تحرير الأصول

- الشيخ مرتضى النجفي المظاهري المزيد...
496 /
3

-

4

الجزء الرابع‏

مقدمة الكتاب‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و خاتم المرسلين محمد و آله الطاهرين سادات الخلق أجمعين و اللعنة الدائمة على أعدائهم أعداء الدين من الأولين و الآخرين.

أما بعد فيقول أقل خدمة العلم محمد الشهير ب (المصطفى) ابن العلامة حجة الاسلام و المسلمين الحاج الآغا حسين الموسوي الشاهرودي عفى عنهما: هذه وجيزة تشتمل على مهمات المباحث الاصولية حول قاعدة الاستصحاب مع الاستطراد في خاتمة البحث الى بعض القواعد الفقهية المهمة من افادات استادنا المعظم، شيخ الفقهاء و المجتهدين، حجة الاسلام و المسلمين، سماحة آية اللّه العظمى، و الحجة الكبرى، الفقيه الرباني، الآغا الميرزا: محمد باقر الزنجاني (أدام اللّه تعالى أيام افاضاته و إفاداته) و قد هممت بتحرير ما وسعني من تقرير ابحاثه العالية و ضبط دراساته السامية مع قلة الاستعداد و القصور عن افادة كل ما أفاد، سائلا من اللّه العزيز المتعال حسن التوفيق و التسديد. ثم، قد خطر ببالي طبعها و نشرها لينتفع بها القريب و النائي فقدمتها للطبع أداء لحق الاستاذ العلامة (أدام اللّه ظلاله) و خدمة للحوزة العلمية.

و الرجاء من رواد العلم و الفضيلة أن ينظروا فيها بعين الانصاف، و ان يصفحوا عما يرونه فيها من الخلل و النقصان. و هذا هو الجزء الرابع من كتابنا الموسوم ب (تحرير الاصول) و من اللّه تعالى جل شأنه استمد و به استعين.

النجف الأشرف محمد الموسوي الشاهرودي 6 ربيع الاول من سنة 1383

5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

المقصد الرابع من مباحث الشك في بيان وظيفة الشاك‏

فى بقاء حكم أو موضوع تيقن ثبوته في السابق فشك فى بقائه في اللاحق، و الاصل المؤسس الرافع لتحير الشاك في مثل هذا الفرض هو الاستصحاب،

و ينبغي تقديم امور:

(الأول)- في تعريفه و بيان المقصود منه،

و قد وقع الخلاف بين الاصحاب (رضوان اللّه تعالى عليهم) فى معناه الاصطلاحي فعرفوه بتعاريف لا يخلو جلها بل كلها عن وجوه المناقشة، و الذي ينبغي أن يقال بعد عدم الحاجة إلى معرفة معناه اللغوى: أن المعنى الاصطلاحي الذي هو العمدة لترتب الآثار يختلف حسب الاختلاف الواقع في أن الاستصحاب هل هو من الامارات الشرعية- كالخبر الواحد و نحوه- أو من الاصول العملية المحرزة، فعلى القول بحجيته من باب الامارية يكون معناه المصدري عبارة عن جعل الشارع الظن بالبقاء الحاصل من ثبوت الشي‏ء سابقا حجة على المكلف. و (بعبارة اخرى): يكون الاستصحاب تنزيل الشارع هذا الظن الحاكي عن الواقع حكاية ناقصة مقام العلم الحاكي عن الواقع حكاية تامة لأجل مصلحة اقتضت هذا التنزيل التعبدي، و هو بالمعنى الاسم المصدري عبارة عن صيرورة

6

الظن المتعلق بالبقاء الكاشف عنه و المحرز له كشفا و احرازا غير جزمى علما تعبديا و محرزا تاما و كاشفا جزميا بالتعبد و التنزيل، بمعنى: ان المصلحة اقتضت في نظر الشارع جعل هذا الظن الحاصل في مورد الاستصحاب و لو نوعيا مقام العلم الوجداني فى إحراز متعلقه، و لازم ذلك عقلا اتباع ذلك الظن و الجرى العملي على وفقه و ترتيب الآثار المترتبة على البقاء كما لو كان معلوما بالوجدان.

و الحاصل: ان التعبد الاستصحابي هو التصرف الوضعي الصادر من الشرع و التنزيل التعبدي المتعلق بما له كشف ناقص عن الواقع فالتعبد يتم كشفه و يكمل إحرازه، و لا خفاء في ان هذا التنزيل التعبدي الراجع إلى المحرز و الطريق الكاشف يغني في ترتب الآثار المترتبة على الواقع عن التنزيل التعبدي المتعلق بالمحرز بالفتح و هو البقاء المظنون، فلا حاجة إلى تنزيله منزلة المعلوم فيما ذكرناه، فان العقل يستقل بلزوم الاتباع و اجراء الآثار بعد ذلك التنزيل التعبدي و حال الاستصحاب بناء على ما ذكر حال الخبر الواحد و نحوه من الطرق و الامارات. و أما (على القول) بان حجيته من باب الاصول العملية- كما هو الحق المستفاد من الادلة السمعية و سيتضح لك ذلك فيما يتلى عليك- غاية الامر انه مع ذلك ليس كالبراءة، و قاعدة الطهارة، و الحلية، و أمثال ذلك من الاصول المحضة التي ليس لها لسان الاحراز للواقع أصلا فيكون الاستصحاب بمعناه المصدري عبارة عن تنزيل الشرع البقاء المشكوك أو المظنون مقام البقاء المعلوم في ترتب الآثار المترتبة على البقاء واقعا مع قطع النظر عن جهة الكشف و الاحراز، و الفرق بين هذا المعنى و المعنى المتقدم على التقدير الاول بعد اشتراكهما في كونه تصرفا وضعيا من الشرع أن التنزيل في الاول راجع إلى الطريق المحرز و في الثاني راجع إلى متعلق الطريق و المحرز، و مفاد هذا التنزيل ايضا هو صيرورة البقاء المشكوك أو المظنون بمنزلة البقاء المعلوم، و لازم ذلك عقلا ترتب‏

7

الآثار الثابتة للبقاء الواقعي، فالحاصل: ان المستفاد من الاخبار الدالة على اعتبار هذا الأصل في مقام الشك ليس الا ما عرفت من التنزيل التعبدي و الالحاق الشرعي على كلا التقديرين من كون المستفاد من الأدلة امارية الاستصحاب أو كونه من الأصول، فاحتمال تبدل الواقع أو تأسيس حكم ظاهري موافق للواقع أو مخالف له في موارد الاستصحاب ساقط من أصله كما ان الأمر كذلك بالنسبة إلى ساير الامارات و الاصول، و بما ذكرناه تعرف الفرق بين الاستصحاب الذي هو من الاصول المحرزة و بين غيره من الاصول المحضة- كالبراءة، و قاعدة الطهارة و غيرهما- فان غاية ما يستفاد من أدلة اعتبارها هو تنجز التكليف الواقعي في موردها على المكلف على تقدير موافقتها للتكليف الواقعي و معذورية المكلف في العمل بها في صورة مخالفتها مع التكليف الواقعي، فالمجعول في موارد الاصول المحضة ليس إلا جعل المعذر او المنجز بمعنى إحداث ما يصلح أن يحتج به المولى أو العبد في نظر العقل، و أما التنزيل و الالحاق و ما في معناهما الراجع إلى تتميم جهة الكشف فليس في موردها كيف و لا نظر لها إلى الواقع بل هي مجعولة في ظرف الشك بالواقع و الجهل به مع حفظ الجهل على حاله و عد الغائه بوجه و ليس مفاد الادلة الالتزام بحكم على انه الواقع هذا.

و لا يخفى عليك أن ما ذكرناه في معنى الاستصحاب إنما هو بالنظر إلى استناده إلى الشرع، و أما من حيث استناده إلى المكلف فهو عبارة عن الجرى العملي على وفق ما هو المجعول شرعا بترتيب آثار البقاء الواقعي، و أما ما أفاده المحقق النائيني (رحمه اللّه) في معنى الاستصحاب من أنه عبارة عن الجرى العملي على مقتضى البقاء الواقعي فهو على ما عرفته إنما ينطبق على الاستصحاب بالمعنى المستند إلى المكلف و ليس هو من المجعولات الشرعية.

8

ثم اعلم أن الاختلافات الموجودة في الاستصحاب و التفاصيل المحتملة فيه من اختصاص اعتباره بما إذا كان الشك في وجود الرافع، أو رافعية الموجود، أو اختصاصه بالامور العدمية أو الوجودية، إلى غير ذلك من التفاصيل الآتية تجرى على كلا التقديرين من كون الاستصحاب من الأمارات بالمعنى المذكور له او كونه من الأصول العملية بالمعنى المتقدم له و لكن التحقيق: كما ستعرف (إن شاء اللّه تعالى) كونه من باب الأصول و إن ذهب الى الاول غير واحد من الأصوليين هذا خلاصة الكلام في الامر الاول.

(الثاني) هل البحث في اعتبار الاستصحاب بحث عن مسئلة أصولية

فيكون البحث عنه في الاصول بحثا عن الشي‏ء في محله، او هو من القواعد الفقهية كقواعد اليد، و الصحة، و الفراغ و غيرها ليكون البحث عنه في المقام استطراديا؟ الحق هو الاول نظرا إلى جريانه في الشبهات الحكمية، إذ هو من هذه الجهة مطمح نظر الاصولي كما هو الشأن في ساير الأصول العملية، و ذلك لانطباق ضابطة المسألة الاصولية عليه من الجهة المذكورة، توضيح ذلك: ان ضابطة كون المسألة أصولية التي تمتاز بها عن مسائل سائر العلوم عبارة عن كون المسألة صالحة لوقوع نتيجتها مقدمة لاستنباط المجتهد الاحكام الكلية الالهية بمعنى: أن المجتهد يحتاج في استفادة الاحكام الواقعية الالهية و استخراجها من مأخذها الى تحصيل تلك النتيجة سواء كانت من المقدمات القريبة غاية القرب بحيث تقع كبرى لقياس الاستنباط و يكون النتيجة حينئذ بعد ضم الصغرى هو الحكم الفرعي الفقهي المشترك بين المقلد و المجتهد، أو كانت من المقدمات البعيدة- كمعرفة معاني مواد الألفاظ المفردة المتكفل لبيانها علم اللغة، أو معاني هيئاتها أو غير ذلك مما يتكفل لبيانه ساير العلوم المدونة- كعلم الصرف و النحو و المعاني و البيان و الكلام و غير ذلك- فلا يكون البحث عن شي‏ء منها في‏

9

الأصول استطراديا غاية الامر ان ما كانت من المقدمات مبحوثا عنها في تلك العلوم يغنى بحثها عن التعرض لها في علم الأصول و ما لم يقع البحث عنها في تلك العلوم او لم يستوف البحث عنها فيها فلا بد من البحث عنها في هذا العلم على وجه الحقيقة لا الاستطراد و لا حاجة لنا الى التكلف في بيان ضابط المسألة الأصولية و تضييق دائرتها فيتبعها التكلف في مقام الجواب عن الايرادات و الاعتراضات على تعريفها.

نعم، لا ينبغي أن يختفى أن بعض المسائل يمكن أن يقع البحث فيها من جهات مختلفة فالذي يوجب. اندراجها في المسائل الاصولية هو البحث عنها من جهة دخل نتيجتها نفيا و إثباتا في استنباط المجتهد الحكم الواقعي الالهي لا من ساير الجهات، فعليك برعاية هذه الحيثية و إدراج كل مسألة يحتاج المجتهد إلى محصلها في استفادة الوظائف الشرعية و استخراجها عن مداركها الأصلية في المسائل الأصولية (1).

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الاستصحاب كغيره من الاصول العملية الاربعة و غيرها كبعض المسائل الأصولية- كمسألة حجية خبر الواحد مثلا- يختلف جهة البحث عنه ف (تارة): يبحث عنه من حيث جريانه في الشبهات المصداقية و الموضوعات المشتبهة بشبهة خارجية كما يستفاد ذلك من أدلة اعتباره، فهو بهذه الحيثية قاعدة فقهية يرجع اليها الشاك مطلقا من دون فرق بين المجتهد و المقلد، و ليس التمسك بها من وظائف المجتهد فقط كما في ساير القواعد الفقهية المحضة و ينبغي تحريرها حينئذ في علم الفقه لا في علم الاصول، لأنه من هذه الحيثية ليس إلا الحكم الفرعي المستنبط بمعونة المسألة الاصولية التي يبرزها المجتهد لعامة المكلفين في كتبه الفقهية لا نفس المسألة

____________

(1) و قد اطال الكلام في هذا المقام شيخنا الاستاد دام ظله بذكر الامثلة و بعض الوجوه المنتجة لمزيد وضوح في المقام و قد لخصت من أفادته الشريفة هذا التقريب الموجز فعليك بالتامّل التام.

10

الاصولية التي بمعونتها يستنبط ذلك الحكم الكلي الفرعي فلا يتعلق بها البحث الأصولي إلا استطرادا، و قد عرفت وجهه مما ذكر و (اخرى): يبحث عنه من حيث جريانه في الشبهات الحكمية على القول به، كما يستفاد ذلك أيضا من إطلاق أدلة اعتباره فهو بهذه الحيثية- مسألة أصولية ينبغي تحريرها في علم الأصول و يتعلق به بحث الاصولي، لانطباق ضابط المسألة الاصولية عليه فيختص أمرها بالمجتهد، لانه هو الذي يحتاج اليها في استفادة الحكم الكلي الفرعي، كوجوب صلاة الجمعة في حال الغيبة و استخراجه الذي يكون من الشئون المختصة به، و لا يكون لغير المجتهد حظ في ذلك و لا نصيب، فالمجتهد بعد تشخيصه في علم الأصول اعتبار هذا الاصل و تشخيص الشرائط المعتبرة في جريانه و إحرازه اجتماع تلك الشرائط يعول عليه و يستند اليه في استكشاف الحكم الكلي الفرعي- و هو وجوب صلاة الجمعة مثلا- و يدرجه في كتبه الفقهية و يشترك هو و مقلدوه في العمل به.

فتلخص من ذلك كله ان الاستصحاب من حيث جريانه في الشبهات الحكمية مسألة أصولية و مطمح لنظر الاصولي فقط و إن كان لها جهة فقهية ايضا من حيث اعتباره في الشبهات الموضوعية و لا يكون من القواعد الفقهية المحضة المشتركة بين المجتهد و المقلد هذا. و عليك بمراعات التفصيل بين الحيثيتين في سائر الاصول العملية لكي لا يختلط عليك الامور و تعرض لك الشبهات.

