة الى الأعم بل تكون أعراضا ذاتية لأنها قد عرضت عليه في الحقيقة استقلالا بسبب هذه الحيثية الخاصة التي صارت علة لعروض هذه العوارض عليه و حينئذ يتضح لك صحة دعوى أن الجامع بين موضوعات مسائل كل علم من تلك العلوم هو موضوعه الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية و إن كانت تلك العوارض تعرض عليه بتوسط الخصوصيات إلا أنها لما كانت حيثيات تعليلية كانت تلك العوارض تعرض استقلالا على ما فرض كونه موضوعا للعلم بعلية تلك الحيثيات المخصصة له التي باعتبارها صح تقسيمه الى‏

15

موضوعات مسائل العلم و من هنا يتضح لك أن لا تغاير بين موضوع العلم و موضوعات مسائله في نفس الماهية مغايرة المطلق مع المقيد و الجنس مع أنواعه بل أن موضوع العلم نفس موضوعات مسائله و إنما صح تقسيمه الى هذه الموضوعات المتعددة باعتبار هذه الحيثيات التعليلية التي لم تكن مقومة لهذه الحصص بل صارت كل حيثية علة لعروض عرض خاص على موضوع العلم العام و باعتبار عروض هذا العرض الخاص بسبب الحيثية الخاصة تحصص ذلك الأمر الكلي فصارت كل حصة منه موضوعا لمسألة من مسائله (فان قلت) اذا كان الجامع الكلي يتحصص بعروض الأعراض المتغايرة عليه فتكون اضافته الى كل عرض يعرض عليه حصة خاصة هي موضوع مسألة من مسائل العلم لزم أخذ عقد الحمل في عقد الوضع و معه لا يبقى مجال للبحث في تلك المسألة عن عروض العرض المزبور على موضوع المسألة فانه حينئذ ضروري الثبوت له (قلت) لا نعني بتخصص الجامع الكلي بعروض الأعراض المتغايرة عليه أخذ تلك الأعراض العارضة عليه قيودا فيه ليدخل عقد الحمل في عقد الوضع و يلغو البحث في المسألة عن عروض هذا العرض على موضوع المسألة لكونه ضروري الثبوت له و إنما قصدنا بذلك ان الجامع الكلي الذي هو موضوع العلم باضافته الى كل حيثية من تلك الحيثيات التي اوجبت عروض لأعراض المتغايرة عليه يكون حصة خاصة هي موضوع مسألة من مسائله يبحث في تلك المسألة عن عروض العرض الخاص على الجامع الكلي بسبب تلك الحيثية مثلا اذا قلنا أن موضوع علم النحو هي الكلمة كان البحث عن رفع الفاعل بحثا عن عروض الرفع على الكلمة بسبب كونها فاعلا فموضوع مسألة الفاعل مرفوع هي الكلمة باضافتها الى عنوان الفاعل- هذا اصلح ما يمكن أن يتفصى به عن الاشكال المزبور فيما تعهد و إن كان (صدر المتالهين) قد أجاب بما يمكن أن يكون ناظرا الى ما اجبنا به عن اشكال كون العوارض غريبة بالنسبة الى موضوع العلم و عن اشكال تداخل العلوم (و حاصل جوابه) أن عوارض النوع قد تكون اعراضا ذاتية للجنس و قد لا تكون كذلك مع أنه (قدس سره) قد عرف العرض الغريب و الذاتي بما تقدم من أن كل عرض يعرض الشي‏ء بعد تخصصه بخصوصية ما توجب استعداده لعروضه فهو غريب بالنسبة اليه و يمكن قريبا أن يكون محصل مراده‏

16

من هاتين العبارتين أعني قوله قد تكون و قد لا تكون هو أن عوارض النوع بما هو نوع غريبة بالنسبة الى الجنس و بهذا يمتنع التداخل لأن عوارض موضوع العلم الاخص تكون غريبة بالنسبة الى موضوع العلم الأعم لأن الموضوع الأخص نوع من الاعم كما انه يمكن أن يكون مراده من قوله أن عوارض النوع قد تكون ذاتية للجنس هو أن عوارض الجنس التي تعرض عليه بسبب اقترانه بحيثية من الحيثيات التعليلية تكون ذاتية له و إن كانت الحيثيات الموجبة لعروض تلك الأعراض عليه متباينة و إنما أطلق لفظ النوع على الحصة من الجنس التي تحصصت باضافة الجنس الى الحيثية التعليلية التي اوجبت عروض العرض الخاص عليه لمشابهتها النوع الحقيقي إذ هو نفس تلك الحصة باعتبار انضمام تلك الحيثية اليها حيث تكون تقييدية و لذا قال (قدس سره) (ان عوارض النوع قد تكون ذاتية للجنس و قد لا تكون كذلك) و مع قطع النظر عن هذا التوجيه لا يتصور وجه لكون عوارض النوع ذاتية للجنس في بعض الاحوال خصوصا بالنسبة الى صاحب هذا الجواب بعد جزمه بأن عوارض النوع غريبة بالنسبة الى الجنس.

ثم إنه قد اجيب عن الاشكال المزبور بجوابين مختلفين بالعنوان متحدين فى الملاك (أحدهما) أن العرض الذاتي هو ما يصح حمله على الشي‏ء بلا عناية و تجوز في نظر العرف و عليه لا محالة تكون أعراض النوع من أعراض الجنس و هذا يرجع الى توسعة ملاك العرض الذاتي بجعله عبارة عن الحقيقة في الأسناد فى المحمول (ثانيهما) هو أنا لا نسلم أن موضوع كل علم هو خصوص ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية بل هو ما يبحث في العلم عن عوارضه التي يصح حملها عليه و إسنادها اليه بلا عناية و تجوز و من المعلوم أن عوارض النوع يصح حملها على الجنس حقيقة و بلا عناية مثلا البحث فى النحو عن رفع الفاعل و نصب المفعول و إن كان بحثا عن أعراض بعض أنواع الكلمة التي هي موضوع علم النحو إلا أنه بالملاك المزبور يكون بحثا عن عوارض الكلمة لأنه يصح حمل الرفع و النصب على الكلمة و إسنادهما اليها حقيقة و بلا عناية و هذا الجواب يرجع الى توسعه ملاك الموضوع (و يرد) على كلا الجوابين (اولا) أن القول بكل منهما ليس جوابا عن الاشكال بل هو التزام به على تقدير تفسير العرض الذاتي بالتفسير المشهور

17

(و ثانيا) أنه يلزم على القول بكل منهما تداخل العلوم و الغاء النسبة بينها التي اسسها علماء الفن فجعلوا موضوعات العلوم بعضها أعم من بعض و بعضها أخص إما مطلقا أو من وجه كما هو محرر في كتبهم اذ لو كانت عوارض النوع من أعراض الجنس حقيقة لما كان وجه لاستقلال البحث عن عوارض النوع بخصوصه بعد البحث عن عوارض الجنس لفرض ان عوارض النوع من أعراض الجنس حقيقة فتكون تجزئة البحث عن عوارض بعض أنواع الجنس عن البحث عن عوارض الجنس من قبيل تجزئة الأمر الواحد و جعله أمرين بلا ملاك يقتضي التجزئة و الاثنينية بل بمحض الاقتراح.

و اما توهم دفع اشكال تداخل العلوم بتقييد موضوعاتها بالحيثيات المنتزعة من محمولات كل علم بخصوصه فيقال: ان موضوع علم النحو مثلا الكلمة من حيث الاعراب و البناء و موضوع علم الصرف الكلمة من حيث الصحة و الاعلال و موضوع علم الفقه هي أفعال المكلفين من حيث الاقتضاء و التخيير (فهو توهم) قاصر عن دفع الاشكال المذكور لأن الحيثية المزبورة إن اريد بها العنوان المنتزع من جميع محمولات العلم التي يبحث فيه عن ثبوتها لموضوعه فهي حيثية لا حقة و لا يعقل اخذها قيدا في موضوع العلم لأن تقييد الموضوع بالمحمولات يوجب انقلاب القضية الممكنة الى قضية ضرورية و معه لا يبقى مجال للبحث في العلم عن ثبوت تلك المحمولات لموضوعه لأن ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري مع أنه يلزم ايضا تقدم ما هو متاخر بالطبع لأن الحكم متأخر بالطبع عن موضوعه فاذا قيد به صار في رتبته فيلزم كونه متقدما بالطبع مع فرض أنه متأخر بالطبع لكونه حكما و هذا خلف و إن اريد بها الحيثية الذاتية اعني استعداد ذات الموضوع لعروض ذلك المحمول عليه و إنما يقيد الموضوع بالعنوان المنتزع عن محمولاته لاجل الاشارة الى ذلك الاستعداد فهو و ان كان نظرا سديدا في نفسه إلا أنه ليس مفيدا في دفع الاشكال المذكور لأن الحيثية المزبورة ليست بحيثية خاصة بتلك المحمولات الخاصة بل هي حيثية عامة لجميع ما يصح حمله على ذلك الموضوع و إسناده اليه و من بعض ما يصح حمله عليه هذه المحمولات الخاصة التي أفردت بالبحث عنها في علم خاص لغرض ما مثلا الكلمة طبيعة عامة مستعدة استعدادا عاما يناسبها لعروض امور

18

مختلفة كالرفع و النصب و باقي أنواع الاعراب و بذلك الاستعداد نفسه مستعدة لعروض البناء على الضم و الفتح و اخويهما و بذلك الاستعداد العام ايضا مستعدة لعروض الصحة و الاعلال فليس فى ذات الكلمة استعدادات عديدة كل واحد منها يوجب عروض جملة من المحمولات الخاصة عليها بل الكلمة مستعدة لعروض جميع هذه المحمولات عليها باستعداد واحد و معه لا يبقى مجال المبحث مستقلا عن عوارض بعض انواع الجنس مع البحث عن عوارض نفس الجنس لدخول الاخص فى الاعم و لو سلمنا أن الجنس العام مستعد باستعدادات متعددة كل منها يصحح عروض جملة خاصة من الأعراض عليه و يكون الجنس بلحوق تلك الاستعدادات المختلفة له حصصا بل أنواعا متباينة لما كان ذلك يجدي فى دفع اشكال التداخل لفرض أن عوارض النوع ذاتية بالنسبة الى الجنس فيتداخل العلمان اللذان موضوع احدهما اخص من موضوع الآخر نعم ذلك يجدي فى عدم تداخل العلوم التى موضوعاتها انواع متباينة فى بعض المسائل و لكن هذا اجنبي عن الاشكال.

[الجهة الخامسة] فيما به تمايز العلوم‏

(الجهة الخامسة) قد اشتهر أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و لكن بعض المتأخرين عدل عن القول به و ذهب الى أن تمايز العلوم بتمايز الاغراض التي دونت العلوم لاجلها كصون اللسان عن الخطأ في علم النحو و صون الفكر عن الخطأ فى في الاستنتاج فى علم المنطق و امثال ذلك.

و قد يتوهم أن وجه العدول هو ورود الاشكال على مذهب المشهور في تمايز العلوم و ذلك لأن عوارض النوع أو المقيد إن كانت غريبة بالنسبة الى الجنس أو المطلق كما هو المشهور لزم أن لا يكون لجل العلوم بل كلها تقريبا موضوع يبحث في العلم عن عوارضه كما زعموا و معه لا وجه للقول بكون تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها و إن كانت ذاتية كما ذهب اليه بعضهم و بينا وجهه لزم تداخل العلوم التي يكون موضوع بعضها أخص من موضوع الآخر و لا يندفع إشكال التداخل بقيد الحيثية كما توهم و قد سبق الكلام فيه قريبا فراجع كما أنه لا يندفع الاشكال المزبور بفرض أن تمايز العلوم بتمايز اغراضها لأن مع فرض تداخل العلوم تتداخل‏

19

أغراضها ايضا لدخول الخاص في العام كما لا يخفى (و قد تبين) مما ذكرنا أنه لا يجدي إلا ما ذهبنا اليه في دفع الاشكالين المزبورين أعني إشكال كون المحمولات المبحوث عنها فى العلوم أعراضا غريبة بالنسبة الى موضوعات العلوم بناء على ما ذهب اليه المشهور فى تفسير العرض الذاتي و الغريب و أن أعراض النوع غريبة بالنسبة الى الجنس و إشكال تداخل العلوم بناء على مذهب بعضهم في تفسير العرض الذاتي و ذلك بموافقتنا للمشهور فى تفسير العرض الذاتي و الغريب و أن أعراض النوع غريبة بالنسبة الى الجنس و بذلك يندفع إشكال التداخل لأنه اذا كانت عوارض النوع غريبة بالنسبة الى الجنس فلا وجه للبحث عنها في العلم الذي يكون موضوعه الجنس و بمصيرنا الى كون عناوين موضوعات المسائل حيثيات تعليلية في عروض محمولاتها على الجهة الجامعة فتكون تلك المحمولات أعراضا ذاتية بالنسبة الى الجهة الجامعة أعني موضوع العلم المبحوث عنها فيه (و اما ما اشتهر) من كون تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها فبما أنه يدل بالمطابقة على حصر امتياز بعض العلوم عن بعض بامتياز موضوعه عن موضوع الآخر و يدل بالالتزام على أن لكل علم موضوعا كانت هذه القضية غير صادقة في كلتا دلالتيها أما الاولى فلصحة تمايز العلوم بتمايز أغراضها فيما لو كان البحث فيها لاجل أغراض تترتب عليها و أما اذا لم يكن للبحث في العلم غرض يترتب عليه غير الاحاطة به مثل علم الفلسفة فامتيازه عن غيره يكون إما بذاته و هو المميز الذاتي أو بموضوعه فيما لو كان له موضوع مثل علم الحساب و الهندسة و معه فلا وجه لحصر تمايز العلوم في تمايز موضوعاتها و أما الثانية فلصحة تدوين العلم بلا موضوع يبحث فيه عن عوارضه الذاتية و انما يكون الباعث على تدوين العلم هو تحصيل غرض خاص و إن كان متعددا حيث لا يحصل ذلك الغرض أو الاغراض إلا بتدوين ذلك العلم و البحث فيه كما هو الشأن في اكثر العلوم التي بين ايدينا فصيرورة العلم علما خاصا لا تتوقف على كونه ذا موضوع يبحث فيه عن عوارضه الذاتية كما أنه لا تتوقف وحدة العلم على وحدة الغرض المترتب عليه بل تكون وحدة العلم بوحدة الاعتبار إذ وحدة كل شي‏ء مركب من اجزاء متمايزة كالعلم و الكتاب و نحوهما وحدة اعتبارية لا حقيقية فتدوين جملة من المسائل و اعتبارها علما واحدا يصيرها علما واحدا و ان‏

20

كانت الأغراض المترتبة عليه عديدة.

