بيان الأصول - ج1

- الشيخ لطف الله الصافي المزيد...
559 /
1

بيان الاصول الجزء الأوّل‏

تأليف‏

لطف اللّه الصّافيّ الگلپايگانى‏

2

بيان الاصول المجلد الاول‏

للمرجع الديني الأعلى آية اللّه العظمي الشيخ لطف اللّه الصافي الگلپايگاني (دام ظله) الطبعة الاولي: (3 مجلدات) 11 ذي القعدة/ 1428 ه. ق، ميلاد الامام الرضا (عليه السلام)

التنضيد و الإخراج الفني: مؤسسة السيدة المعصومة (عليها السلام)

المطبعة: ثامن الحجج (عليه السلام)

الكمية: 1000 نسخة

السعر: 26000 ريال‏

اصدار:

دائرة التوجيه و الإرشاد الديني‏

في مكتب المرجع الديني آية اللّه العظمى الشيخ لطف اللّه الصافي الگلپايگاني (دام ظله) 8- 01- 5105- 600- 978:ISBN

هاتف: 6- 982517715511+ فاكس: 982517716622+

WWW. SAAEI. NET

3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

4

اللّهمّ كن لوليّك الحجّة ابن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه السّاعة و في كلّ ساعة وليّا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتّى تسكنه أرضك طوعا و تمتّعه فيها طويلا

5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

الحمد للّه رب العالمين و أفضل الصلاة و التسليم على سيّد الأنبياء و المرسلين و على آله الطيبين الطاهرين.

و بعد ... فهذه دروس قيّمة في أصول الفقه و قويمة لقوّة قائلها و قدرته و لأهميّة كاتبها و كفاءته.

أراد الكاتب فيه أن يسهم في نشر عيون استاذه و إبداء فنونه و احياء كنوزه و يكشف النقاب عن لئالئه المصونة و درره المكنونة. و من أجل هذا النفع النبيل و الصنع الجليل و الدفع العلمي الأصيل فقد سخّر نفسه لهذه الآثار و النفائس، و في سبيل هذا المقصد السامي فقد واصل السير بالسّرى لتظهر هذه البحوث مرضيّة الصورة.

فأراد المرجع الديني الكبير الشيخ لطف اللّه الصافي (حفظه اللّه)، أن ينفض غبار الزّمن عمّا كان قد كتبه بعد أن أحاط علما و دراية بكلام استاذه و الذي كان أحد أكبر أساطين الدرس الأصولي و أعمدة الحوزة و أركانها و من هنا أيضا اكتسب هذا المؤلّف أهمية أخرى لاعتبار أنّه تعاقدت عليه ذوي مصادر هذا الفن، و إنّه ليسرّنا نشر هذا الأثر البارع القيّم.

كما إنّنا في الختام نشكر فضيلة حجة الاسلام الشيخ فاضل عرفان الذي عمل في مقابلة الكتاب و تخريج منابعه حتى جاء و للّه الحمد كامل النفع.

و نسأله تعالى أن يجعل هذا العمل محل قبول عند وليّه الأعظم الحجّة بن الحسن المنتظر (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف).

دائرة التوجيه و الإرشاد الديني‏

في مكتب آية اللّه العظمى الشيخ لطف اللّه الصافي (حفظه اللّه‏)

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على البشير النذير و السراج المنير، أشرف الأنبياء و المرسلين سيّدنا أبي القاسم محمد و آله الطيبين الطاهرين، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.

و بعد، فمن منن اللّه تعالى على هذا العبد الحقير أن شرّفه مدة خمس عشرة سنة في بلدة قم المقدسة- عشّ آل محمد (صلوات اللّه عليهم)- بالاستفادة و الاستفاضة من مجالس الإفادة و الإفاضة لنابغة الدهر و فقيه العصر، نائب الإمام (عليه السلام) و أمينه على الحلال و الحرام، صاحب الزعامة الكبرى و المرجعية العظمى، محيي الشريعة الغراء و فخر الملّة البيضاء، من كان بالحق حجة عن الحجة، صاحب المكارم و المناقب و المحامد، اسوة الزاهدين و جمال السالكين و المتعبدين، مولانا السيد الحاج آغا حسين الطباطبائي البروجردي، أعلى اللّه في فراديس الجنان مقامه.

8

فكنت بتوفيق اللّه تعالى و له الحمد و الشكر خصيصا به و مستفيضا من مجالس درسه في الفقه و الاصول و مجالس الإفتاء و الفتوى و سائر مجالسه المليئة بالإفادات الثمينة العلمية و الإفاضات الروحانية.

و قد كان لي و لأخي الأكبر الأمجد اختصاص به، نرى منه كثير التشويق و التقدير و الترحيب، يتفحص عنّا إذا غبنا عن مجلسه.

اللّهم املأ مضجعه بأنوار رحمتك الخاصة التي تخص بها أولياءك المخلصين، و اجعل روحه في أعلى عليّين عند جده سيد المرسلين صلواتك عليه و على أولاده الطاهرين.

هذا، و اعلم يا أخي أنّ ما كتبته و استفدته من إفاداته في الاصول إنّما هو من بحث المشتق إلى مبحث البراءة، و لكني أضفت إليه الأبحاث المتقدمة و التي كان بعضها من حاشيته القيمة على الكفاية موجودا عندي، و بعضها الآخر ممّا استخرجته من ما كتبه عنه غيري لا سيّما بعض الأفاضل ممّن تتلمّذ عليه في بروجرد (1) كما أنّي أضفت إليه سائر المباحث من البراءة إلى آخر مبحث الاجتهاد و التقليد ليكون الكتاب شاملا للمباحث الاصولية. و اللّه هو الهادي إلى الصواب.

____________

(1) و هو العلامة الحجة الشيخ بهاء الدين الحجتي البروجردي في كتابه: الحاشية على كفاية الاصول.

9

المقدمة في بيان امور

و هي:

الأمر الأوّل: في موضع العلم‏

الأمر الثاني: في الموضع‏

الأمر الثالث: في الاستعمال المجازي‏

الأمر الرابع: في إطلاق اللفظ و إرادة نوعه، أو صنفه، أو شخص‏

الأمر الخامس: في أنّ الألفاظ موضوعة لمعانيها بما هي هي‏

الأمر السادس: في علائم الحقيقة و المجاز

الأمر السابع: في الصحيح و الأعم‏

الأمر الثامن: في المشتق‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الأمر الأوّل في موضوع العلم‏

قال (قدّس سرّه): في حاشيته على الكفاية ما هذا لفظه:

قوله (قدّس سرّه): «أمّا المقدمة ففي بيان امور:

الأوّل: أنّ موضوع كل علم، و هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية».

أقول: اعلم أنّ أرباب العلوم العقلية و النقلية (1) بعد اتفاقهم- سوى من شذّ من متأخري الاصوليين- على أنّ لكل علم من العلوم موضوعا على حدة، و أنّ تمايزها إنّما يكون بتمايز تلك الموضوعات، قد اتفقوا أيضا على أنّ موضوع كل علم هو ما يبحث في هذا العلم عن عوارضه الذاتية. و لازم ذلك هو أنّ موضوع العلم كما يكون جهة امتياز مسائله عن مسائل سائر العلوم، كذلك يكون جهة وحدة لمسائله المختلفة

____________

(1). منهم الحكماء و أصحاب الميزان و الفقهاء. راجع: البصائر النصيرية: 5- 6؛ شرح الشمسية 14، سطر 13- 14؛ شوارق الإلهام 1: 5؛ الفصول الغروية: 10؛ هداية المسترشدين: 14.

12

أيضا، لاشتراك جميعها في كونها باحثة عن عوارض ذلك الموضوع.

و أنّه مقدّم في التحصل على مسائل العلم، لأنّها إنّما تكون مسائله باعتبار كونها باحثة عن عوارضه. و أنّه هو الملاك الفذ لمعرفة حدّ العلم و غايته أيضا.

فموضوع العلم على هذا، هو المعلوم الأوّل الذي يضعه مدوّن العلم تجاه عقله ليبحث فيما يدوّنه من المسائل عن شئونه المجهولة، و كأنّهم لذا سمّوه بموضوع العلم، لا لما قد يتراءى من المتن من أنّه الكلي الصادق على موضوعات مسائله، و سيأتي الكلام فيه‏ (1).

ثم إنّ مرادهم بالعارض في تعريفه كما صرح به شارح المطالع‏ (2) و غيره، و يدل عليه تتبع مسائل العلوم، هو: ما اصطلح عليه المنطقيّون في كتاب إيساغوجي‏ (3)، و قسّموه إلى الخاصة و العرض العام، و قابلوه بالذاتي المقسّم إلى النوع و الجنس و الفصل، و هو الخارج المحمول، أي الكلّي الخارج عن الشي‏ء مفهوما المتحد معه وجودا؛ لا ما اصطلح عليه‏

____________

(1). يأتي في ذيل قوله (قدّس سرّه): «هو نفس موضوعات مسائله عينا ...».

(2) حيث قال: «العرض هو المحمول على الشي‏ء الخارج عنه» شرح المطالع: 18.

و غيره في شرح الشمسيّة: 23 (منشورات الرضي- زاهدي)، و شرح المنظومة: 29.

(3). أي الكليات الخمس المنقسمة إلى الذاتي و هي: الجنس و الفصل و النوع، و العرضي و هى: الخاصّة و العرض العام.