(الثالث) في بيان المائز بين قاعدة الاستصحاب بالمعنى المصطلح المبحوث عنه في المقام و بين ثلاث قواعد أخر مناسبة للاستصحاب من بعض الجهات‏

و ربما يقال باعتبارها و لكن التحقيق: عدم ثبوت الاعتبار في شي‏ء منها- و هي: قاعدة الاستصحاب القهقري، و قاعدة اليقين المعبر عنها: بقاعدة الشك الساري، و قاعدة المقتضى و المانع- فلا يخفى عليك تباين هذه القواعد الاربع في حد انفسها

11

و إن كانت قد تشارك في النتيجة و مورد الانطباق.

توضيح الفرق و التمايز: ان قاعدة الاستصحاب بالمعنى المصطلح متقومة بركنين:

(الاول): اليقين بثبوت حكم أو موضوع في الزمن السابق. (الثاني): الشك في بقاء ذلك الحكم أو الموضوع بعينه في الزمن اللاحق- كما إذا علم المجتهد بثبوت وجوب صلاة الجمعة في زمن الحضور ثم شك في بقاء ذلك الحكم إلى زماننا هذا و عدمه- و معنى اعتبار هذا الأصل هو البناء على بقاء ذلك الحكم ما لم يقم دليل اجتهادي على خلافه، و قد ظهر لك مما ذكر انه يعتبر في هذه القاعدة (أولا):

اتحاد القضية المتيقنة مع القضية المشكوكة و اختلافهما في الحيثية- بمعنى انه لا بد و إن يتعلق الشك بعين ما تعلق به اليقين لكي لا يلزم اسراء حكم او محمول من موضوع إلى موضوع آخر و ان يكون الاختلاف بين متعلق اليقين و متعلق الشك في الحيثية فقط فيكون متعلق اليقين الشي‏ء من حيث أصل التحقق و الثبوت في الزمان السابق و متعلق الشك ذلك الشي‏ء بعينه لكن لا من تلك الحيثية بل من حيث بقاء ذلك الشي‏ء في الزمن اللاحق. و (ثانيا): اجتماع وصف اليقين و الشك معا في زمن الاخذ بالقاعدة سواء اتحدا في زمن الحدوث أو اختلفا و كان المتقدم وصف اليقين- كما إذا علم في يوم الجمعة بطهارة ثوبه ثم شك في يوم السبت في بقاء تلك الطهارة، أو كان المتقدم وصف الشك، كما إذا شك في يوم الجمعة في طهارة ثوبه ثم تيقن في يوم السبت بطهارة ثوبه في يوم الخميس- و سواء كان زمن الحدوث في صورة الاتحاد مقارنا لزمن المتيقن- كما إذا شك عند دخوله في الصلاة في بقاء حياته إلى اتمام الصلاة- أو كان متأخرا عنه- كما اذا علم في يوم السبت بطهارة ثوبه في يوم الجمعة و شك ايضا في بقاء ذلك الحكم الى يوم السبت- إلى غير ذلك من الفروض، و المعيار في جريان الاستصحاب بالمعنى المصطلح كون الآخذ به في حال‏

12

الشك فى البقاء متيقنا لوجود المشكوك فى الزمن السابق، و إلا فان تبدل وصف اليقين بالشك لم يكن من الاستصحاب في شي‏ء.

و أما (قاعدة استصحاب القهقري):

فهى ايضا متقومة بما ذكرناه من الشك و اليقين و اتحاد القضية المتيقنة مع المشكوكة و اجتماع وصف اليقين و الشك حال الأخذ بالقاعدة، و إنما الفرق بينها و بين الاستصحاب المصطلح: كون المتيقن فى الثاني هو الوجود السابق و المشكوك هو البقاء في اللاحق- كما عرفت- و الامر بالعكس فى الاولى، فان المتيقن فى استصحاب القهقرى هو الوجود فى الزمن اللاحق و المشكوك هو استمرار ذلك المتيقن و اتصاله بالزمن السابق- نحو انا نعلم بان الصلاة مثلا فى زماننا هذا حقيقة فى العبادة المخصوصة و نشك في ثبوت هذه الحقيقة فى عصر الشارع و عدمه- فمعنى اعتبار استصحاب القهقرى هو البناء على ثبوت هذا المتيقن الفعلي فى الزمن السابق المشكوك فيه هذا.

و لكن التحقيق: عدم دليل يعتمد عليه فى إثبات اعتبار هذه القاعدة أما النقلي فان شيئا من الاخبار الدالة على اعتبار الاستصحاب لا يستفاد منه اعتباره بهذا المعنى. و أما بناء العقلاء من باب حصول الظن بالاستمرار نظرا الى نوعية تشابه الازمان كما يقال ففيه (أولا): عدم ثبوته على اعتبار هذا الاصل مطلقا مضافا إلى عدم انضباط مقدار الاستمرار عندهم. و (ثانيا): سلمنا و لكن لم يثبت تقرير هذا البناء شرعا بل الثابت خلافه بمقتضى اطلاق اخبار الاستصحاب: ثم لا يخفى انه على تقدير اعتباره يعارض دائما فى مورده بالاستصحاب بالمعنى المصطلح كما هو واضح و لازمه لغوية اعتبار القاعدتين معا.

و أما (قاعدة اليقين و الشك الساري):

فالمراد منها هو تعلق اليقين بوجود حكم او موضوع فى الزمن السابق ثم يشك فى عين ما تعلق به اليقين من‏

13

دون اختلاف في الحيثية. (و بعبارة اخرى): يشك في اصابة ذلك اليقين و خطأه- كما اذا علم بطهارة ثوبه في يوم الجمعة ثم شك فى يوم السبت ان ذلك اليقين هل كان مطابقا للواقع أم لا، و انه هل كان ثوبه فى يوم الجمعة طاهرا أو نجسا فكما ان متعلق اليقين هو الوجود في يوم الجمعة فكذلك متعلق الشك هو الوجود في ذلك الزمان لا حيث البقاء، فهذه القاعدة تفارق الاستصحاب المصطلح من جهتين:

(الاولى): اتحاد القضية المتيقنة مع المشكوكة ذاتا و وصفا في هذه القاعدة و اختلافهما وصفا فى الاستصحاب كما عرفت (الثانية) عدم امكان اجتماع وصف اليقين و الشك فى زمان واحد هنا و لزوم اجتماعهما في الاستصحاب فان وصف الشك في المقام يضاد وصف اليقين و يعدمه لتعلقه بعين ما تعلق به اليقين بخصوصه فيسرى الى اليقين فيزيله و لذلك يعبر عن قاعدة اليقين بالشك الساري فان المناسبة المذكورة تقتضي هذا التعبير.

ثم هل يكون في البين دليل على اعتبار هذه القاعدة فيبني على تحقق المتيقن و ترتيب آثاره و عدم الاعتداد بالشك ما لم يثبت يقين على خلافه أم لا؟ ربما يتوهم اعتبارها و استفادة حجيتها من بعض الاخبار الواردة التي تكون مدركا لحجية الاستصحاب كالعلوى: (من كان على يقين فاصابه شك فليمض على يقينه، فان اليقين لا ينقض بالشك) و العلوي الآخر بهذا المضمون، و لكنك ستعرف عند الاستدلال بالاخبار تحقيق القول فى مفادهما و ان المستفاد منهما اعتبار خصوص الاستصحاب بالمعنى المصطلح و سيأتي توضيح ذلك في محله «إن شاء الله اللّه تعالى» و أما بناء العقلاء على اعتبارها ففيه: انه لم يثبت اعتمادهم عليها من حيث هي. نعم، ربما توافق فى النتيجة مع بعض الاصول المسلمة المعتبرة عرفا و شرعا- كالاستصحاب، و قاعدة الفراغ، و قاعدة الشك بعد الوقت، و قاعدة اصالة الصحة، و امثال ذلك-

14

فيحكم بتحقق تلك النتيجة و يبني عليها لكن لا من جهة الاستناد الى هذه القاعدة بل من جهة الاستناد الى تلك الاصول المسلمة و لكشف الحال لا بأس بذكر المثال لتوافقها مع كل واحد منها، فنقول: أما توافقها مع الاستصحاب بالمعنى المصطلح، فكما إذا علم بطهارة ثوبه فى يوم الجمعة ثم شك فى بقائه ثم علم يوم السبت ايضا بطهارة ثوبه ثم شك فيها بخصوصيتها بمعنى انه قد زال ذلك اليقين و تبدل بالشك ففي مثل الفرض توافق القاعدة فى النتيجة مع الاستصحاب، لانها لو كانت معتبرة اقتضت الحكم بوجود الطهارة فى يوم السبت، و هذه النتيجة عينا تؤخذ من جريان الاستصحاب فالحكم بالطهارة في يوم السبت مثلا انما هو لاجل الاستصحاب على ما هو الحق لا بمقتضى القاعدة. و أما توافقها مع قاعدة الشك بعد الوقت، فكما اذا تيقن بعد مضي الوقت باتيانه الصلاة فيه ثم زال اليقين و تبدل بالشك فان نتيجة القاعدة على فرض اعتبارها هو الحكم بالاتيان و عدم الاعتناء بالشك، و هذه النتيجة عينا تؤخذ من القاعدة التعبدية و هي قاعدة الشك بعد الوقت، فالاعتماد انما هو على هذه لا على تلك، و أما توافقها مع قاعدة الفراغ، فكما اذا تيقن بعد الفراغ عن الصلاة مثلا بصحة ما اتى به من الفرض ثم زال هذا اليقين و تبدل بالشك، فان مقتضى القاعدة على فرض اعتبارها هو البناء على الصحة و ترتيب آثارها و عدم الاعتناء بالشك و هذه النتيجة عينا حاصلة من اعتبار قاعدة الفراغ فالاعتماد فى مثل الفرض بمقتضى التعبد الشرعي و بناء العقلاء إنما هو على قاعدة الفراغ لا على قاعدة اليقين. و أما توافقها مع اصالة الصحة بالنسبة الى عمل الغير- فان اصالة الصحة في عمل الشخص ليس إلا قاعدة الفراغ فعلى تقدير اعتبار اصالة الصحة فى عمل الشخص يبني على تعميم القاعدة بحسب المورد، لانها هى لا غيرها و لكن المنظور فعلا اصالة الصحة في عمل الغير و توافقها مع القاعدة- فكما إذا علم بصحة العمل العبادي أو المعاملي‏

15

الصادر عن الغير ثم زال اليقين و تبدل بالشك في متعلقه، فان نتيجة القاعدة على تقدير الاعتبار ليست إلا البناء على صحة عمل الغير و ترتيب آثارها عليه، و هذه النتيجة تؤخذ عينا من جريان اصالة الصحة كما لا يخفى فبناء العقلاء و التعبد في مثل الفرض انما هو على اعتبار هذا الاصل لا القاعدة على ما هو التحقيق، و قس على ما ذكرنا ساير الموارد التي تجتمع القاعدة مع شي‏ء من الاصول و القواعد المعتبرة شرعا و لاحظ و تأمل لكي لا يختلط عليك ما هو المعتمد بغيره.

و أما (قاعدة المقتضى و المانع):

فينبغي أولا تشخيص المراد منها بذكر المحتملات المتصورة فيها ثم بيان ما يقتضيه التحقيق في المقام فنقول:

ان كان المراد من المقتضى: هي المقتضيات التكوينية المؤثرة في التكوين لو خليت و أنفسها، و المراد من المانع هو المانع التكويني عن تحقق المقتضى بالفتح، كاقتضاء النار لاحتراق ما يجاورها مع فقدان المانع منه- كالرطوبة و نحوها- و اقتضاء الاكل للشبع لو لا المانع منه- كالمرض و أمثال ذلك- و معنى اعتبارها بهذا المعنى هو البناء على تحقق المقتضى بالفتح بعد احراز المقتضى بالكسر و عدم إحراز وجود المانع فالتحقيق انه لم يقم على اعتبارها بهذا المعنى دليل من العقل و لا النقل أما (الثاني): فواضح. و أما (الأول): فلأنه لم يثبت بناء العقلاء على تحقق أثر المقتضى التكويني أين ما تحقق و كيف اتفق مع عدم إحراز المانع ما لم يحصل لهم الوثوق و الاطمينان بعدم وجود المانع عن التأثير، بل الثابت خلافه- كما لا يخفى-.

و ان كان المراد من المقتضى: هى الملاكات الباعثة على تشريع الاحكام و المصالح المقتضية لها، و من المانع المفاسد المانعة عن التشريع أو المصالح الأخر التي تزاحم تلك المقتضيات و تضادها، و المراد من اعتبارها بهذا المعنى هو البناء على تحقق‏

16

المقتضى بالفتح و هو الاثر الشرعي بعد احراز الملاك و المصلحة و عدم احراز المانع ففيه: ان البحث عنها بهذا المعنى بحث في ما لا يعنى، فان المصالح المقتضية لتشريع الاحكام امور مستورة عن الخلق الا من علمه اللّه تعالى، و أنّى لنا باحراز الملاك و المصلحة. سلمنا و لكن لا وجه للبناء على تحقق الاثر المقتضى بمجرد تحقق المقتضى ما لم يحرز عدم المانع و هو المفسدة او المصلحة المزاحمة.

و ان كان المراد من المقتضى نفس الموضوعات المجعولة على فرض وجودها الاحكام، و من الشرط و المانع المعنى المصطلح عليه فى بابى اجزاء الموضوعات و المتعلقات و قيودهما و هو ما يعتبر وجوده او عدمه فى الموضوعات او المتعلقات، و معنى اعتبارها بهذا المعنى هو البناء على تحقق المحمول بمجرد احراز ذات الموضوع فهذا أيضا بمعزل عن التحقيق، فان عدم المانع أيضا من اجزاء المقتضي بمعنى الموضوع المعلق عليه الحكم، و لا طريق لنا إلى معرفة أن تمام المقتضى فى نظر الشرع هو ذات الموضوع فقط و الامر الآخر مانع عن تحقق أثر المقتضى، و على فرض تسليم تشخيص ذلك لا دليل على اعتبار القاعدة بهذا المعنى أي البناء على تحقق المقتضى بالفتح عند الشك فى المانع، و اخبار الاستصحاب بمعزل عن الدلالة على ذلك كما ستعرف ذلك (إن شاء الله اللّه تعالى) فالتحقيق فى المقام أن قاعدة المقتضي و المانع بشي‏ء من المحتملات المذكورة لا تستقيم.