[الجهة السادسة] فى موضوع علم الاصول‏

(الجهة السادسة) هل لعلم الاصول موضوع يبحث فيه عن عوارضه الذاتية كجملة من العلوم الاخرى قيل (نعم) و أنه هي الادلة الاربعة بما هي ادلة كما هو مذهب المحقق القمي (قدس سره) و لكن لا يخفي ما يرد عليه ذلك لأن مسائل علم الاصول تنقسم الى اربعة أقسام قسم يبحث فيه عن كون الامر الفلاني حجة أو ليس بحجة أو عن تشخيص الحجة عن غيرها مثل مباحث الامارات و مبحث التعادل و الترجيح و قسم يبحث فيه عما ينتهي اليه أمر الفقيه بعد الفحص و اليأس عن الدليل على الحكم الشرعي كمباحث الاصول العملية (و قسم) يبحث فيه عن احوال الأحكام الخمسة كاستلزام وجوب الشي‏ء لوجوب مقدمته (و قسم) يبحث فيه عن احوال الالفاظ من حيث ظهورها فيما يذكر لها من المعاني كمباحث الالفاظ و لا شي‏ء من هذه الاقسام الاربعة يبحث فيه عن أحوال واحد من الأدلة الاربعة (أما القسم الأول) فلأن البحث فيه إنما هو عن كون الشي‏ء دليلا و حجة لا عن احوال الدليل الفلاني بما هو دليل نعم مبحث التعادل و الترجيح فقط من هذا القبيل و عليه يلزم أن تكون هذه المباحث من المبادئ التصورية فتكون خارجة عن مباحث نفس العلم و كذا الأمر فى القسم الثاني بل هو اوضح لعدم ارتباطه بالادلة الاربعة لا بما هي ادلة و لا بما هي هي (و اما القسم الثالث) فلأن البحث فيه عن أحوال الأحكام بما هي أحكام مع قطع النظر عن كونها مستفادة من أحد الأدلة الأربعة كما هو واضح و عليه يكون هذا القسم من المبادي الاحكامية في علم الاصول كما قيل (و اما القسم الرابع) فعدم كونه مبحوثا فيه عن احوال أحد الأدلة الاربعة مبني على عدم كون عوارض الجنس من العوارض الذاتية للنوع كما هو الحق و ذلك لأن مباحث الفاظ إنما يبحث فيها عن احوال الالفاظ من حيث هي هي لا من حيث هي الفاظ الكتاب أو السنة و لو قيد موضوع المسألة في هذه المباحث بعنوان الورود في الكتاب أو السنة لزم كون الاعراض المبحوث عنها فى هذه المسائل اعراضا غريبة بالنسبة الى موضوع المسألة و هو مما

21

لا يوافق عليه احد فى مباحث العلوم ضرورة أن كون الامر الواقع فى الكتاب أو السنة يفيد الوجوب مثلا ليس بما هو واقع في الكتاب أو السنة بل بما هو كلام عرفي فكون الأمر الواقع فى الكتاب يفيد الوجوب باعتبار كونه أحد أفراد الأمر الكلي المطلق لا بما أنه أمر كتابي.

فاتضح بما ذكرنا أنه لا يمكن القول بكون موضوع علم الاصول هي الادلة الاربعة بما هي أدلة لعدم البحث فيه عن شي‏ء من عوارض بعضها فضلا عن عوارض كلها و كذا الأمر لو قلنا بان موضوع علم الاصول هي ذوات الادلة الأربعة مع قطع النظر عن تعنونها بكونها أدلة (نعم) على هذا يكون مبحث حجية الكتاب مما له ارتباط باحد أجزاء الموضوع على هذا الفرض كما أن مبحث حجية خبر الواحد يمكن أن يكون له ارتباط باحد أجزاء الموضوع على الفرض المزبور بالتقريب الذي حرره الشيخ (الأنصاري) (قدس سره) بما هذا لفظه فمرجع هذه المسألة الى أن السنة اعني قول الحجة أو فعله أو تقريره هل يثبت بخبر الواحد ام لا يثبت إلا بما يفيد القطع الى آخره (و لكن لا يخفى ما فيه فانه إن اريد من ثبوت السنة بخبر الواحد الثبوت الواقعي فهو مع أنه غير معقول ضرورة عدم كون الخبر من علل وجود السنة واقعا لا يكاد يجدي في صيرورة البحث عن حجية خبر الواحد من مباحث علم الاصول لأن مفاد البحث المزبور حينئذ مفاد الهلية البسيطة أو مفاد كان التامة كما قيل و مباحث العلم ايا منها كان لا بد و أن يكون مفادها الهلية المركبة أو مفاد كان الناقصة لأن البحث في مسائل العلم إنما هو عن ثبوت شي‏ء لشي‏ء لا عن ثبوت الشي‏ء خارجا (و إن اريد) الثبوت التعبدي فهو و إن كان بهذا الاعتبار من عوارض السنة إلا أنه من عوارضها بما هي مشكوكة لا من عوارضها بما هي سنة واقعية و موضوع علم الاصول على الفرض المزبور هي السنة الواقعية لا السنة المشكوكة و البحث عن عوارض السنة بما هي مشكوكة بحث عن العوارض الغريبة بالنسبة الى السنة الواقعية بما هي فلا يكون من مباحث علم الاصول على الفرض المزبور فتحصل مما ذكرنا أن القول بكون موضوع علم الاصول هي الادلة الاربعة سواء كانت بما هي أدلة أم بما هي هي يستلزم أن لا يكون من علم الاصول ما فرض أنه منه.

22

و لذا التجاء بعض الفحول الى القول بكون موضوع علم الاصول هو الأمر الذي تكون نتيجة البحث عن شي‏ء من عوارضه واقعة فى طريق تعيين وظيفة المكلف في مقام العمل و معه لا تشذ عن علم الاصول مسألة من مسائله كما هو واضح و التسمية غير مقومة الموضوع فلا ضير في أن لا يكون له اسم فيما نعلم (و لا يخفى ما فيه) فانه إن كان مراده بالأمر المزبور هو العنوان العام اعني الشي‏ء و ما يساوقه المشار به الى موضوعات مسائل علم الاصول فهو صحيح فى نفسه إلا أن كونه مشيرا اليها لا يستلزم أن يكون موضوعا للعلم لأنه أمر عرضي لموضوعات مسائل العلم كمفهوم الشي‏ء المقيد بخصوصية من خصوصيات العلم بنحو يصح أن يشار به الى امور خاصة تشترك فيه عرضا و عليه تكون ارادة هذا المعنى التزاما بعدم الموضوع فى علم الاصول كما هو الحق (و ان كان) مراده به الذاتي العام المقوم لموضوعات مسائل العلم فهو (اولا) غير معقول لتباين موضوعات مسائله تباينا ذاتيا فى جميع الذاتيات مثلا البحث عن حجية خبر الواحد بحث عن كون الخبر دليلا يعول عليه و البحث في مباحث الاصول العملية بحث عن اعتبار الأمر الفلاني في حال عدم الدليل و من الضروري عدم الجامع الذاتي بين موضوعي البحثين و هكذا الامر في مبحث مقدمة الواجب و مباحث العموم و الخصوص و قس عليها غيرها مما هو من سنخها كما لا يخفى (و ثانيا) لو سلمنا وجود جامع ذاتي بين موضوعات المسائل لكان ذلك الجامع الذاتي جنسا لموضوعات المسائل لا محالة و عليه يلزم أحد أمرين إما كون العوارض المبحوث عنها فى العلم عوارض غريبة بالنسبة الى ذلك الجامع المفروض كونه موضوع العلم اذا اخذنا بمذهب المشهور في تفسير العرض الذاتي و إما تداخل العلوم التي يكون موضوع بعضها أخص من موضوع الآخر اذا أخذنا بمذهب غير المشهور في تفسير العرض الذاتي (فان قلت) يمكن التخلص من هذا الاشكال بما ذكرتم فيما سبق من جعل عناوين موضوعات المسائل حيثيات تعليلية مع الالتزام بمذهب المشهور في تفسير العرض الذاتي و حينئذ لا يلزم شي‏ء من المحذورين و ينطبق على موضوع علم الاصول المدعى التعريف المذكور لكلي الموضوع اعني موضوع كل علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية (قلت) لا يمكن الالتزام بكون جميع عناوين‏

23

موضوعات مسائل علم الاصول حيثيات تعليلية مثلا مسألة حجية خبر الواحد من مسائل العلم و موضوعها هو الخبر و المحمول المبحوث عنه فى هذه المسألة هو كونه حجة و هو من عوارض الخبر بما هو خبر لا من عوارض موضوع علم الاصول اعني الأمر الكلي المبهم بسبب تعنونه بكونه خبرا ضرورة أنه لا معنى لان يقال هل الامر الذي يكون نتيجة البحث الى آخره حجة في حال تعنونه بكون خبر الواحد و هكذا الحال فى جملة من مسائله الاخرى (فالتحقيق) أن علم الاصول لا موضوع له يبحث فيه عن عوارضه الذاتية بل الموجب لكونه علما واحدا فى عرض العلوم هو اعتبار من دونه لتحصيل الغرض المترتب عليه و قد اشرنا فيما سبق أن كون جملة من المسائل علما واحدا لا يتوقف على وجود موضوع يبحث في تلك المسائل عن عوارضه الذاتية.

[الجهة السابعة] فى تعريف علم الاصول‏

(الجهة السابعة) في تعريف علم الاصول و تمييز مسائله عن مسائل الفقه و قد اشتهر تعريفه بأنه هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية ثم اضاف اليه بعضهم كلمة أو ما يتعلق بالعمل مع الواسطة ليشمل التعريف الاصول العملية (و لا يخفى) ما في هذا التعريف بذاته و مع إضافته أما (اولا) فلما تقدم في اول الكتاب من أن لفظ العلم يستعمل في معينين (أحدهما) أدراك الشي‏ء و انكشافه كما هو في نفس الامر (و ثانيهما) القواعد النظرية التي يبحث فيها و هو المراد من لفظ العلم اذا اطلق في مثل المقام فقيل العلم الفلاني موضوعه كذا و الغرض منه كذا و تعريفه كذا و عليه فتعريف العلم بمعنى القواعد بالعلم بمعنى الادراك يكون من تعريف الشي‏ء بما يدل على غيره و يكون لفظ العلم فى التعريف المزبور مستدركا و يلزم الاقتصار على لفظ القواعد (و ثانيا) أن لفظ الاستنباط ظاهر في أن القواعد المذكورة تكون واسطة في اثبات الاحكام المستنبطة و سببا للعلم بها و عليه يلزم خروج مباحث الاصول العملية عن علم الاصول مع أنها من أهم مباحثه لأن مضامين الاصول العملية إما أن تكون أحكاما شرعية مستنبطة من أدلتها سواء كانت احكاما طريقية أم احكاما فرعية بناء على جعل الحكم المماثل و إما أن تكون أحكاما عقلية قد ثبتت بادلتها و على كل حال فلا يمكن اثبات حكم شرعي آخر بها

24

و أما استفادة حكم المورد الجزئي منها فهو من باب التطبيق لا الاستنباط كما لو أشرت الى مائع بين يديك و قلت هذا خمر و كل خمر حرام شربه فهذا حرام شربه و كذلك تخرج الامارات بناء على تنزيل المؤدى و جعل الحكم المماثل في مرتبة الظاهر إذ عليه تكون نتيجة البحث حكما شرعيا لا أنها تكون وسطا لاثبات حكم شرعي واقعي فان نتيجة دليل اعتبارها حكم شرعي كلي ينحل الى أحكام كلية مطابقة لمؤديات الامارات إذ قضية (صدق العادل) مفادها هو وجوب ما اخبر بوجوبه و حرمة ما اخبر بحرمته الى غير ذلك من الاحكام (نعم) بناء على التحقيق في حقيقة حجية الامارات من كونها عبارة عن تتميم الكشف بالغاء احتمال الخلاف تكون الامارة كاشفة و حينئذ تكون وسطا في اثبات الحكم الشرعي في مقام استنباطه (و ثالثا) أن الاضافة المذكورة لادراج الاصول العملية غير سديدة لأن مضامين الاصول العملية إنما هي احكام متعلقة بافعال المكلفين بلا واسطة هذا: و الأحرى أن يقال في تعريف علم الاصول إنه هي القواعد التي يمكن أن تقع فى طريق تحصيل وظيفة المكلف في مقام العمل.