و الذاتي في هذا الباب: هو المحمول الذي تتقوم ذات الموضوع به غير خارج عنها، كالحيوان أو الناطق المحمولان على الإنسان، و العرضي: هو المحمول الخارج عن ذات الموضوع لاحقا به بعد تقومه بجميع ذاتياته، كالضاحك اللاحق للإنسان، و الماشي اللاحق للحيوان.

13

الطبيعيّون، و قسّموه إلى المقولات التسع، و قابلوه بالجوهر، و هو الموجود في الموضوع.

و الفرق بينهما من وجوه كثيرة:

منها: أنّ الذاتي و العرض إضافيّان يمكن صدقهما على مفهوم واحد بالقياس إلى شيئين بخلاف الجوهر و العرض.

و منها: أنّه يمكن أن يكون مفهومان كل واحد منهما عرضا للآخر بالمعنى المقابل للذاتي لا بالمعنى المقابل للجوهر، و لذا قالوا: إنّ الجنس عرض عام بالإضافة إلى الفصل، و الفصل خاصّة غير شاملة بالنسبة إلى الجنس، و هما ذاتيان بالقياس إلى النوع.

و أيضا فإنّ العرض المقابل للذاتي يصدق على المفاهيم الزائدة الصادقة على الجواهر أيضا، بخلاف المقابل للجوهر.

و مرادهم بالعرض الذاتي هنا: ما كان عروضه بالمعروض، أي اتّحاده معه في المرتبة المتأخرة عن مرتبة الذات لحوقا أوّليا بحسب تلك المرتبة، أي لا يكون لحوقه به مترتبا على لحوق حيثية اخرى به كذلك حتى يكون هذا متأخرا عن الذات بمرتبتين بحسب الاعتبار، و يكون مع ذلك عارضا به بتمام ذاته أو بجزئه المساوي.

و يقابله العرض الغريب، و هو العارض بالشي‏ء بتوسّط عارض آخر أو بجزئه الأعم.

14

و ربما يقال‏ (1): إنّ العارض بتوسّط العارض المساوي عرض ذاتي يبحث عنه أيضا في العلوم، و هو بعيد محتاج إلى التثبت.

و ما يتراءى من تمثيل صاحب الفصول‏ (2) للعرض الغريب بالسرعة العارضة للحركة العارضة بالجسم، و بالشدة العارضة بالبياض العارض بالجسم من جملة العرض على مصطلح الطبيعيّين، و [إطلاق‏] العرض الذاتي للشي‏ء على ما يعرض نفسه، و الغريب على ما لا يعرضه أصلا بل يعرض [على‏] ما هو عرض له، قد ظهر بطلانه ممّا بيّناه، مضافا إلى ما في تمثيله هذا من المناقشات الأخر التي تركناها حذرا

____________

(1). قال في شرح الشمسيّة (ص 23): «و العوارض الذاتية هي التي تلحق الشي‏ء لما هو هو، أي لذاته ... أو تلحق الشي‏ء لجزئه ... أو تلحقه بواسطة أمر خارج عنه ...».

و هذا القول هو المشهور بينهم، و قد ردّه صاحب الفصول بالتفصيل في فصوله: 10- 11.

(2). نفس المصدر: 10، سطر 30. راجع أيضا شرح الشمسيّة: 23.

و صاحب الفصول هو: الشيخ محمد حسين بن محمد رحيم الطهراني الحائري. ولد في قرية «ايوان كيف» بالقرب من طهران. أخذ مقدمات العلوم في طهران، ثم اكتسب من شقيقه الحجة الشيخ محمد تقي الأصفهاني (صاحب: هداية المسترشدين) في أصفهان، ثم هاجر إلى العراق، فسكن كربلاء، و كان يقيم الجماعة في الحرم المطهّر من جهة الرأس الشريف، فيأتمّ به خيار الطلبة و الصلحاء و عامّة الناس.

و كان في كربلاء يومذاك فريق من الشيخية، و كان المرحوم كثير التشنيع عليهم حتى ضعّف نفوذهم و كسر شوكتهم؛ إذ كان مرجعا عامّا في التدريس و التقليد، و قد تخرّج من معهده جمع من كبار العلماء، و له آثار أشهرها «الفصول الغروية».

أجاب داعي ربه سنة (1254 ه)، و دفن في الصحن الصغير في الحجرة الواقعة على يمين الداخل، سبقه فيها صاحب الرياض (قدّس سرّه).

انظر طبقات أعلام الشيعة الكرام البررة في القرن الثالث بعد الهجرة، رقم 795.

15

من الإطالة.

ثم إنّه يدل على ما ذكروه أنّك إذا لاحظت مسائل الفنون المختلفة، و قطعت نظرك عن غير ذواتها، التي هي القضايا المركبة من موضوعات و محمولات و نسب، حتى عن مدوّنها و عن غرضه منه، و عمّا يصدق على موضوعاتها أو على محمولاتها من المفاهيم، رأيت في نظرك هذا بين مسائل كل فن منها من المناسبة و المشاركة ما لا تراه بينها و بين مسائل غيره، فترى تشارك مسائل النحو فقط في بيان هيئة آخر الكلمة في لغة العرب؛ و مسائل الصرف في بيان هيأتها من غير جهة آخرها؛ و مسائل المنطق في بيان أنّ أيّ معلوم صالح للإيصال إلى مجهول و أيّها غير صالح؛ و مسائل الإلهي في أنّ أيّ شي‏ء ممّا نتصوره موجود في الأعيان، و أيّها غير موجود.

و لا ترى هذا التشارك في غيرها، و هكذا سائر الفنون، و تراها مع ذلك مسائل مختلفة متمايزة بعضها من بعض، فيعلم بذلك أنّها في مرتبة ذواتها ملتئمة من جهة جامعة مشتركة بين جميعها، و جهات مائزة ينفرد كل واحد منها بواحدة منها و قد حمل فيها إحداهما على الاخرى.

و ليس شي‏ء من تلك الجهات المائزة عين الجهة الجامعة و لا جزؤها بالضرورة، فهي خارجة عنها مفهوما، و المفروض هو اتّحادهما وجودا قضية للحمل، فهي عوارض منطقية لها.

فينتج أنّ لمسائل كل فن من الفنون جهة جامعة يشترك جميعها في البحث عن عوارضها المنطقية، و أنّ تلك الجهة بعينها مائزة بينها

16

و بين مسائل سائر الفنون لفرض كونها فاقدة لها، و هذا هو المطلوب.

و ينبغي التنبيه على أمرين:

الأوّل:

أنّ مسائل العلم ليست منحصرة في القضايا الموجبة التي تكون الجهات المائزة فيها عوارض واقعية لموضوع العلم، بل تشمل سوالبها أيضا و إن كان مفادها سلب العروض، فإنّ البحث عن عوارض الموضوع يستدعي البحث عن كل ما قيل أو يحتمل أنّه من عوارضه سواء أدّى إلى الإثبات أو النفي.

الثاني:

أنّ الجهة الجامعة التي ذكرنا أنّها هي موضوع العلم لا يلزم وقوعها موضوعة في مسائل العلم.

و تقدم أنّ تسميته به ليست بهذا الاعتبار بل الغالب في المسائل هو حمل هذه الجهة على الجهات المائزة لكونها أعم منها، و من هنا ترى أنّ مفهوم المنتج لكذا و هو المرادف للموصل إلى المجهول يحمل في مسائل المنطق على ضروب الأشكال، و الموجود بما هو موجود مع أنّه موضوع للفلسفة الكلّية يقع محمولا في مسائلها على ما يبحث فيها عن وجوده.

و قصر بعضهم مسائلها على قضايا معدودة ذكرها هو، و جعل موضوعها الموجود بما هو موجود، و محمولها ما زعم أنّه من عوارضه من العلم و القدرة و العليّة و أشباهها، مخالف لما صرّح به أعاظم الفن في مواضع كثيرة:

17

منها: ما ذكره المحقق الطوسي في الطبيعيّات من شرح الإشارات، حيث عدّ مسألة وجود المادة و الصورة من مسائل العلم الإلهي، و اعتذر عن ذكرها هناك بما اعتذر (1).

إن قلت: ما ذكرته من وقوع الجهات المائزة موضوعة في المسائل ينافي ما مرّ من أنّها عوارض لموضوع العلم، و أنّ العارض هو الخارج المحمول.

قلت: الحمل هو الاتحاد في الوجود و هو بالنسبة إلى الطرفين على السواء.

إن قلت: كيف تكون أخصّ من الجهة الجامعة مع أنّها عوارض ذاتيّة لها و ما بالذات لا يتخلّف؟!

قلت: كونها ذاتيّة ليس بمعنى كون الذات علّة لها حتى يمتنع تخلّفها عنها، بل بمعنى أنّه لا واسطة بينهما في العروض كما مرّ، و قد قالوا: إنّ الفصول عوارض ذاتيّة للجنس مع أنّها أخصّ منه.

قوله (قدّس سرّه): «أي بلا واسطة في العروض».

أقول: تعريف العرض الذاتي بهذا كأنّه غير مطّرد، لصدقه على ما يعرض الشي‏ء بواسطة جزئه الأعم مع أنّه عرض غريب. اللّهم إلّا أن يقال: بشمول الواسطة في العروض للجزء أيضا، فتأمل.

____________

(1). الإشارات و التنبيهات 2: 3.