(الرابع)- فى بيان الانقسامات اللاحقة للاستصحاب من نواحى ثلاث‏

(الاولى): ناحية نفس المستصحب. (الثانية): ناحية الدليل الدال على تحققه و ثبوته فى السابق (الثالثة): ناحية الشك المأخوذ فى الاستصحاب، و ينبغى التعرض لها فى الجملة تحريرا لمحل النزاع ليستبين أن محل الخلاف فى مسألة الاستصحاب كلها أو بعضها،

فاعلم ان الاستصحاب بالاعتبار الاول [أي ناحية نفس المستصحب‏] يقسم من وجوه:

17

(الاول)- إن المستصحب (تارة): يكون امرا وجوديا. و (أخرى):

عدميا فبالنظر إلى اختلاف هذا الحال تختلف الاقوال فى المسألة فقول بالاعتبار مطلقا، و قول بعدمه كذلك، و ثالث بالتفضيل. و الاعتبار فى الثاني دون الاول.

(الثاني)- ان المستصحب (تارة): يكون من الامور التكوينية- كحياة زيد و صحته، و وجود النهار و تحقق الليل و أمثال ذلك-. و (أخرى): من المدركات العقلية- كحسن الشي‏ء و قبحه و الملازمات العقلية و أمثال ذلك من الاعتبارات العقلية التي لا يكون لها موطن إلا وعاء الاعتبار- و (ثالثة): من الامور التشريعية- كوجوب شي‏ء و حرمته، او طهارة شي‏ء أو حليته و أمثال ذلك من المجعولات الشرعية الوضعية أو التكليفية و بالنظر إلى هذا الانقسام ايضا تختلف الاقوال فقول بالاعتبار مطلقا و قول بعدمه مطلقا و قول بالتفصيل و الاعتبار فى الاولى دون الاخيرتين و قول بعدم الاعتبار فى الثانية.

(الثالث)- ان المستصحب «تارة» يكون: من الاحكام الشرعية التكليفية كوجوب شي‏ء او حرمته او غير ذلك من الاحكام الخمسة- «و اخرى»:

يكون من الاحكام الوضعية- كالطهارة و النجاسة و الصحة و الفساد، و امثال ذلك من الوضعيات الشرعية- فربما يقال بالاعتبار مطلقا، او يقال بعدمه مطلقا، و ربما يفصل و يقال بالاعتبار فى الثانية دون الاولى الى غير ذلك من التفاصيل المحتملة فى هذه الناحية.

و اما تقسيمه بالاعتبار الثانى و هي ناحية الدليل الدال على تحقق المستصحب سابقا فينقسم الى اقسام ثلاثة،

و ذلك لأن الدليل الدال على وجود المستصحب (تارة): يكون هو الاجماع. (و اخرى): حكم العقل. (و ثالثة): الدليل السمعي- من الكتاب او السنة- و قد يعبر عن القسم الاول باستصحاب حال الاجماع و عن الثانى باستصحاب حال العقل، و عن الثالث باستصحاب حال الشرع.

18

فقول بالاعتبار مطلقا، و قول بعدمه كذلك، و قول بالتفصيل بعدم الاعتبار في الاول فقط او فيه و فى الثاني ايضا و الاعتبار في الثالث.

و اما تقسيمه بالاعتبار الثالث و هى ناحية الشك المأخوذ فى موضوع الاستصحاب‏

فيصح انقسامه ايضا من وجوه شتى و مناشئ عديدة فمنها ان منشأ الشك في البقاء (تارة) هو الشك فى المقتضى- اي الشك في مقدار استعداد المستصحب البقاء بنفسه مع قطع النظر عن الرافع- و (اخرى): يكون منشؤه الشك فى وجود الرافع بعد احراز مقدار الاستعداد للبقاء في المقتضى و العلم بما هو الرافع و الناقض له نحو ما اذا علم بوجود الطهارة و استعدادها للبقاء ما لم يتحقق شي‏ء من النواقض و علم بان النوم مثلا ناقض لها و لكن شك فى تحققه فى الخارج. (و ثالثة): يكون منشؤه:

الشك فى رافعية ما هو الموجود، و ذلك (تارة): يكون مسببا عن الشبهة الحكمية من جهة فقدان النص او اجماله مثلا- كما اذا علم بوجود المذي بعد الطهارة و شك في ناقضيته لها من جهة الشبهة الناشئة عن عدم الدليل الدال على رافعيته شرعا او اجمال الدليل. و «اخرى»: يكون مسببا عن الشبهة المصداقية بعد العلم بحدود المفهوم و عنوان الرافع- كما اذا علم بأن الرافع للطهارة هو البول و علم بان المذى غير رافع لها و لكن شك فى ان ما هو الموجود في الخارج هل هو مذي او بول و ربما يكون الشك فى رافعية ما هو الموجود ناشئا من الشك و عدم تعين الحالة السابقة و ترددها بين ما يكون الموجود رافعا له و بين ما لا يكون كذلك- كما اذا علم اجمالا باشتغال ذمته باحد الامرين من صلاة او صوم يوم فاتى باحدهما.

و منها أن منشأ الشك (تارة) يكون هو الشك فى تحقق الغاية فى المستصحبات المغياة بالغاية و ذلك كالصوم المغيّا بالغروب، و جواز الاكل المغيّا بالطلوع و امثال ذلك و «اخرى» فى غايتية ما هو الموجود، و ذلك «تارة»: يكون‏

19

من جهة الشبهة الحكمية و «و أخرى» من جهة الشبهة الموضوعية على التفصيل للتقدم آنفا الى غير ذلك من التفاصيل الجارية في المقام و يختلف بذلك ايضا الاقوال و جملة القول ان بملاحظة هذه الأقسام المتقدمة قد اختلفت الاقوال و كثرت حتى انهاها الشيخ الى أحد عشر قولا، و مع ذلك اعترف بأن المتأمل في كلمات العلماء و المتتبع لظواهرها يقف على أزيد من ذلك، بل قد يطلع على قولين او أقوال لقائل واحد، و كيف كان فلا حاجة مهمة بل لا ثمرة معتدة فى التعرض لتلك التفاصيل و ذكر الاقوال على التفصيل، و إن أبيت إلا عن الاطلاع فراجع فرائد الاصول و نحوها من الكتب المدونة في علم الاصول،

[في بيان أدلة اعتبار الاستصحاب و عدمه‏]

و العمدة في المقام التعرض لمدارك القولين اعني اثبات المطلق و النفى كذلك حتى يظهر أن الحق هو أحد هذين القولين، أو التفصيل بين ما كان الشك في المقتضى بين ما يكون الشك في ناحية الرافع و عدم الاعتبار في الاول و يظهر أيضا فساد جل الاقوال، فنقول:

اما [الأول في‏] اعتبار الاستصحاب مطلقا

[الأول من وجوه الاستدلال لاعتبار الاستصحاب بقول مطلق الاجماع‏]

فربما يستدل عليه بالاجماع على ذلك، و هو كما ترى لا مجرى له في مثل هذه المسألة المعركة الآراء كيف و قد ذهب جم قفير الى عدم اعتباره أصلا، أو في خصوص الوجوديات، أو التكوينيات، أو التشريعيات او في موارد الشك في المقتضى الى غير ذلك مما مضى من التفاصيل فشتان ما بين دعوى الاجماع و هذه الاختلافات. ثم سلمنا دعوى الاجماع لفرض الوفاق و لكنه ليس اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السّلام) بعد ظهور استنادهم في ذلك الى الادلة العقلية و النقلية، فالحاصل ان دعوى الاجماع فى هذه المسألة ممنوعة من جهتين.

[الثانى من وجوه الاستدلال لاعتبار الاستصحاب بقول مطلق بان الثبوت في الزمن السابق يوجب الظن بالبقاء في الزمن اللاحق‏]

و قد يستدل على الاعتبار بقول مطلق بان الثبوت في الزمن السابق يوجب‏

20

الظن بالبقاء في الزمن اللاحق. و لكن يرد عليه الاشكال كبرويا و صغرويا.

اما «الكبرى» فلانه بعد تسليم تحقق الظن بمجرد الثبوت في السابق يتوجه سؤال الدليل على اعتبار مثل هذا الظن، فان قيل هو الاخبار الواردة فى الباب قلنا: فالتمسك و الاستدلال حينئذ بها لا بما ذكر و سيأتي الكلام فى مقدار مفادها و ان قيل هو السيرة و بناء العقلاء فالجواب الجواب، و سيأتي بيان ما هو المتيقن من مواردها. نعم، لو كان فى البين دليل على اعتبار مطلق الظن كما يقتضيه مذهب القائل بالانسداد فالاستدلال بما ذكر في محله لو لم يتوجه الاشكال من جهة الصغرى و هي حصول الظن بمجرد الثبوت فى السابق و لكن القول باعتبار مطلق الظن في الشبهات الحكمية من جهة الانسداد ايضا بمعزل عن التحقيق- كما حقق فى محله-.

و اما الصغرى و هي كون الثبوت فى السابق مفيدا للظن بالبقاء فى اللاحق فبعد وضوح كون المراد من الثبوت فى السابق هو الاحراز فيه لا مجرد الثبوت فى الواقع بداهة عدم افادته شيئا الا بعد الاحراز ف «تارة» يكون المراد من الظن الظن الشخصي الفعلي، كما هو الظاهر من البهائي (رحمه اللّه) و من تبعه، فيكون المدار فى اعتبار الاستصحاب بقول مطلق على الظنون الفعلية الحاصلة في موارده على الفرض و يستند في ذلك الى الغلبة فسيتضح لك بعد تقريرها انها لا تنهض لاثبات المدعى اصلا، و كيف كان فيمكن تقرير الغلبة بوجهين:

«الأول» دعوى ان أغلب الوجوديات امور قارة قابلة للبقاء و الاستمرار في حد انفسها فى قبال الاشياء المتصرمة فى الوجود الغير القابلة للثبات و مثل هذه الغلبة تفيد الظن ببقاء المستصحب، لأن الظن يلحق الشى‏ء بالأعم الأغلب. و فيه «أولا»: ان أغلبية الموجودات القارة المستعدة للبقاء بالنسبة إلى الموجودات‏

21

المتصرمة في الوجود الفانية بعد حدوثها مما لا شاهد لها بل من الممكن ان يكون الأمر بالعكس بان نتحقق في آن واحد ملائين من الأشياء الغير القارة و تنعدم فى وقتها فلم تثبت الأغلبية فى تلك الناحية و «ثانيا»: سلمنا و لكن لا خفاء فى ان الموجودات القارة تختلف فى مقدار قرارها و استعداد بقائها و لا تكون فى ذلك على نمط واحد بالبداهة و لا يكون لها جامع فى مقادير بقائها و قدر مشترك منطبق عليها لتكون العبرة به فى الاستصحاب و الحاق المستصحب بمورد الأعم الاغلب نعم، تشترك فى مقدار قليل من حيث البقاء و لو تعلق العبرة به سقط الاستصحاب عن الاعتبار فمع هذه الاختلافات الفاحشة في الامور القارة كيف يمكن دعوى الظن بالبقاء في مورد الاستصحاب مطلقا نعم، يمكن دعوى: حصول الظن بالبقاء فيما اذا كان نوع المستصحب أو صنفه من الامور القارة القابلة للبقاء الى حيث يستصحب. و لكنها كما ترى أخص من المدعى، لان معناها اختصاص الاستصحاب بما اذا كان الشك في ناحية الرافع بعد احراز استعداد المستصحب للبقاء و المدعى اعم من ذلك. و «ثالثا» أغمضنا عن الاختلافات الموجودة بين الامور في مقدار الاستعداد و لكن مجرد احراز استعداد الشى للبقاء في نفسه لا يفيد الظن بالبقاء ما لم يظن عدم الارتفاع.

فتحصل ان دعوى حصول الظن الشخصي في جميع موارد الاستصحاب استنادا الى الغلبة بهذا المعنى لا تستقيم بوجه.

(الثاني دعوى ان المستصحب حال وجوده فى الزمن السابق كان مقارنا مع ساير الامور الوجودية في ذلك الزمان و من المعلوم بقاء اكثر تلك الامور او اغلبها الى زمن الشك فى بقاء المستصحب و هذه الغلبة تفيد الظن الفعلي ببقاء المستصحب الى ذلك الزمان الحاقا له بالاعم الاغلب. (و فيه): ان تقريرها بهذا الوجه و ان‏

22

كان اوجه من تقريرها بالوجه السابق إلّا انها مع ذلك لا تغني عن الحق شيئا فان بقاء تلك الامور المختلفة في مقدار الاستعداد للبقاء لا توجب حصول الظن ببقاء المستصحب مطلقا. نعم، غاية ما تقتضيه هذه الغلبة و قاعدة الحاق الشى‏ء بالاعم الاغلب هو الحاق المستصحب بنوعه او صنفه فى مقدار البقاء لا الحكم بالبقاء بقول مطلق- كما هو المدعي- فيكون الدليل اخص منه.

هذا مضافا الى ما قد عرفت من ان مجرد احراز مقدار الاستعداد فى نفسه لا يفيد الظن الفعلي بالبقاء ما لم يظن عدم الارتفاع. و «اخرى»: يكون المراد من الظن الظن النوعي ببقاء المستصحب و ان لم يكن فعليا فى مورد خاص. و يرد عليه ايضا جل ما تقدم بعد الاستناد في ذلك الى الغلبة باحد التقريبين.

هذا كله مضافا الى ما تقدم من الاشكال في الكبرى و هي اعتبار مثل هذا الظن الحاصل بالغلبة بعد تسليم الصغرى و الاعتراف بحصول الظن الشخصى او النوعي، فان كان مدرك الاعتبار هي الاخبار فهي العمدة و سيأتي تفصيل الكلام فى مقدار مفادها، و ان كان هي السيرة و بناء العقلاء فستعرف ما فيها.