مقياس المسألة الاصولية و الفقهية

و بهذا تعرف مقياس المسألة الاصولية و هو كون المسألة بحيث يمكن أن تجعل نتيجتها كبرى قياس يستكشف به وظيفة كلية المكلف في مقام العمل سواء كانت الوظيفة المستكشفة حكما واقعيا كما هو مفاد الامارات بناء على تتميم الكشف أو حكما ظاهريا كما هو مفادها بناء على تنزيل المؤدى أم وظيفة المتحير بما هو متحير كما هو نتيجة الاصول العملية الشرعية أم حكما عقليا كما هي نتيجة الاصول العملية العقلية و هذا المقياس أجود من المقياس الذي ذكره (الشيخ الانصاري) (قدس سره) و هو: أن كل ما كان أمر تطبيقه على موارده منحصرا بنظر المجتهد كان مسألة اصولية و ما ليس كذلك فهي مسألة فقهية و ذلك لأن جملة من القواعد الفقهية امر تطبيقها على مواردها منحصر بنظر المجتهد مثل قاعدة نفوذ الصلح و الشرط باعتبار كونهما مخالفين للكتاب أو السنة أو غير مخالفين فتشخيص كون الصلح أو الشرط في مواردهما

25

غير مخالف للكتاب أو السنة مما ينحصر امره بنظر المجتهد و كذلك بقية القواعد الفقهية التي هي من هذا القبيل و لان بعض القواعد الاصولية كالاستصحاب في الشبهات الموضوعية مما يشترك المجتهد و غيره في تطبيقه على موارده.

ثم إن هنا اشكالين مشهورين على مقياس المسألة الاصولية (الاول) هو أنه إن كان المراد من وقوع نتيجتها فى طريق استكشاف وظيفة العملية للمكلف وقوعها كذلك بلا واسطة لزم خروج مباحث الالفاظ عن علم الاصول لأن نتيجة تلك المباحث هو تعيين ظهور الالفاظ فيما يذكر لها من المعاني فتكون هذه النتيجة صغرى لكبرى حجية الظهور المبحوث عنها فى الاصول العقلية و نتيجة القياس المؤلف من الصغرى و الكبرى المذكورتين تكون كبرى قياس يستكشف به وظيفة المكلف و إن كان المراد من وقوع نتيجة المسألة الاصولية فى طريق الاستكشاف وقوعها كذلك و لو مع الواسطة لزم دخول جميع العلوم الادبية و كل ما له دخل و لو بعيدا فى استكشاف الوظيفة العملية الشرعية فى علم الاصول (و الجواب) أنا نختار ان مقياس المسألة الاصولية هو امكان وقوع نتيجتها فى طريق استكشاف وظيفة المكلف و لو مع الواسطة و أما كون ذلك يستلزم دخول ما ذكر من العلوم فى علم الاصول فليس بصحيح و ذلك لان جميع ما يتوهم دخله فى استكشاف وظيفة المكلف من العلوم المزبورة و غيرها إما أن لا يكون له فى الواقع دخل فى استكشاف الوظيفة أو موضوعها كأكثر العلوم الباحثة عن عن عوارض و احكام موضوعات مسائلها كالبحث فى النحو عن رفع الفاعل و نصب المفعول مثلا و كذا فى الصرف عن كون الياء أو الواو اذا تحركت و انفتح ما قبلها قلبت الفا و امثال ذلك فمثل هذه العلوم بهذا النحو من البحث لا دخل لها فى استكشاف الوظيفة العملية اصلا و إما أن لا يكون له دخل فى استكشاف نفس الوظيفة و إن كان له دخل فى تشخيص موضوعها كعلم الرجال الذي يبحث فيه عن احوال الرجال لتشخيص موضوع الامارة من حيث السند و مثل علم اللغة الباحث عن تشخيص المفاهيم و منها موضوعات بعض الاحكام الشرعية كالصعيد الذي هو موضوع التيمم و من المباحث اللغوية بعض مباحث مقدمة علم الاصول كمبحث المشتق و الصحيح و الاعم (فان قلت) اذا كان البحث عن تشخيص‏

26

الموضوع خارجا عن فن الأصول كما ذكرت لزمك القول بخروج مباحث المفاهيم و العموم و الخصوص و المطلق و المقيد عن علم الاصول لأنها يبحث فيها عن تشخيص الموضوع كما لا يخفى و لا أحسب أن يلتزم بذلك أحد (قلت) فرق واضح بين المباحث الاصولية المزبورة و علم الرجال و اللغة و مباحث مقدمة علم الاصول فان مباحث المفاهيم و ما بعدها مما يستكشف بها مقدار الوظيفة العملية و كيفية تعلقها بفعل المكلف و البحث عنهما من المباحث الاصولية بخلاف غيرهما من علم الرجال و ما بعده فان تلك متمحضة للبحث عن تشخيص الموضوع كما لا يخفى.

الثاني قد ينتقض مقياس المسألة الاصولية ايضا بجملة من القواعد الفقهية مثل قاعدتي ما يضمن بصحيحه و ما لا يضمن و قاعدة الطهارة و قاعدة كل ما لاقى نجسا برطوبة فهو نجس و قاعدتي لا ضرر و لا حرج إذ كل واحدة من هذه القواعد مما يمكن أن تقع في طريق استكشاف الوظيفة العملية (و الجواب) هو أن نتيجة كل مسئلة اصولية مستعدة بذاتها لأن تقع فى طريق استكشاف كل وظيفة عملية من أي ابواب الفقه كانت حيث يكون لها دخل فى تحصيل العلم بها و لا شي‏ء من تلك القواعد بهذا الشأن و الاستعداد بل كل واحدة منها مختصة بباب من أبواب الفقه لا تتجاوزه الى غيره مثلا قاعدة الطهارة مختصة بباب الطهارة و لا يمكن أن تقع في طريق استكشاف الوظيفة العملية فى كتاب الصلاة مثلا و هكذا بقية القواعد المزبورة بخلاف نتيجة المسألة الاصولية مثلا قاعدة لزوم حمل المطلق على المقيد غير مختصة بباب من أبواب الفقه بل هي مما يمكن أن يستند اليها فى مقام الاستدلال على الحكم الشرعي فى أي باب من أبواب الفقه حيث يكون لها دخل فى تحصيل العلم به و هكذا بقية القواعد الاصولية كما هو واضح (لا يقال) هذا الفارق إنما يتم في غير قاعدة لا ضرر و لا حرج و أما هما فلا فرق بينهما و بين المسألة الاصولية من حيث إمكان الوقوع فى طريق استكشاف أي وظيفة عملية تفرضها من أي أبواب الفقه كانت و عليه يلزم أن تكون هاتان القاعدتان بالمقياس المتقدم من مسائل علم الاصول (لانه يقال) اذا سلمنا عموم تعلق هاتين القاعدتين بجميع الاحكام الشرعية فانما يمكن تشخيص الحكم الجزئي فى مورده بهما و لا يقع شي‏ء منهما فى طريق استكشاف الوظيفة العملية الكلية كما هو شأن المسألة الاصولية إلا في‏

27

مسألتين مسألة الانسداد و مسألة وجوب الفحص عن الدليل على الحكم في مقام الرجوع الى الاصول العملية فان كلا من هاتين القاعدتين يستند اليه في تحديد الحكم الكلي من وجوب الاحتياط و وجوب الفحص و ما سوى هاتين المسألتين فانما يحدد بالقاعدتين الحكم الجزئي في مورده و هذا خلاف مبني المسألة الاصولية فانها عبارة عما يمكن أن تقع نتيجتها في طريق استكشاف الوظيفة العملية الكلية هذا كله فيما يتعلق بتشخيص مقياس المسألة الاصولية.

و أما المسألة الفقهية فهي ما تكون نتيجة البحث فيه وظيفة عملية كلية فرعية اصلية وحدانية و المراد بالاصلية هو كونها مؤسسة للعمل بها في مقامه لا للتوصل بها الى استنباط حكم آخر للعمل كالاستصحاب و الامارات بناء على أن المجعول فيها هو وجوب العمل على طبقها و المراد بالوحدانية هو كونها ناشئة عن ملاك واحد ليخرج بذلك ما كان ناشئا عن ملاكات متعددة مثل وجوب مقدمة الواجب لكون وجوبها جزئيا تابعا لوجوب ذيها و لا ريب في أن الوجوبات الاصلية ناشئة عن ملاكات متعددة فملاك كل وجوب أصلي هو ملاك وجوب مقدمته و عليه يكون وجوب المقدمة الكلي ناشئا عن ملاكات متعددة و لا فرق فى متعلق الحكم الذي هو وظيفة عملية بين كونه طبيعة خاصة كالصلاة و الصوم و كونه عنوانا عاما يشار به الى مصاديقه التي هي متعلقات تلك الاحكام أو موضوعاتها مثل عنوان ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و لا يخفى أن تعريف المسألة الفقهية بما ذكرنا اولى من تعريفها بانها عبارة عن حكم خاص ثابت لموضوع خاص كوجوب الصلاة و وجوب الصوم إذ لازم هذا التعريف هو خروج كثير من المباحث الفقهية عن علم الفقه كقاعدة ما يضمن و امثالها إذ قد عرفت أن متعلق تلك القواعد أو موضوعها عنوان عام و سيأتي ما يزيد المرام وضوحا فى مقدمة الواجب و قد اتضح لك من جميع ما ذكرناه و حررناه خفي ما يتعلق بموضوع علم الاصول و تعريفه و غايته و رتبته.

[الامر الثاني‏] مبحث الوضع [الكلام يتعلق به من جهات‏]

(الامر الثاني) في الوضع و الكلام يتعلق به من جهات:

[الجهة] الاولى [من الواضع‏]

هل‏

28

الواضع هو اللّه تعالى أو غيره قيل إنه هو اللّه تعالى و لكن لا بطريق الرسالة كما هو الشأن فى الاحكام الشرعية بل بطريق الالهام لكل عنصر من عناصر البشر حسب استعداده الخاص به و حسب ما تقتضيه الاحوال و عليه يكون الوضع برزخا بين الجعل التكويني و الجعل التشريعي و مستند هذه الدعوى هو أنه لا ريب فى عدم مناسبة ذاتية بين الألفاظ و معانيها توجب فهمها منها عند سماعها بل لا بد من توسيط الجعل بين الألفاظ و المعاني و فاعل ذلك الجعل لا يمكن أن يكون هو البشر لعدم امكان احاطة البشر بالفاظ لغة واحدة فضلا عن جميع اللغات و اذا امتنع أن يكون فاعل الجعل هو البشر تعين أن يكون هو اللّه تعالى هذا مضافا الى أن التاريخ مع تصديه لضبط الأخبار السالفة لم يخبر عن حدوث الوضع في عصر من العصور و لو كان الوضع من حوادث البشر لتصدي التاريخ لنقله و بيان أصله (و فيه) أن ما ذكر سندا لكون الواضع هو اللّه تعالى لا يستلزم ذلك بل يمكن أن يكون الواضع هو البشر كما هو الحق لا مكان أن تضع كل امة من الامم بمقدار حاجتها الفاظا المعاني التي تختلج فى نفوسها و تحوم حول اظهارها و هكذا تتدرج في الوضع حسب الحاجة وقتا بعد وقت كما هو المشاهد لنا من أحوالنا مع ما نبتلي به من المعاني الحادثة فنضع لها الفاظا نتفاهم بها وقت الحاجة سواء كانت أعلاما أم اسماء اجناس و الوضع بهذا الوضع لا يستلزم احاطة البشر القاصر بما لا يكاد يحصى عادة و كذلك لا يكون له ظهور و اشتهار في وقته بنحو يلفت انظار الناس ليتصدى التاريخ لتسجيل خبره في دفتره (ثم إنه) قد يتوهم لزوم المناسبة الذاتية بين اللفظ الموضوع و المعنى الموضوع له و إن لم تكن تلك المناسبة بنحو يلتفت اليها الواضع حين الوضع اذا كان غير اللّه تعالى و ذلك لاستلزام عدمها الترجيح بلا مرجح (و فيه) بعد تسليم امتناع الترجيح بلا مرجح أن المرجح اللازم في المقام لا ينحصر بالمناسبة الذاتية المذكورة بل يجزي كل مرجح ينتفي معه لزوم الترجيح بلا مرجح سواء كان ذاتيا أم اتفاقيا مع أنه لا يعقل وجود المناسبة الذاتية في جميع الألفاظ الموضوعة لمعانيها لاستلزام ذلك المناسبة الذاتية بين لفظ واحد و معان متباينة بل متناقضة كما لو وضع لفظ واحد لمعاني متضادة أو متناقضة سواء كان علما كالأعلام المتكرر وضعها أم اسم جنس كلفظ الجون للاسود و الأبيض و لفظ القرء للحيض‏

29

و الطهر و امثالهما و هي كثيرة.