18

قوله (قدّس سرّه): «هو نفس موضوعات مسائله عينا، و ما يتّحد معها خارجا، و إن كان يغايرها مفهوما، تغاير الكلي و مصاديقه، و الطبيعي و أفراده.

و المسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتتة جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض ... الخ».

أقول: إردافه (قدّس سرّه) تفسير موضوع العلم، على طبق ما ذكره القوم، بهذا الكلام يهدم أساس موافقته لهم، فإنّ محصل مجموع كلامه حينئذ صدرا و ذيلا هو:

إنّ كل فن من الفنون عبارة عن جملة من قضايا لا مشاركة بينها في موضوع و لا محمول، بل هي متباينة بتمام ذواتها كتباينها مع مسائل سائر الفنون، و لكنّها مع تباينها كذلك تترتب على مجموعها غاية واحدة هي الغرض من تدوينها، و بمداخلة جميعها في ذلك الغرض استحقت لأن تجعل فنا واحدا ممتازا عن سائر الفنون، و يكون أيضا لموضوعاتها جامع واحد يصدق عليها صدق الطبيعي على أفراده. و لمّا كان محمول كل مسألة منها عرضا ذاتيا لموضوعها الذي هو فرد لهذا الجامع كانت محمولاتها عوارض ذاتية له أيضا، فيصدق أنّه يبحث فيها عن عوارضه الذاتية، فيكون هو موضوعا لذلك الفن و إن لم يكن له اسم و لا رسم و لا يتصوّره المدوّن و لا غيره و لا يكون البحث في مسائله راجعا إليه.

و يرد عليه أوّلا: ما تقدّم من أنّ مسائل الفن الواحد ليست متباينة بتمام ذاتها، بل لها جهة جامعة بنفسها لا بأفرادها- أحد جزئيها-.

و ثانيا: أنّ محمولات المسائل بعد فرض كونها عوارض ذاتية

19

لموضوعاتها، لا يمكن كونها عوارض ذاتية للكلي الجامع بينها إذ لخصوصياتها المائزة دخل في عروضها. اللّهم إلّا أن يفسّر العرض الذاتي بما حكيناه عن الفصول، و قد مرّ أنّه غير متّجه‏ (1).

و ثالثا: أنّ اندراج موضوعات المسائل تحت كلي صادق عليها صدق الطبيعي على أفراده بعد فرض عدم صيرورته منشأ لوحدة المسائل و عدم اشتراكها بسببه في جهة جامعة، لعدم رجوع البحث فيها إليه و عدم دخله في وحدة الغرض منها التي هي المناط في كونها فنا واحدا ممتازا عن غيره على ما أفاده، بل و عدم تصور أحد له- لعدم اسم له و لا رسم- أيّة فائدة تترتب على ثبوته. و أيّ فرق يتصور بين أن يكون و بين أن لا يكون حتى يلزمنا القول بثبوته، فهل هو حينئذ إلّا كالحجر بجنب الإنسان؟ ثم بأيّ دليل يمكننا إثباته مع أنّ الدليل قائم على خلافه في أكثرها، فهل يمكن وجود جامع بين موضوعات مسائل العلم الإلهي يكون كليا طبيعيّا لها مع أنّ بعضها واجب لذاته و بعضها ممكن؟

و رابعا: أنّ ترتب الغاية الواحدة على المسائل المتباينة بتمام الذات غير معقول، فإنّ غرض المدوّنين من تدوين المسائل ليس إلّا حصول العلم بها سواء كان العلم بها مطلوبا لذاته كما في العلم الإلهي أو مقدمة للعمل كما في أكثر الفنون، و معلوم أنّ وحدة العلم نوعا أو شخصا

____________

(1). مرّ في الصفحة 4- 5.

20

و تعدده تابعة للمعلوم، فما لم يكن للمسائل المختلفة جهة وحدة لم يكن للعلم بها تشارك و اتحاد.

إن قلت: مراده بالغرض الواحد هو مجموع الأغراض المترتبة على مجموع المسائل، و وحدته حينئذ شخصية اعتبارية كوحدة سائر المركبات الاعتبارية، و لذا قال: «جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض»، و ليست هذه الوحدة مترتبة على وجود الجهة الجامعة بين المسائل.

قلت: لا يمكن كون وحدة الغرض بهذا المعنى ملاك تمايز العلوم، إذ كل جملة من المسائل يكون لا محالة لمجموع أغراضها وحدة كذلك و إن لم تكن من سنخ واحد فيسأل حينئذ أنّه لم جعل هذه الجملة فنا واحدا و اعتبرت أغراضها واحدة كذلك؟ و لا جواب عنه إلّا بأن يقال: إنّ أغراضها من سنخ واحد، بخلاف غيرها، فيرجع إلى وحدتها النوعية التي ذكرنا أنّها مترتبة على ثبوت جهة الوحدة في نفس المسائل.

قوله (قدّس سرّه): «لا الموضوعات و لا المحمولات، و إلّا كان كل باب، بل كل مسألة من كل علم علما على حدة».

اقول: فيه أنّهم قالوا: إنّ كل واحد من الفنون المدوّنة يكون له موضوع خاص هو جهة وحدة مسائله و امتيازه عن غيره، لا أنّ كل جملة من المسائل إذا كان لها جهة وحدة كذلك يلزم أن يجعل فنا على حدة حتى يرد عليه ما ذكر. مع أنّ هذا مشترك الورود، إذ الغرض من‏

21

كل باب بل كل مسألة ممتاز عن الغرض من غيره.

ثم إنّ قوله: «و لا المحمولات» لعلّه إشارة إلى ما ذكره صاحب الفصول من أنّ امتياز العلوم يكون بامتياز الموضوعات أو حيثيّات البحث، زعما منه أنّ موضوع النحو و الصرف واحد و هو الكلمة و الكلام، و إنّما يمتازان بأنّ البحث عنهما في النحو من حيث الإعراب و البناء، و في الصرف من حيث الصحة و الاعتلال‏ (1).

و هو غير وجيه، فإنّ الحيثيّتين مأخوذتان في موضوعيهما.

و حقيقة الأمر هي ما أشرنا إليه سابقا من أنّ موضوع النحو هو: هيئة الكلمة من جهة آخرها، و إليها أشاروا بقولهم: من حيث الإعراب و البناء، و موضوع الصرف هو: هيأتها من غير جهة آخرها، و هي المراد بقولهم من حيث الصحة و الاعتلال، و إنّما عبّروا بما ذكر تقريبا إلى فهم المبتدئين.

قوله (قدّس سرّه) «و قد انقدح بذلك أنّ موضوع علم الاصول، هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة، لا خصوص الأدلة الأربعة بما هي أدلة، بل و لا بما هي هي» ... إلخ.». (2)

[أقول:] الاصوليون بعد ما تسالموا على ما تسالم عليه غيرهم من أنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، و أنّه ما يبحث فيه عن عوارضه‏

____________

(1). الفصول الغروية: 11، سطر 19- 22.

(2). أضفنا ما بين المعقوفين و هو المناسب ذكره هنا بدلا عن البياض في النسخة.

22

الذاتيّة، قالوا: إنّ موضوع اصول الفقه هو أدلة الفقه. و مرادهم بها أدلته بما هي أدلته. و مرادهم بالدلالة هو الحجية، فمرجع كلامهم حينئذ إلى أنّ موضوعه هو حيثيّة «الحجة في الفقه».

و لذا استشكله المحقق القمي (رحمه اللّه) في «الحواشي» بأنّ لازمه خروج المسائل الباحثة عن حجية الحجج كخبر الواحد و الإجماع و نحوهما عن مسائل هذا العلم، و دخولها في مباديه، إذ الحجية على هذا مقوم للموضوع لا من عوارضه‏ (1).

و دفعه في الفصول بالتزام أنّ موضوعه هو ذوات الأدلة الأربعة، لا بما هي أدلته حتى يلزم ما ذكر (2).

و فيه مضافا إلى استلزامه كون موضوع الفن الواحد أربعة امور متباينة، بل و أكثر أو أقل على الخلاف فيه، أنّه لو كان كذلك لكان يبحث فيه عن جميع عوارض الأربعة لا عن الحجية فقط. مع أنّه لا ينفع في إدخال مسألة حجية الخبر فيها لأنّ الحجية من عوارض الخبر لا السنة، كما ذكره (قدّس سرّه) في المتن و أطال الكلام فيه.

و كأنّ استصعاب دفع هذا الإشكال هو الذي دعى شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) إلى العدول عن ذلك إلى ما قال: من أنّ موضوعه بل موضوع عامّة العلوم هو: الكلي الجامع بين موضوعات مسائله و إن لم يكن له اسم و لا رسم. و لأجل منافات هذا لكون تمايزها بتمايز الموضوعات، لاقتضائه‏

____________

(1). الحواشي المطبوعة ضمن كتاب قوانين الاصول 1: 8.

(2). الفصول الغروية: 12، سطر 10.

23

تقدم المسائل على الموضوع في التحصل، عدل عنه أيضا إلى أنّ تمايزها بالأغراض لا بالموضوعات.

و أنت بعد الإحاطة بما بيّناه تعلم أنّ هذا الإشكال إنّما نشأ من عدم تحصيل مراد القوم من موضوع العلم و من عوارضه الذاتية، و توهّم أنّ موضوع العلم يلزم أن يقع موضوعا في المسائل أيضا.