(الثالث) من وجوه الاستدلال لاعتبار الاستصحاب بقول مطلق (دعوى) جريان سيرة العقلاء و بنائهم على اتباع الحالة السابقة

و الجري على وفقها و عدم اعتنائهم باحتمال انقراضها و تبدلها بحالة اخرى مع عدم الردع عنها، فانك ترى بالعيان جريان ديدنهم على ذلك فى جل امورهم المربوطة بالمعاش و المعاد من غير نكير عليهم و هذا يكشف عن اعتبار الحالة السابقة عندهم ما لم ينكشف خلافها و انتقاضها بل لا يختص الامر بهم فانه امر جبلى فطري مشترك بين الانسان و بين غيره من أصناف الحيوانات- كما لا يخفى- و فيه (اولا): ان العمل على طبق الحالة السابقة فى الجملة و ان كان مما لا يقبل الانكار لما عرفت من انه فى الجملة أمر جبلي فطرى لكنه لم‏

23

يتضح لنا وجه اتباعهم للحالة السابقة و جريهم على وفقها و لم يثبت استنادهم في ذلك الى حصول الظن الحاصل فى مورده و تعبدهم به. نعم، لا خفاء بل لا مرية فى اختلاف مناشئ العمل على طبق الحالة السابقة (فتارة) تكون منشؤه للغفلة و عدم احتمال انقراض الحالة السابقة كما هو الوجه في جري الحيوانات على وفقها. و (اخرى) يكون منشؤه الوثوق و الاطمينان ببقاء الحالة السابقة، و (ثالثة) منشؤه نفس الاحتمال فيتبع من باب الاحتياط و الرجاء. نعم، قد يكون العمل على وفق الحالة السابقة مع الظن الشخصي بالبقاء أو النوعي و لكنه مع ذلك لم يحرز استنادهم فى ذلك الى الظن الحاصل فى مورده فالانصاف انه لا مجال لانكار جريهم فى الجملة على طبق الحالة السابقة و ان لم يحرز لنا وجه ذلك و انه من جهة الاستناد الى الظن الشخصي أو النوعي أو البناء التعبدي. فالمناقشة في الصغرى لا سبيل اليها، حيث انا نرى بالوجدان بناء للعقلاء فى غير موارد الغفلة و الاطمينان ببقاء الحالة السابقة على اتباع تلك الحالة جريا على عادتهم المرتكزة. نعم، القدر المتيقن من ذلك موارد احراز المقتضى و كون الشك فى ناحية الرافع و الحاصل ان هذه السيرة سليمة عن المناقشة الصغروية. فيبقى الكلام في تمامية كبرى الاستدلال المذكور و هى حجية السيرة و عدم ردع الشارع عنها، و قد نوقش فيها بالعمومات الناهية عن اتباع ما وراء العلم بدعوى شمولها لمثل المقام و كفايتها في مقام الردع.

و التحقيق، ان العمومات الواردة في الكتاب و السنة الناهية عن اتباع ما وراء العلم كقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (1) و قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* (2) و أمثال ذلك كلها منصرفة عما جرت على اتباعه سيرة العقلاء من الطرق و الامارة المحرزة و السر فى انصراف تلك العمومات ان هذه‏

____________

(1) سورة الاسرى الآية: 38

(2) سورة يونس الآية: 36

24

الامور الحاكية عن الواقع الملقى احتمال خلافها للواقع في نظرهم علوم في نظرهم بالتعبد و التنزيل كما ان مفاد الاصول المحرزة معلومات في نظرهم كذلك.

تقرير ذلك: ان العقلاء المكلفين المخاطبين بتلك الخطابات الرادعة عن العمل بغير العلم لا يرون توجهها اليهم فى مقام العمل على طبق هذه الأمور المعتبرة عندهم لاعتقادهم حسب ارتكازهم فى مواردها عدم اتباعهم لما وراء العلم فمقامنا كغيره من موارد جريان السيرة و استقرار بناء العقلاء خارج عن منصرف تلك الأدلة تخصصا فلا حاجة الى التكلف في تخصيصها بالسيرة في مثل المقام. نعم، لو منع عن الانصراف المذكور سقطت السيرة عن صلاحيتها لاثبات متعلقها و تخصيصها للعمومات كما ان العمومات تسقط عن صلاحية كونها رادعة عن السيرة، لاستلزام كل منهما للدور.

توضيح المقام: ان السيرة و بناء العقلاء على اتباع الحالة السابقة و ان كان مسلما و لكنه لا يصلح لتخصيص العمومات الناهية، لاستلزامه الدور لان مخصصية هذه السيرة متوقفة على اعتبارها و عدم مردوديتها، و ذلك متوقف على عدم شمول العمومات لها و هو متوقف على مخصصية السيرة لها فيلزم توقف مخصصية السيرة على مخصصيتها، و هذا كما ان تلك العمومات ظاهرة في النهي عن اتباع ما وراء العلم إلا انها لا تصلح ان تكون رادعة عن السيرة، لان قيامها على اعتبار شي‏ء كالقرينة المتصلة الصالحة للقرينية للتخصيص المانعة عن انعقاد الظهور لتلك العمومات بالنسبة الى ما قامت السيرة على اعتباره و حينئذ تكون رادعية تلك العمومات عن السيرة متوقفة على عدم مخصصيتها لها و عدم مخصصيتها لها متوقفة على رادعيتها عنها فرادعية تلك العمومات تتوقف على رادعيتها و لا يذهب عليك انه على فرض تسليم كون مخصصية السيرة لتلك العمومات دورية دون رادعية تلك العمومات‏

25

عنها، فلا فرق في ذلك بين موارد الطرق و الامارات و بين الاصول المحرزة كما في المقام فالعجب من المحقق الخراساني (رحمه اللّه) حيث استدل فى حجية خبر الواحد بالسيرة و بناء العقلاء و اعترف بعدم صلاحية العمومات الناهية للردع عنها و مع ذلك استشكل في هذا المقام فى التمسك بالسيرة و بناء العقلاء بناء منه على كفاية العمومات الناهية عن اتباع الظن و الادلة الدالة على البراءة و الاحتياط في الشبهات الحكمية في مقام الردع عن مثل البناء المذكور، و الظاهر عدم امكان التوفيق بين كلماته «(قدس سره)» فى المقامين اذ لا فرق بينهما فى لزوم الدور فكيف يفصل بينهما، و يقال باعتبار السيرة و عدم صلاحية العمومات للردع عنها هناك و لا يقال باعتبارها كذلك هنا، بل يقال بكفاية العمومات الناهية للردع عنها. هذا و لكنك قد عرفت ان التحقيق خروج المقام و غيره من موارد قيام السيرة و بناء العقلاء على اعتبار الامارات و الاصول المحرزة عن منصرف العمومات الناهية تخصصا فلا تصل النوبة الى التخصيص، و ما يترتب عليه من لزوم الدور.

[الرابع من وجوه الاستدلال لاعتبار الاستصحاب الادلة التعبدية الدالة على اعتبار الاستصحاب مطلقا مع كون الشك فى ناحية الرافع‏]

فتحصل مما ذكرنا ان السيرة العقلائية الثابتة في المقام مثبتة للمدعى و هو اعتبار الحالة السابقة فى موارد الشك في الرافع، فلو لم يكن في البين الا هذه لكان فيها غنا و كفاية نعم لو لا اطلاق الاخبار بل ظهور بعضها في عدم اعتبار الظن الفعلي ببقاء الحالة السابقة فى اعتبار الاستصحاب و الأخذ بها بل اعتباره حتى مع الظن بالخلاف كان اللازم الاخذ بالمقدار المتيقن من السيرة و هو الاخذ بها في موارد الاعتقاد الراجح ببقائها، و لكن تلك الاخبار وافية باثبات الاطلاق بل ظاهرة في انها تقرير لعين ما هو المرتكز فى اذهان العقلاء و المتبع عندهم، و الذي يسهل الخطب مع ذلك وجود الاخبار و الادلة التعبدية الدالة على اعتبار الاستصحاب مطلقا مع كون الشك فى ناحية الرافع، كما اختاره المحقق صاحب المعارج و من‏

26

تبعه، و اختاره شيخنا العلامة الانصاري (رحمه اللّه) و المحقق النائيني (رحمه اللّه) و هي العمدة في مقام الاستدلال على الحجية، و الظاهر ان الاستدلال بالاخبار لم يعرف من القدماء الى زمان والد الشيخ البهائي (رحمه اللّه) و هو أول من استدل بها على اعتبار الاستصحاب و تبعه في ذلك المحقق الخوانساري و السبزواري (رحمة اللّه عليهما)

و كيف كان فالأخبار الواردة الدالة على حجية الاستصحاب على طائفتين:

«الاولى»- ما يدل بظاهرها على اعتبار الاستصحاب و عدم جواز نقض اليقين السابق بالشك اللاحق مطلقا من دون اختصاص بباب دون باب.

«الثانية»- ما تدل على اعتبار الاستصحاب في موارد خاصة.

اما الطائفة (الاولى) [ما يدل بظاهرها على اعتبار الاستصحاب و عدم جواز نقض اليقين السابق بالشك اللاحق مطلقا من دون اختصاص بباب دون باب.]

فمنها صحاح ثلث لزرارة «رض»

و هي و ان كانت مضمرة، الا ان اضمارها لا يضر بصحتها و الاعتماد عليها بعد كون الراوي مثل زرارة، فانه اجل شأنا و اعظم قدرا من ان يستفتى عن غير الامام (عليه السّلام) و يسأل عنه من دون تصريح به مع مداقته في السؤال عن خصوصيات المسألة و سنتلوها عليك عن قريب ان شاء اللّه هذا مضافا الا ان الاضمار انما جاء من جهة التقطيع في ذكر رواياته و الا كان الامام (عليه السّلام) مذكورا فى صدر الروايات التي رواها عن الباقر او الصادق (عليه السّلام) و لما صرح به في الصدر اولا استغنى عن التصريح به ثانيا و اكتفى بارجاع الضمير اليه في قوله «و سمعته» او (سألته) و نحو ذلك و لكن ارباب المجامع (رضوان اللّه تعالى عليهم) لما ألّفوا كتب الحديث بترتيب و تبويب و تفصيل بنوا على ايراد كل فقرة من كل رواية فيما يناسبها من ابواب الفقه و لذلك عرض الاضمار و الاجمال في مرجع الضمير. هذا مضافا الى انه قد نقل بعض الاصحاب كالامين الاسترابادي فى فوائده المدنية و صاحب الحدائق في مقدمة الكتاب و صاحب الذخيرة و غيرهم متن الصحيحة الاولى عن زرارة مسندا الى ابى جعفر (عليه السّلام)، فالحاصل: انه لا ينبغي‏

27

المناقشة في مثل هذه الصحاح بالاضمار بل ينبغي صرف عنان الكلام الى تعيين مفادها و مقدار ما يمكن الاستظهار منها. فنقول:

اما (الصيحة الاولى) [لزرارة]

قال زرارة: قلت له (عليه السّلام): الرجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال (عليه السّلام): يا زرارة قد ينام العين و لا ينام القلب و الاذن، و اذا نامت العين و القلب وجب الوضوء، قلت فان حرك في جنبه شي‏ء و لم يعلم به؟ قال: لا حتى يستيقن انه قد نام، حتى يجي‏ء من ذلك امر بين و الا فانه على يقين من وضوءه و لا ينقض اليقين ابدا بالشك و انما ينقضه بيقين آخر (1) و ينبغي (اولا): التعرض لفقه الحديث فانه ربما يتأمل فيما أراده زرارة من النوم في قوله: «الرجل ينام» لانه لو كان مفروضه تحقق النوم الناقض لم يبق مجال للسؤال عن وجوب الوضوء فاحتمل «تارة» كون المراد من النوم ارادة النوم فالتقدير: الرجل يريد ان ينام، «و اخرى»:

ارادة المعنى المجازى بعلاقة المشارفة، فيكون المراد من النوم هو الاشراف عليه، و لكن التحقيق عدم الحاجة الى الاضمار و ارادة المعنى المجازى و نحو ذلك بل هو محمول على معناه الحقيقي.

تقرير ذلك ذلك: ان النوم له مراتب و درجات فالمرتبة الضعيفة منه هى التى تسمى بالسنة تارة و بالخفقة اخرى، و النائم بهذه المرتبة ينام عينه و لا ينام قلبه و لا اذنه، فكان مراد زرارة من النوم تحقق هذه المرتبة منه، و الغرض من سؤاله هو الاطلاع على ان النوم ناقض بجميع مراتبه أو ببعض مراتبه، و قد أجاب الامام (عليه السّلام): بما حاصله: ان النوم بجميع مراتبه لا يكون ناقضا للوضوء، و انما الناقض له، هى المرتبة الشديدة منه التى تمنع الجوارح عن القيام بشئونها، و فيها ينام‏

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من ابواب نواقض الوضوء الحديث 1.

28

القلب و الاذن و العين، ثم سئل زرارة عن حكم الشبهة الموضوعية لهذه المسألة، و هى الشبهة فى تحقق تلك الحالة الموجبة للوضوء، فقال: (فان حرك فى جنبه شي‏ء و هو لا يعلم) و يمكن أن يكون مراد زرارة من هذا السؤال- مضافا الى ما عرفت من معرفة ما هو الوظيفة فى مثل هذه الشبهة- الاطلاع على أن تحرك الشى‏ء فى جنبه مع عدم تنبهه الموجب لحصول الظن بتحقق النوم الناقض هل هى امارة معتبرة على تحقق النوم و انتقاض الوضوء ام لا، و كيف كان، فقد اجابه الامام (عليه السّلام) بقوله:

لا، و ظاهر ان المراد منه نفي وجوب الوضوء مع هذا الفرض، بقرينة ما تقدم من فرض السؤال- و ما يأتى من تحديد النفي بالاستيقان بالنوم و وجوب الوضوء عنده-

و أما قوله (عليه السّلام): (و الا فانه على يقين من وضوئه، و لا ينقض اليقين أبدا بالشك) فهو محل الاستدلال بهذه الصحيحة على حجية الاستصحاب مطلقا، و قد اختلفت الآراء فى مقام الاستظهار منه، (فتارة): يستظهر منه اختصاص الحكم بمفروض السؤال، و تكون النتيجة، لزوم ترتيب آثار الوضوء المتيقن فى السابق و عدم جواز نقضها و رفع اليد عنها بمجرد الشك في تحقق النوم (و اخرى): يستظهر منه اعتبار الاستصحاب فى خصوص باب الوضوء، مع التعميم من جهة الناقض، بمعنى انه اذا كان اليقين متعلقا بالوضوء السابق فشك فى انتقاضه فى اللاحق لم ينتقض ذلك اليقين سواء كان الشك فى حدوث النوم أو غيره من النواقض، و (ثالثة): يستظهر منه ما هو الحق من اعتبار الاستصحاب مطلقا، و ينبغى أولا بيان المحتملات في هذه الفقرة من الرواية، ثم الاشارة الى ما هو المتعين منها على التحقيق، فنقول: الوجوه المحتملة فى هذه الفقرة اربع: (الاول): ان يكون قوله (عليه السّلام): (فانه على يقين من وضوئه) جملة خبرية مستعملة مقام الانشاء، و يكون‏

29

جزاء للشرط السابق و هو قوله (عليه السّلام): (و إلا)- اى و ان لم يستيقن أنه قد نام- و تكون اللام فى الجملة المفسرة للجزاء و هي قوله: (و لا ينقض اليقين ابدا بالشك) للعهد اما فى لفظى اليقين و الشك كليهما أو في لفظ اليقين فقط، فعلى (الاول): تكون النتيجة انه ان لم يستيقن بالنوم فهو على يقين من وضوئه- اي يجب عليه ترتيب آثار اليقين بالوضوء من حيث البقاء- و لا يجوز له نقض اليقين،- اي اليقين بخصوص الوضوء- بالشك فى انتقاضه الناشئ عن الشك فى تحقق خصوص النوم و على (الثاني): تكون النتيجة اعتبار الاستصحاب في باب الوضوء و عدم جواز نقض اليقين الخاص- و هو اليقين بخصوص الوضوء- بالشك في ارتفاعه مطلقا، و الفرق بينهما هو التعميم من جهة الناقض المشكوك فيه في الثاني، و اختصاصه بالنوم فى الاول، فتكون الجملة المفسرة حينئذ مسوقة لتأسيس قاعدة كلية في باب الوضوء، و هي عدم جواز نقض اليقين بالوضوء بالشك فى خصوص النوم.