[الجهة الثانية] في حقيقة الوضع‏

(الجهة الثانية) فى حقيقة الوضع و هي عبارة عن ربط خاص مجعول بين طبيعي اللفظ و المعنى الموضوع له بحيث يكون طبيعي اللفظ الموضوع مستعدا لاحضار ذلك المعنى في ذهن من يسمع ذلك اللفظ أو يتصوره و لا ريب فى أن هذا الربط الوضعي متحقق فى الخارج بعد جعل الوضع له أو بعد كثرة الاستعمال الموجبة له بنحو تحقق الملازمة الطبيعية بين الماهيتين المتلازمتين فى الواقع و إن لم يوجد شي‏ء منهما فى الخارج مثلا النار بطبعها تلزمها الحرارة فى نفس الواقع و إن لم توجد في الخارج و الأربعة ملازمة الزوجية كذلك بمعنى أن العاقل اذا تصور النار و الحرارة حكم و جزم بالملازمة بينهما فعلا و إن جزم فعلا بعد مهما في الخارج و كذلك الربط الوضعي اعني الملازمة بين حضور المعنى الموضوع له و حضور اللفظ الموضوع في ذهن العالم بالوضع فان الملتفت الى الوضع يحكم فعلا بهذه الملازمة اذا تصور اللفظ الموضوع و المعنى الموضوع له و إن لم يوجد اللفظ فى الخارج غاية الأمر أن الملازمة الاولى ذاتية و الملازمة الوضعية جعلية و كونها جعلية لا ينافي تحققها و تقررها في لوح الواقع كما أن جميع العلوم المخترعة تكون بعد اختراعها و جعلها كذلك مثلا علم النحو و العروض بعد اختراعهما يكون لهما تقرر في لوح الواقع و إن لم يوجد في الخارج من يعلم شيئا منهما و إنما يكون نظر من يحيط علما بهما أو بشي‏ء منهما طريقا اليه و كاشفا عنه لا محققا و جاعلا له بعد أن لم يكن و بهذا ظهر لك أن الربط الوضعي بعد جعله ليس من منشئات نفس العالم به و من علومها الفعلية التي لا يكون لها تحقق اصلا قبل انشاء النفس اياها كانياب الغول أو يكون لها منشأ انتزاع و لكن ليس لها بنحو التفصيل وجود كالأجناس و الفصول و اما تحقيق القول في ماهية هذا الربط و الملازمة الوضعية و أنه من أى مقولة هو فهو مما لا يهم الباحث في المقام بعد أن حققنا أن الملازمة الوضعية انما تكون بالجعل كالملازمة الطبعية فما يجري من التحقيق في شأن الملازمة الطبعية و بيان حقيقتها يجرى فى الملازمة الوضعية.

30

و مما ذكرنا ظهر لك فساد ما يقال من الاشكال على كون الملازمة الوضعية واقعية بأنها لو كانت كذلك لما اختلف الناس فيها كما لم يختلفوا في الملازمة الطبعية بل في جميع الأمور الواقعية و التالي باطل فالمقدم مثله لأنا نرى بالوجدان أن بعض الناس يرى الربط الوضعي بين لفظ و معنى و لا يرى ذلك غيره مثلا لفظ الماء ترى الامة العربية الربط الوضعي بينه و بين المعنى المعروف و لكن لا يرى ذلك الربط غيرهم فنستوضح من هذا أن الربط الوضعي ليس امرا واقعيا بل هو امر اعتباري قائم بنفس المعتبر كالملكية فكما أن الملكية نحو من أنحاء الاعتبار تختلف فيه الانظار كذلك الربط الوضعي (و الجواب) أنا قد بينا أن الملازمة بين حضور اللفظ الموضوع و حضور المعنى الموضوع له في الذهن مجعولة بنفس الوضع لا أنها تكوينية ذاتية حتى لا تختلف فيها الانظار و لكن تلك الملازمة الوضعية بعد جعلها تكون من الامور الواقعية و إنما الاعتبار سبب لحدوثها لا أنه مقوم لذاتها كما هو كذلك في مثل أنياب الغول و تحليل الماهيات الى الاجناس و الفصول فان الاعتبار في هذا الامور مقوم لذات الامر المعتبر لا أنه سبب لوجوده كما هو كذلك في مثل الملازمة الوضعية و الشي‏ء بعد وجوده خارجا باي سبب اتفق يكون من الامور الواقعية و اختلاف الانظار في ادراكه و الاذعان به إنما هو لكونه من الامور التي تحدث باسبابها اتفاقا فيذعن بوجودها العالم به و ينكره الجاهل و كذلك الملازمة الوضعية في اي لغة كانت فانها بعد العلم بتحققها في تلك اللغة يذعن بوجودها حتى من لم يكن من أهل تلك اللغة و تؤثر أثرها فى نفسه كما تؤثر في نفس من هو من أهلها مثلا اذا علم غير العربي أن لفظ الماء موضوع عند العرب لهذا المعنى المعروف فقد علم بتحقق الملازمة الوضعية بينهما لهذا اذا سمع هذا اللفظ أو حضر في ذهنه بسبب آخر تؤثر تلك الملازمة فى نفسه باحضار معناه في ذهنه و لو كانت الملازمة الوضعية امرا اعتباريا متقوما بنفس اعتبار المعتبر لكانت تقوم بنفسه لا تتجاوزه الى غيره إلا باعتبار ثان مثل الاعتبار الأول يقوم بنفس المعتبر الثاني و هكذا كلما تعدد الاعتبار تعدد وجود الأمر المعتبر و بالضرورة أن الملازمة الوضعية ليست كذلك بل هي توجد بسبب اعتبار الواضع و تكون انظار غيره طرقا لادراكها و العلم بها و أما الملكية فهي بعد اعتبار المعتبر كون شي‏ء خاص‏

31

سببا لها يكون لها نحو وجود و تقرر فى الواقع غاية الأمر أنه أضعف من وجود الملازمة الوضعية و أما اختلاف الأنظار فيها فانما هو فيما هو منشأ لاعتبار اسبابها لا فيها نفسها مثلا العرف العام يرى فى البيع الربوي مصلحة تقتضي اعتباره سببا لتملك الزيادة الربوية بهذا النحو من البيع فاعتبره سببا لذلك و لكن الشرع المقدس لكونه ابصر بالمصالح و المفاسد لم يعتبر ذلك البيع سببا لتملك الزيادة الربوية فيكون الشرع في نهيه عن المعاملة بالبيع الربوي قد أظهر خطأ العرف فيما يراه من المصلحة في البيع الربوي.

(ثم إنه قد يتوهم) أن حقيقة الربط الوضعي حقيقة ادعائية تنزيلية لأن الوضع الحقيقي المصحح للتنزيل هو الوضع الخارجي مثل وضع العلم على رأس الفرسخ ليدل عليه و لما أراد العقلاء تحصيل الدلالة على المعاني التي يريدون تفهيمها بدوال تدل عليها و لو بنحو دلالة العلم المنصوب على رأس الفرسخ اضطروا الى تنزيل وضع اللفظ على المعنى منزلة الوضع الحقيقي الحاصل للعلم بنصبه على رأس الفرسخ فالعالم بهذا الوضع الادعائي اذا سمع اللفظ المدعى وضعه ينتقل الى المعنى كما أن العالم بنصب العلم على رأس الفرسخ اذا رأى العلم انتقل منه الى رأس الفرسخ (و فيه) (أولا) أن حقيقة الوضع اللفظي هو ربط اللفظ بالمعنى لا جعله عليه ادعاء و هذا الربط أمر حقيقي واقعي و إن كان سببه هو ادعاء جعل اللفظ على المعنى أو اعتبار كون اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى أو غير ذلك مما يحصل بسببه ارتباط اللفظ بالمعنى فالوضع اللفظي معناه هو ارتباط اللفظ بالمعنى باي سبب حصل و هذا المعنى أمر واقعي له تقرر في نفس الأمر كسائر الأمور الواقعية التي يتعلق بها العلم و الجهل و كان اشتراك لفظ الوضع بين معنى الوضع الاصطلاحي و معنى الوضع اللغوي و هو جعل شي‏ء على شي‏ء اوجب هذا التوهم لصاحبه (و ثانيا) فرق واضح بين دلالة العلم على رأس الفرسخ و دلالة اللفظ على المعنى فان دلالة العلم المزبور عبارة عن انتقال الذهن من تصوره الى تصور رأس الفرسخ بنحو الانتقال من اللازم الى الملزوم كانتقال الذهن من تصور الدخان الى وجود النار لعلمه بالملازمة بين الوجودين اما دلالة اللفظ على المعنى فهي عبارة عن انتقال الذهن من تصور اللفظ الى تصور المعنى بنحو فناء اللفظ في المعنى بحيث لا ترى النفس أنها انتقلت‏

32

من تصور شي‏ء الى شي‏ء آخر بل تجد أنها ابتداء أحست بالشي‏ء الذي انتقلت اليه بسبب سماعها اللفظ نظير من ينظر فى المرآة ليرى صورته فعند ما يرى الصورة المنعكسة منه فى المرآة يرى أنه قد رأى صورته الحقيقية ابتداء لا أنه يرى أنه قد تصور صورته بسبب نظره الى صورته المنعكسة فى المرآة و ليس ذلك كله إلا لفناء الواسطة المتصورة فى ذي الواسطة و الوجه في ذي الوجه و هكذا حال اللفظ مع المعنى عند دلالته عليه و لذا تجد اللفظ مصبوغا بلون المعنى من الحسن و القبح و الابتهاج به و الانزعاج منه و لا يحس السامع عند سماع اللفظ إلا بنفس المعنى كأنه وصل اليه بلا توسط شي‏ء آخر هذا.

و قد ذهب بعض الأعلام الى أن حقيقة الوضع هو التعهد و الظاهر أن مراده بذلك هو أن يبني المتكلم و يلتزم أن ينطق بلفظ كذا اذا أراد المعنى الخاص فكأنه يجعل عهدا على نفسه أو بينه و بين غيره في أنه إذا أراد المعنى الفلاني نطق بلفظ كذا فحقيقة الوضع عنده هو هذا البناء و العزم الكلي على هذا النحو من النطق و معنى كون اللفظ موضوعا هو كونه مبنيا على النطق به عند ارادة تفهيم المعنى الخاص و لا يخفى أن مستند هذه الدعوى يرجع الى أمرين (الأول) أن ما يتحقق من الواضعين فى مقام وضع الألفاظ للمعاني ليس إلا ذلك البناء الكلي كما يشهد به مراجعة الوجدان و يرشد اليه الغرض الاصلي من الوضع (الثاني) عدم امكان جعل الربط الوضعي بين اللفظ و المعنى ابتداء بعد فرض أن كلا منهما اجنبي عن الآخر فلا محيص عن التعهد و البناء الكلي المزبور كي يتحقق الربط بينهما قهرا (و بتقريب آخر) أن جعل الربط بين اللفظ و المعنى ليس فعلا اختياريا للواضع و ما يكون اختياريا له هو التعهد و البناء الكلي (و فيه اولا) أن الوجدان شاهد بخلاف ذلك و أن حقيقة الوضع جعل الربط الخاص بين اللفظ و المعنى كما يشهد به ايضا اطلاقات الوضع و اشتقاقاته مثل قولهم: إن اللفظ الكذائي موضوع للمعنى الفلاني و أن الوضع ينقسم الى التعييني و التعيني حيث إن الظاهر منها هو ارتباط اللفظ بالمعنى لا تعهد الوضع (و ثانيا) أن التعهد المزبور لا يخلو فى عالم التصور عن أحد وجهين (الاول) أن يكون الغرض منه تحقق الربط بين اللفظ و المعنى و صيرورته قالبا له بذلك التعهد كما هو ظاهر كلامه و من الواضح أن مرجع ذلك الى تعلق الارادة

33

بحصول الربط و صيرورة اللفظ قالبا للمعنى و حيث إنه لا بد في متعلق الارادة أن يكون امرا ممكنا فلا محيص من كون جعل الربط بين اللفظ و المعنى أمرا ممكنا للواضع و فعلا اختياريا له و عليه فلا وجه للالتزام بان ما يحصل من الواضع في مقام الوضع هو التعهد و البناء بل نقول: إن الواضع يجعل الربط بينهما ابتداء و ان شئت فقل: إن الواضع يتعهد بصيرورة اللفظ قالبا للمعنى (نعم) محذور الدور الذي توهم وروده على القول المزبور غير وارد عليه (أما تقريب الدور) فهو أن بناء المتكلم على النطق باللفظ الكذائي عند ارادته تفهيم المعنى الخاص يتوقف على كون اللفظ لائقا و مستعدا في نفسه للكشف عن ذلك المعنى و الدلالة عليه بالارتباط الحاصل بينه و بين المعنى و لا يكون كذلك إلا بالبناء المزبور و ذلك هو الدور (و أما توضيح) الاندفاع فهو أن استعداد اللفظ و لياقته للدلالة على المعنى لا يلزم أن يكون متحققا حين البناء كي يلزم الدور فان تحققه فى ظرف الاستعمال كاف في حصول البناء و التعهد و من المعلوم انه لا مانع من حصول الاستعداد المزبور فى ظرف الاستعمال بذلك البناء الكلي (الوجه الثاني) ان يكون التعهد راجعا الى النطق باللفظ الخاص الذي هو مرآة للمعنى الخاص عند ارادة ذلك (و لا يخفى ما فيه) اذ ذلك يتوقف على كون اللفظ مرآة لذلك المعنى فى رتبة سابقة و من الواضح توقف ذلك على الوضع و بعده لا مجال للتعهد المزبور لأنه يكون لغوا.