فالحق في الجواب عنه هو: أنّ وقوع الحجة محمولة في تلك المسائل لخبر الواحد و الإجماع و نحوهما، لا ينافي كون البحث فيها عن عوارض الحجة، فإنّ عوارضها التي بحثوا في هذه المسائل عن عروضها لها، أي اتحادها معها في نفس الأمر، هي الخبر الواحد و الإجماع و غيرهما ممّا وقع موضوعا فيها لا الحجية حتى يقال: إنّها مقومة للموضوع، بل الظاهر أنّ هذه القضايا الباحثة عن حجية شي‏ء و عدم حجيته هي المسائل لهذا العلم فقط. و لذا اقتصر الشافعي في رسالته- التي صنفها في ذلك العلم في أواخر القرن الثاني، و هي أوّل ما صنف فيه فيما نعلم- على ذكر مسألة حجية الكتاب و السنة غير المنسوخين، و الإجماع و خبر الواحد و القياس و الاجتهاد و الاستحسان.

نعم، أطال الكلام في نسخ الكتاب و السنة و فروعه. ثم زاد من جاء بعده على ما ذكره أشياء من سنخها و أشياء أخر من غير سنخها إمّا على وجه الاستطراد أو من باب المبادي.

فظهر بما ذكرناه أنّ مسائل حجّية القطع و الظن على تقريري الحكومة و الكشف على القول بها، و حجية الأمارات الحاكية عن الواقع‏

24

بلا معارض أو مع المعارض، و حجية الاحتمالات غير الحاكية عنه كاحتمال بقاء ما ثبت في الاستصحاب المثبت للتكليف، كلها من مسائل هذا العلم، و كذا المسائل النافية لحجية ما احتمل حجيته أو قيل بها مثل القياس و الاستحسان و الاجتهاد، و بعض ما مرّ على القول بعدم حجيته، بل و من هذا القسم أيضا مسألة أصالة البراءة في الشبهة البدوية فإنّ مرجعها إلى عدم حجية احتمال التكليف بالنسبة إلى التكليف المحتمل و عدم تنجّزه به على تقدير ثبوته واقعا.

هذا إذا قلنا بأنّ المراد بالحجة ما كان للمولى على العبد، و أمّا إذا عمّمت لعكسه فهي من مسائله.

ثم ليعلم: أنّ مسألتي أصالة الاشتغال و التخيير أيضا مرجعهما إلى البحث عن الحجية و إثباتها بتقريب: أنّ ما ثبت حجيته من العلم و الأمارات و غيرهما يكون حجة على الواقع مطلقا سواء علم متعلّقها تفصيلا أو تردد بين أمرين أو امور، فإن أمكنت الموافقة القطعية لزمت عقلا و هو أصالة الاشتغال، و إلّا فإن أمكنت الموافقة الاحتمالية- بكلا شقّيها- و المخالفة القطعية، كان اللازم هو الموافقة الاحتمالية و تخير بين شقّيها مع عدم المرجح، و هو أصالة التخيير. و إن لم يكن شي‏ء منهما، كما إذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة بلا مرجح، كانت الحجة على الواقع مسلوبة كما في أصالة البراءة. نعم، المسلوب هناك هو حجية احتمال التكليف، و هنا حجية الحجة الإجمالية كذلك، فتفطن.

فظهر أنّ مسائل الاصول العمليّة ليست من سنخ آخر، و لا الغرض‏

25

منها أمرا آخر غير ما هو الغرض من مسائل حجية الأدلة كما يتراءى من المتن، بل و يمكن على هذا التقرير إدراج جملة من مباحث الألفاظ في مسائل هذا العلم أيضا.

بيانه: أنّ الأقدمين لمّا كانت حجية دلالة الألفاظ عندهم واضحة، لم يبحثوا عنها بحثا واحدا كليا، لكن لمّا احتملوا عدم حجية جملة منها إمّا لضعفها كالدلالات المفهومية الناشئة من ذكر القيد، و الإطلاقية الناشئة من عدم ذكره، أو لوجود ما احتملوا مانعيته منها كما في العام المخصّص أو المطلق المقيّد، أو لاحتمال اعتبار شي‏ء فيها كالفحص عن المخصص أو عن قرينة المجاز، عقدوا لكل منها مسألة. فالبحث فيها يرجع إلى البحث عن حجية دلالة الألفاظ إذا كانت بهذه الخصوصيّة.

قوله (قدّس سرّه): «يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام».

أقول: إدراج مسائل حجية الأدلة في هذا مشكل، إذ استنباط الحكم الواقعي في مواردها على وجه القطع غير ممكن، و على وجه الظن حاصل من دون دخالة لها فيه؛ و الحكم الظاهري هو عينها لا أنّها تقع في طريق استنباطه.

26

الأمر الثاني في الوضع‏

قوله (قدّس سرّه): «الوضع هو: نحو اختصاص للّفظ بالمعنى، و ارتباط خاص بينهما (1) ناش من تخصيصه به تارة، و من كثرة استعماله فيه اخرى».

____________

(1). لا ريب في اختصاص اللفظ بالمعنى و ارتباط به، و إنما الإشكال في حقيقة هذا الاختصاص و الارتباط، فاختلفوا في حقيقة الوضع، هل هو من الامور التكوينية الواقعية، أو من الامور الاعتبارية الجعلية؟

فذهب عباد بن سليمان الصيمري و أصحاب التكسير (كما في القوانين 1: 194) إلى أنّه أمر واقعي تكويني و أنّ دلالة اللفظ على المعنى إنّما نشأت من مناسبة ذاتيّة.

و ذهب النائيني (قدّس سرّه) إلى أنّه أمر وسط بين التكويني و الجعلي و برزخ بينهما (أجود التقريرات 1: 10- 11).

ثم اختلف القائلون بأنّه اعتباري و جعلي على أقوال:

الأوّل: أنّه عبارة عن جعل الارتباط بين اللفظ و المعنى و اعتباره بينهما.

الثاني: أنّه عبارة عن جعل اللفظ على المعنى.

الثالث: أنّه عبارة عن تنزيل اللفظ منزلة المعنى.

الرابع: أنّه عبارة عن التعهد و البناء على ذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى الخاص.

راجع: بدائع الافكار: 34 و ما بعدها، و نهاية الدراية 1: 44 و ما بعدها.

27

أقول: أراد بالوضع، كون اللفظ موضوعا للمعنى على أن يكون مصدرا مبنيا للمفعول أو اسم مصدر.

و أراد بالاختصاص، كونه ذا خصوصيّة و ارتباط بالنسبة إلى المعنى، لا كونه مختصا به حتى يخرج وضع المشتركات.

و لم يبيّن نوع الخصوصيّة، إذ هو من شرح الاسم، و الغرض منه الإشارة إلى ما هو المراد من المعاني الحاضرة في الذهن، لا بيان ماهية مجهولة. و عدل عمّا هو المعروف من أنّه تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه‏ (1)، لعدم شموله للتعيّني و لا لوضع الإنشاءات؛ مع أنّ هذا هو المعنى الذي تترتب عليه أحكام الوضع من الحجية و غيرها و تؤدّي إليه أماراته لا ما ذكروه.

فحاصله: أنّ كون اللفظ موضوعا لمعنى عند قوم، هو كونه عندهم آلة لهذا المعنى إفهاما أو إنشاء، و تقسيمه حينئذ إلى التعييني و التعيّني تقسيم له باعتبار مسببه، لكن الوضع بهذا المعنى ليس غير الدلالة الشأنية، كما لا يخفى.

قوله (قدّس سرّه): «ثم إنّ الملحوظ حال الوضع: إمّا يكون معنى عامّا، فيوضع اللفظ له تارة و لمصاديقه اخرى؛ و إمّا يكون معنى خاصّا، لا يكاد يصحّ إلّا وضع اللفظ له».

____________

(1). بدائع الافكار: 34.

28

أقول: لمّا كان الوضع نسبة بين اللفظ و المعنى كان التعييني منه موقوفا على تصور الواضع كلا منهما حتى يضع هذا لذاك، فباعتبار ملاحظته المعنى و وضعه اللفظ له قسّموه إلى الأقسام الثلاثة المذكورة في المتن، و باعتبار ملاحظته اللفظ و وضعه إيّاه للمعنى قسّموه أيضا إلى الوضع الشخصي و النوعي، فقالوا: إن تصور لفظا خاصا و وضعه لمعنى فهو شخصي، و إن لاحظ عنوانا كليا صادقا على ألفاظ كثيرة فوضع كل فرد من أفراده الملحوظة إجمالا بلحاظه لمعنى فهو نوعي، و مثّلوه بوضع صيغ الأفعال و الأوصاف، و ذلك لأنّهم لمّا رأوا أنّ الفعل الموزون بزنة «فعل» بالفتحات الثلاث مثلا معناه مع قطع النظر عن اختلاف المواد واحد، و هو قيام معنى مصدره بمعنى الاسم المرفوع بعده إذا كان مفردا مذكرا في الزمان الماضي، و استبعدوا أن يكون الواضع وضع كل واحد من أفراده لهذا المعنى المتشابه بوضع مستقل على حدة، تحدّسوا من ذلك أنّه لاحظ هذا المفهوم الكلي و وضع كل فرد منه- من أيّ مصدر كان- لقيام معناه بما بعده كذلك بوضع واحد ينحل إلى أوضاع كثيرة، و هكذا غيرها من الصيغ. و على هذا فلك أن تقول: إنّه لا يتعين أن يكون الموضوع لذلك المعنى مجموع المادة و الهيئة من «ضرب» بالفتحات الثلاث مثلا، حتى يقال: إنّ الواضع لاحظه و سائر ما يكون على وزنه إجمالا بلحاظ مفهوم الموزون هكذا، إذ يمكن أن يكون الموضوع لهذا المعنى هيئته التي تقوم بنفسها بمواد المصادر، و هي بنفسها ملحوظة للواضع تفصيلا بنفسه، لا بمفهوم آخر صادق عليها

29

و على غيرها، و عليه فيكون وضعها شخصيا و إن كانت هي كلية لصدقها على حصصها القائمة بكل مادة من المواد و على أشخاصها، و لعلّه لهذا ترك المصنف (قدّس سرّه) ذكر هذا التقسيم.