و يرد على هذا الوجه «أولا»: ان الجملة الخبرية و ان كانت تستعمل فى مقام الانشاء كثيرا إلّا انها ظاهرة فى حد ذاتها في الاخبار، و لا يصار الى خلافه الا بموجب و لا موجب هنا للحمل على الانشاء بعد امكان ابقائها على ظاهرها، بل هو اقرب الى الصواب بل هو المتعين على ما سيجي‏ء، و «ثانيا»: انها لو حملت على الانشاء لزم تكرار الحكم بعدم وجوب الوضوء مرارا ثلاث، و لا وجه لهذا التكرار و التاكيد في مثل المقام مما لا حاجة فيه اليه و لا ثمرة في اعادة القول فيه.

توضيح ذلك، انه (عليه السّلام) قد اجاب اولا عن السؤال الثاني لزرارة، و هو قوله:

«فان حرك في جنبه ... الخ» بقوله [لا،]- اى لا يجب عليه الوضوء- فحكم بعدم وجوب الوضوء، و «ثانيا»: بقوله: «فانه على يقين من وضوئه» فحكم ايضا بعدم وجوب الوضوء، و لزوم البناء على اليقين السابق من حيث الشك فى البقاء

30

ما لم يستيقن انه قد نام، و هذه هي المرة الثانية من الجواب، لان هذا الحكم الشرعى و البناء التعبدي كان مفهوما من الجواب السابق بما لا مزيد عليه و لم تكن حاجة الى اعادة القول فيه، و تكرار الحكم باتباع اليقين السابق تعبدا.

و لا يخفى ان هذا التكرار مبنى على كون الجزاء لقوله (و إلا) قوله: «فانه على يقين من وضوئه» مع كونها مستعملة في مقام الانشاء،- و الا فستعرف ان الحق عدم ثبوت التكرار و الاعادة فى البين- و يلزم التكرار «ثالثا» بناء على ما عرفت من كون اللام فى اليقين للعهد فان مفاد الجملة الجزائية حينئذ قد ذكر مرة ثانية بالجملة، المفسرة، و هي قوله: «و لا ينقض اليقين الخ»، هذا و انت خبير بان مثل هذا التكرار و التأكيد لا يلائم المقام. و (ثالثا) انه بناء على هذا الوجه لا بد ان يكون المراد من اليقين الذى افاده الامام (عليه السّلام) بقوله: (فانه على يقين) اليقين التعبدي بالبقاء فلا بدّ ان يكون المراد من اليقين في قوله (عليه السّلام): (و لا ينقض اليقين) بناء على كون اللام للعهد ذلك اليقين، اذ لم يذكر يقين آخر قبل ذلك، فتكون النتيجة حينئذ انه لا ينقض اليقين التعبدي بالبقاء بالشك فيه، و هذا خلاف لظاهر قوله (عليه السّلام): (و لا ينقض اليقين ابدا بالشك) فان الظاهر منه اليقين الوجداني بتحقق الوضوء و عدم نقضه بالشك فى البقاء، فالحاصل، ان هذا الوجه في غاية الضعف و الغرابة.

«الثاني»- أن يكون الجزاء للشرط هو قوله (عليه السّلام): «و لا ينقض اليقين أبدا بالشك» و اللام فيها للعهد، و الجملة الاولى و هي قوله: «فانه على يقين» جملة اخبارية محمولة على ظاهرها من الاخبار بكونه على يقين من وضوئه السابق و انما سيقت هذه الجملة توطئة لبيان الجزاء، فيكون المعنى انه ان لم يستيقن بالنوم، فحيث انه على يقين من وضوئه السابق، لا ينقض هذا اليقين المتعلق بالوضوء بالشك في‏

31

البقاء، فتكون النتيجة على هذا الوجه ايضا تأسيس قاعدة كلية فى خصوص باب الوضوء، و هذا الوجه كسابقة بمعزل عن الصواب، فانه يرد عليه «اولا»: ما اوردناه على الوجه السابق من لزوم التكرار في بيان الوظيفة التعبدية في صورة الشك من دون حاجة اليه. و ان كان التكرار هنا أقل، لعدم التصرف في ظهور الجملة الخبرية و «ثانيا» ان الفاء الجزائية على هذا الفرض واقعة في غير موقعها، لان مدخولها لا بد اما ان يكون نفس الجزاء و اما أن يكون سادا مسده بعد حذفه و الامران منتفيان على الفرض، اما «الاول» فواضح، و اما «الثانى»: فلان مدخول الفاء انما ذكر توطئة لبيان الجزاء على الفرض لا انه ساد مسده، لعدم كونه محذوفا فلا وجه لدخول الفاء عليه‏ (1).

«الثالث»- أن يكون الجزاء مجموع الجملتين كما ذكره المحقق النائينى (رحمه اللّه) مع ابقاء الاولى على ظاهرها من الاخبار عن تحقق اليقين بوضوئه السابق و كون اللام في الكبرى للعهد أيضا، كما هو لازم جعل الجزاء مجموع الجملتين، فلا يسمع بعد ذلك دعوى كون اللام للجنس لا للعهد، فيكون المعنى حينئذ انه ان لم يستيقن النوم فهو متيقن لوضوئه السابق و لا يجوز نقض هذا اليقين المتعلق بالوضوء السابق بالشك اللاحق، فالنتيجة على هذا الوجه ايضا اختصاص القاعدة بباب الوضوء، و لكن يرد على هذا الوجه أيضا «أولا»: ان الجملة الشرطية انما وضعت لافادة الثبوت عند الثبوت بنحو التعليق المبني على التلازم بين الشرط و الجزاء من دون فرق بين أن يكون التلازم من جهة كون الشرط علة للجزاء، أو معلولا له‏

____________

(1) «المؤلف»: و يرد عليه أيضا انه لا وجه حينئذ لدخول الواو على الجزاء المفروض اذ المناسب للمقام من معانى الواو ليس الا العطف أو الاستيناف و كلاهما لا يلائمان الفرض (فتامل).

32

أو كانا معلولين لعلة ثالثة، و من الواضح عدم التلازم بين عدم الاستيقان بالنوم و اليقين بتحقق الوضوء سابقا، فجعله جزاء مساوق لاخراج الجملة الشرطية عن ظاهرها من افادة الثبوت عند الثبوت، و هذه احتمالات ثلاثة متحدة في النتيجة، و هى اعتبار قاعدة الاستصحاب في خصوص باب الوضوء، و قد عرفت ما فيها من الوهن.

(الرابع) ما افاده شيخنا المرتضى «اعلى اللّه مقامه» و هو المختار، و حاصله ان الجزاء للشرط المذكور و هو قوله (عليه السّلام): «و إلا» امر مقدر محذوف تقديره.

(فلا يجب الوضوء) و هو مدلول عليه بما هو ساد مسده من التعليل المذكور و هو قوله (عليه السّلام) (فانه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين ابدا بالشك) فقد نبه (عليه السّلام) بهذا التعليل المشتمل على جملة صغروية و كبروية، على ان مفروض السؤال من صغريات تلك الكبرى، و انه لا ينبغي نقض اليقين بتحقق شي‏ء- اي شي‏ء كان- بالشك في بقائه و انما ينقضه بيقين آخر فاللام فيها حينئذ للجنس لا للعهد و هذا الوجه سليم عن كل المبعدات المتقدمة و مؤيدة ببعض المؤيدات الداخلية و الخارجية اما (الاول): فلسلامته عن التكرار في بيان حكم المسألة المفروضة، فان التكرار انما كان يلزم على تقدير ذكر الجزاء المقدر، و لم يذكر، بل اكتفى بما سد مسده، و عن ورود الفاء الجزائية في غير موردها، فان موردها كما عرفت يجب ان يكون اما نفس الجزاء او ما يسد مسده و هو هنا الثاني، و كم له من نظير و قد اتى شيخنا العلامة الانصاري (رحمه اللّه) في فرائده ببعض النظائر كقوله تعالى: و من كفر فان اللّه غني عن العالمين‏ (1) و قوله تعالى: و ان يسرق فقد سرق اخ له من قبل‏ (2) و امثال ذلك، و سلامته ايضا عن ارتكاب ما هو خلاف ظاهر الحملة الخبرية من الحمل على الانشاء و اما (الثاني): فلان المتبادر من مساق‏

____________

(1) سورة آل عمران الآية 92

(2) سورة يوسف الآية 77

33

هذه الرواية كون اللام في الكبرى: للجنس، و انها مسوقة للارشاد الى ما هو المرتكز في اذهان العقلاء من: «ان اليقين لا ينتقض بالشك» و ان هذه قاعدة كلية تندرج فيها الصغرى المتقدمة و مجرد ذكر اليقين قبلها لا يستلزم كون اللام فيها للعهد، و لذا لا نشك في كون اللام في كلمة (العالم) في مثل قولك «اكرم زيدا فانه عالم» و (يجب اكرام العالم) للجنس لا للعهد،.

و الحاصل: ان انفهام العهدية و الجنسية يختلف باختلاف الموارد و الذى ينسبق الى اذهان العرف في مثل المقام هو الثاني دون الاول، هذا مضافا الى ان ملاحظة ساير الاخبار المتقاربة في المضمون الدالة على كلية الكبرى المذكورة و عدم اختصاصها بباب دون باب، تؤيد ارادة الجنسية في المقام، فالحاصل ان الوجه الاخير، أوجه الوجوه المذكورة فى المقام و محصل الرواية على هذا الوجه، انه ان لم يستيقن بالنوم فلا يجب عليه الوضوء، لانه على يقين من ثبوت وضوئه فى السابق و لا يجوز نقض اليقين و رفع اليد عن آثار المتيقن ابدا بمجرد الشك في انتقاض ما هو المتيقن سابقا، فنتيجة هذا الوجه عدم اختصاص قاعدة الاستصحاب بباب دون باب، كما هو المختار.

هذا كله، و قد ظهر لك مما ذكرنا ان منشأ الخلاف المذكور على ما أشار اليه المحقق الخراسانى «(قدس سره)» هو الشك في ان مناط النهي عن نقض اليقين بالشك هي خصوصية ملحوظة في اضافة اليقين و الشك أو هى خصوصية ملحوظة فى نفس الوصفين بما هما كذلك، «فعلى الاول»: يكون المراد انه لا ينقض هذا اليقين بهذا الشك، لكونهما متعلقين بخصوص الوضوء. و «على الثانى»: يكون المراد انه: لا ينقض هذا اليقين بهذا الشك، لكونهما من مصاديق اليقين و الشك اللذين لا ينبغي نقض الاول بالثانى مطلقا، فعلى الاول كانه (عليه السّلام) أراد من قوله:

34

«فانه على يقين» انه على يقين و شك من وضوئه دون شي‏ء آخر، و على الثاني يكون المحصل انه من وضوئه على يقين لا ظن أو شك فلا ينبغي أن ينقضه بالشك، و قد عرفت مما فصلناه تعين الوجه الثانى.