(ثم إن الوضع) و هو الربط المجعول بين طبيعي اللفظ و طبيعي المعنى قد يحصل بانشائه ابتداء و قد يتحقق باستعمال اللفظ المقصود وضعه فى المعنى كما لو قال مريد الوضع بهذا النحو جئني بالماء مشيرا الى المائع المعروف فبهذا الاستعمال مع القرينة يحصل الربط بين اللفظ و المعنى و يفهم المعنى الذي استعمل فيه اللفظ (و قد يشكل) تحقق الوضع بهذا النحو لامرين (الاول) ان الوضع بهذا النحو يستلزم اجتماع اللحاظ الآلي و الاستقلالي فى موضوع واحد و هو غير معقول بيان الملازمة هو أن استعمال اللفظ في المعنى فى مقام التفاهم به يستلزم لحاظ اللفظ آليا و توجه النفس اليه في مقام وضعه يستلزم لحاظه استقلاليا (و الجواب) أن الملحوظ باللحاظ الاستقلالي في مقام الوضع هو طبيعي اللفظ كما هو واضح‏

34

و اشرنا اليه و الملحوظ باللحاظ الآلي في مقام الاستعمال هو شخص اللفظ المستعمل و عليه لا يلزم من الوضع بالنحو المزبور اجتماع اللحاظين المتنافيين في موضوع واحد (الثاني) أن استعمال اللفظ فى المعنى للدلالة عليه به يتوقف على كون اللفظ لائقا لذلك مستعدا له و كونه كذلك يتوقف على وضعه و هو حسب الفرض لا يحصل إلا باستعماله فيه فيلزم الدور كما لا يخفى (و الجواب) أن الاستعمال يتوقف على كون اللفظ مستعدا للدلالة على المعنى فى ظرف الاستعمال و هذا المقدار من الاستعداد فى ظرف الاستعمال حاصل فى مقام تحصيل الوضع به و ذلك لأن القرينة من الاشارة و نحوها فى مقام الاستعمال المزبور تؤهل اللفظ فى وقته للدلالة على المعنى فلا يلزم الدور فى الفرض المزبور.

[الجهة الثالثة] فى تقسيم الوضع باعتبار الموضوع او الموضوع له‏

(الجهة الثالثة) ينقسم الوضع باعتبار الموضوع الى الوضع الشخصي و الوضع النوعي (فالأول) هو وضع اللفظ بهيئته و مادته معا لمعنى ما كالجوامد سواء كانت أعلاما أم اسماء اجناس كزيد و رجل (و الثاني) هو وضع أحد جزئي اللفظ و هما الهيئة و المادة لمعنى ما كوضع مادة ضرب للحدث المعروف باي هيئة من الهيئات الموضوعة ثبتت تلك المادة و كوضع هيئة فاعل لنسبة الحدث الى فاعله فى حال التلبس به على أي مادة عرضت من المواد الموضوعة.

و ينقسم ايضا باعتبار الموضوع له الى أربعة أنحاء: (الاول) هو الوضع العام و الموضوع له العام (و الثاني) هو الوضع الخاص و الموضوع له الخاص (و الثالث) هو الوضع العام و الموضوع له الخاص (و الرابع) هو الوضع الخاص و الموضوع له العام.

(أما الاول) فهو يتصور على نحوين (النحو الاول) هو عبارة عن تصور الواضع معنى وحدانيا منتزعا من امور مختلفة ذاتا أو عرضا تشترك فيه كمفهوم حيوان أو مفهوم انسان ثم وضعه طبيعى اللفظ الخاص لذلك المعنى المتصور (و هل المعنى الموضوع له فى هذا النحو هو المعنى المطلق و هو ايضا يتصور بطورين (احدهما) أن يكون المعنى هو المطلق الساري فى جميع افراده فيكون الموضوع‏

35

له هو المعنى المقيد بالشيوع و السريان و لهذا يكون استعمال اللفظ الموضوع له فى بعض افراده مجازا مرسلا لاستعمال اللفظ فى بعض ما وضع له (ثانيهما) أن يكون المعنى الموضوع له هو المعنى العام بنحو اللابشرط القسمى و هو الجامع بين الشيوع التبادلي و السرياني و كلا الطورين يحتمل فى كلام المشهور أو أن الموضوع له هي الماهية المهملة و نعنى بها المعنى الذي يكون مقسما لأقسام الماهية و منها الماهية المطلقة و عليه يتفرع احتياج إحراز السريان و الارسال الى مقدمات الحكمة المعروفة و لا يستلزم التقييد التجوز فى استعمال اللفظ الموضوع للماهية المهملة فى المقيد بنحو تعدد الدال و المدلول (التحقيق هو الثاني كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيانه.

(النحو الثاني) هو عبارة عن تصور الجامع بين الامور المختلفة التي تشترك فى معنى ما غير الوجود العام بصورة ذلك الجامع الحاكية عنه على ما هو عليه في الخارج من امتزاجه بالخصوصيات المفرقة (و توضيح) ذلك يتوقف على (مقدمة) و هي: أن الحق الذي كشف عنه التحقيق هو أصالة الوجود و أن الماهية أمر اعتباري ينتزعه العقل عن كل مرتبة من مراتب الوجود التي لا تكاد تتناهى مراتبه في القوة و الضعف إذ كل مرتبة من تلك المراتب إذا تصورها العقل بحدودها التي تنتهي اليها انتزع منها عنوانا خاصا بتلك المرتبة يسميه الاصطلاح الفني بالماهية مثلا الوجود يسير في الجوهر المحسوس فيتكون الجسم قبل أن يصل سيره الى النمو و يقال لذلك العنوان المنتزع من مقدار ذلك الوجود المحدود بعدم النمو أنه جسم جامد و اذا لم يلاحظ العقل حد النمو و عدمه بل لاحظ كون هذا الوجود شاغلا للحيز انتزع منه عنوان الجسم فقط و اذا سار الوجود و استكمل مرتبة النمو فقط انتزع العقل من هذه المرتبة عنوانا خاصا بها يسمى بالنبات و هكذا كلما سار الوجود و ترقى من مرتبة الى أعلى و أكمل من الأولى انتزع العقل من تلك المرتبة التي انتهى اليها عنوانا خاصا بها يسمى باسم من أسماء الماهيات المعروفة فهذا هو معنى كون الوجود اصيلا و الماهية أمرا اعتباريا فان الحقيقة ذات الأثر هو الوجود و الماهية هي العنوان الذي يشار به الى مرتبة ذلك الوجود لا أنها شي‏ء فى قبال الوجود (و بذلك اتضح) لك معنى الكلي الطبيعي و أنه هو العنوان المنتزع من مرتبة خاصة من الوجود السعي المتحقق فى ضمن الوجودات الشخصية التي تكون‏

36

افرادا لذلك الكلي و عليه يكون معنى الفرد هو الوجود الشخصي الذي ينتزع منه عنوان خاص به يسمى حصة من الكلي الطبيعي و بهذا تعرف المراد بالكلمة الدارجة بين أهل الفن من أن الطبيعي نسبته الى الافراد نسبة الآباء الى الأبناء لا نسبة الأب الواحد الى أولاده الكثيرين أي أن كل حصة تكون نسبتها الى الفرد الذي تنتزع منه نسبة الأب الواحد الى ولد واحد (فان قيل) على هذا يلزم أن يكون الفرد فردا للحصة و مصداقا لها لا للطبيعي مع أن الأمر بالعكس عندهم فإنهم لا ينسبون الفرد إلا الى الطبيعي و لا يرون الطبيعي صادقا إلا على فرده و معه كيف يتصور صدق المعنى المفهوم و انطباقه على موجود خارجي مع عدم احتواء المصداق على المعنى الصادق عليه و اذا استلزم الصدق تحقق المعنى الصادق فى وجود المصداق لزم تحقق الطبيعي فى ضمن الفرد و عليه يلزم أن تكون نسبة الطبيعي الى أفراده نسبة الأب الواحد الى أولاده (قلنا) لا ريب فى أن الفرد لا يكون فردا إلا للطبيعي و لا معنى لأن يقال هذا فرد لحصة من الطبيعي و ذلك لأن الوجود الشخصي إنما يكون فردا للطبيعي باعتبار احتوائه على حصة من الطبيعي فاذا كان مصحح كونه فردا هو احتوائه على حصة من طبيعيه فكيف يعقل أن يكون فردا لنفس تلك الحصة و إلا لزم أحد محذورين إما التسلسل أو كون الوجود الخاص فردا لمعنى بلا مصحح للفردية و عليه يكون صدق الطبيعي على احد أفراده في عرض صدقه على سائرها لأن المصحح للصدق في جميعها واحد و هو كون الوجود محتويا على مطابق ذلك الطبيعي المنتزع منه و تكون نسبة الطبيعي الى الأفراد باعتبار ذلك المصحح نسبة الأب الواحد الى الولد الواحد نظير صدق المشتق على من تلبس بمبدئه (أ لا ترى) أن صدق العالم على زيد و عمرو و كل من تلبس بالعلم في عرض واحد باعتبار مصحح واحد و هو التلبس بمبدإ ذلك العنوان المشتق و اما صيرورة الطبيعي الذي هو واحد في حد ذاته حصصا متعددة فباعتبار اضافته الى الخصوصيات المفرقة الممتزجة معه في الوجودات الشخصية فذلك المعنى الوحداني باضافته الى خصوصية وجود زيد مثلا يغاير نفسه باضافته الى خصوصية وجود عمرو و بهذه العناية يكون ذلك الأمر الوحداني حصصا متعددة كأنما توارد تلك الخصوصيات المتباينة عليه اوجب انقسامه الى حصص متعددة و بهذا الاعتبار

37

يقال نسبة الطبيعي الى الأفراد نسبة الآباء الى الأولاد و من جميع ذلك تبين لك أن الطبيعي باضافته الى خصوصيات الأفراد يكون متعددا و بالغائها يكون متحدا.

اذا عرفت ذلك فاعلم أن كل مرتبة من مراتب الوجود السعي اذا لاحظناها بآثارها و حدودها مع قطع النظر عن اقترانها بالمشخصات الخارجية و سريانها فى الوجودات الشخصية أمكن انتزاع عنوان خاص بتلك المرتبة يعبر عنه بالكلي الطبيعي و هي طريقة المشهور في تصوره و بما أن تلك المرتبة من الوجود السعي سارية في الوجودات الشخصية و مقترنة بالمشخصات الجزئية يكون مطابق ذلك العنوان المعبر عنه بالكلى الطبيعى ساريا فى الوجودات الشخصية ايضا بسريان الوجود السعى فيها و حينئذ يمكن ملاحظة تلك المرتبة من الوجود السعى فى حال سريانها فى الوجودات الشخصية و اقترانها بالمشخصات الجزئية بحصول صورة تلك المرتبة فى الذهن مع ما يلزمها من المشخصات التفصيلية فيوضع اللفظ بازاء هذه الصورة نفسها و إن كان حصولها في الذهن مستلزما لتصور مشخصات تلك المرتبة تفصيلا (فان قلت) هذا النحو من الوضع يستلزم تصور الموضوع له و هي المرتبة الخاصة من الوجود السعي الساري في جميع الوجودات الجزئية و تصور الموضوع له المزبور يستلزم تصور تلك الوجودات الجزئية التي لا نهاية لها و هو محال (قلت) لا اختصاص لهذا الاشكال بهذا المقام بل هو يتوجه على كل مسألة ينشأ الحكم فيها على ما لا نهاية له كالقضية الحقيقية التي يتناول الحكم فيها جميع افراد الطبيعة المحققة و المقدرة فكما يكون العنوان مرآتا لملاحظة ما ينطبق عليه من الأفراد إجمالا كذلك يكون العنوان العام فى المقام مرآتا لملاحظة تلك المرتبة من الوجود السعى و ما يسري فيه من الأفراد و هذا نحو آخر من الوضع العام و الموضوع له العام و سيجى‏ء إن شاء اللّه تعالى أن وضع الحروف من هذا القبيل من الوضع.