قوله (قدّس سرّه): «و أمّا الوضع العام و الموضوع له الخاصّ، فقد توهّم‏ (1) أنّه وضع الحروف، و ما الحق بها من الأسماء (2)، كما توهّم أيضا أنّ المستعمل فيها (3) يكون خاصّا مع كون الموضوع له كالوضع عامّا، و التحقيق: أنّ حال المستعمل فيه و الموضوع له فيهما حالهما في الأسماء».

أقول: تحقيق كيفية وضع الحروف من هذه الجهة موقوف على بيان معانيها، و توضيح جهة الفرق بينها و بين الأسماء التي تذكر في مقام تفسيرها على وجه يتراءى منه ترادفها، كلفظتي «من» و «الابتداء» أو «إلى» و «الانتهاء» أو «في» و «الظرفية» و أشباهها، مع أنّا نرى أنّه لا يصح استعمال أحدهما في موضع الآخر، و لا وقوع «من» و «إلى» و «في» محكوما عليه أو به كما يقع الابتداء و الانتهاء و الظرفيّة كذلك.

و معلوم أنّه ليس ذلك إلّا لفارق وضعي بينهما و هو ينافي الترادف و صحة تفسير أحدهما بالآخر.

____________

(1). المتوهّم جماعة، منهم: صاحب الفصول في فصوله: 16، و صاحب المعالم في معالمه: 124، و شارحه في هداية المسترشدين: 30، و صاحب القوانين في قوانينه 1: 10 و 287 و 289.

(2). كأسماء الإشارة و الضمائر و الموصولات و الاستفهام و نحوها.

(3). في بعض نسخ الكفاية: «المستعمل فيه فيها»

30

و الحاصل: أنّ معنى «من» و «الابتداء» مثلا، إن كان واحدا كان اللازم صحة استعمال كل منهما في موضع الآخر و جواز وقوع «من» محكوما عليه و به كالابتداء، لكنه لا يجوز. و إن لم يكن واحدا لم يصح تفسير «من» بالابتداء، لكنه صحيح لعدم فهم العرف منها سوى الابتداء، و صحة الملازمتين كبطلان التاليين واضحة، فينتجان بطلان المقدم في كلتي الشرطيّتين، و هو ارتفاع للنقيضين و بطلانه ضروري. و هذه عقدة (1) صعب حلّها على كثير من الأفهام و اختلفت عبارات أهل النظر في الجواب عنها.

فقال الرضي (رحمه اللّه) في شرح ما قالوه من «أنّ الاسم ما دل على معنى في نفسه، و الحرف ما دل على معنى في غيره» بعد ما أرجع ضميري نفسه و غيره إلى «ما» المراد بها الكلمة، و أبطل إرجاعهما إلى المعنى، (2) ما هذه عبارته: «إنّ معنى «من» الابتداء، فمعنى «من» و معنى لفظ

____________

(1). و عبّر عنه في الكفاية (1: 19) بأنّه: «دقيق و قد زلّ فيه أقدام غير واحد من أهل التحقيق و التدقيق». و هو كذلك فيختار هو مختار الرضي (قدّس سرّه) بأنّه لا فرق بين المفهوم الحرفي و الاسمي في عالم المفهوم، و الاختلاف بينهما ناش من اشتراط الواضع. و هذا القول في حدّ الافراط. و في قباله القول بأنّ الحروف لم توضع لمعنى أصلا، و أنّ حالها حال علامات الإعراب و هذا في حدّ التفريط، و في البين آراء و أقوال انظرها في:

فوائد الاصول: 66- 67 لصاحب الكفاية؛ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني):

33 و ما يليها، للشيخ الكاظمي؛ أجود التقريرات: 14 و ما بعدها.

(2). و صاحب الكافية يرجع الضميرين إلى المعنى، كذا فعله في الإيضاح. و يناقشه الرضي (قدّس سرّه) في شرح الكافية 1: 9.

31

الابتداء واحد، (1) إلّا أنّ الفرق بينهما أنّ لفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ آخر بل مدلوله معناه الذي في نفسه مطابقة، و معنى «من» مدلول‏ (2) لفظ آخر ينضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي، فلهذا جاز الإخبار عن لفظ «الابتداء» في قولك: «الابتداء خير من الانتهاء»، و لم يجز الإخبار عن لفظ «من» لأنّ الابتداء الذي هو مدلولها في لفظ آخر، فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه فيه بل في لفظ غيره؟! و إنّما يخبر عن الشي‏ء باعتبار المعنى الذي في نفسه مطابقة. فالحرف وحده لا معنى له أصلا، إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شي‏ء ليدل على أنّ في ذلك الشي‏ء فائدة ما، فإذا أفرد عن ذلك الشي‏ء بقي غير دالّ على معنى [في شي‏ء] (3) أصلا».

ثم اعترض على نفسه: بأنّ «طويلا» في قولك: «رأيت رجلا طويلا» موجد لمعناه و هو الطول، في لفظ آخر و هو رجلا، مع أنّه ليس بحرف.

و أجاب: بأنّ معناه ليس هو الطول فقط، بل من له الطول مأخوذ فيه أيضا على وجه الإجمال، و إنّما يتعيّن بالموصوف.

ثم اعترض بالمصدر المضاف كضرب زيد، إذ ليس من له الضرب مأخوذا فيه، فهو موجد لمعناه في لفظ غيره.

____________

(1). في المصدر: «سواء».

(2). في المصدر: «مضمونه».

(3). ما بين المعقوفين ليس في المصدر.

32

و أجاب: بأنّه و إن كان كذلك في المثال، لكن المصدر لم يوضع لذلك، لصحة قولنا: «الضرب شديد» بدون الإضافة إلى من له الضرب. (1) انتهى ما أردناه.

و يرد عليه بظاهره، مضافا إلى أنّه لم يزد المطلب إلّا إعضالا، أنّ هذا المعنى بعد فرض وحدته، كيف يكون إذا أفاده لفظ «الابتداء» مدلولا لنفسه و إذا أفادته لفظة «من» مدلولا للفظ آخر منضافا إلى مدلوله الأصلي؟ مع أنّ هذا لا يخلو من تهافت بل لا يتصور له معنى معقول.

و قال بعض من تأخر (2) عنه، في توضيح ما ذكره بعضهم في شرح التعريفين المذكورين، بعد إرجاع الضميرين فيهما إلى المعنى، من قوله:

أي ما دل على المعنى بلحاظه في نفسه، أو لا بلحاظه في نفسه بل في متعلقه، ما هذه عبارته بأدنى تغيير: «كما أنّ في الخارج موجودا قائما بذاته و موجودا قائما بغيره، كذلك في الذهن معقول هو مدرك قصدا ملحوظا في ذاته يصلح لأن يحكم عليه و به، و معقول هو مدرك تبعا و آلة لملاحظة غيره فلا يصلح لهما، فالابتداء مثلا إذا لوحظ قصدا و بالذات كان معنى مستقلا بالمفهومية، و لزمه تعقل متعلقه إجمالا و تبعا من غير حاجة إلى ذكره، و هو بهذا الاعتبار مدلول لفظ الابتداء، بلا حاجة إلى ضم ما يدل على متعلقه؛ و إذا لوحظ من حيث هو حالة بين السير و البصرة مثلا و جعل آلة لتعريف حالهما كان معنى غير مستقل‏

____________

(1). شرح الكافية 1: 10.

(2). و هو السيد شريف علي بن محمد الجرجاني المتوفى بشيراز سنة: 816 ه.

33

بالمفهومية، و لا يصلح لأن يحكم عليه و به، و لا يتعقل إلّا بتعقّل متعلقه بخصوصه، و لا يمكن أن يدل عليه إلّا بضم ما يدل على متعلقه.

و الحاصل: أنّ لفظ «الابتداء» موضوع لمعنى كلي و لفظة «من» لكل واحد من جزئياته المخصوصة المتعلقة من حيث أنّها حالات لمتعلقاتها و آلات لتعرف أحوالها، و ذلك الكلي يمكن أن يتعقّل قصدا و يلاحظ في حدّ ذاته فيستقل بالمفهومية و يصلح أن يحكم عليه و به، بخلاف تلك الجزئيات فلا تستقل بها و لا تصلح لهما.» (1) انتهى.

و بمثل هذا فرّق بينهما شيخنا العلامة (قدّس سرّه) أيضا في مواضع من هذا الكتاب‏ (2) و غيره، لكنه كما ترى أنكر كون «من» موضوعة للجزئيات.