ثم، انه ربما يناقش في دلالة هذه الصحيحة بما لا يخص بها بل يطرد فى غيرها أيضا من الصحاح الآتية التى يستدل بعمومها على اعتبار الاستصحاب مطلقا، بل تتوجه هذه المناقشة الى كثير من القضايا العامة التى يستدل بعمومها على المراد، و حاصلها: ان غاية ما يستفاد من هذه الصحيحة- بعد تسليم كون اللام فيها فى قوله (عليه السّلام): و (لا ينقض اليقين أبدا بالشك) للجنس لا للعهد- هو ارادة سلب العموم لا عموم السلب و لا يثبت المدعي إلا على تقدير الثانى، و أما «على الاول»:

فمعناه انه لا يجوز نقض كل يقين بكل شك و هو يجامع مع جواز نقض بعض افراد اليقين ببعض افراد الشك فان السالبة الجزئية لا تنافى الموجبة الجزئية، فالمقدار المعلوم من موارد النهي عن النقض ليس الا السالبة الجزئية فلا يثبت اعتبار الاستصحاب إلا فى الجملة و هو خلاف الفرض، و بمثل هذا الاشكال يستشكل في الاستدلال بعموم قوله (عليه السّلام): [الماء اذا كان قدر كر لم ينجسه شي‏ء] (1) على اعتصام الماء الكر و عدم انفعاله بمجرد اصابة شي‏ء من المنجسات، (فيقال): غاية ما يستفاد من هذه الجملة السالبة ان الماء بعد بلوغه كرا ليس مما ينجسه كل شي‏ء و أما عدم انفعاله بشي‏ء من المنجسات فليس من مفادها و كم فرق بين قولك: (لا تكرم كل فاسق)، و بين قولك: (لا تكرم الفساق) فان مفاد الاول ليس الا النهى عن اكرام جميع أفراد الفاسق على نحو الاستيعاب الغير المنافى لجواز اكرام بعض افراد الفاسق و يسمى بسلب العموم و هذا بخلاف الثاني فان مفاده عدم جواز اكرام أحد

____________

(1) الوسائل الباب 9 من ابواب الماء المطلق الحديث 1

35

من الفساق المنافي لجواز اكرام بعض منهم و يسمى بعموم السلب و محصل المناقشة ان المفرد المحلي باللام و النكرة الواقعين فى حيز النفي أو النهي ظاهران في ارادة مثل المعنى الاول دون الثانى، و الحق عدم ورودها على مثل هذا العموم المستفاد من الصحيحة، و توضيح ذلك يستدعي رسم مقدمة، و هى انه لا اشكال فى ان العموم الملحوظ فى الحكم الايجابي أو السلبي كنفس مفاهيم البعث و الزجر و الايجاب و التحريم قابل للحاظين لحاظ آلي ربطي فنائي و لحاظ استقلالي، فكما ان المتكلم الحاكم بوجوب شي‏ء أو تحريمه مثلا (تارة) يلاحظ مفهوم البعث أو الزجر أو الايجاب أو التحريم و نحو ذلك معنا ربطيا حرفيا لا يقبل أن يكون طرفا للنسبة و الاضافة، فيستعمل هيئات:

«افعل، و لا تفعل» فيها بداعي التوصل الى ايجاد ما يترتب على هذا الاستعمال من الوجوب و التحريم و نحو ذلك فيقول مثلا: (صل) او (لا تشرب الخمر) (و اخرى): يلاحظها معنا اسميا واقعا طرفا للنسبة و الاضافة و يستعمل الاسماء بداعى التوصل الى ايجاد ما يترتب على هذا الاستعمال من الوجوب أو التحريم و نحو ذلك فيقول مثلا: (الصلاة واجبة) أو (شرب الخمر حرام) فكذلك العموم الملحوظ فى الحكم قد يلاحظ معنا حرفيا ربطيا لا يقبل أن يقع طرفا للنسبة و الاضافة فيتعلق الايجاب و السلب بمصب العموم الملحوظ كما فى قولك: «لا تأكل الرمان» و «كل البطيخ» و نحو ذلك، فان عموم الحكم لجميع أفراد المتعلق فى مثل الفرض انما يكون ملحوظا آليا و قد يلاحظ على وجه الاستقلال بحيث لا بد ان يكون طرفا للنسبة و الاضافة، كما في قولك «اكرم كل عالم» أو «لا تكرم كل عالم» فان العموم في مثل الفرض ملحوظ على وجه الاستقلال و يقع محلا للايجاب و السلب، ففى محل الكلام- اعني القضايا السالبة- كل مورد كان العموم ملحوظا فيه بالنحو الاول فلا محيص عن كون المفاد عموم السلب، و إلا يتعلق به السلب و ينقلب المعنى الحرفي‏

36

الى الاسمي، و كل مورد يكون العموم ملحوظا بالنحو الثانى فظاهر القضية سلب العموم لقابلية المعنى لتعلق السلب به.

(و بعبارة اخرى): الضابط لمعرفة عموم السلب و تمييزه عن سلب العموم هو أن العموم إن كان مفادا بشي‏ء من الدوال الموضوعة له معنا اسميا كلفظ: كل، و جميع، و نحو ذلك، و كان مصبا للحكم السلبي كان ظاهرا فى سلب العموم و يجامع الايجاب الجزئى كقولك: «لا تاكل كل زمان» كما انه لو تعلق بهذا العموم حكم ايجابي كان ايجابا كليا كقولك «اعطني كل رمان فى البستان» و إما ان كان العموم مستفادا من مقدمات الحكمة أو بشي‏ء من الادوات أو الهيئات الموضوعة للمعانى الحرفية و كان الحكم سلبيا فهو من عموم السلب و يناقضه الايجاب الجزئي و ذلك نحو قولك: «لا رجل فى الدار» او «لا تأكل الرمان» او: «لا تهتك العلماء» و امثال ذلك فان العموم فى مثل هذه الموارد اما مستفاد من مقدمات الحكمة او من اللام، او من هيئة المفرد المحلي باللام، او الجمع المحلى باللام، او من وقوع النكرة في سياق النفى او النهى على القول بذلك كله، و على اى تقدير لا يكون العموم في مثل هذه الموارد ملحوظا بالاستقلال ليكون السلب او الايجاب راجعا اليه، بل انما هو ملحوظ مع العموم الملحوظ في الحكم في رتبة واحدة، و المستفاد من مثل ذلك شمول الحكم لجميع افراد الموضوع بحيث لا يشذ عنه فرد، و قد تحصل مما ذكرنا في تقرير الضابط للفرق بين عموم السلب و سلب العموم، ان العموم ان كان مصبا و متعلقا للسلب كان السلب سلب العموم و إن لم يكن موردا و محلا له، بل كان ملحوظا معنا ربطيا كنفس السلب كان السلب فيه عبارة عن عموم السلب.

اذا عرفت ذلك، و تأملت فيه يتضح لك اندراج العموم الوارد في الصحيحة و أمثالها فى عموم السلب لا سلب العموم، و قد عرفت ان نتيجته الشمول و الاستيعاب‏

37

الذي ينافيه خروج بعض الافراد و لذلك تسلم الصحيحة المذكورة عن المناقشة في مقام الاستدلال على اعتبار اليقين السابق مطلقا، و عدم انتفاضه بالشك اللاحق كذلك.

الصحيحة الثانية لزرارة

و قد عرفت ان اضمارها لا يضر بصحتها، «قال قلت له (عليه السّلام): اصاب ثوبي دم رعاف او غيره او شي‏ء من مني فعلمت اثره الى ان اصيب له من الماء فاصبت و حضرت الصلاة و نسيت ان بثوبى شيئا و صليت ثم انى ذكرت بعد ذلك؟ قال (عليه السّلام): تعيد الصلاة و تغسله، قلت: فاني لم اكن رأيت موضعه، و علمت انه قد اصابه، فطلبته فلم اقدر عليه، فلما صليت، وجدته قال (عليه السّلام): تغسله و تعيد، قلت: فان ظننت انه قد أصابه و لم اتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا، ثم صليت فرأيت فيه؟ قال (عليه السّلام): تغسله و لا تعيد الصلاة قلت: لم ذلك؟ قال (عليه السّلام): لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا. قلت: فاني قد علمت انه قد اصابه، و لم ادر اين هو فاغسله؟ قال (عليه السّلام): تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد اصابها حتى تكون على يقين من طهارتك، قلت: فهل علي ان شككت في انه اصابه شي‏ء ان انظر فيه؟ قال (عليه السّلام): لا و لكنك انما تريد ان تذهب الشك الذي وقع في نفسك. قلت: ان رأيته فى ثوبي و انا فى الصلاة قال (عليه السّلام): تنقض الصلاة و تعيد اذا شككت فى موضع منه ثم رأيته، و ان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته، ثم بنيت على الصلاة، لانك لا تدري لعله شي‏ء اوقع عليك، فليس ينبغى ان تنقض اليقين بالشك» (1) و هذه الرواية مضافا الى ما قد عرفت من ان جلالة شأن الراوي تغنينا عن التأمل‏

____________

(1) التهذيب الباب 22 من ابواب تطهير البدن و الثياب من النجاسات الحديث- 8-

38

فيمن روي عنه تشهد بنفسها على صدورها من معدن الوحي و التنزيل، فان آثار الصدق فيها لائحة، و هي مشتملة على قواعد كلية يحتاج اليها فى ابواب الفقه، و لذلك ينبغي التعرض اولا لفقه الحديث و التأمل فى فقراتها، و سيتضح لك ما يمكن التمسك به من فقرات هذه الصحيحة على اعتبار الاستصحاب مطلقا و يتضح لك ايضا ما ينطبق منها على القاعدة- اى قاعدة اليقين- و ما لا ينطبق، فنقول:

اما الجملة الاخيرة و هي التفصيل الذي افاده الامام (عليه السّلام) جوابا عن سؤال زرارة و هو قوله: «ان رأيته في ثوبي و انا فى الصلاة» بقوله (عليه السّلام): «تنقض الصلاة و تعيد ... الخ»- فالذي استظهره المشهور منها، كون المراد وجوب الاعادة و نقض الصلاة، فيما اذا كان الشك فى موضع الدم مع العلم باصل الاصابة فصلى بهذه الحالة، فرأى الدم فى اثناء الصلاة و اما اذا لم يشك في موضع الدم، بل كان الشك فى اصل الاصابة، ثم رأى الدم فى الصلاة صح ما أتى به من الصلاة و لكنه يقطع و يغسل و يبنى، و ذلك للتعليل المذكور في الذيل، و لا اشكال في ان هذا المعنى الذي استظهره المشهور، بعد تسليم الظهور يكون على وفق القاعدة فى كلا شقي التفصيل، و يكون التعليل في محله.

اما «الشق الاول»: و هو قوله (عليه السّلام): (اذا شككت فى موضع منه) فلأن المفروض فيه هو العلم بالاصابة، مع الجهل بموضعها، و مقتضى اعتبار الطهارة فى الصلاة عدم جواز الدخول فيها بهذه الحالة، و عدم الاعتداء بالصلاة الواقعة فيها، فالحكم بالنقض و الاعادة حينئذ يكون على وفق القاعدة، و هي قاعدة اعتبار الطهارة فى الصلاة، و لا يندرج المورد حينئذ في صغريات قاعدة الاستصحاب، و لا تنطبق عليه ايضا قاعدة الشك الساري كما لا يخفى، و ذلك لان المفروض فقدان الشك مطلقا، لا من حيث اصل ثبوت الطهارة ليسرى الى اليقين السابق و يزيله و لا

39

من حيث البقاء، لانتقاض اليقين السابق، و تبدله بيقين آخر، و هو اليقين بالاصابة، كما هو المفروض، غاية الامر انه لم يكن يعرف موضع الدم فوجده في اثناء الصلاة، فالحكم بوجوب الاعادة و نقض الصلاة فى محله، و لا ينطبق على الفرض شي‏ء من قاعدة الاستصحاب و قاعدة اليقين.

و (أما الشق الثاني): فلان المفروض فيه هو الشك فى الطهارة من حيث البقاء، من جهة الشك في اصل الاصابة، بعد العلم بالطهارة سابقا فيكون الفرض حينئذ مجرى لقاعدة الاستصحاب و يكون الشاك محرزا للطهارة بالاستصحاب حين الدخول فى الصلاة، فلا مانع من البناء على صحة ما مضى من الصلاة لاحراز الطهارة بالنسبة اليه بهذا الاصل و الاحراز التعبدى و انما يحتاج الى احراز الطهارة بالوجدان بالنسبة لما بقى منهما، لانقطاع الاستصحاب بالقطع بالنجاسة فعلا، و لان تحصيلها لذلك لا يكون من نقض اليقين بالشك بل هو من نقض اليقين باليقين، و هذا بخلاف ما اذا كان يجب الاعادة فى هذا الفرض، فانه مستلزم لنقض اليقين بالشك حيث انه لا يدري ان هذه النجاسة التى رآها فى اثناء الصلاة كانت قبل الصلاة أو شي‏ء أوقع عليه في اثنائها، كما ابدى احتماله الامام (عليه السّلام) فرفع اليد عن اليقين السابق حينئذ لا يكون إلا بالشك، و حيث لا يجوز نقضه به، لما صرح به من التعليل، وجب البناء على ما مضى و الغسل لما بقى، فظهر ان الحكم بصحة الصلاة و البناء على ما أتى به منها ينطبق عليه قاعدة الاستصحاب فيكون التعليل المذكور في محله، و اما قاعدة اليقين، فهي لا تلائم هذا الفرض، لان المفروض عدم وجود شك يسري الى اليقين السابق، و يتعلق بما تعلق به من اصل الثبوت و تحقق الطهارة فى السابق، و الشك الموجود راجع الى حيث بقاء الطهارة و استمرارها، فيتم الموضوع لقاعدة الاستصحاب فقط كما عرفت هذا كله على ما استفاده المشهور في‏

40

شقي التفصيل.

و أما الاشكال في ما ذكروه فى الشق الاول من كون الشك راجعا الى موضع الدم لا اصل الاصابة، بان جلالة شأن مثل زرارة تابى عن الدخول فى الصلاة مع العلم بالاصابة، و عدم احراز الجواز، و بانه لا يتمشى منه حينئذ قصد القربة سهل الاندفاع، لما فيه (اولا): من امكان طرو الغفلة له عن ذلك فتمشى منه القربة. و (ثانيا): ان المتأمل فى فقرات الحديث يظهر له ان ما سأله زرارة، لم يكن مما قد ابتلي به و ارتكبه، و انما سأل ما سأل، ليطلع على احكام فروض المسألة على التفصيل، فالمناقشة بمثل ذلك فيما استفاده المشهور، في غير محلها. نعم، الذى ينبغى ان يقال ان ما استفاده المشهور فى شقي التفصيل، خلاف ظاهر كلام الامام (عليه السّلام) و ذلك لان الذى يظهر منه فى الشق الاول، و هو قوله: (إذا شككت في موضع منه) ارادة الشك في اصل الاصابة بموضع من الثوب لا الشك في موضع الاصابة بعد العلم بها، و الا كان ينبغي ان يقال اذا شككت فى موضعه. فالظاهر ارادة الشك فى اصل الاصابة و حينئذ فيكون الشاك محرزا للطهارة بالاستصحاب، و مقتضى هذه القاعدة هو البناء على الصحة و الحكم بعدم الاعادة كما فى الشق الثاني من التفصيل، فالحكم مع ذلك بالاعادة فى هذا الفرض، يكشف عن عدم اعتبار الاستصحاب فيه لتبين الخلاف و مانعية النجاسة الواقعية، و كيف كان فالحكم فى هذه الفقرة بالنقض و الاعادة ينافي لما دل على اعتبار الاستصحاب، و كفاية الطهارة الاستصحابية عن الخبث، و ان تبين الخلاف بعد الصلاة، و ينافي بعض الاخبار الدالة على صحة الصلاة لو كان العلم بالنجاسة بعدها، فان لم يمكن التوفيق، فغايته الطرح و عدم التمسك بهذه الفقرة من الرواية و هذا لا يوجب حملها على ما استفاده المشهور بعد صرفها عن ظاهرها لعدم امكان العمل به.