(و اما الثاني) و هو أن يكون الوضع خاصا و الموضوع له خاصا ايضا فحقيقته هو أن يتصور الواضع حين ارادته الوضع صورة شخصية و يضع اللفظ بازاء تلك الصورة كوضع الاعلام.

(و اما الثالث) و هو أن يكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا فحقيقته هو أن يتصور الواضع حين إرادته الوضع معنى عاما أي لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين‏

38

ثم يضع اللفظ بازاء افراد ذلك المعنى العام و مصاديقه (و توضيح) ذلك يتوقف على تمهيد مقدمة و هي أن العناوين العامة المنتزعة تكون على انواع (منها) العنوان المنتزع عن الجامع الذاتي بين افراده المتحد وجودا مع خصوصيات الأفراد و المعرى عنها تصورا و حقيقة فيكون العنوان حينئذ ذاتيا كعنوان الحيوان و الانسان و غيرهما من الذاتيات (و منها) العنوان المنتزع من الأفراد باعتبار انصافها بخصوصية خارجة عن ذاتها و ذاتياتها سواء كان لها ما بحذائها خارجا كعنوان أبيض و عالم أم لم يكن لها ذلك كعنوان ممكن و فوق و لا يخفى أن هذا النوع و ما قبله لا يحكي شي‏ء منهما عن خصوصيات أفراده بل إن كلا منهما متمحض للحكاية عن الجامع الساري فى الأفراد الذى يكون هو ما بحذاء ذلك العنوان (و منها) العنوان العام الذي يحكي اجمالا عن الخصوصيات التي يكون بها التشخص خارجا و اجمال هذا العنوان الحاكي قد يكون من بعض الجهات دون اكثرها و قد يكون من اكثر الجهات (فالاول) هو المسمى بالعنوان الاجمالي مثل عنوان الشخص و الفرد (و الثاني) هو المسمى بالعنوان المبهم مثل عنوان الشبح لما يتراءى من بعيد و الفرق بين هذا العنوان و العنوانين السابقين يكون من وجهين (احدهما) أن هذا العنوان المبهم يحكي عن الخصوصيات الفردية بالاجمال و لهذا لو تصورنا فردا مبهما بتوسط هذا العنوان ثم انكشف ذلك الفرد المبهم لوجدنا ذلك العنوان المبهم منطبقا عليه و مشيرا اليه بخصوصه انطباق العنوان التفصيلي الجامع لخصوصيات الفرد عليه بخلاف العنوانين السابقين إذ هما لا يحكيان عن الفرد بما هو عليه من الخصوصيات بل يحكيان عن معنونهما الموجود فى الفرد و يتفرع على هذا صحة التقرب بالخصوصيات الفردية لو تعلق الامر بشي‏ء بنحو العنوان المبهم كما لو قال صل في أحد هذه المساجد فانه يصح أن يتقرب المكلف بفعل الصلاة فى المسجد المعين بخصوصه بخلاف ما لو تعلق الامر بها مطلقة فقال صل فانه لا يصح منه التقرب بخصوصية المكان الذي يوقع الصلاة فيه لعدم تعلق الامر به تفصيلا أو اجمالا كما هو شأن العنوانين السابقين «ثانيهما» أن العنوانين السابقين ينتزع كل منهما عن الوجود الخارجي بما أنه مشتمل على مطابق ذلك العنوان بخلاف العنوان المبهم فانه نحو من انحاء المعاني الاختراعية التي تنشئها النفس و تشير بها الى بعض الموجودات الخاصة الخارجية مثل عنوان المجهول المطلق‏

39

حينما تحكم عليه بان طلب المجهول المطلق محال و كذلك اجتماع النقيضين محال «و بما ذكرنا» يرتفع الاشكال المتوهم وروده فى المقام و هو أن العنوان المبهم بما أنه عنوان وحداني و مفهوم بسيط عقلاني كيف يعقل أن يحكي عن الخصوصيات الفردية مع كونها امورا متعددة متباينة فلا بد أن يكون تحصيل هذا العنوان بسبب انتزاع جامع عرضي بين تلك الخصوصيات المتباينة ليشار به اليها و عليه يكون حال هذا العنوان ايضا حال العنوانين السابقين من حيث عدم حكايته عن الخصوصيات المتباينة بما هي كذلك كما هو المدعى «وجه الرفع» هو أنه قد بينا أن تحصيل هذا العنوان المبهم ليس بتوسط الانتزاع من الامور الخارجية ليفتقر الانتزاع منها الى جهة مشتركة بينها و لو عرضا بل هو من المعاني المخترعة للنفس حسب قدرتها على ذلك فان النفس اذا علمت أن لا مجال لها في الخارج و لا منشأ لانتزاع عنوان تشير به الى ما في الخارج اخترعت بقدرتها عنوانا اجماليا تفرضه لنفس ما في الخارج و تشير به اليه و ترتب احكامها عليه و هذا الاختراع و الفرض لا يتوقف على وجود جهة مشتركة بين المتباينات و لو بنحو العرض بل دائما يكون مورد ذلك الاختراع و الفرض هو فرض عدم وجود جهة جامعة بين الامور المتباينة و لو عرضا.

«اذا عرفت هذه» المقدمة اتضح لك أنه لا يمكن تصور الموضوع له بوسيلة أحد العنوانين الاولين حيث يكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا لعدم حكاية شي‏ء منهما و لو بنحو الاجمال عن خصوصيات الموضوع له ليمكن الوضع له بعد تصوره و إنما يتأتى ذلك للواضع بوسيلة العنوان المبهم الذي تخترعه النفس مطابقا لما تحاول الحكاية به عن الامور الخاصة بما هي خاصة و لو إجمالا.

«و اما الرابع» و هو أن يكون الوضع خاصا و الموضوع له عاما فحقيقته أن يتصور الواضع شخصا خاصا ثم يضع اللفظ بازاء الطبيعي الذي ينطبق عليه و هذا النحو من الوضع غير معقول و مستحيل الحصول أما كونه غير معقول فلان الخاص بما هو خاص لا يكون وجها و عنونا للعام بنحو يكون تصوره تصورا للعام و لو بنحو الاجمال و ذلك لأن الخصوصية المقومة للخاص تناقض العموم و تنافيه و العموم لا يتحصل في معنى ما إلا بالغاء الخصوصية و معه كيف يمكن أن‏

40

يكون الشي‏ء مرآة و وجها لنقيضه (نعم) ربما يكون تصوره سببا لتصور نقيضه و لذا قيل الضد أقرب حضورا في البال عند حضور ضده (و أما كونه مستحيل) الحصول فلأن الوضع التعييني من الأفعال الاختيارية و هو متقوم بتصور متعلقة اعني اللفظ الموضوع و المعنى الموضوع له فاذا امتنع أحد التصورين امتنع صدور هذا الفعل الاختياري من فاعله (و قد يتوهم) امكان تصور هذا النحو من الوضع بالوجه الآتي و هو أنه إذا تصور العاقل موجودا خاصا فلا محالة أنه يتصور أن هذا الموجود الخاص فرد لطبيعي ينطبق عليه و على امثاله من افراده فاذا اراد أن يضع اسما خاصا لذلك الطبيعي أمكنه ذلك بهذا المقدار من التصور الاجمالي (و مما ذكرنا) يتضح لك رد هذا الوجه فانه لا يستفاد منه اكثر من إمكان تصور الأمر العام بسبب تصور الأمر الخاص و هو مما لا نزاع فيه كما اشرنا اليه و أما كون تصور الخاص تصورا للعام كما هو محل الكلام فلا يكاد يستفاد من هذا الوجه (فان قيل) سلمنا أنه لا يمكن أن يكون الخاص بما هو كذلك وجها للعام و عنوانا يكون تصوره تصورا للعام و لو بنحو الاجمال إلا أن ملاك امتناع هذا الفرض ايضا متحقق في عكسه المسلم عندكم امكانه و هو ما لو كان الوضع عاما و الموضوع له خاصا فكيف يعقل أن يكون العام بما هو كذلك وجها للخاص بما هو خاص (قلنا) هذا الاشكال إنما يتوجه لو قيل بان العام الذي يكون عنوانا للخاص هو العام المنتزع من الامور الخاصة بالغاء الخصوصيات و أما لو قلنا بان العام الذي يكون عنوانا للخاص هو العام المخترع الذي تخترعه النفس و تجعله عنوانا عاما لملاحظة الامور الخاصة غير المتناهية بما هي خاصة و النفس في وسعها أن تخترع عنوانا مع كونه عاما يريها الامور الخاصة على كثرتها بما هي خاصة و لو بنحو الاجمال و هو كاف فى مقام الوضع (فان قلت) اذا عدلتم عن العنوان العام المنتزع لامتناع كونه وجها للخاص الى العنوان المبهم المخترع لامكان كونه وجها للخاص كما تقدم شرحه فيمكن بهذه الطريقة تصوير كون الوضع خاصا و الموضوع له عاما بأن نخترع صورة خاصة نشير بها الى الأمر العام و نجعلها عنوانا كاشفا عنه (قلنا) لا ريب في أن كل صورة تحدث فى النفس إنما هو موجود خاص سواء كان مطابقها أمرا عاما أم أمرا خاصا و انما توصف بالعموم‏

41

و الخصوص باعتبار مطابقها و حينئذ إن كان مطابق هذه الصورة المخترعة أمرا خاصا عاد المحذور و إن كان أمرا عاما فهو خلاف المفروض.

[الجهة الرابعة] فيما وقع من اقسام الوضع و بيانه المعنى الحرفى و سيتضح لك وجهه بالبحث فى مقامات‏

(الجهة الرابعة) لا شبهة فى وقوع الوضع العام و الموضوع له عام كوضع اسماء الاجناس كما أنه لا إشكال في وقوع الوضع الخاص و الموضوع له خاص كوضع الأعلام (أما الوضع الخاص و الموضوع له عام) فقد عرفت عدم امكانه و أما كون الوضع عاما و الموضوع له خاصا فقد قيل إنه وضع الحروف و ما شاكلها من الاسماء و إن كان مقتضى التحقيق خلاف ذلك و سيتضح لك وجهه بالبحث فى مقامات.

المقام الاول فى المعاني الحرفية و البحث عنها يكون من جهتين‏

[الجهة] الاول فى شرح حقيقة المعنى الحرفى و فيها اقوال‏

القول الاول هو أنه لا فارق بين المعنى الحرفي و الاسمي لا في الوضع و لا فى الموضوع له‏

بل معنى الحرف هو نفس معنى الاسم الذي يعبر به عن معنى ذلك الحرف كالابتداء المعبر به عن معنى من «و أما كون» المستفاد من لفظ الابتداء مثلا هو الابتداء الاستقلالي و المستفاد من لفظ من هو الابتداء الآلي فليست الاستقلالية في الاول و الآلية في الثاني من مقومات الموضوع له ليفترق كل من المعنيين عن الآخر في قوام ذاته بل كل من الاستقلالية و الآلية من قيود الوضع و مميزاته بمعنى أن الواضع اعتبر الربط الوضعي بين لفظ الابتداء و معناه حيث يراد معنى الابتداء استقلالا و كذلك اعتبر الربط الوضعي بين لفظ من و معنى الابتداء حيث يراد آلة و لهذا لا يصح استعمال لفظ الابتداء فى الابتداء الآلي مطلقا لعدم ارتباطه به وضعا و عدم علاقة مصححة للتجوز و كذلك العكس.