و لعلّ الظاهر من كلام ذاك القائل أيضا أنّ مناط الفرق ليس هو الكلية و الجزئية، بل اللحاظ على وجه الاستقلال و الآلية، لكنه زعم أنّ الثاني لا يكون إلّا في جزئياته، فهو حينئذ بحث آخر يأتي بيانه.

ثم إنّ هذا البيان و إن كان أقل إعضالا من الأوّل، لكنه لعدم بيانه حقيقة هذين اللحاظين ربما يورد عليه: بأنّ هذا المعنى الواحد كيف يلحظ تارة قصدا و بالذات، و اخرى حالة بين شيئين و تبعا لهما و آلة لتعرف حالهما؟! و أيّ معنى لهذين اللحاظين؟ و أيضا فهذا المعنى الذي ليست ماهيته إلّا الإضافة بين شيئين، كيف يسلب عنه ذلك و يصير معنى‏

____________

(1). راجع حاشية الجرجاني على شرح الكافية 1: 9- 10، و تعليقاته على شرح الشمسية: 33 (ذيل قوله: إشارة إلى قسمة الاسم بالقياس إلى معناه).

(2). منها في مبحث المشتق (كفاية الاصول، 1: 63).

34

ملحوظا على وجه الاستقلال؟ و هل يكون هذا إلّا سلبا للشي‏ء عن نفسه؟!

و ذكر بعض المتأخرين‏ (1): أنّ لفظ الابتداء و الانتهاء و الظرفيّة و أشباهها موضوعة للإضافات المخصوصة التي تفهم منها، و لفظة «من» و «إلى» و «في» للارتباطات الحاصلة بين معاني المتعلقات بسبب هذه الإضافات. انتهى.

و ربما يورد عليه: بأنّ الإضافات المذكورة و أشباهها ليست ماهيّاتها إلّا الارتباطات بين المعاني، فليست الارتباطات بينها شيئا غيرها حتى يصح جعلها معاني للأسماء، و جعل الارتباطات الحاصلة بها معاني للحروف.

و لعلّ منشأ هذه الإيرادات هو عدم وفاء عباراتهم بأداء مقاصدهم على ما هو حقّه، و إلّا فبعد تحقيق المسألة يتبيّن أنّه يمكن تنزيل جميعها عليه.

فتحقيق المقام هو:

إنّ ارتباط أحد الأمرين إلى الآخر جوهرين كانا أو عرضين أو مختلفين، و كليّين كانا أو جزئيّين أو مختلفين، بأيّ نحو من أنحاء الارتباط من العليّة و المعلوليّة، و التقدّم و التأخّر، و الظرفيّة و المظروفيّة،

____________

(1). و هو السيد علي القزويني في حاشيته على القوانين 1: 10، سطر 5، عند قول المصنّف «و كذلك الفعل».

35

و الأوّلية و الآخريّة، و أشباهها لا تحقّق له في نفس الأمر بغير وجود طرفيه بما لهما من الخصوصيّة هو المنشأ لانتزاع تلك الإضافات، و لا معنى لتحقّقها في نفس الأمر سوى ذلك.

نعم، للعقل أن ينتزعها من خصوصيّة الطرفين، و يتصوّرها أشياء بحيالها و على وجه الاستقلال، لكنّها حينئذ تخرج عن كونها ارتباطا بين شيئين بالحمل الشائع و إن كان ارتباطا بالحمل الذاتي. فكون شيئين مرتبطين بالحمل الشائع لا يكون في الخارج و لا في الذهن إلّا بأن يكون الارتباط مندكّا فيهما موجودا بعين وجودهما.

و لمّا كانت الحاجة ماسة في المحاورات إلى تفهيم الارتباطات على كلا الوجهين، فتارة: يريد تصويرها للمخاطب في نفسها بحيث يتصوّرها ممتازة عن غيرها من المفاهيم، و اخرى: يريد تصوير طرفيها مرتبطين بشي‏ء من الارتباطات، فلا جرم كانت الألفاظ الموضوعة لها قسمين:

فمنها: ما وضع لإفادتها بعد انتزاعها من طرفيها و صيرورتها أشياء بحيالها. و هذا القسم يكون كسائر الألفاظ الدالة على المعاني المستقلة من الجواهر و الأعراض، متى سمع شي‏ء منها فهم معناه بلا حاجة إلى غيره.

و منها: ما وضع لإفادتها حال كونها ارتباطا حقيقيّا بالحمل الشائع، أي وضع ليفيد كون الطرفين مرتبطين كذلك. و لا يمكن ذلك إلّا بأن يكون موضوعا لأن يجعل في الكلام بجنب اللفظين الدالّين على طرفي‏

36

الارتباط، لا لأن يتصوّر بحذائه ذلك الارتباط حتى يخرج عن كونه ارتباطا حقيقيّا، و ينتقض الغرض، بل لأن يفهم بسببه ما يفهم من اللفظين من المعنى متخصّصين بخصوصيّة تكون منشأ لانتزاع ذلك الارتباط منهما إذا نظر إليهما العقل بنظر آخر غير هذا النظر الذي يكون الارتباط بحسبه ارتباطا بالحمل الشائع و مندكّا في الطرفين. فهذا القسم هي الحروف الدالة عليها، و القسم الأوّل أسماؤها.

و يدلّ على ذلك أنّك إذا سمعت قائلا يقول: «السير»، «الصدور»، «زيد»، «الابتداء»، «البصرة»، «الانتهاء»، «الكوفة» تصوّرت معاني بعضها جواهر و بعضها عرض و بعضها ارتباطات بالحمل الذاتي، من [دون‏] أن تفهم أنّ شيئا منها مرتبط إلى آخر بشي‏ء من الارتباطات.

و إذا سمعته يقول: «سار زيد من البصرة إلى الكوفة» فهمت وجود سير مرتبط إلى زيد بصدوره منه و إلى البصرة و الكوفة باقتطاعه عندهما أوّلا و آخرا؛ فيعلم بذلك أنّ ألفاظ «الصدور» و «الابتداء» و «الانتهاء» توجب تصور تلك المفاهيم المنتزعة المستقلّة، بخلاف هيئة الفعل و الفاعل و «من» و «إلى» الواقعتين بين المتعلق و المجرور، فإنّها تفيد السير المرتبط إلى زيد و البصرة و الكوفة، أي تفيد منشأ انتزاع هذه المفاهيم. و لهذا لا يصح استعمال كل منهما في موضع الآخر؛ لأنّ كيفيّة عملهما في المعنى مختلفة، بل في غاية المباينة. و لا يمكن وقوع الحرف محكوما عليه و به؛ إذ ليس له معنى متصور بحذائه حتى يحكم عليه أو به، و ما يفيده أمر مندك في معنى طرفيه، و لذا قال الرضي:

37

فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه فيه بل في لفظ آخر، بخلاف القسم الأوّل؛ فإنّ معناه أمر متصور يكون بحذائه. و لا ينافي ذلك قولهم: «من» للابتداء، فإنّه في مقام بيان ما تفيده لفظة «من» من أنحاء الارتباطات، فلا بد من ذكر ما يفيده تصورا بعد الانتزاع، و هو لفظ الابتداء.

فظهر بما ذكرناه أنّ لفظة «من» لا يقع بحذائها شي‏ء من المعنى مطلقا، بل و لا تفيد أيضا فائدة إلّا إذا ضمّت إلى لفظي الطرفين، فحينئذ تفيد تخصّص الطرفين بما ذكرناه من الخصوصيّة. و هذا هو مراد الرضى (قدّس سرّه) بقوله: «فالحرف وحده لا معنى له أصلا، إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شي‏ء ليدلّ على أنّ فيه فائدة ما، فإذا أفرد عنه بقي غير دالّ على معنى في شي‏ء»، و قوله: «و معنى «من» مدلول لفظ آخر ينضاف إلى معناه الأصلي». فاندفع بهذا ما أوردنا عليه سابقا من التناقض.

فكلامه (رحمه اللّه) في غاية التحقيق، و لكن تسليمه الاعتراض بالمصدر المضاف و اعتذاره عنه بأنّه ليس بالوضع، كأنّه أجنبيّ عمّا هو التحقيق، و لا ينبغي صدوره من مثله؛ فإنّ «الضرب» له معنى يقع بحذائه، غاية الأمر أنّه قائم بغيره، و لذا يمكن أن يحكم عليه و به، و أين هو من الحروف التي لا يقع بحذائها شي‏ء من المعنى أصلا، و إنّما يكون ما تفيده فيما بحذاء لفظي الطرفين؟ و من هنا يكون إرجاع الضمير في قولهم:

«الحرف ما دلّ على معنى في غيره» إلى اللفظ أولى من إرجاعه إلى المعنى، لصدقه على التقدير الثاني على ألفاظ الأعراض مع أنّها ليست‏

38

بحروف، فتدبّر.

إذا عرفت ما ذكرناه، تبيّن لك أنّ ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) في مسألة المشتق‏ (1) من افتراق الإسم و الحرف في كيفيّة الاستعمال في المعنى، و هو المراد بما أفاده هنا من كون افتراقهما في الوضع، (2) في غاية الجودة. و لكن ما ذكره من أنّ ما يستعمل فيه لفظة «من» هو عين ما يستعمل فيه لفظ الابتداء، (3) و هو المعنى الكلي المجرد عن جميع الخصوصيّات عند استعمالها فيه و إن كان يتقيد بعد بمداليل الألفاظ الأخر؛ كأنّه بعيد من الصواب.