41

و أما الذي يظهر من الشق الثاني و هو قوله (عليه السّلام): (و ان لم تشك ... الخ) فهو ارادة نفى الشك مطلقا لا في اصل الاصابة و لا في موضعها، و حينئذ فاما ان يفرض كونه غافلا عن بقاء الطهارة حين الدخول فى الصلاة أو يفرض كونه ملتفتا و قاطعا بعدم الاصابة قبل الصلاة ثم راى الدم في اثناء الصلاة، فعلى الاول ينطبق على قاعدة الاستصحاب، و على الثانى ينطبق على قاعدة الشك السارى فالحكم بعدم الاعادة، و التعليل المذكور في ذيل الرواية، قابل الانطباق في حد ذاته على كل من القاعدتين، الا ان بعض القرائن الخارجية، كالحكم بعدم الاعادة بعد انطباق قاعدة الاستصحاب، و الحكم بالاعادة مع انطباق قاعدة اليقين فى غير هذا الموضع، توجب حمل التعليل المذكور في المقام على قاعدة الاستصحاب، و استناد الحكم اليها و انه كان داخلا في الصلاة على غفلة من حيث بقاء الطهارة حين الدخول فيها فلا يبقى فى المقام الا المناقشة العامة من كون اللام فى الكبرى المذكورة في ذيل الحديث للعهد لا للجنس و قد عرفت انها مطردة و جوابها كذلك هذا ملخص الكلام في الفقرة الاخيرة من الرواية.

و أما الفقرة السابقة عليها و هي قوله (عليه السّلام): «تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد اصابها ... الخ» فى مقام الجواب عن سؤال زرارة بقوله: «قد علمت انه قد اصابه و لم ادر اين هو فاغسله» فهى ترشد الى قاعدتين عقليتين (الاولى) قاعدة تنجيز العلم الاجمالي و انه لا يخرج عن عهدة التكليف الا بمراعاة الاحتياط في جميع الاطراف (الثانية) قاعدة حسن الاحتياط في غير موارد اللزوم ايضا.

و اما الفقرة الثالثة فقول زرارة فيها: (فان ظننت انه اصابه الخ) ظاهر في فرض اليقين بالطهارة و عدم اليقين بزوالها و هو منطبق على مجرى الاستصحاب فقوله (عليه السّلام): فى الجواب عن هذا السؤال: «تغسله و لا تعيد» ظاهر قويا فى أن‏

42

الحكم بذلك مبنى على اعتبار الاستصحاب و الاخذ بالحالة السابقة و عموم التعليل المذكور في ذيلها ظاهر قويا فى اعتبار الاستصحاب بقول مطلق و عدم اختصاصه بالمورد، فعموم الكبرى في هذه الفقرة كعموم الكبرى في الفقرة الاخيرة دليلان على اعتبار الاستصحاب مطلقا و لكن المحتملات في هذه الفقرة مع ذلك اربعة:

«الاول» ان يكون المراد من قول زرارة: «فنظرت فلم ارى شيئا» حصول العلم له بعد الفحص بعدم الاصابة فصار متيقنا لبقاء الطهارة و ان يكون المراد من قوله:

(ثم صليت فرأيت فيه) انه بعد ما رأى الدم اعتقد انه هو الدم الذي ظن باصابته سابقا و ان النجاسة كانت موجودة حال الصلاة، و الحق ان هذا الاحتمال ساقط من اصله، فانه لا يلائم التعليل المذكور فى ذيل الجملة من عدم جواز نقض اليقين بالشك سواء كان المراد منه قاعدة الاستصحاب او قاعدة اليقين، بداهة عدم وجود شك في البين على هذا الاحتمال، لانه كان على يقين من ثبوت طهارته ثم تبدل هذا اليقين بعد الصلاة بيقين آخر و هو اليقين بعدم الطهارة من قبل الصلاة لاجل العلم بالاصابة فتعليل صحة الصلاة حينئذ بعدم جواز نقض اليقين بالشك فى غير محله بداهة: انه لو بنى على فساد الصلاة لم يكن من نقض اليقين بالشك، بل كان من نقض اليقين باليقين كما لا يخفى، فتعليل الامام (عليه السّلام) بمثل ذلك لا يلائمه هذا الاحتمال، لما عرفت من عدم انطباق شي‏ء من القاعدتين.

(الثاني) ان يكون المراد من قوله: «فنظرت فلم أر شيئا» هو البقاء على ظن الاصابة او الشك فيها مع كون المراد من قوله: ثم صليت فرأيت فيه انه بعد ما رأى الدم لم يحرز كونه قبل الصلاة، و انه عين ما ظن باصابته، و هذا الاحتمال و ان كان يلائمه التعليل، و ينطبق على قاعدة الاستصحاب فقط دون قاعدة اليقين، لأن المفروض، ان ما كان متحققا قبل الصلاة هو اليقين باصل ثبوت‏

43

الطهارة و الشك فى بقائها، فاليقين باصل ثبوت الطهارة لم يطرئه شك حتى يكون من الشك الساري، و بقاء الطهارة لم يكن متيقنا حتى يكون الشك الموجود فى البقاء ساريا الى متعلق ذلك اليقين، فيصح التعليل حينئذ بعدم جواز نقض اليقين بالشك سواء كان مقصود زرارة من السؤال جواز الدخول في الصلاة او صحة الصلاة و الاجتزاء بها، و ان كان الظاهر هو الثاني، و كيف كان فهذا التعليل على هذا الاحتمال دليل على اعتبار الاستصحاب مطلقا و يتم الاستدلال بذلك على المختار، إلّا انه مع ذلك كله مخالف لظاهر الرواية، فان ظاهر هذه الفقرة في حد نفسها، و بمقتضى اتحاد سياقها مع الفقرة السابقة و هي قوله: «فلما صليت وجدته» ان المراد من قوله: «ثم صليت فرأيت فيه» هو الاعتقاد بان المرئي بعد الصلاة من الدم عين ما كان مظنون الاصابة قبل الصلاة، فقوله فرأيت فيه بمقتضى وحدة السياق بمعنى وجدته، فيلائم مع الاحتمال الرابع.

و الحاصل ان هذا الاحتمال و ان كان فى حد نفسه خال عن الاشكال، و يكون التعليل على هذا دليلا على المختار إلّا انه خلاف الظاهر.

(الثالث) ان يكون المراد من قوله: (فلم أر شيئا) حصول اليقين بعدم الاصابة، مع كون المراد من قوله: (فرأيت فيه) حصول الشك بعد رؤية الدم في كونه من السابق او شي‏ء اوقع عليه، و هذا الاحتمال على تقدير تماميته ينطبق على قاعدة اليقين ايضا كما ينطبق على قاعدة الاستصحاب، لأن المفروض حصول اليقين بالطهارة من حيث البقاء، و سراية الشك اللاحق اليه، لما ذكر من احتمال كون الدم الذي رآه هو الذي تيقن بعدم اصابته قبل الصلاة، فتنطبق عليه قاعدة اليقين، و هذا اشكال يرد على الاستشهاد بهذه الفقرة للمدعي، بناء على هذا الاحتمال. نعم، تنطبق عليه قاعدة الاستصحاب ايضا، حيث انه حافظ لليقين‏

44

باصل الثبوت و قد شك في البقاء بعد الصلاة، لكنه لا يخفى عليك مع ذلك ما في هذا الاحتمال فانه كسابقه من حيث مخالفته للظاهر بل هو اكثر مخالفة منه و ذلك لانه مضافا الى كونه خلاف الظاهر من الجهتين السابقتين مخالف للظاهر من جهة اخرى، فان قوله: «فلم أر شيئا» ظاهر فى البقاء على الظن او الشك لا الاعتقاد بعدم الاصابة، و قوله: «فرأيت فيه» ظاهر فى وجدان ما ظن باصابته كما عرفت، فهذا الاحتمال ايضا لا يعتمد عليه.

«الرابع» عكس الثالث و هو ان يكون المراد من قوله: «فلم أر شيئا» هو البقاء على الظن أو الشك، كما هو الظاهر مع كون المراد من قوله: «فرأيت فيه» وجدان ما ظن باصابته سابقا. كما عرفت آنفا، و هذا الاحتمال هو اظهر الاحتمالات الاربعة كما لا يخفى، و لا ينطبق المورد حينئذ الا على قاعدة الاستصحاب، لأن المفروض عدم حصول اليقين بالطهارة من حيث البقاء و عدم طرو الشك بعد الصلاة فى اصل الثبوت فلا يتم الموضوع لقاعدة اليقين بل يتم موضوع الاستصحاب فقط نظرا الى انه كان متيقنا لاصل الطهارة و شاكا فى بقائها حين الدخول فى الصلاة فكان لا ينبغي له ان ينقض اليقين بالشك، هذا و لكن الحكم بعدم جواز نقض اليقين بالشك على هذا الاحتمال انما يصح اذا كان المفروض ان السائل انما سأل عن جواز الدخول فى الصلاة بتلك الحالة و عدمه لا صحة الصلاة و فسادها بعد الفراغ عنها كما هو الظاهر من مورد السؤال، و الا فرفع اليد عن اليقين السابق من جهة اليقين الآتي بعد الصلاة بتحقق النجاسة حالها ليس من نقض اليقين بالشك بل هو من نقض اليقين باليقين- كما لا يخفى- و حينئذ فلا يلائم التعليل مع مورد السؤال. نعم، يلائمه بعد ضم الكبرى الكلية المعلومة عند زرارة، او مدلولة عليها بدلالة الاقتضاء، و هي بحيث لو انضمت الى الصغرى المذكورة فى الحديث‏

45

صح التعليل المذكور و تم الاستشهاد بقاعدة الاستصحاب، فيقع الكلام حينئذ فى بيان تلك الكبرى المستفاد من مقتضى التعليل (فتارة) يحتمل ان تكون الكبرى هي قاعدة اجزاء الحكم الظاهرى عن الحكم الواقعي، و حيث ان الحكم بصحة الصلاة في مورد السؤال بمقتضى هذه الكبرى يحتاج الى احراز الحكم الظاهري فيه ليندرج فى صغرياتها، قد علل الامام (عليه السّلام) بالتعليل المذكور لاثبات الحكم الظاهري فى مورد السؤال بمقتضى الاستصحاب و يرد على هذا الاحتمال، انه- مع مخالفته لكلمات الاصحاب و القاعدة العقلية، فان العقل لا يرى وجها للاجزاء بعد انكشاف الخلاف و عدم الاتيان بالواقع- مخالف للاخبار فى كثير من الموارد الفقهية، بل اكثرها حيث لا يحكم فيها بالاجزاء بعد تبين الخلاف و (اخرى): يحتمل ان تكون الكبرى هى قاعدة كون الشرط في صحة الصلاة احراز الطهارة و لو تعبدا، او احراز عدم النجاسة كذلك حين الصلاة و ان كان يحتمل ايضا ان مبنى الصحة كون احراز النجاسة أو تنجزها مانعا عن صحة الصلاة، و لكن عليه يكون التعليل بتحقق موضوع الاستصحاب و اعتباره اجنبيا عن مناط الصحة الا بتكلف، و كيف كان فحيث ان هذه الكبرى انما تفيد صحة الصلاة فى مورد السؤال بعد اندراجه فى صغرياتها، علل الامام (عليه السّلام) بالتعليل المذكور لاثبات محرزية الطهارة او عدم النجاسة بمقتضى الاستصحاب هذا، و ينبغي الالتفات الى جهات في المسألة:

(الاولى): ان البحث هنا في وجه التعليل الواقع فى هذه الفقرة و بيان مناسبته مع مورد السؤال، و كيفية تطبيقها عليه بعد تعين احتمال الاخير من كون مورد السؤال هو صحة الصلاة و فسادها فى الفرض المذكور و هو العلم باصل الطهارة، ثم الظن بالنجاسة لاجل الاصابة. ثم القطع بعد الصلاة بوجود تلك النجاسة المظنونة حال الصلاة، بحث تطفلى لا حاجة اليه فى مقام الاستدلال بذلك التعليل على اعتبار

46

الاستصحاب مطلقا كما اشرنا اليه، فان التعليل المذكور لا يخلو اما ان يكون المراد منه قاعدة اليقين او الاستصحاب، و قد عرفت تعين الثاني فى الفرض المذكور، لعدم تمامية موضوع الاولى فقد حصل المطلوب من اعتبار الاستصحاب بقول مطلق بمقتضى التعليل، مضافا الى ما قد عرفت من دلالة الجملة الأخيرة المتضمنة لهذا التعليل ايضا على المطلوب، و من هنا يتضح ان ما ذكرناه من الاشكال فى تناسب التعليل مع مورد السؤال و انه انما يناسبه لو كان السؤال عن جواز الدخول فى الصلاة و عدمه لا صحتها بعد الفراغ و عدم الاعادة، ان لم يمكننا التفصي عنه، لا يضر بالاستدلال و لا يمنع عن حجية التعليل- كما لا يخفى- و ان كان ينبغى مع ذلك التعرض لوجه انطباق التعليل و تناسبه لمورد السؤال.

(الثانية): قد عرفت امكان التفصي عن الاشكال المذكور بضم الكبرى المدلولة عليها بدلالة الاقتضاء و هى تدور بين امور ثلاثة: (الاول): ان الشرط فى صحة الصلاة احراز الطهارة او احراز عدم النجاسة مطلقا سواء كان احراز وجدانيا او تعبديا. (الثاني): ان احراز النجاسة مانع عن صحة الصلاة، (الثالث): ان تنجز النجاسة حال الصلاة مانع عن صحتها، و اما احتمال كون الكبرى هى قاعدة اجزاء الامر الظاهرى فقد عرفت سقوطه لما عرفت مع انا نرى عدم انطباقها على جميع فروض المسألة- كما انه لو علم بعدم الاصابة و بقاء الطهارة حال الصلاة، ثم رأى الدم فى ثوبه بعد الصلاة، فانه يحكم بصحة صلاته، مع انه لا يكون فى المقام امر ظاهرى حتى يقتضي الاجزاء، حيث ان الحكم الظاهرى بناء على الالتزام به انما يتصور فى مؤديات الحجج الشرعية فى موارد الشك و لا يتصور فى موارد القطع، و المفروض هنا هو الثاني، و هذا كله بخلاف الاحتمالات السابقة، فان كل منها يلائم التعليل المذكور، و لا محذور فيه فى حدّ نفسه.