الثاني من الاقوال هو أن لا يكون للحرف معنى‏

وضع لفظ الحرف له بل يكون حاله حال علامات الاعراب من الضم و الفتح و الكسر فكما أن الضمة تتصل بالكلمة في بعض احوالها و الفتحة تتصل بها في بعض احوالها الاخرى كذلك لفظ في مثلا يتصل بالدار في بعض احوالها كما لو كانت ظرفا و لفظ من‏

42

يتصل بها فى بعض احوالها الآخر كما لو كانت مبدأ للحركة مثل جئتك من الدار

الثالث هو أن المعنى الحرفي يباين المعنى الاسمي في ذاته و صفاته‏

(أما تباينهما) في الذات فلأن المعنى الحرفى عبارة عن وجود جزئي ذهني يحصل به الربط بين المعاني الاسمية بآلة الحروف الموضوعة لايجاد تلك الوجودات الرابطة و المعنى الاسمي عبارة عن الصورة التي تحضر فى الذهن و يكون لها مطابق فى الخارج و لو فرضا مثل مفهوم العدم و اجتماع النقيضين و شريك الباري و هذه الصورة هي المعبر عنها بالمعاني الاخطارية فمعنى اللفظ هو نفس تلك الصورة و أما مطابقها فليس هو معنى اللفظ و بما أن المعاني الاسمية لا ارتباط لبعضها ببعض احتيج في مقام تأليف الكلام منها لأجل الافادة و الاستفادة الى روابط تربط بعضها ببعض و لا يمكن أن تكون تلك الروابط من سنخ المعاني الاخطارية و إلا كانت مثلها في افتقارها الى رابط آخر يربطها بغيرها و هكذا فيتسلسل فلا بد أن تكون تلك الروابط من سنخ حقيقة الربط اعني الوجود الجزئي الذهني الواصل بين المعاني الاخطارية و الرابط لبعضها ببعض فالكلام الدال على المعنى التركيبي يؤلف من الفاظ تدل على المعاني الاخطارية اعني المعاني الاسمية فتحضرها في ذهن السامع و من الفاظ توجد الربط الحقيقي بين تلك المعاني الاخطارية في ذهن السامع فيتم المعنى التركيبي فى ذهنه و به تحصل الفائدة و تلك الألفاظ الموجدة للربط هي الحروف (و أما تباينهما) فى الصفات فهو أن المعنى الاسمي مقصود بنفسه بالافادة و الحكاية عنه فيكون ملحوظا بنفسه لنفسه و أما المعنى الحرفي فلا يكون ملحوظا بهذا اللحاظ بل يكون مغفولا عنه من حيث هذا اللحاظ و إن كان ملحوظا بنحو اللحاظ المقدمي كلحاظ اللفظ نفسه حين استعماله فى المعنى أو كملاحظة الآلة حين التوصل بها الى العمل المقصود تحصيله بها لأن المعنى الحرفي حقيقته حقيقة الربط فيكون حاله حال اللصاق الواصل بين الأجسام المتفرقة.

الرابع هو أن المعنى الحرفي يباين المعنى الاسمي ذاتا [و توضيحه يتم بتحرير أمور]

كما اشرنا اليه فى الثالث إلا أنه كالمعنى الاسمي فى كونه متقررا و موجودا في نفس الأمر و الواقع قبل التكلم بما يدل عليه و بهذا يمتنع أن يكون معنى ايجاديا و ان لفظ الحرف يكون آلة لايجاده فى الكلام و هو ايضا ملحوظ تبعا لملاحظة متعلقه اعني المعنى الاسمي و بهذا

43

يمتنع أن يكون مغفولا عنه و هذا هو الحق الذي نذهب اليه و توضيحه يتم بتحرير امور:

الاول هو أن المعنى الحرفي من المعاني الاخطارية فيكون من سنخ المعاني الاسمية

باعتبار كونها صور الامور المتقررة فى الواقع فكما أن مفهوم لفظ الدار هي صورة هذا الأمر الواقعي و كذلك مفهوم زيد هي صورة هذه الذات الخاصة الخارجية كذلك مفهوم لفظ فى هي صورة ذلك التحيز الخاص الواقع بين زيد و الدار فاذا قلنا زيد فى الدار فقد صورنا صورة الواقع فى الخارج فى ذهن السامع بهذه الالفاظ غاية الأمر أن مفهوم لفظ فى لا يكاد يحضر فى الذهن إلا مع حضور متعلقيه اعني مفهوم زيد و مفهوم الدار لكونه صورة الربط الخاص اعني التحيز الواقع بين زيد و الدار فى الخارج و لا يعقل تصور هذه الصورة الخاصة إلا مع تصور أركانها التي تقوم بها و هذا بخلاف مفهوم الاسم مثل لفظ زيد و الدار فان استحضار صورة هذا الأمر الواقعي لا يتوقف على تصور غيره لعدم تقومه به و لهذا كان المعنى الاسمي مفهوما مستقلا في التصور و الخطور و المعنى الحرفي تابعا لغيره فى اللحاظ و الحضور.

و بهذا التقريب يتضح لك فساد القول الثالث من أن المعنى الحرفي أمر ايجادي ليس من المعاني الاخطارية إذ غاية ما يمكن أن يقال فى توجيه هذا القول هو ما حررناه عند التعرض له و محصله أن المعاني الاسمية مفاهيم اخطارية و لا ربط لبعضها مع بعض بالوجدان فيفتقر تأليف الكلام منها لافادة المعاني التركيبية الى روابط تربط بعضها ببعض و ذلك الرابط لا يعقل أن يكون من سنخ المعاني الاسمية أعني أنه يكون مفهوم الربط و إلا لزمه ما يلزمها من الافتقار الى الربط فلا بد أن يكون ذلك الرابط هي حقيقة الربط الواقعي و ليس هو إلا الوجود الجامع بين المعاني الاسمية في الذهن الحادث بآلة الحرف و لا يخفى ما فيه (أما اولا) فان المعاني التي تتصورها النفس إما أن تكون مرتبطة بعضها ببعض أو غير مرتبطة فما تصورته النفس مرتبطا فلا يعقل إحداث الربط بين أجزائه لأنه تحصيل للحاصل و ما تصورته النفس غير مرتبط فلا يعقل إحداث الربط فيه لأن الموجود لا ينقلب عما هو عليه و لكن يمكن أن يفنى و يحدث في اثره وجود آخر بخصوصية اخرى مثلا النفس يمكن أن تتصور مفهوم زيد مستقلا و كذلك مفهوم الدار و يمكن‏

44

أن تتصور هذين المفهومين مرتبطا بعضهما ببعض بأن تتصور مفهوم قولنا زيد فى الدار فاذا تصورت مفهوم زيد مستقلا اي لا فى ضمن تصورها للمعنى المركب فلا يعقل أن يحدث الربط بينه و بين مفهوم الدار ثانيا نعم يمكن أن يفنى هذا التصور الأول و تتصوره ثانيا مرتبطا بمفهوم الدار في ضمن تصورها لمفهوم قولنا زيد فى الدار و عليه اذا أراد المتكلم إفادة السامع مفاد قوله زيد فى الدار فحينما يتلفظ بلفظ زيد يتصور السامع مفهومه مستقلا لا محالة إذ لا يعلم بالمعنى المركب ليتصوره مرتبطا فاذا اتبعه بقوله فى الدار فلا يخلو مدعي الايجادية فى الحروف من أن يدعي أحد امرين إما إحداث الربط في الموجود غير المرتبط و قد تقدم أنه غير معقول أو إحداث موجود آخر مرتبط غير المتصور الاول و هو خلاف الوجدان (و أما ثانيا) فلأن الهيئات الدالة على معنى لا بد أن يكون مدلولها معنى حرفيا و على فرض كون المعنى الحرفي ايجاديا يلزم أن يكون معنى الهيئة متقدما في حال كونه متأخرا و بالعكس هذا خلف (بيان ذلك) أن الهيئة التي تطرأ على المادة متأخرة بالطبع عن المادة التي مدلولها معنى اسمي و بما أنها دالة عليه تكون متأخرة رتبة عنه لتأخر الدال عن المدلول طبعا و قد فرضنا أن الهيئة متأخرة عن المادة رتبة فتكون متأخرة عن مدلول المادة اعنى المعنى الاسمي برتبتين و بما أن الهيئة توجد معناها في المعنى الاسمي يكون معناها متأخرا عنها تأخر المعلول عن علته فيلزم أن يتأخر المعنى الحرفى الذي توجده الهيئة عن موضوعه أعني المعنى الاسمي الذي تدل عليه المادة بثلاث رتب و بما أنه مقوم لموضوعه يلزم أن يكون فى رتبته فيتقدم على علته بثلاث هذا خلف (و أما ثالثا) فلأنه بناء على كون المعنى الحرفي ايجاديا يلزم أن يخرج مدلول الحرف عن حيز المطلوب و صقعه و يكون في حيز الطلب و صقعه مثلا لو قيل سر من البصرة فبما أن الحرف معناه ايجادي يكون معنى من فى المثال المزبور متحققا حين تحقق الطلب و لا ريب في أن الطلب متأخر بالطبع عن المطلوب و هو السير من البصرة فيلزم أن يكون معنى من بملاحظة كونه فى رتبة الطلب متأخرا عن المطلوب و بملاحظة كونه من قيود المطلوب متقدما على الطلب هذا خلف (و أما رابعا) فلأن كل لفظ سواء كان مدلوله معنى إفراديا كلفظ زيد و رجل أم معنى تركيبيا كما هو مدلول كل كلام يدل على‏

45

معنى مركب سواء كان بحيث يصح السكوت عليه إنشاء كان أم خبرا أم لا يصح السكوت عليه مثل غلام زيد لا بد أن يكون له مدلول بالذات و هو المفهوم الذي يحضر في الذهن عند سماعه و مدلول بالعرض و هو ما يكون ذلك المفهوم فانيا فيه مما هو خارج عن الذهن و هذه الدلالة و المدلول هما المقصودان بالوضع و الاستعمال و تأليف الكلام و المحاورة به دون الاول و بناء على كون معاني الحروف ايجادية يلزم أن ينحصر مدلول الكلام بالعرض في المعاني الافرادية التي لا يحصل بها شي‏ء من الافادة و الاستفادة و لا يتم بها الخطاب و اظهار الارادة (بيان ذلك) هو أن كل كلام لا بد أن يشتمل على نسبة ما و هي التي يحصل بها الربط بين مفرداته فاما مفرداته فهى بما أنها معان اسمية اخطارية يكون لها مدلول بالذات و هو مفهومها و مدلول بالعرض و هو ما يفنى فيه ذلك المفهوم مما هو خارج عن الذهن و هو المعنى الافرادي و أما النسبة التي تربط تلك المفردات فهي بما أنها من المعاني الحرفية الايجادية حسب الفرض لا يكون لها إلا مدلول بالذات و هو الوجود الخاص الرابط بين المعاني الاسمية الاخطارية و عليه لا يكون لشي‏ء من الكلام دلالة يصح السكوت عليها و يحصل بها التفاهم اصلا و هو خلاف الضرورة و الوجدان (ان قلت) المعتبر فى حكاية الكلام عن الخارج إنما هو مجموعه بما هو مجموع لا حكاية كل لفظ من مفرداته عما يقابله من الخارج ليقال إن الحروف ليس لها مدلول بالعرض كما للاسماء و أما مجموع الكلام المؤلف من الاسماء و الحروف فهو بالوجدان يفهم منه معنى تركيبي غير ما يفهم من مفرداته سواء ما يصح السكوت عليه أم لا و المدار فى الحكاية على المجموع لا على المفردات (قلت) لا اشكال فى أن تركيب الكلام تركيب اعتباري لا تركيب حقيقي ليحدث من امتزاج بعض أجزائه مع بعض حقيقة ثالثة غير حقائق أجزائه و لا ريب في أن أجزاء المركب الاعتبارى موجودات مستقلة يمتاز كل منها عن الآخر بماهيته و هويته و أجزاء الكلام اعني مفرداته لا شبهة فى أنها كذلك فلكل منها وجود مستقل و حكاية خاصة به سواء كان حرفا أم اسما و عليه فيلزم أن يكون كل من أجزاء الكلام يحكي عما سيق له من المعاني الخارجية فيقابل كل جزء من اجزاء الكلام بعض الخارج المدلول عليه بالعرض.

46

ثم إنه قد يفصل فى المعاني الحرفية و ما شاكلها من الاسماء بين ما يكون منها حاكيا عن امر خارجى مثل زيد في الدار و سرت من البصرة و ما لا يكون كذلك بل يوجد معناه بنفس استعماله مثل حروف النداء و التشبيه و التمني و الترجي و الاستفهام و التنبيه و نحوها أما ما كان من السنخ الاول فهو من المعاني الاخطارية و أما ما كان من السنخ الثاني فهو من المعاني الايجادية بتقريب أن النداء و التشبيه مثلا لا حقيقة لكل منهما قبل انشائه ليحكي عنه بل حقيقته توجد بنفس استعمال هذه الادوات و كذلك الاستفهام و التنبيه و قد يكون هذا من الضروريات بعد الالتفات اليه (و التحقيق) أنه لا فرق بين المعاني الحرفية و ما يشبهها من حيث الحقيقة بل جميعها من سنخ واحد اعني أنها جميعا معان إخطارية غاية الامر أن المدلول عليه بالذات و بالعرض فى بعضها واضح تشخيصه كالأمثلة الاولى اعني قولنا زيد فى الدار و سرت من البصرة و فى بعضها خفي مثل النداء و التشبيه و التنبيه و أما كون السنخ الثاني من المعاني الايجادية.