انتهى ما كان عندنا من حاشية سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه)- بإنشائه و قلمه الشريف- على الكفاية. (4)

____________

(1). الكفاية: 42 (مبحث المشتق).

(2) و إليك نص ما أفاده في الكفاية: «الفرق بينهما إنّما هو في اختصاص كل منهما بوضع، حيث إنّه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو و في نفسه، و الحرف ليراد منه معناه لا كذلك، بل بما هو حالة لغيره ...». فليس مراد صاحب الكفاية؛ إيجاد الفرق بينهما باشتراط الواضع، بل مراده كما صرّح به السيد البروجردي (قدّس سرّه) أنّ الواضع وضع الحروف على معناها، و لكن بغاية (و غرض) أن تستعمل عند لحاظ المعنى حالة في غيره، فتأمل.

(3). و إليك نص ما ذكره في الكفاية: «و التحقيق- حسبما يؤدّي إليه النظر الدقيق- أنّ حال المستعمل فيه و الموضوع له فيها حالهما في الأسماء ...».

(4). و الجدير أن تختم حاشيته المنتهية بالبحث عن المعنى الحرفي بمسك ما نسب إلى سيد الأوصياء أمير المؤمنين (عليه السلام) في تقسيم الكلمات: «الاسم ما أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، و الحرف ما أوجد معنى في غيره».

39

الأمر الثالث في الاستعمال المجازي‏

و قد أفاد سيدنا الاستاذ فيما حققه في هذا البحث على ما يستفاد من تقريرات بحثه التي كتبها بعض الأفاضل من تلامذته‏ (1) في بروجرد حاشية على الكفاية.

قوله (قدّس سرّه): «صحّة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له هل هو بالوضع أو بالطبع؟ وجهان، بل قولان؛ أظهرهما أنّه بالطبع ...».

إنّ الاستعمالات المجازية لا تحتاج صحتها إلى وضع مختصّ بها، بل يكفي فيها وضع الألفاظ لمعانيها الحقيقية و استعمال تلك الألفاظ في غيرها من المعاني المشابهة أو المضادة أو المناسبة لمعانيها الحقيقية؛ و يكفي في ذلك ملاحة هذا الاستعمال حسبما يدركه و يستحسنه الذوق‏

____________

(1). و هو الحجة الشيخ بهاء الدين الحجتي البروجردي في كتابه: الحاشية على كفاية الاصول.

40

و الطبع المستقيم‏ (1).

فالتحقيق: أنّ استعمال اللفظ في المعنى المجازي يكون بتوسط استعماله في المعنى الحقيقي، لا بأن يستعمل في المعنيين، بل يستعمل المتكلم اللفظ في الموضوع له مدّعيا اتحاده مع غير الموضوع له بنفس ذلك الاستعمال و نصب القرينة على أنّ مراده الجدّي غير الموضوع له.

فالمتكلم الذي يرى ادّعاء اتحاد الموضوع له مع غيره، يستعمل اللفظ في الموضوع له، و يفهم ادّعاءه و ارادته الجدية بنفس استعمال اللفظ و نصب القرينة. فهو يستعمل لفظ الأسد في الحيوان المفترس المتحد مع الرجل الشجاع ادّعاء الذي هو مراده الجدّي في قوله: رأيت أسدا (2).

____________

(1). هذا هو أحد القولين في المسألة، و ذهب إليه متأخر و الاصوليين، منهم صاحب الفصول في فصوله: 25، و المحقق الخراساني في الكفاية 1: 19. و فيها قول آخر و هو:

توقف صحّة استعمال اللفظ في غير ما وضع له على ترخيص الواضع و إجازته، و بعبارة اخرى: أنّه منوط بالوضع و استعمال الواضع. و هذا القول منسوب إلى الادباء، و ذهب إليه القوانين 1: 64، و في بدائع الأفكار 1: 87.

(2). هذا ما يستفاد من عبارته، و إن شئت قل: الاستعمال المسمّى بالمجاز هو: استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي الذي يكون من مصاديقه ادّعاء المعنى الذي هو مراد المتكلم.

و بعبارة اخرى: هو استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي الذي يدّعي المتكلم أنّ غيره الذي هو مراده الجدّي من مصاديقه.

هذا و تفصيل البحث و ما حققه السيد الاستاذ (قدّس سرّه) يطلب من الحاشية على الكفاية (1: 37 و ما يليها) منه دام ظله العالي.

41

الأمر الرابع في إطلاق اللفظ و إرادة نوعه، أو صنفه، أو شخصه‏

اعلم: أنّه لا بد للإنسان في إفهام مقاصده لغيره من ما يدلّ عليها، و ليس يوجد فيما يدلّ عليها أسهل و أدلّ من الألفاظ، و لمّا لم تكن بين اللفظ و المعنى علاقة ذاتية بها يختص كل واحد من الألفاظ بمعنى خاص من المعاني حتى ينتقل الذهن منه إليه، احتاج إلى علاقة وضعية يصير بها كل لفظ فانيا في معناه، فجعل لكل معنى من المعاني لفظا خاصا يفهم به المخاطب مراد المتكلم. هذا إذا كان المتكلم مريدا لمعنى من المعاني.

و أمّا إذا كان مراده نفس اللفظ و الحكم عليه أو به فلا حاجة إلى هذه العلاقة الوضعية؛ لأنّه ليس في ذلك دلالة شي‏ء على شي‏ء أو إرادة شي‏ء من شي‏ء أو استعمال شي‏ء في شي‏ء، بل كل ما هناك هو إفهام المتكلم مقصده بنفس إيجاد اللفظ ليلتفت ذهن المخاطب إليه.

و هذا اللفظ الذي يوجده المتكلم يكون جزئيا حقيقيا بالنظر إلى‏

42

وجوده الخاص. و مع قطع النظر عن ذلك يكون كليا؛ فإن أوجده و أراد به أن يلتفت الغير إلى وجوده الخاص، فهو من إيجاد اللفظ و إرادة شخصه، أي إرادة التفات المخاطب إلى شخصه جزئيا.

و إن أوجده مطلقا لالتفات الغير إليه، فهو من إيجاد اللفظ لأن يلتفت الغير إلى نوعه.

و إن أوجده مقيّدا بقيد زائد يخصّه بصنف خاص يريد التفات المخاطب إليه، فهو من إيجاد اللفظ للالتفات إلى صنفه.

و ليس ذلك من باب استعمال اللفظ و دلالته على معناه الذي وضع له اللفظ، حتى يورد على الحكم عليه بشخصه باتحاد الدالّ و المدلول أو تركب القضية من جزءين، (1) فافهم و تدبّر.

____________

(1) هذه خلاصة إشكال و جواب، و أصل الإشكال في الفصول: 22، عند قوله: «فصل:

قد يطلق اللفظ ...». و انظر تفصيل الجواب في الكفاية 1: 20.

43

الأمر الخامس في أنّ الألفاظ موضوعة لمعانيها بما هي هي‏

اعلم: أنّه قد استقر بناء العرف و العقلاء على استخدام الألفاظ لإفهام مراداتهم و مقاصدهم؛ لأنّه ليس فيما يتوسل به لذلك ما هو أسهل من الألفاظ الجارية على اللسان. و لمّا لم يكن للألفاظ بالذات اختصاص بمعانيها الخاصة وضعوا لكل معنى من المعاني لفظا خصّ به حتى يكون دليلا عليه و مرآة له. و الغرض من الوضع و إن كان استخدام هذه الألفاظ عند إرادة تلك المعاني إلّا أنّ هذا ليس من قيود المعنى، و إلّا يلزم أن لا يكون المعنى حاصلا في الخارج و لا يكون اللفظ مرآة لما في الخارج، مثلا لفظ «إنسان» إذا كان موضوعا للطبيعة الكلية التي تصدق على أفرادها الخارجية يصدق عليها لا محالة، أمّا إذا كان موضوعا لها إذا كانت مرادة، فالمعنى بهذا الاعتبار لا يوجد إلّا في الذهن؛ لأنّ ما في الخارج ليس إلّا المعنى و أفراد الإنسان، فلا بد من استعمال اللفظ في جزء معناه مجازا حتى يتم به الغرض، أي إفهام‏

44

المعنى و هو الإنسان الموجود خارجا بأفراده.

و لا يصح أن يكون ذلك من باب الوضع العام و الموضوع له الخاص؛ إذ أنّ ذلك يصح إذا لوحظ معنى كليا و وضع اللفظ بإزاء كل فرد من أفراده، بخلاف ما إذا لوحظ معنى كليا مقيّدا بقيد لا يتحقق معه إلّا في الذهن و وضع له اللفظ، فلا يصح استعمال هذا اللفظ في المعنى الخالص من القيد إلّا مجازا، بل لا يصح وضع اللفظ لأفراد ذلك الكلي خالصا من هذا القيد، فإنّه من وضع اللفظ لغير ما لوحظ من المعنى.

اللّهم إلّا أن يقال: إنّ هذا ليس إلّا من ملاحظة المعنى الكلي الخالص من قيد كونه مرادا و وضع اللفظ للمعنى الكلي أو لأفراده.