47

اما (الاحتمال الاول) و هو اشتراط صحة الصلاة باحراز الطهارة، فتناسبه مع التعليل من جهة ان التعليل المذكور يرشد الى اندراج مورد السؤال فى صغريات هذه الكبرى المفادة بدلالة الاقتضاء فتكون النتيجة بعد ضم المقدمتين، الصحة و عدم الاعادة، فكان الامام (عليه السّلام) اجاب عن سؤال زرارة عن صحة الصلاة و عدم الاعادة بالشكل الاول من اشكال القياس و كانه قال: (يا زرارة انك كنت محرزا للطهارة حال الصلاة، و كل من كان محرزا للطهارة حال الصلاة فصلاته صحيحة و لا يجب عليه الاعادة فانت يا زرارة صحت صلاتك و لا يجب عليك الاعادة) و اما عدم المحذور فى هذا الاحتمال في حد نفسه فلان المحذور المحتمل ليس الا اخذ العلم و الاحراز فى موضوع الحكم الشرعى، و قد حقق فى محله ان الممتنع هو اخذ الاحراز المتعلق بحكم فى موضوع ذلك الحكم اما بجعله تمام الموضوع، كما اذا جعل العلم بحرمة الخمر تمام الموضوع لحرمة الخمر او دخيلا فى الموضوع شطرا او شرطا كل ذلك لاستلزامه الخلف و تقدم ما هو متاخر و لا فرق فى امتناع هذا الفرض بين كون العلم المأخوذ فى الموضوع على وجه الصفتية او على وجه الكاشفية. نعم، هنا فروض أخر يمتنع فيها اخذ العلم فى الموضوع لجهات أخر، و ليس المقصود هنا شرح تلك الفروض و انما المقصود هو الاشارة الى عدم امتناع اخذ العلم المتعلق بحكم على وجه الكاشفية فى موضوع حكم آخر و بهذا الوجه تقوم مقام العلم جميع المحرزات التعبدية، و مقامنا من هذا القبيل فلا مانع من شرطية احراز الطهارة وجدانا او تعبدا فى صحة الصلاة و عدم لزوم الاعادة، بمعنى ان يكون اجتزاء الشارع بما فعله المكلف معلقا على تحقق احراز الطهارة او عدم النجاسة، و لا خفاء فى ان التعليل المذكور بعد ضم هذه الكبرى اليه فى مورد السؤال ينتج صحة الصلاة و عدم لزوم الاعادة.

و أما (الاحتمال الثاني): و هو كون الكبرى المدلولة عليها بدلالة الاقتضاء،

48

عبارة عن مانعية احراز النجاسة عن صحة الصلاة، فتناسبه مع التعليل المذكور من جهة اشارته الى عدم تحقق هذا المانع حال الصلاة في مفروض السؤال، بل الموجود ضده، و هو احراز الطهارة بمقتضى الاستصحاب، فلا وجه لنقض اليقين بالشك الموجود حال الصلاة، فانه مستلزم لكون المانع عن صحة الصلاة النجاسة الواقعية و هو خلاف الفرض هذا و لكنه مع ذلك لا يخلو عن التكلف كما تقدم.

و أما (الاحتمال الثالث): و هو كون الكبرى مانعية تنجز النجاسة عن صحة الصلاة، فوجه تناسبه مع التعليل المذكور، ما عرفت آنفا من كونه مشيرا الى عدم تحقق هذا المانع حال الصلاة، فان النجاسة الواقعية المنكشفة بعد الصلاة لم تكن منجزة حال الصلاة لعدم احرازها، بل المحرز عدمها، فلا وجه لنقض اليقين السابق و رفع اليد عن آثاره، و لكن هذا الاحتمال كسابقه لا يخلو عن التكلف و كيف كان فقد ظهر مما ذكر ان التعليل المذكور يصح مع كل من هذه المحتملات و يرتفع عنه الاشكال، و ان كان الاوفق بمضامين الحديث هو الاحتمال الاول الخالي عن التكلف، و لكن الاوفق بالاخبار الواردة الدالة على صحة الصلاة في النجس في بعض فروع المسألة و كذلك الا وفق بفتاوي الاصحاب في الموارد الخاصة بصحة الصلاة الواقعة كذلك: هو الوجه الاخير، و هو كون المانع عن صحة الصلاة تنجز النجاسة لا غيره، و كيف كان، فهذه المحتملات الثلاثة ربما تتحد فى النتيجة- كما اذا صلى فى النجس مع العلم بالنجاسة- فانه يحكم ببطلان صلاته مطلقا سواء قلنا بشرطية احراز الطهارة أو مانعية احراز النجاسة، أو مانعية تنجز النجاسة، و ذلك لتحقق الاخيرين و عدم تحقق الاول و قد تختلف في النتيجة- كما اذا صلى صلاتين فى ثوبين مع الغفلة بعد ما علم اجمالا بنجاسة أحدهما و طهارة الآخر- فانه لو قلنا بان المعتبر فى صحة الصلاة احراز الطهارة، أو قلنا بان المانع هو احراز النجاسة، كان مقتضى ذلك بطلان‏

49

احدى الصلاتين و صحة الاخرى، و ذلك لأن المفروض احراز الطهارة في احداهما و احراز النجاسة فى الاخرى، و اما ان قلنا بان المانع هو تنجز النجاسة، كان مقتضى ذلك بطلان كلتا الصلاتين، لان مقتضى تنجز النجاسة المعلومة بالاجمال، لزوم الاجتناب عن كلا الثوبين، و لكنه لا يخفى مع ذلك عدم ترتب الثمرة على هذا الاختلاف، لاتحاد الفروض الثلاثة فى لزوم الاعادة و عدم الاجتزاء بما اتى به من الصلاتين، أما على المحتمل الاخير فلما عرفت آنفا، و اما على المحتملين السابقين فللعلم الاجمالي ببطلان احدى الصلاتين، و مقتضى ذلك لزوم اعادة كلتا الصلاتين في المختلفتين، او اعادتهما أو اعادة واحدة بقصد ما فى الذمة فى المتفقتين- كما لا يخفى- و كيف كان فقد عرفت انه بعد امكان تقدير كل من المحتملات الثلاثة كبرى لمورد التعليل، فالاوفق بفقرات الحديث تقدير المحتمل الاول و جعل الكبرى المقدرة هي اعتبار احراز الطهارة فى صحة الصلاة و عدم لزوم الاعادة، و لكن الاوفق بفتاوي الاصحاب و ظواهر الاخبار الواردة الدالة على صحة الصلاة الواقعة فى النجس مع عدم العلم بالنجاسة سواء كان مع حجة على الطهارة بوجه أو مع الغفلة عنها، هو تقدير الوجه الاخير و جعل الكبرى المقدرة هى مانعية تنجز النجاسة عن صحة الصلاة.

(الثالثة): انه لو قلنا بان المصحح للصلاة فى موارد الجهل بالنجاسة هو احراز الطهارة فهل الاجتزاء و عدم الاعادة فى موارد الاحرازات التعبدية أو الوجدانية المخالفة للواقع يكون من باب اكتفاء الشرع و اجتزائه بالناقص عن التام، حيث ان الشرط في الصحة في نفس الامر هي الطهارة الواقعية و لكن لما اخل بها عن عذر و هو احرازها المخالف للواقع اجتزأ به الشرع عن الصحيح التام فمعنى صحة المأتيّ به حينئذ هى الاجتزاء و عدم لزوم الاعادة، أو يكون من باب التوسعة فى الشرطية، بان يقال ان المستفاد من الاخبار الدالة على عدم لزوم الاعادة و كذلك فتاوى‏

50

الأصحاب كون الشرط نفس الاحراز سواء كانت هناك طهارة في الواقع أو لم تكن؟

الذي يقتضيه التحقيق و التأمل فى موارد الاخبار هو الاول، و لا يختص ذلك بمحل الكلام، فان الاجتزاء بالناقص عن التام في مختلف ابواب الفقه ليس بعزيز، و ربما يورد على الوجه الثاني بانه لو قلنا بشرطية الاحراز لصحة الصلاة دون الطهارة الواقعية فكيف يجري استصحابها و يتعبد ببقائها من حيث الجري العملي فى مورد الشك مع ان الشرط المصحح لجريان الاستصحاب كون المستصحب أثرا شرعيا أو موضوعا للاثر الشرعي و كلاهما مفقودان حينئذ اما (الاول) فلان الطهارة الخبثية مطلقا و لو فيما فرضت شرطا للصحة بنفسها ليست أثرا شرعيا و انما هي موضوع للاثر الشرعي فلا يصح استصحابها إلا بلحاظ الأثر الشرعي المترتب عليها، و اما (الثانى) فلأن المفروض كون الموضوع للاثر الشرعى في مقامنا هو الاحراز لا نفس الطهارة، فلا وجه حينئذ لجريان استصحاب الطهارة المتيقنة سابقا. و اجيب عن ذلك (تارة) بان احراز الطهارة شرط لصحة الصلاة فى خصوص ما اذا لم تكن موجودة في الواقع، و اما في موارد تحققها فى الواقع فالشرط للصحة هو وجودها الواقعي لا احرازها الموجود، فلا مانع حينئذ للاستصحاب و (اخرى): بان الشرط للصحة هو الاحراز الخاص، و هو الاحراز المضاف الى الطهارة، بحيث يكون التقيد داخلا و القيد خارجا، لا مطلق الاحراز، و هذا المقدار من دخالة الشي‏ء في الاثر الشرعي كاف فى جريان الاستصحاب، و لا يعتبر كونه تمام الموضوع للاثر الشرعي فاستصحاب الطهارة انما يجري بلحاظ دخالة المستصحب بهذا المقدار فى الموضوع للاثر الشرعي و هو الاحراز المترتب عليه صحة الصلاة. هذا: و انت خبير بان هذه كلها تكلفات يسلم عنها الوجه المختار من اشتراط نفس الطهارة الواقعية فى صحة الصلاة و ان الصحة في موارد الاخلال بها عن عذر انما هي باب اكتفاء الشرع بالناقص‏

51

عن التام، هذا مضافا الى ان التحقيق- كما يأتى في محله- أن الطهارة الخبثية و النجاسة كالطهارة الحدثية و الحدث كلها من المجعولات الشرعية الوضعية.

و كيف كان، فقد تحصل مما ذكرناه في هذه الجهة، انه قد وقع الخلاف في وجه الجمع بين الأدلة الدالة على صحة الصلاة الواقعة في النجس في صورة الغفلة و الجهل بالنجاسة، و كذلك فتاوي الاصحاب و بين ما دل بظاهره على اعتبار نفس الطهارة الخبثية كالحدثية فى صحة الصلاة، و قد ظهر لك ان هذا البحث و الاختلاف لا يختص بهذا الباب بل هو جار في مطلق موارد الاخلال ببعض الاجزاء و الشرائط مع الحكم بصحة العمل بمقتضى الاخبار و فتاوي الاصحاب و قد عرفت ان الوجوه المحتملة في مقام التوفيق ثلاثة. (الاول): اشتراط احراز الطهارة فى صحة الصلاة سواء كان الاحراز علما وجدانيا أو احرازا تعبديا. (الثاني): مانعية احراز النجاسة عن صحة الصلاة، و قد عرفت انه لا محذور فى اخذ العلم في الموضوع في مثل الفرض. (الثالث): مانعية تنجز النجاسة عن صحة الصلاة، و قس على محل البحث سائر الموارد الملحقة به، و قد عرفت ان كلا من هذه الوجوه الثلاث يلائم التعليل المذكور فى الرواية على التفصيل المتقدم، و ان الذي يقتضيه التحقيق بملاحظة ظواهر الاخبار و فتاوي الاصحاب هو ان يقال في مقام التوفيق ان الحكم بالصحة في محل البحث و سائر الموارد المعطوفة عليه، انما هو من باب الاجتزاء و اكتفاء الشرع بالناقص عن التام لمصالح تقتضيه و لا محذور في الالتزام بذلك مضافا الى ما عرفت من توافقه لظواهر الأدلة و فتاوي الاصحاب ففي محل الكلام ليس الحكم بالصحة إلا من هذا الباب، و إلا فالشرط فى الصحة بملاحظة ظواهر الاخبار نفس الطهارة الواقعية فتدبر، و كيف كان، فقد عرفت تمامية دلالة الرواية المذكورة- و هى المضمرة الثانية- على اعتبار الاستصحاب مطلقا.

52

و أما الصحيحة الثالثة لزرارة (رضوان اللّه عليه)

قال: «قلت له (عليه السّلام): من لم يدر في اربع هو أم في ثنتين فقد احرز الثنتين؟ قال (عليه السّلام): يركع بركعتين و أربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهد و لا شي‏ء عليه ثم قال (عليه السّلام): و اذا لم يدر في ثلاث هو أو في اربع و قد أحرز الثلاث، قام فاضاف اليها ركعة اخرى و لا شي‏ء عليه و لا ينقض اليقين بالشك و لا يدخل الشك في اليقين، و لا يخلط أحدهما بالآخر و لكنه ينقض الشك باليقين و يتم على اليقين فيبني عليه و لا يعتد بالشك في حال من الحالات» (1) و محل الاستشهاد و مورد الاستدلال من هذه الصحيحة على القول باعتبار الاستصحاب مطلقا قوله (عليه السّلام): «و لا ينقض اليقين بالشك» فان هذه الفقرة و لو بقرينة سائر الأخبار لا تخلو عن ظهور في ارادة الاستصحاب، فلا تقصر عن إثبات اعتبار الحالة السابقة، و بهذا المقدار يمكن الاكتفاء في مقام الاستشهاد بها أو الاعتضاد، لكنه مع ذلك ربما يناقش في دلالة هذه الفقرة المذكورة على ارادة الاستصحاب، بان ارادة ذلك من قوله (عليه السّلام): (و لا ينقض اليقين بالشك) و تطبيق المورد عليه موقوف على كون المراد من اليقين هو اليقين بعدم الاتيان بالركعة الرابعة المتحقق قبل زمان الشك، و معنى عدم نقضه بالشك هو البناء على عدم الاتيان بها، و مقتضي ذلك لزوم الاتيان بالركعة الرابعة موصولة لا مفصولة- كما في صورة عدم الشك- و هذا خلاف ما قام عليه اجماع الامامية من كون وظيفة الشاك فى مثل الفرض- و هو الشك فى عدد الركعات بعد احراز الثلاث- هو البناء على الاربع و الاتيان بالركعة المفصولة، فلا بد حينئذ اما من حملها على التقية لتوافق ظاهرها لمذهب العامة من الاتيان بركعة موصولة، أو حملها على كون المراد من اليقين هو اليقين بالبراءة، باداء الوظيفة على الكيفية المقررة شرعا في باب الشك في عدد الركعات و هي الاتيان‏

____________

(1) الوسائل الباب- 11- من ابواب الخلل الواقع في الصلاة: حديث 3.