فان كان المراد بذلك هو ان استعمال هذه الأدوات في معانيها يوجب حدوث فرد من افراد معانيها في الخارج مثلا اذا نادى احد غيره فقال يا زيد حدث فرد من افراد النداء أو قال كأن زيدا اسد وجد فرد من افراد التشبيه في الخارج فالايجادية بهذا المعنى لا شبهة فيها و لكن لا يمكن أن يكون هذا الوجود الخارجي الجزئي هو معنى هذه الادوات و المدلول عليه بها بالذات لوجوه (احدها) أن معنى اللفظ و مدلوله بالذات هو ما يحضر فى الذهن عند سماع اللفظ الموضوع له أو حين تصوره و لا ريب فى أن الموجود الخارجي لا يعقل أن يحضر فى الذهن لهذا قلنا بأن الخارج يكون مدلولا عليه بالعرض لفناء المدلول عليه بالذات فيه (و ثانيها) هو أن هذا الوجود الخارجي الذي يكون بالحمل الشائع نداء مثلا او تشبيها لا يتحقق فى الخارج إلا بنفس الاستعمال المتعلق بذلك الوجود و يكون متأخرا عن الاستعمال المزبور إما بالطبع أو بملاك العلية و المعلولية و لا ريب فى أن المستعمل فيه متقدم على الاستعمال بالطبع و اذا كان هذا الوجود الناشئ من نفس الاستعمال هو المستعمل فيه يلزم أن يكون هذا الوجود الجزئي فى آن واحد متقدما رتبة على الاستعمال و متأخرا رتبة عنه هذا

47

خلف (و ثالثها) أنه لا شبهة فى استعمال ادوات النداء و التشبيه و التمني و الترجى و الطلب و نحوها فى غير ما يكون نداء أو تشبيها أو تمنيا أو ترجيا او طلبا بالحمل الشائع بل تستعمل هذه الأدوات بداعى التشوق او السخرية او التودد او الحنين و التوجد او التعجيز و التهديد و غيرها من الدواعى الأخرى كما هو مذكور في محله (و لا ريب) فى أن الموجود بهذا الاستعمال لا يكون بالحمل الشائع فردا من افراد معنى من معاني هذه الأدوات فلا يكون استعمال أدوات النداء بداعي التشوق مثل قوله: (يا قمر التم الى م السرار) أو بداعي التوجد مثل قوله:

(يا كوكبا ما كان أقصر عمره) نداء بالحمل الشائع بل يكون تشوقا أو توجدا بالحمل الشائع أو بداعي التعجيز مثل قوله تعالى: (كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً) فلا يكون طلبا بالحمل الشائع بل يكون تعجيزا بهذا الحمل الى غير ذلك من موارد استعمال هذه الادوات بداع غير افادة ما وضعت له و عليه فاما أن يكون استعمال هذه الأدوات فى المعاني المزبورة بنحو المجاز و ضرب من العناية و هو مما لا يقول به المفصل و إما أن يكون استعمال هذه الأدوات في هذه الموارد فى معانيها حقيقة و لكن بداعي أحد الامور المزبورة من التشوق و التوجد و غيرهما فيلزم أن يكون معانيها غير ما يوجد بها حتى فيما استعملت بداعي افادة ما وضعت له و هو المطلوب.

و ان كان المراد من الايجادية هو ايجاد الربط بين المفاهيم الاسمية فى صقع نشأتها و حدوثها كما هو مراد من يدعي الايجادية فى المعاني الحرفية مطلقا (فهو ايضا) باطل لما تقدم من الدليل على بطلان دعوى الايجادية مطلقا بمعنى أن لا فرق في المعاني الحرفية و ما يحذو حذوها من الاسماء في كونها معاني اخطارية بين كونها اخبارية مثل قولنا زيد في الدار و كونها انشائية مثل قولنا كان زيد اسدا (فان قلت) إنا نرى بالوجدان الصريح فرقا بين قولنا بعتك الدار مثلا و أنت حر على سبيل الاخبار و قولنا بعتك الدار و انت حر على سبيل الانشاء و اذا فحصنا عن سر هذا الفرق لم نجد له منشأ إلا كون النسبة الخبرية الحكمية لها خارج تشير اليه و تحكي عنه و أن النسبة الانشائية ليس لها خارج تشير اليه غير نفسها الموجودة في صقع المفهوم و اذا انتفى كون النسبة الانشائية حاكية عما وراء نفسها فقد انتفى كونها اخطارية و ثبت كونها ايجادية لانحصار معنى اللفظ في هذين السنخين و لهذا صح‏

48

التفصيل في المعاني الحرفية أن بعضها اخطاري كالنسبة الخبرية و بعضها ايجادي كالنسبة الانشائية (قلت) توضيح الجواب يستدعي تحرير مقدمة و هي أنه لا اشكال فى أن المفاهيم الاسمية غير الأعلام معان كلية و ان كان مطابقها حين الاستعمال امورا جزئية خاصة غاية الأمر أن خصوصية المطابق تفهم من القرائن الحالية أو المقالية فيتعدد الدال و المدلول حينئذ (و ايضا) لا اشكال في أن الافعال مطلقا مركبة من معنى اسمي و معنى حرفي باعتبار المادة و الهيئة فكما أن الاسم غير العلم اذا استعمل فى معناه يكون مفاده طبيعي المعنى و إن كان يراد به مصداق خاص بدلالة القرائن كذلك الفعل اذا استعمل في معناه يكون مفاده من حيث المادة طبيعي المعنى و إن كان مطابقه امرا خاصا كما فى الاخبار بالفعل الماضي فمثل قولك قمت لم تستعمل المادة فيه إلا فى طبيعي المعنى اعني طبيعي القيام و إن كان مطابقه القيام الخاص الجزئي إلا أن هذه الخصوصية استفيدت من القرائن لا من نفس المادة و هذا المعنى يتجلى لك كثيرا فى الفعل المضارع و اكثر من ذلك فى فعل الأمر و كما أن غرض المتكلم يتعلق بافادة الأمر الخاص الجزئي و لو بتعدد الدال و المدلول كما فى قولك قمت اخبارا عن قيامك الجزئي كذلك قد يتعلق غرضه بافادة طبيعي المعنى فقط كما فى صورة الطلب بمثل قولك قم و ايضا قد ثبت فيما سبق أن المعنى الحرفي من المعاني الاخطارية و أن الحرف موضوع لطبيعي معناه الذي لا يكاد ينفك عن الخصوصيات المفردة له فى العين و الذهن (اذا عرفت ذلك) تعرف أنه كما يصح أن يستعمل كل من الاسم و الحرف فى معناه الموضوع له مع تطبيقه على الجزئي الخاص كما فى مثل قولك بعت الدار اخبارا عن بيع واقع منك كذلك يصح أن يستعمل كل منهما فى طبيعي معناه بلا حكاية عن مصداق جزئي كما فى مثل قولك بعت انشاء و لا يلزم من ذلك انتفاء الحكاية عن المعنى الحرفى المستلزم لانتفاء كونه اخطاريا المستلزم ذلك لكونه ايجاديا و ذلك لأنا قد بينا فيما تقدم من ان للفظ دلالتين دلالة بالذات و هي دلالته على معناه اعني المفهوم و دلالة بالعرض و هي فناء المفهوم فى حقيقته المتقررة له فى لوح الواقع و نفس الامر فكما أن المعنى الاسمى اذا لم يكن له فى الخارج مطابق يحكي عنه لا يوجب ذلك كونه معنى ايجاديا لانتفاء الحكاية كذلك المعني الحرفي لتحقق الدلالتين فيه‏

49

ايضا فان لفظه يدل بالذات على المفهوم الحرفى و المفهوم يكون فانيا فى حقيقته المتقررة فى لوح الواقع و نفس الأمر فاذا لم يكن لمعنى الحرفى خارج لا يوجب عدم الحكاية المستلزم لكونه ايجاديا.

الأمر الثاني قد يتوهم أن كون المعنى الحرفي ايجاديا

يستلزم طبعا أن يكون غير ملحوظ باللحاظ الاصلي و إن كان ملحوظا باللحاظ الآلي نحو لحاظ اللفظ حين استعماله في المعنى و لحاظ المرآة حين النظر فيها بدعوى أن ملاحظة المعنى الحرفى باللحاظ الاصلي يستلزم كونه اخطاريا و ينقلب عما هو عليه من حقيقة الربط بين المفاهيم الاسمية الى كونه منها و هو توهم غير سديد (أما اولا) فلأن كون لحاظ المعنى الحرفي باللحاظ الاصلي يستلزم كونه معنى اخطاريا ليس بلازم فاسد بل ذلك هو الصحيح فان المعنى الحرفي جزء من معنى الكلام التركيبي المقصود بالدلالة عليه بل هو المنظور اليه فى مقام تأليف الكلام و المدلول عليه بالخصوص فى مقام الافادة و الاستفادة فانك تجد المهم الذي يقصده المخبر بقوله زيد فى الدار مثلا هو كونه في الدار لا أنه يريد أن يحضر مفهوم زيد أو مفهوم الدار فى ذهن المخاطب و كذلك فى مقام النفي و بهذا و نحوه ينكشف للناظر فيه أن المعنى الحرفي من المعاني الاخطارية (و أما ثانيا) فانه اذا سلمنا فساد التالي فلا نسلم أن لحاظ المعنى الحرفي باللحاظ الاصلي يستلزم انقلابه عن الايجادية الى الاخطارية إذ لا ملازمة بين اللحاظ الاصلي و الاخطارية و لا منافاة بينه و بين الايجادية فان الايجادية لا تستلزم كون المعنى الايجادي آلة للمعنى الاخطاري بل هو حقيقة الربط بين المعاني الاسمية و هو مقصود بالاصالة و لم يتخذ لملاحظة المعاني الاسمية بنحو الآلة كما هو شأن الألفاظ المستعملة فيها.

الأمر الثالث أن الموجودات فى العين على أنحاء

(منها) وجود الجوهر (و منها) وجود العرض باقسامه التسعة المعبر عنه بالوجود الرابطي (و منها) ربط الأعراض بموضوعاتها المعبر عنه بالوجود الرابط و العرض من حيث افتقاره الى الموضوع ينقسم الى قسمين (احدهما) ما يستغنى بموضوع واحد مثل مقولة الكيف و الكم (و ثانيهما) ما يحتاج في تحققه الى موضوعين يتقوم وجوده بهما مثل مقولة الاين و الاضافة و باقي الأعراض الاضافية (و السيرة العقلائية) حسب الاستقراء تدل على أن العقلاء لم يهملوا معنى من المعاني التي تدور عليها الافادة

50

و الاستفادة من حيث جعل الطريق لها و الكاشف عنها و هو الكلام (و لا يخفى) أن المعاني الحرفية من أهم المعانى التي يحتاج الانسان الى الدلالة عليها في مقام الافادة و الاستفادة و ايضا حسب الاستقراء و الفحص عما يدل من الألفاظ الموضوعة على المعاني المذكورة قد وجدنا الاسماء تدل على الجواهر و جملة من الأعراض و وجدنا الحروف تدل على جملة الأعراض الاضافية النسبية و وجدنا الهيئات سواء كانت من هيئات المركبات أم من هيئات المشتقات تدل على ربط العرض بموضوعه مثلا لفظ في يدل على العرض الايني العارض على زيد في مثل قولنا زيد في الدار و هيئة هذه الجملة التركيبية تدل على ربط هذا العرض الايني بموضوعه اعني زيدا و كذلك هيئة مثل عالم و أبيض و مضروب تدل على ربط العرض بموضوع ما و كذا بقية الحروف تدل على إضافة خاصة و ربط مخصوص بين المفاهيم الاسمية (فان قلت) يمكن تصديق ما ذكرته فى مثل لفظ من و في و على و عن و إلى و ما رادفها من الحروف بدعوى وضعها لاصناف مقولة الاين من الاين الابتدائى و الاين الظرفى و الاين الاستعلائى و الاين التجاوزي و الاين الانتهائى و لكن باقي الحروف و ما اكثرها يشكل تطبيق ما ذكر عليها فاي عرض من الاعراض تدل عليه حروف النداء و حروف التشبيه و حروف العطف و نظائرها من الحروف الاخرى التي يشكل جدا تشخيص كون مدلولها عرضا من الاعراض (قلت) قد عرفت أنه ينحصر معنى الحرف في الجوهر و العرض او ربطه بمحله و لا شبهة فى عدم كون معناه من الجواهر فينحصر في الاعراض او ربطها بمحالها لا مجال لتوهم كون معانى الحروف في الموارد المذكورة هي ربط الاعراض بمحالها و كون نفس الاعراض مدلولا للهيئات على عكس سائر الموارد فالاستقراء يحكم بأن حال الحروف المذكورة كحال سائر الحروف من كونها دالة على الاعراض و الهيئات دالة على ربطها بمحالها و أما تشخيص كونه من اي انواع الاعراض فهو ليس بمهم فى المقام (و بالجملة) مداليل الحروف تمتاز عن مداليل الهيئات من وجه و تشترك معها من وجه (أما وجه الاشتراك) فهو كون مدلول كليهما معنى نسبيا قائما بالطرفين (و أما وجه الامتياز) فهو أن مدلول الحروف على ما عرفت قسم من الاعراض النسبية المعبر عن وجودها و وجود بقية الاعراض بالوجود الرابطي و أما مداليل الهيئات فهي‏