و بالجملة: لا يتصور لوضع اللفظ للمعنى بما هو مراد المتكلم فائدة عقلائية، بل أنّ ذلك ينافي حكمة الوضع. هذا مضافا إلى غير ذلك ممّا يترتب عليه من المفاسد.

و من ذلك يعلم: أنّ ما حكي عن المحقق الطوسي و ابن سينا (1) من أنّهما ذهبا إلى «كون الألفاظ موضوعة لمعانيها بما هي مرادة» ليس في محلّه، و لا يصح أن ينسب إلى مثلهما (2).

____________

(1) راجع الشفاء، قسم المنطق، الفصل الثامن من المقالة الاولى من الفن الأوّل، ص 42؛ شرح الإشارات 1: 32.

و الحاكي عنهما صاحب الفصول في فصوله: 17.

و حمل صاحب الكفاية (1: 22) كلامهما على الدلالة التصديقيّة، فراجع.

(2). و قد حكى شريكنا في البحث العلّامة البارع (رحمه اللّه) في تقريراته الموسومة ب «الحجّة في-

45

____________

الفقه» عنهما كلاما في باب المفرد و المركب من كتاب منطق الإشارات، ملخّصه: إنّ المفرد هو: الذي يراد به شي‏ء واحد و إن كان اللفظ مركّبا كعبد اللّه، إذا كان علما لشخص. و المركّب: ما يراد به شيئان، أي يراد بإزاء كل جزء منه معنى غير الآخر، كعبد اللّه إذا اريد به المعنى المضاف إلى اللّه تعالى ... الخ.

و لا يخفى عليك أنّ هذا غير ما نسب إليهما في المقام.

و كيف، كان فالمسألة أوضح من أن تخفى، و كان الجدير حذفها؛ و قد قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): «خذوا من كل علم أرواحه و دعوا ظروفه، فإنّ العلم كثير و العمر قصير». هذا إن صحّ إطلاق العلم على مثل هذا المبحث، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه منه دام ظله العالي.

راجع الحجة في الفقه 1: 45، للحجة الشيخ مهدي الحائري اليزدي (رحمه اللّه). و ما حكاه في شرح الإشارات 1: 32.

46

الأمر السادس في علائم الحقيقة و المجاز

اعلم: أنّ مختار المشهور (1) في الفرق بين الحقيقة و المجاز: أنّ الحقيقة استعمال للّفظ في المعنى الموضوع له- أي المعنى الذي جعل اللفظ مرآة له و مختصا به- تعيينا أو تعيّنا. و أمّا المجاز فاستعمال له في غير ذلك المعنى لوجود علاقة بينه و بين المعنى الحقيقي- الموضوع له-.

و المختار عندنا: (2) أنّ المستعمل فيه في الاستعمالين هو المعنى الحقيقي، إلّا أنّ المستعمل في الأوّل يجعل اللفظ بحذاء المعنى بما هو هو، و في الثاني يستعمل فيه أيضا بادّعاء كون مراده الجدّي عين المعنى الموضوع له (أو من أفراده و مصاديقه).

____________

(1). راجع المطوّل: 278، سطر 21؛ مبادئ الوصول إلى علم الاصول: 77؛ قوانين الاصول 1: 13، سطر 5؛ الفصول: 14، سطر 12.

(2). كما ذهب إليه السكّاكي في الاستعارة، و أمّا في غير مجاز الاستعارة فهو يقول بمقالة المشهور بأنّه استعمال اللفظ في غير ما وضع له. راجع مفتاح العلوم: 156- 158.

47

و أمّا إذا تردد الأمر في أنّه استعمل على النحو الأوّل أو الثاني؟

فالظاهر أنّ ذلك يفهم من ملاحظة كيفية المحاورة و من تعابيرهم في بيان المقاصد و المرادات.

و يمكن أن يقال: إنّ الأصل بعد ما علم المعنى الموضوع له حمله على الاستعمال في المعنى الحقيقي، إلّا إذا ثبت خلافه بوجه من الوجوه، و إن كان ذلك لصيرورة المعنى المجازي أشهر أو مساويا في الاستعمالات مع المعنى الحقيقي، فحينئذ يستفاد ذلك من التأمل في المحاورات.

و أمّا إن كان الشك في المعنى المراد من جهة الشك في المعنى المجازي و الحقيقي، لا من جهة أنّ المتكلم استعمله في المعنى المجازي أو الحقيقي المعلومين عند الطرفين، حتى يقال: الأصل أو الظاهر استعماله في المعنى الحقيقي، بل الشك في أنّه أىّ واحد من المعنيين حقيقي لكي يحمل اللفظ عليه، و أىّ واحد منهما مجازي حتى لا يحمل عليه؟ فهنا يرجع إلى علائم الحقيقة و المجاز.

فمنها: التبادر

و المعروف أنّه علامة اختصاص اللفظ بالمعنى- تعيينا أو تعيّنا- و بعبارة اخرى: تبادر المعنى من اللفظ و دلالته عليه و انسباقه إلى الذهن علامة الحقيقة و اختصاص اللفظ بالمعنى.

لكن الظاهر أنّ التبادر عين الوضع لا أنّه علامة عليه؛ إذ هو نفس دلالة اللفظ على المعنى، لأنّ المراد من الوضع ليس خصوص التعييني‏

48

بل هو الأعم منه و من التعيّني، و معنى الوضع فيهما صيرورة اللفظ دالا على المعنى بوضع الواضع أو كثرة الاستعمال. (1)

و منها: عدم صحة السلب و صحته، و صحة الحمل و عدمه‏

عدم صحة سلب اللفظ بماله من المعنى المرتكز في الذهن عن المعنى المشكوك فيه علامة الحقيقة، كما أنّ صحة سلبه عنه كذلك علامة لكون اللفظ فيه مجازا.

و بعبارة اخرى: صحة سلبه عن المعنى علامة المجاز، و صحة حمله عليه علامة الحقيقة. و لا فرق في ذلك بين أن يكون المحمول و المسلوب في القضية اللفظ بما له من المعنى أو نفس المعنى، و أمّا الموضوع و المسلوب عنه فلا يكون إلّا المعنى المشكوك فيه.

لا يقال‏ (2): إنّ سلب المعنى الحقيقي الواحد أو بعض المعاني الحقيقية أو اللفظ بما له من المعنى الواحد أو الأكثر عن المعنى المشكوك لا يدلّ على عدم كونه المعنى الحقيقي، لاحتمال الاشتراك كما أنّ سلب جميع المعاني الحقيقية عن المعنى المشكوك لا ينهض دليلا على مجازيّته، أي لا حاجة إلى هذا الدليل؛ لأنّه مع العلم بجميع المعاني الحقيقية لا يبقى مجال للشك.

____________

(1). أقول: دلالة اللفظ على المعنى و تبادره منه يدلّ على حصول اختصاص اللفظ بالمعنى بدلالة الإن و دلالة المعلول على علّته. و ليس أحدهما عين الآخر بل أحدهما علّة للآخر و الثاني معلول له فالتبادر دليل على فعل الواضع، و على كثرة استعمال اللفظ في المعنى. [منه دام ظله العالي‏].

(2). و القائل هو المحقق القميّ (رحمه اللّه) في قوانينه: 18.

49

فإنّه يقال أوّلا: إنّ ذلك يتم في سلب المعاني عنه بالمفهوم، و لكن السلب أعم من المفهوم أو المصداق، فتكون صحته دليلا على المجازية.

و ثانيا: المعنى المسلوب ليس المعلوم كونه حقيقيا حتى يقال: مع هذا العلم لا يبقى مجال للشك بل هو مفهوم ما للّفظ في ارتكاز أهل المحاورة، فلا علم لنا بجميع المعاني الحقيقية قبل هذا السلب حتى يرد علينا الإشكال المذكور.

و منها: الاطراد و عدمه‏

و لا يخفى أنّ المراد من علامية عدم الاطراد إن كان بملاحظة نوع العلائق المجازية، فلا ريب في عدم اطراده، و إن كان بملاحظة صنفها، فلا ريب في اطراده، (1) نعم بناء على مختارنا في الفرق بين الحقيقة و المجاز- و أنّ اللفظ في كليهما يستعمل في معناه الموضوع له، إلّا أنّه في المجاز يجعل المعنى عين المعنى الموضوع له (أو فرده ادّعاء)- تصح العلامية إذ لا يطرد هذا الادّعاء و لا يستحسنه الذوق و لا يستملحه الطبع دائما، مثلا استعمال الأسد في الرجل الشجاع يستملح و يوافق الذوق في مقام حكاية رميه و دفعه العدو و لا يستملح في مقام أكله أو غيره من أفعاله العادية، و هذا بخلاف استعمال اللفظ في معناه الحقيقي، فإنّه مستحسن و مقبول لدى الذوق و الطبع في جميع المقامات، فيحسن استعمال زيد مثلا في معناه في مقام الإخبار عن عمله و مدحه و في مقام‏

____________

(1). كما قال في القوانين 1: 28- 29 (مبحث الحقيقة و المجاز)، و الكفاية 1: 28- 29.

50

الإخبار عن جسمه و كل فعل و حال من أفعاله و أحواله، و هذا المعنى للاطراد يصح أن يكون من علائم الحقيقة و عكسه- عدم الاطراد- من علائم المجاز (1).

____________

(1). و تفصيل ذلك يطلب من كتاب الحجة في الفقه 1: 53- 56.